سامي عبد العالتقديم: مع حروب الارهاب وتدخل الدول الكبرى في غير دولةٍ عربية ومع نشوء الصراعات بين المذاهب والطوائف، طفحت مجتمعاتنا العربية الراهنة بنيجاتف أسود لأكثر السيناريوهات قتامةً في تاريخ الثورات السياسية. أي ظهور معاني هذا الخراب الكامن في تدوير الأدمغة ثقافياً كتدوير النفايات waste recycling، رغم أنَّ أصحاب هذه الأدمغة كانوا يحملوا ألقاباً ثورية: هذا الناشط الثوري فلان، وذاك المُشارك السياسي فلان، وبخلافهما الخبير أو المحلل أو المجاهد عِلّان ... إلى أخر القائمة التي تجيئ وتذهب على شاشات التلفاز وعبر الوسائط الإلكترونية.

ولم يكن هذا الوضع على مستوى الأفراد فقط، بل طفحت الأحداث الارهابية بأسماء لافتة مثل: دولة الخلافة في العراق والشام  (داعش) واحياء الدواوين بمعطاها القديم زيادة إلى كم العنف المضاف إليها: "ديوان القضاء والمظالم، ديوان الدعوة والمساجد، ديوان الجند، ديوان بيت المال، ديوان التعليم، ديوان الزراعة، ديوان الفيء والغنائم، ديوان الحسبة، ديوان الزكاة، ديوان الأمن العام، ديوان الإعلام المركزي، ديوان الصحة، ديوان الركاز  (الأموال الدفينة من الذهب والفضة والجواهر في أرض الكفار)، ديوان الخدمات".

وتلك الأسماء هي تخريب استعاري مضمر على مساحة شاسعة من وعينا الحياتي، فلن يدرك المواطن العادي أبعادها مباشرة، لكنه ربما يعيش تحت دلالتها أثناء الممارسات السياسية بإعدام الواقع نفسه. وهذا ما رأيناه أثناء الاحداث الارهابية مع مواطني العراق وسوريا تحت حكم الولاة.  فرمزية الخراب التي اقتحمت العمران في دولة الخلافة الداعشية كانت بمثابة " شطب لاهوتي عنيف " لما تم التعارف عليه في حياة الناس، بحيث تسير هذه اللغة التي تدمر الأفكار وتهيل عليها التراب جنباً إلى جنب مع حُروب ناشبة على الأرض.

وفي هذا الإطار كنّا نرى خليطاً بشرياً مهوشاً من النشطاء والثوار والمتمردين ورجال الدين وفقهاء السياسة ومجاهدي الجماعات الاسلامية. حتى أضحت دول سوريا وليبيا واليمن والعراق قبائل متحاربة في صحراء ممتدةٍ، لا يحميها من نفسها إلاَّ موت الواقع عن بكرة أبيه. موت مدمر يحرق ما يقابله من أخضر ويابس. لا تعرف من الفاعل ولا من المتآمر ولا من الخفي ولا من الظاهر ولا من يحمى هؤلاء جميعاً، لكن باتت النتائج الحاصلة محتومة بغسقٍ لا فجر له (وبخاصة حالتي سوريا وليبيا). على طريقة القول في الأمثال الشعبية: "موت وخراب ديار". فرغم أنَّ الموت نهايةٌ عند نقطة معينةٍ سوى أنَّ المثل أورد الخراب باعتباره ظاهرة في مشاهِد الموت والدمار ومحو آثار الحضارة. أي الصور البشعة لما فعل إنسان الربيع العربي في مجتمعاته كضربٍ من المحاق المُظلم.

إنَّ الخرابُ ليس مُعطَّى مادياً وإلاَّ لتجنبا الاقترابَ منه، وبالمثل ليس فكرةً لأنَّه لا منطقَ محدد له. هو ظاهرةُ احتضارٍ خلال الغسق الثقافي للمجتمعات بفعل صراعُ لا يُبقي ولا يذر. إذ تسُود أنواعُ الفوضى وصولاً إلى ما تمَّ تسميته بالفوضى الخلاَّقة التي اطلقتها أمريكا بالمنطقة. والفكرة ذكرها ابن خلدون بصدد أن الخراب يقترن بالعرب مع سيادة أعمال الصراع والغلبة، حيث يقول صاحب المقدمة: "إذا تغلَّب العربُ على أوطان أسرَعَ إليه الخرابُ" ([1]). مما يدعونا للتساؤل:  لماذا ترجمَ ابن خلدون المعنى إلى ظاهرة الخراب بينما هناك كلمات أخرى للبيئة باديةً وحضراً؟! وبنقلة فلسفية معاصرة أخرى: هل يمكن اعتبار الخراب (طبقاً لإدموند هوسيرل) وجهاً فينومينولوجياًphenomenological لحياة الإنسان؟

مبدئياً علينا إدراك أنَّ جملة ابن خلدون السابقة في حدود " التاريخ الممكن". فهي ليست تخييلاً ولا مستحيلاً ثقافياً. من هنا لا يكتب المؤرخ إزاء الظواهر إلاَّ بإمكانيةٍ إنسانية تُجدِّدُ عودتَّها. ذلك الدهليز السري  secret vestibule الممتد في حواشي الثقافة  كما دلل كتاب "ديوان المبتدأ والخبر..". حيث أخذ يرسم الوقائعَ واضعاً الوعي بمساحةِ الفعل أمام نفسه. فالبصمة اللغوية للتاريخ هي أخذ العبرة والمثل مما قد حدث في عصر من العصور. وهذا يشي باحتمال تكرار ما نعتبر منه. فأيُّ عصرٍ له مبتدأه وخبره دونما نفي (دونما قطيعة) لسوابقه مقارنة بما يتتابع من أزمنة. وبذلك يتوحد بالصورةِ العامة للخيال ثقافةً ورؤيةً، لأن الزمن موصول الحلقات، وقد يحدث بصورة جادة أول مرة كما يقول هيجل ثم يكرر ثانية بصورة ساخرة وهزلية!!

على جانب آخر، يرى هوسيرل أنَّ الخيال phantasy  (imagination) يلعب دوراً رئيساً في معرفة الأبنية الماهوية للتجارب والخبرات. ففي الذاكرة والتوقع والإدراك نعِي الأحداث كما لو أنها توجد الآن أو موجودة في الماضي ثم توجد في المستقبل. من ثم يناقض هذا الفعل رؤية الأشياء كمعطى عيني أو فردي، إنَّه يعبر عن أشياء متخيلّة ([2]).

المهمة السابقة تُبرز الكتابةَ حول هذه الموضوعات باعتبارها تاريخاً داخل التاريخ، كأنها تاريخية التاريخ historicity of history. إنَّ توسطاً للوعي إزاء الخراب (اللاوعي) يتحين من القارئ ترقب الدلالة في الأحداث والظواهر. فالخرابُ ليس انحطاطاً مكانياً ولا غيره بالنسبة لفاعليه لأنهم يمارسونه بعناوين مقبولة لديهم. هو يحمل الأثر والاسم، الزمن والحركة معاً. إذن نحن نحتاج إلى اقتناص تأويلِّه عبر هذا التَّوسط الفلسفي.

إنَّ الخراب إذن هو ذلك الجانب الفينومينولوجي من الأحداث؛ أي تجسُد الظاهرة داخل وعيٍّ راصد لما يجري خلال تاريخ ما. ولسوف يجري الوعي بوصفه جمعاً لا فرداً هذه المرة بحكم المشاركة فيه تحت مظلة ايديولوجيات وأفكار. فلدينا أكثر من وعيٍّ داخل وجودنا الإنساني. وهذا يجري بطرائق الثقافة كفضاءٍ متراكمٍ للغة والخطابات المتداولة. الفكرة الطازجة رغم أصدائها القديمة: أنَّ الخراب كشكلٍّ للاوعي يمثل وعياً خلدونياً متواتراً ضمن زمن العرب الراهن.

تأويل الخراب

الخراب أثر زمانيٌّ ومكانيٌّ فاجعٌ نتيجة التدمير الحاصل، إنه عتمة لكارثة انسانية تحل كالقبح الظاهر، فلا ينفصل عن صورةٍ هو تاركها بشكل مزرٍ. لذلك فالأسئلة الحيوية فلسفياً إزاءه ليست: من أحدثَ هذا؟ إنما: ماذا حدث (ماهية الحدث نفسه)؟  كيف لعقل عمراني أنْ يتصوره؟ لماذا هذا الجنون المكاني؟ كيف نفسره على مستوى الثقافة؟ فالمكان ليس ثابتاً كمادة جذرية للوجود ولا هو كذلك كمتغير فيزيائي يستوعب الفعل وإحداثياته. المكانُ ذو بعد مصيري يرتبك برؤى الحياة والعالم بطبيعة الحال. إنَّه جزء من خيال على مرمى البصيرة مهما تنقلنا في جوانبه. فقد يكون المكان كراهية، وقد يعدُّ المكان حباً، المكان جنوناً، المكان لاهوتاً، المكان تحرراً، وأخيراً المكان جسداً وكائناً في شفرات الوجود باصطلاح كارل ياسبرز.

إذن المكان عميقٌ داخل الإنسان بكلِّ منظوراته. لا يقعُ بمنأى عنه وإلاَّ لما قطن الإنسان موضِّعاً دون غيره ولما أخذه الحنين إلى ترابٍ بخلاف الآخر. فالحياة هي المكان داخل النفس لذاتٍ تعي مصيرها. وصراعات المجتمعات المعاصرة ترجع إلى شكلٍّ جيو سياسي لهوية الأمكنة. إنَّها صراعٌ حول عمران وخرابٍ من نوعٍ ما.

ابن خلدون يُدرك حساسيةَ الثقافة العربية للمكان باعتباره جحيماً بلا أملٍّ. إذا تأملنا دول الاحداث السياسية الراهنة  (اليمن وسوريا وليبيا والصومال) لوجدنا الخرابَ قد تحولَ إلى فعلٍّ سياسيٍّ يوميٍّ. لكن ظلماً بيِّناً استئثار تلك الدول بظاهرة تاريخيةٍ كهذه بخلاف سواها من الدول. هناك أنظمة خرابية أكثر حداثة في دولٍ عربيةٍ أخرى. فلم يكُّن الخرابُ مرحلةً لينقطع ظهورُه، ولم يوجد جغرافياً كي يتحدد في بقعة دون غيرها.  الخراب كوعي يوجد بصيغ مختلفة ويتداعى بكم صغير أو كبير بحسب الشروط المتوافرة لوجوده.

الآن ظهر للخرابُ تداعٍ جمعيٍّ ([3]). فالمؤسسات حين تخادع المواطنين هي ألة خراب. الخطاب المزيِف للوعي أحد مظاهر الخراب. عبارات التكفير المنتشرة إيقاع للخراب. سياسات القهر والاستبداد هي برامج خراب. التعليم بلا ابداع تخريب لقدرات الإنسان. أما تجلي اللغة فأبلغ أثراً مثل: "الخرابة"، "التخريب"، "عمل تخريبي"، "الثورات كمعادل للخراب"، "هدم المنشآت"، "نهب المنازل والأحياء"، "اختلاس المال العام"،" تفجير السيارات"، "قتل الأطفال"، "صور الذبح الديني"، "الصراع الطائفي"، "تكفير الآخر"، "أسواق السبي"، "تجارة الرقيق باسم الدين"، "نكاح الجهاد"، "الاغتصاب الجماعي"، "الجماعات الإرهابية"، " اشغال الشعوب بالتوافه"، " تعطيل الديمقراطية وقيمها".

هذا ما يجعل الخرابَ أكثر من مقولةٍ مكانيةٍ في حياة الناس. إذن هو مقولة تُنطق على أنحاء شتى سياسياً وأخلاقياً ومعرفياً ودينياً واجتماعياً. هذا الانحراف جزء حيوي من التنبؤ الخُلدوني القديم وطبقة أساسية من انفلات الوعي تجاه تبعثُر المعاني كشفاً لتراث الثقافة العربية.

الخراب والروح

لا يخلّو الخرابُ من تدمير روحيٍّ يُحول أصالةَ الحياةِ إلى سرابٍ. هو إحساسٌ مميتٌ بإظهار الوجود في حالة عدم إن صح التعبير. فالخراب والعدم يتقاطعان لحظة الضياع الروحي لمعاني الإنسان. نوَّه هيدجر إلى كون القلق يترك انياب العدم تنهش جسد الحياة التي نحياها داخلنا، هذا الرعب من تلاشي الحقيقة. الخرابُ صنفٌ نادرٌ من القتل الغسقي لمضامين الوجود. ليس الخراب موتاً لكنه تجلي الموت. لهذا قد يحل بكل غثيانه عقب الموت بأنواعه. موتُ البشرِ، موتُ الشجرِ، موتُ الطبيعة، موتُ الزمان، موتُ الواقعِ. وحدُّه التاريخ يبقى حياً شاهداً على ما يحدث إذ يدوِّن (هذا الفعل العربي البارز) يشاهده البشر. في الثقافة العربية ما أكثر التدوين (كتب الحوليات والاخبار واليوميات والآثار والسير) لحروبٍ أبقت مجتمعاتنا خراباً فوق خرابٍ. لن نعي ذلك حتى ندرك كم كان الخرابُ قريناً لغرائز الصراع التي لا تغادر مكانّها.

ليس الخرابُ عكس العمران. فإنْ كان كذلك، لأنهى وجود وانتشار الأبنية الحداثية الشاهقة رجُوعه المتواتر ([4]). قال المسيح ماذا يُجدي لو كسبت العالم وخسرت نفسك؟! الخراب يسكُّن هذا الروح كطيفٍ شرير يتطاير هنا أو هناك. لعلَّه الخسران لأخص ما يملكه الإنسانُ؛ أي الطابع الروحي الثري الذي يجعله إنسانا بملء الكلمة. ولهذا يعتبر الخراب عملاً قصدياً. توقيع القرآن للمسألة واضح تمام الوضوح:" الذين يخْربون بيوتَّهم بأيدِيهم". فما لم تضع روحُ الشر حدّاً للحياة ما كان ليسمَّ خراباً بضربة دلالةٍ عميقة. والعبارة القرآنية تقرنُ التخريب بفعل انسانيٍّ قيد الأيدي وكأنَّه ضد الروح المُنتِج.

من زاويةٍ أخرى لا يتم الخرابُ بغير تدخل الجانب النفسي كهذا الوصف الذاتي لعمل اليد ضد الذات. والبيت والبيوت (والمدن) عمرانٌ من نوعٍ آخر رغم إبقاء القرآن عليه كمصطلحٍ. فالبيوت الخربة هي المسكونةُ بأرواحٍ وكائناتٍ شريرةٍ. من ثم احتفظت اللهجةُ الدارجةُ بألفاظ الخرابات وهي إطلال المدن. وقد استعملها الخيال الروائي لنجيب محفوظ كاشفاً بنية المجتمعات والعلاقات الإنسانية. فالخرابة تماثل اللاوعي الجمعي في رواياته التاريخية. منها تنطلق الأفكار الشاذة وتشرئب الرغبات بحثاً عن الإشباع ويجري خلالها السلطة مع أعدائها. كما لا يغادرها المتآمرون لتدبير المكائد وإحداث الفتن وهي مكان هامشيٌّ للمجون ومعاقرة الملذات. وبالتحول الاجتماعي تُتخَّذ الخرابات موضعِاً للشحاذين واللصوص والعاهرات.

أمام هذا يكشف الخرابُ معاني السكن، البيت، العلاقة بالمصير، الوعي الذاتي بالمكان. جميعُ ذلك ظلال روحية لما ينتجه الفعل الإنساني إجمالاً. وهي قضايا متعلقةٌ بالعمران بوصفه انطلاقاً للروح داخل وجودِّها الحميم. لكن كان الخراب احياناً بالطابع العربي  يمثل فوضى المكان، كان هديراً لرغبة افناء الآخرين. إنَّ الخراب أسلوب للإنسان الآتي على رأس الانحدار الثقافي نحو الهاوية. يصبح الخراب بالنسبة إليه موضوعاً لمقاتلة خصومه ومحاربة المجتمع وترك أفعاله وسط ذاكرة لا تُنسى.

في الثقافة العربيةِ كانت الذاكرةُ الشفاهية قدرةً للاحتفاظ بالأحداث والأخبار كعلامةٍ صارخة بقوتها. حتى أنَّ التأريخ  الماثل أمام الوعي كان يظهر المصيرَ حدثاً غرائبياً غير مسبوقٍ. لا يجب اغفال (على سبيل المثال) تعبير "عام الفيل"، التعبير الذي وثقَّه القرآنُ بسورة الفيل بادئاً بالانتباه إلى ما فعله الله في أصحاب الفيل حتى جعلهم كعصفٍ مأكولٍّ. وظلت التواريخ تذكر عاماً كهذا للتدليل على الميلاد والموت كحال التأريخ لمولد رسول الإسلام.

ومن قبل تحدث القرآنُ عن إرمَّ ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، فصب الله عليهم سوطَ عذاب. وأورد أخبار الأمم السالفة التي أهلّكها بالريح كأعجاز نخلٍّ خاويةٍ.  وكم أخذت الذهنيةُ العربية السائدة بهذا الوضع التصويري الفاجع. فاليقين لا يجرى دون كونَّه نتاجاً قيامياً (نسبة إلى القيامة). ولهذا تحتل علامات الساعة مساحةً ليست بالقليلة في خطاب الاسلاميين لإتمام تصوير المشاهد إلى مداها البعيد.

الخرابُ انعكاس لهذه الحقيقة السيمائية في الذاكرة التي كونتها النصوص الدينية واكدتها بلاغياً وسردياً كتب الرحالة والمفسرين والفقهاء. فصور الخراب نقش عدمي تمثل ظاهرة للاوعي صراعيٍّ عميقٍ تجاه الأغيار. وهو نتيجة مراس من الحروب وأعمال العنف يشتَّد قوامُها كمعطى تاريخيٍّ في تطبيق الأفكار وتحول المجتمعات. كأنَّ الحرب، الغزو، لا تكون تأريخاً إلاَّ إذا دُمغت زمنياً بفضل مصيرها المحتوم. ونظراً لأنَّ الذاكرة الشفاهيةَ تشكلُّ عالماً وخيالاً يجب حفظهما، فكانت آثار الغزو والغلبة على ذات الصعيد.

توحُش الخراب

الحيوان دوماً لا يُخرِّب، لكنه يأكل فقط. حيوانية الحيوان فوق الشبهات المكانية الساخرة التي يتركها الإنسان. إنَّ سُكنى الحيوان لا تولِّد أفعالاً أبعد مما يشتهي ويترك من حياته. فالحيوان  بمثابة رابط طبيعي بين طاقة نامية كان يسميها اليونان الفيزيس (الطبيعة) physis وبين كائن يجسدَّها. بينما عند استغراق الإنسان في عملٍ تخريبيٍّ يأخذ الأخير صفاته الخيالية كرغبة تدمير ليس إلاَّ. الحيوان يُعدم ما يُجده لتحويله إلى هكذا طاقة حياة لكونه مأخوذا بالغرائز. في حين أن الإنسان يسعى لإعدام الحياة بجميع ممكناتها نكايةً وثأراً في الآخرين. فالجانب الافتراضي لديه قائم على جنوح الخيال وجنونه.

بالنتيجة فالإنسانُ أكثر توحشاً من الحيوان، الحيوان يتوحش بالطبيعة على ما طبع عليه. فالطبع يغلب التطبع إذا افترضنا ذلك. أما الإنسان فتوحشه يجري تكلفاً وإمعاناً في العدوانية. لذلك يتفنن بتقنيات ابداعية في القتل وإراقة الدماء كما رأينا لدى الدواعش. ومن ثم فالحروب بأشكالها الأيديولوجية ما هي إلَّا تقنية خراب خارج الزمن.

توثِّق قصيدة الخراب ت. س. إليوتEliot  هذا الطابع السديمي للعدم. إنَّها الأرض الخراب waste land the، جفاف الحياة حتى نضوب المعاني ([5]). فالمعنى وسط اللهاث البشري أشبه بظلال وسط الشمس، لا يوجد بدائرتها أدنى راحة من هجير الزمن. كان العبث حاضراً مع عصر راهن لا يقوى أُناسه على الصمود. فعقب الحرب العالمية الأولى وحده كان نعيق الخراب هو صوت الموت، صوت يعلن عن تقزز بملء الحياة. وتلك الحرب العالمية قزمت  فضاء الكون حتى حُشر في فوة بندقية. خرجت الأسلحة بين الدول الأوربية لتصم آذان العالم، لتصدم كل مبادئ التعايش والسلم والحرية التي روجتها الفلسفة الحديثة والمعاصرة. كانت قصيدة  إليوت الارض الخراب بمثابة رصاصة حداثية لمواجهة فوهات القتل العالمي التي لا تكف عن الدمار. لدرجة أن المدن الاوروبية بعبارة جيمس تومسون Thomson  كانت ذات ليل قاتل ومرعب deadful night ([6]).

لا شيء هنالك سوى المقابر، كومة التراب التي تحوي الإنسان وتمتص جسده مرة ثانية وتتكفل بإعادته إلى ذرات بالية. وهو ما رأيناه مؤخراً كشأن ربيعي عربي مع ثورات سياسية في تاريخ الشرق. فلئن كان ثمة ما يميز الحراك الثوري في تلك المساحة من العالم، فهم قوافل الموتى ومشيعوهم. هناك تطابق بين حروف التراب والخراب!!. ومازلنا نردّد" كل ما فوق التراب تراب"، فهل يعني مضاعفة الخراب؟ هل الخراب هو ارجاع المكان إلى حالة ترابيةٍ نتيجة الموت؟

من ثمَّ تمثل الصور السياسية للثورات لدى العرب المحدثين كفناً مزركشاً لجثث يومية. وهذا ما نراه بالأمس القريب والآن، عندما تحولت ثورات المجتمع العربي إلى ظاهرة الجثث. ليست حروباً بالمفهوم التقليدي. لكنها إطار لطقوس الموتى، كان أبرزها توديعهم تحت بروتوكول ديني سياسي. إنَّها سياسات الجثث المحمولة باسم المقدس أو باسم الدولة أو باسم القبيلة والعشيرة والطائفة والمذهب.  لقد غدا الوضع العربي "جنازة حارة" بينما الأكفان أُناسٌ عابرون على قارعة السياسة.

ولذلك ظهر لدى الاسلاميين تعبير "إدارة التوحش" ([7]). وهي إدارة الفوضى الطاحنة الناتجة عن غياب كل أشكال الإدارة إلاَّ القوي الارهابية الحركية. التَّوحش يُسقط مجتمعات ودولاً بينما يفترض إدارة أكثر قسوةً. وهنا الرابط بالخراب الذي سيكون مترقّباً عن كثب.  كيف يطلق البعض لفظ إدارة على قضية لا موضوع لها؟!

إنَّ إدارة التوحش كما يستعمله الارهابيون وغيرهم لونٌ من استراتيجية الخراب، إدارة الخراب في المجتمعات. فلا معطيات اجتماعية، ولا إمكانيات سياسية، ولا قوى تنموية، ولا انتاج بجميع أصنافه. ومع هذا يكِّد هؤلاء الارهابيون في ايجاد صيغة لإحلال الفوضى. والأغرب زعم (الاسلاميين) أنَّ التوحش خطوة لتحكيم شرع الله. لو كان ابن خلدون حياً لاعتبر ذلك تدميراً لمقاصد الشرع. فثمة انتهاك لأي معنى خاص بالدين، إلاَّ من قتلٍّ واستباحةٍ وتأسيسٍ لدين مغاير.

إذا كان التَّوحُش البدائي سلفاً تمَّ بانعدام التحضر وجريان الصراع الدموي، فإنَّ التوحش حالياً يجري باسم الخلافة. وبدلاً من "الفوضى الخَلاَّقة" يمكن اعتبارها "فوضى الخِلافة". فالاثنتان تؤديان الوظيفة نفسها حيث يتحلُّل الارتباط بالواقع كتحلل الجيف. لأنَّ تفكك المجتمعات لا يتم بتغيير الإدارة أو كما أُشيع "اسقاط النظام". لو كان الأمر هكذا لما قال ابن خلدون عبارته الثقافية السابقة. فكرة الخلافة تعمل على بنية المجتمعات وأنسجتها الحية. ليست الخلافة لافتة فوق جسد اجتماعي قديم، إنما يجب تغيير القوانين الثقافية والرمزية التي تحكم هذا الجسد.

المشكلة أن انفكاك الجسد الاجتماعي يجهز على قدرات الافراد والجماعات ولا يترك لها أية مساحة للتطور والنمو. لأنَّ انهاكاً لا حدود له يستغرق جميع ثروات المجتمع المعرفية والوجودية والثقافية. لدرجة أنه يُسقط كل رأسماله الرمزي في هوة لا خلاص منها. وفي ظني أن ابن خلدون يقصد بالخراب هذه الإبادة الإنسانية والحدية للمجتمع. وتلك المسألة يطرحها الاسلاميون بمنطق خلقي؛ أي يحاولون خلقَ المجتمع خلقاً مغايراً متناسين موروثاته وأساليب وجوده. وحين يفشلون يفجرون أفرادَّه في عمليات انتحارية ويدمرون المدن والقرى. والتعامل مع ذلك بالإبادة المادية معناه فقدان الوجود النوعي لثراء الإنسان.

الخراب والثقافة

الخراب – كما يرى ابن خلدون- ناتج عن حالة البداوة وهي جذر نبتت عنه ثقافتنا العربية ويحتاج إلى نقد متواصل. فالترحال لا يحتفظ بالعمران حياً، لكنه يمر مرور السحاب. وهو يستهلك الوجود استنفاداً لما يجود به المكان سواء أكان واحةً أم كلأً أم ظلالاً للإنسان.

الثقافة البدوية ثقافة عابرة للجغرافيا وللوعي معاً. تضاريس وجودها سطحية وقائمة على سفوح الحياة والمعاني. تتعامل مع الأشياء عبوراً إلى غيرها. لا تستقر في المكان ولا الزمان، بل قد يصبح المكان نهباً للمصادفة الأولى أو الثانية. ولأنَّ ذلك يُفقد فاعلي الثقافة قدرتهم على التكَّيف (بالتالي التطور)، فيغدو المكان لا قيمة له. إنَّه مجرد استراحة مؤقته لتناول ما يسد الجوع والرمق وبعدها يذهب الزائر إلى مكان مغاير.

كما أنَّها ثقافة تعتبر الاستقرار صنفاً من الجمود وداعياً إلى الملل الحياتي. هي بهذا تعلن عن أوليتها الوجودية. فالإنسان قد ينفك من الأنظمة الحياتية المركبة عائداً إلى حالته الطبيعة. هذا رغم أنَّ بها (أي الثقافة البدوية) أنظمة رمزية معقدة تملأ خيال أصحابها برؤى للكون والمجهول والحياة. إن حالة الطبيعة هي الدرجة الصفر للتعامل مع الأشياء. وابن خلدون يرجع بها إلى عدم إدراك ثقافي لمعنى التحضر. وكأن الحضارة التي يعيش في كنفها الإنسان ضروب من المعاني المتراكمة على جسد الطبيعة. حتى أن الخراب لا يأتي إلاَّ إذا كان هناك مَنْ لا يجد أية قيم في هذا التراكم. وبالتالي بآلية التفريغ الثقافي يُجهض هذا الوضع جميعَ الطباق الثقافية من مضمونها.

فالبدويُّ لا يزن عادة الأشياءَ بميزان التَّحضُر؛ أي القيمة  الثقافية والرمزية المضافة للأشياء وفاعلية التقنيات والأنظمة. لكنه يحاول تعريتها هيكلاً وبنيته. الخراب يُشابه هذا العُريَّ الثقافي للأشياء. عُري هو الجسد الخشن للتعامل مع الواقع حتى غدا آلية وسياقاً. وهذا لا يعني أنَّ عالمَ البدوي غير مسكون بالأخيلة. لكن تذهب الرموز وراء هذا اللا معنى في انتاج صور العالم. لأنَّ تلك التصورات البدوية تستغرق (تستنفد) نفسها في فوضى الأفعال.

هنا سوف يصمت الخرابُ كصمت المجهول. فالأماكن الخربّة مهجورةٌ، شبحيّةٌ، قادمةٌ من الماضي المخيف. أبرز معالم الخراب هذا المسخ المكاني الذي ينتج دلالات ثقافية أيضاً. ففي كل الأحوال ثمة تشوّه لا يكف عن الحضور. والمجتمع الذي لا يعي حقيقة التشوه سيقع في أحبولته آجلاً أم عاجلاً. لكونِّه ينعكس كنمطٍ للحياة البشرية القاسية. ورغم ذلك قد تكون مُريحةً لدى البعض بقدر ما  تسلِّبُ العقل وتميِّعُ المعايير!!

لهذا قد لا تشعر الثقافة البدوية بأهمية المعايير من الأساس. فالوعي لدى التصور البدوي مرايا مسطحة مثل الصحراء وسط غبار ثائر كالرمال المتطايرة. وإنْ استقرت مفاهيمٌ فلا تخلو من سراب الأبعاد الغائمة الدافعة للمزيد. والأفكار حول الأشياء مفتوحةٌ وغيرُ منضبطةٍ كمفردات البيئة الصحراوية. والبدوي لا يدرك قيمة الأشياء لأنَّها تترسخ  فقط مع ذهنية الترحال اليومي. لدرجة أنَّه يقف صلداً وقوياً تحت التقلبات المُناخيّة بينما يضجُ بالأنظمة المعمارية التي تقيه ذلك. ولذلك من سوء قدر الفكر الاسلامي التاريخي أنه اختلط بهذه التصورات في السياسة والعلاقات الاجتماعية.

بُومة الخراب

بومةُ الخرابِ تُشبه بومة منيرفا اليونانية. بومة منيرفا تنعق - كما يقول هيجل- محلقة وقت الغسق لاستنهاض الحكمة. "عندما تصور الفلسفة جوهرها ظلاماً في ظلام، تغدو الصورة الوحيدة للحياة باليةً، ولا يمكن تجديدها بواسطة العتمة، فقد تصبح موضوعاً للمعرفة بما هي كذلك. إنَّ بومة منيرفا Owl of Minerva تأخذ في التحليق حينما يخيم الظلام" ([8]).  في حين تنعق بومة الخراب نظراً لأفول الحضارة تحت جحافل التخلف.

وابن خلدون في سياقه الثقافي يترك هذا النعيق يرسم خريطةَ الوجود البشري وأحوال الناس تجاه خراب العمران. فليس الاثنانُ واقعين على طرفي نقيض، لأنَّه لا عمران في جوهره بلا خرابٍ. وهذا لا يتأتى إلاَّ بمنظورٍ أوسع للعالم وحركة الإنسان؛ أي الحكمة البعيدة وراء الأشياء. يتعرض هوسيرل إلى تلك القضية داخل رؤى العالم weltanschauung. وهي فلسفةٌ مشروطةٌ بقيمة الحكمة والكفاح من أجلِّها. حتى يمكن اعتبارها هدفاً في ذاته. وبالمعنى الواسع للحكمة تعدُّ عنصراً أساسياً في قدرتنا القابلة للإنجاز achievable المتعلقة بالجانب الشخصي من الحياة الإنسانية. وخلالها يستطيع المرء الكفاح لأجل شخصية ممكنة عالمياً بقدر انخراطه في توجهات أساسية للحياة تنسجم مع أنماط المواقف الممكنة ([9]).

يعتبر ابن خلدون العمران تحضُراً بينما الخراب حياة معكوسة ومقلوبة. ففي أعماقه يكتم  الخراب موتاً صريحاً عن التحدث بوضوح. لكن ماذا لو تحدث؟ هنا سيذكر ابن خلدون علَّة الخراب أنَّ العرب " أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم فصار لهم  خلقاً وجبلة" ([10]). ذلك أنَّهم –  كما يقصد ابن خلدون- تركوا الطبيعة المتوحشة تتمكن منهم فأصبحت عادةً وفعلاً. والعادةُ تهيمن وتغدو بديلاً للواقع، فيكون لها عوائد؛ أي تمثل قيمةً طاغية بأسباب الحياة. هذا يعني ذلك التحول الذي لم ينصرف تحضراً وتطوراً، بل تراكماً أصلياً. تراكم قشري يُخفي رؤى للعالم والإنسان من جنس أصولها الثقافية.

وحين يكون التوحشُ عادةً (أي ثقافة) يعتبره صاحب المقدمة شيئاً ملذوذاً لدي  أصحابه. ذلك أنَّه يجرى على نحو تلقائي مثل الغرائز والشهوات من حياتهم. فالمعروف عادة أنَّ الثقافة نظامٌ يكتبسه الإنسان اجتماعياً. لكن حين تتيح العادات والتقاليد رجوعاً إلى جذورها، فإنها تستحضر نفس الآثار التي تسببها. فهي مصدر اللذة والمتعة للفاعلين رغم أنَّها في ظروفٍ دون ظروفها وشروطٍ غير شروطها.

اللذة وراء التوحش والعادة تؤسسان لتفلت العرب من" ربقة الحكم وعدم الانقياد للسياسة. وهذه الطبيعة منافية للعمران" ([11]). هذا يفسر معنى الثورة في تاريخ العرب الحديث اتساقاً مع الماضي. لم تكن غاية الحراك الربيعي، التمرد، الثورة إلاَّ تملْمُلاً من الحكم لا لأهداف إنسانيةٍ كُبرى، إنما لأجل الترحال والتغلب (اخذ السلطة). فمازالت  جذور العصبيةُ تهيمن على ذهنية الجموع. فأقرب كتلة يكمن فيها هذا العماء تجاه الآخرين هي الجموع السياسية. وتمثل مسارتها رغبات كانت مشتهاة ومازالت لتنتهي بنهب وتدمير مؤسسات المجتمع وامواله.

ولهذه اللذة تجليات ثقافية تنعق بها بومةُ الخرابِ:

أولاً: شهوات البطن أولَّى من  قدرات البناء. يضرب المؤرخ ابن خلدون مثلاً أنَّ الحجر- بحاجة العرب إليه- لنصبه أثافي القِدْر ينقلونَّه من المباني ويخربونها عليه ويعدونه لذلك. نفس الأمر حيال الخشب إنما كانت حاجاتهم إليه ليعمدوا به خيامهم ويتخذوا الأوتاد منه لبيتهم فيخربون السقف عليه ([12]). أي أن العربي ينزع مظاهر الحضارة ليشيد بها راحلته أو ليصنع بها طعامه المؤقت. وفي هذا لا يقف الخرابُ حيادياً، إنَّه النقض الحي لبنية العمران، وحلوله ليس غير حركة مضادةٍ لتطور الحياة.

ثانياً: تفشي أعمال السرقة والنهب. يؤكد ابن خلدون على طبيعة انتهاب العرب ما في أيدي الناس. وأنَّ رزقهم الحلال كما يظنون في ظلال الرماح. وليس عندهم في أموال الناس حدٌّ ينتهون إليه، وكلما امتدت أعينهم إلى مالٍ أو متاع أو ماعون انتهبوه. هذا يعني ترصد  فكرة الخراب للمجال العام. فإذا كان الجانب الاقتصادي ليس مصُوناً، فلن يكون ثمة استقرار أو تطور. فتراكم الرأسمال العام أمر مهم ناتج عن وجود مساحةٍ واسعة للعمل والفعل. وحينما يتعرض لفساد سيكون هو المشهد الأخير لسرقة الممتلكات العامة. وبعض الثورات العربية الربيعية كانت مراناً على تلك الأصول التاريخية للنهب (كما نهبت مؤسسات الدولة في تونس ومصر والعراق).

ثالثاً: ضياع أهمية الأعمال والأشياء. ولأنَّهم (العرب) يكلفون على أهل الصنائع والحرف أعمالهم لا يرون لها قيمةً ولا قسطاً من الأجر والثمن. ومتى فسدت الأعمال وصارت مجاناً ضعُفت الآمالُ في المكاسب. وهذا يفسر راهنا غياب ثقافة العمل لدى مجتمعات عربية كثيرة. وحتى الدول التي تشهد ثراءً فاحشاً نتيجة النفط اعتبرها المواطنون بقرةً حلُّوباً بلا جهدٍ. وتفشت البطالة مدفوعة الأجر سلفاً. متناسين أنَّ العمل ليس اقتصاداً فحسب لكنه تطوير للذهنيات وتأكيد  من المجتمع لوجوده حضارياً.

رابعاً: انعدام العناية بالأحكام وزجر الناس. هناك فقط إغارةٌ وغلبةٌ لكن لا توجد قوانين عامة تحكم الجميع. وهذه هي المفارقة: إزاء الواقع العربي لم تتألف القوة الاجتماعية في قوة سياسية فاعلة، ولم تتبلور مؤسسياً على نطاق رحب. إنَّها الإعاقة التاريخية التي تعطل عمل المؤسسات بدرجات متفاوتة. ويرى ابن خلدون أنَّ العرب إذا فرضوا عقاباً فسيتعلق بجمع الأموال فقط وهذا محمول لتحصيل الفوائد والجباية والاستكثار منها. وذلك ليس ناجعاً في زجر المعترضين ودفع المفاسد. فتحدث الفوضى دون حكمٍ. والفوضى مهلكةٌ للبشر ومفسدةٌ للعمران ([13]).

خامساً: التنافس على الرئاسة واحتكار السلطة.  فالعرب قَلَّ أن يُسلِّم أحد منهم الأمر لغيره ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته إلاَّ في الأقل وعلى كره من أجل الحياء، فيتعدد الحكام منهم والأمراء وتختلفُ الأيدي على الرعيةِ في الجباية والأحكام" ([14]). هذا التفسير الخلدوني لا يعلّل فقط، إنما يوضح كثرةّ الانقلابات في عصور السياسة المختلفة. وشيوع الديكتاتورية في تاريخ العرب الراهن فهي مبطنة بالاستئثار بالحكم. فلا تداول للسلطة إنما التغير يحمله ملك الموت مع وفاةِ  أصحاب الفخامة والسمو: الرؤساء والملوك والأمراء والسلاطين.

سامي عبد العال

......................

[1]- ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، الجزء الأول، تدقيق وتحقيق خليل شحاته، مراجعة سهيل ذكار، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، 2001. ص187.

[2]- Edmund Husserl, Phantasy, Image Consciousness, and Memory (1898- 1925) in: Collected Works (editor: Rudolf Berent, Volume XI) Translated by John B. Brough, Springer, 2005. P 4.

[3]- الخراب يُسمى كذلك نظراً لكونه جمعياً. إنَّه يأخذ في الاتساع مثيراً أزمة لوجود الإنسان. وربما هو من تلك الجهة أكثر دلالة على حدوث خلل بنائي للمجتمعات. فالحادثة الفردية لا تؤثر إلاَّ بالنسبة لمستواها. وإذا كانت الحداثة تترك بصماتها على العمران، المؤسسات ومظاهر البناء فلأن الخراب جزء من التهديد الذي يترصدها. وكانت الحروب المتتالية (العالمية الأولى والثانية) إفرازاً لكمون الخراب في معابد العقل والحرية والمعرفة. من هنا كانت مؤسسات الحداثة (الدولة – القانون- العدالة- السلطة) كانت حذرة أيُما حذر تجاه الخراب. ربما وضعت ضوابط (كوابح) لحركتها خوفاً من الانحدار في هوته. والخراب بهذا المعنى ليس موضوعاً لأنه الحد الأقصى للحذر. لكنه مسألة أخلاقية تأخذ وضعاً أنطولوجياً. ويصعب معرفته دونما تعرية الجذور الثقافية والمعرفية التي يؤسس عليها كما يفعل ابن خلدون وكما أظهره اشبنجلر في كتابه انحطاط الغرب. فالانحطاط، الاضمحلال نوع من الخراب الآتي بقسوة الحضارة.

[4]- الخراب ليس طرفاً لثنائية عصية على التجاوز. لأنه تحول لشيء اسمه العمران يوصف داخله لا خارجه. أي لا يأتي الخارب عارياً من أي وصف سابق. إنَّه قيد الوصف الدائم كشيء مغاير للعمران وهذا يلقي على كاهله الدلالي بعداً تحويلياً. وهذه قدرته كمقولة على كشف حقائق المجتمع.

[5]- نص قصيدة " الأرض الخراب" مع بعض التعليقات والهوامش المهمة.

T.S. Eliot, Collected Poems (1909- 1969), Harcourt, Brace, World, Inc., New York, 1954. PP 51- 70.

[6]-  Lawrence Rainey (editor), The Annotated Waste Land with Eliot ,s Contemporary Prose,  (second Edition) Yale University Press, New Haven & London, 2006. P. 71.

[7]- أبو بكر ناجي، إدارة التوحش، أخطر مرحلة ستمر بها الأمة، مركز الدراسات والبحوث الإسلامية، بلا مكان نشر ولا تاريخ. ص ص11- 14.

[8]-  G. W. F. Hegel, Philosophy of Right, Translated by S.W. Dyde, Batoche Books (Kitchener) 2001. P 20.

[9]- Edmund Husserl, Phenomenology and Crisis of Philosophy, Translated with notes and an introduction by Quentin Lauer, Harper Torch Books, Harper & Row, Publishers, New York, 1965. P 133.

[10]- ابن خلدون المقدمة، ص 187.

[11]- المرجع السابق، ص187.

[12]- ابن خلدون، المقدمة، ص 187.

[13]- المرجع السابق، ص188.

[14]- المرجع السابق، ص188.

 

علي رسول الربيعي1 – هل على لله واجبات؟

في النقاش واللاهوتي فلسفة الدين نتحدث بشكل طبيعي عن الله فنقول إنه “يقوم بواجبه" أو يفعل الحق والخير"، ولكن من الغريب أن نتحدث عن الله" يفعل ما يجب أن يفعله". ربما يبدو هذا غريبًا لأن" يجب "و" الواجب " تشير إلى أن الفعل هو عبء يتعارض مع النزعة المعاكسة، وهو ما لا ينطبق على الله.

في وضع "يجب" و"واجب"، يمكننا التحدث عن الله أنه "يقوم بعمل الشيء الصحيح". عندما نقول "أ هو الفعل الصحيح"، فهذا يعني أن "أ" صحيح (جائز) وترك "أ" خطأ (غير جائز). هذا قريب من " يجب" و"الواجب" ولكنه لا يحمل ايحاء بميل معاكس. *

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...............................

* (الميل الطبيعي لدى الشخص أو حثه على التصرف أو الشعور بطريقة معينة).

علي رسول الربيعيالمقدمة: تستخدم مشكلة الشر فرضية أخلاقية شائعة ("إذا كان الله ... فهو ليس خيرًا"). لذلك قد تؤثر نظرتنا حول الأخلاق في كيفية فهمنا لمشكلة الشر.[1]

لنفترض أنك ملحد، بناءً على مشاعر أو بعض النظريات الأخرى، فترفض الحقيقة الأخلاقية الموضوعية. لا يمكنك عندئذ استخدام حجة مشكلة الشر بالطريقة المعتادة المعروفة، حيث لا يمكنك أن تعتقد أو تصدق أن فرضيتها الأخلاقية صحيحة من الناحية الموضوعية.[2] ولكن هناك ثلاث خيارات أخرى على الأقل.

أولا: يتجنب فيلسوف نظرية الخطأ[3] ماكي[4] تأكيد المقدمات التي يمكن مقارنتها بالحقائق الأخلاقية. ويجادل بأن الإيمان بالله الواحد غير متسق في الجمع بين المعتقدات الثلاثة: الله كلي القدرة؛ الله خير تام أو محض. والشر موجود. يتطلب اشتقاق أو استنباط التناقض، كما يقول، مبدأين إضافيين يستندان إلى معنى القدرة المطلقة "و "الخير التام. لكن لألفين بلانتينجا[5] رأيً آخر، إذ يرى أن هذه المبادئ الإضافية مشوهة وأن الصياغة الصحيحة تحجب التناقض. لقد جادل، ايضًا، في اتساق المعتقدات الثلاثة من خلال كشف أن الثلاثة جميعًا سيكونون صحيحين في حالة محتملة موصوفة من خلال صيغة تقوم على تقاليد الثيودسي (وهي صيغة مشهورة وتعني إثبات الخير الإلهي والعناية الإلهية في ضوء وجود الشر). وعليه، يمكننا قبول أن بلانتينجا دحض بنجاح تهمة التناقض التي قدمها ماكي.

ثانيا: تجنب أنتوني فلو[6] أيضًا المقدمات التي يمكن تفسيرها على أنها حقائق أخلاقية. لكنه سأل المؤمنين ما هي التجارب التي ستقودهم، بشكل صحيح، إلى التخلي عن القول أن "الله يحبنا". ورأى أن المؤمنين الذين قالوا إنه لا توجد تجارب ستقودهم إلى رفض هذا، فأنهم يعيدون القول بأن هذا الاعتقاد بلا معنى. طبعًا من الواضح يستند هذا الاستنتاج إلى صيغة من الوضعية المنطقية التي فقدت مصداقيتها الآن. ويمكن للمؤمنين أن يجيبوا، "إذا رأيت أن الله يجعلنا نفعل الشر ثم عاقبنا بشدة إلى الأبد على فعل ذلك، فسنتوقف عن تصديق أن الله يحبنا".

ثالثًا: يمكن أن يعطينا العاطفيون حقائق مزعومة حول كيف أن الله، إذا كان موجودًا، سيكون قاسياً لخلقه هذا العالم، على أمل أن يقودنا هذا إلى قول إن الله يحبنا. لذلك، تتوفر عدة أشكال من اعتراض مشكلة الشر من قبل الفلاسفة الملحدين الذين يرفضون الحقيقة الأخلاقية الموضوعية. ويمكن للمؤمنين الدفاع عن أنفسهم باستخدام ما يعرف بـ الثيودسي الإيرياني. [7]Irenaean theodicy

إن حل نظرية الأوامر الإلهية التقليدية لمشكلة الشر؛ الخير = إن فعل ما يريده الله هو خير بشكل تلقائيً؛ وهي بهذا تستند أخلاقيا على إرادة الله الحكيم والمحب. فتكون القضية هي ما إذا كان عالمنا، سوف ينتصر على عذاباته وبؤسه، فيمكن أن يكون قد خلقه إله حكيم ومحب. والجواب هنا طبقًا لـ  Ireanaea theodicy  سيكون بنعم. لكن. هذا غير قابل للتصديق؛ لا بد أن يكون الشر مشكلة للمؤمنين

اعتبرت نظرية القانون الطبيعي أن البشر يخضعون لمعايير أخلاقية من ثلاثة أنواع: عقلانية وبيولوجية وروحية. كيف ينطبق هذا على الله ومشكلة الشر؟ يرى المؤمنون أن:

المعايير الروحية: قد ينطبق حب الله قبل كل شيء على الله أيضًا، لكن هذا لا ينطوي على مشكلة الشر.

المعايير البيولوجية: من بين القواعد البيولوجية التي تنطبق على البشر، تلك التي تمنع السرقة والكذب والقتل والزنا هي القواعد الأساسية. تستند مثل هذه القواعد إلى تطبيق العقل العملي على الطبيعة البشرية ولا تحتاج إلى تطبيقها على كائن عقلاني آخر. تخيل الملائكة وهم لا يحوزون ممتلكات مثل البشر وبالتالي لا يسرقون من بعضهم البعض، ويعرفون بالفعل كل الحقائق فلا يرتكبون الزنا. الله أيضًا له طبيعة مختلفة تمامًا عن طبيعتنا ولن يخضع لمعاييرنا البيولوجية. هل يمكن أن يكذب الله؟ إنه يتحدث إلينا بشكل غير مباشر فقط. هل يسرق الله؟ لا. أنه يملك الله كل شيء. فهل يزن؟ طبعا لا لأنه ليس جنسيا. هل يقتل الله؟ نعم، أنه يقتل الجميع في النهاية. لكن هذا مطلوب في عالمنا الحالي لإفساح المجال للجيل القادم[8]

لقد اتبع الله معيارًا يناسب طبيعته بوصفه الموجود الأسمى. فقد صمم العالم ليست ليجعل الحياة سهلة أو ممتعة، ولكن بالأحرى ذات مغزى مكثف. وضعنا الله في رحلة مليئة بالتحديات للحياة الأبدية، حيث نكافح ضد الشر لننمو في الحكمة والمحبة. سيكون مصيرنا النهائي أكثر قيمة وذات مغزى لأنه يأتي بعد صراع طويل.

المعايير العقلانية: إن الله، ككائن عقلاني على دراية بالحقائق والوقائع، ولايصدر عنه الكذب، وثابتًا. إنه بصفته كائنًا مثاليًا يستوفي هذا تمامًا. لكن هل يتسق هذا حقًا مع القاعدة الذهبية؟ هل يعامل الله، في خلقه العالم، البشر المعذبين كما يمكن أن يتعرض هو نفسه (أو أي شخص يحبه بشدة) للكثير من الألم والمعاناة من أجل حياة ذات معنى بطولي.

يعتقد المؤمنون أن الكسب الذي يحصلون عليه يستحق الألم من وجهة نظر الأبدية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

....................................

[1] أنظر:

Carson, Thomas (2007) "Ontology, realism, and the problem of evil," Philosophy and Phenomenological Research 75: 349-68.

[2] جيم لويس وآخرون يدعون أن أي فرضية أخلاقية تتطلب الإيمان بالحقائق الأخلاقية الموضوعية وبالتالي الإيمان بالله. يتجنب ماكي المشكلة من خلال عدم التأكيد على حقيقة الفرضية الأخلاقية ولكن فقط الإشارة إلى التناقض في نظام معتقدات المؤمن.

[3] أنظر:  الربيعي، علي رسول : نظرية الخطا في الأخلاق  وصلتها بنظرية الأوامر الإلهية

 https://www.almothaqaf.com/a/b12-1/944895    

[4] Mackie, J. L. (1955) "Evil and Omnipotence, Mind 64: 20-12.

[5]Plantinga, Alvin (1974) God, Freedom, and Evil. New -York: Harper and Row.

[6] Flew, Antony (1955) "Theology and falsification, New Essays in Philosophical Theology, ed. Flew arts Macintyre, New York: Macmillan,96-99.

[7] https://en.wikipedia.org/wiki/Irenaean_theodicy

[8] Clancy, Tim (201:2.) "Engineering immortality: Radical life extension and its crit­ics," Proceedings of the Jesuit Philosophical Association (2012): 17-32.

 

 

علي محمد اليوسفتمهيد: سادت بين هيجل وشوبنهاور علاقة عداوة وبغضاء كان الخاسر الاكبر فيها شوبنهاور في عدم إمكانيته مجاراة خصمه اللدود هيجل، وأخذ شوبنهور إستفزاز هيجل في الجامعة في محاولته تأليب الطلبة عليه في جعله توقيتات محاضراته هي في نفس مواقيت محاضرات هيجل، في مسعى تأكيد فرادته العبقرية الفلسفية وفشل بمسعاه، وأصدر كتابه الشهير (العالم إرادة وتمّثل) أراد التفلسف به، فلم يلق الكتاب أدنى إهتمام لا يستحقه أصلا إلا بعد مرور فترة طويلة من رد ألاعتبار له. وفي هذه المقالة أستكمل مناقشة بعض آراء فيلسوف الارادة شوبنهور، بعد أن تناولته بمقالة سابقة نشرت لي بعنوان ( فلسفة شوبنهاور وبؤس الإرادة).

هيجل والمطلق

عندما يقول هيجل الفن والجميل هو الوجود الحسّي في المطلق. نجد كم كان هيجل عميقا في أفكاره الفلسفية الثاقبة رغم نزعته المثالية، فهو يعتبر العقل هو الروح المطلقة أو الفكرة المطلقة في إدراكها المتناهي محاولة الوصول لمرحلة أدراكها المطلق اللامتناهي، إذ يعتبر هيجل المطلق ليس مفهوما ميتافيزيقيا متواريا خلف محدودية إدراك العقل البشري أن يطاله. بل المطلق هو فكرة لا محدودة ولا متناهية في إدراكها موجودات الطبيعة بنفس آلية ممكنات إدراكها ما هو غير مادي ولا متعّين لا يدرك بالحدس الحسّي المباشر.

ولا فرق عند هيجل بين محدودية الإدراك الذاتي عن إدراك فكرة المطلق الذي لا يعتمده هيجل ولا يتعامل معه ميتافيزيقيا. ويبدو من فلسفة هيجل أنه لا يتنكر لوجهة النظر الفلسفية التي ترى الانسان وجودا وجوهرا ميتافيزيقيا لا يمكن نزعها ولا مصادرتها منه.

المطلق المدرك عقليا حسب الفهم الهيجلي هو الإمكانية غير المحدودة في إدراكها اللامتناهي في تفعيل الخيال بدلالة العقل في محاولة الوصول الى مابعد اللغة والتعالي على محدودية الادراك الحسي. وضرب هيجل مثلا على ذلك الفن والجمال بمقولته الفلسفية " أنّه الوجود الحسّي في المطلق" بمعنى الوجود الحسّي هو إدراك ذاتي ليس غايته إثبات وجود الذات الانطولوجي بالمغايرة المادية أو غير المادية الخيالية، بل هو إدراك مطلق الوجود ورغبة وصول إدراك (الانا) تخوم ما يعجز بلوغه العقل في محدوديته الإدراكية خارج بلوغ فكرة المطلق والوصول له بالعقل الخيالي لا بغيره الذي يعبر المتّعينات الكينونية التي تحّد من إنطلاقة الحس الإدراكي المحدود أنطولوجيا. فالمتصّور الخيالي للمطلق هو تحقق وجود العقل في إدراكه ألاشياء بالطبيعة وفي والكوني معا.

من المعلوم جيدا أن الوجود الحسّي لمدركات الوجود هو متناه محدود لا يتجاوز قدرة إستيعاب منظومة العقل الإدراكية للاشياء خارج أبعادها في محدودية الإدراك الحسّي لها. وبهذه المحدودية للعقل حسّيا لا يمكنه بلوغ ما هو مطلق لا متناهي الوجود. من حيث الوجود الحسّي بحكم محدوديته الإدراكية فهو لا يأخذ منتهى مداه في فضاء اللانهائي المطلق. ولا يأخذ الوجود الحسّي منتهى إدراكه في تحققه الوجودي من غير التحليق خارج محدوديته التي تسلبه قدرة الوصول لفضاء إدراكي لامحدود.

أي حين يكون الوجود الحسّي مطلقا وجوديا لا يكون ذلك ولا يتحقق إلا في ممارسة التحليق والانطلاق خارج محدوديته الإدراكية موجودات أنطولوجية محسوسة. وبهذا تكون مقولة إسبينوزا الذي تعامل معها هيجل بمنهج إدراكيّ مفتوح تماما على جعل المطلق ممكنا حدسيا تلك هي مقولة (أن كل تحديد هو سلب)، المقولة التي تؤكد محدودية الشيء تكون سلبا في الإبقاء على بعض الصفات الإدراكية في كينونة حبيسة الإدراك المحدود على حساب تغييب جميع الصفات الايجابية التي يغتالها الوجود المحدود الذي هو سلب لا يتعايش مع الإيجاب من الصفات التي يلغيها التحديد بإعتباره سلبا. ولا يدخلان صفات السلب التي كرّستها المحدودية مع صفات الايجاب التي نزعتها نفس المحدودية من انطولوجيا الشيء المدرك في تضاد جدلي متجانس الخواص الطبيعية ليكون مبعث إستحداث حالة مستجدة..

الذات التي هي التعبير المادي لمعنى الوجود الحسّي لا يمكنها الخلاص من سجن وتقييد محدوية الوجود الإدراكي إلا عبر وسيلة التموضع في كل ماهو جميل وفي مختلف ضروب الفنون. الفنون والجمال هي مطلق وجودي إتخذ صفة الشكل والمحتوى المتعيّن إدراكيا بينما هو في حقيقته تجسيد لبلوغ الذات مراتب من  تحقيق المطلق اللامتناهي غير المحدود الذي يتجاوز الحسّي الجمالي في محاولة الوصول لكل ماهو مطلق لم يدركه المحدود وجودا.

كل جميل وفن هو خلاص ناجز ل (أنا) من محدودية التعيّن الوجودي لها في بلوغها فضاءا مطلقا تحتويه ذات المتلقي التي تلازم كل معطى جمالي في الطبيعة أو مصنوعا في الفن...علما أن هيجل يعتبر الجمال الفني الابداعي المصنوع أرقى وأسمى يتجاوز المعطى الجمالي الإعجازي في نظام الطبيعة وتكويناتها التي غالبا ما تكون عابرة للخيال الفني والجمالي المصنوع.

الجمال بالفهم الهيجلي الإبداعي المصنوع ليس في محاكاة جمال الطبيعة حسب الافلاطونية القديمة، بل في الخروج على جميع تلك المواضعات المستمدة من الطبيعة، وفلسفة هيجل في خروج الجمال الفني على مواضعات جمال الطبيعة أنتجت بمرور الزمان مدارس فن التجريد الحديث. كما في أعمال كاندسكي وبراك وبيكاسو وسلفادور دالي وغيرهم.

ونستطيع القول أن هيجل بإعتباره الفن الابداعي المصنوع متجاوزا في أصالته وليس في جماليته المجردة، روح الطببيعة في إنفتاحها الفضائي غير المحدود.

هيجل إعتبر النظام الجمالي الإعجازي في الطبيعة، هو إعجاز إيماني كما إعتمده سبينوزا في مذهب وحدة الوجود، الذي كان اسبينوزا يعتبر هذا الاعجاز هو الجوهر الذي يقوم عليه صانع أكبر وأكثر إفصاحا شموليا هو وجود الخالق كجوهر تعرف بدلالته الطبيعة والوجود. سبينوزا قلب مفهوم الجوهر الذي يعرف بدلالة الوجود الى أن الوجود يدرك بدلالة الجوهر.

هيجل أراد فهم مذهب وحدة الوجود فلسفيا لا دينيا ليس بدلالة الإعجاز في نظام الطبيعة كجوهر إيماني ديني بل كجوهر (مثالي) لا يكون جوهر الخالق دلالة الإعجاز فيه بل الجوهر الحقيقي في مطلق لا نهائي يدركه العقل.

الشيء الذي نستطيع البناء عليه هنا أن الطبيعة في إدراكها الحسّي هي معطى محدود بإمكانية إدراكه، بمعنى كل جمال الطبيعة في حقيقته هو سلب محدود الصفات يفقد قيمته بالتقادم الزمني خلاف الفن المصنوع الذي هو نزوع نحو بلوغ مطلق يتجدد بالاضافة واستمرار التراكم الكمي والنوعي عليه. جمال الطبيعة هو جمال إعجازي متآكل لعدم قابليته تقبّل الإضافة عليه ولا قابلية الطبيعة تجديد جمالها الإعجازي ذاتيا. جمال الطبيعة مكتف ذاتيا وثباته محكوم في محدودية السلب الادراكية لذا يكون الابداع الفني المصنوع يبقى تراكما فنيا مصنوعا عرضة دائمية في تقبّله الاضافة التجديدية النوعية عليه.. جمال الطبيعة الاعجازي يصبح ثباتا سلبيا في محدوديته الادراكية وفي تقادم الزمن عليه.

مثال ذلك اللوحة الجميلة هي وجود متعيّن وصل مراحل مطلق الوجود بدلالة ذات إدراكية تستوعبه وتتموضع ذاتيا حسّيا ونفسيا فيه خارج محدودية متعيّن اللوحة التي يشاهدها ويتأملها المتلقي بمشاعرإدراكية عابرة لمحدودية وجودها الحسّي بفهم غير متموضع في تشكيل اللوحة أو المنجز الإبداعي الجمالي التقني الفني المصنوع.

كل لوحة فنية أو متعيّن جمالي هي ذات تريد تجاوز محدوديتها الادراكية الفنية لتكون بالنسبة للمتلقي وجودا حسّيا مدركا في فضاء مطلق غير محدود. لذا نجد تأثير شيلنغ بنزعته الرومانسية، وهولدرين الشاعر الالماني الذي تقمّص حالة الجنون في محاولته كسر وجوده المحدود نحو تحقيق مرتبة متقدمة في التعالي الروحي على طريق بلوغ الوجود الحسّي في المطلق شعريا.

كان تأثير تجربة الشاعر هولدرين الفريدة هذه بعد أن تمكن منه الجنون تماما كبيرا على هيجل ومن قبله نيتشة وعلى هيدجر وفوكو فيما بعد. لقد ردد نيتشة عبارات عن الجنون متاثرا بجنون هولدرين وهو طريح الفراش في مرضه من أن حقيقة وجودنا أن نكون في قلب الجنون ، وأن الجنون حقيقة وجودنا المتفق عليه مجتمعيا، وغيرها من عبارات تعتبر واقعنا المعيش وهما زائفا لا معنى له ربما يكون عالم الجنون أكثر معيارية إنسانية مغيّبة من عالمنا الذي نعيشه كوهم زائف إعتدنا عليه رغم حقيقته الاستلابية التي ينتزعها من الفرد والمجموع.

نيتشة في إنبهاره بتجربة هولدرين في تقمّصه حالة الجنون ليكون مجنونا إجتماعيا وعاقلا فيلسوفا في بحثه عن الخلاص شعريا في تجربة واقع يدركه المجنون ولا يستطيع إختباره العاقل...ما دعى نيتشة يؤمن أن عالم الجنون أكثرأصالة واقعية عقلية وصدقية من عالمنا الذي ندّعيه حقيقيا وفيه الزيف ينخره ويحكمه كل سيء وغير انساني ليتقوّض عالمنا الزائف باستمرار ألإنحدار.

شوبنهاور والمادة

حين أراد شوبنهاور قلب النزعة المادية، عمد الى الآلية الكلاسيكية المثالية في تغليب أسبقية الفكر على أسبقية المادة في محاولة توكيد فرضية إدراك الذات تسبق الوجود المادي. وعبّر عن ذلك قوله " الفيلسوف المادي يذهب بعيدا بالخطأ أن هذا العالم الخارجي هو العالم الحقيقي، ويتخيّل بصورة زائفة أن الذات التي تعرف والإرادة هما نتاج المادة، بدلا أن يفهم بصورة صحيحة أن العالم الخارجي ليس سوى تمّثل بالنسبة لذات تدين بأصلها للارادة أيضا"1

تعقيب توضيحي

- الذات في وعيها الوجود إدراكيا لا تخلق المادة ولا تخلق أي موجود مادي بالعالم الخارجي يكون موضوع تحقق وجودها الحسّي، في محدودية ومطلق الإدراك الذي هو تجريد تصوري لغوي أخذ تموضعه في ادراكاته ليس فقط من أجل تحقيق وعي وجود الذات المدركة ، وإنما من أجل معرفة ماهيّة ما تدركه الذات من مواضيع وأشياء.

- الذات خاصّيتها الأساسية أنها تجريد يتموضع في كل الموجودات المدركة وتعي ذاتيتها تماما وتدرك الوجود من حولها ، لكنها تبقى عاجزة أن تخلق وجودا ماديا لشيء إستوفى وجوده الإدراكي تجريديا من وعي الذات.

إدراك شيء موجود باستقلالية في العالم الخارجي لا يكون موجودا في خلق الذات الادراكية المجردة لوجوده، بل الإدراك في مسعى الذات معرفته تكون من خلال علاقة تجريد إدراكي منفصلة عن الشيء المدرك كمادة.

- تموضع اللغة الإدراكية بموضوع إدراكها لا يجعل منها تكوينا ماديا ملحقا بموضوعها، ولا تخلق موضوعا مستقلا آخر نتيجة إدراكها. ماهيّة الفكر الإدراكي التجريدية لا يمكن أن تكون وتتحول في جدلية إدراكها ألمادة أن يتحول الفكر الإدراكي الى تموضع مادي يدخل تكوينه ويغادر خاصّيته التجريدية.

- تموضع الذات في المادة لا يجعل منها مادة مدركة حسّيا من غيرها كما تدرك الذات المادة في وجودها المادي المستقل في العالم الخارجي والطبيعة. الذات تبقى تجريدا إدراكيا في حال تموضعها الإدراكي في الاشياء أو في حال وعيها لذاتها وللعالم الخارجي.

- العالم الخارجي هو مصدر الإدراك ليس بسبب موجوداته المادية المتعينة إدراكيا، فعالم المخّيلة والذاكرة أيضا يكون مصدرا لإدراكات مواضيع لا حصر لها غير مادية ولا واقعية بل خيالية. ورغم تجريديته الخيالية يبقى موضوعا لإدراك يتناوله.

وإدراك الذات للعالم الخارجي لا يعني إمكانية الذات إستيلاد عالما ماديّا آخر إمتدادا له من الناحية المادية بل تبقى ذاتا منفصلة تحمل إستقلالية تامة عن موضوع إدراكها تتوخى معرفته على مستوى تعبير الفكرواللغة عنه فقط. فالإدراك العقلي غير محايد بل هو عامل جدلي لا يتوقف ولا ينتهي لكنه يبقى الإدراك جوهرا تجريديا مصدره المادة ولا ينوب هو عن المادة وجودا. ومثلما لا يحوّل الإدراك المادة الى فكر كذلك يتعذر أن تؤثر المادة بالفكر وتحويله الى مادة. العلاقة الجدلية بين الفكر والمادة هي علاقة تنتج حالة من الوجود الثالث المستحدث جدليا دونما فقدان خصائص كلا من الفكر كتجريد والمادة كوجود مادي مستقل غير عاقل.

- المادة لا تنتج أفكارا تجريدية مباشرة عنها، بل المادة في جميع تشّكلاتها وتنوعاتها وتجليّاتها إنما هي موجودات مستقلة باعثة إلادراك والتفكير بها ، والذات المدركة هي التي تنتج الافكار وليس المادة في وجودها المستقل في العالم الخارجي كما يعبّر شوبنهاور.

- الوجود المادي للاشياء في العالم الخارجي لا يعطي الإدراك أفكاره، بل المادة تكون مصدر أفكار الإدراك عن تلك المادة ويبقى الإدراك هو الإحساسات التصوّرية والتمّثلات التي تجعل من المادة موجودا يستحق الإهتمام. يبقى الإدراك تفكيرا حسّيا وتبقى المادة موجودا غير إدراكي ولا يستطيع التعبير عن نفسه.

- ماينتج عن الذات المدركة للاشياء بمغايرة صفاتية وماهوية ماديّة عنها، ليست تصورات زائفة لعالم غير حقيقي، الذات لا تكون إدراكا حقيقيا كما يرغب شوبنهور في انتاجها لعالم من التمّثلات والتصوّرات التي لا تشاكل عالم الإدراك الخارجي في وعي نعيشه حينما تكون إدراكات ذلك الوعي لا تمّثل العالم الخفي المحتجب خلف الصفات للعالم الخارجي الذي ندركه كما يرى شوبنهاور، عندها نكون بحاجة حفاظا على الإدراك العقلي أن لا يكون إنفصاما مرضيا أن نضع معايير ماهو الواقع الحقيقي الذي يمكننا إعتماده في علاقته بالذات المدركة التي أصلها إرادة كما يصفها شوبنهاور حين يكون إدراكها العالم الذي تعيشه زائفا غير حقيقي.

الفرق بين العالم المادي الحقيقي هو أنه موجودات يدركها العقل ولا تخلق وجودها الارادة، والعالم الذي يكون رديفا محايثا لعالم الواقع هو من صنع إدراك ذاتي لا يكون بالضرورة هو أفضل من عالمنا الذي نعيشه وتحكمه قوانين ثابتة.

شوبنهاور والزمان

يعبّر شوبنهاور عن علاقتنا الوجودية بالزمان على النحو التالي " إذا نحن تفحصّنا بصورة نقدية مكونات العالم الخارجي، أنظر مثلا الى الزمان ستجد كل ما يقع في العالم الخارجي يحدث في الزمان. أما الزمان فهو لا شيء سوى التعاقب، أنظر الى المكان ستجد لا شيء سوى أنه إمكانية التحديد المتبادل لأجزاء بعضها ببعض في مواضعها الخاصة، ويمكن تصور الزمان والمكان بغض النظر عن المادة، بينما لا يمكن تصور المادة بغض النظر عن الزمان والمكان " 2

تعقيب توضيحي

-  ما هو الجديد المترتب على تعبير شوبنهاور "ستجد كل ما يحدث بالعالم يحدث بالزمان"؟ الزمان إدراك مادي للعالم الخارجي، وليس الزمان وعاءا يحتوي موجودات العالم الخارجي كما تحتوي القربة الماء بل يلازمها بالمزامنة معها. الزمان ليس فراغا يحتوي الطبيعة وموجودات العالم، بل الزمان هو إدراك بدلالة غيره ومن غيره لا قيمة ولا فاعلية لقالبي الادراك الزمان والمكان اللذين قال بهما كانط.

- هذا العالم ندركه ماديا بدلالة الزمان - المكان ولا ندرك الزمان تجريدا منفردا إلا بدلالة مقدار حركة الموجودات مكانيا فقط. المكان ليس مدركا ماديا لا يداخله الزمان وجودا. فالمكان في كل تحولاته وإنتقالاته الحركية هو إدراك زماني. وحين أضاف انشتاين الزمن بعدا رابعا للمادة، إنما يكون تعليل ذلك المهم من الناحية الفيزيائية العلمية إثبات حقيقة أنه لا يمكن إدراكنا المادة مكانيا مجرّدة عن زمانيتها.

كل مادة أبعادها الانطولوجية ثلاث هي الطول والعرض والارتفاع. لكنما بعد إضافة أنشتاين الزمن كبعد رابع للمادة فهو بذلك يؤكد إستحالة إدراك المادة بأبعادها الثلاث الطول والعرض والارتفاع مجردة من بعدها الرابع الزمن الذي هو غير مادي ولا يدخل في تكوين المادة بل هو (إدراك) تجريدي للعقل لا يقوم إلا في تزامن زماني للمكان.

- الزمان هو حركة قياس مقدار حركة جسم وليس تعاقبات متتالية في رصدها الوجود المكاني كما عبّر عنه شوبنهاور. عندما نقول مكان يعني أننا ندرك موجودا (زمكانيا) لا يمكن الفصل بينهما. الزمان وحدة كلية تداخل كل شيء مكانيا حين نقول شجرة ، منضدة فنحن نقصد إدركنا شيئا معيّنا يداخله المكان والزمان معا. الزمان لا يدرك من غير دلالة وجود أو حركة مكانية. والمكان يدرك ماديّا بدلالة زمان غير مادي يداخل وجوده المكاني بالحركة.

بالعودة الى تعبير شوبنهاور بدلالة ماذا يتاح لنا إدراك الزمكان لوجود الشيء؟ حسب تعبير شوبنهاور " يمكننا إدراك الزمان والمكان بغض النظر عن المادة ، بينما لا يمكن تصور المادة من دونهما " الشطر الثاني من العبارة لا يمكننا إدراك الزمان والمكان من دون المادة صحيحا.

ويبقى التساؤل (الساذج) المشروع بدلالة ماذا ندرك الزمان والمكان بغياب الإدراك المادي الحركي للاشياء،؟ حين يقول شوبنهاور" يمكننا إدراك الزمان والمكان بغض النظر عن المادة" كيف نفهم الزمكان تجريدان ندركهما بدلالة لا شيء مادي؟ الزمان والمكان إدراك مادي وليسا تجريدين لامعنى لهما ولا نستطيع إدراكهما لا منفصلين ولا متحّدين بغير دلالة تلازم وجود حركة جسم فيهما.

- لا يمكننا حدس ما هو مجرد غير مادي بإدراك لا مادي، بمعنى الإدراك لا يدرك نفسه. بل هو جدل فاعل بين مادة وفكر. الزمان والمكان قالبا إدراك مركوزان بالعقل فطريا بالولادة حسب تعبير كانط، ومن دون قالبي الزمان والمكان يتعّطل إدراك العقل نهائيا. قالبا الزمان والمكان بضوء فلسفة كانط هما قالبان تجريديان محفوظان بالعقل، ومن غير وجود موضوع مادي يدركانه لا قيمة معرفية لهما، ولا قدرة إفصاحية لهما ندركهما بها غير ملازمة وجود المادة لهما كموضوع يدركانه. فقط إرادة شوبنهاور تدرك الزمكان من غيرمقدار حركة مادة.

الادراك والارادة

فلسفة شوبنهاور في مجملها تقوم على فرضيته الانسان كينونة وجودية عاقلة تحكمها الإرادة. وليس خاصّية الانسان الفطرية النوعية أنه عقل يدرك يتساءل يفّكر. هذه الخاصّية تحكم الانسان أنه موجود يعايش الطبيعة ويتمايز عنها بخصائص عديدة لعل في مقدمتها ضرورة أن يعي وأن يعرف وأن يكون.

يعبّر شوبنهاور في دوران وجود الانسان المحكوم بالدوران المركزي حول تفعيل دور الإرادة قوله " إذا لم تكن لديك رغبات – مبعثها الارادة – فانك لا تكلف نفسك عناء إدراك أي شيء على الإطلاق ". 3

ثمة العديد من مفردات فلسفية متداخلة يمكننا إشراكها برابط واحد تشكّل منظومة العقل الإدراكية، وهي حلقات تجريدية لا نفهمها منفصلة بإستقلالية، هي ألادراك ، الوعي، الفكر، اللغة ، الذاكرة ، المخيّلة، الدماغ، وأخيرا الارادة، التي هي المفردة التجريدية الوحيدة التي تكون ترجمتها التجريدية هي سلوك نفسي مهمته تنفيذ إشباع رغبات وحاجات بيولوجية نفسية. ألمهم يبقى السؤال هل الإدراك مبعثه الإرادة، أم مبعثه الإحساسات الصادرة عن موجودات العالم الخارجي التي هي مادية؟ كل تجريد إدراكي يكون مبعثه المادة في وجودها المستقل وليس رغبات الانسان النفسية التي تحركها الإرادة، وفي إنعدام أو غياب المادة كموجود مدرك لا تكون هناك عملية إدراك عقلية. وحين يعتبر شوبنهاور أسبقية الإرادة في تحقق ردود الأفعال الإدراكية، وأنه من دون الإرادة تكون هذه الحلقات الإدراكية لا معنى لها ولا تعّبر عن شيء إنما هو عين الخطأ.

الادراك الحسّي أولى خطوات المعرفة لشيء في نقله الإحساسات الصادرة عن موجودات العالم الخارجي، كتداعيات تنطبع بالذهن في طريق عبورها عبر الجملة العصبية الواصلة الى الدماغ وتحديدا المخ، الذي يتم فيه تحويل إنطباعات الذهن العشوائية الواردة الى أفكار عقلية إنعكاسية إسترجاعية تمّثل ردود أفعال الإيعازات الصادرة عن الدماغ المنقولة للذهن الذي يتوزّعه الوعي وتعبير الفكر واللغة ومخزون الذاكرة والمخّيلة. الإرادة ليست حسما عقليا في مصادرة أن تكون هي الباعث التحفيزي الاولي الأسبق لهذه الحلقات الادراكية التجريدية المرتبطة بمنظومة تفكير العقل. وبخلاف شوبنهاور نقول الإرادة ليست مصدر تحفيز حلقات الإدراك للعمل وفي غياب الإرادة تنعدم رغبة الادراك. إدراك العالم الخارجي ليست رغبة تبتدعها الإرادة، بل هي فطرة انسانية، والوجود والطبيعة وما وراءهما هي حوافز لتفعيل الإدراك وليست الإرادة بإعتبارها شعورا نفسّيا لا يحكم العقل بألإدراك..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

...............................

الهوامش:

1- وليم رايت /تاريخ الفلسفة الحديثة /ت :محمود سيد احمد / مارجعة وتقديم امام عبد الفتاح امام ص 356

2- نفسه ص 357 /3. ص 351

 

محمد لمعمر"إن طاحونة اليد تعطيك مجتمعا ومعه اللورد الاقطاعي، بينما تعطيك طاحونة البخار مجتمعا ومعه الرأسمالي الصناعي". كارل ماركس

حاجتنا إلى فلسفة كارل ماركس

يجب الاعتراف بأن الحداثة السياسية والحقوقية، جلبت للإنسان المعاصر حقوقه السياسية والمدنية، ورسخت بالقوة والفعل، لوائح الدفاع عن حق الانسان في الوجود والحرية والامتلاك، لكن، منطق الرأسمالية الجشع عوض أن يساير هذا المكتسب الإنساني، أساء إلى تلك الحقوق، حيث تم اغتيال كرامة الانسان العامل، وصار أداة مسخرة لتحقيق الربح السريع وجني الثروة لصالح فئة معينة، خاصة في دول العالم المتخلف، حيث لا زالت العبودية السياسية والاقتصادية والاجتماعية حاضرة بقوة، وعلى حساب الكرامة الإنسانية، والعيش الكريم. هنا تظهر الحاجة إلى فكر ماركس السياسي والاقتصادي، حيث الارتباط بالواقع، والتطلع إلى تحقيق غايات الأفراد والمجتمعات عبر النضال المستميت، فالماركسية أمدت الانسان بأدوات التحليل المادي، لفهم براديغم الممارسة السياسية، وتفكيك منطق السلطة، والوقائع السياسية والاجتماعية.

بعض التحليلات الأيديولوجية المتسرعة، ترى أن ماركس بنقده للدولة الرأسمالية قد بث الروح في الإنسانية الحالمة والمتطلعة إلى السعادة، وذلك بجعلها تعيش الأحلام فقط، تلك قراءة تجزيئية تبسيطية واختزالية لفلسفة ماركس السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لأن الرؤية العميقة لمنتوج ماركس، تكشف عن عمق التفسير العلمي الرصين، حيث فهم حركة التاريخ وتطور الأنظمة وتقدم المجتمعات، وإعادة الاعتبار للنضال ومقاومة ظلم الرأسمالية المتوحشة.

روح ماركس، تجلت في نداءات التحرر التي اجتاحت قارات الأرض، حيث رفعت المجتمعات الانسانية شعارات كثيرة، كالحرية والتحرر، والعدالة الاجتماعية والخبز واللقاح ضد كورونا للجميع، داعية لهدم وتقويض أسس الاستلاب، وتحقيق الحق الإنساني في العيش الكريم العادل، ومقاومة الأصنام الرأسمالية الجديدة، انطلاقا من الانسان ذاته، وليس التوسل بنبوءات لاهوتية. النضال والثورة الفكرية والتنوير العقلي والصراع ضد الديكتاتوريات لتغيير العالم المعيش، قد تبدوا هذه العناصر ميتافيزيقية وخيالية، ولكنها لا زالت حاضرة في وقتنا الراهن، وثورات الربيع العربي خير مثال على ذلك، حيث خرجت شعوب إلى الشارع مطالبة بالتغيير، فسقطت أنظمة، وماتت اصنام، وتشكلت دساتير جديدة جعلت للشعوب مكانة معتبرة رمزيا، وأن صمت الشعوب لا يعني الانقطاع عن الكلام، ولكنه تجميع لعناصر القوة. من أجل إنطلاقة جديدة.

فالثورات التي حدثت في العالم المعاصر، موشومة بأطياف ماركس، وروحه الفكرية التي لا زالت محلقة فوق المعامل والمصانع والشركات المتحكمة في رأس المال، والمستغلة للطبقة العاملة، النضال الأممي المفعم بالأمل الإنساني، والمجسد لرغبة الشعوب في الانعتاق من الظلم، إنه نموذج مميز للحداثة الماركسية في ثوبها الإنساني، حيث خلخلة الواقع المادي، وفضح المؤسسات الدينية، وهزها من جذورها، في أفق فهمها وإدراك أوهامها. عبر عملية الوعي بالجدلية المادية، بحيث يصبح العمل الفلسفي ممكنا، عبر أليتي الفهم والتغيير، إنها الهزة السياسية التي أحدثها ماركس داخل الوعي النضالي.

استهلال واستشكالات:

الماركسية بشكل عام تسعى إلى فهم العالم في أفق تغييره، تبعا لمنطق المادية الجدلية، وفي ذلك خدمة للإنسانية، وتغيير للحياة السياسية والاجتماعية، رؤية ماركسية موشومة بالتقدم والتغيير وفق صيرورة جدلية وسيرورة تفاعلية، وتفسير كلي للأحداث بمختلف تجلياتها، الماضية والحاضرة والتطلع للمستقبل. تفسير ينصب على دراسة الأشياء، وكيفية انتقالها، ونشوئها، بما في ذلك البحث في مسالة نشأة الدولة وأفول نظامها، ليبزغ فجر نظام جديد من رحم النظام السابق. فنقد ماركس للدولة الرأسمالية، نقد جذري لجميع أنماط الحكم، بإبراز عيوبها ومساوئها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. يتجلى ذلك في رؤية ماركس لمسألة الاقتصاد والتحليل النقدي للمسار السياسي للتاريخ، لذا، فتعاليم ماركس السياسية، مرتبطة برؤيته للشأن السياسي، وفهم التاريخ والقانون، بمعنى فهم المجتمع في وضعيته الراهنة. وهو ما يفسر اهتمام الفلاسفة بفكره، كألتوسير، ومشيل فوكو، ويورغن هابرماس، وجاك ديريدا...

فكر ماركس السياسي والاقتصادي، غني بتصورات نقدية حول التحولات العالمية الكبرى، المميزة لمنطق العولمة، حيث الصراع على الثروات، والصدام بين الدولة والشعوب، فلا أحد بمكنته اليوم إخفاء الدور الكبير الذي تلعبه نظريات ماركس والماركسية، في فهم أساليب الاستغلال والاضطهاد والاستحواذ الناتج عن جشع النظام الرأسمالي، فالعولمة حالة مفهومية، معبرة عن تاريخ ليبرالي تهيمن عليه النزعة الفردانية والطبقية، حيث ولادة أصنام جديدة من الاستعباد والاستلاب والتشييء.

إن فهم الفكر الماركسي المتعلق بمسألة السياسية/ الدولة، يتطلب الحضور المكثف لمجموعة من المفاهيم، كالمادية التاريخية، والظروف الاقتصادية، وقيمة العمل، والصراع الطبقي، والبنيتين التحتية والفوقية، وتفكيك طبيعة الرابطة بين المادية التاريخية ونظريته حول قيمة العمل [1]. حيث الارتباط بالواقع المادي، والنظر لكيفية تطور حركة المادة، عبر النفي، والصراع بين الأضداد/ الأنظمة، الذي يجعل العقل، وكأنه مجرد تمظهر عضوي لحركة المادة [2]. وفي ذلك، مخالفة للتصورات المثالية التي ربطت الدولة بالعقل المطلق على طريقة هيغل، أو نظرية العقد الاجتماعي مع فلاسفة الأنوار. فالرؤية المادية الواقعية لماركس تتجلي في نقده لهيغل، منهجا وتصورات، معتبرا أن الجدل الهيغلي يمشي على رأسه وقد وجب قلبه ليمشي على رجليه. (علما أن المادية الجدلية علم متطور، وكل اكتشاف رئيسي في العلم الطبيعي، والتغيرات التي تحدث في الحياة الاجتماعية تفيد في دعم وتطور مبادئ وقضايا المادية الجدلية، التي تستوعب الدليل العملي الجديد والخبرة التاريخية للإنسانية) [3]. فما هي نظرية ماركس للدولة؟ وما أصل الدولة بالنسبة له؟ وأين تتجلى أهميتها، خاصة في تاريخنا المعاصر، المشوب بشوائب الاستغلال والاضطهاد؟ ولماذا انتقد ماركس الدولة الرأسمالية؟ وما مآل النظام الرأسمالي في فكر ماركس السياسي والاقتصادي؟

المحور الأول: الماركسية وأصل الدولة

1- الانسان بين العقلانية والانتاجية

ينطلق ماركس في حديثه عن الدولة، من مبدأ يتعلق بكون الاقتصاد هو عصب الدولة الحديثة وقطب الرحى فيها، فهو لب المجتمع بحيث يصعب، بل، يستحيل النظر إلى المجتمع والدولة دون الحديث عن الجوانب الإنتاجية والاقتصادية، لذا، ففهم الاقتصاد يستدعي من الناحية النظرية والمبدئية، فهم العناصر المتحكمة في المجتمع والمساعدة على تطوره الكمي والكيفي، بما في ذلك فهم العلاقات الرابطة بين الطبقات الاجتماعية المحكومة بنمط إنتاج معين، فالاقتصاد هو قوة محركة للمجتمع والدولة والتاريخ. إلى درجة أن هناك علاقة جوهرية بين الدولة والاقتصاد، وبين الاقتصاد والمجتمع، فاكتشاف الاقتصاد هو الأساس الحقيقي للمجتمع، والحياة الإنسانية بصفة عامة [4].

يرى ليو شتراوس وجوزيف كروبسي، أن ماركس في معرض حديثة عن تحليل الاقتصاد الرأسمالي مثلا، وما يطرحه من تفاوتات واستغلال بشع لقوى الإنتاج، يفكك مفهوم العمل، محددا قيمته، وأثره على ذاتية العامل، فالعمل وسيلة لفهم كيفية حصول الإنتاج، من الإنتاج البدائي إلى الرأسمالي، والانتقال من الماضي إلى الحاضر، ومن نظام الى أخر، وتلك هي المادية التاريخية، حيث النظر في كيفية انتقال الأشياء من طور إلى أخر. والحديث عن المجتمع والدولة في الفكر الماركسي السياسي، هو حديث ودراسة حول الانسان، بطريقة مادية واقعية، دراسة الانسان الحقيقي/ الواقعي، وليس الانسان ككائن مجرد ومتخيل، يعني، أن ماركس يهتم بدراسة الكائن الواقعي، وليس الممكن المثالي، ونفس الشيء بالنسبة لثنائية الدولة والمجتمع، فقد حرص ماركس على تحليل الظروف المادية المشكلة للدولة، وليس فهم خير نتمناه، ونرجو حصوله، ونسعى لحضوره، أو إعادة بناء رؤية جديدة حول إنسان طبيعي عاش في  حالة أصلية اصطلح عليها بالحالة الطبيعية مع فلاسفة الأنوار، وإنما هو حديث سياسي واقعي ومادي عن إنسان منوجد في مملكة الواقع، إنسان تجريبي متفاعل مع حركية الواقع والتاريخ عبر البراكسيس[5].

يخالف ماركس، هيغل الذي يعتبر أن الدولة غاية في ذاتها، وليست وسيلة لتحقيق غايات خارجية عنها، فالدولة حسب هيغل، تمثل روح وإرادة ووعي أمة من الأمم، وتجسيدا للعقل المطلق في التاريخ [6]. منتقدا أيضا فلاسفة العقد الاجتماعي، الذين تخيلوا حالة افتراضية اصطلح عليها بالحالة الطبيعية، رغم اختلافهم في توصيفها وإبراز خصائصها، وهل هي موصوفة بالخير أم الشر؟ سواء أكانت الحالة الطبيعية، حالة هدوء وسعادة أم حرب الكل ضد الكل، فإن ماركس ذهب عكس ذلك، في فهمه لأصل الدولة عامة، والرأسمالية خاصة، بحيث ينطلق من الواقع، للحديث عن ظروف مادية، تجعل الانسان منتج للأشياء رغم بساطتها، ومستخدم لأدوات، لكن، بازدياد الكثافة السكانية اضطر إلى تحقيق الضروريات للبقاء في الوجود والمحافظة على الذات، فعن طريق الإنتاج، صار الناس مميزين ومختلفين عن بقية الكائنات، وهنا نقطة مهمة لا بد من الإشارة إليها، وهي أن الحياة وفق رؤية ماركس مطبوعة بالعمل والإنتاج، اللذان يعتبران المحددان الأساسيان لنشأة الدولة في التاريخ ومن داخل المجتمع كما سنرى، فالوعي والعقلانية ثانويان [7].

وبناء عليه، يمكن القول، بخصوص الجزئية السابقة، أن الانسان حيوان منتج، إنتاجه، يختلف عن الإنتاج الحيواني، فالإنتاج الإنساني، قصدي وواع، لكن، وفق ضرورات وظروف مادية، إنتاج يجعل الانسان متميز، وفريد من نوعه، وكان على ماركس أن يتحدث عن صفة العقلانية أولا ثم الإنتاجية ثانيا، بمعنى النظر إلى الانسان من زاوية ألة الإنتاج التي هي العقل، ثم النظر بعد ذلك في المنتوج كنتيجة، امتنع ماركس عن قول ذلك، ربما لكي لا يناقض منهجه الجدلي المتمثل في أن أساس الحياة الإنسانية يتمظهر عبر عملية الإنتاج، بينما الجوانب العقلية ثانوية، يعني أن الحاجة إلى تحقيق الضروريات عبر الإنتاج أو الممارسة هي التي دفعت الانسان إلى العمل والانتاج. وبالتالي، (لما كانت الدولة هي الشكل الذي يتمكن عن طريقه أفراد طبقة مسيطرة من ترجيح كفة مصالحهم المشتركة والذي يتلخص فيه كل المجتمع البرجوازي لعصر من العصور، فإن كل المؤسسات المشتركة تمر من خلال وساطة الدولة وتتلقى شكلا سياسيا، ومن هنا كان الوهم القائل، أن القانون يقوم على إرادة، والأنكى من ذلك على إرادة حرة منفصلة عن أساسها العيني) [8].

فضغط الحاجات، اجبر الانسان على أن يسموا بإنسانيته، بحيث سيتحدد مضمون عقله تبعا لظروف مادية واقعية بعيدة عن عقله، هذه الظروف المادية المتمثلة أساسا في الاقتصاد، هي التي ستكون سببا في نشوء السياسي، واختفاء نظام وظهور أخر، موجب لتأسيس دولة.

2- الظروف المادية ونشأة الدولة

لا يمكن تفسير نشأة الدولة في الماركسية، عن طريق نظرية الحق الإلهي، أو التفويض، ولا عن طريق العقد الاجتماعي، لأنهما يرتبطان بالتفسير المثالي المجرد والبعيد عن الواقع، عكس ماركس والماركسية حيث الانطلاق من الظروف المادية الواقعية للحديث عن نشأة الدولة. فأنماط الإنتاج (من البدائي، والاقطاعي، والرأسمالي) أحدثت انشطارات وصراعات داخل المجتمع، وحفاظا على وحدة المجتمع، كي لا تتطاير جميع أجزائه، فإن الحاجة المادية، فرضت ظهور سلطة إكراهية من داخل المجتمع. ويؤكد ماركس استنادا إلى ليو شتراوس وجوزيف كروبسي: (أن سلطة الدولة هي بصورة دقيقة الفاعلية التي اخترعتها القلة الظالمة لكي تتحكم في سلوك الكثرة. إن الدولة هي أداة القهر الطبقي، جعلها تقسيم المجتمع أمرا ضروريا، يوجدها بدورها، التحكم الخاص في وسائل الإنتاج، وغني عن البيان، أن الحكومة لا تظهر بهذه الصورة لجمهور الناس، ويقر ماركس أن الطبقات تشترك في تدعيم الحكومة باحترامها، واحترام سلطة قهرها، بيد أن ذلك يعني سوى أن الناس بسبب قصور ظروفهم المادية مستعدون ومجبرون على أن ينصبوا على أنفسهم طاغيتهم الخاص، مخلوقهم الخاص الذي لا بد، كما يفعل، أن يؤكد نفسه ضدهم) [9].

وعليه، فظهور الدولة جاء نتيجة لتطور المجتمع في سياق تاريخي، إنها تعبير عن طبيعة نمط الإنتاج الاقتصادي السائد في مجتمع ما، والعامل الأساسي والحاسم في نشأة الدولة، يتمثل في الإنتاج الاقتصادي، وما يرتبط به من مفاهيم، كنشأة الملكية الخاصة في التاريخ، التي أدت إلى انقسام المجتمع إلى نوعين من الطبقات: طبقة المالكين لوسائل الإنتاج، وطبقة المحرومين من الإنتاج. بمعنى أن الدولة لم تكن موجودة في التاريخ، وليست شيئا طبيعيا، ولكنها ناشئة وفق ظروف معينة، (لم تكن الدولة موجودة دائما. فلم يكن هناك في المجتمع البدائي شيء إسمه الدولة، بالطبع، كانت هناك وظائف اجتماعية محددة، لكن، هذه الوظائف كان يقوم بها أناس اختارهم جميع أفراد المجتمع، وكان يحق للمجتمع الاستغناء عنهم في أية لحظة، وتعيين أخرين محلهم، وكانت العلاقات بين الناس تضبط في تلك الزمان السحيقة بقوة الرأي العام) [10].

فحوى ذلك، أن من سمات  المجتمع البدائي اعتماد الناس على  وسائل بسيطة للإنتاج بغية تحقيق الحاجات الضرورية، بحيث كان الإنتاج منخفضا، ينتجون فيستهلكون جماعيا، فلم يعرفوا مفهوم الملكية والاستغلال والتخزين، وتسخير فئة لخدمة أخرى بالقهر والاستعباد، لأن الملكية كانت جماعية، مشاعة بين جميع الأفراد، ومن هنا جاءت تسمية الشيوعية، وفي هذه الحالة لم تكن هناك حاجة لوجود دولة، لأن الناس متساوون في النظام المشاعي البدائي، نظرا لانعدام الامتيازات، وغياب الطبقات، فالناس ليسوا بحاجة إلى جهاز إكراه، لكن، ( استمرار تطور القوى المنتجة، أدى إلى تحلل المجتمع البدائي، ظهرت الملكية الخاصة مصحوبة بالطبقتين- العبيد وملاك العبيد- واصبحت هناك ضرورة لحماية الملكية الخاصة، وحماية حكم وأمن ملاكها، وهذا، أدى إلى ظهور الدولة، وصاحب نشوئها  وعملية تطويرها صراع طبقي عنيف، فالدولة هي نتاج المجتمع الطبقي) [11].

إن التطور التاريخي للمجتمع البدائي، أدى إلى ظهور فائض الإنتاج، الذي ظهرت معه جماعات أو طبقات، تستأثر بالمنتوج لصالحها على حساب الأخرين/ قوى الإنتاج، بحيث ظهر الاستغلال في أبشع صوره، والاحتكار بمفهومه الاقتصادي والتجاري، وبزوغ فجر الملكية الفردية الخاصة، لتحل محل الملكية المشاعة. هنا، أصبح المجتمع منقسما إلى جماعات أو طبقات، رافقها ظهور أنماط متعددة من الحكم التي تعاقبت عبر العصور التاريخية. تشترك في الاستغلال والاحتكار والقهر وتكديس الثروة واستعباد الضعفاء بجعلهم أدوات وآلات طيعة ومسخرة لخدمة مصالحا وامتيازاتها. (كل أساليب الإنتاج التاريخية لها خاصية واحدة بوجه عام، وتؤثر هذه الخاصية بدورها في كل المجتمعات المناظرة، لأن كل الناس يشتركون في التحكم في وسائل الإنتاج، ولكن، في كل عصر يكون البعض ملاكا، بينما الكثرة تعطي نفسها، أعني تعطي قدرتها للعمل،(...) لقد حرمت الجماهير من الفرصة لكي يصبحوا أحرارا، وأناسا محترمي الذات، لأنها أجبرت باستمرار على أن تكون في وضع التابعين الأذلاء – أعني العبيد، الأرقاء، البروليتارية- الذين يخضعون على الرغم من أنهم مواطنون عاديون، أو رعايا مثلهم، أو يحرموهم بصورة تعسفية من العيش عن طريق قطع ارتباطهم بوسائل الإنتاج) [12]. يعني، أن الدولة في المجتمع الاستغلالي (العبودي، الاقطاعي، الرأسمالي) تعمل على حماية مصالحها وامتيازاتها الطبقية، سواء تعلق الأمر بعلاقتها بباقي طبقات المجتمع داخليا، وذلك بالسيطرة على الجماهير وإخضاعها بالقهر والاحتكار، أو في علاقاتها مع دول أخرى، حيث السعي للهيمنة والاستنزاف.

تحصل لدينا شيء مهم، أن الدولة في الرؤية الماركسية، خاصة تصور فريديريك انجلز، ليست نظاما طبيعيا، فهي نتاج المجتمع في مرحلة معينة من تطوره، وليدة تناقضاته وصراعاته الطبقية التي لا يمكن التوفيق بينها، فانقسام المجتمع إلى طبقات تتوسل المنفعة، وخوفا من ضياع الكل، فإن الضرورة فرضت وجود سلطة عليا من داخل المجتمع، سلطة تضع نفسها فوق الجميع، لكن، المشكل، أن الدولة التي من المفروض أن تفرض النظام والعدالة الاجتماعية، ستصبح شيئا غريبا متناقضا، لأنها لا تحقق الحياد الاقتصادي والسياسي، إنها وإن كانت في الظاهر تضع نفسها فوق الجميع، فإنها في الحقيقة تكرس دولة الطبقة الأقوى، الطبقة المسيطرة اقتصاديا والمتحكمة سياسيا، بحيث تبتكر وسائل لاستغلال واضطهاد الطبقة الضعيفة. لذلك، فالدولة، بشكل عام، والرأسمالية التي سنتحدث عنها بشكل خاص، ليست نقطة توازن بين مصالح ومنافع مختلفة، وإنما هي الأداة التي تستخدمها الطبقة المستغلة لحماية مصالحها وامتيازاتها، فالدولة بهذا المعنى هي اللجنة التنفيذية للطبقة الأقوى يعبر عن ذلك انجلز بقوله: (ليست الدولة إذن سلطة مفروضة من الخارج على المجتمع، وليست كذلك هي واقع الفكرة الأخلاقية أو صورة وواقع العقل كما يدعي هيغل*. إنها بالأحرى نتاج المجتمع في مرحلة معينة من تطوره، إنها شاهدة على أن هذا المجتمع يتخبط في تناقض مع ذاته(...) لأنه منقسم إلى تعارضات لا يمكن المصالحة والتوفيق بينها(...) بما أن الدولة تولدت عن الحاجة إلى فرملة التعارضات القائمة بين الطبقات، وبما أنها تولدت في قلب هذا الصراع، فإنها في الأغلب الأعم، دولة الطبقة الأقوى أي التي تسود وتسيطر اقتصاديا) [13].

بناء على كلام انجلز، يتضح أن الدولة، نشأت عن طريق انقسام المجتمع إلى طبقات، وأنها دولة الطبقة الأقوى المتحكمة في الاقتصاد والسياسة، وأنها أيضا ليست ضرورية بشكل مطلق، إنها مظهر معبر عن تحول المجتمع إلى مجتمع طبقي، وعندما يحقق هذا المجتمع تنظيم إنتاجه الاقتصادي على أسس شيوعية، فإنها لا بد وأن تزول. (فعندما يعيد المجتمع تنظيم إنتاجه الاقتصادي على أساس التشارك الحر والمتساوي بين المنتجين، فإن ماكينة الدولة ستؤول إلى الموقع الذي سيصبح منذ الآن هو موضعها أي متحف الأثريات بجانب العجلة والفأس البرونزي) [14].

والملاحظ أيضا أن الظروف المادية/ الإنتاج، هي أساس الحياة والتقدم وتحريك عجلة التاريخ، لأن الناس كانوا يفكرون في الإنتاج عن طريق التوفر على قوى تنظيمية تنظم العلاقات فيما بينهم، وذلك بابتكار وسائل كانت في البداية بسيطة، بغية تقسيم العمل، وممارسة التجارة وتنظيم الملكية [15]. هنا، احتاج الناس لشيء من داخل المجتمع ينظم وجودهم الاقتصادي والاجتماعي، فكانت الدولة وسيلة وأداة لتحقيق ذلك، بمعنى أن الدولة ليست شيئا طبيعيا كما ادعى حكماء اليونان خاصة أفلاطون وأرسطو، وليست ناشئة عن عقد اجتماعي أساسه العقل الذي طور وعدل وصوب القانون الطبيعي ليكون وضعيا، وإنما هي ناتجة عن ضرورات متمثلة في الظروف المادية، وانقسام المجتمع إلى طبقات.

إن ظهور الدولة، ارتبط بعملية الإنتاج الناتجة عن الظروف المادية، واضطراب العلاقة بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج ونمط الانتاج، هذا الاضطراب المفضي للصراع هو الذي ساهم في حركة وتقدم التاريخ والخروج من نمط إنتاج معين إلى أخر، فالنمط السائد في مجتمع، معبر عن طبيعة الدولة، كنمط الإنتاج البدائي، والأسيوي والاقطاعي والرأسمالي، والظروف المادية الواقعية هي التي تفرض نوع المجتمع والنظام، وشكل الدولة، وليس الأفراد هم الذين يحددون بمحض إرادتهم شكل النظام. افرض حالة معينة من التطور في قوى الانسان الإنتاجية، فإنك ستحصل على شكل معين من التجارة والاستهلاك، فإنه سيكون لديك بناء اجتماعي مناظر، أعني سيكون لديك تنظيم للأسرة، للرتب، للطبقات، وباختصار سيكون لديك مجتمع مدني مناظر. افرض مجتمعا مدنيا معينا، فإنك ستحصل على ظروف اجتماعية معينة لا تكون سوى التعبير الرسمي عن المجتمع المدني [16]. ويقول ماركس استنادا إلى ليو شتراوس (إن طاحونة اليد تعطيك مجتمعا ومعه اللورد الاقطاعي، بينما تعطيك طاحونة البخار مجتمعا ومعه الرأسمالي الصناعي) [17].

ظروف الإنتاج المادي هي التي تحدد طبيعة علاقات الإنتاج ونمط الإنتاج، وشكل الدولة، التي إما أن ترسخ عدالة الملكية بمعنى أن من يعمل ويكسب يربح، أو عكس ذلك، ترسخ الاستغلال والظلم والاضطهاد واستلاب العامل عن عمله، خصوصا في ظل نظام الاقطاع، حيث النبلاء يكدسون الثروات ويستحوذون على الملكيات الخاصة، على حساب الأرقاء، ونفس الشيء بالنسبة للنظام الرأسمالي. فخذ بنا للحديث عن نقد ماركس للدولة الرأسمالية.

المحور الثاني: نقد ماركس للدولة الرأسمالية

1- الدولة الرأسمالية، نفي واغتراب وضياع الإنسان

إن التطور الصناعي في حلته الرأسمالية، أفضى إلى بروز نظام رأسمالي مميز للدولة الرأسمالية المطبوعة بالقهر والاستغلال والاستعباد واغتراب العامل عن عمله، لأن النظام الرأسمالي أفرز نوعا معينا من العمال وحدد وظيفتهم، التي تتجلى في كونهم مجرد آلات وقوة للإنتاج الرأسمالي لصالح طبقة مهيمنة ومحتكرة، إلى درجة أن العمال صاروا عبارة عن قوى وأدوات وآلات للإنتاج الرأسمالي. فالعامل لا يملك أي شيء إلا قوته التي يسخرها بالقوة والفعل لصالح الطبقة البرجوازية/ الرأسمالية المتحكمة في الإنتاج ونمط الإنتاج، والآنكى من ذلك، أن النظام الرأسمالي جرد الأفراد/ العمال من صفتهم الإنسانية النوعية، فلا رأي لهم، ولا خطوات يتخذونها من تلقاء أنفسهم، لأنهم مجرد أدوات صنمية تنفذ الأوامر فقط، ولا تعترض، إنهم آلات نمطية ومنتظمة وفق برنامج رأسمالي [18].

لقد ترتب على تلك الوضعية السابقة، أن جرد العامل من عاطفته وصفاته الإنسانية، أصبح ينظر إليه كألة للإنتاج فقط، إنه السقوط في نزعة تغريب العامل عن ذاته، وذلك بعدم إدراكه لقيمته الإنتاجية وصفاته الإنسانية والآدمية، التي تميزه عن باقي الموجودات، واغترابه عن منتوج قوته الذي سلب قهرا وبتخطيط محكم من طرف الألهة الرأسمالية الجديدة، واغترب أيضا عن الأخرين، فما عاد يدرك أنه ذات يجب أن تتفاعل مع ذاتها والغير، لحصول الإنتاج، إنه في وضعية الألة التي وجدت داخل المصنع للإنتاج فقط. دون إخفاء أن النظام الرأسمالي يعيش أزمات خطيرة ومتوالية، بحيث يعمد إلى ابتكار الحلول المناسبة، لكن، على حساب الإنسانية المعذبة، واليد العاملة المقهورة والمغلوبة على أمرها، إلى درجة أن النكوص الاقتصادي والسياسي والاجتماعي صار هو سيد الموقف، ومفتاح التقدم والتطور في الدولة الرأسمالية، تجسد ذلك واضحا في ثقافة السوق والتسليع وتشيء الإنسان، والأخطر من ذلك جعل الديموقراطية الرأسمالية وسيلة فعالة لإخفاء الماهية السوداوية والجهنمية للنظام الرأسمالي ومنحه المشروعية. وهكذا،(باسم الديموقراطية يتجذر الاستسلام الإرادي والقمع والمراقبة الذاتيين والتوظيف الواعي والمقصود لمختلف المؤسسات القانونية والتربوية والتعليمية ونهب الموارد الطبيعية، لذلك، يمكننا القول؛ أنه كلما تقدم السوق الرأسمالي وديموقراطيته عن شكل جديد من الحرية كلما صاحب ذلك بشكل جديد من الاستسلام والخضوع والتشكيل والتضييع، أو قل أشكال جديدة من الاستيلاب على مستوى الوجود والحقوق حيث أن أي إصلاح للزيادة في النمو والتنمية هو إخفاء لخطوات إلى الوراء، حيث تقوم السوق والديموقراطية والرأسمالية بمس الحريات العامة وغزو الدول الضعيفة، وحماية الجشع الفاحش للأغنياء الذين دمروا المرافق والمؤسسات المالية) [19].

الدولة الرأسمالية قلبت المعادلة السياسية، وغيرت الوظيفة الإنتاجية للعامل، فعوض أن يكون العمل الإنتاجي مرآة مجلوة تعكس إنسانية الانسان العامل، وتعبر عن قدرة العقل على تغيير الأشياء والتحكم فيها، صار العمل غاية في ذاته والعامل مجرد وسيلة، أصبح العمل الرأسمالي أداة قهر وتسلط وسلطة لجعل العامل يسقط في جميع أنواع الاغتراب، عن ذاته والآخرين وعمله، لم يعد منسجما مع ذاته، ومدركا لكينونته المتفردة، وإنما أصبح مجرد رقم، كتلة صماء منعزلة عن خصائصها وصفاتها الإنسانية، تلك بعض مخلفات وتجليات الدولة الرأسمالية المنتصرة للطبقة البرجوازية الجشعة، تجعل الانسان العامل وسيلة لجني الربح وتوسيع الملكية.( إن البرجوازية [التي هي سمة الدولة الرأسمالية] في نظر ماركس، هي الناتج والفاعل والمستفيد، من بعض التحولات الكبرى التي نتيجتها جميعا، أن تعيد إلى ما لا نهاية الحدود التي كانت توقف قوة الانسان الإنتاجية، مثل إزالة الأفق الجغرافي المحدود بفضل حركات الملاحة الكبيرة ونمو التجارة غير المحدود)[20].

ينتقد كارل ماركس، الدولة الرأسمالية نظرا لاستغلالها الذي يتبدى، في نظرية فائض القيمة، ومفادها، أن في النظام الرأسمالي، العمل يشترى كسلعة، بمعنى أن العامل يبيع عمله/ مجهوده/ منتوجه لصالح رأس المال، مقابل تكاليف ضروريات الحياة أو تحقيق الحد الأدنى منها، الذي يصطلح عليه بأجر الكفاف. فالرأسمالي يشتري العمل من العامل بقيمة معينة، ولكنه يحصل منها على ثمن يتجاوز الأجر بكثير، الذي يدفعه لكي يحصل على فرق السعر بين قيمة ما يحصل عليه، وما يدفعه للعامل كأجر. أضف إلى ذلك، أن التوسع الرأسمالي في استخدام الآلات أدت الى المنافسة، المؤذنة بزوال صغار الرأسماليين الذين تحولوا إلى عمال صغار في المشروعات الكبيرة فكثر العمال، وازدادت اليد العاملة وانخفضت الأجور، يفعلون ذلك خوفا من البطالة [21].

والأخطر من ذلك، أن الطبقات الرأسمالية في استغلالها تحالفت مع المؤسسات الدينية التي أصبحت هي الأخرى رأسمالية، بحيث أصبح الدين وسيلة ناجعة لتعميق غربة الانسان عن ذاته، ووجوده الطبيعي والاجتماعي، وذلك بتخديره روحيا وعاطفيا، وجعله مشدودا إلى عالم أخر موعود بالفردوس، عوض التفكير في القهر والاغتراب الذي يعانيه في حياته الدنيا، ومن ثمة عدم إحساس الناس بحياة إنسانية كريمة وكاملة، لأن تحقق ذلك يتطلب التحرر التام من جميع القيود وأشكال القهر والاستلاب والاغتراب [22]. فالتحالف الرأسمالي- الديني أفرز سلما جديدا للقيم والمعايير السياسية والإنتاجية، حيث (لا مكان لعدالة أبدا أمام عدالة الإله، ومثلما أنهم عبيد الإله، عليهم أن يكونوا كذلك عبيد الكنيسة وعبيد الدولة، طالما كانت الدولة مكرسة للكنيسة، هذا ما فهمته الديانة المسيحية أكثر من كل الديانات الأخرى الموجودة) [23].

إنه القهر المزدوج، قهر الدولة الرأسمالية المتمثل في جعل العمال أدوات مسخرة لخدمة مصالحها وامتيازاتها، وفي ذلك استبداد سياسي واقتصادي، وقهر ديني، بجعل العامل يقبل مصيره، وأنه عبد وجد لخدمة أسياده، فالدين يضفي المشروعية على سلطة الطبقة البرجوازية المتحكمة في أجهزة الدولة الرأسمالية، والنتيجة؛ ضياع قيمة العامل بسلب إنتاجه ومجهود عمله (فماذا تمثل الدولة [الرأسمالية]؟ إنها حصيلة نفي الحريات الفردية لجميع أعضائها، أو حصيلة التضحيات التي يقدمها أعضاؤها بتنازلهم عن قسم من حريتهم لصالح الخير المشترك...إذا؛ تنتهي الحرية الفردية حيث تبدأ الدولة، والعكس صحيح) [24]. فما هو البناء المؤسسي للدولة الرأسمالية؟

2- البناء السياسي للدولة الرأسمالية

يعتبر كارل ماركس، والماركسية، أن النظام الرأسمالي المميز للدولة الرأسمالية البرجوازية، يتسم بالاستغلال والاضطهاد، فالدولة وفق النظام الرأسمالي، ما هي إلا تنظيم سياسي معبر عن نفوذ وسيطرة وتحكم الطبقة البرجوازية في الاقتصاد، إنها أداة أساسية في يد الطبقة المسيطرة للحفاظ على امتيازاتها ومصالحها وملكيتها الخاصة (أرض/ وسائل الإنتاج/ قوى الإنتاج/ يد عاملة..). فما يسمى بالدولة الديموقراطية البرجوازية، ما هي إلا مؤسسة أو جهاز سياسي برجوازي مهمته مساعدة الطبقة الرأسمالية البرجوازية لتثبيت سيطرتها وتوطيد سطوتها على المجتمع، وذلك بإخضاع الطبقة البروليتارية، بغية استغلالها لتحقيق الحاجات الرأسمالية. ووفق بناء مؤسساتي محكم. يعبر عن ذلك كارل ماركس بقوله:( في حقبة الاقتصاد الرأسمالي لم يعد يبقى غير طبقتين حقيقيتين: البرجوازية والبروليتاريا. حقا، تبقى فئات اجتماعي أخرى مثل: طبقة النبلاء الاقطاعية والطبقة الفلاحية والطبقات الوسطى والحرفيين، وطبقة ما تحت البروليتاريا) [25].

البناء المؤسساتي للدولة الرأسمالية، ينبني على الإنتاج والتحكم في تقسيم العمل الاجتماعي، فكل نقد للدولة الرأسمالية يتطلب حضور مجموعة من المفاهيم السياسية والاقتصادية، كالسيطرة والصراع الطبقي والاستغلال، وعلاقة ذلك، بعلاقات الإنتاج وقوى الإنتاج ونمط الإنتاج، لأن مشكل الدولة الرأسمالية يتمثل في أن الصراعات الطبقية، وخاصة ما يتعلق بالطبقة الأقوى، أنها تتدخل بكيفية حاسمة في تقسيم العمل وتحديده، ليتماشى مع التشكيلات الاجتماعية الرأسمالية، فهي دولة تتدخل في وعي الأفراد، بجعلهم أدوات لتحقيق الإنتاج والربح، عبر مختلف أطوارها ومراحلها التاريخية، دولة ليبرالية، دولة تدخلية، دولة رهينة استبداد الطبقة البرجوازية [26].

ومن المفارقات الكبرى في الدولة الرأسمالية، أن الطبقة العاملة، تشكل الأغلبية الساحقة مقارنة مع الطبقة المحتكرة للاقتصاد والسياسية، لكن، البرجوازية هي التي تلعب الدور الرئيسي، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، لأنها تمتلك جميع وسائل الإنتاج، والأكثر من ذلك، أنها تسيطر على سلطة الدولة وتتحكم في أجهزتها عبر جملة من الوسائط والوسائل، كالتأثير الأيديولوجي، والاستحواذ على الإنتاج الاقتصادي، وهو ما يجعل الدولة الرأسمالية تتخذ ثلاثة ملامح كبرى: الاقتصاد الذي هو العمود الفقري، والسياسة التابعة للاقتصاد، والايديولوجيا للتأثير في النفوس والعقول. إن الدولة الرأسمالية تجعل من قانون القهر والسيطرة أداتين للتحكم والتطور، وهي القضية التي تجعل الشعوب المقهورة، والمجتمعات المستغلة، تعاني أشد المعاناة، وتسعى إلى التحرر من ظلم الرأسمالية، إلى درجة أن المجتمعات الواقعة تحت نير الدول الرأسمالية، صارت تبحث عن الوسائل الفعالة للإنفلات من استبداد الرأسمالية، لأن أحد أسباب المشاكل الأساسية للتطور الاجتماعي، مرتبط بالفعلين السياسي والاقتصادي للدولة الرأسمالية، المؤسسين على الاضطهاد [27].

الرأسمالية هي الاضطهاد، والقهر والاستلاب، لأنها حفيدة الإمبريالية، حيث أصبح العالم في يد حفنة من الدول الرأسمالية الحاكمة سياسيا والمتحكمة اقتصاديا، والمسيطرة جغرافيا. فداخليا، متحكمة في المجتمع، وخارجيا، باضطهاد الدول الأخرى. (الرأسمالية سهلت في مرحلتها الأولى عملية تحرر الشعوب من النير الاقطاعي، ومن قبضة الكنيسة، أصبحت بدخولها المرحلة الامبريالية القامع الشرس لحرية الأمم والشعوب، وتغير جوهر القضية والقومية، واتسع مداها كثيرا، فتحولت إلى قضية داخلية في الدولة إلى مشكلة عالمية، تؤثر على مصائر ملايين من الشعوب على نطاق العالم بأسره) [28].

المحور الثالث: مآل الدولة الرأسمالية

الماركسية تنبني على قانون الأضداد والصراع والنفي، ونفي النفي، الذي سينقل من مجال دراسة حركة المادة وتطبيقه إلى حركة الواقع السياسي والاجتماعي، وتفكيك مختلف الأنظمة السياسية التي عرفتها البشرية، فالتناقض أساس الوجود والطبيعة والحركة والتاريخ، بحيث لا يمكن للأشياء أن تتطور وتتقدم بدون عنصر الصراع الذي هو محرك التاريخ، فالتناقض موجود في ثنايا الكائن أو الشيء أو الموضوع، بحيث أن هناك أجزاء تموت وأخرى يبزغ فجر وجودها، يعني أن صراع الأضداد، هو القوة الدافعة للتغيير، فحبة القمح مثلا التي تم زرعها في الأرض، تنمو وتتحول إلى شجرة تنتفي كحبة، فالنفي هنا، يعقب الاثبات بالضرورة، وبه تتم حركة التطور والانتقال، ونفس الشيء بالنسبة للحياة الاجتماعية والسياسية، فتاريخ البشر الإنتاجي، تاريخ نفي الأنظمة الاستغلالية وميلاد أخرى أشد استغلالا، فمن رحم كل نظام يتولد نظام أخر جديد، وصولا إلى النظام الرأسمالي الذي هو أخر نظام متناقض واستغلالي، وطبقي، ومعه ستدخل  الطبقة البروليتارية في صراع مع الطبقة المحتكرة والمستغلة للاقتصاد، لميلاد مجتمع بدون طبقات، بمعنى ميلاد نظام ومجتمع وتاريخ جديد، إنه قانون نفي النفي، والأضداد/ الصراع الطبقي، موجودة في المجتمع، ونتيجة لعلاقات الاستغلال والاضطهاد تدخل العناصر/ الطبقات في صراع ضروري وحتمي إلى درجة أن التاريخ لا يتقدم إلا عن طريق الصراع الطبقي، فهذا الأخير أساسي في حركة الأشياء، وبالتالي فهو ضروري لفهم كيف تتشكل أنظمة معينة وتختفي أخرى [29].

الصراع الطبقي، قانون وضرورة حتمية لتطور المجتمع، وهو موضوعي ومستقل عن الوعي الإنساني، وبفهمه تفتح أفاق جديدة لإسعاد الطبقة العاملة، والخروج من عنق زجاجة الدولة الرأسمالية، ذلك هو التفسير المادي الجدلي للمجتمع والتاريخ والدولة، فالمجتمع بمختلف نظمه التي تعاقبت عليه، خاضع لقانون التطور، ومحدود بطرق الانتاج المادي كضرورة مادية لا محيد عنها، فالعمل الإنساني والإنتاج عنصران لفهم الأنظمة [30].

وبالتالي، إن تجاوز ونفي الدولة الرأسمالية، يتم بتجاوز نمط الإنتاج الرأسمالي وتعويضه بالدولة الاشتراكية، في أفق تحقق الشيوعية، حيث يصير النظام مبنيا على الملكية العامة لوسائل الإنتاج، والقطع مع استغلال فئة أو طبقة لأكثرية عامة، هذه الملكية قد تتخذ شكل ملكية الدولة، وذلك بتحريرها من يد الطبقة المسيطرة على الإنتاج والاقتصاد خاصة بعد تحقق الثورة الصناعية وازدياد أعداد العمال، علما أن النظرية الاشتراكية فلسفة اجتماعية لها جذور تاريخية منذ العصر اليوناني إلى الحقبة الحديثة، حيث برهنت مجموعة من النظريات السياسية على عيوب ومساوئ تقسيم المجتمع إلى أغنياء وفقراء، وفي ذلك تهديد لأسس العدالة والمساواة والحرية، فتحقق الاشتراكية كنظرية اجتماعية وسياسية يتطلب تكوين طبقة منظمة من العمال [31].

 

محمد لمعمر

أستاذ الفلسفة، وباحث في فلسفة القانون

........................

الهوامش:

[1] ليو شتراوس، وجوزيف كروبسي، تاريخ الفلسفة السياسية، الجزء الثاني، من جون لوك على مارتن هايدغر، ترجمة محمود سيد أحمد، مراجعة إمام عبد الفتاح إمام، (الناشر، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة الطبعة الأولى )،2005، ص، 468.

[2] كارل ماركس، بِؤس الفلسفة، ترجمة، أندريه يازجي، دار اليقظة العربية، ودار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، د ط، ص، 112.

[3] روزنتال ويودين، الموسوعة الفلسفية، ترجمة سمير كرم، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 1981، ص، 434.

[4] نفسه، ص، 467.

[5] مصدر نفسه، ص، 468.

[6] هيغل، أصول فلسفة الحق، ترجمة، إمام عبد الفتاح إمام، مكتبة مدبولي، القاهرة، د ط، ص. 497 - 498. (بتصرف).

[7] ليو شتراوس وجوزيف كروبسي، الفلسفة السياسية، ص، 468.

[8] كارل ماركس وفريديريك انجلز، الأيديولوجيا الألمانية، ترجمة، جورج طرابيشي، (دار دمشق للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، 1966)، ص، 70.

[9] ليو شتراوس وجوزيف كروبسي، الفلسفة السياسية، ص، 475.

[10] إيفانا سييف، أسس المعارف الفلسفية، ترجمة، دار التقدم، موسكو، 1979، (بدون طبعة)، ص، 289 – 992.

[11] مصدر نفسه، ص، 299.

[12] ليو شتراوس وجوزيف كروبسي، تاريخ الفلسفة السياسية، ص، 472.

[13] F. Engels, l’origine de la famille, trad. Stern, éd. Sociales, paris, 1983, pp.281-286

[14] F. Engels, ibid., p. 286

[15] ليو شتراوس وجوزيف كروبسي، تاريخ الفلسفة السياسية، ص، 469.

[16] ليو شتراوس وجوزيف كروبسي، تاريخ الفلسفة السياسية، ص، 470.

[17] مصدر نفسه، والصفحة نفسها.

[18] محمد وقيع الله أحمد، مدخل إلى الفلسفة السياسية. (دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى 2010)، ص، 200.

[19] محمد بوجنال، السياسة، السوق، الديموقراطية، (منشورات إفريقيا الشرق، بدون طبعة، 2012)، ص، 9.

[20] جون توشار، تاريخ الأفكار السياسية، المجلد الثاني) من عصر النهضة إلى عصر الأنوار (، ترجمة ناجي الدراوشة)، دار التكوين للتأليف والنشر، الطبعة الأولى 2010 (، ص، 836

[21] أميرة حلمي مطر، الفلسفة السياسية،) من أفلاطون إلى ماركس (، دار المعارف، الطبعة الخامسة، 1995.  القاهرة. ص، 111.

[22] محمد وقيع الله أحمد، مدخل إلى الفلسفة السياسية. ص، 203.

[23] ميخائيل باكونين، الإله والدولة، تعريب، جلال المخ،) دار المعارف للطباعة والنشر، (د.ت)، تونس، ص، 34.

[24] ميخائيل باكونين، الأعمال الكاملة، عن كتاب الوافي في الفلسفة، دار الفكر اللبناني، بيروت، 2000، د ط. ص، 236.

[25] جون توشار، تاريخ الأفكار السياسية، ص، 835.

[26] نيكولاس بولانتزاس، نظرية الدولة، ترجمة مشيل كيلو،) التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت (، الطبعة الثانية، ص، 123. (بتصرف).

[27] إيفانا سييف، أسس المعارف الفلسفية، ص، 283.

[28] مصدر نفسه، ص، 284.

[29] أميرة حلمي مطر، الفلسفة السياسية، ص، 108 .

[30] مصدر نفسه، ص، 109.

[31] مصدر نفسه، ص، 105.

 

سامي عبد العال"الصيام أحد أشكال التأويل لطبيعة الجسد وجذوره في الحياة.."

"تدرك السياسة جيداً ما هو الجسد عارفةً تراثه وصراعه الوجودي.."

الجسد هو "التجلِّي الحي" بما يشحن طاقاتَّ الإنسان صوبَ ما هو مرغوب أو ممنوع. واستعمال الجسد في الممارسات العامة يوضح إلى أي مدى تصبح علاماته خطاباً له أبعاد تأويلية. السؤال بناء على ذلك: هل الصيام عملية تحكُّم رمزي في هذه الطاقات؟ هل من تفسير إشكالي لقضايا الروح والجسد بهذا التكوين؟ في هذا الإطار، يعدُّ الصيام إدارةً ميتافيزيقيةً للجسد تحقيقاً لاعتقاد في أصل الحياة. وسيحاول المقال طرح تلك المسألة بقدر ما يستحضر خلفياتها الدينية والفلسفية.

صحيح أنَّ إدارةُ الجسد بهذا المعنى ترتبط بفكرة المقدس (الإله والايمان)، لكنها تبلغ درجة الفعل الوجودي في الأديان بدوافع وغايات متفرقة. لأنَّ هناك من الدوافع والغايات ما هو ماضٍ وما هو مستقبل، خلال لحظةٍ (حاضرة) لا تحتملُ التقاءهما (الآن) إلاَّ بضرورة تأويل مقولات الإله والإنسان والحقيقة (من قبل). أي لن يلتقي قطبا الزمن (الماضي والمستقبل) حول الجسد دون كشف لمعاني المقولات المذكورة وتحولاتها لدى البشر.

إذن بوجود الصيام واختلاف طُقوسه في الأديان الإبراهيمية وقبلها (الزرادشتية والبوذية والهندوسية وحتى الديانة الفرعونية...)، هل سيُمثل – ارتباطاً بالجسد- مشكلةً فلسفيةً؟ أي.. هل تُقدم الفلسفةُ قولاً ذا بالٍ حول (كائن صائم) يُعلِّق بعضاً من رغباته في شكل طقسٍ يومي؟! بحيث تفتح مساراً فكرياً عاماً للإنسان تجاه نفسه، وتعطي دلالة لفعل الصيام ضمن التاريخ الإنساني. على الأقل تجاه ما هو وارد بالدين والسياسة من رؤى بالنسبة لأحداث هذا التاريخ وآثاره (وعليه سيرتبط الصيام بالسلطة والمجتمع).

حساب الجسد

يبدو أنَّ حال الكائن الإنساني يثيرُ جدلاً بمعناه السابق. لأنَّ كائناً إنسانياً– بمجرد ذكر اسمه- ينخرط بالمقام الأول في وجوده الحي، فلا يفتأ مستغرقاً في أوجه حياته المختلطة بالرغبات والغرائز والأهواء، لدرجة أنَّ جميع أفعاله هي نتاج مباشر لذلك التكوين. بالمقابل قد لا نتصور أنْ يُسقِط الإنسان جزءاً من كينونته لصالح قوة أخرى (سلطة عليا) إلاَّ إذا استطاعت القوة تعويض الجزء المرفُوع من الكينونة. ولا يُنظر إليها دون حسابٍ ميتافيزيقيٍّ metaphysical calculation يدَّخر وجوداً مغايراً، ثم يغدو متحولاً إلى جانب الإيمان والاعتقاد (الأخرة: الجنة والنار). وهي أشياء تُحرِّك (تُغري – تُوهم) من زاوية رغبات الكائن قُوى اجتماعية أخرى (مترقبة – متلصصة) في إطار سياسات الجسد.

المسألة تحديداً أنَّ الكائن الإنساني يشكل "مجالَ إغراء" (1) field of seduction ليس من جهة غرائزه فقط (تلك المستعملة في أداء الصيام والتفاعل الاجتماعي)، إنما أيضاً من كونَّه جسداً محاطاً بصراعٍ لكيفية إدارته مرتهناً بعملية الخلق ضمن أفقها اللاهوتي، إضافة إلى محاولات اشغال هذه المساحة بواسطة الأنظمة السياسية والأهداف الساعية إليها.

يحدد الصيامُ - موروثاته وآفاقه - اقتصاداً سياسياً من نوع خاصٍ، الجانب الادخاري فيه ينطوي على تراكم لاهوتي تستثمره الحداثة عندما يصبح جسدُ الصائم سلعةً وسُوقاً ورمزاً، حيث تزيح القوى الرأسمالية- باسم الليبرالية- دلالاته الميتافيزيقية جانباً كي تستعرض حضورها المهيمن. وكينونة الإنسان عندئذ تغدو كالدودة المنهمكة في عبور غصن ملتف الأوراق معتبرة ًإياه كلَّ عالمها، بينما تغفل أنَّ الغصن هو لشجرة عملاقة داخل غابات تخبو خلالها الأضواء.

ثمة مستويات لخلفية الصراع على الجسد كالتالي:

1- اللاهوت: إذ كانت عملية خلقْ الإنسان عملية جسديةً (الخلق من أديم الأرض، طين الأرض وهو معنى كلمة آدم كما وردت في العبرية). وما تبع ذلك من زمن الخلق ومستقبله اللذين سينتجان إمكانية الحياة بأغلب ملابساتها تعويضاً عن الأصل (المفقود- أي السقوط من الجنة)، وسيمثل الأصل ذاكرةً حيةً ترمي إلى الأزمنة الآتية بفعل الماضي السحيق. والصيام يمس كل هذه المعطيات لأنه فعل متكرر في جميع مراحل الديانات (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)

2- الميتافيزيقا: أي المبادئ التي تشدُ كيانَ الإنسان إلى أعلى تجاه قيم تندرج خلف الفكرة السالفة. وبالتالي سيكُّون الجسد" وشماً انطولوجيا " في الحياة حاملاً لبصمات المقدس والمبادئ المفسرة للطبيعة والعالم والحياة. والجسد يحتمل أن يكون مرآة تنعكس عليه هذه البصمات نتيجة قوته الذاتية وخلاصه الروحي.

3- الاجتماع: فالجسد ليس فردياً، لكنه في لحظات السلطة والقوة والهيمنة هو جسد اجتماعي. تغمره الثقافة من أعلاه إلى أدناه، الوجوه والوشوم والهيئة والأزياء والحركات وحتى السمات العامة تعد بمثابة بورتريهات ثقافية حتى النخاع.

4- السياسة: الجسد كتلة سياسية متحركة، أنفاسه ورغباته وآثاره لا تخلو برهة واحدة من تسييس المضامين. حتى أنَّ أشكال الأجساد وأنماطها وعلاقاتها الحيوية في الفضاء العام هي موضوعات لم تفلتها السلطة هباءً. وبالتالي يمكن أن تجد السلطة لنفسها موطئ قدم في فضاء الجسد شريطة أن تأخذه كوسيط وحركة. والسياسة صيام من نوع آخر، صيام الجسد عن غرائز التجمهر والتمرد وانتظامه وفقاً لآلياتها وأهدافها.

5- العلامات: الصوم يصبغ الجسد مبدياً ذلك على معالمه وحركته، وهو في المجتمعات العربية يتخذ كنقش للتدين أمام الآخرين (إذ يتفرس الأشخاص عادة في وجوه الآخرين بحثاً عما إذا كانوا صائمين أم لا). وقد عبر الموروث الإسلامي عن تغيرات الصائم بعبارة رمزية كما جاء في أحد الأحاديث النبوية (لخلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك).

6- التأويل: الجسد هو الصورة المؤولة لوضعيات الإيمان والاعتقاد، ليس ينفصل هذا عن ذاك إلاَّ بقدر ما يكون الشكلُّ هو المعنى لما يؤول إليه الأصل المرتهن بقصة الخلق اللاهوتي (حرمان الجسد من النعيم وهو وسيط الخطيئة). لأنَّ الجسد هو مادة الاتصال التاريخي بين عملية الخلق القديمة وحضور المعاني العميقة الآن ضامناً استمراريتها إلى الغد.

لأنَّ الصيام كما أشرت يومئ إلى الأثر الرجعي الكامن فيه كبناء نحو الأمام لحل لغز المعصية التي قام بها آدم قديماً وأكله من الشجرة المحرمة. وبما أنَّ الجسد هو آدم (العاصي لأمر الرب) فإن جسد آدم هو المسؤول عن الصيام الآن وأي آن. وهذا يضمر افتراضاً أنَّ اجساد أبناء آدم (البشر جميعاً) يؤولون جسد أبيهم بطقوس الصيام وعلاماته.

7- التاريخ: يثبت الصوم أن الجسد وسيلة تصفية لتاريخ العالم، لكونه عائداً إلى مصدره الخالق طالما لم يتدارك أدم خطيئته فعلياً، وهو وسيلة اعتراف وخطاب جسدي وروحي يطلب الغفران عن تاريخ قديم وقع بطريقة ما ونحن جزء من مسؤولياته. والصيام من ثم مشاركة بالجسد في محاولة لرتق الانقطاع الزمني عن الأمر الإلهي (أي الأمر بعدم الاقتراب من شجرة الجنة)، لكنه يلجأ إلى مصالحة مع الذات حتى يصالح الآخر وكل آخر سواه.

مَحْبرة الحروف

أمَّا الإيماءة الثرية في هذا السياق، فلا تنقطع عن كون وحدة الجسد البشري احتمالاً قائماً، فالبَون شاسع جداً بما يصعب تخيله بين بداية الخلق والحال الراهن. لكن تكرار الصيام يمثل (عودة وانطلاقاً) في الوقت نفسه، تكرار حفري على سطح الزمن بما يتيحه الجسد من توثيقٍ للخلفية اللاهوتية بشكل جمعي. وكأنَّ أجسادنا هي حصيلة جسد تاريخي كان به حوار أنطولوجي على مستوى الحياة الأولى ثم له تحولاته (الامر الإلهي – الجسد- الخطيئة- السقوط من الجنة). وكما لو أنَّ الجسد التاريخي متوزع كشيء مشترك على صعيد قصتنا التي نعيشها (في الحب – التعلق بالآخر- التفاعل والتواصل اليومي). وهذا الجسد قد ورثناه نحن أبناء آدم وحواء وكان الصوم أحد وجوه وجوده للشعور بهذا التراث وممارسة التقوى التيس تشعرنا بوجود الخالق وأوامره السارية.

هنا سؤال وجيه: هل يعدُّ الصيام رغبة أم أمراً أم قضاءً وقدراً أم طقساً بُناءً على حضور المتعالي؟ لتُّوضح الفلسفة بأيَّة دلالة يمتنع الكائن عن ألته الجسدية (وملحقاتها) لصالح معانٍ داخل ذاته وخارجها. الامتناع نفسه الذي لا يتم دون وجود صراع حقيقي حول الألة العتيقة (الجسد) منذ المدونات القديمة والأساطير وأنظمة السلطة والمِلْكيَّة وأدبيات المتعة واللذة والجوع والألم والموت والحياة. وبالتالي فالإجابة عن السؤال بالأعلى ليست محسومةً (على افتراض أننا لا نعرفها)، لكن ستظل موضوعاً للتفكير كعمليةٍ متواصلةٍ لها تداعياتها غير المنتهية، ومن الصعوبة بمكان إقرار كل ما في جوفها إلاَّ بتتبع تحول الفكرة داخلها على نطاق بعيد.

فالأمر ليس بسيطاً كما نظن، إن الخطيئة التي وردت في نصوص الكتب السماوية (التوراة والعهد الجديد والقرآن) استندت إلى قضية الخلق من جهةٍ، وإلى أمر الخالق بعدم الاقتراب من الشجرة المحرمة ثم الخطيئة التي اقترفها آدم وحواء من جهةٍ أخرى. فجميع ذلك يعتمد على الجسد كسردٍ منصوص عليه خلال المدونات الدينية، لأنَّه المادة الخام ليس لكائن جديد اسمُه الإنسان، لكن لمستقبل الكينونة ولوجود عالم تالٍّ (جميع الديانات الإبراهيمية تشمل علاقة: الإله + الإنسان× الشيطان/ الخطيئة). أي سيناريو الدراما الكونية التي يلعب فيها جسد الإنسان دور البطولة، سواء أكان خَلْقاً أم معصيةً أم خُروجاً من الجنة وهبوطاً إلى الأرض أم ثواباً وعقاباً. كل ذلك يعني إمكانية الصوم فوق هذه المعالم التاريخية وداخل أجوائها القابلة للتأويل. أي أنَّها عملية لا تتم إلاَّ بتحريك وجودها الساري في تاريخ الإنسانية.

لقد كان الجسد " محبرة الحروف" التي (كُتبت وستُكتب) بها الأحداث اللاحقة للخلْق الأول (سيناريو الحياة البشرية والأديان). فالخلْق كان مصدره من تراب كما ورد سواء برمزيته في اليهودية والمسيحية أو بأطواره في الإسلام. وكيف مثل إمكانية حسية مليئة بالرغبات والشهوات (العُري والرغبة والسوءة: فبدت لهما سواءتهما بتعبير القرآن) أو حضور الآخر غريزياً (حواء) كشكل مماثل لجسد نظيره (آدم). وحين يحجب الإنسان رغباته طعاماً وشراباً وجنساً وفُحشاً، فهو مازال يعزف على الآلة الطينية المخلوقة (كما تُوصف). وعلية لم لا نقول إنَّ الامتناع عن ذلك كان متعلقاً بسرد عملية الخلق في النصوص المقدسة وهو عودة تأويلية نحو جذورنا الوجودية البعيدة؟!

إنَّ الصيام هو جملة اعتراضية مستقبلية تعود إلى الأصل على نحو مزدوج، والنهي عن الرغبة تجاه الشجرة المحرمة مازال نهياً متصلاً حتى الآن وبعده. لكن ذلك في صورة طقس وجودي وديني يرد الاعتبار للنهي الإلهي الأول ويعيد تأويله تطبيقاً لطاعة الفريضة تباعاً.

إثباتاً لذلك كان الصيامُ في اليهودية مُرتبطاً بأيام معينة ومناسبات خاصة تعبيراً عن الاستغفار والخطيئة أكثر منه ارتباطاً بمواعيد محددة. ومن الأيام المشهور صيامها عند اليهود يوم الغفران (2) وهو صيام خمسة وعشرين ساعة متواصلة. فيبدأ الصائم قبل غروب الشمس بحوالي الربع ساعة وينتهي في يوم الغفران بعد غروب الشمس بربع ساعة. وهذا يدلل على كون الصيام اليهودي نوع من التكفير عن ذنوبٍ ليست وليدة اللحظة. فالصيام كان ارتباطاً بتاريخ من الجسد الجمعي collective body في موروثات اليهود، ليس هو الخطيئة بمعناها الفردي فقط، لأن يوم الغفران يتم التعامل كطقس جماعي، ثم يستعمل كفترة زمنيةٍ يشعرُ شعب الرب فيها بقدرتهم على ممارسة العلاقة اللاهوتية السياسية معه.

هكذا اصبح الغفران تقنية جسدية سياسية قائمة على الجذور اللاهوتية، ومع وجود الدولة اليهودية (اسرائيل) جاء الجسد كجزء من الخريطة المحددة لوجود الشعب. إنَّ خريطة اسرائيل هي خريطة الجسد اليهودي مع تفاصيل الشتات والتيه والعودة والدولة أخيراً. وفي قلب المعادلة تقع فكرة الخلق وارتباطها بالرب على الأرض، ولذلك كان الجسد (وصيامه) ذاكرة جيوسياسية تسرد علاقة السماء والأرض. بكلمات أخرى، يعد الصيام منشطّاً لذاكرة تحافظ على حدود شعب ما.

لقد تعامل شعب بني إسرائيل مع الرب تعاملاً جسدياً، فهو على ارتباط مباشر معه، وللرب كل السلطة والاختيار في تكوينهم وتفريقهم وعقابهم وإرشادهم، يراهم ويقابلهم وجهاً لوجه، يتجلى ويتجسد لهم فوق الأرض دون سواهم من البشر. يحارب معهم ويعد جيوشهم من عصر إلى آخر لدحر الأعداء ساهراً على تمكينهم من الأرض وتاركاً آثاراً حيث وطأتها أقدامهم من أو هناك.

المدهش أنَّ الدولة الإسرائيلية تعاملت مع حدود جغرافيتها باعتبارها جسداً حياً أيضاً، جسد غير قابل للمس ولا للضرر المباشر. حتى إذا تمَّ المساس بها تستنفر الجماعات اليهودية كل قوتها كأنَّ الجسد كله قد وقع عليه مكروه، لتجند الدولة له جميع القوى دفاعاً عن جسدها. لدرجة أنَّ الأموات اليهود في دول متفرقة ينظر إليهم اليهود باعتبارهم جزءاً من جسدهم الذي يشعر ويقوى ويدافع عن نفسه.

أيضاً يصوم اليهود في ذكري هيكل سليمان، ويصومون في يوم وفاة نبي الله موسى، وكذلك صيام الأسابيع الثلاث الحداد والتي قام فيها الرومان بهدم الهيكل واحتلال أورشليم من السابع عشر من تموز وحتى التاسع من آب. كما كان اليهود يصومون قبل الحروب والقتال. والمماثلة لا تخطئها العين، فالصوم تراث يحضر عن طريق الجسد، أو هو الجسد موروثاً بطريقة سياسية. إنَّ كل ما ينتمي إلى طقوس الديانة اليهودية لا تغيب عنه السياسة لحظة واحدة، حتى مصطلح بني اسرائيل، والعبرانيين، اسرائيل، اليهود،.. جميعها كلمات تاريخية لا تخلو مما هو سياسي. فالعبور يحتوي على الحدود التي هي جسد الواقع والموروثات معاً.

وفي المسيحية يمثل الصيام خضوعاً للرب، ولا يوجد موعد بعينه للصيام لدى المسيحيين وإنْ كانت تقاليد الكنسية قد قالت بالصيام قبل أربعين يوماً من عيد الفصح ثم زيدت لتصبح ستة أسابيع بما يسمى الصيام الأكبر. لكن اللافت أنَّ الصيام يمنع أكل لحوم الحيوان ومنتجاته كالألبان ومشتقاتها. بيد أنَّ الأمر يرتهن بتعاليم الكنيسة، فالكنيسة الروسية مثلاً تمنع أكل اللحوم والسمك، أما الكنيسة الكاثوليكية في انجلترا فسمحت بأكل اللحوم والأسماك أثناء أيام الصيام بخلاف أيام معدودة مثل الأربعاء والخميس والجمعة، بينما الأرثوذوكس يمتنعون عن اللحوم والألبان ومنتجاتها مع السماح بأكل الأسماك.

ليس يخفى علينا أن الصيام يؤكد على إبقاء الحياة في شكل الامتناع عن أكل اللحوم. ونعرف أنَّ اللحم هو الجانب الذي يشكل الجسد الذي هو الحيوان فينا، وبالتوازي ستقول المسيحية يجب النظر إلى الحيوان خارجنا بعين الرحمة. إذن لن يحافظ على الحياة إلاَّ صوم الحيوان البشري (الآثم) داخلنا عن التهام الحيوان بالخارج. والحيوانان لا يأتيان اعتباطاً، لأنهما جزء من منظومة الخَلْق لاستمرارية العالم، فالخضوع للرب ليس وليد اللحظة ولا بناء على إدراك هذا الحيوان أو ذاك لأهمية نظيره، بل لأن هناك خطيئة أصلية سابقة بنيت عليها الحياة.

إن صياماً مسيحياً عن اللحوم الحية هو تذكير متواصل بماهية الحياة التي تحددت مبكراً بصورة آثمة (خطيئة آدم – الإنسان)، وبالتالي سيكون الصيام في المسيحية حفاظاً على الحياة تحديداً والإشارة إليها. في وضع يحتاج إليه الإنسان من جهة أنَّ الحياة لا ينبغي أن تكون قرباناً لشيء أخر. وإذا كانت الحيوانات قرابين قديمة للآلهة، فإن الامتناع عن أكلها هو قربان بالمثل. وتلك إشارة لطيفة إلى وجود قرابين بالمعنى المقصود هنا وهي تصفية للاعتقاد بأن الحياة قائمة على إراقة الدماء.

وهذا أعطى المسيحية فرصة للحديث غير اليهودي عن الحب، فالصيام هو محبة بلا عنف إزاء الطبيعة. وليس أقرب من كون المسيح كابن الرب هو الجسد المتألم لغفران خطايا البشر. غفران مقلوب، فالآلهة منذ القدم كانت تفرض التألُّم على البشر من أجل غفران خطاياهم في حين أنَّ المسيح ابن الرب في المسيحية هو من يصلب ويتوجع لغفران خطايا البشر.

بصيغة أخرى، يتحول الجسد إلى حب، فلا الإله يترك البشر كما هم وكذلك لا تسري الآلام في أجسادهم وأجساد الحيوانات المُضَّحى بها. من ثم كان الصيام في المسيحية من جنس الحياة طالما يحول دون النيل منها داخل كائنات أخرى. والطبيعة تعود إلى جسد المخلوق الأول وقدرتنا على الشعور به رغم زمنه السحيق وقدرته على السريان في الأجساد الآدمية. ولذلك سيظل طقس أكل الخبز المقدس ورمزية لحم المسيح ودمائه طقساً في ماهية الحياة.

ولأن الجسد واحد لدى البشر جميعاً، فلا يتم فقط التنكر لما يكون عليه الحيوان داخلنا و خارجنا، بل بمعرفة المتصل الذي يقع عنده جسد المسيح الحي داخل الاثنين معاً. والتوحيد في طقس كهذا الصيام نوع من شعور الإنسانية بوجودها الممتد.

أما الإسلام فقد قال صراحة: (كُتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم)، وقد أشار القرآن بهذا إلى طبيعة المداد (الحبر) الذي كتب به. فالوضع معروف منذ آدم والرسالات السابقة توحيدية وسردياتها تتشابه في قصة الخطيئة واستعجال الغفران. والكتابة الإلهية هنا تبدو بموجب الجسد في ضوء العلاقة التاريخية بين الرغبة والوجود والحياة. وسيكون الصيام مطلوباً بالطريقة نفسها رغم وجود درجات له ترتبط النقطة السابقة (مثل صوم الجوارح وصوم الخاطر وصوم النفس عن النوازع والاشتهاء والكلام كما يقول المتصوفة).

كما يرتبط الصيام في الإسلام بالخالق رأساً، حتى جاء بالأثر على لسان الله تعالى:" أنَّ جميع عمل ابن آدم له إلاَّ الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"، لأن قضايا الخلق تخص الله في الإسلام وهو من باب اثبات تلك الخصوصية، فالجزاء من جنس العمل إعمالاً لوثيقة الجسد منذ وجودها الأول حتى اللحظة. وعقب الصيام بنهاية شهر رمضان، قيل إنه سيظل هذا الطقس معلقاً غير مقبول إلا بإخراج زكاة الفطر، والشيء الدال أنها تسمى" زكاة الأبدان"، مصيرها وعلاقتها بالخالق وصحتها وخلاصها من العذاب الأخروي. وكأن نهاية فترة الصيام اعتراف واضح بتلك المسؤولية التاريخية غير المباشرة بين آدم وأبنائه الذين هم نحن.

إلى هذا النقطة يرتبط الوضع بأسئلة أخرى: هل وجود المقدس خلف الصيام يحُول دون التساؤل حول جانبه الإنساني؟ هل التقوى (لعلَّكم تتقون: غاية الصوم) في الديانة الاسلامية بمثابة التعلق بما هو آت (الآخرة) فقط؟ أي هل التقوى فاعل لصائم ما أم هي مفعول لشيء آخر (سلطة المقدس)؟ وبالتالي: أليست الرغبات تنقسم ما بين الخوف والإقبال طلباً للمزيد؟ ولماذا يتم ترجمة الجانبين اجتماعياً في صورة شهوات، انكشاف، نهم تجاه المغريات؟

جُوع العين

الفرضية المفصلية أنَّه لا يوجد جانب شهوي إلاَّ وتسكنه السلطة وتحاول إدارته لأجل التحكم في الجسد (الفردي– الاجتماعي). خاصة أنَّ الصوم– في المجتمعات العربية الإسلامية- ليس فاعلاً على المستوى الفردي، أي بالنسبة لجسد هذا أو ذاك من المؤمنين، لكنه يتعامل مع الاجساد كـ" شاشة عرضٍ" بصيغة الجمع (كُتب عليكم الصيام) و (لعلَّكم تتقون). فهناك هاجس الجمع وهو المتصل الذي نمارس فيه الإيمان زمناً معيناً. إذن الصيام كتابة صادرة من سلطة إلهية بناء على أقدار تخص عمومية الناس. وتلك النقطة تُفرِّغ مجال الكتابة من الجوانب الإنسانية بحكم أن الوازع يعتمد الإيمان معياراً وليس ثمة مرجعية إنسانية أخرى، لأن الله في الاسلام هو الذي فرض الصيام امتداداً لخط الزمن مع السابقين.

وعلى الجانب الآخر ، ربما الامتناع عن الطعام كان ديدن النساك والزهاد والفلاسفة. وربما لم يكن ثمة فيلسوف يرى بطنه أكثر مما يتسع إدراكه للعالم. وإلاَّ لكان البطن هو مقبرة العقل ولضاع منطق الفكر لصالح منطق النهم الحسي. وربما كانت الفلسفة تاريخياً نوع من النحافة المقصودة لرغبات عليا تركزت على ما هو ضروري في الحياة. وربما قبل الأديان لم تكن المعدة حاوية لرغبات منتقاة، بل كانت " بيت الداء " و" بيت القصيد"، فالمعنى كان في بطن الشاعر – كما يقال في الثقافة العربية- كمجال لخفاءٍ رمزي من نوع ما. وهي تستطيع أن تهضم أية مرجعية وتعيد إفرازها في شكل غرائز ونوازع وملذات. والبِطنَّة (أو السمنة وظهور البطن) تُذهِب الفطنة لكنها تجمع الشهوات، أي هي القوة المرغوبة التي تراكمت تحت جلد الكائن، وتقوده بالوقت نفسه نحو مصيره، نحو حياته الأخرى (نعيما أوعقاباً).

هكذا إذا كان الصيام كفاً عن الطعام (شهوات الجسد)، فماذا لو كان امتناعاً عن التفكير؟ وهل صيغة السؤال تواصل دلالتها بهذا المعنى؟ كيف يتحول الصيام من تقشف الكائن إلى اطلاق غرائز القطيع (النهم الجسدي)؟ وذلك كما يحدث في تسييس هذا الشهر بالأنظمة الاجتماعية وانتاج المسلسلات وانتشار مظاهر الركود والتداعي.

تبدو السلطة هاهنا والجسد هناك... تلك هي المسافة القصيرة التي لا تلبث أن تتلاشى عبر تاريخ المجتمعات وأنظمتها السياسية. حيث يلتقيان معاً في المجال العام، فالسلطة تعاملت تاريخياً مع مواطنيها بمنطق الوجود الواقع بين الرهبة والرغبة. والجانبان تتحكم فيهما الدول بطريقة الخلق اللاهوتي القديم كما أسلفت. لقد كانت هي الوريث غير الشرعي لكل دلالات الإله وحضوره وغيابه الحداثي أيضاً. فالحداثة قالت بموت الإله واعتبرت الدولة هي القوة الكبرى المسئولة عن الحياة والموت في المجتمعات عبر القوانين والصحة والطب والاخلاقيات كما ظهرت في أوروبا. وبالتالي كان منطقياً أن تعيد السلطة تشكيل أجساد البشر وفقاً لمعطياتها الثقافية السائدة.

كأنَّ السلطة تكتسب المعادلة التاريخية من اللاهوت: الإله – الخلْق – الإنسان (المخلوق –الجسد- الخطيئة). وتفسيرها كالتالي: أنَّ السلطة هي التحول الأخير لمكانة الإله في أفق الحداثة الغربية ومنها إلى المجتمعات التي تنشد تُزامنها. وليس أمراً عارضاً أن تنبني مفاهيم السلطة وحالاتها على اشاعة ثقافة الخوف. ورغم وجودها الواضح إلاَّ أنها تكمن لدى مستويات الصمت اللامفكر فيه. كل سلطة تهجس داخل المجتمع بحضورها دون أن تظهر وجها لوجه، غايتها المثلى أنْ تتخفى بقدر ما تتجلى. هي ثنائية استعارية تسبق السلطة بمعناها الحداثي في يد دولة مركزية إزاء مواطنين لهم مواصفات عمومية.

الفارق أنَّ سردية الإله معروفة وحياً في الأديان، بينما تؤسس السلطة وجودها بين السماء والأرض بواسطة " ميتافيزيقا الجسد". فالواضح أن كل سلطة لها تصورات بعينها حول ما هيته وقوالبه وتنظيمه وإعادة تخطيطه، وهذا ميراث " لاهوت الخلق" بينما عبر خفائها تخزن (تراكم) تصورات حول نمطه الممتثل لأوامرها كما تراه. ومن خلال العنف المضمر في هذه الأوامر ينشط الخوف الضمني كألية ضبط جماعي تحت رحمة السياسات.

تحل الأنماط العامة للحياة السياسية في ذهنية المواطنين محل اللاهوت بمضمون الاعتقاد الديني نفسه تجاه إله مفارق. إذ ظلت هذه السمة سارية المعنى حتى اللحظة في حواشي الدول الحديثة، لدرجة أنه ليس بين المواطن والسلطة سوى خوف يجسد فكرة الموت بكل ثقلها. وأيُّ بناءٍ سياسي على السلطة يضرب جذوره في تلك الميتافيزيقا، لأنَّ ميتافيزيقا السياسة هي الافتراض المتضخم إلى حد التجاوز بالنسبة لهيمنة هذه السلطة السائدة.

وإذا كانت السلطة السياسية قد ورثت أفق الإله بشكل مدني، فلا تنسى من حين لآخر أن تمارس وثنيتها بمنطق القوة والعنف كذلك. إذ حاولت – في الأنظمة الاستبدادية- ادعاء الألوهية ومارست قدرات عنيفة تنتهك كل ميتافيزيقا ممكنة.

لكن الجانب الآخر أنَّ السلطة تتناسى موقعها الإنساني لتعيد ممارسة اللاهوت بقضايا الجسد. فهي تؤكد بواسطة هندسة المجتمع ضرورة التزام الناس أفراداً وجماعات بالصور الرسمية لحركة الشوارع والميادين والمؤسسات. فإذا خرج المواطنون عن لوائح العمل بهذه الصور، وقعوا تحت طائلة القانون. الجسد هو آخر معاقل اللاهوت السياسي بالنسبة لتحرر المجتمعات. وقد رأينا في حراك الربيع العربي كيف شكل الجسد مسرحاً سياسياً لنفض غبار الديكتاتوريات ومجابهة الأنظمة المستبدة. شعرت تلك الأنظمة بأنها مؤقتة على قارعة الحياة بمجرد تمرد الأجساد في مظاهرات حاشدة. وربما لم يكن الجسد سوى سكين حي لقطع أوردة السلطة بميتافيزيقاها المورثة. وقد تقلصت الأخيرة مع هتاف الجماهير (الشعب يريد اسقاط النظام) إلى درجة التبخُر.

ولذلك فإنَّ حركة السلطة تتكيف تماماً مع حركة الجسد، إدارته هي آليات الدولة الحديثة مثل: الاعتقال، الحجز، التتبُع، السجن، المنع، الحجر، والتعذيب والسحل والعقاب... وهي ممارسات مقررة وفق تكوين الجسد الإنساني. فالاعتقال يفترض تزمين أوقات الجسد ووضعه داخل حدود مكانية بعينها، أي استغلال الحركة الملموسة في النيل منه ومساءلته بطريقة حياتية، وما يجري على الاعتقال والسجن يجري على باقي الأشياء.

بالتبعية تحركت الثقافة الشائعة نحو استهلاك الجسد (الشهوات)، فالسلطة لا تغفل انهاكه وتخييل وجوده لاستنفاد الطاقات الحيوية واعادة توجيه ميتافيزيقاه. دوماً بالمجتمعات التي تنخفض فيها إنسانية الإنسان، تشتغل السلطة على فضح الجسد. في إشارة إلى التناظر القديم بين الخالق والمخلوق، فعقاب السلطة هو نبذ مواطنيها من جنة الدولة واقعين باجسادهم تحت المراقّبة!!

اللافت للنظر أنَّ فترات الصيام (شهر رمضان) في المجتمعات الإسلامية هي زمن الاحتفاء بالجسد حتى الثمالة. شهر الهوس بالطعام لا الحرمان المؤقت وتوزيع الوجبات بشكل متقارب. والإيعاز لا يحتاج تفسيراً في زيادة النهم المادي وتقليص التطلع نحو غد أفضل وإقرار حقوق المواطنة. خلال هذا الشهر يكون الإنسان معروضاً في الأسواق حيث ركضه المتواصل نحو سد احتياجاته البسيطة من طعام وشراب وملبس. وتفريغ الجسد من روحانياته نحو السماء.

هذا الأمر مرتهن بفكرة الخطيئة، لأنَّ الامتلاء بأفكار التراث الإبراهيمي جعل آلة الخطيئة (الجسد) تستنفد قدراتها حين تتعرى جمعياً (الكل يرغب فيما يسد جوعه اللامتناهي وشرابه اللامتوقف والعودة إلى الظهور المرغوب في شهر الصيام). لنتأمل اعلام الطهي والبرامج التي تقدمه في صور فائقة الجودة والاشتهاء، نجدها لوناً من التعرية اللاواعية للروح وحصرها بملذات تستنفد طاقات الإنسان. وفي مداها البعيد تقلل من أي اهتمام آخر. المجتمعات الإسلامية أكثر المجتمعات استهلاكاً في شهر الصيام للمواد الشهوية (التي تثير الغرائز).

ليس هذا فقط بل تنتشر الأفعال الخارجة عن القوانين تحت ضغط استهلاك الجسد، ولا سيما أن استهلاكاً كهذا يجعل الرغبات ملتهبة، فالرغبة بحسب جاك لا كان دالٌ يواصل دلالته دون توقف. قد تبدأ بالشهوة المادية المتمثلة في الطعام (الإشباع الحسي) لكنها تطلق العنان للخيال بما لا يَشبع. ويغدو المزيد هو النطاق المؤجل الذي يلتهم كل مجهود آخر. حتى أن السلطة – في البلاد العربية- تجعل المجال العام نطاقاً للتعري الجسدي، لكنها بالوقت نفسه نطاقاً لغلق تطلعات الشعوب للحرية والعدالة والمساواة. هذه لا تنفصل عن تلك: لماذا زيادة الرغبات الحسية، بينما الحياة الكريمة وممارسة الحرية تكاد تكون معدومة؟!

الجشع هو ممارسة الإفراغ والامتلاء الجسدي في هذا السياق (3). لأن حرمان الصائم من جوانب إنسانيته- بوصفه مواطناً- يجعله أداة للأنظمة السياسية، ويلقى قهراً بجوانب حياته في السياسة والدين تبعاً لعلاقة الأعلى بالأدنى. ويغدو الجسد مشوهاً لأنه لا يلبي متطلباته الحياتية التي تزيد بوقتٍ تعاق فيه حركته سياسياً.

الحاصل هو "صوم البطن وإطعام العين" دون رحمةٍ، أي إثارة النظر إلى مداه الأخير. من يشاهد الإعلانات (فقرات الاشهار) في رمضان سيجدها ذات سمات تمثيلية تلتزم بالأداء المُنجز سلفاً. وهو أداء يشتغل على اشعال الغرائز الهامشية، أي نتيجة الجوع قد يمتلئ البطن، لكن لابد للنظر من إثارة لا تُبقي ولا تذر. إنَّ الاعلانات التليفزيونية هي جوع العيون التي تصبح بحجم المجتمعات المحرومة إنسانياً. والانفصام يكشف الهوة السحيقة بين الواقع المعيش والمأمول، تحول الواقع إلى مادة وهمية قابلة للإدمان والاجترار. على حين يكون الأفق غير متطور محصوراً على الغرائز المباشرة.

ويمثل السقوط من الجنة بخلفياته اللاهوتية هو المعنى الخفي للسقوط من الحياة العامة باسم الإشباع الحسي المباشر. من ثمَّ كانت سيطرة الأنظمة السياسية على الجسد وإلهاب طاقاته الغرائزية هو إعلان التأله المزعوم لحاكم لا يمل من تقزيم المجتمعات وإضاعة فرص الحياة الحقيقية.

ينبغي على أي فكر فلسفي ينظر للجسد أنْ يعطِّل توظيف شقي الرحى بين اللاهوت والسياسة، لا بد من قطيعة نقدية تدعم الفعل الإنساني وتؤكد تجارب الحرية بموجب ابداع الحياة السياسية والاجتماعية بثرائها المفترض إلى مالا نهاية. أي ضرورة انتاج تاريخ جديد لا يأخذ مراحله المتقدمة فقط، بل عليه أنْ يشكل صورة الماضي- رغم انقضاؤه- واعياً بمصادرها وتحولاتها غير المرئية. فالجسد هي الوثيقة الكونية التي تعكس ما كتب عليها سواء صوماً أم غيره، ومع ذلك تبقي مفاجئات التكوين والآثار أكثر إدهاشاً.

 

د. سامي عبد العال

..............................

 (1) حيث يوجد إنسان، يوجد هناك نوع من الأغراء بالمعنى الثقافي، لأن ما يتحدث عنه الإنسان ويمارسه هو أمر قائم على رغبة الآخر قلت أو كثرت. فالكلام مجال اغراء للتحدث والوجود معاً عبر الحوارات وحتى عمليات البيع والشراء وأطر العلاقات العامة لا تتم دون حضور الآخر المغري من خلال الأوزان النوعية للأفراد في المجتمع.

 (2) يوم كيپبور، يوم هاكيپبوريم أو عيد الغفران (بالعبرية יוֹם כִּפּוּר أو יוֹם הַכִּפּוּרִים)، هو اليوم العاشر من شهر (تشريه)، الشهر الأول في التقويم العبري، وهو يوم مقدس عند اليهود مخصص للصلاة والصيام فقط. ويوم كيبور هو اليوم المتمم لأيام التوبة العشرة والتي تبدأ بيومي رأس السنة، أو كما يطلق عليه بالعبرية روش هاشناه، وحسب التراث اليهودي هذا اليوم هو الفرصة الأخيرة لتغيير المصير الشخصي أو مصير العالم في السنة الآتية.

يبدأ يوم كيبور بحسب التقويم العبري في ليلة اليوم التاسع من شهر تيشريه في السنة العبرية ويستمر حتى بداية الليلة التالية. يعتبر يوم كيبور في الشريعة اليهودية يوم عطلة كاملة يحظر فيه كل ما يحظر على اليهود في أيام السبت أو الأعياد الرئيسية مثل الشغل، إشعال النار، الكتابة بقلم، تشغيل السيارات وغيرها، ولكنه توجد كذلك أعمال تحظر في يوم كيبور بشكل خاص مثل تناول الطعام والشرب، الاغتسال والاستحمام، المشي بالأحذية الجلدية، ممارسة الجنس وأعمال أخرى بهدف التمتع. وبينما تعتبر أيام السبت والأعياد الأخرى فرص للامتناع عن الكد وللتمتع إلى جانب العبادة، يعتبر يوم كيبور فرصة للعبادة والاستغفار فقط. يوم كيبور هو من المناسبات الدينية التي يتبعها اليهود غير المتدينين أيضا، خاصة في إسرائيل حيث تحترم الأغلبية الساحقة من اليهود العلمانيين الحظر على القيادة والسفر بسيارات في هذا اليوم (مع أنهم لا يلتزمون بهذا الحظر الديني في أيام السبت والأعياد الأخرى). عدم الصيام في يوم كيبور هو أحد الدلائل الرئيسية على ترك الدين تماماً أو على الانتماء إلى اليهود العلمانيين، إذ كانت هذه الوصية الدينية ذات أهمية كبيرة في نظر اليهود " التقليديين"، أي اليهود الذين يتبعون وصايا الدين جزئياً. بحسب الحسابات التي يستند التقويم العبري إليها، فإنَّ يوم كيبور قد صادف أو سوف يصادف في الأيام التالية حسب التقويم الميلادي.

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%8A%D9%88%D9%85_%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86

 (3) تثير بعض الممارسات السياسية– مثل تزوير الانتخابات وأعمال الفساد - جشعاً لدى الناس العاديين. فالفكرة هنا أن الصيام حرمان بقدر ما يعيش حياة قاحلة هو لا يستطيع خروجاً منها. وبالتالي كما كان قبول القربان من عدمه بين قابيل وهابيل هو الدافع وراء قتل الأول للأخير، فالجشع بنية مفروضة بسياسات الجسد تتجلي لدى الصائم لاحقاً. وتؤكد أمامه هذا النهم للاشتغال على نفسه بشكل محسوس شريطة ألا يقترب من انتزاع السلطة أو يتمتع حتى ببعض منها.

 

 

2372 Habermas and Gadamer1عرض هابرماس نظريته في المعرفة والمصلحة، بتصنيفها الثلاثي الأبعاد للعلوم، لأول مرة في محاضرته الافتتاحية في جامعة فرانكفورت عام 1965،[1] بعد خمس سنوات من نشر غادامير كتابه "الحقيقة والطريقة". تبين منها ما ستكون عليه القضايا الرئيسية للمناظرة أو النقاش مع غادامير: قدم هابرماس تفسيره للمعرفة والمصلحة وكشف عن أهمية الدور الذي يسنده إلى العلوم التحليلية والتجريبية؛ على عكس مطالب المثالية الظاهراتية، وعلى عكس النسبية التاريخية للتقاليد عند غادامير ايضًا، قدم هابرماس نظريته النقدية وأكد على وظيفتها التحررية؛ وقام في معارضة الشمولية التعميمية لهيرمينوطيقا (تأويل) غادامير، من خلال تقييده هذه المطلقية ونطاق الهيرمينوطيقا.

اندلع نقاش غادامير-هابرماس مع نشر هابرماس في عام 1967 "مراجعة كتاب غادامير" الحقيقة والطريقة".[2] أتفق فيها هابرماس مع غادامير على أن مقاربة الواقع الاجتماعي تكون بالضرورة من خلال الفهم التفسيري/ التأويلي، بوساطة اللغة التي تحملها التقاليد الثقافية حيث يربط المفسر/ المؤول ما يريد فهمه بمعتقداته ونظامه القيمي. لكن يعارض هابرماس إضفاء الطابع المطلق على اللغة والتقاليد الثقافية من قبل غادامير، اذ يرى- هابرماس- في ذلك "أننا نُسلم إلى الأحداث (والتقليد) التي تتغير فيها ظروف العقلانية بشكل غير عقلاني، حسب الزمان والمكان، والعصر والثقافة".[3] ويرى أنه طبقًا "للحقيقة والطريقة"، فإن النسبية الثقافية واللغوية لكل فهم ممكن ينتج عنها هيرمينوطيقا محدودة حصريًا للحوار ودمج الأفق. فيصبح هذا التاريخ ذا مغزى فقط في نتائجه "الفعالة" والمؤثرة؛ ويكون تفسير الواقع الاجتماعي غير نقدي ومرتبط باللغة والتقاليد.

ينظر هابرماس إلى هذه الصعوبات في هيرمينوطيقا غادامير بوصفها حصيلة "تصور اللغة كمقياس تعتمد عليه جميع المؤسسات الاجتماعية.[4]" تصبح اللغة إذن متطابقة مع المؤسسات الاجتماعية؛ ويُطمس التمييز بين الواقع اللغوي وغير اللغوي؛ وبالتالي يُختزل البحث الاجتماعي في تفسير اللغة. فيشير هابرماس، مقابل هذا الاختزال اللغوي، إلى أن اللغة لا تستنفد العملية الاجتماعية ولا هي السلطة النهائية في الحياة الاجتماعية، فاللغة نفسها تعتمد على القوى غير اللغوية لأنظمة الهيمنة والفعل الاجتماعي، حيث يمكن أن تتغير التقاليد اللغوية طبقا للأوضاع التجريبية.

يقدم هابرماس نقدًا لاذعًا لمفهوم الحكم المسبق عند غادامير ذلك لأن تأييد غادامير لصحة الأحكام المسبقة المصدق عليها من قبل التقاليد تنفي قوة التفكير.[5] يسعى هابرماس، على العكس من ذلك، إلى تمكين القدرات النقدية للتفكير من تفكيك العقائد الدوغمائية التقليدية. فيقترح أن يتم الجمع بين الهيرمينوطيقا ونقد الأيديولوجيا، حيث يظهر اعتماد الشرعية اللغوية فيما يخص العلاقات الاجتماعية على الظروف الفعلية.  إنه بمجرد ألا يُنظر إلى اللغة كإجراء استدلالي ولكن بوصفها مشروطة بالعمليات الاجتماعية الواقعية التجريبية للسلطة السياسية والعمل تنكشف القدرة الأيديولوجية للغة، وتتغير "التجربة الهيرمينوطيقية التي تواجه هذه التبعية وهذا الاعتماد للإطار الرمزي على الظروف الفعلية إلى نقد الأيدلوجيا ".[6] يقترح أيضًا إلغاء الطابع المطلق لهيرمينوطيقا غادامير عن طريق وضع التقاليد الثقافية ضمن أطر الفعل الاجتماعي والتاريخ العام الكلي، والتي تثبت وتؤكد الأوضاع والظروف التجريبية التي تنشأ بموجبها التقاليد وتتغير.

تتبع "ردود" غادامير منظور هيدجر في أن مهمة الهيرمينوطيقا الفلسفية أنطولوجية (وجودية) وليست منهجية؛ ولغويًا هي الصيغة الأساسية للوجود البشري؛ ومن هنا جاءت “عمومية" الهيرمينوطيقا، "التي لا يُستثنى منها أي شيء"، بما في ذلك التفكير النقدي الذي يقترحه هابرماس. كما أنه من غير  الممكن أن تخترق اللغة شروطها وأوضاعها التجريبية في العمل والسيطرة، لأن هذه "الأوضاع" نفسها يتم توسط اللغة فيها؛ فجميع موضوعات المعرفة ومنهجياتها "محصورة في أفق اللغة العام. لا يُستثنى نقد الإيديولوجيا من تاريخية ولغوية الفهم من القبول غير النقدي للتقاليد. ولا يمكن حتى لمفهوم هابرماس حول التفكير النقدي، الذي يعبر عن مثال أو نموذج للعقلانية، أن يدعي الاستقلال عن التقليد التاريخي ولا يمكنه الخروج من دائرة الهيرمينوطيقا.[7]

لا يجد هابرماس، من جانبه، صعوبة في قبول الوضع المتعالي (transcendental) للغة والتاريخية كشرطين ضروريين لإمكانية التجربة. ومع ذلك، يبدو أن هدف النقاش هو الخروج من النسبية السياقية والظرفية[8] لهيرمينوطيقا غادامير من أجل بناء أرضية مدعومة عقلانيًا للبحث الاجتماعي؛ وللخروج من التقليد الهيدجري والغاداميري  من أجل  تقديم نقد للتشويه الذي تمارسه الأيديولوجيات وممارسة التحرر الاجتماعي.[9]  قد يُنظر إلى هابرماس طبقًا لهذه الأهداف، على أنه "أسسي كانطي، ويعبر عن نوع متعالي من الأسسية.[10]  أنه يقع تحت فئة المعبرين عن نظرية التفسير الشكلي الأسسي. ومع ذلك، فإن من سمات رؤية هابرماس، بدءًا من المعرفة والمصلحة هي ربطه البنى العقلانية المتعالية المسبقة بالظروف العلمية- التجريبية.

يتوج سعي هابرماس الأخير لوضع الأسس العقلانية للنظرية والممارسة الاجتماعية بنظرية العقلانية التواصلية، ونظرية التطور الاجتماعي.[11] تستند كلتا النظريتين إلى مفهوم للعقلانية متأصل في التواصل البشري، وعلى إمكانية "إعادة بناء عقلاني" لأنواع الواقع الاجتماعي - اللغوي والمعرفي والثقافي. فعلم إعادة البناء هو العلم الذي يتعهد بجعل معرفة ضمنية صريحة ومنظمة وممنهجة.

يستلزم مفهوم هابرماس "للبراغماتية الشاملة" إعادة بناء عقلاني للمفاهيم والقواعد والمخططات المتضمنة في الكفاءات المعرفية واللغوية والتفاعلية. يمكن التعرف بسهولة على هذه القواعد الشكلية  للبراغماتية الشاملة العامة بوصفها أحد أشكال الفلسفة الكانطية المتعالية، في شكل شروط ضرورية لإمكانية اللغة والتواصل؛ على الرغم من أن قواعد علم إعادة البناء مكونة من بيانات تجريبية لاحقة، إلا أنها  تعتمد بشكل مسبق على حالة شبه متعالية وهي  تؤسس الافتراضات العامة الضرورية للتواصل وتحافظ عليها.[12] تبرز البراغماتية الشاملة لهابرماس كمثال مبتكر لنظرية التفسير الشكلي ( الذي يتم وفقًا للقواعد) المتجذرة في الظروف التجريبية.[13] وهكذا فإن القواعد الشكلية التي تجعل التواصل ممكنًا هي نفسها أصبحت ممكنة بفضل الشروط التجريبية للكفاءة التواصلية الفعلية. تجعل علوم إعادة البناء عند هابرماس الشروط التجريبية للتفسير مبادئ عقلانية ممكنة وعامة وشاملة؛ على عكس نظرية التفسير التجريبي التي تجعل اختلاف الشروط التجريبية للتفسير ممكنة. يظل منطق مشروع هابرماس النظري، على الرغم من اهتمامه بفكرة التغيير، مطابقًا لطروحاته في كتاب "المعرفة والمصلحة" حيث يمتد منطق التحقيق والتساؤل مثل المنطق المتعالي إلى بنية تكوين المعرفة ذاتها؛ ولكن، تتجسد هذه البنية المنطقية كعملية استقصاء، في ظل ظروف تجريبية.[14]

لقد رد هابرماس على نقاده قائلًا: أنه مقتنع بالإمكان التواصل مع أسلوب كانط المتعالي لطرح الأسئلة دون الاضطرار إلى تبني طريقته وافتراضاته الأساسية.[15]

إن الهدف من البراغماتية الشاملة هو إعادة بناء أساس المحادثة أو الخطاب ليكون ذات صلاحية عامة وشاملة. يحاول هابرماس من خلال إعادة بناء الخطاب والمحادثة اليومية أن يضع أساسًا معياريًا للنظرية الاجتماعية. علاوة على ذلك، ستقدم إعادة البناء المعياري للخطاب العادي مفهوم الاتصال غير المشوه، وبالتالي تُمكن من نقد الأيديولوجيا لفضح التشويه الذي تمارسه. إن إعادة البناء التي تسعى إليها البراغماتية الشاملة هي الكفاءة التواصلية التي تفترضها أفعال الكلام في الخطاب العادي. يدعي هابرماس أن العلاقة بين المتكلمين لها أساس عقلاني يقوم على ادعاءات بالصحة والصدق؛ وهي متضمنة في أفعال الكلام الخاصة بذات المتحدث ويتم التعرف عليها ضمنيًا من قبل المستمع. يدعي كل متحدث ضمنيًا بخصوص فعل الخطاب/ الكلام أن ما يقال مفهوم وجليً؛ وأن مضمون اراءه وأحكامه وافتراضاته صحيحة؛ وأن فعل الخطاب/الكلام نفسه مناسب؛ وأن المتكلم صادق.

تفترض الكفاءة التواصلية، بالإضافة إلى ادعاءات الصحة هذه، مجموعة من المسلمات البراغماتية اللغوية، مثل الضمائر الشخصية والأفعال الأدائية والقصدية حيث تعتبر أساسية لأي موقف أو خطاب.[16] تندمج هذه الافتراضات المسبقة للكفاءة التواصلية في مفهوم وضع الخطاب المثالي. وإن وضع هذا الخطاب، على الرغم من كونه غير واقعي، اللا أنه افتراض لا مفر منه للتواصل: أنه يوفر مناقشته غير محدودة ومنفتحة وحرة ومتساوية، وخالية من القيود الخارجية، وتوزيعًا متماثلًا لفرص الاختيار وتطبيق أفعال الكلام؛ وهذه شروط للشكل المثالي للحياة الاجتماعية أيضًا.

تقع مسألة الحقيقة ضمنيًا أيضًا في بنية موقف الخطاب المثالي. تتأسس الحقيقة، من وجهة نظر هابرماس، (متبعًا جارلس بيرس) بالإجماع العقلاني، أي "بقوة الحجة الأفضل"، وهو معنى القول: أنها تتحقق في ظل الظروف الحرة والمفتوحة والمتساوية لحالة الخطاب المثالية. إن الإجماع الذي تدعمه التقاليد (غادامير) أو تفرضه الهيمنة يفشل في اختبار العقلانية. وهكذا يظهر موقف الخطاب المثالي كأساس معياري للنظرية الاجتماعية وتحدي عام للأنماط السائدة من النسبية.

يبدو أن الخط التطوري لفكر هابرماس وقيادته للثقافة الفكرية للحداثة قد انتقل من التوجه المبكر الذي يركز على كانط والمثالية الألمانية، إلى النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، إلى التأويل ما بعد هيدجر، إلى الوضعية في القرن العشرين، إلى فلسفات اللغة الأنجلو- الأمريكية، والى اتجاه التزام متزايد بإعادة تأهيل العقل النظري والعملي للتنوير. إن هدفه فيبري هو لجلب "تحت سقف واحد" العلوم الطبيعية، النظرية النقدية الهيرمينوطيقا، والعقلانية التواصلية والحوار والفهم.

في إعادة تأهيله للتنوير، الذي يراه في علاقته بـ "مشروع الحداثة غير المكتمل"، ينصب تركيز هابرماس على القضايا التالية: العقلانية، والعمومية، والتمييز بين اللغة والواقع غير اللغوي؛ تحرير الحقيقة بواسطة النقد الأيديولوجي والتحليل النفسي؛ مفهوم الكفاءة التواصلية والحقيقة العقلانية التوافقية؛ المفهوم المتفائل للبنى التنموية للعقلانية والأخلاق في الفرد البشري والتطور الاجتماعي.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.............................

[1] D. Emmet  and  A. MacIntyre , eds. Sociological Theory and Philosophical Analysis . London, 1970, pp. 36-55

[2]: حول تتابع الأحداث الرئيسة في النقاش بين الفيلسوفين انظر

F. Dallmar and Thomas McCarthy, eds., Understanding and Social Inquiry, Notre Dame, Indiana: Notre Dame Press, 1977, pp. 335-363.

[3] A Review of Gadamer's Truth and Method"  [1967]  Fred  Dallmar and Thomas McCarthy, eds. Understanding and Social Inquiry. Indiana: Notre Dame Press, 1977, p. 359.

[4] A Review of Gadamer's Truth and Method", p. 360.

[5] A Review of Gadamer's Truth and Method," p.  358.

[6] A Review of Gadamer's Truth and Method," p. 360.

[7] أنظر:

Hans-Georg Gadamer, "On the Scope and Function of Hermeneutical Reflection." Philosophical Hermeneutics, Berkeley: University of California Press, pp. 18-43.

قام بول ريكور وريتشارد برنشتاين  في محاولة التوفيق  بين قضايا متعددة أثيرت في هذا النقاش  ، لكن مو جهة نظر مختلفة أنظر:

Paul Ricoeur, "Ethics and Culture: Habermas and Gadamer in Dialogue," Philosophy Today, 17, 1973, pp. 153-65;

Richard J. Bernstein, Beyod Objectivism and Relativism, pp. 182-97.

[8] Thomas McCarthy, "Rationality and Relativism: Habermas's 'Overcoming' of Hermeneutics, Habermas: Critical Debates. pp. 57- 59.

[9] Thomas McCarthy, "Rationality and Relativism: Habermas's 'Overcoming' of Hermeneutics, Habermas: Critical Debates. pp. 57- 59.

[10] أنظر:

T. Z. Lavine, "C. I. Lewis and the Problem of Foundationalism," presented to American Philosophical Association, Eastern Division, 1984.

[11] إن نظرية هابرماس البرغماتية للتطور الاجتماعي مدينة لعلم إعادة البناء الوراثي لعلم النفس المعرفي البنيوي التزامني لبياجيه ونظرية كولبرج المرحلية للتطور الأخلاقي، وتدعم هذه النظريات "التماثلات" البنيوية التطور الوراثي ومراحل التطور المجتمعي.

[12] أنظر:

"What is Universal Pragmatics?", Communication, and the Evolution of Society. Boston: Beacon Press, 1979, pp. 1-68.

[13] بذلت المعرفة والمصالح الإنسانية جهودًا مماثلة لتجذير المصالح المعرفية في الظروف الطبيعية. وأنظر أيضا المفاهيم المسبقة المشروطة تجريبيا.

C. I. Lewis's Mind and the Word­ Order.

وللحصول على وجهة نظر مختلفة عن هابرماس بهذا الصدد انظر:

V. Tejera, "Habermas and Buchler."

[14] Knowledge and Human Interests, p. 94.

[15] Habermas: Critical Debates, p. 238.

[16] أنظر:

John B. Thompson, "Universal Pragmatics," Habermas: Critical Debates, pp. 116-133.

 

 

علي محمد اليوسفتوطئة: نجد في تاريخ الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة على السواء أفكارا فجّة إبتذالية تم تسويقها للعالم قاطبة قبل تسويقها في منشئها الاول دول الغرب (اوربا) تحديدا على أنها أفكار لعظماء الفلاسفة وعباقرتها في التاريخ الانساني، ولو لم تكن مباحث الفلسفة الغربية نشأتها القديمة العظيمة في اليونان وغيرها من بلدان العالم القديم في العراق ومصر وبلاد المغرب العربي وبلاد الشام والاندلس وبلاد فارس والهند والصين، لكانت الفلسفة الاوربية الحديثة مهزلة من مهازل العبث بالتفكيرالفلسفي والعلمي الهادف الذي دفع الانسانية نحو مراحل علمية نهضوية تقدمية لم تكن إسهامات الفلسفة مقارنة بمنجزات العلم شيئا يستحق حتى الاشارة له.

والمتابع لمقالاتي الفلسفية ومؤلفاتي يجدها نقدا متداخلا في مراجعة قطوعات من تاريخ الفلسفة الغربية هي أمثلة عما ذكرناه. ولا أتوخّى من وراء هذه الممارسة الفكرية النقدية المنهجية المسؤولة مجرد الانتقاص والتشهير بفلسفة غربية نحن اليوم وقبل اليوم ننتلمذ على أفكارها تلاميذا نجباء لم يتعوّد أحدنا أن يقول عن بعض الافكار الفلسفية الغربية أنها تافهة لامعنى لها، وإنما كان هدفي ولايزال الإسهام على قدر المستطاع إشاعة روحية النقد البنّاء لدينا إذا ما أردنا الخروج من شرنقة الدوران وراء عروض فلسفية أغلبها مترجمة لما أعتاده المشهد الثقافي والادبي والفلسفي الركض بلا روّية وتأن وراء أفكار فلسفية أصابها البلى الغربي في وجوب مغادرة تقديسها والإنبهار المبالغ بها .

الارادة والادراك

كان ميراث الفلسفة المثالية الغزير الذي ورثه شوبنهاورعن العديد من الفلاسفة الذين سبقوه كافيا أن يجعل منه فيلسوفا مثاليا في تطرف لا يجاريه فيه سوى بيركلي في مثاليته. حيث وصلت مثالية شوبنهور المتطرفة نكرانه وجود العالم الخارجي بدون وجود ذات تدركه،معتبرا لا وجود لعالم خارجي لا تدركه الذات.

ليس بمعنى الإتاحة المشتركة لوجودهما البيني معا، بل في التفاوت الزمني في وجودهما الانطولوجي. بمعنى حين يكون العالم الخارجي وجودا أزليا محدودا ومحكوما بالبقاء في وجوده الطبيعي بقوانين طبيعية مادية ثابتة لا تستطيع الغاء وجود ما هو مادي (العالم الخارجي) المتجانس معها، فلا يبقى هناك معنى أن لا يكون هذا العالم الخارجي غير موجود بغياب ذات انسانية تدركه.

والاكثر إستهجانا لا معنى لوجود عالم في غير مزامنته لذات تدركه. لا أعتقد من السهولة إستحضار الذات كوجود يستبق أولوية حضور العالم الخارجي كوجود طبيعي مادي تحكمه قوانين في إشتراط ساذج أنه لا وجود لعالم خارجي من دون محايثة وجود ذات تزامنه الحضورإدراكيا.

وإستمّد شوبنهور من كانط مقولته المثالية "إن تنظيم الإحساسات في موضوعات الإدراك ترجع الى الصور القبلية التي يفرضها الذهن على تلك الإحساسات"1

هذا الإقتباس القصير يحيلنا الى تعقيب ونقد الخطوط العريضة في المنهج المثالي الفلسفي عموما:

- هناك مسلمّة يعتمدها المنهج المادي أن وجود العالم الخارجي يسبق الإدراك الحسّي والعقلي له بكل حلقاته بدءا بالحواس وإنتهاءا بالدماغ في تركيبته العضوية. وجود العالم الخارجي لا ينفي وجوده عدم إدراكه ولا ينفيه عدم التعبير الفكري اللغوي عنه كما لا تنفيه الذات في عدم إدراكها له في تحقيق وجودها  المغاير في حضور ذلك الوجود كما في غيابه الحسّي.

صحيح جدا الوعي الذاتي لا يتحقق بدون موضوع يلازمه الإدراك لكن تحقق الوجود المادي في العالم الخارجي لا يشترط توفر إدراك الذات له كي يحقق وجوده الموجود سلفا في الطبيعة بقوانينها الثابتة. الوجود لا يحتاج من يدركه بل الانسان في وجوده المغاير النوعي لموجودات الطبيعة له يحتاج إدراك الوجود وتفسيره ومعرفته ذلك الوجود.

- الصور القبلية المفترضة كخزين معرفي بالذهن لا صحة لها لسببين الاول لا يوجد خزين معرفي بالذهن لم تسبقه موجودات عالم مادي واقعي كانت مصدرا لتلك التصورات المعرفية الخزين بالذاكرة وليس بالذهن، والثاني أن الذهن لا ينوب عن الذاكرة في تخزين المعارف المكتسبة، كما ولا ينوب عن العقل بالتفكير.

- الصور القبلية لإدراك الاشياء لا تعمل في فراغ، بمعنى مصدر كل إدراك صوري تجريدي قبلي هو خبرة مكتسبة عن موجودات وأشياء خارجية. صحيح لا يتم الإدراك العقلي - الذهني عن شيء لا يسبقه معرفة قبلية عنه، وهذه المعرفة القبلية هي خزين فكري لغوي لم يتح له الإفصاح القبلي عن مداركه. لكن معرفة الشيء بتصورات قبلية عنه لا يجعل من ذلك الشيء موضوعا معرفيا جديدا تخلعه لغة الادراك العقلية والتعبيرية الجديدة عليه.

- ألفكر والإدراك التجريدي لا يخلق الوجود المادي لتلك الاشياء. كل مدرك مادي مستمد من الواقع الخارجي أو موضوعا مستمدا من الذاكرة - المخيلة يستحث منظومة العقل الادراكية التفكير به بما هو يحمله من خواص وليس بما تعرفه عنه الذات المدركة من تصورات قبلية ومعرفة مخزّنة بالذاكرة عنه. وجود الشيء في حاضر إدراكه لا يطابق وجوده في ماضي إدراكه. .

- وسيلة الذهن إفصاحه عن مدركاته لا تجعله يتقدّم العالم الخارجي بألأسبقية لا بالوجود ولا بالإدراك بل الذهن يتلقى الإنطباعات عن الإحساسات العابرة له من خلاله دونما أسبقية العقل التعامل مع تلك الإنطباعات،.

من المسائل التي يجري الخلط بها هو إعتبار الذهن مستودع تخزين (الافكار) التي هي في حقيقتها حلقة عبور إنطباعات إدراكية لإحساسات مصدرها الواقع المادي، وهي عابرة للذهن وليست أفكارا يختزنها الذهن بالتفكير بها، والخطأ الثاني إعتبار الذهن مستودع التفكيرلمدركات العالم الخارجي وله خاصّية إعطاء مقولاته الإرتدادية في أن ينوب عن العقل في تمّثلات التعبير عن تلك الاشياء ألمدركة بردود الافعال الصادرة عنه.

ولتوضيح هذا الإرباك يمكننا ألعودة الى آراء جورج بيركلي المثالية الذي يرى إحساسات مدركات العالم الخارجي التي تنطبع بالذهن تخرج من الذهن بنفس بساطة دخولها ومغادرتها له بلا تغيير. لذا يعتبر خزين الأفكار بعد فقدانها لقيمتها الزمانية يتم تخزينها بالمخيّلة وفي الذاكرة وليس تخزينها في الذهن بإعتباره حلقة مرور الإنطباعات الحسّية. الذهن يمكننا معرفة بعض الإنطباعات على لوحته التي تكون مادة خام فيه، لكن عندما نريد معرفة افكار إدراكية نهائية عن شيء نجدها بتعبيرات العقل كمقولات إدراكية فكرية حاسمة وليست إنطباعات ذهنية ومن العبث التفتيش عنها بالذهن.

- وسائل حلقات المنظومة الادراكية للعقل مثل الذهن، الوعي، المخيلة، الذاكرة، في التعبير عن المدركات العقلية يكون بوسيلة تلازم الفكرواللغة الصادرة عن مقولات العقل. أي التصورات والتمّثلات التجريدية اللغوية، كون حقيقة الإدراك هو لغة، كما هي حقيقة الوعي هو لغة، وحقيقة الذاكرة لغة والعقل بكليّته الموجودية هو جوهر ماهيته التفكير اللغوي المجرد حسب تعريف ديكارت.. لا يمكن إدراك شيء موجود بدون لغة تحتويه وتتمّثله حتى الإدراك العقلي للوجود كما ذكرنا هو تعبير لغوي تمّثلي صوري تجريدي للعالم.

الارادة والوجود بذاته

من الأمور الاخرى التي أراد شوبنهاور عبور كانط بها هي موضوعة (الوجود بذاته) النومين الذي إدّعى يمكنه عبور مقولة كانط التي أراد بها ما معناه أن الوجود بذاته لا يمكننا القول أو التعبير عن حقيقته بأفكار هي لم تدركه أصلا، لكننا نجد شوبنهاور يقول " الوعي بذاته هو الإرادة، فالحقيقة الثابتة الواقعية هي الأرادة"2، بخلاف هذا التعبير المنكفيء ذاتيا جوّانيا في تحقيق الإرادة على مستوى الفهم الخارجي للوجود، نجد بول ريكور يذهب أبعد من ذلك في تصويره المثالي قوله الإرادة ليست حدودها عالمنا الإدراكي وإنما هي رغبة فهم ميتافيزيقا الوجود في تعبيره "الارادة ذات سعة ومجال بلا نهاية".

ولا نعرف مدى تطابق الإرادتين الفلسفيتين الاولى لشوبنهاور والثانية لبول ريكور في مثالية فلسفية لا تقدم ولا تؤخر..كون الإرادة لا هي منهج عملي محدود الأمد في التطبيق كما في تواضع عنونة شوبنهاور أو كانت الارادة ذات سعة بلا نهاية كما يعبّر عنها ريكور.

ملاحظات حول عدم صحة تعبير شوبنهاور الوعي بذاته حقيقته الثابتة هو الإرادة:

- الشيء بذاته وجود غير مدرك لا بالماهية ولا بالصفات هذا ماذهب له كانط  وهوسرل في الفينامينالوجيا وفلاسفة الوجودية بلا إستثناء، لذا يكون بالحتمية الواقعية المنطقية الشيء بذاته لا ينتج عنه ما هو حقيقي يدركه العقل يسمى "الارادة " التي هي سلوك قصدي غير متحقق لا بالفعل ولا بالتعبير عنه بوسيلة الفكر واللغة.

الإرادة مصطلح غائم يمكننا تفسيره بمرجعية علم النفس، أما أن تكون الإرادة وسيلة معرفتنا وإدراكنا العالم من حولنا بموجوداته وظواهره تحت عنوان العالم إرادة وتمّثّل فهو أمر مشكوك به.

إلارادة ليست ما ترغبه أن يكون عليه العالم بل الإرادة الحقيقية هي إمكانية ما تستطيع تحقيقه إرادة التنفيذ في تغيير ذلك العالم وليس في تسطيح تفسيره..ألإرادة الفاعلة هي تلك الإرادة التي تهتدي بمنهج فكري تقوم بتنفيذه، وهذا ما نجده واضحا في أدبيات الماركسية وفي أدبيات البراجماتية الامريكية على حد سواء رغم البون الاختلافي الشاسع بينهما.

- الشيء بذاته هو وجود قاصر ذاتيا في الإفصاح عن نفسه تحكمه طبيعته الموجودية الانطولوجية، أي هو وجود بذاته مشكوك به لعدم توافر إمكانية إدراكه عقليا، وكونه موجود إفتراضي مغلق في عدم معرفة ماهيته.

لذا تكون الإرادة هي خاصيّة سلوكية نفسية غير متحققة في الواقع، وليست لها قدرة وإمكانية تمكنها إدراك الوجود بها كحقيقة عابرة لكل موانع العقل والإدراك السوي الحقيقي، فالإرادة ألمثالية لا تحتمل أكثر من تفسير علم النفس السلوكي لها، أنها رغبة مكبوتة مجردة من قابليتها الادراكية بالفعل (براكسيس) في إثبات وجودها قبل أن تكون وسيلة معرفية لفهمنا العالم من حولنا وإثبات وجودها بالتصور الذي جاء به شوبنهاورعنها.

- الإرادة خاصيّة انسانية مقعدة عن إمكانية التنفيذ لما ترغب التعبير عنه وتحققه، الإرادة هي رغبة تحقيق ذاتها بتموضعها الإدراكي بموجودات وظواهر العالم الخارجي. وهي إرادة القيام بفعل شعوري نفسي لا يتحقق بدلالة غيره.. والارادة فعل قصدي فاقد إمكانية تحوله الى سلوك معرفي حقيقي، حتى في حال تكون قصدية الإرادة تحتكم لأحكام العقل بتوجيهها. والإرادة تصّور قصدي لا يتّخذ صفة الإفصاح عن موضوعه قبل تحقق فعل الإرادة في الواقع المادي للاشياء.

-  وحينما نقول العالم محكوم بإرادة الادراك والتغييرالذاتيتين فهذا ليس كافيا، إختزال كل المعارف العلمية والفكرية وتراجعها أمام مقولة شوبنهاور أن وسيلة فهم وإدراك العالم هو إرادة وتمّثل موجودات ذلك العالم الذي يكون تمّثله اللغوي التجريدي من بديهيات مباحث الفلسفة التي لا تقوم على الإرادة فقط التي هي نزعة مثالية طوباوية لا أكثر. الإرادة ليست وسيلة إدراك العالم من حولنا، بل هي رغبة نفسية لإدراك ذلك العالم تفتقد وسائل التنفيذ.

الارادة وتموضع الطبيعة

في كتابه (العالم ارادة وتمّثل) بعد إعادة الاعتبار له بعد إهماله بشكل مزري لفترة زمنية طويلة أراد شوبنهور تطوير مذهب الإرادة من حيث أن الإرادة تعني تموضع الذات الانسانية في الطبيعة، وعن طريق التمّثلات يعي الانسان جسمه، من حيث أنه موضوع طبيعي في عالم متموضع فيه جزء منه. يقول شوبنهور" الإرادة متموضعة في الطبيعة، وعن طريق التمّثلات يعي الانسان جسمه من حيث أنه موضوع طبيعي في عالم تلك الموضوعات"3

لنا التعقيب التالي:

- الإرادة بالفهم الفلسفي وعلم النفس ليست (ادراكا) عقلانيا تسبق موضوعها المادي في تمّثلاتها أشياءا متموضعة بالطبيعة منها الانسان على حد تعبير شوبنهاور. ويكون تموضع الإدراك من خلال التعبير عن مدركاته هو تعبير لغوي وتمّثل تصوّري تجريدي صرف لا علاقة له بالتموضع العضوي في الطبيعة من حيث الادراك هو إلزام وعي الاشياء في وجودها المادي بالطبيعة، وهذا الإلزام هو خصيصة ألانسان في وجوده كائنا عقليا. حقيقة التموضع في الطبيعة هو وجود أنطولوجي وليس وسيلة إدراك تجريدي.

- كل تموضع في الطبيعة لأشياء وموجودات يدركها العقل بوسيلة تجريد اللغة في التعبير عنها. والانسان بإعتباره أحد مواضيع الطبيعة كما وصفه شوبنهاور. وأن إدراكه المتموضع كموضوع في الطبيعة لا يتم بغير تمّثلات الإرادة كسلوك معرفي عقلي يجد فيه الانسان حقيقته الوجودية.

الانسان الوجود المادي، أو الكائن المتموضع بالطبيعة كما يرغب شوبنهاور لا يلزم بالضرورة أن يكون إدراكه بوسيلة الإرادة التي هي وعي نفسي يعي ذاته والمحيط. إرادة الانسان في وعيه ذاته لا تحتاج إرادة إختيار ولا إرادة نفسية قصدية ولا إرادة غريزية متموضعة بالطبيعة، وعي الانسان لذاته وعي إدراكي قبلي ومعرفي وخاصّية فطرية يدركها الانسان بمجرد أن يمتلك قابلية التفكير وتعبير اللغة عن قلقه الوجودي بالحياة. وهذا الإدراك للانسان لا معنى ولا علاقة تربطه في تموضعه بالطبيعة.

- لم أجد معنى فلسفي أفهمه يتوقف عنده المتلقي مثل تعبيرات شوبنهاور الفلسفية المتهالكة التالية:

" عن طريق الحدس المباشر يعي الانسان إرادته، وجسمه ناتج الإرادة وأداتها، وقدماه تموضع لرغبة الحركة، وأعضاؤه الهضمية تموضع لرغبة الجوع، ومخّه تموضع للرغبة في المعرفة، وإذا لم يكن كل هذا من أجل الإرادة لن يكون له جسم على الاطلاق."4

لا تعليق تهضمه هذه التعبيرات الفارغة التي لا معنى لها، ولا تمّت بأدنى صلة لفهم التموضع الانساني بالطبيعة، ولا لتشريح جسم الانسان بايولوجيا حسب الوظيفة العضوية، لتأكيد أن كل شيء خاضع للارادة كما يرغب شوبنهاور تسويقه. الإرادة ليست منهجا في معرفة حقيقة العالم بتمّثلات الذهن... الإرادة الانسانية بلا منهج نظري يتقدمها ويقودها تبقى وعيا قاصرا في محاولة فهم موجودات الطبيعة والعالم والحياة.

الإرادة وفلسفة من هنا وهناك

كي لا نغادر إنشائية شوبنهاور الفلسفية كمثال لما ذكرناه نأخذ نموذجين من الهراء الفلسفي له الاول الإرادة والطبيعة والانسان إذ يقول " هل يستطيع شخص ما أن ينظر الى كل الموضوعات الموجودة مثل الاشخاص الآخرين والحيوانات والنباتات  والاشياء العضوية من حيث أنها تمّثلات لا توجد إلا بالنسبة له، أي بوصفها أدوات لإرادته الفردية بدون أساس آخر للوجود سوى وعيه بها "5

من الواضح الخاطيء معا هو إعتبار وإختزال شوبنهاور الأنا الفردية حتى في حال إفتراضنا أنها تمّثل وعيا جمعيا تنوب الذاتية الفردية عنه، أن تكون الأنا هي مجمل معرفتنا حقيقة الوجود في وعينا له بالإرادة الخّلاقة التي يقترحها فيلسوفنا. ومن دونها لا يتبقى وسيلة أخرى ندرك بها العالم على حقيقته .

وعي الذات في إدراك العالم ليس مقتصرا على تحقيق حلم الإرادة كما يرغب شوبنهاور، جميع كائنات العالم الخارجي والطبيعة إنما هي وسائل ليست لمعرفته ومعرفة مصير الانسان فيه، وإنما هي لجعل كل مدركات الوعي الفردي أدوات تنفيذ رغبة الإرادة إشباع الحاجات الانسانية الاساسية للفرد. إرادة الانسان ليست وسيلة إثبات وجود العالم الطبيعي ولا وسيلة إثبات وعي الذات المتموضع بالطبيعة كموضوع من موضوعاتها.

والعالم لا يستمّد وجوده إلا بإرادة الوعي به كما يرى شوبنهاور، وبإنتفاء الوعي الذي تحكمه الارادة لا يبقى هناك معنى لوجود. كي لا نطيل بكلمات لا معنى لها بتفسيركلمات لامعنى لها نقول الطبيعة لم يكن وجودها متوقف على إدراك الانسان لها وتموضعه بها كإرادة يتحسس جسمه بدلالتها، ولا على تلبية حاجاته لها، ولا لأهمية الارادة في تموضعه بها.

الانسان لم يخلق جزءا ملحقا بالطبيعة غير العاقلة بأي شكل من الاشكال، بل لا تزال مسيرة البشرية الانثروبولوجية تشير الى أهمية وعي الانسان مهادنة الطبيعة والتكيّف معها في محاولة معرفة قوانينها الثابتة ومدى تأثيرها على الوجود الانساني. الانسان كموجود محايث لوجود الطبيعة هو في حقيقته الانطولوجية وجود طاريء على الطبيعة جزء منفصل عنها بقدرات لا تمتلكها الطبيعة، وعي الانسان لا يقتصر على كيفية أن يكون كل شيء بالوجود هو من أجل خدمة الانسان وما لم تتحقق مثل هذه الفاعلية فلامعنى لوجود عالم مستقل عنّا تحكمه قوانين لا إمكانية للانسان العبث بها من غير التكيّف العلمي معها في محاولة إكتشاف نظامها لوضعها في خدمته.

في مثال إبتذالي سطحي ثان يعّبر شوبنهاور" العلم لم ولا يخبرنا بشيء على الإطلاق عن الطبيعة الداخلية للظواهر التي تصّنفها، ولا عن نظام الظواهر المنتظم الذي تصفه، العلم لا يكشف شيئا عن الطبيعة الحقيقية لأي شيء، فلا نستطيع معرفة كيف يكشف العلم القوة التي بناءا عليها يسقط حجر الى الارض. ولا كيف يدفع جسما لجسم آخر، أو ما الذي يسبب نمو النباتات أو حركات الحيوان، لا يستطيع العلم إكتشاف هذه وغيرها." 6

هل من المعقول عند أبسط انسان يعيش منجزات العلم الهائلة تصديق أن يتراجع العلم الى الوراء فقط كي نعتبر كلام شوبنهاور السطحي في إدانته وتشكيكه بتقصير العلم مقارنة بما تعرفه الفلسفة من علوم يعرفها بعض الفلاسفة دون غيرهم؟ هل إكتشافات علوم الفيزياء والفلك منذ كوبرنيكوس 1543 والى قوانين نيوتن في الجاذبية والرياضيات التي سبقه بها كلا من برونو وغاليليو وكبلر وصولا الى نسبيتي انشتاين الخاصة والعامة جميعها كانت العاب أطفال تتقاذفها ارادة شوبنهاور الفلسفية ؟ هل حقا لم يعرف العلم كيف يصنع النبات غذائه ذاتيا في إدامة حياته، هل علوم الحيوان لم تتوصل معرفة دوافع حركات الحيوان وسلوكه في الطبيعة؟ هل العلم الذي وصل فك شفرات كروموسومات الحمض النووي، والإستنساخ من خلية حيّة كائنا نوعيا آخر منها؟ كل منجزات العلم بالذرة والتكنولوجيا وغيرها من مجالات كان العلم يهتدي الوصول لها بإرادة شوبنهاور الفلسفية التي تبعث أسئلة ساذجة عن العلم؟؟ شيء من العبث مناقشته.

بقي الفلاسفة المحترمين في نطاق تخصصاتهم الفلسفية لا يقربون التدخل في مجال اشتغالات العلم الطبيعي التخصصية لأنهم بذلك يعمدون عن جهل تخريب وتعويق مسيرة العلوم الى أمام. ولم تكن الفلسفة متقدمة على العلم في أيّ مجال من مجالات الحياة على إمتداد عصور طويلة من تاريخ العلم والفلسفة عدا الاسهامات البسيطة التي حاولت الفلسفة إفادة العلم بها.الفلسفة علما طبيعيا قائما بذاته يلازم الانسان في البحث عن اجابات لتساؤلاته، ولم تكن ولن تكون الفلسفة إرادة تجريدية تحاول خلق العلوم الطبيعية. العلم منجزات محدودة بالزمان والمكان في إجتراحاته التجريبية، بينما تكون الفلسفة نهجا غير نهائي ولا محدود بفضاء تفكيري مجرد لأنها ليست محدداتها التجربة وميدان التطبيق كما هي خاصية العلوم الطبيعية.( هذا لا ينطبق على كل من الفلسفتين الماركسية، والذرائعية "البراجماتية" الامريكية كونهما منهجين فلسفيين يصنعان الحياة ويغيّرانها بالتطبيق العملاني كما العلم الطبيعي تماما).

الادراك والارادة

يمكننا القول بخلاف شوبنهاور أن الإرادة لا تقود الإدراك كغريزة فطرية تحكم الانسان كموجود متعالق بالطبيعة بالتمايز النوعي عنها. الإرادة سلوك نفسي مبعثه معرفة الاشياء في وجودها الطبيعي، بينما يكون الإدراك فعل حيوي عقلي يتوفر على الوعي القصدي في تساؤله لماذا يجب معرفة العالم وليس معرفة كيفية إدراكه فقط؟. الانسان لا يتمّثل موجودات العالم من حوله لمجرد إمتلاكه التمايز النوعي عليها في إدراكه لها وعدم إدراكها هي له. موجودات العالم حول الانسان لا تلزمه وجوب إدراكها، كونها لا تعقل وجودها ولا وجود الانسان المحايث لها. الوعي القصدي هو الذي يتمّثل ارادة الانسان لأهمية إدراكه العالم المادي الطبيعي من حوله.

نعود أيضا لإقتباس من كتاب شوبنهاور "العالم ارادة وتمثل" قوله " العالم هو تمّثلي وهي حقيقة لا يعيها تماما سوى الانسان الذي يستطيع أن يقررها بصورة مجردة على الرغم من أنها تصدق بالنسبة لكل شيء يعيش ويعرف، أن العالم الموجود أمام الانسان لا يوجد إلا من حيث تمّثل بالنسبة لذهنه" 7

تحليل وتعقيب نقدي

-  تمّثل موجودات العالم والطبيعة تجريديا لغويا إدراكيا هي خاصّية انسانية عقلية نوعية لا يمتلكها سوى الانسان، ولا تصدق على كل شيء يعيش ويعرف كما ورد في عبارة شوبنهور. فالحيوان يعيش ويعرف أنه يعيش لكنه لا يستطيع تمّثل وجوده ولا العالم من حوله، كما يفعل الانسان في إمتلاكه خاصّية العقل الذكي بوسيلة التعبير الفكر واللغة.

- موجودات العالم لا يتوقف وجودها على تمّثل الانسان لها كنوع لا يجاريه فيه كائنا غيره. العالم وجود متحقق قبل ارادة الانسان تمّثله للعالم، وإختلاف موجودات العالم أنها لا تكافيء مساواة الانسان بوجوده ووعيه المتفرد للطبيعة. وخاصيّة الانسان المتاحة له فقط في إدراكه العالم من حوله هي فطرة بيولوجية قبل أن تكون إرادة تحكم كل شيء كما يزعم فيلسوفنا شوبنهاور.

- إدعاء شوبنهور إرادة الانسان معرفة العالم، ليست سببا كافيا لإثبات وجود العالم الموجود بفعل إرادة الانسان، كما وليست إثبات تحصيل حاصل أن الانسان موجود يتوّجب عليه إدراك وجوده الذاتي والموضوعي وسط عالم متنوّع تصعب على إرادة الانسان تطويع كل شيء لتمّثلاته كما في إعتباره عنونة كتابه "العالم ارادة وتمثل". بمعنى من غير الارادة والتمّثل لشوبنهور لا وجود لمنهج علمي ولا فلسفي يفهم به الانسان العالم من حوله ووجوده بالحياة.

- ليس من الصحيح لإرادة شوبنهاور أن تمثلات الانسان للعالم والوعي الادراكي له متاحة لغيره و يمكن تكرارها أو استنساخها لإعتبارات خاصّية إنفراد الانسان بإدراك العالم بذكائه العقلي قبل إرادته النفسية العزلاء التي تقوم على تمّثلات العالم تجريديا بالارادة، وخاصّية العالم من حوله المحكوم بقوانين تحكمه من غير وعيه بها ومن غير وعيه صنعها غير تكبيله بمحددات ثابتة.

لذا يكون إدراك الانسان للعالم هو ضرورة حياتية قبل أن تكون ضرورة معرفية. بمعنى وجود الانسان وسط العالم والطبيعة ليس لإثبات وجوده فيها بمغايرته الجوهرية لها في تنوّع موجوداتها وكائناتها الحيّة وغير الحيّة، بل لإثبات كيف ولماذا يدركها؟ وأين يكون وجوده بين هذه العوالم والمدركات التي لا تحد لكثرة تنوّعها وتعالقاتها وتشعبّاتها في ظواهرها وغيرها ..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

........................

هوامش

1- وليم رايت /تاريخ الفلسفة الحديثة /ت: محمود سيد احمد/مراجعة وتقديم امام عبد الفتاح امام/ ص 351

2- نفسه ص 357

3- نفسه ص 357

4- نفسه ص 358

5- نفسه نفس الصفحة

6- نفسه نفس الصفحة

7- نفسه ص 356

 

علي رسول الربيعيإن التأمل والنظر الموسع في الدراسات التي تسـاهم في تحليل وتفسير ونقد اعمال هابرماس المستمرة والمعقدة تمنحنا القدرة على أن نصل الى القضايا المطروحة للنقاش راهنًا وبالتالي ما يمكننا صياغة السؤال:

- كيف يمكن التوفيق بين النضال التاريخي والسياسي من أجل التحرر وبين التحرر الذي يوفره وضع الخطاب المثالي؟

- ما علاقة الإجماع العقلاني بحالة الخطاب المثالية المضادة للواقع بالحقائق التوافقية للوجود الاجتماعي الملموس؟

- لماذا هناك التقليل من أهمية علوم نقد الأيديولوجيا والتحليل النفسي، التي تخدم المصالح التحررية، في كتاباته الأخيرة؟

- كيف يمكنه التوفيق بين التناقضات التي نجدها بين نظريته التي طرحها في كتابه المصلحة والمعرفية بخصوص المعرفة والمصالح البشرية مع نظرياته عن العقلانية التواصلية؟

2370 هابرماس- أليست علومه في إعادة البناء (reconstructive sciences) "متعالية" أكثر منها تجريبية؟

- هل الكفاءة التواصلية عامة عالمية أم أنها صفة مميزة لبعض المجتمعات الحديثة؟

- كيف يمكن التوفيق بين شكلية العقلانية التواصلية والفهم التفسيري؟

- كيف يمكن التوفيق بين العلاقات المتبادلة بين المعايير وظروفها التجريبية مع إجماع عقلاني لغوي أحادي الجانب؟

- أليست نظريات بياجيه وكولبيرج التطورية، التي يتخذها هابرماس كنماذج عالمية، مرتبطة بالثقافة؛ ألا ترتكب هذه النظريات واستخدام هابرماس لها مغالطة طبيعية؟

- ألم يتم تجاهل مشكلة معايير الحقيقة في إجرائية الحقيقة بالإجماع العقلاني؟

- هل يمكن لنظرية معيارية لا تفحص أصولها التاريخية الأخلاقية أن تحافظ على أهميتها الفلسفية أو السياسية؟

- هل نجت الفلسفة الكانطية المتعالية التي يؤهلها هابرماس من صعوبات الأسسية؟

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

عدنان عويدالثقافة من حيث المفهوم، أصبحت مع التطور الهائل للعلوم الإنسانيّة، قضية إشكاليّة، بل هي شائكة ومعقدة، حيث راحت تتعدد دلالاتها وفقاً للعلوم التي تتناولها، الأمر الذي أعاق في الحقيقة قدرة الباحثين والمهتمين بالشأن الثقافي، على وضع تعريف أو مفهوم دقيق لها يمكن اعتماده كمرجع لمن يرغب في الاشتغال عليها، إذ تجاوزات مفاهيم الثقافة المئة ونيف. ومع ذلك قد نصل إلى جزء كبير من الحقيقة إذا ما غامرنا في وضع تعريف لها بقولنا: هي كل ما قام الإنسان بإنتاجه تاريخيّا في الجانبين المادي والفكري/ الروحي، والمهاراتي من خلال علاقته مع الطبيعة والمجتمع.

ما أريد التركيز عليه هنا في قضية الثقافة، هو الحقل الفكري (الأبستمولوجيي)، حيث تأتي الثقافة في هذا الحقل، بنيةً فكريّةً تتجلى في أنساق معرفيّة متعددة، كالفلسفة والدين والقيم الأخلاقيّة والأدب والفن ...إلخ. أو ما يمكن تسميته اصطلاحاً بالأيديولوجيا. فهي في هذا المضمار، لا تفرخ مجردة، بل هي نتاج إرادات ونشاطات لأفراد ومجتمعات يتعايشون مع بعضهم، ولهم مصالح ماديّة ومعنويّة تحرك هذه النشاطات، وتفرض عليهم التعبير عنها في أنساق فكريّة قد تكون مباشرة، يمثلها طبيعة الوعي التي تفرضه علاقات الناس اليومية المباشرة، أو تكون ذات نسق معرفيّ عالٍ المستوى، يغلب عليه التخصص من جهة، والبعد الأكاديمي والمنهجي من جهة ثانية.

والثقافة في حقليها المادي والفكري، هي نتاج الوجود الاجتماعي للفرد والمجتمع كما بينا أعلاه، وهي تاريخيّة، أي قابلة للتطور والتبدل في مضمار الوجود الاجتماعي الذي تنشط فيه، بيد أن الثقافة في حقلها الفكري (الأبستمولوجيي)، تظل في حركتها وتطورها وتبدلها، أبطأ بكثير من تطور الثقافة في حقلها المادي، أي من تطور قوى ووسائل الإنتاج، وما يرافق ذلك من عمران على كافة المستويات، كالبناء والزراعة والصناعة والمواصلات وكل ما يحدث من تقدم تكنولوجي، أو ما تحققه هذه التكنولوجيا من تطور على مستوى الطبيعة والمجتمع. وعلى هذا الأساس، نجد استمراريّة انساق البنى الفكريّة القديمة وسيادتها لفترات زمنية طويلة، وهذا حال العادات والتقاليد والأعراف وقيم (الماضي) التي تبقى متداولة بين الناس، في الوقت الذي تجاوز فيه المجتمع الظروف الماديّة التي انتجت هذه الثقافة، والسبب يعود برأيي للتالي:

1- إن التطور المادي (التكنولوجيا وما يرافقها من تطور في الزراعة والصناعة والتجارة وحركة العمران) يتم بصورة أسرع بكثير من التطور الروحي/ القيمي كما بينا أعلاه. وهذا التطور السريع في الجانب المادي على حساب الروحي/ القيمي، يرتبط بالضرورة بحاجات الناس الماديّة والروحيّة أثناء نشاطهم  وإنتاجهم  لخيراتهم الماديّة ذاتها، ففي مجال هذا النشاط المكرس من قبل الإنسان لتأمين حاجاته الأساسيّة من طعام ولباس ومواصلات وغيرها، يدفعه إلى الاهتمام بالجانب العملي أكثر من اهتمامه بالجانب الفكري. وهذا ما يساهم في استمراريّة او ثبات البنية الفكريّة لفترات طويلة، أو بطء حركتها، وبالتالي تكلس وجمود الوعي لدى الإنسان ممثلاً هنا بثقافته الماضويّة، وكذلك بنيته النفسيّة والأخلاقيّة، وحتى السلوكيّة التي تُحكم بالغالب بهذا الوعي، وبهذه البنية النفسيّة والأخلاقيّة الموروثة لدى الفرد والمجتمع،

2- ومن الأسباب الأساس في هذا التفاوت غير المتكافئ بين حقلي الثقافة المادي والفكري، يأتي استخدامنا لوسائل إنتاج ماديّة (تكنولوجيّة) ليست من صناعتنا، وإنما نقوم باستيرادها واستهلاكها، وهنا يحدث الشرخ الكبير بين ما نفكر فيه بعقليّة ماضويّة، وبين ما نتعايش معه من وسائل إنتاج متطورة، لذلك لا نستغرب أن نجد من يحارب الوسائل التكنولوجيّة الحديثة والتطور العلمي المرافق لها، على أنها بدعة وضد عاداتنا وقيمنا وتعاليم ديننا، وهذا ما وجدناه على سبيل المثال لا الحصر، في السعوديّة مثلا عندما اكتشف النفط، وتدفقت الثروات الهائلة التي ساهمت في استيراد التكنولوجيا الحديثة إلى السعوديّة، كالسيارة والطيارة والهاتف وكل ما هو حديث من الوسائل التكنولوجيّة القابلة للاستخدام الفردي أو الجمعي على مستوى نشاط مؤسسات الدولة، حينها وقف رجال الدين من الوهابيّة ضد هذه التكنلوجيا وربطوها بـ (الشيطان الرجيم) الذي يعمل على إفساد الإنسان. ولا نستغرب أن (الباز) مفتى السعوديّة الراحل، لا يقر بدوران الأرض، ويفتي بقتل من يقول بذلك، وإن تاب تصادر أمواله.

إن حالات التفاوت في التطور بين الحقلين الثقافيين المادي والفكري، أدى إلى ظهور نخب ثقافيّة راحت تشتغل باتجاهين مختلفين أيضاً، هما:

الاتجاه الأول: وهو الاتجاه التقدمي، الذي يسعى جاهدا لخلق وعي فكري تقدمي يؤمن بدور العقل وحريّة الإنسان، ومكانته في تقرير مصيره وإعمار هذه الأرض التي نعيش عليها، وضرورة تقبل الحداثة على كافة المستويات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة. وهذا الاتجاه كثيراً ما لاقى ويلاقي الاقصاء والمحاربة من قبل القوى السياسيّة والفكريّة والاجتماعيّة التي لها مصالح ماديّة ومعنويّة في تجهيل الفرد والمجتمع، وتعمية بصيرتهم عما يجري حولهم، وعن إمكانية تغيير واقعهم نحو الأفضل.

الاتجاه الثاني: وهو الاتجاه الذي تمارسه قوى سياسيّة ونخبويّة ثقافيّة، تعمل هنا على عرقلة حركة الفكر الإنساني العقلاني النقدي، والسعي إلى تنشيط وتغذية الفكر القائم على الغيب والامتثال والاستسلام، أو على الحدس والذاتيّة، والدوافع الغريزيّة والنفسيّة، أو الوعظيّة. وعلى هذا الأساس تأتي مسألة قوة وحيويّة الفكر الظلامي الاقصائي والتكفيري أيضاً عند أفراد ومجتمعات العالم الثالث بشكل عام، ووطننا العربي بشكا خاص، وبالتالي عمل هذه المجتمعات عبر فكرها المتخلف والمغوّت حضارياً على محاربة وتدمير نفسها.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سوريّة.

 

 

علي رسول الربيعيسأتناول موضوعة علم النفس الأخلاق من خلال نظرية راولز في كتابيه: نظرية العدالة، والليبرالية السياسية، حيث يدرك تمام الإدراك أن علم النفس الأخلاقي ذو أهمية مركزية للسؤال الذي يطرحه: هل سيكون من العقلاني أن يختار شخص ما مبادئ ليكون محكوما بها إذا كان يفتقر إلى المعلومات المتعلقة بقيمه والتزاماته الجوهرية الموضوعية؟ 

 إذا نظرنا في مسألة ما إذا كان المطلوب اختيار مبدأ معين، وأن هناك ظروف محددة في المستقبل يعتقد فيها المرء أنه لن يكون هناك دوافع عقلانية لاختيار ذلك المبدأ، مع ذلك اختاره، يُبنى عليه، اذن، للمرء المبرر للحكم على أن تلك الظروف غير ذات صلة. بمعنى ستكون المبادئ العامة التي يجب أن تحكم المجتمعات عادلة وغير منحازة إذا تم اختيارها في حالة الجهل بمفاهيمنا الجوهرية عن الخير (وعن ظروفنا الاجتماعية). وعندما تكون هذه الاختيارات عقلانية، فذلك لأننا اخترناها من وراء "حجاب الجهل" بغض النظر عما نتخيله عن أنفسنا عندما يتم رفع الحجاب، أي بغض النظر عن الفكرة الجوهرية للخير الذي نتأمل الحصول عليه.

أن هذه هي الطريقة الأكثر إثارة للاهتمام لقراءة راولز، لأنه يقدم المشروع الأكثر طموحًا من الناحية الفكرية لهذه القضية. لكن، ومن نقاشي لنظريته، أرى أنه إذا لم نطالب باختيار المبادئ بصرف النظر عما نتخيله، فربما يراهن المتعاقدون على أنه لن يكون لديهم هذا المفهوم الجوهري للخير عندما يتم رفع الحجاب، وبالتالي قد يختارون المبادئ المنحازة لصالح مجموعة من القيم الجوهرية التي فضلوها. وهذا لن يفضي إلى مبادئ العدالة أو العدالة كأنصاف. المطلوب، حتى لا نصل الى مثل هذه النتيجة، أن توضع بعض قيود بخصوص معنى الأنصاف على أولئك المتعاقدين، مما سيجعل النظرية أقل طموحًا، أي أن الطريقة ستبدأ في الظهور كإجراء للعدالة كأنصاف.

دعنا ننتقل بعد ذلك إلى مسألة ما إذا كان من العقلاني أو غير العقلاني أن نلتزم بها في هذه الظروف. قد نقدم هنا، ثانياً، المجتمع كمثال حيث تم تعريفه بالتزامات سياسية ودينية. لنفترض حينئذٍ أننا نفكر في أيً مبادئ يتم اختيارها في حالة الجهل هذه، سنكتشف عندما يتم رفع حجاب الجهل بأن لدينا مفهومًا دينيًا جيدًا عن الخير، مع التزامات موضوعية مفصلة لنظام حكم يخضع لمجموعة من القوانين الدينية (مثل الشريعة)، وممارسة الرقابة على المعارضة الدينية الجادة (على سبيل المثال ضد كتاب تجديفي)، وأن معظم الآخرين في المجتمع يشتركون في هذه الآراء. هل يمكن للمرء أثناء التفكير في إمكانية العثور على دوافع لإلزام أنفسنا بمبدأ عدم التدخل مثل الذي نناقشه؟

من الواضح أنه يمكن أن يظن المرء أن المبدأ الأول للعدالة عند راولز يتحدث عن هذه الحريات المعيارية بالتحديد والتي يحملها المثل الأعلى لعدم التدخل، وأننا سنتعاقد بعقلانية من وراء حجاب الجهل، كما يعتقد راولز. لكني أرى من الصعب أن نتصور لماذا، إذا أعتقد المرء في أنه ينتمي الى أحد الطوائف الدينية، أنه سيختار، على سبيل المثال، بشكل خاص عدم التدخل وحق حرية التعبير. على أي حال كان هذا الاستياء العام من قبل الجماعاتيين أزاء راولز. أنهم يرون أن راولز لا يمكنه التعامل مع الالتزامات تجاه الجماعات الدينية وغيرها من جماعات؛ ويعتقدون إن نظريته موجهة فقط لنوع معين من المتعاقدين الذين يتمتعون بالاستقلالية الفردية أو المتحررين من الروابط الجماعية، والميالين الى الليبرالية. وإذا لم يكن الأمر كذلك، فلماذا يختار شخص ما مبدأ حرية التعبير هذه، إذا فكر في أنه عندما يتم رفع الحجاب، قد يكون شخصًا لديه قيم جوهرية لعقيدة دينية تطالب بتقييد التجديف؟ فيكون من غير المنطقي أن يختار حرية التعبير، وإذا كان الأمر كذلك، فلن يكون لليبرالية حجة في أحد مبادئها المركزية.

أن السؤال، في الحقيقة، هو سؤال في علم النفس الأخلاقي. وقد قام راولز بالإجابة عنه في كتابه الأخير "الليبرالية السياسية" الذي تلي كتابه "نظرية العدالة" من خلال تدعيم قضيته بحجة أخرى تلجأ بشكل جليً الى النظر الأخلاقي والنفسي لتبرهن: حتى لو فكر المرء أنه سيكتشف عندما يتم رفع الحجاب، لديه قيم دينية جوهرية، فسيكون من المنطقي اختيار مبدأ حرية التعبير. إن الاعتبار الذي يحتكم اليه راولز هو نظير نفسي لنقطة انطلاق الشخص من الجهل بالتزاماته الجوهرية الخاصة بالمستقبل. فيقول إنه حتى هذه الجماعة الدينية سيكون لها معرفة نفسية أولية، مثله مثل أي شخص آخر، يكون قادرًا أو عرضة للتغييرات في التفكير ووجهة النظر، وبالتالي تتغير رغباته، وتصوراته الجوهرية عن الخير. لذا، إذا كان المرء وراء حجاب الجهل يفكر في أنه عندما يرفع عنه قد يجد نفسه ضمن جماعة دينية، فإن المرء سوف يعارض أيضًا أنه في المستقبل قد يغير رأيه ويتوقف عن أن يكون واحدًا من تلك الجماعة. الآن إذا فكر المرء في هذا الأمر أيضًا، فسوف يرغب في التأكد من أن الفرصة ستحقق أي رغبات مستقبلية يريدها وليست رغبات الجماعة الدينية. لكن قد لا تتاح الفرصة للوفاء بها إذا تعاقد الفرد وألزم نفسه فقط بالمبادئ التي أقرتها الجماعة الدينية التي يتوقع نفسه جزء منها حالياً. قد لا يتحقق ضمان المرء لمستقبله، وحماية رغباته المتغيرة والحصول على أفضل عقد من أجل حرية التعبير وغيرها من الحريات الأساسية، في مجتمع يقمع المعارضة وغيرها من وجهات النظر غير الدينية.

تضع هذه الحجة عن قابلية رغبتنا للتغيير في الحسبان فقط الاعتبارات السيكولوجية المتاحة للفاعلين الذين يختارون هذه المبادئ، وهي ترجمة للجهل (وهذه المرة حول الالتزامات المستقبلية المحتملة لهم)، وتطلب منهم أخذ ضمان لالتزامات مختلفة للغاية في المستقبل، تمامًا كما في التجربة الفكرية التعاقدية الأولية في "نظرية العدالة"، يطلب منهم أن يأخذوا ضمان تأمين وذلك لاحتمال تغيًر مفهومنا الحالي للخير عندما يتم رفع الحجاب ونكون على علم بأنفسنا. أيً، ما أريد قوله هو أنه إذا كان شخص ما وراء حجاب الجهل، يفكر في نفسه كعضو في جماعة دينية، فإنه يفكر أيضًا في أنه قد يكون لديه مفاهيم عن الخير في المستقبل ليست مثل تلك التي يمتلكها حاليًا، وقد تكون مختلفة اختلافا جذريا عن تلك التي لديه حاليا، فأنه سوف يرغب بالتأكد من أنه لن يكون في وضع سيء في المستقبل، وهو ما سوف يكون عليه إذا تنكر لمبدأ الحقوق الليبرالية في عدم التدخل على أساس التزاماته الدينية المجتمعية الحالية المتوخاة وحدها.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

 

حاتم حميد محسنماهي الأسباب التي دفعت افلاطون للإيمان بان العدالة أرقى واكثر نفعا من اللاعدالة؟ وماهي العلاقة بين العدالة والاخلاق؟

في الجمهورية، يناقش افلاطون ويوضّح مفهوما مركزيا في جداله يعطي فيه الأفضلية للقيمة المتعالية للعدالة كخير انساني كونها تُنير وتُرشد السلوك الاخلاقي. حجة افلاطون تقوم على ان العدالة والاخلاق مترابطان بشكل وثيق لأن السمو والخيرية في الحياة الانسانية – وهما افضل طريقة ليعيش الانسان حياته –  معتمدان بقوة ومتداخلان مع الاشياء التي نجدها مرغوبة بذاتها وبنتائجها . لذا، نحن نعترف بان الاطروحة الاخلاقية لافلاطون لايمكن تفسيرها وفق حجة الحكم المعياري للاخلاق او وفق حجة محصلة الفعل. اطروحة افلاطون هي تنويرية، بالمعنى الفلسفي، لأنها تمكننا من ايجاد طرق جديدة اكثر نفعا في النظر الى تلك الاسئلة الاساسية المتعلقة بالعدالة والاخلاق، والاسلوب الذي يرتبطان به.

في كتابه (الجمهورية) يحاول افلاطون الاجابة على اسئلة معقدة حول العدالة وذلك بطرحه تفسيرا متميزا لماهية العدالة الحقة، والكيفية التي يتم بها ابلاغ وتعليم الناس المرهفين اخلاقيا حول الطبيعة الحقيقية للعدالة والاخلاق. ان فهمنا للعدالة سيكون اكثر عمقا لو ركّزنا بان ما يهم حقا هو ليس مجرد مراعاة المتطلبات الخارجية – الاحكام الاخلاقية المعيارية والتقليدية – وانما هو شخصية الفرد العادل حقا . العدالة والخيرية المرتكزتان على الحكم كفضيلة للحياة اللائقة، يُنظر اليهما باعتبارهما منسجمين في سياق المجتمع المنظم جيدا.

الادّعاء الأساسي لافلاطون في الجمهورية، هو ان العدالة عظيمة جدا لدرجة ان كل شخص يحتضنها بشكل تام سيكون أفضل حالا، حتى مع القلق والألم في المحن الشديدة. المعادلة الاخلاقية الاساسية التي أعلن افلاطون عنها صراحة،تقوم على ان:العدالة التي تأتي عبر تحمّل الألم والإهانة هي اكثر نفعا من لاعدالة الفرد الذي يتمتع بالمكافئات الاجتماعية المخصصة بطبيعتها للشخص العادل .

غير ان افلاطون لم ينجح طوال الحوار في ان يبرر بوضوح هذه الصيغة المعقدة وغير العادية. لكنه اعتقد صراحة بان الناس فعلا يتصرفون ضد رغباتهم المباشرة لأجل العدالة ولأجل خير الجماعة المدنية ككل. هو لم يؤمن بان الحافز الوحيد للتصرف العادل هو زيادة سعادة المرء. يعترف افلاطون بان الصراع بين الواجب والمصلحة الذاتية هو ممكن جداً، اي ان الواجب والمصلحة الذاتية هما مفهومان مستقلان لا يمكن اختزال اي منهما الى الآخر. لكي نحل هذا التوتر يجب ان نعرف ما هو الأحسن، ان نظرية الأشكال (عالم المُثل) تشغل مكانا مركزيا وحاسما في تبرير ما يبدو ادّعاءً استثنائيا بالغ الأهمية. الأشكال هي اشياء الفهم الأبدية، اللامتغيرة، اللامادية وغير المدركة حسيا،والتي هي اساسية لتعليم فيلسوف الجمهورية، حيث تخلق فيه تقديسا حماسيا لمثل هذه الافكار المطلقة كالجمال والخيرية والعدالة والحكمة.

الفيلسوف الافلاطوني او المثالي، كمحب للمعرفة والحكمة، يكافح دائما لأجل الفهم الواضح والمتميز لهذه الافكار المطلقة (الأشكال) وبعمله هذا ستصبح حياته أسمى من اي حياة اخرى لأن فيلسوف الجمهورية، ومن خلال دراسة الأشكال، سيكون أقرب الى  أعلى ترتيب للحقيقة  والتي تُعتبر أعظم خير حقيقي، وهو بهذا سيحرر نفسه من تلك الأخطاء المنهجية التي تُفقر وتشوه الحياة اللامفكرة .

جدال افلاطون في نظرية الاشكال يمكّن الفيلسوف من الفهم والمشاركة في شكل العدالة، وما لم ينجز الفيلسوف هذا المستوى من الفهم، فان اي حكم يصدر بشأن الأفعال والاشخاص او المؤسسات سيكون معيبا و خاطئا. ولهذا فهي نظرية او مفهوم يقودان افلاطون ضمنا،ان لم يكن صراحة، الى تحليلات اساسية تتعلق بطبيعة الحياة الاخلاقية، التي يجب ان تتطابق مع الحياة الخيّرة، لأن الحياة الخيّرة هي في الجوهر حياة عادلة.

لو ارتكبنا خطأ في أحكامنا بشأن العدالة والخير الجماعي، فنحن ايضا سوف نكون مخطئين عندما نتخذ قرارات حول الكيفية التي ينبغي ان نتصرف بها في علاقتنا مع الآخرين، وهذه هي التي تشكل الاساس للحياة الاخلاقية. أحكامنا الاخلاقية ستكون معيبة لأن تلك الاحكام لم ترتكز على ما هو عادل حقا. ولذلك نحن سنتصرف فقط  طبقا لمظهر العدالة ما لم نمتلك فهما واضحا ومتميزا لحقيقة العدالة او شكلها.

ان نظرية افلاطون في الأشكال تشكل قناة لنا تقودنا الى أعظم خير في بحثنا عن الحياة الخيّرة. ان البحث عن الحياة الخيرة – الحياة الاخلاقية – يقودنا الى الابتعاد عن السعي اللامتناهي وغير المقنع للمتع الفيزيقية والامتيازات والشرف والمنافع المادية التي تفترض  وجود أهمية في حياة الشخص العادي. ان تطهير النفس، من خلال التعليم والتأمل يقود الى تحوّل في حياتنا والى الإقرار بنوع من الخير الاساسي والمتميز المختلف جذريا - شكل الخير. هذا الانسلاخ او التحول يقود الى فهم واضح ومتميز، والى تقديس وتقليد الأشكال ذات السمو المتعالي، بما ينير ويسمو بحياة الفيلسوف، ويضع وجوده الاخلاقي في مرتبة تتجاوز الفرد العادي.

يعترف افلاطون بان المعرفة وادراك الاشكال هي قيمة بالغة الاهمية، لأنها خيرات متعالية ومتفوقة. حيازة الاشكال، وهي لا تعني الملكية، هي نتاج للعقل – وهي السمة الأعظم قيمة في روح الانسان – وان هذه الحيازة هي التي تقود الى السعادة الانسانية. هي سعادة  يشترك بها كل من يصل الى الادراك الحقيقي للاشكال، عبر سيادة وتفوق العقل الانساني. بالنسبة لافلاطون، يكون الفعل مقبولا ليس فقط لأنه مفضل من جانب العقل، وانما لأن العقل سوف يفضله حينما ينجح في ادراك الخير، ويطبّق ذلك الادراك في مهمة اختيار الافعال.

حيازة الاشكال تنطوي وتستلزم روابط عاطفية مترافقة مع تلك الفعاليات المتميزة بالحب والصداقة. نحن مرتبطون مع هذه الحيازات الثمينة، كأشكال، من خلال المشاركة العاطفية والفهم الفكري. هذه هي التي تُبلغ وتعزز قيمة حياة الفرد، وخاصة الحياة الاخلاقية.

أحد مظاهر خيرية الأشكال يكمن في مفهوم الانسجام والتوازن في النِسب. ان النوعية المتعالية والمتفوقة للاشكال، بالمقارنة مع الاشياء المرغوبة الاخرى، تُشتق وتتشكل بفعل طبيعتها اللامادية وحيازتها لأرقى درجة من الانسجام و الترتيب المنظم. ورغم انه من غير الممكن التعريف الدقيق والواضح لمفهوم الانسجام، لكننا في هذا السياق، نستطيع القول انه يتميز بمختلف انواع التناغم المتجسدة بالكائنات الحية والارواح والنجوم والاشكال. وعليه، نستنتج،من افلاطون، ان خيرية الشيء- الجماعة المدنية، روح او صحة الجسم – تتألف من نوع من النظام او التناسب الملائم للشيء. لذلك، اذا كان الشيء يحوز على درجة عالية من الانسجام او النظام ، عندئذ سيكون من الضروري ان يحوز على أعلى درجة من الخير – وبالنتيجة، سوف يشارك بشكل الخير.

يتبع ذلك ان الانسان العادل حقا – الفرد المتنور والراشد اخلاقيا – سوف يتمتع ايضا من خلال التعليم والتأمل بأعلى درجات النظام في روحه، وهو لذلك سوف يمتلك فهما واضحا ومتميزا ورغبة في المشاركة بأشكال العدالة والخير. هذا يوضح حسب افلاطون، لماذا الفيلسوف هو الأقدر ليصبح منخرطا بفاعلية في حكومة الدولة، لأنه من خلال تطبيق نظام متوازن للعدالة ولمبادئ اخلاقية سليمة – قائمة على سيادة العقل الانساني – فان تعليمه وتدريبه سيمكنانه من القيام بذلك.

ان تعليم وتدريب الفلاسفة الافلاطونيين للجمهورية سيضمن قدرتهم الفعالة في السيطرة على مشاعرهم وشهواتهم. انضباطهم واحترامهم لإنسجام الأشكال سيضمن ايضا انهم لا يحوزون الرغبة في التصرف بلاعدالة او بسلوك غير اجتماعي او في البحث عن مزايا دنيوية لا يمتلكها الناس الآخرون. الفيلسوف الذي يفهم ويشارك في انسجام الاشكال، ولديه المهارات الفكرية الفعالة، سيكون لديه ادّعاءً قويا بكونه نموذجا للفرد الاخلاقي العادل – حتى عندما لم يتجرد كليا من جميع نواقص الشخصية.

يجب التأكيد ان افلاطون لم يطرح ادّعاءً غير واقعي في الكمال، لأن هذا سيعمل فقط على إضعاف اطروحته والحط منها . مشروعه هو بالاساس تطبيقي  يعترف فيه ان  رغبة الفيلسوف الحاكم لا يمكن السيطرة عليها دائما وكليا بالعقل، لكن هذه بذاتها لا تبطل القوة المركزية لحجة افلاطون.

غير ان افلاطون وعد بإظهار تفوّق حياة الفرد العادل، على غير العادل، رغم النتائج السلبية التي يواجهها الفرد العادل من وقت لآخر . الجواب لهذا السؤال يكمن جزئيا في استكشاف المأزق السايكولوجي للفرد غير العادل كليا او المستبد. لو ان هذا الفرد يمارس اشكالاً متطرفة من اللاعدالة او اللااخلاقية، عندئذ ستكون لهذا العمل نتائج سايكولوجية مدمرة له. لو ان الرغبات اُطلق لها العنان بالكامل فانها سيستحيل اشباعها، والحياة ستصبح احباطا دائما بدلا من ان تكون حياة هادئة وقابلة للانجاز. ممارسة السلطة الاستبدادية تُفسد الثقة وتخلق خوفا دائما من الإنتقام من اولئك المضطهدين من جانب المستبد. الفشل في إخضاع الشهوات للعقل يخلق حتما طلبات داخلية فوضوية متكررة تقود الى المعاناة من الخوف والاحباط. من الواضح ان هذه ليست الصيغة لحياة سعيدة ومزدهرة وأخلاقية.

ان الشغف الطاغي للفيلسوف الافلاطوني هو حب الأشكال، الحب الذي لا يولّد الخوف او الاحباط او الفوضى في الحياة. وعكس ذلك، اولئك الذين يدرسون ويتأملون الاشكال ستكون لديهم شهوات متواضعة يمكن إشباعها بسهولة، كما ان وعي الفيلسوف بالانسجام في الروح سيقود الى حياة هادئة متحررة من الآثار المدمرة للرغبات المتصارعة. يجادل افلاطون بانه حتى لو ان الفرد العادل تعرّض للاذى والاهانة، فهو سيكون في سلام مع نفسه وسوف لن يعاني من الاحباطات الفوضوية التي تجعل حياة المستبد بغيضة وتافهة. ورغم ان الفرد العادل قد يعاني من آلام فيزيقية، فهذا لايعادل الألم السايكولوجي الذي يحوّل حياة المستبد الى عذاب دائم.

يعتقد افلاطون ان هناك توازن واضح في المزايا الايجابية لحياة الفرد العادل والاخلاقي الذي قد يعاني ظلماً على شكل اذى مؤقت او دائم. ان تفكير وعواطف الفيلسوف، يمنحانهُ مدخلاً لعالم منسجم كليا (عالم الأشكال) الذي يحوز عليه هو وحده، والذي هو الخير الاعظم الذي لا يدانيه شيء. فمتى ما تم الاعتراف بان المعرفة والتأمل بالأشكال – أشكال العدالة والخير – تمنح مثل هذه المزايا الهائلة للفرد العادل، عندئذ فلابد من الاعتراف ايضا بان الأذى المادي لا يمكن ان يقلل من القيمة العظمى  للعالم اللا محسوس للفرد الرشيد.

خلاصة واستنتاج

موقف افلاطون في الجمهورية هو ان الحياة الخيرة تُعرّف طبقا لعلاقتها بالحياة الاخلاقية. هناك، حسب افلاطون، الكثير من الحياة الخيّرة مقارنة بالاخلاق، لكنه من الضروري اعطاء افضلية مطلقة للاخيرة. وبالرغم من ان  حياتين اخلاقيتين اثنتين ربما ليستا خيّرتين بالتساوي، لكن الحياة الاخلاقية هي دائما أرقى من الحياة اللااخلاقية بصرف النظر عن المنافع التي تبدو في الاخيرة. موقف افلاطون يتضمن ان الصراع بين الحياة الخيّرة والحياة الاخلاقية هو مستحيل منطقيا، بسبب علاقاتهما الداخلية.

هناك فرق بين الواجب والعدالة،من حيث الطريقة التي يفكر بها افلاطون في هذين المفهومين. الواجب هو كلمة تنطبق اساسا على الفعل، بينما العدالة، في فكر افلاطون، تنطبق اساسا على الناس. ولكن رغم هذه الاختلافات، مقارنة افلاطون بين العدالة والمصلحة  تشبه كثيرا ذلك الفرق بين الواجب والمصلحة،وعليه نحن نستطيع اعتبار العدالة والواجب هما واقعيا مفردتان لهما نفس المعنى.

يعتقد افلاطون ان هناك اسباب موجبة للعمل ضد مصالحنا الفورية من أجل العدالة وخير المجتمع المدني ككل. القليل ذُكر حول الناس، كمنتجين، في الجمهورية، لأن افلاطون مهتم اساسا بمواقف ودوافع الفلاسفة وبنشاطاتهم في المدينة كحكام . هو لم يؤمن بان الدافع الوحيد الممكن والمعقول للتصرف بعدالة هو زيادة متعة وسعادة المرء.

وفق المنظور الفلسفي الحديث لابد من عمل خيار في حالات الصراع بين الواجب والمصلحة – الخيار بين مفهومين، مستقلين،لا يمكن اختزال اي منهما الى الآخر. الفرق الحاسم والاكثر اهمية بين الافكار الاخلاقية لافلاطون المعبّر عنها بالجمهورية، والافكار الفلسفية الحديثة حول الصراع بين الواجب والمصلحة، هو الموقف المتميز والمتعالي الذي اُعطي لفكرة الخيرية او شكل الخير، وهي الفكرة التي انطوت على كل اشكال الخيرية. ماذا تعني في الواقع الأهمية العظيمة للمفهوم المتفرد للخيرية؟ الخيارات التي تتم عادة بالعقل يعتبرها افلاطون كقرارات حول ما هو خير او حسن – وهي تمثل الخير الى أقصى درجة . رؤية افلاطون هي اننا يجب ان نعرف ماهو حقا الأحسن لكي نعمل الخيار بين الواجب وخير المرء. المشكلة بالنسبة لافلاطون،في هذا السياق، هي تطوير مفهوم للخيرية فيه ما يكفي من الوضوح والتميز لكي نستطيع عمل خيار بين الواجب والمصلحة،وهو الخيار المثالي في خيريته، او احسن الخيارين.

وبالضد من الافكار الحديثة في الخيرية – المنافع، الامتياز، الكمال وغيرها – افلاطون يسمح فقط بفكرة واحدة للخيرية وهي شكل الخير، الفكرة التي لا يمكن اختزالها لأفكار اخرى للخيرية. هو يؤسس نظرية تسمو على الافكار الاخرى للخيرية. ذلك لكي يتجنب امكانية الصراع،في التفكير العملي، بسبب مختلف افكار الخيرية غير القابلة للاختزال.

ان محاولة افلاطون في التعامل مع فكرة الخيرية كفكرة منفردة، توفر المعيار المطلق للاستخدام في ممارسة التفكير العملي. هو يحاول تبيان اننا نستطيع حل التوترات الظاهرة بين مختلف انواع الخيرية،عبر ادراك ماهية الخير النهائي، ورؤية كيف يمكن تمثيله في العالم الفيزيقي. هو لم يهمل العقل او العقلانية من مشروعه، لأن مهمة العقل  هي ادراك الخير ووضع خطة استراتيجية للفعل. الوظيفة السليمة للعقل هي الادراك الصحيح والدقيق للخير، واستعمال ذلك الادراك – بدلا من مفهوم العقلانية- حينما نأتي لنفهم بالضبط كيف يجب ان نعيش ونتصرف. وعليه فان ادراك شكل الخير هو الذي يساعد في توجيه حياتنا وافعالنا الاخلاقية، وليس العقلانية التي نستخدمها مباشرة في انجاز ادراكنا للخير.

يعتقد افلاطون ان فكرة الخير فيها السمات الضرورية لإبلاغنا وارشاد افعالنا، وايضا تعمل على تكوين وتوجيه شخصيتنا الاخلاقية. العدالة والمنافع الشخصية هما نوعان من الخير سنقوم بفحصهما لكي نكتشف منْ له الأسبقية على الآخر. فكرة العدالة تُعامل باعتبارها فضيلة او امتياز، او كنوع من الخيرية. اما فكرة المنافع او المزايا هي الخير لبعض الافراد او للمجتمع المدني. اي من هذين الخيرين اكثر اهمية في تلك الظروف التي تهم افلاطون؟ الفلاسفة او الحكام سيختارون خير المجتمع ويفضلونهُ على خير انفسهم،لأن ادراك شكل الخير لا يحتاج الى كفاءة او أهلية qualification ، الخيرات الاخرى هي خير فقط حين توجد درجة من الأهلية.

ان حكومة المدينة منشغلة بمنافع الجماعة المدنية ككل، وان خير الجماعة يُعتبر كخير بدون اهلية، ولذلك فهو يسمو على المصالح الفورية المباشرة للفرد. ان خير المدينة، باعتباره خير بلا اهلية، يأخذ الاسبقية على خير المرء لأن خير المدينة هو مُتضمن بتطوير العدالة في الجماعة المدنية. انه ايضا يتجاوز المصلحة الذاتية للفيلسوف الحاكم، المتحمس للتصرف بعدالة، ومن ثم بأخلاقية، بسبب معرفته السابقة بشكل الخير. وعليه، فان اطروحة افلاطون الاخلاقية تعطي مكانا فريداً لمفهوم موضوعي واحد للخيرية، وان جميع المفاهيم التقييمية الاخرى هي تابعة وخاضعة لفكرة الخير هذه (الفكرة بدون أهلية).

 

حاتم حميد محسن

.............................

Stuart Hopkins, Justice and Morality in Plato’s Republic, Pathways school of philosophy.

المصادر:

1- اناس جوليا (Annas, Julia)، مدخل لجمهورية افلاطون، اكسفورد 1981، فصل 3 صفحة 59- 71، فصل 6 صفحة 53- 169، وفصل 13، صفحة 331- 334.

2- اروين تيرينس (Irwin, Terence)، اخلاق افلاطون، اكسفورد 1995، فصل 12، صفحة 181- 202.

3- كراوت ريتشارد (Kraut, Richard)،دليل كامبردج لجمهورية افلاطون، مطبوعات جامعة كامبردج،1992، فصل 10 صفحة 311- 337.

4- ناجل توماس (Nagel, Thomas)، رؤية من البعيد،اكسفورد، 1986، فصل x، صفحة 189 – 207.

5- وترفيلد، روبن (Waterfield, Robin)، جمهورية افلاطون،1993.

6- وايت، نيكولاي (White, Nicholas)، دليل لجمهورية افلاطون، انديانابولس، امريكا، 1979.

 

 

علي محمد اليوسفتوطئة: يمكننا البدء بإدانة هيجل في إختلاقه فكرة المطلق العقلي الواقعي الذي يحتوي كل شيء في الوجود. فهو كان إختلف مع اسبينوزا من منطلق  أنه لا يؤمن بوحدة وجود تقود الى إيمان ديني بوجود خالق هو جوهر لكل موجود كما أراد اسبينوزا إثباته، والحقيقة أصبح مذهب وحدة الوجود تتوزّعه العديد من الإجتهادات التجاذبية بين الديني واللاديني، بين الروحي والنفسي، بين المتناهي واللامتناهي، بين الصوفية الدينية والفلسفة.

(1) المتناهي واللامتناهي

التفكير متناه في محدودية القدرة على معرفة وفهم أشياء من العالم وليس كل العالم. ويكون التفكير الخيالي خاملا حسب توصيف ديفيد هيوم كونه يستنفد نفسه قبل تمام إدراك مواضيعه المستمدة من عالم لامتناه. لا يتمكن التفكير الخيالي التموضع الكامل لادراكه اللامتناهي. عن هذه الحقيقة يعبّر ديكارت "ربما يوجد ما لانهاية له من الاشياء في العالم، وفي المباينة مع ذلك فليس عندي في الفاهمة أية فكرة عنه".

ليس بعيدا ولا غريبا تكرار المقولة الفلسفية أن ما يعرفه الانسان ليس أكثر مما يدركه فعلا.في محاولة المتناهي المحدود معرفة اللامتناهي المطلق محاولة عقيمة لا معنى لها، فالتفكير الخيالي لا يستطيع فهم أشياء لا تكون لها معرفة صورية حتى بالتعريف البسيط لها بالذاكرة... يصف ريكور الإرادة بأنها ذات سعة ومجال بلا نهاية.

ألارادة لها سعة ومجال تفكيري بلا نهاية صحيحة، لكن فاعلية الإرادة التخييلية إنما تكون في المتحقق المنجز لما تقصده وتبتغيه..ويقصد باللامتناهي المطلق فلسفيا هو الخالق غير المدرك بصفاته ولا ببعض ماهويته الإفتراضية الذاتية. هذا اللامتناهي الذي لا يمكن الإحاطة به. أما المتناهي فهو المدرك الذي يمكننا تحديده بالمقارنة مع متناهي آخر يشاركه المجانسة النوعية. ومن الصعب إستطاعتنا تحديد اللامتناهي لأننا نحتاج الى حده بشيء يجانسه النوع وهومحال. أي يتعذر تحديد اللامتناهي بشيء يمتلك قدرة المداخلة الجدلية مع المتناهي. هنا أود تثبيت نقطتين لماذا نستطيع إدراك المتناهي ولا نستطيع إدراك اللامتناهي،؟

إدراك المتناهي هو إدراك لشيء متعّين محدد بخواص المادة التي تدركها عقولنا (الطول، العرض، الارتفاع ، الزمن). وهو ما لا ينطبق على اللامتناهي الذي لا يمتلك مثل هذه الصفات التي يدركها العقل. والسبب الثاني أن كل محدود هو سلب بتعبير اسبينوزا وهيجل، أي كل محدود يفقد العديد من الصفات الايجابية التي يمتلكها لحساب تعينّه المادي السلبي. فاللامتناهي لا يخضع لتجريد عقلي يدركه بتحديد صفات له هو لا يستطيعها اولا ولا مدركة من قبل العقل ايضا.

أمام هذا المعنى أثار لا يبنتيز طرحا إشكاليا معتبرا " كل معنى محدّد، أيّا كان، وكل معنى لا يحتوي المتناهي هو معنى مجرد ناقص". كون الإدراك العقلي تعتريه المحدودية وتحكمه إدراكيا.

هذا التداخل الإشكالي الذي يقيمه لايبنتيز على منطق رياضي هو المتواليات العددية والمتواليات الهندسية التي لها بداية ولا تكون لها نهاية. فهي تكون بحكم اللامتناهي الذي تختلف مع كل متناه مدرك بالمجانسة النوعية. وهو حكم رياضي لا يمكننا تعميمه على مدركاتنا الاشياء وموجودات العالم الخارجي، فهذه تكون محدودة انطولوجيا متناهية وتحتويها لا متناهيات وجودية.

أما رأي كانط الذي يرى الناس كائنات متناهية يعيشون في عالم لا متناه يجب أن يكون هذا اللامتناهي محدودا بزمان  وإلا أصبح  وجودا يمكن الإحاطة بإدراكه ولو جزئيا. لو نحن حاكمنا عبارة كانط بفهم اسبينوزا الذي يرى أن الموجود بغض النظرعن كونه متناهيا أو لامتناهيا لا فرق فهو يدرك بدلالة الجوهر، ولا يدرك الجوهر بدلالة الوجود. بهذا المعنى تكون أطروحة كانط في إمكانية الإحاطة بمحدودية اللامتناهي بمحدودية الزمان الذي يحتويه خاطئة تماما كون الزمان مخلوقا أزليا يكون لامتناهيا لنا نحن البشر لكنه متناهيا مخلوقا من لامتناه لاندركه هو الله.جعل انشتاين الزمن بعدا رابعا من أبعاد المدرك الشيئي المكاني الموجود يعود لإدراك العقل الذي يفهم ويدرك ماهو مكاني بدلالة زمانه.

ونختم بعبارة ثانية لكانط يقول بها" ليس للعالم بداية ولا حدود بل هو لامتناه. والزمان الذي يحد العالم يتوجب أن يسبقه زمان له بداية،، وبداية الزمان هي فراغ كلي واذا لم يكن للعالم بداية ولا حدود فهو لامتناه. إن ما يلفت النظر أن كانط لا يحدد مقصوده الدقيق بالعالم هل هو الكون الميتافيزيقي أم العالم الانساني على الارض؟.

(2) فيختة والأنا

أراد فيختة تذويت ألأنا بموضعته في منحيين متلازمين في وضعه المتناهي مقابل الأنا اللامتناهي كتضاد غير جدلي من جهة وغير تكاملي متناه من جهة أخرى، والتساؤل هنا هو هل من المتاح جمع نوعي الأنا بعلاقة تخدم تصوراتنا الفلسفية أو حتى رؤيتنا في منحى معيّن أم لايتاح مثل هذا الإفتراض.؟ جمع مثل هذا التضاد بأي نوع من العلاقة غير متاح حتى على صعيد التجريد الفلسفي المنطقي.

حين يأخذ هيجل عبارة اسبينوز   (كل تحديد هو سلب)  هذا يعني أن المتناهي الذي يحمل صفات معينة حين نريد أن نحدّه قسرا كي ندركه ضمن بنية كليّة عينية فإننا نكون سلبنا من الانا معظم الصفات التي كانت تمتلكها وهي متحررة من التحديد السلبي الذي يعني المحافظة على بعض صفات هذا التحديد لشيء بما يخدمنا وليس بما يخدم تحديد الانا ضمن مدرك خصائصي معيّن تكون تابعا له. الأنا المتناهية هي الأنا التي تم تحديدها وبذلك فقدت الكثير من صفات تكتمل كينونتها بها.

الأنا هي تموضع ذاتي بالاشياء التي لها حدودا تقف عندها بفقدانها السيطرة على فرديتها التي فقدتها في تحديدنا المتناهي لها. كل تحديد سلب عبارة اسبينوزا ومن بعده هيجل هو التضحية المقصودة في تشتيت الصفات الإيجابية التي كان يمتلكها الشيء قبل التحديد. ولو نحن سحبنا هذا المقياس تعميمه على المادة كوجود مستقل جرى تحديده بعوامل ذاتية خاصة أو عوامل طبيعية موضوعية فهذا يدخلنا الى وجوب التفريق بين صفات الشيء ومحتواه المادي – هنا لا نقصد بالمحتوى الماهية أو الجوهر – أي علاقة الشكل والمحتوى ومن يمتلك تأثير الاسبقية في إنقياد الآخر لأحد طرفي الشكل أو المحتوى، التي تكون في كل الأحوال علاقة طردية وليست علاقة تناسب عكسية ،بمعنى ما يكتسبه الشيء من صفات شكلية مضافة له تنعكس طرديا على محتواه والعكس صحيح أيضا. تحديد السلب ليس نفيا كاملا لصفات الايجاب التي إفتقدها الشيء في سلبه التحديدي له وأفقده التحديد إياها ، يمكننا القول أن كل تحديد هو لامتناه على عكس ما أريد له في تحديده إمتلاكه لصفات دون أخرى. تحديد السلب لامتناه ادراكي يفهم ذاته بدلالة صفاته السلبية فقط، لا ينفي ما فقده من صفات بل يؤكد على صفات لامتناهيه ايجابية في عدم الادراك لها.

أما في حال تفكيرنا جعل الأنا المتناهية تأخذ موقف التضاد الجدلي مع اللامتناهي فيكون الأمر مستحيلا حتى على صعيد الإحتواء في العلاقة، فالمتناهي حين إكتسب صفة التحديد السلبي يكون أصبح فاقدا المجانسة النوعية التي تجعله متلازما ديالكتيكيا مع اللامتناهي الذي يمتلك مجانسة نوعية لا تجعله يحتوي الأنا المتناهية ولا حتى الدخول معها في تضاد مثمر ينتج عنه مركب ثالث لظاهرة جديدة مستحدثة أو كليّة بنيوية مغايرة لأصل قطبي الديالكتيك الذي هنا في مثالنا لم يحصل ولم يتحقق عنه شيئا كون الديالكتيك هو تضاد داخل المجانسة النوعية.فمثلا أنا الانسان في أي صورة أو شكل من الاشكال هي عليه لا يمكنها الدخول ديالكتيكيا مع أي شيء لا يحمل المجانسة النوعية معها.

(3) هيجل مطلق وحدة الوجود مع المايا

هيجل يؤمن بمذهب وحدة الوجود باختلاف عن كل من:

- مبدأ وحدة الوجود الفلسفية كما في رائدها اسبينوزا.

- مذهب وحدة الوجود كما في الصوفية والاديان التوحيدية.

- مذهب وحدة الوجود في المايا الهندية والزن والبوذية.

هيجل طرح وحدة الوجود على أساس العالمين الارضي والكوني هما مطلق في وحدة أصلية هي الفكرة المطلقة التي تقوم على الإدراك العقلي وليس على الحدس الميتافيزيقي الذي يرى في تحقق الايمان الديني بوجود الخالق الجوهر الكلي التام الشامل المطلوب من الدعوة لوحدة الوجود.. أراد هيجل الإقتراب كثيرا من فلسفة وحدة الوجود كما يفهمها اسبينوزا بفارق جوهري أن كلا الفيلسوفين يؤمنان بمطلق، هو في فلسفة هيجل مطلق كوني عقلاني يحتوي الواقع عينيا وليس ميتافيزيقيا كما يرغبه اسبينوزا، وهيجل لا يؤمن بوحدة الوجود من أجل البرهنة على وجود الخالق بل البرهنة على أن العقل يمكنه إدراك العالم كاملا وما لا يدركه العقل يكون النقص فيه وليس في المطلق الوجودي الذي يريد أن يحتويه. هيجل لا يرى في المطلق لانهائية لا يمكن إدراكها، فالمطلق الذي يحتوي الواقع جزءا منه يكون مدركا بموجوداته وليس بجواهره غير الموجودة كما يرغب اسبينوزا. هيجل لا يرى في العالم مدركا منفصلا قائما لوحده، ولا المطلق عالما لا يدرك بل كلاهما عالم واحد يدركه العقل.

الهنود الصوفية في المايا ينظرون الى مذهب وحدة الوجود بطريقة يراها هيجل فجّة حينما يعتبرون العالم من حولنا وهما غيرحقيقي زائل.، ومتناه لاتحتويه فكرة المطلق، وإذا نحن أعطينا انفسنا حق التوّسع في هذا المعنى، فالمطلق ليس عدما بمعنى مدلول بغير دلالة محتوياته. لذا إدراك عالمنا حسب المايا الهندية أنه وهم مستقل عن مطلق لا يحتويه بخلاف هيجل الذي يرى بالمطلق محتوى للطبيعي الارضي والكوني بإدراك عقلي متعيّن.الهنود لا يرون بالمطلق فراغا إفتراضيا لا يتحكم بالعالم الوهمي. لذا وجدنا هيجل ينكر على المايا الهندية فهمهم القاصر لمعنى وحدة الوجود. والسبب ليس في نكران هنود المايا للفكرة المطلقة التي يفسرها هيجل على أنها جزء من عالمنا الإدراكي الحقيقي... المطلق عند هيجل عقل بدلالة مدركاته وليس إفتراضا ميتافيزيقيا لا يمتلك حضوره.

هيجل يمارس النزعة المادّية بلبوس مثالي صرف لا ينكره على فلسفته مع كل من فلسفة اسبينوزا الروحانية الصوفية ، التي يمارسها بنفس المنطلق مع روحانيات هندية لا يرى لها معنى. فنجده يسوّق المطلق الذي يمتلك كل الامكانات والقابليات بحدس روحاني ليس أصدق من روحانية اسبينوزا والهنود على السواء في فهمهم وحدة الوجود.

عمد الهنود في تسويقهم عالمنا وهم لا يوجد غيره زائل غير محكوم بسلطة مطلق ولا سلطة خالق يهمه أمره. لقد أراد هيجل تحديد المطلق في إستيعابه إدراك الواقع الارضي، بنفس وقت أراده أن يكون مطلقا لامتناهيا في إدركه الكوني الذي يدركه العقل. كان يريد هيجل إثبات أن العالم من حولنا دون مطلق يحتويه غير موجود ولا قيمة له. وينكر على متصوفي المايا الهندية رغبتهم إيقاف عالمنا بالتضاد غير الجدلي مع المطلق لفقدان المجانسة النوعية بين المتناهي واللامتناهي. في نكرانهم أن يكون عالمنا ليس سوى وهم زائل لم يعطوا بهذا النفي معنى لوجود مطلق يدرك عالمنا ويحتويه وهذا بالضد تماما بما يرغب هيجل تحقيقه. المايا الهندية توقفوا في مداركهم الصوفية في وحدة الوجود أمام حقيقة أننا لا نمتلك غير عالمنا الوهمي الزائل الذي نعيشه ، في حين حاول هيجل جعل المطلق اللامتناهي مدركا واقعيا لا يساوي ولا يشبه عالمنا لا بالصفات ولا بالماهية المحتواة فيه بل فقط البرهنة أن عالمنا حقيقي ندركه ويدركه المطلق معنا الذي نحن جزءا منه.

حسب الدارسين لفلسفة هيجل يرون أنه ربما أراد فهم المطلق على أنه روح كامل باق منذ الازل لا بداية تسبقه ولا نهاية تدركه، ولا يعتمد الموجودات الطبيعية في البرهنة على وجوده الخاص به .

(4) بين هيجل وبيركلي

باركلي إمتداد أكثر تطرفا لافكار اسبينوزا بإختلاف فهمهما اللاهوت المسيحي، اسبينوزا لا يؤمن بالمعجزات الدينية، وكان مذهب وحدة الوجود هو وسيلة برهانية لاثبات وجود الخالق. باركلي كان يؤمن بوجود الله بتشدد كبير، ولم يكن بيركلي يتبنى صراحة إدراك الخالق خارج الفهم اللاهوتي المسيحي. بيركلي ينتمي الى الطائفة المؤلهة الانجليز الذين لا يؤمنون بالتثليث. المهم أن هيجل كان أكثر قربا من اسبينوزا، ويؤمن بوحدة الوجود ليس بالفهم الديني اللاهوتي أو الصوفي، ولم يشغل إهتمامه بفلسفة إثبات وجود الخالق، رغم المواجهة الفلسفية مع فيورباخ الذي جعله يأخذ الطبيعة وحدها مصدرا لاثبات وجود اله يخترعه الانسان من مخيلته ولا يدركه. هيجل أعلن بلا تحفظ أن وسيلتنا الوحيدة لفهم أنفسنا والعالم هو العقل فقط الذي يعقل ليس عالمنا والطبيعة وإنما به ندرك المطلق الكوني. المأخذ الماركسي على أفكار هيجل أنه مارس المادية بإبتذاليه تجريدية فكرية خارج معاناة الانسان.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

سامي عبد العالتستدعي الثقافةَ العربيةَ - بتكوينها التراثي الماضوي- استفهامات حول ما ليس مُتاحاً داخلها للنظرة العادية. لأن الثقافةَ تقومُ على حذفِ ما تُريدُ إهمالَه بيد فاعليها وبقوة الأفكار الغالبة. وعلى طريقة الكمبيوتر، فإنَّ زر" الدِلِيت" Delete (وهو القائم بتلك المهمة) لا يستأصل محذوفاته، إنما يُرسِلها إلى سلة المحذوفات التاريخية. وتلك العملية عبارة عن إعادة إلحاق للموضوعات المراد حذفها بالكل الثقافي. هذا الكل totality الذي يحكم طُرق تفكيرنا التي تبقى قوية التأثير في مداها البعيد. إنها آلية حذف كي يسري تماسُك الثقافةِ العربية ويضمن تكرارها طالما وُجِدّ تراث ذو طابع استباقي نحو المستقبل. ومع ذلك لن يختفي أي استفهام من تلك الزاوية، بل لن ينتهي استدعاؤه تماماً كما سنرى.

الأسئلة المحذوفة

 يعبر هذا "الحذفُ" عن حركةٍ نتيجة كون التراث معيشاً في عصور المجتمعات العربية اللاحقة. ذلك بطريقةٍ تُقاربُ بينه وبين مراحِله على التوالي. ويتسق الحذف مع أفعال عامة ظلت عالقةً بأصولها التاريخية ارتباطاً بالكل الثقافي أوثق الارتباط. وليس هذا الاتساق عملاً مقصوداً لذاته، لكنه يُشكلُ مساحات فكرية وسياسية وحياتية مهمشة. يبدو ذلك جلياً إذا تأملنا بعض معالم التراث العربي الخاصة بالجانب السياسي والأخلاقي والديني. وهي معالم تشكل أسلوباً من أساليب الرقابة الصارمة ثقافياً على الأفراد والجماعات والطوائف المختلفة. حتى يتشكل لديهم هوس الحرص على التقاليد والتعلق بالموروثات أكثر من الحاضر. فإذا بالمجتمعات العربية تهمِل مالا يتفقُ والأصول التكوينية المعمول بها. مع التأكيد أنه لا تصبح هذه الأصول موجودة هكذا من تلقاءِ نفسِها. بل بفضل النسيجِ التاريخي لفئة أو لطائفة ما.

 إذن القضيةُ المطرُوحةُ كالتالي: أنَّ هناك أشياءً تُهمل من دائرة الثقافة العربية في مجملِها. أشياء متعلقة بالآخر والإرادةِ العامة والاختلاف والتنوع العرقي والديني، لأنَّها أشياء تتكون وضعياً تبعاً لنمط الاعتقاد والممارسات الإقصائية المعيشة. بالتالي تستغرقُ الثقافةُ تراثها بتكوين الجوانب المؤكدة لإخفاء هذه الأشياء. ولا مبرر هناك للزعم بأنها أشياء لم تكن معروفة، بل كانت مستبعدة بفعل واقعٍ إنساني بائس يتركزُ حول موضوعاتٍ بديلةٍ. فمثلاً يعتمدُ تكوين الطابعِ العام للأنظمة الاجتماعية على بناء النسق الاجتماعي وفق الثقافة الدينية السائدة بينما المختلفون دينياً لا يرد ذكرهم في المشهد العام، وتباعاً يصبحون محل إهمال، وربما سيكون لا قيمة لهم بالنسبة لحركة المجتمع ككل.

 وسواء أكانت ثقافةً حضريةً أم بدويةً أم غير ذلك، يخرج تكوينها التاريخي ليعيد توزيع مفردات الواقع السياسي والأخلاقي تبعاً لإيقاع الحياة المغلق. وبخاصة أن هناك طابعاً اسلامياً معيناً توظفهُ القُوى السياسية المهيمنةُ لصالحها. كحال المذهب الوهابي وايديولوجياته في الثقافة البدوية داخل الجزيرة العربية وغيرها، ولا تنتهي تلك العملية دون أنْ تترسخ في كافة مظاهر الحياة الاجتماعية إلى أنْ تشكل السلوكيات إجمالاً. وليس أدل على ذلك أن أصحاب الوهابية حرصوا في ستينات وسبعينات القرن العشرين على تغلغل الوهابية سلوكاً وفكراً في المجتمعات الأخرى، بل قاموا بتمويل المؤسسات الدينية في أرجاء العالم العربي كي تدين للوهابية

 من جانبٍ آخر، استطاعت أبنية السلطة في تاريخ الثقافة العربية أخذ زمام المبادرة بإعادة رسم صورة التراث في مجالاته اللغوية والسياسية والفكرية. مثل ظاهرة انتشار بعض النصوص الفقهية المتشددة وشُرُوحاتِها على خلفية السلفية الجهادية والإخوان والمذاهب والجماعات المتطرفة الأخرى. بينما ما تبقى من هذه النصوص يمثل خيطاً لفهم ما جرى تاريخياً. لا يعنى ذلك أنَّ الحذف المشار إليه بمثابة الاستراتيجية المساعدة لتقوية بنيةٍ سلطويةٍ قاهرة. لكن الشيء الأغرب بصدد التراث العربي أن تنسحبَ هذه الاستراتيجية (استراتيجية الحذف) على مجُملِه. وهو وضع ثقافي عام لا يقبل بسهولةٍ ما لا يُساير نسيجَه من اتجاهاتٍ وحركاتٍ دينيةٍ. وتشكل خطوطه العامة وضعاً فارزاً لكل ما عداها، لدرجة أنَّ معظم تاريخ الثقافة العربية كان تاريخاً ذات توجهات طاردة لغيرها سواء أكان في المجتمع أم في الحياة السياسية. نتيجة العلاقة القائمة على التواطؤ المتبادل بين السياسة والتوجهات الدينية. وهنا ننوه أن الحركات السياسية كانت ذات جذور دينية أو تلتف حجولها لمخادعة الجماهير وإعادة الهيمنة عليها. وقد يكون العكس صحيحاً أيضاً بنفس القوة والأهداف.

 إذ لم تَخلُو حقبة عربية من التواطؤ بين تأويل معين للدين واتجاه سياسي يؤكده ويستعمله لمآرب خاصة. من هنا لم تكن حياة الإنسان العربي "إعطاء ما لقيصر ما لقيصر وما لله لله" كما فعلت بعض المسيحية السياسية. كان الأمير العربي يفوق القيصر نفوذاً وفتكاً. وبالتالي يطلب العطاءين معاً، ويتحول ما لله إليه رأساً، لأنَّه حامل لواء الدين والشريعة في شخصه. وهو وضع منحَ السلطان السياسي صولجاناً مُقدّساً. فأصبح هو الناطق باسم المُطلق في الدين والسياسة الاجتماع. الخطوة نفسها التي دفعت الحجاج بن يوسف الثقفي عشيةَ توليه أمور المسلمين أنْ يقرأ القرآن لمرة واحدة. ثم يضع يده فوقه قائلاً: ( هذا آخر عهدي بك)... ليُمسِي القاتل الأشرس في تاريخ المسلمين.

ذلك مع أنَّه أحد مدققي نص القرآن الكريم من جهة التنقيط على الحروف وتشكيلها. لكن قبل ذلك وبعده: كيف اجتمع الحجاجان كشخصيتين متناقضتين في حجاجٍ سياسي واحد؟! أمر أتاح للحاكمَ السياسي احتكار الحقيقة الدينية والحقيقة السياسية منقطعاً عن إحداهما وموغلاً في الأخرى. لأنه ما كان ليتمسك أي حجاج بهما إلا لتوظيفهما لمآربه الخاصة. فإذا ما أوصلته الواحدةُ إلي المآرب قبل الأخرى، كفّ عن اللصيقةِ بها ظاهرياً. لكن طبيعة التكوين الثقافي لهما (تدقيق القرآن– السلطة) يعنى اختزال الشخصية المتسلطة لغيرها وتقليصها تماماً بصيغة يفرضها الواقع. فيمارس الحاكم هذه الشخصية الدموية كأنه ينهمك في تلك، ويأخذ مبرراته منها (الشخصية الدينية)، بل يستمد القوةَ تحديداً من هذه الصورة المستبعدة بحسب قناعته ومآربه التي هي عندئذ كل الحقيقة. كان الحجار يستشهد بآيات العذاب في القرآن أمام رعاياه مرددا أنه العذاب الذي أرسله الله لهم ولا رافع لهذا العذاب إلا الله نفسه!!

1- سؤالُ النشأةِ والتكوين:

 عادة ما كانت النشأةُ على مستوى الثقافة العربية بعيدة عن الاستفهامِ تماماً. فالتراثَ العربي ظل ممتداً في مراحله وفق أصوله التاريخية. ومع ذلك كان الوعي الحياتي بها جارياً بطريقةٍ تنحرف إلى الأسوأ عن الأصول في أشكالها المختلفة. ولم يتعامل الإنسانُ العربي مع أصولهِ بقدر ما استغرقته التحولات المتداخلة مع أشياءٍ مغايرةٍ. حتى غدت التحولات أصولاً أو كأنها أصول. لهذا تُحيي الأسئلة القدرةَ على رصد تلك التحولات رجوعاً إلى مصادرها وأسبابها.

أقرب ما يوضح ذلك فكرة "المُوقِعِين عن ربِ العالمين" الذي شرحه ابن القيم الجوزية في كتابه" إعلام الموقعين عن رب العالمين". وهي فكرة خطيرة جداً في تراث السلطة الدينية، فالموقِعُون هم الناطِقُون عن رب السماء الذين يستلهمون أفكارَهم من آياته. حتى إذا قالوا كلاماً ظَنّ الناسُ أنهم يتحدثون عن اللهِ مباشرةً. وكأنهم يأخذون علومَهم من لدنه دون حاجز. هذا التحول الإنساني اللاهوتي الذي يجعل منهم وسطاءً بلا مُساءلةٍ. أما حرف "عن" بالعنوان فلا يفيد النقلَ، وذلك لأنهم، وفق قوانين اللغة التي هي الثقافة، يتوسطون لاستعمال اللغة كأنها الأصل، وإن لم تكن مكانتهم كذلك فعلياً، فالعادات والتقاليد ستعطيهم هذه المكانة. إن الثقافة الجارية كنمطٍ حياتي له صفة الإلزام.

والذين يحتلون تلك المكانة يؤكدون بالمفارقة أنهم يَحمِلون أقلامَهم، توقِيعاتهَم، لكن تبقى اللغةَ في طريقِها إلى إقرار التوقِيعات بالتفويض العام، نظراً لأنها تسجله في عمليات الفهم والتواصل. ومن خلال التصديقِ الذي يجري على تفسيراتِهم وتأويلاتِهم للحقائق الإلهية كابن القيم نفسه إذ يحظى بحشدٍ من المؤيدين يزداد عددُهم إلى الآن. وهؤلاء أنفسهم لا يَعِرفون شيئاً عن الأصولِ الدينيةِ. ولا اطلعوا علي تحولات سياقها اللاحق.

 وتكشف القراءة التساؤلية هذه المحددات الأساسية. ففي المقام الأول ثمة تحولات تقارب الأصول سواء للتطبيق أو معرفة الحقائق. بيد أنها تعد محض أفعال ناتجةً عن الاعتقادِ فيها، كالممارسات الشعائرية والأخلاقية والاجتماعية. وهي بالمناسبة أفعال لا تتحقق في نقائِها تماماً. ولئن أردنا تحديد ماهيةَ هذا التحول أو ذاك، فيجب العودة خلفاً وبصحبتنا مفاهيم حفرية حول الثقافة واللغة وأساليب التفكير، التي هي إفراز لبناء الحقائق الاجتماعية بكافةِ جوانبِها. والعودة إلى الوراء تطرح استفهاماً جوهرياً: كيف يحدث التحولُ حيث يترك آثاره في الوعي العام؟! وما هو منطِقه، ناهيك عما يجعله مقدّماً في سياقاتٍ كثيرةٍ على الأصول؟!

وتعني الأسئلة أن التحولَ ليس شكلياً، لكنه بنيوي؛ أي داخل تاريخيةِ اللغة والخطابات والمفاهيم والوقائع الاجتماعية بوصفها نماذجَ لأصداءٍ دينيةٍ وفكريةٍ وغيرها. ويحتاجُ التتبع في كل لحظةٍ إلى معرفة كيف تأخذ الصورُ والأنماطُ المشوهة غالباً مكانَ الأصولِ الثابتةِ؟!

 القضية المهمة إذن: أن التحول بمضمونه السالف كثيراً ما شكّل جوهرَ الثقافةِ العربيةِ. إذا رصدنا علامةً ذلك، فما أكثر مَنّ أخذ مكاناً ليس بمكانهِ على مستوى السلوكِ العامِ. جرى ذلك على نطاق الفكر وداخل التنظيم الاجتماعي والسياسي. وهذا يبرز أن المجتمع العربي "مجتمع أبوي"، بطريركي، وهنا ليس التعبير في معناه مثولَ هذا المجتمعِ أو ذاك برمته أمام أبٍ بيولوجي، إنما يقف مفهوم الأب رمزياً بالوضع الفوقي المتسلط الذي ينتظم تحته أفراد المجتمع وفق التراتب السياسي أو الاجتماعي القائم. وهو ما من شأنه أن يُرسِخ تراتُباً ممنوحاً مجانياً إلى أفراد وجماعات دون غيرهم. كما لو كانوا قد عقدوا تفويضاً مع الآخرين للتنازل عن حياتهم مقابل نيل تلك المكانة. وكما لو كانوا وثّقُوا هذا التفويض لدى قوى غيبيةٍ ميتافيزيقية بأختام مقدسة!!

حقاً يُكمل "التفويض" السري تلك الحالة التي يتركها التحول. فبفضل أن هناك اتساعاً لحركة الفعل بالإنابة يأخذها رجال الدين، تتبلور تاريخياً بنية اجتماعية غامضة تترك فراغاً للمعنى المرغوب مشكلاً الصورة العامة للحياة، لدرجة أنه لا يتم هذا المعنى تلقائياً، فيبقي قيد الفهم من أفراد المجتمع، بل ويمارسون حياتهم في ضوئه، ويدورون شؤونهم على النتائج المترتبة عليه. وإذا كان منطقُ التفويضِ هذا يستند ضمنياً إلى قوةِ السلطة السائدة، فإن هناك إقراراً بذلك يصدر عن التأويل الشائع للنصوص الدينية، التي أفرغت الإنسان العربي من إرادته الفاعلة، وجعلته إرادة منفعلة، معلقة تنتظر من يعطيها ثِقلها وامتلاءها في الحياة.

 في المقابل لم تتوان الأنظمة السياسية عن استغلال تلك الإرادات الشاغرة، لتعطيها توجهاتها البرجماتية. ولم يتم ذلك بخطوةٍ غير محسوبةٍ، بل هناك قواعد للتفويض في المجتمع العربي الاسلامي. هي غالباً قواعد أخلاقية ومعرفية تنحرف بأهدافها عن الإنسان. نظراً لأنها مشدودة إلى مضامين سياسية واجتماعية بالدرجة الأولى على حساب أي شيء آخر. مثل ماهية التقدير والاحترام وقبول الآخر. وهي في كل المجتمعات حقيقة ذات أبعاد إنسانية، غير أنها تضل طريقَها عربياً لتصبح تبجيلاً لأصحاب السلطان والصولجان دون مطالبةِ بالمسؤوليات المعطاة لهم. وعليه يغدو التفويضُ "عقدٍاً سرياً" كما أشرنا يفهم طرفاه المهام المنتظرة بالضبط، ويتم تدوينه بالأعراف والتقاليد ورؤى العالم. فالسلفية مثلاً عندما تدعو لعدم الخروج عن الحاكم الظالم إنما توثق هذه الحالة من الانحراف لتغدو نوعاً من التفويض للاستبداد ومشاركة فيه.

 والتفويض يجعلنا نغفل - في مواقف كثيرة- عن نشأة الظواهر والأحداث والأشكال التي آلت إليها. فهؤلاء الموكُول إليهم مسؤولية السلطة السياسية يعبرون عن قوى غالبةٍ بكل ضرورتها. إذ تخفي جذور الأوضاع التي تأرّخُوا فيها. ثم إنَّ عدم التثبت من الحقيقةِ (حقيقتهم)، ولماذا تعد حقيقةً على نطاق عام؟! قد أتاح للآخرين تصديقاً ايمانياً بهم. لدرجة أنهم وُضُعوا فوق متناولِ الأسئلة، بينما المهم إطلاقها إزاء مدي واقعية هذا الواقع الذي يُشبِعِه التراثُ. وقد أخذ التفويضُ خلاله شكلاً جمعياً كالمبايعة والاجماع والموافقة على الظلم. وهى التوثيق العام للموافقة على حاكمٍ بعينه في تاريخ الدول والممالك الإسلامية المبكرة وهو مازال سارياً حتى في الجمهوريات التي ترفض مبدأ المبايعة المجانية!!

 فالمبايعة ميثاق سياسي ديني له طابع التفويض ومعطياته. ذلك من حيث احتلاله لمعاني الإرادة العامة. ناهيك عن إمكانيةِ التعلق بالأصول. وهو ما يخلع على المُفوّض سمات الأصول. وتدريجياً يأخذ قداستها وسريانها القابل للاستمرار دون عوائق. لهذا أخذت الحقبةُ الأولى في الخلافةِ الإسلاميةِ شكلَ التفويضِ بالمعنى الذي يُبَرِر ذاته بذاته. بفضل القرب زمنياً من مصادر وبواكير الدين الإسلامي، الرسول كنموذج أساسي لتاريخ الإنسان الجديد. وهو الأمر الجاري بالاستناد مرجعياً إلى القرآن ككتاب للقوانين الرمزية التي تصوغ لغة سياسية مختلفة. وتنبثق الشرعية المتوقعة للمُفوّض من هذين الناحيتين. ولعلنا نراقب شيئاً ملخصه أن التفويض سيتحرك - بحكم الزمن والأوضاع السياسية- نحو تبديل معين. ليس في الظاهر فقط، بل في المضمون بذات الدرجة.

 فلم تكن دولة الخلافة وما تبعها من دول على المنوال نفسه هي نفسها دولة الرسول. بل ازدادت رقعتها المادية نتيجة اتساع الفتوحات وانتشار العقيدة الإسلامية. وبالمثل ازدادت رقعتها الفكرية السياسية والفقهية، ولاسيما مع ظهور قضايا جديد على هذه المستويات احتاجت بطريقة ملحةٍ إلى تصورات مختلفة.  تصورات صحيحة أو خاطئة ليست تلك القضية، إنما كان لا مفر من إحلال شيءٍ محل شيء سابق، وتأكيد لحالة مكانٍ حالة أخرى. فالحركة الاجتماعية تتغير لكن تبعاً لهياكل شبه ثابتة وطويلة الأمد، ناشئة عن الفهم المنحرف للمرجعيات إزاء المشكلات الطارئة. ثم أصبح التغير في المجتمعات العربية ينطوي على نفس الإيقاع الحركي تاريخياً.

2- سؤال الحقيقة:

نادراً ما تم التساؤل حول الحقيقة في التاريخ العربي الاسلامي بشكلٍ جذريٍ. لسبب موضوعي أن الحقائق بنفس عصيانها على التَكّشُف ظلت مغطاةً بكمٍ هائل من عمليات التحول والتفويض والتبديل. بحيث يستحيل العثور عليها واضحةً ولا حتى نصف خالصة كما هي. فضلاً عن استحالة التنقيب عنها دون رؤية فكرية نافذة تخلي بيننا وبين الانجرار معها. وتلك النقطة هي جزء لا يتجزأ من طبيعة الثقافة العربية. فلم يُوجد قِطاعُ من قطاعاتها البدوية أو الريفية أو الحضرية قد أعطى نفسه أولياً لقارئ دون ممانعةٍ عنيفةٍ. ويمكن القول إنه عُقِدت أزمنة بمجملها طي التكتم والتحريم والإخفاء عن قصد وبفعل فاعل. وهي تتسع أو تضيق بقدر سرية التعبيرات والحيوات المختلفة في المجتمع العربي. من ثم تبقى الحقيقة غير ممكنة إلاَّ إذا أزحنا ذلك التراكم من داخلها. وليس ذلك بسبب قلة الحيلة الفكرية، بل بسبب "قهر الواقع" الموروث. حتى لو كان بالأمس القريب، زيادةً عن تسلطه لدرجة اغتيال من يقترب من ذلك، فهناك ثقوبه السوداء التي تمثل فوهات مفتوحة على ابتلاع الزمن والمراحل. وهذا الوضع مثل شكلاً استباقياً لتراثية المستقبل كلما خطى الناس نحو الجديد.

 في المجتمعات العربية دوماً الحقيقةُ عصية المنالِ. لأنها تعني معرفةَ الأصولِ وتحولاتها والانحرافات التي شوهتها عن قربٍ. كما أن وسائط التزييف لا حصر لها حتى محاولات المعرفة ذاتها لا تخلو من التزييف. لقد نوهت منذ قليل إلى أن الأصولَ تتحول صورتُها حتى تنال منها الأزمنة فعلياً لأنها تعدِدها وتجعلها مختلفة. ولهذا تكون الأصول الثقافية والدينية والفكرية في وضعٍ مُؤوّل باستمرار. كما أنَّ هناك حصاراً معرفياً حولها غير قابل للاختراق بكل ترسباته الدينية والسياسية والأخلاقية. ولا يسمح لأي شخص أن يقتحمَ هذا الحصار دون أن تلاحقهُ لعنات بوصفه قد انتهك الثوابت التاريخية للأمة!!

 بكلمات أخرى يتعذر خضوع الحقيقة بهذا التكوين للمُساءَلةِ الاستفهامية. فضلاً عن أنه لم يتم التعامل معها من خلال الشروط الجارية لفهمها والتعبير عنها واقعياً. وفي هكذا مجال ينبغي أن نتساءل حول التضافر بين القوى الاجتماعية والسياسية على ألَّا يتشكل هذا الكل الثقافي الضامن للحقيقة دون الهيمنةِ عليه. ذلك بالقطع مع فكرة أن القوة الغالبة التي تقف وراءها (أي وراء الحقيقة) تتخفى في منطقة السر منه. لأنها الحاملة لشفرة نظام الحياة الذي يعطى ذلك تبريراً، ويوفر له شكلاً للظهور المباشر.

نتيجة ذلك: أنَّ الحقيقةَ تأتي دائماً بغطاء اللا حقيقة، طالما كانت هناك محاولات لامتلاكها، إن لم تتبلور بذاتها في نُسخ متواترة عنها. إنها تُتاح عبر مصادرٍ أخرى بديلة للتعبير، فلا هي كشفت عن نفسها، ولا هي جاءت خالصةً، لكنها تلبسُ أثواباً اجتماعيةً وفكريةً، مثل عدم معرفة الحقائق الدينية إلاَّ عبر خطابات الفتاوى والفقهاء. والملفت للنظر أنها خطابات تغطي الواقع بتصوراتٍ تحصينيةٍ ضد معرفة الواقع نفسه وتغييره، عن طريق لغة التحريم والتهويل.

وليس بعيدا عن ذلك أن نرى المؤسسات الدينية الوسيطة قد أخذت مكان الدين بشكل يستحيل إزاحته دون أن نفقد حياتنا. وليس ببعيد أيضاً أن تتحدث شتى الخطابات في المجتمع العربي لغةً دينيةً عزفاً على وتر الاستقطاب لجموع الجماهير. أما الوجه المقابل لهذا والمتضامن معه، فعادة ما ارتبط الحصولُ على الحقائق بمنطق الإشاعة والأقوال الرائجة، المنطق الغامض الذي يحكمُ الأجواءَ الثقافيةِ والاجتماعيةِ. وعلى المنوال ذاته إذا كانت ثمة حقائق مجهولة تتعلق بموضوعات حساسة اجتماعياً وسياسياً، سرعان ما تأخذ مساحة انتشارها بواسطة الإشاعة كذلك، والتي تتناولها السلطة وتزجُ بها في المحيط العام.

 يُشارك رجال الفقه بالنصيب الأوفر في عمليات تغطية الحقائق، عن طريق الأحكام الفقهية بدءاً من عدم الخروج على الحاكم الظالم والمستبد كحال السلفية كما أشرت. وقد ذهب ابن تيمية أنَّ ظلم السلطان سبعون سنة أهون من مبيت ليلة واحدة دون سلطان!! وانتهاءً بتحريم مُساءَلةِ الفتاوى ذاتها، وما إذا كانت صحيحةً أم لا. وأن محاولة التحقق منها، فقط مجرد المحاولة، أمر بالغ الصعوبة. لأن الفقيه لا يتحدث من تلقاء نفسه. إن اللهَ يجري على لسانهِ مثلما أظهرت وكما يزعم صاحب الفتوى. وهذا ما أعطى تاريخ الفقه الإسلامي أبعاداً غير دينيةٍ بالمرةِ. وأحاله إلى غُلالةٍ سياسيةٍ أو اجتماعيةٍ تحجبُ حقائق وتخلقُ حقائق مناقضة تنهض على تبريرها.

3- سؤال الحق:

أما الحق الذي هو أحد اسماء الله (وهو القضية الأهم في المجتمعات العربية الاسلامية)، فلم يُطرح كاستفهام يُجاب عنه بمنطق القانون أو التنظيم السياسي. وذلك رغم أنَّ الإسلامَ اعتبر الحياةَ الإنسانيةَ تستند في المقام الأول إلى الحقِ. وبمنطق الاسلام نفسه طرح القرآنُ تلك الفكرةِ "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". القول هنا إقرار لحق الوجود الإنساني عن طريق ممارسة الحياة كيفما شاء. فالموضوع الإنساني برمتهِ بعدئذ أصبح وإلى مالا نهاية موضوعَ حقٍ خاصاً أو لا يكون. وهذا يعني أن الإنسانَ لن يكون كما يُراد له. ولن ينبغي خضوعه في ذلك لأساليب ملتوية في السياسة أو الدين أو المجتمع. إنه في جميع حياته إنسان مختلف عن غيره. والإنسان لا يفعل إلاَّ بما يراه صحيحاً. وأن فعلَ الاكراه يُشكلُ حدَّاً محظوراُ. أما الذين يحاولون أن يطغوا على هذا الحدِ، فإنهم ينتهكون وجوده الخاص بلا حق ولا حقيقة. وينطبق ذلك على كل شيء في الحياة تقريباً. فالحكم السياسي، ماهيته، أطره حق عام أم لا. والأنظمة الاجتماعية، أدواتها، ممارساتها حق أم لا، والسلوكيات العامة والخاصة حق أم لا... وهكذا.

الارادة في جوهرها هي الحق في الوجود بمُوجب الحرية الممنوحة لكل إنسان. بالتالي يستحيل بلوغ الإنسانُ عن طريقهاً أصلاً إلهياً. لكنه قد يَسيرَ في حياته بمقتضاه الميتافيزيقي، أي يصبح الفعل الإنساني تاريخياً كي يتشكل في الحياة. وهذا هو المضمون العملي للحق الوجودي. حيث يمارس الإنسانُ كافةَ المناحي الحياتية (سياسية، دينية، اجتماعية...) بفضل مرجعيةٍ تمنحهُ الحقَ كل الحقِ- كأمرً مشروع- في أن ينهمكَ فيها. لكن ما مغزى هذا؟

أولاً: يشير الحقُ إلى كونّهِ حقيقةً لا غبار عليها وتعبر عن نفسها كما تريد. حيث أخذ في المجتمعات المدنية مكانتها. ومن ثم يسعى إليها الإنسانُ. فدور الإنسان الفاعل أنه يمارس حقاً هو الحياة بجميع تفاصيلها. لقد كفلت المجتمعات – أو هكذا ينبغي- الحقيقة كموضوع قابل للانكشاف والتجلي بلغة هيدجر. ولم تكفل الحق إلاَّ مرجعياً، بحيث تركت للإنسان حرية التعبير عنه وتأكيده أو نفيه تاريخياً. أي حق بالنفي أو بالإيجاب والرفض.

ثانياً: شكّل مضمونُ الحقِ بهذا التوصيف معياراً، لأنَّ الممارسات الناجمة عنه تجعله مُلزِماً ضمن الإقرار بالتنظيم المنبثق عنه. سواء أكان التنظيم سياسياً أم اجتماعياً ...أم غيرهما.

ثالثاً: مادام كونه حقاً، فلابد أن يتم في حدود التبادل متى استحقه إنسان. والتبادل حالة يتساوى في أطرافها كافة المشاركين وجميع الشعوب وبالتالي الأفراد، لا أسبقية ولا فوقية لأحدٍ.

رابعاً: تأخذُ درجة إلزامه قوتها من مصدر الحق. وهو الشرائع والقوانين والمبادئ المؤسسة لحقوق الإنسان.

خامساً: لا يمكن لإنسان أيا كان موقعه أو أصله منع أو إعطاء الحقَ الوجودي. لأنّ هذا لا حق له فيه، كما أنه بذلك يعتدي على حق مصدر الحق.

لكن ما الذي حدث من انحرافاتٍ في سير هذا الحق؟ إذا كان الحق حقيقةً هكذا، فمع الحياة الثقافية والاجتماعية العربية توارى كما تتوارى كافة الحقائق في المجتمع العربي، لقد شمله النسيان تاريخياً.

- تم اغتصاب الاستخلاف الإلهي الشهير بوصفه الأصل؛ أي احتل الخليفة، السلطان، الحاكم مكانَ الإلهِ. ليُعطِي الحقوقَ كأنه صاحبها الأول. وكم مرت بعصور التاريخ العربي أسماء كالمستعصم بالله والحاكم بأمر الله وغيرهما. سوى أن دلالتها في الواقع لا تشير إلى شيء من دلالتها الدينية. وظل هذا التناقض سارياً في تاريخ الدولة العربية على طريقة الحجاج.

- تراكمت حالات وظواهر ضياع الحقوق، حتى أصبحت اللا حقوق قاعدة إنتاج الثقافةِ العربية في تاريخها الطويل. وأصبح ضياع الحق، وخاصة الحق السياسي، عُرفاً معمولاً به. لأن المانحَ له ليس القانون المحايد ولا الحقوق الواجبة للإنسان، بل علقته السلطة المهيمنة، التي تدعمها ثقافة لم توفر أية حقوق عملياً.

- في الدولة العربية الحديثة تم تعليق الحقوق بالقوانين. وبقيت القوانين مرهونة بإرادة الحاكم لا الإرادة العامة، مع أن كليهما مردودان إلى الأصل الإلهي، بصرف النظر عن نمط السلطة القائمة.

- ظلت الحقوق في حالة تحول باستمرار. خاضعةً بذلك للتأويلات الخاصة من عصر إلى عصر. وهذا يتنافى في سياقات كثيرة مع صريح النصوص الدينية بدءاً من كون الإنسان إنساناً لأنه خليفة الله في أرضه، وانتهاءً بالحياة التي ينعم في كنفها بالعطايا السلطانية إنْ مُنحت من حيث المبدأ.

4- سؤال الاختلاف والتنوع:

 يقوم عملُ الاستفهامِ على الوعي بالاختلافِ، وهو ما لم يكن في تجلياته الحياتيةِ والفكريةِ محل اعتبار داخل المجتمع العربي، على الرغم من الأطياف المتعددة التي تشكل نسيجه، نظراً لأن التماثل والتطابق-اللذين تحدثت عنهماً-هما الفكرتان اللتان كونتا طريقة التفكير، فضلاً عن أنهما طبعتا حقباً بأكملها، حتى باتتا من ظواهر الحياة المعيشة، وتوحدتا بالتنظيم الديني والاجتماعي، ومنهما إلى كافة التنظيمات الأخرى. يدور السؤال حول: ماهية الاختلاف بالنسبة إلى الإنسان العربي فكراً وكياناً؟ وكيف يؤدي الاختلاف إلى التنوع؟ وكيف يعطي الكيانات المختلفة حقها في الوجود الاجتماعي والسياسي؟

 تُثار هذه الأسئلةُ إزاء اختلافات عدة في الثقافة العربية من ابسطها إلى أعقدها. أبسطها الاختلاف الجنسي بين الرجل والمرأة، وهو اختلاف لم يلق مضموناً ثقافياً يعطي الطرفين حقيهما من الحياة، ليس ذلك مرهوناً بالأصول الدينية، بل بتأويل تلك الأصول في إطار ثقافة قمعية تنوعت فيها مصادر العنف وإهمال الآخر، حيث دخلت العادات والتقاليد القديمة والوثنية في نسيجها، حتى فرضت على الطرف الأضعف وهو المرأة أن تحجب نفسهاً تماماً. وأن تُحرم من أية حقوق إلا من حق التنفس فقط!!

وأحياناً يُمنّح الحق فيقال "لا تخرجُ المرأةُ في حياتِها إلاَّ مرتين، مرةً إلى قبرها ومرةً إلى بيت زوجِها". وظلت المرأة رغبة رمزية لصراع القوى في المجتمعات العربية، لأنها تمثل عمل اللغةً، فكثيراً ما دلت مفردات الأنوثة على هيكلية تلك المجتمعات، وكيف تعيش؟ والسؤال المبدئي: ما هي المرأة؟!! على سذاجته المفرطة، يعدُ أعقدِ الأسئلة التي قد تتحدى الإنسانُ العربي المعاصر. لأنه يَحتاجُ إلى الكشفِ عن طباقٍ من الجليد الفكري والاجتماعي التي عَلقّت بالأوليات. لدرجة أنَّها أخفتها. وكونت حولها مسارات أخرى للرؤية والحركة. كانت النتيجة أنْ تنامت الثقافة الأبوية فالتهمت ما يقابلها من ظواهر، بل وضمنت محددات تاريخية أفرزت أوضاعاً آسنة ألحقت تشويهاً بنيوياً بالديمقراطية والتنظيم الاجتماعي.

وهناك الاختلاف بين المذاهب إذ أفرز ظواهر عديدةٍ، منها ما هو ايجابي وآخر سلبي. لقد انتجت المذاهبُ الفكريةُ والكلاميةُ اتجاهات ونصوصاً بالغة الأهمية لفهم وتفسير قضايا كثيرة. وكانت هناك طوال حقب بعينها مسائل حيوية لاقت نقاشاً مثل الإلهيات والإرادة الإنسانية ولغة النص الديني والإمامة. وهي نصوص بها درجة عالية من الترميز والتأويل، ودرجة عالية من العناية بالواقع، حتى وصلت إلى طرح الأوضاع المعاصرة لها بمزيد من التأني. وهي أيضاً نصوص تمثل ميداناً خصباً لطرح استفهامي من قبيل: كيف جرَت تلك الحوارات الفكرية حول الأوضاع الملحة في زمنها؟ ولماذا لم يستمر هذا التقليد خلال حقبٍ تاليةٍ أو غيرها على الأقل؟ وما هي آليات طرح الأسئلة في إطار طرائق الجدل والمناظرات والخطابات الكلامية؟ وتلك الاستفهامات تُصقِل فكرةَ التساؤلِ، وتنحت انطولوجيا تاريخيةً نوعيةً له، وبخاصة أن المشكلات التي أثيرت مازالت تدسُ نفسها إلى الآن عبر واقعنا الثقافي المتراكم.

أما الجانب السلبي من القضية، فهو انفصال الأفكار عن الكتلة الهلامية (المهمشين) من الإرادة العامة في المجتمعاتِ العربيةِ. وهي كتلة متطايرة حول شُعلّ السلطة رغبةً مرة ورهبةً مرة أخرى. حيث تتحلق حولها ولا تبارحها بالخطاب الذي يستميلها نحو الآمال والأهداف الطبيعية للإنسان العادي. إذ تأبدّت زمنيّاً، حتى غدت أهدافاً كبرى، كالغذاء والأمن الاجتماعي والتعامل البسيط مع السلطة. ثم إنَّ هذا الانفصال ولّد مردوداً صراعياً على المستوى السياسي، نظراً لأنَّ السلطة تلقفته وأعطته أبعاداً حياتية. فكانت بعض المذاهب تعبر- أو هكذا تم استعمالها -عن تأويلات السلطة حول القضايا المهمة بالنسبة لوجودها المراوغ في السياق العام. ساعدت على ذلك نشأة الدويلات العربية في أواخر ازدهار الحضارة الإسلامية. وقد كرسّت تلك الأشياء حتميات ثقافية طويلة المدى، لنرى الآن صورة بعض المجتمعات العربية وقد غصت بالتطاحن حول الرؤى والاتجاهات التعصبية. وهي لم تخرج عن كونها شرر لصراعات عميقة حياتياً.

وليس الاختلاف العنيف بعيداً عن المتنوعين عرقياً، وهم من شكلوا في عصر ازدهار الدولة الاسلامية مجموعات حضاريةً منتجةً لهم خصائص وعادات وتقاليد أثرت المجتمع العربي، سوى أنَّ عدم فهم الاختلاف إنسانياً وحضارياً أنتج فكراً حذفياً إزاء المُغايِر. والمفارقة أن هذا الفكر كم استند إلى تأويل غير صحيح للأصول الدينية والعرقية. وغدا الاختلاف العرقي موقفاً حدياً من الآخر، وانسحب نفس الموقف على المختلفين في الدين، ودفع بهم إلى أطراف الحياة العامة، وتم تهميشهم وجوداً وإسهاماً. لأنهم ليسوا ذوي كيانٍ مستقلٍ. والأخطر تم التشكيك في انتماءاتهم العربية. بل جرى أيضاً التنكر لوجودهم كجزء من الإرادة العامة. وإذا تحدد موقف جمعي، تذهب النظراتُ للتفتيش في ورؤاهم. وفي هذا يستطيع السؤال فتح أفاق لقراءة التهميشات، بحيث يكشف علاقتها بالكل الثقافي، وأية أسباب بنيوية تؤدي إلى استثناء (اقصاء) الأجزاء؟

5- سؤال الإرادة العامة:

سؤال الإرادة العامة غير محتمل في ظل التهميش والفرز الثقافي. وأية إجابة من شأنها أن تقاربه قد لا تكون دقيقة. لأن السائلَ والمسئول غارقان في لحالات بديلة ومشوهة لا تسمح بالوعي بهيمنتها. وهي هيمنة تستغل إمكانيات الإرادة العامة الغائبة عن الوجود الكلي، مع ضرورة التنبه أنه لا يتطابق الاسمُ العام الذي تحمله هذه الإرادة مع تأثيراتها وإمكانياتها المتوقعة. وفي تاريخ الثقافة العربية تحديداً لم تسلم هذه الإرادة من الهيمنة والتلون بكافة الظواهر المتسلطة، وهي أيضاً لم تخلص من الشوائب الأيديولوجية والطائفية التي تعلق بها من حين لآخر. والأهم من ذلك كله أنَّ مصطلح الإرادة العامة ليس له مكان في التراث العربي، لأنَّه غير موجود إلاَّ بدلالة "الإجماع" دينياً و"المبايعة" سياسياً. وهذان الأخيران يتلونان مذهبياً أكثر منه سياسياً ومدنياً بالمضمون الجمعِي.

 والسؤال: ما المفترض للإرادة العامة كي نري ما حدث داخلها عكسياً؟

أ‌- يُفترّض أنْ تكون الإرادةُ العامة جامعةً مانعةً بعبارة المنطق، حتى تشمل كافة أطياف التنوع، وتستوعب حقيقته.

ب‌- يُفترّض أنْ تحقق فعلها بالاختلاف، أي تمارس دورها عن طريق التعبير به دون إسقاط لأي جانب من جوانبه، لا العكس بأن تدفع الاختلاف لأن يعبر عنها؛ أي لا ينبغي الدعوة إلى توحيده تحت مزاعم كثيرة مثل "المصلحة العليا للوطن"، "السلم الاجتماعي"، "الاستقرار الأمني". وهي مزاعم بحسب سياقها ليس المقصود منها إثبات ما تؤديه بقدر ما تعبر عن مضمون ليس فيها.

ت‌- يُفترّض عدم انحياز الإرادةُ عامةً إلى فئةٍ أو طبقةٍ أو أفراد بعينهم. وهذا ما يجعلها على اتصالٍ مباشر بالحقوق والقوانين والتنظيم السياسي الفاعل، ناهيك عن ارتباطِها بالمعايير الكلية. والعمومية لا تعني حالةً صوريةً، بل تُجسِد الاتفاقَ من خلال الفعل العام الذي يلقى قبولاً بحكم الاختلاف لا التطابق.

ث‌- يُفترض استقلال الإرادة العامة رغم أنَّ مغذياتها تشدها نحو التمركُز السلطوي، إن الاستقلال ليس معادِلاً شكلياً لواقع عيني حي، وإلا لمارّس قهراً على نفسه، إنما بحكم تعريفها لابد أن تجد مجالاً غير قابل للسيطرة عليه و يستعصى تشكيله وفق الأهواء والرغبات.

ج‌- يُفترض أن تأخذ شرعيتها استناداً إلى مرجعيةٍ متفقٍ عليها غير قابلة للانحياز على حساب الآخر، وبالتأكيد تكون المرجعيةُ هذه ضامنةً لتحديد المسار وتصويبه إن انحرف. لكن لن تكون الإرادةُ العامةُ نسخةً طبق الأصل من المرجعية، لأن الاستمرارية الثقافية وعمليات استغلالها تُراكِم حالةً تاليةً وملاصقةً لجوهرها.

إذا فهمنا تلك النقاط على نحو مقلوب، سنعرف إلى أي مدى حدثت انحرافات للإرادة العامة. لأنَّ الواقع التاريخي يعين هذه النقاط ويمنحها شكلها، كما تبرز وقائعه نقائض المفترضات السابقة. ولا مهرب حينئذ من التساؤل حول كيفية تكون النقائض التي تقلب اللغة قلباً جذرياً إلى حد تعرية الأشياء، ولماذا تتغاير الإرادة العامة من مرحلةٍ إلى أخرى؟ وما هي أشكال الهيمنة التي تخضع لها؟ وما سبب تَوفُر الشروط التاريخية لهذا القلب؟

 خاتمة

 علينا الخروج من أسر المقولات التقليدية تجنباً لاجترار الأفكار حول فهم التراث وأساليب انحرافه. وبحكم المنطلقات الاستفهامية ينبغي رفض مجرد القراءة دون تقديم مفاهيم كبرى ودون تأسيس فلسفي للتفكير في هذا الشأن. إذن المسألة الحيوية: كيف نصُوغ منظوراً فلسفياً جديداً حول أكثر الأشياء ألفةً، مثل اللغة، التراث، المجتمعات، التقاليد؟ لنكتشف كم هي غرابة عجيبة حول ما كنا نألفه، إنْ لم يكن المألوف برصيده الثقافي، فعلى الأقل بحضوره المتواتر. ودلالة الأسئلة تحمل آفاق الرؤية الفلسفية الجذرية، حيث إمكانية التفكير تأسيساً لخطابات التراث و نقد صوره وعودته عبر اللغة.

 إنَّ التساؤلية هنا طريقة استراتيجية إزاء تكوين الموروثات والذهنيات وقضاياها في متن الحياة وخصوصيتها الثقافية سعياً نحو بلورة فلسفة حول اللغة والعالم والتاريخ والحقيقة. فهذه المفاهيم جزء من معطى الاستفهام. كل سؤال يأخذ شحناته الفلسفية من قدرته على التجاوز وملامسة الكل الثقافي والكوني. وغياب الأسئلة مغزاه أن مجتمعاتنا العربية أرقام بشرية مهملة بلا علامات استفهام قصوى. فالاستفهام حول المصير علامة مناعة فكرية لا تقل عن مناعة الجسم الاجتماعي، هذا التي ينبض أوقات التحول. إنَّه مسألة حياة مع الأمور اليومية والتاريخية. فأنْ نسائل الأعماق الراقدة داخل لغتنا وسلوكنا وكياننا يسبر أغوارها منقباً عن حياة متجددة افتقدناها في واقعنا العربي.

"مستقبل التراث" أحد الموضوعات الشائكة بلا منازع، لأنَّ عمقاً تاريخياً للثقافة العربية لن يوجد إلاَّ داخل حدوده. كيف نتمكن من عبورها لملامسة الإنسانية الرحبة خارجنا؟ فالتراث ليس صندوقاً سحرياً لأفكار وتقاليد إنما يشكل فضاءً خطابياً، التراث كامن- بترقب وصمت شديدين - داخل اللغة التي نتكلمها. وهي في الوقت نفسه تتكلمنا في كل لحظة وتسمح لنا أو لا تسمح بالتفكير. وهذا سر طاقة التراث النابضة في أفعالنا إلى اليوم. ولماذا تحول على ألسنة دعاة التطرف الديني إلى رصاص اغتيال ومتفجرات قاتلة؟ فكل تأويل ارهابي للنصوص مغلَّف ضمناً بقبول وجوه التراث لدينا، كل نزوع طائفي يستند إلى تأسيس تراثي ما، وكل مشروع تجديدي يسير بنفس الوتيرة أيضاً.

فمازال العربي يسكن تراثه أخلاقاً وسياسةً وتأويلاً دينياً. ونظراً لكون سكناه غامضة ولا يمتلك أدوات تجديدها، فإنَّه سيكن ظلاماً في ظلام دون حرية. كان يفترض أن يملك هذا العربي وعياً نقدياً حقيقياً على الأقل. بالتالي: أَمَا آنَ لهذا "الكائن التراثي" أن يسائله بقوة وتنوع في المجال العام؟!! كيف تتكون اغواءات التراث داخلنا، كيف يتأتى كحقائق افتراضية في المستقبل؟ من ثم أهمية تحليل وضعيته المراوغة ماضياً ومستقبلاً، وابراز الجوانب المتعلقة بالتساؤلية في مداها الأوسع. ذلك يوضح بالتالي أثر اللغة في فهم (وسوء فهم) قضايا التراث ومناقشة الأسئلة الغائبة (المحذوفة) داخله، مثل أسئلة الإرادة العامة، الحرية، الاختلاف، الإبداع. فالسؤال سيمثل - بملابساته، حفرياته، مستويات طرحة وصيغه المختلفة- خطاباً وأسلوباً للتفلسف.

 

د. سامي عبد العال

...........................

- ابن منظور، لسان العرب، المجلد السادس، قدم له عبد الله العلايلي، أعده يوسف خياط، دار الجيل، دار لسان العرب، بيروت، لبنان 1988.

- أبو نصر الفارابي، كتاب الحروف، تحقيق وتقديم وتعليق، محسن مهدي، دار المشرق، بيروت لبنان، الطبعة الثانية 1990.

- ادموند هوسرل، دروس في فينومينولوجيا الوعي الباطني بالزمن، ترجمة لطفي خير الله، منشورات الجمل، بغداد – بيروت، الطبعة الأولى2009.

- أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، الجزء الثاني ( H- Q)، ترجمة خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، بيروت باريس، الطبعة الثانية2001.

- حسن حنفي، التراث والتجديد، المركز العربي للبحث والنشر، القاهرة 1980.

- على أحمد سعيد (أدونيس)، الثابت والمتحول، بحث في الإبداع والإتباع عند العرب، الجزء الأول، دار الفكر، بيروت، لبنان 1986.

- القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني، متشابه القرآن، الجزء الأول والثاني، تحقيق عدنان محمد زرزور، دار التراث، القاهرة الطبعة الأولى 1969.

- محمد عابد الجابري، التراث والحداثة (دراسات ومناقشات)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة 2006.

- Bertrand Russell, An Inquiry into Meaning and Truth, (The William James Lectures For 1940), Penguin Books, London, 1962.

- Edmund Husserl, Idea 1, Translated by W.R. Royce Gibson, Macmillan, London,1962.

- Edmund Husserl, Logical Investigations, Translated by J.N. Findlay, Routledge and Kegan Paul, London.1970.

- Ernest Cassirer, The Power of Metaphor, in: Pierre Maranda, Methology, Penguin Modern Sociology Readings, London, 1972.

- Geoge Simmel, On Individuality and Social Forms, Selecting Writings, Edited and With an Introduction by Donald N. Levine, The University of Chicago Press, Chicago and London, 1971.

- Hans-Georg Gadamer, Philosophical Hermeneutics, Translated and Edited by David E. Linge, University of California press, Berkeley  Los Angeles London 1976.

- Jacques Lacan, ''Subversion of Subject and Dialectic of Desire''; Jacque Lacan, Ecrits; A selections, Translations from French by Alan Sheridan, Tavistock Publication, 1977.

- Jane Heal, Mind, Reason and Imagination, Selected Essays in Philosophy of Mind and Language (Cambridge studies in Philosophy) Cambridge University Press, New York 2003.

- Martin Davies, Meaning Quantification, Necessity; Themes in Philosophical   Logic (International library of philosophy) Routledge and Kegan Paul , Boston London,1981.

- Martin Heidegger, The Age of The World Picture, in: The Question Concerning Technology, And Other Essay, Translated and With an Introduction by William Lovitt, Harper Torch Books, New York, 1977.

- Paul Ricoeur, The Conflict of Interpretations; Essays In Hermeneutics, Edited by Don Ihde, Northwestern University Press, Evanston III1974.

- Pierre Guiraud, Semiology, Translated by George Gross, Routledge& Kegan Paul, London and Boston, 1975.

- T.M. Janssen, Composition of Meaning, in: Concise Encyclopedia of Philosophy of Language, Edited by Peter V. Lamarque, R. E. Asher, Pergamon, New York, 1997.

 

 

 

علي محمد اليوسفتقديم: في مقالة سابقة لي كنت ناقشت بعض الأمور والثغرات في منهج ديكارت القائم على الشك المطلق بغية الوصول الى يقينية حقائق الحياة التي تقوم على توليفة تضم حسب ديكارت (الله، الانسان، الفلسفة) في إيلاء تجارب العقل أن تكون هي ألفيصل في تأكيد كل ما يتعلق بهذه الأقانيم الفلسفية التي يوحدّها المنهج ألإفتعالي التعسّفي الذي أراد ديكارت تحقيقه وفشل به..

منهج ديكارت الفلسفي الذي ضمّنه أفكاره كتابه الذائع الشهرة الفلسفية (مقال في المنهج) حيث إتضّح أن ديكارت لم يتمكن من شرح قضايا المنهج الذي وصفه بالعلمي العقلي القائم على الشك قبل التسليم بصدقية أي شيء يصل إدراكنا العقلي له، ويكون ذلك الشيء من بديهيات الحدوسات التي يكمن برهانها فيها بما يصّدقه العقل عنها والإجماع على بديهيتها الواضحة، لتكون إستدلالا عقليا في البرهنة على قضية أو قضايا أخرى يطالها الشك غير المحسومة صدقيتها عن زيفها.

الحقيقة غير العلمية يتضمّنها الكوجيتو أنا افكر إذن أنا موجود المرتكز المثالي الميتافيزيقي الذي عجز ديكارت عن توضيحه بمنطق العلم. حيث يستنبط " الانسان يفّكر وانا موجود من حيث هو مفّكر."1، ويؤكد منهجه العلمي قوله أيضا " أنا أعرف نفسي الآن موجودا لأني أفكر، ولا أعرف نفسي إلا كذلك، ووجود الفكر علة وجودي، والفكر أشد ثبوتا من وجود الجسم، وطبيعة النفس وماهيتها هي الفكر، والنفس مستقلة عن الجسم ومعرفتها أيسر"2

في هذه العبارة الجوهرية في تفكير ديكارت الفلسفي نستنج المتناقضات التالية :

- حسب ديكارت الفكر يسبق الوجود لا بل الفكر هو علة الوجود الواقعي وسبب إدراكه الوجود بالفكرعنده حقيقة بديهية لا تحتاج برهانها. بينما الحقيقة الماديّة تشير الى أن الوجود يسبق إدراك الحواس والعقل كما يسبق التفكير به ايضا. الوجود في إستقلاليته المادية هو مبعث ومصدر التفكير بألاشياء.

- منهج ديكارت الميتافيزيقي يمّهد لمذهب المثالية المنطقية التجريبية التي قامت على أفكار جون لوك وديفيد هيوم وبيركلي، في إعتبارهم ليس هناك من وجود خارجي يتخّطى الحواس والإدراك بالفكر المجرد له، في حين يذهب المنهج المادي أن الوجود سابق في وجوده ألأنطولوجي إدراك الحواس والعقل له، والوجود لا يتحدد وجوده المستقل لافي إدراك الحواس له ولا في إدراك وعدم إدراك العقل له وأخيرا الوجود ليس ناتج تعبير الفكر واللغة عنه.

- في الكوجيتو انا افكر اذن انا موجود، يعني قدرة التفكير هي التي تحدد وجود الانسان، وبغير الإدراك الحسّي الفكري المجرد لا وجود لشيء يسّمى مادة. هذا عدا النزعة الفردانية السلبية للوجود التي يرغب ديكارت تكريسها أن الذات المستقلة فوق المجتمع من مصدر إدراكها لذاتها بتفكير مجرد لا يفصح عن قصدية ذلك ألتفكير سوى تحقق إثبات الوجود، في حين المذهب المادي يذهب القول لاوجود لإدراك انساني حقيقي بدون وعي قصدي له في معرفته ذاته وإدراكه الموجودات من حوله. وعي الذات لا يتحقق ولا قيمة حقيقية له في تجريده عن الحياة، وبدون وعي قصدي يسعى تحقيق هدف.

- الحدس العقلي منهج ديكارت ومبدأه في التحقق اليقيني الخالي من الشك في معرفة كل ما هو بديهي في معرفتنا له، هذا المبدأ الديكارتي المنهجي مشكوك به أن يكون معيارا نزيها صادقا مسّلما به يمكن تعميمه.

- من العبث أن يصار الى فصل النفس عن الجسم كجوهر يمتلك كامل الإستقلالية، من حيث النفس هي إفصاحات فكرية سلوكية تمثّل جزءا من تكوينات أجهزة الجسم البايولوجية...ودعوة ديكارت العقل الإنساني والنفس جوهران متلازمان برابطة أنهما خالدان بعد فناء الجسم بالموت تفكير ميتافيزيقي لا سند حقيقي علمي له..

الوضوح البديهي

يطرح ديكارت تبريرا لا معنى ولا رصيد حقيقي له قوله " أنا مستيقن أنني شيء مفّكر، وما علاقة هذه المعرفة – يعتبر ديكارت مجرد التفكير هو معرفة،- معرفة أنه وجود مفّكر وليس مهما معرفة ما هو موضوع التفكير، وشرط هذه المعرفة وعلامتها هو كونها واضحة كل الوضوح وألكلام لديكارت، فكل ما أعرفه بهذا الوضوح هو حق، لأنه لو كان هذا الوضوح خطأ لكانت قضية أنا شيء مفكر غير صحيحة."3

التفكير الذاتي مع النفس لا يشترط أنه يحمل وضوحه الإدراكي المعرفي بلا موضوع قصدي من التفكير، والتفكير غير المسبوق بوعي قصدي لموضوعه يكون تفكيرا عقيما لا معنى له. كما لا يمكن الجزم القاطع أن تفكير الانسان مع نفسه يمنحه الوضوح ألمعياري في معرفة بديهيات الحقائق التي يعتمدها. كما ولا يشترط بالتفكير الإنفرادي أن ينتج عنه يقينا صادقا لأنه صادر عن إنسان مفّكر، وفي عدم تحديد ديكارت موضوع تفكيره يجعله يفقد ميزتين أنه لا يفّكر ضمن أحكام ومحدّدات منهجية في البحث عن معنى ما يفّكر به، والثانية أنه يفقد معيارية صدق ما يفكر به ويعلمه هو وحده ولا يشاركه أحدا في هذا التفكير المنفرد.

معيارية صدق ما يفكر به الانسان يتحدّد :

- التفكير بموضوع محدد سلفا

- التفكير ملكة عقلية لا تحمل مصداقيتها بالوضوح الملازم لها، فليس كل ماهو واضح يترتّب عليه أن يكون حقيقيا يقينيا صادقا، نستطيع الإستدلال به في البناء عليه.

- وضوح التفكير الإنفرادي لا يلزم عنه الصدق ولا يلزم عنه التعميم.

- في غياب موضوع التفكير ومرجعية الإحتكام للعقل، يتساوى تفكيرالشخص السوّي مع تفكير الشخص المجنون. ويكون صمت التفكير عند المجنون يمتلك مصداقية ما يفكر به، فهو أيضا لا يدرك ما يفكر به بوضوح مع نفسه لكن لا نعرف مصداقية أو زيف موضوع تفكيره من غير معرفتنا دلالة لغة التعبير عما يفكر به.

ويبني ديكارت على خطأ معنى ودلالة التفكير المنهجي الصحيح حسب إعتقاده قوله " من هذا اليقين – يقصد يقين التفكير بوضوح – يقين الذات المفّكرة، أحصل على حقائق عديدة وأستخلص التمييز بين الجسم والنفس، وأن جوهر النفس هو الفكر، وجوهر الفكر هو كمال الله" 3

لايفيد تكرار ما سبق لنا ذكره أن إنفصال النفس عن الجسم في الحياة وفي بعد الممات، وماذا سيكون بعدها في فناء الجسم وغياب النفس، ولو أننا نؤمن بأن وحدة النفس والجسم محكومة بالفناء كليهما بعد الموت هو أكثر قبولا للعقل.

اما إنفصال النفس عن الجسم بالحياة وإنفصالهما بعد فناء الجسم وتبقى النفس والعقل جوهران متلازمان لا يفنيان بعد الموت بل هما خالدان حسب فلسفة ديكارت فهذا يحتاج الى برهان وأدّلة ثبوتية لا تقبل الشك لا يتوفر عليها لا ديكارت ولا غيره من الفلاسفة. جوهر النفس ليس هو الفكر كما عبّر عنه ديكارت، بل جوهر النفس هو أنها سلوك يحكمّه العقل. وكل ما يتعالق بالنفس من عواطف وأخلاق وضمير ومشاعر هي أيضا تجليّات سلوكية مصدرها النفس في ملازمتها وصاية العقل لها.

وأخيرا كيف يجزم ديكارت كمال الله يكون بالفكر؟ ولماذا لايكون الكمال الإلهي في تجليّات الطبيعة وقوانينها المذهلة التنظيم.؟ فكمال الله المستمّد من نظام الطبيعة الإعجازي الذي لا يمتلك التعبير الفكري الإفصاحي عن نفسه، وما أسهل إستعارتنا لمنهج ديكارت أن الوضوح الذي لا يحتاج البرهنة عليه أو الشك به يكون تسليمنا به بديهيا.

الطريق الى الله

الطريق الى الله يختصره ديكارت بعلاقته المباشرة بالنفس، والمعرفة بوجود الله هي التي تفتقر وجود الله سندا لها ودلالة وجود الله بسيطة في وجود إدراك النفس الميسور معرفته بها، فأنا موجود وفي نفسي فكرة (الكائن الكامل) المتصف بجميع الكمالات " 1 نستدل من عبارات ديكارت أن معرفة الله سهلة ميسورة بدلالة النفس إثبات وجوده. النفس التي يتعامل معها ديكارت بمعنى هي الروح حسب فهمنا أنها من قضايا الميتافيزيقا التي يصعب إثباتها بوسائل عقلية التي لا تخضع لها النفس حسب فلسفة ديكارت، والأصعب من ذلك حين نعتبر النفس وسيلة ميتافيزيقية مشكوك بالكثير عنها وعن ماهيتها وخصائصها، أن تكون هي سهلة ميسورة في قيادة الشخص نحو الإيمان الحقيقي بالله. النفس إدراكات سلوكية بالحياة وليست هي الروح التي تفارق الجسم بعد الوفاة كما يفهم ديكارت النفس جوهر خالد ملازم للعقل ولا يفنيان.

يكمّل ديكارت منهجه اللاهوتي على نوع من تلاعب لفظي قوله " وجود الله هو الذي يضمن وجود العالم الخارجي. والعلم الخارجي ليس هو ما تدركه حواسّنا، والأفكار المطابقة لموجودات حقيقية لا وهمية فهذا ما لا نعلمه إلا بفضل الصدق الالهي." 4 كيف يكون حدسنا الميتافيزيقي يقينيا ثابتا بضمانة وجود عالم خارجي لا تدركه حواسنا؟ ثم بأية معيارية عقلية نستدل علة وجود العالم الخارجي يكون بضمانة خلق الكمال الإلهي في غياب الإدراك الحّسي والحدسي لكلا الموضوعين؟

عليه تكون حقيقة فكرنا الميتافيزيقي لاعبا أساسيا في حل المشكلة بمنطق التصوّرات الذهنية الخيالية التي لا رصيد دلالي لها في عالمنا الذي نعيشه، وهذه التصورات تقود بالنتيجة التسليم بالايمان الغيبي الذي مصدره الأحاسيس النفسية المدركة ذاتيا التي ينسب البعض مصدرها القلب كما هو في مذاهب الصوفية الدينية. النفس سمو إدراكي في محاولة الوصول الى مرتبة الروح.

ويصف ديكارت المؤمن " ومن كمال الله أن يضمن لي صدق الأفكار الواضحة في إثبات يقين وجود العالم الخارجي"5 لا يختلف إثنان من المؤمنين بوجود الله الكامل الصفات التي يقتدونها في الصفات التي تدركها عقولهم ومخيّلتهم الدينية الميتافيزيقية، حيث محدودية الإدراك العقلي لا تسمح بإدراك صفات هي قاسم مشترك يفهمها الجميع في الإختلاف والتلقي، وهذه الصفات يكون مصدرها الخيالي هو الطبيعة الأرضية وبعض  من الكوني.الله يضمن الإيمان المّسبق بقدراته اللامحدودة أن معيارية تفكيرالانسان العقلي يمكنه من تفعيل ملكة التخييل لديه في معرفة الحدس الإدراكي لذلك الكمال الإلهي المطلق.

الافكار الذاتية التي يتصوّرها المؤمن بأنها إلهام روحي يحمل مطلق كمال الله مع تمكينه إدراك وجود العالم الخارجي بالحواس والعقل لا تقبل الشك ولا عدم التسليم اليقيني بها لأنها تصبح لديه بوضوحها الصادق من بديهيات التسليم في إعتمادها ركائز فهم العالم الخارجي وحقائقه أكثر. هذا على الأقل مانفهمه في تمرير منهج ديكارت في الميتافيزيقا. الكمال الصفاتي الإلهي لا يمكن لتجريد الفكر الوصول إليه وبلوغه بوضوح بديهي تام، مالم يتعالق ذلك التفكير الإدراكي مع إدراك العالم الخارجي بضوء نور العقل.

خاتمة

في ثلاث مقالات متتالية كتبتها في نقد فلسفة ديكارت فيما أطلق عليه المنهج المرتكز على الكوجيتو المثالي انا افكر اذن انا موجود، والذي أخذ حيّزا من الإهتمام لثلاثة قرون تحت عنوان منهج جامع بين الميتافيزيقا وأهمية العقل ومن بعدهما إعلاء شأن الانسان في تسيّده الطبيعة، والتفاصيل التي تداخلت معها، إنما كانت محض فوضى لأفكار إدّعت الفلسفة ولم تستطع على لسان ديكارت إثبات صحة وصواب منطلقاتها تلك على مستوى معرفي تطبيقي خارج منهج التنظير فقط.

أراد ديكارت كما اشّرت له تفسير فعاليات العقل والحواس والنفس بمنطق الميتافيزيقا أولا وقبل كل شيء، ديكارت لم يمنح العقل منزلته غير ماهيّة التفكير موضع الشك. وحاول جعل النفس جوهرا خالدا منفصلا عن الجسم مرتبطا تلازميا مع العقل بخاصّية الخلود بعد فناء الجسم بالممات.هذه الأفكار وغيرها من أفكار ميتافيزيقية جعلت من هالة النهضة التنويرية لأوربا، التي حققت الثورة الفرنسية وفتوحات التقدم العلمي والإهتمام بقيمة العقل لم نجد لها ذلك الأثر الذي نسبت لفلسفة ديكارت. ولم يكن هدف هذه المقالة تعقّب هفوات وأخطاء بعض آراء ديكارت في كتابيه (مقال في المنهج)و(التأملات الميتافيزيقية ).بل كان الإهتمام بالمقالات الثلاث نقد أفكار فلسفية هي جزء كبير ومرتكز تهويل أوربي لها، ولم نجد في طروحات ديكارت أكثر من أدانة خجولة لبعض خرافات لاهوت القرون الوسطى من دون الجرأة تسمّية الأشياء بمسمّياتها الحقيقية وعذره بذلك هو المصيرالمؤلم الذي كان لقيه غاليلو ومن قبله جوردن برونو.

أشّرت أخيرا الى مسألة كانت محورية في فلسفة ديكارت محاولته تفسير إدراكات العقل بمنطق الميتافيزيقا وليس العكس الصحيح.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

....................................

الهوامش:

1- د. امل مبروك، الفلسفة الحديثة، ص 85

2- نفسه ص 86

3- نفسه ص 86

4- نفس المصدر ص86

5- نفسه ص 88

6- نفسه ص 87

 

سامي عبد العالمن الأهمية بمكان البحث عن تكوين الاستفهام فلسفياً. وكيف يعبرُ عن وجوده التاريخي المختلف داخل التراث ومتونه. لأنَّ أي تراث- دون أسئلة حقيقية- سيمثل لا وعياً سحيقاً تمارسه المجتمعات التي تعيش حياةً ماضويةً. فلم يتوارى تراثنا العربي الممتد عن وجه الحياة رغم مرور هذه الأزمنة البعيدة، إذ أنّه لا يخرج منفرداً ولا مترجلاً من هويته الجمعية الثقيلة. نحن في الحقيقة نحيا كضروب بشريةٍ من أنماط الهوية التي ننتسب إليها. والمواقف من هذا القبيل هي الداعية إلى الاندهاش الفلسفي، أي الحدوث المتواصل للقلق المعرفي وطرح الأسئلة. فليس ما يواجهنا موحياً إلاَّ الزمن بكل أطيافه المتنوعة، ويستوجب التعبير عن أنفسنا بحسب ما يطرأ ويحدث.

عندئذ علينا النظر إلى التراثِ بصيغة الجمع لا المفرد (أي معرفة التراثات المختلفة). وهذا هو الأجدى من جهة الثراء والاختلاف والتنوع لحياة الإنسان. إنه هدف استراتيجي للأسئلة الكبرى بمضمونها الفلسفي. لعلَّ إثارة الأسئلة الجذرية حول (وعبر) وجودنا المتراكم ثقافياً أمر يكشف كيف نتنفس الماضي، ولماذا نختنق أحياناً بسببه، وكيف يعود مرة ثانيةً ؟! فبعض وجوه التراث في مجتمعاتنا لا تقف عند حدود الوعي فقط، بل تغدو أفعالاً عميقة الجذور، سواء بفضل الجماعات والتنظيمات أم خلال الطقوس والسلوكيات اليومية. ولعلَّه يشكل آفاق "التفكير الجمعي" وهو ما يعطي فرصاً ذهبية لنمو فيروسات القمع السياسي والديني والاجتماعي. والأغرب أنه يعطل الاندماج والتعايش مع ثقافات كونية تخص الإنسان كإنسان دون أنْ تكون شرقاً أو غرباً بالتحديد.

أنطولوجيا السؤال

إنَّ تجلي أفعال التراث كنظامٍ ثقافي ناشط فكرياً، وإنْ فقد زخمه الأصلي، جعله مضماراً للتساؤل. فيبدو التساؤل عاملاً في تفاصيله وطروحاته كنصوصٍ وخطاباتٍ. إذ تنكتب النصوص عبر متون وهوامش الحركة الناتجة عن الأفعال المشار إليها. إنَّها تُصاغ ضمن التقاطعات المحددة في وجودها التاريخي. حيث سيوفر الأخير الشروط والمناخ لتراثية التراث، وقد يسمح بانعدامها على هذا الصعيد أو ذاك. فلو تسألنا ماذا تعني التراثية التي تعيشها الثقافة العربية؟ لبرزت أبعادها تباعاً على هذا النحو.

أولاً: الأبعاد التراثية من صميم نشاط الثقافة عموماً. فلا تراثية أياً كانت دون حقائق وأفكار تؤكد الثقافة المهيمنة عليها وترشحها للممارسة. غير أنَّ النزعة التراثية المقصودة هنا لها مفهوم خاص في التاريخ العربي الاسلامي. حيث تحولت من (مفهوم concept) إلى (وسيلة instrument ووظيفة function ) لممارسة الوجود الإنساني. ويبدو هذا الوجود جارياً في إطار التاريخ مع أنَّه فاعل الآن، ويلفت الأنظار إلى حضوره، وبالتالي ستنبثق الأسئلة من هذا البُعد. فالاستفهام حول حقيقة أية أحداث ثقافية جارية لهو كشف يتعرف فيه الوجود التاريخي على نفسه. لأنَّ الوجود الاجتماعي يتحقق عادة بالتماسك داخل نسق الحياة ككل. وذلك يتطلب أن يغدو مكشوفاً أمام أطرافه ومكوناته المشتركة. ولنعرف أنَّه نتيجة انعكاس العلاقة على أطرافه يزداد حجم هذا الوجود مساحةً وتفاعلاً.

وإذا كان السؤال (أي سؤال) إنسانياً على الأصالة، فالوجود الإنساني كوجود في التاريخ، يجعل وعينا مثقلاً بمحددات الرؤى والأفكار. على غرار ما نراه بادياً لدي العمليات الاجتماعية الهادفة في المجتمع العربي إلى تكرار المعارف التراثية والتشبث بها. فمجال المعرفة إذ يبدو شفافاً دون رواسبٍ، حين يُسمى بالعلم، إنما هو التمسك بما تركه السلف من علوم الأوائل. وهنا نرى تصاعداً جارياً لأسلمة العلوم على غرار المعتقدات بما فيها العلوم الطبيعية. كأنَّ المعرفة العلمية كانت كافرةً، ثم يحاول هؤلاء إلباسها لباساً إسلامياً. وهو التعامل نفسه مع الآخر تحت مبرر أيديولوجي أنَّ الإسلام يَجُبُ ما كان قبله. والأسلمة قشرةٍ خارجيةٍ تمثلُ إضفاء شرعيةٍ على المعرفة في إطار علاقتها الوثيقة بالماضي.

إنَّ هناك حنيناً يُلقِي الحاضر العربي برمته عبر أزمنة ثقافية. ومن ثم فهو تجلّ لرغبة استرجاع الماضي، لإيجاد نسخ معادة مما تحقق سلفاً. ويضمر افتراضاً أنَّ التاريخ يتواصل على أساس التماثل، التطابق، برغم أن هذا التماثل قد يكون بلا أساسٍ حقيقي. لأنَّ التاريخ لن يصبح متطابقاً مع حركته. وهذا تأكيد للانحرافات التي تحدث كأي شيء في الحياة طالما تنتمي إلى الإنسان. وهو موقف يستثير أسئلةً متعلقةً بماهية التطابق التاريخي من عدمه، ولماذا توجد محاولات لا تهدأ لممارسة التطابق السلفي مثلاً بهذا المعنى أو ذاك؟! وإنْ لم يكن فعلياً فهو خيالياً. أي يعكس الوعي الافتراضي بالأهداف العليا لأي نسق اجتماعي سياسي.

تعدُ مثل هذه الاستفهامات أسساً معرفية تنتقل داخل اللغة والمعارف. هي تخطط فضاءً أنطولوجياً لا يكفّ عن محاولة الانتظام في السياق العام بشكل مغايرٍ. لأنه، وأثناء تداعي الحقائق المأخوذة تاريخياً كتطابق، لا يقف سؤال أو غيره بمنأى عما يجري من تصوراتٍ ومفاهيمٍ. إنَّ أبرز سمات السؤال هنا عدم التوقف عن معاودة الطرح، بمعنى أنَّه يواصل الإتيان من كل اتجاهٍ لكي يلُمَ بأطراف موضوعه. ولاسيما أنَّ أفعال التراث لا تنتهي لدى مرحلةٍ أو أخرى كما يزعم بعض الباحثين كما أوضحت. فالرأي هنا توصيف غير دقيق في أحسن الأحوال فيما يجب فهمه بدقة.

ثانياً: العيش في دائرة الثقافة كيقين مباشر، لدرجة أنها تشكل "الرحم البديل" للرحم البيولوجي. إنَّ الثقافة العربية تنهض في بنيتها بدور الرحم البديل. وهذا التصور البيولوجي مازال يغذي التاريخ العربي في كافة أركانه، ويتقرر التعبير عن ذلك في شكل الاحتماء الجماعي بالتراث، بوصفه الجلد الطبيعي للتّحصُن ضد التيارات الفكرية الوافدة، حتى غدا نمطاً من أنماط الاعتقاد. وليس "الرحم البديل" تعبيراً مجازياً، بل يحدد طرائق التفكير والتصديق، ويمتد إلى سلوكيات اجتماعية وأخلاقية، فهناك اتجاه يكاد يتلقى تعميمه فكرياً واجتماعياً ألا وهو تحويل الثقافة إلى جسدٍ رمزي لا يُمس، حتى ولو كان واضح التشويه!!.

وهو ما يُحدِث نقلاً للثقافةِ من إبداعٍ يومي إلى مسألة شرفٍ وقضيةٍ أخلاقيةٍ. أما إعادة طرح الأسئلة حول الجذور والتحولات، فيعني انتهاكاً لهذا الشرف، والإيقاع الشعري – الاجتماعي في الأمثال الشعبية يقول: "لا يسْلمُ الشرفُ الرفيعُ من الأذى حتى يراقُ على جانبيه الدمُ". وهو ما يفسر التطلع إلى المستقبل تحت مبررات أخلاقية عنيفة كما لدى الجماعات المتطرفة. وحتى درجات فهم التاريخ إنما تجري بالتسليم الفوري دون تَحقُق، كأنَّه صدر تلقائياً بالفيض الإلهي الذي يتنزل فوق البشر، وإذ ذاك يشكلُ "الرحمُ البديلُ" واقعيةَ التراثِ ومحاولة البحث عنه.

ولا يعني ذلك وجود التراثَ بكل تفاصيله وتراكمه، إنما هنالك التعامل غير الاستفهامي مع قضاياه. وهو تعامل سلفي يبلغ درجة التوهم بوجوده حياً في كافة مناحي الحياة، كأننا نعيش زمنياً في ظروفه وحقائقه الاجتماعية والسياسية ذاتها. لذلك كثيراً ما يحدث اختلاط للعادات والتقاليد بالأصول الدينية والفكرية، لدرجة أنَّ خروجاً عن هذا الإطار يعنى الخروج عن شرعية التراث. وما المذاهب الدينية الإسلامية إلاَّ تقنين للخلط بين العادات والتقاليد والشريعة الدينية. وهي تتصارع لحل العلاقات الشائكة بين الجانبين. لذلك يلجأ أصحاب المذاهب إلى استعمال التأويل لتقريب النصوص الدينية من الواقع، وهناك مصطلحات دالة على ذلك في الخطاب الديني مثل "فقه الواقع"، "المصالح المرسلة"، "مقاصد الشريعة"، "اختلاف التشريع".

السؤال لا يقبل وهماً ولا خلطاً، لأنَّ صيغته بحكم التعريف تعنى طلبَ المعرفةِ. وهو لا ينتهي عند مرحلةٍ أو غيرها؛ أي هناك تفكير متواصل في عمق الموضوع ذاته. بكلمات أخرى لا يذهب الاستفهام خلف الصورة المعطاة، بل يشكل وعياً نقدياً خارج نطاق الانفعال المباشر. فالوعي النقدي لا يتشكل نتيجة المحاكاة، بل على النقيض منها يتم بمعايير التفكير الحر والمتجاوز. وقد يكون السؤال جزءاً من الشروط المنتجة لتصور ما، لكنه يمثل فضاً ضمنياً لها. إنه يَستوثِقُ من حقيقة الشروط الخاصة بالتصورات، وبأية طريقة تكونت وإيلام ستؤول؟ ولنلاحظ أن محمولاً استفهامياً لا بد أن يَطرحَ معرفةً تتداخل مع التصور المقصود، حتى نعرف ما إذا كان واضحاً ومتسقاً مع تاريخه أم لا؟ والمحمول الاستفهامي عبارة عن وجهة نظر مختلفةٍ - متداخلةٍ مع التصور ضمن سياقه، أي يتجاوز عبر ما هو متاح لا بقفزة غير عقلانية.

ثالثاً: جوهر الثقافة هو عملية تبرير ذاتي لوضعها الممتد والقابل للتكرار. ومع تواصل التبرير يخرج نسيجها إلى حيز الواقع. ذلك يتمّ في الثقافة العربية بالإحالة إلى صور وحقائق نالت اليقين تاريخياً. وهذا يعنى أن فعل التراث يستمد دلالته المهيمنة من الإحالة السارية نحو مرجعيات ماضوية كما في النصوص والخطابات الدينية. ولئن كان ثمّة سؤال يتتبع هذا الوضع، فإن الإحالة تصبح متصلاً استفهامياً ينقل الأسئلة تلو الأسئلة. لأن الإحالة تشير عندئذ إلى عدة أشياء متناقضة تستدعي قراءة مختلفة.

تشير التراثية إلى كون الثقافة تتأصل باستمرار، وأنها تغزل نسيجها في هذا الطور دوماً، بحسب الدعائم التي تحتوي على تاريخٍ معطى للإنسان. والسؤال ههنا لا يكف عن طرح إمكانية تأصيلٍ مغايرٍ لهذه الثقافة السائدة، ويفتتح تاريخاً مطموراً داخل التاريخ المعطى. فهناك في كل تاريخ طباق من التنوع والمتباين والمفترض، وفوق ذلك يصعب أنْ تلتحم تحت كتلة كلية اسمها عصر ذهبي أو جماعة راشدة!!

تعتبر الثقافة المفتوحة مرحلةً من مراحل الوعي البشري. وأن وقوع الوعي تحت سيطرة ثقافة أحادية يعني أنه وعي تماثلي لا يؤدي دوره النقدي. لأنه لم يكن مشكلاً نقدياً من الأساس. وهذا يناقض مضمون الاستفهام برؤيته الحرة؛ أي يناقض الاحتواء داخل المعطيات التي يفحصها.

وإذا كان الوعي بطبيعته إحالياً referential، فالسؤال يفند إحالاته اليقينية، حتى لا تتراكم ولكيلا تنشأ المركزية المعرفية التي تختزل التنوع. وذلك هو الحال مع النصوص والفتاوى الفقهية، التي تراكمت بدون أسئلةٍ جذريةٍ، تراكمت مع تداعيات الأحداث السياسية والاجتماعية، فما كان إلاَّ أنْ صارت بديلاً للدين ذاته. إنَّ تاريخ الفكر الإسلامي في معظم مناحيه ليس سوى تاريخ الإحالة إلى فقهاء ونصوص أُقيمت على اليقين المباشر. إنَّه لا يمكن لأية إحالة قيد الاستفهام أنْ تظل قاطعةً في رؤيتِها، بل تتكشف عن اختلاف وتناقض مع تغاير الظروف.

وفي هذا رأينا تبايناً في الآراء والأفكار برغم أنَّ مرجعيتها واحدة حول مسألةٍ فكريةٍ ما، حيث كانت الفرق الإسلامية كالمعتزلة والأشاعرة والجهمية غيرها تتجادل بصدد قضايا كلامية، وتستمد أدلتها من القرآن. وجميعها فرق تزعم في الوقت نفسه امتلاك الحقيقة كل الحقيقة. ذلك لمجرد الإحالة إليه مع تبيان الأوجه المؤيدة لوجهة نظرها، غير أنَّ هذه الإحالة أو تلك هي مجرد توصيل الرأي إلى مرتبة اليقين، مع ذلك لم يصل إلى تلك المرتبة، ولم يلامس يقيناً أصلياً.. ببساطة لأنَّه مجرد رأي (1).

ترتهن الإحالة غالباً بالتقديس، فصور التراث لا تخلو بنيوياً من الإمساك بالمقدّس وتقريبه وبخاصة من خلال نظرة المجتمعات إليه. ولكي يتمّ وضعه في إدراك مطلق، يظل أصحابه يستمدون منه الحقيقة، سواء بالتوسط أو بالتجسد أو بغيرهما. وبرغم أن تلك الفكرة تنسحب على التراثات جميعاً، سواء أكانت غربية أم شرقية، إلاَّ أنها فكرة بارزة بقوة إزاء التراث العربي. لأن جُلّ النموذج الذي يشكل بناء التراث العربي يقوم على "العنعنات" الشفاهية، أو الرواية مشافهةً في إطار الحقيقة الاجتماعية، تلك التي تجري حول الأحداث التاريخية والآراء الفقهية والأخبار وحياة الملوك والأمم. وتنسحب على السيّر والتواريخ المتناقضة، لكن في المقابل لا تنأى "العنعنات" عن إمكانية التحريف، وتخلط بين الحقيقي وغير الحقيقي وليست بعيدة عن موروثات الديانات والجماعات الأخرى. فهي روايات مشحونة على أثير الخيال، وإنْ كانت بفعل الواقع والتماهي مع أحداثه وصراعاته.

هناك خاصية ملاصقة للإحالة إلى الماضي بمغزاها السابق: فهي لاتكاد تربطنا بفعلِ التراثِ ماضياً حتى تستهدف المستقبلَ كما أشرنا. لأنها إحالتان في عين الوقت لا إحالة واحدة. أي إحداهما تجاه مقدسٍ تاريخي، وثانيهما توفر له فضاءً ليظل رامياً بقواه إلى أقصى نقطة يتطلعُ إليها. والسؤال: لماذا تشكل الإحالةُ بهذا المعنى تضاعيف الفكر الديني عموماً؟! مرة يُقال إن ذلك يَحدُثُ باسم الثوابت التي تدعمُ وجودَ الأمةِ والدين والهوية، وهي عبارة تحتاج إلى نفخاتٍ خياليةٍ لملاحقة دلالتها، ومرة أخرى بالاعتقاد أنَّه ما كان ليتم التفكير والإيمان معاً بدون " تراثية التراث ".

هذا صحيح إلى حدٍ بعيدٍ، لكن الإحالةَ بلغت في الثقافة العربية مبلغاً يضاعفُ فعل التراث، لدرجة أنَّها ابتلعت كافة جوانبها، وبالتوازي أعطت التراث حقيقةً فوق حقيقته، فالأخيرة تتألف من أحداثٍ وأزمنةٍ وصراعات وأفكار منثورة في أرجاء التاريخ وتخضع لقوانينه، بينما الحقيقة المضافة هي سريانه أو تدفقه الأثيري الذي لا يُلوّث. وأبعد من هذا، لقد تركت الإحالة بصماتَها الفوقية على أفعالٍ حياتيةٍ ضمن نطاقٍ واسعٍ. وربما تتبلور الإحالةُ في أشكالٍ أخرى، فإذا بها تصبح متشابكةً ثقافياً بفضل تشابك الثقافة ومظاهرها، ما بين الاعتقاد والقيم وجوانب الحياة، وللإحالة التراثية كذلك أنماط تبريرية ومعرفية يمكن أنْ نرصدها فيما يلي.

نمط إنساني- طبيعي: والسؤال الذي يبلوره كالتالي: إذا كان الإنسان كائناً بشرياً، فلِمَ لا يعيش في كنف ما آل إليه تاريخياً؟! والإسناد الإحالي هنا هو الركون إلى ما وصل إلينا بالتاريخ، ولا يجد الإنسانُ في كنفه تعارضاً بين تحولاته اليومية وامتداده التراثي، إذ يقف في القلب من وعيه. ولعلَّ هذا هو الذي يجعل مجتمعات عربية تعيش (حالةً تراثيةً) بمجملها. فتبدو مواكبةً لهذا الجعل، مستكينةً إلى ما يعيد تدوير أغلب ممارساتها الأخلاقية والمعرفية والسياسية بحيث تَحيا ماضيها مرةً أخرى. الأمر هنا يحُول بين الاستفهام كنص له فضاءه العام وبين تأثيره على "الوعي الجمعي". فهناك خوف ممن يتساءل أو يأخذ الأسئلة على محمل الجد، وقد يتم تعَقُبه بشكلٍ أو بآخر!!.

نمط وراثي: ويأخذ في عمله الثقافي دلالة الوضع الاقتصادي، لأنَّ هناك تقارباً جذرياً بين التراث والميراث، بل أشارَ اللغويون العرب إلى أن الوِرثُ والوَرثُ والإرث والتُراثُ كلمات مستمدة من جذر واحد (2). وهو ما يجعل التراث موضوع تَملُك، لا لشيء إلاَّ للتعبير عما هو ثقافي أو غير مادي بمضمون مادي، ويشي في تعاملنا معه بالاستحواذ واللامساس، فهل يمكن لشخص أن يمس ممتلكات شخص آخر؟

بالطبع لا يحدث ولن يُسمّح بالاقتراب منها، فما بالنا بالممتلكات القيمية والأخلاقية والعقلية. إن التراث كدالٍ لغوي تاريخي يستحضرُ تلك القيم والأفكار. وهي لصيقة بالثقافة العربية بوصفها دائرة تملك، فلا يجوز الفحص النقدي لبنيتها ولا التساؤل حول الأطياف المختلفة التي تشكل نسيجها. والملفت للانتباه أنَّ مفهوم التملُك، علاوة عن دلالته الكلية، يتدحرج إلى فكرة التملك الفردي، ويصبح التراث من حينه حيازة شخصية بالنسبة إلي هذا أو ذاك. لذلك نجد بعض الأفراد من باحثين ودارسين وجماعات دينية يدافعون عن التراث كأنّه خاص بهم رغم أنهم يتحدثون بلسان المجتمع العربي الإسلامي.

وينزلق التراثُ كدالٍ عبر تلك الدائرة مستحضراً التَملُك كأنه أحد فرعي الخصوصية؛ أي الملكية المادية بمعنى الميراث، والملكية الرمزية بمعنى المجد والشرف والحسب. لقد نوه اللغويون إلى هذا الانقسام العضوي: فالورث والإرث والتراث والميراث: ما وُرث: وقيل الورث والميراث في المال والإرث في الحسب، أما الأصل اللغوي المثبت لتلك الحقيقة أن التُراثَ كان أصلُ التاءِ فيه واو هكذا (الوارث) (3).

هناك تعبير نوعي له حقله الدلالي في العربية: "أنَّ فلاناً قد ورث المجد والسؤدد كابراً عن كابرٍ" ومع الجمع يقال: "لقد توارثوا المجد كابراً عن كابر"، وهو ما يشير بجلاء إلى حقيقة ارتباط الميراث بمشتقاته بالحقائق الاجتماعية التي تتشكل داخلها أطر الخصوصية والهُوية والتَملُك. ليعود اللفظ دالاً في الزمن ببعض الانحرافات في السلوك المبني عليه. وبخاصّة إذا حاولنا تفريغه وتصعيده إلى مفهوم التراث كفعل تاريخي. على سبيل المثال تقع أخطاء إزاء تفهم المواقف النقدية من ىالتراث، ناهيك عن إساءة تقدير لعمل القارئ غير العربي للتراث (مثل دارسي العلوم والمعارف العربية) إذ تلاحقه اللعنات، فمن يتدخل فيما لا يعنيه (أي لا يمتلِكه) نال مالا يُرضيه، بل أضحت كلمة الاستشراق مشينةً أخلاقياً (4)، فضلاً عن صيحات الحذر منها في مجال المعرفة!!.

الأكثر دلالة أن هناك من رأى العرب (بخاصّة أصحاب العرق) وحدهم هم الأقدر على قراءة تراثهم العقلي والديني، بينما استطاعت اللغة العربية تأسيس فضاء لغوي أوسع من النطاق العربي، فبصدد القرآن الكريم يُقال إنَّ العرب من يفهمه ويقيم علاقة بيانية مع مدلولاته، نظراً لقوله "إنا أنزلناه قرآناً عربياً مبيناً".

هذا الاعتقاد يمكن الاختلاف معه للأسباب الآتية: أ- أنَّ اللغة العربية كظاهرة بيانيةٍ تؤسس وجودَّها كأي لغة بمقدار ما تُحقِق بنيتَها الدلاليةِ المعبرة عن الفكر. وهو أمر يتسعُ إلى ما لا نهاية، واللسان هنا ليس عربياً قصداً دون غيره، إنما لأنَّه يقدم الظاهرة البيانية حاملةً تصوراً للعالم والحقيقة والمعنى كاختيار إلهي. ب- أغلب أصحاب الانجازات ضمن إطار كهذا ليسوا عرباً بالمولد ولا بالعرق، ومنهم علماء نحو ولغة وفقه، ومنهم فلاسفة ومؤرخون، كالغزالي وابن سينا والقزويني والفارابي والطوسي وغيرهم. ج- يصعب أن يتحدث القرآن في الآية السابقة عن مركزية لغوية linguistic centrism نواتها العرق العربي، لأنَّ صفة البيان لا تفيد الفوقية، بل الإبانة والتأكيد على اللغة المستعملة في التعبير، وليس الحصر لأنَّ الإسلام دين يتوجه إلى الإنسان كإنسانٍ وهذا جزء من عالميته المفتوحة على التاريخ.

نمط قومي انتمائي: ويتحدد في إطار كون التراث معبراً عن محيط قومي، يستمد منه هؤلاء المنتمون إليه وجودهم. ويبدو التراث كأنه يدعم وجودهم من جانبه ويعطيهم ميزة الوجود معاً تحت سقف من الأهداف والغايات، ثم يعود عليهم بالانتماء المشترك. لكن الملفت للنظر اعتبار هؤلاء كتلة هلامية واحدة، طالما أن هنالك سمات عامة لتراثهم. لدرجة أنَّ الرغبة في إثبات الوجود القومي تقود إلى تجاهل الاختلاف الذي كون التراث نفسه، وكأنه متصل قومي متفرد. وتنهض الرغبة على إمكانية الانطباق بين القوم ككتلةٍ عرقيةٍ وبين التراث كمخزونٍ قيمي وروحي. فالقوم هم الجسد بينما التراث بمثابة الروح. وكما أنَّه لا يوجد جسد بلا روح، فكذا يمثل التراث الأحشاء التكوينية لهؤلاء القوم، وعادة ما يعتبر التراثُ بهذا الوضع "ذاكرةً شعوريةً" تُقوي العلاقة بين الطرفين، وتترك آثارها على الممارسات العامة.

المهم أنَّ تلك الذاكرة تُسقِط أية مواقف تساؤلية تَحُول دون فتح دروب مخالفة للمألوف، والمألوف عادة له سلطة مقدسة أكثر من أية سلطةٍ غيرِها. لذلك تنطلق الاتهامات يميناً ويساراً لملاحقة المواقف الخارجة عن الإجماع العام، تحت اعتبارات أنها قد تشق صفوفاً تدافع عن ثغور المسلمين ضد المخترقين، وتعطي فرصةً لأعداء الأمةِ أنْ ينالوا منها، وأنَّها في أدني الأحوال ربما تثير الفتن والقلاقل فيما هو ثابت وراسخ لدى الأجيال المتعاقبة.

المدهش أن تلك الآلية الدفاعية تُسّيِد جانباً على جانب آخر في التراث العربي، فهناك جانب تراثي يأخذ متصِلّه القومي من الغالبية في الاعتقاد أو الإيمان أو الصراع، فمثلاً يُعرف الجاحظ بأنه أديب في الكتابة الأدبية جرياً مع شهرتهِ العامة، ويتم التندر بكتاباته ورسائله في المجالس الخاصّة والعامة، بينما نجد وجهه الكلامي- الاعتزالي غير معروف، نتيجة غلبة الأشعرية وهم الأصول الممتدة التي يستند إليها أهل السنة والجماعة. وقد يكون السبب أن القطاع الغالب من الثقافة العربية يرزح تحت نير المقلدين، لذلك تُفرِز الذين يَشذُون عن التيار الجارف، وأن الناس بما فيهم رجال الفكر والعلم يستنكفون عن طرح الأسئلة الجذرية التي تقلقل يقينهم.

وإذا سُئِل قارئ أين الجاحظ الاعتزالي؟! لقال إنَّه صاحب إسهام ضعيف، ولم يولِ اهتماماً إلاَّ قليلاً للقضايا الكلامية. لكن متى كان الإسهام في الفكر ضئيلاً في ضوء حجم الإسهام؟! إن إسهاماً قد يكون محدوداً غير أنَّه أكثر نفاذاً وإبداعاً من مؤلفات متراكمة لمفكرين داخل الاتجاه الواحد، وقد يشكل اعتزال الجاحظ مضموناً جديداً في مجال الفكر.

نمط اقتصادي- مادي: ذلك على اعتبار أن التراث مخزون حضاري، يُؤخّذ منه ويُترّك بمقدار ما يتم الاحتياج إليه استراتيجياً في مواقف حياتية وحضارية. وهذا معطي اقتصادي للتراث، كما تجري التعاملات اليومية مع الأرصدة المالية، والإحالة تحتفظ لنفسها بحق الرجوع المجاني دائماً إلى الماضي. هذه النظرة تضل طريقها بصدد التعاطي مع التراث لجملة ملاحظاتٍ.

أولاً: هي نظرة سكونية تُحِيلُ الحاضر ومستقبله إلى ماضٍ لن يعود. وبالتالي تدفع بالتراث إلى أن يكون رصيداً متضخماً، لأنه كعملة حضارية (أوراق نقدية) لم تجد سوقها الحضاري الراهن الذي يمكننا من الإفادة منها. وهذا ما انتهينا إليه، لدينا تراث ثري ولا نستطيع الدراية به ولم نسبر أغواره.

ثانياً: التراث نامٍ وليس ثابتاً؛ أي لا يمكن تجميده كأرصدة خيالية (أو ذاكرة شعورية ) وفوق ذلك يظل مكانه ترقباً لأن نستدعيه، ما أشبه ذلك بما فعله جحا، هذه الشخصية الهزلية، حين وارى نقوده تحت السحاب خوفاً من السرقة، ليذهب إلى بيته مطمئناً أن أمواله في مكانٍ آمن. فما كان إلاّ أنّ وقعت في يد أقرب مارٍّ عليها. إنَّ التراث لا يبقى على حاله، لأنَّه بخلاف ما نتصور حالة راهنة دوماً كما أوضحت، فهو استباق مستقبلي، يُغطي مساحات الأحداثِ القادمةِ، إنَّ ثِقله يَرمِي إلى الأمام لا إلى الخلفِ.

ثالثاً: يستحيل إحداث قطيعةٍ مع التراث، فهذا لو حدث معناه موت تاريخي للإنسان، والتاريخ والثقافة والفكر أشياء ليست منتمية إلى الحاضر فقط، إنما تخص كل الزمن، وقد لا نعلم مركزَ انتمائِها ابتداءً.

رابعاً: لم يتضح بعد القانون الذي تُسحب بناء عليه الأرصدة التراثية واستعمالها. وانكفاء الثقافة العربية على اجترار ماضيها، كأنه غير قابل للهضم، وإعادة إحياء مذاهبها التقليدية، لهو تجاهل لهذا القانون، وعدم القدرة على إبداعه. المثل الشعبي يقول: "جحا لمّا يفلس يفتش في دفاتره القديمة".

نمط قيمي: إذ عادة ما يدخل التراث حيز القيمة. وذلك أنَّه يزود أفراد المجتمع بالعمق التاريخي حين يعطيهم قدرة على مجابهة المستجدات بنفس قوة أسلافهم. بذات المنطق يُوفر التراثُ معايير لمقايسةِ الأفعال الاجتماعية والأخلاقية. وفي نطاقِ المعايير يَحدُث هناك تشابه بين الأفعال مع اختفاء المعايير، فيتم ممارسة الأفعال كأنها واحدة قديماً وراهناً. ثم بحكم قبول الأفعال المنتمية تاريخياً إلى القديمِ، فإنَّها تبقى في شكل المعايير، على الرغم من إمكانية تكوين معايير مختلفةٍ.

يجسد هذا الموقف خلطاً واضحاً بين المرجعية والمعايير، فالأولى أصولٌ ارتضى المجتمع أن تكون كذلك بفضل الاعتقاد العام والتراكم التاريخي الثقافي، بينما الأخرى فتمثل أحكاماً للفصل بين الأفعال وتقرير ما إذا كان يمكن انتظامها وفق المرجعية أم لا. كما يعتبر التراث كقيمةٍ ظاهرة حضارية بالفعل، غير أنَّ الموقف المذكور لا يميزُ بين الفعل والقيمة، وأنَّ نفس القيمة يمكن نيلها بعمل آخر، مادام هناك - بتعبير الفقه- مقاصد عُليا تتحقق في أعمال تالية.

على أنَّ انجاز العمل الذي يقرب المقاصد يؤكد أن قيمة التراث في تجاوزه وإبداع تراث آخر من داخله، وقد يقال وما القيمة في ذلك؟! لعل التراث حينما يُبلِغنا قيمةً في أحد المجالات، فهو أمر مهم في ذاته، وهي قيمة لن تبقى متفردةً، بل قابلة للتعدد وللتجدُد الإبداعي. والتساؤل تجاه "تراثية التراث" يعني تعددها كما لو لم تكن من قبل، لأنَّها مرحلة لاحقة على الأصول، لتأتي القيمةُ بصيغة القيم المتتابعة.

بناءً على ذلك، فإنّ أنطولوجيا السؤال هي أنطولوجيا قرائية- وجودية، لا قيود عليها إلاَّ بمقدار ما يرسمها الاستفهامُ من آفاق التفكير في التراث الحي، أما جوهرها فيتسنى تحديده في خطوط مؤديةٍ إلى بعضها، فيجب أن يعمم بناء الأسئلة مع انتشار ثقافته.

أنطولوجيا السؤال

(المعنى والقراءة)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

↓                     ↓

        الحدود      الطرح المختلف

 المعنى          الكشف

 المُساءلة          اللا انتظام

لنقرر مبدئياً أنَّ حدودَ الموضوع التراثي يقابلُها الطرحُ المختلفُ وتتكون معه. فتبدو الانطولوجيا الاستفهامية مُشكّلة بواسطة كتابة نص باستطاعته صياغة هذه الخطوط عبر مفاهيم وطباق من الأفكار والرؤى التراثية، ويأخذ قدرته من حقائق "تراثية التراث"؛ أي يستفهم السؤالُ في كل خطواته ماهيةَ النصوص والخطابات لمعرفة وإعادة كتابة ما يجعل التراث تراثاً خلال عمليات إحضاره.

إنَّ لكلِ سؤالِ أنطولوجيته النصية التي تتداعى بأسئلة أخرى، وليست انطولوجيا واحدةً. وذلك تبعاً لاختلاف التراثات الموجودة في التراث الواحد بصيغ الجمع (5). ندرك تلك الصيغ حين يُثار استفهام حول إحدى الظواهر، ولتكُن ظاهرة التطرف الديني، حينها لا يمكننا الفهم، بل ويتعذر التفسير المقبول لوجودها دون أنْ تبقى عمليات الاستفهام متواصلة حول الجذور والأسس والانحرافات في "معاني الدين كاعتقادٍ ونزوع شكلي، ولماذا يتحول الشكل إلى عقيدةٍ حدية تبتلع الدين بمجمله؟! ولماذا يصبح الشكل الديني ظاهرةً قابلة للانفلات؟! وكيف يتحول الاعتقادُ إلى فعلٍ انتهاكي، أي إرادة قوة عنيفة will of violent power؟! (6).

في هذا المضمار ليس سهلاً تماماً أن تُقدَّم إجابات خاطفة، إنما يحتاج السياق نحت أنطولوجيا استفهامية داخل جسم التاريخ الديني- الثقافي. الجسم الذي يأخذ هيكلته وأنسجته وشرايينه ومراكز الحس فيه من اللغة كأحداثٍ نصيةٍ. هكذا تنشأ الأنطولوجيا التساؤلية في تكوينها شيئاً فشيئاً نتيجة الطرح، حيث يَنتظِرُ القارئ مساراته. إن تلك الانطولوجيا تتكشف داخل العمق من تحولات تراثية، عندما نتساءل حول حدوده الكامنة في تراثية التراث، تراثية الحياة الراهنة والقادمة. هذا الحد أو غيره يتمفصل مع أكثر الأشياء حداثة، كوسائل الاتصال، الأقمار الصناعية، التقنيات النووية.

إنَّ حدود التراث تتسع إلى مالا نهاية كفعل للذاكرة. فالذاكرة تحمل مطلقها المعرفي مع وجودها الخالص. وليست مشكلة الحدود محسومةً كما يُظن، بل سيكون هناك مجال لفعل التراث ضمن بناء العقل القائم بمهمة تحديده. لدرجة أنَّه لم يُحدِد مفكرٌ عربي حدود التراث إلاَّ بإثبات ما ليس فيه ونفي ما في عمقه. فنظراً لكونَ المفكر أو القارئ مستغرقاً فيه على نحو التفافي دائري، فإنَّ فعل التراث يتحقق على المستوى نفسه الذي يحدد به هذا المعنى أو ذاك.

هكذا تُوجِهُنا الأسئلةُ إلى مسارات مختلفة، مثل عملية فهم التراث، وكيفية تحققه، وأساليبه المتناقضة التي يحضر بها ورمزيته. وهذا يفترض أن المسارات لا تخرج عن حدود التراث وتداعياته، فليس باستطاعتنا طي صفحته، لأننا محفورون فيها بنقوش تاريخية. وليس الاستفهام ضرباً من التخمين، إنَّه بكل بساطة استعمال المواد التراثية في مساءلة محتوياتها ورواسبها وما تفرزه من آفاقٍ. لكن ما الدليل الذي يقود السائل تجاه هذه العملية؟!

إنّه المعنى الذي يؤشر إلى هذا المسار أو ذاك، فلا سؤال بدون معنى يتتبع إيقاعه الخفي. بذات الوقت لا سؤال بدون تضمين قيد الاكتشاف يمسحُ جوانب غير مطروقةٍ من التراث. فالمعنى يقف لدى شبكة العلاقات والأنماط المرتبطة بحقيقة الحقائق المسماة بالتراثية. هي ما تبرز أهمية "تراثية التراث" في مجالات كثيرة: الفكر، الممارسة، الصراع السياسي، التنوع الثقافي، الخطاب الديني. وبفضل المعنى تظهر حقائق كهذه في وضع التأثير المباشر، لأننا غير قادرين على الوجود تاريخياً دون معنى لأفعالنا.

فعلى صعيد الفكر نتساءل: ما مغزى الجدل الدائر مثلاً حول مسائل الإلهيات بين الفرق الكلامية؟ إن هناك معنى بالنسبة لهذا الجدل، إذا ما أُخِذ في سياق جدلٍ وصراعٍ سياسيين واجتماعيين، يحاول الأطراف تقديم تأسيس لموقفها فيه بمحاولة تأويل النص الديني، وبمحاولة تقديم صورة مناسبة لغرس الأفكار والمناورات السياسية في عمق الأصول الدينية كي تواصل نفاذها.

أمَّا إنْ أردنا معرفة الحقيقة، فالمعنى يرسم مسارات داخل خريطة النصوص والخطابات، والتي تنقل جذور هذا الجدل، حيث الملابسات المحيطة على عمق غائر في اللغة والمجتمع. والنصوص ها هنا عبارة عن تحولات وأبنية مركبة، تأخذ معناها كأحداث تاريخية وتساند بعضها بعضاً. ليتعمق الاستفهام مؤكداً على الارتباط الوثيق بين المعنى والكشف (7). وهو مسافة يقطعُها أي سؤال. فهذا الأخير إذ يمثل بحثاً واستجواباً فإنما يضع شيئاً ذا معنى- بالمفهوم الآنف- قيد الانكشاف.

يقول بيير جيرو" المعنى علاقة ما، حيث تربط هذه العلاقة أي معنى بمعنى جديد..... وهذا يسري على كل شيء، كل المعارف، كل التجارب، لأنَّ كل شيء علامة: كل شيء مدلول وكل شيء دال" (8). فلا يوجد شيء من المعنى إلاَّ المعنى القابل للتتابع، لكونه منتشراً وسابحاً في فضاء الثقافة والوجود الإنساني بأطيافهِ. والمعنى ليس ضرباً من المصادفة، أو جولة من جولات لعب النرد، لكنه يَسلكُ دروب المجاز والتشبيه والتعبير سائراً وفق قانونية الحقيقة الغالبة، إنه الوجه الدال لما يُعدُ وجوداً تاريخياً بمدلوله الرمزي.

اللغة كقانون رمزي

هناك سؤال منطقي: ما الذي يحفظ وينقلُ قانونية الحقيقة؟! ما الذي يضمنُ تماهيها مع مفاهيم التراث؟! يرتبط هذان السؤالان بأساليب تراثية يحضر بها نمط التفكير المهيمن. وإذا كان الاستفهام الأول يتعلق بالحقيقة في رمزيتها السائدة، فقضيته الأساسية أن فعل التراث لا يسرى هكذا من غير وسيطٍ، ولا بدون أقنعة يتعين وراءها، بل قد لا يواتينا بمضمونه وجهاً لوجه. لأنه يتحقق من وراء حُجب، ويقع -توضيحاً- ضمن الخطابات التي تتعامل حياله بمفهوم القطيعة، ويجتذبها إلي الالتقاء معه في نقاطٍ جوهريةٍ، وتتداخل مع أبعاده إنْ لم يكن بالشكل فبالمحاكاة، لتمثل هذه الخطابات متونه المعاصرة.

لعلَّ اقتراباً من أسئلة كهذه تكمل قضيتي السؤال والمعنى، والسؤال كنص هو الآخر. ولكي نعرف أبعاداً غائبة لهاتين القضيتين، ينبغي طرح استفهام كاشف: كيف يحدّد خطاب أو آخر جوانب التراث وهو جزء منها؟، وكيف أُتيِحَ له خيط لمناقشة قضاياه؟ ربما يُقال إنه الفكر، حيث يتحدث من خلاله، ومن منطلق القدرة على التفاعل مع تداعياته الراهنة. لكن حالة كهذه لا يكون الفكر مستقلاً بذاته، وليس منسلخاً من أسر القوانين التي تحكمه وتدفعه للانتظام تبعا لأطر معينةٍ، لعله يقف أبعد مما نتصور على خلفية تراثيةٍ لغويةٍ لا مناص منهاً. إنَّه يخضع لوضعية صياغته بمضمون التعبيرات الحاملة لأثقال اللغة، ويُحتِم أن نُخبِرَه ونَعرِفَه هنالك، جرياً على خلفية فكريةٍ هي مجرد واجهة تضعنا في محيطها، إذا نهضنا إلى معالجة أية قضية، كما أن أي تفكير لا يمكنه أن يتجاهلها.

اللغة كخطابات هي الضامنة لهذا السريان، لتلك التراثية واسعة الانتشار. ولا يجب أن نتوقع اختفاءها بين ليلة وضحاها، إنما ستظل باقية مع تداخل هذه الخطابات أو تلك ضمن حدودها. ويستحيل القفز على ذلك البقاء الممتد إن صح التعبير، وإلاَّ سنقفز إليه مرة تالية. لأنَّه لا قفزةَ في مجال التفكير إلى خارج اللغة، دائماً يتم الانتقال إلى الداخل، حتى وإنْ كان القارئ واقفاً في أقصى نقطة محتملة. أمَّا الطريق الممكن لمعاينةِ ذلك، فهو أنْ نضع اللغة وآثارها الفكرية قيد الاستفهام، على اعتبار ضرورة الوعي ببنيتها الرامية إلى التحكم في أغلب تفاصيل التواصل والفهم. والمعضلة من توها ليست أن حدود التراث كذا أو كذا، إنما هي تتشكل على مسافة أعمق بفضل تشربها باللغة كقانون رمزي للثقافة المهيمنة. وأيضاً ليست اللغة بهذا الصنيع بَلُوناً فارغاً يَحملُ محتويات تراثية، أشبه بهواء تمتلئ به، لكنها تفيض وتتسرب بمحتوياتها كلما حاولنا التفكير بها (9).

"التراث" الفكري أو "التفكير" في التراث عبارتان متراوحتان وممتزجتان مع جسم اللغة، الجسم التاريخي الذي يحتوينا ككائنات إنسانية تغتذي عليه آخذة أسباب الحياة. والجسم حالة عضوية فكرية بالوقت نفسه، ففي الوقت عينه الذي نعيش خلاله يرتدينا نحن كوعي شري، إضافةً إلى أن اللغة لا تمثل الفكر فحسب في مبناه القابل للطرح، إنما في جوهره القابل بانفتاحه للاستيعاب والمعاودة. إذ ذاك يُطلب من اللغة بالوضع نفسه أنْ تحدد موقفها من المستقبل، ومن الأنماط المتباينة للثقافة، ومن الأوضاع الجديدة، فلا تملك اللغةُ عندئذ إلاَّ دوالها ونظامها القابل للترميز، لتطرح أفقاً ضمنياً، واللغة بتأسيسها لهذا الأفق إنما تؤسس لذاتها.

لذا كثيراً ما تتفق حدود التراث مع حدود اللغة. ولأنَّ اللغة تتحدد اصطلاحياً، فإن التراثَ يتلاشى كما تتلاشى اللغة لو أردنا تثبيتَهما على وجهٍ واحدٍ. ويبدو على إِثر ذلك أنَّ الكلامَ واللغةَ والتراثَ أشياء متضامنة تاريخياً. لقد ظلت اللغةُ تتوسط لإيصال حقائق يُمثِلها التراث بالاسنادات السابقة، كما أنه لا يتحقق تراث بدون لغةٍ يتشكل على أَثرِها ويُمارِس طفواً معها داخل الخطابات، وبواسطة طرائق الصياغة الفكرية والبلاغية، فلا مجال لتفريغ الكلمات من مضامينها. فالكلمات إذ تمارس امتلاءً بالمعنى، فإنما تحقق بعداً دلالياً تراثياً مازال متغلغلاً حتى الآن، ولن يُمحى، بل يقف بنا على أعتاب أحداثٍ وتواريخٍ، وكذلك يُرشِقُنا في قلب الصورٍ والأخيلةٍ بواسطة التفكير الاستعاري metaphorical thinking (10).

من جانب آخر لا تنفصل اللغة عن أنظمة الفكر، فالفكر يطلبُ الحقيقةَ على صعيد الواقع وإمكانياته. بالتالي هو صيغة من صيغ تلك الحقيقة، أي التعبير عنها في النصوص والخطابات والأنظمة الدلالية. وهذا كله يُعاد دمجه في الثقافة بقانون رمزي يعطيه صورته القادرة على إنتاج الأفكار مرة ثانيةً. بحيث إذا أراد الأفراد التفكير في قضايا من هذا القبيل أو ذاك، فإنهم يستمدون حقائِقَهم، مما سطرتها اللغة، وتركتها كنماذج مطبوعةٍ في الألفاظ والنصوص.

وإذا كان الاستفهام لا يتلاشى في قاع اللغة المتداولة، فإن تتبع مصادر الذات والتفكير يبدو ضرورة من ضرورياته، وهو تتبع ينجم عن الحاجة لطرح وجودنا العربي ذاته إزاء محددات مازالت فاعلة ومتعلقة بما هو ماضٍ، ويستحيل التعامل معه كتاريخ محايد، أو كأحداث زمنية فات أوانها، بل كقانون داخل اللغة يستنبتُ وينتجُ نفسه على الدوام. فمازلنا نَحيّا داخل مجالات كثيرة في عصورٍ سلفية بالفعل. من هنا يعد السؤال تجربة مع المعيش، ودعوة للوقوف طويلاً داخله، والمكوث بلا تردد للتفكير تاريخياً في هكذا تكرار. في تلك الحالة ينبغي الإنصات إلى أصداء أزمنة سحيقةٍ، إلى أًصوات الزمن وراء الركام كي نفهم القريب والعيني والمباشر.

لا تخلُو دلالةُ السؤالِ من اختراق الكل الذي يتبلور في اللغة، هذا الذي يحكم أطر التفكير ويرسم الأفق الثقافي على الأصالة كما أبرزت في الفقرة الأولى، بل لا يُفهم الوضع الحقيقي للاستفهام ما لم يؤخذ الكل في الحسبان بوصفه الذي يختّزِل موضوعات ويُظهِر أخرى. وبجانب ذلك يغيبُ الكلُ لدرجة التلاشي داخل اللغة، ويبلغ ذروته رمزياً، لتتواءم تراثية التراث مع وجوده وتحولاته. وهو في حالة الثقافة العربية بمثابة المعالم الأساسية التي ضمنت بقاءها وإمكانية التعبير عنها، ولعلها تتمحور حول الطابع الديني، لأن الحدث الأكبر في تاريخ العرب هو الوحي الإسلامي، وأن تفسيرات النص القرآني كلغة حفظت قانونها الرمزي وقاربت تاريخها (11).

وبرغم أنَّ صيغة الأسئلة جزئية عادة، إلاَّ أنها تمارس دورها باكتشاف الآثار التي يتركها هذا الكل، ولاسيما أن تراثية التراث تمارس حقيقتها على الصعيد نفسه. وما كانت الثقافة لتواصل هذا التشكل لولا حلول الكل التكويني، حيث تبلغ أهدافها بواسطته. في هذا يقع التراث خارج الاستقطاب بين ذات وموضوع، من جانب ارتباطه باللغة والخطابات المتداولة. ومن ثم ارتباطه بالتعميم الكلي، مثلما لا يتسنى الوعي بحركته بمنأى عن نطاقها، واللغة كراعية للقانون الرمزي هي الشكل العيني للتعبير عن الأسس والمبادئ.

علينا التذكُر مراراً: ليست اللغةُ ألفاظاً فقط، بل هي تجلٍ له طابع الإلزام ينتقل دون قيود، وإنْ وجدت يخترقها الكل عن طريقه، ومن الصعوبة بمكان الإمساك به، لأنه قد تَماهى ضمن أنظمة وحتميات خطابية. مرات كثيرة ننسى أن هناك آراء فكرية لها درجة من الواقع نفسه، وهناك تاريخ لا يمكن إزاحته جانباً من غير أن نعيشه. إن تَشكُل التراث باللغة عبارة عن مؤسسات وأبنية صورية وصلت إلى مرتبة الأقانيم. وهي مازالت تتحكم رمزياً في طرائق النظر والتقييم ونمط التعليم والأداء الاجتماعي للأدوار والأفعال، إنها تُسيِطر على إنتاج الثقافة العربية لوجودِها التاريخي، وبذلك تُعدً موضوعاً غير متعين، لا لأنها عاجزة عن العيش في الواقع، لكنها تُعيِن وتُعايِر (من المعيار) موضوعات خارجها.

يظهر عمل الاستفهام أكثر ما يظهر إزاء التراكم العيني لمؤسسات اللغة في الثقافة العربية (التعليم – الاعلام- السياسة...)، وتظلّ مشروعيته مفتوحةً على الدوام. لكن مفتوحة على ماذا؟ إنها تنفتح على نبض المستقبل الذي يمرّ متخفياً، من خلال التفكير والتعبير والإرهاص بالتاريخ القادم. لماذا يبدو المستقبل فاعلاً هنا بالذات؟ لأن التراث العربي يعطيه نماذجَه القابلة للمرور مجدداً حيث تتدخل اللغة كقانون رمزي ليَحكُم عمليةً كهذهِ. وقد حَدثَ شيء في المجتمع العربي بتلك الطريقة، فكما أنه بالإمكان استعمال عبارات لغوية مع اليقين الضمني بوجود قواعد صرفية ونحوية حاكمة، كذلك تمّ التفكير في مشكلات الواقع مع الاعتقاد العام بأنَّها مشكلات حيادية وغير مستندةٍ إلى أرضية تاريخية، بينما هي بالأساس تجد تفسيراتها- بل تجد حقيقتها- بهذه الأرضية.

ويبدو ذلك واضحاً في المجال الاجتماعي الراهن في معظم الأقطار العربية، إن أنظمته، صور الإنسان فيه، نمط السلطة السائدة، الأداء السياسي المحرك له، القيم الأخلاقية المنتشرة داخله، هي أشياء مازالت ملتبسة بنماذجها وبمضامينها التراثية برغم الأشكال الحداثية المادية المستنسخة. ونظراً لعدم تحرير هذه المضامين من أسر العودة إلى الوراء، تتواصل صعوبة تلك المشكلات.

إنَّ اكتساب التراث العربي أبعاداً رمزية على خلفية اللغة جعله مُشبّعاً بشحناتٍ دلاليةٍ في كل سياقٍ راهنٍ، ذلك أن اللغة العربية تاريخياً شكلت الإشباع المتواصل بالامتلاء التاريخي. ولا أدلّ على ذلك من أن الشعر وهو اللغة يمثل ديوان العرب الأول الذي حفظ مآثرهم وأمجادهم ومستقبلهم أيضاً، لدرجة يَترجّحُ فيها القولُ بأن العربَ من تلك الجهة ظاهرة لغوية - حياتية، لأنها منحت وتمنحُ فضاءات الثقافة تاريخيتها، وتُسمِي الكائنات وجودياً كما لو لم توجد إلاَّ بأسمائها، تلك التي تعني ضمان نمط الحياة إلى الأبد.

من ثم فإنَّ الشحنات الدلالية لكلمة التراث شحنات غير قابلة للنقل دون أنْ تزداد اتساعاً، حتى استحالَ فعل التراث إلى عمل أيديولوجي، ثم حولته اللغة إلى وجودٍ بالأصالة. وقد يُعتّقد أن تلك الظاهرة ظاهرة جديدة، حيث أن تداول كلمة تراث في اللغة العربية لم يَعرِف في أي عصر من عصور التاريخ العربي من الازدهار ما عرفه هذا القرن، بل يمكن القول من البداية إن المضامين التي تحملها هذه الكلمة في أذهاننا اليوم نحن عرب القرن العشرين وكذلك القرن الواحد والعشرين، لم تكن لتحملها في أي وقت مضى (12).

1- هذا صحيح ليس لأنه حقيقي، بل لأنَّ ظاهرةَ اللغة تكثفُ الأشياءَ رمزياً، وتخففُ من الأثقالَ النسبية مقابل إدماجِها في الكل الثقافي، وبهذا تعطي الكلمات والنصوص سريانها المُقوّى.

2- وهذا غير صحيح بذات الدرجة. لأن التراث يتقدم تاريخياً- في كافة مراحل التاريخ- عن طريق اللغة في لحظة كثافتهِ المطلقةِ. والدليل على ذلك أنَّ التراث العربي الإسلامي ينحل إلى سياق فكري وقِيم روحية دينية وأخلاقية وجمالية تكاد تطغى بحكم تراثية التراث على كافة المظاهر الأخرى. وبذلك ستظلّ المجتمعات العربية تعيش تراثها شاءت أم أبت. لأنه ليس خياراً، هو وجود لا بُدَّ من تقديم قراءةٍ له في كل لحظة واستقباله المستمر بصيغ جديدةٍ، بعبارة أخرى لا بُدَّ من الحياة فيه بطريقة مختلفةٍ.

3- ليس هذا القول السابق فعلياً، لأنَّ التراث كلغةٍ له جذوره التاريخية، ويتحول إلى خطابٍ معرفي في معظم الثقافات العالمية لكونه يحمل رسالة. فكلمة heritage الانجليزية ذات أبعاد أخرى تحملُ الدلالة على المعتقدات والعادات الخاصّة بحضارة ما، إنَّها تشير إلى الميراث الروحي والثقافي، وهو ميراث يعيش مع أصحابه في كل مواقفهم وأنظمتهم الحياتية، التي تتحرر تعبيراً عن نفسها بفضل أبنية التفكير المرهونة بكلية اللغة على تقنين الأشياء.

واللغة بذلك التقنين لا تحدد اتفاقاً ملائماً فقط خلال تلك الأنظمة، لكنها تُحدِثُ الفكرَ؛ أي تُتيحه كحادثةٍ كما لو لم يَحدُث من قبل. وفي كل مرة تفعل ذلك، هي تحديداً تبين كيف تحققت الأشياء عن طريق الأَحداث السالفة التي أُنجِزت بتلك الطريقة، وتشير إلى أي مدى يتناغم صوت العالم الذي نوجد به في ثقافتنا العربية مع كل ما يقال من ألفاظٍ وعباراتٍ، لنعرف كيف نعبر عن الإحساس والتذوق والاختلاف إزاء الواقع؟!

فصورة العالم في العربية محكومة بما تفرزه اللغة، إنَّها صورة مشتقة من العلم؛ أي معرفة تتحصل قصداً في إطار موضوع دالٍ على الكل الثقافي. ولئن كانت اللغة ممارسات رمزية للتواصل والتعبير، فهي عملية حدوث لا تنتهي. وليست رمزية التعبير طرحاً لمضمون محدد، بل لمضمون قابل للانتشار. كما أنه ليس مضموناً مكوّناً في ذاته، لكنه يتحول إلى حقيقةٍ معبراً عنها بسيولة لا تنقطع، هي حقيقة قابلة للانكشاف. وكما يقول " جورج جادامر" فإنَّ كل تحديد لمعاني الكلمات ينمو بأسلوب حر أشبه باللعب playful الذي له قواعد، لأنه قائم على قيمة الكلمات في المواقف العينيةconcrete situation (13).

وبذلك لم يكن التراث العربي مرحلة تاريخية ليتوقف، لكنه مازال وسيظلّ يتكون في وعينا، سواءً بالإضافة إليه أو بإعادة تدويره أو بالانهماك في عملٍ لتطويره. واللغة بتلك الفكرة هي الانكشاف الرمزي لمعرفةٍ ووعي يتحركان في التاريخ. إن التراث هو المخزون العام لاتجاه التفكير. والسؤال من ثم يعد شكلاً نوعياً للإدراك النافذ، لعلّه يجسد اختلافاً معرفياً يقوم على طرحه، وفوق ذلك على علاقات وطرائق الأداء تجاه موضوعاته عبر اللغة. وهنا ينبغي أن نلتفت إلى جملةِ أشياءِ.

تتيحُ اللغة للاستفهام قدرات التفكير المنفتح. وليس ذلك بحركة تلقائية، لا بُدَّ للأسئلة أن تبلور أداءً فاعلاً في قضايا نصية لها قانونها الرمزي، وتغطي الواقع بطبقة سميكة من المعاني إلى درجة حجبه، لكن للأسئلة أن تستثمر ما في اللغةِ من لغةٍ (14).

تمثل اللغة متصلاً لا يخرج منه الاستفهام للتعامل مع دلالاته، ولتكوين نصه وإشكالياته. فإذا كنا في الوقت الذي نتحدث فيه عن التراث نجتره ونتحدث به، فلا بُدَّ أن يتفاعل أي سؤال مع هذا المتصل، لأنه الطريقة المهمة لإعادة النظر تجاه الأشياء بوعي مغايرٍ.

إذ تعبر اللغةُ عن الحقيقة فإنها هي الحقيقة، لا حقيقة سواها من جهة قدرتها على بلورة نظام ينهض على الاختلاف، ولأنها تعطي جميع الأنظمة الأخرى مدلولات حين تجري عملية التفكير.

لن يكون السؤال تأملياً صرفاً، إنماً يترك فعله نتيجة البحث عن المعنى وراء الأشياء والأحداث، ويصعب أن يؤثر سؤال من غير فاعليةٍ من هذا القبيل. وهي عبارة عن التفكير مجدداً فيما يصعب التفكير فيه، كأنَّ السؤال يتيح لنا معاينة اللغة من الداخل، أليست لصيقةً بالتفكير أو العكس (التفكير لصيق بها)؟! إذن تُفتّض اللغة في انغلاقها عن طريق الاستفهام، تنفتح مع قانونها الذي لا يبتعد عن أي قانون آخر.

وحقيقة المعنى هنا غير المعنى كما أشرت إليه سابقاً، فمن المهم معرفة ما الذي يجعل المعنى معنى، وفوق ذلك يصبح له وجوده الملزم لنا؟! ومن أين يأتي ويواصل عَملِه المؤثر؟! قد نسمي حقيقة المعنى ما وراء المعنى، سوى أنَّ ذلك ليس قفزة ميتافيزيقية، إنَّه تعقب لآثار حدثت بفضل أشياء معينة، أشياء تبدو جديدة حيث تعمل اللغة كواجهةٍ لترسب ما هو رمزي اجتماعياً أو ثقافياً.

أما أوضح ما تبرزه اللغةُ فهو الوجود مع الآخرين، ففضلاً عن اعتبار نظام اللغة بمثابة الآخر الأكبر، تتيح الالتقاء مع هؤلاء أو أولئك، ليعرف الإنسان أية قيود وانتظامات تربطه بهم، وبإملاء منها، وبتغليظ المعاني من قِبلِّها. وعلى الإنسان من الآن فصاعداً التعرف على مقاصدهم وأهدافهم، فلا يُمسِي ذا كيان داخل هذا النظام إلاَّ بحسب علاقةٍ يَمتّثِل لها تَمام الامتِثال (15).

كانت الصراعات السياسية والاجتماعية في تاريخ الثقافة العربية دائرةً حول امتلاك الآخر عن طريق امتلاك اللغة؛ أي الاستحواذ على نصوصٍ تفسر النص الديني الأول، وتطلق القدرات للغة، وبخاصة أنَّها تملأ الواقع معطيات دلالية، جوهرها هو احتواء الصراع بصيغة مقبولة، بينما تنحُو ضمنياً نحو استنطاق الوجود التاريخي لإخضاعه بشكل أو بآخر. من ثم انتشرت التفسيرات العديدة للقرآن بانتشار الفرق والمذاهب الدينية. لأنَّ اللغة هنا سلطة حاملة لقناعات الطرف الغالب، مستثمراً كونها- حين تتحدث- تُلقِي القولَ بمنطقِ الكل. هذا الآخر الأكبر، آخر نادراً ما يفلت أحدٌ من عينه الحارسة للقانون الرمزي، وهى عين تعكس ماذا عساه أن يفعل بالضبط.

إنَّه مع وجود الآخرين تتحدث اللغة كما لو لم تنطق من قبل، وتُرسِخ دورَها الرمزي بصورة تبادلية عن طريق تجاوز الأطراف جميعاً. حتى لو أخذت تضخمها من طرفٍ معين، فإنَّها سرعان ما تعلن استقلالها. فهي توجد بين ذات وآخر، لكنها تتحدث من موقع أكبر. وبالتالي تؤدي الرموز مهمتها في بلوغ الموقع الذي يستحيل تجاهله، ليصبح الرمزي بتلك الطريقة ميداناً للتعبير عن واقعٍ فوق لغوي. إنّه يختزل اللغة إلى غيرها، إلى ما عداها من أنشطة. فإذا كان ثمة انفتاح لها، فلأنه إظهار وتجلٍ وإعلان عن حركة المعاني. حيث يُقال ما يصعب قوله والوصول إلى معناه البعيد، ويسمى عندئذ انفتاحاً، نظراً لكون اللغة ترمز إلى ما يتعذر الوصول إليه دون هذه الطريقة في التعبير (16).

أمَّا إذا وُجِدَ المتعذر قوله، فلا يوجد إلاَّ تأويلاً. نظراً لأنَّه يتعين على مستوى إحالي، ويمكن التنبؤ بحلوله هنا أو هنالك لو تعقب القارئ مسارات الاستفهام، فالاستفهام في تكوينه المعرفي طلب شيء أو التنقيب عنه كما أشرنا. وعندما تصمت اللغة في موضع التحدث عن الآخر، فإنَّها تُفصح عن شأن الكلام؛ أي تميط اللثام عما يفترض قوله في هذا السياق. واللغة كقانون رمزي تحل محلَّ الآخر، هي ستتكلم من مواقعه التي لا تتوقف لدى حدود بعينها حتى تلتئم دائرة القانون، وتخلع على الأشياء معناها.

وهنا سيحدد طابعَ الثقافة العربية على الدوام الخيارات المتاحة أمام أفرادها، وستنطلق الكلمات لتحمل محاذير لا يجب الاقتراب منها، فأبرز أشياء الظاهرة الدينية ثقافياً هي: افعل ولا تفعل، حتى استحوذت على التجربة الإنسانية بشقيها الواعي واللاواعي، ومن ثم ترسخت ثقافة التحريم. لكن السؤال المناسب بأية كيفية يفكر الذات رغم ذلك؟! الإجابة أنه لا كيف إلاَّ بكيفية الآخر داخلنا، والكيفية تمثل محاولات الاثنين معاً برغم أن جريانها يتم في جانبٍ دون غيره، لأن الفعلَ الأخلاقي هو فعل للإنسانية قاطبة، للإنسان كإنسان، كما أن رغبة الذات هي رغبة الآخر بحكم جريان اللغة حاملةً تجربة الأخير وبالتبعية تجربة الأول. إنَّها هذا الرمز مجسداً القانون في العمل والوجود بالآخر أو ما يحل محله (17).

هنا يفرض التراثُ العربي نفسه، لا كموضوع، فهو يحلُ في الهياكل المنحوتة داخل اللغةِ، ويُعطيِها بطانة الكلمات التي تحكم الذوات الاجتماعية، بواسطة الأخلاق وعلاقات المعرفة وأساليب التفكير والطقوس العامة وعلاقة الإنسان بالحياة والمجتمع، ويوفر ذلك للثقافة طاقة بناء مكوناتها الأساسية. حينئذ تتلقفه القوي المسيطرة هابطة على الجماعات والأفراد بحسب مواقعهم. فلا يوجد مجتمع أيا كان دون إنتاج التقديس الضمني لبعض القوى، بدءاً من القوى الميتافيزيقية والمتعالية وانتهاءً بأشخاص لهم سلطة الرمز في ارتحالاته عبر الذاكرة الجمعية، واستقراراً لدى هيمنة خطابات سياسية لا تقرر كيف نفكر فحسب، بل كيف نحيا كذلك، ولا تدعنا سوى فاعلين بالإنابة.

إنَّ تاريخ الثقافة العربية يتراوح بين هذا القبض والبسط، بين الاختزال والانفتاح، بفضل نزوع تراثي يتغلغل في تفاصيلها رجوعاً إلى التقديس، وهي ما غيَّب موضوعاتها الأصلية؛ أي تم تغييب الجوانب الانسانية الحقيقية، لحساب التقديس في مواقع الهيمنة (سياسياً ودينياً واجتماعياً) على الكل الثقافي، مثل مكانة الحكام، أصحاب السلطان، الخطابات الرسمية، العادات والتقاليد الغالبة بصرف النظر عن حقيقتها.

 

د. سامي عبد العال

...........................

1- على الرغم من أن الفِرق الإسلامية قدمت رؤى مهمةً أثناء مناقشة القضايا الدينية الخاصة بحرية الإرادة، ووجود الله وصفاته وأفعاله، إلاَّ أنها رؤى تستمد وقودها من الزعم الضمني بامتلاك الحقيقة، بفضل التوحُد المباشر مع لفظ وعبارة القرآن الكريم، وفي نفس الوقت يستعملون آليات تأويلية للوصول إلى مقاصد الآيات القرآنية، ولا أبلغ على ذلك من تأليف المصنفات المتعددة في متشابه القرآن، على افتراض أن هذا الجانب غير محسومٍ ويحتمل وجوهاً كثيرة، يمكن أن تتسع فيه الادعاءات لتغطي على الادعاءات المقابلة، وهي- سواء أكانت هذه أو تلك- تتحدث باسم الحقيقة وحدها، وهذا سبب ربط القاضي عبد الجبار بين الحديث عن دلالة ألفاظ القرآن وبين معرفة الله سبحانه وتعالى (القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني، متشابه القرآن، الجزء الأول والثاني، تحقيق عدنان محمد زرزور، دار التراث، القاهرة الطبعة الأولى 1969، ص ص 1-4). ومع أن القاضي عبد الجبار من أعلام المعتزلة، إلا أن تحليلاته وتأويلاته تستند إلى فهم معين للحقيقة الدينية من خلال نص القرآن، وهو فهم لا يضع في حسابه الاختلاف حول الحقيقة وماهيتها، صحيح أن الكتاب المشار إليه مليء بالردود والحوارات، غير أن هناك فعلاً يقينياً ينبني عليه الكلام بالإحالة إلى مصدر القرآن بوصفه كتاباً إلهياً، وهذه النقطة ثمرة التأكيد على ضرورة معرفة الله كمقدمة لمعرفة دلالات ألفاظ كتابه، بينما تُستّمد معرفة الله من عبارات المعتزلة ورؤيتهم على الأقل لاتساق الرؤية مع مقدماتها.

2- ابن منظور، لسان العرب، المجلد السادس، ص907.

3- المرجع السابق، ص907.

4- أخطر ما تركه مفهوم التَملُك للتراث النظر إلى الرؤى الأخرى بمقاييس أخلاقية، فهناك أقوال تصب اللعنات على المستشرقين، وعلى أنهم سبب الفتنة والخلل في الثقافة العربية عموماً، بل اعتبرهم البعض سبب تأخُرنا الحضاري لأنهم أداة الاستعمار معرفياً. وبرغم أن هذا الحال له مبرراته، إلاَّ أننا لم نقدر مجهوداتهم لقراءة التراث ولا حتى لتوثيقه، ولم نمتلك مناهج تكافئ مناهجهم، لدرجة أن مفكراً كإدوارد سعيد قال ذا مرة: إن أهم ما فعله المستشرقون أنهم لم يرسموا صورتنا وصورة التراث العربي لدى الغرب فقط، بل نجحوا في إقناعنا بها كذلك. لكن لا ينبغي أن نقابل ذلك بالخطاب الأخلاقي الزاعق بل بالتحليل والقراءة المتأنية.

5- لا يوجد تراث بدون تراثات متنوعة. ونستطيع توضيح الفكرة في عدة نقاط. أولاً: من الصعوبة بمكان تحديد مكونات التراث في اتجاهٍ وحيدٍ، لأنه عمل جمعي يتم بشكل عام، ويتحقق على نفس الصعيد. ثانياً: العمل الجمعي يتميز بأنه يربط مجموعات عرقية ودينية وثقافية برباط متنوع الأوجه، فهم إجمالاً يفهمون منه ما يُبقِي تنوعهم سارياً. ثالثاً: تظل مواقفهم ضمن هذا التراث جزءاً لا يتجزأ منه، بمعنى أنها تدخل فيه التنوع، لأنها انعكاس لأنماط التفكير والعيش. والسؤال المنطقي كيف يجرى ذلك بالانفصال عنه؟ رابعاً: طالما أن التراث تاريخ وفوق ذلك هو يقع داخل حيز التراكم، فمن قانون التراكم أن لا تتفق مراحله ولا تكراراته المتعاقبة مع بعضها البعض، حتى وإن كانت ترجع إلى أصولٍ واحدةٍ.

6- مادام الدينُ فعلَ إيمانٍ، فهو يتضمن الاعتقاد والحقيقة والفعل، غير أن التطرف يأخذ أبعاداً أخرى. حيث يُكرّسُ فعل الإيمان، كي يكون فعلاً للاستحواذ على الآخرين. ولأن الإيمانَ يتعذرُ بلوغه إلاَّ فردياً، فيتم تعويض المسافة بين الخاص والعام بممارسة الإكراه على الإيمان ضرباً عليه (وتشدداً به) كي يغطي هؤلاء ولو عنوة، أو التعبير عنه في درجاته القصوى التي يصعب تعيين حدودها و إيقافها. وهذا ما يسمى بالتطرف، ولذلك ليس التطرف إمساكاً للأمور من طرفها القصي، بل هو في جوهره اعتقاد يقع بالتأثير وبالفعل العنيف على الآخر. وهو ما ينتهي بمحاولة الهيمنة عليه والتفتيش في دخائله وكيانه النفسي والجسدي. فالمتطرفون دينياً يؤكدون على ضرورة الإيمان، وكذلك على حتمية إخضاع الجسد لذات الإيمان شكلياً. من هنا انتشرت بعض العلامات الدينية الخاصة بالملابس والأزياء واللحى وهيئة السير والحركة والإيماءات والوجوه والمشرب والمأكل.

7- ليس المعنى كما ترى النظرية التحليلية عبارة عن معاني الوحدات (الأجزاء) التي تكون الجملة أو الخطاب. الأقرب إلى المقصود أنه التاريخ الاشتقاقي Derivational history للتعبيرات والجمل. فهذا التاريخ يبرز انفتاح اللغة على تحولات الألفاظ وربطها بالسياقات الجارية. فالتاريخ الاشتقاقي – مع سلطة اللغة والثقافة- يبرز المعاني بصورة جديدة.

M. Janssen, Composition of Meaning, Concise Encyclopedia of Philosophy of Language, Edited by Peter V. Lamarque, R. E. Asher, Pergamon, New York, 1997. P 103.

Pierre Guiraud, Semiology, Translated by George 8-Gross, Routledge& Kegan Paul, London and Boston, 1975. P 40.

9- أشار الفارابي بحدسه الفلسفي إلى تضامن اللغة والثقافة السائدة، فهو يرى كون أنشطة اللغة مؤدية إلى تأكيدها. هذا ما يراه بصدد تعريف الخطابة والشعر وعلم اللسان معاً: " الخطابة جودة اقناع الجمهور في الأشياء الي يزاولها الجمهور وبالألفاظ التي هي في الوضع الأول على الحال التي اعتاد الجمهور استعمالها. والصناعة الشعرية تخيل بالقول في هذه الأشياء بأعيانها. وصناعة اللسان إنما تشتمل على الألفاظ التي هي في الوضع الأول دالة على تلك المعاني بأعيانها". (أبو نصر الفارابي، كتاب الحروف، تحقيق وتقديم وتعليق، محسن مهدي، دار المشرق، بيروت لبنان، الطبعة الثانية 1990. ص148.). ونلاحظ أن الثلاثة (الخطابة والشعر والسان) أنشطة لغوية وتحمل أبنية ومفاهيم جارية. يرجح تلك الفكرة أنها تؤكد بحسب آلياتها المعاني التي يقبلها الجمهور، أي الثقافة السائدة. فعين اللغة يتداخل مع عين الذائقة العامة وعين المعاني المطروحة.

Ernest Cassirer, The Power of Metaphor, in: Pierre 10-Maranda, Methology, Penguin Modern Sociology Readings, London, 1972. P23.

11- مفهوم "الكل" مفهوم غائب لدى معالجة التراث. وهو يتضح بتعريف إدوارد تايلور للثقافة بوصفها ذلك الكل الذي يشتمل على العادات والتقاليد والفنون والمعارف التي ينتمي إليها الإنسان بوصفه عضواً في جماعة، لكن يمكن تحميله بآليات أو معالم تتسق مع حقيقته فلسفياً وبيولوجياً ووراثياً ولغوياً، مثل : الاكتمال وعدم الاكتمال، الحضور والغياب، الماضي والمستقبل، الجدة والتكرار، المعنى واللامعنى، الحقيقة وحقيقة الحقيقة، التاريخ واللاتاريخ. وهي معالم أطرحها بوصفها أفعالاً له تعتبر متزامنة ومتداخلة معاً. وهي أيضاً مهمة لفهم حدود التراث وكيفية وجوده الافتراضي من خلال الظواهر الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والدينية. ولهذا المفهوم وظيفة التكوين حين نتحدث تاريخياً عن التحولات و الإشكاليات الاجتماعية، وله وظيفة القانون و يساعد على بلورته، فلا مجال أمام أي قانون سواه، كما أن هذا الكل يحتفظ ببذور التاريخ في متصله الدائم. ويتم استعماله في الدراسة بمضمون قرائي يكشف طبيعة تصورنا للتراث.

12- الجابري، التراث والحداثة، ص21.

Hans-Georg Gadamer, Philosophical Hermeneutics, 13-Translated and Edited by David E. Linge, University of California press, Berkeley Los AngelesLondon P.56.

14- "ما في اللغة من لغة" عبارة مهمة بصدد استعمال اللغة استفهامياً، فلا استفهام ينتج فكرةٍ دون التذكير بأن اللغة قابله الاختلاف. وهذه العبارة نفسها تحتمل وجهين، الأول أن هناك ما ليس بلغة في اللغة، وهذا أمر فعلى كما أشرت إليه باعتبار اللغة مؤسسة مادية يمكن امتلاكها أو توريثها، وعادة ما لا تخرج من يد السلطات المهيمنة، فهل يمكن لأحد أن يتكلم بشكل حر؟! إنه حتماً يبدأ بلوازم لغوية مثل الافتتاحيات الدينية، أو الشعاراتية أو الأخلاقية. وهي جميعها تدلُ على عدم وجود لغة تتمتع بقدرات خارج الحضور السلطوي. أما الثاني فاللغة يَصعُب أن تخضع لتلك الهيمنة، فهي حقيقةً تنطوي على ألفاظ تعبر بنفسها اعتماداً على الألفاظ المختلفة لتُبرِزُها وهو ما يُعرف بنظام الاختلاف، نظام يجعل المتلقي والمتكلم يعايش تجربة التناقض والمفارقة في شكل التعبير.

Martin Davies, Meaning Quantification, Necessity; 15-Themes in Philosophical Logic (International library of philosophy) Routledge and Kegan Paul , Boston London 1981. PP.9-10.

16- Paul Ricoeur, The Conflict of Interpretations; Essays In Hermeneutics, Edited by Don Ihde, Northwestern University Press, Evanston III1974. PP65-66.

17- Jacques Lacan, ''Subversion of Subject and Dialectic of  Desire''; Jacque Lacan, Ecrits; A selections, Translations from French by Alan Sheridan, Tavistock Publication, 1977.PP.315-316.

 

علي محمد اليوسفتقديم: مذهب وحدة الوجود لا تنحصر مداولته فلسفيا فقط بعيدا عن الاديان حيث لا يخلو دين من الاديان في العالم قديما وحديثا من مذهب وحدة الوجود والفرق الصوفية التي تدين به. ومذهب وحدة الوجود مبحثا إشكاليا على صعيدي الاديان والفلسفة على السواء. وتختلف معالجته في تداخله بين الدين والفلسفة، ونتطرق بهذه المقالة الى مفهوم وحدة الوجود في فلسفتي اسبينوزا المثالية وهيجل ألتأملية المادية.

وحدة الوجود في الفلسفة

" مذهب وحدة الوجود عند اسبينوزا يشبه الى حد كبير وحدة الوجود عند هيجل. وأكثر مما يشبه وحدة الوجود عند الهنود ألمايا)، ويقرّ هيجل على أن اسبينوزا كان محّقا الى حد ما عندما تصّور المطلق جوهرا واحدا، لكن المطلق بالفهم الفلسفي الهيجلي أبعد ما يكون عن فهمه أنه جوهر. لذا نجد وجوب معاملة الجوهر "ذاتا" وليس هناك شيء بالمطلق لا يكون عقليا، من الممكن معرفته وتصوره عقليا(. 1 ..

توضيح مبدئي

- وحدة الوجود عند اسبينوزا حين يلتقي مع فهم هيجل، فهذا مؤشر على وجود إختلاف جوهري كبير بينهما يصل مرحلة التضاد. أهمها بداية أن أسبينوزا يفهم وحدة الوجود فلسفيا بمرجعية لاهوت الإيمان الديني بالخالق خارج الإيمان بالمعجزات، في حين يعمد هيجل فهم وحدة الوجود من منطلق فلسفي مادي على صعيد الفكر لا ديني يقوم على وحدة الادراك الكليّة العقلية في نزعة واقعية مثالية لا ميتافيزيقية..

- اسبينوزا يرى بالمطلق الأزلي الشامل الإلهي جوهرا لا يمكن إدراكه خالق غير مخلوق، بدلالته ندرك الجواهر الاخرى في الطبيعة والاشياء. بينما نجد النزعة العقلية لدى هيجل تذهب خلاف اسبينوزا أن الله والطبيعة والانسان والميتافيزيقا تقوم على فكرة مطلقة واحدة عقلية لا دينية تجد أنه لا يوجد شيء حتى الروح لا يطالها الإدراك العقلي. فكرة المطلق الهيجلية تجدها تمّثل مدركات موجودات الواقع في كل شيء يدركه العقل.

- مفهوم الجوهر يختلف تماما بين الفيلسوفين، ونجد هيجل متناقضا مهزوزا في فهمه الجوهر الذي يقصده اسبينوزا ولا يؤمن به، حيث يقول هيجل : اسبينوزا على حق في إعتباره المطلق هو جوهر لا يمكن إدراكه، ليعود ينقض قوله هذا أن المطلق لا يلتقي الجوهر وهو خال من جوهر لا يدركه العقل. تناقض هيجل يتعدّى هنا مفهوم الجوهرفي الوجود الى الفكرة المطلقة التي يطال فيها العقل كل شيء. هيجل يرى المطلق هو الواقع الذي يدركه العقل. مطلق وحدة الوجود عند هيجل هو مطلق إدراك العقل لكل شيء يكون موضوعا لتفكير العقل به.

- هيجل لا يؤمن بجوهرمثالي غير عيني غير مدرك لا على مستوى الطبيعة ولا على مستوى المطلق الكوني الالهي. لذا يدعو الى معاملة الجوهر "ذاتا" يمكن حدّها وإدراكها العقلي المباشر في التعامل معها، وهو خلاف صميمي بالإجهاز على فكر اسبينوزا وجود جوهر كليّ شامل متكامل نعرف الوجود كاملا بدلالته. حينما نعامل الجوهر) ذاتا ) كما يرغب هيجل نعامله كمدرك عقلي، يمكن تذويته بالموجودات التي ندركها على أنها صفات خارجية هي ماهيّة لا يحتجب جوهرا وراءها، وهذا ينطبق على الحيوان والنبات والجمادات التي تكون جواهرها هي صفاتها الخارجية المدركة في ملازمة وجودها الواقعي. لذا يوجد من يعتبر كائنات الطبيعة ما عدا الانسان جواهرها الماهوية تسبق وجودها في الطبيعة وعلاقة الانسان بها. بخلاف الانسان وجوده المادي يسبق ماهيته كما رسّخت ذلك الفلسفة الوجودية الحديثة.نستدرك أن معظم الفلسفات المعاصرة والحديثة تذهب الى أن جميع كائنات الطبيعية هي بلا ماهية ولا جوهر خفي، وصفاتها الخارجية المدركة هي ماهيتها وجوهرها ايضا.

- إعتبار الجوهر ذاتا كما يدعو هيجل يعني يمكن إدراك جواهر كل الاشياء عقليا حسّيا كصفات خارجية للموجودات، وإذا سحبنا هذا التصور التذويتي في تشييء الخالق الجوهر المطلق )ذاتا ) عندها يتاح للعقل إدراكه وينسف معنى التصور الديني الاسبينوزي أن الجوهر لا يدرك عقليا بل يحدس بمخلوقاته وموجودات الطبيعة. والجوهر عند اسبينوزا هو سبب الموجودات وليس نتائج محتوياتها. ولا يدرك الجوهر الإلهي بدلالة موجوداته بخلاف ما يعتقده العديد من الفلاسفة.

- اسبينوزا يعتبر الجوهرالانساني سابقا على الوجود الشيئيء بخلاف الفلسفة الوجودية تماما، بمعنى ما عدا الانسان الذي لا يمكننا معرفة جوهره من ناتج ومحصلة إدراكنا لصفاته الخارجية، وجود الانسان سابق على ماهيته وجوهره الذي هو تصنيع ارادة ذاتية خاصّة بالانسان في حين نجد الحيوان والنبات والجمادات لها صفات فقط خالية من إحتجاب جوهر داخلها، وماهيتها كصفات وسائلية للانسان تسبق وجودها الانطولوجي. كل شيء تحتويه الطبيعة ما عدا الانسان هي موجودات لا تمتلك جوهرا.

- حين يعتبر هيجل المطلق ذاتا يعني أضفى عليه صفة الإدراك الممكن له، وبذلك يفقده خاصّية الجوهر المطلق الإلهي في تعاليه على الطبيعة والكون والانسان. حين يقول اسبينوزا في معرض محاججته عن الجوهر إنني لم أنزل التعالي الإلهي الى مصاف الطبيعة الارضية في وحدة الوجود، بل حاولت رفع شأن الطبيعة بتقريبها من الجوهر الخالق لها، نجد هيجل أراد العكس في محاولته تذويت الالهي الشيئي كي ينزله من تعاليه على الطبيعة الى مساواته بها فيكون هذا التذويت التشييئي للخالق لا يختلف عن إدراك فكرة المطلق أنه يدرك كل شيء من ضمنها الذات الالهية فلا يوجد مطلق لا يدركه العقل لا دينيا ولا واقعيا كونيا ولا يبقى بعدها معنى ميتافيزيقي يراود قلق الانسان بالحياة..

- نجد من المهم توضيح أن هيجل لا يأخذ مذهب وحدة الوجود وسيلة ألكشف عن شك يفقد برهان ألوصول لإيمان ديني، بوجود الخالق كجوهر نعرفه بدلالة الاعجاز التنظيمي في موجودات الطبيعة، فالفكرة المطلقة عنده هي الكلّي الشمولي الادراكي، وهي كل الواقع والكوني الذي في قدرة العقل إدراكه. ليس للبرهان على وجود مطلق كوني إلهي لا يدركه العقل حسب مفهوم اسبينوزا، وهو خالق الطبيعة وقوانينها الثابتة التي تحكمها بكافة تكويناتها من ضمنها الانسان.

- هيجل لا يؤمن بميتافيزيقا خارج الطبيعة والمطلق الكوني رغم نزعته الفلسفية المثالية التأملية. ولا يوجد ما هو خارج قدرة العقل على إدراكه. والطبيعة والكوني حسب هيجل أنهما القوانين التي تحكمها ويدركها العقل كونه جزء من الفكرة المطلقة إن لم يكن هو كل تلك الفكرة.

تخطيط منقول لفلسفة هيجل برمتها

الهيكل التنظيمي لفلسفة هيجل كالتالي كما رسمها أحد المؤرخين الفلاسفة:

- الفكرة المطلقة = الواقع هو الفكرة في  ذاتها  وهذا يشمل (المنطق الوجود،الماهية، المفهوم( .

- .الطبيعة أو الفكرة لذاتها (الميكانيكا، الفيزياء، الكائنات الحية(.

-  الروح أو العقل يعني الفكرة في ذاتها ولذاتها وتشمل  (النفس، السايكولوجيا.

- الروح الموضوعي  (القانون، الدولة، الاخلاق)

-  الروح المطلق ) الفن، الدين، الفلسفة)

في هذا الترسيم المختصر لفلسفة هيجل نجده يعتبر كل وقائع وظواهر وتجليّات الحياة المادية والميتافيزيقية هي أجزاء تكوينية لعقل مطلق هو فكرة مطلقة تدرك كل شيء ولا إدراك لشيء خارجها يمكن أن يكون موضوعا لادراك وتفكير العقل به..

موجودات الطبيعة والجوهر

العبارة التي وقفت عندها متأملا هي مقولة سارتر) جوهر الانسان الحقيقي أنه بلا جوهر  (من السهل جدا أن نحسم خطأ العبارة بمصادرتها من نهايتها، ونقع نحن أيضا بالخطأ مع سارتر أن الانسان لا جوهر له في حين هو يمتلك جوهرا قيد التكوين والتصنيع مدى الحياة حسب فلسفة سارتر الوجودية نفسه. وكي نناقش العبارة نقول الانسان يمتلك كينونة وجوهرا، لكن متى يكون الانسان فاقدا جوهره ومتى يكون مالكا له؟

هذا يتوقف على المرحلة العمرية للانسان ويتوقف على موقفه النفسي الصحّي، فالطفل يولد موجودا بلا ماهيّة ولا جوهر، والجوهر الانساني في جميع المراحل العمرية هو عملية تصنيع ماهوي تلازم الانسان منذ الولادة والى الممات. أما المجنون فيكون يمتلك وجودا لا جوهر حقيقي طبيعي سوّي له.

تصنيع الجوهر عند الانسان يقوم على ركيزتين الاولى أنه يعي ذاته عقليا طبيعيا كموجود في عالم، والثانية يعي مدركاته الخارجية بنوع من المسؤولية التي تتطلب قدرة على إمتلاك الحرية في إتخاذه القرار الصائب. والجوهر الانساني ماهيّة يشّكلها الوعي الذاتي والمحيطي الطبيعي وتتجلى في صورة سلوك مجتمعي هادف بالحياة.

ولتوضيح أكثر نجد:

- الوجودية تؤمن أن الانسان موجود طبيعي نوعي قبل أن يكون جوهرا خفي، فالانسان يوجد أولا وبعدها تتشكل ماهيته أو جوهره ذاتيا حسب مؤهلاته وقدراته وإمكاناته الفردية ومميزاته الخاصة به كفرد.

- يمتلك الانسان جوهرا ماديا مكتسبا مصدره الحياة التي يعيشها وتجاربه وخبراته ومميزاته الثقافية والسلوكية في تكوينه لشخصيته. بمعنى الانسان يصنع جوهره بقواه وإمكاناته الذاتية.

- الانسان كائن نوعي موجود بالطبيعة جزء منها متمايزعنها بصفات العقل والذكاء والوعي بالذات والمحيط، إمتلاكه لغة تواصلية معرفية، شعوره بالزمن، إدراكه أن الطبيعة تحكمها قوانين طبيعية عامة ثابتة، كما أن الانسان يعي حاجته للطبيعة ولا تعي الطبيعة حاجتها للانسان. وغيرذلك مما تفتقده الطبيعة ويمتلكه الانسان مثل الوعي، المخيّلة، العواطف، الاحساسات، والمشاعر الخ.

أصبحت لدينا مقولة سارتر أن جوهر الانسان الحقيقي  بلا جوهر، صحيحة تحمل إمكانية تخطئتها كما مر بنا توضيحه. والآن نعود لطرح تساؤل يخّص موضوعة وحدة الوجود، ما علاقة مذهب وحدة الوجود بالطبيعة من غير الانسان.؟ مذهب وحدة الوجود هو نزوع صوفي ديني ليس لإثبات الوجود الانساني كما مر بنا وإنما لإثبات وجود الخالق كموجود لايدرك بذاته ولكن يمكن إدراك وجوده من خلال تقصّي وجود الجوهر في نظام الطبيعة. جميع الكائنات من موجودات الطبيعة الحيوان، والنبات والجماد هي موجودات بلا جوهر يحتجب خلف صفاتها.وصفاتها الخارجية هي جواهرها.

لنأخذ مثلا هل الحيوان يمتلك جوهرا؟ أم لا يمتلك جوهرا وكيف؟ الحيوان لا يمتلك جوهرا متمايزا عن صفاته الخارجية لا في داخله ولا في سلوكه خارج صفاته. والقول في منطق وحدة الوجود حسب فلسفة اسبينوزا أن جميع الكائنات في الطبيعة من ضمنها الانسان تمتلك جواهرا مستمدة من جوهر مطلق خالق لها غير مخلوق وهو فوق إدراك العقل، جواهر يستطيع الانسان إدراكها في مخلوقاته ولا يستطيع إدراكها في خالقها الجوهر الكلي المهيمن عليها، هي نوع من المنهج الذي يصادر برهان تحققه. بمعنى النظام الطبيعي الإعجازي في قوانين الطبيعة الثابتة، يمتلك من القدرة والإمكانية ما هو فوق عقلي، وهذا النظام الإعجازي بالطبيعة لا يعني إمتلاك مكوناته لجوهر دفين موزّعا عليها يشير لوجود خالق عظيم ولا يشير لإثبات وجود موجودات لوجودها في الطبيعة كمظهر وجوهر متكاملين.. هذا التكامل من قبيل الحدس الايماني لا أكثر، إذ هل من المتاح لإدراك عقل الانسان إدراك جواهر الاشياء خارج صفاتها في موجوداتها؟ الجواب لا يمكن ذلك لأن تلك الموجودات والكائنات عدا الانسان  بلا جواهر خارج صفاتها.

لنأخذ مثالا الحيوان الذي هو أعلى مرتبة بيولوجية من النباتات والجمادات، فهو موجود بلا جوهر ولا ماهية. لماذا وكيف؟

- الحيوان لا يعي ذاته ولا يدرك الطبيعة ويفتقد اللغة وشعوره بالزمن من حوله إلا على نطاق ضيق جدا يتحدد في إشباعه لغرائزه الاكل والتكاثر ودفع الاخطار المحدقة عنه وعن نوعه. الطبيعة هي التي تعطي الحيوان صفاته الخارجية التي هي مجموع كينونته المنفردة كحيوان.

- الحيوان لا يمتلك ميزات إنفرادية نوعية كما هي عند الانسان مثل الذكاء العقلي، الوعي الذاتي، إمتلاك اللغة، الإحساس بالزمن وغيرها من صفات.

- الحيوان يكتسب صفاته الخارجية من خلال إذعانه المتكيّف بما تمليه عليه الطبيعة من غير إرادتها ولا وعي منها. عدم وعي العلاقة الحيوانية – الطبيعية من كليهما المشّكلين لها هو سبب إمتلاك الحيوان قدرات التكيّف الطبيعي البيئي كي يبقى حيا. وانثربولوجيا تاريخ الحيوان تؤشر لنا إنقراض العديد من السلالات البشرية والحيوانية على السواء لفقدانها قدرة التكيّف مع ظواهر طبيعية شديدة القسوة مثل الانهيارات الجليدية والفياضانات، والزلازل، والبراكين، وقلة الغذاء وهكذا. التكيّف الطبيعي يمتلكه الانسان والحيوان على السواء لكن بإختلافات جوهرية هامة. إذن علاقة التكّيف الحيواني بالطبيعة يجري بين قطبين هما الطبيعة والحيوان وكلاهما لا يتبادلان الوعي الادراكي بهذه العلاقة بينهما. فالطبيعة لا تدرك معنى تكّيف الحيوان في إستمرار بقائه، ولا الحيوان يدرك أن تكيّفه مع الطبيعة لا تعيه الطبيعة ولا تدركه.

- كذا نفس الحال يتكرر مع النباتات في علاقتها بالطبيعة فكلاهما لا يتبادلان الادراك المشترك بينهما. وليس مهما تفتيش الانسان عن جوهر يمتلكه النبات أكثر من إعتبار الانسان للنبات وسيلة الطبيعة في توفير إحتياجاته من الغذاء.

- أما الجمّاد الطبيعي غير المصنوع وجوده في الطبيعة من قبل الانسان فلا جوهر له خارج صفاته. وتختلف عن الجمادات التي يصنعها الانسان فهي لسد رغبته بالحاجة لها في تأمين خدمته. فالقلم يحمل ماهية إستخدامه من قبل الانسان قبل تحقق وجوده المادي كقلم، وكذا مع جهاز التلفاز أو مع أي شيء آخر مادي يصنعه الانسان لسد حاجته له، فهو يمتلك ماهية وجوهر وجوده بذهن الانسان صانعه قبل إمتلاك وجوده المادي حينما يكون فكرة صناعية في تفكير الانسان حاجته لها أن يقوم بصنعها فهو يعرف ماهيتها الإستعمالية قبل وجودها المصنوع.

فكرة المطلق والتجريد

هل يمكننا إستخلاص أن مفهوم الجوهر في وحدة الوجود الذي يفهمه اسبينوزا وسيلة ميتافيزيقية لتدعيم إيمان ديني بوجود الخالق، ويفهمه هيجل مطلق متعيّن في هيمنة العقل على كل شيء يمكن إدراكه لا وجود له هو فوق متعال عقلي يدركه العقل ولا يدرك هو العقل؟ فكرة المطلق عند هيجل إدراك عقلي، وفكرة الجوهر لا إدراك عقلي يطاله. كلا المفهومين فكرة المطلق الذي لا يفهم بدلالة الجوهر، ولا الجوهر يقبل الإستدلال العاجز التعريف به. يصبح معنا كلا المفهومين الفكرة المطلقة والجوهر تجريد فلسفي عاجز عن الوصول للمادة وإحتوائها كوجود.

هل يمكننا التساؤل أن خلع توصيف المادية العقلية على مطلق الفكرة الادراكية عند هيجل ينفي الجوهر كتجريد اسبينوزي غير موجود ولا يمكن البرهنة على إثبات هذا الوجود؟ كونه بالمعيار الهيجلي مطلق خارج ذاته، لذا وجدنا مطالبة هيجل معاملة الجوهر كذات أو ذاتيا أي بمعنى الجوهرالالهي في تذويته بخلاف اسبينوزا يصبح قابلا للادراك العقلي. ويعود هيجل رد الإعتبار الذي أجهز عليه اسبينوزا الى الرجوع للمقولة التي كانت متداولة فلسفيا لعصور طويلة أن الجوهر يعرف بدلالة الوجود المادي، وليس كما عكس اسبينوزا المعادلة أن الوجود يعرف ويدرك بدلالة الجوهر الذي لا يمكن إدراكه خارج التسليم الايماني الغيبي الاسبينوزي في وجوده الطبيعة قبل السماء. لازال الفلاسفة يتغاضون عن التفسير الاسبينوزي حول أن الجوهر مطلق كوني يحتوي كل شيء في الكون، كون هذا التفسير الاسبينوزي يستند الى مرجعية دينية لا تأخذ بها الفلسفة. فالفلسفة ترغب معرفة الجوهر ليس وسيلة إثبات برهاني حدسي ديني، بل بوصفه مبحثا فلسفيا معرفيا قائما بضرورة حسم الجدل النقاشي له..

يذكر بعض المعنيين بتاريخ الفلسفة الى أن هيجل كان يردد دائما مقولة اسبينوزا (كل تحديد هو سلب(   بمعنى كل تحديد لمواصفات شيء مدرك شيئيا يسلبه صفاته الايجابية الاخرى، فالتحديد الشيئي هو مدرك متعيّن الصفات، ولا يمكن للفكر المجرد إضافة مواصفات إنتزعها التحديد له. تحديد الشيء بمواصفات معينة يعني غلق الإمكانات التجديدية له وجعله كينونة مقفلة.

من الغريب أن نجد كلما أوغل اسبينوزا وشيلنغ في تأكيدهما المطلق هو إدراك عقلي مجرد، بمعنى هوية بلا مضمون في حين يصر هيجل أن المطلق أكثر الاشياء عقلانية إذ يعتبره محتوى أدراكيا عقليا وليس وسيلة ادراك معرفي بدلالته. يفهم هيجل المطلق أنه يستوعب مدركاته، في تكوينه العضوي الإحتوائي بلا تفريق بين ما هو مادي عما هو تجريدي غير مادي.

المطلق عند كل من اسبينوزا وشيلينغ هوجوهر كلي مجرد عن ماديته،  فالجوهر عندهما محض هوية مجردة لا تحتوي المادة، وتعرف كل الاشياء المادية بدلالة هذا الجوهر الكلي الالهي غير المدرك.  وينكر هيجل المطلق هو دلالة بلا مضمون بل هو عيني يحتوي الواقع بكل شيء، ولا يحتويه شيء، وأنكر مقولة شيلنغ "المرء لا يمكن أن يكون أكثر من موجود " أي موجود لا يمتلك جوهرا. وهذه نظرة تجريدية تنزع من الانسان جوهر انسانيته التي تميزه عن باقي مكونات ومخلوقات الطبيعة التي هي فعلا موجودات لا جوهر لها في بقاء الانسان كينونة وجوهر.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

هامش : 1. وليم رايت /تاريخ الفلسفة الحديثة /ت: محمود سيد احمد / تقديم ومراجعة امام عبد الفتاح ص 319

 

 

سامي عبد العال"في عمليات التفكير الحُر والمختلف، لا تهدأ الأسئلةُ أبداً، ولن تتوقف قبل أنْ تدفعك إلى حافة الجنون... حافة يصعب تجنبها دون عقلٍ مغاير"

التفكير على نحو مختلفٍ فلسفياً أمر شائك الحدود. لأنَّه يتطلب منك انتماءً وانتهاكاً لمفاهيم معينة في الوقت نفسه. وقد لا تعرف إلى ماذا تنتمي .. وماذا تنتهك.. ولا كيف يتم الاثنان!! هل تنتمي إلى جذور فكرية ما، تأصيل ما أم تحطم أكثر الأشياء يقيناً؟! وبخاصة أن الموضوع مرتبط بالتساؤل كطاقة فلسفية philosophical energy وله – بحكم منطقه المفتوح- أن يرسم آفاقه كيفما يتداعى. فالأسئلة لا تخلو من رؤية جذرية لمفاهيم كبرى في تاريخ الأفكار مثل: التراث، الحقيقة، الإنسان، المجتمع، العالم، اللغة، الزمن ذلك بحكم صياغتها والخلفيات الفلسفية التي تحملها. إن تفكيراً استفهامياً كهذا يخترق الانغلاق وينتهك الحقائق المعطاة لدرجة السذاجة. حيث ستنهار المذاهب والأيديولوجيات المغلقة كما تذوب جبال الثلوج أمام تواتر الأسئلة. وعليه سيكون الطريق موحلاً بالمشكلات ومضفوراً بالمزيد منها. تحديداً إذا أخذنا هذا في سياق الفلسفة المعاصرة التي تهتم بالتفكير كنشاط وتطرح موضوعات غير تقليدية. تلك الفلسفة التي ليست أنساقاً بمعناها المعروف، إنما طرحت شذرات خيالية وآثاراً وطرائق وأساليب بشتى الخطابات. مع ذلك لنحاول طرح ونظام السؤال كتفكير فلسفي يشتبك مع هذه المعاني. ولنغامر كيف سيصاغ من جديد.

وضع اشكالي

عند طرح " السؤالُ " كصيغة فلسفيةٍ بتوقيع " المذهب ".. هكذا question-ism؛ أي باعتباره بصمةً قاموسية دالة على نظامٍ لفكر ما، فماذا سيحدث له؟ ولماذا هذه الإضافة العامة الخارجة عن السياق المحدود؟ وأيُّ جديد سيقدمه السؤال إجمالاً حين يعد توجها فلسفياً؟ هنا يقتضي المجال ذكر مبررات تلك العملية وكيف تتطلبُ أفقاً لإطلاق معناها، إنْ لم تُثر الطاقة المعرفية لجوهر الأسئلةِ. لكن قد ينزلق المعني نحو طريقٍ جانبي مغاير وبخاصة إلى فهم القارئ بأن السؤال قد يتحول إلى فكرة مغلقة. لهذا يجب على السؤال الحذر من شَرَك الأيديولوجيا وفخاخها، ومن السقوط صريعاً لقَدَرهِ اللغوي. بحكم أنه صيغة لغوية محدودة بما يرد خلاله، فضلاً عن أنه يرتبط بوظيفة تعبيرية معينة داخل النصوص والفكر.

في المقابل لعلنا نلاحظ أنَّ صيغة (التساؤلية) جَمعت ما لا يُجمع. كما يوجد بمتنها اللفظي حيث "المبدأ والحركة" جنباً إلى جنب. فالسؤال يتفاعل كاستفهام مفتوح مع فضاءات المذهب والأيديولوجيا واللغة. وقد يبادلها نفس القُوةِ والضربات. وإذا كان مدلول المذهب يقف فلسفياً عند حدِ التضخم الدلالي، فمع التقاء (الاستفهام وافراط وجوده) سنرى كيف يتعايشان؟ وبأية طريقة سيحدث تجاوز للمذهبية؟

تتكون صيغة " التساؤلية " أولياً من: question؛ أي الاستفهام طلباً أو بحثاً أو تحقيقاً أو تدقيقاً. إلى هنا ليس ثمة مشكلة ظاهرة. لكن يأتي المقطع: ism ليُعتبر الطلب نشاطاً تساؤلياً ذات معطيات وأفكار لا تتوقف. وفي عين الوقت يغدو فضاءً للتفكير الحر لأن التساؤل حر في طرحه وتأثيره. إنَّه دائماً نشاطٌ زائد عن الحد، عمل يتجاوز أفقاً اعتيادياً للرؤى. بتلك الوسيلة، تتخلل الاستفهام أبعادٌ فلسفيةٌ على نحو ٍمن الأنحاء، لقد وُضِعْت له مهمةٌ أخرى بجوار (وداخل) طرحه تطلعاً إلى مضامينه الاشكالية، ليصبح معْنيّاً بالتفكير الفلسفي إزاء القضايا والموضوعات والنصوص.

ربما يقول القارئ إن هناك المقطع (ism ) وهو مجرد لاحقة لغوية ليست إلاَّ، وربما تقف لدى معطيات الفكر ولا تتخطاها. هذا واضح من الصياغة بالفعل، لكنَّها بادئة تمارس دورها عبر الفكر (تنْخُره) مع عمليات تلقيه. خاصةً أنَّ الإيزم (الإيزمية) بمثابة "الختم التاريخي" لمعجم الكلمات الكبرى، وهي نظام فكري وراء الممارسة دالاً على طرائق الفهم والتحليل. فالتساؤل إنْ لحق به شيءٌ ثابت (مثل معنى النظام أو النظرية)، فأنَّه سيتفلّت منه، فارضاً نظامه الخاص. ويمكننا الإشارة إلى كونّه سيفرض أيضاً أداءه النوعي مستثمراً موارد الأفكار المتاحة.

إذن طالما يلحق المقطع ism بالسؤال، فلا يعني تقييداً لإمكانياته. بل يمكن اعتباره أثراً، هو ضربة مفهومٍ كلي ارتخت قبضتُه، ويعد شيئاً مفقوداً خاصاً بسياقه أو إطاراً تتردد أصداؤه ولا يتحدد كيانُه على غرار المذاهب الفلسفية. ويبقى الاستفهام منطوياً على خطورة فلسفية تقوم بهتك أسرارها الدفينة. والخطورةُ سْمِها رغبة الكشف، سْمِها تجاوز الطرح، سْمِها مغامرة الفهم، سْمِها مِراناً لقراءة مختلفة إزاء القضايا والموضوعات، إلاَّ أنَّها عميقة بشكل غائر كهيكل قديمٍ وكحفريةٍ لا ينتهي التنقيب عنها تساؤلياً.

إذن.. لماذا نتساءل؟ لِمَ التساؤل رغبة أصيلة لدى الإنسان؟! فالإنسان كائن متسائل بشكل شرس؛ أي كائن يعيش داخل عالم من الأسئلة. حياته سؤال، موته سؤال، كيانه سؤال، نظراته سؤال، علاقاته بالآخر يكشفها حدُّ السؤال... وهكذا على هذا النحو يأتي غيابه، شقاؤه، نزقه، سعادته، مأساته. وأزعم أنَّ استفهاماً أو آخر يشغل خيال الإنسان وغرائزه، لأنَّ السؤال يباطن الرغبة كدال أنطولوجي لا يتوقف عن الإشباع. فالاستفهام يتناسل باستمرار متطلعاً إلى فيض علاماته.

لهذا ينصرف المقطع ism إلى معانٍ لها آثارها على التساؤلية question-ism، فهو يعبر عن.

1- عمل، ممارسة، تجربة، كما في كلمة (النقد) criticism. وتتأرجح الدلالة خلال عملية الاستفهام لها آليات وآفاق وتحولات (على غرار التنويم المغناطيسي) hypnotism. فالتساؤل تجربة استغراق تأمل.

2- طريقة في العمل لشخص ما (مثل كلمة الطغيان) despotism. والأسئلة تُطرح باقتضاء الاجابة وبالأدق نظام الاستجابة. يتمتع كل استفهام بشخصيته المتخيلة وبإلحاح طرحه.

3- حالة خاصة لكيان معين (كما في كلمة الهمجي) barbarism. فالتساؤل لا يُغلَّف بشيء مصطنع، إنه يجيء عارياً ككائن بري غامض لم يعرف قواعد ولا بروتوكول للضيافة.

4- حالة غير سوية نتيجة الإفراط في شيء (مثل كلمة إدمان المورفين) morphinism. لأن التساؤل افراط في حالة اندهاش، إدمان لمعنى البحث والتقصي، إدمان للشكوك بصورة لا تحتمل.

5- صفة مميزة (كالأسلوب العامي) colloquialism؛ أي نبرة مبطنة، لكْنَّها مميزة، تخرج تلقائية فتستوجب الملاحظة والانتباه. والأسئلة دوماً هي مركز الانتباه فيما نطرح.

في الفرنسية القديمة يعتبر لالاند الفعل quaerere رابطاً للسؤال (أو المسألة) بمعاني الاستكشاف والاستطلاع. لتعبر كلمة السؤال question عن شيئين: أمر ما هو موضوع نقاش، موضوع يجري تناوله والتحري حوله. ويجري هذا التناول وفق مخطط ورؤية ولا يتم جزافاً: ويعبر عن فعل لساني قوامه الإعلام بوظيفة العبارة أو بمنطوقها، من خلال الإشارة (بالنبرة، بالشكل النحوي، أو بعلامة الكتابة) إلى أنَّ المطلوب من شخصٍ ما إما أنْ يكملها في الحالة الأولى، وإما أنْ يؤكدها أو ينفيها في الحالة الثانية (1).

إشارة لالاند السابقة مدهشة، نظراً للهوة غير المحسومة في كلِّ طرح للاستفهام داعياً إلى التعرف والترقب وانتظار الموقف وتجلياته. ولذلك لا يتحين السائلُ إمكانية الحسم من عدمه بهذا الصدد، فالاستطلاع اختبار وجس نبض تجاه شيءٍ ما. والعبارة دالة على توضيح المقصود وترك علامة على المعنى داخل الوظيفة القائمة بها. وهي علامة ثلاثية: التكملة – التأكيد – النفي. وهذه أوجه تساؤلية ناشطة للطرح كاستراتيجية للحوار والنقاش بصدد المشكلات.

قد يرى القارئ في صيغة التساؤلية question-ism تركيباً غير وارد بالمعجم اللاتيني والعربي. وهذه نقطة مهمة، لأنَّ نتوء المصطلح بخلاف المعتاد أمر لا يجنبنا نحته، ولا يثنينا عن ايجاد موضع له داخل نسيج اللغة. فأغلب المصطلحات لا تلتئم بسهولة مع معجمها، إنْ لم تكن لفظاً فعلى الأقل من جهة المفاهيم. واتخيل صعوبته في الانتظام وفق أنساق التفكير أكثر مما تتقبله اللغة. والأهم اتاحة فرصة لتراكمه الدلالي عبر الأصداء التاريخية لمعاني الاستفهام وكيفية استعماله. فهو يبني موقفاً وليس مسؤولاً عما يبنيه ولا يضمن بقاءه أبعد من مساءلته مرةً أخرى. إنَّها الإمكانية المشفرة لدلالة الاستفهام، فهل باستطاعتنا فك شفراته؟ كيف تُصاغ في النصوص والخطابات؟

التساؤل والتراث

ربما يَعني الاستفهام سؤالاً مقيداً خلال سياق بعينهِ. لكن ليس التقييد تحديداً لشروط طرحه بصدد موضوعٍ ضاغط كالتراث، ولا سيما خطاباته ومفاهيمه واحتواءاته. حدوث هذا يجعل قضايا المناقشة سهلةً. وقد لا تعوزنا أدنى مشقة، يكفي انهاء القضية بالضرب الحسابي: التساؤل في التراث، فإذا بالناتج ماثل بعد علامة (= يساوي) كإجاباتٍ وهميةٍ نبني بها قصوراً من رمالٍ. حيث سيكون السؤالُ مفردة فاقدةٍ التأثير. وسيظل التراث خيالاً سرابياً لم يمسسه استفهام، بل لن نعرف ماهيته، ولا كيف يجيء ويذهب مع كونه ماضاً؟!

ليست واو العطف بين التساؤل والتراث دالةَ عطفٍ منطقي بين متغيرين. ولا تشير حتى إلى تقاطع طرفين يأتيان بالاختلاف، فيسعى أولهما (التساؤل) إلى بلورة نشاطه الفلسفي والمعرفي، بينما ينفتح الثاني (التراث) أمامه بشفافيةٍ!! دوماً الاستفهامَ يعبرُ عن حقيقةٍ ما. يُرهصُ بها، ويتعقبُ خُطاها. فهي ليست حقيقة مفردةً بقدر ما هي "حقيقة مُؤسِسَة" لحقائق أخرى، لكن ما أكثرها تفلُتاً وروغاناً تبعاً لآليات الثقافة. من ثم لن يكف طابع السؤال فلسفياً عن الحفر تحت الركام حين تتغلغل الحقيقة عبر مجالات شتى.

لو طلب القارئُ توضيحاً، لا أملك مؤقتاً إلاَّ اعتبارها حقيقة تتوزع بين أبنية معرفية وعقلية وأخلاقية، تقف بطبيعة تكوينها في الظلِ الثقافي. هذا الظل الموضوعي الذي يغدو كقيظ الظهيرةِ، والذي يأخذ قوانينه وجوداً وتفاعلاً مع تمثلات التراثُ في حياتنا الإنسانية. ذلك نتيجة ما يفرضه التراث من كّونٍ مجازي allegorical universe أكثر أثراً من الواقع ذاته.

لكن.. أليس التراث موضوعاً مُسلَّماً به؟ ألاَ يُفترّض خطاباً عن الهوية والقيم والمجتمع والتاريخ؟ إذن سيشعر من يمر خلال (الظل الموضوعي) بحضور الماضي السحق. ولا يجد واقياً من الأسئلة دون أن تثار عدة مرات. إن للاستفهام خاصيته التي نُعرف على أثرها وجود قضية ما، لا نستطع حلها بسهولة، ولا كيف نتجاوزها. وإذا كان لا مناص من ذلك، فالطريق يَنشق خلال تلك العبارة: دعْ الأسئلةَ تنطلقُ إلى مداها الأبعد كيفما تشاء، ولا تحفر لها مقابر لتواريها. لا تأخذها إلى إجاباتٍ جاهزةٍ لأن الاجابات الجاهرة تقتل المعرفة (2).

نتيجة هذا يمكث التراث في منطقة المجاز، داجل حدود اللغة. وهي منطقة غير متاحة للوعي بوضوح، فنسبة الافتراض أكثر من الحقيقية، والخيال يلفهاً وجوداً وصياغة وامتداداً. فالتراث يُصنع أخيلته يومياً. ذلك لاعتبارات شتى:

أولاً: ينبثق التراث خلال اللحظة التي قد نتنكر فيها له. وهو كذلك حتى عندما يتنكر الحاضر له بحكم وجوده في الزمن الماضي. إنَّه يقع في جوهر عملية التفكير ذاتها ولا ينفصل عنها. فإمكانية أنْ تفكر معناه إمكانية أنْ ترث ثقافة وتاريخاً والعكس صحيح. ووضعهما تحت الاستفهام، فحواه أنَّ السؤال يقف بنا - موضوعاً وأداءً- لدى الأطراف القصوى للتفكير.

ثانياً: القضية المهمة هي كيف نترك أثراً، نقشاً، شقاً – قُلّ ما شئت- في بنية اللغة المتداولة (قيد التساؤل والبحث). فالاستفهام لن يؤثر دون الأسلوب الحفري في الاعماق. وعندما نسمح بتوالد جينات التساؤل (مواقفه) في جوانب التراث. فالمهم احتفاظ خطابات التراث المتداولة بجنينه الآخذ في النمو. ثم سيتكفل التاريخ باكتمال هذا الجنين ورعايته والبناء عليه سلباً وايجاباً. واللغة ليست مادة غير قابلة للمس، أنما هي لغة نظراً لاحتفاظها ببصمات العابرين خلالها. العبور بها لا يتم بين يومٍ وليلةٍ، بل يظل الإنسان عابراً طوال حياته، طوال تاريخه. فاللغة لا تتركه وشأنه طالما يستحيل تجاوزها لأننا نعيش عبر اللغة. وحين يظن الإنسان أنَّه تجاوزها إنما يعْبُر وهماً داخله بينما هي بلا نهايةٍ.

ثالثا: مُساءلة التراث ليست موضوعاً عادياً، إنها انفتاح فكري بخلاف الظن المتداول حولها. انفتاحٌ هو انتظار وتجدد للرؤى وللتاريخ. فالنبات لا يُبذر ولا ينبُت ولا ينمُو دون حالة انتظار. ولن يتم ذلك ً من غير أفق مختلف يخترق كل آفاقنا المعهودة. فالتراث افتراض وانتهاك، قيد وكسر معاً. لأنك تقف مع تراثك في الآن الزمني وحين تساءله تغدو قادراً على التجاوز والترحال.

رابعاً: طرح الاسئلة يتيح فرصة الفهم أبعد مما نفهم، التحقق من امكانيات التراث الغائبة، لا بصورة مسبقة إنما كما هي في ثرائه الكامن. ربما يغير فكرتنا عن مكوناته، سنعرفه كما لو لم نعرفه من قبل، حينما ننصت إليه عن قربٍ حيوي. وتلك علاقة (حية) مع التراثات المتنوعة والمضمرة فيه. لأنَّ التساؤلية استكشاف لأشياء عصيةٍ على الاستقطاب ولن يجدى معها التصنيف. فالاستفهامُ لا يصنف، لا يجدول القضايا في فئات زمنية. لعله ينطرح على نحو عاصفٍ، فإذا به يختبر تصوراتنا عما نألفه ونكرره.

التراث يُولّد من المستقبلِ

إزاء فهم العالم يكتشفُ الإنسان العربي وجودَّه من خلال تراثه وتاريخه. لا ليندفع بعيداً إنما يحاول إنبات جذوره مرةً أخرى، منتظراً خروجها شبه كاملةٍ في "وضع قابل للتحقق". وهنا المفارقة: تبدو الأحداث والعلاقات التي ينشدها مُعَدّةً سلفاً، بينما هي ترمي نحو مستقبلِ التفكير. فقد تترقبهُ بوصفها حاضنة للعالم المتوقَّع مع قادم الأيام. وإذ يسعى الإنسانُ والمجتمعُ لتقريب تلك الصور، فإنهما يأخذان مكانهما من المستقبلِ، مثلما يفعلان ذلك بسببه على الأقل.

إنَّه المستقبل ذاته الذي يضمن درجات ذاك التحقق التراثي. الحالُ يتبلور في قولنا المألوف بضرورة اتساق المجتمع العربي مع ماضيه، وذلك عبر شرعية قيمه ومآثره أحياناً، وأحايين أخرى بواسطة مرجعية ثقافية توفر تبريراً كافياً لممارسة نفس الأفعال لاحقاً. هكذا يدفعنا المجتمعُ ضِمنيّاً لكي يصبح أفرادهُ حالات متماثلةً مع حالاتٍ التاريخ والثقافة ونطاق الإرادة العامة. القضية كما تساءل زيمل Simmel كيف يكون المجتمع ممكناً؟ How is society possible?، حيث يفهم الإمكان بشكل جذري، فالوعي بالمبادئ المجردة التي تشكل المجتمع لا يتأتى فردياً، لأنَّه وظيفة لا إدراك فقط، ودوماً الوظيفة لها طبيعة المجتمع ذاته (3).

صحيح أنَّ التراثَ – بمعناه المباشر- تَكوّن في الماضي، إلاّ أنَّه يكتسب امتلاءَه من المستقبل بطريقةٍ أو بأخرى، نظراً للحاجة إليه مع الزمن الآتي. وهذه قضية بالغة الأهمية لفهم التراث ذاته. أقول مهمة لرسم خريطة سلطتهِ التي تتسع. لعلَّنا نفهم ذلك بفحص مدلولاته وأرصدته حين تلقى قبولاً عاماً، وحين يتم استدماجُها ثقافياً وفقاً للعلاقات السائدة فكرياً. وقد يستمر كذلك بما يَحملهُ من تقاليدٍ بفضل التربية إذ تشكل آليات لتلقين النماذج التاريخية، فضلاً عما يفعله التعليمِ من تخليقٍ للماضي مجدداً.

إنَّه "الخيال التراثي" عندئذ كتخليق للمستقبل بصورة تاريخية (مستقبل ماضٍ). على سبيل المثال شكَّلَ هذا الخيال حضوراً طاغياً ضمن أنماط التفكير والاعتقاد داخل الثقافة العربية الراهنة. وإن لم يأتِ حضوره من صور افتراضية للمستقبل ما كان ليقترن بالممارسة الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، وما كان ليسري في الأسماء والعبارات والشعارات والقوانين. لدرجة أنَّ هناك "استراتيجيةَ إزاحةٍ" إلى الأمام، يُخفِي بها سريانُ التراثِ نفسه واقعياً.

ويرتبط الخيال – إذا استعملنا مصطلح هيدجر - بسياسات الثقافة politics of culture، فالثقافة إضفاء للطابع الواقعي realizationعلى القيم العليا للإنسان بواسطة التنشئةnurture والتهذيب cultivation (4).

ففي الأخلاق يُقال - مثلاً- "كيف نأتي أعمالاً مشينة ونحن أصحاب الشهامة والفروسية العربية". العبارة ترتد بدلالتها إلى التمسك الزمني بما وجدنا عليه آباءنا. وداخل المجال السياسي مازالت الأفكار والممارسات السياسية ترتدي عباءةَ الدينِ في أشكالٍ رمزيةٍ. هناك مفهوم الجهاد، وهناك ألفاظ الأمير والسلطان والخليفة إذ تنشّط رصيداً خيالياً مرهوناً بالفكر الديني. وقد يَصرُخُ البعض بدولةِ الخلافة الإسلامية. حين ينهار بنا الواقعُ، تحت شعار براق "الاسلام هو الحل" (5). ويطالب آخرون بضرورة الوحدةِ العربيةِ، تعلُقاً بقبول صداها تاريخياً أثناء التحولات العالمية واستناداً إلى إحياء التراث الديني السياسي.

ليست تلك الشعارات عبارات طافيةً على السطحِ. هي غائرة الجذور بالوعي اللغوي– الوجودي، ومتعلقة أوثق التَعلُق بمحددات الثقافة العربية. بحيث تسمحُ هذه المرة بإطلاق العنان للتساؤل الجذري: كيف نفكر كعرب؟ أعني كيف نفكر داخل ثقافةٍ تقدم بهذه الوسيلة بديلاً مخدراً للمستقبل؟ ناهيك عن: لماذا نفتتح وجودنا السياسي الاجتماعي بواسطة اللغة؟ ولماذا عندما نفكر سياسياً وقت التحولات نعطي المستقبلَ مضمُوناً تراثياً؟ بصيغة أخرى: أية حقيقة وراء كون التراث رامياً بثقلهِ الناعم تجاه المستقبل؟.

لا تجري أسئلة كهذه إلاَّ للتفكير في عملية إلقائِها وأهمية التنظير لها. بحيث أن كلمةً كالخلافةِ مرةً ثانية، وهي كلمة قد ترد مصادفةً، تمثل مُفتاحاً أولّ لفهم التاريخ العربي (6). فهي ليست نقطة اللقاء بين الدين والدنيا وحسب، إنما هي كذلك رمز لسيادة الدين على الدنيا، ولممارسة هذه السيادة. لدرجة أنَّه إذ يتولى الحاكم منصب الخلافة يتصور كونه خلفاً للنبي بمعنى ما، وأنه قائم بأمر الله مؤتمناً على تنفيذ أحكامه (7). ما حدث أنَّ فعل التراث يُزيحُ الصورَ المعرفية للواقع. وعلى مداه البعيد يختلطُ بالحقائق ليُكّوِن الخلفيّةَ التي تأتي بها.

بالتأكيد لا يسمح بمرور أيةَ صورٍ إلاّ ضمن موافقته المعيارية. حيث تُوَقّع بعبارةٍ مأثورةٍ تتردد كثيراً "إنَّ مجتمعَنا مجتمعٌ عربي له قيمه وتراثه". وبالرغم من إنَّها لا تُنطق بنبرة الصواب والخطأ، سوى أنها تفيض باللغة. تجعلها في حالة تراكمٍ متواصلٍ. لتتكرر في سياق الحفاظ على الهوية، وبصدد اتخاذ مواقف حدية تجاه الحضارات الأخرى. وتُعمّم العبارة نفسها لتُطلّق إزاء الآخر المختلف عرقياً ودينياً. والتناقض الطريف أنَّها قد تقفز بالفكرة ذاتها على ألسنة أكثر الناس تمرداً. حين يتأملون حال المجتمعات العربية بوصفها حاملةً لأثقالٍ ثقافية صخريةٍ. اثقال من العادات والأعراف ممتلئةً بأشكال الذائقة الجمالية والتجارب الأخلاقية التي تكرس وضعاً نمطياً بينما هم يمارسون نفس الشيء.

إنَّ أسئلةً أُثِيرت وستُثار يمكن أنْ تقدم بعداً مختلفاً لفعل التراث. فالأسئلة "تقنية وجود" لكشف ما يبقى معنا من الماضي في أشكال ليست ماضوية. الأمر الذي يعود بنا إلى قراءة للتراث بوصفه أساساً يأخذ منحنيات توظيفه مستقبلاً. بالأدق مع توظيف المستقبل لخدمته من خلال طرائق التفكير العام. ولتلك النتيجة ساقان تسير عليهما.

الأولى: إعادة النظر في أفعال التراث كدوالsignifiers ذات معطيات لم تُقرأ جيداً أثناء معالجة قضاياه. وبخاصة حين تُقارّن بقضايا الحداثةِ. بمعنى أنَّه عادة ما يُدرَج على خطٍ يصلُ طرفين متناقضين:

التراث ـــــــــــ الحداثة

القديم ـــــــــــــ الجديد

الأصالة ـــــــــ المعاصرة

من ثم يحملُ ميلادَ التراث مبرراته المستمرة لا الماضية. الشأن الذي يجعله متزامناً، بل سبّاقاً بالاعتماد على وحدة الذاكرة والوعي العربيين إلى تغطية المستقبل. وتلك الساق خاصة بفهم وضعية التراث ضمن حدود التفكير مهما يكن نائياً. ولن يتم ذلك دونما استفهام له جرأة الطرح والتعرية والتجذر والتذرية والغربلة.

الثانية: بلورة مضامين فلسفيةٍ للتساؤل. تحديداً لطرائق التساؤل في إطار تلك المشكلات. والطريقة ليست إلقاءً لهاتفِ الاستفهام وكفى، بل كتابة نص استفهامي يتوغل في موضوعه، ليكون أكثر التصاقاً بتحولاته. فوق ذلك يتيحُ رؤيةً منهجيةً تزج بمسلماتنا الفكرية قيد الفحص، وتصهر الأسئلة - قديمةً وحديثةً وممكنةً- في إطارِ العملِ. من ثم لن يعدُّ التفكيرَ تراثياً قدر ما يكشف نفسه ويُظهِر محددَّاته. وتلك خاصية جوهرية للسؤال، هي تنطلق من أداء استفهامي يتعمق "تراثية التراث" (8) ليقرأ "تراثية المستقبل".

تراثية التراث

وفقاً لتراثية التراث نأخذ الآن كلَّ ساقٍ ونعرف ما إذا كانت صلبةً أم لا، حتى أُثبِت حقيقةَ النتيجةِ الفائتةِ، ولأُثبِت أنَّ صوراً للتراثِ في أغلب الخطابات الفكرية ذات وضع خاطئ منذ البداية. فما كان هذا الوضع- مثلاً - لدى "عابد الجابري" و"محمد أركون" و"حسن حنفي" إلاّ أنْ أصبح عِبئاً معرفياً، ولم يفهم حقيقة التراث فهماً خصباً. فيُشار مبدئياً بذات الخطأ أن التراث من إنتاج فترةٍ زمنيةٍ تقع في الماضي وتفصلها عن الحاضر مسافة زمنية ما. حيث تشكلت خلالها هوة حضارية فصلتنا ومازالت تفصلنا عن الحضارة المعاصرة. ومن ثم ينظر إلى التراث على أنه شيء يقع هناك (9).

هذا إدراج غير دقيق للقضية، فليست أين ومتى أُنتِج التراثُ كما يذهب الرأي، إنما في تشكيل صورته، وإلى أي مدى أصبحت صورة عصيةً على النقد؟ وكيف يتمّ إفرازها آلياً في كل موقفٍ مستجدٍ؟! والمضمون الذي لم يدركه هذا الرأي أنَّ التاريخ يأخذ تكوينه وتراكمه مع عمليات التكرار الحاكمة لنمط التفكير، حتى وإنْ كانت مصادره ونماذجه بعيدة الزمن، وبمنأى عن تناولنا الآن. بل لن تكون ثمة حقيقة لهذا التراث إذا لم يكن قابلاً للاستعادة مجدداً. أيضاً الرأي السابق يضمر تناقضاً، لأنَّ ترك التراث كجانبٍ زمني على أنَّه مثال فقط لا يمس المشكلة فعلياً، إنما يخضعها لمنطق التصنيف.

ففي العلاقة بالتراث العربي تُشكِل صورتهُ دائرةً شبه مقفلةٍ. إذا أردنا نظراً إلى الماضي، نجدها قد كونت إطاراً يحكم الرؤيةَ من هنا إلى هناك، وحين نتجه إلى الزمن القادم، نراه يتيح حلولاً وتبريرات قديمة من هنالك إلى هنا. وسيعطينا آليات للتعامل مع واقع مختلف، إنَّه سيتحدد مع كل ممارسةٍ جديدةٍ أو نتصورها كذلك، رغم الاعتقاد بكونه مطروحاً قبلاً بشكل القطيعة كما أُشير. من ثم كان التراث أكثر حضوراً من الحداثة ذاتها. المفارقة أنَّه يشكل دلالتها وفقاً لرواسبه المنتشرة.

- لأنَّه يعطينا نظرةً تقييميةً لموضوعاتنا؛ أي يُحوِل المستوى الابستيمولوجي إلى جانب قيمي. وهذا لب المشكلة في تلك العلاقة الشائكة. ولأنَّه يشبعنا حنيناً إلى الأصول والجذور، فقد يتسرب هذا الإشباع تعاطفاً ورغبةً في اليقين أكثر مما يطرح نفسه أمام القراءة الفاحصة.

- يشكل في وعينا موضوعاً ومعياراً للحكم على كل الأشياء. وقبل ذلك يسري الحُكْم عليه أيضاً، فما كان إلاَّ أن جرفنا نحوه على أساس امتيازه الزمني.

- يرسم أُفقاً للإطلالة على الحاضر والغد. وظهر ذلك مع الصورة النمطية للتراث العربي، هذا التراث الذهبي البراق. بحيث يصح القول إن نموذج الواقع الموروث تخطى بتلك الإطلالة الواقع الفعلي ذاته. لقد نسج مفاهيمه كي تمثل مظلةً لما يأتي. فتقابلنا عبارات مثل" تطبيق الشريعة"، "لا يصلح أخِر هذه الأمة إلاَّ بما صلُح به أولُها"، "السلف الصالح" و" الخلف الطالح". وهى عبارات مثقلة بمحمولات دلالية، وتشكل نصوصاً لا كلمات. مثلما لا تنم أيضاً عن الوعي بحدود التراث. وإن دلت في سياق أو تالٍ على شيء، فإنما تدل على قلب القادم إلى تراثٍ.

مع ذلك يعتقد الجابري أنَّ التراث العربي الإسلامي "مجموعة عقائد ومعارف وتشريعات ورؤى بالإضافة إلى اللغة التي تحملها وتؤطرها، تجسدَّ إطارُها المرجعي التاريخي والأبستمولوجي في عصر التدوين (في القرنين الثاني والثالث للهجرة) وامتداداتها التي توقفت تموجاتها مع قيام الإمبراطورية العثمانية في القرن العاشر للهجرة (السادس عشر للميلاد) أي مع انطلاقة النهضة الأوربية الحديثة" (10).

هذا القول يصور المعطى التراثي وكأنَّه تشكّل مرةً واحدةً وإلى الأبد. هناك فكرة علينا تقبُلها حتى يكتمل أي تعريف: أنَّ التراث لا ينقطع عن التشكُّل تجاوزاً للحظة ما بعد الراهنة. هذا ما يؤهله إلى التدخل مستقبلاً في حياة الإنسان. أيضاً ذلك يجعله غير قابل للالتئام مع أصوله. إنَّه في أتون المفارقة غير القابلة للحسم، وبهذا يمكننا النظر إليه والافادة منه. السبب أنَّ هناك تراثات أخرى مبثوثة في تضاعيفه، ومنفصلة عنه في أعماق أطرهِ وصورهِ المُحكمةِ. تراثات قد تَنكشف تحت فاعلية الاستفهام عندما نطرح مثلاً: كيف جرت "تراثية التراث"؟ وعلى غرابة السؤال فإنه يعد سؤالاً مستقبلياً بالأصالة. إنه الاستفهام الذي يتكون على هيئة إعادة بناء لتاريخية التراث ذاته (11).

في نفس الوقت، قد ينطلق سؤال كهذا تحت غطاء تراثي يحدد رؤيتنا تجاه قضايا الحداثة. فكثيراً ما نقرأ خطابات فكرية تتضمن أقوالاً كهذه: "ضرورة الأخذ بأساليب الحداثة الغربية"، "ضرورة مواكبة التطورات الراهنة في العلوم والتقنية". وهي أقوال تتناول الحداثة بمنطقٍ تراثي على نحو معكوس، حيث تقلب الحداثة إلى تراثٍ. مناط الأمر أنَّه سيكُون موجوداً في منطقة ليست عربية. فيتم استعارة أصول المعارف المتقدمة. ثم تتلقى هناك دعوة مضمرة بفضل "تراثية التراث" إلى تخزينها وقولبتها على غرار ما ورثناه.

وهذا الأداء التحليلي دفع الجابري وغيره لأنْ يضع التراث على مرمى الحداثة. في محاولة لإحداث تلاقُحٍ أو التقاءٍ من نوعٍ معين، فتكون الحداثةُ رسالةً من أجل التحديث. أي تحديث الذهنية، تحديث المعايير العقلية والوجدانية. وإذ ذاك عندما تكون الثقافة السائدة ثقافة تراثية، فإن خطاب الحداثة فيها يجب أن يتجه أولاً وقبل كل شيء إلى "التراث" بهدف إعادة قراءته وتقديم رؤية عصرية عنه (12).

لكن السؤال: كيف نقدم رؤيةً عنه وهو حالٌ فينا؟ بل كيف نفعل بينما نعيد إنتاجه يومياً؟! سؤال لم يجب عنه الجابري دون أن يعطينا أفكاراً يختلط عليها المفاهيم بالأسئلة الجوهرية. فالسؤال موقف أنطولوجي (ما، ماهية) داخل أبنية "تراثية التراث"، لكي نحدد كيفية تلك الإعادة. وهو الوعي بما للتراث من تحولٍ ومجيءٍ مرات لا تنقطع، بحيث تُعدُ حركته السرية تلك أكثرَ إلحاحاً من القادم نفسه.

من جانبٍ آخر، هناك من نظر إلى التراث باعتباره الحياة الآن في صيغة الماضي. فنحن "نعمل بالكندي كل يوم، ونتنفس الفارابي في كلِ لحظةٍ ونرى ابن سينا في كل الطرقات ونحن نظن أننا نبحث عن الرزق ونلهث وراء قوتنا اليومي" (13).

غير أن صاحب الرأي السابق سرعان ما طرح ذات الوضع الخاطئ للمشكلة. يعتقد "أن البداية هي التراث... التراث هو نقطة البداية كمسؤولية ثقافية وقومية" (14). كأنَّ هناك بداية ونهاية، ماض وحاضر في الوعي بالتراث. وهذا الرأي فضلاً عن أنَّه إساءة قراءةmisreading يطرح تقسيماً قشرياً تدحضه "تراثية التراث" التي تستعيد حقيقتها باستمرار، وفي عين الوقت لا يفهم ظاهرة التراث فهما يوازي نموها، كما لا يواكب تحديد صورتها.

لذلك كلما حاولنا معرفة البداية كان ثمة تأصيل لما هو غير قابل للتأصُل بالمفهوم السابق. لأننا نتحدث بمنطق التراث ذاته. أي بمنطق التصنيف البدئي الذي لا نمتلكه لأنَّه غير موجود. وبذات المفهوم حولنا الحاضر إلى معيارٍ، بينما هو جزء من المشكلة. عموماً كانت آلية تعاملنا مع التراث –طبقاً للرأي السالف- هي التجديد إذ يمثل إعادة تفسير لما هو تراثي طبقاً لحاجات العصر. فالقديم يسبق الجديد والتراث ليس قيمة في ذاته إلاَّ بقدر ما يعطي نظرية علمية في تفسير الواقع والعمل على تطويره...هو نظرية للعمل وموجه للسلوك وذخيرة قومية يمكن اكتشافها واستغلالها واستثمارها من أجل إعادة بناء الإنسان وعلاقته بالأرض (15).

نلاحِظ على هذا الرأي ما يلي:

أ‌- بروز النبرةِ الخطابيةِ التي تتخللهُ. كأنه ينادي بجموعٍ الناس لتأكيد ما هو مؤكد لديهم. والنبرة الخطابية، وليست التساؤلية، نبرة مخدرة على مستوى العاطفة لا العقل.

ب‌- يكرر المطروح مراراً بقولهِ: القديمَ يسبقُ الجديد. ويردد نفس الشيء معتبراً التراث العربي قيمةً في ذاته. وليس أدل على ذلك من مخافة إطلاق التساؤلات عبر مناطق التقديس فيه.

ت‌- العزف على وتر الاحتشاد القومي والنعرات الجذابة التي سرعان ما تنطفئ بمجرد أن تمس الواقعَ المعقد. هذا الواقع الذي لا يوجد بينه وبين التراث أي فاصل.

ث‌- إعادة الثنائية التقليدية (التراث–الجديد) إلى حيز التفكير. ليس المعضلة في ذلك، إنما الحل المطروح هو الذي يجتر المشكلة مرة ثانية، ويدفعها دفعاً إلى الأمام. وإذ ينظر القارئ إلى الوراء باحثاً عن شيء يقف التراث ماثلاً أمامه في المستقبل.

ج‌- كيف يمكن أنّ يصبح التراث نظريةً علميةً؟ سؤال جذري وحدّي، يورط هذا الرأي في "تراثية التراث". وبخاصة عندما يدعم وجودها فهمٌ غير صحيح لمصطلح العلم، حين يُلصق بكل معرفة دون تدقيقٍ، بينما لا يصح إطلاق لفظ العلم على كل المعارف بتلك الطريقة على الأقل من وجهة نظر تحديثية.

أما الساق الأخرى، فهي بلورة مضامين فكرية للسؤال كنص بالتكوين الذي مرّ مع "تراثية التراث" منذ قليل، وسيتمُّ ذلك بالتأكيد على بنية الاستفهام كرؤية فلسفية. وهي بنية لا تعني فقط دلالة الإلقاء خلال الأساليب التي تتبلور له، بل ترتبط بحدود الاستفهام ومحمولاته المستمدة من نسيج التراث بوضعه الماضي- الراهن. فيصعب معرفة حالة السؤال من غير حركةٍ راهنةٍ؛ أي دونما شيء راهن تتوافر جذوره العميقة، والتي قد لا نصل إليها مباشرة. وأمام ذلك لا تسهُل حتى معرفة هذا المستقبل التراثي، على اتساع ممارساته، بمنأى عن الأسئلة الجذريةٍ.

خطاب الأسئلة

لعلّها أسئلة مُركبة تخْطو في عمق التراث المعِيش، لا الماضي فحسب. بالتالي فالأسئلة تحددُ لنفسِها عدة اتجاهات:

الاتجاه الأول: رسم الصورة الفاعلة للتراث كوعيٍّ مستعادٍ دوماً. ثم تحليل كيف يأخذ سمات الحاضر ويضمن ظهور أفعاله مستقبلاً.

الاتجاه الثاني: تتبع تاريخيته وتراكمه كمتصل يلتقي ما يدعمه ويدفعه كي يحقق مضامينه.

الاتجاه الثالث: تقريب إمكانية الأصول التراثية باختلاف أنماطها. أي ما الذي جعلها ممكنة في التاريخ، ولماذا أخذت معالمها بهذا الشكل أو ذاك؟ وما علاقتها بحقائق الثقافة وتكوين الصور العامة للحياة؟

الاتجاه الرابع: رصد الانقطاع والاتصال في أفعال التراث. وما الذي يضمن التقارب بين عناصره، وما الذي يدفع بزخمه كتجارب شكلية تعبر هنا أو هناك عن مضمونٍ واحدٍ؟.

قد تزيد أو تنقص هذه الاتجاهات المتشابكة. الأسئلة تبرز معطياتها بحثاً عن دلالات مختلفة. ذلك بأنْ يعدلَ المستفهمُ صياغاته في ضوء طبيعة الموضوع ذاته؛ أي استعمال كل الطرق الممكنة وفقاً لتحولات "تراثية التراث". وأنْ يغير مفاهيمه التي تكونت عن الأشياء في أحايين كثيرة، عندئذ له أن يُطرح أهمية ذلك العمل حتى بصدد فهم التراث من حيث المبدأ، فعندما ينطلق معنى مغاير له يمكننا ربط كل حلقاته دون ابتسار، حينها نستجلي أطوارَه وترسُباتَه.

يأتي أقربُ توضيح لذلك من المادة المعجمية للتراث، وهي "ورث"، ومنها الإرِثُ والورِاث والإراثُ والتُراثُ (16) ، وأياً كانت التفسيرات الصرفية أو النحوية، فإنَّ هناك فكرة فحواها أن التراث ينقل تاريخاً ممتلئاً بذاته، ثم يُظهِر هذا الأخير عمقَ التراثِ كفعلٍ إذا كان ذا قيمة، فكأنَّ كل شيء قد اُسقِط تاريخياً إلاَّ ما يُورّث، بامتلاء الزمن نفسه، ويشير إلى اتساعٍ مترامٍ لا محيط له حاضراً ومستقبلاً على اختلافه واحتمالات وجوده التي قد لا تنقطع، والتي لن تكون مؤصلةً بالضرورةِ.

سيجد هذا المفهوم توضيحاً من جوانب أخرى تباعاً، لكن بلوغ فعل التراث إلى المستقبل يكشف عن أنه لا يعود نقياً ولا خالصاً. وذلك بحكم إمكانية تعلُّقه بعمل الذاكرة، إن لم يكن يتجسد في ذاكرة مترامية الأبعاد في الثقافة العربية. ذاكرة تنم بؤرتها الرئيسة عن السير عكس مسار التاريخ. ذلك نظراً لوجود تاريخ مقلوب في المجتمع العربي.

فالمعروف أنَّ التاريخ له جانبان، أحدهما أفقي والآخر تراكمي أو تصاعدي. وإذ هما يشكلان الزمن، أو ما يسميه هوسيرل "الوعي بالزمن" (17) ، فإنّ التاريخ في الثقافة العربية رأسه في الماضي بينما تقع أطرافه في المستقبل. بسبب أن حضور المعنى، الحقيقة، موجود بكل كثافةٍ في الماضي. إنَّه الماضي في انفتاحٍ لا يهدأ ولا يغلّق. لقد وصل التاريخ العربي إلى نهايته قبل أنْ يأخذ طريقه صاعداً، وحتى قبل أن يبلغ أهدافه استطاع بلوغ مستقبله. بل إنَّ مستقبله كما أكدت يُؤخذ من ماضٍ مازال يُراوح معتقدات وأعمال الإنسان العربي.

لأنَّ عصر النبوة الأول، ودولة الخلافة الراشدة، هما النموذجان المثاليان اللذان يضخان الذاكرة في جميع العصور. أما دونهما فيبقى العالمُ في طور العود المستمر، في حركةٍ راجعةٍ إليه. وتلك الحركة هي ما ترسخ "التاريخ المقلوب". لكن هناك سؤال حول هذا التاريخ: كيف كان يدعم وجوده، وبأي شكل امتد بأطرافه؟! إنَّ الاستفهام بطريقته الزمنية يبرز آلية هذا الوضع المعكوس كالتالي:

1- يوتوبيا المثال:

ترتبط مفاهيم التراث ومبادئه بمثالٍ تحقق دفعةً واحدةً في صدر التاريخ العربي. مثال اقترن تبعاً لماهيته الاحساس بالعجز عن بلوغه. حيث يستحيل القيام بتلك المهمة بواسطة أي عملٍ تالٍ، ما لم يكن متمثلاً بتفاصيله أو بمدلولاته الكلية. وأنّه حين يُوضّع مُوضِع الاحتذاء يجذب الحاضر والمستقبل كقوة مركزيةٍ لا مناص منها مقارنةً أو تمثيلاً أو سيراً على نفس الخُطى. بالتالي مسافة الاستفهام غير موجوده. فإذا كان أيُ سؤال يحتاج عناية بعمل الزمن فقد أُلغي فعل الزمن سلفاً، وكون المثال معلقاً يحول دون نزوله إلى أرض الواقع، أرض الأسئلة.

2- النموذج الغائب:

مع وجود المثال الأعلى, يبقى هناك دور التطبيق الحرفي له. يجري هذا بواسطة تقمص النموذج. فيغدو التاريخ تشوفاً للاتحاد به أو كما يوضح المصطلح العربي "اقتفاء الأثر". بل لقد أُطلِق على الموروث الديني كلمة الأثر في سياق التدليل على سلوك يُبّتُ في تبريرهِ أو ترجيحهِ فقهياً. وقد تناثرت العبارات لدى بعض الفرق الإسلامية بنفس المعنى، مثل "المهدي المنتظر" و"الإمام الغائب" و"الحاكم العادل". ثم انحرف المعنى نحو خلق نماذج مشابهة ضمن ميادين التفكير والممارسات الاجتماعية والسياسية حتى أمسى سلوكاً يومياً ومعرفياً.

وعن طريق الايمان بهذا النموذج بات معروفاً ما ليس معروفاً. وظل مضمونه أو وضعه فارضاً للقيود على أي استفهام ينال منه. ولغياب الأسئلة التأسيسية حوله بقي في حقيقته مجهولاً. بل أفرز كما لا بأس به من الإجابات الجاهزة إزاء تحوله وإتيانه في التاريخ. فهذا الأخير أصبح كالكلمات المتقاطعة حيث يشكل النموذج الغائب خاناتها الفارغة، ثم فرض علينا ملؤها من خلال الخانات المعطاة.

3- استعارة الماضي:

في حالة العجز عن العثور على النموذج أو استنساخه، لا مفرّ من استعارة الماضي. كما حدثَ في مجال الأزياء ذات الطابع الديني وهي مؤسسات رمزية، تنقل عن طريق الشكل نمطاً حياتياً بعينه له قيمه ومعاييره التي تبحث عن مشروعيتها. وأما الاقتناع بهذا النموذج فيجعل المستقبل ضامناً لها. إن لم يكن بالفعل فبالقوة، مما يفسح المجال آجلاً لتراثية التراث. هذه الفكرة تصادر على الموقف الاستفهامي. لأنَّ السؤال لا يسلم تسليماً مجانياً بماضٍ مطلق. والسؤال بطبيعته يخرج عن إمكانية الاستحواذ على المعنى، هذا الذي يناله العيش في الزمن الفائت لاحتمال استعادته ثانيةً.

4- الحقيقة الضائعة:

أثناء البحث عن المثال، تجتذب الحقيقة بمعناها التراثي تطلعات الأفعال وأهدافها في الثقافة العربية. لذلك هناك بعض الخطابات قد أخذت منحى التشدد ولاسيما في المجال الديني. حيث يبحث أصحابُها طوال حياتهم عن حقيقةٍ ضائعةٍ. لا هم يستطيعون إيجادها ولا يستطيعون الحصول عليها ولا يذهبون وراءها. وبالتالي يتحدثون بمنطق الضياع. كل شيء ضائع، ضياع القيم والأخلاقيات، وضياع التاريخ. حتى حين يقيمون الحضارة المعاصرة، فإنهم يعتبرونها قد ضيعت الإنسانية، فضلاً عن أنها أضاعت الحياة والآخرة!!. وتلك الحقيقة تمثل من وجهة نظر الاستفهام إجابة جاهزة. إجابة آلية من أناس كالربوتات لا تفهم لكنها تتصرف وفقاً لما بُرمجت عليه.

5- النبوءة المقدسة:

يرتبط جوهر "تراثية التراث" باعتبار السلوكيات وأنماط الاعتقاد نبوءاتٍ ذات مضمون يشتق من الكيانات المقدسة، ويُلتمس من وجودها مثل الأشخاص والأحداث والمذاهب. وهذا يفسر المكانة السامية التي يأخذها فقهاء في تاريخ الدين. وانعكس ذلك علي طريقة التفكير إزاء المشكلات في كافة مناحي الحياة. والتساؤل بمنأى عن هذا الطريق، لأنَّه لا يقدس ولا يخرج عن مبدأ النسبية. فأنْ تطرح سؤالاً يعنى محاولة النظر عن قرب لموضعه. بينما التقديس يقول باللامساس، إنَّه دائرة المحرم (التابو) في شأن الاقتراب منه.

 

سامي عبد العال

___________

1- أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، الجزء الثاني (H- Q)، ترجمة خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، بيروت باريس، الطبعة الثانية2001. ص 1094.

2- أمام الأسئلة المتعلقة بالتراث العربي هناك إجابات تُضخِم صورته، مثل عبارة التفاخرِ: إننا كعرب نمتلك أعظم تراث عرفته البشرية. وهي ترد بهامش مسألة كيف نقرأ التراث؟!. وبخاصة أن الأسئلة تمنع الترجيح المسبق للأفكار. والعبارة موقف سلبي أكثر منها استحقاقاً لصفة التراث العظيم. يقول الشاعر: لئن افتخرت بآباءٍ ذوي شرف فلقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا!! والقضية هنا مهمة، لأن الاستفهام يُعاوِد طرح نفسه نقدياً من خلال اللغة. وبالتالي لا إجابة واحدة تستوعبه، كما يجب السماح بطرح كافة الأسئلة دون محاذير. أما الإجابات التي ترجح انزلاق السؤال هي إجابات هشة تخلفُ وراءها معنى هشاً نتيجة افتراض ضمني: أنها إجابة كافية شافية، بينما هي غالباً إجابة خادعة، وتُجهِض الطريق الذي يشُقه الاستفهام بواسطة تجديد الوعي بموضوعهِ، وهذه الإجابات ترجع إلى سلطة التفكير التقليدي، والاتجاه المهيمن في الثقافة العربية إلى التقديس، وعدم القدرة على النقد لأنها في جانبٍ كبيرٍ منها ثقافة تلقين وإجابات جاهزة.

3- Geoge Simmel, On Individuality and Social Forms, Selecting Writings, Edited and With an Introduction by Donald N. Levine, The University of Chicago Press, Chicago and London, 1971. P8.

4- Martin Heidgger, The Age of The World Picture, in: The Question Concerning Technology, And Other Essay, Translated and With an Introduction by William Lovitt, Harper Torch Books, New York, 1977. P116.

5- اللغة تؤسس لعملية تمثيل ومحاكاة simulation خلال سياق التواصل. ذلك بحكم قوة تأثيرها على الافراد عن طريق محاولة فهم أنفسهم لبعضهم البعض. وبخاصة أنَّ اللغة تحمل خطابات قديمة كشفرات للثقافة السائدة، من ثم تنضح بمخزونها التاريخي. وبالتالي حين تتم عملية الفهم يكون محتوى الأفكار حاضراً ومؤثراً في كل عملية تمثيل.

Jane Heal, Mind, Reason and Imagination, Selected Essays in Philosophy of Mind and Language (Cambridge studies in Philosophy) Cambridge University Press, New York 2003.PP 45- 46.

6- هناك كلمات تنطوي على قوى فوق دلالية مثل كلمات الخلافة والشريعة ومشتقاتهما. وهي تنم عن تصور فوق طبيعي للغة، بتعبير رسل "كلمات من عصور مبكرة ذات خلفيات تاريخية، كأنها موضوعات تتمتع برهبة خرافية supersititious awe، فالإنسان مثلاً الذي كان يعرف اسم عدوه يمارس قوى سحرية magic powers عليه".

Bertrand Russell, An Inquiry into Meaning and Truth, (The William James Lectures For 1940), Penguin Books, London, 1962. P 21.

7- على أحمد سعيد (أدونيس)، الثابت والمتحول، بحث في الإبداع والإتباع عند العرب، الجزء الأول، دار الفكر، بيروت، لبنان 1986. ص1.

وبمناسبة كلام أدونيس قد يتشبث الاستفهام بكلمةٍ واحدة ليدلف التساؤل إلى وضعية الكل الذي يضبط إيقاع التفكير في القضايا الحياتية والممارسة العامة. وهو ما يمكن ابرازه في الصفحات التالية. لكن تعد الكلمات وحدات نصيةً. لو خضعت للمساءلة، فإنها تجر كافة التراث العالق بها، وصولاً إلى القانون الرمزي المرتبط بالكل الثقافي. وتلك محاولة تساؤلية لأنَّها تبحث عن الحقيقةَ وراء الوحدات النصية ككلمة الخلافة، والسياسة الشرعية، أو السلطان أو غيرها. ولكن لا يتم ذلك بطريقةٍ سهلةٍ، لابد من تصورات متماسكة عن اللغة والوجود والتاريخ والثقافة.

8- "تراثية التراث" مصطلح يقوم على مفهوم التراث كمخزون روحي وثقافي وحياتي يؤصِل نفسه. والمُلاحِظ برغم اشارة التراثَ إلى الماضي والتاريخ بحكم التعريف، إلاَّ أن هناك فعلاً باقياً له، وهو المتمثل في مشروعيته التي تتجدد تلقائياً مع الأفعال والظواهر الاجتماعية والأخلاقية، ويتم على أثر ذلك الاعتراف بوجوده الحقيقي راهناً ومستقبلاً، وربما هذا هو السبب الرئيس الذي دفعني لربطه بالمستقبل. كما أن هناك إلحاحاً جماعياً لدعم الوجود الثقافي، فكان لابد من الاستنادِ إلى عمقه الممتد. وتعد تراثيةُ التراثِ هذه حقيقة تضاف إلى التراث ذاته، لأنها إمكانيته وأهميته التي تضمن وجوده. لكن ما حدث أن تبقى تلك التراثية حاضرة بقوة، لدرجة أنها تواصل تبرير المستقبل. والتراثية بهذا الشكل تتحول في بعض المجتمعات إلى وجود مستقل بذاته، وهنا تنشأ الأسئلة المتعلقة بالنشأة والتكوين والمبررات.

9- محمد عابد الجابري، التراث والحداثة (دراسات ومناقشات)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة 2006. ص31.

10- المرجع السابق. ص30.

11- إذا طُرح سؤال حول "تراثية" التراث العربي، فهو استفهام يطرح جذور نزعة تراثية تجعلنا نتمسك بالتراث كموقفٍ معرفي، كما أنه يتطرق إلى جعل التراث مفهوماً وقابلاً للمعاودة حتى أخذ هذه المكانة، وما إذا كان تراثاً حقيقياً أم لا؟! وكيف نفصلُ بين ما هو تراثي وما هو غير تراثي، بحسب قناعتنا التاريخية والفعلية به؟! وبذات الوقت كيف تَشكّل؟ وما هي الخيوط التي تؤلف نسيجه؟!

12- المرجع السابق، ص17.

13- حسن حنفي، التراث والتجديد، المركز العربي للبحث والنشر، القاهرة 1980. ص14.

14- المرجع السابق، ص9.

يؤخذ على هذا الرأي أنه يجتذب القارئ بكلمات مؤثرة من قبيل " التراث هو البداية" و" التراث مسؤولية". كلمات تنم عن غياب رؤية فلسفية متماسكة، بينما تعتمد أدواتها وأُطرها على الدلالة التعبوية بشكل مكثف. ويمكن النظر إلى هذا الرأي- بجانب الانتقادات المطروحة في المتن- من ناحيتين. أولاً: كونه لا ينفصل عن اللهجة العامة للتعبيرات التي تُطلِقها الخطابات الفكرية في تلك الحقبة للتذكير بقضايا مهمة للثقافة العربية سواء مع الماضي أو مع الغرب، ولا أدل على ذلك من أن صاحب الرأي المذكور ألّف كتاباً بعنوان "مقدمة في علم الاستغراب". وهو بالمناسبة لم يفعل شيئاً سوى أن وضع الغرب كموضوعٍ للدراسة، وكأن الغرب أصبح مجالاً لرد الاعتبار المنزوع منا تاريخياً دون أسئلة جوهرية حول كيفية التقدم الحضاري، والأمر تمّ أيضاً بدون كيفية فهم الوضع الحضاري للغرب. ثانياً: كون هذا الرأي مساهمةً في زيادة الأصوات القارئة للتراث، فهو لون من الانخراطِ في ذلك الزحام.

15- المرجع السابق، ص9.

16- ابن منظور، لسان العرب، المجلد السادس، قدم له عبد الله العلايلي، أعده يوسف خياط، دار الجيل، دار لسان العرب، بيروت، لبنان 1988. ص907.

17- معروف أنَّ الوعي بالزمن يمكننا من ترتيب أحداث التاريخ، واكتشاف صورته المعرفية وبالتالي اكتشاف معناه وحقيقته. ولقد نفى هوسرل أن يكون هناك زمن موضوعي، فالزمن دوماً مرهون بالوعي، وبذلك يعد الزمن جزءاً من التاريخ أو بالأحرى من تاريخية الوعي الذي ينمو بالزمن، ويدرك موضوعاته في حركة الزمن نفسه لا خارجه، وتلك العلاقة بين الزمن والوعي والتاريخ نوه إليها هوسرل في أكثر من كتاب له سواء صراحةً أو تضميناً. ففي كتابه "بحوث منطقية" حين يحلل اللغة يتحدث عن التعبيرات وهي تحمل زمنها في الدلالة على المعنى، وبذلك يمثل التعبير بالإضافة إلى معناه وعياً بالزمن.

 (Edmund Husserl, Logical Investigations, Translated by J.N. Findlay, Routledge and Kegan Paul, London.1970.)

وأشار إلى نفس القضية من جوانب أخرى في سياقاتٍ متباينةٍ، وبخاصة معالجة صورة الأشياء والموضوعات في الوعي، وهو الإطار الذي يمثل جوهر فلسفة هوسرل المسماة بالفينومينولوجيا. (Edmund Husserl, Idea 1, Translated by W.R. Royce Gibson, Macmillan, London,1962.)

غير أنَّ هوسرل خصص مساحةً أكبر لهذا الموضوع في كتابٍ مستقلٍ ناقش فيه أصل الزمن، والنظريات الدائرة حوله، و الوعي الباطني بالزمن والموضوعات الزمنية. (ادموند هوسرل، دروس في فينومينولوجيا الوعي الباطني بالزمن، ترجمة لطفي خير الله، منشورات الجمل، بغداد – بيروت، الطبعة الأولى2009.). أما سبب استخدام هذه الفكرة، فذلك أن الوعي تاريخي، ويجب أن نضعه في سياقه، وهو الأمر الذي يفيدنا في رسم صورةٍ تقريبية لموضوعات التراث هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى فإن تكوين التراث تاريخياً قد موضّع المقدس أيضاً متجسداً في حقبةٍ أو جماعةٍ بشريةٍ أو حدثٍ من الأحداث.

 

 

حاتم حميد محسنتُعتبر العدالة أهم هدف للدولة والمجتمع .انها أساس الحياة الانسانية المنظّمة. تتطلب العدالة تنظيم التصرفات الأنانية للناس لضمان توزيع عادل وتعامل متساوي بين الافراد المتساوين في المجتمع وتأمين فرص ومكافآت عادلة للجميع. انها ترمز للإنسجام بين المصالح الفردية ومصالح المجتمع. للعدالة أهمية  مركزية في النظرية السياسية حيث ان الدفاع عن او رفض القوانين، السياسات، القرارات، وأفعال الحكومات، يُعبّر عنه بدعوات تحت اسم العدالة. الافراد المنخرطون  في أي حركة لتأمين مصالحهم دائما ما يرفعون شعار: "نحن نريد عدالة". جميع حركات الحقوق المدنية هي بالأساس حركات لأجل العدالة.

ترمز العدالة الى حكم القانون، وغياب التعسف ووجود نظام لحقوق متساوية وحريات وفرص لجميع الناس في المجتمع. في الحقيقة، العدالة اعتُرف بها كأول فضيلة او مثل وأهم هدف يجب تحقيقه. في افتتاحية الدستور الهندي اُعطيت الأولوية لتأمين العدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لكل الشعب. في وقتنا المعاصر يتم تصور العدالة اساسا كعدالة اجتماعية.

معنى وتعريف العدالة

العدالة مفهوم معقد يلامس جميع مظاهر الحياة الانسانية. كلمة عدالة اشتُقت من الكلمة اللاتينية (Jungere) تعني ربط او الارتباط  ببعض. كلمة Jus ايضا تعني ربط او التزام. بهذه الطريقة يمكن تعريف العدالة كنظام  يرتبط فيه الناس بعلاقات وثيقة. العدالة تسعى للتوفيق بين مختلف القيم وتنظيم جميع العلاقات الانسانية. وبهذا،فان العدالة تعني ربط  وتنظيم وإشراك الناس مع بعضهم في نظام عادل وسليم للعلاقات.

بعض التعاريف الشائعة للعدالة هي كالتالي:

العدالة تعني توزيع حصص مستحقة لكل الاشخاص (سالموند).

العدالة تحمي حقوق الفرد بالاضافة الى نظام المجتمع (د. رافيل).

العدالة تتكون من نظام للعلاقات واجراءات يُمنح فيه كل فرد ما اتُفق عليه كشيء عادل (سي.اي. مريم).

بكلمة اخرى،العدالة تعني ضمان وحماية حقوق الكل بطريقة عادلة. انها ترمز للانسجام بين جميع الناس في حياة منظمة وتأمين حقوق الجميع بطريقة عادلة.

خصائص أساسية للعدالة

1- العدالة تتصل بعلاقات متبادلة بين أفراد يعيشون ضمن مجتمع.

2- العدالة تتركز على القيم وتقاليد المجتمع.

3- العدالة تتصل بجميع مظاهر السلوك الانساني في المجتمع، حيث توضع القوانين وتتأسس المحاكم في ضوء هذه الرؤية.

4- هدف العدالة هو توفير حقوق متساوية وفرص وخدمات للجميع بطريقة عادلة.

5- وظيفة العدالة هي إيجاد التناغم بين المصالح الفردية ومصالح المجتمع.

6- العدالة هي القيمة الرئيسية وترتبط بشكل وثيق بالقيم الاخرى كالحرية والمساواة والملكية.

7- العدالة هي مبدأ التوازن او التوفيق بين العلاقات الانسانية في المجتمع بطريقة تمكّن كل فرد من الحصول على حقوقه ،سواء من ناحية المكافآت او العقوبات.

8- العدالة لها عدة أبعاد: العدالة الاجتماعية،العدالة الاقتصادية، العدالة السياسية، والعدالة القانونية.

انواع العدالة:

1- العدالة الاجتماعية

في وقتنا الراهن يفضل عدد كبير من المختصين وصف مفهوم العدالة بالعدالة الاجتماعية. وهذه تعني ان جميع الناس في المجتمع هم متساوون ولا وجود لتمييز على أساس الدين او الطائفة او الجنس او المكانة. لكن مختلف الباحثين يوضحون مفهوم العدالة الاجتماعية بطرق مختلفة. البعض يؤمن ان العدالة الاجتماعية هي تخصيص حصة لكل فرد في الميدان الاجتماعي. طبقا لآخرين، تتمثل العدالة الاجتماعية بتوزيع الحقوق والمرافق الاجتماعية على اساس القانون والعدالة.

ما هي العدالة الاجتماعية؟

"العدالة الاجتماعية هي اسم آخر للحقوق الاجتماعية المتساوية. تهدف العدالة الاجتماعية لتزويد فرص متساوية لكل فرد ليطوّر صفاته المتأصلة"(باركر).

"بالعدالة الاجتماعية نعني إنهاء كل انواع اللامساواة الاجتماعية ومن ثم إعطاء فرص متساوية لكل فرد" (C. JP. B. Gajendragadkar).

الديمقراطيون الاجتماعيون ومفكرو الليبرالية الحديثة يعرّفون العدالة الاجتماعية بمحاولة إعادة بناء النظام الاجتماعي طبقا للمبادئ الاخلاقية. محاولات يجب ان تجري باستمرار لتصحيح اللامساواة الاجتماعية. انها ايضا ترمز لنظام عادل اخلاقيا  يمكن الدفاع عنه من أجل توزيع المكافآت والالتزامات في المجتمع بدون أي تمييز او ظلم ضد أي شخص او طبقة.

في الدستور الهندي هناك عدة أحكام تضمنت رؤية لتأمين العدالة السياسية والاقتصادية، حيث جرى إلغاء سياسة العزل دستوريا. كل مواطن مُنح حق متساوي في الوصول للأماكن العامة ،اماكن العبادة واستعمال أماكن الترفيه. لا تستطيع الدولة التمييز بين المواطنين على اساس المولد او الطائفة او اللون او الجنس. العزل والتمييز العنصري هما ضد روح العدالة الاجتماعية. غياب الطبقات ذات الامتيازات في المجتمع هو سمة اساسية للعدالة الاجتماعية.

2- العدالة الاقتصادية

وهي في الحقيقة مرتبطة بإحكام بالعدالة الاجتماعية لأن النظام الاقتصادي هو دائما جزء مكمل للنظام الاجتماعي. الحقوق الاقتصادية والفرص المتوفرة للفرد هي دائما جزء من كامل النظام الاجتماعي. العدالة الاقتصادية تتطلب ان يمتلك جميع المواطنين  فرصا كافية للعيش والحصول على اجور عادلة ليتمكنوا من إشباع حاجاتهم الاساسية ومساعدتهم للتطور اكثر. الدولة يجب ان توفر آمان اقتصادي اثناء المرض او الشيخوخة او في حالة العجز. لا أحد او جماعة تكون في وضع تستغل به الآخرين،او تُستغل. يجب ان يكون هناك توزيع عادل ومتساوي للثروة والموارد بين كل الناس. الفجوة بين الغني والفقير يجب ان لا تكون حادة. ثمار الازدهار يجب ان تصل لكل الناس.

هناك عدة رؤى مختلفة بشأن معنى العدالة الاقتصادية. الليبراليون يعتبرون المنافسة المفتوحة كشيء عادل وهم يدعمون الملكية الخاصة. من جهة اخرى، يسعى الاشتراكيون  لتأسيس سيطرة كاملة للمجتمع على كامل النظام الاقتصادي. هم يعارضون الملكية الخاصة. ومهما كانت الايديولوجية او النظام ، يبقى هناك شيء واحد واضح وهو ان كل المواطنين يجب ان يحصلوا على الضروريات الاساسية للحياة. كل المواطنين يجب ان يمتلكوا حاجاتهم الاساسية لحياة مقنعة (طعام،ملابس،وقاء،تعليم،صحة، وما شابه).

3- العدالة السياسية

وتعني إعطاء حقوق سياسية متساوية وفرص لكل المواطنين ليشاركوا في ادارة الدولة. المواطنون يجب ان يمتلكوا الحق في التصويت بدون أي تمييز على اساس الدين، اللون، الطائفة، الجنس، المولد، المكانة. كل مواطن يجب ان يمتلك حقا متساويا في التصويت والمنافسة في السباق الانتخابي.

4- العدالة القانونية

ولها بُعدين – صياغة قوانين عادلة ومن ثم  إقرار العدالة طبقا للقوانين. عند عمل القوانين، يجب ان لا تُفرض رغبة الحاكم على المحكومين. القوانين يجب ان ترتكز على الرأي العام والحاجات العامة. يجب ان تؤخذ  دائما بالاعتبار القيم الاجتماعية، الاخلاق، الأعراف، فكرة العادل وغير العادل. عندما لا تستجيب القوانين للقيم الاجتماعية والقواعد الاخلاقية،فان المواطنين لن يقبلوا بها وسيرفضوا طاعتها . في هذه الحالة يصبح فرض القانون مشكلة. القوانين تكون عادلة فقط عندما تنال القبول من الناس ليس بسبب الخوف من قوة خارجية وانما عندما تكون مستوحاة من شعور داخلي في انها قوانين  جيدة وعادلة ومعقولة. العدالة القانونية تعني حكم القانون وليس حكم الفرد. انها تتضمن شيئين: ان جميع الناس متساوون امام القانون، وان القانون يطبق بالتساوي على الجميع. انها توفر آمان قانوني للجميع. القانون لايميز بين الغني والفقير. استثناءات موضوعية واجبة للعدالة من جانب المحاكم تُعتبر مكوّن أساسي للعدالة القانونية. الإجراء القانوني يجب ان يكون بسيطا وسريعا وعادلا وغير مكلف وفعال. يجب ان تكون هناك آلية فعالة لمنع الافعال غير القانونية."هدف القانون هو تأسيس ما هو شرعي، وتوفير أمان قانوني ومنع الأفعال غير القانونية" (سالموند).

وهكذا،يصبح للعدالة اربعة ابعاد هي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقانونية. كل هذه الاشكال مترابطة مع بعضها وذات اعتمادية متبادلة. العدالة تكون حقيقية فقط عندما توجد في جميع ابعادها الاربعة. بدون عدالة اجتماعية واقتصادية لن تكون هناك عدالة سياسية وقانونية واقعية.

وجود اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية يقود دائما لإنكار العدالة السياسية والمساواة. الفرد المضطهد والفقير هو في الواقع غير قادر على المشاركة في العملية السياسية وسيبقى بعيدا عن حماية القانون والمحاكم القضائية. وكذلك، بدون حقوق سياسية وحماية قانونية متساوية لا احد يستطيع واقعيا حماية الحرية والحصول على حقوقه الاجتماعية والاقتصادية. ايضا، العدالة تحتاج الى وجود حقوق، وحرية ومساواة في المجتمع وفقط حينذاك يمكنها ان تشكل طابع الحياة في المجتمع.

 

حاتم حميد محسن

 

علي محمد اليوسفأن يكون أفلاطون ماديا أكثر من هيجل عقدة فلسفية يتوجب الوقوف عندها طويلا . هيجل صاحب إكتشاف الديالكتيك المثالي على صعيد الفكرالذي أثار حفيظة جميع تلامذته من ماركس، شتراوس، فيورباخ، شتيرنر، وانجلز، وباور وآخرين معه الذين عرفوا بحلقة الشبان اليساريين المنشقين عن هيجل، الذين أخذوا على هيجل إيغاله تغليب كل ما هو فكري يصنعه الذهن على كل موجود مادي مستقل في وجوده. صحيح لم يكن الفرق بين المقولة الكلاسيكية المادية والمثالية أيهما أسبق المادة على الفكر أم العكس الفكر على المادة لم تكن متبلورة بهذه الصيغة القاطعة الحادة التي نجدها اليوم بالفلسفة في الادبيات الماركسية منذ الربع الاول من القرن العشرين خاصة بعد نجاح ثورة 1917الشيوعية في روسيا القيصرية. ويمكن الوقوف عند بعض النقاط الفلسفية التي كان لها ارضية تمهيد للمادية كفلسفة منها:

- كانت قبل هيجل وافلاطون وارسطو بوادر وإرهاصات متناثرة تزعمّها هيراقليطس حوالي 500 ق.م في مقولته كل شيء بالوجود في حالة من الحركة والتغيير المستمر ولا شيء ثابت، وكان مبدأ الكون يتكون من ذرات في حركة دائبة قال بها ديمقريطس 460ق.م - 370ق.م كذلك نجد أن فلسفة بارمنيدس 515 – 470ق.م أنكرت أن يكون العالم تحكمه الحركة بل يحكمه السكون والثبات.

- بعد إنفصال فيورباخ عن ماركس كانت الإرهاصة المفصليّة التي جعلت الإنشقاق حول الإختلاف بين المادية والمثالية بدأت تنضج تماما، ففي الوقت الذي أدان فيورباخ مثالية هيجل الديالكتيكية وتمسّكه بالنزعة المادية، كان فيورباخ لا يحمل التصّور الكامل كيف يمكن له توظيف النزعة المادية في تخليق الجدل الديالكتيكي لتطور المادة والتاريخ، فذهب الى إدانته الافكار المثالية المتمثلة في الدين بإعتباره سببا مركزيا هاما في جعل التفكير المادي يتجه نحو المثالية الميتافيزيقية بالتفكير، وأطلق على فلسفة فيورباخ المادية التاملية المثالية، إعتباره الدين العامل المعيق لطريق تقدم التاريخ الى أمام ولم يخطر بباله ما كان يفكر به ماركس أن التاريخ يتطور بفعل التناقض الطبقي وتقسيم العمل وملكية وسائل الإنتاج والعلاقات الإنتاجية المجحفة وفائض القيمة..

- زامن إنشقاق فيورباخ بماديته عن هيجل خروج ماركس على مثالية هيجل ايضا، في وقت ناصب التضاد الفلسفي العنيد في مواجهة ماركس يناصره انجلز المنشق بدوره عن هيجل خصمين في وقت واحد فإدانة ماركس لهيجل بالمثالية لم تنسه ولم يتغاض عن إدانته لفيورباخ في تمسكه بالمادية التأملية وأقحامه عامل الدين في التطور التاريخي، فأصدر ماركس كتابه عن أطروحات فيورباخ الاطروحة الحادية عشر، وأصدر انجلزكتابه فيورباخ نهاية الفلسفة الكلاسيكية.

وكانت مهمة ماركس وانجلز تخليص المادية التأملية التجريدية عند فيورباخ من نزعتها الدينية، وتخليص مثالية هيجل في جدله الذي وصفه ماركس أنه أوقف التاريخ على رأسه بدلا من قدميه. وتمّكنا ماركس وانجلز أخيرا من صياغة قوانين الديالكتيك المادي والتاريخي المعروفة / وحدة وتناقض الاضداد داخل المادة أو الظاهرة التي يحكمها التجانس النوعي،/ والقانون الثاني تحول التراكم الكمي الى تراكم نوعي /، وثالثا وأخيرا كان قانون نفي النفي في بروز المركب الثالث أو الظاهرة الجديدة المستحدثة التي تحمل جدلها الديالكتيكي الجديد معها.

- لقد سّهل على ماركس أيضا توصّله هذه القوانين الديالكتيكية الثلاث ما كان جاء به سورين كيركجورد الفيلسوف الوجودي المؤمن، من أن التاريخ محكوم بالتطور الانتقالي الى أمام لكن ليس بمسار خطّي مستقيم بل يتخلل هذا المسار طفرات أو قفزات وتمفصّلات أطلق عليها إنتقالات (نوعية ) تنقل التاريخ من مرحلة ترابطية تراكمية رتيبة الى منعطفات تجديدية نوعية في مساره عبر العصور. كما كانت لافكار ارسطو سبقا فلسفيا حول إعتباره الديالكتيك محاورة تنتهي بتثبيت الرأي الأرجح.

هيجل والمثالية

لم يكن هيجل تسيطر عليه النزعة المثالية بالفلسفة فقط بل في مثالية شملت نواحي مختلفة ومن أمثلة هذا المزاج المثالي هذه التلميحات السريعة التالية :

- إعجابه الرومانسي المبكر بنابليون على أنه مبعوث من قدرة ما فوق طبيعية في تحريكه التاريخ الاوربي بما يمتلكه هذا الامبراطور من  كاريزما قيادية فريدة.

- الروح تقود التاريخ وهي الفكرة المطلقة غير المنظورة يحركها ويحكمها العقل بحتمية التقدم التاريخي الى امام.

- لم يعتبرهيجل نفسه فيلسوفا مجددا وإنما هو إمتداد لافلاطون وارسطو.

- الفكرة المطلقة ممكن إدراكها لأنها أكثر الاشياء واقعية. والمطلق وحدة عضوية يمكن إدراكها العقلي.

- كان لهيجل أثرا ملحوظا على كل من البروتستانتية والوجودية وحتى على الفلسفة البراجماتية. وكان لتاثير شيلنغ والشاعر الالماني الشهير هولدرين تأثيرا عليه.

- إختراعه قوانين الديالكتيك المثالية على صعيد الفكر.

- له آراء متفردة حول نزاع الشكل والمحتوى، الاعتراض على الاستمرارية، تغّير الامكانية، وحدة المظهر والجوهر، الجمال الفني أسمى من الجمال الطبيعي لأنه من نتاج الروح التي تتألف حسب رأيه من الفن والفلسفة والدين. والفن الجميل هو الوجود الحسّي في المطلق الذي لا يكون شكلا للعقل أو الروح. ثم وضع  كتاب فينامينالوجيا الروح الذي يقوم على وحدة الفكر والوجود. حيث أصبح المطلق في فلسفته يشمل كل شيء واعيا بذاته.

تعقيب توضيحي

- يرى هيجل المعرفة مرتبطة بدرجة إدراكنا، أي الادراك ليس نمطيا مصدره الحواس فقط بل (نوعيا) مصدره مستوى ما يمتلكه الشخص ذاتيا من ثقافة. فالبشر يعرفون مدركاتهم من خلال تصورات معرفية يمتلكونها من مخزونهم الثقافي والتي تنطبق على هذه الاشياء." ولذلك فإن الادراك يتغيّر بتغّير الزمن، وتغير التراكم المعرفي" ويكيبديا الموسوعة.

-  بضوء ذلك نرى معرفة الشيء ليس في إدراكه الحسّي المباشر وإنما في معرفته الحقيقية، فالإدراك مرحلة بدئية أولى من المعرفة. ودرجة الإدراك النوعية تختلف من شخص لآخر لنفس الشيء المدرك بحسب إختلاف ما يمتلكانه من تفاوت ثقافي أحدهما عن الآخر.فالذي يحدد الإدراك هو الأفكار التي يمتلكها الفرد،  وموضوع الادراك ونوعيته.

- حسب هيجل الفكرالذي يمتلكه الفرد قبليا يكيّف نفسه بإتساق مع موضوع الإدراك، وبهذا المعنى يمكن أن يكون للإدراك أرجحية إستباقية تقود الفكر. والفكر يتشّكل بضوء تنويعة مصادرإدراكاته. والإدراك لا يتم من غير إمتلاك خبرة ثقافية عن موضوع الادراك.

- معرفة الاشياء في العالم الخارجي لا تكون فطرية موروثة بقبليات تصوراتية ليست تراكم خبرة مكتسبة، فالمعرفة تعتمد خلفية من مخزون ثقافي عن موضوع تلك المعرفة، وضرورة إنطباق مخزون المعرفة القبلي المكتسب مع الشيء المدرك المراد معرفته.

- الإدراك يتغيّر بعاملين هما عامل تقادم الزمن على موضوع الادراك أو الشيء، والثاني تغيير التراكم المعرفي بتأثير عاملي الذاتية والموضوعية، بمعنى الإدراك يحدّه الوجود المادي للشيء وليس المزاج النفسي الإدراكي للاشياء، فالتطور والتغيير الحاصل على وجود الاشياء هو الذي يملي على الادراك التغيير المطلوب في مطابقة تصوراته مع المدركات.

افلاطون وهيجل

كما سبق لنا قوله أن يكون افلاطون أكثر مادية من هيجل مسألة تستحق الوقوف عندها، فمقولة هيجل حول الفكرة المطلقة التي تعني عنده خلط ما هو ميتافيزيقي مع ماهو مادي طالما يعتبر العقل يطالهما جميعا بالإدراك الموحّد، فالخالق والطبيعة وكل شيء في الوجود والكون هو فكرة مطلقة واحدة متحققة الإدراك العقلي لها...هيجل مثالي يؤمن بوحدة الوجود ليس على الطريقة الصوفية الدينية كماعند اسبينوزا ولا على الطريقة الهندوسية بل هيجل يؤمن بوحدة الوجود عقليا. كما يعتبر هيجل المطلق مدركا عقليا وجوهرا أيضا بإختلاف عن اسبينوزا الذي يرى أن الجوهر المطلق هو الله الذي لا يدرك، نجد هيجل يعتبره ممكن التصور وممكن المعرفة بالنسبة للعقل المتأمل.(طبعا في مقالتين سابقتين لي عن الجوهر الخالق غير المخلوق، الجوهر لا يدرك من الناحية الدينية في مذهب وحدة الوجود كما اوضح سبينوزا ذلك، الا أن هيجل يعتبر لاشيء مطلق يطاله تأمل العقل يصعب إدراكه.).

في حين نجد منتهى التوازن الفكري الفلسفي عند افلاطون قوله " تصّور المثل حقائق واقعية تكتشفها الأذهان البشرية، لكنها لا تخلقها" هنا يبدو افلاطون مؤسس حقيقي للمنهج المادي الحديث لكن بلبوس مثالي غيبي، على إعتبار أن ما لا يستطيع العقل إدراكه لا يخلق إدراكه الفكر المجرد غير القائم على أسبقية الموجود أو المادة...بمعنى أن المثل التي لا يكتشفها العقل لا يخلقها الفكر.

هيجل يعتبر الفكرة المطلقة ليست تصورات ميتافيزيقية عن أشياء لا تدركها عقولنا دليل قوله " تستطيع العقول البشرية أن تفهم الفكرة المطلقة لأن بنية العالم تنسجم مع أذهاننا التي هي أجزاء عضوية فيه، لذا علينا تسميّة الواقع النهائي بالفكرة المطلقة"1

هيجل يرى في الفكرة المطلقة عقلا واقعيا يطال إدراكه كل شيء لأنه هو جزء من هذا العقل الكليّ الذي هو الفكرة المطلقة التي هي واقعا يمكن إدراكه، من حيث رؤية هيجل الشمولية في خلط كل ما هو ميتافيزيقي يتعّذر إدراكه يصبح حالة يمكن للعقل إدراكها من حيث لا فرق بين الطبيعة والله فهما روح مطلق واحد ندركهما عقليا في وحدة الفكرة المطلقة.

كما يبدو هيجل مثاليا منّظم التفكير يستمد مبدأ وحدة الوجود عن سبينوزا حين يعتبر أذهاننا البشرية هي أجزاء من العقل الكلي الذي يفهم الفكرة المطلقة التي هي الروح واقعا نعيشه. ومن نافل القول الإشارة الى أن الفيلسوف الشهير شيلنج الذي عاصر وزامل هيجل سخر من أفكار هيجل بعد إصدار هذا الاخير كتابه "فينامينالوجيا الروح" رغم إرتباطهما بعلاقة زمالة وثيقة كان الفضل بها لشيلنغ الذي فتح طريق الشهرة لهيجل كفيلسوف. لكن رغم هذا أنصف المهتمون بكتابة تاريخ الفلسفة هيجل على حساب مجايليه كلا من شيلنغ وفيشتة، والسبب بذلك أن مؤرخي الفلسفة وجدوا في تناقضات هيجل الفلسفية لم يكن لها تاثيرا على منهجه  في أن يعطي لافكاره الفلسفية ما يراه صحيحا ولم يكن يهتم كثيرا بآراء الآخرين ما يعطيه إستقلالية مهمّة.

ربما لا يوجد وجه مقارنة منصفة حين نجد أفلاطون حقق سبقا فلسفيا لا زال تأثيره ساريا الى اليوم، قوله الأفكار المجردة التي تدرك ماديّات الاشياء في الواقع ليست لديها القدرة على خلقها بالفكر. ولا زال تاريخ الفلسفة يحفظ لنا شطحات تفكير بيركلي وجون لوك وهيوم، أنهم عندما يعجزون فهم وتفسير الواقع تجريبيا كما يدّعون يلجأون  تعويض هذا الفهم الإدراكي الوهمي الناقص الإستعانة بالفكر المجّرد ولا مرجعية ماديّة تسند مثل تلك الافكار والتصورات حيث إعتبروا العالم الخارجي هو ما يستطيع العقل إدراكه وتعبير الفكر واللغة عنه فقط. ما ترتّب أن ينكر بيركلي وجود عالم خارجي لا ندركه،كما سبق وذهب هيوم الى نكران وجود ما يسمّى عقلا، وليس هناك من ترابط سببي حسب هيوم بين الاشياء والظواهر بعضها مع البعض الاخر. ألا يبدو هذا الطرح في منتهى العقلانية رغم غرائبيته حين نجد فيلسوف العقل المعاصر في القرن العشرين الانجليزي جلبرت رايل في مقولته الشهيرة "ليس هناك ما يسمّى عقلا أبدا". عندما وجد في ميراث ديفيد هيوم ما يشّجع على ذلك، ومثل جلبرت رايل فعل فوكو إنكاره العقل والانسان معا.وكذا الحال مع اكثر من فيلسوف بنيوي يستمد معظم أفكاره الفلسفية عن أطروحات ما بعد الحداثة المتطرفة التي ألغت العديد من قضايا الفلسفة واعتبرتها وهمية..

مقولات هيجلية

إلتزام هيجل بفلسفة نمطيّة مثالية متماسكة بمعنى الشمولية في عدم تقاطع ما هو جزئي مع ماهو كليّ نسقي، جعل من بعض مقولاته الفلسفية الفريدة موضع إنتقاد لم يعره الإهتمام الذي من الممكن تأثيره على نظريته الفلسفية، فمثلا مقولته "كل واقعي عقلي، وكل عقلي واقعي" رغم الاتساق المنطقي فيها من حيث التناغم اللغوي التعبيري الذي يجعلها تبدو مقولة بديهية صادقة لا تقبل المحاججة لأنها منطقية الصياغة اللغوية الى درجة كبيرة. إلا أن هيجل جعل من العقل فيها يدرك ما هو حسّي فقط، وهو توجه يطعن بالصميم فلسفته التي تقوم على دمج الميتافيزيقا مع الواقع بما أطلق عليه الفكرة المطلقة في إدراكية العقل، توجد العديد من الظواهر وبعض الاشياء التي لا تكون مدركة حسّيا واقعيا لكنها عقلية مثل العديد من المسلمات التي مصدرها النفس والقيم والاخلاق. فهي مقبولة عقلية قبل أن تكون مدركة حسّيا. ولا يمكن أن تكون هذه الظواهر المدركة عقليا بالضرورة السببية موجودة حسّيا.

مقولة ثانية لهيجل إعتباره كل جزء عضوي يدخل في تكوين شيء كليّ شامل  يكتسب في تناسقه العضوي ميزة ثابتة ضرورية لا يمكننا التلاعب بها أو تغييرها، وتبديل وجودها يفقدها معناها وخواصّها في حال توظيفنا لجزء من هذه الكليّة المتناسقة مع موجود كلّي آخر، فهو أي العضو يفقد صفته التجانسية المزروعة به طبيعيا من جهة في كليّة معينة سابقة، وينتج خللا في إنتظامه التوظيفي مع كليّة جديدة من جنبة أخرى، في نفس وقت ترك الجزء ومغادرته لموقعه السابق عضويا يكون تشويها لإنتظام هيكلية المكوّن الذي إنفصل عنه العضو. وأطلق هيجل على نظريته هذه " النظرية العضوية للحقيقة والواقع" وقد رد جون لوك عليه وتخطئته نظرية هيجل هذه، من منطلق ليس كل ماهو كليّ شمولي بأجزائه يكون مستقلا الى الابد بهذه البنية الهيكلية التي إحتوته في زمن معيّن ومرحلة متغيرة. فكل بنية وجودية هي وجود متداخل مع غيره من بنى على صعيدي التداخل الجزئي والكلي على السواء في تبادل توظيفي.

هيجل إعتبر المدرك بكليته التكوينية يقوم بدورين الاول الحفاظ على بنيته من التفكك والتلاعب بها، ومن جهة أخرى أن كليّة أي شيء مكتف ذاتيا يحمل معه بالضرورة الوجودية بنى متمايزة نوعيا عنها نتيجة إحتفاظ كل بنية بتكوينها الثابت. ورد لوك على هذه النظرية بما أطلق عليه "تخارج العلاقات" البينية بمعنى بنى الكليّات مع تكويناتها العضوية في مجموع أعضائها هي في تداخل بغيرها من بنى مغايرة يجعل التخارج التفكيكي بينهما واردا وقائما ولا وجود لجزء ضمن كليّة تحتويه بثبات الى الابد. المفارقة الغريبة أن هيجل لا يؤمن بانفصال وتجزئة العالم الواقعي والمطلق بل يراهما متكاملان بعلاقات لا حصر لها.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.........................

هامش:

1- وليم رايت تاريخ الفلسفة، ت: محمود سيد احمد، مراجعة وتقديم امام عبد الفتاح امام ص 320

2-

3-