علي محمد اليوسفتقديم: جون لوك معروفة فلسفته النظرية المثالية المتطرفة في الاحتكام لمرجعية الحواس والعقل التجريبي الذي يبدأ بالحس وينتهي بالذهن والدماغ وهما البرهان الوحيد في معرفتنا صحة الترابط والعلاقات داخل التفكير العقلي في فهمنا حقائق الاشياء في وجودها الخارجي. ويعتبر لوك أن (الحقيقة تتضمن اتفاق الافكار وتناسقها بعضها مع البعض الاخر وليس اتفاقها مع واقعة حقيقية خارجية)1.أي ليس هناك رابطة بين الفكر والواقع يعطينا حسما معرفيا قطعيا بصحة كل حقيقة سواء أكانت حقيقة فردية منفصلة عن الواقع أم كانت حقيقة واقعية مستقلة تماما عن الفكر.. والمعرفة عند لوك خبرة تراكمية مكتسبة ولا توجد هناك معرفة فطرية يولد الانسان مزوّدا بها، وهذا بطبيعة الحال لا يشمل المورّثات الجينية البايولوجية الخاصة بشفرة جينات كل انسان منفردا.

تلازم الفكر والواقع في المعرفة

بدءا يتوجب التمييز بين أمرين:

اولا اتساق الافكار داخل تفكير العقل المجرد لا يعطيها ضمانة صحتها التوافقية المتطابقة مع ذاتها، فتطابق الفكر مع الذات داخليا لا يجعل من موضوع تفكيرهما حقيقة صحيحة عن عالم المواضيع والاشياء. ولا تكون حقيقة الاشياء هو في مطابقة الافكار مع حقائق العالم الخارجي المنفصلة المستقلة عن تفكير الذهن. علما أن تفكير الذهن الداخلي المجرد لا يكون افصاحا فكريا الا في تعبيره اللغوي بموضوع يلازمه الادراك به.

حقائق الاشياء والموجودات في الطبيعة وعالمنا الخارجي لا تكتسب حقيقتها الصائبة بدلالة صحة بعض الافكار مع بعضها الآخر في مرجعية الاحتكام للعقل وحده وما ينتج عنه من معرفة نظرية لا علاقة تربطها بوقائع العالم الخارجي الذي يكون الفكر وحده مصدر أدراكه ولا يكون الواقع أكثر من موضوع أدراكي للفكر لا يتداخل مع مدركه التفكيري العقلي بعلاقة جدلية. بل يتداخل معه بعملية ادراك معرفي منفصل متباين يدرك الفكر العقلي فيه تجريده عن المادة موضوع الفكر.

لا تعرف حقيقة الشيء الا بدلالة الفكر العقلي، كما لا تدرك حقيقة الفكر الا بدلالة تعالقها الجدلي في التعبيراللغوي عن موضوع مدرك.

ثانيا أن حقائق العالم الخارجي من المتعذر البرهنة على صحتها في واقعها المعزول عن حقيقة معرفة الافكار العقلية المجردة لها الا بعد دخول تصورات الفكر بعلاقة جدلية تخارجية مع موجودات العالم الخارجي كي ينتج لنا حقيقة معرفية يكون الاتساق الفكري النظري متطابقا فيها متداخلا جدليا مع حقيقة الاشياء في وجودها الخارجي الواقعي. وبغير هذه الآلية الجدلية تبقى حقائق الفكر معزولة عن حقائق الواقع المستقلة غير مبرهن على أنها تحمل صفة الحقيقة في أنعزالها عن مرجعية حقائق العالم الخارجي المادية المستقلة في وجودها. حقيقة الشيء واقعيا لا تعرف بغير حقيقة التعبير الفكري عنه. وحقيقة الفكر لا معنى لها من غير دلالة الواقع.

كذلك من جهة أخرى فأن حقائق الواقع الخارجي من غير تداخلها الجدلي مع الافكار العقلية المتسقة صحتها مع بعضها البعض تبقى مواضيع غير مبرهن على صدقها من زيفها بغير دلالة الواقع وليس دلالة الفكر المجرد في التعبيرعنها. والفكر من غير موضوع مادي يتمّثله ادراكا عقليا يكون لا معنى له ويتعذر حصوله في التفكير...كذلك اشياء الواقع في موجوداتها بالعالم الخارجي مستقلة تبقى لا قيمة حقيقية لها من غير تناولها حسيا ادراكيا ذهنيا بالفكر.

الحقيقة المعرفية لا تكون متاحة بمجرد أنها تعبّر عن موجود واقعي في العالم الخارجي من غير ادراك التفكير العقلي بها القائم على تجربة برهانية تؤكد تطابق الفكرة مع دلالتها الواقعية، وكذا المعرفة الذهنية تبقى تجريدا خادعا بانفصالها عن جدل الواقع معها. صحيح جدا أن تفكير الذهن الداخلي يتعامل مع ادراكه موجودات العالم الخارجي بالافكار المجردة التصورية في تمثلاتها الواقع. لكن الأهم هو أن الافكار المجردة لا تعطينا حقائق الموجودات على الارض بمجرد ادراكها...موجودات الواقع هو مصدر الافكار وتفكير العقل المنهجي بها يعطيها حقيقتها الصادقة من حقيقتها الزائفة الكاذبة. الواقع هو مصدر تفكير العقل لكن تمّثلات العقل للواقع هي تخليق مضاف جديد مغاير للموجودات الواقعية المدركة خارجيا ولا يخلق الفكر مواضيع ادراكه ذاتيا، فمواضيع ادراك التفكير العقلي أما أن يكون مصدرها واقع العالم الخارجي وموجوداته، أو يكون مصدرها الخيال الفكري الذي تكون الذاكرة مصدره.

مثالية جون لوك والمعرفة

النظرة الفلسفية المثالية الذاتية التي يحملها جون لوك حول معرفة الحقيقة هي منهج تجريبي فكري ينكر على الواقع أن يكون له دورا في تشكيل معارفنا عن حقائق الاشياء فكل شيء مادي في عالمنا الخارجي ندركه بالفكر التجريدي داخل المخ. وفي غياب هذا الادراك الفكري لموجودات الواقع وعالمنا الخارجي ليس ثمت عالم خارجي موجود.هذا الفهم هو موجز الفهم الخاطيء في فلسفة جون لوك وبيركلي وهيوم وغيرهم من فلاسفة المثالية.

والمنهج التجريبي المثالي الذي يعتمده لوك أن الافكار لا تلتقي الواقع الا عن طريق ادراك موجوداته حسيا ثم معالجتها بالفكر المجرد وحده وليس بدلالة ماهية وصفات الموجودات الواقعية التي يتناولها الفكر تجريدا فلسفيا فكريا من غير ما تداخله معها في علاقة جدلية متخارجة.. بل كل شيء يدركه الفكر التجريدي حسّيا يكون بهذا الفكر الادراكي يتحقق وجوده في عالم الاشياء.. وما لا يدركه الفكر تجريدا حسيّا لا وجود حقيقي له في عالم الاشياء الخارجي.

معرفة صواب حقيقة الشيء عند جون لوك تقوم على اتساق الافكار بعضها مع بعض بالذهن داخليا فقط بمعزل عن وجود الشيء خارجه.، وما لا يدركه الذهن لا وجود له. وليس مهما مرجعية معارفنا الذهنية الفكرية المجردة تكون في معرفتنا الموجودات الواقعية المستقلة بالعالم الخارجي. فمرجعية افكار الذهن هي افكار العقل ذاته. كما ليس مهما أن نسعى الى مطابقة صحة الافكار العقلية بدلالة بعضها مع البعض الاخر مع حقائق الاشياء في العالم الخارجي ومحاولتنا ربط استقلالية الفكر مع استقلالية موجودات العالم الخارجي التي لا وجود واقعي لها الا بضوء ما يظهره لنا الفكر مجردا ونلتزم به عبر ما تنقله لنا الحواس فقط بصرف النظر عن حقيقة الحواس خادعة لا تنقل موجودات الاشياء على حقيقتها، ولا يؤخذ بما تنقله من أحساسات أنها صحيحة وليست زائفة..

ولا يشير لوك الى أحتمالية أن يكون ماينتجه الفكرتجريدا عن الاشياء مخطوءا زائفا ولا ما تحمله حقائق الاشياء المادية في الواقع عن معطيات ودلالات خاطئة لا يمكن الاعتماد عليها بما تنقله الحواس، بل نجد لوك ينحاز الى ما يقوله العقل الذهني التفكيري الواصل اليه عبر الحواس تجريبيا صحيحا بالمطلق في ادراكه موجودات وظواهر العالم الخارجي بعيدا عن ارتباط جدلية الفكر بالموضوع.

وبهذا التفسير يكون الفكر وحده هو الذي يخلق حقائقه على الارض ولا يخلق الواقع حقائقه في الذهن والتفكير. وموجودات الواقع التي لا تدركها الحواس ويعالجها الفكر ذهنيا تصبح لا موجودة ولا أهمية لادراكها جدليا بتعالقها مع الفكر.

بالتاكيد يضعنا جون لوك في مرجحة فكرية قلقة أمام حقيقة اذا ما وجدنا افكارنا المتسقة ذهنيا مع بعضها داخليا البعيدة عن أية صلة تربطها بحقائق العالم الموضوعي هي ليست صحيحة وتمثل واحدة من شطحات التفكير غير المتزن. ثم الغاء لوك أهمية المجانسة الذهنية مع حقائق موجودات الخارج الواقعية لا يمنحنا حقائق الاشياء. فما يذهب له تفكير الذهن المجرد يمثل حقائق الارض وليست حقائق الارض تفرز صواب أو زيف حقائق التفكير بها..من الصحيح اننا لا نمتلك وسيلة لادراكنا موضوعات العالم الخارجي غير لغة التجريد اللغوي التصورية في تمثّلاتنا، لكن يبقى ادراك وجود الشيء هو غير معرفته الحقيقية.

اليس من الاحتمال الوارد الكبير أن افكارنا المتسقة معرفيا مع بعضها البعض كاذبة وزائفة.؟ أنفصال الفكر عن الواقع لا يمنحه تفويضا أنه صحيح بدلالة محاكمة مرجعية التفكير الذهني للعقل وحده بمعزل عن عالم الاشياء الخارجية.. ثم الا يكون أحتمالا كبيرا أن تكون أخطاءنا بالتفكير المجرد يقودنا الى أخطاء بعيدة عن حقائق الواقع والحياة؟ وبذلك يكون تجريد الفكر غير الجدلي مع الواقع لا قيمة حقيقية له؟ لأنه معدوم الدلالة التوكيدية في البرهنة على صحته.

أنه لمن الجدير التاكيد عليه أن حقائق الواقع هي التي تصنع التفكير الذهني المجرد الذي لا يقدرهو بدوره تصنيع حقائقه المادية على ارض الواقع...فالواقع موجود مستقل قبل ادراكه الحسي وقبل ادراك التعبير اللغوي الذهني عنه.

حقائق العالم الخارجي هي ايضا تؤكد صحتها وتفرز حقائقها عن زيفها في مرجعية الاحتكام للعقل في تجريده التعبير عنها. وموجودات العالم الخارجي كمدركات وجودية مستقلة لا تمتلك حقائقها الذاتية بنفسها الا في تعالق تفكير الفكر جدليا بها. كل موجود مستقل في عالم الاشياء يكون هو مصدر الفكر لكن ليس بمستطاع الفكر خلق حقائقه الارضية بمعزل عن أدراكها واقعيا مستقلة الوجود قبل ادراكها.

أمام هذا التضاد المنهجي الابستمولوجي يصبح معنا التشكيك المشروع السليم أنه لا حقائق الفكر لوحدها تجدي نفعا في معرفتنا حقائق العالم الخارجي، ولا حقيقة العالم الخارجي تعطينا كفالة ضمان أنها حقائق لا تتعارض صدقيتها مع أفكار العقل التجريدية والتجريبية التي تقوم على الجدل وليس على التسليم القاطع أن الفكر لايلتقي المادة في معرفة الحقيقة الشيئية له. وبهذا الانفصال التعسّفي لا نفهم الاشياء على حقيقتها بدلالة الفكر المجرد المعبّر عنها، كما لا نستطيع فهم الاشياء في واقعها المستقل عن تفكير العقل.

كل معرفة حقيقية مكتسبة عن الاشياء بواقعيتها الادراكية السليمة المستقلة هي كانت مبتدأ بداية اكتساب المعرفة، بدليل أن الفكر في تفكيره بالاشياء وفي التعبير عنها مصدره اكتساب الخبرة والمعرفة عن موجودات العالم الخارجي المستمدة من الواقع. التجريد الفكري هو في كل الاحوال تعبير عن معارف مكتسبة سابقة مصدرها الواقع ليس في ثباته فقط وانما في تغيراته وتطوراته المستمرة، ويصبح العكس أعتبار أن الفكر يقوم بتصنيع حقائق الواقع رأي لا يكتسب ادنى صدقية معرفية. فمثلا حين نعمل وفق بديهة رياضية هندسية أن المثلث يتالف من ثلاثة اضلاع وثلاث زوايا مجموعها 180 درجة، وهي حقيقة علمية مسلم بها ولا يمكن دحضها بعد الاف السنين، لكن التساؤل هل الفكر أستمد معرفة المثلث وصفاته بالفكر التجريدي أم بسابقة مادية معرفية اكسبت الفكر حقيقة علمية ما هو المثلث منذ عصر فيثاغورس وربما قبله، وهل المثلث أبتداع فكري آني جديد أم هو نتاج مادي تم تصنيعه واختراعه ميدانيا وليس نظريا فقط قبل أن يصبح حقيقة علمية بديهية متوارثة علميا لا تحتاج البرهان عليها بمرور الزمن؟.

التفكير النسقي المنّظم والمنطقي المجرد الذي يتم داخل الفكر لا يكفي معرفة حقائق العالم الخارجي بدلالة براهين العقل المجردة بدون خلفية معرفية مادية سابقة عليها أعطت الوجود المادي صفة مصدر الافكار بنفس وقت الواقع يستجيب لنتائج تلك الافكار في معالجة الذهن لها. بمعنى جدل الفكر مع الواقع يعمل ليس فقط على ادراك كلا منهما علميا بل بأعتبار الجدل التخارجي بين الفكر والواقع يمنحهما تطورهما التلازمي معا. وكلا بمواصفاته الخاصة بدلالة أحدهما على الاخر في تعالقه الادراكي العقلي.

الفهم المثالي لصواب الافكار

يدعم اسبينوزا في تطرف مثالي تفكيرديكارت المنهجي في محاولتيهما ارضاء الكل على حساب طمس وتضييع الصائب عن الزائف، في مثل تعبيرات ديكارت السطحية قوله " تكون الافكار الواضحة والمتميزة صادقة. اذا ما كانت واضحة ومتميزة، بخلاف الافكار الغامضة فهي غير كافية أو كاذبة)2.

لا يمكن الركون الى صواب صحة الاستدلال في فرزنا الافكار صادقها مع زائفها بدلالة الوضوح والغموض في التعبير اللغوي، فمعيارية هذا الفرز لا يقوم على وضوح لغة التفكير من غموضها في التعبير عن مواضيعها المدركة. بل فرز الصواب عن الخطأ يتم بدلالة مخرجات التفكير العقلي في تعبير اللغة عن الاشياء المدركة. التفكير خاصية عقلية تجريدية وتعبير اللغة وسيلة توصيل تفكير العقل. بمعنى نقص وعدم وضوح تعبير اللغة عن الافكار منشؤه الدماغ والذهن.

وعلى نفس منهج ديكارت المثالي يعمد سبينوزا في حكمه على صدق الافكار بمرجعية الاحتكام لله. قوله (معرفة الله هي الاكثر يقينا في كل ما لدينا من معارف، وما عداها من حيث أنها ممكنة نستمدها من معرفتنا الله، أو يمكن على الاقل أن ننظر اليها على ضوء معرفتنا بالله)3. وهذا نفس المنطلق الذي ارساه بيركلي بعدهما.

هنا لا نريد نذهب بعيدا في وهم حقيقة أن سبينوزا الفيلسوف الكبير لا يفرق بين الافكار وبين الاخلاق عن غير قصدية مسبقة. فهو يعتبر الافكار هو ما يحتويه اللاهوت الديني من مواعظ ورقية لا رصيد لها في التطبيق وهذا ليس مجال التفصيل به. لكن هنا علينا محاكمة صحة الافكار بما يقوله العلم والتجارب المعرفية وليس ما يقوله اللاهوت من مواعظ أخلاقية لا رصيد لها على ارض الواقع والتطبيق.. أفكار تعبيرنا عن الحياة في مناحيها كافة، لا يغني عنها دلالة صحتها بمرجعية الايمان الديني بأفكار الاخلاق. الاخلاق ليست هي كل افكار الحياة التي نتعامل بها. رغم بديهة التسليم أن كل فكر يحتوي أخلاقه الانسانية يكون مقبولا لكن لا يكون ما يحمله من أخلاق مستمدة من الدين تجعله صحيحا يمكننا تطبيق أخلاقيته في كل مجالات الحياة.

أسبينوزا في عباراته السابقة يتماهى مع فلسفة باسكال وبيركلي في محاكمتهم ادراك الوجود بأكمله بمنطق اللاهوت الايماني الديني فما يعجز عنه الادراك ولا تستطيعه اللغة والافكار نجد حلوله جاهزة فيما يقوله اللاهوت المستمد من وحي الله به. فالاخلاق التي تعلو منزلة الافكار المعرفية يكون قبول رفضها أو صحتها هو بالتعالق السببي لها مع الايمان الديني. لكن الاكثر أهمية هو أستحالة تطبيق مانجده صحيحا بأخلاق الدين يكون بالضرورة الحتمية صادقا صحيحا منطبقا على افكار الحياة خارج افكار الايمان الديني.. بمعنى لا يمتلك الانسان ضميرا أخلاقيا بمعزل عن الايمان الديني كما يريده سبينوزا وبيركلي.كما يؤكد جون لوك أن الاخلاق المنطقية تقوم على وجود الله، وأنكار ذلك سيقوض جميع الالزامات الخلقية والمدنية.

لكنما السؤال المحرج الذي يبقى بلا جواب كيف يستطيع من لا يمتلك ايمانا دينيا تمييز افكار واخلاق الصح من الخطأ بغياب مرجعية اللاهوت في دلالة الايمان الديني المنهج الوحيد في ادراك الوجود؟ وما هو معيار الصح والخطا في تفكير الانسان وفي أخلاقه خارج الايمان الديني؟ هل نعاملها بمنهج الوضوح والغموض التي يقول به ديكارت أم يبقى تعطيل العقل عن التفكيرالعلمي بالاجابة هو الحل؟ ما لم يتم التسليم مقدما بالاحتكام الى مرجعية الايمان الديني قبل العلم وقبل الوضوح اللغوي الديكارتي؟

هل من المعقول تصديق فرضية سبينوزا أنه يحاكم صحة وصواب الافكار بمقياس مقارنة زيفها بالايمان الديني معتبرا الاخلاق هي اساس صحة الافكار في كل مناحي الحياة بدلالة لاهوت الاديان.؟ سبينوزا في التماهي مع النزعة الايمانية الديكارتية القائمة على فوبيا الخروج عما كان سائدا في هيمنة الكنيسة المطلقة الرهيبة التي ارعبت ديكارت في محاكمتها غاليلو وأحراق برونو.. ذهب الى الازدواجية العلمية – الدينية بالفلسفة في أعتباره أخلاق الدين هي مصدر ومرجعية كل صواب تفكير ناجح وصائب بالحياة.. وبذلك جعل اسبينوزا ميتافيزيقا الايمان هي جوهرالاخلاق وسلامة الافكار معا.. سبينوزا كفيلسوف كبير لا يمكن أن يقع بعدم اقراره أن أخلاق الانسان كفكر وسلوك تطورت انثروبولوجيا تاريخيا رغم ما شابه من عصور همجية ألا أن سلوك الانسان المؤنسن بالتعايش مع الانسان من نوعه كان سابقا على ظهور أخلاق الاديان الوثنية والتوحيدية الذي رافق أختراع الانسان الكتابة والتدوين ثلاثة الاف سنة قبل الميلاد.. أخلاق الحياة الانسانية سابقة على أخلاقيات الاديان وسابقة على أنها مستمدة من الدين.. وبعدما فقدت الاديان الكثير من مرتكزاتها التاريخية اللاهوتية على رأسها (معجزات) الانبياء التي بدأت الشكوك الجادة تطال نكرانها ولا عقلانيتها، لم يتبق أمام الاديان غير المتاجرة بأخلاق السماء المتعالية جدا على أخلاق رجال الدين الكاذبة على الارض.

من الصحيح الذي لا جدال فيه أن الاخلاق في مرتكزها الايمان الديني تعلو جميع المفاهيم النظرية الاخلاقية الفلسفية وفي علم الاجتماع وعلم النفس الفطرية منها والمكتسبة التي تتماشى مع التطابق المفهومي الاخلاقي الديني. وبغير ذلك يمكننا أعتبار انثروبولوجيا وجود الانسان الى ما قبل ظهور الاديان الوثنية والتوحيدية، كان بلا أخلاق انسانية لا فطرية ولا مكتسبة من تجارب الحياة مهما كانت بسيطة.

الاخلاق فطرة غريزية غير جينية موروثة كان يحملها الانسان بهذا التعبير أو ذاك قبل ظهور الاديان في حياة الانسان. التي لا أحد يفكر اليوم أنها في جوهرها التطبيقي الصحيح لا تعطي الانسان المكانة الرفيعة التي أرادها الخالق له على الارض. ولا من المنطقي انكار حقيقة العديد من عباقرة العلوم في جميع تخصصات المعرفة انجزوا أعمالا خالدة افادت البشرية بما لا يمكن حصره، ولم ينكروا اولويات هرم الاخلاق هي تلك المستمدة من الدين التي لها دور كبير في تماسك المجتمع، لكن لا يعني هذا أن من لم يأخذ باخلاق الدين كان فاقدا الضمير الاخلاقي الرادع عن كل ما هو خارج الاخلاق الانسانية العليا السامية.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

..........................

الهوامش:

1- وليم رايت/ تاريخ الفلسفة/ صفحات 116، 171

 

 

علي رسول الربيعييعبر روبرت عودة[1] عن نهج توافقي تجاه التبرير أو التسويغ العام الذي يهدف إلى معالجة القلق من تهميش المواطنين ومذاهبهم الشاملة (comprehensive)؛ علاوة على ذلك، فإنه يهدف إلى تجنب موقف شامل أكثر من اللازم بشأن الخطاب الديني في المجال العام عند اتخاذ قرارات ملزمة أو قسرية. يجادل عودة، بخصوص معالجة مشكلة المستوى المناسب والكافي من الشمول والإدماج، بأن الالتزام بالتبرير العام (للمواقف والاراء والأعتقادات) يتوافق مع المعتقدات الدينية القائمة على مجموعة من المبادئ الأخلاقية التي يمكن لكافة المواطنين تأييدها والتي ينبغي أن توجه سلوكهم ايضأً. يرى عودة بدلاً من أعتبارالتبرير العام مطلبًا خاصًا للأشخاص عندما يتصرفون كمواطنين كما يرى راولز، ينبغي اعتباره مستمرا ومتواصلاً مع حياتهم الأخلاقية. يسعى هذا النموذج الأخلاقي للمواطنة إلى تحقيق توازن بين الالتزامات والأحكام والأسباب الدينية وغير الدينية: لا يعتمد، بالنسبة لعودة، المثل المعياري الأعلى للمواطنة الديمقراطية على التقسيم بين المفاهيم السياسية والمذاهب الشاملة؛ فواجب التعبير عن الأسباب الدينية بصدق وإخلاص يتوافق مع شرط وجود أسباب ودوافع علمانية كافية للعمل في المجال العام.

العقل الديني والعقل الطبيعي وتبرير الإكراه

على أي أساس يمكن تبرير الإكراه في دولة ليبرالية؟ هل الأسباب الدينية كافية لإضفاء الشرعية على القرارات الملزمة أو القسرية بشكل عام؟ يعتقد عودة بأنه لا يمكن الإجابة على هذه الأسئلة بشكل صحيح سواء بإخراج جميع العقائد الأخلاقية الشاملة من الصورة؛[2] أو بافتراض أن حياد الدولة تجاه الدين يستلزم الحياد تجاه جميع القيم الأخلاقية.[3] إن المطلوب هو مفهوم ما عن الخير كأساس لدستور ديمقراطية ليبرالية. وبهذا المعنى، ليست الدولة محايدة قيميًا في كلا الحالين. أيً نحو ما له قيمة في حد ذاته، ونحو مبادئ أخلاقية محددة تتجاوز المعايير المعيارية العامة التي يعتبرها راولز وعدد من المنظرين الليبراليين ضرورية للمجتمعات الديمقراطية.[4]

ليس مطلوب عدم حيادية الدولة فقط لتحديد تعدد الخيرات التي على الدولة أن تحققها، ولكن أيضًا لتبرير  الإكراه. يرى عودة، من منظور ليبرالي، أنه ينبغي تقييد حرية البالغين لمنع إلحاق الأذى بالأشخاص والحيوانات والبيئة؛[5] ومع ذلك، لايمكن التعبيرعن مفهوم للضرر إذا لم يكن مبنيًا على بعض المفاهيم  المؤكدة للقيم الأخلاقية والصالح البشري الذي يتعرض للضرر. أحد الأمثلة على ذلك هو التعليم الإلزامي: أنه قيد رئيس ولكن لا جدال فيه فيما يتعلق بالحرية في المجتمعات الديمقراطية، وله ما يبرره بوصفه ضروري لمنع ضرر الجهل. تشجع الدولة الليبرالية بالضرورة على تطويرالخيرات الجوهرية التي يتم اتخاذها للمساهمة في تحقيق قدرات المواطنين عند تحديد محتوى المنهج الدراسي الإلزامي.[6] ومع ذلك، ليست كل هذه المفاهيم كافية لهذه المهمة. تتعارض الأيديولوجيات التي تدعم المواقف العنصرية أو الأحكام المسبقة التمايزية أو المفاهيم الشاملة التي تسمح بحكم استبدادي مع مركزية  الحرية والمساواة التي تميز النموذج الديمقراطي الليبرالي، وهي غير كافية لإضفاء الشرعية على الإكراه. ، يمكن أن تكون مجموعة واسعة من القيم والرؤى الأخلاقية والدينية مصدرًا للخطاب العام والتداول السياسي بصرف النظر عن هذه الاستثناءات وغيرها من الاستثناءات المماثلة.[7] ياتي وقوف المواطنين ضد اضطهاد الأطفال (أو انتهاك كرامتهم)  من بدهيتهم وحدسهم الأخلاقي بوقوع ضرر اجتماعي وأن واجب الأحسان يستدعي اتخاذ إجراءات ضد ذلك.[8] تكون هذه التقييمات الموضوعية حاسمة عندما تفشل الاعتبارات المجردة للعدالة والمعاملة بالمثل. يُبني السياسي على الأخلاقي عندما يتعلق الأمر بالمطالبات العامة المعيارية خاصة.

يأتي الدين في هذا الإطار كمصدر للأسباب والتسويغات المعيارية وبنية للسلطة. لكن ليست التسويغات والأسباب الدينية، من وجهة نظرعودة، أرضية كافية ومناسبة لإضفاء الشرعية على الإكراه وبنية القانون في ديمقراطية ليبرالية. وبهذا المعنى، لا يجب الخلط بين عدم حياد الدولة تجاه جميع القيم ورفض الحياد الديني: فينبغي  أن تكون الحكومة الديمقراطية الليبرالية محايدة تجاه الدين من أجل تجنب خطر الهيمنة الدينية. ما الذي يجعل المسوغات والأسباب الدينية غير كافية مقارنة بالمسوغات والأسباب العلمانية في إضفاء الشرعية على الإكراه؟ أولاً، لأن عادة ما ترتبط الأسباب الدينية ببنى السلطة في المجتمعات والمؤسسات الدينية. يمكن أن تتدخل هذه في التبادل الحر بين مواطنين متساوين وهو أمر مطلوب في أي ديموقراطية ليبرالية ، وهذا ما يعزز من الهيمنة الدينية. ثانيًا، غير كافية الأسباب الدينية لأن لا يمكن الوصول إليها بالطريقة نفسها التي يمكن الوصول  بها للأسباب غير الدينية؛ تعتمد الأسباب الدينية معرفيًا على الخبرة الدينية أو السلطة الكتابية أو الوحي الإلهي؛ وهي ليست متاحة بالطريقة نفسها كمصدر للأدلة، للأشخاص غير المتدينين. لا تعتمد الأسباب العلمانية على مثل هذه الأسس فهي تعتمد على الخبرة الحسية أو الاستدلال المنطقي؛ وبهذا المعنى فهي متاحة للأشخاص المتدينين وغير المتدينين على حد سواء.

إن فرضية صيغة عودة  لمبدأ الضبط والتقييد هي قبول التسويغات والأسباب العلمانية كأساس يمكن الوصول إليه من قبل اي فرد وفي كل حالة لتقييد الحرية. يعرّف عودة هذا المبدأ (الذي يسميه مبدأ المنطق العلماني) على النحو التالي: يقع على عاتق المواطنين في نظام ديمقراطي التزام مبدئي بعدم دعم أو الدفاع عن أي قانون أو سياسة عامة تقيد السلوك البشري، ما لم يكن لديهم تسويغ علماني مناسب لهذه الدعوة أو الدعم (التصويت على سبيل المثال).[9]

إن التسويغ العلماني، بالنسبة لعودة، هو المتاح للمواطنين العقلانيين على أساس قدراتهم العقلانية الطبيعية فقط. فلا يتطلب العقل العلماني أي لجوء لمعتقدات حول الله أو الوحي الإلهي أو سلطة التقاليد الدينية: يمكن للجميع اكتساب وتقييم الأسباب العلمانية من خلال ممارسة القدرات الطبيعية ودون أي اعتماد على الكتب المقدسة أو التعاليم الدينية. وكما يلاحظ عودة: "يمكن تسمية مبدأ العقلانية العلمانية بنفس القدر من الملاءمة تقريبًا مبدأ العقل الطبيعي".[10]

إن التسويغ العلماني "طبيعي"، أي أنه مؤسس على أدلة غير دينية يمكن لأي شخص الوصول إليها، لكنها ليست بالضرورة داعمة للمواقف المعادية للدين. لا تتناقض ممارسة تسويغ العقل الطبيعي (أي العقل بوصفه هبة طبيعية لجميع البالغين الأكفاء) بالضرورة مع مصادر التسويغ الأخرى، مثل الوحي: فلا يتعارض الإيمان بوجود إله كلي القدرة وخير مع العقل طبيعي من وجهة نظر عودة. وبالمثل، يمكن للمتدينين في مجال النظرية الأخلاقية التعرف على سلطة التسويغات أوالأسباب الطبيعية في الأمور الأخلاقية دون الحاجة إلى إنكار وجهة نظر دينية للواجبات الأخلاقية كما هو منصوص عليها في الأوامر الإلهية.  وبهذا المعنى يمكن أن يشترك الناس المتدينين في المبررات الأخلاقية المقبولة نفسها من قبل نظرائهم العلمانيين دون التخلي عن المبررات أو الأسباب الدينية. يرى عودة أن علماء اللاهوت المسيحيين البارزين مثل توماس الأكويني والآخرين المندرجين في تقليد القانون الطبيعي الذي أعقب ذلك يؤيدون هذا الموقف التوافقي. فبالنسبة لعودة، يجب أن تعترف أي نظرة دينية تشمل مفهوم الله العقلاني، كلي العلم،  والخير بسهولة بأن مثل هذا الخالق سيجعل البشر قادرين على تمييز الحقائق الأخلاقية. إن التمييز العقلاني بين الخير والشر في متناول البشر، بناءً على  تسويغات وأسباب علمانية نظرية لا تعتمد على الوحي الإلهي أو الرؤى الصوفية. وبالتالي فإن العلمانية هي تصور واسع  يمكن للناس المتدينين وغير المتدينين التعرف عليها  وأدراكها كأرضية مشتركة للبناء عليها.[11] يمكن للمرء، على هذه الأرضية المشتركة، أن يوضح ويدافع عن القيم والواجبات الأخلاقية الأساسية التي تحتاجها الديمقراطية الليبرالية والتي تعتنقها معظم الأديان، على الرغم من أنه قد يكون لدى المؤمنين مبررات دينية إضافية لدعمها.

يُظهِر مبدأ المنطق العلماني أوجه تشابه واضحة مع واجب راولز في التحضر، نظرًا لأنه يعكس فكرة كانط عن المواطنين كمشرعين مشاركين ويوضح مبدأ أخلاقيًا للمعاملة بالمثل. لكن يترك التشابه مع نموذج العقل العام عند راولز مجالًا لاختلافات جوهرية. فلا تستند وجهة نظر عودة ، كما أشرنا، إلى التمييز بين المفاهيم السياسية للعدالة والمذاهب الشاملة للخير، بل على الجاذبية السياسية للقيم الأخلاقية الجوهرية والحدس والبداهة. القيمة المعياريًة للخطاب الأخلاقي هي أساس تبرير القرارات المتعلقة بالقوانين القسرية والسياسات العامة.[12] وينتج عن ذلك أن الأسباب  الكافية التي يقدمها المواطنون لتبرير موقفهم يجب أن تكون علمانية، ولكن ليس بالضرورة عامة بالطريقة التي يحددها راولز.[13] فيمكن أن يكون الخطاب الأخلاقي وسيطًا بين الأطر المعيارية المختلفة بما في ذلك الالتزامات الدينية والمثل السياسية العلمانية. تلعب اعتبارات المعاملة بالمثل دورًا، لأن يسعى المواطنون المتدينون من خلال تقديم  تسويغ أوسبب علماني لتبرير موقفهم على الأقل،على أرضية يمكن للمواطنين غير المتدينين أن يستجيبوا لها . لكن تعتبر البديهيات الأخلاقية الأساسية الأخرى حول واجبات الوقاية من الأذى أو المنفعة أو الوفاء بالوعد أيضًا متاحة للجميع. وبالمثل، فإن تقدير القيم الجوهرية التي تشمل ازدهار القدرات البشرية الأساسية هو أساس كاف ومناسب للتداول السياسي، حتى بما في ذلك الإكراه، كما في حالة التعليم الإلزامي (انظر أعلاه). باختصار، وطبقاً لرؤية عودة، يمكن استخدام مجموعات مختلفة من الأسباب الموضوعية لتبرير المقدمات الأساسية للديمقراطية الليبرالية. إنه ليس مهتمًا بتقديم صيغة واحدة شاملة من الليبرالية، ولكن بالأحرى ينظر في الكيف الذي تتوافق الأسباب الموثوقة مع عملية التبرير العام ضمن سياق بيئة ديمقراطية ليبرالية  قائمة مسبقًا.[14]

الصوت المدني والنشاط الديني

يدعي عوده أن وجهة نظره تشمل الدين من خلال اللجوء الى فكرة التوازن بين الأطر الدينية والقيم الأخلاقية الجوهرية. ومع ذلك، فقد تعرض مبدأه بشأن المنطق العلماني للنقد لأنه أدى إلى عواقب إقصائية من خلال الضغط على المواطنين  المتدينين لإخفاء  تسويغاتهم وأسبابهم الدينية تحت قناع أوعباءة علمانية؛ وأن المؤمنين يخضعون، على هذا النحو،الى العبء الذي يُعفى منه نظرائهم العلمانيون.[15] يرد عودة  على هذين الاعتراضين من خلال تقديم مبدأين أخلاقيين متكاملين: مبدأ الدافع العلماني ومبدأ المنطق الديني. يتم صياغة مبدأ الدافع العلماني على النحو التالي: يقع على عاتق المواطنين في نظام ديمقراطي التزام بالامتناع عن الدفاع أو دعم أيً قانون أو سياسة عامة تقيًد السلوك البشري، ما لم يكن دافعهم وفق سبب وتسويغ علماني كافٍ.[16]

مبدأ الدافع العلماني هو مبدأ فضيلة - أي أنه أقل إلزاما من الناحية المعيارية ويهتم بالطريقة التي يتعامل بها المواطنون مع بعضهم البعض،[17] في حين أن مبدأ المنطق العلماني هو مبدأ تسويغ: إنه يهدف إلى وضع قيود معرفية على المصادر التي يعتمد عليها الناس لمشاركتهم في العملية الديمقراطية. وعلى خلاف مبدأ الدافع العلماني، يؤثر الاهتمام بالمسوغات والأسباب العلمانية على مضمون الخطاب العمومي والتداول. إذا أخذنا هذين المبدأين معًا، فإنهما يسمحان للمواطن المتدين بتقديم العديد من الأسباب الدينية التي تتطلب مناقشة عامة، مع تحفيزها بمُثل دينية أيضًا، بقدر ما يكون لديه أيضًا سبب علماني واحد على الأقل يبرر موقفه ويحفزه.

وبالمقارنة مع مفهوم راولز، في هذا السياق، يبدو مفهوم راولز أكثر انفتاحًا على الاستعمال المؤقت  للمسوغات والأسباب الدينية وحدها، حيث يتصور أنه ينبغي تقديم الأسباب السياسية "في وقتها المناسب"؛ لا يشير عودة، في المقابل، إلى إمكانية أو أحتمال تأخير تقديم الأسباب العلمانية.[18] ومع ذلك، فإن تقديم الأسباب الدينية في النقاش العام له أهمية أخلاقية بالنسبة لعودة لا يقرها الواجب الراولزي في  التحضر. توضح أخلاق المواطنة عند عودة ذلك من خلال مبدأ المنطق الديني: لدى المواطنون المتدينون في المجتمع الديمقراطي التزام بدهي بعدم تأييد أو دعم أي قانون أو سياسة عامة تقيد السلوك البشري، ما لم يكن لديهم، ومستعدون لتقديم، مسوغ أو سبب ديني كافي لهذه الدعوة أو الدعم.[19]

إن استخدام المؤمنين لأسباب دينية، بالنسبة لعودة، هو واجب أخلاقي يقوم على شرط النزاهة والصدق؛ ونظرًا لأن مشكلة الإكراه مركزية في الديمقراطية الليبرالية، يجب أن يكون المواطنون مستعدين للإفصاح عن مسوغاتهم و أسبابهم عندما يناقشون ويتخذون القرارات. إن مبدأ المنطق الديني هو في الوقت نفسه شكل من أشكال التأكيد على الدور التبريري للأسباب الدينية وضمانة ضد النفاق في المداولات العامة: يجب التعبير عن الأسباب الدينية علانية ولا داعي لأن تكون مُقنعة كأسباب غير دينية. إن الإخلاص، وفقًا لأخلاق المواطنة لدى عودة، عنصر أساس في تحديد الصوت المدني المطلوب أن يساهم به الناس في جهود المداولات العامة والحكومة الديمقراطية. لكل مواطن الحق في أن يكون قادرًا على التوقع من  نظرائه التعبير علنًا عن جميع الأسباب التي يشعرون معها أن موقفهم له مايبرره وأنهم يتصرفون علنًا بناءً على دوافع يمكن أن تُفهم دون تغيير وجهة نظرهم بشكل جذري.[20] إن تحقيق هذا الشكل من الفضيلة المدنية هو تعبير عن التزام من المواطنين المتدينين بتحقيق توازن-أخلاقي،[21] "توازن بين  المواقف والمعتقدات الأخلاقية الدينية والعلمانية".[22] إن هذا التوازن من النوع الأخلاقي الشامل وهو نتيجة جهد لإيجاد توازن معرفي تكون فيه المعتقدات والمواقف الأخلاقية للشخص متسقة وتدعم بعضها البعض بقدر الإمكان. تعد المشاركة المدنية، من هذا المنظور، طريقة حاسمة ومصيرية للمواطنين المتدينين لدمج معتقداتهم الدينية والعلمانية في تفكيرهم وسلوكهم السياسي تدريجياً.[23] يمكن للرؤى الدينية أن تثري، بل وتقود المرء إلى مراجعة الحدس البدهي الأخلاقي العلماني؛ ومن ناحية أخرى، يمكن أن تكون المعتقدات الأخلاقية العلمانية بمثابة مصدر نقدي للأشخاص المتدينين للتشكيك في فهمهم لمتطلبات الوصايا الدينية. يمكن أن يقترح التعرض لأشكال البحث غير الدينية والتفكير العملي أيضًا اتجاهات ومقاربات جديدة عندما يتعلق الأمر بتفسير المصادر الدينية (مثل الكتب المقدسة أو التقاليد اللاهوتية أو التجارب الشخصية). يحافظ هذا الموقف المتوازن على المكانة المركزية التي تحتلها الأسباب الدينية في حياة المؤمنين بالإضافة إلى الحفاظ على التزامهم بالتبرير العام. إن التوازن بين الاعتبارات العلمانية والدينية هو المفتاح لإمكانية التبرير العام بين المواطنين الذين لديهم التزامات دينية مختلفة. فيمكن للمواطنين المتدينين الذين توصلوا إلى تبرير وجهة نظرهم الأخلاقية على أساس مزيج متماسك من الأسباب الدينية والعلمانية، تقديم هذه الأسباب في عملية التبرير العام والسماح للمواطنين العلمانيين بفهم موقفهم بناءً على أساس غير ديني، اساس منطقي عقلاني.

هناك حالتان تقدمان اختبارًا مثيرًا للاهتمام لأخلاق المواطنة عندي عودة: (i) مسألة التعليم الديني في إطار التعليم العام الإلزامي و (ii) دور الخطاب الديني في الدفاع عن الحقوق الأساسية.

(i) النظر أولاً في النقاش المتعلق بإدراج تدريس الدين في مناهج التعليم العام. المدرسة العامة هي مؤسسة يتم فيها نقل القيم والمبادئ الأساسية للديمقراطيات الليبرالية واستيعابها. كيف يمكن للمدارس العامة ، عند تنفيذ هذه المهمة، أن تكون ذات قيم غير محايدة دينياً؟ لا تنتهك المؤسسات العامة الحياد الديني من خلال تبني حلول شاملة تحدث تغييرأ ملحوظاً تتحدى العلاقة القائمة بين الأسباب الدينية والعلمانية للطلاب من منظور عودة .

ليس الدين موضوعًا للتعليم العام في مختلف البلدان، ولكن تدريس العلوم والأخلاق في المدارس العامة له تأثير محتمل على إيمان الطلاب. يؤيد تدريس علم الأحياء التطوري المعتقدات التي لا تتوافق مع التفسير الحرفي للكتب المقدسة. ويدعو تدريس بعض المبادئ الأخلاقية الأساسية، مثل تحريم القتل والسرقة والكذب، إلى التساؤل عن مدى توافق هذه المحظورات مع العقائد الدينية المختلفة والأسس المحتملة للأخلاق عند الله. إذا قالت الكتب المقدسة أن الكذب على فئة معينة من الناس له ما يبرره ولكن الأخلاق التي يتم تدريسها في المدارس تنفي ذلك، فهناك تضارب في المضمون  ومشكلة في التبرير. لا يجب على المدارس العامة، لتجنب انتهاك الحياد الحكومي تجاه الدين، تعليم طلابها أنه ينبغي عليهم رفض الافتراضات الدينية مثل "خلق الله العالم" أو " أن صحة الواجبات الأخلاقية تعتمد على وجود الله".[24] ومع ذلك  يمكنهم تعليم وجهات نظر مختلفة وتقديم الحجج التي تتحدى هذه المعتقدات.

هذا الموقف الحيادي من التعليم العام هو مصدر قلق للأديان المغلقة، ويمكن أن يؤدي بها إلى صراع مع نظام المدارس العامة. فعلى سبيل المثال تم في كندا والولايات المتحدة إنشاء أنظمة المدارس العامة "متعددة الأشكال" لتفضيل انتشار برامج التعليم العام. تسمح هذه الأنظمة بالتعليم القائم على الدين في إطار المناهج العامة. يتوافق هذا التفاعل بين البرامج التعليمية الدينية والعامة مع وجهة نظر عودة القائلة: يجب على  المواطنين المتدينيين أن يتبعوا توازنًا أخلاقيًا. ويتم ذلك من خلال مساعدة المواطنين المتدينين بتعليمهم على أساس مناهج تقدم تعاليم دينية وعلمانية السعي لتحقيق تكامل أكبر بين أسبابهم الدينية والعلمانية. وبهذا المعنى، يشجع الانضمام إلى نظام التعليم العام الأشكال المناهضة للدوغمائية وللطائفية، ومن النتائج المرغوبة لهذه العملية اعتماد تفسير غير حرفي لقصص الكتب المقدسة وتعليم الالتزامات الأخلاقية الأساسية كمبادئ مشتركة مع بقية السكان.[25] تتماشى هذه النتائج مع هدف التعليم العام الإلزامي، حيث تزود المواطنين بالمصادر المفاهيمية والأخلاقية التي تدعم مشاركتهم في الحياة الديمقراطية. ومن هذا المنظور، يغفل فصل راولز- مثلاً- بين السياسي والرؤية الشاملة أهمية التعامل مع معتقدات المواطنين وقيمهم الجوهرية لدعم الروح الديمقراطية التي تربط بين أبعاد السياسة من أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى. وبهذا المعنى، فإن الأنظمة التعليمية الشاملة  ضرورية لتعزيز أخلاق المواطنة التي تأخذ بجدية مشاركة المؤمنين في الحياة الاجتماعية والسياسية المشتركة.

(ii) النظر في دور الخطاب الديني في الدفاع عن الحقوق الأساسية. هل اللجوء إلى المسوغات والأسباب الدينية مبرر دائمًا في هذه الحالة، حيث لا يتم تقديمها لتبرير الإكراه بل لحماية الحريات الأساسية؟ لا تأخذ إجابة عودة هذا السؤال في الحسبان نوع الأسباب التي يتم تقديمها في المجال العام. يجادل عودة بأنه يجب على  المؤسسات والقادة الدينيين أن يظهروا أكبر قدر من ضبط النفس من المؤمنين العاديين عندما يتعلق الأمر باستخدام الأسباب الدينية في الأمور السياسية. تقع على عاتق المؤسسات الدينية وقادتها المسؤولية الأخلاقية في أقناع  أتباعهم بعدم استخدام سلطة الدين للتدخل في عملية ديمقراطية تشمل كافة المواطنين على قدم المساواة. ومن هذا المنظور، لا ينبغي للمؤسسات الدينية أن تؤيد المرشحين للمناصب العامة ولا تدعم القوانين التي تقيد السلوك. بالإضافة إلى ذلك، يجب على القادة الدينيين الفصل بين آرائهم السياسية الشخصية وآرائهم كرجال دين.[26]

ومع ذلك ، فأن قبول الاعتبارات الدينية في حالات معينة  لدعم التحرر من القيود شئ ؛ ومدى استحسانها واستصوابها شيء آخر تمامًا". من هذا المنظور على الرغم من أن الاحتكام الى الاعتبارات الدينية في حد ذاته أمر غير قابل للاعتراض على أساس مبدأ المنطق الديني، لكن أن  تكون مبنيًة على سلطة دينية أو قراءة حرفية للكتاب المقدس فستكون طائفية مثيرة للانقسام.[27]. ثانيًا، لا يزال استخدام الحجج الدينية المصاغة بطريقة غير طائفية أقل من المثال المطلوب:

من الواضح أن هناك "أسبابًا شاملة" (بالمعنى الذي يقول فيه راولز)، مثل قيمة الأستقلالية في حياة الإنسان بالمعنى الذي يقول فيه كانط، تشترك فيها جميع التقاليد الدينية التي من المحتمل أن يتم تمثيلها في مناقشة سياسية في دولة ديمقراطية. ولكن حتى في حالة وجود مثل هذه القواسم المشتركة بين الأديان، قد تؤدي أو لا تؤدي الإشارة إليها إلى قيام المواطنين بإدخال الحجج الدينية في الخطاب العمومي التي توحدهم بدلاً من أنقسامهم.[28]بالنسبة لعودة، ستكون الحجة الأخلاقية التي يتم التعبير عنها بطريقة دينية مقبولة، ولكنها غير مستحسنة. يتوقع عوده كذلك أن يفصل رجال الدين دائمًا وجهات نظرهم السياسية عن دورهم على الرغم من أن هذا قد يستلزم منهم أن يمتنعون عن الانضمام إلى النقاش السياسي تمامًا.[29]

التوافق، والعبء غير المتكافئ، والشمولية

تتحدى أخلاق المواطنة عند عودة  الفصل الصارم بين التصورات الشاملة ومجال السياسة. لا يمكن فصل تصنيف الخير والعدالة في تجربة العديد من المتدينين، فهما يمكن أن يصدرا عن مزيج من المعتقدات الدينية وغير الدينية. ومع ذلك، يعتمد منظور عودة على افتراضات مفرطة في التفاؤل حول مستوى الاتفاق الذي يمكن الوصول إليه وفقا لأسس علمانية على أساس القدرات المعرفية "الطبيعية". إنه يكشف، بهذا المعنى، عن أنه يقيم أعتبار للتسويغات والأسباب الأخلاقية الشاملة مثل "قيمة نوع الاستقلالية في حياة الإنسان التي يقول بها كانط"[30] التي ينبغي أن تشترك فيها التقاليد الدينية في المناقشات الديمقراطية. تفصل أخلاق المواطنة عند عودة على غرار المقاربات التوافقية الأخرى للعقل العام بشكل مصطنع، ايً عن طريق التدخل البشري، منطقة اتفاق قائمة على تسويغات وأسباب مستقلة (أسباب أخلاقية علمانية) من منطقة الخلاف (حول الدين). لكن يمكن أن يكون  الخلاف حول القضايا غير الدينية مثله مثل الخلاف حول المسائل الدينية ويمكن أن تكون مثارًا للجدل والانقسام بين القادة السياسيين العلمانيين مثلهم مثل القادة الدينيين.

تصطدم مبادئ عودة، بمايلي: (i) مشكلة العبء غير المتكافئ الذي يتحمله المواطنون المتدينون عند الانضمام إلى عملية التسويغ أو التبرير العام و (ii) مشكلة الإجماع على أساس أسباب علمانية مستقلة كما يُزعم.

(i) لا يتم تقاسم عبء التبرير العمومي بالتساوي بين المواطنين المتدينين والعلمانيين. إن تركيز عودة على الطابع الديني للأسباب باعتبارها تمثل إشكالية للتبرير العام يمكن أن يثقل كاهل المواطنين المتدينين باعتبارهم متدينين بطريقة لا تناسب المواطنين العلمانيين. لايمكن للمواطنيين المتدينين المجادلة علنًا بموقفهم السياسي إلا إذا تمكنوا من تقديم مرشح مناسب ضمن مجموعة فرعية من مبرراتهم في حين يمكن للمواطنين العلمانيين تقديم أي سبب لديهم طالما كان مناسبًا لمهمة التبرير. قد يجد المواطنون ذوو الالتزام الديني القوي صعوبة في القيام بذلك، لاسيما فيما يتعلق بالمسائل الأخلاقية المثيرة للجدل  بشدة، والتي من المرجح أن تثير التساؤل حول منظورهم الديني عن الحياة والموت والقيم الوجودية الأخرى. يمكن زيادة هذا العبء من خلال مبدأ الدافع العلماني، الذي يتطلب من المواطنين المتدينين التعبير عن مطالبهم ليس من خلال تقديم أسباب ومسوغات علمانية فقط، ولكن أيضًا بسبب تلك المسوغات والأسباب العلمانية. وفي نهاية المطاف، هناك آثار إقصائية لأخلاق المواطنة عند عودة لا يمكن موازنتها إلا بشكل جزئي من خلال إدراجه للمفاهيم الجوهرية للخير في عملية التبرير العام. وابرز مثال على ذلك هي حالة مارتن لوثر كينج  بوصفها رمز للانقسام الداخلي الذي يطالب به الأشخاص المتدينون اذا ما تم تطبيق مبادئ عودة. هل من الممكن الفصل بدقة بين آراء كينغ السياسية وآرائه كقائد ديني؟ من الصعب أن نتخيل لا يلعب التزام كينج الديني وتجربته كعضو في المجتمع الديني دورًا رئيسا في تشكيل وجهة نظره وجعلها ملائمة لمواطنيه. بشكل عام، يمكن التمييز بين وجهات النظر السياسية والدينية لرجال الدين، ولكن قد لا تكون قابلة للفصل في بعض الحالات كما يشير عودة. يجب أن يحترم سلوك رجال الدين التمييز بين المجالين، ولكن في بعض الحالات قد يكون طلب الفصل الصريح غير واقعي بسبب العلاقة بين شخصيتهم والمعتقدات التي  يمثلونها.[31] يفرض هذا الوضع مطالب شاقة على قدرات المواطنيين العاديين ذوي التزامات الدينية القوية. فعلى الرغم من أنهم لا يمثلون أي مجموعة أو مؤسسات  دينية، إلا أنهم ما زالوا بحاجة إلى التساؤل عن  دوافعهم الفردية للمشاركة السياسية والتأكد من أن لديهم سببًا كافيًا غير ديني للدفاع عن ما يفعلونه في أي وقت.

يؤدي التوزيع غير المتكافئ للأعباء بين المواطنين المتدينين والعلمانيين إلى سؤال: ما الذي يجعل الدين مميزًا في هذا السياق ويبرر أن يُستثنى من بين  العوامل الأخرى التي يمكن أن تحد من عدم كفاية السبب المبرر والمحفز للفاعلية السياسية؟

يشير عوده إلى أن الأسباب الدينية مرتبطة بالبنى الكنسية للسلطة (وهو ما ينطبق على غالبية المؤسسات الدينية)، وبالتالي هي مصدر محتمل لتبرير سيطرة الجماعات الدينية الأخرى؛ لكن تشكل الجماعات الثقافية والعرقية واللغوية والاقتصادية  تهديدات مماثلة بينما هي تعتمد كليًا على أسباب غير دينية لتبرير ادعاءاتها. كما يرى عودة أن الأسباب الدينية غير صالحة للتبرير العام بسبب اعتمادها على أسس إثباتية تتجاوز القدرات البشرية الطبيعية. لكن استيعاب الأسباب العلمانية للأسباب الطبيعية هي إستراتيجية تتضع جميع الأسباب الدينية في موقع  منفصل عن جميع أنواع الأسباب غير الدينية، ابتداءً من ادلتها العلمية إلى تفضيلاتها القيمة الجوهرية، تحت راية العقل الطبيعي. ليست الأسباب الدينية "غير طبيعية" أو يتعذر الوصول إليها إذا ما قورنت بأنواع أخرى من الأسباب  الجوهرية الموضوعية. ينتشر المعتقد الديني عبر الثقافات والمجتمعات، وتدعم الأبحاث النفسية الحديثة فكرة أنه منتج حتمي للطبيعة البشرية منذ المرحلة الأولى من التطورتقريبًا.[32] علاوة على ذلك، قد تبدو وجهات النظر العلمانية التي تعتمد على سرديات كبرى محددة ومخططات مفاهيمية معقدة أنها محيرة ولا يمكن الوصول إليها مثل المذاهب الدينية. وفي النهاية، العبء غير المتكافئ الذي يفرضه منظورعودة على المواطنين المتدينين هو نتيجة الاستقطاب بين الأسباب الدينية والطبيعية التي تعكس فهماً ضيقاً للدين، على غرار اللاهوت المسيحي. أذ يُنظر إلى مجالات علم اللاهوت والأخلاق على أنها مستقلة ولكنها في النهاية تتقارب أيضًا بشأن الحقائق الأخلاقية الأساسية التي يمكن الاعتراف بها من قبل الجميع. واستمراراً مع هذا الفهم ، تقوم فكرة التوازن بين الثيو- أخلاق على افتراض عقلاني مفاده أنه، يمكن أن تنسجم المعتقدات الدينية للمواطنين، بعد تحررها من قيود الدوغماتية والحرفية، مع مضمون يسهل لكل فرد الوصول إليه بواسطة العقل العلماني. إن عوده محق في تسليط الضوء على الدور التغييري للتعليم العام والذي ينبغي أن يزود الطلاب بالأدوات الهامة والمعرفة الأساسية اللازمة لممارسة دورهم كمواطنين واعين، ومع ذلك، لا تحدد هذه العملية بالضرورة الانسجام والتقارب بين وجهات النظر الدينية والعلمانية. إن السمة المهمة التي تحدد المشاركة المدنية للمواطنين المتدينين هي، بالأحرى، الطعن والتنازع في المواقف العلمانية السائدة حول المسائل الأخلاقية والسياسية الأساسية، ومن المرجح أن يؤدي التفاعل بين الأسباب الدينية والعلمانية إلى إثارة النقاش والتغيير، ولكن ليس بالضرورة التوازن وتوافق الآراء.

(ii) تستند  قناعة عودة،  الى أن الأسباب العلمانية مصدر مستقل للتبريريمكن لكافة المواطنين الوصول إليها بافتراضه أن جميع المواطنين العقلانيين، إذا تم إبلاغهم بشكل مناسب، سيوافقون على بعض المبادئ الأساسية للأخلاق العلمانية بناءً على قدراتهم الطبيعية. ولكن الأخلاق العلمانية كمصدر مستقل للأسباب ليست بمنأى عن نفس الصعوبات التي تواجهها الليبرالية السياسية. وكما يجادل وولترستورف، "لا يوجد شيء من قبيل أخلاق علمانية مقبولة للجميع؛ لا توجد حتى أخلاق علمانية مقبولة لجميع العلمانيين أنفسهم".[33] أما فيما يتعلق بقضايا مثل السماح بمساعدة الانتحار، أوعقوبة الإعدام، أو الهجرة، أو حقوق الحيوان، فهناك خلاف مستمر بين المواقف المتناقضة التي تدعمها الحجج العلمانية والدينية. إن مشكلة التوافق لا تحل بمبدأ الضبط والسيطرة.

يقر عوده بأنه يجب أن نقبل الخلاف العقلاني في المجتمعات الديمقراطية كظاهرة يعارض فيها المواطنون بعضهم بعضاً بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو غير الدينية. في جميع حالات الخلاف هذه، كلما كان لدينا المزيد من الأدلة عن الأطراف ذات الصلة، أي الأشخاص الذين يتمتعون بنفس القدر من العقلانية، وعلى دراية بنفس الأدلة، وعلى القدر نفسه من الضمير في حكمهم، كلما زاد التزامنا أخلاقياً باختيار التسامح على الإكراه،[34] لكن هذه الحجة تنقل فقط مشكلة الإجماع من المسألة المطروحة إلى المبادئ الأخلاقية التي من المفترض أن توجه سلوك المواطنين عند التداول بشأنها. إن الدعوة إلى التسامح مع الإكراه في حالة استمرار الخلافات هو إعادة تأكيد للمثال الليبرالي للحرية، لكنه لا يفلت من النقد القائم على التعددية الداخلية للثقافة السياسية الديمقراطية.[35] إن أكثر النزاعات الأخلاقية العامة سخونة هي التي يصعب معها الحفاظ على التمييز بين "عدم وجود قاعدة" (الحرية المطلقة) وقاعدة متساهلة للغاية.  تحمل الخلافات الأخلاقية المألوف فيما يتعلق بمناهج التعليم العام، والتحكم في الأسلحة، وأبحاث الخلايا الجذعية، من بين أمور أخرى كثيرة، في جوهرها نزاع حول ما إذا كان هناك معنى لعدم وجود قاعدة / قاعدة الجواز أو التسامح.[36]

ما يبدو كموقف افتراضي غير قسري لوجهة نظر أخلاقية ليبرالية هو سياسة تمكن الدولة من دعم ممارسة لا أخلاقية من وجهة نظر أخلاقية مختلفة. يعتمد السعي وراء شرعية الإكراه بناءً على تسويغات وأسباب راولز العامة أو تسويغات وأسباب عودة العلمانية على افتراض أن الأشخاص العقلانيين سيتفقون إما على التصورات السياسية للعدالة المعقولة أو على المضمون الأساس للأخلاق العلمانية. لكن- في الواقع- لا يسفر عن العقلانية إجماع  بالضرورة. فمثلما تشكل العقيدة الشاملة للفرد مفهومًا للعدالة، فإنها تشكل أحكامًا حول المبادئ الأخلاقية أيضًا.[37]

ونظرًا لأن التركيز على الأسباب العلمانية لا يكفي لحل مشكلة الإجماع ، فمن المعقول التساؤل عما إذا كان تقسيم الأسباب إلى دينية وعلمانية ضروريًا بالفعل لتحديد الأسباب الكافية  لعملية التبرير العام. يكون السبب، وفقًا لعودة، علمانيًا عندما لا يعتمد وضعه كمبرر للفعل بشكل قاطع على وجود الله(ولكنه لا ينفيه أيضًا) ، أو يعتمد على الاعتبارات اللاهوتية أو فتاوى سلطة دينية.[38] وطبقاً لهذا الفهم، يكون هذا  التصور الأبستمي ( المعرفي) للعلماني مطلوب ولكنه غير كافٍ لتقديم سبب مناسب لإضفاء الشرعية على السلطة العامة. ينبغي وفقًا لمبدأ المنطق العلماني تقديم سبباً علمانيًا وكافيا في الوقت نفسه، حيث يكون السبب الكافي هو الذي يبررالاعتقاد والفعل، وتعني الكفاية، هنا، هي الفعل أو الاعتقاد القائم على سبب عقلانيا أو منطقيًا".[39] تتمثل وجهة نظر راولز أحد البدائل لوجهة نظر عودة في تركيزها على ما يجعل الأسباب كافية للتبرير العام دون تحديد طابعها العلماني كشرط مستقل. من الممكن أن تثقل معايير الكفاية كاهل المتدينين بشكل مباشر أكثر من غيرهم، ولكن ليس من خلال استهدافهم باعتبارهم متدينين. هذه هي الإستراتيجية التي تبناها راولز، حيث اختار التحدث عن عقائد شاملة بدلاً من الأديان. إن رفضه تحديد  التسويغات والأسباب العامة والعلمانية، بناءً على هذا التفسير، أكثر شمولاً: عند النظر في ما إذا كان ينبغي جعل  نوع من العلاقات[40] بين المواطنين جرائم جنائية، فإن السؤال ليس ما إذا كانت هذه العلاقات مستبعدة طبقاً لفكرة جديرة التعبير عن الخير الإنساني كما تتميز برؤية فلسفية وغير دينية سليمة، ولا ما إذا كان أصحاب الإيمان الديني يعتبرونها خطيئة، ولكن ما إذا كانت القوانين التشريعية التي تحظر هذه العلاقات تنتهك الحقوق المدنية للمواطنين الديمقراطيين الأحرار والمتساوين في المقام الأول.[41]

لا يحتاج نقد الجانب التوافقي لنموذج عودة إلى انهيار التبرير العام في صراع مفتوح بين وجهات النظر الدينية والعلمانية المتعارضة. إن مشروعه لأخلاق المواطنة مقنع لإشارة إلى أن بعض القيود الأخلاقية على السلوك الديمقراطي للمواطنين يجب أن تكون موجودة حتى يكون التبرير العام ممكنًا. لا توفر الآراء غير الأخلاقية والتمييزية بشكل صارخ أساسًا كافيا للتداول الديمقراطي (انظر ما فصلناه أعلاه). يستلزم الأندماج  في العملية الديمقراطية قبول المقدمات الأساسية لها، مثل احترام كرامة الأشخاص، والحريات الفردية، والمساواة في المعاملة أمام القانون. ومع ذلك، يمكن أن تكون الأسباب الدينية ضمن هذه النطاقات المقيدة، مثل الأسباب العلمانية إما بداية للمحادثات أو توقفها.[42] إن الطموح إلى تحديد مصدر مستقل للتسويغات والأسباب  يضمن إمكانية المحادثة أمر مضلل.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

......................

[1] روبرت عودة  فيلسوف له اهتمامات واسعة النطاق، من نظرية المعرفة ونظرية الفعل إلى النظرية الأخلاقية وأخلاقيات العمل. خصص جزء كبير من عمله منذ ثمانينيات القرن الماضي لفلسفة الدين والعلاقة بين الدين والسياسة. تعمل أخلاقياته عن المواطنة على جسر اهتمامه الطويل بمن النظرية الأخلاقية المعيارية إلى مجال المشاركة المدنية والالتزام الديني.

[2] Audi, R. (2000) Religious Commitment and Secular Reason. Cambridge, UK: Cambridge University Press.: 59-60.

[3] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.48-53.

[4] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State,53.

[5] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.62.

[6] يقول عودة دعماً لهذا الموقف: تعتبر الأحكام على ما هو جدير بالاهتمام في حياة الإنسان ضرورية لتقليل محتوى وطريقة التعليم العام المطلوب بشكل صحيح. قد يفضل البعض أنواع القيم التي قد تفترضها الحكومة مسبقًا- ليس الحرية والمساواة فقط ولكن أيضًا عناصر الازدهار البشري– التي قد تفضلها بعض الأديان أكثر من غيرها. ولكن عندما يفهم المواطنون المبادئ الأساسية للحكم الديمقراطي السليم ، سيكون من الواضح أنه حتى أفضل الحكومات لا يمكنها أن تتوقع الفوز بموافقة كل مواطن. يكفي أن يوفر إطار الديمقراطية السليمة الفرص لكل مواطن للاحتجاج وطلب الدعم لتصحيح التفاوتات التي قد تجلبها الحالات الطاريئة والظرفيات التاريخية.

Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State, 57.

[7] يمكن أن تكون الآراء الشاملة مناسبة لمهمة التداول طالما أنها لا تنتهك بعض القيود الأخلاقية الأساسية: أترك مفتوحًا لأن رؤية الصالح يمكن أن تكون شاملة للغاية في النطاق دون الترخيص بانتهاك مبادئ الحرية والمساواة والحياد. . قد لا يوافق راولز على ذلك ، كما أنه ليس من الواضح مدى الحياد الذي سيحتاجه في الأمور ذات القيمة من الحكومة الديمقراطية.

Audi, R. (201l b) Rationality and Religious Commitment. Oxford: Oxford University Press.163n.12.

[8] Audi, R. (2004) The Good in the Right: A Theory ef Intuition and Intrinsic Value, Princeton, NJ:

Princeton University Press.191-192.

[9] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State. 65-66.

[10] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.76.

[11] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State,77-86.

[12]   Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State,70.

لا يعني عودة "أنه يجب مشاركة التسويغات والاسباب الكافية من قبل الجميع ، حتى لوكان الجميع يفكر فيها بجدية" ولكن فقط يجب أن تكون في متناول جميع البالغين العقلانيين، مما يعني أنه ينبغي "تقييمهم من خلال استخدام  السبب والتسويغ في على ضوء الحقائق التي يمكنهم الوصول إليها على أساس ممارسة قدراتهم العقلية الطبيعية ". يقترن مفهوم المعاملة بالمثل بفكرة أن جميع الأشخاص يتشاركون قدرات عقلانية اساسية؛ تمنحهم هذه القدرات العقلانية الوصول إلى نفس المصادر المعرفية. لاحظ أن الوصول إلى المصادر المعرفية نفسها  لا يعني على الإطلاق أن لدينا نفس التسويغات و الأسباب ، فقط أننا نشكل التسويغات والأسباب بالاعتماد على المصادر نفسها.

[13] Rawls, J. (1999 b) A Theory of Justice. Revised edition. Cambridge, MA: Harvard University Press.

[14]  Audi, R. (2000) Religious Commitment and Secular Reason.63-65.

[15] Habermas, J. (2006) "Religion in the Public Square", European Journal of Philosophy 14(1): 1- 25.

على وجه التحديد ، ما هو على المحك في هذه الحالة هو أخلاقيات أفعال المواطنة العامة التي ، وفقًا للمصطلحات الكانطية ، يجب أن يقوم بها المواطنون من واجبهم المتمثل في الاحترام تجاه محاوريهم وليس فقط بشكل متسق مع ما ينص عليه واجبهم للقيام به.يفسر هابرماس وجهة نظر عودة على أنها صيغة  من واجب  للكياسة والأدب  عند راولز، ويركز معظم اعتباراته على مبدأ المنطق العلماني دون مراعاة المبادئ الأخرى.  يجادل عودة  في نقده لهابرماس، بأن شرط ترجمة الأسبابا الدينية الى علمانية  أكثر إلحاحًا للمواطنين المتدينين من مبدأ المنطق العلماني ، لأن الأخير يترك الأسباب الدينية "كما هي" ولا يطلب سوى تقديم بعض الأسباب العلمانية على الأقل.

[16] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.143.

ليست نظرية  عودة  الأخلاقية عواقبية. إن إطاره المعياري هو إعادة صياغة للحدس الأخلاقي لـ روز WD Ross المدمجة مع العناصر الكانطية. وبهذا المعنى ، فإن تقييم عودة للقيمة الأخلاقية لسلوك المواطنين يأخذ بعين الاعتبار محتواه ودوافعه.

[17] على وجه التحديد ، ما هو على المحك في هذه الحالة هو أخلاقيات أفعال المواطنة العامة التي ، وفقًا للمصطلحات الكانطية ، يجب أن يقوم بها المواطنون من واجبهم المتمثل في الاحترام تجاه محاوريهم وليس فقط بشكل متسق مع ما ينص عليه واجبهم للقيام به.

Wolterstorff, N. (2007) Justice: Rights and Wrongs. Princeton, NJ: Princeton University Press.32-33.

المبدأ الأول أكثر إلزامًا من الناحية الأخلاقية. والثاني يحدد معيار الفضيلة المدنية. يهدف تزاوجهم إلى نموذج أخلاقي للمواطنة أقل تركيزًا على التبادل الحصري للأسباب ، والتي يمكن تنظيمها من الناحية الإجرائية. لا تتطلب الفضيلة المدنية احترام الواجب فحسب ، بل تتطلب أيضًا إحساسًا بالنزاهة بين أفعال الكلام ودوافع الشخص.

[18] Wolterstorff, N. (2012b) Understanding Liberal Democracy: Essays in Political Philosophy. ch.1.

[19] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.89.

[20] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.148.

[21] Wolterstorff, N. (2007) Justice: Rights and Wrongs. Princeton, NJ:.21.

Audi, R. (2000) Religious Commitment and Secular Reason.130-133.

[22] على هذا الأساس ، يجادل عودة أودي بأن النزاعات بين العلم والدين غالبًا ما تكون فقط نتيجة التمسك بمفاهيم محددة للعقائد الدينية التي لا تتطلب بأي حال من الأحوال أن تكون شخصًا متدينًا ضميريًا: في العديد من التقاليد الدينية  بما في ذلك ذات التقليد الأبراهيمي ، كما في المسيحية واليهودية مثالاً، يُنظر إلى الدراسة العلمية للطبيعة بسهولة على أنها محاولة لفهم خلق الله. يمكن للمرء أن ينظر إلى الاستقصاء العلمي باعتباره استخدامًا للعقل المتصور على أنه هبة طبيعية من الله. من المؤكد أن نظرية التطور لا تتماشى مع وصف الخلق الوارد في سفر التكوين بين ما سبق ذكره حرفيًا. لكن لم يعد  التفسير الحرفي للنصوص المقدسة في جميع النواحي  مطلبًا لاهوتًا معقولًا ويرفضه مفسرو الكتاب المقدس بشكل متزايد.

Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.22.49.

[23] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.134.

[24] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.48-52.

[25] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.50-53.

[26] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State95-97.

[27] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State94.

[28] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State94.

[29] Audi, R. (2000) Religious Commitment and Secular Reason.: 49.

[30] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.94.

[31] بالإشارة إلى هذه الصعوبة ، لا نتغاضى عن أن المشاركة المباشرة لرجال الدين في الشؤون السياسية يمكن أن تدعم آليات الإقصاء والسيطرة. انظر على سبيل المثال مناقشة روري لمشكلة رجال الدين في:

Rorty, R. (2003) "Religion in the Public Square: A Reconsideration", Journal of Religious Ethics

31: 141- 149. 

[32] Barrett, J.L. (2012) Born Believers: The Science of Children's Religious Belief. New York : Free Press.

[33] Wolterstorff, N. (2012b) Understanding Liberal Democracy: Essays in Political Philosophy. Oxford: Oxford University Press.97.

[34] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.118-120.

[35] لإجراء تحقيق مكثف في الأصول المتضاربة لمفهوم وممارسة التسامح ، أنظر:

Forst, R. (2013) Toleration in Conflict: Past and Present. Cambridge, UK: Cambridge University Press.

[36] Talisse, R. (2014) "Moral Authority and the Deliberative Model", Philosophical Studies 170(3).

555-561.560- 561.

[37] Wolterstorff, N. (2012b) Understanding Liberal Democracy: Essays in Political Philosophy.36-37.

[38] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.67.

[39] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.67- 68.

[40] مثلا: لعلاقات الجنسية خارج المؤسسة " الشرعية الدينية" أو المثلية

[41] Rawls, J. (1999 b) A Theory of Justice. 148.

[42] Perlin, J. (2011) "Religion as a Conversation Starter: What Liberal Religious Political Advocates

Add to the Debate About Religion's Place in Legal and Political Discourse", The Georgetown Law journal 100: 331- 365.ch.8.

 

 

علي محمد اليوسفيذهب معظم فلاسفة اليونان القدماء قبل سقراط منهم الرواقيين يتقدمهم هيراقليطس وبارمنيدس أنهم يعتبرون الحاضر هو آنية لازمانية غير مدركة ولا وجود لها كتحقيب زماني ارضي يتوزعه الزمان الماضي والحاضر والمستقبل. بل تحقيب الزمان الارضي هو الماضي والمستقبل فقط ولا زمن حاضر يتوسطهما.

هذا الفهم قال به بارمنيدس وأيده افلاطون وارسطو أذ نجده يقول" الآن – يقصد لحظة الحاضر -  هو نقطة ابتداء تغييرين متعاكسين، - يقصد بهما شد الماضي للحاضر لموضعته وتذويته به من جهة، وشد المستقبل المعاكس للماضي في محاولته تذويت الحاضر له وأدغامه به من جهة أخرى، علما أن الحاضر لا يحتاج البرهنة على أنه مستقبل حركي غير منظور في حاضرمتحرك يحدس زمانا. – وذلك والكلام لبارمنيدس التغيير لا يصدر عن السكون. كما أن النقلة – يقصد النقلة الزمانية -  لا تبدأ من الحركة التي لا تزال متحركة، وهذه الطبيعة الغريبة للآن (الحاضر) قائمة في الفترة ما بين الحركة والسكون لذا فهي خارجة عن كل زمان ."1العبارات المحصورة بين شارحتين هي لكاتب المقال".

بداية طالما كانت الحركة والتغيير هما سمتا كل موجود بالعالم منذ هيراقليطس، فأن حركة الحاضرغير المتعينة كقطوعة زمنية لا ادراكية أنما تنسحب علي كل شيء يحكمه التغيير وعدم السكون وفي المقدمة يكون دلالة الماضي بمقايسته بالحاضر الذي لا وجود زماني له فهو بفهم بارمنيدس الماضي حركة تاريخية يحكمها زمان متحرك وليست سكونا زمانيا مدركا، لأن حركة الماضي تعاكس المستقبل الذي يحاول تذويت الحاضربه وموضعته داخله.

وطالما النقلة الحركية لا تبدأ من حركة كما في تعبير بارمنيدس، فهذا يلزم عنه أن يكون الحاضر هو سكون يمكن ادراكه وهو أستنتاج لا يقبله العقل قبل الفلسفة بدلالة الزمان مفهوم كلّي مطلق لامتناهي ليس له صفات ادراكية مستقلة ثابتة ولا نسبية  وليس له ماهية يمكن ادراكها. والآنية الحاضرة ادراك زماني بدلالة حركة الاجسام والموجودات في الطبيعة وليس بالادراك المادي المكاني الساكن لها..

لأن الحاضر قطوعة زمنية تحقيبية من زمن مطلق لانهائي لا تحده حدود ولا يتقبّل التحقيب المحال زمانا في تحديده كمدرك لانهائي سرمدي ازلي. وهذا المعيار لا يستثني الماضي كزمان وليس انثروبولوجية تاريخية في الماضي ولا يستثني المستقبل بدلالة كونهما قطوعات زمنية وتحقيب تاريخي متحرك ايضا لا يمكن ادراكه كونه يتسم بالحركة التي لا يمكن رصدها وتعيينها بغير دلالة حركة جسم مادي يتحرك في الحاضر. هنا يتوجب علينا الانتباه التفريق بين قولنا الماضي كتاريخ انثروبولوجي عاشه الانسان كزمن متوقف أصبح ثابتا فهو يتسم بالسكون اكثر من الحركة، بخلاف فهم أن يكون التاريخ زمانيا حركة لها تاثير مباشر في كل من الحاضر والمستقبل. الماضي كزمن هو دلالة في فهمنا الحاضر وفهمنا الماضي هو بدلالة الحاضر له.

وفي حال ذهبنا مع بارمنيدس أعتباره الحاضر الزماني لحظة تتوسط الحركة والسكون ويتعذر رصدها ادراكا زمانيا لذا فهي نقلة وهمية، فهذا يعني أن الحاضر وجود غير وهمي كلحظة تحقيب زماني زائل، وأهم ميزة لقطوعات تحقيب الزمان الارضي هو أن الزمان كلية ازلية سرمدية جوهرية تحكم كل شيء بالوجود وهو غير مدرك لا بالصفات ولا بالماهية. أي أن زمان الماضي وزمان الحاضر وزمان المستقبل ثلاثتها تعبيرات عن قطوعات زمنية تحقيبية لا يمكن ادراكها كمفاهيم مجردة عن دلالاتها بغيرها من مواضيع الادراك، ولا كمواضيع مستقلة بدلالة عدم امكانية ادراكنا الزمان كمطلق ازلي ليس له حدود ولانهائي ولا يتسم بالماهية والصفات بمعزل عن حركة الاجسام والاشياء...باستثناء اننا ندرك هذه القطوعات الزمانية واختلافاتها بدلالة حركة الارض حول نفسها وحول الشمس وحركة القمر والكواكب الاخرى وقبل كل هذا حركة الاجسام والمدركات في الطبيعة وفي الحياة التي نعيشها التي بدلالتها جميعا ندرك الزمان في تحقيبه الزماني لا في تحقيبه الوقائعي تاريخيا كحوادث يلازمها زمن حدوثها الذي يجعل من حضورها الآني ماضيا متوقفا ...

بارمنيدس" يرى التغيير لا يصدر عن السكون، كما أن النقلة الزمانية النوعية بالدلالة لا تبدا من الحركة القائمة في الفترة ما بين الحركة والسكون لذا هي خارجة عن كل زمان."2. تعبير بارمنيدس هنا صحيح لكنه يناقض نفسه. فعندما يقول بارمنيدس النقلة لا تبدأ من الحركة، فهو يجعل من ثبات الحاضر وسكون الآنية مقياسا يمكن ادراكه في حركة الاشياء والموجودات وكذلك يمكن أعتباره غير وهمي زمانا بدلالة أن حدسنا له كوسيط بيني ندرك الماضي وبه ونحدس المستقبل. والتناقض مع امكانية ادراك لحظة الحاضر سكون نجد بارمنيدس يؤكد ليس هناك نقلة حركية لا يسبقها حركة حسب تعبيره ، فلماذا لا يكون الحاضر وفق هذا المعيار سكونا مؤقتا حركيا يمكننا ادراكه وليس وهما لا وجود له فهو ايضا حركة ساكنة غير مدركة؟ الشيء الاخر اذا أعتبرنا الماضي سكونا لا ينتج عنه حركة فكيف يتسنى لنا ادراك المستقبل بدلالة توسيط الحاضر وليس بدلالة ارتباط الماضي به؟ لا يمكننا تجسير الماضي بالمستقبل من غير انتقالة الحاضر وتشظيتها الزمانية المنقسمة على نفسها بين ماض ومستقبل وهو ما يرفضه ارسطو تماما كما يتوضح معنا لاحقا..

من المشكوك به اننا نستطيع ادراك المستقبل بدلالة الماضي في الغاء حلقة التوسيط التجسيري بينهما الذي هو نقلة الحاضر حتى لو كانت لحظة انتقالية لا يدركها العقل زمانيا لكنها موجودة فيزيائيا بدلالة الزمن نفسه..بارمنيدس الذي لا يرى الوجود باكمله حركة دائبة من الحركات والانتقالات والتغيرات كما هو عند هيراقليطس نجده يلغي الحاضر الآني لأنه حركة وهمية لا تدرك لا في دلالتها الذاتية ولا في دلالة تذويت المستقبل لها في جذبها نحو تكوينه الداخلي، وهي ليست أكثر من نقطة انتقالية تتوسط الحركة والسكون. لذا هذه نقطة الحاضر خارج حسابات الزمان على حد تعبير بارمنيدس وليست زمنا.

وعليه يكون الحاضرأو الآنية وهما تصوريا لا وجود حقيقي له ويذهب معه افلاطون وارسطو بهذا التوجه. هنا يبرز تساؤل كيف يتسنى لنا ادراك المستقبل بغير دلالة الحاضر؟ وكلاهما حركة زمانا وليس حركة تحقيب تاريخي أخذت زمنها الساكن كماض ثابت فاقد حركية الزمن . المستقبل لا يمكن ادراكه بدلالة الماضي دون توسيط الحاضر بينهما. لكن اذا ماكان أجماع اكثر من فيلسوف أعتبار الحاضر آنية وهمية لا وجود حقيقي لها حتى لو كانت تمثل افتراضا أنها حلقة وصل تربط دلالة الماضي بدلالة المستقبل. فكيف يكون الخروج من هذا المأزق؟

نجد من المهم الانطلاق من حقيقة أن كل شيء في الوجود يجمع الحركة والسكون معا زمانا وبذا تكون علة امكانية ادراك الزمن الحاضر واردة كتحقيب زماني. وفي اسقاطنا هذه الحقيقة الفيزيائية على الماضي والحاضر والمستقبل زمانيا، سيكون معنا تجريد الحاضر من صفة تلازم السكون والحركة فيه،هو أعدام ضمان ربط حركة الماضي بحركة المستقبل.فالماضي لا يمكن أن يكون دلالة المستقبل به دونما انتقالة لحظة الحاضر التوسيط في تجسير العلاقة بينهما.

الحقيقة التي لا يمكننا تصورها بسهولة أن الماضي زمانا لا يلد الحاضر زمانيا لكنه بمستطاعه أن يلد الحاضر تاريخيا مجردا عن زمانيته الماضية، وأن الحاضر لا نفهمه الا بدلالة الماضي والعكس وارد، والحاضر حين يكون نقلة نوعية وهمية زمانا هو اننا ندرك المستقبل بدلالة الحاضر وليس العكس ندرك الحاضر بدلالة المستقبل،، والسبب بذلك أن الحاضر لحظة زائلة سريعة تحسب للمستقبل والماضي معا في تجاذبهما الحاضر وموضعته كلا لوحده به، وكل حاضر سيكون بعد لحظات ماضيا ايضا. ويكون بداية لمستقبل ايضا، وبهذا نكون نعيش علاقة الماضي بالمستقبل من غير توسيط نقطة زائلة بلحظة تسمى الحاضر وهو محال. وهذا ما لايمكننا تصوره زمانا فلسفيا لكنه في حقيقته الفيزيائية هو واقعة حاصلة.

الزمان في التحقيب التاريخي ليس تاريخا انثروبولوجيا متجردا عن زمانيته بل هو تحقيب زمني أصلا ولا علاقة تربطه الا بتبعية حركة الاجسام بالطبيعة وحركة الشمس والارض والقمر في المجرة الشمسية درب التبانة. والزمان الارضي يقاس بمدركاتنا لحركة الاجسام والاجرام. لذا يكون التحقيب الزمني على الارض هو تحقيب زمني ارضي من أجل تنظيم الحياة والا بغير هذا الفهم نصطدم بحقيقة الزمان وحدة كلية لايمكن تقسيمنا له بالزمن نفسه، تقسيم الزمان ارضيا في تعاقب الليل والنهار والاسبوع والشهر والسنة والفصول.الحقيقة التي نعيشها ولا نستطيع التثبت منها أن كل شيء في الوجود هو سكون ومتحرك معا نحو الزوال والاندثار مخليا موقعه لما بعده، كما يكون كل متحرك مدرك لنا بدلالة سكونه النسبي في طريقه الى زوال. وقولنا مع بارمنيدس لا تنتج الحركة من سكون سابق عليها بل من حركة أخرى تجانسها سابقة عليها يؤكد ما سبق لنا ذكره أن كل شيء بالوجود هو ساكن ومتحرك زمانيا. وحركة الاشياء تنتج عنها تغيرات حيث يصبح ما هو حاضر هو في حقيقته الحركية مستقبلا زمانيا بمجرد تعبيرنا عنه في الحاضر الذي نعيشه، ويصبح ماضيا بدلالة المستقبل له.

وهذا يرجعنا الى الحقيقة التي أنكرناها على الفلاسفة الاغريق بأن الحاضر آنية غير حقيقية وهمية. لكننا بغير هذه الآنية الوهمية في حاضرنا لا يمكننا معرفة الماضي ولا ادراكنا صنع المستقبل بافكار الحاضر ومنجزاته المادية بالحياة. ..بضوء هذا كيف يمكننا التمييز والاثبات في حقيقة التناقض أن الحاضر لحظة وهمية، وبنفس الوقت الذي يكون فيه الحاضر دلالة ادراكية لمعرفة تحقيب الزمان الى ماض وحاضر ومستقبل.؟

كيف يدرك العقل العدم؟

يذهب ارسطو (الى أن الآن أي الحاضر لا يوجد فيه حركة ولا سكون ) 2، اول ما يتبادر في الذهن بضوء تفسيرنا العبارة هو التساؤل كيف يمكننا اعدام الحركة والسكون في الحاضر اللتين هما خاصيتين زمانيتين غير مدركتين كموضوع للعقل؟ أي حينما تكون الآنية الحاضرة وهما غير مدرك عقليا كيف نضفي عليه صفات ما هو مدرك في الاجسام المادية هما صفتي الحركة والسكون؟ بعبارة أخرى كيف يمكننا أعدام عدم غير متعين ادراكا علما أن العدم لا يمكن أعدامه بفاعل ولا يمكنه أعدام نفسه ذاتيا كون العدم خلاء غير موجود مدرك ولا مدرك زماني ايضا . لكنه دلالة موت الكائنات الحيّة واندثارها. ونحن بهذه الحال نذهب الى أن كل مدرك بدلالة غيره يكون مدركا هو ايضا بالسببية الترابطية بينهما. الادراك بالدلالة هو شكل ثان من الادراك المادي المباشر لمواضيع الطبيعة وموجودات العالم الخارجي من حولنا.

أن ما يجعل من عدم ادراكنا الحاضر كونه وهم لا حركة ولا سكون، بل هو آنية انتقالية وهمية حسب بارمنيدس وافلاطون وارسطو، سببه أن انتقالة الآنية الحاضرة الى ماض مدرك في نفس وقت اندغامها في مستقبل غير مدرك وتصبح بذلك وهما عدميا متشظيا بدلالة غيره، وهذه التشظية أنما تكون بهذا انتقالة اسرع من ادراك العقل رصد زمانيتها، والشيء المهم أن زمانية انتقال لحظة الحاضر الى تشظيه المنقسم بين ماض انتهى ومستقبل افتراضي غير مدرك قيد الصيرورة المستمرة، يصبح الحاضر بذلك عدما لا يتحدد ادراكيا بصفات زمانية هي الحركة والسكون. وهذا مناف لبينية الحاضر تجسيره علاقة الماضي بالمستقبل من الناحية الزمانية في نفس وقت أن يكون وهما ادراكيا للعقل من الناحية الفيزيائية. الزمان الكلي كمفهوم مطلق وقطوعات التحقيب الزماني له كتاريخ يمكن ادراكه هي في حقيقته غير مدرك وزائف لأن الزمان لا يدرك بغير دلالة الاجسام المتحركة. والتاريخ دلالة ثابتة فاقدة لحركة تاريخانيتها المطلوبة.

عندما اقول بيدي أحمل كتابا اكون في اللحظة الآنية في قولي تلك العبارة اصبحت خارج ادراكها كحاضر للمتلقي بدلالة انشطار العبارة الى ماض مستقل ومستقبل افتراضي مستقل، وهذه اللحظة الانشطارية لا يدركها العقل كوحدة حاضرة مستقلة بذاتها لأنها محكومة بحركة غير مدركة وسكون غير موجود في وهم عدمي غير موجود. لذا تكون وهمية الحاضر لا يمكن ادراكها لكن الأهم من ذلك أنها تبقى دلالة تتوسط الماضي والمستقبل سواء أدركها العقل أم لم يدركها.

الحركة والسكون صفتا كل شيء مدرك

في التاكيد على أن الآنية لا تقبل القسمة على نفسها حسب افلاطون وارسطو، وأن الحركة في الآنية مستحيلة كما هو السكون معدوما فيها، فعلى أي أساس معياري أقمنا حكمنا على أن الآنية وهما زمنيا لا يمكننا ادراكه، وهي ليست موضوعا لادراك حتى خيالي غير فيزيائي كونها في تجريدنا لها من صفتي الحركة والسكون انما جعلناها ( وهماعدما) والعدم لا يدرك فهو دلالة افتراضية تلازم أفنائها الموجودات الحية في الطبيعة وحياة الانسان والعدم لاشيء موجود ولا مدرك بغير دلالته الافتراضية الافنائية للموجودات الحيّة. يورد المفكر عبد الرحمن بدوي مايلي ( الآن هي حدين زمانيين – يقصد الماضي والمستقبل -  فاذا أمكن شيئا أن يتحرك في الآن أو أن يسكن فيه، فأن الشيء الواحد المتحرك في الآن متحركا وساكنا معا، متحركا بوصفه في نهاية أحد الزمانيين ساكنا عند بداية الاخر،- لكنه بدوي نجده يستدرك في تكملة قوله -  الحركة والسكون في الآن غير ممكن).3 سبق لي أن اوضحت اننا لكي نخلص من فرضية أعتبارنا الحاضر أو الآنية وهما زمنيا لكنه واقع فيزيائيا، هو في أن نعتبره على طبيعته الفيزيائية يجمع بين الحركة وبين السكون. وبخلاف هذا الفهم نعود الى نقطة البداية التي تتعامل مع الآنية ك(عدم) غير مدرك وليس وهما غير مدرك ويوجد فرق بين المعنيين. العدم لاوجود مدرك ولا هو وهم افتراضي بل هو دلالة مجردة تلازم افنائها كل حي بالحياة والطبيعة.. بينما الوهم لا يمتلك الصفات الافنائية للموجودات، وأن نعتبر الوهم عدما هو مجاز لفظي يساوي بين الوهم والعدم وهما مختلفين.

عندما نخلع على الآنية أو الحاضر صفة الحركة لا يعني هذا أنه أصبح مدركا عقليا موجودا، بل أن حركته أصبحت جزءا من ماض انتهى حاضرا، وعندما نقول الآن هو سكون يسبق مستقبلا غير مدرك فاننا ايضا وضعناه وهما وجوديا.. لكن الاهم من كل هذا أن الشيء الذي تجاهله عبد الرحمن بدوي هو أن الحاضر في حال حكمنا عليه زمانية وهمية ونقلة مؤقتة لا يمكن ادراكها، فأنما بهذا نعتبرها ليست وهما غير موجود لانه غير مدرك عقليا. فهي (الآنية) مرحلة نقلية منقسمة على نفسها بين قطبين متعاكسين هما الماضي من جهة والمستقبل من جهة اخرى، لذا فهي ليست عدما افتراضيا وأنما وهم غير موجود.

فالآنية بعدم ادراكنا التشظي المتعاكس لها بين ماض ومستقبل، أنما تكون الآنية دلالة افتراضية زمنيا في تسهيلها لمدركاتنا بين فهم الماضي وادراكه وفهم تشكيل المستقبل وادراكه. لذا فهي أي الآنية تجمع بين الحركة والسكون معا خارج أدراكها العقلي في أعتبارها وهما وهذا لا يلغي وجودها الزماني الفيزيائي، فمدركاتنا ماهية الزمن لا يدركها العقل وغير متوفرة ولكن هل ممكنا أعتبارنا الزمان وهما لعدم امكانية ادراك العقل لخصائصه وماهيته المنفردة ونعتبره وهما وهو يدخل في دقائق الاشياء التي نتعامل معها في الطبيعة والحياة كون عجز العقل ادراكه الزمن كموضوع؟. لا ليست الحقيقة بهذا التبسيط المخل.

الزمان وحركة الجسم

المعتقد الذي لم يفارق ارسطو هو في أعتباره الزمان هو مقدار حركة الشيء وليس هو حركة. يعود الى برهنة نظريته هذه بمقولته العبقرية (الزمان لا يحدد بالزمان ) 4، وهي مقولة صائبة صحيحة مئة بالمئة. ويذهب الى وجوب التفريق بين حركة الجسم وبين زمانية تلك الحركة، بقوله أن حركة الشيء داخل الزمان، هي سرعة بطيئة وسرعة سريعة وكلتاهما خارج الزمان الذي يحتوي الجسم او الشيء، معتبرا الزمان هو رتابة من الانتظام الثابت الذي لا يتغير ، بينما يكون الجسم او الشيء داخله هو حركة لا منتظمة ولا رتيبة وبذا يرسي ارسطو مفهوم ان الزمن ليس ما يدرك بدلالة حركة الجسم التي سبق وقالها كون الزمان لا تدرك زمانيته بخلاف الاشياء التي ندرك زمانيتها بدلالة حركتها داخل الزمن. بعبارة ثانية اوضح اراد ارسطو القول أن الزمان ازلي سرمدي وهو كلي وحدة واحدة لا يمكن تجزئتها كمفهوم مطلق، ولا حتى كقطوعات زمنية تحقيبية هي صفات زمنية للاشياء المتحركة بلا انتظام وليست صفات ماهوية للزمن الثابت المنّظم وهو محق.

وفي تعبير بدوي لشرح ما اورده ارسطو نقلا عن المصدر الاجنبي يشير الى أن الزمان لا يكون زمانا الا في مجانسته الحركة، عندما يكون الزمان والحركة من جنس زمني واحد يحدهما ويجمعهما معا، وبذلك يعود ارسطو الى اصل مقولته الزمان يقاس بدلالة حركة الاجسام ولا يمتلك الزمان حركة ذاتية مستقلة يمكن ادراكها بغير دلالة حركة الاشياء والاجسام داخله. الزمن مقدار حركة جسم معين لكنما الزمان ليس حركة مدركة بغير دلالة حركة الجسم.

ويذهب ارسطو ابعد من هذا في مخالفته الرأي السائد فيزيائيا المكان يرتبط ادراكه بزمن يلازمه، ليستنتج أن الزمان الملازم للمكان، هو الذي يسير بدلالة المكان وحركته وليس العكس الزمان يقود حركة المكان الذي يعرف بدلالة الزمان.

يشرح ارسطو كيف (يكون الزمان ليس حركة، ولكنه لا يقوم الا بدلالة الحركة التي تتضمن مقدارا او عددا) 5، وقبل الانتقال لمناقشة العبارة نرى تفسير عبد الرحمن بدوي لها قوله ( ثمت نوعين من العدد، عددا موضوعيا وهو للاشياء القابلة للعد، وعددا ذاتيا هو الفكرة التي يكونها العقل وبها يعد الاشياء القابلة للعد وهذا الاختلاف هو ما تقوم عليه الآنية).6

نتساءل هنا بدورنا:

- هل الزمان الذي هو مقدار حركة الجسم، والذي هو ليس حركة ذاتية يختص بها يقاس بمقدار " كمي" أم بمقدار عددي ؟ ارسطو نقل عنه بدوي ذهب نحو الاختيار العددي. ولم يوضح لماذا وكيف يكون تمييز مقدار الحركة بالكم عنها الاختلاف بالعدد؟.

- هل الزمان يمتلك ذاتية عددية خاصة به، تقوم على دلالة عددية منفصلة عن عددية المكان في قياس حركته عدديا داخل الزمان الذي يحتويه.

- واضح يمكن تمرير الاختلاف بين العدد الموضوعي وبين العدد الذي هو فكرة مكتسبة يختزنها العقل تجريدا، لكن هذا التمايز ما اوجه تعالقه بالزمن الآني الذي استنتجه عبد الرحمن بدوي؟. كيف يتم ربط العدد كفكرة أو كموضوع بالآنية الزمانية؟ الاجابة لمجرد تدعيم نظرية أن الآنية لا تنقسم على نفسها لا بالكم ولا بالعدد.

الآن بين التوسيط وعدم الانقسام

هل الآن حاضر وهمي أم حقيقي غير قابل للقسمة؟ بحسب ارسطو يذهب الى تحديد الآن بالمحددات التالية :

- الآن ليس جزءا من كل لأن الجزء مقياس للكل، والكل لابد أن يكون مركبا من أجزاء، بخلاف الزمن ليس مركبا من آنات.7

- الآن لا ينقسم لذا لا يتركب ما ينقسم مما لا ينقسم 8

- الآن لا يوجد فيه حركة ولا سكون .9

الآن بمعنى الحاضر هي جزء من الكل الزماني في المجانسة الكيفية الواحدة، ولو كانت الان جزئية مغايرة الكيفية الزمانية فلا يمكنها التوسيط التجسيري بين حدين زمانيين هما الماضي والمستقبل. صحيح جدا أن الانية هي زمن جزئي بسيط نقطة زائلة لكنها تحتفظ بماهية زمنية ليست متناقضة مع ماهية كلية الزمان الازلي غير المدرك. ثم لا يوجد ما يدعم أن الزمان كيفية غير قابلة الى تقسيم تحقيبي زماني مدرك ولا الى آنات لا نهائية. مقولة ارسطو الرائعة (الزمان لا يحدد بالزمان ) مقولة النقص بها انها تتعامل مع الزمان الكوزمولوجي وليس تعاملها مع الزمان الارضي المختلف عن الزمان الكوني. وهذا كان سابق على معرفة ارسطو أن فيزياء الزمان تضع حدا فاصلا بين زمان ارضي وزمان كوني ازلي مطلق، فهما يحملان دلالة زمنية واحدة كنوع ويفترقان بماهية وكيفية مغايرة وصفات ايضا.

من غير المقبول تمرير أن الآنية ليست جزءا متجانسا مع زمان كلي سرمدي ازلي كقطوعة زمنية مشتركة مع الكلية الزمانية بالصفة النوعية، مما يترتب على عدم المجانسة أن الآنية ليست زمانا وأن تكون ماهية ليست زمانية وزجها ومعالجتها على أنها توسيط لحظة انتقالية غير مدركة زمانيا، هذا غير وارد ولا صحيح. كما أن الانية لا تمتلك مجانسة الزمان خطأ ينسف كلية الوحدة التجانسية للزمان.

الزمان كمفهوم يعبر عن دلالة مطلقة ازلية لا يقبل التجزيء والتقسيم صحيحة جدا كما وردت في تعبير ارسطو العبقري (الزمن لا يحدد بالزمان ) هو توكيد ارسطو لحقيقة الزمان كلية موحدة واحدة ازلية كمفهوم مطلق لا يمتلك الانسان معرفة ماهيتها كما لا يعرف آلية اشتغالها. ثم بهذه المقولة ميّز ارسطو بين مفهوم الزمن كمطلق لا يتجزأ، وبين مفهوم الزمن الارضي الذي يقبل القسمة والتحقيب بدلالة حركة الاجسام بدون معرفته المرجعية الفيزيائية الحديثة التي تؤكد ما ذهب له..

اما تعبير ارسطو نقلا عن بدوي بأن الآن لا ينقسم وبذا لا يتركب ما ينقسم مما لا ينقسم، فهو يحمل تساؤل مررنا به اكثر من مرة هو اذا كانت الآنية لا يتوزعها التوسيط التجسيري بين تحقيبين زمانيين هما الماضي والمستقبل من دون انقسام تجانسي زمني معهما فكيف يمكننا الاستدلال بأن الآنية وهم غير موجود لأنه غير مدرك عقليا، في نفس وقت تجاهل أن الآنية فيزيائيا شغالة دائمية في مهمتها تجسير قطوعات الزمان التحقيبية على الارض حينما لا يكون الزمان مفهوما مطلقا لا يدركه العقل ولا تحد حدوده الازلية السرمدية. الشيء الذي ينهي اشكال عدم مجانسة الانية الحاضرة مع الزمان هو في التمييز بين الزمان الارضي بأختلافه عن الزمان كمفهوم كوني مطلق لا يقبل المقايسة الاستدلالية به في قول عبارة ارسطو الزمن لا يحد بالزمان وهو يقصد الزمن كمفهوم مطلق غير مدرك.

ختاما علينا التنبيه أن آنية الحاضر هي استدلال لا ضير أن يكون وهميا بالقياس لمدركات العقل، لكنه موجود كدلالة افتراضية غير وهمية زمانيا بمنطوق علم الفيزياء، بدليل كثير من الظواهر وقوانين الطبيعة والحياة العامة التي تحكم الانسان هي قوانين غير مدركة عقليا، لكن عدم ادراكها لا يترتب عليه نزع فيزيائيتها الشغالة الدائمة في تنظيمها حياة الانسان في الطبيعة منها قوانين الفيزياء الطبيعية هي ليست قوانين العقل في ادراكه أو في عدم ادراكه نظام العالم الخارجي من حولنا. فمثلا قولنا الان ليست استدلالا لماضي ولا لمستقبل، ونزع صفتي الحركة والسكون عنها يحتاج اثبات برهاني فلسفيا، لكن الفيزياء العلمية وليس الفلسفة تجعلها موضوعا فيزيائيا بالدلالة قائما لا يحتاج البرهنة الفلسفية له.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

................................

الهوامش :

1- عبد الرحمن بدوي /الزمان الوجودي/ ص 59

2-  نفسه ص 65

3-  نفسه ص 63

4-  نفسه ص 62

5- نفسه ص 62

6- نفسه ص 63

7- نفسه ص 65

8- نفسه ص 65

9- نفسه ص 65

 

 

ميثم الجنابيتقديم: هناك شخصيات لا تتآكل تجاربها وقيمتها مع مرور الزمن. من ثم تبرز قيمتها زمن الاحباط والهزيمة، والتفاؤل والنصر. والحديث يجري هنا عن الشخصيات السياسية الفذة والعربية العامة. فهناك شخصيتان تمثلان الروح القومي العربي ويرتقيان الى مصاف المرجعية الفعلية بهذا الصدد، وهما وكل من جمال عبد الناصر في القرن العشرين، والشيخ حسن نصر الله في القرن الحادي والعشرين. ولكل منهما اثره وقيمته في ارساء اسس الرؤية العملية للفكرة العربية.

والمقال الحالي مخصص لجمال عبد الناصر بمناسبة مرور نصف قرن على وفاته (الثامن والعشرين من أيلول عام 1970). وقد ادى مقتله الى احداث فراغ، سرعان ما جرى ملئه، رغم تباين الإمكانيات، بشخصية الشيخ حسن نصر الله. فلو افترضنا انه يقود الآن دولة مصر أو سوريا أو حتى لبنان، لأدى ذلك إلى إحداث تغير نوعي في المسار القومي العربي، ولأستعاد فلسطين بطريقة تحي تحرير القدس من سطوة القوى الصليبية. وهي خاتمة لا ريب فيها.

لقد صنع عبد الناصر تاريخ القومية العربية الحديثة، بغض النظر عما تعرض له مشروعه من هزيمة عملية شنيعة، تماما كما تعرض للفشل مشرع محمد علي باشا قبله بأكثر من قرن من الزمن (توفي عام 1848). ووراء كل فشل اسبابه الخاصة ونتائجه، ليس محل مناقشتها في هذا المقال.

لا يتناول هذا المقال التاريخ السياسي الشخصي والوطني المصري والقومي العربي لجمال عبد الناصر. إذ يبقى جمال عبد الناصر، رغم كل هزائمه الفعلية، الشخصية الكبرى والأعظم في التاريخ السياسي العربي للقرن العشرين.

إن مهمة هذا المقال تقوم في التحليل والدراسة النقدية للفكرة الناصرية من اجل استخلاص تجربتها ونتائجها الفعلية. ومن ثم العمل على تأسيس الرؤية الفلسفية العلمية للمستقبل تجاه إشكاليات العالم العربي وفكرته القومية الحديثة.

***

التجربة الشخصية للفكرة القومية

إن الإشكالية المثيرة "للناصرية" وغرابتها في الوقت نفسه تقوم في اعتلائها عرش الفكرة القومية العربية الحديثة، مع أنها لم تكن فلسفة ولا أيديولوجية ولا حتى فكرة واضحة المعالم. وقد أشار جمال عبد الناصر (1918-1970) نفسه إلى هذا الجانب عندما كتب في (فلسفة الثورة) قائلا، بأن ما يضعه في كتابه هذا ليس "فلسفة" وليس "أيديولوجيا"[1]. ومع ذلك أعطى لمواقفه وتجاربه الشخصية السياسية أبعاد "فلسفة للثورة" المصرية، أي لانقلاب يوليو العسكري وما كان يختزن فيه من إمكانية ورؤية قادرة على التطور والتمام.

وبغض النظر عن كل ما قيل أعلاه، فإن الناصرية استطاعت مع ذلك التغلغل في مسام الوعي القومي كما لو أنها احدى بديهياته الكبرى. ولا يخلو هذا التغلغل من أبعاد حقيقية ودفق دافئ للوجدان العربي المعذب، والذي يمكن العثور عليه في أعمق أعماق الناصرية بوصفها موقفا شخصيا وتجربة سياسية. من هنا كمية ونوعية الإخلاص الهائل فيها وضعف عودها النظري (العقلي) الذي سرعان ما كشف عن نفسه في عودة مصر إلى حضيض الساداتية ثم المباركية! ولاحقا الإخوانية المتهرئة وأخيرا للعسكر من جديد! بمعنى شقها الطريق الوعر لمصر الجديدة والانتهاء بها إلى طريق مسدود.

إن هذه النتيجة الجلية والمخزية في الوقت نفسه ليست نتاجا ملازما للناصرية، على العكس! وفي هذا تكمن مفارقة الناصرية! الأمر الذي يدفع من جديد السؤال الجوهري نفسه الذي حاول جمال عبد الناصر الإجابة عليه، ألا وهو كيفية الخروج بمصر من مأزق وجودها التاريخي، والانتقال بها صوب ذاتها، أي كيفية تأسيس وتحقيق فكرة الهموم الوطنية والقومية الكبرى في مصر على مستوى النخبة والمجتمع والنظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

فقد كان هذا السؤل الأكثر إثارة بالنسبة لعبد الناصر يدور حول هواجسه الوطنية العميقة نفسها. إذ شاهد فشل الغاية التي سعى إليها عمر مكرم في تنصيبه لمحمد علي باشا. كما لم تنجح محاولات عرابي بالدستور. وفشلت ثورة 1919 بزعامة سعد زغلول. لقد شاهد ذلك وتوصل إلى أن هناك خلل ما زال مستمرا في حياة مصر يقوم في أن حكامها ليس منها، بمعنى غياب الهمّ الوطني عند نخبتها السياسية (نخب غير مصرية الأصل والهموم). بعبارة أخرى، إن الهاجس الأول والأعمق في تفكير جمال عبد الناصر كان الهاجس الوطني المصري. ولهذا الهاجس مقدماته في خصوصية المسار التاريخي لمصر وبلاد النوبة، بوصفها منطقة تاريخية ثقافية ضمن الكينونة العربية العامة، وفي تجربة عبد الناصر الشخصية نفسها.

فقد كانت التجارب السياسية والفكرية الحديثة والذوق الوجداني في مصر يعترك ضمن وطنية مصرية مستقلة نسبيا. ومن المكن العثور على ذلك في محاولات جمال عيد الناصر فهم وعيه الذاتي الشخصي والوطني في مواجهة ما اسماه بكيفية "العثور على العمل الايجابي". بحيث نراه يأخذ بتحليل تاريخ مصر أو استخلاص ما يمكن استخلاصه من رؤية مفاصله الكبرى وأثرها بالنسبة لبلورة تقاليد ومكونات ورؤية وطنية مصرية جديدة. ووضع ذلك في موقف منهجي سليم، يقول، بأن "الوسيلة لمواجهة أي مشكلة من المشاكل هو ردها إلى أصلها ومحاولة تتبع الينبوع الذي بدأت منه". ووجد "أصل وينبوع" الحالة المصرية القلقة في موقع مصر الجيوسياسي والتاريخي والثقافي. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "القدر شاء أن تكون مصر مفرق الطرق من الدنيا". و"كثيرا ما كنا معبرا لغزاة ومطمعا لمغامرين"، "كما لا يمكن إغفال تاريخ مصر الفرعوني، ثم تفاعل الروح اليوناني مع روحنا، ثم غزو الرومان، والفتح الإسلامي، وموجات الهجرة العربية التي أعقبته"[2]. واعتبر الحالة الأخيرة لمصر، أي انحدارها وانحطاطها شبه الشامل وخرابها الداخلي هو نتيجة لموجات الغزو الأجنبي، بدأ من الحروب الصليبية وانتهاء بالمماليك. فإذا كانت الحروب الصليبية هي "بداية فجر النهضة في أوربا"، فأنها "كانت بداية عهود الظلام" في مصر، كما يقول عبد الناصر. وذلك لأن مصر قد تحملت أكثر من غيرها "معظم أعباء الحروب الصليبية" بحيث خرجت مصر والمصريين بعدها فقراء معدمون ومنهوكين"[3]. ولم تنته حالة مصر بذلك، بل استمرت تعاني "الذل تحت سنابك خيول الطغاة القادمين من المغول والشركس. كانوا يجيئون إلى مصر عبيدا فيفتكون بأمرائهم ويصبحون هم الأمراء، وكانوا يسوقون إليها مماليك فلا تمضي عليهم فترة في البلد الطيب الوديع حتى يصبحوا ملوكا"[4]. وبأثر ذلك تحولت مصر "إلى غابة تحكمها وحوش ضارية. كان المماليك يعتبرونها غنيمة سائغة"، بحيث أصبحت "أرواح المصريين وثرواتهم وأراضيهم غنيمة"[5]. أما الحصيلة العامة لهذه الحالة فقد أدت إلى نتيجتين مترابطتين، الأولى وهي سيادة الطغيان والظلم والخراب، بحيث أصبح ذلك طابع الحكم في مصر، والذي عاشت في مجاهله قرونا طويلة[6]. أما الثانية المترتبة عليها فهي تصنيعها للخنوع والابتعاد عن السياسة والاشتراك الاجتماعي. فقد كانت تقاليد الممالك دموية وقاسية وبدائية، حيث كانوا يتصارعون ويتطاحنون في الشوارع وتسرع الناس إلى بيوتها يغلقونها عليهم بعيدين عن هذا الصراع الذي لا دخل لهم فيه"[7].

لقد كانت هذه الرؤية التاريخية السياسية جزء من التأمل الوجداني والعقلي لجمال عبد الناصر في مرحلة صيرورته الشخصية. وقد قدم مثالا نموذجيا بهذا الصدد عندما أشار إلى انه حاول في بداية عمره أن يفهم العبارة التي كثيرا ما كان يرددها الصغار وهو منهم وبينهم عندما كانوا يرون الطائرات في السماء. لقد كان يصيح، شأن أقرانه بعبارة:"يا ربنا يا عزيز... داهية تأخذ الانجليز". وسوف يكتشف في وقت لاحق، بأنها ليست أكثر من إعادة صياغة لعبارة كان يقولها السابقون من المصريين. فقد كان أجدادنا يقولون "يا رب يا متجلي... اهلك العثمانلي!"[8]. ولم تتغير الحالة بعد مجيء الفرنسيين. فقد أدت إلى صعود أسرة محمد علي باشا مع كل تراث المماليك، وأن حاولت وضع الملابس ما يناسب القرن التاسع عشر[9]. وبالتالي، فأن يقظة مصر الحديثة بدأت أساسا بعد "الاتصال بأوربا والعالم كله"[10].

أما حصيلة هذه الحال الدرامية فقد ظلت كامنة في أعمق أعماق مصر وشخصيتها الفردية والاجتماعية والوطنية. ووضع عبد الناصر هذه الحالة المفارقة والواعية في عبارة مقتضبة تقول، بأن أرواح المصريين كانت تعيش "في آثار القرن الثالث عشر، وإن سرت في نواحيها المختلفة مظاهر القرن التاسع عشر ثم القرن العشرين"[11].

إننا نقف هنا أمام حالة تتمثل تاريخ العقل والوجدان بوصفها تجربة فردية واجتماعية ووطنية بقدر واحد. من هنا يمكن فهم موقف جمال عبد الناصر اللاحق من كيفية ونوعية مخاطبة الجمهور بوصفها مخاطبة الضمير العقلي للمجتمع والدولة. فقد توصل بهذا الصدد إلى فكرة مفادها، بأن الغرائز عند الجميع واحدة، أما العقول، فأنها موضع الخلاف والتفاوت. وليس مصادفة أن يكون "ساسة مصر في الماضي من الذكاء بحيث أدركوا هذه الحقيقة فاتجهوا إلى الغريزة يخاطبونها، أما العقل فتركوه هائما على وجهه في الصحراء. وكنا نستطيع أن نفعل نفس الشيء"[12].

بعبارة أخرى، لقد أراد جمال عبد الناصر إحداث القطيعة المنهجية مع تراث لا علاقة له بحقيقة مصر ومستقبلها. وضمن هذا السياق يمكن النظر إلى همومه الشخصية على أنها هموم وجدانية عقلية، أي ذات رؤية مستقبلية وتجريبية. لكنها كانت أيضا ذات حدود مغروسة في أعماق الوعي الثقافي النفسي والعقلي. ومن الممكن رؤية ذلك في نوعية المعاناة الدفينة وآفاقها، التي كانت تعتمل في هموم جمال عبد الناصر وعقله منذ وقت مبكر. فهو يشير إلى أن مواقفه من مصر كانت على الدوام في أعمق أعماقه، كما لو أنها البوصلة الروحية التي كانت تحرك عقله ووجدانه. من هنا استذكاره لمشاركته في حرب فلسطين عام 1948، بوصفها طورا من أطوار بروز النزعة الوطنية، أو القوة الموجهة لمجرى صراعه ورؤيته المستقبلية، قائلا "كنا نحارب في فلسطين، ولكن أحلامنا كلها كانت في مصر"[13]، وكيف انه كان "يجد خواطره تقفز فجأة عبر ميادين القتال، وعبر الحدود، إلى مصر"[14]. وضمن هذا السياق يمكن فهم تفسيره للأسباب القائمة وراء مشاركته في انقلاب يوليو 1952، أي خروجه على مألوف التفسير المسطح والعابر الذي يجدوه في "هزيمة" أو ما يسمى بحادثة "الأسلحة الفاسدة"، أو رد فعل على ما يسمى بأزمة "نادي الضباط" لعام 1951[15].

لقد كانت كل هذه الأحداث مجرد أحداث ضمن الصيرورة الكبرى للشخصية الوطنية والقومية لجمال عبد الناصر. فقد كانت تجربته المصرية تجربة وطنية، وفي وطنيتها عربية (قومية)، أي أنها تتمثل الخط المعتدل والحد الوسط بين مغرب متغرب وبعيد نسيا عن هموم القومية الكبرى، ومشرق هو قومي وصانع الفكرة القومية العربية. ومن الممكن تبع ذلك ورؤيته فيما يمكن دعوته بوعي الذات الشخصي لجمال عبد الناصر نفسه كما وضعه في كتابه (فلسفة الثورة). فعندما يتتبع الأسباب الدفينة القائمة وراء مشاركته في انقلاب يوليو 1952، فإنه يجدها في صيرورته الشخصية بوصفها شخصية اجتماعية وطنية قومية. من هنا بحثه عن تاريخ "الفوران" والثورة في أعماقه الذي تركم مع مجرى الأحداث في مصر وطبيعة صراعها الداخلي الطويل والمرهق. انطلاقا من "أنه لا شيء يمكن أن يعيش في فراغ"، "حتى الحقيقة لا يمكنها أن تعيش في فراغ"[16]. وبالتالي لم تكن "ثورة يوليو" حادثا عابرا أو ناتجا عن لا شيء!

واستخلص جمال عبد الناصر كل هذا التعقيد في عبارة موجزة تقول، بأن مشاعره "في البدء اتخذت هيئة الأمل المبهم"، ثم "فكرة محددة" ثم "تدبير عملي"، ثم تجارب "وضعت موضع التنفيذ هذه المشاعر"[17]. إن الانتقال من الحس إلى العقل ومنه إلى العمل، أو من العلم إلى الحال إلى العمل، فيما لو استخدمنا العبارة الصوفية، فأن النتيجة كانت "ثورة" على النفس والواقع، قد لا تخلو من مغامرة، لكنها مغامرة الروح العامل بمعايير الوطنية الصادقة والإخلاص لها في كل شيء.

فقد آمن جمال عبد الناصر بالجندية طوال عمره، كما كتب عن نفسه. والجندية بالنسبة له "تجعل للجيش واجبا واحدا، هو أن يموت على حدود وطنه. فلماذا وجد جيشنا نفسه مضطرا للعمل في عاصمة الوطن، وليس على حدوده؟"[18]. إن مفارقة هذه الظاهرة تكمن في مفارقة الجندية المصرية وتاريخها السياسي. فقد كان الجيش، كما يقول عبد الناصر، "الشبح الذي يؤرق به الطاغية أحلام الشعب. وقد آن لهذا الشبح أن يتحول إلى الطاغية فيبدد أحلامه هو"[19]. وفي نفس الوقت كان هذا الشعور "يمتد إلى أعماق وجودنا بأن هذا الواجب واجبنا". إلا أن "الصورة الكاملة لم تتضح في خياله إلا بعد فترة طويلة من التجربة عقب 23 يوليو"[20]. من هنا نوعية وكمية الأزمات التي تعرض لها جمال عبد الناصر، والتي سببت له كما يقول "أزمة نفسية كئيبة"[21]. بحيث توصل أحيانا إلى أن "اتهم نفسه وباقي الجيش بالحماقة والجنون الذي صنعه في 23 يوليو"... وذلك لأنه كان "يتصور قبلها أن الأمة كلها متحفزة متأهبة وأنها لا تنتظر إلا طليعة تقتحم أمامها السور"...كما كان "يتصور دور الجيش على انه دور طليعة الفدائيين"[22]. لكن الواقع فاجأه، بحيث نظر إلى كل ما جرى بعد الانقلاب على انه شيء لا يتطابق مع الخيال الأول. من هنا صعود الإحساس بأن "مهمة الطليعة لم تنته في هذه الساعة. وإنما من هذه الساعة بدأت". من هنا نوعية الإصرار الجديد الذي حصل على تعبيره في موقف سياسي بدأت ملامحه تكتمل من خلال وضع حالة الأشياء موضعها كما هي، كما هو جلي في عباراته التالية:"كنا بحاجة إلى النظام، فلم نجد وراءنا إلا الفوضى. وكنا في حاجة إلى الاتحاد، فلم نجد وراءها إلا الخلاف، وكنا في حاجة إلى العمل، فلم نجد وراءنا إلا الخنوع والتكاسل"[23].

وحدد هذا الواقع الفهم الجديد لماهية الثورة وشعارها. لقد توصل جمال عبد الناصر إلى خلاصة تقول، بأن مصر" تعيش في ثورتين. ثورة سياسية للحصول على الحرية والتحرر (الوطني) وثورة اجتماعية من جل تحقيق العدالة لأبناء الوطن الواحد"[24]. الأمر الذي حدد بدوره دراما الجيش والثورة ومصر والمستقبل.

فقد مرت اغلب الشعوب التي سبقت مصر بهاتين الثورتين، كما يقول جمال عبد الناصر. إلا أن هذه الشعوب لم تعش هاتين الثورتين معا، و"إنما بين الواحدة والثانية مئات السنين. أما نحن فقد كتب علينا أن نعيش الثورتان معا في آن واحد"[25]. وإذا كانت الثورة السياسية تتطلب وحدة الأمة وترابطها، فأن الثانية تثير الصراع الداخلي، وتغيير القيم والمفاهيم والعقائد مع إثارتها لمختلف مظاهر التضاد[26]. من هنا مهمة البحث عن بديل أو نسبة جديدة وجدها جمال عبد الناصر فيما اسماه بالعمل الايجابي. غير أن هذه الإجابة، شأن غيرها من الإجابات كانت تجريبية بحت. بمعنى أنها لم تنظر إلى الأحداث بعيون التجارب النظرية، بل بعيون التجربة العملية. ووجد ذلك تعبيره فيما يمكن دعوته بضعف الرؤية النظرية عند جمال عبد الناصر وقوة الرؤية العملية.

وهنا كانت تكمن خطورة التجربة الناصرية. أنها كانت تحتوي في أعماقها على تبذير فض للتجارب النظرية. مما جعلها جزء من تقاليد النفي الراديكالي للإرث التاريخي في كافة الميادين. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن خصوصية تطور مصر الحديثة. وهذا بدوره مرتبط بقضيتين، الأولى وتتعلق فيما إذا كانت مصر تفتقد لتجارب نظرية (ومن ثم حكمة عملية) بصدد المستقبل؟ أم أن دخول الجيش إلى ميدان الحياة السياسية المباشرة وتصنيع تام الحكم هو الذي جعل من التجارب النظرية السابقة مجرد ولع مثقفين وعلماء؟ أم أن ما جرى هو نتاج الاثنتين؟ لاسيما وأن التجارب العقلية والمنهجية الأكثر انتشارا وتأثيرا في مصر الحديثة كانت تدور بين تيارين أساسين وهما التيار الليبرالي، الذي كان أيضا تيارا تقليديا ومقلدا ومسطحا لحد ما، وتيار إسلامي كان يعاني من اندثار نسبي للفكرة الإصلاحية وصعود متزايد للراديكالية السلفية. من هنا تراوح جمال عبد الناصر بينهما، ومن ثم بحثه التجريبي عن طريق ثالث، مصري عربي إفريقي إسلامي.

إشكالية التأسيس النظري للفكرة القومية

كان عبد الناصر يعرف، كما يقول عن نفسه، الإجابة على السؤال "ما الذي نريد أن نصنعه". أما الإجابة على السؤال "ما هو الطريق إلى ما نريد صنعه"، فقد كان أكثر تعقيدا ودرامية. وشدد عبد الناصر نفسه على ما اسماه بالتغير الهائل والمتعدد في إجابته على هذا السؤال، بحيث لم يجر له ذلك مع أي سؤال آخر. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن أن الإجابة عليه كانت موضوع الخلاف الأكبر عند الأجيال التي سبقته وعايشته[27]. فقد وجد الإجابة للمرة الأولى عن العمل الايجابي في الحماسة، ثم وجدها لاحقا في اجتماع الكلمة عند زعماء مصر، ثم وجدها في فكرة الاغتيال السياسي. وبينها كلها كانت تعتمل في نفسه "حيرة تمتزج بها عوامل متشابكة، عوامل من الوطنية ومن الدين، ومن الرحمة ومن القسوة، ومن الإيمان ومن الشك، ومن العلم ومن الجهل"[28].

إن إشكالية "ما العمل" و"كيفية العمل" هي الإشكالية الأكثر جوهرية بالنسبة لمراحل الانتقال الكبرى وبداية الصيرورة التاريخية للأمم. وفي حالة جمال عبد الناصر فأن حلوله لهذه الإشكالية ظلت بقيت إشكالية لسبب بسيط، وهو أنها ظلت تجريبية وفردية لحد ما. بمعنى أنها لم ترتق إلى مصاف الفكرة النظرية. فالأخيرة هي الوحيدة القادرة على التغلغل في مسام الإحساس والوعي الاجتماعي والوطني والقومي بهيئة بديهيات سياسية كبرى، أو قواعد عملية جلية، أو مبادئ عامة ملزمة، أو مرجعيات فكرية وروحية متسامية. وليس مصادفة أن يتوصل عبد الناصر بعد جهود ومعاناة وتجارب مريرة إلى أن الصيغة المثلى لهذا العمل الايجابي في مصر كانت تقوم في "وضع الدستور ثم مجلس الإنتاج". ووجد في هذا العمل الايجابي تنفيذ مهمة "إزالة الصخور والعقبات من الطريق"[29]، بوصفه الواجب الأكبر. وقد كان ذلك استنتاجا عمليا لا غير. وبالتالي لم يكن بإمكانه أن يكون ضمانة لاستقرار وتراكم الوعي السياسي والاجتماعي الضروري بالنسبة لكينونة الأمم الحديثة.

ولم تختلف الفكرة العربية الناصرية بدورها عن هذه التجريبية البحت. بمعنى أنها تهذبت في مجرى التجارب العملية السياسية. الأمر الذي جعل من الفكرة العربية الناصرية موقفا وليس نظرية لها أسسها ومستقبلها المتراكم في التجارب اللاحقة. إذ من الصعب الحديث عن فكرة عربية قومية بالمعنى الدقيق للكلمة عند جمال عبد الناصر. أنها مجرد موقف سياسي، رغم تغلغله اللاحق في شخصيته بحيث أخذت تتماهى مع كينونته الفردية الباطنية والظاهرية. فقد كانت فكرته بهذا الصدد تتمثل وعيه التاريخي لحقيقة مصر أو موقعها ومكانتها في ما اسماه بالدائرة العربية[30]. ذلك يعني، أن العالم العربي أو القومية العربية بالنسبة له لم تكن كينونة مصر الفعلية[31]. إنها مجرد جزء من دائرة الرؤية العملية المتراكمة في مجرى التأمل الوجداني لتاريخ مصر وموقعها الجغرافي[32]. وقد توصل عبد الناصر إلى هذه النتيجة من نفس المقدمة العامة عن تاريخ مصر عندما قال، بأن "القدر لا يهزل. وليس هناك احداث من صنع الصدفة". وبالتالي، فأن وجود مصر ضمن دائرة عربية هي نتاج التاريخ الذي لا يهزل. فهناك "دائرة عربية تحيط بنا. وأن هذه الدائرة منا ونحن منها. امتزج تاريخنا بتاريخها، وارتبطت مصالحها بمصالحنا"[33]. كما أن "هناك قارة افريقية"، إضافة إلى أن "هناك عالم إسلامي تجمعنا وإياه روابط لا تقر بها العقيدة الدينية فحسب، وإنما تشدها حقائق التاريخ"[34]. غير "أن الدائرة العربية هي أهم هذه الدوائر وأوثقها ارتباطا بنا. أنها امتزجت بنا بالتاريخ، وبالدين وبالجوار" (الجغرافيا)[35]. ووضع هذه المقدمة العامة والظاهرية في صلب استنتاجه العملي بصدد الفكرة القومية العربية، عندما شدد على "أن الفكرة القومية العربية ليست عاطفة". ووجد دليل ذلك في أن "كل حادث يقع في القاهرة يقع مثله في دمشق وبيروت وعمان وبغداد". الأمر الذي يوصلنا إلى "أنها منطقة واحدة" تعمل فيها نفس الظروف، ونفس العوامل، ونفس القوى المتألبة عليها جميعا"[36]. مما جعل من ماضي المنطقة وحالتها المعاصرة ومستقبلها كل واحد. من هنا توصله إلى قناعة "الكفاح الواحد وضرورته"[37]. وإذا كانت هناك عقبات أمامه ينبغي إزالتها، فأن أولى  هذه العقبات هي "الشك" بالنفس. وبالتالي، فأن الكفاح الواحد هو ضمانة الانتصار. وذلك "لأننا أقوياء، ولكن الكارثة الكبرى إننا لا ندرك مدى قوتنا"[38]. أما مصدر هذه القوة فيقوم في "العمل الايجابي"، بمعنى التصرف ايجابيا بكل ما تملك من مقوماتها. ومن بين أهم مصادر هذه القوة ومقوماتها هي ن العرب "مجموعة من الشعوب المتجاورة، المترابطة بكل رباط مادي ومعنوي يمكن أن يربط مجموعة من الشعوب"، وكذلك بأثر موقع "أرضهم نفسها ومكانها على خريطة العالم"، واحتواء العالم العربي على "البترول، الذي هو عصب الحضارة المادية"[39].

من كل ما سبق نستطيع التوصل إلى أن قيمة الاجتهادات النظرية والاستنتاجات العملية التي توصل إليها جمال عيد الناصر بصدد الفكرة القومية العربية كانت تكمن أساسها في طابعها التجريبي، أي أنها لم تخضع إلى معتقدات أولية، لكنها شأن كل تجريبية لا يمكنها أن تثمر أشياء كبيرة، وذلك لأنها أما تجهل التاريخ وتجاربه أو تتجاهله. وكلاهما لا يغفران! وفي هذا كانت تكمن مأساة الناصرية بوصفها تجريبية فردية سياسية أو تجربة وطنية أو "أيديولوجية" قومية. وذلك لأن كل ما وضعه جمال عبد الناصر هنا هو مجرد تعميم مترابط لتجاربه السياسية وتطورها في مواقف عملية أثمرت رؤية وطنية (مصرية) وقومية (عربية) وإسلامية وقارية (افريقية) وعالمية (عدم الانحياز)[40].

ومفارقة الناصرية بهذا الصدد، على الأقل من الناحية السياسية، تقوم في أن انجازها السياسي التقدمي كان يحمل في طياته تدميرا وتخريبا للفكرة المستقبلية نفسها. وذلك لأنها أعطت لكل مغامر إمكانية التنظير والتفلسف، ومن ثم رمي الحصيلة التاريخية للفكر النظري العقلي وجهاده المعنوي ومعاناته العميقة. أنها جعلت من كل عسكري قادر على تعليم وتهذيب أهل العلم والمعرفة وما شابه ذلك[41]. خصوصا إذا آخذنا بنظر الاعتبار الحقيقة القائلة، بأن التجربة الفردية تبقى فردية، أي جزئية وناقصة ومحدودة. كما أنها لا تستطيع رؤية ما يخرج عن حدود تأسيسها المعرفي. ومن الممكن الاكتفاء هنا بالعبارات "المتألمة" التي قالها جمال عبد الناصر نفسه عن موقفه من رجال العلم والمعرفة: لو أن أحدا سأله في تلك الأيام ما هي اعز أمانيه؟ لقال له على الفور: أن يسمع مصريا يقول كلمة إنصاف في حق مصري آخر، وأن يحس أن مصريا قد فتح قلبه للصفح والغفران والحب لإخوانه المصريين. لكنه لم يكن يسمع إلا "أنا"[42]. وان كل منهم هو غاية الوجود ومنتهاه!

لقد كان هذا التقرير للواقع جزء من تجربته الفردية والشخصية. بمعنى انه يحتوي على تعميم مفرط عسكري النزعة من جهة، وانتهاك فض لمعنى الفردية والفردانية، بوصفها الشرط الضروري والصفة الملازمة للإبداع الحر والكبير، من جهة أخرى. والأخير لا يمكنه التلاؤم مع النفسية العسكرية والخضوع لها، أيا كانت شخوصها وحملتها. بينما هي ترى في كل خروج عليها انتفاخا "للأنا" وخيانة للمصالح الكبرى! ما يجعل منها أيضا ممرا للاستبداد وتصنيع قطعان الرذيلة المتنوعة!!

 

ا. د. ميثم الجنابي – مفكر وباحث

........................

[1] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، (ضمن سلسلة، (اخترنا لك..رقم 3)، مصر، دار المعارف، (ب. ت.)، ص9.

[2] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص42

[3] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص43.

[4] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص42

[5] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص43

[6] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص43

[7] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص44

[8] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص45

[9]  نعثر في هذا الوقف من أسرة محمد علي باشا وأثرها بالنسبة لمصر على نفس الصيغة التي توسع فها الشيخ محمد عبده. بمعنى نقده الشديد لتراث المماليك الأتراك والعثمانيين واعتبارها اشد القوى تخريبا في تاريخ مصر. ومن ثم لم تكن "إصلاحات" محمد علي باشا أكثر من تقليد أجوف، كما أنها ظلت مغتربة عن حياة مصر والمصريين.

[10] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص45

[11] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص46-47

[12] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص50

[13] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص12

[14] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص13

[15]  جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص10-11.

[16] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص17

[17] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص19

[18] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص19

[19] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص20

[20] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص20

[21] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص25

[22] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص20-21

[23] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص21

[24] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص25-26

[25] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص26

[26] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص26

[27] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص33.

[28] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص35-36

[29] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص53

[30] وجدت هذه الرؤية سبيلها إلى فكرة "الدائرة الإفريقية" المبنية على ما اسماه جمال عبد الناصر بوحدة المصالح ونهر النيل، و"الدائرة الإسلامية" المبنية على أساس التاريخ والعقيدة والمصالح.

[31]  لا تقلل هذه الرؤية من صدق الفكرة العربية القومية عند جمال عبد الناصر ولا من إخلاصه لها، كما لا يجعل منها مستوى اقل أو أضعف من غيرها. لقد كانت الناصرية مجرد جزء من أجزاء الكلّ العربي المشتت. بمعنى أنها حاولت أن تنطلق من الجزء إلى الكل، ومن الخاص إلى العام. وبالتالي، فإنها تشبه من حيث حوافزها ورؤيتها السياسية ومنهجها المجرد ما كان يدعو إليه انطون سعادة. مع الأخذ بفارق التأسيس النظري. فقد كانت نظرية سعادة أكثر تأسيسا واشد تحكيما وأدق تعبيرا وأكثر تجانسا. أما بالنسبة لعبد الناصر، فقد كانت فكرته جزء من تجربة عملية لا تخلو من أبعاد نظرية مهمة في ما يتعلق بإدراك الكينونة الفعلية للقومية العربية. أنها تعكس الحالة الطبيعية لما ادعوه بالمناطق الثقافية الكبرى للقومية العربية، التي جعلت من مصر (وبلاد النوبة) احد نماذجها التاريخية إلى جانب المشرق العربي، والمغرب العربي، وشبه الجزيرة العربية.

[32]  للفكرة الجغرافية اغواءها وإغراءها الخاص بالنسبة للتأويل والتفسير. مع أنها لا تخلو من أهمية مستقلة. غير أن وضع علامة مساواة بين التاريخ والجغرافيا هو مجرد القول بحصيلة حاصل. إنهما مترابطان ولكن ضمن جوهرية التاريخ وعرضية الجغرافيا. فالجغرافيا لا تصنع تاريخا، بل التاريخ هو صانع الجغرافيا الفعلية للأمم. إن جغرافيا شبه الجزيرة العربية (مكة) صخور ووديان وشعاب لا تخلو من قوة وجمال، لكن التاريخ العربي الإسلامي، أي تاريخ الفكرة والروح المتسامي هو الذي جعل منها "مكانا مقدسا"، أي جغرافيا التوجه الطبيعي والماوراطبيعي للأفراد والجماعات والأمم.

[33] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص62

[34] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص63

[35] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص62

[36] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص69

[37] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص73

[38] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص74

[39] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص75

[40]  وقد يكون موقفه من القدوم على الأعمال نموذجا حيا بهذا الصدد. إذ نعثر عنده على العبارات التالية: "لا معنى لتكرار شعارات الماضي، لأنها لا تفعل. والمهمة تقوم في إدراك حقيقة الظروف التي نواجهها وقدرتنا على الحركة السريعة. والتحرر من آثار الألفاظ البراقة، والقدوم على ما نتصوره واجبا، مهما كان الثمن. ولا معنى للخوف من "إغضاب الناس جميعهم". إذ "ليس غضب الناس هو العامل المؤثر في الموقف". وذلك لأن السؤال الجوهري يقوم في ما يلي:"هل الذي أغضبهم يعمل لصالح الوطن إو لغيره"؟ إننا أغضبنا كبار الملاك والساسة القدماء وكثيرا من الموظفين (أي كل تلك الشرائح التي جعلت الوطن فريسة لشهواتهم وصراعهم على المغانم"[40].

[41]  لقد كشف مسار الحياة السياسية للعالم العربي بعد انقلاب يوليو المصري عن "مرجعيته" الخربة بهذا الصدد. فقد أّثر من حيث صورته وأسلوبه على تلميع مظهر "الانقلابات لعسكرية" عبر تحويلها إلى "ثورات تاريخية" لم تنتج مع مرور الزمن غير نماذج فجة للاستبداد والدكتاتورية، كما هو جلي في سوريا والعراق وليبيا، أي في كل تلك البلدان التي جعلت من القومية العربية شعارها المطلق ومن عملها الداخلي انتهاكا شاملا لمعنى القومية ومتطلباتها وغاياتها.

[42] جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، ص22-23.

 

 

علي محمد اليوسفتقديم: من النقطة الخلافية الجوهرية التي ترى في الآن أو الحاضر ليس زمانا ولا هو جزء من تحقيب زماني كما في ادراكنا الماضي وحدسنا المستقبل. اشار ارسطو في معرض اثباته لها أن الآن (الحاضر) يكون لا زمانا وخارج الزمان بدلالة ميزتين:

الاولى هي أن الآن ليست جزءا من زمان بمعنى عبارته الزمان مطلق كلي لا ينقسم على نفسه ولا يقبل التجزئة بدلالة قطوعة زمانية منه تشاركه الماهية، كما لايقبل التجزئة بقطوعة لا زمانية لا تشاركه الماهية ايضا. الزمان لا يحده زمان آخر ولا دلالة غير زمانية لا تشاركه الماهية. اذ لا يوجد زمان مغاير لوحدة كلية مطلق الزمان كقطوعة تحقيبية تحد زمانا آخر غيرها.

الثانية أنه لا يوجد في الآن الحاضر لا سكون ولا حركة تجعل منه زمانا. 1بعبارة أخرى الزمان لا يمكن أدراك حركة السكون والتغيير فيه من دون حركة جسم يلازمه ادراكا حركيا زمانيا. والحركة والسكون هما صفتا الزمان التحقيبي الارضي ليس بدلالة مطلق الزمان بل بدلالة ادراك التحقيب الارضي الى ماض وحاضر ومستقبل الذي يكون التحقيب فيه تاريخيا بدلالة زمانية.

في العبارة الاولى الآنية أو الحاضر لا يقوم على اساس من تحقيب زماني كوني متعذر مفقود لذا لا يكون الزمن الحاضر تحقيقه ادراكيا بدلالة الزمان المطلق الكلي السرمدي. الزمان الكوني لا يتقبل التحقيب ولا القطوعات الساكنة أو المتحركة كما في الزمان الارضي كتحقيب تاريخي مدرك.

وفي العبارة الثانية الزمان الحاضر يقاس بدلالة الحركة و بدلالة السكون اللذين لا يمتلكهما الحاضر معا. بل يمتلكها كلا من الماضي والمستقبل. هي عبارة تتحدث عن التحقيب الزماني الارضي. وبالحقيقة فأن زمن المستقبل كما هو زمن الحاضر لا تنطبق عليه صفتي الحركة والسكون كون المستقبل غير مدرك كتحقيب زماني يمتلك صفة الثبات النسبي ويبقى الماضي هو الذي تحكمه الحركة والسكون ليس بقواه الذاتية بل بعوامل موضوعية خارجية تحاول معرفته وتفسيره.

التفريق بين الحاضر أو الآن في أعتباره لازمانا خارج الزمان يأتي من الفرق بين زمان مطلق كوني ازلي سرمدي من جهة وزمان ارضي محصور كتحقيب تنظيمي تاريخي للزمان من جهة ثانية، وبهذه العبارة عن ارسطو تكون مصادرة عدم الاقرار بأن الآن الحاضر ليس زمانا غير واردة ولا صحيحة بدليل تعبير ارسطو عنها بأنها زمن محصور بدلالة زمن مطلق لا حدود له ولا يقبل دلالة الاشارة على جزء منه غير متحقق يلازمه أو يفارقه أن يكون دلالة ادراكية للزمن الازلي المطلق في كليته كوحدة زمانية غير مدركة كونيا لكنها مدركة فيزيائيا على الارض بدلالة غيرها من حركة الاجسام.. فتعبيرات مثل الماضي والحاضر والمستقبل هي تحقيب تاريخي بدلالة الزمن لها.

ومقولة ارسطو الصحيحة قطعا التي يقول بها لا يمكننا تحديد الزمان بالزمان نفسه أي أن الزمان وحدة كلية مطلقة واحدة كونية يتعذر تجزئتها ولا تقبل الانقسام حتى على مستوى انفصال النوع كزمان كوني وليس زمانا ارضيا.

هنا بهذا يحدد ارسطو بين الزمان كمطلق كوزمولوجي كوني وبين الزمان الارضي الذي ندركه تحقيبا زمانيا بدلالة حركة الارض والقمر والكواكب الاخرى التي ندرك حركتها حول الشمس وحول نفسها. في معرفتنا الزمن بدءا من الثانية وليس انتهاءا بالفصول الاربعة.وبها ندرك ايضا أهمية تحقيب الزمان الارضي الى ماض وحاضر ومستقبل بدلالة امكانية تجزئة الزمان الارضي كحتقيب متجانس الزمانية الماهية.. ولا امكانية تتوفر تجزئة الزمان الكوني كمطلق ازلي دليل ذلك دقة عبارة ارسطو الزمان لا يحد بزمان لا من نوعه ولا مغاير له. فالزمان الكوني هو زمان واحد بالماهية والصفات ولا يوجد زمان آخر يناظره ولا زمان آخر يقاطعه.

الآنية زمان غير مدرك لكنه حركة فيزيائية مجردة بدلالة تجسيرها الماضي مع المستقبل، أي الآن أو الحاضر لايقاس بزمان مطلق بل بزمان ارضي تحقيبي مدرك، أن اثبات ارسطو أن الآنية أو الحاضر ليست زمنا ولا هي جزء زمني وتفتقد صفتي الحركة والسكون انما أعتبر ذلك بمحاكمة الآن الارضي الذي هو الحاضر بدلالة زمان مطلق كوني وليس بدلالة زمان ارضي مدرك تحقيبا الى ماض وحاضر ومستقبل تاريخيا - زمانيا..

في عبارة ارسطو التي نفهم بها الزمان مطلقا ازليا غير معروف الماهية ولا يتقبل التجزئة، ولا يمكننا تحديده بزمن، لأن تجزئة الزمان على الارض بدلالة مطلق الزمان الكوني الازلي غير واردة ولا صحيحة، الزمان يقبل التجزيئ الافتراضي كزمن ارضي وليس كزمن كوني مطلق ازليا...أما الزمان كمفهوم مطلق فهو وحدة من الكليّة المستقلة التي تحكم الكوني والطبيعة بضمنها الانسان ولا ترتبط بالعقل بعلاقة ادراكية. والزمن المطلق الكوني لا يقبل التجزئة في الدلالة على مطلقه فهذا غير وارد ومحال أي لا دلالة لزمن كوني بزمن آخر يلازمه أو يناقضه بالانفصال عنه.. أما الزمان الارضي فهو غير مطلق ولا يتسم بالسرمدية الازلية لذا فهو يتقبل التحقيب الزماني التاريخي المتداخل ويتقبّل التجزئة كدلالة ادراكية له ولغيره من موضوعات ترتبط به.

لماذا نقع بخطأ الحاضر لا يدرك؟

الآن أو الحاضر هي نقطة شد وجذب بين ماض ساكن ومستقبل متحرك،  وقولنا لا تمتلك الآنية الحركة ولا السكون هي مقولة افتراضية صحيحة. لأن الآنية هي تشظية لا زمانية يمكن حدسها ولا يمكن ادراكها كتحقيب زماني قائم بذاته. والقول بأن الآنية وهم غير موجود ليس صحيحا بدلالة اننا يمكننا ادراك حاضرنا بدلالة ماضينا كما في دلالة مستقبلنا.

ليس كل ما لا ندركه حسيا ولا معرفيا عقليا غير موجود انطولوجيا بدلالة الزمان لا يخضع لهذه الفرضية، و أثبات ذلك دلالة لدينا العديد من القوانين الطبيعية التي تحكم الطبيعة والحياة والانسان وهي غير قابلة لادراك العقل لأنه لم يكتشفها ولا يتمكن العقل أختراع مشابهاتها تتقبلها الطبيعة. ربما يستطيع الانسان اختراع قوانين في الكهرباء والمغناطيسية وحركة الضوء وسرعة الصوت وغيرها من قوانين صحيحة علميا لكنها عاجزة عن ابطال فاعلية قانون طبيعي واحد تمتلكه الطبيعة بالفطرة الازلية او بخالق وضعه فيها وتسير به من دون أدراكها له.

تجريد أي شيء بالوجود من خصائصه وصفاته وفي مقدمتها الحركة والسكون يجعل من ذلك الشيء وهما عدميا، والآن أو الحاضر وأن كان مفهوما غير مدرك حسيا في تجريده عن الحركة والسكون التي تمتاز بها حركة الاجسام، يصبح وهما وليس عدما، ومساواة الآنية الزمانية بالعدم خطأ لا يمكن تمريره، كون العدم ليس حركة ولا سكون لكنه حدس تدميري في افنائه كل موجود حي من دون ادراكنا له ولا كيف يعمل ولا كيف يفني الاشياء ويتمكن منها ولا يتمكن افناء نفسه. العدم حسب تعبير هيدجر لا يفني نفسه ذاتيا لأنه غير مخلوق مدرك يعقل العقل وجوده. والعدم ليس فراغا لا يشغل حيّزا بالوجود، بل العدم كما يذهب له سارتر يركب ظهر كل موجود ويلازمه الى مرحلة فناء الموجود وليس فناء العدم.

العدم ليس ملازمة زمنية محايدة طبيعية تسير مع الاشياء لحين بلوغ أوان افنائها التدميري لها. أما الآن فهي ميزة زمانية تلازم الاشياء لكنها تختلف عن العدم انها لا تفني تلك الاشياء التي ندركها بدلالة الآنية لها. الآنية تختلف عن العدم كونها تفني نفسها في تشظية بين زمانين ماض ومستقبل والعدم لا يخضع لهذه الحتمية. ولو نحن أرتكبنا حماقة مساواة وهم الآنية بوهم لا وجود العدم كدلالة عن معنى واحد،  لأصبح كل شيء بالماضي وفي المستقبل هو عدم بالفعل الزماني للحاضر وليس عدما بالفعل الافنائي للاحياء في زمن غير معلوم ولا محدد. هيمنة الزمان على ملازمة الاشياء والموجودات الحيّة لحين وصولها مرحلة الشيخوخة لايفنيها الزمان المرافق لها بل يفنيها العدم المصاحب لها كمصاحبة وملازمة الزمان لها. يمكننا القول هنا أن العدم الافنائي للاحياء هو لازماني بخلاف الزمان الذي يلازمها وهو غير عدمي. الزمان لا يمتلك خاصية الافناء العدمي كما لا يمتلك العدم خاضية الزمان غير الافنائي.

ربما يتصورالبعض أن الزمن في مساره حين يخّلف وراءه الماضي ويزامن تصنيعه المستقبل سيقود بالنهاية الى هلاك كائنات انتهى زمان حضورها بالحياة ويكون بذلك الزمان في سيرورته يشابه العدم في صيرورته والتقائهما بمحصلة وجودية واحدة هي قابلية الزمان أن يكون عدما حين يفني العدم حياة الكائنات بالموت....للتفريق بين هذا الازدواج يكمن في الافناء العدمي للاشياء لا يخضع الى تسلسل زماني، وما يفنيه العدم لا يكون بمستطاع الزمان أيقافه ومنع حدوثه.

اشكالية وهم الحضور والغياب

اشكالية عدم الخلاص من التأرجح القلق الذي يرى في الآنية حضورا وهميا لافتقاده خاصيتي الحركة والسكون. نجد في جوهر هذه الاشكالية هو عدم أمكانية ادراك الآنية أو الحاضر بسبب تجريدهما من صفتي الحركة والسكون. في حين المطلوب العكس ليس في اضفاء الحركة والسكون على الآنية الحاضرة وحسب بل في وجوب الاقرار أنها تمتلكهما معا في وجود فيزيائي زماني متداخل.

الفهم المادي الاستاتيكي الجامد للاشياء هو في عدم الفرز بين الموجود انطولوجيا وبين المدرك زمانيا. اذ الفهم الذي يرى حدود الادراك في ادراك العقل ولا يرى فيه أمكانية الدلالة الذي يشترط أن يكون زمان الحركة والسكون هو مدرك مادي خاص بالاجسام فقط، وبالحركة والسكون في الاجسام ندرك بدلالتهما مقدار الزمان بل وتحقيبه ايضا بمعايير العلاقة الترابطية بينه وبين حركة الارض والقمر والكواكب داخل المنظومة الشمسية وليس خارجها.أي الزمان الارضي كي نتمكن ادراك مؤثراته في الطبيعة والانسان والحياة جرى تحقيبه كقطوعات زمانية ندركها بدلالة التغيرات الناتجة عنها ولا ندركها كمواضيع يدركها العقل.فالزمان الماضي والحاضر والمستقبل هي مفاهيم غير مدركة عقليا الا بدلالة الاشياء والموجودات في داخل كل زمن من هذه الازمان التي هي في حقيقتها زمان واحد لا يتجزأ.

الاشتراط المسبق الذي يجمع عليه عديد من الفلاسفة هو أن لا شيء يمكننا ادراكه الا بدلالة الحركة والسكون فيه، جعل من صفتي الحركة والسكون ادراكا فيزيائيا وكل ما يخرج عن ذلك يصبح خارج حسابات ادراكنا الزمان. وهذه الشرطية الاستنتاجية قادت الى الخطأ الراسخ الذي يجد الآنية وهم غير موجود بدلالة عدم امكانية ادراك العقل الحركة والسكون فيها. وهوالاعتقاد الذي بقي ساريا منذ ارسطو والى مراحل تصل عصر الانوار في القرن التاسع عشر. يعني بقي تاثير فلسفة ارسطو سائدا في اوربا الى اكثر من الف سنة في سلسلة من الاخطاء التي قام العلم بمهمة تصحيحها.

الاشكالية التي بقيت سارية فترة طويلة هي عدم الاعتراف بأن الآنية حركة وسكون معا. ولتفسير هذا المعنى الذي قصدناه هو حقيقة الآنية أو الحاضر يعتبر وهما وخارج حسابات الزمن لعدم أمكانية تحقق الفلاسفة أن الحاضر يمتلك الحركة والسكون، عندما نتجاهل أن الآنية هي في جوهرها تشظية لا زمانية موزعة بين ماض يجعلها ساكنة، وبالمقابل العكسي يموضعها المستقبل في بنيته التكوينية فتصبح الآنية حركة بمعيارية المستقبل وسكون بمعيارية الماضي.

في الوقت الذي تعبّر فيه الآنية عن نفسها بأية صورة أو شكل تعبيري فهي تكون ماضيا بدلالة أن ما تعبرعنه الآنية حاضرا هو في حقيقته وهما بمعيارية قياس صفتي الحركة والسكون. كون الحاضر يقاس بدلالة الماضي ودلالة المستقبل عندها يصبح لا وجود لزمن يسمى حاضرا.

الآنية حين تفقد وجودها الزماني في التشظية التي تتقاسمها زمانية ماض ساكن وزمانية مستقبل في طور السيرورة غير مدرك. حينها تفقد الآنية ماهيتها الزمانية في تشظية موزعة بين ماض ومستقبل ولا تمتلك الحركة ولا السكون الخاصة بها منفردة لوحدها، انما تكون بذلك أعدمت نفسها زمانيا وأصبحت وهما لا يدرك.

هذه الحقيقة الفيزيائية الانشطارية في الآنية لا يأخذ بها ارسطو في حكمه على الحاضر زمنا وهميا لافتقاده الحركة والسكون، هو العكس تماما عندما أوضحنا أن الحركة والسكون المفقودتان في الآنية الحاضرة هما صفتين انتزعت منها تجريدا بين ماض ومستقبل.ما يجعلها وهما زمانيا لا يمكن حدسه كما لا يمكن الدلالة به.

أذن في اقرارنا أن الآنية تمتلك صفتي الحركة والسكون، أنما تصبح نقلة تجسيرية نحو تصنيع مستقبل بدلالة الحاضر، وعدم ادراك هذه الحقيقة بمعيار ودلالة زمانية لا يلغي حضورها الفيزيائي على انها ليست وهما بل نقلة انتقالية نحو المستقبل فقدت زمانيتها الحاضرة.

الحقيقة الاخرى أن الآنية تفني ذاتيتها في حتمية أن تصبح وهما غير مدرك لا تستطيع الافلات منه كونها زمن وهمي محصور بين زمانين هما الماضي والمستقبل. فهي كما ذكرنا سابقا سكون متموضع بماض، وحركة متموضعة بمستقبل في حالة من السيرورة والتكوين..

الزمن والحركة والسكون

يقول ارسطو (الزمان هو مقدار الحركة من جهة المتقدم والمتأخر)2 . نلاحظ في البدء أن ارسطو يقيس (مقدار) الزمن الذي لا يتغير ادراكا حدسيا بالحركة المكانية للاجسام بالعالم الخارجي. الحركة التي يدركها الزمن العقلي مكانيا ولا تدرك هي ذاتها معنى الزمن.، فهل الزمن فضاء ادراكي فوق العقل؟ أم الزمن فضاء ادراكي لا قيمة له دونما وصاية وتفكير العقل عليه.؟ ثم لماذا ومتى نحكم على الزمن متحركا ذاتيا بأطراد مع حركة الاجسام أو هو متحركا بقواه وخصائصه الذاتية فقط؟ أوهل الزمن ثابتا غير متحرك أم متحركا متغيرا على الدوام؟

الزمان هو تلازم تجريدي ادراكي عقلي حدسي يرتبط بيولوجيا بوظيفة العقل، لكنه ليس ماهية بيولوجية، ويكون المكان أدراكا عقليا مستقلا تجريديا يرتبط بيولوجيا بعمل العقل وهو موضوع مادي. العقل يحتاج الزمن في أدراكه الموجودات مكانيا في عالم الاشياء، ... الزمن قرين العقل الادراكي قبل أن يكون قرين الموجودات المستقلة في عالم الاشياء.. العقل لا يستطيع ادراك الموجودات مكانا في عدم ملازمة الزمن له، . ونحن ندرك الزمن في حركة الاجسام ونعجز ادراك حركة الزمن موضوعا مجردا عن ملازمته موجودات المكان.

وليست الحركة خاصية الزمان الذي هو (ثابت) غير متحرك حين تكون طبيعته مطلقا فيزيائيا يحكم الكون والطبيعة والاشياء، والزمن يكون محدودا فيزيائيا متغيرا بحدود معرفتنا وجود الاشياء ومدركاتنا لها في ثباتها وفي حركتها المكانية.. والزمن تحقيب أدراكي مكاني للاشياء محدود ومتغير به ندرك متغيرات مكان الاشياء الحركية حين نفهم الزمن بمنظور ادراكنا له على الارض وليس في مطلق وجوده الكوني في اللانهائي..

الزمان تحقيب حركي محدود ومتغير في أدراكه انتقالات حركة الاجسام، ويكون الزمان مفهوما مطلقا يحكم الكون والموجودات في ثباته وليس في تغيراته بمفهومنا الارضي له، فالانسان يحس الزمن متلازما مع كل شيء ثابتا كان أم متحركا محسوسا في عالمنا الارضي فقط. وهذا يعني ثبات الزمن وتغيره معا.

ثبات الزمن أنه حركة الاجسام التي ندركها. وبالحقيقة الاهم فالزمن ثابت لا يتغير لا في مطلقه ولا في نسبيته. هنا تعبيري الفلسفي عن عدم تغير الزمن لا من حيث النظرية النسبية التي تربط تغيرات الزمن بالسرعة وكتلة الجسم والمسافة، في النظرية النسبية يتغير الزمن أو تقل سرعته ولا تتغيير صفاته الماهوية الثابتة كشيء لا يمتلك ماهية معروفة لكنه متداخل وجودا في كل شيء. ويحكم كل مدرك عقلي لنا.

ارسطو في عبارته التي مررنا بها يفهم الزمان مدركا مكانيا بدلالة (حركة ) الجسم وانتقالته بمقدار معين عما كان عليه وضعه المكاني الثابت السابق. ومقدار الزمن عند ارسطو هو مقدار حركة الشيء أو الجسم المكانية ومقدار زمن انتقالته من موضع لآخر مكانيا. يلاحظ ارسطو حاول تفسير الزمن بالمقدار(بالقياس) وعجز عن تفسير الزمن بالماهية التي لا يمكن ادراكها عقليا. كما فسّر الزمن بحركة الجسم مكانا ولم يفّسرالزمن كحركة ذاتية منفردة يتصف بها ماهويا يمكننا ادراكها...وهو ما ناقشناه في اكثر من مقال منشور.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

محمود محمد علييقال أن الجمال لا يقل أهمية عن البساطة في اختيار النظريات، والسبب هو أن العالم لا يدرس الطبيعة لفائدتها فقط، بل يدرسها لأنها تمده بمتعه، وهذه المتعة منبعها أن الطبيعة جميلة، فإن لم تكن كذلك فإنها لا تستحق أن تعرف وأن يعاش فيها. وبالطبع لو أن الفيزيائيين أخذوا في اعتبارهم جمال النظريات أو الأفكار سيكون من السهولة جعل الكيفية الجمالية مرشداً فعالاً لصياغة نظريات رياضية صحيحة للطبيعة.

بيد أن الجمال في تصور الكثير من العلماء والمفكرين لم يكن مرشدا للصياغات النظرية العلمية ؛ فقد شهد النصف الأول من القرن العشرين بعض الدعوات التي تنكر البعد الجمالي للنظريات العلمية، وأن المعيار الجمالي في الحكم علي النظريات هو معيار غير عقلاني، فنجد مثلا " هيلج كراج ":" يقول إن مبدأ الجمال الرياضي شأنه شأن المبادئ الجمالية يمثل إشكالية.المشكلة الأساسية هي أن الجمال هو موضوع جوهري ومن ثم لا يمكن أن يمثل أداة معرفة علي نحو عام بحيث يرشد أو يقيم العلم. إنه كما يقال علي الأقل من الصعب تبرير الحكم الجمالي بواسطة الأحكام العقلية {....} وعلي أية فإننا نري بألا نهرب للنتيجة القائلة بأن الحكم الجمالي في العلم يكون متأصلا في عوامل ذاتية واجتماعية. إن معني المعايير الجمالية هو جزء من نظام اجتماعي أكتسبه العلماء، إلا أن العلماء مثل الجماعات العلمية يمكن أن تكون لديها أفكار مختلفة بشكل واسع لمعرفة الكيفية التي يتم بها الحكم علي القيمة الجمالية لنظرية معينة. ولا نتعجب بأن الفيزيائيين الذين بلغوا القمة في التخصص لم يتفقوا علي أن تلك النظريات قد تكون جميلة وقد تكون قبيحة.

ولم يكتف هؤلاء بذلك، بل وجدنا بعض الفلاسفة استنكر دور البعد الجمالي في العلم، حيث يعولون علي مبدأ أن الجمال يمثل شعور لدي الإنسان ولا يوجد في الشئ الذي نصفه ، ففي فلسفة ديكارت واسبينوزا المتحدثتان بلسان فيزياء نيوتن، حيث يقول ديكارت " لا يدل الجميل ولا البهيج علي أكثر من موقفنا في الحكم علي الشئ المتكلم عنه "، ويقوا اسبينوزا " الجمال ليس صفة للشئ الذي ندرسه وإنما هو الأثر الذي ينشأ في الإنسان الذي يدرس ذاك الشئ ".

وهكذا أحدث هذان الفيلسوفان تيارا قويا تحول إلي ما يشبه العقيدة بالنسبة لكل الأجيال التالية بأن الجمال شعور لدي الإنسان، ولا يوجد في الشئ الذي نصفه، ثم جاء دارون فأكد هذا المعني في نظريته عن التطور فقال من الواضح أن الإحساس بالجمال يتوقف علي العقل بصرف النظر عن أي صفة حقيقية في الشئ محل الإعجاب. وصار فرويد علي نهجه معلنا اعتذاره عن اضطراره لحصر الجمال في دائرة الغريزة. فيقول " من دواعي الأسف أن التحليل النفسي ليس لديه ما يقوله عن الجمال، سوي أنه مستمد من مجال الشعور الجنسي وتترتب علي ذلك نتيجتان: الأولي أن الجمال يمثل متعة شخصية وليس موضوعا للمناقشة العلمية. والثانية: أن الجمال لا يمثل حقيقة واقعية ولا يربطه بالعلم شئ، فعالم الحشرات لا شأن له بجمال الفراشة والإنسان المتذوق لجمال الفراشة لا يهمه أن يعرف شيئا عن جهازها الهضمي.

ومن جهة أخري فقد قدمت الوضعية المنطقية في منتصف القرن العشرين أطروحة تبين أن العلماء يعملون بنجاح في النظرية العلمية بإدخال " سياقين ". الأول هو " سياق الكشف "، وفي هذا السياق ينشئ العلماء النظرية من خلال وسائل الحدوث والتخمينات. وتلك الأفعال قد لا تكون مرشدة من خلال وصايا المنطق والعقلانية، ولذلك لا يمكن تحليلها بدون إطار عقلاني: إذ لا يوجد هناك منطق للكشف العلمي ولكن توجد سيكولوجيا هذا الكشف.

وفيما بعد أدخل العلماء " سياق التبرير "، وفي هذا السياق يقوم العالم وغيره بوضع اختبارات للنظرية تبين أن حدوثها يتمثل في سياق الكشف. وهذا الاختبار يحدث في معيار منطقي – تجريبي يؤكد عقلانية تعاقب النظريات. والوضعيون المنطقيون قد اعترفوا بأن العوامل الجمالية يمكن أن تؤثر علي سلوك العلماء في سياق الكشف، حيث أنهم يعتقدون بأن العالم يمكن أن يستلهم صياغة الفرض من خلال استيعاب أي نوع. بيد أن الوضعيون المناطقة قد رفضوا الاقتراح القائل بأن العوامل الجمالية تلعب أي جزء في سياق التبرير، وذلك لأنهم أدركوا أنه من المفترض أنه لا توجد طريقة للمعيار الجمالي بحيث يكون بإمكانها استيعاب المعيار المنطقي والتجريبي.

وحول هذا الاتجاه نحو العوامل الجمالية في العلم قد عبر عنه " هيربرت فايجل قائلاً ":... بضعة كلمات على بَعْض سوءِ الفهم الناجم عن القلقِ السائدِ من خلال التاريخ ولا سيما سيكولوجيا المعرفة العلمية . فمما هو جدير بالثناءِ ( وإن كان من المحتمل أن يكون يوتوبي) أن ما يمكن أن يتم الوصول إليه وهو أن نقدم معا أقرب ثقافتين (أَو لتَجسير " الشقّ " في ثقافتِنا ) والمفكرون تميل أكثر أذهانهم إلي التشديد علي معرفة كيف أن العلوم والفنون لها سمات مشتركة. إنّ الجسورَ {....} سالكة فقط فيما يتعلق بالسماتِ النفسيةِ للمعرفة العلمية، الإبداع {....} بالتأكيد هناك ملامح جمالية في العلم {.... } لكن {.... } الشئ الأساسي في تقييمِ إ المعرفةِ العلميةِ هو القول (في أحسن الأحوال) بأنه ثانوي في تقييمِ أعمال الفن - والعكس بالعكس.

وهنا حاول الوضعيون المناطقة وضع معيار تجريبي للمفاضلة بين النظريات العلمية، وهذا المعيار قائم علي فكرة أن الهدف الاسمي للعلم، هو أنه تقديم وصف كامل وملائم للعالم. والنظريات تقترب من الوصول إلي درجة، هذه الدرجة تجعل النظرية تمتلك خاصية " الكفاية التجريبية". والقضية هي أن النظرية لها كفاية تجريبية للوسائل الممكنة ذات درجة الأعلى، وهذا هو مطلبها وهو الصدق في كل الظواهر القابلة للملاحظة، بما فيها الظواهر المتضمنة في الماضي والظواهر التي من الصعب أن نصل إليها من جهة أخري. القضية هي أن النظرية لها كفاية تجريبية للوسائل ذات الدرجة الأقل، وهذا هو مطلبها وهو الصدق في النسبة المعروفة للظواهر القابلة للملاحظة. وأصحاب الواقعية العلمية قد قالوا أن الهدف الأسمي للعلم هو أن تكون النسبة التي نصف بها العالم هي أن تكون صادقة، ومع هذا فإنه يمكن أن تقترب من هذا التحليل ، حيث يرون أن درجة الكفاية التجريبية للنظرية هي أن نتيجة وجودها متوقف علي أن تطابق الدرجة يكون من خلال الاقتراب من الصدق.

وبداية فإنه علي ما يبدو أن المعيار الوحيد لتقييم النظرية هو أن النموذج المنطقي – التجريبي يحتاج في أن يعول علي كفاية المعيار التجريبي ذاته: وأفضل النظرية التي لها درجة أعلي من الكفاية التجريبية عن النظرية التي لها درجة أقل من تلك الكفاية. ومع ذلك فإن معني الكفاية التجريبية هو أنه من المستحيل استخدام هذا المعيار في الاختيارات التطبيقية بين النظريات. والطريقة الوحيدة التي يمكن أن نشيد بها النظرية، هي تلك النظرية التي لها كفاية تجريبية ذات درجة أعلي بحيث يمكن البرهنة عليها من خلال تطابقها مع كل المعطيات التجريبية التي يمكن أن تكون قد تجمعت من خلال كل المصادر في زمن غير محدد، وبالمثل فإنه يمكننا أن نقيم فقط نظرية لها درجة أقل من الكفاية التجريبية من خلال تطابقها مع النسبة المناظرة لتلك المعطيات. وللحصول علي القراءة المباشرة لدرجة الكفاية التجريبية للنظرية، فإنه كثيراً ما يكون مفهوم العدد لديه القدرة علي أن يصف ويميز التنبؤات المؤيدة وغير المؤيدة للنظرية التي تم الوصول إليها بدقة، مثل المهمة التي لا يمكن أن تكتمل في وقت محدد عن طريق تعميمات المجال الأوسع من تحصيلات الحاصل والمتناقضات الأخري. ولذا فإن معيار الكفاية التجريبية ذاته لا يقدم أساس تجريبي للمفاضلة بين النظريات المتنافسة.

والعديد ممن تابعوا الاعتقاد بأن حيثية تقييم النظريات علي أساس أن المعيار التجريبي يتصل بالعلم ولا يظهر من خلال الاعتبارات الجمالية. وهذا الاعتقاد هو غالبا ما يعبر عنه في فكرة أن العلماء يلجأؤن إلي المعيار الجمالي علي أنه فقط معيار مدمر وعندما يفاضل العلم بين النظريات، فإن هذه المفاضلة لا تتم إلا من خلال قيمة وأهمية المعيار التجريبي. وهذا المطلب هو ما تطلع إليه " فريتزر وهليتش" يوجد {....} الجمال الأعظم في النظرية الفيزيائية {....}، حيث أن هذا الجمال قد يؤثر علي مصداقية نظريةِ واحدة على آخرِ في غيابِ المعاييرِ الأكثرِ صرامة. فمثلا نظرية النسبية العامة كانت جميلة جدا بحيث تم تفضيلها عن النظريات المنافسةِ طالما تلك النظرياتِ المنافسةِ لا تَستطيعُ وصف الوقائع التجريبية. وهذه الرسالة تتضمن أن الاعتبارات الجمالية قد تتوقف عن حمل وزنا إذا ما اكتشفت أن نظرية النسبية تبرر وصف الوقائع التجريبية سواء كانت وقائع جيدة أو رديئة ممن تنافسها من النظريات الأخري. وهذه النظرة قد تصل إلي حد إنكار أهمية المعيار الجمالي: فهو يَسْمحُ لهم فقط في النظر في الحالات التي يثبت فيها العلماء المعيار التجريبي والتي سوف لا تكون له نتيجة.

إن النموذج المنطقي التجريبي لتقييم النظرية تكون مهمته هي وصف المبادئ العقلانية لما يقوم به العلماء للمفاضلة بين النظريات. وللانتهاء من هذه المهمة: إن الاختيارات العديدة جدا بين النظريات تتمثل في أن يقوم العلماء بما يمكن تفسيره من خلال افتراض أن النظريات تتمسك بهذا المعيار كما في القوائم الستة السابقة.

ولذلك، فإنه بالنسبة للوضعية المنطقية فإنه لا توجد مثل هذه الظاهرة التي تتعلق بتقييم العلماء لنظرياتهم تقييما جمالياً. وكذلك لا توجد مثل هذه الظاهرة لكونها تمثل مشكلة لفلاسفة العلم.من الممكن أن العلماء قد يتأثروا بالعوامل الجمالية في الكشف. لكن الرسم يمكن أن تصور أن تلك الظاهرة يجب أن تكون مهمة لكتاب السير وعلماء النفس أكثر من فلاسفة العلم. إن الوضعية المنطقية عموما قد أعتبرت كل ذلك ملغي في داخل فلسفة العلم، ولكن لا تزال المناقشة تلقي بظلالها علي دور العوامل الجمالية في العلم. وتستمر وجهة النظر التي تعول علي أن العوامل الجمالية يمكن أن تكون مهمة في إبداع النظرية، وأن المعيار التجريبي فقط يمكن أن يلعب دور في قبوله، فمثلا " دين ك. سيمونتن كتب قائلاً: " لا يوجد عالم من العلماء بما فيهم ديراك تتوفر لدية الجرأة في أن يبرر النظرية علي أساس غير عقلاني اللهم إلا علم الجمال".

لذلك وجدنا معظم الوضعيين المناطقة لم يفرقوا في حديثهم عن القيم بين الأخلاق وعلم الجمال، أو قل بين الخير والجمال فهما معا يعتمدان علي الذات المدركة، لا علي صفة في الشئ المدرك والمصطلحات الجمالية تستخدم تماما كمصطلحات الأخلاق للتعبير عن مشاعر معينة , ومن ثم فلا معني لأن ننسب صحة موضوعية للأحكام الجمالية ولاإمكانية للجدال حول الأمور المتعلقة بالقيم الجمالية، وإنما يمكن النقاش فقط حول مسائل الواقع المتعلقة بالجمال، وهذه جميعاً مسائل علمية، فالبحث العلمي وحده هو ما يبحث في أسباب الشعور الجمالي، ولماذا تنتج بعض الجماعات أعمالا فنية وما أثر اعجابها بها، ولماذا يختلف الذوق من فرد لآخر داخل مجتمع واحد. فهذه كلها أمور يمكن بحثها بحثا اجتماعياً أو نفسياً.

ويعلق "جيمس ماكليستر" علي ذلك فيقول:" لاشك أن الوضعية المنطقية كانت علي حق حين رأت أن الاعتبارات الجمالية تحدث من خلال سياق الكشف : فكثيرا ما يحدث أن العلماء يَلتقطونَ النظرياتَ التي فيها هو وهي سيقومان بتوضيح الجزء الذي تتمثل فيه قوة الخصائص الجمالية. ولكن تم إنكار أن الاعتبارات الجمالية تلعب جزء في تقييم العلماء للنظريات ، وهنا الوضعية المنطقية أهملت حقيقتين:

الأولي:- أنه من الممكن النظر إلي الإبداعات العقلية لأنواع عديدة تتراوح من البراهين الرياضية إلي لعبة الشطرنج كأعمال للفن. وحين نضع في الاعتبار الإبداعات العقلية في هذه الحالة نلجأ إلي القول بأن لها خصائص جمالية وهذا الاقتراح الجمالي يؤثر علي نظرتنا العامة تجاههم. ومن المعتاد أنه إذا ما لم يتمكن العلماء في أغلب الأحيان علي أن يعتبروا النظريات العلمية بوصفها أعمال للفن وأن تسمح نظرتهم العامة بها لتكون متأثرة بالأحكام الجمالية. وبالطبع العلماء، كثيرا ما يستسلموا بتلك الإغراءات، وأرنست راذرفور، كتب يقول في سنة 1932 حيث عرض مثال في هذا الصدد قائلاً: أعتقد أن المطلب القوي يتمثل في أن عملية الكشف العلمي ربما ينظر إليها على أنها صورة من صور الفن. وهذا أفضل رأي في الملامح التنظيرية للعلم الفيزيائي. إن المنظر الرياضيي كثيرا ما يبني صروحا رهيبة من الافتراضات المحددة وطبقا للفهم الجيد للقواعد المنطقية التي ينتقل من خلالها خطوة بعد خطوة , بينما قوته التخيلية تظهر بوضوح من خلال العلاقات الكامنة بين أجزائها. والنظرية المشيدة جيدا هي التي بلا شك يكون لها بعض ملامح النسبة الجمالية. والمثال الذي يمكن أن يجسد هذا بالتحديد هو النظرية الحركية لماكسويل {....} ونظرية النسبية لأينشتين، حيث نجد أن ما يفترق تماما عن أي شئ هو صدقهما الذي لا يمكن إلا أن يكون يمثل قطعة فنية رائعة.

ثانياً: إن الوضعيين المناطقة قد اعترفوا أنهم قد حذفوا فكرة أن العلماء في عملهم الخاص لا يميزون علي نحو قاطع بين سياق الكشف وسياق التبرير. في معظم الحالات فإن العوامل التي تقود العالم لصياغة النظرية التي لها خصائص محددة أيضا بحيث تلعب دورا في تشكيل رأي الجماعة بشان أهمية النظرية. وبالأخص فإنه يبدو أن العلماء يلجئون إلي العوامل الجمالية في كل من جهودهم لإحداث الفروض وفي تقييمهم للنظريات التي من المفترض أن تكون متمثلة في جماعتهم. ومن خلال استبعاد العلماء للتقييمات الجمالية لنظرياتهم بوصفها غير مهمة، فإن الوضعيين المناطقة فشلوا في أن ينصفوا هذا الجانب من الممارسة العلمية.

وهاتان النتيجتان انقلبتا تماما في نظرية الكوانتم بعد انقلاب المقدمة الأولي التي بنيت عليها ؛ بمعني أن المادة لم تعد هي المعبرة عن حقيقة الوجود. بل ضروب من الطاقة غير المنظورة، تؤثر فينا ولا نراها، وبالتالي أصبح الجمال صفة للشئ أو الظاهرة وجزء منها وليس مجرد شعور عند المتلقي، بل وأصبح أحد المقاييس الموضوعية للحقيقة العلمية جنبا إلي جنب مع البساطة والمقاييس المنطقية والتجريبية باقتناع العالم بصحة النظرية يتوقف علي إحساسه بجمالها. وهي ليس إحساسا فرديا، بل له صفة الموضوعية.

ولذلك نجد الجمال في النظرة الجديدة وسيلة من وسائل اكتشاف الحقيقة العلمية. ومن ذلك مثلا أن جيمس واتسن في كتابه " اللولب المزدوج " يذكر كيف ان الجمال هدي إلي اكتشاف التركيب الجزيئي لـ DNA فيقول ": كنا نتاول طعام الغذاء ويقول كل منا للآخر إنه لا بد من وجود تركيب علي هذا الجانب من الجمال. " وأقر جميع الحاضرين تقريبا بأن تركيبا في مثل هذا الجمال لا بد من أن يكون موجودا ؛ ويقول العالم الفيزيائي "جورج طومسون George Thomson: (إن المرء يستطيع دائما أن يقدم نظرية، أو عددا كبيرا من النظريات لتفسير حقائق معروفة، بل للتنبؤ بحقائق جديدة أحيانا. والجمال هو الفيصل. فالنظريات بعضها صعب المأخذ ومحدود النطاق وتعسفي. وقلما تدوم هذه طويلا ".

بل إن الجمال يتحدى "الحقائق ". ومن الأمثلة التوضيحية على ذلك واللافتة للنظر ما نجده في بحث علمي قدمه الفيزيائيان "ريتشارد فينمان ومري جيل -مانMurry Gell-Mann عام 1958وعرضا فيه نظرية جديدة لتفسير التفاعلات الضعيفة. وكانت النظرية تناقض بشكل صارخ عددا من التجارب. أما الجانب الرئيس الجذاب فيها فكان الجمال. وقال العالمان فينمان وجيل -مان "إنها نظرية عالمية ومتناسقة وهي أبسط الإمكانات، مما يدل على أن تلك التجارب غير صحيحة ". ويعلق جيل -مان على ذلك بقوله: " غالبا ما يطرح العالم النظري مقدارا كبيرا من البيانات على أساس أنها اٍذا كانت لا تنسجم مع خطة أنيقة فهي غير صحيحة. وقد حدث هذا معي مرات عديدة، كما في نظرية التفاعلات الضعيفة:لقد كانت هناك تسع تجارب تناقض النظرية وكلها بلا استثناء غير صحيحة. فإذا كانت لديك نظرية بسيطة تتفق مع سائر قوانين الفيزياء، ويبدو أنها تفسر فعلا ما يحدث، فلا عليك إن وجدت كمية قليلة من البيانات التجريبية التي لا تؤيدها. فمن المؤكد تقريبا أن تكون هذه البيانات غير صحيحة.

ولذلك نجد جون بوكنجهورن يذهب John Polkinghorne في كتابه Beyond Science فيقول "إن الفيزياء قد علمتنا أن أنجح النظريات هي التي يعبر عنها بأجمل النظريات ". أرأيت كيف أن الجمال قد أصبح معيارا لتمحيص صحة النظريات العلمية؟ هل كان متصورا في العلم بمفهومه الكلاسيكي أن يكون لمثل هذه المعنويات دور في البحث العلمي المجرد؟.. ولكنه العلم في ثوبه الجديد. وإذا كان اللجوء لمعني الجمال في تمحيص النظريات العلمية أمرا مستغربا، فما بالك أن يكون أساسا لوضع نظرية من النظريات أصلا وأيه نظرية، النسبية العامة التي قد لا يغالي في القول بأن وضعها كان من أعظم الإنجازات العلمية علي مر التاريخ الإنساني؟ وفي هذا المعني يقول الكتاب المذكور: " لقد تعلمنا درساً بليغاً من بحث بول ديراك الدءوب عن المعادلات الجميلة، ومن قبله ألبرت أينشتين في نظريته النسبية العامة. ولو أتيح للقاري الكريم الاطلاع علي قصة حياة أينشتين كما كتبها مساعده ريتشارد هوفمان لوجد كيف ركز المؤلف أي أن وضع هذه النظرية كان مبنيا ليس علي أي شئ آخر علي إحساس أينشتين بالجمال. لقد نزع العلم عن نفسه ثوبا أقرب لقميص الأكمام ليستبدل به ثوباً فضفاضاً يتسع لمعان مستقاة من روافد أخري للمعرفة الإنسانية معان تتسع للخير والجمال.

ويعلن الفيزيائي بول ديراك Paul Dirak": (إن وجود الجمال في معادلات العلم أهم من جعل هذه المعادلات تنطبق على التجربة) ونستطيع أن نفهم ذلك إذا تصورنا العالم النظري أمام كمية ضخمة من البيانات التجريبية المذهلة. فأي النتائج هو الأهم؟ وكيف ينبغي أن تفسر جميعها؟ ما هو النمط الملاحظ؟ والجمال في هذا المقام يدل علي أنه جدير بالثقة ؛ وفي انعكاساته العديدة علي دور العوامل الجمالية في عمله الخاص، وفي الممارسة العلمية عموماً، شدد ديراك علي تأثيرها وذلك بوصف كونها تمثل موجه للكشف وبوصف كونها أيضا تمثل الأساس لتقييم النظرية. أولاً، فكما اعترف ديراك باستخدام المعيار الجمالي بأن قرر أولويته في بحوثه الخاصة. فقد اعتقد ديراك أن كثير من زملائه يعملون بنفس الطريقة فمثلاً: حين كان أينشتين يعمل علي إقامة نظريته في الجاذبية فإنه لم يحاول أن يصف بعض نتائج الملاحظات. بعيدا عنها. فقد كان إجرائه العام هو أن يبحث عن جمال النظرية {....} وبطريقة ما فقد حصل علي فكرة أن الجاذبية تتعلق بانحناء الفضاء. وقد تمكن من أن يطور الخطة الرياضية التي تجسد هذه الفكرة. لقد توصل فقط من خلال اعتبار الجمال لتلك المعادلات{....} ونتيجة هذا الإجراء هي نظرية البساطة العظمي والتألق في أفكاره الأساسية.

ولذلك اعتمد " ديراك " علي أن المعيار الجمالي أيضا يتمثل في تخمين النظريات. " سياق الكشف"، " سياق التبرير " حيث يوجد بينهما ارتباط ضروري لا يمكن التخلص منه، وهذا الارتباط يتمثل في هذه القضايا علي النحو التالي:" إن ما هو أكثر أهمية، هو أن يكون الجمال متمثل في معادلات الأول أفضل من أن يكون متمثل من خلال تجربة ملائمة {....} إن ما يبدو هو أنه إذا كان الأول يعمل من وجهة نظر للحصول علي الجمال في معادلات الأول، وإذا كان الأول لديه بالفعل بصيص من الإلهام فإنه بالتأكيد يمثل خط التقدم " كما دعا ريتشارد هـ. دالتز في موسكو في سنة 1950 عندما سئل أن يكتب فلسفته في الفيزياء، وكتب علي السبورة القوانين الفيزيائية التي يجب أن يكون لها جمال رياضي " إنه كان علي الأقل متمثل في جزء من هذا المعيار الذي افترضه بتوسع ديراك لنظرية النسبية العامة: " إنني اعتقد أن أسس النظرية تكون أقوي من النظرية التي تحصل ببساطة علي افتراض البينة التجريبية. والأساس الحقيقي يأتي من الجمال الأعظم للنظرية {....} إن الجمال ضروري للنظرية التي تجعلني أشعر بالسبب الحقيقي للإيمان بها.

ثم يفسر لنا ديراك كيف أصبح الجمال في تصور فلاسفة الطاقة أشد واقعية من وجود الأشجار والأنهار والأحجار، فيقول ": إن جمال النظرية العلمية أحيانا ما يقدم علي صدقها التجريبي، وكثيرا ما يكون هذا الجمال هو المصحح لبعض البيانات التجريبية الخاطئة. فالعالم النظري يجد بين يديه كما هائلا من البيانات التجريبية تحار العقول في تفسيرها. وحينئذ يكون التفسير هو الفيصل الذي يكشف عن خطأ المعطيات التجريبية المخالفة.

ويذهب يذهب" هيزنبرج " إن نظرية أينشتين المذهلة إلي الجاذبية لا يتأتي اكتشافها إلا لعبقري رزق إحساسا عميقا بجمال الأفكار " ؛ وفي فقرة أخري يعلن هايزنبرج إن " الجمال في العلوم الدقيقة وفي الفنون علي السواء هو أهم مصدر من مصادر الاستنارة والوضوح " ؛ يتعلق بميكانيكا الكم وهو المجال الذي قام فيه هيزنبرج ببحوث رائدة أنه ثبت في الحال أن " النظرية مقنعة بفضل كمالها وجمالها التجريدي. ولذلك نجده يصف نظرية نيلز بور بأنها نظرية فاتنة للغاية فيقول:" انني أعتبر فيزياء " نيلز بور "، فاتنة للغاية بالرغم من أن كل هذه المشاكل. أن بور يعرف بالقطع أنه قد اعتبر فرضا متناقضا في حد ذاته، وبالتالي فلا يمكن أن يكون هذا الفرض صحيحا. ولكن بوهر لديه غريزة صادقة لكيفية بناء نظرية كاملة علي هذا الفرض تعتبر مطابقة للأحداث الذرية. إن استخدام بوهر للميكانيكا الكلاسيكية ونظرية الكم هنا يشبه تماما استخدام الرسام للفرشاة أو الألوان. وبالطبع فإن أي صورة لا تتحدد من الألوان والفرشاة ولكنهما لازمتان في إخراج ما يدور في مخيلة الفنان بطريقة غير مكتملة. إن بوهر يعرف تماما تصرف الذرات أثناء الظواهر الضوئية وأثناء التفاعلات الكيميائية وقد اكسبته هذه المعرفة عن طريق الحدس تصورا لتركيب الذرات المختلفة. وهو يريد أن ينقل هذه الصورة إلي الفيزيائيين الآخرين باستخدام العوامل المساعدة الغير مكتملة، أي " المسارات "و"شروط الكم ".

وفي حوار دار بين هيزنبرج وأينشتين، حيث سأل أينشتين هيزنبرج فقال " لماذا تؤمن بنظريتك بهذه الدرجة بالرغم من أن هناك أسئلة مركزية لم تصبح واضحة بعد؟" وأجاب هيزنبرج فقال " إنني أعتقد مثلك أن بساطة القوانين الطبيعية لها صفة موضوعية وأن الأمر لا يتطلب فقط الاقتصاد الفكري عندما تقودنا الطبيعة إلي أشكال رياضية ذات بساطة كبري وجمال فائق – وأعني بكلمة إشكال هنا: نظما مغلقة من الفروض الأساسية، والبديهيات وخلافه –أي إلي أشكال لم يفكر فيها أحد من قبل ؛ عندئذ سيتبين لنا دون قيد أوشرط أنها فعلية أو بمعني آخر أنها تمثل نفثة حقيقية من الطبيعية ولعل هذه الأشكال تتناول علاقتنا بالطبيعة وتحتوي علي عنصر من الاقتصاد الفكري. ولكن بما أننا لم نستطع حتي الآن من التفكير بأنفسنا في هذه الأشكال التي يجب أن تقدم لنا أولا من قبل الطبيعة فلا بد أنها تنتمي إلي الواقع نفسه، وليس فقط لأفكارنا عن الواقع. لعلك تتهمني هنا بأنني أستخدم مقياسا جميلاً للواقع بحديثي عن البساطة والجمال. ولكنني أعترف أن ثمة قوة إقناع كبري تنبثق بالنسبة لي من البساطة والجمال للنسق الرياضي الذي ألهمته الطبيعة لنا. وبالتأكيد أنك قد عايشت هذا أيضا وأن الإنسان لا يكاد ينتابه الفزع من بساطة وحبكة العلاقات التي تظهرها الطبيعة له مرة واحدة. إن الشعور بأننا ننبهر بمثل هذا المنظر يختلف تماماً حتي عن السعادة التي نشعر بها عندما ننجز بأنفسنا عملاً يدويا فيزيائياً أو غير فيزيائي علي وجه حسن. ومن هنا فإنني أتمني بالطبع أن تحل كل القضايا التي تحدثنا عنها اليوم بطريقة ما. إن بساطة النسق الرياضي تؤكد حتماً إلي إمكانية التفكير في تجارب متعددة يمكن التنبؤ الحسابي بنتائجها بكل دقة وفقا للنظرية وعندما تجري هذه التجارب بالفعل وتؤدي إلي النتائج المتنبئ بها فإنه لن يتطرق الشك إلينا بعد ذلك في أن النظرية تمثل الطبيعة في هذا الميدان بطريقة صحيحة.

 

د.محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

محمود محمد علياهتم النحاة العرب بالقياس نتيجة تصورهم لفكرة الأصل والفرع في النحو، وجعلوه منهجاً يقابل السماع، وقد فتنوا به حتي قال الكسائي:

إنما النحو قياس يتبع    وبه في أمر ينتفع .

وهو في عرف علماء النحو عبارة عن تقدير الفرع بحكم الأصل، وعرفه ابن الانباري قائلاً:" هو حمل غير المنقول علي المنقول معناه، وحمل غير المنقول علي المنقول معناه قياس الأمثلة علي القاعدة، وذلك أن المنقول المطرد يعتمد قاعدة ثم يقاس عليها غيرها . وقيل: حمل فرع علي أصل، وإجراء حكم الأصل علي الفرع، وقيل: هو إلحاق الفرع بالأصل بجامع، وقيل اعتبار الشئ بالشئ بجامع . وهذه الحدود كلها متقاربة . ولا بد لكل قياس من أربعة أركان: أصل وفرع وعلة وحكم . أو مقيس عليه ومقيس وعلة وحكم .

وهكذا انطلق جمهور النحاة مقتنعين بضرورة إجراء القياس علي الكلام العربي ومذهبهم " ما قيس علي كلام العرب فهو من كلام العرب " . وكان لابن أبي إسحاق الحضرمي (ت:117 هـ) مواقف مشهورة في تاريخ النحو العربي، اعترض فيها علي شعر بعض الذين خرجوا عن القياس، ولذلك قال عنه بعض المؤرخين بأنَّه أوَّلُ " من بعَجَ النحوِ ومدَّ القياسِ"، وهو الذي قال ليونس بن حبيب (182 هـ) " عليك ببابٍ من النحو يطَّردُ و ينقاسُ"، وقد قيل أن النحو كان قبل ابن أبي إسحاق يعتمد علي السماع في مجمل قضاياه، وكان مستغلقاً فبعجه، وفتح فيه باب القياس . وهو البحث عن اطراد الظاهرة النحوية .

ومن هذا المنطلق فتن النحاة بالقياس وتمسكوا به أشد التمسك، فيقول ابن جني:" مسألة واحدة من القياس أنبل وأنبه من كتاب لغة عند عيون الناس، وقال أستاذه أبو علي الفارسي:" أخطئ في خمسين مسألة في اللغة، ولا أخطئ في واحدة من القياس . وكذلك اهتم المتأخرون من النحاة والأصوليون، ورأوا أن لا نحو من دون القياس، وفي هذا الصدد يقول ابن الانباري:" اعلم أن إنكار القياس في النحو لا يتحقق، لأن النحو كله قياس " .

ويبدو أن القياس النحوي يتسع لمفهومين: 1-: حمل غير المنقول علي المنقول، 2- تقدير الفرع بحكم الأصل . فالأول إجراء المستحدث مجري ما سمع من كلام العرب، فهو ضرب من التطور والتعميم، والثاني في البحث عن مجالات التعليل بين الأصول والفروع، وهما متقاربان إلي حد ما، ولكنهما يختلفان بحسب الحالات التي يستعملان فيها . ويمكن أن يبوبا كالآتي: قياس يفضي إلي التعميم، وقياس يفضي إلي التعليل، فأما قياس التعميم، فيقوم علي مبدأ المقارنة بالتبويب علي أساس الجمع بين المتشابهات . ولهذا النوع من القياس ثلاث مراحل: المقارنة والتبويب والتعميم . والتعميم أهم مرحلة من مراحله، لأنه ثمرة منهج القياس ونتيجته . وهذا الضرب من القياس ضروري لجميع الظواهر اللغوية، من أصوات وصيغ وتراكيب، ولعل أشدها ضرورة ما يتعلق بالمسائل النحوية التركيبية لأنها أكثر دقة وتشعباً .

يقوم اللغوي باستقراء النصوص المحدودة فيصنفها، ويبوبها، ويستنتج منها قوانين اللغة في الأصوات والأوزان والصيغ والتراكيب، ومظاهر التقديم والتأخير، والحذف والزيادة، وبذلك نتمكن من معرفة ما هو واجب فيها، وما هو جائز، وما هو ممتنع . فهذه هي القواعد الكلية التي تنظم الكلام، وهذا الضرب من القياس كان له شأن عظيم عند العرب، فليس هو في الحقيقة سوي مظهر منهجي يستخدم في علوم الملاحظة التي تقوم علي الاستقراء والاستنتاج، إذ لا يمكن حصر جميع المعطيات في قواعد محدودة .

إن قياس التعميم أداة وصف، وفي الوقت ذاته أداة تعميم، فهو وصف لمادة لغوية محدودة، وتعميم للمبادئ التي تقوم عليها . إنه وسيلة خلق وتوليد . ولم يحصر العرب القياس في هذا المجال اللغوي البحت، بل وسعوا نظامه وأخضعوه لشروط متعددة وصارمة جعلته يتجه اتجاهات غير لغوية، وذلك نتيجة للتأثر بالمنطق ابتداء من القرن الثالث للهجرة عندما أصبح النحو ميدان تنافس، ومجال مناظرات، ومحل مماحكات، فصارت تلك المناظرات العلمية رياضة ذهنية يتباري فيها العلماء بقوة الجدل وشدة البناء المنطقي، وليس بقوة الحجة، وشدة البناء اللغوي . ومن هنا صارت الغلبة في كثير من المواقف لغير الدليل اللغوي بل للجدل المنطقي .

أخذ النحاة من المنطق أدواته، وصار منهجهم المنطقي غاية عندهم، وكان مما ساعد علي انتشار المبادئ المنطقية بين اللغويين ذلك النـزوع العلمي الذي نشأ بين نحاة البصرة ونحاة الكوفة ؛ حيث تغلغل القياس في فكرهم، فانبري كل فريق يبحث عن الوسيلة المثلي للتغلب علي الفريق الآخر بأية حجة، ولو كانت غير لغوية، فيحاول ما استطاع البرهنة علي ضعف موقف خصومه، ويجد في البحث علي أدني دليل، ولو كان مصنوعاً، ليدحض به حجة الطرف الآخر . وفي غمرة هذه المنافسة والملاحظة يلجأ كلا الفريقين إلي استعمال النوع الأول من القياس، ويعممه علي كل النصوص، ولكنه يصبح غير كاف إذا أشتد النقاش، واحتدم الحوار، وتعارضت الأدلة فيكون من الضروري اللجوء إلي النوع الثاني، وهو قياس التعليل .

وهذا القياس الأخير يبحث عن علة الظواهر اللغوية، بخلاف الأول الذي يرمي إلي التعميم للظواهر اللغوية، وللفرق بين القياسين نسوق المثال التالي: " دخول اللام في خبر (لكن)، فقد ذهب الكوفيون إلي أنه يجوز دخول اللام في خبر (لكن)، كما جاز في خبر (إن) نحو ما قام زيد لكن عمراً لقائم . وذهب البصريون إلي أنه لا يجوز دخول اللام في خبر (لكن) . واحتج الكوفيون لمذهبهم بالنقل والقياس . أما النقل فقد جاء عن العرب إدخال اللام علي خبرها في قول الشاعر (مجهول):

يلُومُوني في حُب ليلي عواذلي                ولكنني من حُبها لعميد

وأما القياس فلأن الأصل في (لكن): لا+كـ+ إن فصارت جميعها حرفاً واحداً . ورد البيت للجهل بقائله ولشذوذه فلا يؤخذ بمثله . إن هذا البيت لا يكاد يعرف له نظير في كلام العرب، ولو كان قياساً مطرداً لكان ينبغي أن يكثر في كلامهم وأشعارهم كما جاء في خبر (إن) . ولكن للاستدراك، واللام للتوكيد – والتوكيد في البيت غير مراد، والأصل ألا يزاد شئ إلا لمعني .

وهذا القياس الذي قام به الكوفيون، وأجروه بين (لكن وإن) هو افتراض وليس فيه استعمال، وإنما هو صورة ذهنية ترضي المنطق، ولا ترضي اللغة، وهذا من قياس التعليل .وهذا الضرب من القياس شابه شئ من استعمال المنطق، ومن أمثلته في النحو (لا) النافية للجنس:

-المقدمة الكبري: كل اسم مركب تركيب مزج يبني علي فتح جزئية.

- المقدمة الصغري: لا واسمها مركبان تركيب مزج .

- النتيجة: لا واسمها مبنيان علي فتح الجزئين.

ولقد استمرت مسيرة القياس المنطقي في الدرس النحوي تتصاعد وتتفاعل وتنمو وتشتد حتي امتلأت كتب النحو بألوان الأقيسة وأنواعها، وكان لكل نحوي منها نصيب، وأجري كثيرون من النحاة أقيستهم الخاصة بهم التي خالفوا بها أقيسة الآخرين، وفيما يلي نماذج لبعض أقيسة النحويين المتأخرين التي جرت بها أقلامهم وحوتها كتبهم وتصانيفهم ليصار من خلالها إلي تصور ما كانت عليه أوائل الأقيسة، ثم معرفة المدي الذي وصلت إليه هذه الأقيسة فيما بعد من التأثر بالمنطق ومصطلحاته وبالفلسفة ومناهجها:

1- قرر النحاة أن وزن فعل يكون قياس مصدر الفعل الثلاثي المتعدي كرد رداً، وذهب سيبويه والأخفش إلي أن المراد بالقياس هنا أنه إذا ورد شئ من هذه الأفعال الثلاثية المتعدية ولم يعلم كيف تكلم العرب بمصدره، فإنك تقيسه علي هذا، لا أنك تقيس مع وجود السماع، أما الفراء، فقد ذهب إلي أنه يجوز القياس عليه وإن سمع غيره، وحكي السيوطي في الهمع عن بعضهم أنه قال: لا تدرك مصادر الأفعال الثلاثية إلا بالسماع فلا يقاس علي فعل ولو عدم السماع .

2- ذهب ابن مالك إلي أن ارتفاع الظاهر بأفعل التفضيل لم يسمع من العرب إلا بعد نفي، وأنه لا بأس باستعماله بعد نهي أو استفهام فيه معني النفي، كقولك: لا يكن غيرك أحب إليه الخير منه إليك، وهل في الناس رجل أحق به الحمد منه بمحسن لا يمن .

3- أجاز ابن مالك تأكيد الضمير المنفصل مطلقاً مرفوعاً كان أو منصوباً أو مجروراً بضمير الرفع المنفصل نحو: قمت أنا، ورأيتك أنت، ومررت بك أنت، وزيد جاء هو، ورأيتني أنا، أما إذا اتبع المتصل المنصوب بمنفصل منصوب نحو رأيتك إياك، فمذهب البصريين أنه بدل، ومذهب الكوفيين أنه توكيد، وقد رجح ابن مالك رأي الكوفيين، بناء علي أن نسبة المنصوب المنفصل من المنصوب المتصل، كنسبة المرفوع المنفصل من المرفوع المتصل في نحو: فعلت أنت، والمرفوع تأكيد بإجماع  . ومن الواضح أن ابن مالك بني الحكم علي القياس وحده دون سماع.

4- ومما بني فيه الحكم علي القياس وحده ترخيم المركب المزجي، فالمنقول أن العرب لم ترخمه، وإنما أجاز ذلك النحويون قياساً علي ما فيه تاء التأنيث الذي سمع عن العرب ترخيمه، والعلة في القياس أن الجزء الثاني يشبه تاء التأنيث من وجوه: فتح ما قبله غالباً، واحترز بغالباً عن نحو معد يكرب، وحذفه في النسب، وتصغير صدره، كما أن تاء التأنيث كذلك .

5- مما حاد عن القياس في باب التصغير لمخالفته السماع قولهم في المغرب مغيربان، وفي العشاء عشيان، وفي عشية عشيشية، وفي إنسان أنيسيان، وقي بنون أبينون، وفي ليلة لييليه، وفي رجل رويجل، وفي صبية بكسر الصاد وسكون الموحدة جمع صبي أصيبية، وفي غلمه بكسر الغين المعجمة وسكون اللام جمع غلام أغيلمه، فهذه الألفاظ مما استغني فيها بتصغير مهمل عن تصغير مستعمل، أي فمغيربان وما بعده كأنه تصغير مغربان، وعشان، وعشاه بتشديد الشين، وأنسيان، وليلاة، وراجل، وأصبية، وأغلمة، وأبنون، ومما حاد عن القياس في باب التكسير لمخالفته السماع فجاء علي غير لفظ واحدة قولهم رهط وأراهط، وباطيل وأباطيل، وقطيع وأقاطيع، فهذه جموع لواحد مهمل استغني به عن جمع المستعمل، وهكذا اعتبر النحاة ما خالف المسموع في بابي التصغير والتكسير حائداً عن القياس خارجاً عن سنته، أي شاذاً يحفظ ولا يقاس عليه، والقياس في تصغير المغرب مغيرب، وفي العشاء عشية، وفي عشية عشيه يحذف إحدي الياءين من عشيه لتوالي الأمثال، وإدعام ياء التصغير في الأخري والأصل عشيية بثلاث ياءات، وفي إنسان أنيسين إن اعتبر جمعه علي أناسين وأنيسان إن لم يعتبر، وفي بنون بنيون، وفي ليلة لييلة، وفي رجل رجيل، وفي صبية صبية، وفي غلمة غليمة، والقياس في تكسير رهط رهوط، وفي باطل بواطل، وفي حديث أحدثه وحدث، وكذا كراع بضم الكاف وهو مستدق الساق، وقطيع بفتح القاف، وفي عروض بفتح العين عرائض .

من كل ما سبق يتضح لنا كيف آل القياس النحوي عل أيدي متأخري النحاة في عصور المماليك وخلال العصور العثمانية إلي الجمود، واكتفوا بتداول ما ورثوه فيه عن السابقين، وتوفقوا عن الاجتهاد فيه والإضافة إليه لما كان عليه حال جمهورهم من ضعف الاجتهاد وكثرة التقليد ولا نعدام السليقة اللغوية عند أكثرهم، وفقدان الروح الفطرية في جل مؤلفاتهم، وما كان مبتكراً من أقيستهم وهو قليل كانت مقاييسه قائمة علي المنطق اليوناني الصوري ومناهجه متأثرة بالمنهج الأرسطي .

وقد تسلم النحاة المعاصرون هذا الإرث علي هذا الشكل، فبدأوا يعالجون قضايا النحو المنطقي، وفي مقدمتها قضية القياس في النحو معالجات تفاوتت في القوة والضعف، وفي الكمال والنقص، وفي التأثير وعدمه، واندرجت هذه المعالجات تحت ما سمي بدعوات تجديد النحو أو تيسيره .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد عليفي الوقت الذى أخذت فيه عملية الجمع بنن النشاط الفكري النظري والنشاط العلمي الآلي تتطورت شيئا فشيئا فالعلم اليوناني منذ طاليس حتى ديموقريطس، إلا أن هذا التطور المتوقع لم يحدث، وظل العلم اليوناني نظريا لا تطبيقيا.

فلقد ظهر في الفترة منذ (470 الى 330ق.م) بعض الفلاسفة من أمثال (سقراط) يدعون إلى تثبيط العزائم، والعزف عن البحث عن أسرار الطبيعة، واستبدال العلم التطبيقي بالعلم النظري، وفى هذا يقول (بنيامين فارتن): (أم سقراط نبذ النظرة العلمية عن الطبيعة وعن الإنسان التي انماها مفكرو المدرسة الأيونية من طاليس إلى ديموقريطس، واستبدل بها صورة متطورة عن النظرة الدينية التى انحدرت من فيثاغورث وبارميندس، ‘نه لم ينزل الفلسفة من السماء إلى الأرض بقدر ما كرس نفسه لاقناع الناس بأن عليهم أن يحبوا فوق الأرض، بحيث تعود أرواحهم الى السماء فور موتهم)(12).

ويقترن أسم سقراط بالانتقال من الاهتمام بالفسفة الطبيعية الى الاهتمام بالسياسة والأخلاق، وكان هذا الانتقال يمثل تغيرافى ظروف المجتمع: إن الصورة القوية للإنسان وهو منهمك فى هجومه على بيئته الطبيعية وصلت الى نايتها نتيجة لأزمة اجتماعية، وكان سبب هذه الأزمة هو نمو نظام العبودية، إذ بلغت السيطرة الفنية على الطبيعة إذ ذاك حداً جعل أقلية من الإغريق تجد فراغاً تكرسه للدراسة، وفى نفس الوقت هيأ لهم توسعهم الجغرافى فرصة استبعاد الشعوب الضعيفة والأكثر تأخرا . وتحولت العبودية من نظام منزلى لا ضرر منه الى محاولة منظمة لإلقاء عبء الأعمال الشاقة، مثل حمل الأثقال والتعدين، وكثير من العمليات الزراعية والصناعية على اكتاف العبيد الأجانب الذين كان الإغريق ينظرون إليهم نظرتهم إلى ملكيات منقولة، وأصبح المثل الأعلى للمواطن اليونانى أن ينفصل عن العمل اليدوى كلية، وانتشرت النظرية الت ىتقول بأن الطبيعة قد خصت – عن عمد – أجناسا من الإنسان بالعمل اليدوى بالذات، وهى أجناس غير جديرة بأن تتخرط فى سلك المواطنين (14).

وكانت أهم النتائج السيئة لهذا التغير أن أنصرف معظم اليونانين عن الكشوف العلمية التطبيقية، فقد ترتب على نطاق الرق (الذى أخذت دعائمه تتوطد فى تلك الفترة) ظهور قيم معينة معادية للكشف والاختراع التطنولوجي، وكان ارتباط العبيد بالعمل اليدوى مؤديا إلى نفور الأحرار منه وابتعادهم عن كل ما له صله بالسيطرة على الطبيعة المادية .

وقد عمل كبار فلاسفة اليونان فى تلك الفترة على تبرير نظام الرق ولو تأملنا كتابات فيلسوفى اليونان الكبيرين وهما أفلاطون وأرسطو، لوجدناها تتضمن دفاعا حاراً عن نظام الرق، وهو دفاع إن دل على شئ فإنما يدل على مدى تأصل هذا النظام فى حياة اليونانيين فى ذلك العصر، ففى محاورة (الجمهورية) يعدد أفلاطون مساوئ الديمقراطية وهى نظام الحكم الذى كان بغيضا لديه، ويرى أن أبرز هذه المساوئ هو التطرف فى الحرية فى مثل هذه الدولة، هو أن يغدو الأرقاء من الرجال والنساء الذين يشترون بالمال متساويين فى حريتهم مع اسيادهم الذين اشتروهم)(15).

فالمساواة بين العبد وسيده فى النظام الديمقراطى هى فى رأى أفلاطون من أكبر عيوب هذا النظام .

ويساير (أرسطو) أستاذه (أفلاطون) ؛ حيث يناقش فى كتابه (السياسة) آراء المؤيدين والمخالفين لنظام الرق، وينتهى من خلال هذه المناقشة الى القول: (ويمكن بالبديهة إذن أن نسمو بهذه المناقشة، ونقرر أنه يوجد بفعل الطبع عبيد وأناس أحرار . ويمكن أن يؤيد أن هذا التمييز يبقى قائما كلما كان نافعا لأحدهما أن يخدم باعتباره عبداً وللآخر أن يحكم باعتباره سيدا، بل يمكن أن يؤيد آخر الأمر أنه عادل وأن كلا يجب عليه، تبعا لمشيئة الطبيعة، أن يقوم بالسلطة أو أن يحتملها . وعلى هذا فسلطة السيد على العبد هى كذلك عادلة ونافعة)(16).

يتضح لنا مما سبق أن (ارسطو) ومن قبلة (أفلاطون) كانا متحمسين لنظام الرق، وكلاهما حاول أن يقدم له أقوى أساس ممكن من الميزات العقلية، وتلك ف واقع الأمر كما يقول استاذنا الدكتور (فؤاد زكريا) ظاهرة غريبة حقا عند هذين الفيلسوفين الكبيرين: ذلك لأنها لم يتركا صغيرة ولا كبيرة إلا وقاما بتحليل وتشريح دقيق لها، وقد بلغ تفكيرهما درجة من التجريد والقدرة على التحليل لم يبلغها الفكر طوال تاريخ البشرية إلا فى حالات ناريدرة، وكان كل منهما ناقدا لعصره، ولكل منهما أبحاثة العميقة فى الأخلاق والسايسة وأمور المجتمع . وكم تحدثا عن الفضلية والعدالة وكرامة الإنسان وبلوغة كماله وتحقيقه الغابة المقصودة منه، فكيف بعد هذا كله تغيب عن نظرهما ظاهرة واضحة الظلم كالرق ؟! وكيف يتحدث أرسطو عن الرقيق بوصفه (ذلك الذى هو بالطبيعة شخص لا يملك ذاته، بل يملكه شخص أخر ؟!) كيف يتحدث على هذا النحو دون أن تدفعة حاسته الأخلاقية (المرهفة) الى الوقوف عند هذا الوضع الشائن للإنسان ؟! . لا شك أننا هنا تناقضا أساسياً بين القدرة التحليلية الدقيقة التى لم يفلت من قبضتها شئ وبين التغاضى العجيب عن نظام مضاد تماما لكل نزعة إنسانية فى الأخلاق (17).

وعلى أيه حال، إذ كان (أفلاطون) و(أرسطو) قد عملا على تبرير نظام الرق، فقد عملا أيضا على تأكيد مجموعة القيم التى ترتبت عليه، وهى أن العمل اليدوى لا يليق بالأحرار، وإنما ينبغى أن ينصرف هؤلاء الى التأمل العقلى المحض، أى ال ىنشاط روحى صرف لا تربطه بالمادة أدنى صلة، وهكذا، وضع اليونانيون الفنون الميكانيكية فى مقابل الفنون الحرة، وأكدوا أن الرجل الحر لا يليق به ممارسة الأولى، وكان أرسطو حاسما فى تعبيره عن هذه القيم حيث قال: (أن المدينة المثلى ينبغى ألا تجعل من الصناع مواطنين فيها، وجين أكد أن المرء لا يستطيع أ نيمارس الفضيلة إذا كان يحيا حياة صانع)(18).

وبالمثل كا (أفلاطون) من قبله من اٌقوى أنصار القيم التقليدية التى تؤكد الفوارق الحاسمة بين أعلى الطبقات وأدناها، وتتخذ من التفلسف النظرى أشرف مهنة تليق بالأحرار، بينما نترك كل عمل له صلة بالطبيعة المادية للعبد، وعل ىعكس ما كان سائدا عند اليونانيين الأوائل من تكريم الصناع والمخترعين، فقد رأى أفلاطون أن الحرفى او الصانع لا يستطيع اختراع شئ إلا بعد يتأمل صورته أو مثاله كما صنعته الآلهة، وبذلك انتزع افلاطون الفضل من كل مكتشف ومخترع، ونسبة الى الألهة فحسب . ولم يقتصر عل ىانكار مكانة الصانع: إذ برهن – بمنطق خداع – على أن من لديه معرفة حقيقية بأى شئ ليس هو من يصنعه، وإنما هو من يستخدمه، وأن الثانى هو الذى يصحح معلومات الأول، ويضفى عليه علمه، ولقد كانت لهذه الفكرة دلالة واضحة فى مجتمع قائم عل ىنظام الرق، إذ لم يكن من الممكن أن يعزى الى العبد الذى يصنع الأشياء علم السيد الذى يستخدمها (19).

وكانت نتيجة هذه النظرة الخاصة ال ىالقيم، أن أصبحت كلمة الصانع والعامل اليدوى مرادفة عند اليونانيين القدماء لمعانى الانحطاط والتدهور الأخلاقى، وأصبح كل حرفى محتقرا بحكم مهنته ذاتها لا بحكم شخصة، وأصبح اليونانيون ينفرون من كل ما له صله بالعمل المادى لأنه كما يقول أفلاطون لا يشوه البدن فحسب، بل يشوه الحاجات المنحطة لدى الإنسان (20).

ومن ناحية أخرى فقد بلغ من تأصيل هذه القيم فى نفوس هؤلاء الفلاسفة أنهم كانوا يزدرون العلوم العقلية ذاتها، إذا كانت تستهدف فى أبحاثها أى نفع عملى، فقد روى عن أفلاطون أ،ه غضب من العالم الرياضى (أرخوطاس) لأنه عمل على حل مسائل هندسية معينة مستعينا بأجهزة ميكانيكية، واتهمه بأنه يحط من مكانه علم الهندسة ويشوه جلاله إذ يهبط به م الأمور العقلية ال ىالأمور الحسية المادية، ويستخدم فيه مواداً جسمية ينبغى أن يلجأ الإنسان من أجل معالجتها ال ىالعمل اليدوى الذليل (21).

ومعنى ذلك أن علم الهندسة، كما يراه (أفلاطون) كان ينبغى أن يظل منفصلا تماما عن الميكانيكا والعمارةو، وأى فن آخر من الفنون الهندسية بمعناه التطبيقى الحديث، وأن عالم الهندسة النظرية يسمو على المهندس أو المخترع التطبيقي بقدر ما يسمو الفيلسوف على الصانع اليدوى، فالعلم بمعناه الصحيح يستهدف إرضاء العقل، لا تحقيق منافع أو ضرورات وأفضل ما يسعى إليه هو تحقيق التناسق والجمال، لا تليية الحاجات الفعلية، والقوة الدافعة إلى العلم الحقيقى هى الرغبة الحرة فى التفكير والـامل ،لا الضرورة الملحة أو السعى إلى حل وإذا كان هؤلاء الفلاسفة اليونانيون، قد ازدروا الغاية الت ىيسعى إليها كل كشف أو اختراع تطبيقى، فقد احتقروا أيضا المنهج التجريبي المتبع فى هذا النوع م الكشف . ذلك لأن المخترع يحتاج ال ىتطبيق منهج المحاولة والخطأ، وإلى السير ببطء وتجربة طريقة بعد الأخرى، غير أن مثل هذا المنهج فى نظرية الفلاسفة العقليين لا يؤدى الى معرفة حقه، وإنما إلى معرفة وسط بين العلم والجهل، أو ما يسمى بالمعرفة الظنية . والمنهج الذى يفضلونه هو منهج التبصر المباشر الذى يحتاج المرء للوصول الى نتائجه الى استنارة وكشف خاطف، ولا يتردد فىاستخلاص هذه النتائ أو يجرب طريقة بعد الأخرى . وبعبارة أخرى ففلاسفة ذلك العهد لم يكونوا يطيقون صبرا على الملاحظة الدقيقة الت ىيحتاجها علم الفلك مثلا، أو عل ىالتجارب البطيئة التى يقتضيها أيه نظرية علمية من أجل حل مشكلة عملية أو التغلب عل ىعقبة مادية (23).

والنتيجة الحتمية لها الازدراء للمنهج التجريبي وللانفصال القاطع بين النظرية والتطبيق هى أن:

1- وجود الرق الذى أدى بهولاء العلماء ال ىالانصراف عن أية محاولة لتحقيق الشروط الكفيلة بالقضاء عل ىالرق .

2- إنه أخذت فى تلك الفترة تستشرى فكرة المعجزة اليونانية التى تنادى بأن اليونانيين تميزوا بالعلم النظرى والمعرفة العقلية ؛ فى حين أن الشعوب الشرقية تميزت بالعلم التطبيقى والمعرفة العلمية القائمة على الخبرة، ولقد كان لهذا أثر فى الاتصال العلمى بين اليونانيين والشرقيين فى تلك الفترة قد أخذ يتساءل إلى حد ما.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود محمد عليشهد القرن العشرين في فلسفة العلم ظهور مجموعة من الفلاسفة والعلماء  ُأطلق عليهم دعاة المذهب "الاصطلاحي"، فقد نظروا إلى القوانين والنظريات والأنساق العلمية بوصفها اصطلاحات للربط بين الظواهر والتنبؤ بها والسيطرة عليها، توصف بالصلاحية أو عدم الصلاحية، وليست تعميمات استقرائية أو قضايا إخبارية ذات محتوى معرفي عن العالم التجريبي لتوصف بالصدق أو الكذب . فتقاس قيمة النظرية العلمية بقدرها على أداء وظائف العلم، وليس بقدرتها على التعبير عن الواقع بصدق .

بمعني أن القوانين العلمية والنظريات والأنساق العلمية ليس صورة عقلية طبق الأصل من الطبيعة، بل الأمر فى مجملة أشبه بصياد رمى بشبكة فى بقعة ما من البحر يريد صيداً، فهل ما تخرج به الشبكة يعبر عن حقيقة ما يوجد فى أعماق البحر، أم أن ذلك يتوقف على المكان الذى اختاره الصياد للصيد ونوع الشباك واتساع فتحاتها وغير ذلك، ولو تغير أحد هذه الأشياء لتغير لذلك الصيد كما   وكيفاً . وهكذا فمفاهيم وقوانين العلم عندهم كشبكة الصياد، أى اصطلاحات متعارف على معانيها بين العلماء، إنها مجرد وسائل مفيدة لفهم الطبيعة . فإذا صادفنا ما هو أفضل منها " وظيفياً "  بادرانا بالتخلص منها كأي شئ استهلاكي عادي. بيد أن هذا لا يعنى أن قوانين الطبيعة هى قرارات عشوائية يتفق عليها العلماء اليوم ليختلفوا غداً .

ونختار ممثلاً لهذه النزعة هنري بوانكاريه ن البساطة، حيث يؤكد أن مبدأ الاختيار بين النظريات هو اختيار أبسط الاصطلاحات الممكنة , ولقد ميز بين الوضع المفرط في التعقيد من جهة، وبين النظريات العلمية البسيطة التي تفرضها عقولنا عليه من الجهة الأخري، فليست الطبيعة هي البسيطة، بل نظرياتنا التي تفرضها عليها هي البسيطة ؛ يقول بوانكارية :"  لنلاحظ –بادي ذي بدء – أن كل تعميم يفترض إلي حد ما الاعتقاد بوحدة الطبيعة وبساطتها . فأما الوحدة فلا إشكال فيها، إذ لو تكن مختلف أجزاء الكون مثل أعضاء الجسد الواحد، لما كان لبعضها أن يفعل في البعض الآخر، وما كان لصلة ما أن تقوم بينها، وأما نحن بالأخص فلن نعرف منها إلا جزءا واحدا، ولذلك لم يكن علينا أن نتساءل عما إذا كانت الطبيعة واحدة بل عن الكيفية التي هي بها واحدة , أما فيما يتعلق بالمسألة الثانية فالأمر ليس علي ذلك اليسر لأنه من غير المتأكد أن الطبيعة بسيطة . فهل لنا – من دون الدوران تعرض للخطر – أن نتصرف وكأنما هي بسيطة ؟" .

ثم يؤكد بوانكارية علي أن البساطة مرتبطة – أساساً – بالتغيير التصوري في العلم . وهذا ما يجعلها مبداً مرناً يتلازم مع إتساع المعرفة باستمرار وفي هذا يقول بوانكارية :" لقد ولي الزمن الذي كانت فيه بساطة قانون ماريوت Mariotte حجة تشهد لصحته وكان فيه فرزنيل Fresnel نفسه يظن أنه ملزم بتقديم بعض التفاسير لتحاشي صدام الرأي السائد، وذلك أن قال في حوار مع لابلاس إن الطبيعة لا تعبأ بمصاعب الحساب التحليلي . أما اليوم فقد تغيرت الرؤي . ومع ذلك فإن الذين لا يعتقدون بأن اللازم في القوانين الطبيعية أن تكون بسيطة يجدون أنفسهم مكرهين في كثير من الأحيان علي أن يتصرفون كأنما هم يسلمون بذلك، حيث لا يمكنهم التخلص كليا من تلك الضرورة من دون أن يصيروا كل تعميم وبالتالي كل علم مجالا . فمن الجلي أن واقعة ما يمكن تعميمها بطرق شتي، وأنه علينا أن نختار، وهو اختيار أبسط لا نستأنس فيه إلا باعتبارات تتصل  بالبساطة .

وينتهي بوانكارية إلي القول بأن :" كل قانون يعتبر بسيطا حتي يأتي ما يخالف ذلك .تلك عادة فرضت نفسها علي الفيزيائيين للأسباب التي كنت أشرحها .ولكن كيف لنا أن نبرر حيال اكتشافات تبين لنا كل يوم تفاصيل أثري وأعقد ؟ بل كيف لنا حتي أن نوفق بينها وبين الإحساس بوحدة الطبيعة ؟ فإذا ما ترابطت جميع الأشياء، فلا سبيل إلي أن تكون العلاقات بسيطة، وقد لا يكون لعلاقات يتدخل فيها هذا الكم الهائل من الموضوعات أن تكون بسيطة " .

وهنا يريد بوانكارية أن يبين لنا أن  قوة النظرية تكمن في بساطتها، فإن هذا ما يجعل العالم يسعي إلي " تأليف نظام أو نسق مفترضات بحيث يضع في اعتباره أنه لا يظل يتمسك به إلي الأبد وإنما ينبغي أن يتخلي عنه طالما أصبح غير ملائم أو بسيط ويحاول التوصل إلي نسق أخر أبسط منه ليحل محله ." فإن نتفق علي ما هو أبسط، أن يكون مفيداً من الناحية العملية .

ويضرب لنا بوانكارية بعض الأمثلة من تاريخ العلم، فيقول :" إذا ما درسنا تاريخ العلم وقفنا علي ظاهرتين متعاكستين تقريبا، فتارة تتخفي البساطة تحت مظاهر معقدة وتارة تتجلي البساطة ظاهريا وتتخفي خلفها وقائع غاية التعقيد . وهل أعقد من الحركات المضطربة لدي الكواكب ؟ وهل أبسط من قانون نيوتن ؟ هاهنا لا تلجأ الطبيعة – في غير التفات إلي مصاعب التحليل كما يقول فرزنيل – إلا إلي وسائل بسيطة تؤلف بينها، فتشكل ما لست أدري من دروب الحبك التي لا فكاك لها . تلك هي البساطة المتخفية وهي التي يجب أن نكتشفها ... فنظرية "نيوتن" – مثلاُ – الآن وخصوصاً بعد ظهور النسبية، ليست إلا مظهراً لنظام ميكانيكي معقد- بعد أن كان نتاجاً بسيطاُ لاضطرابات الميكانيكا السماوية والأرضية علي السواء . وقد ظلت بساطتها ردحاً طويلاً متحجبة وراء هذه الاضطرابات المعقدة . فمن أجل هذه البساطة كانت  الدعوة "إلي الخروج علي ما هو مألوف وموروث " . وإذا كانت البساطة قد ارتبطت بالتغير التصوري في العلم، فذلك لأنها لا تنظر إلي المحتوي المعرفي للنظريات من حيث الصدق أو الكذب أو القابلية للتأييد أو التكذيب  .

وهنا يبرر  بوانكارية البساطة بالعمومية بمنأي عن كون النظرية تخبرنا بالأكثر أو محتواها المعرفي أو لأنها تخبر بصورة أفضل .فالأبسط تصوريا هو الأنسب لتسهيل المهمة . أي أن بوانكارية يعالج البساطة وكأنها خلقنا الخاص . وعلي الرغم من كل ذلك، أكد بوانكارية أن البساطة علي الرغم من كونها تتعلق بالجانب التصوري، إلا أنها قد تكون ظاهرية أو واقعية . وقد تكون بسبب عاداتنا الفكرية كما هو ماثل في تفضيلنا – مثلا للهندسة الاقليدية عن سواها لأنها الأكثر ملائمة من الهندسات اللااقليدية فهي بسيطة لأنها تتفق مع خصائص الأجسام الصلبة، الأجسام المألوفة لنا في واقعنا .

وإذا حاولنا أن نرد معيار البساطة في اختيار القوانين والنظريات إلي شئ ما فيما يقوله بوانكارية، فإنما نرده إلي أن هدف العلم في رأيه ليس فهم الطبيعة ذاتها علي غرار التجريبية، بل خلق إطار تصوري مبسط يسعي إلي إدراج الأشياء في منظومته فيكون الإطار الأبسط تصوريا هو الأنسب وهو النافع في ميدان العمل به . لذا كان معيار البساطة ( المنفعة عمليا والنسق البسيط والجميل نظريا ) من أهم المعايير التي في ضوئها نختار قانونا أو نظرية عند بوانكارية وغيره من الاصطلاحيين ؛ وبالتالي كان الهدف الأساسي لـ" بوانكاريه " من وضع هذا المعيار هو تركيز فلسفته في إختيار " مبادئ  " النظرية المحملة بأبسط الاصطلاحات الممكنة دون النظر إلي البراهين التجريبية لنتائج هذه النظرية أو تلك .

وقد لقيت أراء بوانكارية بشأن البساطة انتقادا شديدا، وهنا يؤكد بوبر علي عكس بوانكارية علي أن درجة القابلية للتكذيب ( المرتبطة بالمحتوي المعرفي للنظرية ) ترتبط أساساً ببساطة النظرية . فكلما كانت النظرية أبسط كلما كانت أكثر قابلية للتكذيب والعكس صحيح . وهذا يعني أن العبارة الأكثر عمومية تحل حل العديد من العبارات الأقل عمومية، لذلك تكون أكثر بساطة ... فالعبارات الأكثر عمومية هي الأكثر قابلية للتكذيب .

ويوضح بوبر ذلك مبينا أن هناك ارتباطا وثيقا بين البساطة والقابلية للاختبار والمحتوي التجريبي، فالنظرية تكون أكثر بساطة إذا كان لها محتوي تجريبي أكبر وإذا كان يمكن تكذيبها، أي يجب تفضيل النظريات الأكثر بساطة من الأقل بساطة، لأنها تمدنا بمعلومات أكثر، ولأن محتواها التجريبي أكبر، ولأنها أكثر خضوعاً للاختبار، ومثل بوبر لذلك بنظرية أينشتين العامة في النسبية التي رآها أكثر بساطة من نظرية الميكانيكا عند نيوتن، فالأولي تتضمن تصورات أقل وفروضا أقل وتستوعب مضمونا أكبر من الوقائع معرض مفاضلتهم بين نظريتين منطويتين علي القدر نفسه من الحقيقة يختارون النظرية الأبسط .

ويجعل بوبر فكرته من درجة البساطة كدرجة من درجات القابلية للتكذيب أكثر صراحة بمعيارين مختلفين وفقا لأحدهما الفرض القائل بأن مدار الفلك دائرة أبسط من الفرض القائل بأن اهليج (قطع ناقص) لأن الفرض السابق يمكن أن يكذب بتحديد المواضع الأربعة التي وجد أنها لا تقع علي الدائرة . (يمكن دائما لثلاثة مواضع وصلها بدائرة) . بينما يتطلب تكذيب الفرض الثاني  تحديد ستة مواضع للفلك علي الأقل . وبهذا المعني يكون الفرض الأبسط هنا هو الأكثر قابلية للتكذيب وهو الأقوى أيضا لأنه منطقيا يتضمن الفرض الأقل بساطة . يهم هذا المعيار بالتأكيد في تحديد نوع البساطة التي يهتم بها العلم . ولكن بوبر يدعو أحد الفرضين أكثر قابلية للتكذيب . ومن ثم أبسط من الأجزاء إذا كان الفرض الأول يتضمن الفرض الثاني، وله محتوي أمبريقي أكبر بالمعني الاستنباطي الدقيق، إلا أن المحتوي الأكبر ليس بالضرورة مرتبطا بالبساطة الأكثر . فأحياناً ما تعتبر نظرية من النظريات التي لا علاقة لها بالنطاق المحدود الذي تتضمنه النظرية . علي أن النوع المرغوب فيه من التبسيط الذي تبلغه نظرية من النظريات ليس علي هذا النحو مجرد محتوي زائد لأنه إذا كان ثمة فرضين لا علاقة   بينهما (علي سبيل المثال قوانين هوك وسنل) ارتبطا فإن الارتباط  الناتج عنهما يخبرنا بما هو أكثر وإن لم يكن أبسط  من مكونات أيهما . لا يخبرنا أي م الفروض الثلاثة ف1، ف2، ف3 المختبرة قبلا بأكثر من أي من الفروض الأخري . ومع ذلك لا تعد بسيطة علي حد سواء . وهذا الفروض لا تختلف في درجة القابلية للتكذيب . فإذا كذبت أمكن بيان كذب الواحد منها بسهولة أعني بشاهد واحد مخالف وعلي سبيل زوج المعطيات 4، 10 يكذبها جميعها . وبينما ألقت الأفكار المختلفة التي قمنا بمسح وجيز لها ضوء علي معقولية مبدأ البساطة فما زالت مشكلات إيجاد صيغة دقيقة وتبرير موجز لها بغير حل حتي الآن .

ولم يكتف بوبر بذلك ؛ بل وجدناه يتساءل :" ماذا نفعل إذا وجدنا أنفسنا بمواجهة أكثر من نظرية تتوافر فيها شروط القابلية للتكذيب، القابلية للاختبار والمحتوى المعرفي ؟ كيف نفاضل بين النظريات ونختار؟

يري بوبر بأنه إذا ما تم لنا اختيار النظريات، فإننا نقبل النظرية الأكثر قابلية للتكذيب، والأكثر قابلية للاختبار، والأكثر في المحتوي (سواء المحتوي التجريبي أو المحتوي المنطقي) . وعندما نتعرض للعلاقة بين القابلية للتكذيب وبين المحتوي للقوانين والنظريات، نجدها علاقة وطيدة، إذ أن المستهدف من وراء ذلك هو محاولة تكذيب أو تفنيد المحتوي المعرفي لأي قانون أو نظرية . والواقع أن سبب هذه العلاقة القوية بينهما هو أن التحليل الدقيق لنظرية القابلية للتكذيب يظهر لنا أنه من الضروري أن نبحث عن النظريات الأكثر في محتواها المعرفي، النظريات الجسورة أو الجريئة متذكرين دائماً أن النظرية الأفضل هي التي تخبرنا أكثر، أو ذات محتوي معرفي أكثر، وهي بالتالي الأكثر قابلية للتكذيب . في ضوء هذه العلاقة، يمكننا تفضيل نظرية أينشتين – مثلاً عن نظرية نيوتن، والسبب هو أن دلالة النظرية الأولي – النسبية – فيما يري بوبر دائماً ما تظهر في اعتمادها علي السياقات الأكثر شمولاً.

والمحتوي المعرفي يتضمن الحديث عن المحتوي التجريبي Empirical Content والمحتوى المنطقى Logical Content  . والمحتوى التجريبى يعول على أن النظرية التى تخبرنا بالكثير عن الوقائع المشاهدة هى التى تمنع الكثير أيضاً من الوقائع وتحرم حدوثها، بحيث إذا صدقت من هذه الوقائع المحرمة والمناهضة للنظرية تم تكذيب النظرية على الفور، ولا يعنى ذلك أن " بوبر " يطالبنا بأن نتفرغ لتكذيب كل النظريات العلمية القائمة وإنما يطالبنا بالبحث الدءوب عن الأمثلة السالبة للنظرية القائمة . ونجد عند " كارناب " قضايا من النوع نفسه، وإن اختلفت مشاربه عن "بوبر "، حيث يذكر، " كارناب " أن القوة الحقيقية للقضية تتمثل فى استبعادها بعض الحالات الممكنة . وهذا يؤكد " بوبر " قائلاَ : إن ما يشير اليه " كارناب "، بالحالات الممكنة يعنى طبقاً لتصوره عن العلم نظريات أو فروض ذات درجة عالية أو ذات درجة منخفضة من العمومية .

وإذا كان المحتوى التجريبي هو فئة المكذبات المحتملة التى تجعل النظرية قابلة للتكذيب، فإن محتواها المنطقي هو فئة النتائج التى يمكن أن تستنتج من القضية العلمية سواء كانت قانوناً أو نظرية . فى ضوء ذلك، فإن ما يميز هذه النظرية عن تلك أو هذا القانون عن ذاك إنما هو القابلية للاشتقاق، بحيث نتأكد أنه كلما أمكن اشتقاق أكبر عدد من القضايا منها كانت أكثر قابلية للتكذيب، وكانت بالتالى النظرية علمية أكثر من  غيرها .

ولذلك نجد بوبر في كتابه " منطق الكشف العلمي " يعقد مقارنة بين توجهه الفلسفي وتوجه بوانكاريه وغيره من الاصطلاحيين إزاء مبدأ البساطة ودوره في المفاضلة بين النظريات العلمية، فنجده يقول :" إن التفضيل لا يرجع بالتأكيد إلي شئ من قبيل التبرير التجريبي للقضايا المكونة للنظرية، ولا يرجع للرد المنطقي للنظرية إلي التجربة . إننا نختار النظرية التي تضع نفسها في منافسة مع النظريات الأخري، أي النظرية التي تبرهن علي أنها الأصلح للبقاء بالاختيار الطبيعي، وتكون هذه النظرية هي التي لا تتصدي فحسب لأعتي الاختبارات، ولكي تكون قابلة للاختبار أيضا بأشق الطرق . فالنظرية أداة نختبرها بتطبيقها وأداة نحكم ملاءمتها بنتائج تطبيقاتها . ومن وجهة النظر المنطقية فإن اختبار النظرية يعتمد علي قضايا أساسية يتوقف قبولها أو رفضها علي قراراتنا . ومن ثم فإن القرارات هي التي تقرر مصير النظريات . إلي هذا الحد تكون إجابتي علي السؤال " كيف نختار نظرية ؟" تشابه الإجابة التي يقدمها صاحب المذهب الاصطلاحي . ومثله أقول أن الاختيار في جانب منه يكون محددا باعتبارات المنفعة . ولكن علي الرغم من ذلك هناك فرقاً شاسعاً بين أرائي وأرائه، لأنني أقرر أن ما يميز المذهب الامبريقي هو ما يلي : أن القرار أو الاتفاق لا يحدد في الحال قبولنا للقضايا العامة ولكن علي العكس يدخل في قبولنا للقضايا أي القضايا الأساسية . وبالنسبة للاصطلاحي فإن قبول القضايا العامة يحكمه مبدأ البساطة وهو ينتقي النسق الأبسط . وعلي النقيض من ذلك، أقترح من جانبي أن الشئ الأول الذي يؤخذ في الحسبان هو صعوبة الاختبارات . (وهناك ارتباط وثيق بين ما أطلق عليه البساطة وصعوبة الاختبارات، وعندئذ فإن فكرتي عن البساطة تختلف بشكل كبير عن فكرة الاصطلاحي) . وأنا اعتبر أن ما يقرر بشكل نهائي مصير النظرية هو نتيجة الاختبار، أي الاتفاق حول قضايا أساسية . وأقرر مع الاصطلاحي أن اختيار أية نظرية خاصة هو فعل، وأمر عملي . ولكن بالنسبة لي فإن الاختيار متأثر بشكل قاطع بتطبيق النظرية وقبول القضايا الأساسية في علاقتها مع هذا التطبيق، بينما بالنسبة للاصطلاحي تكون الدوافع الجمالية هي العامل الحاسم . ومن هنا أختلف عن الاصطلاحي في تقرير أن القضايا التي يقرها الاتفاق ليست قضايا عامة، ولكنها قضايا شخصية، وأختلف عن الوضعي تقرير أن القضايا الأساسية غير قابلة للتبرير بخبراتنا المباشرة، ولكنها من وجهة النظر المنطقية مقبولة بفعل ما أو بقرار حر (ومن وجهة النظر السيكولوجية فربما يكون ذلك له هدف ورد فعل جيد التطبيق) .

باختصار ترتبط البساطة عند بوبر بمحتوي النظرية . ولما كان المحتوي الأكبر للنظرية هو المطلوب دائما لأنه يعرضها للاختبار أكثر، فإن النظرية البسيطة هي التي تتسم بالدرجة العالية من القابلية للأختبار إذا قورنت بنظرية أخري كانت أكثر تعقيدا . لكن سواء أكانت البساطة بالنسبة للنظرية أو القانون منصبة علي المنفعة, ألأكثر جمالا كما رأي بوانكاريه وغيره من الاصطلاحيين أو الأداتيين أو منصبة علي المحتوي التجريبي المعرفي الأكبر، ومن ثم القابلية للتكذيب الأعلى كما رأي بوبر سواء كان هذا الأمر أو ذاك، إن البساطة ما زالت غامضة  فبالإضافة إلي ما سبق من آراء حول البساطة، فربما نجدها أيضا مبنية علي الاعتقاد بأن الطبيعة بسيطة ولكن يبدو أن الدليل علي صدق هذا الاعتقاد لم يتضح بعد، ثم أن تاريخ العلم نفسه يشهد بأن أنساقا نظرية بسيطة قد تلاشت وقبلت المعقدة . إن هذا الاعتقاد يدل علي مجرد فهم اعتباطي أو علي أحسن الفروض حدسي للطبيعة وللبساطة . لذلك فهو ميتافيزيقي . لذا كان من الممكن أن يخدم كحافز للبحث لكن لا يقبل أي رفض أو تأييد بواسطة الدليل التجريبي وهذا ما يمكن غموض البساطة

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

حاتم حميد محسنفي جميع أقسام الفلسفة في العالم، ناقش وحلل الطلاب والباحثون نقد العقل الخالص (1781) والأعمال البارزة الاخرى لعمانوئيل كانط مثل نقد العقل العملي. فلسفة كانط النقدية عادة اشير اليها في الأفلام الشعبية، مثل فيلم السوبرمان 2 الذي يشير في أحد مشاهده لنقد العقل الخالص . بالمقابل، بقيت فلسفة كانط في التاريخ غائبة الى حد كبير عن وعي الناس وهو ما يقود للتساؤل هل ان مفهوم كانط للتاريخ يمكن ان يعلّمنا شيئا عن العالم الذي نعيش فيه؟ يقول تيرنس ثومسن استاذ الفلسفة في جامعة كينجستون ان فلسفة كانط في التاريخ هي حديثة جدا ويمكن ان تعلّمنا شيئا هاما عن ثقافة وسياسة اليوم.

في عام 1784، وبعد ثلاث سنوات من نشر كتابه نقد العقل الخالص، نشر كانط مقالا غير عادي في احدى الصحف الثقافية البارزة بعنوان "فكرة عن التاريخ العالمي من منظور كوزموبولتيني". المقال المكوّن من تسع فرضيات، حاول طرح العناصر الاساسية التي يجب ان ينظر بها مؤرخو المستقبل ان ارادوا جمع وتصنيف التاريخ الانساني العالمي. قد لا تبدو هذه فكرة غريبة اليوم، لأننا نرى دائما هذا النوع من التاريخ يُنشر في مختلف المواضيع. فمثلا، Jared Diamond في كتابه Gns, Germs and steel) 1997)، و(Haran’s Sapiens (2015 كلاهما يحاولان بناء تاريخ عالمي من وجهة نظر معينة. لكن ما هو غريب في مقالة كانط القصيرة هو نقاشها للصراع في التاريخ بالاضافة لدور الطبيعة في ذلك الصراع.

يتسم عصرنا بالزيادة الكبيرة في الصراعات سواء كانت عسكرية او رقمية او حتى صراعات من كلا النوعين مثل الاستخدام العسكري للطائرات المسيرة. الارهاب في جميع مظاهره يمكن اعتباره ايضا تحت هذا العنوان، وهو عنصر للحياة اليومية للعديد من دول الشرق الاوسط ، وأحد العناصر المهيمنة دائما على الوعي الامريكي والاوربي. حتى التدافع على مقعد في باص مزدحم او قطار يمكن اعتباره شكلا من الصراع الاجتماعي.

رؤية كانط في التاريخ تقول لنا ان الصراع ليس مجرد مجموعة من الأفعال الطائشة التي تحدث عشوائيا، ولا هو رمز لكابوس او اتجاه نحو نهاية للعالم . بل، هناك شيء ما مكمّل في جميع تلك الصراعات مهما كانت متنوعة او السياق الذي تبدو فيه.

في الفرضية الرابعة، يطرح كانط فكرة ارتبطت دائما بمفهوم "مكر الطبيعة"(تفكير هيجل اللاحق في "مكر العقل" هو اشارة واضحة لكانط). ان مكر الطبيعة يستلزم خاصية التفاعل الاجتماعي للانسان التي يسميها كانط بـ "نزعة التفاعل والتصادم مع المجتمع" unsocial sociability، (1) التي يعرّفها "بميل الفرد للدخول في المجتمع، وهي نزعة ترتبط بالمقاومة المستمرة التي تهدد باستمرار نسيج ذلك المجتمع". انها ميل الانسان الطبيعي للارتباط بالناس الآخرين وليكون جزءاً من كل اكبر، لكنها مع ذلك هي جزء من ميلنا الطبيعي لتحطيم هذه الروابط الاجتماعية من خلال الانعزال والانقسام. كانط يجادل بان هذا الانشطار هو اصل ومصدر جميع صراعات الانسان، حتى الصراع بين الدول ينبثق من "نزعة التفاعل والتصادم مع المجتمع "، الدول التي تدخل في صراع تكسر الروابط الاجتماعية ، مما يؤدي الى حالة الحرب. الحرب الباردة هي مثال صارخ عن نزعة التفاعل والتصادم مع المجتمع التي تدفع الدول الى جمود خطير ومأزق غير قابل للحل. غير ان كانط يعزو ايضا التقدم التاريخي الى تلك النزعة – و يعني ان نزعة التفاعل والتصادم مع المجتمع مسؤولة عن تطور الانسانية نحو حالة اكثر تنورا. بدون المظهر العدائي للانسانية، يعتقد كانط اننا سوف لن نُجبر لننمو ثقافيا او فكريا. في هذا المعنى، نزعة التفاعل والتصادم مع المجتمع هي القوة الرائدة التي تقف خلف كل مظاهر التاريخ الانساني. طبقا لكانط ، الصراع يلعب دورا رئيسيا هنا، في تضاد مع الكثير من فكر ما بعد عام 1945 حول التقدم. كيف نستطيع القول ان الصراع بالنهاية يساهم في التقدم ، خاصة في ضوء الرعب المخيف للقرن العشرين؟ بالتأكيد نحن لا نستطيع الحكم على تلك الاشياء طبقا لمفهوم التقدم الذي صيغ عام 1784؟ في الحقيقة، كانط يستطيع تفسير هذه الصراعات. طبقا للفرضية الخامسة لكانط ، النقطة التي يتجه نحوها التطور التاريخي الانساني هي دساتير عادلة تماما، بما يعني مجتمع متساوي او "عالمي" حيث الجميع يُرحب بهم ومتساوون. كانط يعزو هذا الهدف الطوباوي ايضا الى نزعة التفاعل والتصادم مع المجتمع ، لأننا قد نتعلم من الصراعات التي تقذف بنا تلك النزعة نحوها. هذه هي جوهر مقالة كانط وربما خاصيتها الاكثر غرابة اي ان نزعة التفاعل والتصادم مع المجتمع تدفع الناس للنزاع ضد بعضهم، تجبرهم ليتعلموا كيف يتعاملون او لا يتعاملون مع الاخر، وبهذا يطورون قوانينا اخلاقية. كذلك، طبقا لكانط ، هذا سيقود الى حالة يصبح فيها من الضروري بالنهاية إلغاء الصراع. ومن هنا، يأتي مكر الطبيعة حيث يحدث الصراع في السعي نحو غايات تطورية نجهلها وذلك من خلال مساعدتنا في التعلم من الأخطاء التي حصلت في التاريخ على المستويين الفردي والعالمي. في ملاحظة من عام 1776، كان لدى كانط سلفا رؤية واضحة عن هذه الفكرة، هو يكتب "الهدف المفيد من التاريخ الفلسفي يتمثل في الحفاظ على النماذج الجيدة وعرض الاخطاء التعليمية".

ان هذا يعلّمنا درسا مهما حول الحاضر. من السهل ضياع الرؤية في مقدرتنا على بناء قوانين ومؤسسات تمنع الأذى عن الآخرين. من السهل النظر للموقف السياسي والاجتماعي عالميا او في بلد معين، ونقرر ان الاشياء لن تتحسن ابدا- ذلك اننا في طريقنا للاصطدام مع كارثة. الدرس المستفاد من كانط هو لا يهم عدم احتمالية حصول ذلك، نحن يجب ان لا نفقد الأمل بامكانية المجتمع العادل تماما، وان العداء الاجتماعي والصراعات التي نراها هي خطوات نحو هذا الهدف. بدون هذا الأمل سنبقى محبطين وعاجزين عن تغيير أي شيء.

يدعونا كانط للكفاح نحو مجتمع اكثر عالمية لأننا اذا لم نقم بذلك، عندئذ سوف لم نتعلم اي شيء من الرعب الذي أخاف تاريخنا ، وسنبقى بلا مصابيح تضيء الطريق الى ليل مجهول .

 

حاتم حميد محسن

.....................

الهوامش

(1) هذه النزعة تتجسد في مشكلة الانسان مع ذاته كونه لايستطيع الوجود كفرد فقط ولا هو حصرا جزء من الانسانية. كلما كافح الانسان في محاولته التعبير عن فرديته، كلما شعر اكثر بالابتعاد عن الثقافة والمجتمع . لكنه كلما زاد امتثالا لطلبات المجتمع، كلما اصبح اكثر اغترابا عن ذاته. كل فرد يدرك هذا الصراع حتى بدون وعي. آراؤنا، معتقداتنا، الملابس التي نرتديها او السيارة التي نستقلها، وحتى طريقة الحديث كلها تعبيرات عن فرديتنا، لكن هذه الفردية مقيدة باتفاقيات جمعية معينة. هذا الصراع نراه لدى المراهقين عندما يتبنّون مختلف الذهنيات والسلوكيات لكي يمتثلوا لضغوط الاباء والمجتمع، ونراه عندما يصبحون بالغين كيف انهم يصارعون باستمرار من أجل ايجاد طرق للتعبير عن انفسهم كأفراد ومن اجل التعايش مع الآخرين.

 

محمود محمد عليتعد فكرة العامل من مظاهر تأثر النحو بالمنطق والكلام وسائر العلوم الفلسفية، وأساس هذه الفكرة قائم علي أنه لابد من محدث لكل حادث، ومؤثر لكل أثر، وبالتالي فإنه لا بد له من عامل لكل معمول في عمل، وأن العوامل جميعاً تجري مجري المؤثرات الحقيقية، وهكذا أصبح العامل خاضعاً لتفسيرات فلسفية امتزجت بالفهم اللغوي. لذا كان العامل الفلسفي متقدماً علي غيره من العوامل عند الدارسين لأنه شاع وانتشر في كتب النحاة ومصنفاتهم قبل غيره ؛ حيث يقول بعض الباحثين في العامل الفلسفي:" وهو العامل الذي اقتبسه النحاة من كلام المتكلمين في العلة، وقد بدأ البصريون كلامهم فيه لأن منهج المتكلمين طغي علي الدراسات المختلفة إذ ذاك فاقتبس منه الدارسون منهجهم " .

ومن هنا جري جمهور النحاة علي القول بالعامل ظاهراً ومقدراً وأجروا عليه أبحاثهم، وأقاموا عليه آرائهم، وأكدوا أثره في اختلاف الحركات الإعرابية، واحتلت قضية العامل المنزلة الأولي في الدرس النحوي التقليدي حتي أوشك أن يطلق ويراد به النحو كله، بل لقد ألفت في عصور متعاقبة كتب لم تقتصر عليه بل شملت معه غيره من مسائل النحو وقضاياه، ولكنها سميت باسمه تغليباً مثل كتاب العوامل "المائة" لأبي علي الفارسي، وكتاب " العوامل المائة في النحو " لعبد القاهر الجرجاني المتوفي سنة 474هـ، وكتاب "عوامل البيركلي" لمحمد بن بير علي الشهير ببيركلي المتوفي سنة 981هـ .

ولقد أسرف النحاة في استعمال العامل وفيما أحاطوه به من الأبحاث الكثيرة التي أداروها علي ظهوره وتقديره، وعلي تعداد العوامل وأنواعها، وعلي ذكر ما قد يعرض لها من العلل أو يحدث لها من الخلل، وعلي الإعمال والإلغاء والتأويل وتبادل العوامل والمعمول للعمل، وتعدوا في كل ذلك ونحوه قواعدهم وقنوا قوانينهم فقالوا علي سبيل المثال " لا يجتمع عاملان علي معمول واحد " فأدي هذا القانون إلي وجود ما أسموه في النحو باب التنازع " وقالوا أيضاً " للعامل الصدارة والتقدم إلا إذا كان قوياً فإنه يعمل متقدماً ومتأخراً" وقالوا كذلك " للعامل الصدارة التقدم إلا إذا كلن قوياً فإنه يعمل متقدماً ومتأخراً " وقالوا كذلك " قد يعمل العامل في المحل ولا أثر لعمله ف اللفظ " وقد ترتب علي هاتين القاعدتين أحكام نحوية متشعبة في أكثر مسائل النحو .

وقد ارتبطت فكرة العامل في الأساس بقضية الإعراب علي اعتبار أن الحركات الإعرابية آثار وأن العوامل مؤثرات، ثم تشعبت الأبحاث الدائرة حول هذه وتلك، فذهب النحاة إلي القول بوجود عوامل لفظية هي تلك التي تحدث الرفع، وأنه قد يحدث الرفع بعوامل لفظية أيضاً، وأمعنوا في إقامة العامل في كل شئ ولكل شيء حتي أنهم وضعوا لأبحاثهم عناوين تؤكد مقولة العامل ودوره الأساسي في كل أبحاثهم النحوية فقالوا مثلاً: باب كان وأخواتها، وباب نواصب الفعل المضارع، وغير ذلك، وظهر ذهابهم في الأمر بعيداً فيما نراه في أبحاثهم من الأقوال الكثيرة التي تتردد فيها ألفاظ الإضمار الجائز والإضمار الواجب والحذف والتقدير ونحو ذلك مما أبعد الشقة بينهم وبين الفطرة اللغوية الأولي التي ظهرت في كلام العرب الخلص الذين يحتج بأقوالهم والذين أخذ النحاة عنهم هذه الأقوال وأقاموا عليها قواعدهم وأصولهم، وهي أقوال سليقة لم يكن يعرف أصحابها شيئاً عن الرافع والناصب والجار والجازم، ولا عن العوامل اللفظية أو المعنوية التي تحدث الآثار الإعرابية علي أواخر الكلمات علي حد قول أهل الصناعة النحوية .

بل لقد أفرط متأخرو النحاة في قضية العامل كما أفرطوا في غيرها من القضايا المصطبغة بصبغة المنطق والفلسفة، وخرجوا بهذا الإفراط عن خط فريق كبير من أوائل النحاة ومقدميهم من الرواد الذين اعتبروا النحو بالدرجة الأولي وسيلة لحفظ الكلام العربي من الفساد باللحن، ولصيانة مبناه من الخلل، وليس معرضاً للمقولات العقلية المجردة ونحوها، فضلاً عن خروجهم عن السليقة العربية لأهل الفطرة الأولي ممن يحتج بأقوالهم علي ما ذكرنا .

وقد رأي بعض الباحثين أن إيغال النحاة ومبالغاتهم في الأخذ بالعامل الذي أفض إلي احتكامهم له في أغلب أبواب النحو وتقسيماته؛ راجع إلي التأثر بالفلسفة التي كانت شائعة بين المتأخرين منهم (124).

ولقد اعتمد النحاة المتاخرون ولا سيما في عصور المماليك بالكلية الأخذ بالعوامل النحوية واعتبروها الموجدة لحركات الإعراب مع إلغاء دور المتكلم نفسه، وأدي بهم ذلك إلي تداول التخرج والتأويل والحذف والتقدير بكثرة بالغة، فاتسعت لذلك خلافاتهم وتزايدت، وعقدوا دراساتهم وأغربوا في مسائلهم وملأوها بالعوامل الظاهرة والمقدرة، والعوامل اللفظية والمعنوية، والعوامل الفعلية والعوامل الإسمية الجامدة والمشتقة وغير ذلك .

ومن نماذج أخذ النحاة المتأخرين بفكرة العامل والتزامهم بها في فروعهم النحوية:

1- اهتم ابن النحاس بفكرة العامل وكانت له آراء مستقلة عما أشار إليه النحاة السابقون عليه، ومن الأمور التي تفرد بها أنه سمي الأدوات العاملة " حروفاً" حروفاً كانت أم أفعالاً أم أسماء ولذلك سمي "كان وأخواتها ": " باب الحروف التي ترفع الأسماء وتنصب الأخبار " وهي: كان وصار وظل وبات وأمسي وأصبح ولم يزل ولا يزال، وما زال وما دام وما أنفك " ففي هذه التسمية دليل علي أنه يقصد بـ " الحروف" الأدوات العاملة، وهي هنا أفعال، وفي هذه الأبواب أداتان ادخلهما فها وهما:" لم يزال ولا زال " علي عادته في عد الأداة الأصلية مسبوقة بتعليل أو نحوه ومتلوة بنفي أداة جديدة، وعد هنا مجئ " لم " و"لا" قبل " يزال" أداتين جديدتين، وكان التقسيم يقتضيه أن يدخل فيها " لن يزال" و" زال" في الدعاء، ولعله سها عنهما .

2- ناقش ابن هشام قضية العامل في أمور كثيرة في شروحاته، ومن ذلك مثلاً حديثه عن المرفوعات:" بدأت من المرفوعات بالفاعل لأمرين، أحدهما أن عامله لفظي، وهو الفعل أو شبهه، بخلاف المبتدأ فإن عامله معنوي وهو الابتداء، والعامل اللفظي أقوي من العامل المعنوي، تقول في زيد قائم، كان زيد قائماً، وإن زيداً قائم، وظننت زيداً قائماً، ولما بينت أن عامل الفاعل أقوي كان الفاعل أقوي، والأقوي مقدم علي الأضعف .

3- قول ابن مالك:

بفعله المصدر ألحق في العمل        مضافاً أو مجرداً أو مع أل .

وقوله أيضاً:

كفعله اسم فاعل في العمل            إن كان عن مضيه بمعزل .

ومثال آخر يتعلق بالعامل في (أيِّ) ؛ حيث يرى ابن مالك ان الذي في (اي) من تضمن معنى حرف الاستفهام معارض يشبهها بـ(كل)، و(بعض) وبشبه (اي) الموصوف بها في نحو: (مررت برجل أي رجل) ومعارض بالاضافة القياسية، وهي الإضافة إلى المفردات دون لزوم في اللفظ، فاستحقت بذلك التفضيل على اخواتها فاعربت وعوملت في اضافتها معاملة (كل) و(بعض) لوقوعها موقعهما. مثال الإضافة لفظا: (أي القوم لقيت؟) وتقديرا (130): (باي مررت؟) كما يقال: (مررت بكلهم وبكل)، و(ببعضهم وببعض) وهي كـ (بعض) عند الإضافة إلى معرفة وكـ (كل) عند الإضافة إلى نكرة .

4- العامل مؤثر حقيقة، إنه سبب وعله للعمل، وهذا مشهور وشائع في النحو عند المتأخرين، ويوضح هذا ما يقوله الصبان تعليقاً علي ما نقله الأشموني عن شرح التسهيل من أن:" الإعراب ما جئ به لبيان مقتضي العامل " فالعامل " كجاء ورأي والباء" والمقتضي " الفاعلية والمفعولية والإضافة " والإعراب الذي يبين هذا المقتضي " الرفع والنصب والجر – فهذا التعريف يقتضي اطراد الثلاثة .

4- ذهب ابن الناظم إلي أن الخبر في نحو: ضربي العبد مسيئاً، محذوف مقدراً بـ إذا كان وفاقاً لجمهور البصريين وكان عنده تامة لا ناقصة وذهب أبوه إلي أن الخبر في المثال المذكور، محذوف مقدر بمصدر مضاف لا زمان مضاف لفعله وفاقاً للأخفش إن كلاً من ابن الناظم وأبيه انطلق في مبايعته المتقدمين من نظرية العامل، لأن الحال عندهم جميعاً فضله لا يصلح أن يسند إليه المبتدأ وأن يخبر به عنه، فلذلك قرروا ليتدرج المثال تحت أصولهم الفعلية، وأقول إذا كان الحال فضله فقد يمكن حذفه ولا يختل المعني .

5- بني السيوطي معظم أبواب النحو في كتبه علي نظرية العامل بحيث يرد ذكره في كل مسألة إلا ما شذ، ولكثرته لا يحتاج إلي تمثيل، ونكتفي بأمثلة قليلة منها قوله في تعليلهم قولهم " المبتدأ أصل المرفوعات:" ووجهه أنه مبدوء في الكلام ... وانه عامل ومعمول، والفاعل معمول لا غير " . وقوله متحدثاً عن رافع المبتدأ والخبر:" في رافع المبتدأ والخبر أقوال فالجمهور وسيبويه علي أن رافع المبتدأ وهو الابتداء لأنه بني عليه، ورافع الخبر المبتدأ لأنه مبني عليه، فارتفع به كما ارتفع هو بالابتداء ... وقيل تجرده من العوامل اللفظية أي كونه معري منها ...".

هذه هي بعض النماذج والأمثلة الدالة علي استخدام النحاة المتأخرين لنظرية العامل، وهي إن دلت علي شئ فإنما تدل علي اندفاع هؤلاء النحاة إلي الاستفادة من الفلسفة والمنطق اليونانيين، فانتهت دراسة العامل إلي أن يُضفي عليها صفة العلة الفلسفية، ذلك لأن العلة هي الدعامة التي يقوم عليها القياس النحوي والمنطق وما نظرية العامل النحوية إلا وليدة مبدأ العلية الفلسفي .

ولا شك أن هذا الأمر أدي إلي فساد نظرية العامل وانحرافها عن مسارها الصحيح الذي رسمه الأوائل لها . فارتباط العامل بالعلامة الإعرابية أدي إلي تفريغه من أبعاده اللغوية الذي كان منطوياً عليها وبدل أن يهتم النحاة المتأخرين بدراسة التأثيرات التي ينتجها العامل داخل التركيب أصبحوا يهتمون بدراسته علي أنه عنصر خلق وإحداث وكسب، وأنه يؤثر كما تؤثر المؤثرات التي تؤثر بنفسها وقد قسمت العوامل وفق هذا الفهم علي قسمين: منظورة وغير منظورة، فإذا ظهر العامل ظهر المعمول، وإذا لم يظهر العامل تحايل النحاة علي إيجاده أو تقديره حسب ما يقتضيه الكلام، فكان تقسيم آخر للعوامل وهي اللفظية والمعنوية . فاللفظية ما ظهر لها وجود في الخط واللفظ والمعنوية ما غابت وظهر أثرها دون أن تظهر خطاً، ويبدو أن غياب العامل في ما كان معنوياً قد شغل بالهم كثيراً فراحوا يتلمسون الحجج لوجوده فكانت في أغلبها بعيدة عن روح اللغة قريبة من الفلاسفة.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

حاتم حميد محسنعند الحديث عن العدالة كفضيلة، فهي يشار اليها عادة بسمات الافراد وبالطريقة التي يتصرفون بها، وهي يمكن ربطها او الاشارة اليها بالعدالة الاجتماعية. الفيلسوف جون رولز نظر الى العدالة بطريقة مختلفة حين اعتبرها كـ "اول فضيلة للمؤسسات الاجتماعية". كل فيلسوف له تفسيره الخاص لما يعتقد انه هو الصحيح حول العدالة، المثال الذي ذكره افلاطون في الجمهورية يتعامل مع العدالة كـ " فضيلة شاملة لكل الافراد والمجتمعات، بما يعني جميع القضايا الاخلاقية تندرج تحت فكرة العدالة (dikaosoune). ولكن في الاستعمالات الحديثة نرى العدالة تغطي فقط جزءاً من الاخلاق الفردية". مثال آخر استُخدم ليبيّن كيف نفكر كمجتمع بالعدالة، قيل اننا لا يمكن ان نعتبر شخصا غير عادل لو تجاهل اطفاله او مارس الكذب، بل ان صفات اخرى يجب ذكرها اولا عن الفرد قبل ان يكون شخصا غير عادل . فيما يتعلق بالعدالة الفردية، هي مرتبطة بالقضايا الاخلاقية، ولها علاقة بالسلع والملكية.

كارل ماركس اعتقد ان الرأسمالية لها تأثيرات سلبية على الطريقة التي يعمل بها المجتمع، هو ايضا اعتقد انها من خلال منطقها الداخلي سوف تنهار، مثلما انهارت من قبل الانظمة السوسيو اقتصادية على مر التاريخ. كانت لماركس مشاكل مع وسائل الانتاج، النقطة الحاسمة لديه كانت "الاغتراب" و"الاستغلال" للعمال. هو يقول ان العمال يُجبرون على بيع قوة عملهم، ليحصلوا في المقابل على ما هو أقل مما يُفترض استلامه، هذا بسبب حقيقة ان الانتاج يعطي للرأسمالي فائضا بينما العامل يُدفع له أقل من المستوى المطلوب. هذا يسمى بـ "الاستغلال" لأن الرأسمالي يستلم كل الارباح بينما يحصل العامل على الحد الأدنى، هو يشرح لماذا هذا يُعتبر شيئا سيئا، هو يقول ان هذا لم يحدث في اي نظام، الاستغلال الرأسمالي هو استغلال طبقي، يترسخ بفعل القواعد القائمة سلفا. الاغتراب يأتي من الطريقة التي يُنظر بها الى العامل وكيفية التعامل معه، العمال يُنظر اليهم بنفس قيمة الماكنة التي يستعملونها، مثلما يستفيد الرأسمالي من استخدام المكائن، ويدفع فقط لأغراض الصيانه، كذلك بالنسبة للعامل . هو ايضا اعطى مثالا آخر عن الاغتراب حول الكيفية التي يعيش بها العمال في عالم الأتمتة، انهم فقط عمال في مستودع للسلع، خدام للماكنة.

العدالة يُنظر اليها فقط وفق مصلحة القوي، كل حكومة تضع قوانينها، جميع الحكومات سواء كانت ديمقراطية او ارستقراطية او استبدادية تصنع قوانينها الخاصة لأجل مصالحها، وبعمل كهذا هي تمنح العدالة للجمهور، وعندما يخالف شخص ما القانون فهو سيُعاقب حتى لو كانت القوانين غير عادلة وبلا معنى، ولذلك فان العدالة هي فقط لمصلحة الأقوياء ومنْ لديهم سلطة الامر، وكما قيل "الحق مع القوة".

لو كنا في عالم يسوده السلام ربما سيكون هناك معنى للعدالة، ولكن في عالم اليوم قد لا نجد ذلك المعنى، نظرية الحرب العادلة تؤكد انها يجب ان تكون الملاذ الاخير، ولغرض الدفاع الذاتي او ضد الغزو، وليس لإكتساب الثروة والقوة، كذلك يجب ان تكون هناك قواعد للحرب، ويجب ان تُشن لتعزيز الخير وتجنب الشر. ولكن لو سألنا انفسنا هل هذا ممكن؟ الجواب بالتأكيد كلا. ما اعتقد به الفلاسفة حول الطريقة التقليدية للحرب لم يتجسد في الواقع، خاصة في عالم اليوم. المجتمعات تطورت من حيث الطريقة التي تعمل بها، وكذلك طريقة عمل الحكومات، فنجد لكل مجتمع برامجه الخاصة، والجشع في تصاعد، والسباق متواصل حول من يمتلك افضل الجيوش واقوى الصواريخ. نحن نعيش في عالم اناني يسعى فقط لتحقيق ما يصبو اليه. النظرية تطورت بمرور الزمن في تقرير ماهية الحرب. هذه النظرية جاءت من فترة الاغريق والرومان، وكذلك بعضها برز من التقاليد المسيحية، والبعض يقول ان تعاليم ارسطو وشيشرون كانت انعكاسا لعقيدتهما، لكن تأثير القس اوغسطين كان واضحا. وفيما يتعلق بهجوم 11 سبتمبر 2001 ذلك يعتمد على طريقة النظر اليه.

انها تؤكد ان الحرب تأتي "كملاذ أخير"، وقيل ان غزو العراق وافغانستان جاءا انتقاما من هجوم سبتمبر وكطريقة لمواجهة ما اسمته امريكا الارهاب. الالتباس في تلك الدول كان كبيرا نظرا للعدد الهائل من الابرياء الذين قُتلوا او جرحوا. الغزو جاء لعدة اسباب منها محاولة الاطاحة بالنشاطات الارهابية وكذلك بسبب الطموحات النووية لبعض الدول . فهل كانت تلك الحروب الملاذ الأخير؟ هل كان الناس متفقين على ضرورة شن تلك الحروب وعلى مدى فائدتها للولايات المتحدة؟ هناك دائما سلبيات وايجابيات. الحرب كانت حاضرة في كل القصص وخاصة القصة الانجيلية، والانسان كان دائما مشاركا فيها، فهي جزء من طبيعتنا، وسواء كانت فكرة جيدة ام لا ذلك يعتمد على رؤية الفرد وما يعتقد به. دائما نأتي الى الاخلاق عند النظر للأذى الذي يصيب الابرياء.

نظرية العقد الاجتماعي تقول ان الناس الذين يعيشون مع بعضهم في مجتمع معين يتفقون مع بعضهم لتأسيس قواعد اخلاقية وسياسية للسلوك. الناس يعتقدون لو اننا نعيش طبقا للعقد الاجتماعي، فسوف نستطيع العيش اخلاقيا باختيارنا وليس بسبب ما يتطلبه الدين. العقد الاجتماعي يمكن ان يكون واضحا وصريحا في القوانين او بشكل غير مباشر، من خلال رفع يدك في الصف عند الحديث . دستور الولايات المتحدة هو مثال على العقد الاجتماعي الواضح. فيه العديد من القوانين التي تعطي الناس برنامج عمل حول ما يستطيعون او لا يستطيعون عمله. هوبز وروسو كلاهما استخدما تعبير الانسان "الوحشي" او البربري في دولة الطبيعة كمحاولة لتحليل الطريقة التي يفكر بها الانسان ويتصرف بها تجاه مختلف الاشياء. هما حاولا فصل الفرد عن التأثيرات التي يواجهها عادة، مثل الثقافة، الدين، الحكومة وغيرها ليروا كيف ستكون الحياة بدون تلك القوى التي توجّه سلوكنا. هما توصّلا الى ما هو مناقض لبعضهما تماما، الانسان في دولة الطبيعة هو مسالم بطبعه، سيادة الدولة تجعل المجتمع فاسدا، وهو ما يقود الى الحرب، الحكومات تحاول حماية الناس ويُفترض ان تفكر بمصالحهم بينما السيادة تحقق فقط ما هو مفيد لتلك الحكومات، الناس ليسوا موضوعا للقوانين.

قيل ان الناس اكثر تعقيدا مما اعتقده اي من الفيلسوفين، "الهدفان الاساسيان في الحياة هما ان يعيش الفرد ويتكاثر، يجب ان يفعل اي شيء ليتجنب الموت ". غريزة الحيوان تدفعه للقتال ضد الآخر، كيف يتعلق ذلك بنا كبشر؟ نحن ايضا لدينا غرائز ولدينا القدرة لنكون غير عقلانيين. في الحقيقة، ان الانسان يجب ان يكون قادرا على التغلب على هذه الاشياء، لكن ذلك لا يحدث دائما. الغرائز والعقل لايتفقان دائما. المجتمع والحكومة يمكنهما تخفيف السلوك السيء او تشجيعه، ذلك يعتمد على نوع التنظيم والصفات المتأصلة لدى الفرد. الناس مزيج من الجيد والسيء، من الغرائز والعقل، كمية هذه الميول تعتمد على كل فرد ويمكنها ان تتغير من لحظة لاخرى ومن مجتمع الى آخر.

 

حاتم حميد محسن

 

 

علي المرهجكغيره من المفاهيم الغربية طال مفهوم الحداثة الكثير من الغموض، فهناك من يرادف بينه وبين التحديث، وشتان ما بين هذا وذاك، وهناك من ربطه بالفلسفة وتحولات الخطاب الفلسفي من نزعة التوفيق بين الفلسفة والدين في الفلسفة الوسيطة (الإسلامية والمسيحية) إلى نزعة الخلاص من هيمنة الدين ورجاله والبحث عن خطاب العلم وفلاسفته لاسيما مع (فرنسيس بيكون) التجريبي و(ديكارت العقلاني) اللذيّن وضعا منهجين للعلم أطاحا بهما منطق القياس الأرسطي وخففا من وطأة الفلسفة الاسكولائية (المدرسية) التأملية بنقدهما لمعطيات المنطق الأرسطي الذي تأسست عليه جل الفلسفات اللاحقة عليه لأنه لا يُعطينا نتيجة جديدة لأن النتيجة فيه متضمنة في المقدمة الكبرى.

وفي العلم الطبيعي مع (سبنسر) و(لامارك) اللذان آمنا بأهمية المنهج العلمي بوصفه الأداة الموصلة للتقدم على أسس عقلية وعلمية.

في السياسة يرى كُتابها أن الحداثة بدأت مع (مكيافيلي) في كتابه الشهير "الأمير" و(توماس هوبز) في كتابه "الليفيثان" وجون لوك في كتابه "العقد المدني"..

وهناك من يرى أن الحداثة بدأت مع الثورة في الفنون في الرسم والموسيقى والشعر متمثلة بموسيقى بيتهوفن وغيره، وفي الفن النحت والتشكيل مع مايكل أنجيلو وغوغان وبيكاسو وغيرهم، وفي الشعر مع (رامبو) و(فاليري)...إلخ، وفي السرد مع (بروست) و(جويس) و(كافكا) و(إليوت) وغيرهم.

والبعض يرى أن الحداثة ظهرت جلية في الثورة الصناعية في أوائل القرن التاسع عشر. وفي الفن هناك من وجد في الحركة الرومانسية التعبير الحقيقي عن الحداثة.

وإذا كانت الحداثة تعني التعامل مع أجواء المدينة والمجتمع تعاملاً خيالياً حينذاك يكون مؤسسها (فلوبير).

الحداثة مفهوم غامض فلا يحده زمن ولا جغرافيا مكانية، فالحداثة عند الفرنسي هي غير الحداثة عند الإنكليزي، والحداثة عند الأمريكي مغايرة للمتبنى الإنكليزي والفرنسي، ولا يرى الألماني سوى حداثة أنشأها مفكرون ألمان، لكن ما يُميز الحداثة أنها فكر مديني مرتبط بوعي الإنسان بقيمة المدينة بوصفها ركناً أساسياً من أركان بناء الوعي العقلاني الحر.

لذلك أجد أن (هابرماس) على حق في تبنيه لمفهوم (الحداثة التواصلية) لأن الحداثة مشروع لم ينه بعد إن نظرنا لها على أنها ظاهرة تاريخية متطورة، لان الحداثة بمفهومها العام هي نقيض التقليد، لأنها حركة ترنو للتغيير والتجديد في العمل والفكر للنهوض بالواقع الإنساني والاقتراب من طموح مثالي فلسفي في تحقيق عالم أفضل بعبارة (برتراند رسل) ومن بعده (كارل بوبر).

إن ميزة الحداثة هي ثقتها بقدرة العقل الإنساني على فهم متغيرات الواقع من دون الاستعانة برؤى غيبة أو سحرية، فعقل الحداثة ليس عقلاً اتكالياً ولا يقبل بوصاية آخر عليه يوجهه لذلك نجد الكثيرين يربطون الحداثة بزوغ الحداثة بنشر الفيلسوف الألماني (إيمانويل كانت) لمقالته "ما التنوير؟".

ولك أن تبحث عن الحداثة الاقتصادية لتجدها حداثة متأخرة بالقياس للحداثة في الفن والأدب والعلم والفلسفة، فلا حداثة اقتصادية خارج دائرة التنافس بين النظامين الاشتراكي والرأسمالي، وستجد حداثة اقتصادية في كلا النظامين بوصفها نتيجة حتمية لطبيعة الصراع بين النظامين، وستجد نفاذ بعض مقولات نظام لآخر على قاعدة أتبناها وهي: (أن المنظومة الناقدة تحمل بوعي أو من دون وعي بعض عناصر المنظومة المُنتقدة).

تحدث محمد سبيلا في كتابه (الحداثة وما بعد الحداثة) عن أساليب انتقل فيها التفكير من المرحلة التأملية الكلاسيكية إلى الحداثة على عدة مستويات:

الأول في المعرفة حينما عمل الفلاسفة والعلماء على إعمال العقل في المعرفة العلمية والتجريبية وتحديث النظرية العلمية لغرض التجديد في انتاج التقنية.

الثاني في الطبيعة حينما تمكن العلم من الانتقال من الإيمان بمركزية الأرض إلى الإيمان بمركزية الشمس، والتحول في معرفة الطبيعة من العلم المغلق إلى العالم اللانهائي.

الثالث في الزمن والتاريخ، فقد أصبح التاريخ سيرورة وصيرورة، بمعن اختفاء غائية التاريخ وربط تطور التاريخ بعوامل الصراع الطبقي والاجتماعي. أما الزمن الحداثي فهو زمن متسارع يكون فيه الحاضر هو اللحظة التي يتم فيها الانتقال المتسارع لزمن مختلف كلياً.

الرابع هو النظرة للإنسان عبر إيلائه الأهمية القصوى بوصفه قيمة مركزية وارتكازية بها ومنها تكون المعرفة التي تساعدنا في بناء عالم أفضل. وقد ربط (هيدجر) بين نشأة الحداثة بالفلسفة حينما جعل الفلاسفة المعاصرون من الذات الإنسانية مركزاً ومرجعاً.

بايجاز الحداثة لا تعني غير تخليص العقل من قصوره الذاتي بعبارة (كانت) ومحاولة تحريره من سطوة وهيمنة المقدس بكل تمظهراته المغيبة لفاعليته الذاتية للانتقال بالإنسان من "التبعية" إلى "الاستقلال المعرفي".

في الحداثة خارج البحث عن تجذير زمني لها أو جغرافي تعني احترام حرية الفرد وعقله، وهي تحمل بصريح القول نقداً لكل مدع يصادر عقول الناس فيوهمهم بأنه الأعلم، لأن الحداثة تحترم عقل الفرد ويعرف أهلها أن لا وجود لأعلم في عوالم المعرفة الإنسانية الرحبة وكل بشر خطَاء ولربما يعلم أشياء في تخصصه ويجهل أشياء وأشياء.

الحداثة فكر يبحث أهله عن عقل ابداعي لا عن "عقل مستقيل" لأنها حركة ترنو للجديد وتدعم كل وعي مُتجدد يُقلق (العقل بذاته) ويستفزه ليكشف عن مواطن خلاقة كامة في الوعي الإنساني.

الأمر الذي يقتضي الإيمان بحرية الإنسان بوصفه كائناً عاقلاً حباه الله بالعقل فهو مسؤول عن أفعاله بعبارة مستعارة من رؤى المعتزلة تلتقي مع رؤية الفلاسفة الوجوديين في بعض مواضع شتى.

 

د. علي المرهج

..............................

مصادر ومراجع المقال:

- تيمونز روبيرتس: من الحداثة إلى ما بعد الحداثة.

- غيرترود هيملفارب: الطُرق إلى الحداثة.

- محمد سبيلا: الحداثة وما بعد الحداثة.

- تحرير: بيتر بروكر:

الحداثة وما بعد الحداثة.

- تحرير مالكلم برادبري وجيمس ماكفارلن.

 

علي رسول الربيعيأو الأنتقال من التعددية الثقافية الـى التفاعلية الثقافية

سقطت فضيلة التعددية الثقافية بسبب عدم قدرتها على الحفاظ على الحرية وتوليد الاندماج الاجتماعي التي تزعم أنها تحافظ عليهم. وقد تم تبرير "تراجع التعددية الثقافية"[1] و"عودة الاستيعاب"[2] على أساس تعارض تعددية المجتمع التي أقرتها سياسات التعددية مع الحريات الأساسية التي تحدد المجتمع الليبرالي: حرية تقرير المصير الفردي، وحرية المرأة والتحرر من الإرهاب، وما إلى ذلك. وقد تم  تسمية هذا الاتجاه بـ "ما بعد التعددية الثقافة"[3] لتصنيف لتجديد التأكيد على المطابقة والتماسك والهوية الوطنية التي لاتنفصل كليًا عن خطاب يقدر التنوع. تسعى سياسات وخطاب ما بعد ما بعد التعددية الثقافية "إلى الحصول على كلا الاتجاهين: هوية وقيم مشتركة قوية مقترنة بالاعتراف بالاختلافات الثقافية (إلى جانب الاختلافات القائمة على الجنس والجندر والعمر)".[4] ومن غير المحتمل أن تكون لمرحلة ما بعد  التعددية الثقافة سمات متناقضة واسلوب بربري يتطلب التخلي عنه. تتم متابعة العودة المفترضة للدفاع عن مجتمع حر ومفتوح ضد خطر الظلامية الدينية والعزلة المجتمعية من خلال التركيز المتزايد على التماسك الاجتماعي والأمن. أن هذا التناقض ليس مفاجئًا إذا تم فحصه من خلال عدسة فهم فوكوي للحكومة النيوليبرالية كما يجادل جوزدكا وآخرون Gozdecka. الهدف الأساسي من الحكومة النيوليبرالية هو ضمان الحرية للمواطنين من خلال خلق - بالإشارة إلى الأمن والظروف الخطرة - التي يمكن للأفراد بموجبها ممارسة هذه الحرية. وبالتالي، تشكل الحرية، في ظل النيوليبرالية، تأثيرًا إيجابيًا على الإجراءات الحكومية وتموت النمط الأساسي للسيطرة على الذوات.[5] وفي هذا الإطار، يجب تحرير أفراد الأقليات من القيود الثقافية الدينية التي لا يستطيعون تحرير أنفسهم منها.[6]من ناحية أخرى، يتم تفسير الذوات الليبرالية على أنها لا تخضع إلا للقانون، وتتمتع  بالحرية التي لا يمكن أن يوفرها إلا للحكم الديمقراطي الليبرالي.[7]

يمثل نهج التفاعلية الثقافية ( أيً  التداخل والتفاعل بين الثقافات)  نظرة أكثراثمارًا لتراث التعددية الثقافية. يدعي  الباحثون المختصون في الدراسات الثقافية أنه لابد ان يظهر نهج جديد للتحليل الاجتماعي، والنظرية السياسية، وصنع السياسات بعد أن فشلت التعددية الثقافية: يحافظ هذا النهج على حساسية دور الثقافة والدين، ولكنه يتجنب صعوبات التعددية الثقافية.[8] وقد دعمت المؤسسات العامة والمنظمات الدولية هذا التحول من خلال تبني لغة التفاعلية الثقافية، وإيجاد طريق بين استراتيجيات الاستيعاب والتعددية الثقافية.[9] تم تعزيز الحوار بين الأديان بنشاط باعتباره عملية نقاش محترم وتعاون بين الطوائف الدينية يكمل الترتيبات السياسية بين المؤسسات العامة والسلطات الدينية.[10] انضم فلاسفة بارزون إلى دعم هذا الاتجاه. تنظر مارثا نوسباون إلى التداخل الثقافي كمشكلة للتعليم،[11] وتزعم أن هناك حاجة إلى التداخل الثقافي "ليشمل الاعتراف بالاحتياجات البشرية المشتركة عبر الثقافات و [..] رفض ادعاء سياسات الهوية التي لا ينتمي إليها سوى الأعضاء لمجموعة معينة لديها القدرة على فهم منظور تلك المجموعة ".[12] يتخذ تقرير بوشار- تايلور موقفاً مؤيدًا للتعددية الثقافية أيضًا ، مدعياً أنه، في سياق أقليم الكيبيك في كندا، "تسعى التعددية الثقافية إلى التوفيق بين التنوع العرقي والثقافي واستمرارية جوهر اللغة الفرنسية والحفاظ على الارتباط الاجتماعي".[13] ينعكس هذا النهج عند التعامل مع الأمور الدينية في شكل من أشكال العلمانية المفتوحة التي لا تنبذ التعبيرات الدينية  إلى الخلفية لأن "تتم عملية الاندماج في مجتمع متنوع من خلال أنواع التبادلات بين المواطنين التي يتعرفون من خلالها بعضهم على البعض".[14]

يؤكد بوشار على التناقض بين التعددية الثقافية والتفاعلية الثقافية من خلال القول بأن تعمل الأولى في إطار "نموذج الأختلاف"، حيث يتمتع الأفراد والجماعات بوضع متساوٍ ولا يوجد "اعتراف بثقافة الأغلبية"، بينما يتبنى هذا الأخير نموذج "الثنائية"، والتي بموجبها "يُنظر إلى التنوع وإدارته على أنه علاقة بين الأقليات والأغلبية الثقافية التي يمكن وصفها بأنها أساسية".[15] تسعى التفاعلية الثقافية، على هذه الأسس، إلى معالجة  الأسئلة والأعتراضات الاستنطاقات العامة الرئيسة التي تثار ضد التعددية الثقافية: فهي تشجع الحوار والتواصل بين المجتمعات، وتعترف بالطبيعة المتغيرة والمتشكلة للهويات الثقافية الدينية، وتعزز مسارًا عامًا مشتركًا وموحدًا، وتعالج المخاوف مع الممارسات الدينية غير الليبرالية.

نرى أن التفاعلية الثقافية هي دعوة مفيدة لتصور أكثر تحولاً وسلاسة للعلاقة بين الثقافات؛ أنها تسلط الضوء على الهيمنة والاضطهاد الداخلي الذي ينبع من تعظم  وسلطة الهويات التقليدية. وعلى كل حال، يتم تعريفها بشكل عام على أنها رد فعل على مشاكل التعددية الثقافية، لدرجة أنه يتم فهم ادعاءاتها بشكل أفضل كتطور للنقاش متعدد الثقافات أكثر من كونه إطارًا جديدًا يحل محل التعددية الثقافية. تعد مجموعة الأدوات الموجهة نحو التكامل التي يقدمها المفكرون المؤيدون لتفاعل الثقافات وتداخلها مساهمة مفيدة في ممارسة التعددية، ولكنها ليست خطابًا سياسيًا بديلاً كاملًا ، نظرًا لمدى مديونيتها للإطار متعدد الثقافات لمشاكل الهوية الثقافية والمساواة والتنوع. إن التعرف على الاختلاف الثقافي كقضية سياسية رئيسة هو تعريف للتفاعلية الثقافية وكذلك لشتى أنواع التعددية الثقافية. تعد التفاعلية الثقافية، إلى حد كبير، إعادة صياغة للخطاباتفي هذا الشأن في أوقات انخفاض قيمة التعددية الثقافية بشكل عام، وتمحيص المخاوف التي ظهرت بالفعل في معسكر مؤيدين التعددية الثقافية. تؤكد تفاعلية الثقافات أنه من خلال التأكيد على تكافؤ الفرص وأحترام الاختلافات الثقافية القائمة فقط يتم التغلب على ماتخلقه سياسات التعددية الثقافية من حالة العزل والأنعزال ومن ما يعزز استياء الأغلبية. ولمواجهة هذا الخطر، "يهدف نهج التداخل والتفاعل بين الثقافات إلى تسهيل الحوار والتبادل والتفاهم المتبادل بين الناس من مختلف الخلفيات الخلفية".[16] لا يمكن إنكار أن تعزيز التفاعل والحوار بين الأديان والثقافات هو أمر أكثر أهمية عند منظري التفاعلية الثقافية مما كان عليه الحال بالنسبة للتعددية الثقافية. وكما يلاحظ مير ومودود،[17] لا يوجد نقص في مصادر مجال التعددية الثقافية لدعم الحوار بين المجتمعات والشعور بالانتماء إلى مجتمع سياسي مشترك. ونحن نجد أن الحوار بين الثقافات يحتل مكانًا مهما حتى إذا أخذنا بعين الاعتبار أسلوب باريخ لإعادة التفكير في التعددية الثقافية والتعددية الثقافية القوية. ، يجادل بيكو باريخ من خلال توضيح مزايا التنوع بأنه: مهما كانت غنية الثقافة، فأنها لا تجسد كل ما هو قيم في حياة الإنسان وتطور مجموعة كاملة من الامكانيات البشرية. وبالتالي فإن الثقافات المختلفة تصحح وتكمل بعضها البعض، وتوسع أفق تفكير بعضها البعض وتنبه بعضها البعض لأشكال جديدة من الإنجاز البشري. فمن أجل تسهيل ظهور ثقافة مشتركة متعددة الثقافات، تحتاج العوالم الخاصة والعامة إلى تشجيع التفاعل بين الثقافات.[18]

إن إمكانية مشاركة الثقافات في حوار هو إثراء لها، وهو في الواقع واحدة من أكثر الحجج  القوية التي يقدمها باريخ لتبرير موقفه  بخصوص التعددية الثقافية.[19] وبالمثل، تشترك نهج "التعددية الثقافية" ونهج "التفاعل بين الثقافات" في الأهتمام بحماية الأقليات من الممارسات الضارة والحماية من ممارساتها الضارة ايضا. كما يلاحظ ليفي، "ما لدينا في المناقشات النظرية غالبًا ما يشبه نرجسية الاختلافات الصغيرة، حيث يتم تقديم النظريات في تباين مثير بينما تصل مناقشة الحالات إلى نفس الاستنتاجات".[20]

ينعكس أختلاف التركيز على التفاعل والتحول بين التفاعلية الثقافية والتعددية الثقافية جزئياً في أختلاف مقاربتهم للسياسة. تتمثل المهمة المركزية لسياسات التفاعلية الثقافية في دعم الأشكال البناءة للتفاعل عبر الحدود الثقافية والدينية من أجل تحقيق التكامل الاجتماعي والسياسي على المستوى المحلي. بهذا المعنى، يهتم نهج التفاعلية الثقافية بمهمة تطوير مجتمعات مدنية متماسكة من خلال تحويل مفاهيم الهويات الفردية إلى هويات متعددة، ومن خلال تطوير نظام قيم مشترك وعام وثقافة عامة. ومن أجل بناء مشاركة عميقة لمختلف أشكال الثقافة والخبرة، فإنها تشجع على تكوين الترابط الذي يقوم ببناء الهويات الشخصية التي تتجاوز الدول أو الأعراق المبسطة.[21]

يضمن نموذج  سياسات التفاعلية الثقافية: تنفيذ تدابير ملائمة  للإقامة المعقولة من خلال وتوفير بواسطة الإدماج والتوظيف والتعليم، ودعم منظمات المجتمع المدني، وتدريب الموظفين العاملين في السلطات العامة على القضايا المشتركة بين الثقافات، وخلق مساحات حضرية تسهل اللقاءات والحوار بين الثقافات، وتنظيم حملات إعلامية عامة لتشجيع الأفراد على التفاعل  العابر للحدود الثقافية.[22] ترتبط سياسات التعددية الثقافية بشكل أكبر بالاستراتيجيات المؤسسية على مستوى الدولة مثل: وضع تأكيدات دستورية أو تشريعية للتعددية الثقافية، واعتماد التعددية الثقافية في المناهج الدراسية، بما في ذلك التمثيل العرقي والحساسية في وسائل الإعلام العامة، تمويل منظمات أو أنشطة الجماعات العرقية، وتمويل التعليم ثنائي اللغة أو تعليم اللغة الأم، وتقديم إجراءات إيجابية للجماعات المحرومة.[23] لكن لا ينبغي المبالغة في تأكيد هذا التمييز بين تركيز الثقافات على التفاعل على المستوى المحلي وتركيز التعددية الثقافية على سياسات

الدولة. فالمستويان مترابطان بشكل كبير، وإلى حد ما، مكملان لبعضهما . وكما يرى كيملكا، نحن بحاجة إلى كل من مواطنين التفاعلية الثقافية ، القادرين على التفاعل بشكل بناء العابر الخطوط العرقية والدينية، والدولة متعددة الثقافات، التي تعيد صياغة مفهوم الهوية الوطنية والسيادة الوطنية على أساس الاعتراف بتنوع المجتمعات متعددة الثقافات.[24] وبهذا المعنى، فإن مساهمة بوتشارد، حاسمة في التنظير للتعددية الثقافية والتي لم تكن محاولة لتجاهل الاعتراف بثقافة الأغلبية، بل بالأحرى للإشارة إلى الطبيعة الإشكالية المتزايدة لهذا التنظيم في المجتمعات المعاصرة.

يعتبر التركيز على الثقافة، بأشكالها المختلفة، أداة قيّمة في الفكر السياسي، خاصةً ضد المفهوم الساكن والمعزول لكيفية بناء الثقافات للتفاعلات والمعايير الاجتماعية. تتجسد الرغبة في الاعتراف الثقافي في توتر دائم بين "التطلع إلى التحرر من طرق ثقافة المرء ومكانه، إلى تحرير نفسه من نفسه... والتطلع الإنساني على قدم المساواة للانتماء إلى ثقافة ومكان يكون الوطن  في العالم ".[25] لا يمكن حل هذا التوتر أو تجاوزه بسهولة، "لا يمكن التغلب عليه من قبل عولمة  لا أصل أو جذور لها من جهة أو وطنية نقية من جهة أخرى".[26] لقد أثرى منظرون التعددية الثقافية  الفهم السياسي للحرية والمساواة من خلال التأكيد على دور الثقافة في حياة الناس الاجتماعية. تظل  نظريات التعددية الثقافية و التفاعلية الثقافية والسياسات بين الثقافات ذات أهمية حيوية وعلى وجه الخصوص في سياق انتفاضة الشعبوية والوطنية المعادية للاختلاف. يجب أن يقوم تبني سياسات  التعددية الثقافية / والتفاعلية الثقافية على التفكير المنهجي في قضايا الهيمنة ومخاطرالسلوكيات العرقية والدينية. إن الاعتراف بالثقافات التي تجمع بين العناصر الدينية واللغوية والعرقية يعزز بطريقة أو أخرى حدودًا وقد يوقف العمليات المرغوبة للتعلم المتبادل. لتجنب هذا الخطر، من الضروري تحقيق التوازن بين الحاجة إلى مراعاة معنى الممارسات الثقافية من منظور ممارسيها ومشكلة الممارسات الضارة وتوازنات القوى الداخلية. وهذا يؤثر حتماً على وجهات النظر القائمة بشأن العدالة من خلال تضمين أحكام تتعلق بالتأثير الذي تحدثه الترتيبات السياسية والقانونية على هوية الجماعات الدينية والأقليات الأخرى.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

..........................

[1] Joppke, C. (2004) "The Retreat of Multiculturalism in the Liberal State: Theory and Policy", British]oumal of Sodology 55( 2): 237-257.

[2]Brubaker, R. (2001) " T he Return of Assimilation? Changing Perspectives on Immigration and Its Sequels in France, Germany, and the United States", Ethnic and Rocial St11dies 24: 531- 548.

[3] Bradley, W. (2013) "Is There a Post- Multiculturalism?", Afrasian Research Centre Working Paper Series: Studies ofMulticultural Societies 19 : 1-19 .

[4] Vertovec, S. and Wessendorf, S. (eds) (2010) The Multiculturalism Backlash: European Discourses, Policies and Practices. New York: Routledge. 91.

[5] Gozdecka, D.A., Brean, S.A., and K.mak, M. (2014) "From Multiculturalism to Post- Multiculturalism: Trends and Paradoxes",Journal of Sodology 50(1): 51-64.58-59.

[6] Brown, W. (2003) "Neo-liberalism and the End of Liberal Democracy", Theory and Event 7(1): 37- 59.

[7] Brown, W. (2006) Regulating A version: Tolerance in the Age of Identity and Empire. Princeton, NJ:

Princeton University Press.

[8] Powell, D. and Sze, F. (eds) (2004) Interculturalism: exploring critical issues. Oxford: Interdisciplinary Press.

Wood, Ph., Landry, C., and Bloomfield, J. (2006) Cultural Diversity in Britain: a Toolkit for Cross­

Cultural Co-Operation. York: Joseph Rowntree Foundation.

Dervin, F., Gajardo, A., and Lavanchy A. (eds) (2011) Politics of Interculturality. Newcastle-upon­ Tyne: Cambridge Scholar.; Publishing.

[9] Council of Europe (2005a) Opatija Declaration. Leaming about Intercultural Dialogue.

Council of Europe (2005b) Faro Declaration of the Council of Europe's Strategy for Developing Intercultural Dialogue.

Council of Europe (2007) San Marino Declaration.

Council of Europe (2008) White Paper on Intercultural Dialogue. Living Together as Equals

Dig­nity.

European Commission (2005) Proposal for a Dedsion of the European Parliament and of the Coundl Concerning the European Year of Intercultural Dialogue. Available online at: http:// eur-lex.europa.eu/legal-content/EN/TXT/?uri=CELEX%3A52005PC0467 Qast accessed 29 March 2017).

European Commission (2006) The Global Approach to Migration One Year 011: Towards a Compre­hensive European Migration Polir:y. Available online at: http://ec.europa.eu/europeaid/ communication-commission-council-and-european-parliament-global-approach-migration­ one-year-towards Qast accessed 29 February 2017).

UNESCO (2005) Convention on the Protection and Promotion of the Diversity of Cultural Expressions.  Available online at:  http:/ / en.unesco.org/ creativity/sites/creativity/ files/ article_l Be n.pdf (last accessed 29 March 2017).

[10] Council of Europe (2007) San Marino Declaration.

UN General Assembly (2007) Resolution 61/221. Promotion of interreligious and intercultural dialogue, understanding and cooperation for peace. Available online at: www.un.org/en/ga/ search/view_doc.asp? symbol=A/ RE S/ 61/221&Lang=E {last accessed 29 March 2017).

[11] Cornwell, G. and Stoddard, E. (1994) "Things Fall Togeth er: A Critique of Multicultural Curricular eform", Liberal Education Fall: 40-51.

[12] Nussbaum, M. (1997) Cultivating Humanity: A Classical Defence of Refom1 in Liberal Education,

Cambridge, MA: Harvard University Press.82.

[13] Bouchard, G., and Taylor, C. (2008) "Consultation Commission on Accommodation Practices Related to Cultural Differences, Building the Future: A Time for reconciliation. Report". The full Report is available online at: www. mce.gouv.qc.ca/publications/CCPARDC/ rapport-final-integral-en.pelf (last accessed 29 March 2017) 19.

[14] م، ن ، 20 .

[15] Bouchard, G. (2011) "What is interculturalism?", McGill Law journal 56(2): 435--468.441-442.

[16] Wood, Ph., Landry, C., and Bloomfield, J. (2006) Cultural Diversity in Britain: a Toolkit for Cross­

Cultural Co-Operation. York: Joseph Rowntree Foundation. 9.

[17] Meer, N. and Modood, T. (2011) "How does interculturalism Contrast with Multiculturalism?",

Journal of Intercultural Studies 33(2): 175- 1 96.

[18] Parekh, B. (2000) Rethinking Multiculturalism. Cultural Diversity and Political Theory. London Macmillan. 222.

[19] Parekh, B. (2000) Rethinking Multiculturalism. Cultural Diversity and Political Theory. London Macmillan.

[20] Levey, G.B. (2012) "Interculturalism vs. Multiculturalism: A Distinction Without a Difference?", Journal if Intercultural Studies 33(2) : 217- 224.222.

[21] Booth, T. (2003) "Book review of: Interculturalism, Education and Incl11sion", British journal of

Educational Studies 51(4): 432-4 33.432.

[22] Barrett,  M.  (2013) “Introduction:  Interculturalism and Multiculturalism: Concepts and Controversies", in Barrett, M. (ed.) Interculturalism and Multiailturalism: Similarities and Differences.

[23] Banting, K., Johnston, R., Kymlicka, W., and Soroka, S. (2006) "Do Multiculturalism Policies Erode the Welfare State? An Empirical Analysis", in Banting, K. and Kymlicka, W. (eds) Multiculturalism and the Welfare State: Recognition and Redistribution in Contemporary Democracies. Oxford: Oxford University Press: 49-91"'.

[24]Kymlicka, W. (2003) "Multicultural States and Intercultural Citizens", Theory and Research in Education 1(2): 147- 169.

[25] Tully, J. (1995) Strange Multiplicity: Constitutionalism in an Age of Diversity. Cambridge, UK: Cam­bridge University Press.32.

[26] م، ن .

 

 

محمود محمد عليفي هذا المقال نختتم حديثنا عن مفهوم الصدق عند ألفريد تارسكي بهذا السؤال: كيف يمكن أن نرى تصور تارسكي للصدق على شاكلة نظرية التطابق؟

نشير هنا إلى أن تارسكي قد بدأ بمحاولته لتعريف تصور الصدق، والتي لا يتضمن أية مشكلات (أو تناقضات) عن تصوراتنا العادية للغة والمتعلقة بالصدق .

فلقد قدم لنا تارسكي في بدايات القرن العشرين حساباًُ للصدق الذي عبر فيه عن نوعاً من الاستحسان للاهتمام اللغوي في الفلسفات المختلفة، بينما لم يعرض نظرية جوهرية في الصدق، وقد أضاف تارسكي حساباً منطقياً " لشروط التكافؤ"، والتي يجب أن تتكافئ مع نظرية الصدق . وقد أشار إلى أن أي تعريف للصدق يجب أن يكون متطابقاً مع عبارة صحيحة في اللغة (د) تكون صحيحة إذا وفقط إذا كانت (أ) حيث إن (د) إسم الجملة، (أ) هي تعبير عن الجملة، وعلى سبيل المثال، الثلج يكون أبيضاً تكون صحيحة إذا وفقط إذا كان الثلج أبيضاً .

والنظرية السيمانطيقية هي النظرية الناضجة بالقياس إلى نظرية التطابق، فهي تؤدي إلى حفظ النظرية من اللبس الذي قد يلحق بها من النظرية البدائية، ومن أجل إيضاح هذه النظرية نشير إلى أن " الجملة الألمانية (Scheeis Weiss) والذي تعني أن الثلج يكون أبيضاً تكون صادقة إذا وفقط إذا كان الثلج أبيضاً ويمكن كتابة شرط تارسكي في ثلاث نقاط .

1- العبارة يعبر عنها بواسطة الجملة الألمانية " الثلج يكون أبيضاً " .

2- إذا وفقط إذا .

3- كان الثلج أبيضاً – في العربية

ومن المهم ملاحظة أنه وفقاً لما صاغه تارسكي بالفعل، نلاحظ أن هذه النظرية سوف تنطبق على اللغة الصورية، حيث شعر تارسكي بأن اللغات الطبيعية معقدة وشاذة أيضاً . ولكن نظريته اتسعت عند دافيدسون إلى نظريات في المعنى الخاص باللغات الطبيعية والتي تتضمن معالجة الصدق بطريقة مبدئية بدلاً من التصور وقد طور تارسكي نظريته من أجل أن يعطي تعريفاً استنباطياً للصدق كالآتي :

1- فنفي (أ) يكون صحيحاً لو أن (أ) كانت صحيحة .

2- وأن أي ارتباط بين (أ) و(ب) يكون صادقاً لو أن (أ) كانت صادقة،(س) كانت صادقة .

3- وأي التقاء بين (أ، ب) يكون صادقاً إذا كانت (أ) صادقة، (س) صادقة.

4- أي عبارة عامة لكل من (ص، أ) تكون صادق، لو كان الموضوع يكافئ {(ص) أ}.

5- والعبارة الوجودية {(ص أ)} تكون صادقة إذا كان هذا الموضوع كان يتكافئ مع (ص أ).

وهذا الشرح يوضح كيف أن شروط الصدق في الجملة معقدة فالتعريف السيمانطيقي المعاصر للصدق يمكن أن يعرف الصدق في العبارات الذرية (71) والذي يصاغ على النحو التالي .

فالجملة (العبارة الذرية) {ق(ص1- ن ص)} صادقة تكون صادف نسبة إلي إشارة القيم إلي المتغيرات (ص1- ن 1)، ولقد حدد تارسكي نفسه الصدق في الجمل الذرية على نحو مختلف والتي لا تستعمل أية حدود تقنية من النظرية السيمانطيقية، فمثل (أبدي)، وذلك لأنه أراد أن يعرف هذه الحدود السيمانطيقية في حدود الصدق ولذا فإن هذا سيكون Circular عندما يستخدم تارسكي أي حد منهم في تعريفات الصدق، ورغم ذلك فإن تصور تارسكي في الصدق يلعب دوراً مهماً في المنطق الحديث وأيضاً في فلسفة اللغة المعاصرة .

فإذا أخذنا جملة مألوفة في اللغة الطبيعية تعبر عن حقيقة تجريبية مثل:

1) الثلج أبيض: وسألنا عن الشروط التي تجعل هذه القضية صادقة فإننا نقول ببساطة:

2) الجملة " الثلج أبيض ": صادقة إذا كان الثلج أبيضاً .

نلاحظ على الجملة الثانية أن " الثلج أبيض " قد وردت مرتين، مرة بين علامات تنصيص، وتعني رمزاً لغوياً مركباً، ومرة أخرى لتعني الحكم الذي يدل على ذلك الرمز اللغوي أو لنفي الواقعة التجريبية التي نعبر عنها في صورة هذا الحكم أو القضية، قالت الجملة الأولى مجموعة ألفاظ شيئاً عن العالم، وقالت الجملة الثانية حكماً بالصدق، ويرمز تارسكي للحكم أو القضية بالمتغير ق للجملة اللفظة بالمتغير س، ولذلك نقول:

3) (س) صادقة إذا كانت (ق)، ويري تارسكي أن س، ق متكافئتان منطقياً، خذ مثالين أخرين .

4) " الدم أحمر " . صادقة إذا كان الدم أحمراً.

5) " الأرض بيضاء " إذا كانت الأرض بيضاء .

6) الجملة في هذه الصحيفة مسبوقة بالرقم (6) كاذبة .

من الواضح أن الجملة (6) تشير إلي ذاتها وتقول عن ذاتها أنها كاذبة وإذن ما تقوله كاذب لكن إذا كانت كاذبة وتقول عن ذاتها إنها كاذبة فيجب أن تكون صادقة، وإذا كانت صادقة فيجب أن تكون كاذبة ولذلك نقول:

7) إذا كانت الجملة (6) صادقة فهي كاذبة .

8) وإذا كانت الجملة (6) كاذبة فهي صادقة .

ومن هاتين الجملتين يمكن استنتاج.

9) الجملة رقم (6) صادق إذا كانت كاذبة .

وفي هذا تناقض واضح . ولا يقبل المنطقي أية لغة ينشأ فيها تناقضات من هذا النوع. ولذا يرى تارسكي أنه يجب التخلي عن اللغات الطبيعية التي تنشأ عنها هذه التناقضات إذا كنا نريد صياغة نظرية في الصدق، وإن تتجه إلي لغة صناعية من أجل صياغة هذه النظرية . ويذكر سببين لوجود المفارقات في اللغات الطبيعية هما أنها تحتوي على كلمات (صادق) و(كاذب)، وإنه من الممكن إقامة جملة ذرية سليمة التركيب اللغوي لكنها عديمة المعنى، مثلما نقول، " قيصر عدواً لي " واللغة الصناعية التي يلجأ إليها تارسكي لغة منطقية بحتة .

ودالة القضية هي قضية جعلنا أحد حدودها رمزاً متغيراً، فمثلاً نقول عن القضية " اللبن أبيض" إنها قضية، بينما نقول عن(س) أبيض إنها دالة قضية . " قيس يحب لبنــى " قضيــة بينـما " س يحب ص " دالة قضية، والقضية توصف بالصدق أو الكذب. بينما لا توصف دالة القضية بالصدق أو الكذب.

فالتصور السيمانطيقي للصدق عند تارسكي له بطريقة أو بأخرى أعظم الأثر على كل نظريات الصدق اللاحقة، فهي حقاً من أعظم فلسفات القرن العشرين، وحقاً قد سدت الفراغ الموجود في النظريات الأخرى، ومن بين هذه الثغرات فهي ترغب في تعريف الصدق القائم على الدقة الصورية .

وفي كل وقت يمكننا القول (ما الذي نراه الآن ولا يعتبر صداقاً)، والذي يؤدي بنا إلي التناقض، لو أن ما نراه صادقاً " يتضح لنا لا يكون صادقاً " وإذا كان غير صادق فهو صادق"، وحقاً إن هذا لم يكن فقط في اللغة العادية، وهذه التناقضات من الممكن حدوثها فلقد رأي " كورت جودل" Kurt Gudel بطريقته الخاصة عدد من الأنسقة حول أن التناقضات من الممكن أن يكون (مسلينا) في الأنسقة الصورية، فتارسكي أراد الآن، في اللغة الصورية:- إن التعريف السيمانطيقي كالصدق على سبيل المثال يمكن تصوره بشكل كاف Adequately ووفقاً لتارسكي، فإن أي تصور يحتاج لأن يقابل بمتطلبين فهو يتطلب أن يكون صحيحاً صورياً حيث يجب علينا أولاً: أن نحدد الكلمات أو التصورات التي نرغب في استخدامها في تعريف مفهوم الصدق من أجل أن يتطابق مع هذا المفهوم، ومثال ذلك نقول " إن النظارة تكون خضــراء " . Glass Green (اسم الجملة) تكون متكافئة مع الجملة الحقيقة " النظارة تكون خضراء " فالجملة تكون صادقة إذا كانت مقبولة من جميع الموضوعات وتكون كاذبة في دالة العكس .

وهنا يمكن أن نعذو إلي سيمانطيقية تارسكي أهمية مباشرة،أكثر من نظرية الصدق، فهي تشير إلي العلاقة المتعلقة بمهام الموضوعات، وإلي المتغيرات فنقول (س ت) إلي (ص ت)، والفكرة تصبح على استعداد للتعامل مع المتغيرات، أو على الأقل المتغيرات الحرة على أنها نوع من الأسماء المؤقتة وكذلك بالنسبة للموضوعات المهمة، لذا نشير إلي { (س 1، س 2) = س (.} كإشارة إلي الموضوعية، ولكي نحدد إلي ......(ص1)، (ص2) . النسبية وتحت هنا نريد أن نعرف ما هي الشروط التي يجب أن يتصف بها القانون لكي يكون صادقاً، وهكذا فإن العلاقة الصادقة تشير إلي القاعدة.

أما اللغات الصورية فبما أنها لا تتصف بالعربية ؛ أي بعدم وجود تعبيرات في اللغة الواحدة تتحدث بها عن اللغة نفسها، فإنه لهذا السبب يمكننا أن نضع تعريفاً للصدق بالنسبة للغات الصورية، حيث لكل لغة رموزها الخاصة بها، وحيث يتم تحديد صدق لغة ما بلغة أخرى، واللغة التي اختارها تارسكي لتعريف صدقها هي لغة حساب الفئات .

ويحاول الابستمولوجيون تحديد الصدق بصورة جوهرية بالنسبة للمعتقدات، ويري تارسكي أنه من الصعوبة بمكان تحديد الصدق بالنسبة لسائر اللغات الطبيعية باعتبارها متميزة عن اللغات الصورية للمنطق والرياضيات. فليس هناك نهجاً نسقياً يحدد اللغة الطبيعية التي تضم تعبيراتها بوصفها جملاً تامة نحوياً وهي ليست كذلك .ولكن السبب المهم هو أن اللغة الطبيعية كما يعتقد تارسكي هي لغة مفارقية Paradoxical لأنها تعبر عما يطلق عليه تارسكي " اللغات الكلية " أو " المغلقة سيمانطقياً " Semantically Closed، واللغة المغلقة سيمانطقيا هي اللغة التي لديها القدرة علي وصف الخصائص السيمانطقية لعناصرها .

ويشير تارسكي إلي أننا نستخدم لغتين مختلفتين في مناقشة مشكلة تعريف الصدق بوجه خاص، وفي مناقشة أية مشكلة من المشكلات في مجال السيمانطيقا بوجه عام . أولي هذه اللغات هي اللغة التي تحدثنا عنها والتي هي موضوع بحثنا، وتعريف الصدق الذي نبحث عن تطبيقه علي جمل من هذه اللغة . والثانية هي اللغة التي تحدثنا فيها عن اللغة الأولي، وبوجه خاص مع بناء تعريف للصدق بالنسبة للغة الأولي .ونحن سوف نشير إلي اللغة الأولي " اللغة الشيئية Object Language، والثانية باعتبارها " اللغة الشارحة.

ويستطرد تارسكي: " يجب أن نلاحظ هذين اللفظين اللغة الشيئية واللغة الشارحة لهما معني متصل بالموضوع، علي سبيل المثال لماذا اهتممنا بتطبيق مفهوم الصدق علي الجمل، لا علي لغتنا الشيئية الأصلية وإنما علي لغتها الشارحة، فالأخيرة أتوماتيكياً لمناقشتنا، ولأجل أن تحدد هذه اللغة، فنحن نلجأ إلي لغة شارحة جديدة، وذلك لكي تتحدث مع لغة شارحة من مستوي أعلي . في هذا المنهج نصل إلي سلسلة ثالثة من اللغات وكلمات اللغة هي محتوي عريض يحدد من خلال تحديد الشروط المسبقة التي من خلالها نعرف الصدق، وسوف تعتبرها ملائمة مادياً. وكما تدعي فهذا التعريف يتضمن سائر المتكافئات من الشكل ((T:{ x is true if ,and only if,P (T)}. الصدق يتمثل في القول: إن س تكون صاقة إذا كانت، وإذا كانت فقط ص، فالتعريف نفسه وسائر المتكافئات التي تتضمنها صوغ في لغة شارحة . وعلي الجانب الآخر، فالرمز (ص) في الصدق ((T يقف باعتبارة جملة عشوائية من لغتنا الشيئية . وهنا نستنتج أن كل جملة ترد في اللغة الشيئية يجب أيضاً أن ترد في اللغة الشارحة، وبمعني آخر فإن اللغة الشارحة يجب أن تتضمن اللغة الشيئية باعتبارها جزء منها . والرمز (س) في (T) يتمثل في إسم الجمل التي تقف عندها الجملة (ص) .ونحن نري بناء علي ذلك أن اللغة الشارحة يجب أن تكون أكثر ثراء لتمدنا بإمكانيات إسم لكل جملة من جمل اللغة الشيئية، وبالإضافة إلي ذلك يجب أن تتضمن اللغة الشارحة بشكل واضح ألفاظاً لها خاصية منطقية عامة مثل تعبير " إذا " و" إذا كان فقط " .

واللغة الشارحة للغة Meta-Language حيث يمكن أن نجد منها اسماً مفرداً، مما يساعد على وضع تعريف لصدق لغة حساب الفئات، على هذا النحو تختفي وفقاً لتارسكي، المعضلات التي تنتج من جراء الحديث عن اللغة باللغة نفسها، وهو ما يحدث للغة الطبيعة نتيجة لصفة العمومية التي تتصف به.

ويشير تارسكي إلي أن أساس الحكم على قضية ما بالصدق هو مطابقتها أو ملاءمتها لكل ما يمكن أن ينطبق عليها من أشياء أو وقائع، وكان تارسكي كأي عالم منطقي صارم، يفصل استخدام، أصناف على أشياء أو وقائع، وهذه النظرية تضع الشروط الضرورية لصدق القضية وذلك لمطابقتها للواقع، وقد وضعت في صياغة منطقية بحتة، وقد أنجذب إليها كثير من الفلاسفة والمناطقة المعاصرين، خاصة أولئك الذين كانوا من قبل متحمسين لنظرية الإتساق مثل " كارناب " ومدرسته، ورغم ذلك يقدم بعض النقاد اعتراضات عليها نذكر منها:

1- أعرف أن الثلج مثلاً محقق الدالة " س أبيض " ما لم نكن نعرف من قبل أن الجملة أو القضية " الثلج أبيض صادقة " وكيف نعرف أن الدم يحقق الدالة " س أبيض " ما لم نكن نعرف من قبل أن القضية " الدم أبيض " كاذبة . وبالتالي لا نستطيع التعرف على الجزيئات التي تحقق حالات القضايا دون معرفة قيمة صدق القضايا التي تعطي لتلك الدالات قيمة، ولذا فإن من الوقوع في الدور أن تفسر الصدق في إطار دوال القضايا وإعطاء قيم تجريبية للمتغيرات .

2- رأي تارسكي أن اللغات الطبيعية تحوي متناقضات مع أنها جملاً سليمة التركيب، ولذلك فلا سبيل لنا في نظرة – لإقامة نظرية عن الصدق إلا في لغة أخرى شارحة تشرح الجمل في تلك اللغات، واللغة الأخرى الشارحة علي اللغة الصناعية التي قوامها رموز ودوال وقواعد المنطق. ولكن لن تكون هذه اللغة الجديدة ملائمة لتوضيح صدق أو كذب قضايانا في لغتنا الطبيعية .

وعلي الرغم من اتفاق "رسل" وتارسكي حول عدم اتساق اللغة الطبيعية، فإنهما يختلفان في نظرتهما إلي مفهوم التراتبية، فإذا كان " رسل " يتبنى فكرة التراتب حسب الأنماط، فإن " تارسكي يدافع عن موقف يرجع أصل التناقض إلي الجمع بين مستويين لغويين مختلفين، ويستشهد على ذلك " بمفارقة الكذاب " التي تخلط بين اللغة الشيئية ولغتها الشارحة، ولهذا فمن المستحيل تقديم حلول لهذا النوع من القضايا دون إقامة تراتب لغوي بشكل يجعل تصديق أو تكذيب قضية ما من مستوى أعلى من القضية المعمول بها.

كما أن تارسكي يشير إلي أهمية اللغة حيث يرى ضرورة أن تتمتع برغبة في استخدام اللغة للحصول على الوضع اليقين للنسق الرياضي والأنسقة الرياضية، فيجب أن نصنع مقابلة بين ثوابت اللغة والموضوعات الموجودة في الأنسقة الرياضية حيث إن أي تأكيد في اللغة وفقاً لتارسكي يعتبر صادقاً لو أن هذا قد تطابق مع قضايا النسق في الواقع .

فهو يشير إلي أننا في حاجة إلي تفسير كافي لموضوع اللغة داخل اللغة الشارحة من أجل تقديم نظرية مناسبة للصدق المتعلق بموضوع اللغة، وهذا يعني أن التفسير المتكافئ يعني توظيف اللغة لأجل تقديم نظريات اللغة ولكنها لا توظيف نظريات الصدق نفسها .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

 

زهير الخويلديترجمة: د. زهير الخويلدي

« كل ممارسة فكرية تفترض "صورة للفكر". على الأقل هذا ما يحاول جيل دولوز إظهاره في كتاباته، من الاختلاف والتكرار إلى ما هي الفلسفة؟ من صورة الفكر التي تُفهم على أنها فرضية ذاتية، على "مستوى الجوهر"، يتم بناء أي نظام فلسفي بالارتباط مع الصورة التي يعطيها الفكر لنفسه. في الفلسفة، يفهم دولوز من خلال صورة الفكر مجموعة الافتراضات التي نعيّن منها معنى التفكير. لقد تبين أن مكانتها خاصة جدًا لأن هذه الصورة الفكرية ضرورية ومتأصلة في الفلسفة في حين أنها غير فلسفية. على أساس هذا الغموض تبرز الروابط بين صورة الفكر الفلسفي والصورة السينمائية. من الواضح حقًا لدولوز أن للسينما القدرة على تعديل الافتراضات المسبقة اللازمة لخلق صورة جديدة للفكر الفلسفي والتي من شأنها إعادة تقييم العلاقة بين المادة والفكر. تحقيقا لهذه الغاية، يتبع دولوز بشكل طبيعي في أعقاب التفكير الذي بدأه هنري برجسن ، لكنه يتظاهر أيضًا بأنه وريث جيلبرت سيموندون ، الذي لم يتوقف أبدًا عن التشكيك في مسألة "تعديل" المادة. في أعماله. ومع ذلك، فإن السينما بالنسبة لدولوز هي بالضبط "تعديل للمادة"، أي تكوين المادة من خلال قالب متغير وزمني. في النهاية، يركز دولوز على مسألة العلاقة بين علم الأحياء والسينما، في ضوء عمل اللغوي غوستاف غيوم، الذي يتصور "مسألة ما قبل لغوية". هذا بالطبع له صدى مع تعريف مستوى الجوهر الذي قدمه دولوز وغتاري في" ماهي الفلسفة؟"

كنت مغرورًا. لقد كنت في هذا لمدة ثلاث سنوات. ظننت أنني كنت أرسم من فلسفة السينما وأشعر أن السينما قد ابتلعتني. لذلك لا بأس على الإطلاق. وفوق ذلك سؤال مقيت: ألا أكره السينما بالصدفة؟

(جيل دولوز، درس 15 يناير 1985)

إن صورة الفكر هي فكرة ليست فقط متكررة ولكنها أساسية في أعمال جيل دولوز. إنها ضرورية لفهم تعريفها للفلسفة، وهذا هو الغموض الذي يكتنف وضعها (صورة الفكر ضرورية لتأسيس كل الفلسفة بينما تكون في نفس الوقت غير فلسفية بشكل أساسي) في مصدر أصالة الفكر الدولوزي. لذلك فهو يطرح مشكلة علاقة الفلسفة مع تخصصات الفن والعلوم الأخرى. للإثبات، دعنا نشير إلى الدورات عن السينما التي قدمها دولوز في جامعة فينسين [1]. بعد أن كرس عامين لصورة الحركة وصورة الزمن، افتتح سلسلة جديدة من الدورات في بداية العام الدراسي 1984، حول موضوع صورة الفكر: "رأينا لمدة واحدة أو اثنتين الصورة المتحركة. شاهدنا صورة الوقت في العام الماضي. ما الذي تبقى لي؟ لا يزال لدي صورة الفكر. لذلك نحن نقترب أكثر من هذا السؤال الذي يهمني: ما هي الفلسفة؟ لكنها ما زالت على مستوى اللقاء بين الفكر والسينما ". دولوز 30 أكتوبر 1984. 

من الواضح جدًا أن السينما بالنسبة لدولوز أكثر بكثير من مجرد منظور يراقب الفلسفة من خلاله. تقدم له السينما الوسيلة لطرح السؤال "ما هي الفلسفة؟"، الذي سيحاول الرد عليه في عام 1991 مع فيليكس غتاري (دولوز وغتاري 1991). لا يوجد أي شيء عن هذا الالتفاف في السينما. السينما بالنسبة لدولوز هي الفن الذي يسمح له، بامتياز، بإعادة فحص العلاقات بين المادة والأوتوماتيكية والفكر، وتقييم خصوصية الفلسفة.

هكذا طور دولوز (30 أكتوبر 1984) مساره من العبارة التالية: "أفترض أن كل الفكر يفترض مسبقًا صورة للفكر". السينما والفلسفة والفكر المصور وصورة الفكر، ها نحن أمام أربع مصطلحات تؤسس الروابط الوثيقة القائمة بين تخصصين والتي يدركها دولوز (30 أكتوبر 1984) مع الأخذ بعين الاعتبار لقاءهم الحتمي: "إذا كان كذلك صحيح أن الفكر يفترض مسبقًا صورة للفكر، وليس هناك وبأي شكل لقاء بين الصورة، لقاء لا تحديد، لقاء بين صورة الفكر وصورة سينمائية؟ "

قبل المجيء إلى العلاقات الغنية، ولكن الإشكالية، بين الفلسفة والسينما، من الضروري أن نحدد بدقة ما هو مشمول بعبارة "صورة الفكر" وأن نظهر ما الذي أحدثه دولوز من تطورات نظرية. من الفرق والاعادة (1968) إلى بروست والإشارات (1970)، من الصورة الحركة ((1983والصورة الزمن  (1985) إلى ما هي الفلسفة؟ (دولوز وغتاري 1991)، يتم إعادة تقييم صورة الفكر باستمرار، وإعادة صياغتها، وفقًا لفكرة الصورة نفسها. في نظرنا، السؤال الأساسي الذي يبدو أنه يكمن وراء إشكالية صورة الفكر، حتى كل فلسفة دولوز، هو التالي: كيف نتصور نشأة الفكر كعملية خارجية عن الفكر (أو كيف يمكن للفكر أن ينطلق من "غير مفكر"؟) وبهذه الحقيقة بالذات، كيف يمكننا تصور الروابط التي توحد الفكر والمادة؟

صورة الفكر في أعمال جيل دولوز، كل الفكر يفترض صورة عن نفسه

بالنسبة لدولوز، فإن تعريف صورة الفكر يشكل الارتباط الذي لا غنى عنه لتعريف الفكر نفسه. في كتابه "الاختلاف والتكرار"، يسعى بالفعل إلى إظهار أنه لا يمكن للمرء التفكير في الفكر، أو تصوره، أو تعريفه، دون الاعتراف بأنه يستدعي بالضرورة "صورة" عن نفسه، أو حتى ذلك يفترض تحيزًا شخصيًا يشكله على هذا النحو. ثم كلف دولوز نفسه بمهمة اكتشاف ما يُزعم أنه يؤسس هذا التحيز ، بخلاف أي نظام فلسفي. وبالتالي، يُنظر إلى صورة الفكر على أنها تحيز، أو على الأقل كشرط أساسي لم يُعطى على هذا النحو ويجب تسليط الضوء عليه. في الفرق والمعاودة، يشير بوضوح شديد إلى الافتراض الكلاسيكي الذي وفقًا له سيوجه الفكر نفسه بشكل طبيعي نحو الحق (ومشتقاته: الخير، الحسن، العادل، الحق ...): بهذا المعنى، الفكر الفلسفي المفاهيمي للافتراض الضمني صورة للفكر، فلسفية وطبيعية، مستعارة من العنصر النقي للحس السليم. وفقًا لهذه الصورة، يكون الفكر على صلة بالحق، ويمتلك رسميًا الحقيقي ويريد ماديًا الحقيقي. وفي هذه الصورة التي يعرفها الجميع، من المفترض أن يعرفوا ما يعنيه التفكير. دولوز 1968، ص. 172

ثلاث نقاط فيما سبق تستحق اهتمامنا. أولاً، صورة الفكر، إذا ظهرت على أنها رابط للفلسفة يُفهم على أنها فكر مفاهيمي (أو الفكر الذي يخلق المفاهيم، كما سيعلن دولوز وغتاري في: ما هي الفلسفة؟)، ومع ذلك فهو نفسه غير فلسفي أو ما قبل فلسفي. وبعبارة أخرى، فإن صورة الفكر ليست مفهومًا، بل هي تمثيل يصنعه الفطرة السليمة. بهذا المعنى أعطاها دولوز اسم "الصورة"، بمعنى قريب من تلك الخاصة بالتمثيل، أو الكليشيهات، أو التحيز، إلخ. الكثير من المصطلحات لدرجة أن دولوز لم يتوقف عن القتال. ثانيًا، تم تشكيل هذه الصورة بطريقة تشير إلى أن الفكر، وبشكل أكثر تحديدًا التفكير في ممارسته الفلسفية، موجه "بشكل طبيعي" نحو الحقيقة. الهدف النهائي للفكر هو الوصول إلى الحقيقة بأكثر الطرق المباشرة الممكنة. ثالثًا، من هذا الافتراض المسبق، تمت صياغة تعريف الفكر: ما يتم تقديمه على أنه موضوعي (الفكر يريد الحقيقة) ينطلق في الواقع من افتراض شخصي مسبق. باختصار، نجد أنفسنا في وجود أيديولوجية حقيقية للحق الطبيعي للفكر، أسسها ممثلو ما يسميه دولوز "الفلسفة الكلاسيكية" (تقريبًا، من أفلاطون إلى ديكارت). "صورة الفكر هذه، يمكن أن نسميها صورة عقائدية أو أرثوذكسية، صورة أخلاقية" (دولوز 1968، ص 172).

وبالتالي، فإن مثل هذه الصورة الفكرية تخضع الفلسفة لنموذج نفسه. ماذا يعني هذا، إن لم يكن أن جوهر كل شيء، لكل كائن، هو بطبيعته مساوٍ لذاته ويبقى كذلك؟ من الواضح أن الماهية الأفلاطونية مستهدفة هنا. ومن هنا جاء مفهوم الفلسفة كبحث عن الشيء في حد ذاته، عن الجوهر غير القابل للتغيير. يتضاعف هذا البحث في المستوى الثاني بتكوين موضوع التفكير المُعرَّف بأنه تفرد متكامل (أنا = أنا)، وعاء ومنتج للفكر الصالح، وضامن لوحدة المفهوم من خلال تشغيل الاعتراف بنموذج الحقيقة: "نفس" الفكرة الأفلاطونية كنموذج، يضمنه الخير، قد أفسح المجال لهوية المفهوم الأصلي، الذي تأسس على موضوع التفكير. يعطي موضوع التفكير المفهوم مصاحباته الذاتية، والذاكرة، والاعتراف، والوعي الذاتي. لكن الرؤية الأخلاقية للعالم هي التي تطول وتمثل في هذه الهوية الذاتية المؤكدة على أنها الفطرة السليمة، دولوز 1968، ص. 341. يدعو دولوز إلى تدمير مثل هذه الصورة الفكرية. يقترح الاستغناء عن هذا الانعطاف من خلال هذا الافتراض المسبق لتعريف الفكر. هذا هو المشروع الكامل للاختلاف والتكرار: النجاح في تأسيس الفكر على شيء آخر غير خيال الحقيقة، حتى لإظهار أنه من الممكن تصوره بشكل مستقل عن أي صورة للفكر.

ما الفكر بدون صورة؟

لتنفيذ مشروعه، يعارض دولوز إذن صورة الفكر ما يسميه "فكر بدون صورة"، فكر أصيل يحرر نفسه من كل افتراضات ويؤكد في نفس الوقت على حكم المضاعف (في معارضة الفلسفة الكلاسيكية، التي ادعت أسبقية الشيء نفسه) والاختلافات المطلقة (التي لم يعد يُنظر إليها فيما يتعلق بالنموذج). كان هذا ما أسماه عهد "الصورية" في ذلك الوقت. أسبقية الهوية، أيا كان تصورها، تحدد عالم التمثيل. لكن الفكر الحديث ينشأ من إفلاس التمثيل، وكذلك من فقدان الهويات، ومن اكتشاف كل القوى التي تعمل تحت تمثيل المتطابق. العالم الحديث هو عالم السيمولاكر. دولوز 1969، ص. 1 

ثم ينخرط دولوز في معركة ضد الصورة وجميع أشكال التمثيلات التابعة لرواية نفس الشيء. يستكشف الوسائل النظرية التي من شأنها أن تسمح له بتأكيد التعددية والاختلافات دون اللجوء إلى أي تجاوز. يكمن الحل في تعريفه للوجود باعتباره "واحدًا للجميع" يجمع بين الكائنات، المتميزة شكليًا ولكن من الناحية الوجودية. لذلك يجب التفكير في الوجود من حيث الشدة و "الاختفاء": "القيود والتعارضات هي ألعاب سطحية [...] بينما العمق الحي، القطر، مليء بالاختلافات دون نفي. تحت بلاغة السلبية، هناك عالم "الاختفاء" (دولوز، صص .342-343 1968). الكل واحد هو "تمايز"، أي مجال متسامي مكوّن من تفردات ما قبل فردية وبدوية تُدعى إلى تحقيق ذاتها في كائنات تكون دائمًا في طور التحول والتي لا يتم اختزالها إلى فئات. أما بالنسبة للفكر فلا بد له من الاستغناء عن الصورة والعثور على أصله بشكل مستقل عن أي افتراض مسبق. هذه هي مشكلة "البداية في الفلسفة" الشهيرة. لا يبدأ المرء في التفكير حقًا حتى يتم التخلص من جميع الافتراضات.

لذلك فإن الاختلاف والتكرار يضعان الأسس لما سيتم تناوله بشكل أكثر منهجية في: ما هي الفلسفة؟ وهو عمل يطور فيه دولوز وغتاري طوبولوجيا حقيقية للفكر، ولكن أيضًا في صورة يكتسب الفكر شرعية جديدة. ما هي الفلسفة؟ يحدد البرنامج التالي: أظهر أن الفلسفة لا تتمتع بامتياز الفكر، وأن العلم والفن "يفكران" على قدم المساواة، ولكن لكل منهما أدواته الخاصة، دون أن يكون هناك تفوق في مجال التخصص من جهة أخرى. يصر دولوز وغتاري بعد ذلك على حقيقة أن هذه الأشكال الثلاثة للفكر تحتاج إلى المستوى الخاص بها لتؤسس نفسها عليها، للجلوس: مستوى الجوهر في الفلسفة، مستوى الاتساق في العلم، مستوى التكوين في الفن. كل من هذه الطائرات، بطريقتها الخاصة، هي "قطع في الفوضى" وتسمح بإعطاء الاتساق لما يمكن أن يكون سرعة وكثافة غير منظمة، بدون اتساق. لذا عاد دولوز وغتاري (1991، ص 39-40) إلى الحاجة إلى أن تتخيل الفلسفة "صورة للفكر"، هذه المرة وصفت بأنها "مستوى الجوهر": "إن مستوى المحايثة ليس مفهومًا مدروسًا أو قابلًا للتفكير، ولكن صورة الفكر [2]، الصورة التي يعطيها لنفسه عما يعنيه التفكير، والاستفادة من الفكر، والتوجيه في الفكر ... "يبقى أن يتم تعريفه مكانة هذا المستوى، أو صورة الفكر، فيما يتعلق بالمفهوم، خلق فلسفي حقيقي. إن مستوى المحايثة ليس المفهوم، إنه موجود مسبقًا في القانون. المفهوم إبداع يُفهم على أنه "شمولية للمكونات"، على الرغم من أنه في نفس الوقت دائمًا مجزأ ويشير بشكل لا يمكن إصلاحه إلى مفاهيم أخرى. ومع ذلك، يتم تعريف المفهوم من خلال اتساقه واستقلاليته: "إنه مرجعي ذاتي، يطرح نفسه ويطرح موضوعه، في نفس الوقت الذي يتم فيه إنشاؤه. البنائية توحد النسبي والمطلق"(دولوز وغتاري، 1991، ص 27). أما مستوى المحايثة، وهو اسم آخر لصورة الفكر، فهو ما يمكن للفكر أن يدعيه في القانون، بغض النظر عن أي تحديد ملموس (حالة المعرفة التاريخية) أو أي معرفة علمية (عمل الدماغ). يلجأ دولوز وغتاري إلى صورة "الصحراء المتحركة" التي ستشغلها المفاهيم لتمثل مستوى الجوهر. الفرق الجوهري بين المفاهيم ومستوى المحايثة هو أن المفاهيم هي إبداعات فلسفية بامتياز، بينما مستوى المحايثة هو ما قبل فلسفي، أو ليس فلسفيًا، على الرغم من افتراضه من قبل جميع الفلسفة. إن الصعوبة التي يواجهها أي فيلسوف هي خلق مفاهيم ذات اتساق معين، دون "فقدان اللانهاية التي يغرق فيها الفكر" (دولوز وغتاري، ص. 45 1991) والتي تميز مستوى الجوهر.  لم يتم وصف التوتر بين الفلسفة والفلسفة بهذا الوضوح. تتمثل كل دقة هذا النهج في الحفاظ على مستوى اللزوم في حالته من الحركة والسرعة المطلقة (قطع متحرك على الفوضى) وفي تخصيص مفاهيم متسقة بما فيه الكفاية، والتي تستجيب لمشكلة تحددها صورة الفكر.

نجح دولوز وغتاري في الحفاظ على فكرة اللانهاية والسرعة المرتبطة بمستوى المحايثة بطريقتين. أولاً، فقدت صورة الفكر "جاذبية" الكليشيهات (التي تُفهم بالمعنى الفوتوغرافي لإطار التجميد، الذي يجمد الحركة للاحتفاظ بصورة واحدة فقط دون أن تصبح، بدون قوى) أنها كان في الاختلاف والتكرار. ثانيًا، وهنا نصل إلى نقطة أساسية في فهم أهمية السينما لدولوز، يجب فهم صورة الفكر على أنها ذات وجهين. من ناحية، يشير إلى ممارسة الفكر، ومن ناحية أخرى، يجب اعتباره أمرًا: وبهذا المعنى نقول إن التفكير والوجود شيء واحد. أو بالأحرى، الحركة ليست صورة الفكر دون أن تكون أيضًا مسألة وجود. [...] مستوى المحايثة له وجهين، مثل الفكر ومثل الطبيعة، مثل فيزيس Physis ونوس Noûs. دولوز وغتاري 1991، ص. 41. كما يجب فهم فلسفة دولوز على أنها علم الوجود (دراسة للوجود، من الواضح أن علاقتها بالمادة لها مكانة أساسية) وكدراسة للظروف التي تجعل التفكير ممكنًا: "أهم من الفكر، هناك لديه ما "يعطي للتفكير" (دولوز 1970، ص 117). الآن ما يعطي سببًا للتفكير هو خارجي عن الفكر. لذلك فإن الفكر مشروط بـ "اللامبالاة".

التفكير في اللاّمفكر - الفلسفة واللاّفلسفة

من خلال البحث عن أصله في ذاته، فإن الفكر "يخطئ" أساسه الحقيقي. على العكس من ذلك، من خلال التأكيد على مظهره الخارجي الأساسي، يقر الفكر بأنه ينطلق من "غير مدروس" يُفهم على أنه مطلق "خارجي". لقد أظهرنا للتو أنه في: ما هي الفلسفة؟ يعيد دولوز تقييم صورة الفكر وإعادة تأهيلها: فهي لم تعد "واحدة" بل متعددة، مما يعني أن هناك العديد من صور الفكر أن هناك أنظمة فلسفية. يبني كل فيلسوف "مفاهيمه" و"مشاكله" من صورة لفكره:

ولكن، إذا كان صحيحًا أن مستوى الجوهر فريد دائمًا، كونه بحد ذاته تباينًا خالصًا، فسوف يكون لدينا المزيد لشرح سبب وجود مستويات متنوعة ومتميزة من الجوهر، والتي تنجح أو تتنافس مع بعضها البعض. في التاريخ، بالضبط وفقًا للحركات اللانهائية المحتفظ بها والمختارة. من المؤكد أن الخطة ليست هي نفسها بين الإغريق، في القرن السابع عشر، اليوم (ومرة أخرى هذه المصطلحات غامضة وعامة): إنها ليست نفس صورة الفكر، ولا هي نفس مسألة أن تكون. دولوز 1970، ص. 41

وهكذا يتم وضع تصنيف للفكر: ينطبق على الفلسفة والعلوم والفن ويتم تحقيقه في "إبداعات" (المفاهيم، التأثيرات والإدراك، الوظائف) التي هي التعبير "مشكلة" منقوشة على مستوى (مستوى المحايثة في الفلسفة، مستوى التكوين في الفن ومستوى المرجع في العلم). إن مستوى المحايثة في الفلسفة هو بطريقة ما خطوة ضرورية (على الرغم من أن هذه الخطوة لا ينبغي اعتبارها أولية من وجهة نظر كرونولوجية) بين الفوضى وتكوين المفاهيم التي تمنحها الاتساق. مستوى المحايثة هو "قطع الفوضى"، أو حتى "غربال" الذي يسمح بالحفاظ على السرعة اللانهائية، الحركة المطلقة التي تميزها. وبالتالي، فإن مستوى المحايثة هو، بالنسبة للفكر الفلسفي (الذي يُعرَّف بأنه خالق المفاهيم)، المكان بامتياز حيث يتم فرك الكتفين (الفوضى) غير المفهومة، والتي تُفهم أيضًا على أنها مادة أصلية. إن مستوى المحايثة لم يعد فوضى، لكنه لم يتم التفكير فيه بعد، على الرغم من أنه يدعو إليه في الأساس وهو شرطه: "يبدو أن مستوى المحايثة هو في نفس الوقت ما يجب التفكير فيه، وما لا يمكن التفكير فيه. سيكون غير مدروس في التفكير "(دولوز 1970، ص 59). لذا فإن مستوى المحايثة هو "واحد" بمعنى أنه يجمع ما لا نهاية للقوى التي يتم التعبير عنها في الفوضى، فهو واحد لأنه هو نفسه تعبير عن هذا اللاّنهاية، ولكنه متعدد بالمعنى. حيث يمثل التعبير عن العديد من صور الفكر بقدر وجود الفلاسفة، كل منها يفترض مسبقًا صورة فكره الخاصة. هذا هو السبب في أن مستوى المحاذاة "مصفح": "لذلك فإن المستوى هو موضوع مواصفات لا نهائية، مما يعني أنه يبدو أنه الوحيد في كل حالة محددة بواسطة التحديد. للحركة. هذه الصعوبة المتعلقة بالطبيعة النهائية لمستوى المحايثة لا يمكن حلها إلا تدريجياً "(دولوز 1970، ص 41-42). لذلك، يواجه كل فيلسوف مطلبًا مزدوجًا يتمثل في بناء مشاكل خاصة به وخلق مفاهيم تتعلق بهذه المشاكل، ولكن أيضًا لكونه جزءًا من خطة ما قبل الفلسفية، والتي لا تتوقف أبدًا عن جذب كليهما. إلى عدم التفكير وإلى الجانب غير الفلسفي للفلسفة: على أي حال، تطرح الفلسفة على أنها قوة ما قبل فلسفية، أو حتى غير فلسفية، كقوة واحدة للجميع كصحراء متحركة بحيث تسكن المفاهيم. لا تعني ما قبل الفلسفة أي شيء موجود مسبقًا، بل تعني شيئًا غير موجود خارج الفلسفة، على الرغم من أن الأخير يفترض ذلك مسبقًا. ربما يكون اللاّفلسفي في قلب الفلسفة أكثر من الفلسفة نفسها، ويعني أن الفلسفة لا يمكن أن تكون مضمونة لفهمها فقط بطريقة فلسفية أو مفاهيمية، ولكنها موجهة أيضًا إلى غير الفلاسفة، في جوهرها [3]. دولوز 1970، ص. 43

صورة الفكر والصورة السينمائية

إذا كان من المعقول اعتبار أن الصورة المتحركة والصورة الزمنية هما بالفعل عملين في السينما، تظل الحقيقة أن المشروع يأخذ، في نظرنا، كل نطاقه من حيث الانعكاسات بشكل فلسفي من قبل جيل دولوز. للاقتناع بهذا، من المستحسن أن نتذكر الحركة المزدوجة التي تحرك ما هي الفلسفة؟ في الوقت نفسه، يؤكد دولوز وغتاري على استقلالية التخصصات الانعكاسية الثلاثة (الفلسفة والعلم والفن)، ولكنهما يشيران أيضًا إلى أنه يمكن للمرء أن يبني الجسور بين هذه التخصصات، وأن بعض المواجهات يمكن أن تحدث بينهما. من وجهة نظر نظرية، لا يوجد نظام يهيمن على الآخر؛ في السينما 1 و 2، بدأ دولوز في رسم "مفاهيم السينما" ، وهو بالفعل كفيلسوف يقترب ويدرس الفن السابع. هناك جانب آخر من مشروع دولوز واضح، هذه المرة في محاضراته: إن تطور صور الفكر الفلسفي، من الصورة الكلاسيكية للفكر إلى الصورة الحديثة، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالولادة ولتطوير السينما. يمكننا حتى أن نقول أن السينما تتيح لدولوز الفرصة لتقديم تعريف للمادة، متأثرًا بكتابات برجسون وسيموندون. باختصار، نحن نتفق في القول، مع ريموند بيلور (1995، ص 32)، أن السينما تتيح لدولوز الفرصة "للبدء في تاريخ العالم من تاريخ السينما. وهكذا تتشكل الرغبة في تاريخ السينما والرغبة في تاريخ العالم والرغبة في تاريخ الفلسفة معًا وتجذب بعضها البعض ". يجب فهم هذا التاريخ على أنه نشأة العالم الحساس.

مسألة الإنسان الآلي

"انظر، نقطة البداية بسيطة للغاية، كل الأفكار تفترض مسبقًا صورة للفكر. إذن، أي لقاء يوجد، إن وُجِدَ، بين صورة الفكر والصورة السينمائية؟ " (دولوز، 30 أكتوبر 1984). يقدم دولوز بسرعة إجابة على هذا السؤال: لا شك في أن الصورة السينمائية ستتعلق بصورة معينة دقيقة للغاية للفكر الذي سيحدثه هو نفسه. سيكون السؤال: هل تتداخل هذه الصورة الفكرية التي تنتجها الصورة السينمائية مع صور الفكر الخاصة بالفلسفة؟ [4] دولوز، 30 أكتوبر، 1984

المشكلة المطروحة بوضوح كبير هنا هي ما يلي: كيف يمكن للسينما أن تكون أصل الافتراضات الفلسفية الجديدة، حيث أن كل الفكر الفلسفي يفترض مسبقًا صورة عن نفسه؟ يقدم دولوز ردا على عدة مراحل. بادئ ذي بدء، كان رواد السينما ينظرون إلى السينما على أنها ثورة فكرية: سيرجي آيزنشتاين، وجان إبستين، وإيلي فور، وابل جانس، من بين آخرين ، رأوا في السينما "طريقة جديدة" في التفكير تتجاهل لغة واضحة. على سبيل المثال، كان إبستين من أوائل من وضعوا نظرية في السينما، وذهب إلى حد التأكيد على وجود فكر سينمائي أنتجته الآلة نفسها [5]. يصر دولوز بشكل خاص على هذه الشخصية الأساسية للسينما: الصورة نفسها تتحرك (إنها حركة الصورة) وهي تفعل ذلك بطريقتين. أولاً، بحكم أتمتة عمليات التصوير والعرض، وثانيًا، بسبب الطابع التلقائي الخاص بمحتوى الصور نفسها (موضوع قوة الأحلام، الزومبي، السائرون أثناء النوم في العمل في السينما التعبيريّة الألمانيّة، موضوع العلاقة بين الحيّ والآلي في المدرسة الفرنسيّة…). وهكذا يمكنه أن يستنتج أن الأتمتة التقنية للصورة السينمائية تشير إلى ارتباطها، والذي سيكون آليًا لفكر يفلت من الوعي ("التلقائية العقلية" التي طورها غايتان دي كلايرامبولت في الطب النفسي في ذلك الوقت. ولادة السينما، أو حتى "الذاتية التلقائية" التي يطالب بها السرياليون). "لأن الصورة السينمائية هي صورة تلقائية، فهي بعيدة كل البعد عن منعنا من التفكير، بل تجعلنا نرتقي في الحلم القديم، لكننا أدركنا فقط من خلال السينما، حلم الإنسان الروحي" (دولوز، 30 أكتوبر 1984). تسمح أوتوماتيكية الصورة السينمائية للفلسفة بتعطيل صورتها الفكرية من خلال الافتراض المسبق أن الفكر لم يعد ينشأ من الذات، بل من الخارج المطلق، الذي يتجلى في السينما من خلال الطابع المزدوج لآليتها.

هكذا يؤسس دولوز تآزرًا قويًا للغاية بين اختراع الصورة السينمائية، التي تتميز بآليتها، وما يصاحب ذلك من ولادة صورة جديدة للفكر في الفلسفة ترفض نموذج الشيء نفسه، موضوع التفكير، والذي يدعي قوة الخارج وضرورة التفكير في الفلسفة في علاقتها مع اللاّفلسفي. السينما هي أحد مظاهر ذلك: إنها فن مستقل (صانعو الأفلام ليسوا فلاسفة، إنهم يصنعون أشياء أخرى تمامًا)، لكن لديها أيضًا هذه القدرة على توليد صورة جديدة للفكر الفلسفي. وبشكل أعمق، تتجلى قوة الخارج في السينما بظهور صورة زمنية والتي بدلاً من تقييد الصور (وفقًا للمخطط الحسي الحسي)، "تفكيكها" وتفسح المجال لعهد التخفيضات غير المنطقية. لذلك يبدو أن السينما هي نوع من النموذج لعمل الفكر. التخفيضات اللاعقلانية (الوصلات الزائفة، التلاشي، إلخ، التي تعمل كـ "إعادة تسلسل") ستكون بطريقة ما تعبيرًا، عرضًا لصورة جديدة للفكر. سوف يجعلون حرفياً ما هو حساس ومُدرَك في الفلسفة: التخفيضات غير المنطقية، قوة الخارج، "هذا هو الموضوع الأساسي لكل من الصورة السينمائية وصورة الفكر" (دولوز، 27 نوفمبر 1984).

لتلخيص العلاقة بين صورة الفكر والصورة السينمائية بإيجاز، يمكننا القول إنه وفقًا لدولوز، هناك صورتان عظيمتان للفكر تواجهان بعضهما البعض وتتبعان بعضهما البعض: واحدة، تخضع لنموذج الشيء نفسه وتستند إلى الافتراض المسبق أن الفكر يريد الحقيقة، هي صورة يكون فيها الفكر قادرًا على ربط الافتراضات معًا بطريقة منطقية؛ الآخر، على العكس من ذلك، يدعي قوى الباطل، ويعمل عن طريق "إعادة الربط" ويؤكد الخارج المطلق، والذي من شأنه أن يجبر المرء على التفكير. تتحدى الصورة السينمائية، من خلال آليتها، الصورة القديمة للفكر. ومع ذلك، والاعتراض القوي، من خلال اعتبار السينما من خلال تاريخها موضوعًا للدراسة، يؤسس دولوز قطعًا بين حركة الصورة وزمن الصورة، كما لو كان تاريخ السينما يستأنف. على حسابها الخاص تاريخ الفلسفة نفسها مع هذا المقطع من صورة إلى أخرى. لذلك، تتمتع السينما بمكانة مزدوجة: فهي تسمح للفكر بإعطاء نفسه صورة جديدة عن نفسه، منذ إنشائه، ولكن في نفس الوقت، قسم كامل من السينما (قسم الصورة - حتى فترة ما بعد الحرب) على الصورة القديمة للفكر. لذلك، يتعدى تاريخ السينما هذا، إلى ما وراء المرور من حركة الصورة إلى وقت الصورة، أن نفهم ما تتكون منه الطبيعة الجديدة والحاسمة لوجهة النظر. النظرة الفلسفية للصورة السينمائية. للحصول على تعريف غير تناظري للصورة السينمائية: الصورة= =الآلية=الحركة، تمنح السينما دولوز الفرصة لصياغة تعريف للصورة بشكل مستقل عن أي إشارة إلى أي محاكاة. الصورة، وخاصة الصورة السينمائية، لا علاقة لها باستنساخ الواقع. عند قراءة الصورة- الحركة، ليس هناك شك في تأثير برجسن على تعريف دولوز للصورة السينمائية. يشير دولوز صراحة إلى الفصل الأول من المادة والذاكرة (برجسن 1993)، والذي يسمح له برفض أي تعريف تناظري للصورة، وبشكل خاص للصورة السينمائية. يأخذ الصيغة التي وفقًا لها "الصورة = المادة = الحركة". يجب أن تُفهم الصورة، بالمعنى البرجسوني للمصطلح، على أنها حالة مادة، تُفهم نفسها على أنها حركة. وهكذا، فإن العالم نفسه هو الصورة. الصورة، بهذا المعنى، ليست مزدوجة، تمثيل (حتى ذهني)، ولكنها الحالة الأصلية للمادة، وهي تجمع بين القوى. الفكر، من ناحية أخرى، هو "كأس متحرك"، فترة زمنية في هذه الحالة، في هذه الحركة ذات السرعة المطلقة وتتألف من قوى متعددة. عندما تقوم الصورة نفسها بالحركة، هناك فرصة جيدة بالنسبة لي أنها لم تعد تناظرية. لأنها استوعبت الشيء الذي أصبح جزءًا من الصورة. الكائن خارجي للصورة فقط طالما أن الصورة ثابتة. إذا تحركت الصورة، يصبح الكائن جزءًا من الصورة نفسها. لن يكون للصورة أي علاقة أخرى غير الكائن في الصورة. سيكون الكائن جزءًا من صورة، وبهذا المعنى لن يكون تمثيليًا. دولوز، 8 كانون الثاني (يناير) 1985. من خلال رفض أي تعريف للصورة السينمائية على أنها تشبيه، يقوم دولوز في نفس الوقت بعمل تعويذة في صورة الفكر التي تأسست على نفس. وهكذا يعلن أن الصورة السينمائية تعدل الشيء بدلاً من أن تشبهه. بعد الرسم والأدب، يكشف الفن السينمائي عن نقاط القوة ويسمح لنا بالتعبير عن الفكرة التي بموجبها، في كل كائن، في كل تفرد، يكون الشيء الوحيد الذي هو يعبر ويحقق. تجعل الصورة حساسة للقوى، أو حتى الأفعال وردود الفعل التي تحرك المادة [6].

السينما كتعديل للمادة

السينما قادرة، حسب دولوز، على إنتاج صور فكرية. لا يزال يتعين علينا فهم ما هو عليه. دعونا نعترف الآن بأن السينما قادرة على تعديل الصورة الفلسفية للفكر. لذلك يجب أن نحاول فهم ما يشير إليه عدد من المنظرين والفلاسفة بـ "الفكر السينمائي". من ناحية أخرى، يفضل دولوز مصطلح صورة الفكر. لا يتعلق الأمر بالقول إن السينما تمثل الفكر بالحركة والصوت. بدلاً من ذلك، يتعلق الأمر بإظهار كيف يمكن للصورة السينمائية، كتحويل للمادة، أن تولد الفكر وتنتج عنه. في مقال مخصص لمفهوم التعديل، تعود أنا سوفانيارجاس إلى التأثير الأساسي لـسيموندون في عمل دولوز، وهو تأثير حجبه نسبيًا عن هذا الأخير، الذي فضل إبراز مساهمة برجسن في عمله. توضح آن سوفاجنارج أن العقيدة الشبيهة بالهيكل الموروثة من أرسطو محل تساؤل من قبل دولوز، من نفس المنظور الإشكالي مثل سيموندون ، الذي من الضروري بالنسبة له التفكير في مسألة أصلية ما قبل فردية. سيتحقق هذا في نهاية عملية التعديل التي تُفهم على أنها معلومات عن مادة من قالب متغير وزمني [7].

يجعل التعديل من الممكن تنظير هذا الشكل المتبادل، بدلاً من التفكير في الكائن كما يتكون من الشكل الذاتي. وفقًا لدولوز، ينتج عن هذا تعريف جديد للحقل المتعالي، متحررًا من الخضوع لصيغة الذات، منفصل عن الوعي، يُفترض على العكس من ذلك على أنه "غير شخصي وما قبل فردي"، لأنه يحدث من خلال اللقاء، عند التداخل بين الجينات غير المتجانسة التي يتم التفكير فيها والحساسية، في اختلافهما، كحل إشكالي لاختفائها ينتج بعدًا جديدًا، بمعنى أنه يحقق نفسه كحدث. سوفانيارجاس2002، ص. 83

يولد الفكر حقًا في مواجهته لهذه المادة الأصلية في عملية التعديل (يجب أن يُفهم التعديل هنا باعتباره قطعًا زمنيًا للمادة). دعونا نذهب إلى أبعد من ذلك ونؤكد أن الفكر يمكن حتى أن يُفهم على أنه عملية تعديل المادة ذاتها. من هذا المنظور يسعى دولوز إلى تطوير سيميائية جديدة للسينما تدعي رفض أي تصور للفن السابع كلغة. يأخذ نموذجًا لعمل اللغوي غوستاف غيوم، الذي يقترح نظرية للغة تستند إلى وجود مسألة ما قبل لغوية. يكرس دولوز مساره في 26 مارس 1985 لشرح فكر غيوم من خلال عرض تعليمي للغاية. يمكن للمستمع بعد ذلك أن يأخذ مقياس النموذج النظري الذي طوره دولوز لتعريف الفكر وعلاقته الضرورية مع التفكير. بإعلانه أن السينما ليست مسألة لغويات، يؤكد دولوز (26 مارس 1985) على الأولوية الوجودية للمادة؛ ما لم نعتمد تعريف علم اللغة الذي صاغه غيوم، والذي يفترض أنه شرط للغة "مسألة ما قبل لغوية". سيعمل الفكر على قطع هناك، وبالتالي يحصل على "صورة، لحظية" يسميها غيوم "التراجع المدلول" والتي "تعبر عن القطع الذي تعمل فيه الكلمة على [مسألة ما قبل اللغة]" (دولوز، 19 مارس 1985). يضع الفكر "غربالًا" على مادة ما قبل اللغة من أجل استخلاص كلمات لها معنى ثابت. وبالتالي فإن الكلمة هي وجهة نظر حول مادة ما قبل اللغة (التي حددها ويليام بعبارة "تدل على القوة"). إن دلالة القوة، المادة ما قبل اللغوية، هي حركة خالصة تحتاج فقط إلى أن تتحقق في أكثر أو أقل من الدلالات المهزومة عمومية أو خاصة (هنا نجد عملية تعديل المادة). إنه لأمر مزعج أن نسمع دولوز يعلن، وكأن هذه العبارة كانت صدى متوقعًا لتعريفه لصورة الفكر في: ما هي الفلسفة؟: "يقول غيوم أن رمز القوة يسبق اللغة، لكنه لا يقول إنها تسبقها في الواقع، إنها تسبقها في القانون وهي الارتباط المثالي للغة. "مع غيوم نشهد" انبعاث الفلسفة الذي يحدث خلف ظهر علم اللغة! " (دولوز، 26 مارس 1985). كل الفكر، سواء كان فلسفيا أم لا، ينطلق من صورة لذاته، صورة للفكر. لمقارنة السينما، بدت الصورة السينمائية وصورة الفكر مثمرة لنا لأنها سمحت لنا بتحديد أساس الأنطولوجيا الدولوزية. للسينما مكانة خاصة جدًا في عمل دولوز: فمن ناحية، تجعل من الممكن الكشف عن الصورة الفلسفية للفكر وتعديلها من خلال المساعدة في إنشاء افتراضات مسبقة جديدة (استنادًا إلى الفكرة الجديدة لأتمتة التفكير. الفكر، بقوة الخارج من خلال "إعادة التسلسل" غير العقلاني للقضايا أو الصور)؛ من ناحية أخرى، السينما هي التعبير بامتياز عن العلاقة بين المادة والفكر. في الواقع، لا يمكن للفكر أن يولد إلا من مواجهة مع المادة، ولا يمكن تصور المادة نفسها إلا في عملية تحقيق وتعديل (قطع متحرك وزمني) مما يسمح لها بالوصول. ترتيب الحساس. إذا كانت الصورة السينمائية، كما حاولنا أن نبين، "تتوافق" بالفعل مع صورة الفكر الفلسفي، فهل يمكن اعتبار السينما إحدى الوسائل الجديدة للتعبير الفلسفي التي دعا إليها دولوز؟ ؟ فقط إذا اعترفنا بذلك هنا أيضًا، تتجلى الفلسفة خلف ظهر السينما."

مذكرة السيرة الذاتية: سوزان هيم من لاكوت: تعمل محاضرة في جامعة باريس 1 - بانثيون سوربون ، حيث تواصل كتابة أطروحة دكتوراه في جماليات السينما. في عام 2001، نشرت كتاب دولوز ، الفلسفة والسينما، نشر ، الهرمتان.

ملاحظات

[1] دورات جيل دولوز حول السينما متوفرة في نسخة صوتية في مكتبة فرنسا الوطنية.

[2] نحن نؤكد.

[3] سيكون من المستحسن تحليل تأثير هايدجر على دولوز بدقة من خلال الأخذ بعين الاعتبار ما يقوله هايدجر هنا (1999 ، ص 77): "إذًا لا يصبح من الواضح أن الجوهر الحميم لما يحدد و يقود كل الميتافيزيقا الغربية ، في كينونة الوجود ، شيء مما يجعل هذا الكائن ظل غير وارد؟ من خلال سؤال "الوجود والزمن" ، فإن الهدف هو عدم التفكير في كل الميتافيزيقا. على هذا المجهول تقع كل الميتافيزيقا. وبالتالي فإن عدم التفكير فيها ليس نقصًا في الميتافيزيقيا. حتى أقل من ذلك ، لا تسمح الميتافيزيقيا لنفسها بأن تُفسَّر على أنها زائفة ، ولا حتى تُرفض كممر زائف ، أو مسار زائف ، بحجة أنها تستند إلى هذا غير مفكر. "

[4] نحن نؤكد.

[5] نشير في هذا الصدد إلى مقالنا "إبشتاين ودولوز ، السينما وصورة الفكر" (Hême de Lacotte 2005).

[6] هذا هو بالضبط ما تظهره آن سوفانيارجيس (2005 ، ص 37) في أحدث أعمالها الممتازة. وكتبت أن دولوز يفهم الصورة "بالمعنى البرجسوني ، كظهور ، ونظام من الإجراءات وردود الفعل على مستوى المادة نفسها ، بحيث لا تحتاج الصورة إلى أن تكون مدركة ، ولكنها موجودة في حد ذاتها كاهتزاز ، اهتزاز ، حركة ".

[7] انظر في هذا الموضوع دولوز 1983 (ص 37-39).

Références bibliographiques

 

........................

1-     Bellour 1995 : Raymond Bellour, « Penser, raconter le cinéma de Gilles Deleuze », dans Olivier Fahle et Lorenz Engell (dir.), Le cinéma selon Deleuze, Weimar/Paris, Verlag der Bauhaus-Universität Weimar/Presses de la Sorbonne Nouvelle, 1995, p. 22-40.

Google Scholar

2-     Bergson 1993 : Henri Bergson, Matière et mémoire, Paris, PUF, 1993.

Google Scholar

3-     Deleuze 1968 : Gilles Deleuze, Différence et répétition, Paris, PUF, 1968.

Google Scholar

4-     Deleuze 1970 : Gilles Deleuze, Proust et les signes, Paris, PUF, 1970.

Google Scholar

5-     Deleuze 1983 : Gilles Deleuze, Cinéma 1. L’image-mouvement, Paris, Minuit, 1983.

Google Scholar

6-     Deleuze 1985 : Gilles Deleuze, Cinéma 2. L’image-temps, Paris, Minuit, 1985.

Google Scholar

7-     Deleuze et Guattari 1991 : Gilles Deleuze et Félix Guattari, Qu’est-ce que la philosophie ?, Paris, Minuit, 1991.

Google Scholar

8-     Heidegger 1999 : Martin Heidegger, Qu’appelle-t-on penser ?, Paris, PUF, 1999.

Google Scholar

9-     Hême de Lacotte 2005 : Suzanne Hême de Lacotte, « Epstein et Deleuze, cinéma et image de la pensée », Chimères, no 57, 2005, p. 75-88.

Google Scholar

10- Sauvagnargues 2002 : Anne Sauvagnargues, « Le concept de modulation chez Gilles Deleuze, et l’apport de Simondon à l’esthétique deleuzienne », dans Stéfan Leclerq (dir.), Concept, hors série, 2002, p. 165-199.

Google Scholar

11- Sauvagnargues 2005 : Anne Sauvagnargues, Deleuze et l’art, Paris, PUF, 2005.

Google Scholar

الرابط:

https://www.erudit.org/fr/revues/cine/2006-v16-n2-3-cine1619/014615ar

 

كاتب فلسفي/

 

محمود محمد عليفي هذا المقال نتحدث عن التصور السيمانطيقي (الدلالي) للصدق، حيث أستغرق تارسكي في محاولته الوصول إلي تعريف نهائي لمفهوم الصدق حوالي ست سنوات من سنة 1929إلي ستة 1935 - وكان يسير معه في الاتجاه نفسه " رودلف كارناب " حتي أخرج لنا كتابه الأخير " التركيب المنطقي للغة " سنة 1937؛ حيث يرجع  إليه الفضل في إستكمال النظرية الخاصة بمستويات اللغة وتصنيفها وإتقانها، لا سيما وأن "كارناب" قد ركز في عمله علي دراسة بنية اللغة وتحليل معانيها .

ولقـد تشكل المفهوم السيمانطقي (الدلالي) للصدق عند تارسكي، في بحثين، جاء أولهما علي درجة كبيرة من التعقيد هو " مفهوم الصدق في اللغات الصورية " The concept of truth in formalized languages، عام 1931( نشر أولاً باللغة البولندية سنة 1933، وباللغة الألمانية سنة 1936، وباللغة الأنجليزية سنة 1956)، ثم عاد تارسكي وقدم أفكاره عن الصدق بشئ من الإيجاز، وبقدر كبير من الوضوح واليسر في بحثه الثاني " المفهوم السيمانطقي للصدق وأسس علم الدلالة The Semantic Conception of Truth and the Foundations of Semantics’" سنة 1944، وعلي الرغم من أن نظرية تارسكي في الصدق قد ترتبت عليها نتائج عظيمة في المنطق الرياضي، ولذلك سنبدأ هنا بالتركيز علي الجانب الدلالي من هذه النظرية والذي كان له أبلغ الأثر علي كل من جاء بعدة من علماء ومفكرين .

وقد حاول تارسكي صياغة تعريف للصدق يتميز بأنه صحيح وسليم من الناحية الصورية، ومثمر وفعال من الناحية النظرية . ويقدرالمفهوم التقليدي للصدق حق قدره بقدر ما يتفق مع الواقع، والذي يشير إليه تارسكي علي أنه المفهوم الأرسطي الكلاسيكي في الصدق، ويتجلي في عبارة أرسطو المشهورة التي وردت في كتابه " الميتافيزيقيا "، والتي يقول فيها أرسطو: " إن القول عما يوجد إنه لا يوجد، أو القول عما لا يوجد إنه يوجد هو قول كاذب، علي حين إن القول عما يوجد إنه لا يوجد وعما لا يوجد إنه لا يوجد هو قول صادق، ولذلك فإن من يقول عن أي شئ إنه يوجد أو إنه لا يوجد سيقول إما الصدق أو الكذب ".

ومن هذا المنطق تنقسم نظرية تارسكي في الصدق إلي جانبين، يتمثل الجانب الأول في تقديم " شروط الكفاية adequacy conditions، ويعني بها الشروط التي يجب أن يستوفيها أي تعريف مقبول للصدق، ويتجلي الجانب الثاني في تعريف الصدق بالنسبة للغة صورية محددة، ويثبت تارسكي أن هذا التعريف يتمتع بالكفاية عن طريق المعايير التي وضعها .

يقول تارسكي: مشكلتنا الرئيسية هي محاولة تقديم تعريف مقنع لمفهوم الصدق ولكي يكون التعريف مقبولا يجب أن يستوفي شرطين أساسيين:الأول، أن يكون التعريف كافياً Materially Adequate، والثاني أن يكون صحيحاً صورياً Formally Correct .

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة، وهي أنه عندما نتحدث عن الصدق، فأول ما يطرأ في الذهن هو الصدق المادي ؛ أعني صدق العبارات والجمل، لكن في الحقيقة توجد حالات نفسية أخري يمكن أن ننسب إليها الصدق، مثل الأحكام والاعتقادات والتقريرات ...الخ، كما ينطبق أيضاً علي القضايا، واهتمامنا هنا منصب علي صدق الجمل، لكن هذا لا يمنعا من الحديث عن صدق الأشياء الأخري، فمثلاً جملة " الثلج أبيض " لا نستطيع معرفة صدقها أو كذبها إلا من خلال شروط الصدق، وإذا تساءلنا عن شروط الصدق في هذه الجملة، ستكون وفقاً للمفهوم الشائع أو العادي للصدق، الجملة صادقة إذا كان الثلج أبيض، والعكس صحيح تكون كاذبة إذا لم يكن أبيضاً، أو بتعبير آخر أدق الجملة " الثلج أبيض تكون صادقة إذا كان الثلج أبيضاً بالفعل .

ويشرح تارسكي شروط الجملة الصادقة في العناصر التالية:

- الجملة الصادقة: هي التي يقول عنها الشخص أنها الحالة الموجودة كذا وكذا، وتكون حقاً هي الحالة كذا وكذا .

- الجملة " إنه يتجمد " تكون صادقة متي كان هناك شيئاً يتجمد بالفعل .

- الجملة تكون صادقة متي صدقت مكوناتها ( أي كلماتها).

- بالنسبة لكل جملة "ب "، " ب" تكون جملة صادقة إذا كانت "ب " بالفعل .

- بالنسبة لكل جملة " س " ، " س " تكون جملة صادقة إذا كانت " س " مطابقة لـ " ب " الحالة المحددة فقط .

وليست النظرية سهلة الفهم لأنها صيغت صياغة منطقية صارمة . ولذلك يحسن بنا أن نقوم بتوضيحها، وذلك بأن نوضح أولاً استخدام تارسكي كلمة " جملة " Sentence، ونوضح ثانياً معنى المفارقة المنطقية . خذ كلمة " جملة " أولاً . نلاحظ أن تارسكي يستخدم في نظريته هذه الكلمة بمعنيين مختلفين: المعنى الأول: هو أن الجملة رمز لغوي مركب، وهذا هو المعنى المألوف لكلمة " جملة "، لكن تارسكي يعني بها أيضاً ما يعنيه التقليد المنطقي المعاصر بكلمة " قضية " proposition أو statement، وهو معنى الجملة أو الحكم الذي تقدمه الجملة . والفرق عند المناطقة المعاصرين – بين الجملة والقضية هو أن من الممكن إعطاء عدة جمل مختلفة الصياغة اللفظية لكنها تدل على قضية واحدة أو حكم واحد أو مضمون واحد، مثلما نقول " الشمس مشرقة "، رأيت الشمس تسطع في السماء، أو نترجم أياً من هاتين الجملتين إلى لغة أجنبية، فهذه جمل مختلفة الصياغة، لكنها تؤدي معنى واحداً أو تصدر حكماً واحداً أو قضية واحدة أو تصور حكماً واحداً أو قضية واحدة . وتوصف القضية – لا الجملة – بالصدق أو بالكذب . ونلاحظ أن تارسكي استخدم في نظريته كلمة " جملة " لتؤدي المعنيين معاً . ونلاحظ أخيرا ً مع الدكتور " محمود زيدان" رحمه الله أن القضية الصادقة تدل علي واقعة ما في نظرية المطابقة التقليدية، لكن تارسكي لا يستخدم كلمة " واقعة " أبداً، وإنما يستخدم كلمة جملة بالمعني الثاني أي بمعني قضية .

أما المفارقة paradox، بوجه عام فهي قضية منافرة لما هو مألوف، أو أية قضية تبدو كاذبة للوهلة الأولى، لكن توجد حجة محكمة تدعمها لكن الكلمة اتخذت معنى اكثر دقة عند المناطقة، إذ تتألف المفارقة المنطقية من قضيتين متضادتين أو متناقضتين نصل إلى كل منهما بحجة استنباطية محكمة، فلا نستطيع قبول إحداهما دون الأخرى فنقع في حيرة . والمفارقات كثيرة فلدينا مفارقات " زينون الأيلي" Zeno of Elea، التي تهدف إلى استحالة الحركة في العالم الطبيعي، ولدينا مفارقة الكذاب التي كان أول من صاغها هو " يوبوليدس " Eubolides الميغارى وتقول إن شخصاً ما يكون كاذب فهل هذا القول صدق أم كذب " .

ونشأت مفارقات كثيرة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين مثل مفارقة فورتي- بورتيBurrti – Forti ومفارقة كانتور cantor وتتعلقان بنظرية المجاميع set theory، ومفارقة رسل وتتعلق بالصنف وعضوية الفرد في صنف .

ثالثا: حدود الصـــدق:

انطلق " تارسكي " من تعريف "أرسطو" الذي حدد الصدق في "مطابقة الفكر للواقع" فلقد كان الفكر الكلاسيكي ينظر إلى الصدق بوصفه خاصية للفكر، مما أستوجب ربط الفكر الذي يصدر الحكم بالواقعة المحكوم عليها، لكن الدارس الكلاسيكي يتوقف في تحديد كيفية ضمان الحكم، فتصديق القضايا أو تكذيبها تكذبياً مطلقاً زاد من صعوبة ضبط سبل التحقق من وجود تطابق بين الفكر والواقع .

ويقر تارسكي بوجود العديد من الصعوبات التي تتعلق بمشكلة معني مفهوم الصدق . فنحن نصادف العديد من المفاهيم المختلفة للصدق والكذب في مناقشات الفلاسفة كما ذكرنا من قبل . ويصور تارسكي صدق الجملة بأنه يكمن في اتفاقها مع الواقع أو تطابقها مع الواقع . ويطلق تارسكي علي نظريته " المفهوم السيمانطقي للصدق، فالسيمانطيقا هي القاعدة التي تتعامل مع علاقات محددة بين تعبيرات اللغة والموضوعات (أو الحالات) التي نشير إليها من خلال هذه التعبيرات .

وقد برهن "تارسكي" على بطلان هذا التصور داعياً في نفس الوقت إلى ضرورة تحديد معايير واضحة لنظرية الصدق . مما دفع به إلى التخلي عن المسالة المتعلقة بمعرفة ما إذا كانت القضايا المتحققة صادقة مطلقاً أو كاذبة مطلقاً .

فالصدق يعني "التطابق مع الواقع"، فصحيحاً " أن بعض الكلاب تنبح " لو أن القضية أن بعض الكلاب تنبح قد تطابقت مع الواقع " وأن الحقائق حقيقة واحدة، وحقاً أن بعض الكلاب تنبح، لذا فإن القضية التي تقول إن " بعض الكلاب تنبح " لا يمكن أن تكون موقفاً افتراضياً . فكذلك الامر " فإن الله موجود " تكون صحيحة إذا وفقط إذا تطابقت هذه القضية " إن الله موجود " مع الواقع .

ويشير تارسكي إلى أن القضية عندما تتطابق مع الواقع، فإن التطابق يعني التكافؤ، فالحقيقة لكي تصدق يعني أن القضية (أ) تكون متطابقة مع الواقع (أ) لو أن القضية (أ) كانت صادقة ؛ حيث قد ساد في بدايات 1930 من بين فلاسفة العلم من أهتم بالمفاهيم السيمانطقية كمفاهيم الصدق والإشارة، والتي لم تكن معروفة من قبل، كما أنها لم تكن مستجدة في التصورات العلمية المتعلقة بالعالم . وعندما عمل تارسكي في مجال الصدق أصبحت هذه الموضوعات معروفة وقد تغيرت نتائج تارسكي العلمية كما قال بوبر، وأصبح مفهوم الارجاع عند بوبر اكثر إتساعاً.

ونشير هنا إلى أن تارسكي لم يوظف أي تعريف سيمانطيقي يوضح أن الحد الصادق المقبول لدى أي شخص يمكن أن يضع الحدود الدلالية موضع شك، فلقد أرجع تارسكي الصدق إلى المفاهيم الدلالية الأخرى، ولا يعني ذلك أن نتائجه في الصدق تعتبر (تافهة) وعلى العكس من ذلك ففيما يرى هارترى Hartry أنها على درجة كبيرة من الأهمية، ويمكن تطبيقها ليس فقط في الرياضيات وحدها، وإنما أيضاً يمكن تطبيقها في مجال علم اللغة وغيرها من مشكلات الفلسفة، كمشكلات الموضوعية والواقعية، فهو قد أراد أن تكون الفلسفة لغوية وتستخدم الأسلوب اللغوي وتتعلق بالمشكلات الواقعية والموضوعية .

وسوف نتناول فيما يلي أراء تارسكي في الصدق؛ فلقد بحث تارسكي في تعريف " الصدق " ووجد أننا لن نستطيع أن نصل إلى صياغة تعريف دلالي للصدق في لغتنا الطبيعية تتصف بالعمومية Universality،وما يعنيه تارسكي هو أننا لكي نصل إلى تعريف الصدق، فإننا في حاجة لتحديد متى يكون لدينا " عبارة صادقة " وما هي " دلالة " عبارات اللغة، وما هي العلاقات التركيبية " بين عبارات اللغة، أي أننا باختصار في حاجة إلى الحديث عن اللغة . فنحن نستخدم ألفاظاً وعبارات من اللغة ليس فقط في التعبير بها عما نريد أن نعبر عنه ولكن أيضاً للحديث عما نريد أن نعبر عنه في اللغة نفسها . وهذا ما يعنيه تارسكي " بعمومية " لغة الحياة اليومية، وتؤدي هذه الصفة أي عمومية اللغة دائماً صعوبات ومفارقات أشهرها " مفارقة الكذاب " والتي يمكن شرحها على النحو التالي:

(ب) رمز العبارة " الجملة المكتوبة جـ ليس جملة صادقة ووفقاً لمعنى يمكن أن نؤسس بطريقة تجريبية صدق القضية:

أ- " جـ ليست جملة صادقة " يسمعها هويه بـ جـ

ب- " جـ ليست جملة صادقة " جملة صادقة فقط إذا كانت جـ ليست جملة صادقة .

تؤدي المقدمتان (أ)، (ب) إلى التناقض الآتي:

جـ جملة صادقة إذا كانت جـ ليست جملة صادقة .

ويضرب تارسكي هذا المثال لينتهي منه إلى أن صفة العمومية التي تتصف بها لغة الحياة اليومية، هي مصدر سائر مفارقات المعني، وهذه المفارقات . وفقاً لتارسكي تقدم برهاناً على اننا إذا حاولنا إخضاع أية لغة لقوانين المنطق سينتج عنه لغة غير متسقة Inconsistent، وهو ما ظهر في مفارقة الكذاب .

ويؤكد " تارسكي " أن تصورة للصدق لا يخرج عن التصور الكلاسيكي لنظرية التطابق فصدق الجملة عند تارسكي يعني مناظرتها أو مطابقتها للواقع والهدف الأساسي لتارسكي من تحليلة هذا للصدق هو إقامة ما يسميه بالدلالة أو السيمانطقيا العلمية . Scientific semantics، وهو ما يعني ضرورة رد كافة التصورات السيمانطقية إلى تصورات فيزيائية أو رياضية منطقية، ولذا ينطوي تصور الصدق هذه على ما يطلق عليه "شروط التطابق المادي" Material adequqcy condition .

يتضح لنا من خلال السطور السابقة أن تارسكي يري أن  الصدق مفهوم دلالي لأنه يمكن تحديده بلغة المفاهيم الدلالية  الأخري، وبوجه خاص مفهوم التبرير أو التسويغ والمفاهيم الدلالية مثل التبرير والتعريف والإشارة تتعامل مع العلاقات بين التعبيرات والموضوعات ؛ ويقول تارسكي أن الصدق يعبر عن خاصية أوعن فئة من الأسماء أو عن جمل، وهذه الجمل ينظر إليها باعتبارها حمليات صادقة، وبالتالي نحن بحاجة إلي صياغة من الشكل:

(س) {س صادقة إذا كانت (س = ص) (س) تتطابق مع ص}.

ويطبق تارسكي هذه الصيغة في لغة بسيطة جدا ًعلي عدد محدود من الجمل مثل قولنا:

1- المائدة تدور .

2- جون يحب ماري.

3-نابليون علي قيد الحياة .

وبالتالي نستطيع أن نستنتج جمل الصدق Truth –Sentence من خلال نظرية تارسكي كما يلي:

أ-المائدة تدور = المائدة تدور .

جون يحب ماري = جون يحب ماري.

ج- نابليون علي قيد الحياة = نابليون علي قيد الحياة.

ويعتبر تارسكي هذه الجمل (جمل الصدق) مجرد تعريف جزئي للصدق .وبالتالي فإن التعريف التام يمكن أن يسمي "ربط منطقي" Logical Conjuction أو استنتاج منطقي Logical Product  (بين- من) سائر هذه الجمل . ويقصد تارسكي من خلال الربط المنطقي شيئاً ما يتكافئ منطقياً مع ربط (جمل الصدق) سالفة الذكر كما يلي: الجملة (س) ( حيث إن س صادقة تتطابق ايضاً مع الجملة (س) والتي تتكافئ منطقياً مع الجملة (جون يحب ماري وجون يحب ماري) أو تتطابق أيضاً مع الجملة (س) التي تتكافئ منطقياً مع الجملة (نابليون علي قيد الحياة ونابليون علي قيد الحياة) .

ويشير تارسكي إلي ضرورة وجود شروط عامة محددة، يمكن من خلالها أن ننظر إلي بنية اللغة باعتبارها باعتبارها محددة تماماً . ولتحديد بنية اللغة يجب علينا يجب علينا أن نميز فئة الكلمات والتعبيرات التي يعد لها معني بصورة ليست غامضة . ويجب علينا الإشارة إلي سائر الكلمات المقررة والتي يستخدمها دون تحديد، والتي نطلق عليها " ألفاظ أولية "، ويجب علينا أيضاً أن نقدم القواعد المعروفة للتعريف لإنتاج ألفاظ جديدة أو محددة . وبعد ذلك نضع معياراً للتمييز ضمن فئة التعبيرات التي نطلق عليها " جمل "، وفي النهاية يجب علينا أن نضع الشروط التي من خلالها يمكن لجملة ما من جمل اللغة أن تكون مقررة . ومشكلة تعريف الصدق تتضمن معاني دقيقة، ويمكن حلها في نهج صارم من خلال تلك اللغة التي لها بنية محددة تماماً، وبالنسبة للغات الأخري – وهكذا بالنسبة لسائر اللغات الطبيعية التي تتحدث بها – نجد المشكلة ليست أكثر ولا أقل غموضاً، وحلها شئ بديهي .. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

محمود محمد علينعود نكمل حديثنا عن مفهوم الصدق عند ألفريد تارسكي، وهنا ننتقل لحديث عن "نظرية الإتساق" The Coherence Theory في الصدق؛ فهي من النظريات التقليدية المنافسة لنظرية المطابقة – وقد نادى بها كبار الفلاسفة العقلانيين المحدثين مثل " ليبنتز"Leibniz (1646- 1716) و "اسبينوزا " Spinoza (1632-1677)، والفلاسفة المثاليين المحدثين والمعاصرين الذين يؤلفون ما يسمى عادة بالمثالية الجديدة، أو الهيجلية الجديدة التي سادت منذ منتصف القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن الحالي، وقد تمثلت في فلسفات توماس هل جرين .T. H. Green  (1836 – 1882) وبرادلي Bradly    (1846 – 1924) وبوزانكيت Bosankquet (1848 – 1923) و " هـ . يواقيم H. Joachim في إنجلترا، ورويس J. Royce (1855-1916) وبلانشارد Blanshard (1982) في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن الملاحظ أيضاً أن بعض أصحاب الوضعية المنطقية مثل " أوتيراث " Otto Neurath(1882- 1945) وكارل همبل Karl Hempel (1905 -1997) تحمسوا لهذه النظرية رغم أنهم تجريبيون متطرفون.

وبالتالي فإن نظرية الإتساق في الصدق، يمكن أن تعزى إلي عدد مختلف من الفلاسفة أمثال " فشته " Fichte (1762- 1814)، و" هيجل " Hegel  (1770-1831)، و " برادلي " و" بلانشارد " Blanshard (1892- 1987) ؛ فالفكرة في بعض الأحيان يمكن أن ترد إلي كانظ ومن قبله اسبينوزا، ولكن لا بد من الإقرار، بأن هؤلاء الفلاسفة قد اختلفوا في تناولهم لتصور الصدق، فيجب علينا أن نعرف نظرية الاتساق في الصدق، على نحو أن الصدق يتسق عضوياً في فئة اتساق الاعتقاد المثالي والفعل، وفي نفس اللحظة يجب علينا أن نحاول وصف هذه النظرية على هذا النحو .

(م) تكون صحيحة في حالة واحدة فقط، وهي أن تندرج (م) تحت فئة صنف القضايا المتسقة . ويوجز بلانشارد نظريته في الإتساق، إذ أنه يقول لا يمكننا أن نقدم تعريفاً تعريفاً مقنعاً تماماً للإتساق . والمعرفة المتسقة، معرفة نجد فيها كل حكم يتضمن سائر الأحكام الأخري، وقد نجد في نسق الهندسة الإقليدية مثالاً للإتساق، رغم أن ذلك لا يحقق هذا النسق المثل الأعلى للإتساق لأنه لا برهان فيه على المصادرات الواردة، كما أن هذه المصادرات مستقل بعضها عن بعض، بمعنى أنه لا يمكن اشتقاق بعضها من بعض .

ويمكن تبسيط نظرية الاتساق بوجه عام كما يلي : الصدق اتساق، والاتساق علاقة معينة بين قضايا نحكم على مجموعة معينة منها تؤلف نسقاً بأنها صادقة، إذا كانت متسقة وأول معاني الاتساق ألا تكون إحدى قضايا هذا النسق كاذبة وباقي قضايا النسق صادقة وثاني معاني الاتساق أن يتحقق بين قضايا النسق الواحد لزوم منطقي متبادل أي يمكن اشتقاق أية قضية من باقي قضايا النسق وأن تعتمد هذه القضايا على بعضها البعض .

ويعني الاتساق ألا يكون في النسق قضية مستقلة بذاتها منعزلة منطقياً عن المجموعة. ولذلك يصبح الاتساق معياراً نحكم من خلاله بصدق قضية ما، وتقول نظرية الاتساق أيضاً إن الاتساق مثل أعلى لا يمكن تحقيقه من حيث إننا كائنات عاقلة محددة القدرة، ولكن كلما حققنا قدراً من الاتساق اقتربنا من المثل الأعلى، ويستشهد أصحاب النظرية – باتساق الرياضيات البحتة والمنطقية كنماذج للاتساق وأن تبين لهم أنها لم تبلغ الاتساق الكامل، ولا تكتف نظرية الاتساق بتفسير صدق قضايا الرياضيات والمنطق، وإنما تفسر أيضاً صدق قضايا الواقع، إذا أخذنا إحدى قضايا التاريخ وقلنا وقعت " موقعة والتروا " عام 1815م، فإن صدقها يتوقف على كتب التاريخ، والوثائق والآثار، وكذلك الحال في ساحات القضاء حين يقارن القضاة شهادات الشهود في قضية ما فإنهم يقبلون الشهادات المتسقة ويرفضون الأقوال المتعارضة، بل أننا نقيس صدق القضايا التجريبية – مثل أحكام الإدراك الحسي – بمعيار الإتساق.

فالإتساق هو العلاقة بين القضايا، وليس العلاقة بين القضية وشيء آخر كما يحدث في نظرية التطابق ويكون بين القضية والواقع، والذي لا يكون من قبيل القضايا .

أما عن النظرية البراجماتية : The Pragmatic Theory  ؛ يحلل الفلاسفة البرجماتيون مفهوم " الصدق " علي أنه مرادف تماماً لمفهوم الحقيقة Reality، أو بتعبير آخر أدق علي أنه يعني التطابق التام بين الحكم والحقيقة "، ويري " تشارلز ساندرز بيرس " Charles Sanders Peirce (1839- 1914)، أن الحقيقة قابلة للتحديد وللتعبير عنها من خلال الفكر .

وتعد نظرية الصدق أو مشكلة الصدق كما يحلو للبعض أن يسميها من أهم وأعقد الموضوعات في البراجماتية، ويكاد لا يخلو كتاب من الكتب التي تتناول نظرية الصدق من الإشارة إلي نظرية الصدق البراجماتية The Pragmatic Theory of Truth . بالإضافة إلي إشارتها إلي نظريتي التطابق Correspondence والاتساق Coherence، فالواقع من وجهة نظر " وليم جيمس " William James (1842-1910)، يتألف من ثلاثة عناصر،هي الأشياء والوقائع والعلاقات الجزئية بينها، فلم يري العلاقات صناعة إنسانية لكي نفهم الأشياء في ترابطها كما رأي " التجريبيون الإنجليز" السابقون، وإنما هي عنصر في تركيب الواقع كالجزيئات تماماً، ومما هو جدير بالذكر أن العلاقات بين الأشياء عند جيمس خارجة عن هذه الأشياء، وليست جزءً من تركيب الأشياء .

وفي هذا السياق ينتقد "جيمس" نظرية العلاقات الداخلية عند المثاليين وخاصة برادلي . لكنه يضيف إلي هذا التصور للواقع تصوراً آخر هو أن الواقع لا صدق فيه ولا كذب وإنما هو موجود أخر ونحن الذين نحكم عليه، نخضع للوقع من جهة لأنه المصدر الوحيد لمعرفتنا، لكنه من جهة أخرى يخضع لنا بمعنى أنه لين مرن يقبل التشكل بما يناسب أغراضنا المختلفة في السياقات المختلفة، وبالنسبة للمطابقة يعرفها "جيمس" على نحو يتجنب صعوبات المطابقة التقليدية التي كانت ترى أن المطابقة، إما إعطاء نسخة ثانية للواقع، أو أن بين الفكرة والواقع تشابهاً في التركيب، وقد كان هذا التصور للمطابقة مثيراً للاعتراضات، فلتعريف " جيمس " للمطابقة ثلاثة جوانب : يجب أن تذهب لب الفكرة الصادقة إلي شيء محسوس في الخارج أو واقعة تكون موضوع تلك الفكرة، كما يجب أن ننتقل من الفكرة إلي موضوعها عن طريق سلسلة من خبرات جزئية محسوسة، وينتج عن ذلك إحساس بالرضاء والارتياح والاقتناع .

إذا قيل لي " يوجد مكتب في الحجرة المجاورة "، فإني اختبر صدق هذه القضية بالذهاب إلي تلك الحجرة لأرى ذلك المكتب فعلاً رؤية حسية واضحة، بحيث يمكنني وصفه بالتحديد، حينئذ تكون الفكرة صادقة. أما إذا ذهبت إلي الحجرة ولم أجد ذلك المكتب على النحو السابق وطلب مني مثلاً أن أتخيل وجوده فالقضية كاذبة، ومن الواضح أن الفكرة الصادقة تحقق لي رضاً وارتياحاً Satisfaction .

وطبقاً لمعيار الصدق في شكله البسيط والواضح نجد أن البراجماتية تحدد الصدق على النحو التالي " لو أن فكرة تعمل، وبعدها تكون صادقة، فطبقاً لذلك فإن قدرة هذه الفكرة على العمل يؤكد صدقها، وفي عبارة أخرى، لو أن فكرة ما غير هامة (غير منطقية) ولا توجد حقائق تؤيدها فإن هذه الحقيقة تكون غير ذات معنى Meaningless .

وقد أراد جيمس أن يطبق منهجه العلمي على مشكلة طبيعة الحقيقة، فذهب إلي أن ما يحدد معنى الحقيقة Truth، إنما هو ما يترتب عليها من نتائج Consequences، فالنظرية الصحيحة إن هي إلا تلك النظرية التي تقودنا بالفعل إلي النتائج العملية الفعالة .

بيد أننا نجد عند "جيمس" تعريفاً أخر للحقيقة يختلف عن التعريف السابق من بعض النواحي، إذ نراه يقول إن القضية لا تكون صحيحة (أو حقيقية) إلا إذا كان في قبولنا لها ما ينتهي بنا إلي نتائج مرضية، أعني أن صدق القضية رهن بما يترتب على التسليم بها من إرضاء لحاجات الفرد البشري سواء كانت حاجات بسيطة أم معقدة . وبينما نجد أن التعريف الأول للحقيقة لا يكاد يخرج بنا عن مجال الإدراك المباشر للموضوع، بينما نجد التعريف الثاني يكاد يكون مستقلاً تمام الاستقلال عن كل إشارة إلي الإدراك .

فالنظرية البراجماتية في الصدق هي واحدة من النظريات التي تجعل الصدق يدخل في علاقة بين القضايا والمؤمنين بها . فالصدق في النظرية البراجماتية يتضمن علاقة هامة مع المؤمنين بها، وطبقا لهذا تكون النظرية البراجماتية على علاقة مع النسبية وعلى خلاف مع نظرية التطابق في الصدق، فإخفاق النظرية البراجماتية في الصدق سوف يشجع التأكيد على أن الصدق يستلزم مثل هذه العلاقة الهامة العميقة بالنسبة للمؤمنين بها لكي يتجهوا إلي نظرية الإتساق في الصدق .

كما يشير " جيمس " إلي أن الأفكار، تغدو صادقة بقدر ما تعيننا على الوصول إلي علاقات مشبعة مع الأجزاء الأخرى بخبرتنا . " ففكرة ما تكون صادقة بقدر ما نعتقد أنها مفيدة لحياتنا، والحقيقة هي نوع من أنواع الخير وهي ليس مقولة منفصلة، والصدق يطرأ علي الفكر، فالأحداث هي التي تجعلها صادقة، ومن الصواب أن نقول مع العقليين أن فكرة صادقة، يجب أن تتفق مع الواقع، ولكن الاتفاق مع الواقع ليس معناه " نسخه " .

وبالتالي فإن الأفكار الصادقة أو الحقيقة هي الأفكار التي يمكن أن نتحقق منها، التي يمكن أن نثبت صحتها، والتي يمكن لنا تقويتها وتدعيمها، والأفكار الكاذبة هي التي لا نستطيع أن نقوم بشيء من هذا إزاءها، فالصدق على ذلك محدث للفكرة، وهذا الصدق ذاته يتولد من الأحداث، فصحة الفكرة مرهونة بحادثة أو بعمل، فامتلاكنا لأفكار صادقة يعني أننا نمتلك أدوات للعمل، ومن المقطوع به أن للمعتقدات الصادقة المتصلة بالواقع أهمية بالغة في حياة الإنسان، فنحن نعيش في عالم وقائع Realities قد تكون نافعة وقد تكون ضارة، والأفكار التي ترشدنا إلي الوقائع التي نأخذ بها هي أفكار صادقة .

أما عن نظرية الإضافة غير الضرورية : The Redundancy Theory.، فهي أخر النظريات في حلقات تطور مشكلة الصدق، وتقول باختصار أن الكلمات والعبارات (صادق) و(كاذب) . " من الصدق أن ..... " . " ومن الكذب أن ...... ". لا تصف قضايا بقدر ما توجه الانتباه إلي تأكيد ما تقول أو التسليم به أو دفع الشك في صورة منطقية موجزة هو فريجه عملاق الرياضيات والمنطق في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فقد رأي أن " ق صادقة " (ق ترمز إلي قضية هامة لا تزيد شيئاً عن مجرد قول " ق " نفرض أن شخصاً نطق بجملة وأدعى أنها تعبر عن قضية صادقة، مع أنها ليست كذلك مثل: " أرى برتقالة أمامي " . فقد أكون مخدوعاً فيما أرى، لا يتناول " فريجه " هذا النوع من القضايا التي تقرر صدقها بطريق أو بأخر، ويضرب مثلاً بقوله " بروتس قتل  قيصر " .

وقد أفاض في هذه النظرية الفيلسوف والرياضي  الإنجليزي المعاصر" فرانك بلوبتون رامزي Frank Plumpton Ramsey (1903-1930) " في مقال كتبه عام 1927، وقال فيه أن القضية (من الصدق أن قيصر مات مقتولاً لا تعني أكثر من القضية  (قيصر لم يمت مقتولاً)، ولذا فإن (صادق) و(كاذب) لا تصف القضايا .

ولهذه النظرية وجاهتها من عدة أمور:

1- كثرت نظريات الصدق وتعددت لكن كلاً منها كان موضع النقد والاعتراض، وقد يعني هذا أننا حين نبحث عن الصدق نبحث عن مشكلة لا وجود لها، كما يعني أن هناك مشكلة فعلاً، لكن النظريات السابقة لم تقدم حلاً مرضياً، وإذن فنحن في حاجة إلي نظرية جديدة.

2- قيمة صدق أية قضية (ق) هو ذاته قيمة صدق القضية (ق صادقة)، وبالمثل قيمة صدق (لا – ق) هي ذات قيمة صدق (ق كاذبة)، وقد تقوم هذه الهوية في قيمة الصدق دليلاً على هوية المعنى، مثلما نقوم (محمد أعزب) تساوي في المعنى (محمد رجل غير متزوج) .

ورغم ذلك فلا تخلو النظرية من النقد وذلك كما يلي :

- توجد شكوك منطقية حول الهوية المزعومة بين الصدق والمعنى، إذا كان لدينا قضيتان متساويتان في الصدق، فهما متكافئتان أي يمكن استبدال إحداهما بالأخرى، لكن لا يلزم أن تكون القضيتان المتكافئتان متساويتان في المعنى، لأن التكافؤ المنطقي لا علاقة له بالمعنى.

- " أول من صاغ قانون الطفو " أرشميدس "، وأول من صاغ نظرية الجاذبية الكلية هو "نيوتن" – قضيتان متكافئتان في صدقهما . لكن معناهما مختلف. ومن الواضح أنه توجد قضايا لها معنى لكنها ليست صادقة فمثلاً (الأشباح مخيفة) قضية لها معنى لكنها ليست صادقة.

- قد نقول عن قضية أنها صادقة دون أن نعرف معناها، ومثال على ذلك حين أصدر حكماً بأن " كل ما يقوله هذا الشاهد صدق " . حتى قبل أن نسمع أقواله، وذلك اعتماداً على ثقتي في صدقه .

- يمكننا أن نسأل دائماً عن الأسباب أو المبررات أو المعايير التي تدعونا إلي التسليم بقضية ما أو عدم الشك فيها أو الثقة في مضمونها .

مما سبق يتضح لنا أنه إذا كان الفلاسفة لم يقنعوا بالمعني اللغوي الدقيق للصدق، فإنهم عالجوا الصدق من جميع جوانبه وقدموا نظريات متنوعه ومتباينة كان من أبرزها نظرية الإتساق القائلة بأن الصدق يكمن في علاقة الإتساق بين الاعتقادات الصادقة . أما نظرية التطابق فلا تعول علي علاقة القضايا بعضها ببعض، وإنما علي علاقتها بالعالم، فالقضية تكون صادقة عندما تطابق الوقائع وتناظرها. أما النظرية البراجماتية فترتبط بصلات حميمة مع نظرية الإتساق والتطابق وتقرر أن الاعتقادات الصادقة هي التي تكون مثمرة وتتمتع بقيمة فورية في حدود الخبرة . أما نظرية الإضافة فتعول علي أن الصفة " صادق" إضافية لأن القول بأن من الصدق أن "ق" يكون مكافئا للقول بأن " ق"، وأخيراً نأتي هنا لنوضح في الصفحات التالية النظرية السيمانطقية (الدلالية) لدي تارسكي وفيها يؤثر المفهوم الدلالي للصدق عند تارسكي بطريقة أو باخري في سائر نظريات الصدق السائدة، وفي الواقع يعد أحد المعالم العظيمة لفلسفة القرن العشرين . ويحاول تارسكي صياغة للصدق يكون لها صدي بصورة صورية ومثمراً من الناحية النظرية، ولا يتعادل مع المفهوم التقليدي للصدق باعتباره تطابقاً مع الواقع، ويتجنب الصعوبات التي تتعلق بالكيانات والعلاقات التي كان لها وقعاً كارثياً علي العديد من النظريات السابقة . فهو يحاول تعريف الصدق بالأتصال بلغة محددة، ولذلك فمادته يستخدمها فقط من خلال دمج المنطق الرياضي بتلك اللغة التي يعرف بها الصدق .

ويتجنب تارسكي في نظريته العديد من الغايات النظرية البائدة، من خلال وجود إمكانية لافتراض أن الصدق هو القابلية للتجاوب مع الواقع . وهكذا فمفهوم تارسكي للصدق له قيمة أداتية هامة .. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

محمود محمد علييعد مفهوم الصدق Truth واحداً من المفاهيم الأساسية التي عني الفلاسفة بالنظر فيها طوال تاريخ الفلسفة، وليس الاهتمام بالصدق وقفاً علي الفلاسفة، بل هو الشغل الشاغل لغيرهم من العلماء والمفكرين في شتي فروع المعرفة . علي أن عناية الفلاسفة بالصدق زادت في وقتنا الحالي زيادة بالغة جعلت مفهوم الصدق يحتل موضع الصدارة بين مفاهيم الفلسفة المعاصرة، وليس أدل علي ذلك من أنه يكاد يتعذر عليك أن تجد فيلسوفاً معاصراً لم يخصه ببحث ولم يسهم فيه برأي . وتأتي أهمية هذا المفهوم – شأنه في ذلك شان مفهوم المعني – من أن وجهات النظر المتباينة والمتنافسة في كثير من المسائل الفلسفية الأخري هي بمثابة انعكاس لاعتقادات مختلفة حول هذا المفهوم . وإذا كانت مشكلة الصدق تؤثر تأثيراً واضحاً في مشكلات الفلسفة الأخري، فإنها تتأثر بها كذلك، بل وتتطور معها إن أصابها شئ من التطور والتجديد .

ومن ناحية أخري يعد مفهوم الصدق موضوعاً أساسياً في مبحث نظرية المعرفة لأسباب كثيرة، منها أن الصدق يمثل سمة أساسية للمعرفة، وأن عبارة " المعرفة الكاذبة " عبارة متناقضة عند كل الفلاسفة منذ أفلاطون Plato (427 ق.م- 347ق.م) حتي يومنا هذا، كما تقوم حجة الشكاك على أن المعرفة الصادقة اليقينية مستحيلة للإنسان . وحين يتعرض فلاسفة المعرفة للإدراك الحسي يميزون بين الإدراك الصحيح والإدراك الخادع، والمقابلة بين الصحيح والخادع في هذا السياق مقابلة بين الصادق والكاذب

ولقد نشأت مشكلة الصدق حين تعددت إجابات الفلاسفة عن السؤال: متى تكون القضية صادقة ؟

ويعد " أرسطو " Aristotle (484 ق.م – 322ق.م )، هو أول من تناول بالتعريف وبالتحليل المنطقي مفهوم الصدق، والذي يقابله مفهوم " الكذب "، فهو يري أن الصدق والكذب لا ينتسبان للأشياء، بل إلي الأفكار والأقوال، ويعرف الصدق بأنه:" القول بأن ما يوجد يكون صادقا وما لا يوجد لا يكون صادقا، وعلي العكس من ذلك يكون الكذب " ولعل السبب الذي قدمه أرسطو – فيما يقول " ج.م.بوشنسكي" J.M.Bochenski – فيما يبدو لذلك هو أن القضايا هي فقط التي تنطوي علي وقائع كمعان إما موجودة أو غير موجودة، بينما الأقوال الأخرى فتدل علي الأشياء .

لذلك فإن الصدق يمثل أحد الملامح الأساسية للمعرفة، فالمعرفة في معناها الدقيق هي اعتقاد صادق له ما يسوغه أو يبرره . وعندما نقول بأن شخصاً معيناً، وليكن (س)، يعرف قضية معينة، ولتكن (ص)، فإننا نقول بأن (ص) قضية صادقة وإن (س) يعتقد بـ (ص)، وإن (س) يملك أدلة كافية لتبرير اعتقاده بـ (ص ) . وإن شئت أن تصوغ ذلك بلغة منطقية دقيقة فقل إن هناك ثلاثة شروط أساسية لا بد من توافرها في المعرفة: الأول هو أن تكون القضية موضوع المعرفة صادقة، وهذا شرط الصدق، والثاني أن يعتقد بها العارف ويقبلها، وهذا هو شرط الاعتقاد، والثالث أن يملك العارف أدلة وبراهين تثبت صدق القضية موضوع المعرفة، وهذا هو شرط التبرير أو التسويغ Justification، كما يرتبط مفهوم الصدق بالميتافيزيقيا ويتضح هذا في نظرية الإتساق ؛  The Coherehce Theoryفقد دافع عن هذه النظرية فلاسفة يؤيدون الميتافيزيقيا المثالية، ولم تكن هذه النظرية مرتبطة بوجهات نظرهم الميتافيزيقية فحسب، بل كانت بالأحري عنصراً متمماً لها . وكذلك يرتبط الصدق بالمنطق واللغة كما يبدو في النظرية الدلالية .

ويحسن بنا أن نتحدث أولاً عن ألفريد تارسكي Alfred Tarski (1901-1983) حديثاً موجزاً عن حياته الفكرية وتوجهه الفلسفي قبل أن نشرع في معالجته للصدق، والدافع إلي ذلك هو أن هذا الفيلسوف لم يكتب عنه بالعربية من قبل، فتارسكي فيلسوف بولندي معاصر، ولد في الرابع عشر من يناير سنة 1901م في " وارسو Warsaw  " ؛ حيث تعلم في مدرسة وارسو المنطقية، تلك المدرسة التي كان يترأسها "يان لوكاشيفتش Jan Lukasiewicz "، ثم " ت. كوتاربنسكي T. Kotarbiniski ، ومن بعده " س. لينفيسكي  S. Legniewski " الذين عمدوا إلي تنقية المنطق التقليدي من رواسب اللغة العادية ,  ليكتسب مزيداً من الصورية من خلال رموز خالصة ذات معان ثابتة وبعلاقات رياضية تتسم كما كان الظن الشائع باليقين المطلق, فإنما كان منطلقهم وهدفهم في الوقت ذاته, هو تجاوز ثنائية القيم    الراسخة  ؛ التي حاول أن يجسدها دعاة المذهب المنطقي اللوجستيقي المتمثل لدي "برتراندرسل Bertrand Russell (1872-1970) وألفريد وايتهد A.Whitehead ومن قبلهما "جوتلوب فريجه Gottlob Frege (1848-1925) وجيوسيب بيانوGiuseppe Peano  (1858-1932)، وذلك إيماناً منهم بمبدأ "المنطق المتعدد القيم Many Valued Logic" ؛ الذي كشف لنا عن قضايا    لا يمكن أن توصف، وبالأخص الآن بأنها صادقة أو كاذبة، فتكون محل إشكال، أو احتمال .وقد تتحدد قيمة صدقها،أو كذبها في المستقبل القريب أو البعيد، وقد لا نستطيع أن نحكم على القضية بأنها صادقة أو كاذبة بسبب جهلنا، وعندئذ قد ندخل قيمة ثالثة أو رابعة كمتوسطات بين القيمتين صفر وواحد وعلى مسافة واجدة من كل   منهما .

وفي عام 1924 حصل تارسكي علي درجة الدكتوراه علي يد لينفيسكي، وفي عام 1939هاجر تارسكي إلي الولايات المتحدة الأمريكية ليعمل أستاذا للمنطق وفلسفة الرياضيات في جامعة كاليفورنيا University of California، وله إنتاج ضخم يستوعب معظم المجالات التي تشغل بال الفلاسفة في عصرنا، وتأتي في مقدمتها اللغة والمنطق وعلم الدلالة Sementics والرياضيات ؛ حيث يسهم تارسكي بآراء في الصدق والمعني والتفسير والإشارة والصورة المنطقية والاستدلال والبنية المنطقية ... وهلم جرا . وأخيراً وافته المنية في السابع عشر من أكتوبر سنة 1983م، بعد رحلة طويلة من البحث والدرس .

لكل ما سبق قصدنا إلي إنجاز بحث عن " مفهوم الصدق عند ألفريد تارسكي "، أتوخي من خلاله التعرف علي مفهوم الصدق وخصائصه وأهميته، وهل نجح تارسكي في الوصول إلي التصور السيمانطيقي أم لا ؟ وهل قدم تارسكي الجديد لمفهوم الصدق، ولماذا أهمل تارسكي اللغة الطبيعية وتمسك باللغة الصورية  ؟  وما موقف فلاسفة اللغة المعاصرين الذين جاءوا بعد تارسكي ؟

وقد اعتمدنا في معالجة هذا البحث على المنهج التحليلي المقارن , الذي يعتمد على تحليل النصوص ومقارنتها بمثيلاتها من المتقدمين والمتأخرين من كبار المناطقة وعلماء اللغة , حتى تتضح أمامنا مدى تحقيق الغرض من البحث, والهدف الذي من أجله تم دراسة هذا الموضوع . كما نضطر – أحيانًا- لاستخدام المنهج التاريخي بالقدر الذي يفي بمقتضيات البحث.

وبالتالي فإن المحاور التي نناقشها في تلك المقالات، تكون علي النحو التالي:-

1- مفهـــوم الصــدق في المدارس السابقة على تارســكي.

2- التصور السيمانطيقي (الدلالي) للصدق.

3-  حدود  الصـــدق .

4- تعـديلات دافيدسون وسول كريبك علي  نظرية تارسكي لتتلاءم مع اللغات الطبيعية .

أولا ً: مفهـــوم الصــدق في المدارس السابقة على تارســكي

1-: نظرية المطابقة . The Correspondence Theory

وفقاً لصياغة نظرية المطابقة نجد أن القضية تصدق إذا كانت توجد واقعة ما تطابقها، وأن القضية تكذب إذا لم توجد هذه الواقعة . وقبل الدخول في شرح هذه النظرية، تجدر الإشارة إلى أنه قد شاع الاهتمام بمشكلة الصدق وقامت المناقشات حولها في أول هذا القرن فقط، حين كتب فيها " برتراندرسل "، وذكر ثلاث نظريات تفسرها، وهي " نظرية المطابقة " و" نظرية الاتساق " و" النظرية البرجمانية "، وأنه تحمس للنظرية الأولى دون غيرها ولقد توسع رسل قليلاً في شرح نظرية المطابقة في محاضراته عن " فلسفة الذرية المنطقية " في سياق تعريفه للقضية، وهو أنها تقرر واقعة، وحدد الواقعة بتقريرنا أن شيئاً ما جزئياً تستند إليه خاصة معينة، أو أن هذا الشئ على علاقة ما بشئ آخر .

ويمكن القول بوجه عام أن أغلب الفلاسفة التجريبيين يدعون إلى نظرية المطابقة، وإن كنا نجد بعضهم يرفضونها مثل أصحاب الوضعية المنطقية . فنجد " جون لوك John Locke (1632-1754) " يدعو إلى هذه النظرية حين يقول إن أفكارنا عن الصفات الأولية للأجسام تشابه تلك الصفات وتمثلها، وحين يقول إن فكرتنا المركبة عن جسم ما هي نتيجة أو أثر للوجود الواقعي الخارجي لذلك الجسم . يمكننا أيضاً التماس نظرية المطابقة عند "إيمانويل كانط Immanuel Kant (1724-1804)" رغم أنه ليس تجريبياً لأنه يقول في معرفته أن الإدراك الحسي يتألف من استقبالنا لحدوس حسية عن الأشياء بالإضافة إلى مقولات قبلية نطبعها على تلك الحدوس لتعطينا المدركات الحسية  ؛ فلقد ضم الاعتبار الأول لنظرية التطابق كل من:  أفلاطون، أرسطو، جورج مور George Moore  (1852-1933)، رسل، كارل بوبر Karl Popper          (1902-1994)، وآخرون . فالقضية (أ) تكون صحيحة لو أن (أ) قد تطابقت مع الواقع . لذا فإن الصدق يعني التطابق مع الواقع " ولشرح هذه النظرية بطريقة أوسع نقول على سبيل المثال " إنه صحيحاً " أن بعض الكلاب تنبح " لو أن بعض الكلاب تنبح " قد تطابقت مع الحقائق " . وأية الحقائق حقيقة واحدة، فحقيقة أن كل الكلاب تنبح .

والصدق يعتبر مطابقة بين قضية ما وواقعة ما، ونجد هنا معنيين أساسيين للمطابقة هما:

(أ) المطابقة تشابه تام  بين أصل ونسخة، وكأن القضية صورة ذهنية لواقع خارجي، كما لو كانت القضية صورة دقيقة في المرآة، والأصل هو الواقعة . لكن هذا المعنى للمطابقة يثير اعتراضات عديدة نذكرها فيما  يلي :

تسمح صياغة القضية بالدرجات من حيث دقتها لكن الواقعة لا تسمح بالدرجات إذ أنها أمر وقع فحسب . كما أننا نصف القضية بصفات مما لا يمكن إسنادها إلى الواقعة، فمثلاً إذا قلت القضية " هذه البرتقالة صفراء اللون حلوة الطعم " وأعلنت صورتها، فذلك لأن هناك أمامي فعلاً هذا الشئ وأن له تلك الصفات، وما نقوله عن القضية فقط أنها صادقة أو كاذبة .

(ب) المعنى الثاني المقترح للمطابقة هو وجود علاقة واحدة بواحدة بين كل عنصر في القضية وكل عنصر في الواقعة، مثلما نتحدث عن مدرس يقرأ قائمة تلاميذه في الفصل ليعرف الحضور والغياب فيضع علامة أمام اسم التلميذ الحاضـر وعلامة مختلفة أمما اسم التلميذ الغائب .

ونلاحظ هنا أن معظم المشكلات التي وردت حول نظرية التطابق قد تنحصر في هذا السؤال: ما هي العلاقة التي تميز هذا التطابق ؟ عندما تتطابق القضية مع الواقع: حسناً يمكننا أن نعتقد في التطابق على نحو من التكافؤ للعلاقة ...... لو أن القضية يمكن أن تتكافى مع الوقائع، وهنا فإن هذه القضية تتطابق مع الواقع، ونرى هنا أن التطابق يعني " التكافؤ " فبتراندرسل و" لودفيج فيتجنشتين  Ludwig Wittgenstein (1889-1951)، اقترحا أن القضية والواقع يتطابقان لو أن هذا البناء كان متسقاً .

وعلى أية حال، فإن هناك شيئاً واحداً ينبغي أن نلاحظه هنا، فمن أجل أن تكون القضية صحيحة وفقاً لنظرية التطابق، يجب أن تكون بعض الحقائق متطابقة، لذا فإن الواقعة لكي تصدق يجب أن تكون متكافئة مع القضايا ؛ فالتقليد المشهور للواقع يقول إن الصدق هو التطابق، وإن القضية تكون صحيحة لو أن هذه القضية قد تطابقت مع الواقع . فعلى سبيل المثال: لو أن الواقع يقول إننا نمتلك نمراً أليفاً ولو إننا قلنا حقاً ذلك ؛ أي أنك تملك نمراً أليفاً، فإن عبارتنا هذه سوف تكون صادقة لأنها تتطابق مع الواقع . ولذا فإن الصدق هو التطابق مع الواقع Truth is Corresponce with Fact.

بيد أن نظرية المطابقة قد اعترض عليها الكثير من المفكرين    والفلاسفة، نذكر من هذه الاعتراضات علي سبيل المثال لا الحصر اعتراضات " ألفريد آير Alfred Ayer (1910-1980) " الذي بدت نظرية التطابق بالنسبة له أنها مربكة علي الأقل في شكلها التقليدي، فمن أهم مميزاتها أنها تفصل الحقائق عن العبارات، ومن عيوبها أنها تحاول الربط بينهما باستدعاء علاقة التطابق التي ندركها علي أنها علاقة توازن وتشابه في البنية، وبسبب هذه العلاقة بادر " آير " برفض هذه النظرية استناداً إلي فكرة " التمرئي" أو " إنعكاس المرآة "، فلو أخذنا هذه الفكرة وحللنا معناها بصورة حرفية، سوف يكون من الخطأ الفادح افتراض أن العبارات أو الجمل أو الاعتقادات أو الأحكام سوف تكون صادقة لمجرد كونها مرآة للحقائق، أو صورة لها، حيث إنه من المعروف أن النموذج الذي تقوم عليه النظرية هو نموذج التصوير الفوتوغرافي أو الرسم الخرائطي، ومن ثم فالنظرية تحثنا علي التفكير فيما يجعل الصورة الفوتوغرافية أو الخريطة نسخة صادقة طبق الأصل من الحالات التي تصورها أو تطابقها، وفي وجود علاقة تشابه في البنية بين الخريطة والحالة التي تطابقها مثلاً، والتفكير في المحتوي بين الصورة المرسومة أو الفوتوغرافية وما يناظرها، وهذا هو جوهر ما أكده رسل وأيضاً فيتجنشتين، في كتابه " رسالة منطقية فلسفية " من أن الجمل أو القضايا هي أيضا تصويرات للواقع وترجع في صدقها إلي دقة المطابقة.. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

حاتم حميد محسنحديث يوثيفرو مع سقراط كان حول واحدة من أهم القضايا الفلسفية التي تتعلق بالسؤال حول الأفعال الخيّرة اخلاقيا، وهل ان الله أرادها لأنها خيّرة بطبيعتها، ام انها خيّرة لأن الله أرادها؟ المسألة هنا مرتبطة بالأخلاق الدينية . اذا كان الشيء جيدا فقط لأن الله يقول انه جيد، عندئذ فان الله سيكون بإمكانه قول أي شيء، وسيُعتبر جيدا وهنا سيكون الامر اعتباطيا. اما اذا كان الله يأمر بفعل الشيء لأنه خيّر، فسوف لن يعد معيارا للخيرية وسيكون تحت رحمة معيار خارجي. غير ان هناك خيار ثالث وهو ان الناس ذوي الايمان يؤكدون على سيادة الله وخيريته الأصلية. هذا الخيار لن يسمح بأي معيار موجود خارج الله او فوقه. سنحاول توضيح المضامين الفلسفية لكل من الخيارات الثلاثة.

الخيار الأول:

ويسمى نظرية الأوامر الالهية. ويقوم على ان ما هو أخلاقي وغير أخلاقي انما اُمر به من الله. الله هو الأساس في نظامنا الاخلاقي وان مصدر الأخلاق هو الانجيل. حتى لو كنا لا نعرف حقا منْ كتب الانجيل فان الاخلاق التي يجب اتباعها تأتي فقط من مصدر واحد وهو الله. فائدة نظرية الأوامر الالهية انها مبسطة، عندما يكون لديك سؤال حول الأخلاقي وغير الأخلاقي فما عليك الا بالرجوع الى الكتاب. العديد من القواعد الاخلاقية في الانجيل يمكن إعتبارها خارج الموضة وانها كُتبت منذ الاف السنين.

جاء في الوصايا الدينية ان على المرأة ان تتجنب استعمال الضفائر، ولازال العديد من المسيحيين يعتقدون ان الوصايا العشر هي صحيحة وان العديد من هذه الامثلة حول الاخلاقي وغير الاخلاقي موجودة في الانجيل. مع نظرية الاوامر الالهية نأتي الى المازق الحقيقي ليوثيفرو.

مأزق يوثيفرو ورد في كتاب لإفلاطون، حيث جرى امام المحكمة نقاشا بين سقراط ويوثيوفرو حول سبب وجودهما هناك. سقراط كان متهما بافساد شباب اثينا، اما يوثيفرو كان حاضرا هناك لمعاقبة والده حول جريمة قتل. سقراط شعر بالصدمة عند سماعه يوثيفرو يوجّه تهمة القتل لوالده، وبعد ذلك يستمر النقاش في الاخلاق. يوثيفرو متأكد انه يعمل الشيء الصحيح لأن الآلهة أمرت به. سقراط يسأل سؤالا "هل الافعال الصحيحة صحيحة لأن الله امر بها ام ان الافعال الصحيحة امر بها الله لأنها صحيحة؟ هذا هو ما عرف بمأزق يوثيوفرو.

ان الخيار الاول يؤكد على ان الافعال الصحيحة هي صحيحة لأن الله أمر بها. في هذا المأزق نحن نقبل ان اوامر الله وحدها هي من يجعل الافعال صحيحة. الاخلاق المرتكزة على الخيار الاول قد تصبح مختلفة اعتمادا على الكيفية التي يشعر بها الله في ذلك اليوم. ربما امر الهي يجعل كل شيء مؤلما وغير انساني، ومع ذلك تبقى تلك الافعال جيدة. لو تصوّرنا مثلا ان الوصايا العشر جاءت معاكسة تماما لما نقوم به اليوم، وان الله يأمر بالافعال الاخلاقية وغير الاخلاقية فقط بإصدار قول بشأنها الا يعني ذلك نوعا من الفوضى الاخلاقية؟

الخيار الثاني

 اذا كانت الافعال الصحيحة التي أمر بها الله هي جيدة بسبب انها جيدة، هذا يعني ان شيئا ما خارج الله هو الذي يخبره ما هو الصحيح وما هو الخطأ. القضية التي تبرز هنا هي ان الله لم يخلق القواعد الاخلاقية، وانما هناك شيء آخر قام بذلك، وهناك اشياء لايستطيع الله ان يأمر بها، واذا كانت عقيدتنا ان الله خلق كل شيء، سيكون من الصعب القبول بهذا الخيار. الآن وبعد ان ناقشنا وقارنّا بين نظرية الاوامر الالهية ومأزق يوثيوفرو سنناقش دور السيادة الالهية في هذه المشكلة الفلسفية.

الخيار الثالث

بعض الناس طرح خيارا ثالثا و هو فكرة ان الله هو الخيرية. الله لايرغب عشوائيا بما هو خير، لذلك فان الخيرية تنطلق من جوهر الله. نحن قد نستعمل العقل لإكتشاف جوهر الله، والذي هو الحقيقة والخيرية. فمثلا، اذا قلنا ان قوانين اينشتاين هي صحيحة، فنحن عندما نكتشف عقلانيا مثل هذه القوانين، انما نكتشف جوهر ذهن الله. كذلك، عندما نكتشف ان العبودية سيئة، نحن نكتشف الجوهر الاخلاقي لله. باختصار، الله لايرغب الخيرية عشوائيا كما في الخيار الاول والثاني، وانما الله هو الخيرية، لذا فان الخيرية تنطلق من جوهر الله.

من المؤسف ان هذا الخيار يقع في نفس المأزق. لننظر في السؤال "هل الله يختار خيريته؟" بعض الناس يقول ان الله هو كلي القدرة (قادر على كل شيء) ولذا هو يستطيع اختيار جوهره. اذا كان هذا صحيحا، عندئذ فان الله يمكنه اختيار جوهرا مختلفا. لكن هذا يقود الى نفس المأزق. هل ان شيئا آخرا هو الذي يصنع جوهر الله ام ان الله يختار جوهره؟ المشكلة في هذا الخيار هي ان الله يمكنه اختيار اي جوهر، كما في حالة اختيار قتل الاطفال لغرض المتعة . اما اذا كان الله لم يختر جوهره، عندئذ فان شيئا مستقلا عن الله اختار له ذلك الجوهر. في هذه الحالة، يكون جوهر الله والخيرية مستقلين عن الله وسيصبح ابا جيدا او انسانا وسيطا بدلا من ان يكون مصدر الخيرية. باختصار، الخيار الثالث سينهار ويسقط في أحد الخيارين الاولين. سقراط عرض فقط الخيارين الاولين ولم يعالج الخيار الثالث طالما ينتهي الى الفشل .

 

حاتم حميد محسن