 أقلام فكرية

حاتم حميد محسن: ميشيل فوكو فيلسوف العنف

حاتم حميد محسنكيف ساهم فوكو في صياغة مشكلة العنف؟. يجب ملاحظة ان مصطلح "عنف" violence لم يُستعمل كثيرا من جانب فوكو، فهو ليس فيلسوفا للعنف بالمعنى الذي يطرح فيه توضيحا عاما او نظرية أساسية في ظاهرة العنف. هو لم يطرح اسئلة تتعلق بالأسباب السايكولوجية للقمع، ولم يسع ايضا للتحقيق في الاصول السوسيولوجية للعنف المدني. كذلك هو لم ينظر للعنف من وجهة نظر الضحايا من خلال فحص مشاكل المعاناة والإنكار. مع ذلك، يجد المرء في تفكير فوكو عددا هاما من الاعتبارات حول مكان العنف في الخطاب العام والمؤسسات وفي المعرفة والسلطة.

سؤالان هامان

سنبدأ بتحديد مجالين للمشكلة – المجال الاستطرادي والمجال السياسي. في المجال الاستطرادي، يكون السؤال: هل بالامكان التحدث عن عنف الحقيقة والخطاب؟ وفي المجال السياسي، يكون السؤال هل هناك عنف مؤسسي او عنف دولة معين يمكن مناقشته؟ عنف العقل، عنف الدولة؟

هذان السؤالان يشكلان احد اكبر الانجازات النظرية لفوكو. ذلك لا يعني التصريح بان العقل دائما عنيف، او ان السلطة بطبيعتها عنيفة، وانما في اية لحظة، يمكن وصف تكوينات تاريخية او اطر منهجية معينة .

الفلسفة الكلاسيكية تقليديا تضع العنف في تضاد مع العقل. من المألوف اعتبارهما مختلفان عن بعضهما، معاديان، لايمكن اختزالهما، في جانب العقل، الحقيقة، اللغة، الكلام، وفي جانب العنف التصادم في الرغبات، القسر والهيمنة. هذه المعارضة تنعكس في عدد من المبادئ او الأحكام – يوفرها لنا العقل من سلسلة الأخطاء والجهل، الحقيقة مستقلة، المعرفة ليست سلطة، الوصول الى العقل تحرير.

كلاسيكيا، اُعتبر ان اللوغس او العقل ينقل العدالة لجميع الاشياء بسلام، جاعلا اياها ذات معنى، وان العقل يحررنا من قيود الظلامية، وان الحوار هو بديل عن القتال، وان المعرفة تتجنب العنف. نستطيع تلخيص كل هذه القضايا بالاقتراح التالي: اللوغوس هو بالاساس غير عنفي، بينما العنف هو في الجوهر متجاوز لحدود الخطاب .

يمكن التحقق من هذا الدليل في عدد من رسائل فوكو والتي يمكن ان نسميها كلاسيكية او افلاطونية. قبل ان نبدأ، من الضروري الاشارة الى ان فوكو ليس الوحيد ولا المفكر الاول الذي تحدّى فكرة ان اللوغس هو دائما وبالضرورة صانع سلام. السوفسطائيون جرى ادانتهم من جانب افلاطون كمستغلين للّغة، جاعلين منها وسيلة للسيطرة والاستغلال – قضية سلطة. ولاحقا، أكّد نيتشة ان لا وجود لـ "رغبة خالصة في الحقيقة"، لأن المعرفة تعتمد على الصراع بين الغرائز، وان قول الحقيقة ليس الاّ ستراتيجية في الصراع المستمر على السلطة. هايدجر شجب بقوة التكنيك، لأن التفكير التقني يرى العالم والناس ككيانات يمكن استغلالها في استخلاص اكبر كمية من الربح والمنافع. اخيرا، نحن نتذكر زعم هوركمير وادورنو في كتابهما عام 1947 "العقل اصبح توتاليتاريا". في هذا الكتاب الشهير، المؤلفان يطرحان اسئلة حول المدى الذي لا تُعتبر فيه معسكرات الاعتقال النازية كطفل مشوة للتنوير. فوكو هو وريث كل هذه التقاليد من الفكر، بدءاً من السوفسطائيين الى هوركمير مرورا بنيتشة وهايدجر.

ملاحظتان

 قبل الفحص المفصل في الاطروحة التي يعتبرها فوكو جزءا من هذه التقاليد، يجب ان نعمل ملاحظتين تمهيديتين. الاولى تتعلق بأهمية الطموح النيتشوي. هو نيتشة وليس السوفسطائيون او هايدجر او ادرنو من سمح لفوكو في التغلب على المكافئ الافلاطوني العظيم للوغوس المعقول. فمثلا، يدّعي نيتشة ان التفسير هو ليس اكتشاف للمعنى، وانما هو فرض له بسبب عدم وجود "مغزى رئيسي" للأشياء. هذه الاطروحة تبرز في رفض فوكو للتعليقات والهيرمونتيقا. فوكو يرفض فكرة ان عمل الفيلسوف هو البحث من خلال النصوص، الكلام والافكار عن المعنى الأصلي المختبئ تحت كثافة الرسائل والقصص. الفلسفة لا تبحث عن المغزى الرئيسي، المفقود، انها فعالية تشخيص. ذلك يعني القول ان الفلسفة ليست كشفا للمعنى وانما وصف للاستراتيجية. الفيلسوف ليس نبيا، هو رسام خرائط. هو لا يكشف المصير الأبدي للبشرية من اكتشاف المعنى الأصلي المفقود، وانما يصف قوة الصراع التاريخية، الفرص والمخاطر التي يعرضها التاريخ. فوكو يعترف وفي عدة مناسبات بهذا التأثير النيتشوي على عمله.

الملاحظة الثانية تصحح الاولى قليلا وتساعد في تقليل أهمية التاثير النيتشوي. في الحقيقة هناك فرق هام آخر يجب تذكّره باستمرار وهو يكمن في جوهر نص هام آخر – أزمة هسرل. الاطروحة بان اللوغوس المستبد يمكن ان يقود بسهولة الى اللاعقلانية. اذا كان العقل بطبيعته توتاليتاريا، فان الخلاص يجب البحث عنه في الشعر وفي البداهات الغامضة و حوافز القلب. ولكن في احيان كثيرة انه بشكل رئيسي يكشف انحراف العقل بدلا من العقل ذاته. ما يُدان ليس العقل ذاته وانما هيمنة العقلانية الحسابية، الباردة والتقنية، على حساب العقل النقدي، المثقل بالقيم. هذا يُعتبر هاما لأنه عند دراسته مقال كانط "ما هو التنوير" فوكو يدّعي وضمن تقاليد العقل النقدي، ان العقل هو الذي يستنكر الحكام غير العادلين والأنظمة الظالمة، العقل هو الذي يكتب قصة ارتداده، والعقل وحده يستطيع تأسيس التوازن في الانقسام الداخلي بين الصرامة الشكلية والصرامة الأخلاقية.

العنف في العقل الغربي

نستطيع الآن التحول نحو الاطروحة الرئيسية الاولى لفوكو، فيها نجد محاولة لوصف العنف في اللوغوس الغربي. في الجنون والحضارة: تاريخ الجنون في عصر العقل (1964)، يسعى فوكو للتأسيس بان ادّعاء العقل الكلاسيكي يفترض سلفا الرفض العنيف للجنون. لكي تكون معقولا هو ان ترفض الجنون. لكي نفهم الإثارة في هذا القول، انظر الاطروحة التقليدية، التي تقول ان العقل يتضمن الجنون، وعبر فهمه، سنحفظه، ونحرره، ونعترف به. الجنون طبقا للنظرية التقليدية، يعني المرض، لكنه ولوقت طويل عومل بطريقة اخرى، ومن خلال الجهل، الغموض والتحيز، اعتُبر المجنون مملوكا من قبل الشياطين والمجرمين الشريرين "ابرياء الله". عندما يقول العقل الطبي الحديث ان المجنون هو مريض في الاساس، فهو يحرر منْ يقاسون من اللعنة القديمة، يسمح لهم للوصول لحقيقتهم الخاصة، وإعادة تأكيدها في الجماعة الانسانية. هنا نجد المعادلة الافلاطونية. المعرفة هي وضع كل شيء في الحيادية الهادئة لمعناه. لكن اطروحة فوكو هي بالضبط النقيض لذلك: انه العقل الذي يستبعد الجنون. وعندما يدّعي العقل تعريف الجنون طبيا، فهو يجدد الاستبعاد. نحن نستطيع اعطاء توضيحين لهذه الاطروحة. الاولى تشير للمشاكل التي وُجدت في إنشاء "المستشفيات العامة" في فرنسا في القرن السابع عشر. بناءً على عدد من الارشيفات، يبيّن فوكو ان جحيم الفقر في أواسط القرن السابع عشر كان موضوعا لسياسة الحبس الاداري. شوارع باريس كانت اُخليت من الشحاذين و الذين بلا مأوى. المجنون كان جزءا من "عالم التجوال "هذا . هنا وقبل الذهاب أبعد من ذلك يجب ان نمنع سوء الفهم. فوكو لم يقل ان قرن الكلاسيكية قرر احتجاز المجانين بدلا من معالجتهم – بالطبع، عدد من المجانين في ذلك الوقت عولجوا طبيا، وبالطبع، استمر البعض في اعتبارهم مخلوقات مملوكة اوبريئة لله. لكن هذه الممارسات الطبية والدينية كانت تقليدية وحتى لو استمرت بالوجود، فان خصوصية التجربة الكلاسيكية للجنون يُعبّر عنها كثيرا في هذه الممارسة الجديدة للاحتجاز بدلا من طرق اخرى. لم يُحتجز فقط الشحاذون، وانما البغايا وكبار السن من أصناف معينة ايضا – الكسالى وغير المنتجين، يشكلون عالم "اللاعقل" الذي تضمّن المجانين. هذا الرفض يتجذر في التفكير الأخلاقي البرجوازي الذي يشجب الكسل واللاأخلاق والجنون. هذا المستوى من المعقولية يوفر، طبقا لفوكو، أول التأملات ويوضح لماذا فضل ديكارت، التفكير في نفسه كحالم بدلا من رجل مجنون كي يدفع امكانات الشك قدما . لاحقا، اعطت التجربة الحديثة للجنون ولادة لعلم الطب النفسي. هذا الوقت هو الذي رُفضت فيه كليا التفسيرات القديمة للجنون (الاحمق هو كائن صوفي" اثناء عصر النهضة، "الاحمق هو منبوذ" في العصر الكلاسيكي) بشكل كبير لمصلحة الرؤية – بان الجنون هو فقط مرض عقلي تماما. المجانين لاحقا نُقلوا من المستشفى العام وحيث كانوا لايمكن تمييزهم عن الفقراء والبغايا والمنحرفين، الى ملاجئ الجنون. بالنسبة لفوكو، هذا الفهم للجنون لايمكن فورا تفسيره كإنقاذ وعودة الى الجماعة الانسانية. يصف فوكو عمليات اول الملاجئ من حيث القيود والضرب والمراقبة والعقوبة. عندما تأتي الشيئية العلمية الى الانسانيات، فهي تتألف من حبس الافراد ليس فقط وراء الجدران وانما بالحقائق المفروضة عليهم كمجموعة جديدة من السلاسل.

المعرفة والسلطة

توضيحات اخرى لهذا المبدأ من العنف غير القابل للاختزال واللوغوس يمكن ان نجده في عدد من الافكار الاخلاقية والجمالية والميتافيزيقية التي طورها فوكو. فمثلا، عندما يدرس فوكو الادب في (باتايل و ارتود و بلانشوت)، ذلك ليبين بانه، بالنسبة للكاتب، اللغة ليست مكانا يسمح له للتعبير عن هويته وليعرّف نفسه ضمن حقيقتها. اللغة عنصر مؤلم، بناء مجهول غير انساني فيه الفرد يباشر تجارب من التشتت والتمزق والموت. ومن جهة اخرى، مفهوم السلطة/المعرفة الذي طُور في السبعينات يسمح لفوكو الكشف عن البعد السياسي للعلوم في مستوى اصولها وتأثيراتها. في مستوى اصولها، هو يبين ان طبقات المعرفة تتألف من تقنيات سوشيوسياسية: الرياضيات اليونانية والآليات القضائية، العلوم التجريبية واساليب التحقيق، الانسانيات وقواعد السلوك. وفي تأثيراتها، يأخذ فوكو مثالا عن الطب النفسي ليبين ان هذا العلم يستحق أقل في محتواه من تأثيرات السلطة التي يفوضها ضد الفرد المعرّض لها.

لكن الهدف ليس الاستنكار في اسلوب عدمي ونسبي لخداع المعرفة عبر كشف اصولها التطبيقية او تأثيراتها السياسية. بدلا من ذلك، هو ليبين اننا لايمكننا ابدا فصل عالم المعرفة المحايدة، اثبات حقيقة اهدافها في نقاء الانفصال الاساسي، عن عالم علاقات السلطة الخالصة حيث الاستغلال والخداع. المعرفة والسلطة جانبان لنفس الحقيقة. اخيرا، "الحقيقة" لا تعني كثيرا الاتفاق في المعاني بقدر ما تعني توجيه القوى. المثال الاخير، في الثمانينات، وفي دراسته للفكرة اليونانية عن حرية الكلام، في واحدة من آخر محاضراته في كلية فرنسا (حكم الفرد والآخرين)، عام 1983، لإعادة التفكير بظروف ممارسة الكلام السياسي، خاصة في سياق ديمقراطية اثينا. فوكو يعطي مثالا عن بريكلس و ديموسثين عندما تحديا بقوة زملائهم المواطنين . هو يصف هذا كديمقراطية حقيقية في استعمال الكلام. ولكن هذا ليبيّن ان الكلام الديمقراطي الصريح لم يكن حول الإجماع، وتهدئة الخلافات، بقدر ما يسعى الى تحطيم الجبن المريح في إخفاء الهوية ولدى الأغلبية الصامتة. كلام الصدق يجبرنا للاعتراف باننا أقل اتفاقا مع انفسنا والآخرين مما نود الاعتراف به.

المشكلة التي تبرز الان تتعلق بفكرة العنف من خلال تصور فوكو للسلطة. في هذه النقطة نحن يجب ان نكون حذرين جدا لأن عددا من اقوال فوكو خصيصا تعارض فكرة ان كل سلطة هي عنف. هذا الرفض لمساواة السلطة مع العنف له عدة مظاهر. انه اولا معارضة عامة لأفكار التوسير الذي يهدف في تفكيره لفهم السلطة كآلية للسيطرة من جانب الطبقات الثرية على الطبقات الدنيا . هذه السيطرة، يقول التوسير، مورست بوسائل العنف والايديولوجية من خلال اجهزة الدولة مثل الشرطة والتعليم. السلطة اساسا تقمع وتكذب لكي تحمي المصالح الاقتصادية للطبقة الحاكمة. بالنسبة لفوكو، هذه الحجج شديدة التبسيط. اولا، لأن السلطة تستلزم علاقات اكثر اتساعا من تلك بين الدولة ومواطنيها، ولأن السلطة لايمكن اختزالها الى مجرد اداة، تعمل لفائدة المصالح الاقتصادية.

رغم هذه التحفظات، حتى لو ان فوكو يرفض القول ان السلطة هي الدولة، والدولة هي العنف، نحن نستطيع بيان كيف ان تحليلاته تثير مشكلة العنف السياسي من خلال مفاهيم "الحرب الاهلية" و"عقل الدولة". طبقا للتعريف الكلاسيكي، تُفهم الدولة كهيئة اتخاذ قرار سيادية، تُبنى بقواعد القانون وتتطلب طاعة الافراد ضمن نظامها القضائي. المجتمع السياسي يمكن تعريفه عموما كحالة من الانسجام تتحقق بحكم القانون على كل عضو في المجتمع . السلطة، بهذا المعنى، هي المضاد للعنف. هذا ما يسميه فوكو مرارا بفرضية هوبز: السلطة تتقرر كقانون متأسس، والقانون هو السلام. كل الدراسات التي اجريت من جانب فوكو في السبعينات كانت تمثل عدة طرق لرفض الدليل لهذه المعارضة القاسية بين السلطة السياسية والعنف، بين حكم القانون ودولة الحرب. هذا الرفض يتم التعبير عنه من خلال مفاهيم تعبّر عن اشكال العنف: اكراه تأديبي مستمر، حرب أهلية دائمة، حالة طوارئ دائمة، عنصرية الدولة وغيرها. يمكننا الحديث عن هذه القضايا كماركسية فوكية جديدة .

شكلان للسلطة

في المراقبة والعقاب: ميلاد السجن (1975) وتارخ الجنسانية: مدخل (1978)، يعارض فوكو بجرأة، شكلين رئيسيين للسلطة: سلطة السيادة وسلطة المراقبة. مع فوكو نواجه طريقة لعرض التضاد بين سلطة السيادة والسلطة التأديبية. هو يميز بين نظامين للعنف: من جهة نظام دراماتيكي، غير مستمر، قاسي (القانون الذي يقهر ويسيطر)، ومن جهة اخرى، نظام مستمر خبيث وضاغط (العقيدة الاجتماعية التي بالنهاية تحصل على الانصياع). ان سلطة السيادة هي سلطة الاب السلطوي، المستبد المطلق، او الملكية المطلقة. انها تفرض قانونها، تجمع الضرائب، تفرض العمل، وتعذب الجسد. السلطة التأديبية هي سلطة المؤسسات (الجيش، المدرسة، المصنع) التي تدرّب الجسم، تصحح السلوكيات، وتطبّع السلوك من خلال الاختبار، العقوبة، والامتحانات.

ماركسية فوكو الجديدة

 الفوكية الماركسية الجديدة هي القول باطروحتين، وهما نتيجة طبيعية لهيكل هذا التضاد بين القانون والمعايير standards. من جهة، انه حول الفرد المنضبط بمستويات تقنية تعطي من خلالها فلسفة العقد الاجتماعي نسخة ايديولوجية مثالية – "المواطن الحر". لكن هذه المساواة والحرية للمواطن تُزعم فقط لضمان قبول القيود والهياكل الهيراركية لنظام انضباطي معين. بالطبع، الدولة ليست عنفية هكذا، طالما هي تضمن وجود الحقوق الاساسية واستقرار العلاقات الاجتماعية المتبادلة. لكن هذا الضمان هو فقط لكسب مقبولية العنف الصغير للانضباط . الاطروحة الثانية للماركسية الجديدة تهدف لتأسيس وظيفة اقتصادية للآليات الانضباطية: ماركس يبيّن في رأس المال كيف ان قوة العمل تصبح قوة منتجة يمكن منها استخلاص الربح. يبيّن فوكو كيف ان التأديب يحوّل قوة حياة العامل، الجوهرية والمتعددة الأشكال، الى قوة عمل تُستعمل من جانب الصناعة.

ماركسية فوكو الجديدة يمكن ايضا رؤيتها من خلال موضوع اخر، وهو الحرب الأهلية الدائمة. ان الاطروحة الاولى اقترحت ان سلام الدولة يخفي العنف الصغير للمؤسسات التأديبية. في كلية فرنسا وبعد نشر المراقبة والعقاب، بدأ فوكو سلسلة من الدروس (المجتمع يجب الدفاع عنه: محاضرات في كلية فرنسا عام 1976 (بالانجليزية عام 2003)، الأمن، الاقليم، السكان: محاضرات في كلية فرنسا عام 1978 (بالانجليزية عام 2007) التي تقترح قراءة السياسة من حيث علاقتها بالحرب والحكوماتية governmentality .

الدولة، طبقا للنظرية الكلاسيكية، هي القانون والقانون هو السلام. بالنسبة لفوكو هذه السمة لدولة السيادة غير العنيفة تُبنى عند التقاطع بين المحتوى التاريخي من جهة والخطاب الفلسفي من جهة اخرى. المحتوى التاريخي هو البروز البطيء في الغرب(مثال فوكو الرئيسي هو فرنسا) للملكية المركزية في إعادة احياء القانون الروماني مثلما اعيدت صياغته في الدليل الغوستاني، ومن ثم في شكله الامبراطوري لأنه يسعى لتأسيس شرعية لأوامره على الناس مرتكزة على القانون العام. الخطاب الفلسفي هو الفكرة التي طورها فلاسفة العقد (هوبز مثلا) بان قانون الدولة يتكون من تحويل الافراد لحقوقهم الطبيعية مرة والى الابد، لطرف ثالث يفرض القانون الوضعي الذي تصبح مراعاته شرطا لأمن الجميع. عند تقاطعات هذا المحتوى وهذا الخطاب حقيقة واضحة – السلطة السياسية تتطلب دائما فرض السلم المدني من سلطة عليا. وفق هذا، يفحص فوكو نوعين رئيسيين من القصص: تلك القصة الخاصة بالفقهاء الانجليز في القرن السابع عشر (كوك وسيلدن)، والمعاصرين لأول ثورة انجليزية، والارستقراطيين الفرنسيين في القرن الثامن عشر(بوليانتيل و بوات نانكاي). المؤرخون الانجليز يصفون المؤسسات الملكية في ذلك الوقت كتعبير قانوني ووسيلة تقنية لسيطرة الغزاة. النورمان فرضوا قانونهم على شعب الساكسون الأصليين الذين تعارضت حريتهم مع تاريخ انجلترا. في هذه القصة، الثورة الانجليزية هي وقت الارتداد. الشيء المهم في هذه القصة، ان القانون العام يظهر كنظام قانوني مفروض من جانب طائفة المحاربين على الناس بعد الغزو، لكي يحافظ على هيمنته. النظام الاجتماعي الظاهر، جرى تأمينه بنظام القانون العام، هو لذلك كان عرضة لهذه الحرب السرية التي يسعى فيها المهزوم لإستعادة حقوقه الضائعة. وفي مكان آخر، يدرس فوكو كتابات المؤرخ الفرنسي بوليانتيل في بداية القرن الثامن عشر المتعلقة بتاريخ فرنسا. النموذج هذه المرة اكثر تعقيدا. نصوص بوليانتيل تعبّر عن جهود النبلاء الفرنسيين للزعم بتفوقهم ضد الملكية المطلقة في بناء فرنسا موحدة من خلال التحطيم التقدمي لحريات الارستقراطيين، معتمدين على دولة طرف ثالث لضمان ادارة الشؤون العامة. درس تاريخ بولانتيل يذكّر اولا الملك بان النبلاء هم مثله، من خط الفاتحين الالمان – هم بالاساس زملاء الملك – ولكن ايضا يستنكر الحلف الاستراتيجي الذي عقده الملك مع السكان ضد النبلاء. اهتمام فوكو في هذه النصوص يكمن في حقيقة ان بوليانتيل ليست معنية، مثل المؤرخين الانجليز الآخرين، لإصلاح وتأهيل القانون البدائي (الخاص بشعب الساكسون) بعد الأحداث المؤسفة في التاريخ (الغزو النورماندي). وانما، هي للادّعاء بشرعية قانون القوة (قانون المحاربين الذين جاؤوا من المانيا لقهر شعب الغال)، ولإثارة مشكلة إعادة نشاط ذلك القانون، كيف تجعل ان الأقوى يضمن مكانه وحقوقه؟ أي مؤسسات يجب ان تُبنى؟ اي معرفة قانونية يجب ان تُكتسب؟ اي قصص يجب عليهم ذكرها واي مكان يجب ان يشغلوه في المجتمع؟ أهمية هذه النصوص من جانب المؤرخين حسب فوكو هي انها تشجب أوهام السلم العام، واوهام عمومية القانون، واوهام النظام الاجتماعي. اللعبة السياسية هي ليس لعبة سلام، وانما الحرب. القانون العام هو استراتيجية الهيمنة. هذه الألعاب من الهيمنة وهذه الصراعات هي المحرك للتاريخ. هذا عكس قول كلاوزفيتيز بان الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل اخرى. فكرة دوام الحرب الأهلية توجد في الفكر الشيوعي في صراع الطبقات. انه سمح للينين لبناء تحالف عابر للبروليتاريا العالمية للكفاح ضد البرجوازية ذات المصالح العالمية ايضا. يرى فوكو ان الدولة لا تُفهم كشيء يضع نهاية لهذه الحرب البدائية. السلم العام لاشيء اكثر من لحظة استراتيجية في تاريخ الحرب الأهلية المستمرة التي تتضمن انسحابات تكتيكية ووعود بالثورة.

الدولة يمكن ان تكون ايضا عنفية. انها قد تحرض على حرب "بايولوجية" ضد شعبها. نحن تطرقنا سلفا للفرق بين السلطة السيادية والسلطة التأديبية. هذا التضاد يتسع الى ماوراء اطار الدولة. فوكو يضع خصيصا وظيفة الدولة السيادية والدولة في وظيفتها البايوسياسية (السياسة الحيوية) في تضاد. الفرق بين هذين الوظيفتين للدولة يمكن ان يوجد في العبارات التالية: الدولة ذات السيادة "تأخذ الحياة من الناس و تسمح لهم بالحياة " بينما الدولة البايوسياسية "تعزز الحياة وتسمح لهم بالموت". عندما تهتم دولة السيادة بحياة رعاياها، هذا فقط ضمن اطار التدمير: ان تحكم عليهم بالموت او ترسلهم ليموتوا في الحرب. او، انها تسمح باستمرار الحياة ضمن اطار النظام القانوني والعام . ان البايوسياسي، بالنسبة لفوكو، يحدث في اللحظة التي ترى بها الدولة ان حياة شعبها هي محط اهتمامها، مثلا، عندما هي تطبق سياسات صحية نشطة. الدولة في هذا الدور الجديد، تبدو تظهر قابليتها لتعتني بدلا من ممارسة العنف. غير ان فوكو يبين ان الوظيفة البايوسياسية للدولة كانت اصل العنف الواسع في القرن العشرين – التطهير العرقي، المجازر، الابادة . تحت اسم تكثيف حيوية شعبها كانت الحكومة النازية تميّز بين عدد من "الأعراق". ان تدمير يهود اوربا من قبل النازية يمكن فهمه حسب فوكو كانعطاف متناقض مع مشروع السياسة الحيوية، الدولة ذات السياسة الحيوية، لكي تحمي وتحسّن حياة شعبها، تبيد الأعراق الذين تعتبر وجودهم ضارا بحيوية ونقاء شعبها.

توضيحات اخرى للعنف

يجب التطرق الى آخِر طريقة يكشف فيها فوكو عن عنف الدولة. هذا وُجد في محاضراته عام 1978 في كلية فرنسا بعنوان (الأمن، الاقليم، السكان). من المألوف القول ان فوكو بين عام 1976 و 1978 أهمل نموذج الحرب . هذا التغيير لا يشكل خروجا وانما انعطافا. في عام 1976 كان يكفي القول ان الدولة في الحقيقة تؤسس السلام، لكنه سلام غير مستقر وهش و وهمي، سلام "الرابحين انذاك"، لكن الخاسرين لم يستسلموا.

يجادل فوكو بان العنف يوجد في قلب الدولة طالما هي توجد طبقا لنظام الضرورة الذي يفترض سلفا انتهاك القيم الاخلاقية والقانون والمتطلبات الطبيعية. في قرارات معينة (مثل عندما يضع الولد امه في السجن، او الملك الكاثوليكي يعقد حلفا مع الامراء البروتستانت ضد اسبانيا الكاثوليكية، او عندما يقمع الملك بطريقة دموية شعبه الأعزل من السلاح) نستطيع القول "ان هذا غير اخلاقي"، "هذا مخالف للدين"، "هذا غير طبيعي"، لكن هذا في مصلحة الدولة.

في الختام يجب ان نتذكر ان عمل فوكو هو لا انثربولوجي ولا سايكولوجي او سوسيولوجي او علاج اخلاقي للعنف. هو لم يسع ابدا لإعادة العنف للمحددات الاساسية (كسلبية اساسية، قمع طبيعي، هيمنة او احباط اجتماعي). فوكو ايضا يرفض أي مقارنة بين السلطة والعنف لأنه يرى السلطة لعبة علائقية. العنف هو عندما يصبح فيه اللاتناسق في لعبة سلطة معينة، كبيرا جدا ولم تعد فيه اي امكانية للمعاملة بالمثل.

 

حاتم حميد محسن

........................

Foucault- Philosopher of Violence, CAIRN International Edition, Issue 2, 2012

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5563 المصادف: 2021-11-28 01:57:20


Share on Myspace