 أقلام فكرية

حاتم حميد محسن: ماذا يعني ان نعيش حياة جيدة؟

حاتم حميد محسنسؤال ماهي "الحياة الجيدة" هو من أقدم الاسئلة الفلسفية، وجرى طرحه بطرق مختلفة – كيف يجب ان نعيش؟ ماذا يعني ان "تعيش جيدا"؟ - لكنه في الحقيقة يعني السؤال ذاته. بالنهاية، كل شخص يريد ان يعيش حياة جيدة، ولا أحد يريد "حياة سيئة". لكن السؤال لا يبدو كما هو عليه من البساطة. الفلاسفة سعوا الى توضيح التعقيدات المختبئة، وان مفهوم الحياة الجيدة هو من بين تلك المفاهيم التي تحتاج لشيء من التوضيح.

الحياة الأخلاقية The moral life

في الأساس، نحن نستعمل كلمة "جيد" للتعبير عن الموافقة الأخلاقية. لذا عندما نقول ان شخصا ما يعيش جيدا او انه عاش حياة جيدة، نحن ببساطة نعني انه شخص جيد، شخص شجاع، نزيه، جدير بالثقة، رقيق،غير أناني، كريم، نافع، مخلص، مبدئي وهكذا. هو يحوز ويمارس العديد من الفضائل الهامة، وهو لايمضي كل وقته في متابعة ملذاته الشخصية، هو يخصص جزءاً معينا من الوقت للنشاطات التي تفيد الآخرين، ربما من خلال مشاركته مع العائلة، الأصدقاء، او من خلال العمل او مختلف النشاطات الطوعية.

هذا التصور الأخلاقي للحياة الجيدة كان له الكثير من المناصرين. سقراط وافلاطون كلاهما أعطيا أفضلية مطلقة للفرد الفاضل على الأشياء الاخرى التي يُفترض ان تكون جيدة كالمتعة والثروة والسلطة. في حوار جورجياس لإفلاطون، تبنّى سقراط هذا الموقف الى أقصى حد. هو يجادل بانه من الأفضل ان تعاني الظلم دون ان تمارسه، وان الانسان الجيد الذي اُقتُلعت عيناه وعّذّب حتى الموت هو أسعد حظا من الشخص الفاسد الذي استعمل الثروة والسلطة بشكل مخزي. في تحفته الرائعة "الجمهورية" يطور افلاطون هذا الجدال بتفاصيل أكثر. هو يرى، ان الشخص الجيد اخلاقيا، يتمتع بنوع من الانسجام الداخلي، بينما الشخص الشرير، لايهم كم هو ثري او ذو سلطة  او عدد المتع التي يتمتع بها، هو غير منسجم،ويعيش في تضاد مع نفسه والعالم. من الجدير ذكره، ان افلاطون في كل من حوار جورجياس والجمهورية يدعم حجته بتفكير تأملي عن الحياة بعد الموت التي يُكافأ بها الناس الفضلاء  بينما يُعاقب فيها الناس الأشرار.

العديد من الأديان تتصور الحياة الجيدة بعبارات أخلاقية كحياة تُعاش طبقا لقوانين الله. الفرد الذي يعيش بهذه الطريقة – يطيع الوصايا ويؤدي الطقوس الصحيحة – هو تقي. وفي أغلب الاديان، هذا التقي سيُكافأ. من الواضح ان العديد من الناس لايستلمون مكافئتهم في هذه الحياة. لكن المؤمنين التقاة واثقون ان تقواهم لن تذهب هباءً. الشهداء المسيحيون  ذهبوا يغنون لموتهم واثقون انهم حالا سيكونون في السماء. الهندوس يتوقعون ان قانون الفعل (law of karma) سيضمن ان افعالهم الجيدة ونواياهم ستنال الجزاء، بينما الافعال الشريرة والرغبات سوف تُعاقب اما في هذه الحياة او في حياة المستقبل.

حياة المتعة The life of pleasure

الفيلسوف اليوناني القديم ابيقور كان اول من صرح بوضوح ان ما يجعل الحياة تستحق العيش هو ممارستنا للمتعة. المتعة هي ممتعة، مرحة، انها جيدة وسارة. الرؤية بان المتعة هي الخير، او بكلمة اخرى،ان المتعة هي ما يجعل الحياة تستحق العيش، تُعرف بمذهب المتعة hedonism . ان كلمة متعة، عندما تطبق على الفرد، لها بعض الدلالات السلبية. انها تشير الى انها تتعلق بما يسمى المتع "الهابطة" مثل الجنس والطعام والشرب والإنغماس الحسي . اعتقد معاصرو ابيقور انه دعا ومارس هذا النوع من اسلوب الحياة، وحتى اليوم "الايبيقوري" هو شخص ما يمجد الطعام والشراب. لكن هذا يُعتبر سوء فهم للايبيقورية. ايبيقور بالتأكيد مجّد كل انواع الملذات. لكنه لم يطلب منا ان نفقد أنفسنا في الملذات الحسية وذلك للأسباب التالية:

1- ان عمل كهذا يقلل من متعتنا في المدى الطويل طالما الإنغماس المفرط يميل ليسبب لنا مشاكل وأضرار صحية وسيضع حدا لما نستمتع به.

2- ان ما يسمى المتع "العليا" مثل الصداقة والدراسة هي بنفس أهمية "متع الجسد".

3- ان الحياة الجيدة يجب ان تكون فاضلة. رغم ان ابيقور لم يتفق مع افلاطون حول قيمة المتعة ، لكنه يتفق تماما معه حول هذه النقطة. اليوم، يمكن القول ان تصوّر مذهب المتعة للحياة الجيدة يهيمن على الثقافة الغربية. حتى في كلامنا اليومي، عندما نقول ان شخصا ما  "يعيش حياة جيدة"، نحن ربما نعني انه يتمتع بالكثير من الملذات الترفيهية: طعام جيد،خمر جيد، التزحلق، الغوص، الاسترخاء في الشمس على ضفاف البحيرات مع طعام ورفيق جميل. ما هو أساسي في هذا التصور "الممتع" للحياة الجيدة هو انه يؤكد على التجربة الذاتية . في هذه الرؤية، لكي تصف فردا "بالسعادة" يعني انه "يشعر بالخير"، وحياة سعيدة تحتوي على العديد من احاسيس "الشعور بالخير".

الحياة السعيدة The fulfilled Life

اذا كان سقراط يؤكد على الفضيلة وابيقور على المتعة، فان مفكر يوناني كبير آخر وهو ارسطو ينظر الى الحياة الجيدة بطريقة اكثر فهما. طبقا لارسطو، نحن جميعنا نريد ان نكون سعداء.

نحن نقيّم العديد من الاشياء لأنها وسائل لأشياء اخرى. فمثلا، نحن نقيّم النقود لأنها تمكّننا من شراء الأشياء التي نحتاجها، نحن نقيّم الترفيه لأنه يعطينا وقت لمتابعة اهتماماتنا. لكن السعادة هي شيء ما نقيّمه ليس كوسيلة لغايات اخرى وانما لأجلها هي. انها ذو قيمة باطنية وليست كوسيلة.

لذا بالنسبة لارسطو، الحياة الجيدة هي حياة سعيدة. ولكن ماذا يعني هذا؟ اليوم، العديد من الناس يعتقدون اوتوماتيكيا وبعبارات ذاتية ان السعادة  بالنسبة لهم، تعني ان الناس يكونوا سعداء اذا تمتعوا بحالة ذهنية ايجابية، وان حياتهم تكون سعيدة اذا توفر لهم هذا في  معظم الأوقات.

هناك مشكلة تبرز في هذه الطريقة من التفكير حول السعادة. لو تصوّرنا ساديا قويا يمضي الكثير من وقته في إشباع رغباته الوحشية. او شخصا كسولا يهتم فقط في التدخين والكحول ولايعمل اي شيء سوى مشاهدة التلفزيون وممارسة العاب الفيديو . هؤلاء الناس ربما لديهم المزيد من التجارب الذاتية الممتعة. ولكن هل من الجائز ان نصفهم  بانهم يعيشون " جيدا"؟ ارسطو بالتأكيد سيقول كلا. هو يجادل مع سقراط انه لكي يعيش حياة جيدة يجب على المرء ان يكون شخصا جيدا اخلاقيا. وهو يوافق مع ابيقور بان الحياة السعيدة  تستلزم العديد من التجارب الممتعة المتغيرة. نحن لا نستطيع حقا القول ان شخصا ما يعيش حياة جيدة اذا كان تعيسا باستمرار او لديه معاناة مستمرة. لكن فكرة ارسطو حول ما تعنية الحياة الجيدة هي موضوعية بدلا من ذاتية. انها ليست فقط مسألة كيف يشعر الفرد من الداخل، رغم أهمية ذلك. من المهم ايضا تلبية ظروف موضوعية معينة. فمثلا:

1- الفضيلة: يجب ان يكون الافراد فضلاء أخلاقيا.

2- الصحة: يجب ان يتمتعوا بصحة جيدة وحياة طويلة .

3- الرفاهية: يجب ان يكونوا في وضع مالي مريح  (بالنسبة لارسطو هذا يعني وفرة كافية من المال لكي لايضطروا مكرهين على اختيار شيء ما لأجل المعيشة)

4- الصداقة: يجب ان يكون لدى الافراد أصدقاء جيدين. طبقا لارسطو ان الانسان هو اجتماعي بالفطرة، لذا فان الحياة الجيدة لايمكن ان تكون كحياة الناسك او المنعزل او الكاره للمجتمع.

5- الاحترام: يجب ان يتمتع الافراد باحترام الآخرين. ارسطو لايعتقد بضرورة الشهرة او المجد ، في الحقيقة، التوق للشهرة يمكن ان يقود الناس الى الضياع، مثلما تفعل الرغبة المفرطة باكتساب الثروة. لكن من الواضح، ان صفات الفرد وانجازاته سيُعترف بها من الآخرين.

6- الحظ: هناك حاجة للحظ الجيد. أي حياة ستكون غير سعيدة اذا تعرضت لخسارة مأساوية او مصيبة. 

7- المشاركة: يجب ان يمارس الافراد  طاقاتهم و قدراتهم الانسانية المتميزة . هذا يفسر لماذا الفرد الكسول لا يعيش جيدا، حتى عندما يخبر الاخرين عن قناعته ورضاه . ارسطو يجادل ان ما يميز الكائن البشري عن الحيوانات هو العقل. لذا فان الحياة الجيدة هي تلك التي يربّي فيها الفرد  ويمارس قدراته العقلانية عن طريق المشاركة بأشياء مثل تحقيق علمي، نقاش فلسفي،إبداع فني،او تشريع. واليوم ربما تُضاف  بعض أشكال الابتكارات التكنلوجية.

اذا كان الفرد في نهاية حياته يستطيع تدقيق كل تلك المعايير المذكورة اعلاه عندئذ يمكنه الادّعاء انه عاش حياة جيدة. بالطبع،الغالبية العظمى من الناس اليوم لاينتمون الى الطبقة المرفهة كما فعل ارسطو. هم عليهم ان يعملوا لكي يعيشوا. لذا فان الناس الذين هم قادرين على متابعة حوافزهم الداخلية الحقيقية هم عموما يعتبرون محظوظين جدا.

الحياة الهادفة The meaning Life

هناك بحث جديد يبيّن ان الناس الذين لديهم اطفال ليسوا بالضرورة اكثر سعادة من الآخرين الذين هم بلا اطفال. في الحقيقة، اثناء سنوات تربية الاطفال، وبالذات عندما يصبح الاطفال مراهقين،يصبح لدى الآباء اقل مستوى من السعادة وأعلى مستوى من القلق والتوتر. ولكن حتى عندما يتسبب الأطفال بعدم سعادة آبائهم ،لكنه يبدو فعلا ذلك يعطي آبائهم  احساسا ان حياتهم اكثر معنى.

بالنسبة للعديد من الناس، رفاهية العائلة، خاصة أطفالهم وأحفادهم هو المصدر الرئيسي لهدفية الحياة. هذه االحالة  تعود بعيدا الى الماضي. في العصور القديمة،تعريف الحظ الجيد كان ان تمتلك الكثير من الاطفال.

ولكن من الواضح، ربما هناك مصادر اخرى لهدفية حياة الفرد. كأن تكون على سبيل المثال متابعة عمل معين بتفاني كبير، مثل بحث علمي،إبداع فني، او برنامج دراسي . كذلك ربما تكون انغماس تام  مع جماعة معينة مثل الكنيسة، فريق كرة القدم،او المدرسة.

الحياة المنتهية

اليونانيون القدماء لهم حكمة تقول: لا تسمي احدا سعيدا حتى يموت. لوقت معين قد يبدو الفرد يعيش حياة جميلة، وقادرا على فحص المعايير أعلاه – الفضيلة، الرفاهية،الصداقة، الاحترام، المعنى. ولكن في النهاية يتم الكشف عن أشياء غير التي كنا نعتقد بها. مثال على ذلك جيمي سافيل Jimmy Saville الشخصية التلفزيونية البريطانية الذي كان معجبا جدا بحياته ولكن بعد موته تم الكشف عنه كمفترس جنسي . حالة كهذه تُظهر المزايا الكبرى للفكرة الموضوعية بدلا من الفكرة الذاتية لمعنى الحياة الجيدة. جيمي سافيل ربما تمتع بحياته، ولكن بالتأكيد لا نريد القول انه عاش حياة جيدة. الحياة الجيدة الحقيقية هي المرغوبة جدا والمدهشة في جميع او معظم الطرق الموضحة أعلاه.

 

حاتم حميد محسن

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5496 المصادف: 2021-09-22 03:16:24


Share on Myspace