 أقلام فكرية

سامي عبد العال: جنون ما داخل العقل

سامي عبد العالربما تاريخ العقل هو أكبر عائق أمام التفكير العقلاني الحُر. والقضية ليست نكتةً ساخرة، لكنها في النهاية "أبنية ثقافية"cultural  structures  تكبل الفكر بغطاءٍ غليظٍ. تمنع تأسيس موضوعاته بشكلٍّ جديدٍ أو مختلفٍ، بل تقف عائقاً أمام ابداع صورٍ متنوعة من العقلانيات. فالأخيرةُ أكثر روغاناً مما نعرف في تجلياتها المباشرة، لأنها تأتي بصيغة الجمع لا الإفراد. لو جاءت العقلانية واحديةً، فهي تناقض ذاتها وتعلن موتاً محققاً لِمَا تُنادي به. كما أنَّ نمط العقلانية يتواطأ مع تقاليد الأديان والمذاهب والهويات لتجميد الخيال. فلا يمر عصرٌ من العصور إلاَّ وتتحالف مفاهيم العقل خلاله مع الثقافات السائدةِ. لتأخذ قوتَّها الغالبة من عنف الأنماط الكلية للتفكير والاتجاهات السياسية المسيطرة. إذ ذاك يتخفى العقل زاعماً أنَّ بدائله المتاحة تقوم بأدواره الحُرَّة!!

قد يبدو أنَّ تحطيم العقلانية ضربٌ محقق من الجنون. لكن حينما يعيها العقل نقدياً كـ" صدَّفةٍ مقوَّاة " مضروبة باغلاقٍ حولّه إنما يعي ذاته المتكلسة. هنا لا بد له من جُموح طافح بالتمرد، لا بد له من مسار ثوري غاص بالاختلاف الجذري. حتى يمزِّق أردية الثقافة على قارعة العواصف والأنواء، وحتى يسلخها سلخاً من خلال طاقاته الحية إزاء جوانب الحياة. العقل باستمرار يحتاج جنوناً جامحاً يسكنه، يخرِّب أركان قصوره المنيفة، يسهر على تحطيم أبراجه العالية. على أن يقبع الجنون داخل العقل كنقيق الضفدع في أوحال الأرض. فدائماً لا يُجن أي شخصٍ من الخارج، لكنه ينحرف فكرياً بواسطة قدراته. جنونه أنْ يقلب أضابير نفسه وجوانبها ليلاً ونهاراً، أنْ يتخلخل، أنْ ينهار، أنْ يتداعى، كأنَّه داخل سرك بشري مفتوح مشاهداً كافة الحقائق تتقلب عن كثب.

إنَّ تمثيل هذه المسألة بمشاهد الطبيعة ربما أكثر دلالة في هذه الأوقات. فالأفكار كالطيور.. لا تخطئ الحركة والانتقال من مكان إلى مكان. ولئن شعرت بالقيودِ، فلا تمل القفز انفكاكاً من أسرها وإذا تمَّ الامساك بها تصاب بالذبول والخمود. لتظهر منكمشةً في هيئة ورقية ضعيفة. هي عندئذ تتطلب رياحاً تقلها هنا أو هناك. ولئن نهضت، فلا تغرد،  ولا تنثر نغماتها إلاَّ في الهواء الطلق. وما إن تقفز حتى تحلِّق بملء أجنحتها. أقول مجدداً الأفكار مثلها مثل الطيور لا تستقر داخل الأسوار الثابتة إلاَّ لماماً. هي تتغذى بالطريقة نفسها من خشاش الحياة والأحداث والتاريخ. ذلك يضع حدود العقل قيد الشك.. فما هي تلك الحدود؟ بل هل توجد آفاق له أصلاً؟ وكيف يقطن الإنسان ثقافةً هي الوجه المقلوب للجمود العقلي؟!

تنطلق الأفكار المبدئية كانطباعات، هواجس، حدوسات، مواقف، سوى أنَّ المفاهيم الجارية تحنطها إلى درجة الجمود. عندئذ تُكفن، تدخل مقابر الثقافة، وتتحلل انتظاراً لبعث آخرٍ. لأنَّها تخضع لقوالب جاهزةٍ تحت شروط الإدراك المتعين اجتماعياً وثقافياً. ويجري انتاجُها في صورة المعاني المتعارف عليها. والصورة المنتقاة عبارة عن إطارٍ معرفي يعطيها ثبات الاعتقاد إزاء عالم لا يكف عن التغير.

حركة التفكير إذن هي عملية اخراج الأفكار من الأجداث، من الأكفان كي تمارس حياة وغياباً في اللا حدود مرةً بعد مرة. لتمضي عمرها كله بحثاً عن سكناه. وقد تتخلق كما تتخلق اليرقات، وتتعدد في أشكال لا تنتهي. ولكن الفكر لا يقف فارغاً إنما يتعلق بتأسيساته القصوى. ولذلك ما لم ينغرس جذوره في الأرض خارجاً بكل غرابته لن يكون ثرياً. فالنباتات الوارفة تضرب في تربه غنية الطباق. أنْ تنبت البذور والأشجار يعني أنْ تتفتق الأفكار بكل قوتها الجامحة.

لكن المجتمعات العربية تدفن الأفكار ثانيةً، تحوطها بالأسوار الشائكة من عصر إلى آخر. وغالباً ما تصنع لها أقفاصاً حديدية لكيلا تناوئنا بشكلٍّ أكثر حيوية. ربما ذلك خوفاً من المجهول أو تحسباً لوطأة المستقبل. توثق الأمثال الشعبية قمعاً ثقافياً كهذا القمع. يقول إحداها: " اللي تعرفه خير مما لا تعرفه". في علاقةٍ آثمة معرفياً بما هو مغاير. لأنَّ التربية ترتد إلى الوراء لدرجة الاختلال. كلُّ شيءٍ يقول كُّن كما كان الآباءُ. يجب عليك ألاَّ تنظر إلى سواه. وأنْ تفطن وتكرر أمراً مألوفاً خير لك من معضلات الشيء الجديد، فلربما يأت عاصفاً بكل احتمالاته التي لا تقدر عليها!!

وصيغة التفضيل في المثل السابق ذات نبرة دينية لا يخطئها الوعي. فالخير غلاف لاهوتي تصنيفي للأفعال المفضلة. وهو يفترض الطرف الآخر تلقائياً بمجرد إطلاقه في الهواء، أي الشر. فما لا نعرفه يعد شراً على طول الخط حتى قبل أن نعرفه!! لا لشيء إلاَّ لكونه سيئاً ومجهولاً. إنه الحكم المطلق المدعوم بكل مبررات دينية ممكنة. والخلط كذلك واضح بين المعرفة التي تحتم الضرب في المجهول شقاً للدروب غير المطروقة وبين الاقتراب من مجهول الشر. وفي القرآن آية دالة توضح ذلك" يا أيها اللذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إنْ تبدى لكم تسؤكم". والتناظر في المعنى لا يجانب الفهم. لكن التحول الثقافي  للمعاني من المستوى الديني إلى المعرفي أفشل الاتيان بالجديد والمختلف ووقف حائلاً دون المغامرات النزقة.

مثل شعبي آخر: "عصفور في اليد خير من ألف على الشجرة". وليس أكثر ضيقاً من قبض اليد على الريح بينما العالم يتغير حولنا بلا توقف. لأنك قد تمتلك أفكاراً معينة. وفي هذه الحالة ليست مهمةً بقدر إراحة العقل من الأسئلة القلقة والمحيرة. لذلك يبدو أن ما باليد محض وهم ما بعده وهم. لأنَّه خيط دخان لن يجدي معه شيء. فالعقل العربي يتكون وهمياً حول مسلمات وعادات وتقاليد. ويرتعد من اجتراح آفاق مختلفة. وحتى إذا وجد مناخ العالم ثرياً باتجاهاته لا يحاول اقتحماً إلاَّ مناورة عائدا للخلف.

أمَّا المثل الأكثر دلالة فهو" القرش الأبيض ينفعُ في اليوم الأسود". حيث حكمنا على غدنا الآتي في قادم الأيام بالسواد. وما يجري به الحُكم قد تأتي به العادة. وذلك تحسباً لانطلاق الأفكار من الأسر والتوليف على أفكار الجيران فتنتشر الفضائح. تتزاوج بمنأى عن عيوننا التي لا نكاد نرى بها شيئاً. وفوق ذلك نريدها أفكاراً عذراء لم يمسسها بشر!! أليس ذلك تصوراً فضائحياً حول الفكر؟! نحن نحجم عن الحوار وتلقيح الأفكار، لأنَّ تلك حادثة شرف كحوداث الشرف التي لا تخلو من ضحايا! إنه التصور الاخلاقي الذي يجرِّم علاقات الحب والعشق والصداقات. ومنها يحرِّم اختلاط الأفكار حتى تعود بريئة نقية خالصة لما ورثنا. كما هو تحريم اختلاط الفتيات بالشباب. فكان الحل هو الحرملك الاجتماعي الديني. وقد انتقل إلى الأفكار العامة في السياسة والدين والمعرفة. إنه حرملك ميتافيزيقي بحجم الأرض والسماء.

تلك الإرادة العامة القمعية مستحيلة المنال. لأنه لا توجد- إلى حد الخرافة- أفكار بكر، جرياً مع رأي الجاحظ إن المعاني (ومن ثم الأفكار والمفاهيم والتصورات) منثورة في العراء أمام التفكير البشري. إنها طوع أي عقل وقد مرت من إنسان إلى آخر، ومن مجتمع إلى غيره ومن ترحال إلى ترحال سواه، ومن حياة إلى موت، ومن موت إلى حياة. لكن المهم عند الجاحظ هو جودة اللفظ وحسن السبك.

وحتى هذا الوضع لم تحسنه الثقافة العربية إلاَّ صخباً (كثرة المحسنات البديعية. كالسجع، الجناس، الطباق، التي تغرق التراث الأدبي والشعري والديني). ولم تصُغه القرائح إلاَّ عنفاً (صيغ المبالغة، تورم الأسماء وتضخم أوصاف الرجال والأزمنة والأمكنة الدينية والمقدسة). ولم تمارسه إلاَّ قهراً (كألقاب الحكام في التاريخ العربي التي تُسند إلى إرادة إلهية.. الحاكم بأمر الله، المقتدر بالله، المعتصم بالله...)). وعلى افتراض التسليم بذلك، فالأفكار تختلف خلال صخبها الوبائي أيضاً. لأنَّ الفكرة الواحدة لا بد أنْ تتباين حتى داخل نفسها، ذلك كبذرة نباتية تنقسم إلى فلقتين.

فإذا بنا نكتشف أنَّ الأفكار عالم متناقض قائم بذاته. وإذا اعدنا التفكير فيها ستحدث تحورات في شكلها المعهود. عندئذ أصبحت فكرة ثانيةً تردد أصداء الفكرة الأولى. وريثما يتم التحدث عن الفكرة ذاتها مرةً غيرهما فقد أمست ثلاثاً. إذن ستكون فكرة متراكمةً مع ذواتها المتعددة. كالجذمور لدى جيل دولوز، لا نعرف أية أصل جذري واحد للإنبات من خلاله. الجذمور باللاتينية: rhizoma عبارة عن ساق تنمو أفقياً تحت الأرض يستعملها النبات للانتشار والتعشب والامتداد. ومن خلاله تتكون نباتات جديدة تطلق جذوراً أخرى. ويتميز بسيقان عند العقد المفصلية مثل الأعشاب الأرضية والنباتات النجيلية. وهكذا الفكرة كائن غريب ينمو وتظهر جانبها القابلة لذلك. وجميع مفاصلها تنزع نحو التحرر والاندلاق.

تعيش الطيور في الطبيعة حرة، وعلى منوالها تعيش الأفكار في التاريخ إن صح ذلك. تعطي الأولى للطبيعة امتلاءها الصاخب بينما تمنحه الأفكار للتاريخ. صحيح أن أصوات الطور والأفكار غير متناغمة، سوى أنها تتآلف مرة وتتناحر مرات. فالأفكار تتخلق في هيئة الطيور والطيور تحط على أسوار العقل كالمعاني الشاردة. وقد يكون للأصوات رتم نغمي. ومع ذلك سيظل متنوعاً إننا عندئذ نسمع لحناً بولوفونياً polyphonic متعدد المستويات والنغمات.

إذا كانت مقولة هيدجر: "وحدها الغابة السوداء تلهمني" عبارة بارزةً فلسفياً، فإنه يترجمها بمشهد مماثل. ولنا أن نتتبع تنوع المعاني بعمقها الوجودي: " لا أتأمل المنظر الطبيعي المحيط بي بالمعنى الحرفي للكلمة، أنا أحس نبض تحولاته من ساعةٍ إلى أخرى، ومن غسق الليل إلى تجلي النهار، خلال تعاقب الفصول. إنَّ ثقل الجبال وصلابة صخورها القديمة، والنمو الحذر للأشجار، والبهاء المضيء للحقول المزهرة، وأغاريد الطيور المحلقة وهمس السيول في ليالي الخريف، والبساطة الصارمة لمساحات مغطاة بالثلوج، جميعها تتسرب إلى الحياة اليومية، وفيها تتجمع وتتراكم وتتموج".

أمَّا أخطر الأمور أن نعتقد كون الأفكار راسخة بإطلاقها دونما نقد. مثلما يقال عن قطعة المعدن حين نمسكها بين أصابعنا. إنها شديدة الصلابة. فحتى هذا الاعتقاد الأخير ليس صحيحاً. أشار عالم الفيزياء آرثر إدنجتون أن الأشياء المادية التي نراها ليست إلاَّ ذرات سابحة في أثير من الفضاء. وأن أكثر المواد خداعاً ما نقبض عليه بقوة، بيد أنه ينسل من أصابعنا كما ينسل الماء. إذن لا مفر من اختلاف الأفكار كاختلاف الكائنات الطبيعية واختلاطها ببعضها البعض. وأن تحدث لها انحرافات في الوظائف كحال التحورات في الوظائف التشريحية للكائنات، إلى أن تظهر كائنات جديدة منها. فالفكرة التي نأخذها عن شيء حياتي قد لا تكون صحيحة تماماً طالما يأخذ أشكالاً، وطالما أنه متاح لأي إنسان . وإلاَّ لأضحت إيماناً وعقيدة!! وهذا مستوى آخر يحتفظ بتناقضه، أي يتكرر حتى يمكن التسليم به.

لهذا قد تتجمع الأفكار في أشكال نسقية وشبه علاقية. كما تتجمع الطيور في اسراب وتتمايل وتنفرط. ولربما تنزلق هنا أو هناك دون رابط، كما تتناثر نقوش التاريخ وبقايا الأحداث وآثار الحياة وأصداء الأخيلة. فعلى القارئ أن يعيشها مثلما عاشت. وهو إذ يفعل فلن يزيدها إلا تنوعاً وفيضاً. لسبب يبدو مذكوراً منذ قليل أن الأفكار تتحول، تمر بتجربة بنوعية على صعيد الفرد الواحد فما بالنا بالمجتمعات. إذ تطرحها بصيغ الجمع. دوماً الأفكار في حالة جمعٍ. وما دامت كذلك، فلعلَّها تمحُو عوالق الانغلاق المقيت الذي قد يُرهن وجوده بفكرةٍ غير موجودةٍ.

 

د. سامي عبد العال

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5609 المصادف: 2022-01-13 04:04:47


Share on Myspace