 أقلام فكرية

علي محمد اليوسف: تعالقات فلسفية بضوء طبيعة العقل

علي محمد اليوسفلايبنتيز والعقل

نقلا عن لايبنتيز (الاساس العقلي يجعل فكرنا لا يقبل افكارا متناقضة، والنفس ايضا ترفض ادراك متناقضين معا. والاساس الانطولوجي او الوجودي يجعلنا نقبل الهوية في الاشياء. والا لما كانت موجودة على الحقيقة)1.

تعقيب نقدي

- ادراك العقل هو ذاته ادراك نفسي ولا فرق بينهما. ما تدركه النفس مصدره ادراك مرجعية العقل. ولا يدرك العقل من حقائق الواقع  ما لا تدركه النفس لذات الوقائع بنفس آلية تجريد التعبير عنه باللغة..

- الوجود الانطولوجي الحقيقي للشيء يمثّل هويته. وليس بدلالة احدهما ندرك الاخر. فحقيقة الوجود الانطولوجي للشيء هو هويته الحقيقية التي ليس شرطا ادراكها بالتمام.فالصفات الخارجية للشيء تدرك حسيا بسهولة لا كما يصعب ادراك ماهية ذلك الشيء او جوهره. الهوية لا تخلع التعيّن الوجودي على الشيء المدرك بل تكتسبه منه.

قول لا يبنتيز (العقل لا يجعل فكرنا يتقبّل متناقضين) في وقت واحد. معناه أن العقل يدرك الاشياء بافكار فطرية مسبقة عن الواقع الذي يعيشه ومصدر زرع الافكار الفطرية بالعقل المفكر هو قدرة الهية. مفهوم الافكار الفطرية قال به مجموعة من الفلاسفة رغم علمهم أن السبب وراء مقولة زرع الافكار الفطرية بالعقل هو سبب ميتافيزيقي في علّة مصدره. يحتمل الكثير من عدم الصواب والوثوق به علميا.

يوجد فرق كبير بين طبيعة العقل المبرمجة على قابلية التعلم واكتساب المعرفة، وبين القول العقل يمتلك قابلية الادراك بمعرفة فطرية. ما يرثه الانسان بالفطرة هو شبكة من الغاز الجينات الوراثية المعقدة التي اثبتها العلم ولا مجال نكرانها.

طبعا احد ابرز الفلاسفة الذين يؤمنون بالافكار الفطرية للعقل ديكارت ولايبنتيز وكانط واشد الرافضين لها جون لوك وديفيد هيوم وراسل وكل فلاسفة المادية المنادين أن كل أفكار العقل مستمدة تجريبيا من الواقع. وحتى بعض فلاسفة المثالية لا يؤمنون أن العقل مزود بافكار فطرية منذ ولادة الطفل .

 بالنسبة لي ليست المشكلة في امتلاك العقل افكارا فطرية ام لا يمتلكها، المشكلة اراها أن ادراك العقل للاشياء هي استعداد قبلي يحمل افكارا عن تلك الاشياء، لكن ليس مصدرها الفطرة بل مصدرها التجربة واكتساب الخبرة المتراكمة. العقل لا يدرك الاشياء على حقيقتها ما لم يكن مزودا بافكارقبلية وليست فطرية عن تلك الاشياء. والفرق بين الافكار القبلية انها نتاج تراكم خبرة مكتسبة من الواقع بالتجربة. اما الافكار الفطرية فهي افكار قبلية ليس مصدرها المعرفة المكتسبة سابقا ، وانما الافكار التي مصدرها هبة سماوية معطى من عند الخالق وهي ليست الموروثات الجينية التي يولد الانسان مزودا طبيعيا بها.

الافكار الفطرية لدى كانط هي قابلية العقل بالتفكيرالمنهجي السليم بما لم يكن اكتسبه سابقا معرفيا.أما فهم الافكار الفطرية هي الذخيرة التي يولد الانسان مزودا بها كاستعداد معرفي لاشياء لم يكن يعرف عنها شيئا هي وإن كانت أقل وطأة في عدم التصديق العقلي لها إلا أنها تلتقي مع الفهم الفطري المنهجي المزروع بمعرفة ما لم يسبق له به أدنى معرفة فكلا الافتراضين حول الافكار الفطرية تحتاج الى برهان يقين التصديق بها.

الوجود الانطولوجي يجعلنا نتقبل الهوية الحقيقية للشيء هي تحصيل حاصل أن الاشياء لا توجد انطولوجيا من غير ملازمة هويتها لها. وقول لايبنتيز الواقع الانطولوجي والوجودي للاشياء يمنحنا معرفة هوية ذلك الشيء لا تأتي بشيء يؤخذ به لم يكن بديهيا. ادراكنا الصفات الخارجية لشيء يعني امتلاكنا معرفة هويته ولا يشترط معرفة الماهية..

جدل المطلق والنسبي

يطرح احد الفلاسفة التالي: (الوجود المتغير الذي يعيشه البشر يمثل ذلك " المركب" الناتج عن الجدل بين المطلق والنسبي)2  

من وجهتي النظر الفلسفية والفيزيائية العلمية رغم اختلافهما المنهجي، في شقيهما المثالي والمادي، لا يشيران لحدوث جدل بين ما هو نسبي مع ما هو مطلق. يتخلق عنهما مركبا ثالثا. ماهو هذا المركب الثالث وماهي ماهيته وصفاته؟ فهي اسئلة لا اجوبة لها. ولو نحن تركنا الجدل الديالكتيكي القائم على وحدة تناقض الاضداد ضمن الوحدة الكلية المتجانسة في الماهية والصفات لشيء او ظاهرة. نجد الجدل يحصل ضمن شروط وضوابط هي خارج سيطرة رغبة الانسان لها وخارج سيطرته عليها منها:

- الجدل او الديالكتيك يحصل ضمن شروط ومواصفات منها تساؤل جوهري هل المجانسة النوعية الطبيعية (الجوهر والصفات) التي تجمع النسبي والمطلق هي عامل توحيد بينهما تقود الى تناقض جدلي بين قطبين وبغير هذه الوحدة التجانسية التي تجمعهما لا يحصل جدل ديالكتيكي متضاد يؤدي بنا الى حركة ثم تطور ثم الى ناتج مركب ثالث؟ طبعا النسبي محدود يمكن ادراكه والمطلق لانهائي ولا محدود لا يمكن ادراكه فكيف يكون التضاد الجدلي بينهما؟ والوجود المتغير للاشياء ليس حصيلة وناتج جدل النسبي المحدود بمواصفات خارجية يمكن ادراكها، تجعله اي النسبي بعيدا عن اللقاء بالمطلق الذي هو مفهوم ميتافيزيقي لانهائي ولا محدود بصفات يدركها العقل.

- سبق لسورين كيركجورد في رده على جدل هيجل المثالي على مستوى الفكر، أن هناك انواعا من جدل زائف غير حقيقي، اي لا يمكن تحققه. رغم أن سورين كيركجورد لا يؤمن بالجدل المادي الذي قال به ماركس. بل هو يؤمن بجدل تاريخي ذاتي تتخلله طفرات نوعية. ويؤمن بصوفية دينية تجعل العقل يقفز مغادرا ماديته العقلية الى فضاء روحي ايماني ديني مصدره القلب وليس العقل.

عليه أجد أن فرضية إمكانية حصول جدل بين نسبي ومطلق يحتويهما الواقع المتغير الذي نعيشه في تطور الحياة من حولنا. هي فرضية زائفة لا يمكن حدوثها. لا توجد وشيجة تجمع النسبي والمطلق الدخول في علاقة جدلية بينهما. بسبب إختلاف المجانسة النوعية بينهما من جهة، وبسبب ان المحدود النسبي متناه لا يتداخل مع مطلق مقفل على نفسه.

- النسبي محدود يمتلك مواصفات امتلاكه الماهية والصفات الخاصة به التي يستطيع ادراكنا العقلي له يحده بها انه متناه، والمتناهي على خلاف المطلق الذي لا يدركه العقل لأنه لانهائي ولا محدود. هذا التفريق بين المحدود النسبي والمطلق الكوني يجعل من العبث القول هناك نوع من جدل يجمعهما.

- الفرق الاخير اوجزه ان النسبي المتناهي هو صفات خارجية يمكن على الاقل ادراكها دونما حاجة التفتيش عن جوهر يحتجب خلفها، عليه يكون النسبي المحدود مصطلحا متفقا الاجماع عليه، بينما يكون المطلق مفهوما ميتافيزيقيا يفتقد لأية دلالة تشير عليه وتثبته سوى أن كل حقيقة تتحقق على طريق الوصول لمطلق هي مجرد نظرية أو مرحلة ستصبح في وقت لاحق نسبية. المطلق مفهوم غير حقيقي سوى في تداوله نظريا على صعيد تجريد الفكر والمعرفة فقط على أنه طريق توالي الحقائق بغية الوصول الافتراضي له..

- أعود تاكيد خلاصة حقيقية جدل النسبي الزائف مع المطلق الميتافيزيقي، فيصبح الحال معنا، ان كلا المفهومين المتضادين بين الجدل المثالي والجدل المادي كلاهما افتراضان زائفان. حيث لا يمكن أن يتوفر النسبي بمجانسة نوعية بالماهية والصفات اللقاء مع مطلق يجب ان يكون بالضرورة يحمل مجانسة نوعية بالماهية والصفات هي ذاتها المتوفر عليها النسبي.

سبقت الاشارة لي ان النسبي هو مصطلح متفق عليه انه متناه محدود متاح للعقل ادراكه. اما المطلق فهو مفهوم غائم ميتافيزيقي لا يقبل الادراك العقلي ولا تحده مواصفات نسبية تجعل منه محدودا متعينا بخواص. صحيح مآل كل نسبي التطور الحركي الذي يقود الى حقيقة افتراضية على طريق مطلق لا تحده التغييرات النسبية بحقائق يمكن دحضها لاحقا. الحقائق النسبية لا تمثل أدنى درجات الوصول الى الحقيقة المطلقة التي هي إفتراض وهمي تحفيزي لاشباع رغبات الحقائق النسبية دائمة التغيير والحركة ذاتيا.

 اللغة (صوت) مادي

الفكر واللغة جوهران متلازمان يشتركان بصفة التجريد فكيف لنا تبرير هذا التناقض مع قول برجسون " اللغة على وجه الخصوص هي مادية (أصوات) يمكن التعرف عليها لذاتها من حيث أنها حقيقة مادية " .

الصوت فيزيائيا لا يمكننا تحديده ماديا بصفات مادية معروفة، واللغة كصوت ذي دلالة تعبيرية عن معنى قصدي، هي تجريد في تعبيرها عن أشياء. وليست اللغة مادة بذاتها، ولا تكون اللغة هنا جزءا من مادة مدركة حسّيا بل تكون جزءا من لغة تجريد إدراكي للمادة في موضعتها الانفصالية عنها.

وتجسيد اللغة للفكر في التعبير عن معناه المضموني لا يجعل من كليهما اللغة والفكر مادة بإكتسابهما صفة تجريد الصوت مدركا بذاته وهو خطأ لعدم إمكانية إدراكنا الصوت مجرّدا عن دلالته ألماديّة لغويا. ألفكر لا تحتويه ألمادة بمقدار ما تحتويه لغة التجريد في تعبيرها عن المادة.

وفي حال تأكيد صوابية خطأ مقولة هنري برجسون أن تكون اللغة خاصّية مادية بالصوت المدرك لوحده فهذا يقودنا التسليم لخطأ أكبر منه تجاوزناه هو صحة إمكانية جواز التفكير من دون لغة تصورّية تمثّلية للاشياء. فالمادة غير العاقلة لا تدرك مادة أخرى تجانسها الخواص التعريفية ماديا معها من غير تداخل تفكير اللغة ألتجريدي التوسيط بينهما لتحقيق تكامل معرفي بينهما..

عليه تكون اللغة كأصوات تعبيرية عن معنى مادي مقصود هي تجريد مادي وليست مادة مدركة لوحدها. تجريد اللغة في التعبير عن موضوع مدرك عقليا يفقدها خاصّية التعبير كأصوات وأبجدّية مكتوبة تعبيرية. وتنتفي عن ألمدركات حينذاك صفة اللغة التي هي خاصية تعبير فكري تجريدي عن ألمادة والأشياء في وجودها الواقعي. ألوجود بموجوداته الطبيعية ألتي تحكمها القوانين الطبيعية الثابتة هو وجود مستقل سواء أدركه العقل أم لم يدركه، وسواء تم تعبير الوعي بالفكر واللغة عنه أم لم يتم، فالموجودات المادية تبقى موجودات مستقلة في العالم الخارجي.

ألتسليم بمقولة اللغة مادة بدلالة الصوت، عندها يصبح لا غرابة أن نجد اللغة كما يعبّرعنها أحد الفلاسفة المثاليين "هي تعبير كلّي يقوم مقام الواقع بكامله.". تماشيا مع هذا التعبير إلإفتراضي الخاطيء لا يمكننا معرفة الواقع في حقيقته المادية عندما نحاول التعبيرعنه بمادة لغوية متموضّعة فيه تكوينيا وليست لغة إدراك تجريدي منفصل عنه، وليس من الصحيح أن تمتلك المادة تجريدا لغويا ما يعني إمكانية أن تعي المادة ذاتها وتعي غيرها من الماديات الأخرى ليس بدلالة تجريد اللغة بل بدلالة تجريد لغة المادة الموهومة التي أصبحت هي ميزة المادة ذاتها في كثرة أعدادها وإختلافاتها وتنوّعاتها التي يعجز حصرها. المادة لا تدرك ذاتها ولا تدرك غيرها بلغة خاصة بها. المادة كي تكون وجودا مدركا تحتاج اللغة ولا تحتاج ذاتية وجودها الخاص المستقل عن ادراكها.وهذا أمر ليس محالا على صعيد الإدراك العقلي وحسب وأنما محال على صعيد إلغاء خاصّية التجريد اللغوي عن مدركات اللغة التعبيرية التي هي في حقيقتها تعبير عن مدركات عقلية. بوضوح ألعبارة اللغة لا تمتلك أسبقية الإدراك العقلي للأشياء، كما أن المادة لا تمتلك لغة تعبير لا عن نفسها ولا عن غيرها من الموجودات المتعالقة في الوجود معها مجردة عن موضوع مدرك.

المادة لا تمتلك صفة الإدراك العقلي كي يتاح لها إمتلاك لغة، لذا تكون ميزة الانسان النوعية عن جميع الكائنات في إمتلاكه اللغة.. اللغة هي إدراك كلّي لاشياء وموجودات لا حصر لها لكن لا يستطيع الانسان جعلها لغة إستيعاب تقوم مقام الواقع بأكمله. عالم الانسان ألإدراكي هو ما تستطع أللغة ألإحاطة به وألتعبير عنه ، وهذا ألإدراك اللغوي يبقى ناقصا في محاولة جعل مدركات الحس العقلي إنابة اللغة أن تكون هي كل عالمنا الواقعي الذي تدركه.

لا يسعنا التعبير عن هذا المأزق أكثر من قولنا أننا يمكننا التعبير عن اللغة بلغة أخرى تجانسها الماهية والصفات النحوية والقواعد الصوتية، لكننا لا نستطيع فهم الواقع المادي الذي تموضعت اللغة فيه تكوينيا بتعبير لغة لم يعد يمتلكها العقل ولا يستطيع تصنيعها بل يمتلكها الواقع المادي للاشياء في محاولته توصيل فهم العقل له وليس العكس فهم العقل للواقع. ربما يذهب البعض في شطط أني أعبّر أن تكون أللغة مادة متموضعة في الاشياء المدركة تكوينيا، بل ما أؤكد عليه تبقى اللغة في كل أنواع ألإدراكات هي تجريد تصورّي إنفصالي في التعبير بمعزل تكويني مع المدركات الحسية. كل شيء موجود في الواقع يحمل معه لغة ألإدراك التي يتواصل بها مع إدراك العقل له. ولا تمتلك أيّة مادة لغة الإدراك التواصلية مع غيرها من المواد والاشياء.

إن الحقيقة التي يراد العبور من فوقها أن اللغة تبقى تجريدا تعبيريا، والمادة تبقى واقعا لإدراك هذا التجريد اللغوي، واللغة المتموضعة بألأشياء هي لغة تجريد يحتويها الموجود المادي أنطولوجيا لكنه يبقى تجريد اللغة منفصلا ماهويا عن المادة كتجريد لغوي معبّراعن المادة منفصل عنها. اللغة تجريد التعبير عن المادة ولا تدخل المادة تكوينيا متموضعا بها.أما أن يكون الادراك الحسي هو صورة الشيء في تعبير الذهن عنه أم هو اصل ذلك الشيء في حقيقته الكلية فهو موضوع آخر سبق لي الكتابة عنه.

"التفكير والكينونة امر واحد" بارمنيدس 600 ق.م

اجد ديكارت عبر عن نفس المعنى الذي قال به بارمنيدس، حينما اعتبر العقل جوهرا ماهيته التفكير الذي يزودنا بالمعرفة، ونجد ديكارت يعبر عن ذات المعنى في الكوجيتو (انا افكر اذن انا موجود) معتبرا خاصية التفكير الانفرادي يمنح الذات كينونتها الموجودية. وهنا اجد بمقدار ما تعطي كينونة الموجودات من غير الانسان محفزات تنشيط التفكيرالانساني موضعته اشياء الطبيعة ومحاولة معرفتها. بمقدار ما نجد التفكير يمنح كينونة الموجودات حيوية حضورها الانطولوجي الحقيقي.

التفكير خاصية انسانية ينفرد بها عن غيره من مخلوقات وكائنات الطبيعة، ومعنى ان يمتلك الانسان التفكير هو انه اصبح يمتلك لغة التعبير عن تفكيره. وبذا يكون التفكير يمنح الانسان المفكر ميزتين هما اولا اعتزاز الانسان بذاتيته المتمايزة التعالي على مدركاتها . وثانيا يمنح تلك المدركات الموجودية فاعليتها الحيوية بالحياة.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

..........................

هامش:

 1 و2: الحداثة وما بعد الحداثة، طلعت عبد الحميد، عصام الدين هلال، محسن خضر ص 40

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5557 المصادف: 2021-11-22 03:10:17


Share on Myspace