 أقلام فكرية

علي محمد اليوسف: كارل بوبر والثورة العلمية

علي محمد اليوسفتمهيد: عبر مراجعة سريعة في الاجابة عن تساؤل ربما لم يكن تقليديا هو هل مفهوم الثورة العلمية هو نفس مفهوم الثورة الاجتماعية والسياسية؟ وهل آليات قيام الثورات العلمية بماهي الاسلوب النوعي التجديدي نفسه في آليات تحقيق الثورات السياسية؟ هل الثورة في مصطلح الدلالة تعني الخروج على النمط السائد في خرق نظام تراكم الخبرة والبدء بتهديم كل القديم قبل انشاء مرتكزات ثورة معرفية وعلمية أوسياسية إجتماعية جديدة غير مسبوقة تبدأ من درجة الصفر في مغادرة تسوية ارضية تهديم الماقبل ومن ثم يعقبها بدء الشروع الجديد بالظهور؟ هل الثورة العلمية وغير العلمية تبدأ من مرحلة صفرية معرفية قديمة سابقة عليها والجديد لا يسبقه مرتكزتراكم خبراتي تجاربي قديم؟ وهل الجدل التخارجي بين ماهو قديم خبرة تراكمية وماهو جديد تصورات ونظريات وآليات تطبيقية لا وجود تمهيدي سابق عليه في انبثاق طفرة نوعية على شكل ثورة متجددة على الدوام؟ ثم اخيرا مالفرق بين الثورية الاختزالية للمراحل التطورية في إختلاف مجالات اشتغالها عن فرق النمو التطوري التقليدي البطيء المسار الذي لا تتخلله طفرات نوعية في مساره الرتيب يطلق عليها الانتقالات الجديدة؟

كارل بوبر ومفهوم الثورة

يرى بوبر أن تقدم العلم يتم سلسلة من التحولات أو الثورات التي تحدث بغير رابطة داخلية، ورفض كارل بوبر النظرية التقليدية التي ترى في التقدم العلمي خبرة تراكمية من المعارف وقال أن التقدم العلمي سلسلة من الثورات التي تقوم بهدم القديم بكل بناءاته ومعارفه وتعيد البناء عن طريق فروض جديدة دائما1.

تعقيب

- من المتعذر في نظريات التقدم العلمي تجاوز سلسلة الترابطات الداخلية التي ينتظم داخلها السائد القديم كتراكم خبرة معرفية يتوجب الثورة عليه باساليب هدم ثورية غير تقليدية نوعية تلغيه تماما. جاستون باشلار يعتبر نقطة الصفر في الشروع نحو بناء معرفة علمية جديدة تتجاوزها هي مرحلة بدئية تحمل معرفة صحيحة يمكنها رفد ما بعدها ولا يمكن إنكار تخطئتها بالكامل ومحاولة دفنها تحت تربة التسوية الارضية لانطلاق ثورة الجديد عليها..

- المعرفة تراكم خبراتي ينبني الجديد فيها على انقاض تهديم بعض ركائز تلك الخبرات التراكمية القديمة وليس جلهّا. التي كانت حقائق واقعية مسلم بصوابها وصحتها. لكن يبقى قديم المعرفة متداخلا بشكل وآخر متواصلا متسقا مع امتداد تخليق الجديد النوعي  من رحمه المتفاعل معه. الجديد في العلم والمعرفة لا يولدان من فراغ معرفي علمي غير تجانسي سابق عليهما.

-  كل بناء جديد يراد تشييده على بنى قديمة تجاوزها الزمن حضوريا هو شروع من منطلق ثوري نوعي على تجاوز البناءات القديمة وتبيان اسس تخلفها من منطلق إصطراعي غير جدلي، والبناء لا يقوم بغير هدي فروض  نظرية جديدة يضبطها ايقاع البناء الجديد في مقاربة النقد المقارن مع السابق القديم الذي توجبت الثورة عليه كونه اصبح حضورا خاطئا معرفيا وزمنيا.. الثورة بلا نظرية وآليات تهتدي بها هو نوع من الفوضوية المتمردة التي لا تعرف مستقبلها اين يكون وما حصيلة ما تقوم به على أنه ثورة علمية في مجال تخصصات العلوم الطبيعية أو ثورة علمية إجتماعية في مجال العلوم الانسانية على حد سواء. لذا تكون ثورية صدق الثورة في مختلف مناحي الحياة لا يتحقق بقيامها والاعلان عنها بل في حاصل ناتج ما حققته من تبديل وتغيير لبنى استهلكت نفسها غادرتها الثورة عليها.

- تراكم الخبرة التي لا يعيرها بوبر إهتمامه الجدير بها هي ليست مثل تراكم رصف رفوف من الكتب النظرية الموضوعة في مكتبة لا تحرك ساكنا من غير ارادة الانسان بعث الحياة فيها. تراكم الخبرة فعالية مستمدة من واقع الحياة وتعود له بتكرار نوعي متجدد على الدوام. تراكم الخبرة هي خلق حياة جديدة بارادة قبلية انسانية لها أو بغيرها. ولا يمكن لثورة في مجال العلم وحتى في مجال السياسة وعلوم الانسانيات والسيسيولوجيا لا تقوم على سلسلة من الخبرات التراكمية التي ينتظمها رابط متسلسل من المسار الخطّي حتى لو كان ذلك المسار خاطئا.

تراكم الخبرة التي يتجاوزها الزمن هي في بعضها مرتكزات بنيوية الجديد. في حال افتراضنا تراكم الخبرة القديمة التي  تتكون من عدة روابط داخلية وموضوعية تجعل منها خبرة نسقية منتظمة حتى لو كانت مجدبة خاوية المضمون والمعنى تماما في محصلتها النهائية قياسا لما سيعقبها من تجديد فهي تمثّل تخليقا مساهما في ولادة تجديد الثورة عليه.

- كل صحيح يولد من رحم قديم بغض النظر عن اللاحق الذي يتجاوزه أفضل منه أو أسوأ منه. ولا فرق أن يكون التجديد هو ردة رجعية الى الوراء بالقياس مع القديم السائد. فهذه من طبائع الثورات التجديدية والسبب في أن كل تجديد نوعي يسبق الوعي الجمعي المتمسك بالقديم دوما.

الحياة لا تتقدم باضافة الجديد الصائب على جديد قديم كان يجانسه الصواب غير المتقاطع معه بل بالحتم يجب لكي يكون الجديد جديدا عليه مفارقة قديم متخلف خاطيء عليه يسبقه بالمقارنة المعيارية التجانسية مع الجديد وإلا فما معنى الجديد إذا لم يكن يحتوي رفض القديم الخاطيء في مقارنة معيارية بينهما؟ وما معيار تقدمية الجديد سوى مقارنته مع تخلف القديم؟ الحياة التي يراد الثورة عليها هي التي تخلق نقيضها الجديد وليست الرغبة والارادة لها في إعطاء البديل من دون توافر عوامل وظروف موضوعية تجعل من افكار وقيم التجديد حالة من فقدان الحضور في وجوب إحداث التغييرات المطلوبة على قديم إنتهى وجوده الحضوري بالحياة.

كارل بوبر والثورية

يعترف بوبر بوجود صراع خفي يحكم مناحي الحياة لكنه لا يصفه بالصراع الجدلي كما في الفهم الماركسي التقليدي في اصطراع الاضداد في انتاج الظاهرة الجديدة المستحدثة وإن كان بوبر يعتمد منطلقات ماركسية نمر عليها لاحقا بلا ادنى تحفظ عنده اذا ما كانت تقاطع بعضا من ارائه ومفاهيمه الفلسفية العلمية والاجتماعية. وإلا أين نضع تعبير بوبر هذا " لا بد للتقدم أن يكون ثوريا، وأن يكون شعاره حقا هو شعار ماركس الثورة على الدوام."2. هنا بوبر يعتمد الجدل الماركسي في تعاقب ولادة الثورات وانتهاء دورة حياة اولى لتعقبها ثانية وهكذا. وبهذا المنطق بوبر يعترف ضمنا أن تراكم الخبرة لا يزول تأثيره في تخليق ثورة التجديد.

هنا بوبر يعتمد مرتكز الثورة الجديدة يقوم على الغاء أي رابطة قديمة معها اولا. وثانيا البدء في الثورة التي يعقبها نوع من توالي سلسلة تعاقبية الثورات  المتمثلة بعدم إعتماد أي سابق عليها منطلق ارتكاز جديد من جهة، وفي إعتبار منهجية حرق المراحل في مساراتها هو الابداع الحقيقي في تخليق قيم جديدة تكون بدورها مراكز وثوب نحو سلسلة من ثورات التجديد اللاحقة عليها. الثورة تلغي ما قبلها في تناقض متضاد بين قطبين متجانسين ومتداخلين في تخليقهما إستحداث الظاهرة الجديدة..

هل الثورة رغبة وارادة في وجوب استمرارها على الدوام لمجرد أن تبقى تحمل تسمية ثورة بلا إمتداد غائي يسيّرها نحو تحقيق أهداف معينة تصلها؟ وهل لا يوجد قطوعات في مسارها الثوري تتوقف فيه أية ثورة مرحليا في مراجعة نفسها قبل إستيلادها بناء ثورة من مخلفات بنى ثورية قديمة كانت سائدة  سابقة عليها؟

هل مسار الثورة مسار تهديم لا ينتهي مرحليا في حصول نتيجة معرفية أو علمية أو سياسية تضع أهدافها موضع التطبيق المقبول.؟ إستمرار تقويض كل قديم هو الذي يعطي لكل ثورة مراحل متعددة تتكامل مع بعضها في نسق تجديدي يراد له الاستمراربالاضافة النوعية على الدوام بحكم الضرورة المستجدة.

إستدرك بوبر في محاولته وضع مقولة ماركس ضمن سياق تاريخي مقبول قائلا  يجب أن تكون الثورات (عقلانية) أي ليست الثورة عملية تقويض وتهديم متواصل مستمر لا يتوقف ولا يهتدي بنظرية وآليات تؤشر أمامه مرتكزات بنى ثورية الثورة في تطبيقات مسارها الصحيح وفي الوقاية من الانزلاقات نحو فوضوية تدميرية لا قرار ولا نهاية لها.

نص ما يقوله بوبر الثوري حول أهمية العقلانية في الثورة نجده" لا بد للثورات ان تكون عقلانية سواء اكانت النظرية الجديدة – حتى على صعيد العلم -  افضل من سابقتها أم لا "3. طبعا لا نقاش حول بديهية معرفية أن كل عمل يتسم بالثورية والتجديد يكون محكوما بمنطق العقل في وجوب التغيير.

عقلانية الثورة تقوم على ماذا؟ هل تقوم على التهديم والتقويض المستمر الذي لا يهتدي بنظرية تتصف بالعقلانية في التطبيق ومتابعة نتائج تجارب التطبيق وتحقيق النتائج المرجوة منها؟ الثورة في كل مجال بالحياة هي مجموعة أفكار نظرية ينتظمها نسق علمي عقلاني عملي تسير بهديه وإلا أصبحت الثورة فوضى لا تحمل وسائل تحققها ولا تحمل آفاق أهداف تروم الوصول لها حتى على مراحل متصاعدة يكمل سابقها لاحقها مراحليا وهكذا.

من الناحية النظرية العملية لا نقاش أن كل الثورات التي تحمل اهدافا تجديدية ثورية تطاول البقاء الافضل لا بد أن تكون متجاوزة قديما لم يعد صالحا للحياة. والاخطاء والارتكاسات والتراجعات التي ترافق بعض الثورات هي مسائل طبيعية الحدوث حتى لو لم تكن تسبقها ارادة ما يطلق عليه التكتيك الذي يسبق استئناف المسار الثوري الصحيح استتراتيجيا.

تجديد المسارات الثورية تختزل المراحل البطيئة المعرقلة في رغبة الوصول لاهدافها باقرب فرصة متاحة عقلانيا. هنا التراكم الذي تتجاوزه الثورة وتلغيه النظريات الثورية في العودة المستمرة الانتقالية من مرحلة متقدمة الى أخرى أكثر تقدما، لا يكون بالحتم والضرورة التراكم السابق عليه يشكل معوقات تعترض مسار تقدم وثبات التجاوز التجديدي المستمر بل يكون روافد إستفادة في مراجعة ألاخطاء وتصحيحها بضوء مقارن..

توماس كون والعلم

توماس كون فيلسوف معاصر في تاييده كارل بوبر رفضه هو الاخر الصورة النمطية القديمة "التي تضع التطور العلمي في الاطار التراكمي"4 ونجده متنكرا لهذه المقولة العلمية الصحيحة لكل من زميله كارل بوبر والجدل الماركسي نوضحها لاحقا.

اقام توماس كون اسس الانتقالات التطورية الثورية خارج الاطار التراكمي بعدة اسس نستعرضها مع بعض التعقيب عليها كلما إقتضى الامر.

1- "الواقعية بمعنى العلم محاولة لاكتشاف عالم واقعي واحد ثابت، وأن الصدق مستقل عن فكر الناس".5 

 الواقعية هي اكتشاف علم واقعي واحد ثابت. المراد بعلم واقعي واحد ثابت هو (مفهوم) علمي واحد لا يتقبل غيراملاءات العقل والتجربة العلمية المتطورة على الدوام. المفهوم مطلق غير متبلور تماما وليس (مصطلحا) متفقا ومجمعا عليه. هنا ثبات ما هو علمي يعني ثبات ما يقبله العقل، وفي العلم تخصصات لا يشملها ولا يحتويها الثبات لكنها علمية في حدود مقبولية العقل لها. حقائق التجربة العلمية ليست ثباتا علميا بل هي سلسلة من التغيرات الطارئة الواجبة على نسبية حقائق علمية كانت في مرحلة معينة مسّلم بثباتها في مقارنتها بماض انتهى وليس بمقارنتها بمستقبل قيد التصورات والصيرورة التنبؤية الدائمية..

العلم واحد على صعيد المفهوم أو القانون الطبيعي الثابت فعندما نقول الزمان واحد ثابت بمعنى هو مفهوم مطلق لا يتقبل الادراك التجاربي عليه في محاولة عبث إثبات عكس هذه الحقيقة في محاولة البرهنة الخاطئة ان الزمان هو غير كلية واحدة مطلقة لا يدركها العقل الانساني بدلالة جسم يحتويه زمن. ومثلها عندما نقول الجاذبية قانون علمي واحد بمعنى هو ثابت لا يتقبل النقض في بديل يعقبه ويلغيه. وعندما نقول فسلجة علم وظائف الاعضاء الدماغ علم واقعي واحد بمعنى لا يقبل النقض أن يكون غير كتلة رمادية داخل جمجمة الانسان والحيوان فهي كتلة ثابتة عضوية لكنها تقبل إجراء ما لا حصر له من حقائق جزئية تحسب على الدماغ في مراجعتها ونقدها إنما نتوخى ضرورة معرفية افتراضية غيرها. المفهوم هو مطلق ميتافيزيقي غائم يحتمل التأويلات الاختلافية وهو غير الشيء الانطولوجي المدرك تجريدا معرفيا. كل مصطلح متفق عليه هو جزء من مفهوم غير متفق عليه. ومرجعية الاتفاق على مصطلح أو مجموعة مصطلحات هو المفهوم الاشمل منها والذي يحتويها.

أما صدق كل حقيقة علمية وغير علمية لا تتوقف على قبول الناس لها أو رفضها فهي مقولة صحيحة تماما لا تحتاج برهان تحققها. فالحقيقة واقعة تفرض نفسها بالعقل والتجربة ولا مجال الطعن بمصداقيتها من قبل الناس حسب أهوائهم وأمزجتهم. فلغة العلم هي عبر كل الازمنة والعصورغير لغة الناس. والعلم وتفكير الناس يتقاطعان في ثبات صدقية تجارب العلم وتخلف تفكير الناس دوما.

2- "الفصل أي القول بالتمايز الحاد بين النظريات العلمية وبين غيرها من معتقدات".6 طبعا لا يمكن تصور تداخل النظريات العلمية مع المعتقدات الدينية والاجتماعية التي لها شأن آخر لا تقترب من منهج العلم الطبيعي التجريبي. لذا دائما ما تكون حقائق العلم خاصة وليست مجتمعية عامة يفهم أهميتها مجموع الناس التي وجدت من أجل خدمتهم. بل هي خاصية مجهودات فردية لعلماء في مختلف التخصصات.

3- " التراكمية : التطور المعرفي حسب توماس كون هو عملية اضافات حيث تضاف معارف جديدة الى معارف قديمة على نحو ميكانيكي وكانها اضافات عددية يكمل البناء باطراد"7. هذه العبارة تنسف جذريا مقولات زميله كارل بوبر التي ثبتناها في سطور سابقة بمرجعية توثيقها. ونحن كنا اشرنا توضيح صحة هذه المقولة العلمية التي جاءت متأخرة على تصحيح فكرة كارل بوبر.. الذي ينكر أن تكون هناك نسقية علمية في سلسلة ترابط لا يلغي الجديد خبرة التراكم القديمة.

4-  "النظريات النهائية استدلالية "8. بمعنى نسبية النظريات العلمية في حمولة امتلاكها الصواب والخطأ معا، فهي تمتلك قدرة الاستدلال التنبؤي السابق بغيرها القادم. ولا بد أن يكون لكل نظرية علمية آفاقا مستقبلية تتقبل النقد وتفتح قابلية الاستدلال بها على غيرها من حقائق علمية تكملها أو نوعية تتجاوزها.

5- "المفاهيم العلمية دقيقة ومحددة ذات معنى اصطلاحي ثابت"9 . الفرق بين المفهوم والمصطلح بصورة عامة هو أن المفهوم مطلق غير متحقق. المصطلح فقط له دلالة علمية قطعية ثابتة زمكانية. المفهوم لا يتحول الى مصطلح ثابت بل يكون هو أي المفهوم على الدوام مرجعية كل مصطلح. سبق لنا توضيح هذا في اسطر مررنا بها.

6- "في النظريات العلمية يوجد سياق للتبرير وسياق للاكتشاف. اي هناك تمايزا بين الملابسات النفسية او الاجتماعية للاكتشافات، وبين الاساس المنطقي لتبرير الاعتقاد في الوقائع المكتشفة ".10

دائما ما تحدث سياقات الاكتشافات العلمية خرقا كبيرا في سياق تقاطع التبريرالسيسيولوجي القائم على اختلاف معتقدات الناس وتقاطع اكتشافات النظريات العلمية معها ومع نفسيات واستيعاب تفكير وامزجة افراد المجتمع. والعلم غالبا ما يتحاشى التقاطع معها لكنه لا يعطي تنازلات لاخطاء مجتمعية متخلفة. فالمعتقدات الخاطئة معركة عوامل إعاقة في تضييع مجهودات العلم. لكن تبقى حقائق العلم تفرض نفسها بمرور الوقت بغض النظر عن تقاطع التبريرات المجتمعية لها وحتى رفضها.

مفهوم الثورة في العلم

يؤكد برنار كوهن جذورا تاريخية لمفهوم الثورة في العلم، حيث ومنذ ثلاثة قرون مضت يوصف التغيير العلمي بوصفه تتابعا في الثورات، وبعد قيام الثورة الفرنسية عام 1789 سيطر المعنى الجديد للثورة "اي التغيير الجذري البعيد عن الانماط التقليدية المقبولة من الفكر والاعتقاد والعقل والسلوك الاجتماعي أو التنظيم السياسي أو الاجتماعي"11

كما ويؤكد فلوريس كوهن "هناك اتجاهان مختلفان حول مفهوم الثورة في العلم، الاتجاه التراكمي، والاتجاه التغير والانتقال الثوري" 12

اشرنا سابقا الى أن الاتجاه التراكمي يقوم على سلسلة ترابط الخبرة التراكمية القائمة على وسائل اضافات علمية وخبرات جديدة وتحسينات مستمرة لما سبق وكان مراحل من مسلمات علمية سادت فترات زمنية قبل حلول إندثارها وتجاوزها بعد أن كانت لا يطالها الشك والنقد من قريب أو بعيد. وهذه النظرية على خلاف أفكار كارل بوبر في فلسفة العلم لها العديد من الفلاسفة المؤيدين لهذه النظرية.

وفي تاكيد تاريخية هذا الاتجاه في فلسفة العلم ظهر في ثلاثينيات القرن التاسع عشر الفيلسوف وليم هيول 1866 – 1794 في كتابته سفر فكري تنظيري في فلسفة العلم يقع في ثلاثة مجلدات بعنوان " تاريخ العلوم الاستقرائية  وفلسفة العلوم الاستقرائية " حيث يرى "أن تقدم العلم يتم عن طريق التعميم المتوالي من الحقائق الجزئية الى الحقائق العامة بحيث لا يسقط الحقائق القديمة أبدا، بل يتم تعديلها عن طريق الاكتشافات المتتالية بحيث تصبح جزءا من المعرفة لا تلغي ولا تعارض الحقائق القديمة لكن تمتد ويتوسع فيها. وربما يظهر كل عام تاريخ من تتابع الثورات الذي هو في حقيقته سلسلة من التطورات" 13

وأظهر بيير موريس دوهيم 1866- 1916 تاكيده معارضة الوضعية المنطقية، أن النظرية العلمية لا تفسر فقط، بل وتصف القوانين التجريبية، واهم إنعطافة فلسفية جاء بها هو العلاقة الترابطية التخارجية بين التجربة العلمية والنظرية. اذ إعتبرهما دعامة كل ثورة تقدمية علمية في تخارج معرفي متبادل بين النظرية والتطبيق الذي يعتمد التجربة المتحقق منها. وبغير هذا الترابط في إعتماد هداية النظرية وقيادتها التجربة  تسقط إحداهما أو كلاهما في مطب الخطأ القاتل." 14. وهاجم بشكل محدد الفكرة القائلة أن العلم يتطور عن طريق سلاسل من الاكتشافات المفاجئة غير المتوقعة، مؤكدا أهمية تراكم الخبرة العلمية ودورها الكبير في استحداث كل تجديد.

أما أصحاب إتجاه التغيير الجذري في فلسفة العلم، فقد ذهبوا الى "أن الثورة بالعلم تتضمن كل الانفصال السابق بالعلم، والتحول الى نظام ونسق جديد مختلف تماما بالخروج على كل قديم مالوف. والثورة بالعلم تعني تقدما مكثفا شديد الفعالية. وانتقال جذري من مرحلة الى اخرى اعلى منها. وابرز علمين وفيلسوفين رفعوا راية هذا الاتجاه هما كارل بوبر وتوماس كون.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

........................

الهوامش:

فلسفة اللغة عند نعوم تشومسكي، د. هناء صالح.

1 – 14 اقتباسات نصية من الصفحات 57 – 61.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5500 المصادف: 2021-09-26 03:43:40


Share on Myspace