حيدر جواد السهلانيإن أول من استعمل لفظ اللوغوس (Logos) أو العقل الكوني هو هرقليطس من أجل تفسير نظام الكون تفسيراً عقلانياً بعيداً عن الفهم الميثولوجي والأسطوري وقد تصور هرقليطس العقل الكوني على أنه محايث للطبيعة ومنظم لها من داخلها، فهو النور الإلهي الذي يبث الحياة في الطبيعة والحركة الفعالة الهادفة، وهذا التصور هو إقرار بوحدة الوجود. أما افلاطون فقد اعتبر العقل ملكة أو قوة نفسية تتميز عن باقي القوى الحسية الخيالية والشهوانية والانفعالية، ويميزه عن النفس على اساس أن النفس هي مبدأ الحياة وكل ألوان النشاط الحيوي. ويستعمله ارسطو بمعنى أداة المعرفة أو النفس الناطقة وهو القدرة على إدراك الصور الكلية والماهيات، والعقل الأرسطي عقلان، عقل نظري يدرك الكليات، وعقل عملي يدرك الجزئيات، وكلاهما يطلب الحقيقة، فالنظري ينزل من المبادئ إلى النتائج، ليرتقي العملي من آخر نتيجة إلى أعلى مبدأ. أما في الفلسفة الإسلامية فلم يختلف كثيراً عن معناه في الفلسفة اليونانية، فمثلاً الكندي يستعمله بمعناه الأرسطي، وهو جوهر بسيط مدرك الأشياء بخصائصها، أما أبن سينا يرى في العقل فهو جوهر غير قابل للفساد، ويقسم ابن رشد العقل إلى العقل المنطقي والعقل البرهاني والعقل الذي يستجيب للوعظ والأدلة الخطابية. وعند أبن عربي العقل هو العلم وهو صفة يتأتى بها إدراك العلوم. ويرى اوغسطين بأن الإيمان ضروري للعقل والعقل ضروري للإيمان، أما القديس أنسلم، فيرى العقل هو وسيلة للمعرفة وهو سبيل الإيمان، أما توما الإكويني يرى أن العقل والعقيدة يرميان إلى غرض واحد، وبالعقل نفهم الوجود، وبالعقل والوحي تتم المعرفة لكن العقيدة أولاً. وفي الفلسفة الحديثة بدأ التسليم بأولوية العقل فمثلاً فرنسيس بيكون يرى بأن العقل وحدة يكفي للوصول إلى الحقيقة بدون الوحي. أما كانت استعمله بمعنين، العقل العملي وهو ملكة متعالية تتضمن مبادئ لكل فعل أخلاقي، أو العقل الخالص أو المحض، وهو الملكة المتعالية التي تتضمن المبادئ القبلية للمعرفة وتؤسس بذلك العلم. أما هيجل يعتقد أن الحقيقة النهائية التي هي أساس كل الحقائق هي العقل، ويرى أنه لا يتم الوصول إلى حقيقة العالم إلا إذا تدرجنا بمراتب العقل من الأدنى إلى الأعلى وقال عبارته المشهورة إن ما هو عقلي حقيقي، وما هو حقيقي عقلي. ويرى برغسون العقل ليس أداة صالحة لإدراك الحياة، لأنه والحواس أدوات للتجزئة، أما رايشنباخ يرى في العقل يعبر عن حالة جسمية تدل على أنواع معينة من الاستجابات، ويعرفه زكي نجيب محمود بأن العقل هو ضرب من النشاط يعالج به الإنسان الأشياء على وجه معين.

أما سلامة موسى فيعتقد أنه ليس هناك شك في تأثير العقل بالجسم وتأثير الجسم بالعقل، فيرى أن الشخص إذا خجل من شيء ما احمرت وجنتاه، ومعنى هذا أن خاطر الحياء الذي خطر بذهننا قد أثر في القلب وفي اوعية عروق الوجنتين حتى أحدث تورهما ومعنى هذا أن كل الأفكار والخواطر التي تمر بأذهاننا يتأثر بها الجسم، وبذلك كل العواطف تؤثر في اجسامنا، فإذا مثلاً تضاحكنا وليس هناك ما يضحكنا، فإن التضاحك يحدث سروراً عندنا، وينتهي بنا إلى الضحك الحقيقي، وإذا تباكينا انتهى التباكي المصطنع ببكاء حقيقي، ومعنى هذا أن الجسم يؤثر أيضاً في العقل، والواقع أن الجسم والعقل كتلة واحدة، ولا يمكننا فصل أحدهما عن الآخر فالتفكير يحتاج إلى الاثنين معاً، وكل خاطرة أو فكرة تمر بذهننا مهما كان مرورها لا بد لها من أن تحدث لنا عاطفة تؤثر فينا وهذه العاطفة تنتهي برغبة وإرادة، وبذلك أن العقل يؤثر في الجسم إلى حد الموت، فالخوف يقتل بعض الناس والخوف فكر أو خاطرة، فيرى موسى مثلاً عندما حدث زلزال في اليابان وجد ناس قد ماتوا لا لأنهم جرحوا أو اصيبوا بل شدة ما استولى عليهم الرعب، فهم ماتوا من الوهم.(1) ويرى موسى ولأن العقل يؤثر في الجسم عن طريق العواطف، فكر بعض السيكولوجيين في البحث عن الجريمة بإيجاد آلة تقيس النبض ودقات القلب من حيث انتظامه وكذلك التنفس وضغط الدم، فإن جميع هذه الأعراض تظهر وقت الخوف مثلاً، فإذا قلنا لأحد المتهمين بسرقة ساعة ذهبية بسلسلة من الذهب، فإن هذه الكلمة تستدعي معاني أخرى كثيرة، لأنها ترتبط بعاطفة معينة ما، فالارتباط هنا عاطفي.(2) ويعتقد موسى أن الإنسان بعقله ووجدانه يستطيع أن يجعل فهمه موضوعياً وأن يصل إلى حقائق الدنيا كما هي في حقيقتهما، فإن قيمة العقل أنه يتسلط على غرائزنا ويحملنا على الاعتدال، ولكن بلا زهد أو نسك، أي بلا إنكار للغرائز، وقد يكون في القليل من الزهد قيمة في التأنق في الاختيار.(3)

يؤمن موسى بما طرحة علماء النفس وخاصة فرويد فهو يصفه بقوله بأنه رائد علم النفس وهو اضخم شخصية في علم النفس، أذ هو كولمبس الذي كشف الأرض المجهولة وخططها ورسم معالمها. ويؤمن بوجود عقل باطني وعقل واعي، والعقل الباطني هو ذلك العقل الذي يعمل على غير وعي منا وبه نحلم ونحن نائمون وبه تخطر علينا الخواطر ونحن في اليقظة، أي حين يكون العقل الواعي غير يقظ تمام اليقظة، والعقل الباطني يعمل كأنه مستقل عنا، وهو يقرر ميولنا وامزجتنا، بل هو الذي يكون اخلاقنا. والعقل الباطني هو العقل الذي نحكم به والذي يورد إلينا الخواطر اللذيذة، وهو الذي يقرر عقائدنا الدينية والسياسية ويكون الأخلاق والامزجة، ويعمل لرقيهم أو انحطاطهم، وهذا العقل قديم في نفوسنا وطريقة اقناعه ليس المنطق، بل الإيحاء، وهو يجري على اساليب قديمة في تفكيره، فهو لا يمثل الصور المجردة للمعاني، ولذلك فطريقة تفكيره هي الرموز. وللعقل الباطن ميزات منها:

1- يختزن ذكرياتنا لكيلا تعوق العقل الواعي في عمله ثم يقدمها لنا عند الحاجة.

2- أنه يعطينا فيؤدي ما نطلبه منه، وتزداد هذه الطاعة بالتمرين حتى أن أبن عربي قال إنه يمكننا أن نحلم ما نشاء في النوم.

3- أن جميع الخواطر والأفكار تؤثر في اجسامنا كخاطرة الحياء على سبيل المثال لا الحصر.

ويعتقد موسى من فعاليات العقل الباطن، أنه تقوم في النفس العقائد بالتلقين والإيحاء، وهي في ذلك تختلف من المعارف، فالمعرفة عقل وتجربة وافكار، ولكن العقيدة تلقين وإيحاء وتكرار، فالناس ينشؤون على عقائد آبائهم، لأنهم يتلقونها وهم صغار وتتكرر أمامهم مرات حتى ترسم في عقولهم الباطنة، ويصبح نزعها أشق عليهم من الموت، وبذلك يرى موسى أن أردت أن تقنع احد فليس سبيلك إلى ذلك العقل وإنما التكرار، وكذلك إذا اردت أن تقنع أحداً برأيك فسبيلك إلى ذلك التكرار وليس المناقشة المنطقية، وليست إعلانات التجار التي نراها كل يوم في الصحف سوى نوع من التلقين والإيحاء، وغايته إيحاء العقيدة بالتكرار في نفس القارئ، والعقل الباطن إذا لم يكن على وفاق مع العقل الواعي حدثت لنا العصبية وكثرت الزلات، وبتحليل خواطرنا واحلامنا نقف على اصل الخلاف، ولكننا بالتسامي نستطيع أن نرفع اغراض العقل الباطن إلى ما يوافق عقلنا الواعي ونزيل بذلك الخلاف، وبالتلقين نجعل عقلنا الباطن في خدمتنا ونجنده حتى يسعى لتحقيق اغراضنا، وبذلك أن العقل الباطن هو العامل المهم في الأخلاق والأذواق والعواطف هي المحرك للأخلاق والباعث للنشاط وأن العقل الواعي هو عقل المعرفة والبرهان والتجربة، والعقل الباطن هو عقل العقيدة وخزانة العواطف المكبوتة التي يمنعنا الحياء أو الشرائع أو الفقر من الاستسلام وهو ينفس عنها بالخواطر والأحلام.(4) أما العقل الواعي، فهو العقل الراقي الذي به تدبر تدابيرنا وهو أصل الاكتشاف والاختراع والبحث العلمي ويمكننا أن نجادل ونناقش به، فهو العقل الحديث ويحاول تحقيق غايات الشخص بالعلم والمنطق والطرق السليمة، وهو يفعل ذلك على وعي أي دراية، أما العقل الغير واعي وهو العقل القديم ويحاول التحقيق بطرق قائمة على الأثرة والتهجم أو بطرق وحشية محضة وكل ذلك بلا وعي.(5)

 

حيدر جواد السهلاني

............................

الهوامش:

1- ينظر سلامة موسى: العقل الباطن، مؤسسة الهنداوي، القاهرة، ص71- 72.

2- ينظر سلامة موسى: عقلي وعقلك، دار الكاتب المصري، القاهرة، ص29.

3- ينظر سلامة موسى: فن الحياة، مؤسسة هنداوي، القاهرة، ص13- 15.

4- ينظر سلامة موسى: العقل الباطن، ص9- 14- 72- 75- 84- 117- 141.

5- ينظر سلامة موسى: المصدر نفسه، ص14- 19.

 

 

علي محمد اليوسفأن فيلسوف فلسفة العقل الانكليزي جلبرت رايل(1900 – 1976) أعتمد افصاحات العقل مثل" المعتقدات، الرغبات، المواقف، النوايا، المهارات، الفضائل، حالات المزاج"1، أعتمدها مجرد طرق واساليب استخدامات الكلام فارغا من محتوياته المضمونية في تاكيد حضور اللغة كمرتكز تدعيم محورية المعنى في التوازي مع محكومية نظام الواقع الخارجي المادي. وركنت فلسفة العقل في مركزيتها معنى اللغة هي وظيفة اللغة التاويلية كبنية نسقية داخلية في أعتماد العقل بمحدوديته الوظائفية على أن التعبير الحقيقي الوحيد الذي بات يمتلكه العقل هو (المفاهيم) كمطلقات خارج معرفة العالم الخارجي الواقعي كمثل موروثات الاهتمام الاستثنائي في الابستمولوجيا، فالمفهوم لم يعد في فلسفة العقل واللغة يعوّل عليه حضوريا محوريا بدلالة معنى اللغة وفائض المعنى التأويلي الملازم لها.، حينما جعلت من العقل مجردا من خاصية التجريد اللغوي الذي باتت تحتكره اللغة بعيدا عن الخصائص المعرفية التي تقوم على مادية وفيزياء العقل لتحتل اللغة مكانة اللغة في فلسفة العقل على أنها سلوك لغوي وليست وسيلة تواصل أجتماعي ولا هي وسيلة أستحصال معارف أبستميولوجية وهو ما أعتمده فلاسفة العقل اللغوي الاميركان تحديدا.

العقل والجسد

يذهب ريتشارد رورتي (1931 – 2007) أحد رواد فلسفة العقل واللغة الاميركان الى "مسألة العلاقة بين العقل والجسد هي مجرد خطأ مؤسف وقع فيه لوك، يختص بكيفية حصول الكلمات على معنى"2، من المؤكد أن الكلمات الشيئية لا تسبق مدلولات معانيها في انطباعات الذهن الصوري التجريدي عنها، ومعنى الشيء لا تبحث عنه الكلمات التجريدية، التي تناسبه في المطابقة التعبيرية اللغوية عنه. بل الاشياء هي التي تبحث عن معانيها في الحصول على الكلمات التي تجانسها التعبير عن حقيقتها التي يمكن الاطمئنان الاخذ بها. أهم ميزة للاشياء هي أن يدركها العقل كموجودات لا معنى لها من غير تعبيرالفكر واللغة عنها. الاشياء المستقلة خارجيا في عالم الاشياء تفقد التعريف الادراكي بها من غير فكر لغوي يعبر عنها، لكنها لا تفقد موجوديتها الانطولوجية من غير عقل يدركها.

من الامور التي نتجاوزها بسهولة هو عدم الاعتراف بأن موجودات الاشياء لا تعطي الادراكات والانطباعات الاولية واللغة نفسها على حقيقتها، الموجودات الواقعية لا تفهم بتعابير اللغة الادراكية المباشرة في التعبير عنها تماما.وأنما كل موجود في عالمنا الخارجي يمتلك لغة خاصة به متموضعة فيه هي جزء من تكوينه المادي. بمعنى ادراك الشيء هو ادراك اللغة الكامنة المتموضعة في تكوينه قبل تشكيل لغة المدركات الانطباعية الذهنية التي تنقلها الحواس عنه. كل معنى لفظي بالكلمات أو بالكلام أو بتعبير اللغة عنه كتابة هو معنى زائف حينما يكون منطلقه (وهم) أحتكار حقيقة الشيء تكمن بالتعبير عن معناه كمدرك صفاتي خارجي فقط...

التعبير عن المعنى الادراكي البدئي الاولي للصفات الخارجية لا يعني التعبير عن حقيقة تلك المدركات سليما عقليا، وحقيقة كل شيء يعطي معناه في وجوده الواقعي ضمن نظام الاشياء والموجودات. محاولة فلسفة العقل جعل نظام اللغة نسقا مستقلا كافيا لمعرفة العالم بدلالته المتوازية مع الحياة الواقعية، في انفصال تعبيرات اللغة عن مدلولاتها الخارجية المادية هي بالنتيجة عملية مصطنعة لا فائدة منها لسبب عدم توافر شروط انبثاقها، قبل عدم توافر شروط براهينها الصادقة.

الفكر واللغة وجودهما الحقيقي كجوهرين يتبعان العقل يكمن في تداخلهما الاحتدامي مع موجودات العالم الخارجي، ومن غير المتاح الممكن جعل زيف توازي نظام اللغة النسقي داخليا وانفصاله عن نظام العالم الخارجي حقيقة صادقة يخطؤها العقل.

كما يعتبر رورتي دقيقا قوله (أن نعقل الشيء (خطأ) هو حينما نعتبر العقل مجردا من حالات الظاهرية والقصدية)3، الوعي القصدي عند رورتي وسيلارز ومن قبلهما فلاسفة الوجودية برينتانو، هوسرل، هيدجر، وسارتر ينتقص من خصائص الوعي العقلي الادراكي مجردا عن قصديته...فالادراك القصدي العقلي هو جوهر فاعلية حقيقة العقل. ولو يتسّنى لنا مقايسة تعبير رورتي مع فلاسفة الوجودية، نجدهم توقفوا عند نقطة التقاء لا تزال فاعلة، بمعنى رفضهم تجريد العقل الادراكي من وعيه القصدي، يعني تجريده من ملكة التعبير عن نفسه وذاتيته قبل تجريده من التعريف عن مدركاته الشيئية. العقل يدرك بخصائصه الجوهرية الثابتة التي منها الوعي القصدي، فالعقل بأدراكه موجودات العالم الخارجي لا يدركها من دون ملازمة سؤال لماذا يدركها؟ ولا نكتفي بتوضيح كيف يدركها؟ أي أن التعبير عن مدركات العقل يستبقها توفر شرطين هما موضوع ادراك العقل واقعيا أو خياليا، وثانيا الهدف المتوخى المطلوب قصديا من عملية الادراك وما هو الوسط الذي يحتويه العقل ومدركاته. كل مدرك مادي يكون ادراكه العقلي ناقصا حينما يكون تعبيره اللغوي وصفيا لصفاته الخارجية وليس أمعانا قصديا في معرفة حقيقته الوجودية.

لذا فالعقل لا يعقل الاشياء بمنطق جون لوك التجريدي وبيريكلي على صعيد الفكر فقط الذي يوازي الواقع الخارجي ولا يقاطعه الذي يدينه رورتي لكنه يعتمده في محاججته الفلسفية في ادانته انهمام العقل بالابستمولوجيا كمبحث تاريخي فلسفي.

وأيمان رورتي بتوازي نسقية نظام اللغة الداخلي كبنية مستقلة في قطع علاقتها بالانسان والعالم الخارجي، قبل وضع اكتمال نظام اللغة القائم على المعنى المجرد اولا قبل المضي في أعتماد نظام نسق اللغة تفسيرا للعالم وموجودات الطبيعة من ضمنها الانسان.

لذا مقولة رورتي بالوعي القصدي شرط ادراك العقل هو مانود تاكيد سلامته وصحته وأن كان الوعي القصدي لم يكن من اختراع فلاسفة العقل واللغة ابرزهم جون سيرل كما بيناه في اسطر سابقة... قصور الادراك هو تعبير عن تجريد فعل الادراك الحقيقي للعقل في معرفة الاشياء بادراك وعي قصدي هادف ولا يكون هناك معنى لادراك لا يتوخى ما هو مطلوب وراء عملية الادراك. الادراك وسيلة معرفية وليست هدفا معرفيا. ولا يلزم أن يكون للعقل فاعلية أدراكية بدون أسبقية قصدية تلازمه وتتقدمه. ولم تكن القصدية فتحا جديدا بالفلسفة التي ركزّت اهتمامها على تعالق الوعي بين فهم كلا من الذات والموضوع وعلاقة الوعي بالادراك وتعبير اللغة ايضا.

نجد رورتي يؤكد هذا المنحى القصدي في الوعي العقلي تشبيهه الاشخاص مثل الكتابات لهم صفات قصدية تسعى تحقيقها باسلوب الكتابة. فهو يؤمن بالاشخاص سلوكا معرفيا يرتبط بعلم النفس والاجتماع على صعيد السلوك الذي هو تجسيد لغوي غرضي. فكما يكون للاشخاص أهدافا يسعون تحقيقها هي نفسها الكتابات التي تلازمها قصديتها وتكون الاهداف التي تريد توصيل قصديتها بوسيلة لغة الكتابة. طبعا المنهج السلوكي باللغة الذي يعتمده فلاسفة اللغة الاميركان ينكره عليهم بشدة عالم وفيلسوف اللغة الشهير نعوم جومسكي في منهجه التوليدي القائم على الفطرة اللغوية التي تنمو طبيعيا مع تقدم الطفل بالعمر.كما ينكر ذلك جلبرت رايل فيلسوف العقل الانجليزي.

والاكثر أهمية أن فلاسفة التاويلية اللغوية التحليلية الاميركان مثل سيرل، وسيلارز، وكواين، وسانتيانا، وغيرهم يفهمون بأيمان مطلق أن كل تجديد فلسفي امريكي هو في جوهره تعبير عن الحياة بالاستناد الى مرجعية الفلسفة الاميريكية الام (البراجماتية) أو الذرائعية. فالفلسفة عندهم ليس مهمتها تغيير الحياة بل مهمتها فهم وتفسير الحياة بمنطق نفعي عملياتي واقعي يقوم على التجربة الميدانية وليس على تناسق النظام التنظيري البنيوي الذي يفتقد تجربته في الحياة. لا قيمة حقيقية لنظرية فلسفية أو ابستمولوجية لا تحقق منفعة بالحياة. وفلاسفة العقل واللغة الاميركان أنما يجدون في الفلسفات الاوربية والفرنسية منها بالذات هي تقليعات وموضات تعوّدها الفلاسفة الفرنسيين ويتعاملون معها الاميركان دونما المساس بمرجعية الفلسفة الذرائعية.

رورتي والعقل

يقسم رورتي كينونة الانسان كوجود فيزيائي كالتالي:

- الوعي ومركزه الدماغ والمشاعر والحركات الجسدية.

-  العقل الذي تدور حوله مواضيع المعرفة والذكاء واللغة.

-  الشخص في صفاته المنسوبة له الحرية، المسؤولية، الاخلاق.4

هذه الفعاليات التمييزية الصفاتية التي ذكرها رورتي هي وظائف العقل بدلالة تعريف معنى الوعي / ودلالة المعرفة والذكاء واللغة / ودلالة معنى الحرية والمسؤولية والاخلاق/. هذه الدلالات الثلاث المتفرعة على اكثر من منحى هي تجريدات ذهنية يطلقها العقل مصدرها الوحيد. لذا ما يرغب توصيله رورتي منها أن هذه التجريدات الذهنية المتفق عليها اصطلاحا لا معنى تجريدي لها ولا معنى حقيقي لمعرفتها بدون دلالة العقل البيولوجية الفيزيائية فقط.

رورتي رغم مزجه بين العقل غير الفيزيائي الذي ماهيته الفكر واللغة التجريديين حسب تعبير ديكارت، مع العقل الفيزيائي الذي يعتمده كعضو بيولوجي يتعالق بجسم الانسان لحين وفاته لم يخلط بين الفارق ماهو صادر عن مخ الانسان بيولوجيا، مع ما ينسب للعقل مهمته توليد الافكارالمجردة المعبرة عن مدركاته من المواضيع والاشياء. ديكارت حين اطلق مقولته العقل جوهر ماهيته الفكر التجريدي لم يكن يخطر في وارد تفكيره عن العقل الفيزيائي وغير الفيزيائي هما عقل واحد في التعبير عن المدركات بالفكر واللغة تجريديا. هنا نستطيع القول أن العقل غير الفيزيائي هو الانجاب اللقيط للعقل الفيزيائي وليس هناك من وارد صحيح في الفصل الحقيقي بينهما على صعيد الدلالة البيولوجية والتجريد فالعقل بدلالة الوظيفة الادراكية والتعبير عنها هو عقل واحد غير قابل للتجزئة.

ويميز رورتي بين الكائنات ذات العقول (الانسان) يقابلها الكائنات الفيزيائية التي لا تمتلك العقل مثل الجسد، المادة، الجهاز العصبي المركزي، والطبيعة . ويعمد الى تعداد صفات العقل الذي يخلط فيها عدم التمييز بين العقل كعضو بيولوجي فيزيائي جزء من تكوين الانسان يختص بمهام لا يمتلكها العقل غير الفيزيائي الذي له مهام لا يستطيعها العقل الفيزيائي ألا في المداخلة بينهما الفيزيائي مع غير الفيزيائي في التعبير اللغوي المجرد وهذا الخلط قصدي من رورتي وليس عابرا لا يفهمه فالعقل جوهر تجريدي واحد. ونرى تلك المواصفات الخليط التي أجملها رورتي بما يلي بعد التنبيه أن الكلمات المضافة بين قوسين هي تعقيب لكاتب المقال:

1- قدرة العقل على معرفة نفسه بصورة راسخة وهذه امكانية مميزة . (ولم يقل خاصية نوعية فيزيائية يمتلكها الانسان فقط، فالعقل لا يدرك ذاته بخاصية غير فيزيائية خارج الوعي القصدي الذي هو المنهج الساري المفعول الدال على ادراك العقل نفسه وادراكه موضوعاته بملكة تعبيرية لغوية تجريدية. ادراك الذات استبطانيا داخليا لا يخلو أو ينعدم فيه الوعي القصدي الخارجي، فالتفكير بموضوع هو الوعي القصدي المترتب على ذلك التفكير الادراكي).

2- قدرة العقل عن الوجود بمعزل عن الجسد. (خاصية غير فيزيائية للعقل ماهيتها التفكير المجرد بعيدا عن مؤثرات الجسم. العقل هو ادراك قصدي تعبيري عن الاشياء في تجريدها أي في انفصال العقل كموجود بيولوجي عنها، وارتباط تجريد العقل مع تعبيره عن الاشياء تجريديا لا يلغي استقلالية الموجود عن مدركاته كمواضيع واشياء).

3- لا مكانية العقل أي ليس له جزء أو عنصر مكاني. (ميزة غير فيزيائية يكون العقل فيه مفهوما لا يدركه غيره ولا يكون موضوعا لوعي غيره به، فالعقل غير الفيزيائي هو مفهوم مطلق ولا يمكن الاحاطة بتعريفه وادراكه الا بدلالة مدركاته).

4- القدرة على ادراك الكليّات. (ميزة فيزيائية للعقل وغير فيزيائية متداخلتين في وقت واحد، بمعنى يدرك العقل الماديات في كليتها كما يدرك غير الماديات في منهج التفكير التجريدي الموحد في كلا الادراكين، تفكير العقل الفلسفي شمولي في موضوعي الادراك المادي والخيالي).

5- القدرة على أستبقاء علاقات ليس لها وجود مثل القصدية . (خاصية فيزيائية للعقل تتداخل معها خاصية غير فيزيائية، والقول بالقصدية هي الشيء الذي ليس له وجود غير فيزيائي خطأ ينسف أمكانية العقل ادراك أي موجود مادي أو أي موضوع خيالي، صحيح القصدية ميزة تصورية تجريدية مسبقة يمتلكها العقل قبل تعبير الذهن واللغة عنها لكن قصدية العقل تشترط ادراك العقل لوجود شيء مادي متعين كموضوع يستبق التفكير به ادراكيا. وبخلاف غياب موضوع الادراك ينتفي ادراك العقل وتنتفي ملازمة القصدية له. القصدية ادراك عقلي يحمل معناه لكنه يفتقد التعبير عن نفسه فكريا لغويا الا بدلالة ادراك غيره من الاشياء والموضوعات..)

6- القدرة على استعمال اللغة (خاصية عقلية فيزيائية هي ميزة انسانية لا يمتلكها ولا يمارسها غيره من كائنات مثل الحيوان فهو يمتلك لغة على نطاق محدود جدا يفتقد بها الذكاء والوعي القصدي الناضج، والشعور بالزمن، اللغة وسيلة ذكية لانهائية الغايات والاستعمالات وهذا ما لا ينطبق على الحيوان الذي تقصر وظيفة اللغة عنده وسيلة اشباع غريزة الجنس، وتحذير نوعه من الخطر وهي لغة صوتية فقط تصدر عن حنجرة ليست متطورة صوتيا كما هي عند الانسان في مخرجاته الاصوات بدلالة اشارية مفهومة داخل الجنس الواحد من نوعه).

7- القدرة على الفعل الحر (خاصية فيزيائية يمتلكها عقل الانسان بأعتباره كائن تحكمه الحرية والارادة والاختيار).

8- القدرة على أن يشكل جزءا من مجموعة اجتماعية. (خاصية فيزيائية فالوجود الحقيقي لعقل الانسان هو أن يجعل منه كائنا أجتماعيا بالغريزة والحاجة الضرورية الملزمة له كموجود تشغل وجوده الطبيعة باحتوائها له).

9- العجز عن مطابقته بأي شيء بالعالم . (خاصية فيزيائية مع خاصية غير فيزيائية فقابليات العقل الانساني وملكاته التي لا حصر لها تجعل منه جوهرا متميزا لا ينوب عنه ولا يماثله شيئا بالعالم). النقاط التسع منقولة عن المصدرهامش5 .

لا يختلف اثنان أن هذه المواصفات التسع التي أجملها رورتي للعقل التي يتداخل فيها العقل الفيزيائي بما هو وجود عضوي المخ في جمجمة الانسان، والعقل غير الفيزيائي بما هو تجريد ماهيته التفكير باستقلالية عن ارتباطه البيولوجي بجسم الانسان وليس ارتباطه بعقله الفيزيائي داخل الجمجمة أذ كل تعبير لغوي تجريدي عن شيء هو صادر عن تفكير عقلي يستبقه. كما يصبح التعليق أو الايضاح عن كل فقرة صفاتية وردت مضيعة وقت لسهولة معرفتها أن الانسان هو العقل وبقية الاعراض والمواصفات التابعة هي خصائص عقل الانسان في حال تجريدنا العقل منها لا يبقى هناك كينونة انسانية سوية تمتلك وعيها، أو نحصل على انسان بلا عقل بمعنى مريض غير سوي. وشرحنا توصيفات رورتي التسع للعقل في تعقيبنا عن كل واحدة حصرناه بين قوسين نجده كافيا.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

............................

المصدر: ريتشارد رورتي/ الفلسفة ومرآة الطبيعة /ترجمة د.حيدر حاج اسماعيل 1ص 70/2 ص87/3 ص88/ 4 ص 89،/5 ص 90

 

محمد كريم الساعديمن اجل مدرسة تاريخ عراقية فلسفية

بدأت اوليات فكرة فلسفة التاريخ الشعبي معي، في محاضرات مادة فلسفة التاريخ لطلبة الدكتوراه منذ سنوات، ودار في ذهني ان اطبق مفاهيم  ابن خلدون وهيجل وكارل ماركس ونتشه وشبنكلر وتوينبي على مجتمعاتنا المحلية، وانا اعلم ان الكثير من شواهد فلاسفة التاريخ سيما توينبي هي شواهد من المجتمع المحلي . لكن فلاسفة التاريخ يوضفونها ضمن قواعدها العامة ونظرياتهم بوصفها تفاصيل دالة، شارحة .

وكتبت ونشرت منذ سنوات عديدة، تمهيدا لمدرسة تاريخ عراقية فلسفية متميزة،  افكارا منها:

1- منهجية استشعار الحادثة التاريخية.

 2- تطبيق الية التحدي والاستجابة لفلسفة التاريخ على الفكر الفلسفي.

3- فلسفة تاريخ القبيلة.

4- فلسفة التاريخ بين علم الكلام والتطبيق والمستقبل.

وما اقصده بفلسفة التاريخ الشعبي هي فكرة مرونتها التي اعدها اكبر من تصورات مدرسة الحوليات الفرنسية التي تعتمد على المعالجة الفكرية لجزيئات التاريخ مثل تواريخ العمارة والعبيد والغجر والفن وغير ذلك .

ان الية ونقطة ارتكاز فلسفة التاريخ الشعبي بشقين الاول ان تكون مادة وموضوعا لتطبيق الافكار والمفاهيم التي جاء بها فلاسفة التاريخ على المجتمع المحلي او المدينة والثاني هي استفزاز ذلك المجتمع المحلي واعادة بناء مفاصله الاجتماعية – السياسية – الثقافية والفكرية والادبية، وذلك بتلافي الاخطاء او بوساطة (الطريقة الغيرية) وسوف اتحدث عن هذا الان ولاحقا بمقال منفصل .

وبعض من غاية فلسفة التاريخ الشعبي انما تحاول:

1- التنبيه وفسح المجال لدراسة التاريخ المحلي بطريقة فكرية ترتبط بالتاريخ والمستقبل، على حد سواء.

2- تطوير وتنمية المدينة (اي مدينة) او المجتمع المحلي بقراءته وفق التاريخ المفلسف، وتجاوز الاخطاء، ومحاولة معرفة اسباب الفشل لوضع قواعد لتلافيها .

3- تكوين وتأسيس قواعد مهمة نقوم باشتقاقها من القواعد العامة لفلاسفة التاريخ وتطبيقها على حوادث المجتمع الشعبي المحلي التاريخية .

4- ان هذا المشروع يمزج بين الاسس الفكرية العامة الخاصة بفلسفة التاريخ وبين الجزئيات الخاصة بالمجتمع المحلي، وايضا السعي الى تحقيق التنمية السريعة .

5- تطبيق نظريات ومفاهيم فلاسفة التاريخ على الحوادث الشعبية والحروب والصراعات العشائرية والاقليمية والقومية والطائفية ....الخ . فالاقطاع وجد في مناطق مختلفة من العالم وليس روسيا فقط، وبامكاننا تطبيق اراء ماركس على جنوب العراق مثلا، مع الانتباه الى الفروقات الاخرى . وتبرز العصبية في طبيعة طبقة الزعامات في الجبل والريف والصحراء في كل بلد في العالم، وتختلف بعض تفاصيلها من مكان الى اخر . وهنا السؤال هل ان العصبية تطبق على الدولة فقط دون سواها، وايضا التبادل الدوري والحتمية والتحدي والاستجابة والاقطاع والسادة والعبيد ...الخ . الجواب كلا وفق دراستنا لمفهوم فلسفة التاريخ الشعبي، فمعظم المصطلحات الخاصة بفلسفة التاريخ تدخل بهذا السياق ولو بنحو جزئي .

6-  البحث عن محركات التاريخ المحلي وفهمها واعادة تقيمها وتوازنها.

7-  استشعار الحادثة التاريخية المحلية وفق اليات الاستشعار لغرض تغطية الحدث بشكل دقيق .

8-   فهم اسس الصراعات المحلية واعادة توجيهها وفق منهجية الغيرية الثنائية بمحاور منتجة اجتماعيا منها الثقافة والفكر والادب والفن .

ومثالي هنا هو توجيه الاستفزاز المعرفي والثقافي والعلمي وبطريقة سيناريوية واعلامية لمدينتين مثلا (ميسان وذي قار) وفق تأسيس ديالكتيك ومنهجية المنافسة بهذه المحاور وبطريقة تنمية كل ما هو مهم في المدينتين . وسيثمر الصراع الموجب عن نهضة ادبية وفنية وفكرية وعلمية، وهو خلاف صراع الثيران التي تحطم القرية او تثلم هويتها .

عند تتبعي لتاريخ هذه المدن وللعراق  بشكل عام وجدت بان مدنه هي مسرح للصراع الهامشي، ولعوائل وبيوتات تأسست بفعل الهجرة وتحدياتها، ففي الجنوب صراعات قبائلية مميتة لا ثبات الهويات بدأت منذ زمن بعيد وتبدو وكان لها ديالكتيكها ومحركها الخاص بها، وصراعها غرائزي يرتبط بالطبيعة وتحولاتها (اقصد ان الارض هي الموضوع المتصارع عليه)، وهدف الصراعات هو امتلاك الارض وبسط السيطرة، وهذا يشمل الدول العظمى والزعامات القبلية، مع اختلاف قسوة كل زعامة عن الاخرى، ومع وجود العثمانيين والانكليز، فان هذه القبائل كانت تتأثر بأداء القوى السياسية وبالبيئة، فكانت تدخل في صراعات سببها الجانب البركماتي الغرائزي، هنا نحن نحتاج تبيان القواعد التاريخية التي سارت عليها المدن والقبائل والمؤسسات وفئات المجتمع وقواعد الصراع والاشتباك، ومعرفة وعيها بمرحلتها وبيئتها في ذلك الوقت، وايضا معرفة محركات الخلافات المحلية الشعبية وتحليل ما تبع ذلك فيما بعد .

علينا تقصي اثر الاقتصاد والسياسة والادارة والفن والادب والتعليم والبيئة والدين ووجود المثال  في تغيير التاريخ المحلي لكل مدينة وقبيلة .

وسيكون من الملزم لنا معرفة:

1-  موت وانبعاث المجتمع المحلي او القبيلة، وانقساماتهم، ومعرفة طبيعة السيادة القبلية وتأثيرها – اثار الاعراق على التاريخ المحلي .

2-  اثر الطبقة الوسطى في فلسفة التاريخ الشعبي، سيما تلك التي تخلق النظريات الشفاهية او المكتوبة .

3-  متابعة الهوية المحلية وصمودها وفق التحدي والاستجابة  التوينبية وبروز الهوية الجماعية بالقياس الى الهوية الفردية مما قاد الى ضعف التنمية وبروز صورة القبيلة .

4-  تحليل المحركات المحلية لمجتمعاتنا الماضية، فمن الملاحظ ان الصراع الاجتماعي قاد تلك المجتمعات الى تنافس لم يثمر الا عن بداوة وقد وحدهم الاستفزاز الانكليزي بوصفه احتلالا نبهت على خطره المؤسسة الدينية فكانت تلك المؤسسة العامل الوطني الاول الذي تنبه لخطر الاحتلال الانكليزي وحاربه، كان ذلك قبل ان يستبدل الانكليز اليتهم بمعالجة المجتمع بأكثر من اسلوب طروادي لاختراق المجتمع المحلي، ومازالوا .

5-  من المحركات الشعبية تبرز الغريزة، الغيرية السالبة (الحسد) فكثير من الصراع سببه التحاسد، غيرية  الرجل او المرأة الريفية والتي قادت الى صراعات عديدة بداية من الاعداد الزمني الطويل لا بنائها للتصدي لشؤون القبيلة وانتهاء بالتحريض . وهذه الغرائز شغلت مخيلة القبائل حتى عن التفنن بزراعة الارض واستخراج خيراتها . وشغلتها عن ابتكار الوسائل الحياتية التي تقلل من الجهد الضائع، وقد كانت المخيلة في غالب تلك المناطق ضعيفة جدا .

وكان لا ثر البيئة في المجتمع الشعبي في العراق او في كل بلد، تأثيرا كبيرا ومهما، ولو طبقنا اليات توينبي لفهمنا ان الامكان الخصبة لنظرية التحدي والاستجابة انما هو في جنوب العراق، وغربه بفعل البيئة الصحراوية،وشماله ايضا، لكن تأثر القبائل كان بفعل الصراع السياسي او بفعل طموحات تغالب شيوخ العشائر، وساترك صراعات بني لام والبو محمد وبني اسد والسواعد في جنوب العراق لوقت اخر، لا نها كانت قتال قطع الشطرنج المتكررة التي تستبدل في كل مرة بقبيلة اخرى . ولكن ماذا سيقول توينبي عن صراعات المجتمع المحلي، انها بالتأكيد تحديات لاستجابات ساذجة قد يشفع لها ان مجنونا مثل هتلر وموسوليني وصراعات قادة وطغاة العرب كانوا يحركون التاريخ بشكل عابث .

6-  بإمكاننا الاكتفاء بموجات الهجرات الشعبية القبائلية، من دون وصفها بالحضارية، لان الحضارة هي ان تتشابه امة في العادات والتقاليد وغير ذلك، مع امة اخرى وان تتميز (وهذا هو المهم ) في البناء والعلم والثقافة والمعرفة والادب، وان تمتلك التدوين والاثر الذي يبقى بمثابة الشاهد .

7-  لا تؤثر في حديثنا عن فلسفة التاريخ الشعبي صورة ان قواعد فلسفة التاريخ العامة ثبتت بوصفها تتحدث عن وقت زمني طويل يعد بالآف السنوات، فالدافع هو معرفة التاريخ القريب وفق خضوعه لقواعد الفعل الانساني الفردي او الجماعي واثر تلك الافعال على التكتلات البشرية والقبائل والعشائر بشكل عام .

8-  قد لا تتعلق فلسفة التاريخ الشعبي بدراسة الحضارات بوصفها حضارات او الدول وتقلباتها، لكنها تتداخل مع فلسفة التاريخ العامة بمفردات مهمة كما بينا منها البيئة والفعل الانساني وتعدده، واذا اختصرنا فانه ستبرز مصطلحات بيئة فلسفة التاريخ  الشعبية في مجمل مناطق العالم ومنها ( المجتمع الارستقراطي، الازمات (العامة – المحلية )، التحدي والاستجابة، السادة والعبيد، البداوة، الاقطاع، العصبية والياتها، الاقليات، البطل المحلي والبطل الديني، تاريخ الطبيعة المحيطة، الحتمية والدين، الزعامة والزعامات، السرد التاريخي، صراع الطبقات، الصراع ...الخ .

اظن بان المقال لن يفي حق الموضوع ونحتاج لتفصيل اخر بالتأكيد، ولكن يمكننا ان نفكر باثر الاقتصاد على مجتمعنا الشعبي على مر مئات السنوات وهذا هو احد محركات التاريخ المحلي بالإضافة الى الصراع الاثني والطائفي والعرقي ربما ايضا يحرك تاريخنا المحلي بصورة متقطعة .

وبإمكاننا ايضا تقسيم تاريخ المدينة الواحدة او المجتمع الشعبي ككل على مراحل مهمة ودراسة تلك المراحل وفق سياق تحليلي تاريخي مع قراءة تحليلية لدويلات بعض القبائل الكبيرة التي اسسوها وخصائصها، ودراسة الروابط بين الريف والبرير او الصحراء والجبل، وتطبيق المفردات النقدية لفلسفة ماركس الاشتراكية على اريافنا وصحارينا، فقد زخرت كل البلدان الفقيرة المتخلفة بالطبقية والبرجوازية والرأسمالية، ويندر ان تجد تنويرا في بيئة الصراع القبائلي .

 

د. رحيم الساعدي

 

حاتم حميد محسنيبدو للوهلة الاولى ان كلا الفيلسوفين يتمسكان بمبادئهما المتضادة وان معتقداتهما تتعارض دراماتيكيا، فاذا كان هرقليطس يؤكد على التغيير والحركة الدائرية للاشياء، نرى الثاني ينكر وجود ذلك. هرقليطس يرى الوجود الحقيقي دائري يتحول الى لا وجود، وان الحياة تتحول الى موت وان ما يحدث من تغيير هو أبدي ودائري (غراهام). بينما بارمنديس يرى الوجود الحقيقي بلا حركة وثابت، وانه لايتغير خلف مظهر التغيير. كلا الفيلسوفين وبشكل غير مباشر يلغيان الموت من خلال ختم الصيرورة بختم الوجود (Mcfarlane) .

في الحقيقة، كل من بارمنديس وهرقليطس أكّدا على شيء واحد. هما فقط طبّقا اتجاهين مختلفين لكي يعلّما نفس الشيء. هرقليطس أكّد بان مختلف المظاهر تتغير، ولذلك فان الأضداد توجد في ترابط داخلي معتمدة على بعضها البعض وهي في حالة اتحاد. هو تصوّر وحدة الاضداد وآمن بالصيرورة، بينما بارمنديس رفض الأضداد، وركز على إبراز الوجود مدّعيا "ان الوجود هو غير متولد ولايتحطم، هو كلي، نوع واحد وتام وراسخ. هو لم يكن في يوم ما وسوف لن يكون، طالما هو الآن كائن، مجتمع الى بعضه، واحد ومستمر". ولذلك فان المظاهر المختلفة للواقع لا تتغير في حقيقتها، لأنها بهذا سوف لن توجد. برمنديس اعتبر التغيير مستحيلا، لأن كل شيء يبقى على ذاته، لكونه عنصر ثابت وواحد، لكن هرقليطس على الضد من ذلك، اكّد بان كل شيء يتغير وفي تدفق دائم، واصبحت بعض اقواله شائعة بين الناس مثل "كل شيء يتدفق" و "انت لا تستطيع النزول في نفس النهر مرتين". هو يرى ان الشيء وبفعل سرعة التغيير، يتبعثر ثم يجتمع مرة اخرى. لذا فان النهر سيكون مختلفا في كل مرة. وبسبب اعتباره الحركة تغييرا، عُرف هرقليطس بفلسفة "التدفق والنار"العالمية التي كانت الاساس المادي للعالم، بالاضافة الى نظريته في تزامن الاضداد المثيرة للجدل. كان هرقليطس مستقلا عن المدارس المحددة لأن تراثه متعدد التفكير ويضم عناصر من الوحدة المادية والكوزمولوجيا العلمية والميتافيزيقا والعقلانية، لكن الشيء المؤكد انه كان فيلسوفا ثوريا ورغم ان أعماله خضعت للدراسة العميقة لكنها بقيت شائكة وصعبة التفسير(غراهام). هرقليطس يعرض استعمالات للطريقة الاستقرائية يريد بواسطتها من الآخرين فهم العالم، هو يعرض دائما موقفا بسيطا معطيا صورة رمزية واضحة، ولهذا هو يمكّن القرّاء من تعليم انفسهم. ولكي يجعل عقيدته مثمرة، يستخدم هرقليطس في كلامه وسائل اسلوبية من بلاغة وجناس دفاعا عن النظرية. هو يكرر دائما ان قرّائه سوف لن يفهموا رسالته، لكنه يعدهم بمحاولة توضيح كل شيء هو قادر على رؤيته:"يميز كل شيء طبقا لطبيعته ويبيّن كيف هو "(غراهام). ان الشكل الذي يعرض به هرقليطس عمله هو اساسي لفهم جوهر ذلك الشكل، هو يستعمل تقنية من التعقيدية اللفظية والغموض النحوي، فمثلا، شارلس خان يصف اسلوبه بكلمتين"الكثافة اللسانية"و "الصدى". في اسلوبه المشابه لبرمنديس يُفترض انه كتب كتابا واحدا فقط سمي "حول الطبيعة"والذي لسوء الحظ ورد فقط على شكل مقاطع او عبارات، كانت في الأصل تضم 800عبارة. اما برمنديس فقد خالف الطريقة التقليدية في النثر واستخدم الشكل السداسي الذي اقتبس منه المؤلفون اللاحقون وحفظوه لأجيال المستقبل. برمنديس يتحدث مناصرا لمبادئه في المقدمة التي لها عدة تفسيرات مختلفة واعتُبرت من جانب المدارس المعاصرة مظهرا للاحادية الصارمة والديالكتيكية المنطقية وغيرها. في عمله كان يتعامل مع الربة goddess التي يجب ان تكشف لبرمنديس كلا الطريقتين وهو يجب ان يختار الأحسن من بينهما. الطريقتان تعرضان خطأه السابق والحقيقة التي تصبح واضحة له. العمل يتألف من جزئين، الاول يتعلق بالحقيقة او "الواقع الحقيقي" والثاني يتعامل مع عالم الوهم، عالم الاحاسيس والآراء. في العبارة رقم 8 تذكر الربة مبادئ الفيلسوف للثبات العالمي بادّعائها "حتى الان تبقى حكاية واحدة وهي ان ما هو كائن كلي وموحد وتام" وحيث الماضي والمستقبل هم بلا معنى للعقل. برمنديس اعتقد ان "الواقع يجب ان يكون بالمعنى الاكثر صرامة" وان اي تغيير فيه غير ممكن.

من اللافت، في قصيدة برمنديس نجد الربة تنتقد الناس العاديين لكونهم يسترشدون بحواسهم. على عكس هرقليطس، نجد برمنديس يحكم فقط بالعقل ولايثق ابدا بالحواس. في التصور الانساني العالم لاشيء الا"مظهر مخادع"(بالمر). العديد من المقاطع الاخرى تشير الى ان برمنديس لامس موضوعات في علم وظائف الاعضاء والفكر الانساني وادّعى ان ذواتنا مخادعة وتؤكد على ابراز ذاتية التصور الفردي.

هرقليطس يؤكد ايضا على الشأن الانساني واعتُبر اول انساني، وهو ما يثبت جهل الناس بافكاره. مع انه اعتقد ان الناس هم دائما غير قادرين على الفهم، والحكمة، هو لا ينكر اهمية الاحاسيس ويقول:"انا افضل الاشياء التي يكون بها بصر وسمع وممارسة". ربط هرقليطس تراكم الحكمة بالاحاسيس والذاكرة بدلا من المعرفة، والاخيرة ليست بالضرورة تعلّم الناس الفهم. لذا وطبقا لهرقليطس،، الناس لا يتعلمون بالتجربة، لأنهم لايمكنهم تحويل المعلومات التي يتصورونها، ومع ذلك لايزال الناس يمارسون "المعرفة الذاتية والتفكير السليم". لفهم افكاره يجب على المرء الامساك بتعقيديتها واكتشاف وحدة العناصر(غراهام).

طبقا لغيثري Guthrie، لايرى برمنديس وجود للكوزمولوجي، لأنه عرض براهينا لإستحالة وجود الأضداد. وحين يتصور تعددية العقائد العادية، يذكر برمنديس مبادئ الكوزمولوجي في المقطعين (8 و 9) حيث يناقش فيهما الضوء والليل بالاضافة للنجوم والشمس والقمر والأرض ذاتها. لاحظ غوثري معلقا على كوزمولوجيته لكي تبقى فلسفته فقط"وسيلة ديالكتيكية" فهي تُستخدم لرؤية صورة العالم الفيزيقي والمحسوس (بالمر). الدليل على ذلك وُجد في كلمات الربة عندما هي تصف الكوزمولوجي بـ:"الايمان بالموت". خلافا لبرمنديس، بما ان هرقليطس كوزمولوجيا فهو يذكر في نصوصه الكوزموس "نظام" يصف العالم حولنا، الذي يتميز بالنار. النار وُصفت في عقيدته كأصل الكل، كل الأشياء مجرد تجليات للنار وهي رمز للتغيير لأنها لايمكن ان تكون هي ذاتها ابدا، طبقا له، بدون تغيير سوف لن يكون هناك عالم. ان العناصر هي في توازن كوزمولوجي (كوني) وتباشر تحولات ابدية مع عدم اكتساب اي عنصر منفرد للهيمنة (غراهام). هرقليطس يقول في عمله (تحوّل النار: اولاً بحر، ونصف البحر هو ارض، والنصف الثاني انفجار ناري).

خلافا لبرمنديس الذي أثبت استحالة وجود الأضداد، أدخل هرقليطس فكرة تزامن الأضداد وناقش الارتباطات بينها قائلا:"البحر هو الماء الأنقى والأكثر تلوثا: لأنه صحي وقابل للشرب من قبل الأسماك، ومؤذي وغير قابل للشرب من قبل الانسان". طبقا لهرقليطس، النوعيات المتضادة متداخلة "في نفس الشيء"، هو يؤمن بأن نفس الشيء حي وميت في نفس الوقت، انه يقظ ونائم، شاب وكبير(غراهام). غير ان هرقليطس يشدد على انه مع ان الاضداد مترابطة، لكنها لا تشبه بعضها ابدا. تزامن الأضداد يؤدي الى تناقضات لا يمكن تجنبها من جانب هرقليطس. بارنيس، مثلا، يلوم الباحثين في مخالفة مبادئ المنطق وجعل المعرفة شيئا مستحيلا(غراهام).

في تحليل عقائد هرقليطس كتلك الداعمة للتغيير الراديكالي، نحن نرى في تدفق هرقليطس حالة من وحدة الاضداد التي وُصفت في عقيدته. لكن المحللين المعاصرين يدّعون، هو لا يمكنه ان يكون مؤمنا في التدفق الراديكالي وموحدا في آن معا، لذا هو بالتأكيد تعددي يجادل لأجل السيطرة الذاتية والاعتدال ويعتبر الروح المركز الاخلاقي لوجود الانسان (غراهام). في احتقاره للعاطفة، هو يعجب بالقوة النابعة من اتقان الذات والتنقية الذاتية:"ليس جيدا للرجال حصولهم على كل ما يرغبون. مهما تكن رغباتنا فهي تأتي على حساب الروح".

برمنديس يناقش ايضا سلوك الناس، ويهتم في تفكير الانسان وتبريراته، حتى وان كان نقاشه بتلك المسألة يتعلق بالكوزمولوجي. الارتباطات تصبح اوضح عندما يناقش نطاقا واسعا من الظواهر الطبيعية. الوجود احادي صارم، كذلك اعتقد هرقليطس في الحرب، هو امتدح الحرب واسماها"القوة المرشدة في العالم"مدّعيا ان "الحرب هي أب الجميع وملك الجميع، بدون الصراع سيكون لدينا فقط نمطية واحدة بلاحياة". هرقليطس بالاضافة الى برمنديس يتحدثان عن الله، لكن هرقليطس لايعني بذلك اله الاغريق ولا كينونة شخصية. هو يرى ان الله موجود في كل روح وفي كل شيء منفرد في العالم. وطبقا لنظريته في "النار والتدفق" هو يوضح وجود الله في كل شيء على الارض.

واذا كان احدهم يرى ان الكون ثابت وابدي وبلاحركة وينكر التغيير والصيرورة، فان الآخر يؤكد على كل تلك ويفتح افاقا جديدة للفكر اليوناني عبر إدخال نظريته في "التدفق والنار"، كلاهما اثّرا على الفكر الفلسفي وتحدّيا نظريات أسلافهم عبر تطوير نظريات اكثر تعقيدا. برمنديس كونه موحدا ميتافيزيقيا، وهرقليطس مستقلا عن أي نظرية قديمة، موحدا ماديا وكوزمولوجيا علميا وعقلانيا، لديهما الكثير من المشتركات . غير ان هيرقليطس يُفترض انه حفّز برمنديس لتطوير نظرية مقابلة، وبهذا يمكن رؤيتهما كممثلين يناصران التدفق المستمر والسكون الكوني.

 

حاتم حميد محسن

 

علي محمد اليوسفبحسب الفيلسوف الامريكي المعاصر ريتشارد رورتي 1931- 2007 يختلف ما هو عقلي عما هو فيزيائي، وهذا الاختلاف كان بدأه ديكارت في تقسيمه العقل نفسه الى فيزيائي مرة والى غير فيزيائي تارة اخرى، فالعقلي ويقصد به الانسان هو ما يعقل ذاته ويعقل موجودات العالم الخارجي، ولا يشترط أن يكون الفيزيائي (المادة) يمتلك هذه الصفة الاعجازية الادراكية التي يمتلكها العقل.

فالطبيعة بكل موجوداتها وتكويناتها لا تمتلك ميزات العقل الانساني في وعيها لذاتها ولا وعيها بعض تكويناتها المتعايشة معها ولا وعيها بعض القوانين الفيزيائية التي تحكمها، فالطبيعة تدرك بموجوداتها عقليا بالانسان كوعي والموجودات الاخرى من الكائنات التي تمتلك عقلا كالحيوانات التي يكون ادراكها الطبيعة محدودا جدا بالقياس لادراك عقل الانسان الذكي في وعيه المستقبل.

وبعض كائنات الطبيعة كالحيوانات تمتلك عقلا لكنه يختلف عن عقل الانسان بصفات عديدة سنأتي على ذكرها وهي تتجاوز ملكة العقل الانساني في وعي ذاته وموجودات الطبيعة من غير نوعه، وعقل الانسان عقل ذكي على مستوى أحساسه بالزمن، وكذلك عقل الانسان يمتلك ابتكارا واختراعا لغة تجمع النوع الواحد من جنسه. وجميع هذه الصفات وغيرها هي عقل الانسان في جوهره المادي. وليس في جوهره اللافيزيائي الذي حدد ديكارت ماهيته التفكير فقط في التعبير عن الوجود واكتساب المعرفة.

ولم يكن ديكارت يشغله أكثر من أن يكون العقل كتكوين فيزيائي بيولوجي أو غير فيزيائي لا بيولوجي منفصل عن الجسم، بحسب حاجته التعبير عما يحققه العقل من اهداف يضعها ديكارت قبل وجودها الواقعي ورغبة الادراك العقلي لها. وبقدر أهتمامه الذي كان يحاول فيه التوفيق التلفيقي بين وظيفة العقل المنفصلة عن الجسم كجوهر ماهيته توليد الافكار لطرح وجهة نظره التي يقرن بها العقل مع النفس كجوهرين غير فيزيائيين خالدين في انعزالهما عن الجسم، وأراد ديكارت بذلك المراوغة في تحييد العقل عن التداخل مع لاهوت الدين بنفس أهميته أن لا يتقاطع العقل كفلسفة مع العلم. لم يكن ديكارت الفيلسوف الوحيد الذي لا يميز بين العقل العضوي الفيزيائي الذي هو المخ بتكويناته، وبين العقل ماهيته التفكير الذي اسماه غير فيزيائي لأنه لا يدرك بغير دلالة غيره من موضوعات، وهنا العقل المقصود غير الفيزيائي اللامادي هو نوس nose   تقتصر ماهيته على التفكير وتوليد الافكار المجردة التي لا وصاية للجسم عليها لكن وصاية العقل العضوي يبقى ساري المفعول عليها.. كون تجريد خلق الافكار الذهنية لا تأخذ مصداقية معناها من غير وصاية العقل العضوي عليها. صحيح أن التفكير واللغة هما موضوعان تجريديان لكنهما عاجزان عن التفكير وأختراع اللغة في التعبير عن الاشياء من دون وصاية دماغ الانسان العقلي عليهما. وبغير هذا الترابط لا يبقى هناك معنى لتفكير ولا يبقى هناك معنى للغة من دون وصاية العقل عليهما. فمصدر التفكير ليس اللغة وأنما هو العقل. فالتفكير توسيط بين العقل واللغة.

نفهم من التفريق الذي طرحه رورتي بين الفيزيائي والعقلي أنه أراد أسقاط هيمنة مبحث الابستمولوجيا كأولوية أهتمام العقل بها باعتبارها الفلسفة الاولى التي اشغلت فلاسفة القرن السابع عشر معتبرين مهمة الفلسفة تفسير كيف يمكننا الحصول على المعرفة.، بخلاف ديكارت الذي أراد تحييد العقل من المساس بما يراه الدين صحيحا حتى لو عارضه العقل برؤاه... العقل في تمسكه بالابستمولوجيا كهدف ومبحث فلسفي سابق على كل ما يشغل أهتمامات الفلاسفة في عصره  وما قبله.

ولم يكن ديكارت يجرؤ البوح العلني أن وسيلة تحقيق وتحصيل المعرفة في عصره لا يكون بغير توسيط العقل ليس كتجريد لغوي غير فيزيائي وأنما كجوهر فيزيائي يتعالق بموجود جسم الانسان بالحياة والفناء. والسبب في الفرق بين ديكارت ورورتي هو المدة الزمنية التي تقارب ثلاثة قرون تفصل بينهما في أختلاف  فلسفتيهما في مراكمة مفاهيم فلسفية جديدة.. فديكارت الذي قال أن مهمة الفلسفة المركزية الاولى هي تحصيل المعرفة أبستمولوجيا، جاء رورتي معتبرا فلسفة العقل واللغة هي ما يتوجب العناية والاهتمام بهما في القرن العشرين والعقدين اللذين تلاه. ولم يبق تلك الاهمية لخدعة ديكارت حين أضل الفلسفة بمفهوم الابستمولوجيا بحسب أدانة فلاسفة اللغة لديكارت.

فكلاهما ديكارت ورورتي لا يختلفان بأن ماهو فيزيائي هو الذي تنطبق عليه قوانين الادراكات المادية، والعقلي هو الذي يدرك كل ماهو فيزيائي بالفكر المجرد الذي لا يسعى تحقيق وجوده الفيزيائي المادي على حساب التفريط بأهمية تحولات فلسفة العقل من فلسفة تعنى بمركزية تحصيل المعرفة ، الى فلسفة عقلية تقوم على تفسير العالم بفلسفة اللغة وليس بقوانين تأتي من خارج نظامها اللغوي الخاص المستقل بها كبنية نسقية لا ترتبط بالعالم الخارجي.

ما فعله رورتي فلسفيا على مستوى كبير من الاهمية في الغائه مركزية العقل كمصدر للمعرفة، والثاني في أعتباره نظام فلسفة اللغة هو نظام التوازي مع الواقع لا يقاطعه ولا يحاول التداخل التفسيري معه. والثالث اللغة نظام لا تحكمه القوانين التي تحكم العالم الخارجي، فاللغة نظام مستقل داخل منظومة قواعده في النحو والاستعارة والمجاز وفائض المعنى في معرفته تفسير العالم بسلطة اللغة ذاتها وليس بسلطة قوانين الطبيعة الثابتة منها والوضعية ايضا التي أخترعها الانسان معرفيا علميا.. وبهذا غادرت اللغة خاصية التعبير التجريدي عن الاشياء الى خاصية امتلاكها نسقا بنيويا مستقلا بها وحدها.

في التحول اللغوي الذي ارسى فلاسفة اللغة والتحول اللغوي ونظرية المعنى مفاهيمه الفلسفية بالقرن العشرين لم تبق هناك حاجة بعد استنفاد العقل لمزاياه الموروثة التي أسقطتها عنه فلسفة ما بعد الحداثة بتنوعاتها الفلسفية بدءا من البنيوية والتفكيكية والتاويلية والعدمية والعبثية، الى وجوب الابتعاد عن قياس فاعلية العقل بعلاقته التواشجية الجدلية عبر القرون مع الواقع المادي.. حينما كان الفرد هو مركز استقطاب دوران الفلسفة حول الانسان كذات وكينونة وماهية وصفات وهي العصور الزمانية التي حكمت الفلسفة منذ ما قبل سقراط والى نهاية القرن السابع عشر عصر فلسفة ديكارت العلمية.. التي لم تفارق قدسية الذات الانسانية لكنها أي الديكارتية فتحت ابواب الفلسفة على العلم بتكامل مع فرانسيس بيكون.

في عصر ديكارت حاولت الفلسفة الاهتمام بالمعرفة (الابستمولوجيا) في تقريبها الشديد من دعم العلم  وتحصيل المعرفة الابستمولوجية باشتراط مهادنة الدين وتحييد اللاهوت ورجال الكنيسة لاقصى درجات التحفظ من الاصطدام المباشر بهم. أي اراد ديكارت تلفيق جمع متضادين لا تربطهما علاقة جدلية معرفية، ولا تربطهما علاقة عقلية سيسيولوجية انفصالية هي بمصطلح اليوم (علمانية) لم يجرؤ ديكارت التصريح بها ليس لأن مصطلح العلمانية لم يكن معروفا عصرذاك وأنما من ثبات الاتهام بالزندقة والهرطقة وملاحقة ما يسمى لجان التفتيش سيئة الصيت التي تطال كل من يجرؤ التطاول على أهمية وصاية لاهوت الدين وما يقوله رجال الدين على تجاوز حرمة فصل العلم عن وصاية تعاليم رجال الكنيسة ولم يكن دقة المصطلح (العلمانية) واردا الذي كان تبلوره النهائي تم في عام 1905 في فرنسا كتشريع قانوني ملزم بعد رسوخ مفاهيم الثورة الفرنسية...

هذا التضاد بين العلم والدين اراد ديكارت حسمه بالتلفيق والدوران حول المشكلة دونما المساس بتغيير أي شئ بين القطبين المتنافسين أكثر من انحيازه نحو العلم بمهادنة الدين، وقلبت المعادلة في تغليب أهمية مركزية الدين كفلسفة اولى بدلا من العلم طيلة مدة القرون الوسطي الاوربية، الى وقت مجيء عصر الانوار الذي سبقته النهضة والاصلاح الديني في وجوب أعطاء ما لله لله وما لقيصر لقيصر، بمعنى فصل الدين عن العلم وحياة الانسان وحريته الاعتقادية بما يجده ملائما له بحياته. وهكذا بقي المتضادان لا نقل متعايشان بل بقيا في أستقلالية أحدهما بعيدا عن التدخل بشؤون الاخر وأستقر هذا الاتفاق المعلن الى يومنا هذا بالتوافق بين الطرفين.. مع دخول عصر الحرية والمساواة والانتخابات وحقوق الانسان في مغادرة جحيم القرون الوسطى الاوربية وسلطة لجان التفتيش بوحشيتها المروّعة.

العقل اليوم وأهمية ماذا؟

أصبح العقل اليوم لا يستمد مقوماته المادية بمعيارية المقايسة التداخلية مع الواقع المادي ولا مع الانسان كعالم مستقل بذاته كهوية ماهوية كان قائما وأنهار كقيمة عليا بتقادم تراجع هيمنة المعرفة عن ملازمتها له، لذا أصبح في فلسفة العقل واللغة اليوم الانسان والابستمولوجيا والعقل من مخلفات الميتافيزيقا التي خرجت عليها فلسفة ما بعد الحداثة، أكثرها تطرفا فلسفة دريدا التفكيكية بضراوة شديدة غير معهودة سابقا على معاداة العقل والذات والابستمولوجيا ليس في سبق يحسب لها بل في موروث مقتبس افادت منه جاءت به فلسفة اللغة التي تبلورت بشكل تنظيري فلسفي على ايادي اقطاب البنيوية فريجة ودي سوسير وفينجشتين ومن بعدهما حلقتي فيّنا واكسفورد في التحليلية والمنطقية الوضعية وصولا تشعبات فلسفة اللغة الى تيارات متنوعة لايمكن حصر فلاسفتها ورؤاهم المستمدة جميعا من الفلسفة الأم الاولى فلسفة اللغة والمعنى التي هيمنت فلسفة اولى بالقرن العشرين.

وأصبح يراد المطلوب من فلسفة اللغة اليوم التحررمن تداخلها مع فلسفة العقل الخالصة في تمجيدها وتبنيها النزعة العلمية التي بدأها بيكون وديكارت في تكريسهما لها على وجوب أن تكون المعرفة هي جوهر تلاقي العقل مع العلم الطبيعي. وذهب ديكارت الى نوع من الموائمة التي تجعل العقل في تكامله المعرفي مع العلم والدين تلفيقية ساذجة . على العكس تماما مع ماحصل في فلسفة العقل واللغة اليوم في ابتعادها عن تعالقها مع العلم وكل من الابستمولوجيا والدين. واشتغلوا على فلسفة العقل التي لا توازي فقط المعرفة بل التقاطع معها  كما في اقطاب فلاسفة التاويلية، في تحقيق مهادنة التوافق مع اللغة في تياراتها المتعددة التي يحتويها التحول اللغوي وفي نظرية فائض المعنى الذي تدخّره اللغة على الدوام في تعدد القراءات الجديدة وتأويل النص في البحث عما وراء الكلمات في غير المباح عنه.كما اعتمدها رولان بارت، فوكو، وسوسير في البنيوية وعمق هذا التوجه بعدهما بول ريكور في التاويلية (الهورمنطيقا)، لتجد فلسفة اللغة كبنية تجريدية لا علاقة لها بالعقل والانسان اوج الاهتمام بها في تفكيكية جاك دريدا.

العقل في فلسفة اللغة اليوم تراجع الى ضرورة الاكتفاء الذاتي القائم على ترابطه الفيزيائي بالجسم، ولم يعد تنطبق عليه مقولة ديكارت التي فقدت بريقها العقل جوهر لا فيزيائي ماهيته التفكير وحتميته الخلود في ملازمته خلود النفس. هذا التفريق الذي كان تطرق له ديكارت بتردد خجول بين أن يكون العقل لا فيزيائي أكثر منه فيزيائيا ما ترتب عليه انتشار مقولة ديكارت أن وسيلتنا الوحيدة في معرفة انفسنا والعالم والطبيعة من حولنا هو العقل الذي لا يقاطع ولا يتداخل مع ما هو ديني. وكان الفارق الزمني بينه وبين التقائة بفلسفة فرانسيس بيكون لا يتجاوز بضعة عقود في توجههما تتويج العقل أثمن قيمة في معرفتنا العالم وتحقيق تقدمنا العلمي فيه. ودام هذا الاعتقاد الفلسفي راسخا قرونا طويلة الى أن كنسته تماما فلسفة العقل اللغوي ونظرية التحول وفائض المعنى في الفضاء الرحب الذي فتحته ما بعد الحداثة أن من حقك أن تقول كل شيء ولكن ليس من حقك مصادرة أي شيء لغيرك هو حر في أمتلاكه أو الايمان به يخالفك الرأي فيه ...

هذه الارضية مهدت لريتشارد رورتي وعديدين من فلاسفة اميركان مثل جومسكي، سيرل، كواين، وسيلارز، وسانتيانا وغيرهم من اقطاب فلسفة اللغة ونظرية المعنى والتحول اللغوي الى تنحيتهم العقل مصدرا للمعرفة، بدلا من المعرفة التائهة التي باتت تبحث عن وسيلة التعبير عن ذاتيتها في تغييب سندها الصلب العقل الذي أسقطته ما بعد الحداثة معتبرة أياه ميتافيزيقا تجاوزها الزمن من منزلة الاحتكام والمرجعية التي يقاس الصواب والحقيقي بمعياره..

فلسفة العقل واللغة

من المثير للاستغراب اننا اذا ما تماشينا مع نظرية أعدام العقل وسيلة معرفية يمكن الوثوق بها، فأننا بقصد نعيه ندركه أو بقصد لا نعيه ولا ندركه نضع (العلم) في قفص الاتهام بتهمة تضليله العقل، أو تضليل العقل له لا فرق... وبهذا نجد أقصر السبل في مصادرة العقل وأستهدافه في أستبعاده وانفكاكه عن الابستمولوجيا التي أخلت موقعها كفلسفة أولى لازمت العقل قرونا طويلة، وكذلك أستبعاد العقل عن تعالقه بكل واقعي في تعطيلهما معا وظيفة كل منهما الاخر.

لم تكن فلسفة العقل واللغة تقوم على مكنة وقدرة العقل فهم العالم الذي وصل قبل نهايته الى طريق مسدود في ما بعد الحداثة، لذا نجد فلسفة اللغة أعتمدت العقل بما لا يفقده آخر معاقله في التجريد في وقت لا يكون العقل ينتزع من اللغة طوباويتها التي تدور حول مركزية تاويل النص اللغوي في تعدد القراءات التي يتمحور دورانها حول خاصية اللغة في ملاحقة فائض المعنى الذي تدّخره اللغة بما هي لغة قبل أنهمامها أن تكون وسيلة العقل في فهم العالم وتفسيره والتعبير عنه. وهذه الميزة اللغوية النظامية تفتقدها صرامة العقل الذي يرى الواقع بعيدا جدا عن أهتمامات الفلسفة اللغوية المعاصرة.. وبقي تجريد اللغة في فلسفة اللغة هو عملية التفكير اللاعقلي في تنحية واستبعاد الواقع عن تعبيرات اللغة عنه بما هو معرفة وليس بما هو وجودا. بمعنى على خلاف أن تجريد اللغة هو تعبير العقل عن الواقع نجد فلسفة اللغة رأت في تجريد اللغة الاهتمام بنظام نسقي خاص بها بعيدا عن أي التزام آخر، ولو استطاعت فلسفة اللغة الغاء التوظيف التواصلي كخاصية سيسيولوجية لغوية لما قصّرت المطالبة به في القفز من فوقه في تعالق اللغة بالواقع الاجتماعي على الخصوص. وعديد من فلاسفة اللغة ذهبوا بهذا المعنى في استهجانهم أن تكون اللغة توسيط فهم الواقع التواصلي والتداخل به. على حساب بحث اللغة تأسيس نظام لغوي خاص بها بعيدا عن الواقع الاجتماعي والطبيعي. ولعل بول ريكور وفلاسفة المنهج التاويلي بعده ومن مجايليه ذهبوا هذا المذهب المتطرف.

يتبع في ج2

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

محمود محمد عليفي هذا المقال نختم حديثنا عن مناظرة جون ستيوارت مل مع هيوول؛ حيث  يمكن القول بأنه: عندما قرأ جون ستيوارت مل كتاب فلسفة العلوم الاستقرائية لوليم هيوول، قرر أن يناظر هيوول حول القضايا الجديدة التي صاغها في كتابه وقد سجل مل تلك المناظرة عبر فصول كتابه " نسق المنطق" system logic،ثم قام هيوول بالرد علي تلك المناظرة، وذلك في الجزء الثالث من فلسفة العلوم الاستقرائية والمسماة بفلسفة الكشف .

نبدأ أولاً: بالخلاف حول كلمة الاستقراء فقد اتفق كلا منهما مبدئيا علي استخدام الكلمة للدلالة علي أي إجراء علمي يبدأ من وقائع خاصة ومحدودة وينتهي بقضية عامة سواء علي تلك الحالة موضع البحث أو علي غيرها وعلي استخدام كلمة الاستقراء أيضا علي عملية ملاحظة النظريات ككل وعملية ربطها معا .

وإذا كان مل وهيوول اتفقا حول معني الاستقراء، إلا أنهما اختلفا حول الأمثلة التي يقدمها كل منهما، فمل يري أن الاستدلال القائل: " كل البشر فانون " المشتق من القضية " بيتر وجون وبول .... الخ فانون "، هو مثال للاستقراء . إلا أن الإجابة المفاجئة هو أن هيوول استدل علي أن " كل ما ينتمي إلي ب من القضية القائلة " كل ما يمكن ملاحظته لـ أ يمكن ملاحظته لـ ب  " وصف لا يتوائم مع الاستقراء .

ويشرح هيوول ديناميكية أمثلته التي يعطيها للاستقراء قائلاً " أنه قد يبدو أن الأمر يتكرر تخيله  بأن القضية العامة ناتجة عن وضع الحالات جنبا إلي جنب أو من خلال ربطها وتمديدها معا . ولكننا إذا أخذنا بعين الاعتبار تلك العملية بصورة أكثر دقة، فسوف نجد أن كل ما سبق وصف غير كافي . الوقائع الجزئية معا هكذا، ولكن هناك عنصر جديد يضف للمزيج في كل حركة من حركات الفكر، ولعل تلك العناصر هي ما تجعلها متجمعة. هناك مفهوم متقدم في القضية العامة ولا يوجد في أي من وقائع الملاحظة  .

ويترتب علي ذلك أن مفهوم الاستقراء في تصور مل يختلف عن تصور هيوول له، فهيوول يصر علي أن في كل عملية استقرائية تحمل بداخلها ما لا تقدمه الظاهرة، وإنما ما يقدمه العقل أيضاَ، وما يقدمه العقل لا تستطيع الظاهرة تقديمه، ألا وهو تقديم الفكرة العامة والمفهوم الجديد في كل مرحلة ضروري للوقائع، فهو الذي يجعلها تقفز سوياً لتصل إلي مرحلة القضايا العامة، والتي يتكون منها العلم .

ويصر هيوول أيصاً علي أن أي استقراء حقيقي لا بد من أن تكون الوقائع معروفة، ولكنها معزولة Insulated وغير مترابطة unconnected في البداية ... اللؤلؤ Pearls موجود هناك في انتظار شخص ما يأتي ليربطه في الخيط ليصنع حلية مترابطة .

وهنا اللؤلؤ علي حد تعبير هيوول هي معطيات الملاحظة     Data والموجود بالفعل مسبقا، والخيط String هو المفهوم الجديد الذي يربط ويوحد تلك المعطيات . والقضية " كل البشر فانون " هي قضية لا يصنفها هيوول تحت مفهوم العام، فهي لا تضم مفاهيم جديدة لـ ( البشر / و / صفة الفناء) فهي لا توصف بأنها موجودة في أي من وقائع الملاحظة.

أما القضية " كل أ هو كل ب ) تحمل قضية تندرج تحت العام . وللتوضيح أكثر نضرب المثال الآتي " كل الكواكب تدور حول الشمس " قد يكون المفهوم السابق نتيجة لاستقراء حقيقي خاصة إذا كان مفهوم الدوران حول الشمس، قد جاء ليقدم خصائص شائعة وعامة لكواكب معينة، نعم قد تدور حول الشمس، ولكن ليس من خلال الاستخدام الفعلي لنفس المفهوم . الاستقراء لا يعرف من خلال نتيجة العملية ولكن من خلال العلاقة بين المقدمات والنتيجة .

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة، وهي أن مل قد اتفق مع هيوول في كل شئ بشأن ربط الوقائع، فيما عدا إصرار هيوول علي أن ربط الوقائع جزء ضروري وأساسي في كل استقراء . مل اتفق علي الربط أمر مشترك و شائع في العلم . كما اتفق أيضا علي أن المفاهيم تضاف من خلال عقول العلماء . ولكن علي خلاف هيوول ، يري مل أن الربط يأتي في مرحلة واحدة، وهذه المرحلة سابقة علي الاستقراء، وفي تلك المسألة يكمن الخلاف بينهما .

يفترض أن هيوول اخطأ فيما يتعلق بالعملية النموذجية للاستقراء، إذ يعتمد الاستقراء عند هيوول خاصة علي تقديم مفهوم جديد . وهذا خطأ في رأي مل لأنه يخلط بين أمرين مختلفين هما الاختراع والبرهان، وفي هذا يعارض مل بشدة كل ما يخص الاستقراء من حيث النظر إليه يوصفه وسيلة لاجتلاب مفهوم جديد . ويقول مل في ذلك أن المفهوم الجديد يمكن الإتيان به بشأن نتيجة استقرائية، وبذلك يتساوي كل من الوصف والاستقراء، ولا تتم التفرقة بين الوصف وبين الاستقراء إلا بسبب خاصية علي شئ غير مرئي ابتداء من شئ خاضع للملاحظة . خذ هذه القضية مثلا:" كل إنسان فان "، إنها بالتأكيد عبارة عن نتيجة استقرائية، وبرغم ذلك فهي لا تقدم أي مفهوم جديد .

ومن ناحية أخري يري مل أن المفهومات غير المتصورة لا يمكن إدراكها إلا من خلال الأشياء وخلال الإجراءات التي تؤدي إلي تكوينها فهي تملك إذن دلالة فاعلية، ومن الصحيح أن مثل هذه العمليات الوصفية البحتة تستلزم إزاءها مفهوما ذهنيا، إذ يقوم المفهوم في عقلنا لا في الواقع، ولكن برغم ذلك لا بد في المفهوم من شئ متصور . وإذا لزم أن يوافينا المفهوم ببعض المعرفة الخاصة بهذه الوقائع لزم أن يكون مفهوما " عن شئ " ما موجود حقيقة بين الوقائع أو عن خاصية بهذا الشئ يملكها فعلا ويبديها لحواسنا إذا كان من طبيعة هذا الشئ أو هذه الخاصية أن يؤثرا علي حواسنا .

ولا يتجاهل مل دور مفهوماتنا في دراسة الوقائع، ولم يعارض أحد في أن البرهنة علي شئ تقتضي وجود مفهوم ذلك الشئ، وعندما نشمل عدا من الأشياء في تعبير عام يكون مفهوم شئ ما مشترك في كل هذه الأشياء – متضمنا في التعبير، ولكن لا يلزم عن ذلك إطلاقا أن يكون المفهوم سابق الوجود ولا أن يكون المفهوم قد تكون في الفكر بغير مواد خارجية . ويجب أن يكون مفهوم الاهليج قد خطر علي فكر كبلر قبل أن يكون قد تعرف علي مدار الكواكب السيارة بشكلها الاهليجي .

ويري مل إذا كان هيوول يؤكد علي أن المفهوم يشبه شيئا مضافا إلي الوقائع، ويوحي كلامه من بعد بأن كبلر قد وضع شيئا في الواقع بطريقته في تصورها، غير أن كبلر لم يفعل شيئا من ذلك، وكان الاهليج قائما في الوقائع قبل أن يتعرف عليه كبلر تماما، كما أن الجزيرة جزيرة قبل أن ندور حولها، ولم يسقط كبلر علي الوقائع ما فكر فيه، ولكنه أسقط عليه ما رآه فيها، ولا شك أنه لا يوجد اختلاف من حيث طبيعة ما نراه  وما نتصوره، فالمفهوم شبيه بالإدراك . ولكن تعقيد التفصيلات التي يلزم وصفها فيما يتعلق بالمفهوم أكبر بكثير من التعقيد الذي يلزمنا استشعاره إزاء الإدراك: فمثلا إذا تركت الكواكب خلفها أثر مرئيا في الفضاء وكان المراقب قادرا علي رؤية أجزائه بأكملها علي التوالي لا دفعة واحدة – فسيكون قادرا بفضل المواءمة بين ملاحظاته المتقطعة، علي أن يكتشف أن المدار اهليجي وأن الكوكب يتحرك في مدار اهليجي في وقت واحد، ولا فرق بين هذا المراقب وبين الملاح الذي يكتشف أن قطعة أرض جزيرة في الواقع بمجرد دورانه حولها .

ولن يعارض أحد كما يقول مل في أنه إذا كان الطريق بالكواكب مرئيا في الفضاء فسيتم تقرير الهوية بينه وبين الاهليج عن طريق تعمد وصفه، وعلي ذلك فعلي الرغم من أن المدار لم يكن مادة حسية مباشرة فقد كانت كل نقطة من نقاطه قابلة للتحديد الدقيق كما لو كان ذلك المدار مادة حسية مباشرة، وهذا من شأنه أن يذلل من ثم عملية العثور علي تفصيلات ذات دلالة فيما يتعلق بالمفهوم في إطار العمليات الخارجية التي تشير إلي الوسائل التي يمكن عن طريقها تكوين المفهوم ذاته .

من علي صواب بشأن الأمثلة العلمية ؟ فهيوول ومل قد تناقشوا وتجادلوا حول الطبيعة الدقيقة لاكتشاف كبلر، حيث يبدأ كبلر بملاحظة وضع حركة المريخ بالنسبة للشمس في أوقات مختلفة . وتلك الملاحظات يجب أن ينظر إليها علي أنها تمثل نقاط مبعثرة حول الشمس التي استنتج منها كبلر علي أن المدار الذي يدور فية المريخ اهليجي. هل يمكن أن يكون هذا المثال مصاغ علي أنه مثال للاستقراء بالمعني الذي تصوره مل ؟ هيوول ومل أتفقوا علي أن نتيجة الاستدلال الذي يقول أن " كل النقاط المتمثلة في مدار المريخ تقع في الاهليج  ب، حيث ب تمثل اهليج     معين ". ولذلك في هذا المثال فإن التنبؤ بـ أ، معناه وضع المريخ، والتنبؤ بـ ب معناه أنه يقع في الاهليج ب .

ولكن مل أصر علي أن الوصف جزء من العملية والعملية التي تصف تلك النقاط علي أنها تقع في الاهليج ب تحدث بشكل سابق علي الاستقراء ذاته . معني هذا أنه قد قال بأن معطيات الخاصة بصورة الاستدلال تحدث في الوقت س1، والمريخ يقع في الاهليج ب وفي زمن س 2، والمريخ يقع في الاهليج ب وهلم جرا . ومن الملاحظ أنه بالنسبة لمل فإن التنبؤات التي تظهر في القضية العامة تظهر أيضا في وصف المعطيات، ولذلك فإن الاستدلال يكون منبثق من تلك القضية " كل ما يمكن ملاحظته أنه ينتمي إلي أ، فإنه ينتمي إلي ب " بالنسبة للنتيجة " كل أ هو ب" .

أما هيوول فيصر علي أن مفهوم الاهليج مقدم أثناء   الاستقراء . وبالنسبة لهيوول فإن المعطيات لا تصف استخدام مفهوم الاهليج، وإنما تصفة في معاني لها أفكار أولية مثل " الوضع " و " الزمن"، ففي زمن س1 فإن المريخ يكون في الوضع ص1 وفي الزمن س2، والمريخ في الوضع ص 2.. وهلم جرا. وهنا في تلك اللحظة فقط الوقائع تتجمع معا من خلال مفهوم الاهليج، بحيث يبرز من خلال ذلك القضايا العامة التي منها يتكون العلم .ولذلك فإن النتيجة التي توصل إليها كبلر ليست مجرد " توحد للأجزاء " أو مجرد جمع للوقائع " Collection of prticulars .أو الملاحظات المختلفة البسيطة، لأن الملاحظات لا تحتوي علي تصور الاهليج وأن كبلر لم يلاحظ مطلقا مثال التعميم . الأمثلة والشواهد قد يستدل عليها من التعميم بعد الاستقراء الذي قد اكتمل . وأمثلة التعميم هي الكتل التي تبني الاستقراء وتمثل النواتج العرضية للاستقراء . والنظام الذي توصل إليه ما كان خاطئاً وكذلك فهمه للتاريخ كان  فهما خاطئاً .

وإذا كان مل يري أن خاصية وقوع الاهليج ب مستدل عليها من البيانات والمعطيات من تلقاء نفسها، ليس في الأمر جديد أضفناه، ومن ثم كان تأكيده علي أن كبلر لم يضف ما تخيله علي الوقائع، ولكن شاهد هذه الوقائع بما فيها من خصائص .Kepler did not put what he had conceived into the facts، but saw it in them ، " نعم المفهوم موجود هناك في الوقائع " قالها هيوول، ولكن هل يوجد ذلك المفهوم من تلقاء ذاته، وإن وجد فهل يفهم بدون مجهود ؟ لقد وجد كبلر مفهوم الاهليج داخل الوقائع التي لاحظها، لنه كان يوجد بداخلها دون شك لسبب ما، ولكن أيضا لسبب آخر قد حمل بعقله تلك العلاقات والملكات التي جعلته يدرك هذا المفهوم ويحل شفرته . أما مل فلا يعطينا إجابة مقنعة  ؛ حيث يفترض أن   يفترض جون مل أن المسار المريخي ليس علي شكل اهليج بمعني الكلمة، فربما أخفق نيوتن أو اخفق كبلر عندما جمع مل بين نيوتن وكبلر، إلا أن هيوول وبذكاء شديد لا يتخذ من افتراض مل فرصة للهجوم   عليه، فهيوول لا يترك مساحة لاحتمال وجود خطأ في الاستدلال الاستقرائي أو مجرد وجود خطأ في الفرض، وحتي لو وجد هل الخطأ فإنه لا يمثل مشكلة بقدر ما قد يمثل هذا الخطأ دور إيجابي فيمل يقول هيوول فيما بعد .

علي أية حال يقول هيوول " إن القول الذي يجب ان نتذكره دوما هو أن الفرض سيكون دائما في خدمة العلم، حتي وإن كان يحمل نصيب من النقصان وعدم الاكتمال، بل وحتي إذا كان خاطئا، فإنه يستحق منا الاهتمام به، وهل الاهتمام يتمثل في تجميع هذه الوقائع وفرضياتها معا، ليصبحوا في نسق واحد، ومن ثم فسيخرج وبصورة أوتوماتيكية الفرض الخاطئ، سنستبعده، بل سيستبعد نفسه عندما نفسر الظاهرة وفرضياتها، وبالأحرى عندما نربط أطرافها معا ".

وبعد هذه الجولة السريعة من عرض مكانة وليم هيوول في فلسفة العلم في القرن التاسع عشر، فإنه يمكننا أن نخلص إلي أهم النتائج، وذلك علي النحو التالي:

1- إذا كان وليم هيوول قد هيأ  نفسه ليكون تابعا لفرنسيس بيكون في منهجه الاستقرائي، إلا أنه كان مطالبا بإعادة إحياء منهج بيكون في الاستقراء علي أن هناك دائما عنصر جديد يضاف إلى مجموعة المراحل الفكرية، لكل حركة عقلية مجردة من هذه المراحل الفكرية المجتمعة، هذه الحركة العقلية كما يقول هيوول هي عملية " التأليف"، وهو يشرح هذه العملية العقلية بتجميع عدد من الحقائق التجريبية و" تأليفها" ليكون مفهوم يجمع هذه الحقائق و ويوحدهم تحت قانون عام، وهذا المفهوم هو فكرة الفرض العلمي.

2-  إن الفلسفة العامة للعلم عند هيوول  تتصف في ملامحها العديدة بأنها حديثة علي نحو قوي . فقد اهتم هيوول ولكن علي نحو غير بدائي بما يشار إليه الآن علي أنه منطق العلم وتوقع الروابط الصورية بين أجزاء الأنساق العلمية الكاملة .وقد حاول هيوول أن يصوغ  القواعد العامة لمنهج البحث العلمي، وبالأخص الاهتمام بالقواعد المنتجة والمعتمدة حقا من قبل نتائج العلماء، خاصة وأن مثل هذه التعميمات المنهجية تنتج منطق العلم . كما حاول هيوول أن يقدم لنا أعمالاً ابستمولوجية كانت مثار إعجاب واهتمام الفلاسفة المعاصرين، وهذه الأعمال كشفت عن مصداقية النتائج العلمية .

3- بالنسبة لهيوول، بمجرد أن تخرج النظرية إلى حيز الوجود من خلال "إستقراء" الباحث، لابد وأن تعبر العديد من الاختبارات الأستنتاجية قبل اعتبارها مؤكدة كنظرية مبنية على الاختبار والملاحظة، وهذة الاختبارات هي مجرد سلسلة من التنبؤات المترابطة منطقيا، هذا التصنيف من خلال هيوول قصد بة أولا أن يكون الفرض هو الظاهرة المتكهن بها التي لم تلاحظ بعد، وثانيا أن يكون فهم وتحليل هذة القضايا بطريقة مختلفة عن تلك التي تكون بها الفرض في بدايتة من خلال تأملنا وتنبؤنا، فالأمر الآن مختلف في هذة المرحلة عن سابقتها، وثالثا وهو الأهم ان تصبح الفرضيات التي نطرحها أو طرحناها أكثر تماسكا عبر الوقت وإلا فهناك خلل

4- أحد المواضيع الهامة التي تشغل بال فلاسفة العلم الآن وسابقا هي العلاقة بين العلم كممارسة وكتأريخ وبين الكتابة في فلسفة العلم، ولعل إهتمام هيوول بذلك الجانب إنما يرجع إلى كونه أحد الممارسين للعلم وأحد المؤرخين له والكاتبين في فلسفة العلم أيضا، والبؤرة تتضح في كتابة تاريخ العلوم الاستقرائية كانت مسحة تاريخية حول العلم منذ القدم وحتى عصرة، معتمدا معرفة العلم من خلال تاريخه، ولعل كتاباته ومقالاته ودراساته في مختلف الفروع هي أكبر دليل على ذلك بل وله أهمية كبرى. إذا إلى أي مدى تظهر أهميته في فلسفة العلم؟

5-  عندما قرأ جون ستيورت ميل كتاب فلسفة العلوم الاستقرائية لوليم هيوول قرر أن يوسع بحثه عن منطق الاستنباط ليتضمن كتابا عن المنطق الاستقرائي . ومن ثم فقد جمع ميل كل ما يمكن أن يعطيه إحساسه تجاه ويل الذي كان يمثل في تلك المرحلة واحدا من أكثر مؤرخي العلم . ولقد كان كتاب ميل المسمي system logic بمثابة البذرة المنطقية لفلسفة هيوول العلمية التي هبت عليها بعض الرياح فأزاحت بعيدا تلك القشرة عن كل ما غير منطقي أو علي الأقل كان هذا يعد اعتقاد الذين لم يفهموا الأجزاء التي كان يتحدث فيها هيوول والتي ظن البعض أن ميل قد رشحها له . ومن ثم يمكن القول بأن كتاب system logic يعد بداية الخلاف ثم تشعب هذا الخلاف ليشمل نقاط أخري ولعل من أهمها المنهج المتبع في العلم، وقد وصف المنهج الفرضي الاستنباطي عند ميل بأنه يكاد يقترب في محتواه مما عرض في فلسفة العلوم المعاصرة ولما كان ميل يعد رجلا من رجال المنطق فقد نظر للغة علي أنها وعاء لخبرات الإنسان السابقة وبأنه علي الرغم من أن لغة العلم خصبة إلا أنها يجب فصلها عندما ننظر للعمليتين داخل العلم كعلم وكإجراءات علمية . وقد كانت وجهة نظر هيوول مختلفة فقد نظر للغة بأنها أحد عوامل التتابع والمقدمة التي يجري الاستفادة منها وأخذها في الاعتبار عند عرض مفاهيم جديدة أو لشروح قديمة علي أنها خطوة لحل جزء من تلك المعضلة، ولقد كانت الاختلافات السابقة بين هيوول وميل تقودنا إلي خلاف حول المنهج والنسق ولنظام الذي يجب أن يتبعه أي إجراء علمي وشكل بذلك سلسلة من القضايا .

6-  وهيوول اعترف أيضا أن تاريخ العلم يحتوي علي العديد من الأمثلة للفروض الكاذبة التي قامت ببعض التنبؤات الصحيحة ( مثل نظرية الفوجستون)، ولذلك فهو لم يعتقد أن القدرة التنبؤية المحددة تكفي لاقتناعنا  بصدق الفرض . وحين يجتاز الفرض أكثر من اختبار صارم، فإن ربط ارستقراءات طبقا لهيوول تمثل البينة التي تقودنا إلي إثبات أن النظرية صادقة .

الاختبار الثالث: ربط الاستقراءات تمثل البينة الأكيدة علي مصداقية الفرض في أكثر من طرفين هما: حين يمكننا الفرض من تفسير وتحديد الحالات التي من نفس النوع تكون مختلفة عن تلك التي تأملناها في تشكيل فروضنا .

حين نفسر اثنين و أكثر من الأنواع المختلفة للظاهرة، كدوران الكواكب وسقوط الأحجار ومبادرة الاعتدالين . فإن هذا يؤدي بنا إلي نفس السبب، ومثل هذه الصدفة، تضفي واقعية للسبب . وفي الحقيقة لدينا في مثل هذه الحالة "

7- إن هيوول شأنه شأن كارل بوبر أراد أن ينكر الدور الاستقرائي للملاحظة وذلك من أجل حفظ كيان العقل والقوي الخلاقة ويرفض أن يحيل أن يحيل الإنسان إلي آلة صماء، تقصر عملها علي تسجيل انطباعات التجريب، وتعمم نتائجها لتصل إلي القانون . وكأن الإنسان حسا فحسب وليس حسا وعقلا وقدرات علي الابتكار العلمي والخلق الفني ... وسائر مكونات العالم الثالث . هذا درس عميق للتجريبين و وقد نصت كتابات بوبر علي أنه يناصبهم العداء . أولئك الذين بالاحتفاظ بالمدركات الحسية خالصة صافية بقدر الإمكان بلا اضافة أو نقصان، فتكون بهذا المعرفة اليقينية حتي جاء كانط ليقول لهم: " المعطيات الحسية لا تشكل إلا المادة الخام ".

8- أن مفهوم الاستقراء في تصور مل يختلف عن تصور هيوول له، فهيوول يصر علي أن في كل عملية استقرائية  تحمل بداخلها ما لا تقدمه الظاهرة، وإنما ما يقدمه العقل أيضا، وما يقدمه العقل لا تستطيع الظاهرة تقديمه، ألا وهو تقديم الفكرة العامة والمفهوم الجديد في كل مرحله والمفهوم الجديد ضروري للوقائع، فهو الذي يجعلها تقفز سويا لترتع إلي مستوي القضايا العامة والتي يتكون منها العلم.

9- هناك بعد حدسي يميز فكرة هيوول، وهو أن الاستقراء الحقيقي هو استدلال للتفسير الجيد، وهذا التفسير يجب أن يقدم الأسباب النظرية التي توحد وتوضح وقائع الخبرة. " كل البشر فانون" لا تفسر لماذا جون وبيتر وبول فانون بالمعني المعقول، بينما " كل الكواكب تدور حول الشمس " تفسر تكون الحركة الرجعية للكواكب البعيدة جدا عن أنظارنا موجودة، ويمكن تحديد السبب استقرائياً، ولذلك فإن الاستقراء عند هيوول ينزع نحو أفضل تفسير ممكن ونحو أكثر واقعية، إلا أنه يتطلب شرحاً أكثر لعناصره  الاستقرائبة .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

علي اسعد وطفة"يتألق العمل الأدبي بالأصالة ويزدهر بالدلالة كلما ابتعد عن الحركة الحقيقية للواقع، وسيكون أكثر أصالة وجمالا إذا كان ينطلق من أحضان الخيال، وينبجس من أعماق اللاشعور وخفايا العقل الإنساني"

غاستون باشلار (التحليل النفسي للنار)


يعتقد فرويد أن الأحلام التي يرسمها الفنانون والأدباء في أعمالهم الأدبية يمكنها أن تخضع لقانونية التفسير نفسها التي تخضع لها الأحلام الحقيقية. ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن الأحلام المتخيلة تنطوي أيضاً على انعكاسات لا شعورية تتبدى في مستوى الشعور. لقد دفعت الروح المنطقية فرويد إلى بناء هذه الملاحظة العبقرية لماذا لا يكون الخيال الأدبي مشتملاً بنفسه على معطيات لا شعورية؟ لماذا لا تكون الأعمال الأدبية ترجمة لأفاعيل لا شعورية مثل التحويل Deplacement والتركيز Condensation والرمزية Sympolisation.. إلخ؟ ولماذا لا تكون تجسيداً لمركبات وعقد Complexes لا شعورية؟ ألا يمكن لهذه الأعمال الأدبية وفي إطار هذه الشروط أن تؤدي كالحلم وظيفة رمزية لا شعورية دالة ومحددة.‏

ومن هذا المنطلق يعتقد فرويد أن التراجيديا الكلاسيكية تعكس إلى حد كبير العقد النفسية وتبلور الموضوعات التي ما زالت منذ الأزل تهاجم خيال الإنسان وعقله. وهو في هذا الخصوص يعطي لموضوع هاملت Hamlet بعض المؤشرات والتي كان يمكنها أن تشكل بالنسبة لجونيس Jomes منطلق دراسة تحليلية حول هذه التراجيديا حيث ألقى الضوء هنا وللمرة الأولى على تفسير الدوافع الحقيقية لشكسبير.‏

لقد انطلق أوتو رانك، وهو تلميذ فرويد، في أبحاثه من أساس هذا التصور الفرويدي لدراسة قانونية اختيار الموضوع الأدبي عند الشعراء وكتاب الدراما وخرج بنتيجة قوامها: أن اختيار الموضوع يعبر عن الكاتب بالضرورة ليس عن شيء آخر. وهو في معرض الإشارة إلى غوته Goethe كاتب ويرزر Werther يبين إلى أي حد يختار الشعراء موضوعاتهم وفقاً للوضعية الأوديبية لديهم. ومن جهة أخرى يتضمن كتاباه: (أسطورة ولادة الأبطال) و(صدمة الولادة) إشارات هامة حول العلاقة التي تربط بين الأساطير والأدب وخاصة حول الأصول اللاشعورية للحاجات الأسطورية التي تعزي للأبطال ولادة ثانية أكثر نبلاً من الأولى.‏

وبدا أن عدداً من المحللين النفسيين بدؤوا يتناولون الظواهر الأدبية بالدراسة والتحليل. ويمكن الإشارة في هذا الخصوص إلى كتاب إخفاق بودلير: (L' echec de Baudilair 1929) للدكتور لافورج Laforgue ثم كتابه علم النفس المرضي للإخفاق Psychopathologie de L' echec عام 1944 وهي دراسة هامة حول شخصية المفكر والأديب الفرنسي جان جاك رسو Jean Jacques Rousseau. لقد كان للتحليل الذي أجراه حول إدكار بو Edgar Poe في شخصية الأميرة ماري بونابرت أهمية خاصة في مجال التحليل النفسي للأدب في مستوى العمق والتكامل، حيث يبين لافورج الذكرى القهرية التي تسيطر على الجانب اللاشعوري عند الشاعر طيلة حياته وهي الذكرى التي شكلت عقدة عصابيته ولا بد في هذا السياق من الإشارة أيضاً إلى إحدى أعمال الكاتب الإنكليزي هاكيت C.A. Hacette حول غنائية ريمبود Le Tyrisme de Rimbaud. ثم إلى أعمال غاستون باشلار Caston Bachelare التي تحمل قيمة عالية جداً. ومن هذا المنطلق تم تحليل دون كيشوت Don Quechotte والأب كوريوت Pere Goriot وهوفمان Hoffmann الخ...‏

يبين بودوان في كتابه التحليل النفسي للفن 1929 أهداف وإجراءات التحليل النفسي للأدب. ويجب علينا هنا أن نشير إلى دراسته الهامة حول الرمزية عند فيريهارين عام 1924، ثم التحليل النفسي لفيكتور هيغو.‏

يكمن هدف التحليل النفسي للأدب عند بودوان، كما هو الحال عند لافورج في تحليله لماري بونابرت، في تحديد الأسباب الكامنة وراء الأعمال الأدبية وهي بالطبع الشروط اللاشعورية للأعمال الأدبية. إذ تتيح عملية التأمل والتفكير في العمل الأدبي للباحث التوغل داخل سيكولوجية الكاتب وتلك هي الوسيلة الوحيدة الممكنة لاستطلاع الجانب السيكولوجي واللاشعوري عند الأدباء والكتاب. حيث يجب من أجل تفسير العمل حصول على بعض العناصر حول حياة الكاتب كما يجب أيضاً استخدام المنهج التحليلي في الوقت نفسه وخاصة إذا كانت المقابلة مع الكاتب غير ممكنة كما هو الحال بالنسبة للشخصيات التاريخية التي عاشت في عصور سابقة. وفي كل الأحوال يتوجب على المحلل النفسي أن ينطلق من السيرة الذاتية للكاتب جنباً إلى جنب مع المواد الأدبية القائمة والتي تشكل موضوع التحليل بصورة أساسية وذلك كله من أجل الكشف عن المركبات والعقد اللاشعورية الكامنة.‏

وهنا لا بد من إدراك المسائل التالية:‏

- ما المؤثرات المتعددة وفي أية ظروف حياتية بدأ اهتمام الأديب بالعمل الأدبي موضوع الدراسة؟‏

- ما المركبات والعقد الشخصية الأولية التي تحرك المضمون الرمزي لهذا العمل؟‏

- ما الاتجاه الذي تأخذه الرموز وما الاتجاه الذي تأخذه تفرعاته نحو الأهداف العليا للنفس الإنسانية.‏

وكما يبدو لنا فإن بودوان يوظف جهوده للتمييز بين ما هو جمعي وما هو شخصي في مجال اللاشعور الأساسي في عملية الإنتاج الأدبي. ويؤكد بودوانفي هذا الخصوص أهمية الرموز الأدبية وأهمية الحركة الخيالية الأدبية التي تبدأ من العناصر الغريزية وترتقي بها عن طريق التحويل والتسامي إلى المصاف العليا لطبقات النفس الإنسانية عند الكاتب.‏

فالرمز كما يوصف: نظام صادر عن القوانين الطبيعية للخيال والحلم، وهو نابع من عمق المركبات والعقد النفسية، إنه إسقاط دينامي للعقد النفسية Complexes على ساحة التصور، إنه الفعل الرائع للخيال المبدع، وهو بالتالي يأخذ مساره في سياق النشاطات الداخلية الخلافة للحلم. وهو بذلك يشكل مركز التصورات الأدبية. وعلى المحلل أن يكون قادراً على قراءة الصور والمجازات ينطلق المحلل النفسي لدراستها بوصفها رموزاً قابلة للتحليل. ومن جهة أخرى يشير بودوان إلى مفارقة هامة قوامها أن وظيفة الأدب تتجانس مع وظيفة الحلم. وهو في هذا السياق يؤكد على الخاصة التعويضية للعمل الأدبي التي تحرر بعض النزعات المكبوتة عند الأديب. وباختصار فإن بودوان يضع هذه الوظيفة في سياق دائرة الهيمنة اللاشعورية وهو في إطار ذلك كله يعمل على إيجاد العلاقة العميقة بين الإبداع الأدبي والغرائز الأولية مثل الغريزة الجنسية وغريزة السيطرة إلخ... ولكن إذا كان فرويد يؤكد أهمية التسامي Sublimation وهي العملية التي ترتقي بالغرائز الأولية المختلفة إلى أشكالها الراقية فإن المحلل النفسي لا يسعى أبداً إلى اختزال الأعلى إلى مستوياته الدنيا. ويضاف إلى ذلك أيضاً أن فرويد يؤكد أن التحليل النفسي لا يمكنه أن يقول شيئاً فيما يتعلق بالمسألة الخاصة بالموهبة الفنية والأدبية وحول الأدوات التي يستخدمها الفنان أو التقنيات التي يوظفها. فهناك جانب من العمل الفني يسمح لنا بإدراك عملية البناء وهو اختيار الموضوع. وهذا يعني أن هدف التحليل النفسي لا يسعى فحسب إلى وصف عمليات التأهيل الفني ومتابعة اتجاهات التطور عند الفنان ووصف الانتشارات الأولى وازدهار الحياة النفسية. فالتحليل النفسي كما يعتقد بودوان لا يسعى إلى تصغير الأعمال الأدبية بل إلى استجلاء مكوناتها الأولية الطفولية والجنسية وذلك إلى جانب العطاءات العليا للقلب والذكاء.‏

إنه لمن المؤكد أيضاً أن العمل التحليلي الذي يتناول النصوص عمل بالغ التعقيد وهو يتطلب الصبر والجدية. إذ يمكن للكلمة البسيطة على سبيل المثال أن تشير إلى عمليات ربط أو تحويل خاصة بالعمليات اللاشعورية.‏

وبالتالي فإن المحلل الذي يعمل في مستوى التفاصيل مكره على تكرار الإشارات وتفسيرها دون انقطاع. لقد ترتب على شارل بودوان أن يمارس هذا العمل بمهارة بالغة وخاصة في دراسته حول التحليل النفسي عند فيكتور هيجو وهو العمل الذي تجدر قراءته والاطلاع عليه. حيث نجد فيه خارطة جغرافية للعمق والمركبات الخاصة بالشعراء الكبار: مركب "المشهدية" ثم مركب "أوديب والعقدة الأخوية" وهي المركبات التي أدت إلى بناء كتابه العمدة Le Burgrave وإلى بناء كتابه قاتل الأب Le Parrcide. ومن غير أن نضع في حسباننا كتابه الوعي La Cosience فإن عذاب القاتل يجسد رمزية النزعات الخاصة بعقدة القطع وذلك في إطار العلاقة مع عقدة التدمير التي نجدها عند هيجو بصورة دائمة. ونجد في أعمالها التالية توركمادا Torqueumada ثم إيفغانديس Evirandnus ثم الثالث والتسعون Quatre Vingt-treize عقدة الانسحاب Complexe De retraite وهو هروب أمام الأب. وتشهد على هذه العقدة أيضاً نزهة ملك كاليس الصغير. وتبدأ في عمله هيرناني Hernani عقدة القوة بينما تظهر عقدة الولادة Complexe De Naissan في الرجل الضاحك (L' Homme qui rit).‏

وفي إطار رؤية إجمالية يعرض بيكوان في كتابه هذا ملامح الصراعات الأساسية في لا شعور الشاعر ويبين كيف لحظات التوازن النفسي عند الشاعر الكبير.‏ تنطوي مقدمة ألبيرت بيكوان (Albert Baguin) الخاصة بكتابة (النفس الرومانسية والحلم) (L'ame romantique et le reve) على نقد كبير ضد التحليل النفسي للفن: (يتناول التحليل النفسي للأدب العمل الفني بوصفه وثيقة أو مجموعة من الأعراض وهو ينتهي إلى تحليل لشخصية المؤلف وحياته وعصابه. وهذا الجهد التحليلي لا يأخذ بعين الاعتبار سوى المظاهر النفسية للكاتب وهي علاقات ومظاهر لها أهميتها الإنسانية ولكنها تبقى مع ذلك خارجة عن طبيعة النص أو النتاج الشعري والأدبي).‏

غالباً ما ينظر في واقع الأمر إلى التحليل النفسي للأدب بصفته معالجة إكلينيكية: فالرجل هو المعنى بالدرجة الأولى وبالتالي فإن الاهتمام بالعمل يشكل وسيلة من أجل الوصول إلى إدراك نفسية المؤلف الفرد.‏

ومع ذلك فإن بيكوان يجد ربما صعوبة في زعمه بأن علاقات العمل الأدبي مع البنية النفسية أو مع البنية النفسية اللاشعورية توجد خارج القيمة الخاصة للعمل الشعري. ففي إطار أعماله المخصصة لدراسة الخيال الأدبي يرفض باشلار الأساس الذي ينطلق منه النقد الموجه للتحليل النفسي حيث يأخذ دوراً يتمثل في الحكم على أصالة العمل الأدبي. وهو بمقتضى هذه الرؤية يشارك في حركة الخيال التي تتحدد اتجاهاته عبر هذه العقدة أو تلك. وهذا يعني أن باشلار ينظر إلى التحليل النفسي للأدب بوصفه جزءاً من قيمة الأدب نفسه.‏

يمكّن عمل باشلار حول لوتريامونت ـ الكاتب الغريب لأشعار مالدورور (Chants maldoror) ـ من إدراك أفضل لشاعرية منحرفة حيث يستطيع القارئ أي يصبح أكثر تآلفاً بالمعنى الاشتقاقي للكلمة مع المركب الذي ينهض به.‏

لقد حاول باشلار في تحليلة للوتريامونت أن يستند إلى إيحاءات أدلر وهنا يكتشف باشلار مركباً حقيقياً للحياة الحيوانية عند الشاعر وهو مركب يصدر عن عدوانية فاضحة تميل إلى التحقيق الفوري. وذلك على أثر شعر عصابي يتطلب منا محاولة لإيجاد أنفسنا داخل نزقية كامنة.‏

اتجهت بعض الدراسات الأخرى إلى تناول صدى اللاشعور داخل النفس الإنسانية من خلال عناصر أربعة هي: الماء والهواء والتراب والنار.‏ وهنا تظهر توجهات باشلار النقدية الخاصة بالأدب الذي يقوم على أساس من علم اللاشعور والخيال.‏ ويعلن باشلار (1938) عن دهشته لأن الأوهام استطاعت أن ترسم حدود التطور العقلي عند الإنساني. وذلك جعله متشبثاً بالتحليل النفسي للمعارف الموضوعية وذلك كله لتحديد هذه الأوهام الصادرة عن اللاشعور، التي قدر بأنها تشكل عوائق أمام المعرفة الإنسانية. وهو في إطار ذلك يلاحظ أنه وحول موضوع واحد من الموضوعات كالنار على سبيل المثال يوجد عدد كبير من الأوهام المستمرة. فإلى أي حد تكون فيه هذه الأوهام رائعة في صيغتها الحلمية! ومن هنا يبدأ باشلار بدراسة هذه الهواجس والأحلام بذاتها ويحاول أن يربط بين الاتجاهات الإبداعية الخاصة بالمواد الأساسية للخيال، الحلم والتي تتجسد في العمق اللاشعوري.‏

ومن هذا المنطلق فإن العقائد الذاتية الخاصة بالنار تجد نفسها في كتابه ((التحليل النفسي للنار عام 1939 (La psychanaiys des Feu) وهو في إطار ذلك يحدد بوضوح وحدة الخيال الخاص بالنار والتي تتسم بمختلف المركبات والعقد مثل عقدة بروميتي (Compiexe de promethee) (نسبة إلى بروموتيوس إله النار الذي يرنو إلى الحضارة البشرية الأولى) وهو مركب يجعل المرء ينظر إلى النار كموضوع ممنوع ومقدس. ثم يشير بعدها إلى مركب أمبيدوكل (Empedoci)(2) ويعني هذا المركب رغبة المرء في الاختفاء جسداً وروحاً في ألسنة اللهب وهو نداء إلى الاحتراق حيث يتعانق الحب مع النار وغريزة الحياة مع غريزة الموت. ثم مركب نوفاليس (Novalis) (نسبة إلى الشاعر الألماني 1772- 1802) وهو من أبرز زعماء المدرسة الرومانسية الألمانية. ثم مركب هوفمان (Hoffman) ويعد تحليل عمل هوفمان من أكثر الأعمال أهمية وخصوصية في هذا المجال وذلك لأنها تشير إلى النار بوصفها نظام الإخلاص الشعري المتماسك.‏ ويتجلى في عمله الموسوم بالماء والأحلام عام (Reves et L' eau ) الشعور الذي يولده حلم النار في صورة الماء. حيث يشار هنا إلى مركب أوفيلي (Compiexe de Ophelie) (2). ثم إلى مركب كارون (Caron) ومركب نوسيكا (Naucica) فالماء يستدعي في الذاكرة صورة آلهة الماء وحواريه ويرمز إلى التفكير في الرحلة الأخيرة وإلى تحللنا النهائي وهنا يكتشف باشلار عند إيدكاربو (Edgarpoe) إخلاصه لماء خاص ثقيل ونائم والذي يعطيه وحدة خياله.‏

في كتابه الهواء وأوهامه عام 1943 يحاول باشلار أن يحلل الأوهام الهوائية: وذلك لأن خيالنا يحلق في الأجواء وواحدنا يشعر كأنه يطير في مسابح الفضاء الخارجي. لقد عرف نيتشه (Nitzshe) الشاعر والفيلسوف بعقدة التحليق (Complexe d' Hauteur) حيث كتب في هذا الصدد يقول ((أرواحنا أرواح حرة هوائية، سعيدة!...) فهو في هذه الصورة يتبدى بوصفه شاعر القمم والصعود.‏

وفي النهاية يدرس باشلار الخيال الأرضي (نسبة إلى الأرض) من خلال عمليتين أساسيتين: الأرض وأحلام الإرادة، ثم الأرض وأحلام الاستقرار عام 1948. فالأرض تثير طاقة الصراع والعمل أو تدعونا إلى الراحة والهدوء فنحن وبحسب توجه خيالنا يمكن أن نهتدي بهواجس الإرادة أو هواجس الراحة وأحلامها. ففي الحالة الأولى يمكن للطبيعة أن تتحول إلى حجر (مركب ميديوس Mwduse عند هيسمان Huysmans) أما في الحالة الثانية يمكن أن نعثر على الموضوعات الشعرية والأدبية للأرض الأم وعلى أساطير الكهوف والمتاهات وهنا يكمن مركب جوناس Jonas إلخ...‏

هناك، كما يشير باشلار موضوعات خيالية متماسكة مترابطة مع عقد ومركبات متقاربة إذا كانت تعبر عن موضوع واحد. ويكون العمل الأدبي أصيلاً إذا كان بعيداً عن الحركة الحقيقية للواقع ،وإذا كان ينطلق من أحضان الخيال، ويكون أكثر أصالة إذا كان ينبجس من عمق اللاشعور الأصيل. كتب باشلار في هذا الصدد يقول: ((عندما يتم التعرف على مركب نفسي يكون الإدراك أكثر عمقاً وشمولية لبعض الأعمال الشعرية.)) وفي الواقع فإن العمل الشعري لا يمكنه أبداً أن يمتلك وحدته إلا من خلال مركب أو عقدة محددة، وإذا كان المركب ناقصاً فإن العمل ينفصل عن جذوره ولا يحقق تواصله مع اللاشعور وبالتالي فإنه يعاني من البرودة والتصنع.‏

ويمكن لنا أن نقرأ في كتابه الماء والأحلام ((إن النقد الأدبي الذي لا يريد أن يتقلص إلى المستوى الجامد للصور يتوجب عليه أن يتزاوج مع نقد نفسي يعطي الخيال سمته الدينامية وذلك وفقاً للمركبات (العقد) الأصلية)).‏

وهذا التواصل مع العقد النفسة Complexe يهب الصورة الأدبية قيمتها اللاشعورية ويعطيها جمالا سحريا. وعلى خلاف ذلك إذا كانت هذه الصورة تفتقر إلى روابطها مع اللاشعور فإنه لن يكون لها أي صدى عند القارئ وستبدو صورة متكلفة صنعية غير نقية لأنها لا تنطلق من شيء ينطوي على أهمية.‏ وهنا يلاحظ أن باشلار يؤكد على أهمية المصادر اللاشعورية للإبداع الخيالي والأدبي وبالتالي فإن الصور الأدبية الطافحة بالغنى والثراء هي بالضرورة صور لا شعورية.‏

 

د. علي أسعد وطفة

.........................

هوامش:‏

(1) شخصية ذات طابع أسطوري معقد وهو فيلسوف يوناني يعتقد أن الحياة تنشأ عن اجتماع العناصر الأربعة الماء والتراب والهواء والنار. إلى القرن الخامس قبل الميلاد ويروى عنه حكايات أسطورية منها أنه رمى نفسه في داخل فوهة بركان أثينا (Ethen) الملتهب بالنار إلى حد أن أحداً لم يعثر على أثر من جسده وكان معاصروه يعتقدون أنه صعد إلى السماء. ولكن البركان الخادع بعد أن ابتلع أمبيدوكل لفظ نعليه سليمتين دون ضرر وكأنه يريد أن يكشف حيلة الانتحار المفاخر فيه.‏

(2) شخصية من شخصيات شكسبير في تراجيديته المشهورة هاملت (Hamlet) ـ (H) وتعد هذه الشخصية من أكثر شخصيات شكسبير عذوبة ورقة. يصاب أوفيلي بالجنون لخيبة أمله في الحياة ثم يبدأ بقطف الأزهار بالقرب من شاطئ أحد الأنهار ثم يسقط في النهر ويموت.‏

 

 

محمود محمد عليفي هذا المقال نتحدث عن  الفرض كمرحلة يمكن القول بإن الثورة العلمية التي أحدثها "نيوتن" قبل عصر هيوول في مجال الرياضيات والبصريات وما أستتبعها من نتائج عملية في مجال الرياضيات التطبيقية، وعلي وجه الدقة في الميكانيكا والفيزياء العملية، أفضت إلي استخدام التجريب بصورة تكاد تكون شبه دقيقة إلي حد ما في مجالات العلم المختلفة. ومع ازدياد التجريب أصبحت النتائج التي أمكن الحصول عليها من التجارب بمثابة محصول نظري جديد يسمح لنا بتنبؤات وتجارب أخري، وعلي هذا الأساس نتجه إلي مزيد من التجريب إذا ما أيدت هذه التنبؤات مشاهدات ووقائع جديدة تتفق مع المعطيات النظرية . أي أنه بصورة أو بأخرى يمكن لنا القول بأن حصيلة البحث في الاتجاه الاستقرائي ازدادت بصورة ملحوظة بعد عصر نيوتن، مما جعل الباحثين يتصدون لتفسير الوقائع علي أسس منهجية .

ومع أن هذه المرحلة تتسم بنزعة استقرائية واضحة، إلا أن وليم هيوول يكشف لنا في أكثر من موضع من مؤلفاته عن خصوبة الجانب العقلي المتمثل في ابتكار الفرض إذا ما أضيف كبعد جديد لتفسير الوقائع، حيث أن العالم وهو بصدد تفسير وفهم الظواهر الموجودة في العالم الخارجي، لا بد له أن يلجأ لأهم خطوة من الخطوات المنهجية، التي تتمثل في إضفاء مقولات العقل الخلاق، لتحديد الطريقة التي تعمل الظواهر وفقا لها، وهي خطوة الفرض .

وفي إثبات خطوة الفرض  لم يعمد وليم هيوول إلي حصر المنهج الاستقرائي في قواعد محددة كما فعل جون مل الذي يري أن الاستقراء جسر نعبر عليه من الوقائع إلي القوانين ؛ فهو عملية منطقية تثبت بها أن ما يصدق علي بعض أفراد فئة ما يصدق علي الفئة بأكملها، أو أن ما يصدق علي بعض أجزاء الصنف علي الصنف كله بوساطة تحقيق ظروف مماثلة، وإنما نحا هيوول منحي آخر أقرب ما يكون إلي الأسلوب العلمي    الدقيق، فلقد استقرا تاريخ العلم الحديث واستنتج منه أسس المنهج الاستقرائي الذي طبقه العلماء منذ جاليليو، وكانت الفكرة الأساسية التي خرج بها هي التالية: إن الاكتشافات التي توصلت إليها العلوم الاستقرائية إنما يرجع الفضل فيها إلي فعالية الفرض العلمي ؛ بمعني أن الكشف العلمي يرجع أساسا إلي الفرضية      لا إلي الاستقرائية  ؛ حيث يري هيوول أن الاستقراء وحده لا يكفي و بل لا بد من فرضية توجه البحث وتقوده قبل الاستقراء وخلاله وبهده . ولا توجد طريقة أو طرق محصورة يسلكها  الذهن، دون غيرها، للانتقال من الفرضية إلي القانون، بل ليس هناك ما يفصل بين الفرضية والقانون غير تلك التجارب والعمليات الذهنية التي تقودها الفرضية .

وانطلاقاً من هذا شرع هيوول يؤكد أن دراسة تاريخ العلم تكشف عن عملية استقرائية لا تماثل البتة حجة التعميم التي يتمسكون بها، بل ثمة ربط للوقائع التجريبية من خلال مفهوم عقلي عبقري، وهذا المفهوم متقدم من خلال العقل في القضية العامة ولا يوجد في أي من وقائع الملاحظة .

وهنا اهتم هيوول بوضع نظرية في الاستقراء مستمدة من تاريخ العلوم التي اتفق العلماء علي وصفها بالاستقرائية، فانتهي إلي أن تاريخ الاستقراء يدل علي أن الاستقراء الذي يقوم به العالم ليس برهانا منطقيا يصدق بقوة صورته، بل هو طريقة أخري للوصول إلي الحقيقة: إنه مسلك مغامر يتخذه العقل ويصنع فيه صنيع من يحاول حل لغز: فيجرب ويحاول عدة فروض، إلي أن يقع بحدس صائب علي الفكرة الصائبة .

ومعني هذا أنه ليست المسألة إذن مسألة ما هي الشروط التي بها يكون هذا المسلك صحيحا – وهو لا يمكن أن يكون صحيحا أبدا، بل فقط ما إذا كانت النتيجة سليمة .والعناية والتدقيق إنما يتعلقان بالرقابة التجريبية علي القضية الاستقرائية، لا بصياغتها مما يسمح للخيال بمجال واسع، ولا فائدة من وضع منطق استقرائي، وصياغة قواعد للاستقراء مناظرة لقواعد القياس، فالاستقراء لا يقوم علي تعميم وقائع الملاحظة، بل يقوم بربط بينهما برباط عقلي من خلال مفهوم جديد يزودنا به العقل لا الظواهر .

وهذا المفهوم الذي يتقدم به العقل هو الفرض، لأنه في كل استدلال نقوم به عن طريق الاستقراء يوجد تصور ما يقدمه العقل ولا تقدمه الظواهر . ونتيجة الاستدلال ليست محتواه في  المقدمات، ولكنها تحتويها عن طريق إدخال عمومية جديدة . وحتي نحصل علي استدلالاتنا فإننا نذهب بعيدا إلي ما وراء الحالات الماثلة أمامنا، وتعتبر هذه الحالات مجرد تبسيط لحالة ما مثالية تكون فيها العلاقات تامة . ونحن نأخذ معيارا معينا نقيس به الوقائع بواسطته، وهذا المعيار نحن الذي نؤلفه ولا تقدمه لنا الطبيعة .

ومن ناحية أخري يري هيوول أن الاعتقاد السائد الذي يري في الاستقراء الوسيلة التي نحصل بها علي قضايا عامة، انطلاقا من الأحوال الجزئية، والذي يقرر أن القضايا العامة تنتج فقط من تجمع هذه الأحوال وضم بعضها إلي بعض هو كما يقول هيوول – اعتقاد خاطئ تماما، حيث أن " الحقيقة الاستقرائية ليست علي الإطلاق مجرد تجميع فقط للوقائع .إن الشئ المعمول هو أكثر من ذلك وهو التمهيد لعنصر عقلي جديد والعقل لكي يكون قادر علي أن يقدم هذا العنصر يجب أن تتوافر له مواهب ونظام عقلي  مميز" .

كما أننا إذا رجعنا إلي الوقائع وتتبعنا الخطوات التي سلكها الباحثون، وجدنا أن الأحوال الجزئية لا تجمع هكذا عرضا، بل هناك دوما فكرة موجهة، فكرة أدخلت في القضية العامة نفسها ولا توجد في الوقائع الملاحظة . ولكن عندما تندمج هذه الفكرة الموجهة في معطيات التجربة لتشكل معها مركبا جديدا، ينسي الناس تلك الفكرة ويعتقدون أنها من صميم الواقع، تماما مثلما يعتقدون أن القلادة هي دوما قلادة، في حين أن الفكرة التي جعلت منها قلادة هي من الإنسان . فلا يوجد في العالم المادي إلا جواهر معزولة . إن الإدلاء بفكرة تجمع شتات الظواهر عملية تستلزم اقتراح فرضية . والفرضية تؤخذ من جملة أفكار أخرى ؛ أي تختار من بينها لكونها أقرب إلي تفسير الظواهر . واقتراح الفرضية من طرف الباحث عمل ينم لا عن ضعف، بل عن قوة ويتطلب جرأة وعبقرية .

ويؤكد هيوول أن اكتشاف كبلر لفكرة الاهليج يعد مثالا للاستقراء الحقيقي الذي يدعو إليه، فقد كانت المشكلة الأساسية التي واجهت العالم الطبيعي منذ عصر كبلر، هي مشكلة الحركة . كيف نفسر حركة سقوط الأجسام الطبيعية ؟ وكيف نربط بين حركة تفسير نقدمه لحركة الجسام الطبيعية علي الأرض، وتفسير حركة الكواكب . وقف كبلر علي أساس نظرية كوبرنيقوس في علم الفلك، وعرف عنه فكرته الأساسية القائلة بأن الأرض تدور حول الشمس في مدارات دائرية، وهو تصور يرجع إلي أرسطو الذي ذهب إلي أن الدائرة أكمل الأشكال .

وبالتالي لا بد وأن تكون الحركة دائرية . وضع كبلر ملاحظات تيكوبراهي موضع الاختبار الرياضي ليعرف العلاقة الرياضية التي تقوم بينها . وحاول أن يستنبط من هذه الملاحظات النسبة بين الزمن الذي يستغرقه الكوكب ليدور حول الشمس وبين بعده عن الشمس . هل هذه النسبة واحدة لجميع الكواكب ؟  لم تكن الأدلة التي توافرت لديه كافية للقيام باستنباط هذه العلاقة وتقديرها في قانون . والسبب في ذلك أنه كان يقوم بإجراء حساباته الرياضية علي أساس أن الحركة، كما تصورها كوبرنيقوس وأرسطو من قبل دائرية .

ومن ثم اتجه إلي وضع فرضه الأول وضعا جديدا: هل نسبة مربع الزمن والمسافة واحدة لجميع الكواكب ؟ وضع الفرض في صورته الأخيرة يعد تعديلا للصورة الأولي، وبالتالي احتاج كبلر لأن يقوم بإجراء حساباته علي كوكب واحد، ثم يقوم بتتبع نتائجه بالنسبة لجميع الكواكب، فاتخذ كوكب المريخ نموذجا له . لا حظ كبلر أن كوكب المريخ يتخذ مواضع متغيرة في أوقات مختلفة من السنة . كيف يمكن أن يحدث هذا التغير في وضع الكوكب ذاته؟ لقد تصور كبلر المشكلة من خلال الخيال الرياضي، فإذا مد خط من الشمس إلي كوكب المريخ، فإن هذا الخط بناء علي هذه المواضع التي يتخذها الكوكب، سيقطع مساحات متساوية في أزمنة متساوية .

والنتائج الاستنباطية  التي توصل إليها كبلر تدل علي صحة هذا التصور، ومن ثم وضع قانون تساوي المساحات الذي ينص علي أن " الخط الذي يربط الكواكب بالشمس يمر بمساحات متساوية في الأزمنة المتساوية . كان من الطبيعي أن يكتشف كبلر اختلافات جذرية في حساباته لأوضاع كوكب المريخ، عن  حسابات كوبرنيقوس، فتساءل عن شكل المدار الذي يتخذه الكوكب . إن فكرة كوبرنيقوس عن المدار الدائري لا تؤدي إلي نفس النتيجة التي توصل إليها كبلر في قانونه السابق . فما هو شكل المدار .

اتجه كبلر إلي معالجة الملاحظات التي دونها تيكوبراهي مرة أخري، فتبين له أن المدار لا يمكن أن يكون دائريا،فافترض أنه بيضاوي، وعن طريق الرياضيات وجد أن نتائج عملياته الرياضية تتفق مع الوقائع الملاحظة، وأن الكواكب فعلا تتخذ مدارات بيضاوية، فعمم فرضه عن المدار البيضاوي في قانونه القائل إن " الكواكب جميعا تدور حول الشمس في أفلاك بيضاوية تقع الشمس في إحدى بؤرتيها "، وقد أفضي به هذا الاكتشاف إلي التوصل لتجريدات تتعلق بالخصائص الفيزيائية لكل من الشمس والكواكب .

ومن هذه النتيجة أمكن لكبلر، أن يتوصل للإجابة علي سؤاله الأول، فقد تبين له أنه بالنسبة لجميع الكواكب يتناسب مربع الزمن تناسباً طردياً مع مكعب متوسط المسافة من الشمس "، وهو ما يعرف بالقانون الثالث .

وهنا يري هيوول أنه بالنسبة لاكتشاف كبلر، فإن النقاط التي لوحظت في مدار المريخ، كانت معروفة من قبل، ولكن عندما طبق كبلر "مفهوم" القطع الناقص، اكتشف وعلى الفور المدار الصحيح، وكبلر كان أول من طبق هذا المفهوم، القطع الناقص، على مسار مداري لكوكب، وذلك لأنه لدية فكرة واضحة للغاية في عقلة عن القطع الناقص . ولعل ذلك مهم لأن الأفكار والمفاهيم الأساسية مصدرها العقل، ولكنها لا يمكن استخدامها من منظور فطري،  فهي لا تقف وحدها. وهيوول يشرح ذلك بأن"البذور الأولى لهذه الأفكار كانت على الأقل موجودة في العقل البشري في مرحلة ما قبل الخبرة المكتسبة، ومن خلال عملية التفكير العلمي فهم يتجلوا للعيان في وضوح ونقاء .

وهيوول يقصد بهذا  "التجلي للعيان" عملية التحليل و التفسير المطول من قبل المفاهيم، فتلك العملية وهذا التفسير هما شرط أساسي سابق لأي اكتشاف، وهذا الاكتشاف يتكون من جزء تجريبي صرف وجزء عقلي صرف . العلماء يحاولون بداية تكوين مفهوم واضح ونقي في عقولهم، ثم يحاولون تطبيقه على الوقائع التي بحثوها بدقة، للوصول إلى الحكم عما إذا كان من الممكن جعل هذه الوقائع مؤلفة تحت قانون عام، وإذا لم يكن ذلك ممكن، فلعلهم يستخدمون هذا التمرين المتكرر لمحاولات مستقبلية. وبالتالي فإن استخدام كبلر لمفهوم القطع الناقص يعقب علية هيوول بقولة: "تغذية هذا المفهوم تتطلب تهيئة خاصة، ونشاط خاص ومميز داخل عقل المكتشف، ....الاكتشاف هو مجرد نقاط اتصال يجب أن يكون العقل مطلع عليها، أنواع محددة من الأشكال، وعلاقات محددة للمكان". وبمجرد أن تصبح المفاهيم واضحة، سيكون من الممكن اختيار المفهوم المناسب لأن يصبح مؤلفا، ولكن كيف يتم اختيار المفهوم المناسب لأن يكون مؤلفا، وبمجرد أن أمد كبلر مفهوم الأهليج علي الوقائع الخاصة بمدار المريخ، عممها علي كل أطراف وقائع الملاحظة ليصل في النهاية إليأن جميع النقاط الممتدة داخل مدار المريح، إنما تمتد علي هيئة قطع ناقص مع الشمس وفي مركز بؤري واحد .

ويعقب هيوول علي ذلك فيقول،: " ... ونفس الشئ يكون كذلك في كشوفات أخري، فالوقائع تكون معروفة، حتي وإن كانت منعزلة وغير مترابطة، إلي أن يأتي المكتشف، فيضع من مئونته الخاصة " مبدأ الربط"، فاللؤلؤ موجود ولكنه في حاجة إلي من ينظمه في عقد منتظم  فالمسافات والفترات الخاصة للكواكب كانت كلها تمثل وقائع عديدة متباعدة، إلي أن صاغ كبلر قانونه الثالث الذي استطاع أن يربط تلك الوقائع في حقيقة فريدة متباعدة، ولكن المفهومات الخاصة بتلك القانون كانت مستمدة من عقل كبلر،وبدون تلك المفهومات، فإن الوقائع تكون بلا فائدة . ومن الكواكب التي تصف الاهليجات حول الشمس تأملها الكثيرون بما فيهم نيوتن، إلا أن نيوتن أدرك أنها تنحرف في حركات  اهليجية في ضوء جديد – بفضل تأثير قوة رئيسية ناتجة عن قانون محدد، ولذلك فإن هذه القوة تم اكتشافها علي أنها موجودة فعلاً .

ثالثا: طرق التحقق من الفرض العلمي وقواعد استخراج المبدأ العام للوقائع:

إذا كان لكل من الخيال والحدس دوراً هاما ًفي نشأة الفروض، وإذا كان للفروض أن تخترع وتقترح بشكل في العلم، إلا أن هناك جانبان مهمان في الاستقراء عند هيوول: أما الجانب الأول و فيتمثل في أن كل استدلال استقرائي نقوم به يوجد مفهوم ما يفرض علي الوقائع . وأما الجانب الثاني فيبدو في أن اختراع المفهوم الذي يربط بين  الوقائع كان أعظم خطوة في الكشف، كما أن اختراع تحقيق القضية الاستقرائية كان أعظم خطوة هامة في البرهنة علي الكشف ذاته .

وعلي هذا الأساس، فإن هيوول يري أن عملية الاستقراء تتألف من الفرض والتحقق، ولهذا فإن ملكاتنا المنظرة هي التي تجعل العالم يستبصر التخمينات أو الفروض الجيدة ذات الصلة   بالوقائع، هي التي تجعل العالم يعشق الصدق ويعمل علي تبيين التمايزات من أجل صيانة الابتكار العلمي، فإذا أتضح للعالم أن الوقائع تتناقض مع الفروض كان لزاماً عليه أن يرفض الفروض ويقبل الوقائع بدون تردد،وفي هذا يقول هيوول:" إن التحقق من صدق الفروض يجب أن يتم من خلال تطبيقها علي الوقائع، وعلي المكتشف أن يكون مستعدا، وأن يلتزم الدقة في اختبار فروضه علي هذه الحالة، فإذا ما ثبت من خلال الاختبار أن هذه الفروض باطلة وغير مجدية فعليه أن يتركها .

ولهذا فإن التحقق في رأي هيوول يمثل عنصراً هاماً في الملية الاستقرائية، وقد قدم هيوول في مناقشته أربعة اختبارات للفروض، وذلك علي النحو التالي:-

الاختبار الأول: هو الملائمة، حيث أن " الفرض يجب أن يكون متسقاً مع القضية المستنبطة التي تعرض كل وقائع   الملاحظة " ؛ وهيوول في هذا الصدد يود أن يوضح أن الفرض المقترح يجب أن يكون وثيق الصلة بالظاهرة المراد تفسيرها أو المشكلة المراد حلها، فإذا كان الفرض لا صلة له بالظاهرة المراد تفسيرها، فإنه لن يحقق الهدف المرجو منه و ويكون الفرض فاشلاً.

الاختبار الثاني: التنبؤ بالوقائع التي لم تلاحظ بعد، يقول هيوول " إن الفروض يجب أن تفعل أكثر من وصف ما هو  ملحوظ ... فروضنا يجب أن تنبئ بالظاهرة التي لم تلاحظ بعد، وبالأخص كل الظواهر التي من نفس النوع كتلك التي للفرض الذي ثبت انه صحيح ومفيد ؛ ويقول في موضع آخر " إن الفروض التي نقبلها ينبغي أن تفسر الظواهر التي لاحظناها، وأكثر منهذا ينبغي ان نتكهن بالظواهر التي لم نلاحظها  بعد " .

وهنا يريد هيوول أن الفرض يكشف عن أصالته من خلال عنصر التنبؤ و التكهن إلي الجانب التفسيري، لأنه إذا اقتصر دور الفرض علي التفسير فقط، فإن هذا يعني بالضرورة أننا لن نعرف سوي ما نلاحظه، ولكن إضافة عنصر التنبؤ إلي التفسير، يعني إتاحة الفرصة أمام الباحث أو العالم لأن يقوم بمزيد من التجارب، مما يتيح لنا إمكانية الكشف عن ظواهر سوف ترد في المستقبل . فكأن الفرض بعد أن اقتصرت وظيفته في المرحلة الأولي من التجريب علي الجانب التفسيري، أضيف عنصر التنبؤ كوظيفة في عصر هيوول .

الاختبار الثالث: الذي ذكره هيوول هو قدرة الفرض علي التفسير والتنبؤ بالحالات ذات النوع المختلف التي تم تأملها في تشكيل الفرض . وحين نستخدم هذا فإننا سوف نصل إلي ما ذكره هيوول عن " ربط الاستقراءات " وهذا الربط يعني أن قانونين يمكن الحصول عليهم من خلال استقراءات مستقلة وتتضمن بوضوح أصناف متغايرة من الظواهر يمكن أن تتضمنهم جميعا وقابلة لأن تتجزأ من فرض واحد أو من نفس الفرض . وهذه المقومات تجعل الاختبار دقيق وحاسم في تصحيح الفرض؛ وفي فقرة أخري يؤكد هيوول أن ربط  الاستقراءات يمثل البينة الأكيدة علي مصداقية الفرض في أكثر من طرفين هما: حين يمكننا الفرض من تفسير وتحديد الحالات التي من نفس النوع تكون مختلفة عن تلك التي تأملناها في تشكيل فروضنا . وكذلك حين نفسر أثنين  أو أكثر من الأنواع المختلفة للظاهرة، كدوران الكواكب وسقوط الأحجار ومبادرة الاعتدالين" .

الأختبار الرابع: هو البساطة ؛ وفي هذا يقول هيوول " قد يحدث أن نجد فرضين متنافسين علي تفسير نفس الوقائع، وفي نفس الشروط، فأيهما يختار العلماء ؟ الحقيقة أنه إذا حدث ذلك، فإنه يتم اختبار الفرض الأبسط " ؛ ويقول أيضاً " كل الافتراضات

الإضافية تميل نحو البساطة والتناغم " .

هذه هي الاختبارات الأربع التي أضافها هيوول للتحقق من الفرض العلمي، والتي يحاول من خلالها هيوول أن يثبت مقارنة الفرضيات مع معطيات الواقع، وأنه لا بد من التخلي عنها عندما لا يكون هناك تطابق بينها . إلا أن هيوول لا يكتفي بذلك ح بل يؤكد أنه يمكن أن تستعمل الفرضيات في العلم وتؤدي دوراً كبيراً،  حتى ولو لم يكن هناك ما يؤكدها في التجربة . ذلك لأن دور الفرضية في العلم، شأنها شأن النظرية دور مؤقت، وتقدم العلم يصحح الفرضيات ويعدلها باستمرار .

وهناك في تاريخ العلم من الفرضيات ما أثبت العلم عدم صحتها، ولكن مع ذلك قامت بدور كبير، لا في تفسير الظواهر المدروسة وحسب، بل وفي التنبؤ بظواهر جديدة أيضا، يقول هيوول:" الفروض أحيانا ما تخدم العلم حتى وإن تضمنت جزء غير متكامل وقد يكون هذا الجزء علي خطأ، ويقول:" إن الفروض التي ثبت بطلانها قد أفادت في تقدم العلم، وذلك لكونها قد فسرت جوانب عديدة من الظاهرة، وإن كانت لم تفسر الظاهرة ككل  .

وهيوول اعترف أيضاً أن تاريخ العلم يحتوي علي العديد من الأمثلة للفروض الكاذبة التي قامت ببعض التنبؤات الصحيحة مثل نظرية " الفلوجستون " ولذلك فهو لم يعتقد أن القدرة التنبؤية المحددة تكفي لاقتناعنا بصدق الفرض، ولكن أكد أنه حين يجتاز الفرض أكثر من اختبار صارم، فإن ربط الاستقراءات طبقا لهيوول " تمثل البينة التي تقودنا إلي إثبات أن النظرية  صادقة " .

ويشرح هيوول ذلك فيقول " إن القول الذي يجب ان نتذكره دوما هو أن الفرض سيكون دائما في خدمة العلم، حتي وإن كان يحمل نصيب من النقصان وعدم الاكتمال، بل وحتي إذا كان خاطئا، فإنه يستحق منا الاهتمام به، وهل الاهتمام يتمثل في تجميع هذه الوقائع وفرضياتها معا، ليصبحوا في نسق واحد، ومن ثم فسيخرج وبصورة أوتوماتيكية الفرض الخاطئ، سنستبعده، بل سيستبعد نفسه عندما نفسر الظاهرة وفرضياتها، وبالأحرى عندما نربط أطرافها معا ". وهذا ما فعله نيوتن بلا شك، فقد صحح وحدد من استعمال بعض قوانين كبلر وشرح بصورة غير مباشرة كيف أنها ستكون في خدمة الجانب العلمي رغم وجود بعض الأخطاء .

ويعطينا هيوول مثالا لأهم الفرضيات التي تمكنت من التنبؤ الصحيح بظواهر جديدة، علي الرغم من أن العلم أثبت فسادها فيما بعد ؛ مثال ذلك قانون الانكسار الذي توصل إليه "سنل" Sneal   (1591-1626) الرياضي الفلكي الدانمركي، والذي ينص علي العلاقة الصحيحة بين زاوية السقوط وزاوية الانكسار بطريقة هندسية، تتلخص في أن نسبة قاطع التمام لزاوية السقوط إلي قاطع التمام لزاوية الانكسار ثابتة لكل وسطين، وعلق هيوول علي ذلك فيقول:" إن الافتراضات العقيمة المتعددة التي تم التوصل إليها لاكتشاف قانون الانكسار مهدت الطريق إلى اكتشافها الصحيح والحقيقي الذي توصل إليه Sneal " .

وننتقل إلي الكشف عن قواعد استخراج المبدأ العام للوقائع من خلال عملية التحقق ؛ حيث يقرر هيوول هنا أن لدينا ثلاث خطوات أساسية هي: اختبار الفكر، وبناء التصور، وتحديد المقادير .

أما من حيث اختبار الفكرة فإن هيوول يضع قاعدة بحثية هامة هي: يجب أن يكون هناك تجانس بين الفكرة والوقائع . فإذا لاحظنا الوقائع وقسناها بالرجوع إلي المكان فلابد من ربطها بفكرة المكان، لأن الفكرة تختبر عن طريق الوقائع .

وأما من حيث التصور وتحديد المقادير والأهمية فقد أشار هيوول إلي مجموعة من المناهج التي تميزت بالترابط والدقة في المعالجة، أكثر من اعتبارها إسهاما أصيلا من جانب هيوول، ومن بين هذه المناهج مايلي:

أ- منهج المنحنيات The Method of Curves هو الذي يتألف من رسم منحني تكون الكميات الملاحظة ممثلة علي الأحداث الرأسي، أما الأحداث الأفقي فيمثل مقدار التغير في الكمية الملاحظة . وكفاءة هذا المنهج تعتمد علي قوة العين التي تلاحظ مباشرة صور الاطراد أو عدم الانتظام . كما تبدو أهميته في أنه يمكننا من التوصل إلي قوانين طبيعية من الملاحظات الجيدة، ويجعلنا نستبصر الملاحظات الناقصة، كما أنه من جانب ثالث يمكننا من التوصل إلي معطيات تتجاوز الوقائع الجزئية .

ب- منهج الوسائل أو المتوسطات وهو الذي يتلافي بعض الصعوبات المشار إليها من في منهج المنحنيات، فيمكن لنا إجراء تصحيح للملاحظات التي أجريناها من خلال المنهج السابق عن طريق أخذ متوسط هذه الملاحظات،وهذا المتوسط حسابي فقط . ومن ثم فإن كفاءة هذا المنهج تعتمد علي أنه في الحالات التي تكون فيها الكميات الملاحظة متأثرة بعوامل أخري إلي جانب العوامل التي تحدد القانون، فإن الازدياد أو النقصان عن الكميات التي سوف ينتجها القانون موضع التساؤل سوف تتجمع في ملاحظات عديدة في موضع معين .

ج - منهج المربعات الصغري هو في الحقيقة منهج الوسائل، ولكن مع بعض الخصائص المميزة .فموضوعه يحدد الوسيلة الأفضل من عدد الكميات الملحوظة أو تكون غالبية القانون المحتمل مشتقة من عدد الملاحظات أو من بعضها أو من كله التي تسمح بأكثر أو أقل الملاحظات الناقصة . والمنهج يبدأ بافتراض أن – كل الأخطاء ليست محتملة بالتساوي، إلا أن الأخطاء الصغيرة ليست أكثر احتمالا من الأخطاء الكبيرة . ومن خلال التفكير تفكيرا رياضيا في هذا الأساس، نجد أن النتيجة الأفضل هي التي نصل إليها (حيث أننا لا نستطيع أن نصل إلي النتيجة التي تلاشت بسبب الخطأ) من خلال عمل لا يتمثل من الأخطاء ذاتها، ولكن بجمع مربعاتها في في القيمة الممكنة الصغيرة .

د- منهج البواقي: ينحصر منهج البواقي في إسقاط الكميات المعطاة من خلال أي ملاحظة، والكمية المعطاة من خلال أي قانون مكتشف بالفعل، وبعد أن يفحص الباقي أو المتبقي لكي يكتشف القانون الرئيسي اللازم عنه .وعند هذا يكون القانون الثاني قد اكتشف الكمية المعطاة من خلال ما تم إسقاطه من المتبقي الأول؛ وهذا يعطي المتبقي الثاني الذي ربما يكون مفحوص في نفس الحالة ...إلي آخره . وكفاءة هذا المنهج تعتمد بشكل أساسي علي ظروف قانون التنوع الذي يكون أقل وأقل في القيمة بالتتابع (أو علي الأقل في معناه الحقيقي)، وذلك لكي لا تعيق القوانين الغير مكتشفة بعد ذلك القانون موضع التساؤل الكائن البارز في الملاحظات .

وبعد أن تناول هيوول هذه المناهج الأربعة، وأشار إلي الأسلوب الذي تستخدم به تطبيقا في البحث الاستقرائي، أشار إلي ثلاثة مناهج أخري تتعلق بالبحث في خصائص الأشياء،  وهي علي النحو التالي:-

1- منهج الاتصال: وينص علي أن الكمية لا يمكن أن تنتقل من قيمة واحدة إلي قيمة أخري من خلال آيا من تغير الشروط بدون أن تنتقل عبر المقادير المتوسطة طبقا للشروط المتوسطة .وهذا المنهج غالبا ما يستخدم للتمييزات الغير محسنة التي ليس لها أساس حقيقي .

2- منهج التدرج وينحصر في أخذ عدد من المراحل للخاصية موضع التساؤل، ويتوسط بين الحالتين الأخيرتين التي تبدو مختلفة، وهذا المنهج  يستخدم لتحديد فيما إذا كانت الحالات النهائية متميزة حقا أم لا .

3- منهج التصنيف الطبيعي وينحصر في حالات التصنيف التي لا تكون طبقا لأي تعريفات مفترضه ولكن طبقا لسياق الوقائع ذاتها بحيث تجعلهم وسائل للحقائق العامة المثبتة .

من العرض السابق لأراء هيوول تبين أنه ركز علي ثلاث وظائف هامة للفرض العلمي. أما الوظيفة الأولي فتتمثل في تفسير الوقائع الخارجية والالتزام بالظواهر الموجودة فعلا في العالم المادي . وأما الوظيفة الثانية فتكمن في أن الفرض يجب أن ينبؤنا بكل ما جديد في مجال الظاهرة ويشير إلي الظواهر التي لم نلاحظها بعد . وأما الوظيفة الثالثة فتبدو في أنه يرشدنا إلي البحوث والتجارب المستقبلية التي يمكن للعالم القيام بها.

كذلك فإنه يرجع الفضل إلي هيوول إلي ابتكار بعض المناهج التي يمكن استخدامها للتوصل للقانون العام الذي يربط الوقائع معا، أكثر من الاهتمام بطرق تحقيق الفروض علي غرار ما فعل جون مل . والواقع أن المناهج التي أشار إليها هيوول تعتبر تدعيما للفرض حتى لا نضل الطريق ونحن بصدد استخدام الفرض في البحث العلمي، فإذا اتضح للعالم أن الفرض لا يمثل ما هو واقعي أخذ في البحث عن غيره حتي لا يفسد كشفه العلمي .. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

حاتم حميد محسنهل فكّر الانسان يوما في حياته وحول ما اذا كانت وهماً، او في حقيقة وجود اله؟ هل حاول التحقق من الأشياء التي تحدث حوله؟ هذه الأسئلة لطالما طرحها الفلاسفة في الماضي وقسم منها لاتزال حتى اليوم دون جواب حقيقي. الفلاسفة يسألون حول المفاهيم اليومية التي يتّبعها الناس دون وعي او يؤمنون بها بسبب الدين او المعرفة الشائعة او التقاليد او لعوامل اخرى، وهم يحاولون ايجاد تبريرات لها. جميعنا سمع بالعديد من الفلاسفة الذين حاولوا التأثير على الطريقة التي يفكر بها الناس او يحاولون جعل الناس يتحققون من صحة عقائدهم. بعض هؤلاء الفلاسفة الكبار برزوا في التاريخ القديم مثل سقراط وافلاطون وزينون وطاليس، لكننا سنركز هنا على هرقليطس.

كان هرقليطس "فيلسوف يوناني لما قبل سقراط من مدينة ايفسوس". عاش في ايفسوس في عام 500 ق.م تقريبا وهو اعتقد ان كل شيء حولنا يتغير وان الناس يمكنهم ملاحظة التغيير باستخدام حواسهم الخمس. عُرف هرقليطس بين أقرانه بالفيلسوف القاتم بسبب صعوبة فهم كتاباته. اشتهر هرقليطس بمقارنته للناس من حيث فهمهم باولئك النيام. هو اعتقد ان الفيلسوف في بحثه عن الحقيقة هو وحده يتمتع باليقظة التامة المفعمة بالحياة ، وهو اعتبر نفسه الفيلسوف الوحيد في زمانه. نستنتج من هذا انه يقارن الناس بالنيام لأنهم لايتابعون الحقيقة، هم يتّبعون بعماء ثقافتهم او ما يمليه عليهم دينهم بدون التحقق والبحث عن مزيد من المعلومات.

هكذا كان لهرقليطس مثل هذا التأثير على الأجيال اللاحقة حتى قيل ان "العديد من الفلاسفة اللاحقين من افلاطون الى ارسطو، ومن الرواقيين الى آباء الكنيسة، ومن جورج هيجل الى الفريد نورث وايتهد، اعترفوا بتأثرهم بافكار هرقليطس". قيل ان هرقليطس كتب كتابا واحدا فقط اثناء حياته وهو كتاب "حول الطبيعة"، الذي قيل انه ينقسم الى ثلاثة اقسام: "قسم حول الكون ، وقسم حول السياسة، والثالث حول الثيولوجي". في عمله، هو استخدم مختلف الاساليب البلاغية لكي يمكن ان تعني عباراته اكثر مما تبدو عليه وهو قام بذلك قصدا ليس لأجل ان يستطيع كل شخص فهمها وانما لكي يفهمها فقط اصحاب الموهبة والقدرة . هو اعتقد ان التغيير هو الجوهر في كل شيء وان النار هي الاساس كونها هي التي دائما تغيّر الاشياء. عقيدة اخرى له كانت في نظام التبادل المتوازن. فمثلا، "طريق واحد ينقل بعض المسافرين خارج المدينة، بينما هو ذاته يجلب الآخرين منها ، الطريق ذهابا وايابا"، هذا يجعل الناس يعتقدون ان كل فعل له فعل مضاد مساوي له والذي يشكل نوعا من الوحدة . هرقليطس ذكر عدة اقوال، نشير الى اقواله الأكثر شهرة منها مثلا "كل شيء في حالة من السيلان" و "انت لاتستطيع النزول في نفس النهر مرتين". ما نستنتجه من القول الاول ان كل شيء حولنا يتغير، يتحول، يصبح شيئا آخر. لاشيء يبقى ذاته كما كان من قبل. القول الثاني يشير الى ان النهر ربما يبقى كما هو لكن الماء فيه يتغير باستمرار.

ان الاقتباس الثاني سيكون ذا معنى عميق حين ننظر الى ما تبدو عليه الحياة حولنا من تغير دائم وانها ستكون بلا معنى لو بقيت في نفس الحالة، قد يعيش المرء حياته مثلما يرغب لكن البقاء في نفس المكان والاعتقاد فقط بما تربّى عليه ومحاولة نقل تلك العقائد للاجيال اللاحقة ، سوف لن يؤدي الى اي تقدّم في المعرفة. لو اتّبع كل فرد ما قيل له منذ ان كان طفلا، ولو ان الاجيال نقلت تلك المعلومات الى الاجيال التي اعقبتها، لكنّا لانزال نؤمن ان الارض هي مركز الكون او ان الارض مسطحة؟ كان هرقليطس مختلفا، هو رأى الالوهية في العالم، وان "العالم ذاته هو الله، او تجلّي لفعالية الله، والتي تتحدد بطريقة ما بالنظام الذي يؤطر الاشياء". قيل ان هيرقليطس ذكر ان المعرفة بعدة اشياء لاتجعل من الشخص ذكيا. الناس حاليا يسمون الآخرين اذكياء بناءً على معرفتهم وليس على ما يعرفون حقا. هذا يدعو لمعرفة ما معنى ان تكون ذكيا. البروفيسور J.M.Robinson نُقل عنه قوله "شيء جيد ان تعرف عدة اشياء، مثل اسباب الرعد والبرق والزلازل، لكن الافضل ان تفهم الشيء الوحيد الذي يؤطر كل تلك الظواهر، الفكرة التي توجّه كل الاشياء . تلك هي الحكمة". الحكمة الحقيقية لايمكن تعليمها وانما تُكتسب من خلال الصراع وتجارب الحياة.

النزاعات اللفظية والاختلافات تسمح للناس بتعلّم منظور الآخرين وانها تختبر مقدرتك في الدفاع عن حججك، وهنا تكمن الحكمة. نعتقد ان هرقليطس قدم لنا الكثير من الاشياء وفتح الطريق لإكتساب المعرفة وشجع اجيالا بعده للتحقق من الحقائق التي قيلت لهم. هو كان مختلفا عن الآخرين في عصره، كان فضوليا. الفضول يحفزنا للكفاح لأجل الحقيقة ولايزال العديد من الناس اليوم يتّبعون ما ذكره لهم آبائهم او ما لقّنه لهم دينهم بصرف النظر ان كان لها معنى ام لا لأنهم يرون كل شخص آخر يتبعها ايضا. نعتقد ان هرقليطس عالج الاشياء بطريقة مختلفة. كلماته كانت متفردة وجعلت الناس حقا يعتقدون بما قصد بها وهو امر مثير للاعجاب. احيانا يتحتم علينا الرجوع الى زمان لنقدّر معرفة الاجيال التي سبقتنا لأنهم حقا لديهم الكثير لنتعلم منه سواء اعترف بذلك الناس ام لم يعترفوا. معظم الناس يعتقدون انهم يعرفون كل شيء ويرفضون طلب المساعدة عندما يجهلون، ولكن يجب ان نتذكر كيف بدأنا ومن أين جئنا لهذا العالم وهو الامر الذي يجب ان يشارك به الجميع.

 

حاتم حميد محسن

.....................

Philosophy, www. Philosophybasics.com/philosophers- Heraclitus-html

 

علي محمد اليوسفمن النادر نجد عناية منصفة لدراسة الفيلسوف الفرنسي من اصل الماني ديتريش هولباخ (1723 – 1789) باعتباره فيلسوفا ماديا ملحدا متطرفا، دافع عن مذهبه المادي في كتابه (نظام الطبيعة) الذي نشره عام 1770 باسم مستعار، والذي أعتبر انجيلا جديدا لتنوير البشرية العقلي والاخلاقي. واطلق النقاد على كتاب هولباخ انه يمثل ذروة الفلسفة المادية والالحادية الفرنسية، ومن المفارقة أن يعجب ماركس بافكار هولباخ رغم المعيشة الارستقراطية الباذخة التي عاشها هذا الاخير ولم يترجمها كمعتقد يؤشر تفاوت طبقي مجحف بين الطبقات الغنية والطبقات المحرومة الفقيرة.. وتنسب لهولباخ المقولة الماركسية (الدين افيون الشعوب). وكان له صالونا ادبيا يضم نخبة مختارة من ملحدي عصره فلاسفة وكتاب الذين كانوا يشاطرونه الميل الشديد في معاداتهم الكنيسة الكاثوليكية.وكان هولباخ لا يؤمن بمبدأ وحدة الوجود ولا يؤمن ايضا بالمعجزات الدينية معاديا بشدة رجال الدين الذين أعتبرهم يعيشون حياة الترف على حساب بؤس الفقراء ومعاناتهم المؤلمة.

وأعتبرهولباخ الانسان موجودا ماديا لأن عملياته الذهنية ليست سوى حركات تجري في المخ.1. رغم أن هذا السبب الاجمالي الاختزالي يبدو ضعيفا في التدليل على أن الانسان وجود مادي باسباب عديدة أخرى لا حصر لها أختصرها هولباخ بعلاقة الفكر بمادية الانسان ككائن بما سمّاه تعالق الفكر مع حركة المخ فقط، أذ ربما كان يقصد هولباخ الوجود المادي للانسان يكون مؤكدا وناتجا حصوليا ممثلا في بيولوجيا التكوين الفكري الوظائفي له ايضا. وضرب لذلك مثلا هو تعالق عمليات الذهن التفكيرية الناتجة عن حركات تجري بالمخ. صحيح أن يكون الانسان موجودا ماديا بالفكر كمنهج، ومادية الانسان كموجود في الطبيعة هو تحصيل حاصل المنهج المادي بالتفكير الذي مصدره الانسان كينونة مادية مفروغ التسليم المطلق بوجودها المادي.

لكن مادية الانسان كوجود مادي متمايز عن الطبيعة وجميع كائناتها لا يمكن أختزال البرهنة على بديهيته المادية بهذه التعالقية العضوية ممثلة في منهج علاقة تفكير الذهن بحركات المخ كما في تعبير هولباخ. لكن لو نحن تعمقنا تاويليا في تعبيرهولباخ نجده يقع في تناقض جدلي معتبرا مادية الانسان مستمدة قبليا من مادية الفكر. بينما ترى المادية الجدلية التي تبلورت من بعده بتعاقب مجيء هيجل وفويرباخ وماركس عكس ما ذهب له هولباخ، في أهماله حقيقة الواقع المادي هو الذي يفرض المادية على الفكر كما ذهب له فيورباخ الاب الروحي للمادية أن فكر الانسان لا يمنح الواقع حقيقته المادية بل مادية الواقع والطبيعة والانسان تجعل من الفكر منهجا ماديا في تفسير موجودات وظواهر العالم الخارجي والطبيعة..

لكن ما يمكن أعتباره نقلة متقدمة نحو منهج المادية الذي جاء لاحقا بعد عشرات العقود من عصر تنوير هولباخ هو في فتحه الابواب التي كانت موصدة تماما بوجه التوجه المادي الذي كان يحاربه بضراوة اللاهوت وتبعاته الفكرية المثالية الابتذالية التي كان حتى فولتير المتنور واقعا تحت تاثيرها في تماشيه مع اللاهوت الديني الموروث عن ديكارت ولايبنتيز.

كما هاجم هولباخ الحجج الفلسفية التي كان تبناها لايبنتيز ولوك وديكارت على أن في مقدور الانسان الوصول الى حقيقة وجود الله بمنهج الاستقراء الذهني العقلي كما هو الحال في المنهج التجريبي المعتمد في العلوم تماما.، وما يدركه العقل من اشياء العالم الخارجي وموجوداته يمكنه ادراك وجود الله بنفس المنهج الادراكي العقلي.

كما هاجم هولباخ البرهنة على خلود النفس التي ربطها ديكارت بخلود العقل بأعتبارهما جوهرين لا فيزيائيين منفصلين عن الجسم. مثلما صادر ديكارت خلود النفس ولم يفرق بينها وبين الروح أذ ربما أعتبرهما دلالة تعبير عن معنى واحد. فالنفس على العكس من الروح ترتبط فسلجيا بتكوين جسم الانسان المتكوّن من مجموعة الاجهزة البيولوجية التي تحكم الانسان في وجوده كائنا حيّا، مثل جهاز الدورة الدموية وجهاز التنفس وجهاز الهضم والجهاز العصبي والضمير والعواطف والانفعالات وغير ذلك. على العكس من الروح التي هي نوع من مفهومات وموضوعات الميتافيزيقا التي لا يدركها العقل لا بالماهية ولا بالصفات تعايش الانسان وتلازمه الحياة وتفارقه بالممات. وهو ما يذهب له اللاهوت الديني بخلود الروح بعد مغادرتها فناء الجسد بالموت. واعتبارهم الروح جوهرا منفصلا عن الجسم وأن ارتبطا سوية أحدهما بدلالة الاخر.

وأعتبرديكارت خلود النفس وليس الروح حقيقة فلسفية من دون تبيان كيف تكتسب النفس وليس الروح الخلود، كما لم يكن ديكارت موّفقا أعتباره العقل جوهرا ماهيته التفكير بالذهاب الى أن العقل جوهر خالد يلازم خلود النفس ولم يفرق بين ماهية العقل التجريدية وماهيته البيولوجية كدماغ تحتويه الجمجمة وملحقاته المخ الذي يحتويه مع الجهاز العصبي. فخلود العقل الذي يلازمه خلود النفس لدى ديكارت لا يمكن التسليم بها بوجود الفارق بين العقل الفيزيائي المادي كعضو من أعضاء وظائف الجسم الانساني وبين العقل غير الفيزيائي الذي هو جوهر تجريدي ماهيته التفكير فقط وأعتبر ديكارت العقل بهذه الخاصية خالدا لكونه موجودا غير فيزيائي.. خاصيته تتبع الدماغ بالتفكير فقط وليست بخاصية بيولوجية يمتلكها تتبع بيولوجيا تكوين جسم الانسان الطبيعي الفاني بالممات كما هو الحال مع الروح في امكانية خلودها عند اصحاب الايمان الديني.. لانها تجريد ميتافيزيقي لا رابط علائقي لها مع مكونات العقل العضوي الدماغ.

كما لم يكن هولباخ يؤمن بالمعجزات ويعتبر هذه الاقانيم الثلاثة /البرهنة العقلية على وجود الله/ وخلود النفس/ والايمان الديني بالمعجزات/ التي قامت عليها المسيحية هي خرافات توّسلها رجال الدين مستغلين سذاجة الناس في سرعة التصديق للخرافات، ليسهل عليهم استغلالهم.2. وذهب أبعد من ذلك حين أعتبر هولباخ سلوك الانسان الطبيعي كان من الممكن أن يكون أفضل في مساره الطبيعي المستقل عن اللاهوت لو ترك حرّا طليقا تحركه نوازع الخير الموجودة اصلا بالانسان كغريزة فطرية. ولم يكن الانسان بحاجة ضرورية ألزاميه تلزمه تلبية نواهي وتحريمات رجالات الدين الذين يبنون رفاهيتهم الارضية على حساب بؤس وحرمان الاغلبية من الناس.

ولولا التقدم الحضاري – أعتقد يقصد هولباخ بالتقدم الحضاري هو التقدم العلمي التمديني ومنجزات العلم التكنولوجية عالية التقنية التي قللت من تعب ومشقات الانسان ولم يكن يقصد الحضارة كمفهوم شمولي كما هو متفق عليه اليوم اصطلاحا يشتمل نمطا متقدما شموليا لجميع مناحي الحياة في السلوك والاجتماع والاقتصاد والثقافة والمعرفة والتقدم العلمي وغيرها واحتمال أن لفظة الحضارة نسبها المترجم لهولباخ وهو لم يقصدها - في تقاطعه السلوك الاخلاقي الطبيعي الذي لو ترك على طبيعته الغريزية الانسانية لكانت النتائج أكثر جدوى عملانية بحياة الانسان في خدمة تحقيق تقدم البشرية على ركائز قيم بعيدة عن خرافات اللاهوت الديني في ارساء الصدق والمحبة والالتزام الذي يحقق تماسك المجتمع أكثر مما قام به اللاهوت من تدمير تلك النزعات الفطرية السلوكية الخيّرة التي تكون مغروزة في طبيعة الانسان الذي لم يكن بحاجة اليها كقيم أخلاقية يضعها رجال الدين له في مصادرتهم حق الانسان في طموحه نحو تحقيق رفاهيته وسعادته بأمتلاكه حرية الارادة والاختيار بالحياة بلا وصاية خارجية تفرض عليه قسرا من رجالات الدين.

ومن النوادر التي حصلت في أحدى صالونات هولباخ الارستقراطية الادبية والفلسفية الراقية على مستوى حضور روسو وديدرو وديفيد هيوم أن تساءل هيوم هل يوجد ملحدون حقيقيون معنا اليوم؟ فكان رد هولباخ أن الطاولة التي تجلس عليها تضم الآن 17 ملحدا جالسين قريبين منك. ومن أهم عبارات هولباخ المعبّرة عن الحاده الذي لم يكن يخفيه قوله (الكون لا شيء اكثر من مادة في حالة حركة دائمية مقيّدة بقوانين طبيعية، وانه لا ضرورة اللجوء الى قوى خارقة للطبيعة لتفسير وجود الاشياء). ويكيبيديا الموسوعة. واضح هنا هولباخ يعتبر قوانين الطبيعة الثابتة التي تقيّد بحركتها الثابتة هي بكليتها معطى ازلي وجود غير مخلوق نطلق عليه الطبيعة.

فرقة المؤلهة والايمان الديني

جاء من بعد هولباخ تيار فلسفي يعتمد مذهب ما يسمى فرقة المؤلهة الدينية ما يطلق عليهم عندنا الربوبيون وهم ايضا يؤمنون بالاخلاق الطبيعية قبل وضعية أخلاق الدين التي يدعو لها رجال الدين، لعل أبرزهم روسو ومن قبله لا يبنتيز وجون لوك وباركلي لكن بشكل يكرس الايمان الديني بوجود الله ضرورة لا غنى عنها يمكننا تحقيقها بمنهج الادراك العقلي، فالله عندهم ذو عقل وقدرة وارادة لكننا لا نستطيع كشف ماهو الله ولا ماهيته بل يمكننا الاستدلال العقلي على وجوده... وأن جميع الشرورالتي تصيب الانسان مصدرها الانسان الذي يصنعها بيده أو تقع مسؤوليتها عليهم بقدرة قوى خارجية طبيعية تدميرية هم مسؤولين عنها وليس مسؤولية الله عنها لأنه يمتلك قدرات محدودة لا يكون فيها مسؤولا عن وقوع الشرور على الناس في تبرير رجال الدين حدوث زلزال لشبونة 1755 الذي حصد مئات الارواح وهم موزعون يصلون بالكنائس. معللين تحميلهم الضحايا مسؤولية تدمير الزلزال الذي طالهم هم وعوائلهم ومنازلهم سببه يقع على عاتق الناس الذين بنوا بيوتهم المتهالكة من غير تحسباتهم الحذرة حصول وقوع مثل هذه الزلازل ويبدو هذا التعليل التبريري بمنتهى السخافة والابتذال.، تلك البيوت التي لم يكن الرب بناها لهم كي يتحمّل خراب الزلزال الذي ضربها وهدمها على رؤوس أصحابها متدينين وغير متدينين. والاهم من ذلك وصفهم الله بقدرة محدودة لا يستطيع دفع كل الشرور عن الانسان.

كما ويحافظ الله بمعتقد جاك روسو ومذهب المؤلهة على الكون بقوانين طبيعية ولا يخرقها الله بمعجزات تخالف هذه القوانين وهو غير مسؤول عنها. (يرجى العودة الى مقالتنا المنشورة على اكثر من موقع الكتروني منها المثقف، الحوار المتمدن، كوة، والمجلة الثقافية الجزائرية بعنوان: المعجزة الدينية وقوانين الطبيعة).

لا مجال هنا الدخول أن تعريف ديفيد هيوم وعدد كبير من الفلاسفة المعجزة هي خرق لقوانين الطبيعة يحمل معه خطأه أكثر من أمكانية التسليم بصدقيته التي تبدو واقعية متفق اصطلاحا عليها ويتوضح هذا معنا لاحقا بأسطر قادمة. نظرا لكون قوانين الطبيعة ثابتة لا يطالها الزمان بالتغيير ولا تعبث بنظامها المعجزات الخارقة لها ايضا، مقارنة بالمعجزات التي يستطيع بعض الانبياء بها كسر تلك القوانين في زمانية محدودة وفي عصر واحد لا يتجاوز زمانه الدقائق من الوقت التي تزول فيه المعجزة ويعود القانون الطبيعي المخترق لخاصيته الثابتة ثانية. فثبات قوانين الطبيعة الزماني هو ليس حصولا تغييريا ولا زوالا زمانيا دائميا كما في المعجزات الآنية المؤقتة. بمعنى في حال حدوث خرق القانون الطبيعي بمعجزة زمانية مؤقتة لا يجعل ذلك الحدث الخارق لأحد قوانين الطبيعة متغيرات دائمية تطالها. وأنما يجعل من المعجزة الدينية طارئا لا معنى له خارج انخداع الناس به في ترسيخ ايمانهم الديني بالانبياء قبل الايمان الديني بالرب الذي لا يحتاج معجزات تخرق قوانين الطبيعة الثابتة..

لا نريد هنا تكرار كم يحمل هذا التعبير المتداخل بين قوانين الطبيعة وخوارق المعجزات من خلط عالجناه في مقالتنا التي اشرنا لها في سطور سابقة، منها من المسؤول عن وقوع المعجزات الدينية رغبة الانبياء أم مشيئة الله؟ وما يترتب على هذا التساؤل من اشكاليات عديدة لا تخدم التسليم بحصول المعجزات. مثلا لدى مذهب فرقة المؤلهة الذين ينفون المعجزات أن تكون وتحصل بارادة الله وبوحي منه كونها هي خرق لقوانين ثابتة وضعها الله في الطبيعة كنظام ازلي ولا رغبة عنده بتخريبها وخرقها بمعجزات غير منطقية ولا عادية يتقبّلها العقل.

وبذا تكون خرافة المعجزة الدينية اسطورة تلقى على عاتق الانبياء في البرهان على الايمان الديني بهم وليس الايمان غير المباشر بالله الذي لم يوعز لهم القيام بالمعجزات، وفي هذه الحالة يكون الشد والجذب بين قطبين هما أعلى من قدرات فهم البشرالايماني الديني في التفريق بين اولوية الايمان الديني بمعجزات الانبياء أم اولوية الايمان الديني بالرب بمعجزات لم يأمر الله انبياءه القيام بها؟، وكيف ترتبط المعجزة وبمن؟ هل بالايمان الديني بالنبي الذي يقوم بها أم بالخالق الذي لم يوعز لاحد القيام بها؟ وتبقى المعجزات تحمل اشكاليات خلافية عديدة غير التي ذكرناها.

الا أن الاختلاف يبقى قائما من المسؤول عن حدوث المعجزات الدينية وما هي الغاية منها هل هو هدف تحقيق الايمان الديني بما يقوله الانبياء بوحي الهي أم الايمان الديني بالله الذي هو في غنى عن الاستدلال الايماني العقلي به عن طريق واسلوب المعجزات التي يقوم بها الانبياء ولم يأمرهم الرب القيام بها لوجود وسائل استدلالية يمكنها تحقيق الايمان الديني ليس بوسيلة المعجزات التي يطعنها عدم التصديق اليقيني بها في عصرنا الحاضر؟ منها على سبيل الاستشهاد وسيلة الاستقراء العقلي البرهاني التي قال بها اكثر من فيلسوف وهم انفسهم لا يستطيعون البرهنة على حقيقة ما يدعون أثباته بمنهج العقل.

طالما الايمان الديني هو التسليم بأعجاز قدرات الخالق غيبيا ميتافيزيقيا وليس بدلالة العقل البرهانية الاستقرائية الذي تحكمه قوانين مادية سببية وغير سببية، عليه تبقى المعجزات كخروقات لقوانين الطبيعة المؤقت لا يمكن غير التسليم بها سواء حصلت في عصرها أم لم تحصل ووصلتنا اليوم اسطورة أم حقيقة لأن كل شيء يراد البرهنة عليه ميتافيزيقيا يكون تحصيل حاصل النجاح المسبق بتصديق تحققه دوغمائيا لأنه اساسا موضوعا في كلتا الحالتين لا يحكمه الصواب أو الزيف الا في العودة نحو مرجعية تحكيم العقل له. فالميتافيزيقا كمواضيع لا تحتكم العقل في البرهنة المستحيلة على موضوعاتها، لذا لا يبقى غير التسليم بصدقيتها في تغييب حكم العقل على حساب تفعيل العاطفة الايمانية الدينية الدوغمائية في التصديق. لذا فالميتافيزيقا كموضوعات لا تحتاج على برهنة صحة تحقق المعجزات لأن تحققها يقوم على الايمان التسليمي الغيبي الدوغمائي الذي لا يخضع لقوانين ادراكات عقلية تقوم على تفكير طبيعي لا يتوسل الميتافيزيقا..

من الواضح أن قوانين الطبيعة الثابتة يتم اكتشاف بعضها وادراك بعضها بدلالة موضوع المغايرة المتعالق بها وحتى غير المتعالق بها ماديا بمنطق العقل لذا يكون كل ما هو غير مدرك عقليا دينيا ميتافيزيقيا لا يمكننا التشكيك به بمنطق العقل بل الايمان الديني المسبق به بمنطق الاسطورة والميتافيزيقا. وبذا يكون الايمان الديني بالمعجزات لا يمكننا محاكمة التصديق به ولا أمكانية تكذيبه من قبل مرجعية العقل الذي يختلف ماهويا بعدم المجانسة حتى الادراكية مع جميع الخوارق التي لا تقع ضمن رقابة العقل الادراكية عليها والتي منها المعجزات التي هي عمليات تدرك فيزيائيا في زمن حدوثها ولا يمكن ادراك حصول تكرارها كنظام خارق لقوانين الطبيعة الثابتة على الدوام عبر الازمان والعصور وألا ترتب على ذلك أن قوانين الطبيعة هي توليد ذاتي خصائصي بالطبيعة تعيها وتدركها وهي تنتجها وتستحدثها عند الحاجة لها، وهي قابلة للتغيير والتبديل على مر العصور والازمان بأرادة منها أو بمعجزة خارجة عنها. في حين يقول العلم قوانين الطبيعة ثابتة ازلية في ملازمتها الطبيعة.

ولو كان هذا الفرض صحيحا مقبولا لما كانت قوانين الطبيعة وصلتنا كما هي الآن نعيشها تداوليا في ادبيات لاهوت الاديان والكتب المقدسة في ثباتها الكوني الازلي الذي يحاكم الطبيعة والانسان بتفسيرها خارج ما يقوله العلم الذي يركن تفسير اللاهوت الديني جانبا بمنطق ما يقبله العقل... وبذا تكون المعجزات أجزاءا من تاريخ لا يمكن دحض وقائعه بمنطق العقل المقترن بزمان غير مؤكد في تلازمه مع واقعة المعجزة. وثبات قوانين الطبيعة لا تزحزحه عن حقيقته لا اساطير اللاهوت الديني ولا حتى فروضات حقائق العلم التي تعمل على اكتشاف عمل تلك القوانين بالتوازي المعرفي معها وليس بالتقاطع غير العلمي معها.

زمان المعجزة وزمان القوانين الطبيعية

ثمة فرق جوهري تم ويتم أغفاله هو أن الزمان الادراكي لقوانين الطبيعة على الارض هو زمن سرمدي يستمد خاصيته الازلية من ازلية الزمان الذي يحكم تلك القوانين وثباتها والا ما كانت وصلتنا الى عصرنا اليوم كما هي في ثباتها طيلة مسيرة هذه الازمان والعصور التاريخية الطويلة جدا، بخلاف ذلك المعجزة الدينية ليست خرقا زمانيا دائميا لثبات قوانين الطبيعية في ملازمة ظاهرة الخرق الطبيعي المؤقت زمانيا لها باسلوب المعجزات التي لا يمكن البرهنة على تصويبها عقليا كما ذكرنا سابقا ..زمانية المعجزة المحدودة بزوالها كزمان مؤقت تجعل من زمان قوانين الطبيعة الثابتة قوانين لا تغيرها المعجزات التي هي خرق مؤقت لها، لذا يكون الخرق الاعجازي في حقيقته يقع على هامش قوانين الطبيعة الطارئة عليها وليست معجزات تطالها بالتغيير الدائم الذي يلازمها زمانيا. فقوانين الطبيعة أكثر رسوخا بثباتها الزماني من زمان المعجزة الزائل ما يرتب التشكيك بالمعجزة التي هي خرق ميتافيزيقي طاريء بدلالة قوانين الطبيعة الثابتة التي لا تتغير زمانيا. وما ذهبنا له يعطينا المؤشرات الثابتة التالية:

- زمان قوانين الطبيعة زمان ثابت لا يطاله التغيير لا بالمعجزات ولا بغيرها. بخلاف المعجزات التي زمانها زائل مؤقت.

- المعجزة تتأرج بين رغبة ذاتية راودت الانبياء بالحصول على الايمان الديني الجمعي بهم أولا المقترن بوحي الخالق لهم ثانيا. وهذا التارجح غير محسوم لا بمنطق اللاهوت الايماني ولا بمنطق الاستدلال بقوانين الطبيعة الثابتة التي جرى خرق أحدها بالمعجزة في عصر ما وزمان مضى منذ الاف السنين...

- يتداول بعض دارسي علم الاديان مؤخرا أن المعجزات ترتبط بالاساطير ولم تكن تكليفا من الرب في تدعيم استحصال الايمان الديني به كخالق يتوجب عبادته، كما تذهب له بعض الفرق والمذاهب الدينية التي بدأت التشكيك بحصول وأهمية المعجزات في أستحصال الايمان الديني الجمعي المشكك برسالات الانبياء.

- خطأ ربط تحقق صدقية المعجزات بتصديق الميتافيزيقا التي لا علاقة برهانية عقلية تؤكد صواب ما تعتبره الميتافيزيقا صحيحا مطلوبا تصديقه عقليا بالتبعية. تبعية العقل للميتافيزيقا وليس العكس.

- خطأ تعريف الفلسفة أن المعجزات خرق لقوانين الطبيعة الثابتة التي لا يكون خرقها المؤقت زمانا أعجازيا يخدم الانسان أبعد من تحقق الايمان الديني، بل المعجزة الدينية هي أعجاز مؤقت زائل طاريء على قوانين ثبات زمانية الطبيعة السرمدية الباقية الملازمة لسرمدية زمان الوجود الملازم لها.

- المعجزة تخدم أستحصال الايمان الجمعي الديني في تثبيت سلطة لاهوت الايمان الديني لا علاقة تربطه بسلطة رفاهية وحرية الحياة الانسانية في اشباع ضرورات العيش بكرامة انسانية. واستحصال حياة ارضية تقوم على العدل والمساواة والقضاء على الفقر والجوع والتفاوت الطبقي المجحف بين الغني والفقير. بمعنى المعجزة خاصية أعجازية تخدم الايمان الديني فقط ولا تخدم حياة الانسان.

- المعجزات تتجاذبها ثنائيات مثل هل هي رغبة الانبياء أم رغبة الخالق، كذلك ثنائية زمان قوانين الطبيعة الثابتة التي لا تتغير مع زمانية خرق تلك القوانين المؤقتة الزائلة، ثنائية المعجزة خرق يقبله العقل أم تصدقه الميتافيزيقا بعيدا عن سلطة تحكيم العقل. وقائمة الثنائيات المتناقضة حول المعجزة لا حصر لها بما يبقي على معادلة هل المعجزات اساطير لا سند تاريخي لها أم هي حقائق ساحقة في القدم يتوارثها لاهوت الاديان بلا سند عقلي مقبول؟

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.........................

الهوامش: 1، 2، وليم رايت، تاريخ الفلسفة الحديثة، تقديم ومراجعة امام عبد الفتاح امام، ص 238، ص 239

 

 

محمود محمد عليهناك رواد تنحسر عنهم أضواء الشهرة في تاريخ فلسفة العلم الحديث بسرعة لافتة للنظر، مع أن هذا التاريخ يؤكد عند استنطاقه أنهم أسهموا قدر استطاعتهم في الارتقاء بالمنهج العلمي، وعملوا قدر طاقتهم علي أن ينقلوا ما عرفوه إلي بني وطنهم، وعلي أن يبدعوا في أكثر من مجال مثل أقرانهم الأكثر شهرة الذين كان عليهم الإسهام في كل مجال من مجالات العلوم المختلفة، استجابة إلي تحديات التخلف في مجتمعهم ورغبة في الوقت نفسه في الارتقاء بهذا المجتمع .

ويعد " وليم هيوول " William Whewell (1794-1866) واحداً من هؤلاء الرواد الذين انحسرت عنهم أضواء الشهرة في تاريخ فلسفة العلم الحديث ؛ حيث أنه قلما يذكر اسمه في الكتابات التي تتناول تاريخ العلم وفلسفته، مع العلم بأن هذا الرجل كان واحداً من أهم وأشهر فلاسفة العلم في القرن التاسع عشر الذين اهتموا بنظرية البدء بالفرض، وهي نظرية منهجية قد فرضتها طبيعة العلم والابستمولوجيا العلمية بعد ذلك في القرن العشرين، كما كان أحد الذين اهتموا بمشكلة المعرفة أكثر من مشكلة الوجود، فتناول بالنقد كل العلوم القائمة، وناقشوا أسسها ومبادئها، وأعادوا النظر فيها من جديد من خلال المعايير التي حاول كل مذهب فلسفي من خلالها أن يميز بين العلم واللاعلم من خلال التحليل والضبط المنطقي في ضوء الحاجات الجديدة للعلم .

وكان أيضاً عالماً وعضواً في الجمعية الملكية للعلوم، وبفضله وضعت الجمعية مصطلح  " عالم " – Scientist  علي كل من يعمل بالعلم الطبيعي. درس علم المعادن، وله أعمال في الفلك والفيزياء العامة والميكانيكا، قيل عنها إنها أساسا كتابات تعليمية، ولكنه ساعد " فرادي "- faraday في وضع عدد من المصطلحات المهمة في مجال الصلة بين الكهرباء والتحاليل    الكيمائية ؛ مثل: القطب الموجب (Anode)، القطب السالب (Cathode)، والأيون (Ion) .

وهو أيضا مؤرخ للعلم في عصره الذي لم يهتم بتاريخ العلم إلا قليلا وتركه للمحاولات الفردية . أصدر هيوول في العام 1837 " تاريخ العلوم الاستقرائية منذ البداية حتى العصر الراهن ":،   History of The Inductive Sciences From The Earliest to The Present Time  في ثلاثة مجلدات،في هذا الكتاب يؤكد هيوول أن تقدم العلم واطراده مسيرته يعتمد في الأساس علي قدرة رجال الفكر وعباقرة العلم علي الإتيان بتصورات وخلق الفكر وعباقرة العلم علي الإتيان بتصورات جديدة وخلق أفكار واضحة ليعملوا بعد ذلك علي تطبيقها في شتي مناحي الحياة العلمية . وكان هيوول يري أنه لما كانت مسيرة العلم تجسد حلقات أو أزمنة يحيا فيها العلم وينتعش من بعد جمود، فإن العلم يزدهر بطبيعة الحال خلال فترات أطلق عليها اسم " الفترات الاستقرائية " . أما فترات الجمود فإنها هي التي تفصل بين فترتين استقرائيتين علي امتداد الزمن . ولذا صارت ظاهرة ازدهار العلم فيهما يرتفع شأنه حينا، ثم ما يلبث أن يتراجع وتخبوا جذوته حينا آخر وهكذا . ولم يتوانى هيوول عن طرح أمثله لتصوراته، فراح يذكر أن أول فترة استقرائية هامة قد حدثت في عهد اليونان القدامى، ثم أعقبتها بعد ذلك فترة جمود تعرف بالعصور الوسطي . وعلي الرغم مما يبديه التصور العادي من تأييد لوجهة نظر هذا الرجل، إلا أن المشكلة تظل قائمة دونما حل أكيد . إذ لم يذهب هيوول علي نحو مقنع تماما: لماذا يزدهر العلم في الفترة أو ينحسر أثره في تلك.

ثم أصدر هيوول عام 1840 كتابا آخر بعنوان " فلسفة العلوم الاستقرائية المؤسسة علي تاريخها ": Philosophy of The Inductive Sciences Founded Upon Their History. وفي مواجهة النزعة الاستقرائية التجريبية المتطرفة اللاتاريخية، يؤكد هذا الكتاب أن فلسفة العلم لا تدرك المنهج العلمي حق الإدراك إلا من خلال فاعليته عبر تاريخ العلم، لذلك يتلاحم في عنوان الكتاب الطرفان: تاريخ العلوم الاستقرائية وفلسفة العلوم الاستقرائية، وصدرت لهذا الكتاب طبعة ثالثة مزيدة  وموسعة تحت ثلاثة عناوين مستقلة " الأول " تاريخ الأفكار العلمية " History of Scientific Ideas  في مجلدين سنة 1858، والثاني في العام نفسه بعنوان " إحياء الأورجانون الجديد " Novum Organon Renovatum، والثالث " في فلسفة الكشف " on The Philosophy of Discovery سنة  1860 .

وبهذا تتجسد محاور المقالات علي النحو التالي:

أولا ً: نقد وليم  هيوول للنزعة الاستقرائية عند فرنسيس بيكون  وجون ستيورات مل.

ثانيا: الفرض كمرحلة أولي.

ثالثا: طرق التحقق من الفرض العلمي.

رابعا: جون ستيوارت مل يناظر هيوول.

أولا ً: نقد وليم  هيوول للنزعة الاستقرائية عند فرنسيس بيكون  وجون ستيورات مل

كان الاهتمام الرئيسي لأصحاب الاتجاه الاستقرائي ينصب حول الطريق المؤدي إلي الكشف عن القوانين، واعتقدوا أنه من الممكن رسم منهج لتحقيق ذلك، فنجد أن كل من بيكون ومل، قد حاولا تشييد منطق للكشف موازيا لمنطق البرهان، وقاما بصياغة المناهج التي من وجهة نظرهما، تمكن من اكتشاف قوانين الظواهر كنتيجة لتحليل وقائع الملاحظة والتجربة، كما وضع كل منهما منطق منهجيا علي غرار المنطق الأرسطي من أجل التوصيل إلي الحقائق   الكونية، ومن ثم ادعت بأن قواعد الاستقراء تفسر العملية المنطقية للكشف عن القوانين .

ولذلك نشأ تصور للاستقراء باعتباره وسائل منطقية لصياغة العمليات الخاصة بتكوين واكتشاف المعرفة العامة للارتباطات القائمة بين الظواهر علي أساس معرفة الوقائع الجزئية . وبصفة عامة رد الاستقراء إلي ما يسمي بالمنهج الاستقرائي للبحث والذي تمثل في الخطوات التالية:

الخطوة الأولي: الملاحظة التجريبية . فلابد أن العالم بملاحظة أمثلة عدة للظاهرة موضوع الدراسة، ملاحظة دقيقة مقصودة منتقاة وهادفة، مرتبة ومتواترة، تتصف بالنزاهة والموضوعية والدقة التي توجب استخدام الأجهزة المعملية إلي أقصي حد ممكن للتكميم الدقيق . وما التجربة المعملية إلا اصطناع الظروف المطلوب ملاحظتها .

الخطوة الثانية: هي التعميم الاستقرائي للوقائع التي لوحظت، فإذا اشتعل الخشب كلما تعرض للهب في سائر الوقائع التي لوحظت، أمكن الخروج بالتعميم الاستقرائي: الخشب قابل للاشتعال.

الخطوة الثالثة: هي افتراض فرض يعلل أو يفسر هذا التعميم، كافتراض أن الخشب قابل للاشتعال لأنه يتحد بالأكسجين .

الخطوة الرابعة: هي التحقق من صحة الفرض عن طريق اختباره تجريبيا . ويكون قبول الفرض أو تعديله، أو رفضه والبحث عن فرض آخر إذا دحض كل هذا وفقا لنتائج محكمة التجريب، تنفيذ حكمها يعني الخطوة الأخيرة للمنهج، وهي بلوغ معرفة جديدة والإضافة إلي بنيان العلم .

وتجدر الإشارة أن " بيكون " أهمل الخطوة الثالثة (وضع الفروض)، بينما اعتبرها " مل " مرحلة أساسية . وبذلك يكون مل هو الممثل الحقيقي للمنهج الاستقرائي بخطواته الأربعة (وهي ملاحظة ثم تعميم، افتراض فرض، التحقق منه، البرهان أ، الدحض، وبالتالي المعرفة).

أكد بيكون أنه لكي يتقدم العلم لابد من تناول الأشياء ذاتها بدلا من تناول المفاهيم . فلقد كان مهتما بالبحث في الحقائق الغفل التي لم يتوصل إليها العقل الإنساني بعد، وأوضح بيكون أن الاستقراء الجيد الذي يفيد في الكشف والبرهان في مجال الفنون والعلوم هو الذي ينبغي أن يفصل طبيعة الأشياء بالفرض أو الاستبعاد الدقيق، وما يعنيه بيكون بهذا المنهج يتمثل في    أمرين :

الأول: إذا ظهرت حالة واحدة سالبة تخالف الملاحظات التي تم التوصل إليها فلابد من رفض القانون الذي تأسس بناء علي الملاحظات الأولي ولأنه مهما كان عدد الأمثلة التي تؤيد القانون، فإن ظهور حالة سالبة واحدة كافية لرفضه تماما .

أما الأمر الثاني، فيتمثل في أن إثبات قانون ما يكون بإثبات أن كل القوانين والنظريات المعارضة له خاطئة . وقد عرض بيكون منهجه في مؤلفه المرسوم " الأورجانون الجديد " Novum Organum، وعنوانه الفرعي " إرشادات في تفسير الطبيعة " Directions Concerning Interpretaion of Nature، سنة 1620 . وما زال يمثل هذا المؤلف لما يعتقد كثير من الناس أنه منهج العلم .

نبه بيكون في هذا الكتاب علي ضرورة التخلي عن الآراء السابقة وضرورة البدء من الملاحظات . ولقد صاغ منهجه في جزأين: جزء سلبي بعنوان " تفسير الطبيعة وقدرة الإنسان " وجزء إيجابي بعنوان " تفسير الطبيعة وسيادة الإنسان " . ويعتمد المنهج الإيجابي عند بيكون أن كل ما في العالم يمكن أن يرد إلي عدد محدود من الطبائع البسيطة التي تتألف الموجودات من اجتماعها وتفرقها . وكان يري أن الموضوع الأساسي للبحث في العلم يجب أن يدور حول معرفة تلك الطبائع البسيطة واكتشاف قوانينها وأسبابها . ويري بيكون أنه يمكن الكشف عن تلك الطبائع البسيطة بواسطة استخدام القوائم الثلاثة " .

1 – قائمة الحضور وفيها يقوم بتسجيل الحالات الموجبة التي توجد فيها الظاهرة

2 – قائمة الغياب، وتسجل فيها الحالات التي تغيب فيها    الظاهرة .

3 – قائمة درجة المقارنة، وفيها نقوم بتسجيل الحالات التي تحضر فيها الظاهرة، عن طريق الإشارة إلي تغيرها أو اختلافها مع درجة الحرارة .

ومن جهة أخري، فلقد اعتقد مل هو الآخر أنه بالإمكان صياغة قواعد آلية الكشف العلمي، وعرف الاستقراء بأنه " عملية كشف وبرهنة القضايا العامة . فالعملية غير المباشرة لتأكيد الوقائع الفردية هي عملية استقرائية مثلها مثل تلك العملية التي نصل بواسطتها إلي الحقائق " .

واعتبر جون مل أن طرائقه هي طرائق اكتشاف وبرهان في نفس الوقت: " الطرائق الأربعة هي طرائق اكتشاف، ولكن حتى إذا لم تكن طرائق اكتشاف، فإنها الطرائق الوحيدة للبرهان " ؛ وعلي الرغم من أن مل يتحدث عن أربع طرائق إلا أنه خمسة وهي: طريقة الاتفاق، طريقة الاختلاف، الطريقة المشتركة للاتفاق والاختلاف، طريقة البواقي، طريقة التلازم في التغيير . وبعد أن شرحها ظل مصمما علي أنها أربعة، واختلف الباحثون أي الطرق هي الزائدة وتمسك كل فريق بواحدة منها . ولكن يمكن ملاحظة أن طريقتي البواقي والتلازم في التغيير يعتمدان علي الطرق الثلاثة الأولى، وأن الطريقة المشتركة للاتفاق والاختلاف مجرد ربط الطريقتين الأولى والثانية معا . وأن طريقة الاختلاف نفى لطريقة الاتفاق، فلا ينبغي إلا الطريقة الأولي وهي معروفة منذ أن دعي بيكون إلي التجريب .

وجملة القول أن الاستقرائية التقليدية اعتقدت أن الاستقراء هو عملية الكشف عن القوانين، كما أن كل عملية للتوصل إلي معارف عامة بخصوص قوانين العلم إن هي إلا عملية استقرائية .

كما افترض الاستقرائيون أن المنهج العلمي يبدأ بإبعاد كل التصورات والفروض المسبقة عن الطبيعة وكانت المقولة الرئيسية لهذا الاتجاه " لا تفكر " معناه find out ويبدو أن هذه المقولة ناتجة عن توجهات بيكون بأن الأفكار المتصورة مسبقا قد تؤدي إلي الانحياز وعدم الموضوعية، ومن ثم فإنه من الضرورة أن تكون الأولية لجمع الوقائع، ولكن في الحقيقة أن هذه البداية ستعرض البحث العلمي لأكبر مشكلة، وهي مشكلة تحديد الوقائع التي نبدأ منها .

كما أن اعتبار منطق الاستقراء هو منطق الكشف عن المعرفة العامة علي أساس معرفة الوقائع الجزئية أدي إلي خلق وهم مؤداه أن مناهج البحث الاستقرائي الخاصة بكل من بيكون ومل كافية لتفسير العملية المنطقية في اكتشاف القوانين العلمية، وأدي ذلك إلي اعتقاد مضلل بأن الإنسان يكون عبقريا إذا ما اتبع فقط قواعد الكشف المتمثلة في تلك المناهج .

أما عن موقف هيوول من الاتجاه الاستقرائي، فقد كان من أشد المعجبين بفرنسيس بيكون، خاصة أنه كان هيوول ينظر إليه بوصفه أحد المفكرين الذين دعوا إلي تطبيق العلم من أجل زيادة مقدرة الإنسان المعنوية والمادية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى بوصفه رائداً من رواد النهضة العلمية الحديثة بما لها من مميزات تخلف بها عن العصر القديم والعصر الوسيط اختلافاً أساسياً .

وكان هيوول قد عقد العزم علي أن يكون عنوان الجزء الثاني من كتابه فلسفة العلوم الاستقرائية هو إحياء الأرجانون الجديد وهو مؤلف من جزأين: جزء نظري بعنوان حول بناء العلم of the construction of science، وجزء تطبيقي بعنوان حول المناهج المستخدمة في تشكيل العلم of method in the formation of science . وأسلوب الكتاب شيق بليغ حيث يتضمن تشبيهات رائعة وشيقة . وقد ألف هيوول الكتاب علي صورة فقرات منفصلة أو جمل قصيرة لا يربط بينها أي منهج دون أن يدعوا أو يزعم أنها تشتمل علي علم كامل، وهي نفس الطريقة التي كان قد كتب بها بيكون كتابه الأرجانون الجديد .

وإذا نظرنا إلي خطة إحياء كتاب الأرجانون الجديد نجد أن الكتاب ينقسم إلي فقرات موزعة علي بابين وبينها كما يأتي:

الباب الأول: في الفقرات من 1: 3 يبحث هيوول موضوع بناء العلم، فيبين أن العمليان اللتان من خلالهما يبني العلم هما تفسير المفاهيم وربط الوقائع .

- من 4: 10 يبين هيوول أن المفاهيم تمثل جزء ضروري لكل استقراء وبدون المفهوم ليس بإمكاننا معرفة الأسباب والوصول للمعرفة الموضوعية، لا يقلل من تدخل كل العوامل الذاتية .

- من 11: 22 يتحدث هيوول عن ربط الوقائع، وأن هذا الربط يكون من خلال فرض .

- من 23: 29 يوضح هيوول كيفية ربط منطق الاستقراء ومنطق الاستنباط علي أساس أن كل منهما يكمل الآخر .

- في الفقرة 24 يتحدث هيوول عن قوانين الظاهرة والعلل .

- من 25: 26 يشرح هيوول موضوع العلاقة بين العلم والفن .

في الفقرة 27 يعرض هيوول لتصنيف العلوم .

الباب الثاني: إذا كان الباب الأول من إحياء الأرجانون الجديد يمثل الجانب النظري للمنهج العلمي في معظم أجزاءه، فإن الباب الثاني تطبيقي، يطبق فيه هيوول نظرياته الجديدة في العلم والمناهج الثلاث المشهورة التي تشكل البحث العلمي لديه وهي مناهج الملاحظة ومناهج إحراز الأفكار الواضحة ومناهج الاستقراء .

وفي مناهج الاستقراء يقدم هيوول رؤية جديدة تختلف عما ذهب إليه كل من بيكون ومل، وهذه الرؤية تقوم علي التحليل المادي للوقائع وقياس الظاهرة، وتفسير التصورات، واستقراء قوانين الظاهرة واستقراء قوانين العلل، وتطبيق الكشوف الاستقرائية، وذلك من ثلاث خطوات هي اختبار الفكرة، وتركيب المفاهيم، وتحديد المقادير .

ولا شك أن من الأسئلة الهامة التي ينبغي الإجابة عنها في صدد الكلام عن كتاب إحياء الأرجانون الجديد، السؤال عن السبب الذي دفع هيوول عن إحياء أرجانون بيكون ! .

اعتقد أنه ربما يكون هيوول قد نظر إلي كتاب بيكون علي أنه ليس كتابا مستقلا بالمعني الصحيح وإنما هو جزء واحد من ستة أجزاء كان بيكون يعتزم تأليفه تحت عنوان شامل هو الإحياء العظيم . وبهذا يكون قد اعتبر أن الأرجانون الجديد ليس كتابا مستقلا وإنما هو جزء من كتاب، أو علي الأصح جزء من خطة عامة لإصلاح العلم وللنهوض بحياة الإنسان .

ومن الواجب دائما أن ينظر إليه داخل سياقه الطبيعي لا أن يأخذ علي أنه بحث منفصل يمثل أهم كتابات بيكون . وقد تضمن القسم الثاني من الأرجانون الجديد خطة فرعية لهذا الجزء، لم يستطع بيكون أن يتمها بدورها . وهكذا فإن الأرجانون الجديد جزء من خطة شاملة لم تكتمل منها إلا جزء بسيط وذلك بشهادة بعض الباحثين .

وبالتالي فإن الأرجانون الجديدة قد ظل كتابا مبتورا لم يحقق إلا جزء ضئيلاً من برنامجه، مثلما أن هذا البرنامج بدوره جزء من كل أكبر لم يكتمل . والإضافات الجديدة التي أسهم بها بيكون في نظرية الاستقراء لا تكفي علي أهميتها، لكي تجعل منه فيلسوفا من فلاسفة الصف الأول، وذلك لأن موضوع الاستقراء بأسره غامض، يصعب تحديد قيمته هو ذاته بالنسبة إلي تقدم العلم، كما يصعب إدراجه ضمن النظريات الفلسفية  المعروفة .

وربما يكون ذلك هو السبب الذي دعا هيوول إلي تأليف كتاب إحياء الأرجانون الجديد لكي يعالج الأمور المنهجية التي عجز بيكون عن معالجتها وبالذات إهمال بيكون لقضية الفرض العلمي فمن المعروف أن الهدف الذي كان يسعى إليه بيكون من منهجه كما يري بعض الباحثين وخاصة الجانب السلبي منه، أن يبدأ العلم الصحيح من الملاحظات .

فالعالم الحق بالنسبة لبيكون هو النموذج الملاحظ الموضوعي الذي يخلص الناس من أوهام وأساطير الماضي، وهذا هو موضع النقد لبيكون، لأن ما يؤخذ عليه هو أنه بدأ بملاحظات بدون فروض ويستلزم هذا المطلب للملاحظة غير المسبوقة بافتراض لاختيار العلل الصحيحة للأشياء، أن يلاحظ العالم كل شئ في محيط الحالات الإيجابية .

حقيقة أنه ليس من السهولة للعالم أن نقول له أبدا بالملاحظة وتجميع الوقائع ذات الصلة بالبحث لأن الانتباه للوقائع غير ذات الصلة ليس مجديا . إلا أن الوقائع ذات الصلة لا تكون منفصلة عن بقية الوقائع الأخرى كما أنها لا كشف طواعية عن سماتها المميزة لها .

إذا لابد وأن يكون الأخذ بالاعتبار لوقائع بعينها ذات الصلة بالبحث معتمدا علي أفكارنا، وبدون هذه الأفكار المرشدة أو الفروض لا يكون هناك ما يمكن أن يلاحظه العالم . فمما لا معني له القول أنه يجب البدء بجمع الوقائع كلها ذات الصلة بالمسألة المراد بحثها . وقد يكون من المعقول جمع أنواع مختلفة من البيانات مما لا تقيده مسألة البحث ولكن بالاستناد إلي فرض ما . فجمع الوقائع يكون بالاستناد إلي فرض بعينه، وليس بالاستناد إلي معضلة معينة . ومن ثم فإن جمع الوقائع من غير ما توجيه أو فرض سابق خاص بمشكلة البحث، إنما هو يكون جوهريا  خطأ . ذلك أن الفروض تحدد نوع البيانات التي يجب جمعها .

ولذلك فإن أهم أوجه القصور عند بيكون أنه بدأ بملاحظات بدون فروض، ورغم ذلك فإنه عند إعداد الحالات طبقا لقوائم بيكون، فإننا سنضيف الحوادث المراد بحثها تحت تصورات بعينها حتى يمكن أن نري الحوادث المتشابهة أو غير المتشابهة .

ولكي يتم ذلك لابد من الفروض المسبقة والتي علي أساسها تلتقط التماثلات والاختلافات الهامة أو ذات الصلة بموضوع البحث، ونهما بقية التماثلات الأخرى . فبدون افتراضات لا تكون هناك قوائم، كما أنه لا يمكن أن ينفذ منهج بيكون الإيجابي، ومن ثم يجب أن نقوم بتحليل الوقائع وتصنيفها علي أساس الفروض، لأنه من غير استناد إلي شئ من هذه الفروض، فإنه لن يكون التحليل والتصنيف ذا فائدة تذكر .

ويؤكد هيوول مثلا أن القوائم الفلكية التي قدمها " تيكوبراهي " لم توضح في ذاته قوانين كبلر (1571 – 1630)، بل عكف كبلر علي دراسة نتائج براهي المسجلة عن حركات الكواكب وخاصة كوكب المريخ . وبعد سنوات طويلة من الأفكار المتأملة استطاع كبلر أن يقدم الصياغة الرياضية والقوانين التي تعبر عن حركة الكوكب .

ويوضح ذلك أن الملاحظة لم تكن الخطوة الأولية وإنما فحص الأفكار المقصودة مسبقا بواسطة مقاسة أو محددة بدقة هي الأساس . فبدون الأفكار الجيدة لم يكن ممكنا للباحثين البدء لأنه لن يكون هناك ما يمكن تحقيقه .

وخلاصة القول، فإن كتاب: إحياء الأرجانون الجديد " جاء استكمالا لأرجانون بيكون الذي لم يشر في متن منهجه لخطوة الفرض العلمي باعتبارها من مراحل المنهج العلمي الأساسية . وقد فسر هيوول موقف بيكون هذا من الفرض بأنه كان يعتقد أن الفروض تفضي إلي أغاليط، وهذا مما جعله يهتم بالملاحظة والتجربة دون الفروض .

وبالتالي فإن بيكون لم يدرك أهمية أن تكون الملاحظات أو التجارب موجهة بالفرض العلمي، كما أن إنكاره للفرض، إنما نتج من حذره الشديد في قبول آراء لم تمحصها التجربة، رغم أنه استخدم الفرض العلمي دون أن يدري، وبالتالي وضع هيوول " إحياء الأرجانون الجديد "، إحياء لأفكار بيكون، وصاغ هيوول الأفكار التي توصل إليها في صورة فقرات علي غرار ما فعل بيكون .

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة، يؤكد عليها هيوول، وهي أن أصحاب النزعة الاستقرائية، لم يفطنوا لدور التصورات الرياضية والاستدلال الرياضي كأدوات جيدة يمكن للمنهج الاستقرائي أن يتزود بها، وهنا نجد هيوول يلقي باللائمة علي جون ستيوارت مل وليس بيكون، فهيوول يري أن بيكون لم يكن في موقف يسمح له بوضع نظرية في المناهج الاستقرائية للفيزياء الرياضية، لأن الفيزياء الرياضية كانت لا تزال في مهدها ؛ حيث أنه لم يتضح إمكان استخدام المناهج الاستنباطية مقترنة بالاستدلالات الاستقرائية إلا بعد ظهور نظرية الجاذبية عند    نيوتن .

وعلي ذلك فليس بيكون هو الذي ينبغي أن يلام علي دراسته للمنهج من خلال أنموذج مفرط في البساطة يغفل دور الرياضيات في الفيزياء، وإنما الواجب أن يوجه هذا اللوم إلي جون ستيوارت مل الذي وضع منطقا استقرائيا لا يكاد يرد فيه ذكر المنهج الرياضي، وكان في أساسه صياغة جديدة لأفكار بيكون .

ومن هذا المنطلق شرع هيوول في كتابه " إحياء الأرجانون الجديد " ليؤكد أن دراسة تاريخ العلم تكشف عن عملية استقرائية لا تماثل البتة حجة تعميم الملاحظات المستقرأة، الذي اعتمدته استقرائية مل، بل ثمة ربط للوقائع التجريبية من خلال مفهوم عبقري . وهنا نظر هيوول إلي الخطوة الغامضة التي ننتقل بها من ملاحظة الوقائع الجزئية بعضها ببعض، وهذه الخطوة معتمدة علي أفكار صاغها الفهم . وهذا يعني أنه من أجل وضع قانون علمي أو نظرية علمية لا يكفي مجرد جمع الوقائع، وإنما الضروري هو الربط الحقيقي للوقائع عن طريق مفهوم يكون صحيحا ملائما، وفي هذا يقول هيوول: " الاستقراء هو مصطلح ينطبق علي وصف عملية الربط الصادق للوقائع من خلال تصور دقيق وملائم".

والواقع أن هيوول هنا وفي مواضع أخرى من كتابه " إحياء الأرجانون الجديد " ؛ إنما يصف منهج الاستنباط الذي يبدأ من فرض نظري فتراه يقول مثلا " أن النجاح فيما يبدو يتحقق بوضعنا لعدة فروض نتحسس بها المواقف لنختار منها ما هو صحيح " .

وهذا التأكيد علي قيمة الفرض في العلم هو الإضافة الباقية التي أضافها هيوول، ولما كانت الوقائع المراد شرحها يمكن عندئذ أن نستنبط من الفرض، فإن الاستقراء والاستنباط ليسا نوعين مختلفين من الاستدلال كما رأي جون ستيوارت مل ؛ بل إن كل منهما هو الآخر علي نحو معكوس " ؛ " فالاستنباط يبرر بالحساب ما قد حدسه العقل حدسا موفقا".

وعلي هذا فإن الاختلاف بين " هيوول "و "مل " يتمثل في أن هيوول كان مهتما بمنطق الاكتشاف في العلم، ولا شك أنه كان علي الصواب فيما يتعلق بذلك، بينما كان مل معنيا أساسا بمنطق الاستقراء من حيث أنه طريقة برهان أو عملية تحليل تتدرج مني مقدمات جزئية تنتهي عادة إلي نتيجة عامة، وهذا في نظر هيوول خطأ ذلك أن مل لم يميز بين عملية الحصول علي عبارات هامة من الوقائع وعملية تأييد أو برهنة هذه العبارات .

فطبقا لتعريف ميل يكون الاستقراء عملية كشف وبرهنة الجمل العامة للعلم . فلقد تناول عملية الكشف والبرهان باعتبارهما وجهين متساويين في الأهمية لنفس العملية  الاستقرائية . ولكن الممارسة العملية أوضحت الاختلاف بين هاتين العمليتين . ولقد ظهر هذا الفارق بين هذين الوجهين للبحث العلمي فالعلماء وثبت أن عملية اكتشاف الجمل العامة للعلم لا يمكن أن يخضع لمشروع ثابت يكون جزء من منطق اكتشاف .

فالتفكير الفعال يتطلب إطلاق العنان للفكر والخيال . الالتزام بقواعد جامدة من شأنه أن يعوق التفكير . إن أكثر الأفكار  خصوبة غالبا ما تكون تلك الأفكار التي لم تستطع القواعد أن تحكمها . وبصفة عامة لا يوجد منهج محدد للكشف عن حقيقة جديدة . فالكشف عما هو غير معروف إلي الآن يتضمن وثبة في الظلام .

وفي أواخر حياته انتاب هيوول شعور حاد بأن الاستقراء القائم علي التعميم لا يكفي . لم يكن عصره يسمح بإسقاط الاستقراء، فأكتفي هيوول بأن الاستقراء والاستنباط يصعدان ويهبطان الدرج نفسه، وعلي أساس المفهوم العقلي العبقري أو النقطة الغامضة، عمل هيوول علي تطوير المنهج التجريبي ليتخذ إلي حد ما المنهج الفرضي الاستنباطي الذي يعني إبداع فروض علمية ثم اختيارها تجريبياً، والحكم عليها والاختيار بينها وفقا لنتائج التجريب .

ولم تعرف قيمة هذه الدعوة إلا في النصف الثاني من القرن الثاني العشرين، حين تبلور صورة المنهج التجريبي بوصفه اختياراً للفروض وليس البتة تعميماً لوقائع مستقرأة، وأصبحت الأطراف المعنية تتفق علي أن المنهج التجريبي هو المنهج الفرضي الاستنباطي .

وفي هذا نجد هيوول بشهادة بعض الباحثين سبق روح  عصره، خاصة وأنه أدرك بجلاء أن المسألة أعمق من التعميم الاستقرائي، وأن المعرفة العلمية ليست محصلة التجريب، بل محصلة تفاعل العقل مع معطيات الحواس . وبينما انشغل أصحاب النزعة الاستقرائية بالوقائع الجزئية الملاحظة، انشغل هيوول بإبداع الفرض العلمي وبالنظرية ودور العالم وإمكاناته العقلية، مؤكدا خطأهم في إهمال الفرض والتعويل علي التعميم .

إلا أن آراء هيوول لم تسلم من نقد الاستقرائيين له، فقد صب جون ستيورات مل جام نقده علي هيوول واعتبر فكرة الفرض عنده تأثرا منه بكانط ونزوعا نحو المثالية الألمانية، وقد كانت المثالية الألمانية في زمن هيوول مضطهدة في إنجلترا، فتراجعت نظرية هيوول الأكثر نفاداً واستبصاراً التي تقرر دور العقل الإنساني المحوري في الإنجاز العلمي، مثلما تراجعت رؤيته لفلسفة العلم المسلحة بتاريخه . وساد الاتجاه المقابل لأصحاب النزعة الاستقرائية التبريرية اللاتاريخية والذي جسده " جون ستيورات مل " في ذلك العصر .. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد عليفي هذا المقال نود أن نتساءل: هل تأثر المناطقة الهنود فى أبحاثهم بالمنطق الأرسطى أم لا؟

ذهب بعض الباحثين الغربيين إلى القول بأن المناطقة الهنود لم يقدموا، ولم يكن بمقدورهم أن يقدموا، فكراً منطقياً خاصاً بهم، بحيث يمكن تسميته بالمنطق الهندى، ومن ثم فإن كل ما لديهم من مذاهب وآراء وأفكار ونظريات منطقية ليست في حقيقتها إلا أشباها ونظائر مستمدة من المنطق الأرسطي، فلم يأتوا بشئ جديد يذكر، وإنما رددوا وقلدوا أفكار وآراء أرسطو.  وبالتالي فإن كل ما لدى مناطقة الهنود هو تقليد ومحاكاة وشرح للمنطق الأرسطي، بل هو ترجمة سنسكريتية لهذا المنطق لا أكثر . وذهب بعض هؤلاء الباحثين إلى أبعد من ذلك فزعموا أن مناطقة الهند القدماء قد عجزوا عن فهم حقيقة وأفكار أرسطو المنطقية مما أدى إلى تشويه هذه الحقيقة، فضلا عن عجزهم عن إنتاج أي فكر منطقي يدل على أصالة وابتكار .

ومن أوائل الغربيين الذين أطلقوا هذه الدعوى وروجوا لها المفكر الإنجليزي " كوليبروك Celebrooke " فقد ذهب في بحثه عن فلسفة الهندوس " إلى أن الهنود لم يقدموا ولم يقوموا إلا بشرحهم لمنطق  أرسطو"، وراح كوليبروك يتابع ويدعم دعواه فقال:" إن المناطقة الهنود لم يصنعوا شيئا سوى أنهم تلقوا جملة المعارف المنطقية الأرسطية التي كانت سائدة في ذلك الوقت من خلال المدرسة الفارسية (جند سابور) ومدرسة      الإسكندرية " .

ويتابع المفكر الألمانى أ . هـ. ريتر A . H . Ritter مقالات كوليبروك ويدعمها بقوله " لم يكن للمنطق الهندي قبل اتصاله بالمنطق الأرسطي أي قيمة تذكر، فقد كان بدائيا ساذجاً ".

وإلى قريب من هذا ذهب المفكر النمساوى هـ .هـ برايس H . H . Price  حيث قال: " إنه لا ينبغي أن نتوقع أن نجد لدى الهنود تلك العبقرية الخارقة في المنطق، ومن ثم يجب علينا النظر إليهم باعتبارهم شراح وتلاميذ مخلصين للمنطق الأرسطى الذى حافظوا عليه بعضهم وشوهوه البعض الآخر" .

ويذكر المؤرخ المنطقى "أنطون ديمتريو" Anton Dumitriu أن هناك دراسات وبحوث، قد أكدت على أن نشأة المنطق الهندى لم تكن نشأة هندية خالصة، وإنما كانت يونانية إلى حد كبير، ويتضح هذا جلياً لدى العالم الفرنسي " E. Goblet d`Alviella "، وذلك فى كتابه " Ce que l`Inde doit a la Grece ؛ أى – هذا ما تدين له الهند لليونان،وقد طبع هذ الكتاب فى Paris سنة 1926.

ولم يستطع مؤرخ المنطق الهندى Vidyabhusana  أن يتحرر من هذا التملق الفكري للغرب ممثلاً في المنطق الأرسطي، فقد ذهب في مقال له بعنوان " أثر أرسطو في تطور نظرية القياس في المنطق الهندي  "Influence of Aristotle on The Development of The Syllogism in  Indian Logic " وهذا المقال نشره لأول مرة بـ The Journal of Asiatic  society of Great Britain and Ireland، ثم أعاد نشره فى كتابه "تاريخ المنطق الهندى، ملحق B " ؛ وفى هذا المقال يزعم "فيديابهاسونا" أن المنطق الأرسطى الذى أضطلع" أندرونيكوس الرودوسى" بنشره ضمن كتابات أرسطو الأخرى فى القرن الأول الميلادي، قد انتقل إلى مكتبة الإسكندرية عن طريق " كاليماخوس Callimachus " الذي كان أميناً لمكتبة الاسكندرية، ومنها وصلت كتابات أرسطو المنطقية إلى الهند عن طريق "سوريا Syria " و " سوسيانا (فارس) Susiana " و " باكترا Bactria " و " تاكسيلا Taxila " فى  ثلاث فترات:-

الفترة الأولى، وقد امتدت من 175 قبل الميلاد إلى 30 قبل   الميلاد، وذلك حين احتل اليونانيون الأجزاء الشمالية والغربية للهند وجعلوا عاصمتها "ساكالا Sakala "، وهى إحدى مدن البنجاب Punjab، ومن أهم أعمال أرسطو التي وجدت طريقها إلى الهند في تلك المرحلة هو كتاب "الخطابة" Rhetoric الذي ساهم بدور فعال في صياغة  القياس الهندي ذي القضايا الخمس.

الفترة الثانية، وقد امتدت من 39 قبل الميلاد إلى 450 بعد الميلاد، وذلك حين كان  الأساتذة الرومان فى الإسكندرية وسوريا وفارس على اتصال بالهند من خلال الطلاب الهنود الذين جاءوا لطلب العلم والثقافة اليونانية، وقد تمكن هؤلاء الطلاب من نقل معظم كتب المنطق الأرسطى إلى الهند، ومن أهم أعمال أرسطو التي وجدت طريقها إلى الهند ؛ كتاب التحليلات الأولى، وكتاب التحليلات الثانية،وبعض أجزاء من كتاب العبارة، وقد قرأ تلك الكتابات كل من جوتاما اكسباندا وناجورجونا وفاسوباندا وديجناجا وذراماكيرتى.

الفترة الثالثة، وقد امتدت منذ45 ميلادية إلى 600 ميلادية، وفيها انتقلت كل كتابات أرسطو المنطقية إلى الهند عن طريق  المدارس الفارسية السريانية، وبالأخص مدرسة "جند سابور"  Gundeshapour التي تأسست في سنة350م.

ثم يؤكد  " فيديابهاسونا " بعد ذلك الأثر الأرسطى في تطور نظرية القياس في المنطق الهندي،فيقول:" ولكي أثبت أن هناك أثراً أرسطياً على القياس الهندي،فإنني أود أن أشير إلى أن المنطق الهندي قد عالج ثلاثة موضوعات  قبيل القرن الثاني للميلاد:الموضوع الأول،وهو فن المناقشة  أو المناظرة.والموضوع الثاني،هو سبل المعرفة الفعالة، ويسمى Pranava، ويشتمل الموضوع الثانى على الاتجاهات التي تتماشى مع النظام الديني والاجتماعي الهندوسي والبوذي والجينى .والموضوع الثالث، ويدور حول دراسة المبادئ الفلسفية التي كان يتم اقتراحها من وقت لآخر قبيل القرن الثاني للميلاد. والموضوع الرابع والأخير، ويدور حول هو مبدأ القياس .والموضوع الأول والثاني والثالث من إبداع الهنود. أما الموضوع الرابع فقد انبثق خلال القرن الأول للميلاد نتيجة التأثر بنظرية القياس الأرسطية ؛ ولكي أوضح ذلك فإننى سأقوم بتحليل مبدأ القياس فى المنطق الهندى والمنطق الأرسطى جنباً إلى جنب طبقاً للقواعد التى تحكمهما " .

ثم يقدم لنا "فيديابهاسونا"  فى تحليله لمبدأ القياس نماذجاً مختارة من المناطقة الهنود الذين تأثروا بالقياس الأرسطى فى دراساتهم لمبدأ الاستدلال،وذلك على النحو التالى:

1- يرى " فيديابهاسونا" أن دعاة الـ "Caraka Samhita " قد استعاروا كثيراً من المفاهيم المنطقية الأرسطية،وبالذات من كتاب "الخطابة"، ويبدوا ذلك واضحاً فى حديثهم عن البراهين والبراهين المضادة.

يؤكد " فيديابهاسونا " أن "جوتاما أكسباندا " قد ذكر فى كتابه:الـ " نيايا سوترا " قياساً يتكون من خمس قضايا وصيغة هذا القياس تكون على النحو التالى:

أ- الدعوى المثبتة ( " هذ التل يوجد به نار" ).

ب-الأساس العقلي ( " لأنه يوجد به دخان " ).

ج-المثال ( " حيث يوجد دخان توجد نار كما فى المطبخ لا كما فى البحيرة على سبيل" ).

د-التطبيق على الحالة المعطاة (" وهذا التل ينبعث منه دخان كالذى يصاحب النار باستمرار").

هـ- النتيجة ( " إذن هذا التل يوجد به نار" ).

يزعم " فيديابهاسونا " أن هذا القياس هو  قياس مستعار من أرسطو، حيث تناظر القضية الثالثة من هذا القياس المقدمة الكبرى فى القياس الأرسطى، كما تناظر المقدمة الثانية والمقدمة الرابعة، المقدمة الصغرى، وتناظر المقدمة الأولى والمقدمة الخامسة، النتيجة فى القياس .

3-يرى " فيديابهاسونا " أن "ناجورجونا" و "فاسوباندو" و " ديجناجا " قد استعاروا الكثيرمن الأفكار الأرسطية،ويبدو هذا واضحاً فى دراستهم للقياس المنطقي، حيث يؤكد " فيديابهاسونا " أنهم سعوا  إلى اختصار القياس ذى القضايا الخمس إلى قياس ذى ثلاث قضايا، حيث اعتبروا أن وجود ثلاث قضايا فى القياس ضرورياً وكافياً لاستدلال حقيقي، وذلك بعد قراءتهم العميقة للتحليلات الأولى لأرسطو.

يرى "فيديابهاسونا" أن عالم المنطق البوذى "ذراماكيرتى"، قد اعتبر أن وجود قضيتين ضروري فقط فى القياس، حيث أن النتيجة مفهومة ضمناً فى المقدمتين، وأن من الممكن ألا تعبر عنها باللفظ . وعلى سبيل المثال يكفى أن نقول "حيث لا توجد نار لا يوجد دخان، وفى هذا المكان يوجد دخان ". وهكذا ليست هناك أية حاجة للتعبير عن النتيجة نفسها (نتيجة لذلك فى هذا المكان توجد نار ). فالقياس ذو القضيتين عند ذراماكيرتى كما يؤكد فيديابهاسونا هو بعينه ما يسميه أرسطو القياس المضمر (انتوميما) من الدرجة الثالثة .

وقد أثارت أقوال " فيديابهاسونا " ردود فعل واسعة النطاق بين معظم مؤرخى المنطق الهندى ؛ فنجد مثلاً  على سبيل الثال لا الحصر أن  المفكر المنطقى الهندى "بريمل كريشنا ماتيلال" Bimal Krishna Matilal  يرفض بشدة ما ذهب إليه " فيديابهاسونا " فى فكرة الأثر الأرسطى فى تطور نظرية القياس فى المنطق الهندى، وقال أنها فكرة مستحيلة، وأنه لم يحدث قط لا من قريب أو من بعيد أن فيلسوفاً واحداً من فلاسفة المنطق الهندى قد عرف المنطق الأرسطى، كما أن أعمال أرسطو المنطقية لم تترجم على الأطلاق  إلى اللغة الهندية سواء إلى اللغة السنسكريتية Sanskrit أو اللغة البوذية Pali أو اللغة الهندية الحديثة Prakrit فى ذلك الوقت ؛ كما أنه حتى فى النصوص الفلسفية أو الدينية أو الأخلاقية نادراً ما نسمع عن فلسفة أو فيلسوف يونانى ". ويستطرد "ماتيلال" فيقول " إننا لا ننكر أن المناطقة الهنود فى معالجتهم لمبدأ الاستدلال قد توصلوا إلى أفكار تشبه إلى حد قريب ما عالجه أرسطو فى التحليلات الأولى ؛ وهذه الألفة وإن كنت أنظر إليها على أنها ألفة غير مريحة Uncomfortable Affinity ؛ إلا أنها لم تكن وليدة التأثير الأرسطى.

وإلى قريب من هذا الرأى، ذهب المفكر الأنجليزى "أرثر برايدل كيث" Arthur Berriedale Keith، حيث قال: " إن مبدأ الاستدلال فى المنطق الهندى وخاصة فى مراحله الأولى قد نما نمواً أصيلاً بدون أى مؤثرات أرسطية.أما ديحناجا الذى بدأت القاعدة المنطقية للقياس تتضح على يديه فيشتبه أن هناك أصول يونانية لديه، ولكن حتى هذه الأصول لم تتضح بعد " .

ومن ناحية أخرى، يذهب المؤرخ المنطقى الألمانى " بوشنسكى" إلى أن المنطق الهندى قد تطور تطوراً طبيعياً بعيداً عن أى مؤثرات أرسطية، ويتضح هذا من المقارنة التى أجراها بينه وبين  المنطق الأرسطى،حيث يقول:" العلاقة بين أفلاطون وأرسطو في المنطق اليوناني تماثل العلاقة بين الـ"نيايا سوترا" وذراماكيرتى  فى المنطق الهندي، باستثناء أن الـ"نيايا سوترا" ليست فيها فكرة القانون أو الصياغة النظرية التي فتح بها أفلاطون الباب لنشأة المنطق الغربي .وهذه الفكرة هى التى تسببت في سرعة ظهور الصيغة المنطقية في الغرب . لكن في الهند تطور المنطق تطوراً بطيئاً  خلال قرون عديدة تحت عباءة المنهجية . ولكن هذا التطور التدريجي الطبيعي هو الذي يجعل المنطق الهندي مهماً من الناحية التاريخية، ومع قلة معرفتنا بهذا التطور، إلا أننا نستطيع الوقوف على أهم مراحله .ترتيب هذه المراحل ليس واضحاً كل الوضوح،ولكن حدوث هذه المراحل وأحياناً العلاقة الزمنية بينها أمر يكاد يكون مؤكداً".

وانطلاقاً من ذلك يمكننا القول بأن  مبدأ الاستدلال فى المنطق الهندى  قد تطور تطوراً طبيعياً بعيداً عن أى مؤثرات أرسطية أو غير أرسطية، ويتضح هذا من خلال الخطوات التالية:

الخطوة الأولى: وفيها تم تأسيس قاعدة القياس الصورية على أساس إعطاء الأمثلة، وذلك من خلال النيا يا سوترا.

الخطوة الثانية: وفيها طور  "ديجناجا"  هذه القاعدة إلى قاعدة قياسية صورية أطلق عليها " الترييروبيا Trairupya " ومعناها "عجلة الأسباب Wheel of reason .

الخطوة الثالثة: وفيها طور ذراماكيرتى التمثيل  تطوراً جذرياً من مجرد عرض الأمثلة إلى مقدمة عامة.

الخطوة الرابعة: وفيها تم اختصار قضايا القيا س إلى ثلاث قضايا .كما ظهر التمييز بين استدلال عن طريق الشخص نفسه Inference For One's Self واستدلال عن طريق الآخرين Inference For The Sake of Others .

الخطوة الخامسة: وفيها ظهر مفهوم القانون العام، وقد كان له معنيان:الأول هو " لا يحدث في أي مكان أو سياق آخر " الذى نجده فى المصطلح الجينى Anyathanupapannatva،والثانى هو "الشيوع الذى نجده فى المصطلح البوذىVyapti   .استخدم المصطلحان فى القرن السابع، ولكن كانت هناك مقدمات  لظهورهما لدى " براساستابادا " و" ديجناجا " . ومن فقد وصل المنطق الهندي إلى مستوى المنطق الصوري عندما ظهر فيه مفهوم القانون العام.كما واصل مناطقة النافيا نيايا استخدام الأمثلة،وذلك لمجرد أغراض التوصيل والتواصل .أما الصيغة القياسية فلم تكن تحتاج إلى أمثلة،بعد أن تطورت واتضحت، وأصبحت كلمة "مثال" تشير إلى مجرد علاقة كونية عامة.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد عليشهدت معظم كتابات مؤرخي المنطق في أواخر القرن التاسع عشر اهتماماً كبيراً بالمنطق الهندي ؛ إذ أدرك هؤلاء المؤرخون أن الهنود القدماء، قد قدموا أفكاراً منطقية لا تقل أصالة عما قدمه "أرسطو" في نظريته المنطقية، وأنه إذا كان المنطق الأرسطى قد تمثلته أوربا الغربية والشرقية، ومناطقة العرب والمسيحية فيما بعد ؛ فإن المنطق الهندي قد انتشر في الصين واليابان ومنغوليا وسيلان واندونيسيا.

ومن أهم تلك الأفكار على سبيل المثال لا الحصر: مبدأ الاستدلال، حيث عرف الهنود الاستدلال من خلال الكلمة السنسكريتية Anumana والتي تعنى الانتقال من قضية إلى قضية أخرى تلزم عنها بمقتضى القواعد والقوانين المنطقية ؛ وتسمى القضية التي نبدأ منها بالمقدمة، وتسمى القضية اللازمة عنها بالنتيجة . وهذا الانتقال إما أن يكون من العام إلى الخاص أو من العام إلى العام، وهذا ما يسمى بالاستنباط وهو مباشر وغير مباشر، ويشتمل غير المباشر منه على القياس الذي ننتقل من خلاله من قضايا مسلم بها إلى قضية أخرى، صدقها يلزم بالضرورة عن صدق القضايا المسلم بها، وهو يطلق عليه في اللغة السنسكريتية Nyaya، وهو انتقـال من العام إلى الخـاص. وإما أن ينتقل الاستـدلال من نفى المقدمة كمبدأ عام أو فرض إلى نتيجة جزئية غير مقبولة أو مستحيلة مما يبرهن على صدق المقدمة. وهذا ما يسمى فى اللغة السنسكريتية Tarka، أى برهان الخلف أو الرد إلى المستحيل أو الدحض أو التفنيد بالخلف.

وثمة نقطة أخرى نود أن نشير إليها في مبدأ الاستدلال في المنطق الهندي، وهى أن هذا المبدأ لم ينبثق فجأة وبدون مقدمات، وإنما تطور عبر تاريخ المنطق الهندي من مرحلة الممارسة العفوية التلقائية إلى مرحلة الصياغة النظرية، مما أثار لدى بعض مؤرخي المنطق هذا السؤال: هل مبدأ الاستدلال في المنطق الهندي تطور بنفس الصورة التي تطورت بها نظرية القياس الأرسطية؟ وإذا كان هذا صحيحاً فهل أثرت نظرية القياس الأرسطية في تطور مبدأ الاستدلال في المنطق الهندي ؟ أم أن مبدأ الاستدلال في المنطق الهندي تطور تطوراً طبيعياً وبدون أى مؤثرات خارجية؟

وأود قبل أن أشرع في هذا المقال في عرض موضوع "المنطق الهندى بين التبعية والأصالة"، أن أعرض باختصار لنشأة هذا المنطق وتطوره حتى نستطيع أن نفهم كيف تطور مبدأ الاستدلال بعد ذلك.

إذا ما تتبعنا نشأة المنطق الصوري في بلاد الهند، نجد أن هذا المنطق كما يذكر "بوشنسكى" قد تطور كما تطور في اليونان من منهجية النقاش والمحاورة ؛ وقد تطورت هذه المنهجية وأصبح لها تنظيمها المحكم في القرن الثاني بعد الميلاد، وذلك من خلال كتاب " النيايا سوترا" Nyaya Sutra، الذي ألفه شخص يدعى " اكسبادا جوتاما " Aksapada Gautama ، وذلك نحو 150 م .

والمتتبع للآثار المنطقية عند المفكرين السابقين على " جو تاما " يصطدم بعقبة أساسية، وهى عدم وصول مؤلفات هؤلاء المفكرين في جملتها إلينا، باستثناء ما رواه ونقله المؤرخون عنهم من شذرات وفقرات . ولذلك نضطر إلى الأخذ بهذا الافتراض الذي أكده بعض أساتذتنا المعاصرين ؛ والذي مؤداه أن هناك مستويين للمعرفة : المستوى الضمني والمستوى الصريح الواضح . فالطفل أو الرجل الأمي - على سبيل المثال ـ يستطيع كلاهما أن يستخدم لغة قومه استخداماً صحيحاً نسبياً وبدون حاجة إلى تعلم قواعد النحو الخاصة بهذه اللغة أو بتلك . ولو سألنا أياً منهما أن يبرر استخدامه الصحيح للغته ؛ أي لو طلبنا منه أن يستخرج قواعد اللغة التي يتحدث بها، وأن يصوغها صياغة نظرية، لما كان هذا في امكانه . والسبب في ذلك أننا ننقله في هذه الحالة من مستوى الممارسة اليومية للغة إلى مستوى الصياغة النظرية لقواعدها . ونفس الشيء يمكن أن يقال عن المنطق، فالمنطق بوصفه علماً يفترض ـ مسبقاً ـ المنطق كممارسة يومية تلقائية، شأنه في ذلك شأن النحو الذي يفترض المقدرة على الاستخدام المسبق للغة .

ولقد أخذت مرحلة الممارسة العفوية التلقائية للتفكير المنطقي فى الفكر الهندي السابق على جوتاما في القرن الثاني للميلاد صورا ًعدة نجملها فيما يلي :

1- الفكر الجدلي الفلسفي الذي انبثق فى القرن الخامس قبل الميلاد، من ممارسة الجدليات بشكل واع، وإن لم تكن قد وضعت بعد قواعد نظرية لعلم الجدل. وقد تم ذلك كما يؤكد المؤرخ الهندي " فيديابهاسونا" ؛ في الكتاب بـ" الانفيكسيكا Anviksiki " والذي وصلتنا بعض شذرات وفقرات قليلة منه، والذي ينسب إلى شخص يدعى "ميدهانتهاى جوتاما "Medhatithi Gautama ، وذلك حوالي سنة 550 قبل الميلاد ؛حيث كان يطلق على المنطق اسم Sastra or vidya أي الجدل أو المناقشة .

2- الفكر الجدلي كما تمثل فى أوائل القرن الأول للميلاد، حيث أسهمت المجادلات الفلسفية التى كان يدافع ممثلوا الـ" كاراكا سمهيتا Caraka smhita " من خلالها عن المفاهيم الخاصة بنظرية الفن الخطابي، ويقدمون حججاً ضد آراء خصومهم البراهمانيين، وذلك من خلال ما أطلقوا عليه Sthapana and pratisthapana، والتي تترجم في الإنجليزية إلى Demonstrations and Counter Demonstrations، أي البراهين والبراهين المضادة، إسهاماً كبيراً فى إعداد العقلية الهندية وتهيئتها لاستقبال مبدأ الاستدلال .

3- بلغت مرحلة الممارسة العفوية التلقائية لعلم المنطق فى نهاية القرن الأول من الميلاد فى كتاب"الفايشيكا سوترا aiscika Sutr، على يدي الفيلسوف "كانادا" Kanada، حيث احتوى هذا الكتاب لى أفكار منطقية أكيدة استفاد منها صاحب "الـ" نيايا سوترا " " فى القواعد النظرية لعلم الجدل (المقولات الست عشرة) .

ويمثل كتاب "الـنيايا سوترا " الذي طبع في أواخر القرن الثاني للميلاد أول بداية للمنطق الصوري بمعناه الحقيقي، حيث أن كلمة Nyaya معناها المنطق الذي يعنى القاعدة والمعيار والقانون- هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى معناها "القياس"؛ أي المقدمات العقلية التي تقود المرء إلى نتيجة.

ويفصح صاحب " الـ "نيايا سوترا " عن غايته في الكتاب فيقول كما يقول كل مفكري الهند أنها تحقيق النرفانا أو الخلاص من طغيان الشهوات، وإنما تتحقق هذه الغاية في مجال المنطق بالتفكير الواضح الذي يقوم بين المتناظرين من فلاسفة الهنود، فهو يصوغ لهم مبادىء الحجاج، ويفرض عليهم أحابيل النقاش ويحصر المغالطات الشائعة في التفكير، وتراه وكأنما هو أرسطو آخر يلتمس بناء التدليل العقلي في طريقة القياس ويجد عقدة كل تدليل فى الحد الأوسط من حدود القياس .

وقد أوضح جوتاما ذلك من خلال الصياغة النظرية التى قدمها لقواعد الجدل، والتى تمثلت فى حديثه عن نظام المقولات الست عشرة ؛ حيث يؤكد أنه يجب على المتناظرين اختبار سلاحيهما، أى معرفتهما بقانون المنطق (وهذه هى المقولة الأولى وتسمى Pramana)، ثم يجب عليهما أن ينظرا فى موضوع المناقشة (المقولة الثانية وتسمى prameya)، وبعد ذلك ينازع أحد المتجادلين في القضية المقدمة من خصمه (المقولة الثالثة وتسمى Samsaya). ويجب أن تكون تلك المنازعة مسببة (المقولة الرابعة وتسمى Prayojana). وفى بداية المجادلة يقع الاختيار على مثال باعتباره مرجعاً، ويتفق المتجادلان على ما يسلمان به مقدماً بوصفه ثابتاً (المقولة الخامسة وتسمى Drstanta)، وبعد ذلك تصاغ الدعوى التى تشكل موضوع المناقشة (المقولة السادسة Siddhanta).ثم يقدم أحد المتجادلين برهاناً على قضية مامراعياً القواعد كلها (المقولة السابعة وتسمىAvayava وهى تشمل عناصر القياس ذى القضايا) ويدحض القضية المضادة مشيراً إلى أنها تؤدى إلى نتائج ممتنعة أو مستحيلة (المقولة الثامنة وتسمى Tarka)، وحينئذ يتم الوصول إلى الحقيقة المبرهنة(المقولة التاسعة وتسمىNirnaya) . وتستكمل هذه المقولات بتسع أخرى بقائمة من الأخطاء التى تواجه فى مسار المباراة أو المناظرة الشفوية، وهى تختلف عن المناظرة العلمية(المقولة العاشرة وتسمى Vade)، فى أنها تنطلق من انفعال بسيط فى المناظرة، ولا تضع أمام نفسها إلا تخطئة الخصم (المقولة الحادية و الثانية عشر وتسمى Jalpa، Vitanda) . والمقولات الأخرى التالية تشكل قائمة البراهين الفاسدة (وتسمى على التوالى Hetvabhasa، Chala، Jati، Nigrahasthana) .

وتكشف هذه المناقشات عن مدى تقدم المحاورات الهندية والتزامها بمنهجية صارمة، الأمر الذي كان مفتقداً في محاورات أفلاطون .

وأقدم مخطوطات منطق " الـ"نيايا سوتر": هو ديوان يضم خمسمائة وثماني وثلاثون قولاً لجوتاما فى خمسة أسفار . وينقسم السفر الأول إلى جزأين ؛ احدهما يعرض نظرية المقولات الرئيسة التسع، والثانى يعرض المقولات السبع المكملة . والسفر الأول يقدم لنا لوحة مكتملة لقانون المنطق ولفن المناقشة، وتنمى الأسفار التالية مضمون السفر الأول للمفاهيم الأخرى حول تلك النقاط الأساسية للمذهب .

وبالطريقة نفسها التي جعل "أرسطو" نظرياته الفلسفية مسبوقة بالمنطق بوصفه آلة للفكر، وضعت مدرسة " الـ"نيايا سوترا "" نظريتها فى وسائل المعرفة قبل عرضها لنظريتها الأساسية.

وقد حظي كتاب" الـ"نيايا سوترا"" اهتماماً منقطع النظير، حيث قامت بعد ذلك أجيال من الحكماء والدارسين على اختلاف المدارس التي تنتمي إليها، حيث قام هؤلاء بين الفينة والفينة بكتابة شـروح له، وتعليقات عليه وتطويره ونقده أحـياناً، كما قـامت مناظرات بين المدارس البوذية والبراهمانيين والجينيين . وكان المنطق يحظى باهتمام بالغ في هذه المعسكرات الثلاث، ومن أهم المناطقة : النيايايكاس Naiyayikas (شراح الـ"نيايا سوترا" ويقابلون شراح أرسطو) : فاتسيايانا Vatsyayana(القرن الخامس إلى السادس الميلادى) واوديوتاكارا (القرن السابع الميلادى)، وفا كسباتى ميرزا Vacaspti Misra (القرن العاشر الميلادى)، وجاينتا Jayanta (القرن العاشر إلى الحادي عشر الميلادى). وفى الميماسكاس Mimamsakas : كوماريلا Kumarila (حوالي القرن السابع الميلادى). وفى الفايشيكا: براساستابادا Prasastapada (حوالى القرن الثامن الميلادى).

ومنذ القرن السابع الميلادي شهد المنطق الهندي فترة " النافيا نيايا "، وقد أعطى لهذه المدرسة شخصيتها المميزة الكتاب الذي ألفه ديجناجا، ويسمى براماناسموكايا Pramanasamuccaya، ثم تطورت هذه المدرسة وأصبح لها شأناً عظيم على يدى" ذرا ماكيرتى" Dharmakir؛ ثم تلميذه ذراموتار Dharmottara ؛ وعلى أيدي هؤلاء كما يقول "بوشنسكى"، تبلور المنطق الصوري وأضحى راسخاً، وإن كان يبدو فى بعض الأحيان بدائياً ساذجاً بالقياس للمنطق الغربي.

ومن ناحية أخرى فقد شهد القرن الرابع عشر فترة " النافيا نيايا" أى النيايا الجديدة، وقد أعطى لهذه المدرسة حتى أصبحت على حد تعبير "بوشنسكى" تشبه الاسكولائية المسيحية فى القرن الرابع عشر الميلاد مع اختلاف التوجهات بين كل منهما .

وأشهر مناطقة هذه الفترة الذين لا حصر لهم : جاياديفا Jayadeva (القرن الخامس عشر الميلادى) وراجوناثا Ragunatha (القرن السادس عشر الميلادى)، وماثوراناثا Mathuranatha (القرن السابع عشرالميلادى)، وكذلك انامباتا Annambhatta الذى ألف مختصر فى المنطق كتاب يشبه كتاب وليم أوكام Summulae Logicales .

وفى الوقت الحاضر، تدهورت الدراسات المنطقية، حيث أضحت الأبحاث التى تتناول المنطق فى الهند فى الوقت الراهن، تشبه تلك الأبحاث التى تتناول المنطق الاسكولائى فى الغرب، ومعظم نصوص المنطق الهندى لم تنشر حتى الآن، وكثير منها وخصوصاً الذي ينتمي إلى البوذية متوفر باللغة التبتية أو الصينية فقط، وكثيرمن تلك النصوص قد فقد . ولكن نشر هذه النصوص كما يذكر "بوشنسكى" لن يؤتى ثمرة واضحة، بعكس حالة المنطق الاسكولائى، وذلك لضرورة الدراسة اللغوية المتخصصة، حتى تسهل قراءة أصول هذه النصوص، بينما لا يهتم من لديهم المعرفة باللغة الهندية بدراسة المنطق بشكل منهجى منظم . والوضع بالنسبة للترجمة أسوأ من وضع النشر، فلم يترجم من تلك النصوص إلا أقل القليل ترجمة كاملة، وإن كانت هناك أجزاء من تلك النصوص قد ترجمت إلى بعض لغات الغرب، إلا أن نصوصا كثيرة لم تقربها يد المترجمين.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

علي محمد اليوسفتقديم: من الشائع تقليديا في ادبيات فلسفة علم النفس وفسلجة (وظائف) اعضاء الادراك العقلي أن الذاكرة هي المرتكز التوليدي لافكار الخيال وهي بنك المعلومات المعرفية المدّخرة التي يستلم الذهن منها الافكار الذي لا تكون الذاكرة مصدر تفسير تلك الافكار ولا البت بها التي هي خاصية منطقة معينة خلوية في تكوين الدماغ وليس مهمة الذهن الذي هو حلقة وصل في منظومة الادراك العقلي، ويرتبط الذهن تفكيريا بمناطق مخصصة بالدماغ تحتوي ملايين الخلايا العصبية التي تحمل وظيفة خاصية التفكير العقلي حسب نوعية الموضوع المدرك.

نجد من المفيد تأكيد أن وظيفة الذهن المتداخلة مع وظيفة الذاكرة لا تقوم على تزويد الذاكرة بافكار المعرفة المكتسبة المخزونة فيها للذهن كخبرة متراكمة فقط، وأنما الذاكرة تكون في نفس الوقت هي مخزون وبنك معلومات الذهن التي تمده الذاكرة به على الدوام دونما توقف على شكل ادراكات واردة كاحساسات من موجودات العالم الخارجي وعلى شكل مقولات ارتدادية صادرة عن الدماغ كتجارب معرفية تستقر في خلايا الذاكرة المرتبطة بعمل الدماغ. بعبارة توضيحية ليست الذاكرة حضورا ماضويا لا يحتاجها الذهن في كل الاوقات التي تكون منظومة الادراك العقلي للاشياء شغّالة على الدوام... بل الذاكرة كافكار هي حضور دائم في كل أوقات ولحظات سير عملية الادراك العقلي...ومن التعسف مساواة وظيفة الذهن الادراكية بوظيفة الدماغ الادراكية حول نفس الشيء أو نفس الموضوع في الزمن الواحد الذي يجمعهما معا. ثم وبحسب هيوم الذاكرة ليست مصدر الافكار الخيالية فهذه الاخيرة لها استقلالية عن الذاكرة ولم يوضح هيوم ما هو المصدر غير الذاكرة التي تستقي منه الافكار الخيالية توليدها الذاتي المستقل في الدماغ داخل منظومة الادراك العقلي. ومن نافل القول الاشارة الى أن الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون يؤكد ما ذهب له هيوم أن الذاكرة لا علاقة تربطها بالافكار الخيالية ولا غير الخيالية. ويعتبر برجسون الذاكرة زائدة مصطنعة مقحمة في تفسيرات علم النفس وعلم فسلجة الادراك في الدماغ.

هيوم بين الذاكرة والخيال

يفرق ديفيد هيوم (1711- 1776) بين الخيال والذاكرة قوله: افكار الذاكرة تكون اكثر حيوية من افكار الخيال التي يسمها الخفوت والخروج على الانتظام، وشكل الانطباعات التي أستمدت منها. ويؤكد أهمية تفريق الذهن عن الذاكرة.1

لنا التعقيبات النقدية التالية:

- هيوم يعتبر الذهن حلقة تجريد معرفي ادراكي هي مصدر التفكير بالمدركات الواصلة اليه وليس الادراك خاصية دماغية تختص بها منطقة معينة من تركيبة الدماغ الفيسيولوجية في القشرة الدماغية وتكوينه البيولوجي أو في الفص المخي المسؤول عن ردود الافعال الانعكاسية الارادية منها أو غير الارادية،التي تحتوي ملايين الخلايا العصبية المتخصصة في نوع أو أكثر من المدركات خاصيتها التفكيربالمدركات الواصلة اليها وتصدير مقولات الدماغ عنها في ردود افعال انعكاسية جوابية منقولة عبر الجهاز العصبي ..

فالذهن معنى قصدي تجريدي التفكير غير عضوي في منظومة وظائف الادراك العقلي للاشياء وهو ما يشّكل منطقة التباس في عدم تحديد معنى الذهن وماهي آلية عمله الادراكية؟. وما هي علاقة خاصية الذهن التفكيرية بعلاقة خاصية الدماغ التفكيرية؟. وكيف يتبادلان الذهن والدماغ الادوار في وحدة منظومة العقل الادراكية التي تضمهما معا؟ والتي ينتظمها جميعا قدرة وقابلية الجهاز العصبي الذي يربطها جميعها بشبكة معقدة موزعة على ملايين من الخلايا العصبية العاملة بأعجاز أدراكي يتوقف عنده العقل.

الذهن تجريد معرفي انطباعي وليس جوهرا مهمته التفكيرالمادي بدلا عن الدماغ، فالذهن يستلم ادراكات العالم الخارجي الواصلة اليه انطباعيا عن طريق الجهاز العصبي نقلا عن الحواس وليس من مهمته اعطاء التفسير النهائي عن تلك المدركات بالنيابة عن العقل الذي يحتوي الدماغ وظائفيا بيولوجيا في مهمة تفسير المدركات الخارجية عن الاشياء القادمة اليه والرد عليها عبر منظومة الجهاز العصبي. خاصية الذهن المعرفية التجريدية خاصية تواصل استقبالية فقط لمدركات الواقع الخارجي، وهو ايضا حلقة استقبالية استرجاعية لمقولات الدماغ العقلي الصادرة منه عن تلك الادراكات. بكلمات شديدة الاختصار ليس خاصية الذهن التفكير بل التفكير هو خاصية الدماغ أولا. هنا الذهن من الناحية الوظيفية هو حلقة مهمة داخل منظومة العقل الادراكية لكنه لا يشّكل جزءا عضويا من تلك المنظومة كما هو الحال مع الوعي والفكر واللغة، فهذه التعبيرات الثلاث في الدلالة الادراكية هي حلقات تجريدية معرفية لا يستغني عنها العقل الادراكي لكنها منفردة أو مجموعة مجتمعة ليست أجزاء عضوية تدخل في تشكيلات منظومة الادراك العقلي البيولوجية، كما أن هذه الحلقات الادراكية المهمة ليست مواضيعا يدركها العقل (ماديا) بل هي افصاحات صادرة عن الدماغ تجريديا وتتواصل به تجريديا ايضا داخل بيولوجيا الجهاز العصبي الناقل والمستورد لافكار الدماغ تجريدا مشفّرا.

معاني مفردات مثل الذهن والوعي والخيال والذاكرة التي لا أدراك لها منفردة منفصلة لوحدها عن منظومة الادراك أنما هي جميعها تجريدات ادراكية موقعها وأهميتها مستمدة من تبعيتها لمقولات العقل ووظائف الدماغ تحديدا.

- لا يأخذ هيوم بمقولة الذاكرة هي مستودع تجربة الافكار الذهنية المدخّرة التي يستمدها الذهن منها، فالذاكرة من الناحية الفسلجية المباشرة، هي مرجعية ساكنة بما تحتويه من مخزون الافكار الطبيعية والمكتسبة داخله كتجارب. ولا تتسم بالحركة الحيوية الا متى ما كانت تحت وصاية الذهن عليها بوصاية دماغية وليس وصاية المنظومة العقلية عليها. فمثلا الاحساسات والوعي والجهاز العصبي والذاكرة والذهن واللغة هي حلقات ادراكية تجريدية متداخلة لا تنوب عن وظيفة الدماغ ولا تمتلك استقلالية الانفصال عن غيرها من تجريدات المنظومة الادراكية للعقل.

كما أشرنا في النقطة السابقة كيف لنا التمييز بين ادراكات الذهن عن ادراكات الدماغ؟ وكيف تكون العلاقة الادراكية في تبادل أو تكامل الادوار بينهما؟ وهل في تفكير الدماغ مستقلا ما يبطل تفكير الذاكرة والذهن والوعي وهو أمر يستحيل التصديق به، أو بالعكس هل تفكير الذهن والذاكرة يبطلان تفكير الدماغ جانبا في ادراكهما الموضوع الواحد في نفس زمانية واحدة مرتبطة بمرجعية الدماغ في ادراكه الموضوع نفسه؟ أم تجمعهم منظومة واحدة لا تفهم ولا تدرك باجزائها وأنما تدرك بدلالتها مجتمعة في تحقق عملية الادراك العقلي كاملة.

- الذهن المفكر الصادرعن حيوية الذاكرة وليس الخيال الباهت حسب هيوم لا يعتمد بنك المعلومات المخزون بالذاكرة في التعبير عن مدركاته الواردة له وتفسيرها، بل ولا يحتاج افكار الخيال غير المحدودةعلى شكل تداعيات ليس مصدرها مخزون الذاكرة كما هو الفهم الفلسفي الدارج قبل طعونات هيوم بها. وتمتاز افكار الخيال بالتشتت الادراكي وسرعة تبادل الاتصالات البينية فيها وانحلالها السريع ايضا.. وتغييب هيوم الذاكرة من منطلق هي ليست مصدر افكار الخيال، ولا يوضح لنا مصدر افكار الخيال من أين تأتي؟ فليس من السهولة تمرير مقبولية هذا الاستنتاج دونما أعطاء البديل؟.

- لا يقر هيوم بحقيقة أن الذاكرة تخضع الى تداعيات افكار توليدية تخص مواضيعها ناتجة عنها في تجديد مستمرلتجاربها كخبرات تراكمية في الحياة، كما لا يعامل هيوم الذاكرة على أنها تكوين يتشّكل من الخبرة المكتسبة من الواقع والمحيط، ولا يعتبر الذاكرة تجدد معرفي يستحدث مخزونه من الافكار التي هي خبرة تراكمية من التجارب التي يمر بها الانسان.

الذاكرة صحيح من ناحية التحقيب الزماني بالنسبة لادراكات الانسان للزمان، أنها خبرة ماضية أنتهى زمن حضورها الدائم في امتلاكها افكار تزويد الذهن بطاقته التفكيرية المستحدثة بالزمان الحاضر، الا أن صلاحية الذاكرة تبقى مصدرا فكريا توليديا يتزود منها تفكيرالدماغ والذهن في كل الاوقات والازمان التي تمر بها ادراكات الانسان، ولم يتعامل هيوم مع الذاكرة أنها كينونة مصنّعة متطورة تساير الحياة ولا تقاطع ادراكات الذهن ولا ادراكات الدماغ... الذاكرة بنك المعلومات المدّخرة التي لا يستطيع الدماغ ولا الذهن الاستغناء عنها كخبرة تراكمية من المعرفة. والذاكرة لا تكون مرتهنة لزمان معين محدود في ارتباطها الدائم بعملية الادراك.

- الخيال الذي تكون افكاره ليست مستمدة من الذهن نقلا عن الذاكرة كما يرغبه هيوم في التفريق بين الذاكرة والخيال، هو كي لا يكون الخيال  فضاءا مفتوحا على تداعيات تمتلك القدرة التوليدية المتجددة للافكار، رغم ذهاب هيوم الى أن الذاكرة أكثر فاعلية نشاطا حيويا من أفكار الخيال التي ينعتها بالخمول ولا يعتبرها مرتبطة بالتبعية الادراكية مع الذاكرة... وافكار الخيال التي لا يمتلكها الذهن بحكم أن الذهن عضو ادراكي تفسيري للاشياء كما تنقلها الاحساسات عبر توصيلة الجهاز العصبي لها... .

ويعتبر هيوم الذهن ليس وسيلة من وسائل تفكير العقل بل يمثل الانابة الكاملة في تنحيته العقل جانبا عن محيط تفكيره بالمدركات ، معتبرا هيوم الذهن هو مصدر معرفتنا الافكار ودلالتها عن العالم الخارجي. وفي هذا يصادر هيوم حقيقتين الاولى خاصية الدماغ التفكيرية التوليدية في أصداره مقولاته عن المدركات الواقعية الخارجية والخيالية الداخلية معا التي هي السبب الاول في تطور وتغيير موجودات العالم الخارجي... والثانية في تبني هيوم الذهن هو مبتدأ ومنتهى عملية التفكير فهو يصادر كيف ومن أين تأتي الافكار الخيالية وما هو مصدرها من غير مدّخرات تجارب الذاكرة التي هي بنك معلومات تزويد الذهن بأفكار الخيال المكتسبة عن خبرة تجاربية. كما أن الذاكرة لا تستوعب الادراكات المستجدة المباشرة الواصلة للذهن عن طريق الاحساسات وليس عن مخزون الذاكرة التي هي مدخرات خبرة متراكمة ليست وليدة الادراكات التي يستمدها الذهن من المدركات الواصلة له حسيّا.

- بهذا المعنى يتوجب أن نتساءل ما وظيفة الدماغ في تفكيره بمدركات الوجود الواصلة اليه؟، ومم يتشكل الوعي الادراكي هل بدلالة الذهن أم بدلالة الدماغ؟ وما هو الموقع الوظائفي الذي يشغله الذهن في سلسلة منظومة الادراك العقلي؟ وهل التفكير العقلي بموضوعات الخيال يتقدم التفكير بموضوعات الواقع الخارجي؟ لا يمكن توفر الاجابة عن هذه التساؤلات المترابطة المتعالقة ادراكيا بالفكر الفلسفي التجريدي الذي يتوجب أعتماده منجزات علم وظائف مكونات الدماغ وعمل كل جزء داخل منظومة العقل الادراكية من الناحية العلمية التي تعتمد منجزات العلم ولا تعتمد مقولات الفلسفة التجريدية التي تجعل الفرد يخلط بين تفكير الدماغ وتفكير الذهن وكيفية ترابطهما ولا يفهم كيفية عملهما كلا لوحده في عملية الادراك في حال جواز فصلهما ولا يفهم آلية حصول الادراك في ترابطهما (الدماغ والذهن) غير العضوي على خلاف ترابط تشكيلات ومكونات الجهاز العصبي بالدماغ وعمله الادراكي... الدماغ عضو بيولوجي والذهن تجريد تفكيري يرتبط به.

- بماذا يختلف الوعي عن الذاكرة وكلاهما حلقتان مجردتان في منظومة العقل الادراكية؟ نحن لا يمكننا الفصل بين علاقة الوعي بالذاكرة على انهما دلالة وظيفية واحدة هي التفكير العقلي غير المنفصل عنهما كليهما. لكن يمكننا تشخيص الاختلاف التفكيري بمدركات الحواس بينهما، فتفكير الوعي هو غيره تفكير الذاكرة باختلاف (زمان) تلقي المدركات وليس في أختلاف (مواضيع) الادراك الواصلة لهما، فما يفكر به الوعي ويدركه زمانا هو ذاته ما تدركه الذاكرة وتفكر به بنفس الوقت الزماني.

اذن كيف يكون هذا صحيحا منسجما حين قلنا يختلف زمن الذاكرة عن زمن الوعي؟ زمان الوعي يكون زمانا ظرفيا مؤقتا زائلا بزوال التفكير بموضوعه المدرك من قبله أي من قبل الوعي، أما تفكير الذاكرة فيكون تحقيبيا معرفيا زمانيا يجمع زماني الحاضر والماضي في كل التجارب التي يدركها العقل في الحياة ويجري تخزينها بالذاكرة التي هي مستودع تخزين معرفي بخلاف الوعي الذي لا يمتلك ميزة تخزين خبرات الانسان المعرفية بل هو يدركها كحلقة توصيل ولا يدركها كمخزون معرفي جاهز في كل زمان، وبذا يكون زمن الوعي هو الحاضر فقط بينما يكون زمن الذاكرة هو الحاضر والماضي وحتى المستقبل من حيث حيوية مخزون الذاكرة لا ينعدم ولا يفنى بتقادم الزمن عليه. مخزون الذاكرة المعرفية هي دلالة التفكير بالماضي وبالحاضر وبالمستقبل. وبهذه الخاصية الخزنية التي تمتلكها الذاكرة ولا يمتلكها غيرها من حلقات منظومة الادراك العقلي، يصبح تفكير الذاكرة لا يقل اهمية عن تفكير الدماغ.

هيوم واشكالية ادراك الفكر والصورة

يثير هيوم اشكالية فلسفية أخرى حول الفكر والصورة في عملية الادراك. فهو يخالف بيركلي الذي يرى تشكيل الفكرة عن الشيء هو أدراك صورته الحقيقية الموجودة في واقع العالم الخارجي في تطابق تام، والفكر المستمد عن شيء متعين مدرك وجودا يطابق الصورة الادراكية عن ذلك الشيء، لذا فالفكرة المعبّرة عن صورة الشيء هي التمثيل الحقيقي لوجود ذلك الشيء كمدرك واقعي. بينما يذهب هيوم أنه لا وجود لافكار عن الاشياء المدركة وأنما الموجود عنها فقط هو (الادراكات) التي هي عماد كل معرفة انسانية. ولا يوضح هيوم آلية حصول أدراكات الذهن بمعزل عن التفكير الصوري لتلك الادراكات في تداخلها مع الفكر واللغة.

الحقيقة الفلسفية - العلمية تشير الى أن الادراكات هي أستقبال صوري ذهني انطباعي لوجود الاشياء بالعالم الخارجي. والآلية المعتمدة في كيفية تحقق الادراك، هو أن صورة تمّثل الشيء بالذهن هو صورة (لغوية) تجريدية وليست صورة مدركة تعيينا انطولوجيا حسيّا. بمعنى لا وجود لادراك لا يعتمد صورة الاشياء الواقعية في تجريد لغوي، فصورة الشيء المدرك لا تعني صورة ذلك الشيء فوتوغرافيا بالتصويرالمنفصل ماديا عن أصل الصورة، بل تعني صورة ذلك الشيء في تجريده اللغوي كمدرك ذهني موجود واقعيا يدركه العقل كموضوع.

رغم أن بيركلي ولوك وهيوم هم فلاسفة مناطقة مثالية تجريبية لا يقرون بوجود ادراك واقعي يسبق الفكر والتعبيرعنه بل بوجود افكار تصورية تجريدية عن الواقع مستمدة احساسيا منه لكن لا تعود ترتبط تفكيريا به...والموجودات المادية هي  مدركات حسية فقط، وفي هذه القضية الجماعية المثالية التي أتفقوا عليها بدأ الاختلاف بينهما بالتفاصيل، وقبل قرار أمكانية الفرز من قبلنا بين الصح والخطأ نجد انفسنا ننجر الى طرح تساؤلات مفتوحة النهايات بلا أجوبة شافية مثل كيف ندرك موجودات العالم الخارجي الشيئية وبأية آلية غير آلية الفكرة عن الشيء هي في التطابق مع صورته؟ كيف لنا التأكد بضوء الاختلاف الذي يطرحه هيوم بين الفكرعن الشيء لا يمثل صورته الادراكية،؟ من حيث أننا كنا نسّلم بحقيقة لا فرق بين ادراك الشيء بالفكر الذي هو يعني ضمنا ادراك صوريته المجردة عن واقعيتها، ولا انفصال بين التعبيرين الفكرة والصورة في دلالتهما عن مقصود واحد لمعنى واحد. فادراك الشيئ بالفكر هو ادراك تجريدي صوري له باللغة. وتمثلات العقل لمواضيع مدركاته لا تتم بغير هذه الآلية.

هذه الاشكالية ليست من البساطة التي يمكن حلها فلسفيا بكلمات قليلة. فالذين يقولون اننا ندرك من الاشياء صورتها الواقعية الحقيقية كما هي يكونون على صواب، فادراك موجودات الواقع هو ادراك صور الاشياء التي تغني عن معرفة ازيد منها تختفي وراء ادراك الصورة التي ادركتها الحواس، والذين يقولون بأن ادراكاتنا الاشياء والموجودات حسيا تجريديا صوريا هو غير واقع الصورة المدركة حسيا يكونون على صواب ايضا. فكيف يتم الحسم بين الصواب والخطأ بينهما؟

نجد الحسم يكون داخل تفكير الدماغ وليس داخل ادراكات الاحساسات، فالتفكير الصوري الشكلي الذي يرى في ادراك صورة الشيء هو ادراك لحقيقته الواقعية انما يقوم استنتاجهم على أن كل شيء يجري التحقق من حقيقته الواقعية انما يكون في تفكير الذهن به الذي هو يعطي وحده صورة اي شيء ندرك وجوده الحقيقي.

اما الاتجاه المادي الذي يرى في ادراك صور المحسوسات هو ادراك زائف لمعرفة حقيقة الشيء واقعيا. أنما ينطلقون من انكار لا واقع مادي حقيقي مستقل لا يدركه الفكر صوريا تجريديا ايضا لكن ادراك الشيء صوريا لا يعني معرفة حقيقته الموجودية في الواقع، وكذلك لا وجود لفكر صوري عن الواقع بامكان التفكير التجريدي به وبغيره خلق حقائقه المادية في العالم الخارجي.

وهذا الاختلاف الذي سقناه لم يحل المشكلة بل توضيحها، والحل يكون في اقرار أن كل ادراكاتنا للاشياء هي ليست معارف خالصة موثوق منها عنها، ومعرفة الشيء بالفكر المجرد لا يعني معرفة حقيقته، وكذلك لا يكون الشيء الموجود مستقلا بعالم الاشياء يستطيع التعريف والافصاح الواقعي الحقيقي عن نفسه من دون تفكير عقلي يتناوله. وتبقى معرفة الشيء على حقيقته ليست بالفكر المجرد ولا بالواقع المستقل عن الفكر بل في تداخلهما الجدلي بما يكسب الواقع تفكيرا حقيقيا وليس زائفا في معرفته الاشياء وليس في ادراكها فقط، كما يكتسب الفكر في تعالقه الجدلي بالواقع بعدا تطوريا في مصداقيته التعبير عن الاشياء في حقيقتها المعرفية وليس في وجودها المدرك صوريا فقط. بمعنى جدل ترابط الفكر مع الواقع يعطي الاثنين حقيقتهما المعرفية وليس حقيقتهما الادراكية فقط.

غياب اللغة في مثالية هيوم

ما يلفت الانتباه أن هيوم ومن قبله بيركلي وجون لوك لم يتطرقا مطلقا عن أهمية حضور (اللغة) في عملية الادراك من حيث أن فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات ومصطلح التحول اللغوي ظهرت بدايات القرن العشرين وتبلورت اللغة كمبحث فلسفي حضوري مركزي في النصف الثاني من القرن العشرين، بينما كانت بدايات فلسفة الوضعية المنطقية التجريبية المثالية التي يتزعمها جون لوك وهيوم وبيركلي محسوبة على النصف الثاني من القرن الثامن عشر حيث لم يكن مبحث اللغة قد ظهر ولفت انتباه الفلاسفة بهذا الاهتمام الكبير الذي يشهده تاريخ الفلسفة اليوم. لذا نجد أنعدام أية أشارة فلسفية عن علاقة اللغة في عملية الادراك لدى هيوم وبيركلي وجون لوك ومن قبلهم باسكال ومالبرانش وسبينوزا. فمبحث اللغة كفلسفة اولى بدأ بداية القرن العشرين لدى دي سوسير وفريجة وبيرس وفينجشتين وغيرهم من بعدهم فلاسفة لغة وعلماء. وأحتل مركز الفلسفة الاولى في النصف الثاني من القرن العشرين، مع تنامي الاهتمام بفلسفة العقل والوعي وفلسفة اللغة ونظرية فائض المعنى.

واذا كان أدراك الشيء لا في الفكر ولا في الصورة المتداخلة معه وأنما تتم حسب هيوم بالادراك المجرد الذي لم يوضح كيفية أتمام هذه العملية وبوسيلة ماذا ولا بأية آلية بيولوجية يمكن أن تتم؟ وهل من الممكن فصل الفكر عن تصور الشيء صورة ادراكيا، في تغييب هيوم ترابط الفكر والصورة في تلازمهما الجدلي التعبير في لغة الادراك؟، فالفكر بلا افصاح لغوي والادراك بلا لغة تصورية تقوم على اساس تجريد تعبير اللغة لا يكون لهما معنى.

أدراك صور الاشياء يعني هو تمّثّل تعبيري لغوي ولا يتمكن العقل تجريد الادراكات من مضمونها الشيئي والتعبير الافصاحي اللغوي عنها صمتا بالذهن أو نطقا بالكلام وكلاهما تعبير لغوي صوري داخليا أستبطانيا ذهنيا وتعبيرا لغويا خارجيا في تعبيره عن عالم الموجودات . الادراك المعرفي الشيئي بخلاف هيوم هو صورة الشيء المعبّر عنها في الذهن بتعبيراللغة المجردة، ولا توجد أدراكات حقيقية تنسب للعقل والذهن جزءا منه بغير هذه الآلية التي ذكرناها. وكان بيركلي محقا تماما بخلاف هيوم أن أدراك الشيء يتم وفق تطابق الفكرة عنه مع صورته الواقعية كموجود ولا يمكننا فصل الفكر عن صورة الشيء المدرك رغم نكران بيركلي الشديد لوجود واقع خارجي يدركه العقل خارج الفكر.

كما لا يمكننا فصل العديد من الثنائيات التي تتماسك في المعنى الادراكي مثل عزل الفكر عن اللغة ، عزل الوعي عن الشيء، عزل الحواس عن الواقع، عزل الزمان عن المكان، عزل الدماغ عن الجهاز العصبي، عزل التجريد عن الواقع الشيئي، عزل العلة عن المعلول، عزل النطق عن اللسان وهكذا الى ما لا يمكننا حصره من ثنائيات لا يمكننا فهم معنى طرف واحد بغير تعالقه مع وجهه الثاني الذي هو الطرف الاخرالمكمّل له..

نستدرك بملاحظة أخيرة أن بيركلي رغم تأكيده رفضه المجردات في التعبير عن الاشياء الا أن اقراره في مسالة تلازم الفكرة مع الصورة المعبرة عن الشيء تعتبر خروجا منهجيا لبيركلي في أنكاره وجود افكار مجردة تعبّر عن موجودات الاشياء، حتى على صعيد أنكاره تجريد الفكر في التعبير عن جوهر الشيء. وتعتبر أخطاء بيركلي الفلسفية من الامور التي لم تعد بحاجة الى تكرار تفنيدها. ومع كل هذا كان بيركلي ينكر الواقع المدرك كوجود سابق على التفكير، ولم يوّضح من أين تأتي الافكارللذهن خارج تعالقها المادي على أنها انعكاس جدلي مع الواقع.وتبقى مقولته الفلسفية التي رفضها هيوم أن الفكرة عن الشيء هي تمّثّل تجريدي يطابق وجود صورة الشيء في حقيقته الواقعية بعالم الموجودات والاشياء زلّة تفكير فلسفية تحسب صحتها المادية  لبيركلي في تاكيد أدانة فهم هيوم المثالي المخالف لها.

هيوم والادراكات

يذهب هيوم الى أن الادراكات المتعاقبة عن موجودات العالم الخارجي هي وحدها التي تؤلف محتوى الذهن وتمنحه وظيفته الادراكية في التفكير.الادراكات لدى هيوم هي ليست الافكار التي يفهمها كلا من بيركلي وجون لوك على انها الانعكاس المباشر لصورة انطباعات الاشياء بالذهن.. عليه كيف يمكننا التمييز بين ادراك الشيء بالذهن، وتكوين الافكار عنه بالذهن أم خارجه بالدماغ؟

هذا التداخل الفلسفي يمكننا حّله من منطلق التفريق بين الذهن والدماغ ووظيفة كلا منهما في عملية الادراك. هيوم يعتبر الذهن مصدر تصنيع الانسان لمدركاته الواردة له من الاحساسات المستمدة من موجودات العالم الخارجي كما يعتبره هو ناتج تفكير الذهن بمدركات الواقع من غير ما تداخل وظيفي يجري بين الذهن والعقل في اصدار ردود الافعال الادراكية عن الاشياء والعالم الخارجي.

الفرق الاولي بين الذهن والعقل هو أن الاول الذهن جزء من تكوينات المنظومة العقلية لا يمكنه مصادرة الكل الذي هو منظومة العقل الادراكية، والذهن هو مجموعة الانطباعات الاولية عن المدركات التي هي تداعيات من الصور، بينما يكون العقل هو المنظومة الادراكية الفكرية لفهم الاشياء والتعامل معها معرفيا على اساس من ادراك فكري وليس ادراكا ذهنيا انطباعيا بالذهن لا يعطي معنى الشيء المدرك حقيقته الصورية الواقعية المجردة في عالم المحسوسات المدركة.

عليه نرى من وجهة نظرنا غير ما يراه هيوم أن الذهن هو حلقة مركزية مهمة في اتمام عملية الادراك داخل منظومة العقل الادراكية، لكنه أي الذهن ليس مصدر فهم العالم بمعزل عن فهم العقل له في ارتباط الذهن به. ونرى الذهن وسيلة محايدة في تمريره مدركات الاحساسات الواردة اليه في توصيله أي الذهن لاحساساته الانطباعية الاولية الى الدماغ عبر شبكة الجهاز العصبي الناقل والمستورد للادراكات الواردة له والصادرة عنه.

المهم التفريق أن الادراكات الانطباعية التي يستلمها الذهن هي ليست الافكار الواردة الى الدماغ للبت بها واعادتها للذهن بعد تفسيرها، العقل الذي هو جزء عضوي منه الدماغ ماهيته التفكير في فهم وتفسير المدركات الحسية الواردة له. وبهذا المعنى يكون الدماغ هو مصدر الاحكام الصادرة عنه في تعبيره عن المدركات بالفكر اللغوي كمقولات عقلية كما يصفها كانط، وهذه الاحكام ليست مهمة الذهن في نقله الانطباعات الاولية عن الاشياء كموجودات متعينة استقلاليا في العالم الخارجي.. الذهن ليس مركز تفكير ينوب عن تفكير الدماغ والمنظومة العقلية الناقلة للادراكات عبر الجهاز العصبي.

الادراكات الانطباعية هي اشارات دلالية أولية تختلف عن الافكارالتي يقوم العقل بتكوينها، وكلاهما الادراكات والانطباعات مستمدتان من مصدر واحد هو واقع العالم الخارجي بجميع تكويناته من الموجودات والاشياء. أما الادراكات هي أنطباعات ذهنية عابرة وليست افكارا جاهزة التعبير عن مدركات العالم الخارجي. الادراكات انطباعات ترتسم بالذهن وتغادره وصولا الى الدماغ الذي يستقبلها كاحساسات مادية عن مواضيع ادراكية مهمته التفكير بها وأعطاء ردود افعاله عنها.

تراكم الادراكات بالذهن لا تمنحه خاصية قابلية الاستحواذ على عملية التفكير التي يمتلكها العقل منفردا وخاصية دماغية بالتحديد كجزء من العقل ولا يمثل الدماغ العقل كاملا كمنظومة ادراكية.. وكل مدرك حسي ومنقول عن الجهاز العصبي الى منظومة العقل الادراكية ينتهي بالدماغ ولا ينتهي بالذهن الذي هو توسيط في منظومة العقل الادراكية.  لذا تكون الادراكات الواصلة الى الذهن هي انطباعات تجريدية أولية اكثر من تجريدية الافكار العقلية، وهذه الانطباعات الادراكية لا يستطيع الذهن التعبير عنها بالتصورات اللغوية، بينما يستطيع الدماغ العقلي تحويل مجمل الادراكات الواصلة له الى تعبيرات (لغوية) ينقلها الجهاز العصبي للذهن والوعي للافصاح عنها افكارا لمدركات مادية.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

............................

هامش:

1. وليم رايت تاريخ الفلسفة الحديثة، ت:محمود سيد احمد، مراجعة وتقديم امام عبد الفتاح امام ، ص 210

 

 

زهير الخويلديتمهيد وترجمة: د. زهير الخويلدي

تمهيد: "الكلمة الأساسية التي تتوافق مع الخيال ليست صورة، إنها متخيلة. تُقاس قيمة الصورة بمدى هالتها المتخيلة. بفضل المخيال، أصبح الخيال في الأساس مفتوحًا ومراوغًا."

لا تكمن أهمية غاستون باشلار في التجديد الابستيمولوجي الذي أحدثه ضمن مسار الفلسفة الوضعية ودعوته الى التخلي عن المعرفة العامية واعتماد العقلانية العلمية والمعرفة الموضوعية والابتعاد عن الواقع العيني وإعادة بناء الواقع بغية بلوغ الواقع المبني الحقيقي وحرصه على التطبيق في الجانب المعرفي النقدي من خلال القيام بتجديل العلاقة بين العقل والتجربة فقط وانما أيضا في الإضافات الكبيرة التي أحدثها ضمن مسار النظرية الأدبية والشعرية والتحليلية النفسية للأحلام وميله الى التصوف وتمييزه اللافت بين الخيال والمخيال.

فما حقيقة هذا التمييز؟ ما الخيال ؟ أي دور يقوم به في العلم ؟ وماذا نعني بالمخيال؟ وماهو دوره في الأدب؟ وكيف استفاد باشلار من تمييز عمونيال كانط في نقد ملكة الحكم بين الخيال التكراري والخيال الإبداعي؟

الترجمة:

"مثل العديد من المشاكل النفسية، فإن البحث في الخيال يخيم عليه الضوء الخاطئ لأصل الكلمة. نريد دائمًا أن يكون الخيال هو كلية تكوين الصور. ومع ذلك، فهي بالأحرى ملكة تشويه الصور التي يوفرها الإدراك، إنها قبل كل شيء القدرة على تحريرنا من الصور الأولية، من الصور المتغيرة. إذا لم يكن هناك تغيير في الصور، أو اتحاد غير متوقع للصور، فلا يوجد خيال، ولا يوجد عمل تخيلي. إذا كانت الصورة الحالية لا تجعل المرء يفكر في صورة غائبة، إذا لم تحدد الصورة العرضية تبذير الصور الشاذة، أو انفجار الصور، فلا يوجد خيال. هناك تصور، ذاكرة تصور، ذاكرة مألوفة، عادة الألوان والأشكال. الكلمة الأساسية التي تتوافق مع الخيال ليست صورة، إنها متخيلة. تُقاس قيمة الصورة بمدى هالتها المتخيلة. بفضل المخيال، أصبح الخيال في الأساس مفتوحًا ومراوغًا. إنها في النفس البشرية تجربة الانفتاح ذاتها، تجربة الجدة ذاتها. أكثر من أي قوة أخرى، فهي تحدد نفسية الإنسان. كما يعلن بليك: "الخيال ليس حالة، إنه الوجود البشري نفسه. سيكون من الأسهل إقناع المرء بحقيقة هذه المقولة إذا درس [...] الخيال الأدبي، والخيال المنطوق، الذي يشكل، بالتمسك باللغة، النسيج الزمني للروحانية، والذي بواسطته لذلك ينبثق من الواقع.

وعلى العكس من ذلك، فإن الصورة التي تترك مبدأها المخيالي والتي تثبت نفسها بشكل نهائي تأخذ تدريجياً خصائص الإدراك الحالي. قريباً، بدلاً من جعلنا نحلم ونتحدث، يجعلنا ذلك نتصرف. يكفي القول إن الصورة المستقرة والمكتملة تقطع أجنحة الخيال. إنه يجعلنا نسقط من هذا الخيال الحالم الذي لا يسجن في أي صورة والذي يمكن للمرء أن يدعو لذلك خيال بدون صور في الأسلوب حيث يتعرف المرء على فكرة بدون صور. بدون شك، في حياتها المذهلة، ترسب الصور الخيالية الصور، لكنها تقدم نفسها دائمًا على أنها شيء يتجاوز صورها، فهي دائمًا أكثر قليلاً من صورها. القصيدة في الأساس تطلع إلى صور جديدة. إنه يتوافق مع الحاجة الأساسية للحداثة التي تميز نفسية الإنسان.

وهكذا فإن الشخصية التي ضحى بها علم نفس الخيال الذي يتعامل فقط مع تكوين الصور هي شخصية أساسية وواضحة معروفة للجميع: إنها تنقل الصور. هناك معارضة – في عالم الخيال كما في العديد من المجالات الأخرى – بين الدستور والتنقل. وبما أن وصف الأشكال أسهل من وصف الحركات، فمن المفهوم أن علم النفس يهتم بالمهمة الأولى أولاً. ومع ذلك، فهي الثانية والأكثر أهمية. الخيال، بالنسبة لعلم النفس الكامل، هو قبل كل شيء نوع من الحراك الروحي، وهو النوع الأكبر والأكثر حيوية والأكثر حياة. لذلك من الضروري أن نضيف بشكل منهجي إلى دراسة صورة معينة دراسة حركتها وخصوبتها وحياتها." فكيف تم الانتقال بعد باشلار بملكة المخيال من المستوى الفردي النفسي الى المستوى الجماعي الرمزي؟ وماذا ترب عن ذلك؟

 

كاتب فلسفي

......................

المصدر:

Gaston Bachelard, l’air et les songes, éditions José Corti, Paris, 1943, p07.

 

علي محمد اليوسف(المعجزة هي انتهاك لقوانين الطبيعة) ديفيد هيوم

عليه تكون المعجزات ليست خواص الهية يحتاجها الرب لاثبات الايمان به بل هي خواص انبياء مؤقتة لكسب تأييد الناس الايمان بهم وبما يحملونه من رسالات مكنّهم الخالق امتلاكها وحدهم دون غيرهم من البشر وانهم مرسلون من الرب بمعجزات خصّهم بها لتأكيد صدقية الايمان الديني بهم في نقلهم رسالة الخالق الى عامة الناس.

التساؤل الذي يفترض أن يكون تابعا ما بعد تعريف المعجزة التي عبر عنها ديفيد هيوم والعديدين من الفلاسفة على انها خرق لقوانين الطبيعة، لكنهم لم يحسموا مصدرهذه القوانين الثابتة في الطبيعة ومن يمتلكها حقيقة ؟ ومن اين جاءت القوانين الطبيعية الثابتة التي تحكم الطبيعة نفسها بها بغير ادراك منها لها وتحكم الانسان وكل المخلوقات والكائنات التابعة للطبيعة في ادامة بقائها؟ وما علاقة المعجزة الدينية أن يكون تعريفها الدقيق هو خرق القوانين العامة التي تحكم الطبيعة والانسان.؟

أجابة هذا التساؤل هو التفريق بين الايمان الديني وبين عدم الايمان الديني الذي مرتكز قوامه المعجزات. ولكل من الفريقين حججه التي تناقض حجج الاخر لكنهما يبقيان الاثنين المتضادين المتناحرين في سجال ساحته المركزية تخطئة البعض للآخر وليس الاجابة الشافية عن موضوع الاختلاف حول المعجزة الدينية وترابطها الوثيق يقوانين الطبيعة الثابتة وكيفية البرهان العقلي على ذلك.

هذا الاشكال طرحه بيرتراندرسل قوله أن قوانين الطبيعة هي أصطلاحات انسانية متواضع عليها عبر العصور الطويلة وأصبحت بمرور الزمان قوانين ثابتة طبيعية. لكن الاعتراض الوجيه على هذا الطرح هو لو كانت قوانين الطبيعة هي من صنع انساني لتوجب بالضرورة السببية أن تكون قوانين غير ثابتة متطورة يترتب عليه أن تكون الطبيعة في قوانينها بحالة من السيرورة الدائمية التي لا تحدها حدود قوانين لا يمكن للانسان تجاوزها بالتبديل ولا بالتغيير، وعدم ثبات قوانين الطبيعة التي هي أبتداع عمل انساني يلحق به بالضرورة المتعالقة معه أن المعجزات ليست خوارق لقوانين طبيعية هي من صنع الخالق وليس من أبتداع الانسان. فخرق الانسان لقوانين كان هو مصدر ابتداعها هي بالحتمية التاريخية تكون مطواعة مستجيبة لرغبة الانسان التي وضعها أن يقوم بعملية تغييرها. لكن عجز الانسان أن يخرق قوانين الطبيعة جعل خرقها مقتصرا على الصفوة المختارة من الانبياء الذين قاموا بها استثنائيا في خرقهم تلك القوانين بما اطلق عليه المعجزات متمثلة في عجز غيرهم مجاراتهم بصنيعهم. وبذلك خرجت المعجزات أن تكون من اختراع الانسان في محاولته السيطرة عليها، وكذلك لم تكن المعجزات تراكما من الفعاليات الفريدة التي ينتج عنها بالضرورة تطورا متغيرا لا يتسم بالثبات كقوانين تحكم الطبيعة والانسان وليس بمقدور الانسان قابلية اكثر من التكيّف مع تلك القوانين لادامة حياته من الانقراض.

وبذا انحسر موضوع القوانين الطبيعية بين قطبين مختلفين عائديتها الذاتية المستقلة عن صانع اودعها بها من جهة ، ومن جهة مضادة لها أن قوانين الطبيعة هي جزء لا يمكن انفكاكه عن الطبيعة بما هي معطى موجود هكذا منذ الاف العصور والى يومنا هذا وليس بمستطاع الانسان التلاعب بقوانين الطبيعة الثابتة خارج سلطة اكثر من البناء عليها والاستفادة منها وبقيت تلك القوانين ثابتة في ملازمة الطبيعة كماهية جوهرية وصفات لها أخذت سمة الثبات الذي لا يتغير ومحاولة التفكير بخرق واحدة من تلك القوانين مرهون بعمل نبي مختار مزودا بقدرة الهية هي فوق قدرات البشر القيام بها أو فهمها تفسيرا عقليا.

المعجزة بين قدرة الخالق والمخلوق

المعجزات الدينية أمر مشكوك أن يقوم به انسان نبي بخرق قوانين طبيعية هي من صنع انسان سابق عليه في زمانه التاريخي، والمعجزات لا تمت الى الالهي الخالق بصفة خلقها لأنها أصطلاحات انسانية متواضع عليها دينيا ومختلفة في تفسيرها عقليا. ومما يزيد الاشكالية تعقيدا هو هل كان العقل الانساني الذي وضع قوانين الطبيعة بهذا الاتقان الاعجازي المذهل الذي نعيشه في اكثر من مجال بالحياة وعلاقة الانسان بالطبيعة كان اكثر تقدما وتطورا من عقل الانسان (الانبياء) الذين تعاقبوا على خرق تلك القوانين عبر العصور وما يزال العديد من تلك القوانين يستعصي على الادراك العقلي الديني والعلمي تفسيره كما يستعصي خرق المعجزات لتلك القوانين بسبب محدودية العقل الادراكي التصديق بها طبيعيا في اكتشافه عمل بعض قوانين الطبيعة التي تحكمنا انها عصّية على المقبولية العقلية المحدودة للانسان وعصّية على التفكير التجربي العلمي الذي يقوم على البرهان علميا.

ولو كانت قوانين الطبيعة مثل قانون الجاذبية ومثل قانون الادراك في تعالق المكان ادراكيا بالزمان وقوانين حركات الكواكب وغير ذلك عديد هي من صنع الانسان لكانت معظم تلك القوانين استهلكت نفسها وفقدت تاثيرها على التحكم بالطبيعة ذاتها والانسان معا تبعا لتطور التفكير العلمي عند الانسان في تغيير الكثير مما تمتلكه الطبيعة باستقلالية منفردة عن الانسان.

نرى من المفيد تثبيت رأي هيجل بهذا المجال المطروح قوله : أن حركة النظام الشمسي تجري طبقا لقوانين ثابتة، هذه القوانين هي عقله،- يقصد عقل النظام الشمسي- ولكن لا الشمس ولا الكواكب الاخرى التي تدور حولها لديها اي وعي بتلك القوانين . " نقلا عن حاتم حميد محسن، عن هيجل العقل في التاريخ" وهو ما كنا سبق لنا ذكره أن الطبيعة محكومة بقوانين ثابتة لا تعيها الطبيعة ولا هي تعي نفسها. فالطبيعة بهذا تكون مخلوقة غير خالقة لنفسها ولا لقوانينها، فالذي لا يعي ذاته لا يكون خالقا لذاته، بل يكون موضوعا لادراك غيره من ذوات مدركة له ومدركة لذاتها هي معا.

أما أحتمال نظرية أن تكون الطبيعة وجدت هكذا بقوانين تحكمها ولا تدركها الطبيعة نفسها فذلك يثير علامة استفهام تقود لفرضية أن الطبيعة بمجملها من قوانين وموجودات محكومة بقدرة خالق أعجازية لا يدركها العقل الانساني وهذا باب يدخلنا الى مناقشة الموضوع باكثر من الاكتفاء بطرحه على شكل تساؤلات بلا حلول ناجعة يقبل التسليم بها العقل الانساني في عصرنا اليوم. ولا يتساوى فيه عقل تقبل المعجزات في الازمنة التاريخية الماضية كما هي اليوم التعامل معها أصبح ملك عقل يشكك بكل شيء يقوم على التصديق اليقيني بمعزل عن امتلاكه براهين اثبات معقوليته علميا.

هيوم وقوانين الطبيعة

يشرح هيوم عدم ايمانه بالمعجزات الالهية، بقوله ليس هناك عناية خاصة الهية تعطل قوانين الطبيعة من أجل أرضاء اشخاص معينين، ويحاول التفريق بين الارادة الالهية الخارقة لقوانين الطبيعة على انها ترجمة انعكاسية ثانية لما ترغبه الارادة البشرية تحقيقه بواسطة قوانين سايكولوجية يمكننا ملاحظتها ووصفها، كما يربط هيوم بين حتمية ارادة الانسان المقترنة بالمسؤولية الاخلاقية.1 .

هنا هيوم يقوم يسحب بساط الانفراد الاعجازي من الانبياء في نسبته المعجزات لطائفة مختارة مقربة من الرب هم الانبياء المختارين يستودعهم الخالق قدرات خرقة لا يتقبلها العقل الطبيعي، تعجز البشر من فهمها وفق التناسق الطبيعي العام لقوانين طبيعية تحكم الحياة، وفي نفس وقت أجبار الانسان العادي التسليم  بالايمان الديني أن وراء هذه المعجزات الله لا غيره والقائمون به انبياء مختارين منه.

قوانين الطبيعة الثابتة لم توجد ولا تكون موجودة تلبية لرغائب الانسان وكذلك خرقها وانتهاكها ليست من صلاحية ومقدرة الانسان اللعب بها، كما لا تكون تلك القوانين هي مخلوقة لتنظيم حياة الانسان قبل مهمة تنظيمها قوانين الطبيعة الثابتة فيها كما هي موجودة كمعطى في الطبيعة ذاتها، الطبيعة لم توجد بهذه الكيفية تلبية لتامين حياة الانسان والكائنات الحية الاخرى.

واذا نحن أجزنا منح قدرتنا الايمانية بالمعجزات خاصية الانبياء الوقتية الزائلة التي لا يحتاجها الخالق في تثبيت الايمان الديني عند البشر الايمان بألوهيته، تكون المعجزة هي خرق لقوانين الطبيعة التي وضعها الخالق في الطبيعة من قبل انبيائه برغبة ذاتية تتملكهم تحقيق الايمان الديني الجمعي الذي لا تجدي معه الوصايا الاخلاقية ولا العظات التي يقوم بها الانبياء نفعا وهذا محال، فمعنى ذلك الاقرار بوحدة قوانين خرق المعجزات لقوانين الطبيعة الثابتة تكون في محصلتها أن كلاهما قوانين الطبيعة والمعجزات مقولتان ناتجتان عن مصدر الهي واحد في قدرة الهية واحدة وهي وسيلة الخالق تكليفه الانبياء القيام بها برغبة منه وليس برغبة انبياء يرغبون زرع الايمان الديني القائم على قيم الخير والاخلاق في الحياة لتثبيت الايمان الديني بهم وليس الايمان بالخالق الغني عن استحصال الايمان الديني بالمعجزات. والمقولة الثانية المناقضة التي يتبناها الملاحدة أن قوانين الطبيعة المخترقة بالمعجزات كلتاهما تلتقيان في مصدر واحد هو الانسان ألذي أبتدعها ويروم خرقها لاسباب تتعلق بتثبيت القناعة الدينية على الارض في تبرير محصلة ذلك سيكون خلود الانسان في الانبعاث الميتافيزيقي السماوي ثوابا لايمانه الديني الارضي..

ثم أن ارادة الانسان العادي المقترنة بالمسؤولية الاخلاقية تجاه ايمانه الديني بالمعجزات ليست هي ذاتها المسؤولية الاخلاقية لدى الانبياء في أتيانهم المعجزات على اساس من تداخل أعجازي الهي تتقاطع مع نقيضها هو عدم قدرة الانسان العادي بأي شكل من الاشكال خارج ما تقوم به المعجزات أن يصنع هو معجزاته بارادته ومسؤوليته الاخلاقية لنخرج بمحصلة لا قيمة لمعجزة يستطيع تكرارها العديد من الناس وليس الصفوة المختارة من الانبياء.

بوجيز التعبير هل المعجزة خاصية الهية  يحتاجها الخالق لتدعيم ايمان الناس به، أم هي خاصية الهية وضعها في اناس اختارهم صفوة التبشير بما يرغبه الخالق من ايمان بوجوده المطلق الذي يرى في البشر خلقوا من أجل تلبية ايمانهم به معبرا عنها بوصايا أخلاقية وأشكال من صلوات وطقوس عبادية يتقدمهم الانبياء في الايمان بها وممارستها ايمانا وممارسة في تلبية طقوس عبادية ترضي الرب وترضي عابديه على صعيد الممارسة الايمانية في تفعيل الضمير الاخلاقي على أنه ايمان بكل ما هو خير من صفات وترك كل ما هو شر يقود لمعصية الخالق بما أمر النهي عنه على لسان انبيائه وكتبهم المقدسة.

الشيء الواجب مناقشته اذا كانت رغبة الخالق كسره قوانين الطبيعة الثابتة التي على وفقها منح الخالق الطبيعة أعجازها المنّظم كمصدر بقاء حياة الانسان والخلل المصنوع من قبل الانسان لنظام تلك القوانين الطبيعي يترتب عليه أن الانسان يعدم ضرورات بقائه على الارض التي تؤمنها له قوانين الطبيعة الثابتة الاعجازية بما تحتويه من علاقات تجمع الانسان مع الحيوان مع النبات مع الجماد ضمن قوانين صادرة عن مصدرالهي واحد استودعه في نظام الطبيعة.. فلا نجد هنا مبررا كافيا أن يكسرالانبياء باعجاز يمتلكونه بسلطة الرب أو غيرها وليس بامكانية الانسان القاصرة المحدودة تلك القوانين الطبيعية التي تناسب مدارك الانسان فهي موضوعة من خالق يريد جعل الطبيعة بقوانينها في خدمة حياة الانسان وليس تدميرها، فكيف يجوز للانبياء الصفوة الايمانية المختارة من الخالق امتلاكهم قدرة كسر قوانين طبيعية تعتبر مقدسة بخالقها الذي استودعها الطبيعة ، وكسر الخالق تلك القوانين الثابتة من أجل تاييده لانبيائه بما يقدرون عليه من قدرة لا يستطيعها باقي البشر لا يستقيم مع ما عبّر عنه هيوم أنه لا توجد ضرورة ملزمة لارضاء نخبة من الصفوة المختارة من البشر يقربهم الرب له بتزويدهم بمعجزات هي خوارق لقوانين طبيعية وضعها الخالق بها وليست من ابتكار واختراع الانسان.هنا يجب التفريق لا اولوية ضمان صالح الانبياء في توسيلهم القيام بمعجزات نشر الايمان الديني تنسب لهم لكن تبقى المعجزات ليست خاصية بهم فالانبياء خارج ملكة احتكارهم المعجزات بعد الرب هم بشر متساوون بكل شيء مع البشر الاخرين. وهم يعبرون عن هذه الحقيقة بانفسهم على الملأ الذي يدعونه الى الايمان الديني بوسيلة المعجزات الخارقة لقوانين الطبيعة وليس بالوصايا الاخلاقية المجردة.

الخروج الوحيد من مأزق أن معجزات تكسير الانبياء لنظام قوانين الطبيعة هو أن المعجزات خروقات وقتية زائلة لقوانين الطبيعة وهي وليدة عصرها التاريخي وهذا لا يلزم عنه تبديلا لثوابت الطبيعة التي لا تتغير قوانينها بمرور العصور والازمان وتبدلات تاريخ وجود الانسان على الارض.. بمعنى ثبات قوانين الطبيعة يلغي ويزيل بقاء المعجزات عبر كل الازمان والعصو كوسيلة تدعيم الايمان الديني المتأرجح عند البشر اليوم. لذا كان اقصر الطرق لهروب اللاهوت الديني من مواجهة اضمحلال المعجزات على انها وسيلة اقناعية في ترسيخ الايمان الديني انتهت صلاحية الايمان بها، لذا نجدهم لجأوا الى القول أن عصر المعجزات وظهور الانبياء توقف من حياة الناس الى اشعار آخر.

المعجزة الدينية بين ارادة الخالق ورغبة الانبياء

وهنا يبرز تساؤل مشروع هل المعجزة عمل انبياء بشر تنسب لهم أم المعجزة هي تحقيق رغبة الخالق بتوسيل الانبياء القيام بها وتنسب لقدرتهم العابرة للمعجزات التي يقوم بها الانبياء حصرا من الصفوة المختارة المقربين؟ وهنا نرجّح كفة أن المعجزات هي من وحي الهي يقوم بها انبياء لتثبيت نبوتهم في كسب قناعة الناس بالايمان الديني لكنهم لا يمتلكون خاصية المعجزات كصفة دائمية التي هي خاصية الخالق وحده. المعجزات في كل الاحوال لا يحتاجها الخالق بمقدار حاجة الانبياء لها لتثبيت دعاواهم الايمانية ببراهين معجزة وقتية يصدقها الناس من خلالها نبوّتهم المقترنة بالايمان الديني للخالق.، وبذلك لا يكون الانبياء يمتلكون خاصية أعجازية تنسب لهم لا يمكن أن يمتلكها غيرهم بدليل ان تقديرات عدد الانبياء المرسلين لهداية الناس على الارض تجاوز الالفين. فقط الذين وردت اسماؤهم في لاهوت الاديان وربما توجد الاف غيرهم. وبهذا الدليل يصبح مقولة هيوم الانسان خلع على الطبيعة قوانينها الثابتة المكتشفة منه باطلا، والسبب الآخر الاهم أن وجود الطبيعة بقوانينها سابق على وجود الانسان في ادراكه قوانين الطبيعة وعلاقته بها هو الآخر يدحض مقولة هيوم وراسل أن المعجزات أبتداع عقلي أنساني لا دخل لخالق به..

وفي كلا الاحتمالين خاصية المعجزة ومصدرها الالهي أو هي خاصية يمتلكها الانبياء في وقت تاريخي معين زائل،فالمعجزة عند الانبياء لا تتكرر دائما بما يفقدها مع مرور الزمان أعجازيتها الاستثنائية المندثرة حتما في عالم يتحدى فيه اليوم أي انسان يدعي النبوة القيام بمعجزة يصدقها الناس.. عليه نجد لا يكون هناك موجبا أن تتساوى أعجازات الانبياء الخارقة لقوانين ثابتة وضعها الله بالطبيعة أعجازيا، مع تلبية ارادة انسانية في كسر تلك القوانين الطبيعية الثابتة التي وضعها الخالق في تحقيق صحة نبوة الانبياء أنهم صفوته المرسلون لهداية الناس. ثم هل المعجزات هي لتلبية سد نقص موجود في قوانين الطبيعة تحتاج التأييد الالهي في الخروج عليها بالمعجزة الوقتية والتراجع عنها بعد كسب يقين الناس بنبوة من يقوم بها دونما توفر امكانية التدخل الاعجازي من تغيير ثبات قوانين الطبيعة.

أم هل المعجزات اضافة لقوانين الطبيعة الثابتة توازيها بالتداخل معها أو بالاستقلالية عنها؟ لا شيء تحققه المعجزة من تلك الاسئلة في علاقة التوازي الاعجازي مع قوانين الطبيعة التي لا تدرك نفسها بل يدركها العقل الانساني بمعزل تام عنها وتداخله بها هو لتحقيق بقائه الارضي بمساعدة الطبيعة تزويده بمقومات الحياة والبقاء الذي لا يقتصر على ثوابت القوانين الطبيعية فقط.. ولم يتخذ الانسان يوما قوانين الطبيعة كمعجزات تعزز رغبة الايمان الديني لديه كما لم يؤمن في حال نقضها بالمعجزات يترتب عليه التسليم بالايمان الديني..

المعجزة وقوانين الطبيعة

هل المعجزة في كسرها قوانين الطبيعة هي لصالح حياة الانسان على الارض في تعديلها أو في سد النقص والانحراف بها؟ أم هي وسيلة يمتلكها الانبياء مؤقتا لاثبات البرهنة أنهم انبياء مرسلون يستطيعون القيام بمعجزات مؤيدة من الرب لا يستطيعها غيرهم من البشر؟ وهنا تكون المعجزة لخدمة الانبياء من البشر وليست لخدمة الرب المستغني عن المعجزات سواء تحققت أم لم تتحقق على ايدي الانبياء.

المعجزة ليست خاصية الهية بمعنى الخالق لا يحتاج معجزات تصدر عنه في الحصول على قناعة التسليم الايماني بالله. المعجزة في حال توفر صدورها اليقيني عن الخالق يودعها في قلوب الانبياء لكسب برهان الايمان بهم كانبياء مرسلين من الرب... لكن فهم المعجزة المقترنة بالنبي تكون خاصية بشرية يدركها العقل العادي على أنها قدرة متعالية يمارسها الانبياء على القوانين الطبيعية التي تحكم الانسان وحياته على الارض. وميزة الشك بالمعجزة سواء أن تكون من صنع انساني أو الهي ايماني هو أن المعجزات (زمانية) يحكمها تاريخ الانسان توالت عليها عصور طويلة من تقدم مسيرة الانسان الارضية. والاقوام التي قامت بتصديقها في عصور غابرة هي غيرها الاقوام التي تتعامل بالعقل العلمي بما يجعل من المعجزات حاجة لا يحتاجها الانسان اليوم حتى لو كانت من أجل استعادة الايمان الديني المتارجح في صالات ومختبرات العلوم بلا استثناء وفي اغلب المجتمعات رقيّا حضاريا.. الايمان الديني اليوم لا يحتاج معجزات انبياء كي يتأكدوا من تحقق ايمانهم الديني الذي يقوم على تنظيم حياة الارض بقيم الاخلاق والسلوك الذي يعطي الانسان كامل حقوقه الارضية، ولا يضع الايمان الديني اليوم امامه غاية خلوده الموعود بها في السماء.

المعجزات والزمن

اذا نحن ناقشنا أن المعجزات النبوية هي كسر مؤقت وليس دائميا لقوانين الطبيعة الثابتة أو لبعض ظواهرها الارضية، فتكون حقيقة المعجزات لا تاثير لها على ثبات وكمال قوانين الطبيعة، بعبارة أخرى خرق المعجزات لقوانين الطبيعة الثابتة لا يغيرها ولا يبدلها ولا يستطيع أضافة شيء عليها أو حذف شيء منها، وهنا يكون معنا أن المعجزات الخارقة في حال تصديقنا لها توازي قوانين الطبيعة ولا تستطيع التاثير بها. وهذا التوازي يجعل من المعجزات أحداثا تاريخية ماضية زمانيا عابرة بالمقايسة لها مع ثبات قوانين الطبيعة التي لا تتغير بثباتها الزماني بمعزل عن قوانين المعجزات التي تكسر القوانين الطبيعية بقدرة وقتية زائلة ليس لها تاثير دائمي في خرقها لبعض ظواهر الطبيعة وليس قوانينها.

مثال ذلك معجزة المشي على سطح الماء أو الكلام المباشر مع الله أو شفاء الاعمى واحياء الميت والولادة بلا زواج من رجل، والرضيع يتكلم في المهد وغيرها اليوم أنما كانت في عصورها هي كسر مؤقت لقانون طبيعي ينتهي بنهاية المعجزة المؤقتة. بمعنى كل من يحاول تقليد المشي على سطح الماء اليوم سيغرق حتى لو أدعى النبوة أذا كان شخصا لا يجيد السباحة وينجو بنفسه. وكل من يحاول تقليد الكلام مع الله سيكون بالنهاية مجنونا لا يصلح عاهته الطب النفسي ولا مستشفيات الامراض العقلية.

عليه تكون قوانين الطبيعة في ثباتها الدائم مع معجزات الانبياء في توقيتها المؤقت الزائل، انما تكون تكريسا لحقيقة قوانين الطبيعة الثابتة هي لخدمة الانسان في حياته ، وتبقى المعجزات براهين أعجازية مؤقتة لا تعمل شيئا لصالح الانسان بمقدار تثبيتها نبوة الانبياء وايمان الناس بهم انهم مرسلون من الرب لهداية الناس بالايمان بوسيلة المعجزات على وجود الخالق والايمان بذلك بما يتبعه من وصايا وارشادات ونواهي وغيرها تنسب للخالق والنبي...

بيرتراند رسل وقوانين الطبيعة

قبل البدء بعرض محتوى عنوان الموضوع الفرعي نذكر أن بيرتراندراسل يفهم وجود الله فهما مغايرا عن غيره من فلاسفة ملحدين، في قوله أن ليس من واجبي البرهنة على وجود الله قبل برهنة الرب على وجوده هو بما يقنعني به عقليا. فهو يضع اللوم على المشككين بالحاده أن يبرهنوا هم له الايمان الديني بما يقبله عقله الانساني خارج اساطير وخرافات المعجزات.

راسل في معالجته خرافة المعجزات كما وسبق أن ذهب له هيوم يذهب الى العودة لما جاء به نيوتن وتم دحضه من انشتاين أن الكواكب تدور حول الشمس بارادة الهية بفعل قانون الجاذبية الذي وضعه الرب خاصية تعالقية بين تلك الكواكب، والذي اكتشف الانسان الجاذبية قانونا موجودا في الطبيعة وليس أختراعا من الانسان مضافا على قوانينها. ولم يتم الى اليوم التعامل مع قانون الجاذبية على أنه اكتشاف من قوانين الطبيعة فقط لم يترتب عليه اختراعات وفتوحات علمية لا حصر لها. ولم يكن قانون الجاذبية المكتشف دليل أنه قانون اوجده الله في الطبيعة الارضية والكون اللانهائي من أجل تدعيم الايمان الديني لدى الانسان ، قانون الجاذبية خاصية الطبيعة في عدم معرفة الانسان من اين جاءت قوانينها العامة التي تحكمها بلا وعي ولا ارادة منها، ورغبة الله أن يخترع قانونا للجاذبية تسير بموجبه الكواكب من ضمنها الارض والقمر حول نفسها وحول الشمس لا علاقة تربط  بينهما. بين قانون الجاذبية الطبيعي كمعطى متعالق بوجود الطبيعة، مع قانون الجاذبية الالهي الوضعي الذي زرعه الله في قلب الطبيعة من أجل أن يتمكن الانسان فك شفرات ورموز تلك الجاذبية.

قوانين الطبيعة حسب راسل هي اصطلاحات انسانية اخذت بحكم تكرار العادة -مستعيرا تعبير هيوم - من خلق تصورات العقل الانساني ولا تمتلك الطبيعة قوانينها المستقلة في وجودها الطبيعي. ولنا التعقيب التالي:

- أن تعبير لايبنتيز أننا نعيش أفضل العوالم الانسانية كان بفضل توازي منجزات العلم مع القوانين التي تحكم الطبيعة وليس في وارد هذا التوازي من جانب واحد هو التزام العلم العمل به ولا تعقل الطبيعة ولا تدرك معنى هذا التوازي وأهميته بالنسبة لها بما لا يقل عن أهميته في خلق حياة اكثر جدوى للانسان.  العقل الانساني ممثلا بالعلم لا يتقبل معجزات خرق وابطال فاعلية قوانين الطبيعة وأهمية ذلك في تنظيم حياة الانسان وهذه مسألة جديرة بالاحترام تكون مقبولة على صعيد مناطحة الفلسفة مع العلم، فالعلم لا يمتلك معجزات دينية بل يمتلك معجزات عقلية تقوم بتطوير الوجود الانساني بعيدا عن ميتافيزيقا الايمان الديني القائم على معجزات لا تقبل برهان العقل العلمي عليها..

ومقولة لايبنتيز اننا نعيش افضل العوالم الممكنة غير صحيحة عندما نحاكمها بما يعيشه العالم اليوم من تهديد امن غذائي وامن صحي ، وتفاوت بين الغنى والفقر، وتفاوت بين الصحة والمرض على صعيد الشعوب الارضية وليس على صعيد مجتمع بعينه، تلوث البيئة وانتشار الاوبئة واختلال التوازن الطبيعي الموروث في ارتفاع درجة حرارة الارض المستمر وهكذا بما لا يتوقف عنه التعداد والحصر.

بمعنى أن هذا التوازي بين العلم وقوانين الطبيعة وتعالقهما المشترك في محاولة تنظيم حياة الانسان بافضل ما يكون هو ممكن متاح دليل يدعم النظرية التي تذهب الى أن الطبيعة خلقت قوانينها المنتظمة ذاتيا، بمعنى الطبيعة لا تكون موجودة ادراكيا بالنسبة للانسان من غير طبيعة تحكمها قوانين ثابتة اكتشف الانسان بعضها بما يديم حياته لا بما يخرب قوانين الطبيعة. وينتفي وجود الطبيعة الحي في تجريدها من قوانينها العامة التي تحكمها من غير درايتها لا بفهمها ولا بأهمية امتلاكها لها.

كما ينفي هذا جدلية نقاشية أن القوانين التي تحكم الطبيعة قوانين ازلية في ثباتها ملازمة الطبيعة وجدت كمعطى الهي لا يمكن تغييره لا بمعجزات الدين ولا بمعجزات العلم. بما يجعل من ألحاد العلم حول موضوع المعجزات في توكيده عدم الايمان بها مهمة البرهنة على أهمية من اين امتلكت الطبيعة قوانينها الثابتة،؟ وكذا نفس الحال مع المؤمن الذي يؤمن بقدسية ما خلقه الرب من طبيعة ووضع لها قوانين ثابتة مما يرتب البرهنة على صحة هذا الادعاء بعيدا عن التسليم ببراهين المعجزات الخارقة..

- اذا تماشينا مع كل من ديفيد هيوم وبيرتراندرسل أن قوانين الطبيعة هي تصورات انسانية لمدركات (قوانين ) غير ثابتة لا تمتلكها الطبيعة من غير تخيّلات الانسان التصورية لها – وهذا مرفوض قطعا – فقوانين الطبيعة التي يصنعها الانسان أو يخترعها لا علاقة ترابطية في الغاء احدهما الاخر بمعنى ما يخترعه العلم لا يلغي قوانين طبيعية لا يعرف يقينا مصدرها مثل قنون الجاذبية ومفهوم الزمان على سبيل المثال. التي لا قدرة للطبيعة في امتلاكها لها بوعي منها لا تمتلكه كما لا يستطيع الانسان خلعها على الطبيعة من أجل ادراكها وأهميتها في بقاء الحياة على الارض.

- التصور الثالث اذا نحن صادرنا مقولة راسل أن المعجزة ليست من خلق الله فهنا نصطدم بحقيقة أن المعجزة الدينية لا تمتلك قيمة لها كما وردتنا عن الانبياء هي ما فوق انسانية ليس على المستوى الديني فقط بل على المستوى العقلي ايضا. اي أن خرق قوانين الطبيعة بالمعجزات لا أهمية لها، كون المعجزة تلتقي القانون الطبيعي في مصدر واحد هو الانسان ولا علاقة ولا دخل للخالق بها ولم يكلف الرب أحدا من البشر القيام بها.

- ويبقى السؤال المحيّر كيف نشأت المعجزات في تداخلها بصلب الايمان الديني وهل هي واقع محكوم به الانسان ويدركه العقل، أم هو وهم اسطوري رافق نشأته وملازمته الايمان الديني عصورا طويلة من الشد والجذب دونما الخروج بنتيجة. وهل الطبيعة اخترعت قوانينها الطبيعية من غير ادراك منها؟ وهل المعجزة تكليف من رب العالمين القيام بها في تدعيم الايمان به أم لتدعيم الايمان بمعجزات الانبياء؟ وهل المعجزات اساطير خرافية تطورت عبر العصور ام هي وقائع دينية حقيقية حدثت مصدرها الخالق وليس اجتهاد ذاتي يختص به الانبياء في تمكينهم القيام بالمعجزات الخارقة لقوانين الطبيعة الانسانية التي باتت اشكالية بحد ذاتها بمعزل عن تعالقها الشديد بالمعجزات بمن اوجد تلك القوانين الثابتة بالطبيعة التي تمكن العلم من اكتشاف بعضها واهميتها الكبيرة في حياة الانسان في عدم القدرة الانسانية خرقها الدائم، واشكالية من اوجد قوانين الطبيعة فيها وزرعها لتنظيم وضبط الطبيعة من جهة واهمية هذا الربط في تاثيره على حياة الانسان ليس على صعيد تدعيم الايمان الديني وانما على صعيد كافة مناحي حياة الانسان المتعالقة بالطبيعة بما لا قدرة على انفكاكهما حيث يترتب على مثل هذه الفرضية بالانفكاك ان لا يبقى شيء موجود اسمه طبيعة وكذلك لا يوجد بعدها شيء مخلوق يسكن الارض يسمى انسانا.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

..........................

هامش:

1- وليم رايت، تاريخ الفلسفة الحديثة، ترجمة محمود سيد احمد           مراجعة وتقديم امام عبد الفتاح امام ص 218

 

 

زهير الخويلديترجمة د. زهير الخويلدي


"في الوقت الحاضر، عندما تطرح إحدى الصحف سؤالاً على قرائها، فإن الأمر يتعلق بسؤالهم عن رأيهم في موضوع يكون فيه لكل فرد رأيه بالفعل: هناك خطر ضئيل لتعلم الكثير. في القرن الثامن عشر، فضلنا استجواب الجمهور حول المشاكل التي لم يكن لدينا إجابة لها بعد. لا أعرف ما إذا كان أكثر فعالية؛ كان أكثر متعة. ومع ذلك، وبفضل هذه العادة، نشرت دورية ألمانية، مجلة برلين الشهرية، في كانون الأول (ديسمبر) 1784، إجابة على السؤال: هل كان هناك تنوير 1؟ وكان هذا الجواب من كانط.

نص بسيط، ربما. لكن يبدو لي أن معه يدخل في تكتم تاريخ الفكر سؤالًا لم تستطع الفلسفة الحديثة الإجابة عليه، لكنها لم تنجح أبدًا في التخلص منه. وبصيغ مختلفة، ظلت تكرره منذ قرنين من الزمان. من هيجل إلى هوركهايمر أو هابرماس، عبر نيتشه أو ماكس فيبر، نادرًا ما توجد فلسفة لم تواجه، بشكل مباشر أو غير مباشر، نفس السؤال: ما هذا الحدث الذي نسميه إذن تنوير ومن الذي قرر، على الأقل جزئيًا، ما نحن عليه، وماذا نفكر وماذا نفعل اليوم؟ تخيل أن مجلة برلين الشهرية لا يزال موجودًا حتى اليوم ويطرح على قرائه السؤال التالي: "ما هي الفلسفة الحديثة؟" "؛ ربما يمكننا أن نرددها: الفلسفة الحديثة هي التي تحاول الإجابة على السؤال الذي بدأ قبل قرنين من الزمان بمثل هذه الحماقة: هل كان هناك تنوير؟

دعونا نتطرق لبضع لحظات حول هذا النص بقلم كانط. لعدة أسباب، فإنه يستحق الاهتمام

1) على هذا السؤال نفسه، كان موسى مندلسون قد أجاب للتو في نفس الصحيفة، قبل شهرين. لكن كانط لم يعرف هذا النص عندما كتبه. بالطبع، ليس من هذه اللحظة موعد لقاء الحركة الفلسفية الألمانية بالتطورات الجديدة للثقافة اليهودية. كان مندلسون على مفترق الطرق هذا لمدة ثلاثين عامًا تقريبًا مع ليسينج. ولكن حتى ذلك الحين، كان الأمر يتعلق بمنح حق المواطنة للثقافة اليهودية في الفكر الألماني - وهو ما حاول ليسينج القيام به في "حول اليهود"2 - أو مرة أخرى لتحديد المشكلات المشتركة للفكر اليهودي وبالنسبة للفلسفة الألمانية: هذا ما فعله مندلسون في "المحادثات حول خلود الروح"3. مع النصين المنشورين في مجلة برلين الشهرية، أدرك الألمان التنويريون واليهودية الحسكلة أنهما ينتميان إلى نفس القصة؛ إنهم يسعون إلى تحديد العملية المشتركة التي ينتمون إليها. وربما كانت طريقة للإعلان عن قبول مصير مشترك، نعرف ما هي المأساة التي ستقودها.

2) لكن هناك المزيد. يطرح هذا النص، في حد ذاته وضمن التقليد المسيحي، مشكلة جديدة.

إنها بالتأكيد ليست المرة الأولى التي يسعى فيها الفكر الفلسفي إلى التفكير في حاضره. لكن، من الناحية التخطيطية، يمكننا القول إن هذا التفكير قد اتخذ حتى ذلك الحين ثلاثة أشكال رئيسية

- يمكننا تمثيل الحاضر على أنه ينتمي إلى عصر معين من العالم، متميزًا عن الآخرين من خلال بعض الشخصيات المحددة، أو مفصولًا عن الآخرين بواسطة حدث درامي ما. وهكذا في أفلاطون في السياسة، يدرك المحاورون أنهم ينتمون إلى واحدة من تلك الثورات في العالم حيث تنقلب رأسًا على عقب، مع كل العواقب السلبية التي يمكن أن تترتب على ذلك.

- يمكن للمرء أيضًا أن يتساءل عن الحاضر لمحاولة فك رموز التحذير من حدث قادم. هنا لدينا مبدأ نوع من التأويل التاريخي الذي يمكن أن يقدمه أوغسطينوس كمثال.

- يمكننا أيضًا تحليل الحاضر كنقطة انتقال نحو فجر عالم جديد. هذا ما يصفه فيكو في الفصل الأخير من مبادئ فلسفة التاريخ4؛ ما يراه "اليوم" هو "الحضارة الأكثر اكتمالا المنتشرة بين الشعوب الخاضعة في معظمها لعدد قليل من الملوك العظماء"؛ إنها أيضًا "أوروبا مشرقة بحضارة لا تضاهى"، وفيرة أخيرًا "بكل الخيرات التي تشكل سعادة الحياة البشرية".

لكن الطريقة التي يطرح بها كانط مسألة التنوير مختلفة تمامًا - لا عصر العالم الذي ينتمي إليه المرء، ولا حدثًا يدرك المرء علاماته، ولا فجر الإنجاز. يعرّف كانط التنوير بطريقة سلبية تمامًا، مثل انتاج، "خروج"، "انبثاق". في نصوصه الأخرى عن التاريخ، يطرح كانط أحيانًا أسئلة عن الأصل أو يحدد النهاية الداخلية لعملية تاريخية. في النص الموجود على التنوير، يتعلق السؤال بموضوعية محضة. إنه لا يسعى إلى فهم الحاضر من كلي أو من استكمال مستقبلي. إنه يبحث عن اختلاف: ما الفرق الذي يقدمه اليوم مقارنة بالأمس؟

3) لن أخوض في تفاصيل النص الذي لا يكون دائمًا واضحًا للغاية على الرغم من إيجازه. أود ببساطة الاحتفاظ بثلاث أو أربع سمات تبدو مهمة بالنسبة لي لفهم كيف طرح كانط السؤال الفلسفي للحاضر.

يشير كانط على الفور إلى أن هذا "الخروج" الذي يميز التنوير هو عملية تحررنا من حالة "الأقلية". ويعني بكلمة "أقلية" حالة معينة من إرادتنا تجعلنا نقبل سلطة شخص آخر لقيادتنا في المجالات التي يكون من المناسب فيها استخدام العقل. يعطي كانط ثلاثة أمثلة: نحن في دولة أقلية عندما يحل كتاب ما مكان التفاهم، عندما يحل المرشد الروحي مكان الضمير، عندما يقرر الطبيب نظامنا الغذائي (لاحظ في ذلك أن يمكننا بسهولة التعرف على سجل ثلاثة نقاد، على الرغم من أن النص لا يذكر ذلك صراحة). في أي حال، يتم تعريف التنوير من خلال تعديل العلاقة الموجودة مسبقًا بين الإرادة والسلطة واستخدام العقل.

وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن كانط قدم هذا الناتج بطريقة غامضة إلى حد ما. يصفها بأنها حقيقة، عملية جارية؛ لكنه يقدمها أيضًا كمهمة والتزام. من الفقرة الأولى، يشير إلى أن المرء نفسه مسؤول عن وضعه كأقلية. لذلك يجب أن نتخيل أنه لن يكون قادرًا على الخروج منه إلا من خلال التغيير الذي سيؤثر عليه هو نفسه. بشكل ملحوظ، يقول كانط أن هذا التنوير له "شعار": لكن الشعار هو سمة مميزة يتم التعرف من خلالها على المرء؛ إنها أيضًا تعليمات نقدمها لأنفسنا ونقدمها للآخرين. وما هي هذه التعليمات؟  مارس التقويض، "تحلى بالشجاعة والجرأة على المعرفة". لذلك يجب أن نعتبر أن التنوير هي عملية يكون الرجال جزءًا منها بشكل جماعي وعمل شجاع يتم تنفيذه شخصيًا. كلاهما عناصر ووكيل لنفس العملية. يمكن أن يكونوا الفاعلين بقدر ما هم جزء منه؛ ويحدث إلى الحد الذي يقرر فيه الرجال أن يكونوا فاعلين تطوعيين.

تظهر الصعوبة الثالثة هناك في نص كانط. إنها تكمن في استخدام كلمة البشرية. نحن نعلم أهمية هذه الكلمة في المفهوم الكانطي للتاريخ. هل يجب أن نفهم أن الجنس البشري بأكمله هو الذي وقع في شرك عملية التنوير؟ وفي هذه الحالة، علينا أن نتخيل أن التنوير هو تغيير تاريخي يؤثر على الوجود السياسي والاجتماعي لجميع الرجال على وجه الأرض. أم يجب أن نفهم أن هذا تغيير يؤثر على ما يشكل إنسانية الإنسان؟ والسؤال الذي يطرح نفسه بعد ذلك ما هو هذا التغيير. مرة أخرى، لا تخلو إجابة كانط من بعض الغموض. على أي حال، تحت مظاهر بسيطة، إنه معقد للغاية.

يحدد كانط شرطين أساسيين للإنسان للخروج من أقليته. وهذان الشرطان روحاني ومؤسسي وأخلاقي وسياسي.

أول هذه الشروط أن يكون هناك تمييز واضح بين ما في الطاعة وما يأتي من استخدام العقل. لوصف كانط لفترة وجيزة حالة الأقلية، يستشهد بالتعبير الحالي: "أطع، لا تفكر": هذا، حسب قوله، هو الشكل الذي فيه الانضباط العسكري والسلطة السياسية، السلطة الدينية. لن تبلغ البشرية سن الرشد عندما لا يعود عليها أن تطيع، ولكن عندما يقال لها: "أطع، ويمكنك التفكير بقدر ما تريد". وتجدر الإشارة إلى أن الكلمة الألمانية المستخدمة هنا هي العاقلية؛ هذه الكلمة، التي نجدها أيضًا مستخدمة في النقاد، لا تشير إلى أي استخدام للعقل، بل إلى استخدام للعقل ليس له غاية أخرى غير نفسه. العاقلية هو العقل من أجل العقل. ويقدم كانط أمثلة، تافهة في المظهر أيضًا: دفع الضرائب، ولكن القدرة على التفكير بقدر ما تريد بشأن الضرائب، هذا هو ما يميز حالة الأغلبية؛ أو التأكيد، عندما يكون المرء راعياً، على خدمة الرعية، وفقاً لمبادئ الكنيسة التي ينتمي إليها المرء، ولكن للعقل كما يحب المرء بشأن الوثوقيات الدينية.

قد يعتقد المرء أنه لا يوجد شيء مختلف تمامًا في هذا عما يفهمه المرء، منذ القرن السادس عشر، من خلال حرية الضمير: الحق في التفكير كما يريد، بشرط أن يطيع المرء كما ينبغي. لكن هناك أن كانط يجلب تمييزًا آخر ويجعله يلعب بطريقة مفاجئة إلى حد ما. هذا هو التمييز بين الاستخدام الخاص والعام للعقل. لكنه يضيف على الفور أن العقل يجب أن يكون حراً في استخدامه العام وأنه يجب أن يخضع في استخدامه الخاص. وهو، على سبيل المصطلح، نقيض ما يسمى عادة بحرية الضمير.

لكن يجب أن نوضح قليلا. ما هو هذا الاستخدام الخاص للعقل، حسب كانط؟ ما هو المجال الذي تمارس فيه؟ يقول كانط إن الإنسان يستخدم عقله بشكل خاص عندما يكون "جزءًا من آلة"؛ وهذا يعني أنه عندما يكون لديه دور يلعبه في المجتمع ووظائف يجب أن يمارسها: أن يكون جنديًا، وأن يكون لديك ضرائب لدفعها، وأن يكون مسؤولاً عن رعية، وأن يكون مسؤولاً حكومياً، كل هذا يجعل الإنسان شريحة خاصة في المجتمع؛ وهكذا يجد نفسه في وضع محدد، حيث يجب عليه تطبيق القواعد والسعي وراء غايات معينة. لا يطلب كانط منا ممارسة الطاعة العمياء والغبية. لكن دعونا نستفيد من عقلنا المتكيف مع هذه الظروف المحددة؛ ومن ثم يجب أن يخضع العقل لهذه الغايات الخاصة. لذلك لا يمكن أن يكون هناك استخدام مجاني للعقل.

من ناحية أخرى، عندما نفكر فقط للاستفادة من عقلنا، عندما نفكر ككائن معقول (وليس كجزء من آلة)، عندما نفكر كعضو معقول في الإنسانية، إذن يجب أن يكون استخدام العقل مجانيًا وعامًا. وبالتالي فإن التنوير ليست فقط العملية التي يتم من خلالها ضمان حريتهم الشخصية في الفكر للأفراد. يوجد التنوير عندما يكون هناك تراكب للاستخدام الشامل والاستخدام المجاني والاستخدام العام للعقل.

الآن يقودنا هذا إلى السؤال الرابع الذي يجب أن يسأله كانط عن هذا النص. من المفهوم جيدًا أن الاستخدام العام للعقل (بصرف النظر عن أي غاية معينة) هو مسألة تخص الذات نفسها كفرد؛ من المفهوم أيضًا أن حرية هذا الاستخدام يمكن ضمانها بطريقة سلبية بحتة من خلال عدم وجود أي مقاضاة ضدها؛ ولكن كيف يمكن ضمان الاستخدام العام لهذا السبب؟ لا ينبغي أن يُنظر إلى التنوير، كما نرى، على أنها مجرد عملية عامة تؤثر على البشرية جمعاء؛ لا ينبغي أن يُنظر إليه على أنه التزام محدد للأفراد فقط: إنه يبدو الآن كمشكلة سياسية السؤال الذي يطرح نفسه، على أي حال، هو معرفة كيف يتخذ استخدام العقل الصغير الشكل العام الذي يحتاجه، وكيف يمكن ممارسة الجرأة على المعرفة في وضح النهار، بينما يطيع الأفراد تمامًا كما يفعلون. ممكن. ولكي ينتهي كانط، يعرض على فريدريك11، بشروط غير مستترة، نوعًا من العقد. ما يمكن أن يسميه المرء عقد الاستبداد العقلاني بالعقل الحر: الاستخدام العام والحر للعقل المستقل سيكون أفضل ضمان للطاعة، بشرط، مع ذلك، أن يكون المبدأ السياسي الذي يجب طاعته هو نفسه. حتى وفقًا للعقل الكوني.

دعونا نترك هذا النص هناك. لا أنوي اعتبارها على الإطلاق قادرة على تشكيل وصف مناسب للتنوير؛ ولا يوجد مؤرخ، كما أعتقد، يمكن أن يكتفي به لتحليل التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي حدثت في نهاية القرن الثامن عشر.

ومع ذلك، على الرغم من طابعه الظرفي، ودون الرغبة في إعطائها مكانًا مبالغًا فيه في عمل كانط، أعتقد أنه من الضروري التأكيد على الصلة الموجودة بين هذا المقال المختصر والكتب النقدية الثلاثة. يصف التنوير بأنه اللحظة التي تستخدم فيها البشرية عقلها الخاص، دون الخضوع لأي سلطة؛ ومع ذلك، فإن النقد ضروري في هذه اللحظة بالتحديد، لأن دوره هو تحديد الظروف التي يكون فيها استخدام العقل شرعيًا لتحديد ما يمكن للمرء أن يعرفه، وما هو ضروري. للقيام به وما يمكن أن نأمله. إنه استخدام غير مشروع للعقل يولد، مع الوهم، الدوغمائية والتغاير؛ من ناحية أخرى، عندما يكون الاستخدام المشروع للعقل محددًا بوضوح في مبادئه، يمكن ضمان استقلاليته. النقد بطريقة ما هو سجل العقل الذي أصبح رئيسيًا في التنوير؛ وعلى العكس من ذلك، فإن التنوير هو عصر النقد.

أعتقد أنه من الضروري أيضًا التأكيد على العلاقة بين نص كانط هذا والنصوص الأخرى المكرسة للتاريخ. تسعى هذه، في معظمها، إلى تحديد الغرض الداخلي للوقت والنقطة التي يتجه إليها تاريخ البشرية. ومع ذلك، فإن تحليل التنوير، من خلال تعريفه على أنه مرور البشرية إلى حالة الأغلبية، يضع الأخبار فيما يتعلق بهذه الحركة الشاملة واتجاهاتها الأساسية. ولكن، في نفس الوقت، يوضح كيف، في هذه اللحظة الحالية، كل واحد مسؤول بطريقة ما عن هذه العملية برمتها.

الفرضية التي أود طرحها هي أن هذا النص الصغير يقع بطريقة ما على مفترق طرق التفكير النقدي والتفكير في التاريخ. إنه انعكاس لكانط على أخبار شركته. لا شك أن هذه ليست المرة الأولى التي يقدم فيها الفيلسوف أسبابه للقيام بعمله في هذه اللحظة. ولكن يبدو لي أن هذه هي المرة الأولى التي يربط فيها الفيلسوف، بطريقة ضيقة وداخلية، معنى عمله بالنسبة إلى المعرفة، والتفكير في التاريخ وتحليل خاص للحظة. المفرد حيث يكتب وبسببه يكتب. يبدو لي أن التفكير في "اليوم" باعتباره اختلافًا في التاريخ وكدافع لمهمة فلسفية معينة هو حداثة هذا النص.

وبالنظر إلى الأمر بهذه الطريقة، يبدو لي أنه يمكننا التعرف على نقطة البداية فيه: الخطوط العريضة لما يمكن للمرء أن يسميه موقف الحداثة.

أعلم أننا غالبًا ما نتحدث عن الحداثة كعصر أو على الأقل كمجموعة من خصائص العصر؛ يتم وضعها في التقويم حيث يسبقها ما قبل الحداثة، ساذجة أو قديمة إلى حد ما، وتليها "ما بعد حداثة" غامضة ومقلقة. ثم نتساءل ما إذا كانت الحداثة تشكل استمرارًا للتنوير وتطورها، أو ما إذا كان ينبغي النظر إليها على أنها قطيعة أو انحراف عن المبادئ الأساسية للقرن الثامن عشر.

بالإشارة إلى نص كانط، أسأل نفسي ما إذا كان لا يمكننا اعتبار الحداثة كموقف أكثر من كونها فترة من التاريخ. أعني بالموقف طريقة تتعلق بالشؤون الجارية؛ اختيار طوعي يقوم به البعض؛ أخيرًا، طريقة في التفكير والشعور، وهي أيضًا طريقة للعمل والتوجيه، والتي في نفس الوقت تحدد الانتماء وتقدم نفسها كمهمة. قليلا، بلا شك، مثل ما أطلق عليه الإغريق نفس. وبالتالي، بدلاً من الرغبة في التمييز بين "الفترة الحديثة" وفترة "ما قبل" أو "ما بعد الحداثة"، أعتقد أنه سيكون من الأفضل البحث عن كيفية تطور موقف الحداثة، منذ نشأتها. وجدت في صراع مع مواقف "مكافحة الحداثة".

لتوصيف هذا الموقف من الحداثة بإيجاز، سوف آخذ مثالاً يكاد يكون ضروريًا: إنه يتعلق ببودلير، حيث أننا معه نتعرف عمومًا على أحد أكثر وعي الحداثة حدة في القرن التاسع عشر. مئة عام.

1) غالبًا ما نحاول وصف الحداثة بإدراك انقطاع الزمن: تمزق التقاليد، والشعور بالجدة، والدوار مما يحدث. وهذا بالضبط ما يبدو أن بودلير يقوله عندما يعرّف الحداثة بـ "المؤقت، الهارب، الوحدة"5. لكن، بالنسبة له، أن تكون حديثًا لا يعني الاعتراف بهذه الحركة الدائمة وقبولها؛ على العكس من ذلك، هو تبني موقف معين تجاه هذه الحركة. وهذا الموقف الطوعي الصعب يتمثل في إعادة استيعاب شيء أبدي لا يتجاوز اللحظة الحالية ولا وراءها، بل يتعدى فيها. تتميز الحداثة عن الموضة التي تتبع مجرى الزمن ببساطة؛ إنه الموقف الذي يسمح لنا بفهم ما هو "بطولي" في اللحظة الحالية. الحداثة ليست حقيقة حساسة للحاضر العابر. إنها رغبة في "بطلة" الحاضر.

سأكتفي باقتباس ما قاله بودلير عن رسم الشخصيات المعاصرة. يضحك بودلير على هؤلاء الرسامين الذين وجدوا زي رجال القرن التاسع عشر قبيحًا جدًا، وأرادوا فقط تمثيل توغاس القديمة. لكن حداثة الرسم لن تتمثل بالنسبة له في إدخال الملابس السوداء في اللوحة. سيكون الرسام المعاصر هو الشخص الذي يُظهر معطف الفستان الداكن على أنه "العادة الضرورية في عصرنا". إنه الشخص الذي سيعرف كيف يُظهر، بهذه الطريقة اليوم، العلاقة الجوهرية والدائمة والوسواس التي يتمتع بها عصرنا مع الموت. "لا يقتصر جمال المعطف الأسود والمعطف الفستان على جمالهما الشعري، الذي هو تعبير عن المساواة الشاملة، بل يمتازان أيضًا بجمالهما الشعري الذي هو تعبير عن الروح العامة؛ موكب هائل من متعهدو دفن الموتى والسياسيين والعشاق والبرجوازيين. نحتفل جميعًا ببعض الجنازات 6. "لتعيين هذا الموقف من الحداثة، يستخدم بودلير أحيانًا تعبيرًا بسيطًا مهمًا للغاية، لأنه يأتي في شكل مبدأ:" ليس لديك الحق في احتقار الحاضر. "

2) إن هذه البطولة أمر مثير للسخرية بالطبع. ليس بأي حال من الأحوال، في موقف الحداثة، تقديس اللحظة الفاصلة لمحاولة الحفاظ عليها أو إدامتها. وفوق كل شيء، لا يتعلق الأمر بجمعها كفضول عابر ومثير للاهتمام: سيكون هذا ما يسميه بودلير بموقف "التسكع". تكتفي النزهة بفتح العينين والانتباه والتجمع في الذاكرة. بالنسبة للرجل المتسكع، يعارض بودلير رجل الحداثة: "يذهب، يركض، يبحث. من المؤكد أن هذا الانسان، الذي يتمتع بخيال نشط، يسافر دائمًا عبر صحراء الناس العظيمة، له هدف أعلى من هدف المتسكع الخالص، وهو هدف أكثر عمومية، بخلاف المتعة العابرة. من الظرف. إنه يبحث عن ذلك الشيء الذي سنسمح لنا بتسميته بالحداثة. بالنسبة له، فإن الأمر يتعلق باستخراج ما يمكن أن تحتويه من الموضة وهو أمر شاعري في التاريخ. وكمثال على الحداثة، يقتبس بودلير المصمم كونستانتين جايز. على السطح، فلانور، جامع الفضول ؛ يبقى "آخر مكان يمكن أن يسطع فيه الضوء، يتردد صدى بالشعر، يعج بالحياة، الموسيقى المهتزة، أينما يمكن للعاطفة أن تضع عينها، أينما يظهر الإنسان الطبيعي وانسان الاتفاقية العجيبة عن الجمال، حيثما تضيء الشمس أفراح الحيوانات الفاسدة السريعة 7 ".

لكن لا تكن مخطئا. قسطنطين جايز ليس متعطلا. ما يجعله، في نظر بودلير، الرسام الحديث بامتياز، هو أنه في الوقت الذي ينام فيه العالم كله، يشرع في العمل ويغيره. التجلي الذي لا يعني إلغاء الواقع، بل اللعبة الصعبة بين حقيقة الواقع وممارسة الحرية؛ تصبح الأشياء "الطبيعية" "أكثر من طبيعية" هناك، وتصبح الأشياء "الجميلة" "أكثر من جميلة" وتظهر الأشياء الفردية "تنعم بحياة حماسية مثل روح المؤلف" 8. بالنسبة لموقف الحداثة، فإن القيمة العالية للحاضر لا تنفصل عن التصميم على تخيله، وتخيله بخلاف ما هو عليه، وتحويله ليس من خلال تدميره، ولكن من خلال الاستيلاء عليه في هذا. هذا هو. الحداثة بودليرية هي ممارسة يتم فيها مواجهة الاهتمام الشديد بالواقع بممارسة الحرية التي تحترم هذا الواقع وتنتهكه.

3) ومع ذلك، بالنسبة لبودلير، الحداثة ليست مجرد شكل من أشكال العلاقة مع الحاضر؛ إنه أيضًا نمط من العلاقات يجب أن يؤسس مع الذات. يرتبط الموقف الطوعي للحداثة بالزهد الأساسي. كونك حديثًا لا يعني قبول نفسك كما أنت في تدفق اللحظات العابرة؛ هو اعتبار المرء نفسه موضوعًا لتوضيح معقد وصعب: ما أطلق عليه بودلير، وفقًا لمفردات ذلك الوقت، "الغندبية". لن أتذكر الصفحات المشهورة جدًا: تلك التي تتحدث عن الطبيعة "الفظيعة، الأرضية، القذرة"؛ أولئك الذين هم على تمرد الإنسان الذي لا غنى عنه في علاقته به؛ هذا على "عقيدة الأناقة" التي تفرض "على طوائفها الطموحة والمتواضعة" نظامًا أكثر استبدادًا من أفظع الأديان؛ الصفحات أخيرًا عن زهد الغندور الذي يجعل جسده وسلوكه ومشاعره وهواياته ووجوده عملاً فنياً. الإنسان المعاصر، بالنسبة لبودلير، ليس هو الشخص الذي يسعى لاكتشاف نفسه وأسراره وحقيقته المخفية؛ هو الذي يريد أن يخترع نفسه. هذه الحداثة لا تحرر الإنسان في كيانه. إنها تلزمه بمهمة تطوير نفسه.

4) أخيرًا، سأضيف كلمة واحدة فقط. هذه البطولة الساخرة للحاضر، لعبة الحرية هذه مع حقيقة تجليها، هذا التفصيل الذاتي الزاهد، لا يتصور بودلير أنه يمكن أن يكون لهم مكان في المجتمع نفسه أو في الجسم السياسي. يمكن أن تحدث فقط في مكان آخر غير الفن الذي يطلق عليه بودلير.

لا أدعي أن ألخص في هذه السمات القليلة لا الحدث التاريخي المعقد الذي كان التنوير في نهاية القرن الثامن عشر، ولا الموقف من الحداثة في الأشكال المختلفة التي ربما تكون قد اتخذتها على مر السنين. القرنين الماضيين.

أردت، من ناحية، أن أؤكد على التجذر في التنوير لنوع من الأسئلة الفلسفية التي تثير إشكالية العلاقة بالحاضر، والنمط التاريخي للوجود وتكوين الذات كذات مستقلة. ؛ من ناحية أخرى، أردت أن أؤكد أن الخيط الذي يمكن أن يربطنا بهذه الطريقة بـالتنوير ليس الإخلاص لعناصر العقيدة، بل بالأحرى إعادة التنشيط الدائم للموقف ؛ أي لروح فلسفية يمكن وصفها بأنها نقد دائم لكياننا التاريخي. هذه هي الروح التي أود أن أصفها بإيجاز شديد.

أ- سلبا. 1) تشير هذه الروح أولاً وقبل كل شيء إلى أننا نرفض ما أسميه بكل سرور "الابتزاز" في التنوير. أعتقد أن التنوير، كمجموعة من الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية والثقافية، التي ما زلنا نعتمد عليها إلى حد كبير، تشكل مجالًا متميزًا للتحليل. أعتقد أيضًا أنه، كتعهد لربط تقدم الحقيقة وتاريخ الحرية بربط مباشر، فقد صاغ سؤالًا فلسفيًا لا يزال مفتوحًا أمامنا. أعتقد أخيرًا - لقد حاولت إظهار هذا فيما يتعلق بنص كانط - أنها حددت طريقة معينة للتفلسف.

لكن هذا لا يعني أنه يجب أن تكون مع أو ضد التنوير. هذا يعني على وجه التحديد أنه يجب علينا رفض أي شيء قد يأتي في شكل بديل تبسيطي وسلطوي: أو تقبل التنوير، وتبقى في تقليد عقلانيتها (التي يعتبرها البعض على أنها إيجابيًا ومن قبل الآخرين على العكس من ذلك كتوبيخ)؛ أو تنتقد التنوير ثم تحاول الهروب من مبادئ العقلانية هذه (التي يمكن أن تؤخذ مرة أخرى في جزء جيد أو سيء). وليس الخروج من هذا الابتزاز لإدخال الفروق الدقيقة "الديالكتيكية" من خلال السعي إلى تحديد ما يمكن أن يكون جيدًا وسيئًا في التنوير.

يجب أن نحاول تحليل أنفسنا ككائنات حددها تاريخيا التنوير إلى حد ما. وهذا يعني سلسلة من الاستطلاعات التاريخية دقيقة قدر الإمكان؛ ولن يتم توجيه هذه الاستفسارات بأثر رجعي نحو "النواة الأساسية للعقلانية" التي يمكن العثور عليها في التنوير والتي يجب حفظها في أي حال؛ سوف يتم توجيههم نحو "الحدود الفعلية لما هو ضروري": أي ما هو غير ضروري أو لم يعد ضروريًا لتشكيل أنفسنا كذوات مستقلة.

2) هذا النقد الدائم لأنفسنا يجب أن يتجنب الخلط السهل دائمًا بين الإنسانية والتنوير. لا ينبغي أن ننسى أبدًا أن التنوير هو حدث أو مجموعة من الأحداث والعمليات التاريخية المعقدة، والتي حدثت في مرحلة معينة من تطور المجتمعات الأوروبية. تتضمن هذه المجموعة عناصر التحولات الاجتماعية، وأنواع المؤسسات السياسية، وأشكال المعرفة، ومشاريع ترشيد المعرفة والممارسات، والتغيرات التكنولوجية التي يصعب تلخيصها في كلمة واحدة، حتى لو كانت كثيرة. من هذه الظواهر لا تزال مهمة اليوم. الشخص الذي لاحظته والذي يبدو لي أنه كان مؤسس شكل كامل من التفكير الفلسفي يتعلق فقط بنمط العلاقة الانعكاسية بالحاضر.

الإنسانية شيء آخر تمامًا: إنها موضوع أو بالأحرى مجموعة من الموضوعات التي عادت للظهور عدة مرات بمرور الوقت في المجتمعات الأوروبية؛ من الواضح أن هذه الموضوعات، المرتبطة دائمًا بالأحكام القيمية، قد اختلفت دائمًا كثيرًا في محتواها، وكذلك في القيم التي احتفظت بها. علاوة على ذلك، كانت بمثابة مبدأ حاسم للتمايز: كانت هناك إنسانية قدمت نفسها على أنها نقد للمسيحية أو للدين بشكل عام. كانت هناك إنسانية مسيحية في معارضة النزعة الإنسانية الزاهدة والأكثر تمركزًا (ذلك في القرن السابع عشر). في القرن التاسع عشر، كانت هناك نزعة إنسانية غير ثقة وعدائية وانتقادية فيما يتعلق بالعلم؛ وآخر من وضع [على العكس] أمله في نفس العلم. كانت الماركسية إنسانية، والوجودية والشخصية كانت كذلك؛ كان هناك وقت أيد فيه الناس القيم الإنسانية التي تمثلها الاشتراكية الوطنية، وعندما قال الستالينيون أنفسهم إنهم إنسانيون.

من هذا يجب ألا نستنتج أن كل ما يمكن أن يدعي أنه إنساني يجب رفضه؛ لكن الموضوع الإنساني في حد ذاته مرن للغاية ومتنوع للغاية وغير متسق للغاية بحيث لا يخدم كمحور للتفكير. ومن الحقائق أنه منذ القرن السابع عشر على الأقل، كان ما يسمى بالإنسانية ملزمًا دائمًا بأخذ دعمه من مفاهيم معينة للإنسان مستعارة من الدين والعلم، السياسة. تعمل الإنسانية على تلوين وتبرير مفاهيم الإنسان التي هو ملزم باللجوء إليها.

لكن، أعتقد أنه يمكننا معارضة هذا الموضوع، الذي غالبًا ما يتكرر ويعتمد دائمًا على الإنسانية، بمبدأ النقد والخلق الدائم لأنفسنا في استقلاليتنا: هذا هو - لقول مبدأ يقع في قلب الوعي التاريخي الذي كان لدى التنوير لنفسه. من وجهة النظر هذه أفضل أن أرى توترا بين التنوير والإنسانية أكثر من هوية.

على أية حال، فإن إرباكهم يبدو خطيراً بالنسبة لي. وعلاوة على ذلك غير دقيقة تاريخيا. إذا كانت مسألة الإنسان، والجنس البشري، والإنساني مهمة طوال القرن الثامن عشر، فمن النادر جدًا، على ما أعتقد، أن التنوير اعتبر نفسه على أنه إنسانية. من الجدير بالذكر أيضًا أنه طوال القرن التاسع عشر، كان التأريخ التاريخي للإنسانية في القرن السادس عشر، والذي كان مهمًا جدًا لأشخاص مثل سانت بوف أو بوركهارت، دائمًا متميزًا وفي بعض الأحيان معارضة صريحة. في عصر التنوير وفي القرن الثامن عشر. كان القرن التاسع عشر يميل إلى معارضتهم، على الأقل بقدر ما يربكهم.

على أي حال، أعتقد أنه، مثلما هو ضروري للهروب من الابتزاز الفكري والسياسي "أن نكون مع أو ضد التنوير"، من الضروري الهروب من الارتباك التاريخي والأخلاقي الذي يمزج بين موضوع الإنسانية ومسألة التنوير. إن تحليل علاقاتهم المعقدة على مدى القرنين الماضيين سيكون عملاً يتعين القيام به، وهو أمر مهم لكشف القليل من وعينا بأنفسنا وماضينا.

ب. إيجابيا. ولكن، مع أخذ هذه الاحتياطات في الاعتبار، من الواضح أننا يجب أن نعطي محتوى أكثر إيجابية لما يمكن أن يكون أخلاقيات فلسفية تتكون من نقد لما نقوله ونفكر به ونفعله، من خلال أنطولوجيا تاريخية لأنفسنا.

1) يمكن وصف هذه الروح الفلسفية بأنها موقف مقيد. إنه ليس سلوك رفض. علينا الهروب من بديل الخارج والداخل. عليك أن تكون على الحدود. النقد هو في الواقع تحليل للحدود وانعكاس عليها. لكن إذا كان السؤال الكانطي هو معرفة ما هي الحدود التي يجب أن تتخلى عنها المعرفة عن العبور، يبدو لي أن السؤال المهم، اليوم، يجب أن يتحول إلى سؤال إيجابي: فيما يُعطى لنا باعتباره عالميًا وضروريًا وإجباريًا، وماذا؟ هو نصيب ما هو فردي وعرضي وبسبب قيود اعتباطية. باختصار، إنها مسألة تحويل النقد الممارس في شكل التقييد الضروري إلى نقد عملي في شكل عبور محتمل.

هذا، كما نرى، يستلزم عواقب عدم ممارسة النقد في البحث عن هياكل رسمية ذات قيمة كونية، ولكن كتحقيق تاريخي من خلال الأحداث التي دفعتنا إلى تشكيل أنفسنا لنعترف بأنفسنا كذوات. عما نفعله، نفكر، نقول. بهذا المعنى، هذا النقد ليس متعاليًا، ولا يهدف إلى جعل الميتافيزيقيا ممكنة - إنه أصل في نهايته وأثري في منهجه. أثرية - وليست متعالية - بمعنى أنها لن تسعى إلى تحرير الهياكل العالمية من كل المعرفة أو كل عمل أخلاقي ممكن؛ ولكن التعامل مع الخطابات التي تعبر عما نفكر فيه ونقوله ونفعله مثل العديد من الأحداث التاريخية. وسيكون هذا النقد نسبيًا بمعنى أنه لن يستنتج من شكل ما نحن عليه ما يستحيل علينا فعله أو معرفته؛ لكنه سيتحرر من الصدفة التي جعلت منا ما نحن عليه من إمكانية عدم وجود أو فعل أو التفكير فيما نحن عليه أو نفعله أو نفكر فيه.

إنه لا يسعى إلى جعل الميتافيزيقا التي أصبحت علمًا في النهاية. إنها تسعى إلى إعادة إطلاق العمل غير المحدود للحرية إلى أقصى حد وأوسع نطاق ممكن.

2) ولكن حتى لا تكون مجرد مسألة تأكيد أو حلم فارغ للحرية، يبدو لي أن هذا الموقف التاريخي النقدي يجب أن يكون أيضًا موقفًا تجريبيًا. أعني أن هذا العمل الذي يتم القيام به في حدودنا يجب أن يفتح من ناحية مجالًا للتحقيقات التاريخية ومن ناحية أخرى يتم اختباره للواقع والشؤون الجارية، لفهمهما. النقاط التي يكون فيها التغيير ممكنًا ومرغوبًا فيه ولتحديد الشكل الدقيق الذي يجب إعطاؤه لهذا التغيير. هذا يعني أن هذه الأنطولوجيا التاريخية لأنفسنا يجب أن تبتعد عن كل هذه المشاريع التي تدعي أنها عالمية وجذرية. في الواقع، نعلم من التجربة أن المطالبة بالهروب من نظام الأخبار من أجل توفير برامج شاملة لمجتمع آخر، وطريقة أخرى في التفكير، وثقافة أخرى، ورؤية أخرى في العالم أدت في الواقع إلى تجديد أخطر التقاليد.

أفضل التحولات الدقيقة للغاية التي حدثت خلال العشرين عامًا الماضية في عدد معين من المجالات التي تتعلق بأساليبنا في الوجود والتفكير، وعلاقات السلطة، والعلاقات بين الجنسين، والطريقة التي ندرك بها الجنون أو المرض، أنا أفضل تلك التحولات الجزئية التي حدثت في ارتباط التحليل التاريخي والموقف العملي لوعود الإنسان الجديد التي كررتها أسوأ الأنظمة السياسية طوال القرن العشرين.

لذلك سأصف الروح الفلسفية المناسبة للأنطولوجيا النقدية لأنفسنا على أنها اختبار تاريخي عملي للحدود التي يمكننا تجاوزها، وبالتالي عمل أنفسنا على أنفسنا ككائنات حرة.

3) لكن بلا شك سيكون من المشروع تمامًا تقديم الاعتراض التالي: حصر نفسه في هذا النوع من التحقيقات أو الاختبارات التي تكون دائمًا جزئية ومحلية، لا يوجد خطر في لتحديد الهياكل الأكثر عمومية التي لا يجازف المرء بعدم امتلاك ضمير أو سيطرة عليها.

إجابتان على ذلك. صحيح أننا يجب أن نتخلى عن الأمل في الوصول إلى وجهة نظر يمكن أن تمنحنا الوصول إلى المعرفة الكاملة والنهائية لما قد يشكل حدودنا التاريخية. ومن وجهة النظر هذه، فإن الخبرة النظرية والعملية التي نمتلكها عن حدودنا وتجاوزها المحتمل دائمًا ما تكون محدودة ومحددة وبالتالي يجب البدء بها من جديد.

لكن هذا لا يعني أنه لا يمكن القيام بكل العمل إلا في حالة الفوضى والطوارئ. هذا العمل له عموميته ونظامه وتجانسه وحصته.

حصتها. يشار إليها بما يمكن أن نطلق عليه "التناقض (في العلاقات) بين القدرة والقوة". نحن نعلم أن الوعد العظيم أو الأمل العظيم للقرن الثامن عشر، أو جزء من القرن الثامن عشر، كان في النمو المتزامن والمتناسب للقدرة التقنية على توجيه الأشياء، ولحرية الأفراد. بالمقارنة مع غيرها. علاوة على ذلك، يمكننا أن نرى أنه عبر تاريخ المجتمعات الغربية (ربما يكون هناك جذر مصيرهم التاريخي الفريد - خاص جدًا، ومختلف تمامًا [عن الآخرين] في مساره وهكذا التعميم، الهيمنة على الآخرين) كان اكتساب القدرات والنضال من أجل الحرية عنصرين دائمين. ومع ذلك، فإن العلاقات بين نمو القدرات ونمو الاستقلالية ليست بالبساطة التي قد يعتقدها القرن الثامن عشر. تمكنا من معرفة أشكال علاقات القوة التي تم نقلها من خلال التقنيات المختلفة (سواء كانت إنتاج للأغراض الاقتصادية، أو مؤسسات لغرض اللوائح الاجتماعية، أو تقنيات الاتصال): كلا المجالين إن إجراءات التقييس الجماعية والفردية التي تمارس باسم سلطة الدولة أو مطالب المجتمع أو مناطق السكان هي أمثلة على ذلك. وبالتالي فإن التحدي هو: كيفية قطع الاتصال بين نمو القدرات وتكثيف علاقات القوة.

تجانس. الأمر الذي يؤدي إلى دراسة ما يمكن أن يسمى "المجموعات العملية". إنها مسألة اتخاذ مجال مرجعي متجانس، وليس التمثيلات التي يقدمها الرجال عن أنفسهم، وليس الشروط التي تحددهم دون علمهم. لكن ماذا يفعلون والطريقة التي يفعلون بها. وهذا يعني، أشكال العقلانية التي تنظم طرق عمل الأشياء (ما قد يسميه المرء جانبها التكنولوجي)؛ والحرية التي يعملون بها في هذه الأنظمة العملية، والرد على ما يفعله الآخرون، وتعديل قواعد اللعبة إلى حد معين (هذا ما يمكن أن نطلق عليه الجانب الاستراتيجي لهذه الممارسات). وبالتالي، فإن تجانس هذه التحليلات التاريخية النقدية مضمون من خلال هذا المجال من الممارسات مع جانبها التكنولوجي وجانبها الاستراتيجي.

كلمة تلخيص لإنهاء والعودة إلى كانط. لا أعرف ما إذا كنا سنبلغ سن الرشد. أشياء كثيرة في تجربتنا تقنعنا بأن الحدث التاريخي للتنوير لم يجعلنا نهرم؛ وأننا لسنا بعد. ومع ذلك، يبدو لي أنه يمكن للمرء أن يفهم هذا السؤال النقدي حول الحاضر وعلى أنفسنا الذي صاغه كانط أثناء التفكير في التنوير. يبدو لي أن هذه طريقة فلسفية لم تكن بلا أهمية أو فعالية خلال القرنين الماضيين. يجب اعتبار الأنطولوجيا النقدية لأنفسنا، بالطبع، ليس كنظرية أو عقيدة أو حتى مجموعة دائمة من المعرفة التي تتراكم؛ يجب أن يُنظر إليه على أنه موقف، أو روح، أو حياة فلسفية يكون فيها نقد ما نحن عليه بمثابة تحليل تاريخي للحدود الموضوعة علينا واختبار عبورها المحتمل.

يجب ترجمة هذا الموقف الفلسفي إلى عمل من التحقيقات المختلفة؛ هذه لها تماسكها المنهجي في الدراسة الأثرية والأنساب للممارسات التي تعتبر في وقت واحد نوعًا تكنولوجيًا من العقلانية وألعاب الحريات الاستراتيجية؛ لديهم تماسكهم النظري في تعريف الأشكال المفردة تاريخيًا التي تم فيها إشكالية العموميات الخاصة بعلاقتنا بالأشياء وبالآخرين وبأنفسنا. لديهم اتساق عملي في الحرص على وضع التفكير التاريخي النقدي في اختبار الممارسات الملموسة. لا أعرف ما إذا كان ينبغي أن يقال اليوم أن العمل النقدي لا يزال ينطوي على الإيمان بالتنوير. إنه يتطلب، كما أعتقد، العمل دائمًا على حدودنا، وهذا يعني العمل الصبور الذي يعطي شكلاً لنفاد صبر الحرية.

 

.......................

الهوامش:

[1] In Bertiniscbe Monatsschrift, décembre 1784, vol. IV, pp. 481‑491 « Qu'est‑ce que les Lumières? », trad. Wismann, in Œuvres, Paris, Gallimard, coll. «  Bibliothèque de la Pléiade », 1985, t. Il).

[2] Lessing (G.), Die Juden, 1749.

[3] Mendelssohn (M.), Phädon oder liber die Unsterblichkeit der Seele, Berlin, 1767, 1768, 1769.

[4]   Vico (G.), Principii di una scienza nuova d'interno alla comune natura delle nazioni, 1725 (Principes de la philosophie de l'histoire, trad. Michelet, Paris, 1835; rééd. Paris, & Colin, 1963).

[5]  Baudelaire (C.), Le Peintre de la vie moderne, in Œuvres complètes, Paris, Gallimard, coll. « Bibliothèque de la Pléiade », 1976, t. Il, p. 695.

[6] Id., «  De l'héroïsme de la vie moderne », op. cit., p.494.

[7] Baudelaire (C.), Le Peintre de la vie moderne, op. cit., pp. 693‑694.

[8] Ibid., P. 694.

المصدر:

Michel Foucault, Qu’est-ce que les Lumières ? Dits Ecrits Tome IV, texte n°339

الرابط:

http://foucault.info/documents/whatIsEnlightenment/foucault.questcequeLesLumieres.fr.html

 

حاتم حميد محسنكان التاريخ احد مجالات التحقيق الهامة لدى هيجل والتي اسيء فهمها، خاصة "اتجاهه الديالكتيكي" في فهم تطور المجتمع الانساني. سنعرض هنا اطارا مختصرا ومفيدا لنظرية هيجل التاريخية يبيّن ملائمتها للعصر الحديث.

تصنيف هيجل للتاريخ

في مقدمته لـ "محاضرات في فلسفة التاريخ (1837)"،  يرى هيجل ان هناك ثلاث طرق في عمل التاريخ. الاولى هي التاريخ الأصلي ويشير الى التفسير المباشر(من مصادر مباشرة) للأحداث والافعال والمواقف، يتم جمعها والتحقق منها من قبل المؤرخ ذاته. انها تتضمن التجارب الذاتية للمؤرخ كجزء من التاريخ الذي يسجله. يقول هيجل ان الهدف من التاريخ الأصلي هو خلق "تمثيل ذهني" للظاهرة. المؤرخون المعاصرون يسعون لتسجيل الأحداث الحالية والقريبة بدقة وإتقان مع التوضيح والتلخيص.

لكن وكما يكتب (Duncan Forbes) في مقدمته للمقدمة، "ان أول نوع بدائي وفطري للتاريخ (بدائي منطقيا) هو تاريخ أصلي" وهو بالكاد يكون تاريخا بقدر ما يمثل وحدة فورية بين وعي المؤرخين، هذا النوع من التاريخ المعاصر هو محدود بالضرورة". يرى فوربس انه من المستحيل ان يوفر المؤرخ الاصلي الكثير من النظرية او يفكر بشمولية عن الأحداث  التي شهدها فقط. وكما يلاحظ هيجل، التاريخ الاصلي يشكل "صورة عن الزمن" بدلا من ان يكون تحليلا اكاديميا لأحداث الماضي. يستفيد هيجل من ثيوسيدايس و هيرودوتس كمثال رئيسي عن المؤرخين الاصليين، طالما ان تفسيرهما يشكل "تاريخا شارك المؤرخ بروحه ". وبالنتيجة،  تفسيرهما يعبّر عن "الاقوال المأثورة والحكم لبلدهما، ولشخصيتهما،  ووعيهما للموقف السياسي، وطبيعتهما الروحية الاخلاقية، والمبادئ التي تشكل الاساس في الصراع وفي التصاميم ". لذا من خلال فحص هذا النوع من التاريخ،  نستطيع اكتساب فهم كبير للعادات الثقافية والمعتقدات والممارسات، ومن ثم نتغلغل الى جوهر فترة محددة. الخطابات المسجلة في التفسيرات التاريخية هي ذات قيمة متفردة في هذا الشأن، طالما هي تجسد زمانا ومكانا معينين، هي تشكل "افعالا فعالة في جوهرها"، وتزودنا باحساس بالتاريخ كما يتكشف في زمانه. انها لايمكن اعتبارها توضيحات فاترة  حول العملية التاريخية، بل كـ "اجزاء مكملة للتاريخ" سُجلت من قبل المؤرخين الذين يجسدون الوعي الثقافي للمتكلم. وكما يلاحظ هيجل في مقدمته، "الخطابات هي افعال تجري بين الناس، انها حقا افعال هامة جدا .. الخطابات التي تصدر من امم ذاتها او من ملوكها على المستوى الوطني والدولي، هي افعال وهي بهذا شيء ضروري للتاريخ (وخاصة التاريخ المبكر)".

طبقا لهيجل، من الممكن التمييز بين ثلاث مراحل للتاريخ الأصلي. في العصور القديمة، كان رجال الدولة او كتبتهم هم من يسجل التاريخ. واثناء العصور الوسطى، كان الرهبان هم من لعب ذلك الدور، لأنهم كان لديهم الوقت والتعليم الكافيين لتسجيل العالم من حولهم. لاحظ هيجل في زمانه ان "كل هذا قد تغير .. ثقافتنا حوّلت فورا كل الأحداث الى تقارير للتمثيل الذهني".

النوع الثاني من التاريخ الذي ناقشه هيجل هو التاريخ النظري reflective history . على خلاف التاريخ الأصلي،  التاريخ النظري غير محدد باطار زمني. انه يتجاوز الثقافة الحالية. هو يحاول إعطاء ملخص للتاريخ او للأحداث التاريخية التي حدثت سلفا، بمعنى آخر، يسجل ثقافة معينة او بلد او فترة معينة.

هيجل يفصل التاريخ النظري الى تاريخ عالمي، وتاريخ برجماتي، وتاريخ نقدي، وتاريخ تخصصي. التاريخ العالمي يهدف الى توفير تاريخ كلي للناس وحتى للعالم. في حالة تاريخ العالم،  يجب ان تتكثف أحداث هامة في بيانات مختصرة وان الافكار الخاصة للمؤلف هي جزء مكمل للتفسير. التاريخ البرجماتي تقف خلفه  نظرية او ايديولوجية، حيث تكون الاحداث "مرتبطة بنموذج واحد في معناها العالمي والباطني". التفسير البرجماتي ايضا له علاقة كبيرة بالتفكير في العملية التاريخية، وليس فقط حول الابلاغ عما حدث اثناء فترة معينة.

 التاريخ النقدي النظري يرتكز على البحث في دقة التفسيرات التاريخية، ويعرض توضيحات بديلة وروايات. هيجل هو ذاته نقدي  لهذا النوع من التاريخ، الذي يبدو ينتزع خطابا جديدا من التفسيرات القائمة. هو يعتقد ان هذه طريقة بسيطة وغير مفيدة لإنجاز "الواقعية"، او، الفهم في التاريخ طالما هي تستبدل الحقائق بانطباعات ذاتية وتسمي هذه الانطباعات واقعا.

النوع الأخير من التاريخ النظري طبقا لهيجل هو "التاريخ التخصصي". وهو يركز على موضوعات تاريخية خاصة،  مثل تاريخ الفن او القانون او الدين.

التاريخ والعقل

الطريقة الثالثة لدى هيجل في عمل التاريخ هي التاريخ الفلسفي، حيث يعطي اولوية للفكر على التعليق على الاحداث، يربط المفاهيم الفلسفية والافكار  بمعلومات تاريخية. هيجل ذاته يقوم بهذا النوع من الفعالية عندما يجادل بان عملية التاريخ الانساني هي عملية الاعتراف الذاتي المسترشدة بـ "مبادئ العقل".

بالنسبة لهيجل، الطبيعة هي تجسيد للعقل،  في نفس الطريقة التي تكافح بها الطبيعة نحو زيادة التعقيدية والانسجام، كذلك تفعل روح العالم من خلال العملية التاريخية. فلاسفة ما قبل سقاط مثل اناكسوغراس (500-428 ق.م) كان اول شخص يجادل بان العقل او الفهم هو بالنهاية يحكم العالم ليس كذكاء وانما كجوهر اساسي للوجود. يؤكد هيجل على اهمية هذا التمييز، مستعملا النظام الشمسي كمثال. هو يكتب "ان حركة النظام الشمسي تجري طبقا لقوانين ثابتة، هذه القوانين هي عقله. ولكن لا الشمس ولا الكواكب التي تدور حولها لديها اي وعي بتلك القوانين. وهكذا، فان الفكرة بوجود عقل في الطبيعة، وان الطبيعة تُحكم بقوانين عالمية ثابتة، هي ليست غريبة،  نحن اعتدنا عليها  .."(العقل في التاريخ).

كذلك، يرى هيجل ان دليل العقل ينكشف من خلال الحقيقة الدينية، التي تبيّن ان العالم محكوم ليس بالصدفة وانما بعناية الهية. في اللحظات العميقة من الاستيعاب الروحي، نأتي الى ادراك ان النظام الالهي يوجّه العالم. العناية الالهية هي حكمة توهب بقوة لامتناهية تدرك غرضها، اي، المطلق، العقلاني، الهدف النهائي للعالم، العقل هو "فكرة تقرر نفسها في حرية مطلقة" . هيجل يقترح ان العديد من مراحل التاريخ الانساني تبدو غير عقلانية ورجعية لأن المجتمع مكون من افراد يسترشدون بالعواطف والحوافز والقوى الخارجية. ولكن خلف ما يبدو من عدم انتظام في التاريخ الانساني تكمن الخطة الالهية المختفية عن الانظار ومع ذلك تحقق ذاتها  خلال العملية التاريخية. وكنتيجة للعديد من الصراعات والثورات والتمردات التي مر بها المجتمع، فان الانسانية تحقق اكبر مظهر للعقل.

هيجل يذهب بعيدا في تطوير جداله ويقترح ان ادراك العقل في التاريخ يفيد ايضا كتبرير للايمان بالله. هو يعترف ان التاريخ يكشف مدى قسوة وسادية طبيعة الانسان، لكنه يؤكد على "الاعتراف بالعناصر الايجابية التي تختفي بها العناصر السلبية كشيء تابع ومهزوم". من خلال وعي العقل، نحن نعترف بان الهدف النهائي للعالم يتحقق تدريجيا من خلال تلك الأحداث التاريخية العرضية التي تؤدي الى تغييرات وتحولات ايجابية. بهذا المعنى، يعرض هيجل رؤية تقدمية عالية للتاريخ، متصورا تطور المجتمع الانساني كعملية ديناميكية تصبح فيها قدراتنا العقلية اكثر نقاءً ونضجا. ورغم وجود الشر في العالم، لكن العقل بالنهاية سينتصر.

التاريخ كتجلّي للروح

العناية لدى هيجل ليست عناية اله المسيح-اليهود. بل هيجل يرى ان التاريخ العالمي هو ذاته روح الاله في تجلّيها وعملها. يدّعي هيجل ان "الكل سيوافق بسهولة على الايمان بان الروح من بين صفات اخرى، وُهبت  الحرية .. الحرية هي بمثابة الروح للروح"(المقدمة). يرى هيجل ان التاريخ ينكشف كتحقق ذاتي للروح، وهو بالنهاية يحل ذاته في تجلّي لحرية الانسان الحقيقية من خلال أعلى شكل تحرري للحكومة. هو يرى ان الوعي الذاتي مرادف لحرية الروح،  الحرية هي وعي ذاتي طالما ان الوعي الذاتي  يعتمد على تحقّقه في الواقع، لذا يجب ان يخلق ذاته في حرية مطلقة. وفيما يتعلق في التاريخ، يرى هيجل ان التاريخ العالمي هو العرض النهائي للروح"في عملية معرفة ما هو ممكن"(المقدمة) وان ما هو ممكن  من حيث الجوهر، هو الحرية. هذا يفسر لماذا ذروة عملية التاريخ والتي هي تطوير الروح للمعرفة بذاتها هي المعرفة بالحرية المطلقة من خلال أعلى شكل حر لدولة سياسية. يستعمل هيجل امثلة تاريخية لإظهار العملية التي بواسطتها تصبح حرية الروح حقيقة خلال تاريخ الانسان. اولا، هو يزعم ان اصل الدولة ليس من خلال الدخول الحر للناس في "عقد اجتماعي" كما يجادل بذلك فلاسفة مثل هوبز. بل،  لتكون انسانا يعني ان تعيش في مجتمع من اناس آخرين، يتبعون قواعد اساسية وقوانين ومعتقدات. بكلمة اخرى، من المستحيل ان توجد الانسانية في ظروف ما قبل السياسة، لأن السياسة جزء اساسي من طبيعتنا.

طبقا للفهم الهيجلي، تمر السياسة عبر ثلاث مراحل: من العائلة (او القبيلة) الى المجتمع المدني،  الى الدولة. الدولة هي التجلّي النهائي للروح لأن تطورها يؤشر الى زيادة استقلالية الانسان. وكما يكتب هيجل، "حرية الطبيعة .. ليست شيء حقيقي، لأن الدولة هي اول ادراك للحرية"(المقدمة). هذا ناتج عن حقيقة ان اعضاء الدولة يتخلون عن فرديتهم لدعم حرية الجماعة ككل، وبالنسبة لهيجل، الحرية الحقيقية هي شعبية. يمكن توضيح هذا بالقول انه بدون دولة، ستصبح حقوق الفرد اساسية، مترافقة مع أعظم خير للانسانية وبالتالي أعظم حرية للروح.

يؤكد هيجل ان ثقافات التاريخ الأصلي، التي يسميها "شرقية" بما فيها الثقافة الفارسية القديمة والصينية، لن تنال المعرفة بالروح طالما هي اعتقدت ان الانسان ليس حرا بالنهاية. هو اعتقد ان الذهن الشرقي كان باتجاه الاستبداد: كانوا يعتقدون بان الناس يجب ان يحكمهم حاكم ديني او ملك مطلق. هذه الحرية هي فقط لشخص واحد وهو الحاكم. الاغريق كانوا واعين بالحرية، ورفضوا الاستبداد لأجل الديمقراطية التي هي الحرية السياسية لكل الناخبين. حريتهم جرت في ظل العبودية – وهي الحقيقة التي جعلت"الحرية من جهة فقط عرضية، سريعة الزوال ومحدودة النمو، ومن جهة اخرى، انها شكلت خضوعا صارما لطبيعتنا الانسانية المشتركة". لذا طبقا لهيجل، الامة الالمانية في ظل تاثير المسيحية كانت اول من ادرك ان الانسان يحوز على الرغبة الحرة. وحتى مع وجود العبودية في ظل المسيحية والانظمة السياسية اللاحقة، لكن فكرة الحرية الفردية اصبحت اساسية  للدول والحكومات والمؤسسات في الغرب اولا ثم في اماكن اخرى.

ديالكتيك هيجل

يرى هيجل ان التطور التاريخي يتقدم ليس في خط مستقيم "وانما بشكل حلزوني يتجه صعودا نحو النمو والتقدم. هذا يتم عندما يتبع الفعل رد فعل،  حيث سينتج انسجاما او مركبا من معارضة الفعل ورد الفعل" (الفرد، الدولة، الحرية السياسية في هيجل، Uchenna O sigwe,2014). واذا كان العديد من المفكرين السياسيين افترضوا ان التاريخ السياسي يسير من الملكية المطلقة الى الحكم الاستبدادي الى الديمقراطية، نرى هيجل اعتقد انه يسير من الحكم المطلق الى الديمقراطية الى الملكية الدستورية التي تضم خصائص كل من الحكم المطلق والديمقراطية بينما تتجاوز الاثنين. لذا يستعمل هيجل الاتجاه "الديالكتيكي" لفحص مسار التاريخ الانساني. الديالكتيك وُصف دائما بعبارات من الاطروحة معطيا دفعا لرد فعلها، على شكل نقيض يناقض او ينفي الاطروحة، ومن ثم التوتر بين الاثنين يُحل بوسائل من التركيب بينهما. المركب سيصبح اطروحة جديدة .. لكن هيجل لم يستخدم ابدا هذه المصطلحات الخاصة (التي هي بالأصل تُنسب لكانط).(1)

فكرة ان التاريخ يتبع اسلوب ديالكتيكي يمكن ملاحظته في العديد من السياقات الحديثة. الايديولوجيات الشيوعية (الاشتراكية) كانت رد فعل ضد الرأسمالية لكنها فشلت في خلق انظمة سياسية واجتماعية هامة  وادّت الى موت ملايين الناس حول العالم. ولكن بعد نهاية حربين عالميتين، تبنّت الدول الاوربية نظام الديمقراطية الليبرالية – وهو مركب من الاشتراكية والرأسمالية. وبينما الدولة مسؤولة عن حكم مظاهر معينة من المجتمع، مثل القانون او الجيش والخدمات الاساسية الاخرى، لكنها ايضا تعزز الشركات والتجارة الحرة. وبالنسبة لديالكتيك هيجل، ادّت التناقضات في الآراء بين الاشتراكية والرأسمالية الى مركب من الديمقراطية الليبرالية.

فرنسيس فوكاياما في كتابة نهاية التاريخ والانسان الاخير عام 1992، جادل لأجل مفهوم هيجل في نهاية التاريخ. طبقا لفوكاياما، التاريخ بلغ سلفا مرحلته الأخيرة التي انتهى بها الصراع الايديولوجي الديالكتيكي  وحلت محله ايديولوجية عالمية واحدة. وهكذا، عندما انهارت الانظمة الشيوعية في اوربا الشرقية ونظرت تلك الدول نحو الغرب،  اظهر هذا انتصار الليبرالية.

الدول الاوربية لم تتورط في اي صراع كبير مع بعضها منذ الحرب العالمية الثانية، وان اوربا منذ ذلك الوقت ازدهرت في ظل مبادئ الديمقراطية الليبرالية، اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا. بهذا المعنى، نالت رؤية هيجل في التاريخ كتطور تقدمي للحرية السياسية الدعم جزئيا بالأحداث التاريخية الأخيرة.

 

حاتم حميد محسن

.........................................................

الهوامش

Hegel’s understanding of history, Philosophy Now, oct-Nov 2020

(1) نظرية هيجل في الديالكتيك تشكل آخر نظام فلسفي عظيم. التاريخ هو عملية تضم كل شيء وكل شخص، انها عملية نشارك بها جميعا. الفكرة الجوهرية لهيجل هي ان التاريخ ليس مسألة تواريخ ومعارك وأحداث، وانما هو "منطق". انه حول الافكار والعقائد التي تتفاعل وتتطور من افكار اخرى، لأن الافكار تحكم كل شيء آخر. وبما اننا جميعنا جزء من العملية، فان الفلاسفة يمكنهم التفكير فقط ضمن حدود افقهم التاريخي. هذا يعني ان الفلسفة ذاتها مرتبطة بالتاريخ. هيجل يرى الفلسفة (زمانها مُدرك بالفكر). نحن لا نستطيع الوقوف خارج الزمن، ولا وجود هناك لعالم أبدي للعقل. التاريخ والفكر يبرزان مجتمعين، لذا فان ما نحاول فهمه هو بناء عضوي معقد، ومن الضروري معرفة كيف تترابط  اجزاؤه التي يسميها هيجل categories وهي سلسلة مفاهيم منطقية . ان الربط بين المفاهيم المنطقية يسمى الديالكتيك. وهذا عبارة عن نظام موضوعي متأصل في البناء العميق للأشياء، ويتميز بالتناقض. الديالكتيك ليس فقط طريقة لفهم التاريخ، وانما هو الطريقة التي تعمل بها الاشياء في العالم. انه ليس شيء يتم عمله وانما شيء يُكتشف. هيجل يقول ان للديالكتيك هيكل من ثلاث خطوات. التطور التاريخي يستلزم ثلاثة مفاهيم منطقية من A الى B الى C.هيجل يسمي A "الفوري"، وهي حالة قائمة بذاتها. حالما انت توضح A فانت يجب ان تشير الى نقيضها B الذي يسميه هيجل"السالب الاول". نحن ندرك ان A مرتبط بالضرورة مع نقيضه. B هو نفي لـ A لكنه ايضا A معدّل.انه يحتوي على عناصر من نقيضه.لكن هذا يقودنا الى المفهوم الثالث C الذي يسميه هيجل"السالب الثاني". لماذا؟ لأننا عندما نريد توضيح B نحن ندرك اننا يجب ان نشير الى A المعدّل سلفا، اي ان C هو نفي لـ B.العملية تشبه إلقاء قطعة من السكر في اناء ماء، حالما يذوب السكر سيبقى هناك فقط كلّ متجانس. انه متأصل في طبيعة المفاهيم التي تتناقض مع بعضها. يستخدم هيجل كلمة sublation او النفي وهي وصف لما يحدث في الحركة الديالكتيكية. اعتبر هيجل النفي جزء طبيعي من انكشاف الأحداث التاريخية، انه لا يصف فقط تصادم الايديولوجيات على نطاق تاريخي واسع، وانما هو جزء من الحياة اليومية للانسان.

 

 

علي محمد اليوسفيذهب جورج بيركلي (1685 – 1753) وهو فيلسوف ايرلندي من اصل انكليزي الى (أن وجود الشيء هو أن يكون مدركا في جميع الحالات، الا عندما يكون الوجود هو الادراك)1.

عبارة بيركلي هي نوع من الادراك الذاتي المثالي الذي يلغي الوجود واقعا ماديا حقيقيا مستقلا خارج الادراك الحسي العقلي. فهو يعتبره أما أن يكون شيئا مدركا صوريا تجريديا فكريا في الذهن، وأما أن يكون الوجود هو الادراك بذاته بلا ذات انسانية تدركه. أي أن ادراك الوجود لذاتيته هو ادراك الذات لنفسها ولا يكون مهما ارتباط الادراك بالعقل. وهنا يسقط بيركلي في حفرة الاوهام بفارق جوهري هو أن الوجود لا يمتلك أمكانية ادراك ذاته بذاته. كل الكائنات الارضية لا تمتلك ذاتا ادراكية تعي نفسها ولا المحيط بها كما لا تمتلك عقلا هو سيّد التفكير الادراكي للذات والطبيعة. الوجود مفهوم تجريدي عام ميتافيزيقي يستمد ماديته المعرفية من أدراكات المنظومة العقلية لموجوداته الداخلية فيه كمحتويات مستقلة بذاتها.

بمعنى ما يدركه العقل هو الوجود وما لا يدرك غير موجود خرافة وهمية لا يقول بها اليوم ابسط الناس المتعلمين. ولا يحدد بيركلي حين يكون الوجود هو الادراك بدلا من ذاتية الادراك العقلي، كيف يدرك الوجود ذاته وبدلالة ماذا غير ادراك العقل للوجود من حوله؟ وكيف يكون الادراك هو التفكير الذهني، وكيف يكون الوجود هو موضوع العقل الادراكي.؟ اذ كيف نستطيع تمييز ادراكنا الاشياء بالاحساسات المادية، في وقت يكون الوجود الخارجي هو ادراك العقل ذاته كموضوع مستقل لا يحد موجوداته اللانهائية ادراك العقل ولا حاجة لذلك؟

وهنا نؤكد مسألتين على خطل رأي بيركلي أن يمتلك الموضوع ادراكه معه الذي يجمله بالعبارة التالية أن ماهو موجود أما أن يكون مدركا بذاته أو أن يكون مدركا بدلالة غيره الذي هو الله ، وادراك الله للوجود كافيا أن يعجز عقل الانسان ادراكه:

- الموضوع لا يدرك نفسه ذاتيا والا فارق خاصية أن يكون موضوعا لغيره، ولأصبح الموضوع لا يحتاج أدراكا مغايرا من ذات مغايرة له هو لا يمتلكها...الذات التي تدرك نفسها بنفسها لا تتحقق الا بدلالة العقل وهو ما ينطبق على الانسان دون غيره من موجودات الوجود. التي اذا افترضنا انها تمتلك ذواتا مستقلة فهي تكون عاجزة عن ادركها لذاتها بلا عقل هي لا تمتلكه.

كما أن فرضية ما لا يدركه الانسان كفيل بادراكه الله لا يحل المشكلة فما يدركه الله ليس ضروريا ولا حتميا ادراكه من قبل الانسان حتى في حال قبول هذه الفرضية الخاطئة اساسا أن ادراك الله الاشياء هو تعويض كاف عدم ادراك الانسان لها.

- كل موضوع مدرك من ذات مغايرة له لا يكون عقلا لادراك ماهيته الوجودية كذات فهي لا تدرك ذاتها ولا تدرك وجودها بغياب عقل يدركها.. وهو ما ينطبق حتى على الانسان. فهو ذات وموضوع معا ولكن ادراكه لنفسه كذات مستقلة لا تتم بدلالة الموضوع المغاير لذاته بل بدلالة وعيه لذاته بعقله.، وكل ذات لا تمتلك عقلا تفكيريا لا تستطيع وعي ذاتها بذاتها كمدرك لا تعيه. أما الموضوع يكون مدركا بدلالة ذات مغايرة نوعيا له. ولا يوجد غير الانسان موضوعا يدرك ذاته بذاته. وهو ما لا ينطبق على موجودات الطبيعة وموجودات العالم من حولنا.

-  هل الادراك العقلي لموضوع الادراك بذاته يغني عن عدم ادراك الوجود خارج ادراك الذات لموضوعها المتعيّن وجودا دون غيره؟ بمعنى هل يعقل الوجود نفسه بعقل ذاتي منفرد لا يلتقي ولا يشابه عقل الانسان؟ وهذا يعني وعي الذات لنفسها هو ادراك الوجود لذاته وليس من وجود غيره يشغل الادراك العقلي به. وهل أغفال أدراك الوجود بموجوداته غير المدركة تكون كافية ومجزية للادراك العقلي الذاتي أن لا يشغله سوى الوجود نفسه كمدرك متعين بموضوعاته وليس كمفهوم غير متعين مجرد لا تدرك موجوداته الا بدلالة غيره؟ عندما يكون وعي الذات لنفسها هو الوجود بدلا أن يكون الوعي الخارجي هو برهان ادراك الذات؟ بمختصر العبارة يرى بيركلي أن عدم الحاجة للعقل الانساني أدراكه الوجود ، أنما يكون في ادراك الوجود من عقل اسمى وأرفع من عقل الانسان الناقص المحدود ذلك هو ادراك الله له. فعندما لا يدرك شخصا أو أكثر لموجود، فوجود ذلك الموجود انطولوجيا يتحقق بادراك الله خالقه له. وهذا النوع من ادراك الوجود هو الحقيقي والصالح بالحياة.أن ابسط رد على تخطئة بيركلي هو أن قضايا الوجود المادي في الطبيعة والانسان لا تحل بالاستعانة بمنطلقات فكرية ميتافيزيقية تصادر تفكير العقل المعرفي.

-  في مقابل هذه المثالية الفردية التي ترى الوجود هو ادراك عقلي ذاتي وليس ادراكا وجودا واقعيا مدركا مستقلا في عالم الموجودات والاشياء ، نجد من يذهب ماديا الى عدم وجود فكرة مجردة عن شيء لا يسبقها الوجود المادي الواقعي لذلك الشيء. والوجود الحقيقي للاشياء هو الذي يعطي الافكار حضورها، فالفكرة بلا موجود تعبّر عنه لا معنى لها ولن تكون حاصلة صادرة عن منظومة العقل الادراكية. وحتى الادراك على صعيد التفكير الخيالي يكون خيال الموضوع القبلي المستمد من الذاكرة سابقا على فكرة التعبير عنه بالكلمات التجريدية واللغة. .

يرى بيركلي الذهن هو عماد توصيل الادراك الشيئي للموجودات، والذهن عنده هو غير العقل، ومدركات الاشياء هي ذهنية قبل أن تكون عقلية. لكي نبسط هذا التداخل الفسلجي وعلاقته بادراك الوجود تحليليا لا بد لنا أن نذكر الادراك العقلي هو منظومة كاملة متداخلة في تعقيد وظائفي يتوجب تفكيكه وتخليصه من علاقته الازدواجية بالعقل من جهة وبموضوع الادراك من جهة أخرى.. فالادراك المادي للاشياء يبدأ بالاحساسات المنقولة عن الحواس بواسطة الجهاز العصبي الذي يستودع تلك التجريدات الحسية في الذهن علما أن الذهن لا يرتبط تفكيريا عضويا بمنظومة الادراك العضوية للعقل كوجود فيزيائي متعين يبدأ بالحواس ثم الاحساسات ثم الذهن فالجهاز العصبي ثم الدماغ. بل علاقة الذهن بالعقل او تحديدا بالدماغ هو علاقة تكافلية بفهم المدركات ويختلفان بالنوعية البيولوجية فالدماغ الذي هو الجزء الفاعل بالتفكير العقلي والادراك هو عضو بالجسم يشبه باقي الاعضاء مثل القلب والعين واليد وهكذا مما لا ينطبق على الذهن كمستودع استكمال وظيفة الدماغ والوعي في ادراك الاشياء ومقولة بيركلي الذهن ليس هو العقل صحيحة تماما. ليس بفارق الوظيفة الادراكية فقط بل بفارق التكوين البايولوجي لاعضاء الجسم التي لا تترابط عضويا مع الذهن كما في ارتباط الاعصاب، فالذهن ليس عضوا بايولوجيا من تكوينات اعضاء الجسم. بل هو حلقة توظيف بايولوجي لا يشكل موضوعا مدركا من العقل شأنه شان الزمان واللغة والتفكير والعواطف والاحاسيس وغيرها هي تجريدات للفكر وليست اعضاء مادية تنتمي لمنظومة جهاز الادراك العقلي الذي يتكون من اعضاء بيولوجية وليس من تجريدات متعالقة بها..

الذهن هو حلقة ازدواجية متعاكسة يتوزعها اتجاهان في توصيله تفكير الدماغ مصدره أحساسات العالم الخارجي من جهة واستقبال الذهن مخرجات التفكير العقلي التجريدي الصادرعن مقولات الدماغ في تفسيره مواضيع الادراك من جهة اخرى.... الذهن يدخل بدوره تلك الموجودات الخارجية التجريدية تصوريا في توسيله الاحساسات الانطباعية المنقولة له عن العالم الخارجي في علاقة جدلية مع الدماغ يجسّرها الجهاز العصبي في توصيل الفعل للدماغ واستقبال رد الفعل منه.

والذهن لا يمنح المخرجات الدماغية تفسيرها ومعنى ادراكها لموجودات العالم الخارجي ليس بدلالته الذاتية وانما بدلالة تفسير الدماغ لها..بمعنى الذهن وسيلة توصيل وليس وسيلة فهم وتفسير للمدركات. وهذه الحقيقة الفسلجية يوجد من ينكرها حين يعتبر الذهن هو تفكير الدماغ أو العقل بمدركاته، ولا يختلف وظيفيا في منظومة الادراك العقلي عن الوعي الذي هو بدوره تفكير مجرد مصدره العقل...فكلاهما الوعي والذهن لا يرتبطان بعلاقة عضوية بمنظومة الادراك العقلي لكن لا يمكن أستغناء العقل عنهما في ادراك وفهم الوجود كحلقتي توصيل ادراكي واسترجاعي ولا تكونان موضوعين يدركهما العقل ماهويا أو بالصفات.

هذه العملية التي أوجزناها ببساطة أختزالية تطرح علينا مجموعة من علامات الاستفهام والتساؤلات المشروعة، منها هل ينوب الذهن عن الوعي في منظومة الادراك العقلية ؟ هل الوعي ماهية غير مدركة بالنسبة للعقل هي نفسها ماهية الذهن كونها غير مدركة موضوعا عقليا مستقلا ايضا؟ وكيف يتم التمييز الوظائفي بين الاثنين الوعي والذهن؟ ونحن اذا حاولنا جعل كلا من الوعي أو من الذهن موضوعا يدركه العقل نقع في اشكال كبير هو كيف أجاز بيركلي لنفسه اعتبار الوجود بموجوداته الكلية هو ادراك ذاتي قائم منفردا لا يحتاج العقل لادراكه؟ حين جعلنا كلا من الوعي والذهن حلقتين في منظومة الادراك لكنهما ليسا موضوعين منفصلين يدركهما العقل.. كيف نجيز أمام هذه الاستحالة أن الوجود كاملا اذا ما تعذر ادراكه المادي يصبح هو موضوع العقل الادراكي ذاتيا في الذهن المجرد عن الواقع؟ وبأي آلية يتم ذلك ؟ هل تكفي الاحساسات تزويد العقل ما يرغبه العقل من معرفة ما تنقله له الحواس عن المدركات والاشياء؟ بعيدا عن مفردات الذهن والوعي غير الفيزيائية في نظام تشكيل الادراك العقلي.

الحقيقة البايولوجية العضوية المتماسكة التي تضم مجموع حلقات منظومة الادراك العقلي تضعنا امام استحالة الاستغناء عن وظيفة حلقة واحدة من تلك المنظومة المترابطة ادراكيا كوسيلة العقل الدخول في وعي العالم الخارجي جدليا تخارجيا. فوظيفة الذهن أو وظيفة الوعي لا يقلان أهمية عن الاحساسات المنقولة عبر الجهاز العصبي للدماغ بيولوجيا في وقت يكون الوعي أو الذهن مدركات عقلية تجريدية غير عضوية وليست مواضيع يدرك حقيقتها الماهوية العقل لا مواضيع ولا أعضاء بيولوجية تدخل في تركيبة عمل الدماغ الفسلجية كما هو الحال مع الجهاز العصبي.

لا يمكننا تمرير عدم صحة أن الوعي هو الذهن وكلاهما حلقتان مرتبطتان في منظومة العقل الادراكية. فالوعي هو غير الذهن اذا ما جاز لنا الفصل بينهما وظائفيا... فالوعي حلقة ناقلة ومستلمة معا للاحساسات غير التحليلية لماهية تلك الاحساسات المعبّرة عن المدركات الحسية المادية تفكيريا، الوعي بهذا المعنى هو ادراك مادي توصيلي للموجودات خارجي، بنفس وقت هو أدراك لمخرجات الدماغ حول الموضوع المدرك داخليا.

بينما يكون الذهن حلقة توسيط العقل بمدركاته ولا ينوب الذهن عن الدماغ في تحليل وتفسير تلك المدركات... الوعي ميزته أنه يدرك الاحساسات الواردة اليه من الحواس عن مدركاتها، ويستلم ردود افعال ومخرجات الدماغ لتكون بالنهاية تعبيرا فكريا لغويا تجريديا لتلك المدركات، وفي كلتا الحالتين لا يكون الوعي موضوعا لادراك العقل لكنه توسيطا وسيليا لادراكه. الحقيقة الاهم اننا لا يمكننا فصل وظائفية الذهن عن وظائفية الوعي في ترابطهما معا ضمن وحدة المنظومة الادراكية للعقل.

من المهم القول أن الوعي لا يكون موضوعا ادراكيا منفصلا لوحده عن العقل، وكذلك لا يمكننا الجزم أن الذهن لا يتداخل وظيفيا في تبادل ادراك العقل له كموضوع استبطاني لا يمكن معاملته بانفصالية ادراكية عن منظومة العقل كاملة وكذا نفس الشيء يكون مع الوعي فهو ليس موضوعا مدركا وحده للعقل منفصلا بل هو حلقة وصل لنقل الادراكات الحسية بدلالة العقل وكذلك هو الذهن.

اذن بماذا يختلف الوعي عن الذهن؟ الوعي ادراك تجريدي مزدوج في استلامه احساسات الحواس خارجيا من الواقع، وفي استلامه ردود افعال الدماغ عنها الصادرة له من تفكير الدماغ بموضوعاته، أذن الوعي حصيلة عملية ادراكية خارجية من جهة واستبطانية من جهة أخرى وكلتا العمليتين هما تجريد وظائفي بمعنى عدم ادراك الوعي موضوعا عقليا ولا ارتباطا عضويا يكون فيه الوعي موضوعا مستقلا للعقل.، بينما يكون الذهن علاقة ترابطية استبطانية مع الدماغ في معرفة وتفسير المدركات الواصلة لهما بعلاقته بوظيفة الدماغ الادراكية. الذهن لا يدرك الواقع الخارجي الا بوسيلة الاحساسات وتوصيلات الوعي لتلك الاحساسات له عبر الحواس ومنظومة الجهاز العصبي. وهو أيضا لا يكون موضوعا للعقل كما هو الوعي. كما لا يمكن فصلنا وعي الموضوع عن أدراكه ذهنيا بمعنى فاعلية أشتغال الوعي والذهن متكاملان في أستقبالهما الاحساسات المنقولة لهما عبر الحواس، ولا قيمة لهما خارج منظومة الادراك العقلي. وكل من الوعي والذهن حلقة توصيل الاحساسات للدماغ وليسا مصدر البت في تفسير تلك الاحساسات المدركة التي هي من وظيفة الدماغ والجهاز العصبي المرتبط به حصرا..

تساؤل أصبح واردا هل يمكننا فصل وعي العقل عن توسيط تفكيرالذهن بالموضوع الواحد؟ من المؤكد أن تكون الاجابة بالنفي. أذن أين يجري تفسير مدركات الحواس بالوعي أم بالذهن والاسبقية لمن؟ نجيب بمقاربة فلسفية عما يقوله تحليلنا الشخصي الفلسفي بعيدا عن علم وظائف الاعضاء الطبيعي، أن تفسير مدركات الحواس والرد عليها أنما يتم في تداخل توسيط الذهن نقل مدركاته في وصاية الدماغ عليه. وعندما نقول بوصاية الدماغ على الذهن وباقي حلقات المنظومة الادراكية للاشياء، كون الدماغ هو الجزء المادي من تكوين العقل الفيزيائي العضوي للانسان... على خلاف كلا من الوعي والذهن فهما حلقتان غير مدركتان ماديا فسلجيا وليسا موضوعين يدركهما العقل ماهويا انفصاليا عن بعضهما كما هو الحال مع تكوين الدماغ في أرتباطه بالعقل الذي هو المشغل الحقيقي في تفسير ومعرفة كل شيء يدركه الدماغ ويستقبله عبر الجهاز العصبي الوارد له ادراكات واحاسيس والصادر منه. بمعنى لا يحتاج تذكير به هوأن الدماغ جزء من العقل الكلي وفي أغلب الدراسات الفلسفية يكون الدماغ هو دلالة عن مقصود مرادف هو العقل وليس الدلالة على جزء منه. كون العقل لا يشغله الدماغ كمحتوى عضوي لوحده فقط...فالدماغ بما يحتويه من أعضاء فسلجية المخ والمخيخ مرتبطة به ومنظومة الجهاز العصبي والنخاع الشوكي والاحاسيس بمجموعها هو ما نطلق عليه العقل الفيزيائي بمعنى العقل المدرك كجهاز من أجهزة جسم الانسان الاخرى مثل جهاز التنفس والهضم والدورة الدموية وعمل القلب والجهاز التنفسي والجهاز العصبي وغيرها.

بيركلي ومنظومة العقل الادراكية

نتساءل ما هو جديد بيركلي حول الادراك؟ بيركلي على العكس من ديكارت وجون لوك اللذين يعتبرهما خاطئين " في أعتبارهما الفكرة والموضوع مختلفان، واثارا اشكالا مهما، هو كيف يمكن للافكار أن تشبه بصورة صحيحة موضوعات العالم الخارجي التي هي ليست افكارا؟ وقد اتخذ بيركلي منهما موقفا مضادا سمّي بالواحدية الابستمولوجية وليس الثنائية الابستمولوجية التي قالا بها ديكارت ولوك، اننا ندرك الموضوع الواقعي بالفعل ولا ندرك صورة ذلك الواقع،) 2

كما وجد البعض أن بيركلي كان مخطئا(في أعتباره الموضوع فكرة ذهنية في حين أن الموضوع الواقعي المدرك هو فكرة، يعني شيئا ذهنيا في حين أن الموضوع ليس ذهنيا على الاطلاق كون الذهن مجرد علاقة قد يدخل فيها الموضوع الواقعي ويخرج منها كما هو دون أن يتغير على الاطلاق، والنظر لأي موضوع لا يغير منه شيئا.)3

تعقيبنا التوضيحي لهذا التضاد نجمله بالاختصارات التالية:

- ثنائية ديكارت وجون لوك صحيحة اننا ندرك الموضوع الواقعي بالفعل ولا ندرك صورة ذلك الواقع، رغم أن حقيقة الادراك لصور الاشياء انما هو تجريد صوري - لغوي يجمع مقولتي الواحدية الابستمولوجية عند بيركلي والثنائية الابستمولوجية عند ديكارت وجون لوك وتوضيح هذا في السطور القادمة.

- حسب بيركلي الذهن لا يقوم بمهمة التفكير الادراكي بل يقوم بمهمة توصيله احساسات الادراكات للدماغ واستلامه مقولات الدماغ الواردة له، وقول ديكارت وجون لوك أن الفكرة تختلف عن موضوعها الذي ليس هو الموضوع بذاته ليس خاطئا، فالادراك الحقيقي للاشياء فكرا تجريديا لا يعبّر تعبيرا تطابقيا عن الموجود في حقيقته، فالاحساسات الصادرة عن الشيء لا يمكنها التعبير عن حقيقة الشيء، والا لما كانت الاحساسات المنقولة تحتاج الانتقال عبر الجهاز العصبي والذهن وصولا الى الدماغ للبت في تفسيرها الذي هو مرتكز فعالية العقل في تحليل وتفسير كل مدرك يصله ويعطي مخرجاته عنه بما أطلق عليه كانط مقولات العقل.

- لا يمكن للافكار المجردة التعبير عن الموضوع الواقعي المدرك تماما. فالاحساسات عن الشيء منقولة عن قصور في كل من الحواس واللغة المعبّرة عنه معا. وهذا التقصير محال الخلاص منه أن الفكرة تمثيل حقيقي صادق تماما بالتعبير عن موضوعه. ولا يتوفر للمنظومة العقلية آلية أخرى تستطيع بها أدراك موجودات الواقع بغير دلالة الافكار الصورية المجردة.

كما أن الشيء المتعين انطولوجيا وصورته التي تدركها الحواس وتعبير الفكر عنها هي دلالة صورية تجريدية عن الشيء ولا بديل افضل منه من الادراك في تجريد الفكر أدراكه موجودات الاشياء في واقعها. أما مدى مطابقة الفكرة مع المدرك في حقيقته فليست ممكنة لسببين ذكرناهما هما خداع الحواس اولا وقصور اللغة التعبير التام عن حقيقة الشيء والالمام به ثانيا. بما يوحي عدم خطأ بيركلي في تعبيره أن الشيء في واقعه ليس هو الشيء في تصوره والتي هي صحيحة.

- قول ديكارت وجون لوك اننا في حالة الادراك ندرك الموضوع الواقعي بالفعل ولا ندرك صورة ذلك الواقع أو الشيء، هو صحيح يحمل محذوره معه اذا اقررنا توافر مشروطية أن حقيقة ادراكنا لأي شيء في الواقع وعلى أية صورة كانت هو ليس يعني ادراكنا ذلك الشيء كما هو في وجوده المستقل في عالم الموجودات الخارجية، كون ادركاتنا لكل شيء بالوجود وفي العالم الواقعي من حولنا هو ادراك صوري تجريدي لغوي في حقيقته.

- لا توجد صورة محسوسة عن شيء لا تعبّرتلك الصورة عن صفاته الخارجية البائنة المدركة. وسببه مناقضة فكرة التعبيرعن تلك الصورة. الاحساسات ومنظومة العقل الادراكية بحلقاتها جميعها لا تتمكن من معرفة الشيء على حقيقته أكثر من الصورة الخارجية المتمثّلة تجريدا تصوريا التي تدركها المنظومة العقلية كصفات وليست ماهية غير مدركة. وبهذا المعيار لا يوجد تناقض سببه الافكار في عدم أستطاعتها التعبيرعن حقيقة الشيء بذاته بدلا من صورته الخارجية بالصفات فقط.

ثم آلية الادراك تقوم على نقل الصفات الخارجية عن الشيء وليس نقل حقيقة ماهية الشيء بذاته ولا توجد آلية ادراكية متاحة غير هذه. لذا يكون بيركلي صائبا وليس مخطئا أعتباره ادراك صورة الشيء هو ادراك الشيء كما في وجوده المستقل في عالم الاشياء وليس كما نريده أن يكون في حقيقته الذهنية. هذا التفسير الذي ذهبنا له يؤكده كانط وهوسرل في منهج الفينامينالوجيا.

- كذلك قول بيركلي الموضوع المدرك ليس ذهنيا لم يكن مخطئا ايضا. بأعتبار الذهن حسب العبارة الواردة لنا قبل اسطر هو علاقة توسيط وليس ماهية تفكير يتساوى فيها الذهن والوعي والدماغ بوظيفة واحدة معا بنفس الاهمية الفيسيولوجية. العبارة التي مررنا سابقا بتثبيتها تذهب الى تاكيد ذلك بأن المواضيع التي تدخل الذهن تخرج منه كما هي لم يطرأ عليها أدنى تغيير أو تبديل. فماذا يكون الذهن أذن؟ غير أنه توسيط نقل المدركات التي ترسلها المحسوسات اليه عبر الجهاز العصبي ليقوم بايداعها في الدماغ. وهو الارجح بدلالة أن رقابة الدماغ عقليا على جميع حلقات منظومة الادراك العقلية لا تكون خارجة عن مهام تفكير العقل بمواضيع أدراكه.

الذات في مثالية بيركلي

يعتبر بيركلي(الانا) أوالذات المدركة للاشياء محورا ارتكازيا في ادراك الموضوعات والموجودات والاشياء من حولنا، والمدركات التي لا تكون الانا مرتكزا بها لا يمكننا ادراكها كما وليست موجودة باستقلالية في العالم الخارجي، والمدركات التي لا تزامنها وتحتويها الذات لا قيمة وجودية لها في الواقع.

هذه المثالية المفرطة في الغاء الوجود الذي لا تداخله الانا أو الذات، لا تغير من حقيقة وجود العالم من حولنا كواقع مستقل سواء ادركناه أم لم ندركه، ولا يتوقف وجود الاشياء في استقلاليتها على ذات تلزم الموجودات المزامنة الاحتوائية معها كي تكون مدركا واقعيا. فتخطئة مثل تلك الافكار الفلسفية أصبحت من مهملات دراسة ادراك الوجود.لكن ما يهمنا خارج مناقشة هذه الاخطاء حول الادراك هو أن بيركلي يعتبر الذهن مصدر التفكير في مصادرة وظائف حلقات الادراك العقلي المترابطة العديدة. وناقشنا ذلك بمقارنة وظائفية ما هو عمل الذهن وبماذا يختلف عن كل من الوعي وعمل الدماغ في الادراك.

أن افضل الفروضات مقبولية هو أن الذهن كحلقة ضمن منظومة الادراك هو ليس عضوا بايولوجيا وأنما هو حلقة ادراك حقيقية وظائفيا ادراكيا لكنها مجردة عن ميزتين الاولى أن الذهن ليس هو مستودع التفكير في المدركات ولا يمتلك خاصية الدماغ في الحكم على مدركاته.، والثانية أن الذهن حقيقة افتراضية تجريدية بلا ماهية ولا صفات يدركها العقل كموضوع ...وأهمية الذهن هي أهمية كل الموضوعات التي نتعامل بها تجريدا فلسفيا لكنها في حقيقتها الجوهرية ليست موضوعات مدركة عقليا وأنما هي موضوعات أستدلال تجريدي في معرفة غيرها من موضوعات فقط.. الذهن قيمته الوظائفية الاستدلالية أنما هو حلقة تداخل مع بعض أجزاء عضوية من تركيبة الدماغ في معرفة وتفسير مدركات العقل. .

من غير المتاح المقبول أن نجعل من تفكير الذهن بديلا حقيقيا عن تفكير مناطق محددة بتركيبة الدماغ. بل من الاحتمالات الواردة أن يكون الذهن هو مستودع مخرجات تفكير الدماغ وترجمة تلك المخرجات من قبل الذهن في خلق الوعي الفكري التعبيري عن تلك المدركات لغويا. هنا ننجر قسرا الى التباس تعالق كلا من الذهن و (الذاكرة) في عمل الدماغ، فاذا ماكان الذهن مستودع تفكير الدماغ، فما هو وأين يقع مستودع الذاكرة كوحدة وحلقة في منظومة الادراك العقلي بأرتباطه بعمل التخليق الادراكي للدماغ في تعبيره عن مخرجاته؟

من غير الدخول في تفاصيل علم وظائف الدماغ التي أصبحت اليوم حقائق تركن الفلسفة جانبا كما سبق للعلم أن يركن الدين من قبل جانبا، يمكننا التمييز بين تعالق الذهن بالدماغ أنما يقوم على تفسير مدركات الواقع الخارجي المادي المدرك ، بينما تبقى علاقة الذاكرة بالدماغ هو على مستوى (الخيال) لموضوعات تستحدثها الذاكرة من مخزونها الخيالي الكبير جدا، ويكون تعالق الذاكرة بالدماغ على مستوى التفكير بمواضيع خيالية لا وجود واقعي لها في عالم الموجودات المحسوس. ويكون البت بمخرجات الدماغ عنها ينتظم الجهاز العصبي وصولا الى تشكيل الوعي حول الموضوع، ولا يمكن أن يكون بهذه العملية الادراكية لموضوعات الخيال من الذاكرة المرور بمرحلة الادراك الذهني لها الا فقط على صعيد تشكيل الوعي بمخرجات الدماغ.، فقد أستمد الذهن والذاكرة مخرجات الدماغ النهائية عن المدركات العقلية في التقائهما بصناعة الوعي التعبيري عنها. بهذا المعنى يكون فرق الذهن عن الذاكرة هو في فرق الموضوع اذا كان ماديا خارجيا، أو يكون الموضوع بالذاكرة استبطانيا خياليا. ولا يلتقي الذهن بالذاكرة الا على مستوى تشكيل الوعي بالاشياء بدلالة العقل لهما.الحقيقة التي لا يمكننا العبور من فوقها أن نتصور تفكير الذهن بديلا عن تفكير الدماغ في أعطائه مقولاته النهائية ومخرجات التفكير في المدركات. والحقيقة التي تصدم التلفيقية حول مساواة مهمة تفكير الدماغ مع نفس تفكير الذهن ليس في تلازمهما الوظائفي بل في أختلافهما الفيزيائي – الفيسيولوجي. هو أن الدماغ عضو بيولوجي من أعضاء جسم الانسان الاخرى وهذا ما لا ينطبق على ماهية الذهن أطلاقا كتجريد ادراكي معرفي لا عضوي في تكوينات الدماغ. الدماغ جهاز عضوي معقد في تركيب الجسم يضطلع بمهام خاصة لا يمتلكها أي جزء من أجزاء جسم الانسان العضوية منها وغير العضوية، بخلاف الذهن أنه وسيلة تفكير توصيل مخرجات الدماغ الى الوعي والفكر وتعبير اللغة عنها. خلاصة في كلمتين الذهن لا ينوب عن الدماغ في التفكير العقلي.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.............................

الهوامش

1- وليم رايت/تاريخ الفلسفة الحديثة ص 189.

2- نفسه ص 199

3- نفسه ص 200

 

زهير الخويلدي"الشعبوية تفسد الوضع الحالي بينما تقدم نقطة انطلاق لإعادة بناء نظام جديد"

أرنست لاكلو، فيلسوف أرجنتيني

لم تتسبب الشعوبية في تدفق الكثير من الحبر. لعدة سنوات، أشبع النقاش العام، استخدم بشكل خاطئ وعبر، غالبًا كمرادف للديماغوجية أو التطرف، من أجل وصم أي صوت معارض فيما يتعلق بالإجماع النيوليبرالي. في حين أنه كان مرتبطًا منذ فترة طويلة باليمين القومي، يسعى بعض اليساريين الآن إلى عكس وصمة العار من خلال الاستيلاء بشكل أو بآخر على الأطروحات الشعوبية. يسود الارتباك عند السياسيين: في بعض الأحيان يرتبط بشكل غير صحيح بسيادة محكم لنضالات الأقليات، أو يتم تقليصه إلى التخلي عن التسمية اليسارية، وغالبًا ما يتم تجاهل أسسها النظرية وحجم آثارها الاستراتيجية.

يمكن تعريف الشعبوية على الأقل على أنها خطاب يشمل رؤية للعالم تعارض "الناس" بـ "السلطة" ومفهوم روسو للديمقراطية الذي يربط السياسة بـ "التعبير عن الإرادة العامة". ومع ذلك، فهو مصطلح متعدد المعاني يجب استخدامه بحذر لأنه يشير إلى العديد من الحقائق. تعريفه هو موضوع الصراع على السلطة في المجالات الأكاديمية والسياسية والإعلامية. في اللغة العادية، يستخدم مصطلح الشعوبية في المقام الأول لتشويه سمعة أي حركة سياسية تعارض المؤسسة. إنه سلاح استطرادي هائل لأنه في الخيال الجماعي ترتبط الشعوبية بالديماغوجية، اللاعقلانية للجماهير، والغضب "السلبي"، مع وجود خطر على ديمقراطياتنا. نجد نفس هذه النظرة التحقيرية في العالم الأكاديمي حيث يتم تقديم الشعوبية كواحد من أكثر المفاهيم إثارة للجدل والنقاش. هناك مدرستان كبيرتان متعارضان اليوم: المنهج الفكري (الذي يمثله عالم السياسة الهولندي كاس مود، المهيمن إلى حد كبير في العلوم السياسية الغربية) والمنهج الاستطرادي (يمثله إرنستو لاكلو وشانتال موف). وراء كل تعريف للشعبوية رؤية للسياسة والدفاع عما يجب أن تكون عليه الديمقراطية. وهكذا يشرح العالم السياسي فيديريكو تاراغوني أن "علم السكان" كان سيتحول إلى "هندسة ديمقراطية" لتقييم "التهديدات / المخاطر الديمقراطية" التي تشكلها الشعبوية.

لا تمثل الشعبوية تهديدا للديمقراطية الليبيرالية والآخر المضاد لها كما يتصور بعض منظريها وانما هي أيضا نظرية تقدمية تعمل على تنشيط الديمقراطية من خلال رؤية انفصالية في السياسية تبني المجال السياسي بوصفه فضاء للصراع والعداء بين السلطة والشعب وتسمح بإعادة بناء شعب شامل ومريد.

اذا كان عالم السياسة مود يعتبر الشعوبية تعبيرا عن الدوافع السلبية وتغليب للعواطف على العقل والحكمة فإن لاكلو وموف يخالفانه في الرأي ويتعاملان مع الشعبوية على أنها فكرة يسارية تقدمية تحث على الصراع من أجل اسناد المعنى وتراهن  على العواطف كطاقة إيجابية في بناء الهوية الاجتماعية للشعب. ويوضحان بأن الشعبوية ليست أيديولوجية بل هي  طريقة لبناء هويات سياسية يمكن تطعيمها بمحتويات أيديولوجية شديدة التنوع، ولذلك تعتمد على خطاب يؤسس انقسامًا في المجتمع من خلال رسم حد عدائي يعارض "من هم أدناه" إلى "من هم فوق"، أي تدفع الى الصراع من اجل العدل بين السلطة والشعب.

تعمل الشعبوية على بناء الذات السياسية، "الشعب"، من خلال التعبير عن سلسلة من المطالب غير المتجانسة التي تشترك - والتي لها ما يماثلها - في معارضتها للسلطة القائمة. وبالتالي، تتكون من خلق سلسلة من التكافؤ بين مجموعة مطالب، ربما تكون في حالة توتر، والتي تتبلور وتجد وحدتها حول "دلالة فارغة" (قائد، شعار، رمز، فكرة، إلخ. .): "العدالة الاجتماعية" في "الديمقراطية الحقيقية".

النظرة الرومنسية ترى في الشعوبية طريقة بسيطة واسعة في معارضة السلطة وتعمل على تجنيد الجماهير عن طريق الاستثارة العاطفية وتحريك العقل الشعبي، بينما تميز النظرة العلمية بين المؤسسة الرسمية التي تكرس نهاية السياسة وموت الفعل السياسية وتبقي على الموظف والخبير في اتخاذ القرار وبين الشعبوية التي تمثل النشاط السياسي بامتياز من خلال تحويل منطق الاختلاف الى منطق التكافؤ واستيعاب مطالب المجتمع المدني بشكل فردي تفاضلي وتعمل على بناء سلسلة من التكافؤ ضد السلطة.

هناك تعارض بين النزعة المؤسساتية التي تسعى الى إعادة بناء النظام والنزعة الشعوبية التي تريد تمزيق النظام القديم دون أن تسعى الى ادخال المجتمع في حالة من الفوضى، وبالتالي يجب فهم الشعبوية على أنها عملية مزدوجة: في مرحلة أولى ترغب في كسر النظام القائم، بعد ذلك تقدم اقتراح نظام بديل جديد. من هذا المنطلق لا تختزل النزعة الشعبوية في منطق الطعن في ظهر النظام السياسي الفاسد ومعارضة السلطة القائمة، بل إنها تنطوي أيضًا على رواية سياسية قادرة على اقتراح إمكانية وجود نظام بديل. لكن ماهي الفوارق بين الشعوبية والماركسية؟ والى أي مدى يمكن الحديث عن شعبوية منحدرة من اليسار؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...............................

المصادر:

Mouffe, C. Pour un populisme de gauche, editions Albin Michel. . Paris  2018.

Laclau, E. On Populist Reason. London : Verso       2005

C. Mudde. The Populist Zeitgeist. Government and Opposition. 2004

Moffitt, B. The Populism/Anti-Populism Divide in Western Europe. Democratic Theory, 2018