 أقلام فكرية

حاتم حميد محسن: أصل الحكومات وأوهام الديمقراطية

حاتم حميد محسنكل دولة مستقلة ذات كيان سياسي تتألف من أربع خصائص رئيسية؟:

1- حكومة او نظام  لخلق وفرض القوانين.

2- مجموعة من السكان تقطن مساحة محددة مع ما تشهده من تغيرات في نسب الولادة والوفيات والهجرة والنزوح.

3- الاقليم او المنطقة الجغرافية التي تدّعي بها الدولة.

4- السيادة او السلطة النهائية للدولة التي تحكم بها نفسها بدون تدخّل خارجي من قوى او حكومات.

مفردة القطر او الدولة عادة تُستعمل بشكل متبادل ولها نفس المعنى العام. لكن حتى لو كانت الامة والقطر ايضا يُستعملان بشكل متبادل، لكنهما في الحقيقة مختلفان في المعنى ويجب ان لايحصل بهما أي التباس. الامة هي مجموعة من الناس لها نفس الثقافة والدين والتقاليد واللغة. احيانا الامة تصبح دولة تشكّل دولة قومية. مثال على ذلك فرنسا واليابان. بعض الامم لا تمتلك اقليما ذو سيادة. فمثلا، الكرد وهم جماعة أثنية كبيرة تعيش في أجزاء من تركيا وايران والعراق وارمينيا وسوريا، لايمتلكون سيادة على اقليم خاص بهم. لهم وطن تقليدي لكن ذلك الوطن مشتت بين تلك الدول الخمس، وهم يعيشون طبقا لقوانين تلك البلدان وليس القوانين الخاصة بهم.

أصل الحكومات

هناك أربع نظريات رئيسية في أصل الحكومة:

1- النظرية التطورية evolutionary theory

وطبقا لهذه النظرية فان الحكومة نشأت بالأصل من عائلة او هيكل مرتبط بعشيرة، يمكن ان يوضح أول الهياكل السياسية في العالم. هذه الحكومات المبكرة والمتكونة بشكل رخو كانت نتيجة الإنتقال من مجتمعات الصيد وجمع البذور الى مجتمعات زراعية أكثر استقرارا. وعندما اتّحدت العوائل لتكوّن عشائر وهذه العشائر اتّحدت لتكوّن قرى، عندئذ برزت الحاجة الى قادة وهيكل تنظيمي مركزي للمساعدة في تقرير كيفية معالجة القضايا الجديدة الغير مألوفة مثل حق المياه في ري المحاصيل وتوزيع الموارد الاخرى. هؤلاء القادة ايضا يوفرون احساسا متزايدا بالأمن والآمان للمجتمع. في العديد من المجتمعات القديمة، برزت أول الدول التي طورت ملكيات ذات حكم مرتكز على العضوية في عائلة حاكمة. في العصور الحديثة، استمرت بعض الحكومات لتُقاد بسلسلة متعاقبة من الأعضاء من نفس العائلة. فمثلا، في المملكة السعودية، بقي الملك الذي ينحدر من عائلة السعود منذ عام 1744.

2- نظرية القوة:

وهي الفكرة بأن الحكومة تنشأ من إحكام السيطرة على الدولة بالقوة وهي عادة ما توجد في الدكتاتوريات – وهو نوع من الحكومة يتميز بحكم شخص واحد او حزب سلطوي واحد. تاريخيا، هذا تحقق في بعض الحالات من خلال الغزو العسكري او الفساد عندما يسيطر الناس او الدولة الأكثر هيمنة  على النظام السياسي للناس او الدولة الأقل قوة، يفرضون نظام حكومتهم على تلك الجماعة. الحكومات الجديدة يمكنها ايضا ان تتكون بالقوة من خلال الثورات او الانقلابات العسكرية . الانقلاب هو اطاحة بالحكومة القائمة، والقائد الجديد او الدكتاتور عادة يكون شخصية عسكرية. مثال على ذلك حدث في كوبا عام 1959 عندما هزم فيديل كاسترو ومعه قوة صغيرة من العصابات الجيش الوطني وسيطروا على الحكومة. في بعض الحالات، تأخذ الحكومات المتكونة بالقوة خصائص الملكية، مع سلطة حكومة تنتقل نزولا ضمن عائلة الدكتاتور. مثال على ذلك نظام كم في شما كوريا وبعض الأنظمة العربية.

3- نظرية الحق الالهي:

وفيها تنشأ الحكومة بسلطة مخولة للفرد من الله. وبشكل عام، الحكومات من هذا النوع هي الحكومات التي يقودها الملوك. هذه النظرية جرى اتّباعها في الأزمنة القديمة بما في ذلك المصريين والمايا. فكرة الحق الالهي شهدت انبعاثا في اوربا الغربية في القرنين السادس عشر والثامن عشر الميلاديين، عندما زعم الملك جيمس الاول في انجلترا  والعديد من الملوك الفرنسيين وحكام آخرين  ان سلطاتهم جاءت من الله وبهذا لايمكن تحدّيها. قياصرة روسيا مثل (بيتر الأكبر) اعتقدوا ان سلطاتهم معطاة من الله وانهم استخدموا سلطاتهم للحصول على الاقاليم وتمويل الحروب وفرض الضرائب على رعاياهم.

4- نظرية العقد الاجتماعي:

 وهذه كانت نتيجة قرون من الإحباط تجاه سلطة الملوك المتزمتة. وفق هذه النظرية تُعتبر الحكومة  نوعا من العقد فيه اولئك الذين في السلطة لهم مسؤولية تجاه المحكومين، والمحكومين يحترمون سلطة الافراد الحاكمين. هناك عدة نسخ من نظرية العقد الاجتماعي تتراوح من التأكيد على الحفاظ على النظام الاجتماعي السلمي الى التركيز على استخدام رغبة الافراد الحرة في تقرير ما هو أفضل للصالح العام، او ما يفيد كل المجتمع. ومع ان نظرية العقد الاجتماعي فيها اختلافات كبيرة، لكن في جوهرها هي الفكرة بان الحكومة عبارة عن اتفاق بين المحكومين وحكامهم. مؤسسو الولايات المتحدة اعتمدوا بقوة على نظرية العقد الاجتماعي في بناء كل من إعلان الاستقلال والدستور.

تبريرات الديمقراطية:

المناصرون للديمقراطية يعتمدون على عدد من الاسباب والمبررات كالتالي:

1- الشرعية: طبقا لنظرية العقد الاجتماعي فان شرعية الحكومة ترتكز على موافقة المحكومين،اي، الانتخابات، وان القرارات السياسية يجب ان تعكس الرغبة العامة.

2- السلام الديمقراطي: حيث ان الدول الديمقراطية نادرا ما تدخل في حروب مع بعضها.

3- النجاح الاقتصادي، حيث يزعمون ان الأنظمة الديمقراطية لا تضع قيودا على السوق ولا تشجع الاحتكار على حساب التحطيم البنّاء الضروري لإدامة النمو الاقتصادي.

بدايات النظرية

قارن ارسطو حكم الكثرة (ديمقراطية/تيموكراسي) مع حكم الأقلية (اوليغارشي/ارستوغراسي)، ومع حكم الفرد الواحد (المستبد او اليوم اوتوقراطي/ملكية مطلقة). هو ايضا اعتقد ان هناك حسنات وعيوب في كل نظام ( هو اعتبر الديمقراطية تيموكراسية متفسخة). اما لدى منظّري النهضة الجمهوريين كانت الرؤية ان الديمقراطية تحيا في الجماعات السياسية الصغيرة. لافتين الإنتباه الى تحوّل الجمهوريات الرومانية الى الملكية عندما اصبحت أكبر حجما، هؤلاء المنظّرون الجمهوريون يرون ان توسّع الأقاليم ونمو السكان يقودان حتما الى الاستبداد. ولذلك،كانت الديمقراطية شديدة الهشاشة ونادرة تاريخيا لأنها يمكن ان تتلائم فقط مع الوحدات الصغيرة التي بسبب حجمها الصغير تكون حساسة للغزو من الوحدات السياسية الأكبر. مونتسكيو ذكر " اذا كانت الجمهورية صغيرة فسوف تتحطم بقوى خارجية، واذا كانت كبيرة فانها ستتحطم بعيوب داخلية. روسو زعم ايضا "لذلك فان الخاصية الطبيعية للدول الصغيرة ان تُحكم كدول تخضع لملك، اما الامبراطوريات الكبيرة فتقبل بحكم أمير مستبد".

أنواع الديمقراطيات:

هناك ثلاثة انواع من الديمقراطية وهي الديمقراطية التجميعية والديمقراطية التداولية والديمقراطية الثورية.

الديمقراطية التجميعية: Aggregative democracy وتدّعي ان الهدف من العملية الديمقراطية هو معرفة أفضليات المواطنين ثم تجميعها مع بعضها ليقرروا نوع السياسات الاجتماعية التي يجب تبنّيها. ولهذا، فان أنصار هذه الرؤية يرون ان المشاركة الديمقراطية يجب ان تركز اساسا على التصويت، حيث يتم تنفيذ السياسة الحائزة على أعلى الاصوات. عيوب هذه الديمقراطية هي ان الحكومات تميل لصنع قوانين وسياسات قريبة من رؤى متوسط الناخبين حيث يكون نصفهم الى اليمين والنصف الآخر الى اليسار. وهذه ليست حصيلة مرغوبة لأنها تمثل فعل النخب السياسية ذات المصلحة الذاتية والغير مسؤولة في المنافسة على الأصوات. (انتوني داونس) يقترح ان الاحزاب الايديولوجية السياسية ضرورية للعمل كوسيط بين الفرد والحكومة، اوضح ذلك في كتابه (النظرية الاقتصادية للديمقراطية، 1957).

2- الديمقراطية التشاورية Deliberative democracy

وترتكز على فكرة ان الديمقراطية تُحكم بالمشاورات. على عكس الديمقراطية التجميعية، ترى الديمقراطية التداولية انه لكي يكون القرار الديمقراطي شرعيا، يجب ان تسبقه مشاورات حقيقية، ليس فقط تجميع للأفضليات التي تحدث في التصويت. المشاورات الحقيقية هي مشاورات بين أصحاب القرار والتي تكون متحررة من تشوهات القوى السياسية غير المتساوية، مثل السلطة التي يحصل عليها صناع القرار خلال النمو الاقتصادي او دعم جماعات المصالح. اذا لم يتوصل صناع القرار الى إجماع بعد المشاورات الحقيقية،عندئذ يتم التصويت على المقترحات باستعمال قاعدة الأغلبية.

3- الديمقراطية الثورية:

وترتكز على فكرة ان هناك علاقات قوة قمعية وهيراركية توجد في المجتمع. دور الديمقراطية هو كشف تلك العلاقات والتصدي لها عبر السماح للاختلافات وصنع قرارات مضادة.

الانتقادات

جوبهت الديمقراطية ولاتزال بالعديد من الانتقادات سنورد قسما منها:

1- عدم التماسك incoherency

الديمقراطية منطقيا فكرة غير متماسكة: وفق نظرية ارو (Arrow’s theorem) هناك ثلاثة معايير منصفة لديمقراطية القرار، جميعها متضادة بطبيعتها وهي:

اولا: اذا كان كل ناخب يفضل الخيار(س) على الخيار (ص)، عندئذ فان المجموعة ايضا تفضل (س) على (ص).

ثانيا: عندما تبقى أفضليات كل ناخب بين (س) و (ص) ثابتة بدون تغيير، فان أفضليات المجموعة بين (س) و (ص) سوف تبقى ايضا ثابتة دون تغيير.

ثالثا: ان لا وجود لديكتاتور: لا صوت منفرد لديه القوة في تقرير أفضلية الجماعة.

وفق هذه النظرية، يؤكد كينيث ارو "ان لا وجود لطريقة تصويت عادلة"، وان جميع طرق التصويت الترتيبية فاشلة وان الطريقة الوحيدة غير المعيبة هي الدكتاتورية".

2-عدم الفاعلية: بعض الاقتصاديين انتقدوا فاعلية الديمقراطية على اساس عدم عقلانية الناخب او ان الناخب الذي يتخذ القرار لا تتوفر لديه جميع الحقائق والمعلومات الضرورية لعمل قرار صائب حقا. الديمقراطية حسب رأيهم تبطئ العملية السياسية بسبب كمية المدخلات الكثيرة والمشاركة المطلوبة لإتخاذ القرار. مثال على ذلك التطور الاقتصادي العالي الذي انجزته الصين اللاديمقراطية مقارنة بالهند الديمقراطية. نقص المشاركة الديمقراطية في الصين سمح بنمو اقتصادي غير مقيد(1).

3- جهل العامة: اعتقد سقراط ان الديمقراطية بدون جماهير متعلمة (متعلمة بالمعنى الأوسع في كونها واعية وعقلانية) سوف يقود الى الشعبوية كمعيار في انتخاب القائد وليس الكفاءة. هذا بالنهاية يقود الى زوال المجتمع. نفس الفكرة عرضها افلاطون في الجزء العاشر من كتاب الجمهورية في حديث سقراط مع ادمنتس. سقراط يرى ان حق التصويت يجب ان لا يكون عشوائيا (بالولادة او المواطنة) وانما يجب ان يُعطى فقط للناس الذي يفكرون بما يكفي في إختياراتهم. في التأكيد على المظهر الزائف للشعبوية جادل المفكر الايطالي باريتو ومعه موسكا ان الديمقراطية ليست الاّ وهما، ذلك ان النخبة الاوليغارشية هي القانون الصارم للطبيعة الانسانية نتيجة لـ اللامبالاة وانقسام الجماهير مقابل وحدة النخب ذات التحفيز والمبادرة العالية، وان المؤسسات الديمقراطية سوف لن تحقق اكثر من نقل السلطة من الاضطهاد الى الاستغلال." نحن قد نمتلك ديمقراطية او نمتلك ثروة متركزة بيد القلة، ولكن ليس الاثنين معا.

4- عدم الاستقرار السياسي: نظرا للانتخاب المتكرر للحكومات ذهابا وايابا، سيكون هناك ميل لتغيرات مستمرة بسياسة الدول الديمقراطية على الصعيدين الداخلي والخارجي. وحتى عندما يحافظ الحزب السياسي على السلطة ، فان الاحتجاجات الصاخبة التي تتصدر عناوين الصحف، والانتقادات اللاذعة من وسائل الاعلام الشعبية عادة تكفي لفرض تغيير سياسي مفاجئ وغير متوقع، ولهذا يرى العديد من الناس ان الديمقراطية غير مرغوبة في الدول النامية التي تكون الأفضلية الاولى فيها لمكافحة الفقر وتحقيق النمو الاقتصادي.

5- الانهيارات المفاجئة: بعض الحكومات الديمقراطية شهدت انهيارا مفاجئا وتغيير في النظام الى شكل من الحكومة اللاديمقراطية عادة يتخذ شكل انقلاب عسكري او تمرد. امثلة على ذلك الحرب الاهلية الاسبانية وانقلاب 9 نوفمبر عام 1799 لنابليون بونابرت الذي أنهى اول جمهورية فرنسية. بعض الانقلابات العسكرية حصلت على الدعم من الخارج مثل انقلاب عام 1954 في غوانتيمالا وانقلاب عام 1953 في ايران. وهناك انواع اخرى من التغيير المفاجئ يشمل الغزو الخارجي مثل غزو المانيا لتشوكسلفاكيا وسقوط فيتنام الجنوبية، او انقلاب داخلي يقوم به قائد الحكومة بالاستحواذ غير القانوني على كامل السلطة عبر تعليق الدستور او انقلاب انتخابي ذاتي يستعمل الغش للحصول على إعادة الانتخاب للحكومة السابقة او للحزب السياسي.

 

حاتم حميد محسن

....................

الهوامش

(1) طبقا لبيت الحرية Freedom House، في عام 2007 كان هناك 123 ديمقراطية انتخابية (صعودا من 40 عام 1972). وحسب بيانات المنتدى العالمي فان عدد الديموقراطيات الآن يمثل 120 دولة من مجموع 192 وتشكل 58.2% من مجموع سكان العالم. في نفس الوقت، الديمقراطيات الليبرالية (التي تحترم حقوق الانسان الاساسية وحكم القانون) عددها 85 دولة وتشكل 38% من سكان العالم. يؤكد بيت الحرية انه بدءاً من عام 2005،كان هناك هبوط متتالي طوال 11 سنة في الحقوق السياسية والحريات المدنية في كل العالم مقارنة بالتحسينات المتحققة، وذلك بسبب صعود الشعبوية والقوى السياسية القومية في كل مكان بدءا من بولندا (في ظل قانون حزب العدالة) وحتى الفليبين تحت حكم الرئيس رودريغو دوتيرتي. وبدءا من عام 2010 اتضح ان تراجع الديمقراطيات كان بسبب اللامساواة الاقتصادية والسخط الاجتماعي ، والشخصنة وسوء الادارة اثناء جائحة كورونا بالاضافة الى عوامل اخرى مثل استغلال الحكومة للمجتمع المدني والاستقطاب الحاد وحملات التضليل الاعلامي الاجنبية، والعنصرية والقومية والسلطات التنفيذية المفرطة وانخفاض قوة المعارضة.

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5515 المصادف: 2021-10-11 01:27:09


Share on Myspace