اكرم جلالالفِكرُ والفَلسفةُ والتأريخُ، بحارٌ لا يخوض غمارها ولا يُصارع أمواجها إلّا أولئك الذين يبحثون عن الممكنات في التفكير، يَقرأون الفِكرَ القَديم وَيَتَصَفَّحون تاريخ الأمم وحضاراتها من أجلِ صياغة منهج جديد يسعون من خلاله لإدراك أو إثبات الحقيقة، واليوم، ونحن نَعيش زَمَنَ ضَياع الحقيقة واندثار المعرفة، حيث ثبّت الجّهل أركانه وهيمن على مفاصل الحقيقة، فأصبحت كلمته هي العليا. وفي ظلّ صراع مستمر بين الجهل والمعرفة، بين الوثنيّة والتوحيد، والباحث عن الحقيقة لابُدَّ له أنْ يبلُغ أسوارها ويثبّت العديد من التفسيرات الميتافيزيقية الأصولية، ومنها نظرية الفيض لأفلوطين، تلك التي شهدت جدلًا واسعًا بين المفكرين وعلى مدى عقود من الزمن.

وأفْلُوطين، الفيلسوف اليوناني، هو أحد أبرز روّاد ومؤسّسي الأفلاطونية المُحْدَثَة، وُلدَ سنة 205م في مدينة ليقوبوليس (Lycopolis)-(مدينة أسيوط، في صعيد مصر) من أبوين رومانيين. وبعد إكماله المراحل الدراسية الأولى انتقل إلى مدينة الإسكندريّة وَدَرَسَ عندَ أغلب مُعلّمي الإسكندرية الذين عاصروه، لكنّه لَمْ يَنَل مُراده إلّا على يَد أستاذه أمونيوس سكاس (175-242م) والذي كان أحد تلامذة أفلاطون، حيث وُصِفَ بأنَّه أَحَد أهمّ روّاد الأفلاطونية المُحْدَثَة، فلازَمَه أفلوطين وواظب على دروسه لأكثر من أحد عشر سنة.

لَمْ تُنقَل تفاصيل كثيرة عن حياته سوى تلك التي نقلها تلميذه ورفيقه فرفوريوس الصوري (233 م – 304 م) الذي لازمه منذُ أن تعرّف عليه سنة 263م، وهو الذي قام بتحرير كتاب "التاسوعات"، فَكل ما وَصَلَنا مِن سيرة حياة الفيلسوف أفلوطين إنَّما جاء من خلال ما كتبه تلميذه فرفوريوس في مقدمة التاسوعة الأولى.

كانت رَغبَة أفوطين في الاطلاع على الفلسفة الفارسية والهنديّة سببًا لالتحاقه بحملة الإمبراطور جورديان Gordian والتي كانت تتهيّأ للزّحف على بلاد فارس. لم يصمد الروم أمام الفرس وأنهزم جورديان في معارك جرت في العراق، بلاد ما بين النهرين، الأمر الذي أجبر أفلوطين للهرب إلى أنطاكيا ومنها إلى روما، ليبدأ مرحلةً جديدة في مسيرة حياته الفلسفيّة.

وخلال الفترة التي قَضاها في روما لَمْ يُظهِر نَفسه وحقيقةَ الأفكار التي يَحْملها وَلَم يَشْرَع بالكتابة إلّا بَعد مرور سنوات قضاها مُستَمعًا، لكنّه قَرَّرَ الكتابة بعدما بَلَغَ الخَمسين وبَعد إلْحاحٍ مِن جُلَسَائِهِ وَمِنَ المُقرّبين لديه وحينما لمسوا العبقريّة الفكريّة التي كان يحملها، بدأ يُملي على طلبته أفكاره ونظرياته ومعتقداته، وبعد وفاته جمعوا له أربع وخمسين رسالة سُميّت بالتاسوعات، وصنّفها تلميذه فرفريوس إلى ستة تاسوعات كانت تَضمّ مَزيجاً مُتنوّعاً لاتّجاهات فكريّة متعددة، حيث جَمَعَ في كلّ تاسوعة تسع مقالات تبحث في مواضيع مختلفة لكنّها متآلفة ومتجانسة من حيث المضمون العام، وكانَ نَسَق التاسوعات تصاعديًّا فكانت الأولى توصف بالأسهل ثمَّ تَدَرَّجت إلى الأكثر عمقًا والأصعب فهمًا، فكانت التاسوع الأوّل مختص بموضوع الإنسان، والثاني والثالث بمواضيع العالم المحسوس، والتاسوع الرابع موضوعه النفس والخامس يتحدّث عن الأقانيم الثلاثة، أمّا السادس والأخير فكان يتحدث عن الحقّ وأجناسه.

 

كانَ أفلوطين ميّالًا إلى الزهد والروحانيّة، فقد كان يرفض المادية معتبرًا أنَّها ليست الطريق لإدراك السعادة والرخاء، بل وكان حتى يرفض التمجيد والإشادة بإنجازاته العلمية أو الفكرية، كما أنَّه كان كتومًا لا يبوح بأموره الشخصية؛ رَفَضَ رَسمَ صورته الشخصية أو صُنع تمثال له، بل ولم يتحدث حتى عن جذوره العائلية.

أفلوطين والأفلاطونية المُحْدَثَة:

الأفلاطونية المُحْدَثَة هي فلسفة ميتافيزيقيّة، نشأت في القرن الثالث وأهم مَن ساهَمَ في تَرسيخها أفلوطين وأستاذه "أمونيوس سكاس"، حيث بَنَتْ صَرحَها على الأسس الروحيّة والإلهية للمنهج الفكري الأفلاطوني، لتبدأ بتخليصها من بعض الأفكار التي أساءت إليها وَحَرَّفتها عن مسارها كالممارسات السحرية " ثيورجى" التي قدّمها لمبليخوس من أجل تطوير النفس وإرجاعها إلى الأساس.

ولعل الفترة التي عاشها أفلوطين في مصر والنَّمط العام للمدرسة الإسكندرانية كان له الأثر الكبير في صياغة طبيعة المنهج الفلسفي الذي تبنّاه أفلوطين، حيث كان للمعتقد الديني أثرٌ في تعميق البعد الروحي ذي الطابع الصوفي والرؤية الميتافيزيقيّة في القراءة والتحليل، أضف الى ذلك أنَّه كان ولأكثر من أحد عشر عامًا ملازمًا لمعلمه الأوّل أمونيوس سكاس، الذي يَنقل عَنه المؤرخون أنَّه كان مؤمنًا مسيحيًا وقد نال المعمودية في أواخر القرن الثاني، عندما انتقل الى روما فإنَّ نهجه في الدراسة والتدريس لم يتغيير كثيرًا، وكان يتحدّث دائمًا عن منهجه واعتقاداته الفلسفية وكيف أنها نابعة من ارتباطه بسلفه من الفلافسفة والمفكرين، فيقول: (فليست أقوالنا -هنا- أقوالًا جديدة من استحداث دهرنا، بل إنَّها واردة منذ القدم بغير توضيح واسترسال)1.

وتعتبر الفلسفة الأفلوطينيّة شكلًا من أشكال المثاليّة الوحدويّة (أو ما يُطلق عليها بالوحدويّة الإيمانيّة)، ولذلك يؤكد فرفريوس، أنَّ أفلوطين كانَ روحانيّ النّزعة، وكثير الارتباط القلبي بالعالم الربّاني، وكان ينشد الحبّ الإلهي في مسيرته معتبرًا أنَّ المحبوب الأوحد هو هدفه ويرى أنَّ الطريق من أجل ذلك هو بأن تسمو النفس وتعلو على الجسد، وهذا ما يفسّر النزعة الصوفيّة في الفلسفة الأفلوطينيّة والتي تؤمن بحقيقتين أساسيتين، الأولى النفس البشرية العالية التي تركت وضعها الأوّل والحقيقة الثانية هي الروح وسُبل تدرّجها نحو مراتب الكمال والخلود.

ويُضيف أفلوطين أنَّ مِنَ الأمور التي تزيدنا عشقًا للواحد هو أنَّه أعزّ وأجل مِنْ أنْ يوصفَ بوصفٍ أو يُحدّ بشكل، يقول: (لا غَرْوَ أيضًا لأن لم يكن له شكل. ولَعُمري، إن كان الشيء معشوقًا، ثم لم يسعك أن تتبيَّن فيه شكلًا أو صورة، أصبحتَ منه أشد ما تكون له عشقًا وحبّاً، وحلَّ من العشق فيك آنذاك ما ليس له حدّ.

أجل، إنَّ العشق عنا لا يُضبَط بحَدّ لأنَّ المعشوق لا حدَّ له هو أيضًا، إنَّما لا يكون للعشق نهاية ما دام هو المعشوق)2، وإنْ كان الواحد للحسن مبدعًا فماذا يا ترى يكون حسنه؟ (وليت شعري، ما عسى أن يكون حُسْنه ما دام هو ذاته ليس بشيء حقًا؟ لكنّه هو المعشوق، فكان للحسن هو المُبدِع)3.

لَقَد كانت رائحة الصوفيّة تفوح في كتابات أفلوطين وفي منهجه الفكري والفلسفي وإنْ جاهد لإخفائها، لذلك نراه يُقدّم فهمًا للوجود بطريقة مدهشة وكانت نظرته للذات الإلهيّة محلّ تأمل الفلاسفة والمفكرين، فكان يدعو إلى أنَّ الإله ليس ضربًا مِنَ الخَيال بَلْ أنّه حقيقة فَرَضَها العَقل والمنطق، فهذا الحضور الإلهي هو الذي يجعل النفس مرتبطة به، توّاقة إلى لقائه، فقدّم رؤيته مفسّرًا حقيقة الانتقال من الواحديّة إلى الأحديّة والذي هو واجب الوجود، بَلْ هو الخير المُطلق.

وللبحث تكملة إن شاء الله تعالى

 

د. أكرم جلال

.....................

 المراجع

1- تاسوعات أفلوطين، ص 432.

2- تاسوعات أفلوطين، ص 658.

3- تاسوعات أفلوطين، ص 658.

 

 

علي محمد اليوسفتمهيد: من خلال ما اشار له فلاسفة عديدين في تلازم الذاكرة والخيال بوجهات نظر متباينة خلصنا الى انهما افصاحان يدركان بدلالة تعبيرهما عن (الزمان) بصورة متضادة متعاكسة، فالذاكرة تعبير استذكاري متجه نحو الماضي دوما،يعاكسه تعبير الخيال متجها نحو سيرورة مستقبلية غائبة ليست موجودة في زمان مدرك الحضور.

بالحقيقة هذا التفريق المتعاكس بين اختلاف زمانية الذاكرة نحو الماضي، وزمانية الخيال نحو سيرورة مستقبلية هي اجتهاد لنا سبق لريكور ذكره بعبارة سريعة سرعان ما غادرها من حيث تكريسها الانفصال بين الذاكرة والخيال غير المتفق عليه . وحيث معظم الفلاسفة رغم هذا التعارض الشديد بين تحقيبين زمانيين  مختلفين يذهبون الى تبعية الذاكرة للمخيلة أو تبعية المخيلة للذاكرة من ناحية أن الذاكرة هي زمان يحتوي زمانية الخيال في ارتباطهما المشترك بالنفس.

وذهب بعض الفلاسفة تاكيدهم أهمية ربط الذاكرة بالزمن الماضي في معرفة دلالتها حين تكون مرافقة لزمن مرّ، زمن مضى، عليه يمكننا استخلاص ثلاث نتائج من هذا المعنى ربما لا يأخذ بها بعض الذين يعاملون تجريد الذاكرة والخيال جوهرين لا علاقة تربطهما بالعقل بل هما ولا حتى تجريدين ادراكيين منفصلين يحتويهما العقل بالوصاية الفكرية عليهما:

1- الذاكرة موضوعا تجريديا مدركا بدلالة وظيفته في ارتباطه المتلازم باستذكار وقائع وحوادث الزمان الماضي. والذاكرة في تجريدها من الخيال لا يبقى معنى لها كما يتضح معنا لاحقا.

2- الذاكرة انشاء تعبيري تجريدي صوري صادر عن العقل في استذكار وقائع الزمن الماضي. ولا يقلل من هذا تنسيب الذاكرة الى النفس، الذاكرة لا تمتلك استقلالية المدرك المجرد ولا بأس من ربط النفس بها كما جرى ربط الخيال بها، ولا معنى لشيء يدعى ذاكرة مجردا عن دلالة ارتباطه بوقائع حدثت وجرت بالماضي. فالذاكرة هي تخزين تصوري لوقائع قبل كل شيء وهي تحقيب لزمن ماض جرى وحصل وغادر حضوره الآني الحالي.

3- الذاكرة فعالية استذكارية ناشئة عن تفكير عقلي منتج لها ولا تمتلك هي خاصية أستذكار وقائع الماضي من دون مرجعية الخيال العقلي . بمعنى الذاكرة التي تعتمد العقل في انتاجه لها لا تكون موضوعا مجردا للعقل بذاتها. كما عندما  تكون  الذاكرة مبعثها استثارة نفسية لمدّخرات استذكارية مخزّنة ايضا لا يمنحها هذا غير صفة التجريد المرتبطة بتفكير العقل.

الذاكرة والزمن

علاقة الذاكرة بالزمن علاقة اشكالية في عدة أمور نحاول الاشارة لبعضها حيث يشير بعض الفلاسفة عن اشكالية الذاكرة بالادراك قولهم " البشر يشاركون بعض الحيوانات في الذاكرة المحضة، غير أن الجميع – البشر وبعض الحيوانات - لا يملكون الحس الادراكي على أن الاسبيقية تتضمن بين القبل والبعد – يعني السابق  واللاحق هما في الزمان" 1

هذا التعبير الملتبس المعنى بعض الشيء نجد في مناقشته أنه من الصحيح الذاكرة قسمة مشتركة بين البشر وبعض الحيوانات وليس جميع الحيوانات اشتراكهم في مرجعية العقل والذاكرة لذا لا يمكن للحيوان امتلاك فاعلية الاستذكار بمعزل عن فاعلية العقل بتزويد الذاكرة بهذه الخاصية الاستذكارية للماضي.

والحقيقة التي لا نقاش عليها أن البشر والحيوانات لا يمتلكون الحس الادراكي للزمن في تجريده الاستشعاري غير المتحق عقليا، بمعنى ادراك الزمن كتجريد ماهوي قائم لوحده.علما أن الحس الادراكي للزمن عند الحيوان معدوم تقريبا لا حسيا ولا تجريديا. بخلاف الانسان الذي يدرك الزمن بدلالة غيره ممثلا بمقدار حركة الاجسام فيه.

الزمن لا يدرك بزمن يجانسه كون ماهية الزمن لا تقبل التجزئة ولا التقسيم تماهيا مع تعبير ارسطو لا يحد الزمان بالزمان.(لايضاح المزيد عن هذه الجزئية ادعو مراجعة اكثر من مقال لي منشور على مواقع عربية عن الزمان بالمنظور الفلسفي آخرها كان بعنوان (الزمان المطلق وهم الاتصال والانفصال).

ذاكرة الانسان تدرك الزمان الارضي الطبيعي كتقطيع أفتراضي كتحقيب يقوم على أدراك مقدار ونوعية حركة الاجسام داخله. والزمان ماهية وصفات تعجز حتى بعض الحيوانات القريبة عقليا من ذكاء الانسان ادراك الزمان بمقدار حركة الاجسام لا هي بذاتها ولا بدلالة غيرها من أجسام ترى حركتها لكنها تجهل زمانية تلك الحركة، الزمان تجريد يعرف ويدرك بدلالة قياس حركة غيره من الاجسام داخله، والمساواة بين الادراكين الحركة وزمانها بانفصال الحركة عن زمانها هو محال لا يدركه العقل. فهما غير متساويين بل ومختلفين. فحركة الجسم هو مقدار زماني، وليس زمانا مجردا يدرك وحده منفصلا عن حركة الاجسام داخله. كما أن ادراك الزمان كتحقيب يتوزعه الماضي والحاضر والمستقبل يكون في ارتباط حركة الارض حول نفسها وحول الشمس ايضا وعلاقة الارض مع باقي اجرام المجموعة الشمسية تحديدا القمر.

المقصود التوضيحي انت لا تستطيع ادراك حركة الشيء بمعزل عن ادراكك مقدار تلك الحركة زمانيا. لذا يكون ادراك حركة الشيء زمنيا لا يعني ادراك زمن تلك الحركة تجريدا زمنيا منفصلا عن حركة الشيء داخل الزمن. بمعنى الزمان محال ادراكه ماهويا الا بدلالة حركة جسم تلازمه في داخله.

الزمن ماهية لا تدرك وغير قابلة لادراك العقل كموضوع قائم بذاته مجردا. فادراك الحيوان (الماقبل والمابعد) لحظتي الزمان الافتراضية غير المتحققة لا يدركهما الحيوان مطلقا بهدف ادراكه مقدارالزمن بل ولا أدراكه زمن موجودات الاشياء التي تشاركه وجوده الانطولوجي ايضا، والزمان حتى بالنسبة للانسان يدرك تحقيب تعاقب الزمان بالقياس لحركة الاجسام ولا يستطيع الانسان ادراك الزمان كماهية مجردة أو صفات نتيجة أدراكه مقدار حركة الاجسام في زمان لا يدركه لوحده كينونة مستقلة وجودا يمكن أدراكها من غير الحركة المادية في الزمن.

ذاكرة الحيوان في حال أفتراضنا أنها تمتلك الاستذكار لاشياء من الماضي فهي لا تعي تحقيب الزمان الارضي كما يدركه الانسان كماض وحاضر ومستقبل. أي ذاكرة الحيوان لا تعي الزمن كتحقيب تسلسلي نظامي كما يعيه الانسان ويتكيّف بموجبه. ذاكرة الحيوان تجد في الحاضر الذي تعيشه ولا تدركه عادة من السلوك المعتاد الذي لا يحتاج معه ذاكرة. والحيوان مثلا يشعر بتبدلات المناخ والبيئة من حوله لكنه يجهل أسباب هذه التغيرات المناخية ولماذا تحدث؟

حين يطرح ارسطو في كتابه " الانطباعات" قوله " أننا حين ندرك الحركة فأننا ندرك الزمن. غير أن الزمان لا يدرك كمختلف عن الحركة، الا اذا حددناه. أي أذا أستطعنا تمييز حركتين الاولى كسابقة والثانية كلاحقة، وفي هذه النقطة يتقاطع تحليل الزمان عن تحليل الذاكرة " 2

من الصائب الصحيح الظاهر من العبارة تعبير ارسطو قوله " حين ندرك الحركة ندرك الزمن " لكن التباس العبارة يكمن اننا ندرك الزمن بدلالة الحركة ولا يعني ادراكنا الزمن مجردا عن حركة الشيء المتحرك داخله. بمعنى أن ادركنا الزمان مجازيا مجردا في ادراكنا حركة جسم داخله، أننا نقيس مقدار الحركة لمعرفة زمن حركة تلك الاجسام وليس مقدار حركة الزمان بدلالة حركة الجسم. الزمان ماهية وصفات تجريدية ثابتة ليس لنا ادراك الماقبل كلحظة تسبق المابعد بغير دلالة حركة شيء...عبارة ارسطو التي مررنا بها في منتهى الدقة والصواب قوله (الزمان لا يدرك كمختلف عن الحركة) بمعنى لا ادراك لزمن من دون ارتباطه بدلالة حركة جسم او شيء فيه. وادراك الزمان لا يدرك باختلافه عن الحركة ايضا.

الزمان حتى في قياسنا اللحظة فيه يكون متعذرا من غير تعالقة مع حركة الاجسام كزمان مطلق ميتافيزيقي لا يمكننا ادراكه مجردا يمّثل نفسه كوجود ندركه وحده.وعندما نحاول وصول – تحقيق المستحيل الفيزيائي – حسب رغبة ارسطو تحديد زمانية الماقبل عن لحظة زمانية المابعد مجردتين عن حركة جسم ما نكون دخلنا تقاطع تحليل الزمان عن تحليل الذاكرة حسب تعبير ارسطو، والسبب واضح لماذا؟

أولا لا يمكن تحديد لحظتين زمانيتين مجردتين عن حركة جسم يلازمهما. الزمان لا يدرك موضوعيا لا في كينونته المطلقة الكلية ولا في أفتراضنا الخاطيء أننا نستطيع تجزئة وتقسيم الزمان الى لحظات أو غير لحظات من غير دلالة حركة شيء يداخله زمانيا. من حيث اللحظة هي مقدار زمني لحركة شيء وليست اللحظة تجريدا زمانيا يمكننا حدّه وادراكه بزمن. الزمان تجريد لا يدركه العقل لأنه ليس من صنع وأبتداع ادراك العقل له كوجود ولا هو معطى انطولوجي متعالق وجودا بالطبيعة يدرك منفصلا بغير موجوداتها. بخلاف جميع التجريدات الادراكية الاخرى التي يصدرها العقل وهو يدركها ويعيها لأنه صانعها وهي التي ندركها زمانيا كونها أصبحت تجريدا عقليا.

وعندما نقر بصحة أختلاف تحليل الذاكرة عن تحليل الزمان المشروطة بتحديد اللحظتين الزمانيتين (الماقبل والمابعد) اللتين من المحال تحققهما كما أوضحناه قبل أسطر قليلة، نجد حقيقة الذاكرة هي أستذكار تصوري تجريدي لوقائع وحوادث وقعت في الماضي محفوظة بالذاكرة تستطيع الذاكرة استرجاعها الاستذكاري الناقص بتأثير عامل النسيان. وهذا التجريد يختلف تماما عن أمكانية أدراك عقل الانسان للزمان مجردا عن الحركة التي يحتويها لجسم، في معرفته لحظتي الماقبل والمابعد. الانسان ليس بمقدوره ادراك الزمان مجردا عن حركة الاجسام داخله. الزمان محال أدراكه تجريدا مفهوما أو موجودا لوحده فيزيائيا.

النفس والذاكرة

جرت محاولة فلسفية ربط الذاكرة والخيال بالنفس في تاكيد مقولة افلاطون بهذا المعنى، تلا ذلك تعبيرات فلسفية حول تعالق الذاكرة بالزمن مثل قول مونييه " كل ذكرى تصاحبها فكرة الزمن" وقول سوراجي " كل ذكرى تتضمن الزمان" وقول منسوب لارسطو " أن نكون في الزمان يعني أن يقيسنا الزمان في ذاتنا وفي وجودنا وبالنسبة للحركة، فاننا واقع كوننا في الزمان يعنى واقع أن نقاس في وجودنا" " وتعلن النفس أن هناك لحظتين السابقة من جهة واللاحقة من جهة أخرى، عندها نقول هذا هو الزمان" العبارات المقتبسة عن المصدرهامش رقم 3

تعقيب: ربط الذاكرة بالخيال والنفس لا يغير من حقيقة أن مرجعية العقل تحدد كل شيء بالنسبة لهم ثلاثتهم كتعبيرات صادرة عن العقل. وربط الذاكرة بالماضي لا يجعل من الخيال تابعا للتعبير عن الماضي فزمان الذاكرة هو غير زمان الخيال والمخيلة. وتوضيحات اكثر نجدها في:

- الذاكرة ليست مصدر توليد المخيّلة، والذاكرة استذكار صوري لافكار تجريدية في تعبيرها عن وقائع زمانية الماضي. وربط الذاكرة بالخيال قضية جدالية غير محسومة بين مؤيد داعيا لانفصالهما مثل بول ريكور ومن قبله برجسون، وبين داع لربطهما مثل العديد من الفلاسفة الذين يرون في أحدهما تعبير ضمني عن الاخر.فعندما نلفظ مفردة ذاكرة فالمفهوم الدارج اننا نقصد ملازمة الخيال لها.

- أن نكون في الزمان لا يكفي التسليم أننا أصبحنا يقيسنا الزمان في ذاتنا وفي وجودنا حسب ارسطو، هذا الافتراض يحتاج أدلة برهانية تصادقه لاننا ببساطة، لا نستطيع ادراك الزمن لوجودنا وذواتنا بدلالة طرف ثالث غير موجود يحكم ويراقب وجودنا في أحتواء الزمان لنا، الزمان يقيس الحركة بوجود جسم متحرك وطرف ثالث غير الزمان وحركة الجسم به يقيس مقدار الزمن بالحركة وليس مقدار الزمان فينا الذي لا ندركه؟

صحيح جدا من الناحية الفلسفية نردد مع ارسطو أننا نقع في قياس الزمن لنا، لكن الاهم من ذلك هذا الافتراض ندركه بدلالة ماذا ودلالة من؟ المفروض الواجب هنا كي ندرك قياس الزمن لنا ولذواتنا وجود طرف ثالث لا هو الزمن ولا هو نحن الذي يتلبسنا الزمن. حضور الطرف الثالث محال تحققه ليؤكد قياس الزمن لنا كوجود انطولوجي تسبح أجسامنا داخل الزمان الذي يحتوينا ويدركنا ولا ندركه...

- من البساطة الافتراض أننا بمقدار ما نفتقد القدرة على هيمنة الزمان فهو أيضا يفتقد القدرة على التلاعب الحركي زمانيا بنا، الزمان يتبع حركة الاشياء داخله وليست الاشياء داخله تتبع ادراكية الزمان لها، فالانسان وكافة الاشياء والموجودات لا تدرك الزمان يحيط بها الا بدلالة (حركة) ليس للزمان علاقة باستحضارها بمقدار ما تكون الحركة خاصية الاجسام المراد قياس زمانها. بمعنى حركة الاجسام داخل الزمن لا يولدها ويخلقها الزمن خاصية داخل الاجسام المتحركة كي يدركها الزمن. فالادراك يتحدد بحركة الاجسام خاصية لها داخل الزمان وليس بحركة الزمان الملازمة للاجسام وهي لا تمثل جزءا من تلك الاجسام.فحركة الجسم تصبح خاصية في تكوينه، لكن قياس مقدار حركة الاجسام الذي هو الزمن يكون طارئا لا يجانس الجسم ولا حركته لا بالصفات ولا بالماهية، بمباشر العبارة الزمان ليس وجودا ندركه كما ندرك وجود بقية الاجسام فيزيائيا انطولوجيا.

- ربط الذاكرة بالنفس يبرره بعض الفلاسفة الى أن التذكر مبعثه انفعال نفسي، والذاكرة لا تستستطيع تذكر وقائع الماضي من غير استثارة نفسية تحفز الذاكرة على انبعاث انطباعاتها التذكرية االمخزونة فيها. التساؤل هنا هل تكون الذاكرة هي الخيال نفسه ولا فرق بينهما؟ بدليل الذهاب الى أن استذكار الماضي هو خاصية الذاكرة، وأفكار الخيال رغم أنها تحوي استذكارات واقعية ماضية، الا أن الخيال يمثل  تفكيرا مستحدثا ايضا لاعلاقة تربطه بالذاكرة في توجهه نحو المستقبل. هذا يجنبنا الوقوع في محذورين الاول أن الذاكرة ليست توليدا لافكار الخيال، والثاني أن الخيال يمتلك أستقلالية تفكيرية عن خاصية الذاكرة أنها لاتستطيع التعبير عن أفكار خيالية لم تكن مطبوعة بالذاكرة مكتسبة فيها كخبرة متراكمة زمنيا.

الذاكرة واللغة

من المسائل المهمة العالقة بموضوعة الذاكرة هو صورة التذكر الاسترجاعية لغويا. فالذاكرة بمقدار ما تكون افصاحاتها التذكرية أسترجاعا مبعثه الانفعال النفسي، لما سبق وأن انطبع عليها صوريا كخزين، ألا أن زمن الاسترجاع لاحداث الماضي ليست هي لغة التخزين الذاكراتي.غالبا ما يكون الاسترجاع التذكري هو الزمن الحاضر الذي يجعل من الاسترجاع التذكري للماضي منقوصا غير متطابق فيه لغة التصور الاستذكاري مع لغة الواقع الذي تكون عليه قراءتها كاحداث جرت في الماضي. لسببين الاول آفة النسيان التي ترافق الذاكرة، والثاني أختلاف لغة التعبير الزماني محاولة الربط الاستذكاري بين ماض وحاضر. بمعنى الوقائع الماضية رغم تقادم الزمن عليها تبدو أكثر أصالة حقيقية منها في حالة لغة الاسترجاع التذكري الناقص لها.

بهذا نكون وصلنا الى نقطة مفصلية في توكيد حقيقة هيمنة الخيال على الذاكرة وليس العكس، حين نجد أن كل تصورات الذاكرة الاسترجاعية التذكرية أنما هي تصورات لغوية من صنع الخيال، وبغير هذه الملكة التي يمتلكها الخيال ولا تمتلكها الذاكرة، أنما يكون فيها الخيال يعيد نفسه استرجاعيا بتوسيله الذاكرة القيام بما يحمله الخيال من دلالات تعبيرية، وعليه لا يبقى هناك ما تلعبه الذاكرة بمعزل عن وصاية الخيال عليها.لكن هذا الاستنباط في مصادرة الذاكرة لصالح الخيال تصطدم بخاصية تمتلكها الذاكرة ولا يمتلكها الخيال،فالذاكرة تتجه الى استذكار كل ماهو واقعي تاريخي حدث في زمن ماض، في حين الخيال يمتلك ايضا ما لا تمتلكه الذاكرة من حيث هو يتجه نحو تحقيق حضور ما هو وهمي، غير واقعي، يوتوبي، واحيانا غير موجود.. وأمام هذه المعضلة التي لا يمكن حلها الا بالتسليم في أستحالة فصل الذاكرة عن الخيال في القصدية التي تبدو لنا متناقضة لكن هي في حقيقتها متكاملة.

حقيقة الذاكرة وصدق التعبير

من خلاصة ما مر بنا وغيره كثير نجد أن عدم الثقة بكل من الذاكرة والخيال يرتبط بتقصيرهما المشترك في عدم صدقية كل منهما في التعبير عن موضوعه. فالذاكرة يشوبها النقص الملازم الاول لها في (النسيان) الذي تعجز الذاكرة التعبير عنه بصدقية موثوقة يمكن الاخذ بها. الناحية الثانية من تقصير الذاكرة هو أن افكارها الاستذكارية ليست تنميطا نوعيا يشمل جميع الذين يحاولون استذكار نفس الوقائع من الماضي. فالذاكرة هي والخيال خاصيتان انفراديتان من ناحية الفاعلية الادراكية، وهما بنفس الوقت خاصيتين متلازمتين من ناحية كونهما تجريدان ادراكيان في منظومة العقل الادراكية. يتفاوتان من شخص لآخر نتيجة عوامل ذاتية وموضوعية ترتبط بذاكرة كل شخص منفردا. فالذاكرة قد تمرض ويصيبها الوهن والضعف، وفي أوقات وشروط موضوعية تنشط، وهناك مقولة تذهب أن المسنين يملكون ذكريات أكثر من الشباب لكن عندهم ذاكرة تتذكر أقل.

لكن ما يتفق عليه الفلاسفة هو أننا لا نملك شيئا كوسيلة أفضل من الذاكرة متاحة لنا في أستذكار الماضي كوقائع، الذي يجعلنا ندرك مسبقا وجود ماض بحاجة الى أفصاح وتذكر له. ولا توجد وسيلة لكشف هذا الافصاح غير الذاكرة. لكن هل معنى هذا اكتساب الذاكرة الصفة الانفرادية الموثوقية المطلقة بها؟ وهل ما تنقله لنا الذاكرة كاف للتدليل على مصداقية مطلقة لعملية الاستذكار؟ ينقل بول ريكور عن كتاب ارسطو "مابعد الطبيعة" مقولة شهيرة لارسطو مفادها "الذاكرة من الماضي، والوجود الماضي يقال بطرق متعددة، فالوجود يقال على أوجه عدة".4

يعبر بول ريكور عن هذا الاحراج المتسائل قوله لا يمكننا أماطة اللثام عن حقيقة ومصداقية الاستذكارات، الا من خلال توسيط طرف ثالث يكون هيئة نقدية تعارض وتدرس وتقارن بين شهادات الذاكرة لاتاحة ما أسماه المرور الموثوق بين الذاكرة وبين التاريخ.5.

أما مسألة الطعن بمصداقية الخيال من ناحية المقارنة بينه وبين الذاكرة فنجد أن مساحة التشكيك بمصداقيته غير الموثوق بها نابعة أصلا من موضوع المعالجة التي هي من حصة الخيال في تصورات وهمية وأماني معلقة وسياحة فكرية في انتقالات اللاشعور غير المحدود لا تلتزم كما في الذاكرة شروط التفريق بين الشعور واللاشعور وبين الحقيقي والوهمي وبين الصادق والكاذب وغيرها من أمور يكون فيها خداع الخيال أصدق من التعبير عن الواقع الحقيقي للذاكرة في الكثير من الاحيان.

الذاكرة والتاريخ

يذكر بول ريكور كنت أعالج القطب القصصي للخيال في كتابي (الزمان والسرد)، حين عارضت السرد الروائي الخيالي بالسرد التاريخي، أما الان فعلينا أن نضع أنفسنا بالنسبة للقطب الاخر قطب الهلوسة، وكما أعطى برجسون طابعا دراميا الى قضية الذاكرة عن طريق منهجه بالتقسيم والانتقال الى الطرف الاقصى، علينا أن نعطي طابعا دراميا الى موضوعاتية الخيال بأن ننظمها بالنسبة الى قطبي القصصية الخيالي والهلوسة) 6

أن تواشج خاصية (الهلوسة) الوهمية رغم عقلانية الذاكرة التي تتسم بها،هي قسمة مشتركة بين الذاكرة والخيال معا. فالماضي بالنسبة للذاكرة هي نوع من الدراما المكتوبة على وفق نسق تاريخي يخترمه انتظام الزمن. وهو ملك مشاع لاستذكار الذاكرة بنفس الوقت الذي يكون فيه ساحة ملعب لهلوسات الخيال يصول ويجول فيه....الشيء أو الفارق الذي يتوجب الاشارة له في هذا التداخل الذاكراتي مع الخيال بالنسبة للماضي كدراما تاريخية هو (الزمن)، ليس بالافتراق التقليدي أن الذاكرة هي توثيق زمن الماضي، والخيال يحسب على مداخلة تعبيره عنهما زمني الحاضر والمستقبل الذي يحاول تصنيعهما وتنبؤه في مستقبلهما.

الخيال حين يزاحم الذاكرة في منطقة وساحة نفوذها دراما تاريخية الماضي الذي من حقها الارجح التعبير عنه، نجد الخيال بطبيعته اللاشعورية المهلوسة الفوضوية يتناول حقائق التاريخ بعيدا عن الانتظام الزماني في ضبط تسلسل الاحداث التي يكتنفها الزمن بانضباط عالي يحكمه التاريخ كتحقيب زماني يتوزعه الماضي والحاضر والمستقبل من الناحية التاريخية المتداخلة مع انتقالات الزمن من الماضي الى الحاضر والى المستقبل.

ميزة الذاكرة في تعبيرها عن السرد التاريخي التوثيقي تكون أكثر صدقية من محاولة الخيال التعبير عنه، فبالخيال يتم الاسقاط الوهمي، وغير المتوقع،غير الحاصل على هذا السرد المحكوم بسلطة تنظيم الزمان لوقائعه تاريخيا بما لا تستطيع تلك الحوادث الخلاص والانفكاك من سطوة الماضي عليها.

نحن لو تحرينا الصدق والامانة في تعبير الذاكرة عن تاريخية الماضي كسردية، وتعبير الخيال عن تلك السردية رغم أن الخيال بطبيعته هو تعبير جمالي فني، لوجدنا التداخل بينهما على أشده في تعبيرهما النقلي عن الماضي كتاريخ سردي نوعي متمّيز روائيا في حال جرى التوظيف النقلي على وفق أطر وانساق ومواصفات فنية جمالية نجدها تدفن ما ليس قابلا للانسجام الفني الادبي من وقائع هي من أختصاص تاريخي سردي توثيقي صرف.الخيال يتمثل التاريخ الماضي دراما حقيقية في تعبيره الخيالي عنها اسقاطا فنيا، وهذا لا يمنح الذاكرة تفويضا مفتوحا في أنحيازها للصدق النقلي التمثلي ذاكراتيا لوقائع وأحداث يحكمها الزمن الماضي. تمنع الخيال دخوله المزارع الخاصة بالذاكرة.

كيف نميّز بين صدقية الذاكرة من صدقية الخيال في نقلهما دراما الماضي ليس كسردية تاريخية بل كدراما ممكن التلاعب بها لمقتضيات فنية مستلهمة من الماضي كتاريخ؟ كلاهما الذاكرة والخيال لا يمتلكان الصدقية التامة في التعبير النقلي لوقائع التاريخ منفردين ولا حتى متكاملين لاسباب تتعلق بأن السرد التاريخي يمتاز بصفات من الواقعية الاركيولوجية التي تجعل من الذاكرة والخيال التعبير الخالص التام عن تلك الوقائع مشكوكا به ناقصا أو مشوّها.

المخيلة تحتاج الذاكرة، والذاكرة تحتاج الخيال، لذا أذا أردنا توّخي الجمالية الفنية في نقل وقائع التاريخ دراميا، نكون بحاجة الى تمرير الاندماج المتكامل بينهما، فالذاكرة لا تنقل دراما التاريخ الماضي باسلوب السرد الذي تحكمه الوقائع ولا تستطيع هي التحكم فيه، ويوجد فرق كبير بين السرد الروائي الخيالي عن السرد التاريخي الواقعي.

لذا نصبح أمام قبول حقيقة تفرض نفسها أن الذاكرة ليس بمقدورها نقل دراما التاريخ الماضي بنوع من السرد التوثيقي أكثر من حفريات الاركيولوجيا الذي هو من مهام عالم التاريخ والاثار والانثروبولوجيا التي تقف معها الذاكرة عاجزة عن مجاراة تمثيل منطق الحفر الاركيولوجي التاريخي. فالواقع على الارض يكون والحالة هذه يدمغ كلا من الذاكرة والخيال بالابتعاد التام عن مشغل حفريات التاريخ بما هو تدوين توثيقي مصدره الاساس التنقيبات الحفرية وليس التنظير الفلسفي. كل ما يتم التعبير عنه كادراك لغوي لا ينجو من أستهداف القصدية السيئة له. التي تحاول صهر حوادث التاريخ بسبيكة تجمع الحاكم كسلطة تعلو التاريخ ورغبته تدخل على تجيير مصداقية الوقائع التاريخية له.

قصدية أدراك وقائع الماضي أستذكارا صادقا محايدا لا ينجو من السطو السلطوي الحاكم الذي يرغب جعل نقل أصالة التاريخ مطواعا لتمرير كل سوءات ومظالم حاكمية سلطة الحاضر الجائرة. يعبر بول ريكور عن هذه الازدواجية قوله "الذاكرة مهددة بشكل كلي في أستهدافها الصادق للحقيقة عن طريق سوء الاستعمال"7.

 

علي محمد اليوسف/الموصل

.....................

الهوامش

1- بول ريكور/الذاكرة، التاريخ، النسيان/ ترجمة وتقديم د. جورج زيناتي/ ص52

2- نفسه نفس الصفحة

3- نفسه نفس الصفحة

4- نفسه ص 65

5- نفسه ص 74

6- نفسه ص 103

7- نفسه ص 109

 

 

عمرون علي "الخوف من التعثر يجعل عقولنا تتشبث بحبل المنطق".

أندريه جيد، كتاب" القوت الجديد" (Les Nouvelles Nourritures)


مدخل عام

غرضنا في هذا المقال الحديث عن مكانة المنطق وتطبيقاته ووجه الحاجة اليه، و ليس البحث في تاريخه وانواعه الكثيرة، فهذا امر يتجاوز حدود ما رسم لهذه الورقة، ثم انه من حيث المبدأ نشأة المنطق وتطوره مسألة تندرج ضمن تاريخ العلم .ومع ذلك يمكن القول ان المنطق كان مدخلا للفلسفة وعلم الدلالة منذ نشأته الأولى وحجر الأساس في نظرية المعرفة بل وجوهر البحوث اللسانية، وهو اليوم يشكل منعطفا حاسما في علوم الرياضيات والحاسوب، لقد أصبح المنطق عنصرًا أساسيًا في علوم الكمبيوتر والهندسة والعلوم المعرفية واللغويات والتواصل.

الواقع ان هناك مقدمة يمكن الانطلاق منها والتأسيس عليها قبل السير قدما في مقالنا هذا، تتمثل في ان حسن الاختيار واتخاذ القرار الصحيح، مرهون ومشروط بوجود فكر سليم أي القدرة على التصور والمداولة وإصدار احكام منطقية واستدلالات صحيحة، وثمة قول مأثور للفيلسوف أرسطو:" اللغة لباس للفكر "فإذا كان اللباس فضفاضا غاب المعنى و إذا كان اللباس ضيّقا حصل الالتباس. لذلك اهتم المعلم الأول باللغة – من حيث هي تقنية خطاب وممارسة- وعلى اعتبار ان "الإنسان حيوان ناطق ومدني بطبعه" هو يستخدم اللغة بوصفها نسقا من الرموز والاشارات: إما للاتصال والتواصل ، أو للتفكير من خلالها وبها عن حقائق إنسانية و كونية، أو بهدف اتخاذ احكام وقرارات للفصل في القضايا و للتداول في الشؤون الحياة العامة، هذه الوظائف المتعددة للغة تفسر لنا حجم الغلط والمغالطة الذي ينتج عن سوء استخدامها في بعدها المنطقي .والحقيقة لقد ظل المنطق زمنا طويلا مرتبطا باللغة، والرواقيون الذين اطلقوا كلمة المنطقLogoi لأول مرة في التاريخ دلوا به على دراسة الكلام والفكر معا، وقسموه الى جدل وبلاغة وضمنوه كذلك تعاليم ارسطو في القياس .

وما يهمنا هنا- كمدخل لمقالنا- هو الفكر واللغة في بعدهما المنطقي، حيث نلاحظ على الدوام بعض العقول لاتخطئ فحسب في التفكير بل تحتال باستمرار على الحقيقة هي عقول تتحدث عن جهل وتهرف بما لاتعرف " انها عقول تجرؤ على ان تقرر فيما تجهله، ومالا يمكنها ان تفهمه ولربما لم يسمع بها بشر قط .انها لا تميز بين كلام وكلام، انها لا تحكم على حقيقة الأمور الا بطنين الصوت ورنينه " .[1] ولا عجب في ذلك فعندما يغيب المنطق ينخدع الفكر بسهولة وينساق وراء زخرف القول فيقع في مصيدة الاغاليط المنطقية والاستدلالات الفاسدة، واسوء ما في الامر هو اغتيال الحقيقة والتأسيس للتفاهة فزمننا اليوم كما يقول الأستاذ: محمد كريم النيفر في مقال له حول فلسفة المغالطات زمن كثر فيه الهرج والمرج واللغط واللغو والترّهات والشائعات والفتاوى الغريبة والتراشقات والسّجالات والتجاذبات والقرقعة والفرقعة والأكاذيب والخداع السياسي والفكر والإيديولوجي والعقائدي والبرامج الموجّهة والأجندات المشبوهة... فصارت حوارات الناس السياسيين ورجال الدين والمثقّفين مزعجة هذه الأيّام، إن لم نقل أشبه بصورة كاريكاتيرية لوجهين يصرخان في بعضهما البعض.*

من هذا المنطلق تظهر الحاجة الى المنطق الذي هو جوهر ما يسمى "اللوغوس"، وهو مصطلح إغريقي يعني "الكلام" و"اللغة" و"المنطق" في آن واحد. فهو، وفقا للتعريف الذي وضعه كانْط له، العِلم الذي يشرح بالتفصيل ويبرهن بدقة القواعد الشكلية لكل فكرة.و تبين لنا أطروحات أرسطو وإقليدس، أو لايبنيز وسبينوزا، وكذلك النصوص التأسيسية للفلسفة الموهية في الصين أو مدرسة نيايا في الهند، أن دراسة المنطق – كما جاء في رسالة أودري أزولاي -حظيت باهتمام العديد من الفلاسفة وعلماء الرياضيات على مر القرون. و يعزى انتشار دراسة المنطق أيضا، وربما في المقام الأول، إلى تطبيقاته العملية الكثيرة. فقد كان للمنطق بالفعل دور رئيسي في تطوير العلوم والهندسة، وعلم النفس المعرفي، واللغويات، والاتصالات؛ وكان حافزا حقيقيا للتحول والتغيير ومعينا لا ينضب للابتكار.وأصبح المنطق في القرن الحادي والعشرين، أكثر من أي وقت مضى، تخصصا عصريا لا غنى عنه في مجتمعاتنا واقتصاداتنا. فالمعلوماتية والتكنولوجيا الرقمية هما على سبيل المثال، تقنيات تستند في الأساس إلى التفكير المنطقي والخوارزمي." [2]

المنطق الصوري

الدوكسا والفطرة السليمة.

من الضروري لطالب الحكمة في عرف الكثير من الفلاسفة على اختلاف مذاهبهم ومحطاتهم التاريخية معرفة لماذا كانت استدلالاته صحيحة او خاطئة ومن الضروري والحال هذه تدريبه على اشكال وقواعد القياس ومعرفة أنواع القضايا واصنافها وادراك قسمة الحدود والمعاني، وهذه هي العلامة الحقيقة في نظرهم على التميز والتفوق في الممارسة الفلسفية . لقد كان المنطق منذ ظهوره فوق المسرح الفكري في اليونان عند ارسطو المدخل الضروري لتعلم كل اقسام " الحكمة النظرية والعملية " انه " آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن من الوقوع في الخطأ" وعلم المنطق الصوري من العلوم الآلية التي تستخدم لغيرها لا لذاتها وكما قيل هو خادم العلوم وميزان العلوم وموضوع المنطق هو المعرف والحجة أي تعريفا الأشياء تعريفا علميا دقيقا صحيحا وكيفية الاستدلال على الأشياء ويعنى المنطق بدراسة مبادئ ومناهج الاستدلال السليم، ويهدف الى تمييز الصواب عن الخطأ فيما نقيم من استدلالات .وينشأ عن ذلك ان تنمي دراسة المنطق القدرة الاستدلالية لدى المرء من خلال تعلمه واستخدامه عدة صور للاستدلال المنطقي السليم متجنبا الوقوع في الأخطاء المنطقية الشائعة ومع تقدم الطالب في دراسة المنطق يمكنه إقامة سلسلة ممتدة من الاستدلالات اكثر تركيبا. و يعرف المنطق الصوري أيضا بأنه علم قوانين الفكر وهي قوانين كنا نلقنها لطلبتنا في الجزائر كمدخل للتفكير المنطقي، وهي ثلاث:

ـ قانون الهوية: ويعني أن لأي شيء ذاتية خاصة يحتفظ بها من دون تغيير، فالشيء دائماً هو هو (أ هو أ) فالهوية تفترض ثبات الشيء على الرغم من التغيرات التي تطرأ عليه، فأنا هو الشخص ذاته الذي كنته منذ عشرين عاماً على الرغم مما طرأ علي من تغير.

ـ قانون عدم التناقض: ينكر هذا القانون إمكان الجمع بين الشيء ونقيضه، فلا يصح أن يصدق النقيضان في الوقت نفسه وفي ظل الظروف نفسها، إذ لا يصح القول إن هذا الشيء وفي هذا الوقت «أزرق» وليس «أزرق» [(أ) لا يمكن أن تتصف بأنها(ب) وبأنها (لا ب) معاً].

ـ قانون الثالث المرفوع: ويعني أن أحد المتناقضين لابد أن يكون صادقاً إذ ليس هناك احتمال ثالث بجانب المتناقضين يمكن أن يكذبهما معاً، ولا يوجد وسط بينها، فإما أن نثبت محمولاً معيناً لموضوع ما وإما أن ننفيه عنه.

.ووحدات المنطق الصوري لايمكن فهمها الا من خلال اعمال ارسطو المنطقية وهي تشتمل على:

01- كتاب المقولات (قاطغورياس) ومعناه المحمولا ت.

تعني لفظة قاطيغورياس عند أرسطو الإضافة أو الإسناد، وعليه فإن المقولات هي أمور مضافة أو مسندة أي محمولات، أو بتعريف أدق: المقولة معنى كلي يمكن أن يدخل محمولًا في قضية ويهتم هذا الكتاب بدراسة الاقوال المختلفة والحمل .والمقولات عشر في عددها وهي: 1-الجوهر، 2-الكمية، -3-الكيفية، 4- الإضافة، 5- المكان، 6- الزمان، 7-الوضع، 8- الملك، 9- الفعل، 10- الانفعال.و الجوهر هو الأكثر أهمية بين هؤلاء العشرة، لأنه يصف الشيء من حيث ما هو عليه حقًا. بالنسبة لأرسطو، الجوهر الأساسي هو الشيء الفردي نفسه، والذي لا يمكن أن ينسب إلى أي شيء آخر يمكن أن توفر الأنواع العشرة من المسند وصفًا شاملاً لماهية أي شيء فردي. افترض أرسطو أن أي شيء ينطبق على أي مادة فردية يمكن من حيث المبدأ، أن يقال عنها بإحدى هذه الطرق العشر.

02- كتاب العبارة (باري أرميناس) والعبارة معناها الصوت:يهتم بتحليل اللغة والمقاطع والكلمات التي تتألف منها اللغة كالاسم والفعل والاداة والدلالة وانواعها، ويهتم الكتاب ببحث تقابل القضايا الحملية وذوات الجهة من ناحيتي الضد والتناقض، كما يحدد ارسطو في هذا المبحث مفهوم القضية بوضوح باعتبارها قول يحتمل الصدق او الكذب .

03- التحليلات الأولى (أنا لوطيقا): تقع في مقالين:المقالة الأولى وتهتم بدراسة نظرية القياس الحملي ونظرية قياس الجهات، في حين يبدأ ارسطو بدراسة خصائص القياس من ناحية الصدق والكذب في المقالة الثانية .ومن اهم مميزات البحث المنطقي المتضمنة في التحليلات الأولى ان ارسطو اهتم بالعلاقات بين المقدمات والنتيجة في القياس من ناحيتي صحته وفساده .وهنا بين ارسطو استحالة اشتقاق او استنتاج نتيجة كاذبة من مقدمات قياسية صادقة في قياس صحيح، ولكنه من الممكن ان نحصل على نتائج صادقة او كاذبة من مقدمات او مقدمة كاذبة على الأقل

04- التحليلات الثانية:وتقع في مقالتين الأولى بحث في نظرية البرهان، في حين تهتم المقالة الثانية بنظرية الحد .تناقش المقالة الأولى والثانية البرهان والتعريف والطريقة الاستدلالية وبعض المسائل المتعلقة بعلم النفس .واذا تفحصنا كتاب التحليلات الثانية بصورة عامة لوجدناه يهتم بتحليل ماهية العلم وشروطه وخصائص البرهان، متأثرا بذلك بالمنهج الرياضي.

05- كتاب الطوبيقا او المواضيع ويقع في ثمانية مقالات: المقالة الأولى تهتم بدراسة موضوع الجدل، والمقالة الثانية تدرس موضوعات العرض المشتركة .اما المقالة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة فتهتم بالعرض والجنس والخاصة والحد، في حين المقالة السابعة والثامنة التعريف والجدل.

06- كتاب السوفسطيقا ويبحث في المغالطات وأنواع الحجج، كما يتضمن هذا المبحث بعض القوانين المنطقية . وكتاب الأغاليط أو تفنيد الحجج السوفسطائية يقع في مقالتين: تبدأ الأولى بتعريف الغلط أو السفسطة بأنها قياس في الظاهر فقط لا في الحقيقة، وتستطرد إلى بيان العلاقة بين هذا الكتاب وسائر الكتب المنطقية، وأن «أفعال السوفسطائية إما في القياس المطلوب به إنتاج شيء، وإما في أشياء خارجة عن القياس»، فالمغالطات في القياس «إما أن تقع في اللفظ أو في المعنى أو في صورة القياس أو في مادته، وإما أن تكون غلطًا أو مغالطة»، والأشياء الخارجة عن القياس «مثل تخجيل الخصم وترذيل أقواله والاستهزاء به وقطع كلامه والإغراب عليه في اللغة واستعمال ما لا مدخل له في المطلوب وما يجري مجرى ذلك.»

07- ريطوريقا (الخطابة)

08- أوطيقا (الشعر)

واضيف للمنطق بعد ارسطو كتاب ايساغوجي وهي كلمة يونانية تعني المدخل وعرف عند العرب ب(الكليات الخمس) وهو من وضع فرفوريوس* احد شراح كتب ارسطو .

يربي المنطق في الانسان ملكة النقد والتقدير الصحيح ووزن البراهين والحكم عليها بالكمال او بالنقص ويعترف ارسطو بأسبقية زينون الايلي بانه مبتكر الجدل فقد ادخل أسلوب الخفض حتى الامتناع في المناقشات الفلسفية والذي كان يستعين به الرياضيون من قبل، لاسيما الفيثاغوريون في برهانهم الشهير على امتناع مقارنة خط الزاوية مع ضلع المربع وقد وضعوا نظريات في الحساب والهندسة واقاموا عليها الأدلة العقلية ولاشك ان طريقة الاستدلال الرياضي من الطرق المنطقية. و يمكن القول ان لايمكن ان نفهم فلسفة ديمقريطس او غيره دون ان تكون لنا خلفية بعلم المنطق.

ولايمكن ان نستوعب الغاية من المنطق الا بالعودة الى أسلوب السوفسطائيين القائم على البلاغة في صورة الجدل من اجل دخض الخصم .ويقال ان برتاغوراس كان يتبجج بقدرته على ان يجعل الحجة الأسوأ تبدو كأنها هي الاحسن وقد أشار جوازيا رويس في كتابه مبادئ المنطق [3] ان الشاب المتدرب في المحاورات يتم تعليمه التفكير السليم من قبل سقراط ويتم تحذيره من الفنون الزائفة للسوفسطائيين، والتعاليم التي تلقن له دائما تتناول مايلي:01- الطريقة الصحيحة للتعريف .02- معرفة طريقة التصنيف المنهجي، وكيفية اجراء القسمة المنطقية لفئة كبيرة الى الفئات المكونة لها .03- الدراسة الفاحصة للحجة المؤيدة لقضايا معينة.04-الفحص المركز لأنماط الاستدلال .

ومثل المنطق كمثل النحو والبلاغة فاذا كان الأول يصون اللسان من اللحن، ويعصمه من التلفّظ بما يستهجن عند النحاة، فان الثانية تورث صاحبها حسن التفكير وجودة التعبير . والمنطق هو العلم الذي يعصم الإنسان عن الخطأ في الفكر يعصم أفكارنا عن السهو والاشتباه في الاستدلال، وعن الانخداع بالمغالطات والتمويهات في المخاصمات.ولذلك احتل مكانة مرموقة ضمن مؤلفات فلاسفة الإسلام . و دخول المنطق الارسطي الى ساحة الفلسفة الإسلامية ارتبط بحركة الترجمة فقد امر الخليفة أبو جعفر المنصور بترجمة المنطق الى اللغة العربية وكلف عبد الله ابن المقفع بنقل كتب المنطق من اللسان السورياني واللغة اليونانية الى اللغة العربية . هذا الوافد الجديد تضاربت الآراء حول أهميته والحاجة اليه بين معارض ومؤيد ابن تيمية مثلا ذهب الى القول:" المنطق اليوناني لايحتاج اليه الذكي ولاينتفع به البليد " وكذلك ابن صلاح و آخر العلماء الذين ذكرهم كولدزيهر[4] ممَّن كانوا معارضين للمنطق هو جلال الدين السيوطي الذي أدان المنطق في عدَّة مناسبات، لأنَّ المنطق في نظره ليست له أيَّة فائدة تذكر ويتعارض مع العقيدة الإسلاميَّة. ومن بين إداناته للمنطق نجد كتابه(القول المشرق في تحريم الاشتغال بالمنطق)، هذا الكتاب الذي يوجد ضمن مجموع فتاوى السيوطي في فتوى للفقيه المصري شهاب الدين أحمد الرملي)ت. 1550 م/ 957 ه(في جواب له عن سؤال: هل دراسة المنطق محرَّمة؟ جاء الجواب:"إنَّ الاشتغال به)على(ثلاثة مذاهب؛ قال ابن الصلاح والنووي: يُحرَّم الاشتغال به، وقال الغزالي:من لا يعرفه لا يوثق بعلومه، والمختار كما قال بعضهم جوازه لمن وثق بصحة ذهنه ومارس الكتاب والسُّنَّة، وغايته عصمة الإنسان عن أن يضلَّ فكره، ونسبته إلى المعاني كنسبة النحو إلى الألفاظ، وهو آلة لغيره من العلوم ولا يحتاج إلى آلة أخرى

هذا هو المنطق الذي دافع عنه الفارابي ووصفه بالصناعة التي تعطي لصاحبه القوانين التي تقوم العقل، والذي ارتقى به ابن رشد ومن خلاله ارتقت الفلسفة في اندلس القرن الثاني عشر ميلادي بل انه وفي ناحية أخرى من الإمبراطورية العثمانيَّة كان العلماء يدرسون ويدرِّسون ويؤلفون في المنطق، دون إقامة أيّ اعتبار لفتوى السيوطي وابن نجيم. فعلى سبيل المثال نجد العالم والقاضي العثماني أحمد طاش كبري زاده)ت. 1560 م/ 968 ه(في موسوعته للعلوم المسمَّاة «مفتاح السعادة » قد أعلى من شأن المنطق بتلقيبه بأنَّه أجلُّ علوم الآلة ورئيس العلوم العقليَّة، وأورد قول الشاعر ممتدحاً علم المنطق:

عاب المنطقَ قوم لا عقول لهم   وليس له إذا عابوه من ضرر

ما ضرَّ شمس الضحى والشمس طالعة  أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر

وتروي حكاية طريفة عن الجاحظ* حين اولع باستخدام طريقة القياس المنطقي ومجملها ان صنفا من الطعام يطبخ باللبن قدم الى الجاحظ وصحبه ابن ماسوية الى جانب أصناف من الأطعمة منها السمك، فنصح ابن ماسوية الجاحظ عملا بالمثل السابق .فجادله الجاحظ بقوله:لايخلو ان يكون السمك من طبع اللبن اومضاد له.فاذا كان احدهما ضد الاخر دواء له، وان كانا من طبع واحد فللتحسب أنا اكلنا من احدهما الى ان اكتفينا .وكانت النتيجة ان أصيب الجاحظ بالمرض فقال على لسانه:هذه والله نتيجة القياس المحال .

وماذا عن المنطق غير الصوري؟

المنطق اللاصوري او المنطق العملي هو مجهود الفلاسفة والمفكرين في العصر الحديث لتجديد المنطق الصوري وتعديليه ليكون أقرب واكثر انسجاما مع الواقع، واكثر فاعلية في تحليل وتقييم المحاجات والاستدلالات في حياة الناس اليومية، وقد ظهر هذا العلم مع اعمال (أونتوان أرنولد) وأعمال (رالف جونسون) و (جون انتوني بلير) .

وللمنطق غير الصوري عدة مسميات منها المنطق العملي، فلسفة الحجة، نظرية الحجة، نظرية التفكير الناقد ....وقد ظهر في أواخر الستينات واوائل السبعينات من القرن العشرين في شمال أمريكا وكندا وقد عرفته موسوعة ستانفورد:" بانه محاولة لتطوير منطق ما، الذي يقييم ويحلل الحجج الموجودة في اللغة العادية " يفحص هذا المنطق علاقات اللزوم الناشئة من مضامين الخطاب ويهتم بطبيعة ووظيفة الحجج في اللغة الطبيعة .واذا كان المنطق الصوري يعالج صور الحجة (التركيب) وقيم صدقها (الدلالة) فان المنطق غير الصوري يتعامل مع مجال الحجاج بأكثر اتساعا وهو يعالج استعمالات الحجاج في الحوار التداولي . يقول دوغلاس والتون:" يهتم المنطق الصوري بشكل الحجج (بنائها) وقيمتها الحقيقية (دلالتها) .فيما يهتم المنطق اللاصوري باستعمال هذه الحجج في سياق الحوار بطريقة براغماتية "[5]

من الأسباب التي أدت الى ظهور المنطق غير الصوري النقد البيداغوجي المتعلق بصلاحية المنطق الصوري وقابليته للاستعمال في الاستدلال اليومي وتحديدا المسائل السياسية والاجتماعية والعملية ورفض الفكرة المنطقية لسلامة الحجة كمعيار ضروري او كاف لجودة الحجج وضرورة الاهتمام بالمغالطات غير الصورية التي لم تعالج على نحو كاف في المنطق التقليدي . وبعد أربعة عقود من ظهور المنطق اللاصوري ظهرت عدة فروع علمية وفلسفية قائمة على تطبيق مبادئ التفكير النقدي ونظرية الحجاج من أهمها: الذكاء الصناعي والنمذجة الحاسوبية، وعلم النفس المعرفي، وعلم اللغويات.... وظهرت نظريات البلاغة الجديدة، ومنها الخطابة (البلاغة) الجديدة وهو عنوان فرعي اختاره بيرلمان وتيتيكا لكتابهما مصنف في الحجاج الصادر سنة 1958

المغالطات المنطقية

من سرير بروكرست الى رجل القش

المغالطة هي فن التلاعب بالأقيسة وتزيينها لتكون بصورة تشبه الى حد ما البرهان. ومنها المغالطات الصورية والمادية ومن المغالطات الصورية فقدان احد الشروط العامة للقياس كعدم تكرر الحد الأوسط ومثال ذلك (الاله موجود، وكل موجود يحتاج الى موجد، الاله يحتاج الى موجد) او بناء قياس من مقدمتين سالبتين ومثاله (لاشيء من المثلث شكل مربع، لاشيء من الشكل المربع مجموع زواياه تساوي قائمتين، لاشيء من المثلث يساوي قائمتين) .ومن المغالطات المادية المتعلقة بمادة القياس ايهام العكس كان نجعل المحكوم عليه محكوما به والمحكوم به محكوما عليه والمصادرة على المطلوب كقولنا: هذا المتحدث لايكذب .وكل من لايكذب فهو يقول الحقيقة .اذن هذا المتحدث يقول الحقيقة .*يتحدث شوبنهاور في كتابه فن ان تكون دائما على صواب عن الجدل المرائي [6]- la dialectique éristique هو فن للمماحكة، سبيله أن يجعلنا دائما على صواب بجميع الوسائل المتاحة ..ويربطه بالطبيعة السيئة للإنسان و ان مصدره الدونية الطبيعية للنوع البشري وحجته انه لو لم يكن الامر كذلك، لوكنا نزهاء اكثر، فلن نبحث، في أي مجادلة الا عن الحقيقة ".ان المنطلق الأولى في نظره للمغالطات هو الكبرياء الفطري عند معظم الناس الذي يتجلى في الثرثرة وعدم النزاهة فترى اللغة عندهم اسبق من الفكر .ان الذي يناقش لايتصارع من اجل الحقيقة وانما لاجل دعواه، ولذلك يشير شوبنهاور الى كتاب التبكيتات السفسطائية حيث يمكن ان نميز الجدل (الديالكتيك) عن السفسطة وعن المراء (المشاغبة) في ما يتعلق بالمراء الهدف هو ان نكون على صواب وفي مايتعلق بالسفسطة هو الاعتماد الذي يمكن استخلاصه والنقود التي يمكن ربحها.

أسباب الوقوع في المغالطات

في كتاب بعنوان "المغالطات المنطقية... فصول فى المنطق غير الصورى" للدكتور عادل مصطفى يتحدث عن أسباب الوقوع في فخ المغالطات ومنها:

01-  مركزية الذات وميل للإنسان لاعتبار نفسه مركز الكون والمرجع الرئيس للحقائق .

02-  مركزية الدين او المعتقد حيث يميل الانسان الى تصديق وتبرير كل مايوافق اعتقاده .

03- المركزية العرقية او الاثنية حيث يتم رؤية العالم من خلال العرق او الجماعة او الوطن.

عدد المغالطات المحددة في المنطق أكثر بكثير من 15 مغالطة، ومن هنا كان من اهداف المنطق منع خطأ الفكر. ومن ثمة منع المغالطة، والوقوع في المغالطات دلالة علىغياب القدرة على التحليل المنطقي ويعود ذلك الى إحدى عشر سببًا:

1) الميل للتعميم من وقائع فردية وأحادية، والرغبة فى سنّ قوانين جامعة، تعفى من عناء تحليل الحالات الفردية والخاصة.

2) ‫كائنات تحرّكها العاطفة، وتميل لتصديق ما تريد تصديقه، وانتقاد ما لا تريد تصديقه.

3) ‫إطلاق الأحكام المسبقة ـ غالبًا- من خلال المظاهر، ثمّ البحث جاهدين فى تأكيدها.

4) ‫العجز ـ غالبًا- عن التحليل الموضوعى وتحديد العلاقات بين الأشياء.

5) ‫الميل عادة للتبسيط المبالغ فيه، والعجز عن دراسة كلّ تفاصيل الموضوع.

6) ‫إسقاط الانحيازات الشخصية على الوقائع والتجارب الموضوعية.

7) ‫الرغبة فى الدخول فى النقاشات وتقديم آرائهم وتوضيح مواقفهم من مختلف الحالات والوقائع.

8) ‫كائنات أنانية مصلحية تميل لتصديق ما يحقّق لها الفائدة ويسهّل لها الحياة.

9) ‫الذاتية لدرجة يسهل إلهاؤهم وصرف انتباههم عن الموضوع الأصلي.

10) الاندفاع والتسرّع وعدم التفكير الجدّى قبل الكلام.

11) ‫انتقائيون كثيرًا فيما يستقبلون من معلومات، وليسوا مستمعين جيّدين.

ومن اشهر المغالطات[7]:

المصادرة على المطلوب

المصادرة على المطلوب هي التسليمُ بالمسألة المطلوب البرهنةُ عليها من أجل البرهنة عليها! وذلك بأن تفترض صحة القضية التي تريد البرهنة عليها وتضعها بشكل صريح أوضمني في إحدى مقدمات الاستدلال، وأنت بذلك تجعل النتيجة مقدمةً وتجعل المشكلةَ حلٍّا وتجعل الدعوى دليلًا!

تجاهل المطلوب

في هذه المغالطة يتجاهل المرءُ الشيءَ الذي يتوجب أن يُبرهن عليه، ويبرهن على شيءآخر، وقد يبدو استدلاله معقولًا بحد ذاته، ولكن المغالطة هنا في أنه يبرهن على نتيجة أخرى غير النتيجة المطلوبة التي يتعين عليه أن ينصرف إليها دون غيرها، بذلك تتسم الحُجة بسمَتَين: أنها قد خرجت عن الهدف المُحدد لها، وأنها قد اتجهت مباشرة إلى نتيجة أخرى.وتلقى هذه المغالطة رواجًا خاصٍّا في مجال التشريع الاجتماعي.

مناشدة الشفقة واستدرار العطف

في الثمانينيات من القرن التاسع عشر أثبتَ الادعاء، في محكمة فرجينيا بالدليل الدامغ ضلوعَ صبي بقتل والديه بفأس، فما كان من الدفاع سوى أن دَفَعَ ببراءة الصبي قائلًا»:أليس يكفي أنه أصبح يتيمًا لا أحد يتولَّى امره«!؟

الاحتكام إلى عامة الناس

تتضمن هذه المغالطة الاحتكامَ إلى الناس بدلًا من الاحتكام إلى العقل أو على حساب العقل، ومحاولة انتزاع التصديق على فكرة معينة بإثارة مشاعر الحشود وعواطفهم بدلًا من تقديم حجة منطقية صائبة، تكاد هذه الطريقة أن تكون أداةً من أدوات عمل رجال الدعاية والإعلان.

إثبات التالي

العبارة الشَّرْطيَّة هي العبارة التي تضع شرطًا يُسمى المقدَّم لتتحدث عما يلزم عن هذا الشرط » ثم تمضي في التالي لتتحدث عما يكون عليه الحال إذا ما تحقق هذا الشرط، وفي مغالطة إثبات التالي يتم الانتقال في الاتجاه العكسي، من إثبات التالي إلى إثبات المقدَّم.يقول د. عبد الرحمن بدوي في كتابه (المنطق الصوري والرياضي) »:يقع المرء في هذه الأغلوطة حينما يعتقد أن الشرط ولازمَهُ أي المقدَّم والتالي في القضية الشرطية منعكسان؛ أي أن بوسعه أن يعكس القضية فيمضي من التالي إلى المقدَّم، مثلما هو يمضي من المقدم إلى التالي، كأن يقول: إذا كان التعليم الثانوي في الجزائر يتميز بالجودة لَأرتفعت نتائج البكالوريا،

وما دامت نتائج البكالوريا مرتفعة؛ إذن التعليم الثانوي في الجزائر يتميز بالجودة .

 

سرير بروكرست (البروكرستية)

كان بروكرست، في الميثولوجيا اليونانية، قاطع طريقٍ يعيش في أتيكا، وكانت له طريقةٌ خاصةٌ جدٍّا في التعامل مع ضحاياه، فقد كان يَستدْرِج ضَحِيَّته ويُضيِّفه ويكرم وفادته، وبعد العشاء يدعوه إلى قضاء الليل على سريره الحديدي الشخصي، إنه سريرٌ لا مثيل له بين الأسِرة إذ كان يتميز بميزةٍ عجيبة: هي أن طوله يلائم دائمًا مقاس النائم عليه أيٍّا كان، غير أن بروكرست لم يكن يتطوع بتفسير كيف يتأتَّى لسريره أن يكون على مقاس الجميع على اختلاف أطوالهم، حتى إذا ما اضطجع الضحية على السرير بدأ بروكرست عمله، فجعل يربطه بإحكامٍ ويشدُّ رجليه إن كان قصيرًا ليمطهما إلى الحافة، أو يبترهما بترًا إن كان طويلًا ليفصل منها ما تجاوز المضجع؛ حتى ينطبق تمامًا مع طول السرير! وظل هذا دأبه إلى أن لقِيَ جزاءه العَدلَ على يد البطل الإغريقي ثيسيوس الذي أخضعه لنفس المَثُلة، فأضجعه على السرير ذاته وقطع رقبتَه لينسجم مع طول سريره.

هجوم شخصي كاذب

مغالطة الهجوم الشخصي تحدث عندما يهاجم شخص ما الشخص الآخر بدلاً من رفض حججه، بحيث لا علاقة للهجوم بحجة الشخص الآخر. عندما يهاجمك الآخرون بدلاً من حجتك، فهذا يشير إلى جودة حجتك. هذا يدل على أن خصمك يشعر بالعجز.

مناشدة المعتقد العام

تحدث مغالطة مناشدة اعتقاد شائع عندما يجادل المتحدث بأن عددًا كبيرًا من الناس، أو شريحة معينة من السكان، يؤمنون بمعتقد، لذا فإن هذا الاعتقاد صحيح. إن قبول معتقدات شخص أو أشخاص آخرين دون طلب إثبات على صحة هذا الاعتقاد يشير إلى كسل عقلي وطريقة غير صحية لقبول المعلومات الجديدة. حتى أواخر القرن السادس عشر، اعتقد معظم الناس أن الأرض هي مركز الكون. هذا الاعتقاد غير صحيح.

فمثلا: تم الترويج لنظرية نموذج مركزية الأرض من حيث الملاحظات السطحية والدينية، لكن معظم الناس في تلك الفترة قبلوها لأنها كانت شائعة وواسعة الانتشار، وليس ملاحظاتهم وحساباتهم وتفكيرهم العقلاني. نبذ أشخاص مثل كوبرنيكوس وجاليليو وكبلر المعتقدات الشعبية واكتشفوا حقيقة كانت مخفية عن غيرهم من البشر.

اللجوء إلى سلطة مجهولة

تحدث مغالطة اللجوء إلى مصدر مجهول عندما يتم استخدام مصدر مجهول كدليل على صحة الادعاء. تتضمن أمثلة هذه المغالطة استخدام مصطلحات مثل "يقولون ..."، "سمعت أن ..."، "يظهر البحث ..." وتلخيص الخبراء مثل "يقول العلماء ...". عندما لا يتم تحديد المصدر بدقة، لا يمكننا التحقق من صحة أو عدم دقة هذا المصدر، وبالتالي الادعاء المبني عليه. غالبًا ما يكون اللجوء إلى مصادر مجهولة حيلة لتزوير الحقائق أو المبالغة فيها أو تحريف الحقائق وخداع الآخرين لقبول الادعاء. في بعض الأحيان، تتم هذه الحيلة دون وعي وليست دائمًا مقصودة. مثال: مناخ الأرض يتغير ودائمًا ما يتغير. يتفق جميع العلماء تقريبًا على أن ارتفاع درجة حرارة الأرض، ولكن هناك جدلًا حول الأسباب الدقيقة للاحتباس الحراري، بالإضافة إلى القرارات السياسية التي يجب اتخاذها. نصيحة: احذر من عبارة "يقولون ...".

من المنطق الصوري الى المنطق الرمزي

المنطق الحديث الرمزي هو تطوير وتصويب للمنطق التقليدي، يقوم على استنباط القوانين المنطقية من أقل عدد من المبادئ (بديهيات وقوانين) بطريقة دقيقة كاملة، أي إنه نسق استنباطي، يبدأ من مقدمات معينة لينتهي إلى النظريات اللازمة عنها، معتمداً قواعد خاصة، مستخدماً اللغة المنطقية الرمزية فقط. ويرجع ظهوره إلى لايبنتيز أولاً ثم جورج بول وطوره فريجة وكارناپ وغيرهم، ويسمى أحياناً بالمنطق الرمزي أو الرياضي أو الاستدلالي أو النظري أو جبر المنطق، أو المنطق اللوغارتيمي، أو اللوغسيقا، ويتوقف الاسم على الهدف من التسمية. وقد اكتمل على يد رسل ووايتهد .ويمكن العودة الى كتاب (برينكيبيا ماتيماتيكا)، الذي عرض فيه راسل الأفكار الأساسية لفلسفة الرياضيات، وقد كتبه في السجن، حيث سُجن في بداية عام 1918 لمناهضته الحرب العالمية الأولى، واستمر في سجنه حتى سبتمبر من نفس العام؛ أي ستة أشهر خلالها كتب هذا الكتاب وبداية كتابه (تحليل العقل). يقول راسل في هذا الكتاب: " المنطق هو شباب الرياضيات والرياضيات هي مبلغ رجولة المنطق."

للمنطق الرمزي خاصيتان استخدام الرموز وانه نسق استنباطي وهو يستخدم نوعين من الرموز، هي الثوابت والمتغيرات، ويتألف من أربعة مباحث أساسية هي منطق القضايا، منطق المحمولات، منطق الفئات، منطق العلاقات. ألهم المنطق العلماء في الرّياضيات والحاسوب لتطوير جودة وصحّة المخرجات الحاسوبية. ففي مجال هندسة البرمجيات مثلاً وعند الاستدلال على صحّة المخطّط الرّسومي التّوضيحي لبرنامج حاسوبي ما، يتم تحويل هذا المخطّط إلى معادلات رياضية بحتة يصبح فيها المربع المرسوم الموجود في المخطّط، والذي يمثل أحد مدخلات أو مخرجات البرنامج، مجرد رمز رياضي، وتتحول العلاقة بين المربعات المختلفة إلى دوال رياضية بحتة. وحينها فقط يتم الانتقال من عالم الحاسب إلى عالم الرّياضيات حيث يتم تحليل هذه الدّوال والاستدلال على صحتها من خلال استحداث النّظريات حول خصائصها المختلفة وإثبات صحّة هذه النّظريات. عند إثبات صحّة هذه النّظريات نكون بذلك قد أثبتنا صحّة المخطّط الرّسومي للبرنامج الحاسوبي وأنتجنا ما يسمّى مخطّطاً موثق الصّحة.

علاقة علم المنطق بالحاسوب

يعتبر عالم الرياضيات الإنجليزي جورج بول (1815-1864) مؤسس المنطق الرقمي الحديث. قام جورج بول بتوصيف فرع جديد من الرياضيات، والذي يعتمد على نمطٍ خاص من المتحولات، وبدلاً من أن استخدامه للأرقام العشرية التي نألفها بالحياة اليومية، قام باعتماد أسس رقمي يقوم على عددين فقط: الصفر “0” والواحد “1”، حيث تم اعتبار الصفر يشير إلى الحالة الخاطئة “False” والواحد يشير إلى الحالة الصحيحة “True”. حتى بالنسبة للعمليات الرياضية، فإن جورج بول قام بتوصيف عملياتٍ رياضية جديدة تطبق على هذه المتحولات، وبدلاً من عمليات الجمع والطرح والضرب والقسمة، قام بتوصيف عمليات الضرب المنطقي AND، والجمع المنطقي OR، وعملية النفي NOT، والتكافؤ Equivalence والتضمين Implication.

اكتسب الجبر الرياضي الذي استحدثه جورج بول أهميته مع بداية الثورة التقنية الحديثة، والتي كان أبرز محطاتها اختراع أول حاسوب رقمي حديث، وهو الحاسوب “إينياك ENIAC” في عام 1946 كانت هذه المحطة علامة فارقة في مسير التطور التقني، حيث كانت الخطوة الأولى لتصنيع الأنظمة الحاسوبية الحديثة. الفكرة هنا، أن توصيف عمل المكونات الفيزيائية (أو الهاردوير Hardware) المشكلة لبنية الحواسيب الأولى كانت بحاجة لعلاقاتٍ تمثلها بشكلٍ فعال، وهنا برزت أهمية الجبر البولياني، من حيث كونها أكفأ نموذج رياضي يمكن عبره توصيف عمل المكونات المختلفة للأنظمة الحاسوبية.

يقول المنطقي البولندي بوشنسكي Bochenski في كتابه " موجز المنطق الرياضي ":" أن المنطق الرياضي لم يطبق بنجاح فقط في الرياضيات وأسسها عند فريجه وراسل وهلبرت وبرنيس وشولز وكارناب ولزنيفسكي وسكولم، ولكنه طبق أيضاً في الطبيعيات كارناب وديتريش وراسل وشانون وهويتهد وريشنباج وففرييه، وفي البيولوجيا وودجر وتارسكي، وفي علم النفس فيتش وهمبل، وفي القانون والأخلاق منجر وكلوج وأوبنهيم، وفي علم الأقتصاد نيومان ومورجنسترن، وفي مسائل ذات طابع عملي باركلي وستام، وحتي في الميتافيزيقا سالاموشا وستولز وبوشنسكي ".

كذلك من المعروف أن العقول الالكترونية التي من وظائفها الترجمة من لغة الي أخري تستعمل ثوابت المنطق Logical Constants لأداء ترجمة الروابط المنطقية الثابتة بين الكلمات والعبارات التي تختلف بأختلاف اللغات . [8]

كذلك من المعروف أن العقول الالكترونية التي من وظائفها الترجمة من لغة الي أخري تستعمل ثوابت المنطق Logical Constants لأداء ترجمة الروابط المنطقية الثابتة بين الكلمات والعبارات التي تختلف بأختلاف اللغات . *

 

عمرون علي - الجزائر

أستاذ الفلسفة

......................

‫المراجع المعتمدة

[1]- المنطق او فن توجيه الفكر، أنطوان ارنولد . بيير نيكول، ترجمة عبد القادر قنيني، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب، ص:10.

*يمكن العودة الى مقال فلسفة المغالطات بقلم الأستاذ: محمد كريم النيفر معهد 18 جانفي 1952 بـجبنيانة السنة الدراسية 2013 ـ 2014 السنــــوات الثالثــــة، المنشور بموقع طريق النجاح. 

[2]- رسالة المديرة العامة لليونسكو، السيدة أودري أزولاي، بمناسبة اليوم العالمي للمنطق14كانون الثاني/يناير 2020تم إنشاء اليوم العالمي للمنطق في نوفمبر 2019 من قبل اليونسكو، وسيتم الاحتفال باليوم العالمي للمنطق في 14 يناير، وهو يوم ولادة ألفريد تارسكي ووفاة كورت جودل.

* ولد فرفوريوس والمعروف ببورفير في صور سنة 233 ب . م، ويعني إسمه المتجلبب بالأرجوان . ويقال أن إسم فرفوريوس أطلق عليه في الاسكندرية عندما كان يتتلمذ على أمونيوس الذي رغب في أن يعطيه إسماً إغريقياً بدلاً من إسمه الصوري ملكوس ويعني الملكي.

[3]- مبادئ المنطق ، جوازيا رويس، ترجمة احمد الانصاري، مراجعة حسن حنفي، المجلس الأعلى للثقافة، الطبعة الأولى 2002، ص:29.

*القصة أوردها علي الوردي في كتابه اسطورة الادب الرفيع نقلا كتاب تاريخ المنطق عند لعرب الدكتور محمد عزيز نظمي سالم.

[4]- يمكن العودة الى دراسة خالد الروَّيهب، وهو أستاذ بجامعة هارفارد في ولاية ماساشوسيتس الأمريكيَّة. وقد نشر البحث، في نسخته الإنجليزيَّة الأصليَّة بمجلّة: Islamic Law and Society 11, 2. Koninklijke Brill NV, Leiden, 2004 (pp.213- 232 .والمقال منشور بموقع مؤمنون بلاحدود، للدراسات والأبحاث .

[5]المنطق غير الصوري، عبير عبد الغفار حامد، مجلة كلية الاداب، جامعة بني سويف، العدد37، ص: 17-20.

[6]-فن ان تكون دائما على صواب، ارثور شوبنهاور، ترجمة رضوان العصبة، مراجعة حسن الباهي، منشورات الاختلاف، ص: 32

* أهمية علم المنطق والرياضيات المتقطعة مدونة http://it1amblog.blogspot.com/2016/07/blog-post.html

* يمكن العودة لكتاب معالم المنطق للدكتور صالح الوائلي .

[7]- فصول في المنطق غير الصوري، عادل مصطفى، مؤسسة هنداوي، سنة 2017، ص: 25.

[8]- أصول المنطق الرياضي، الدكتور محمد ثابت الفندي، دار المعرفة الجامعية، سنة 1987،

ص: 17

 

علي رسول الربيعيمقدمة: إن التسامح مبدأ أخلاقي عالمي ولكن فقط بمعنى أنه يمكن توجيهه إلى كل شخص عقلاني وأخلاقي. والسؤال هو ما إذا كان هذا المبدأ مناسبًا في جميع المواقف وما هؤلاء الفاعلين الأخلاقيين الذين يدركون فائدته العملية لهم؟ ليس التسامح مبدأ أخلاقيا هكذا بشكل مطلق، لكنه مبدأ من بين مبادئ أخرى في سياق نظام أخلاقي معين. يجب إعطاءه مكان مناسب في التسلسل الهرمي للمبادئ. قد يؤدي فهم التسامح باعتباره المبدأ المطلق أو الغالب في مواجهة تهديد واضح ومباشر الى استخدامه كمظلة للسلوك المتبنى. يتم تعين حدود التسامح من خلال الحد الأدنى للمهمة الأخلاقية الأساسية لمقاومة الشر. إن مبدأ المقاومة النشطة للشر بكل الوسائل الممكنة هو قبل أو سابق على مبدأ التسامح.

أنا مهتم في مناقشة التسامح من خلال بعض الأفكار المعيارية الأخلاقية المهمة لفهم مكانة التسامح كقيمة ومبدأ في إطار الأخلاق. ورأيي هو، أنه نوع من التفكير في وضع اجتماعي - ثقافي معين

حدود مبدأ التسامح:

 التسامح مبدأ أخلاقي. وكمبدأ أخلاقي، فهو عالمي، ولكن فقط بمعنى أنه يمكن توجيهه إلى كل شخص عقلاني وأخلاقي. والسؤال كما اشرت أعلاه، هو: ما هؤلاء الفاعلين الأخلاقيين الذين يدركون واقعهم العملي؟ وفقًا لما ذكره مايكل والزر، كما ورد في كتابه عن التسامح

Michael Walzer, On Toleration, New Haven, CT: Yale University Press 1997.

يرتبط التسـامح ارتباطًا وثيقًا بالسلام، وبالتحديد، بالتعايش السلمي. إنه، في سياق المجتمع الديمقراطي، تعايش المواطنين على قدم المساواة في الحقوق، و في سياق التعددية الثقافية، هو التعايش بين الأفراد كممثلين عن مختلف الأعراق والعقائد، والتقاليد الثقافية. استنادًا إلى مفهوم "المجتمع المفتوح" الواسع، يمكننا ربط التسامح بالانفتاح على الاختلافات. وفقًا لكاتريونا ماكينون ، فإن التسامح يعني قبول ما يعارضه المرء او يقوم بقمع ممارسة أو اعتقاد يمكن لأحد أن يريده ، لأن لديى المرء القوة أو النفوذ.

Catriona McKinnon (Toleration: A Critical Introduction [London and New York: Routledge, 2006]).

لكني أرى أن هذا تعريف وصفي للتسامح لا يقول شيئًا عن الملاءمة الأخلاقية للممارسات المقابلة. نحن نعلم النقاشات الواسعة حول "مسألة الحجاب" في فرنسا ، وحدثت مناقشة مماثلة لكن على نظاق أقل في روسيا عندما أصرت بعض النساء المسلمات على حقهن في أن تكون صورهن محجبات في جواز السفر. تُظهر هذه الحالات أن الناس والمجتمعات بحاجة إلى التفاوض بشأن الملاءمة الأخلاقية للممارسات وكيف يمكن التسامح معها على نطاق واسع.

يتمثل أحد الجوانب المهمة، في إطار المقاربة السلوكية للتسامح في إدراك الفرد لحق الآخر في الحفاظ على آخريته. من المحتمل أن تشير أخلاق الفضيلة أيضًا إلى قدرة الفرد على تنظيم مشاعر الفرد السلبية تجاه الآخر على هذا النحو، بغض النظر عما قد يكون (لون البشرة، المظهر، الآداب، الأذواق، المعتقدات، أنماط الحياة، إلخ). إن هذه القدرة مهمة لممارسة التسامح ، ولكنها ليست ضرورية لمفهوم التسامح.

لذلك، هناك شرط محدد للتسامح يتم تنفيذه من خلال استعداد الفرد للتغلب على الاختلافات. ليست هناك حاجة للتسامح، عندما يكون الشخص جاهلاً بالاختلافات أو لا يهتم بها. ولا توجد حالة من التسامح، عندما لا يملك الفرد القوة ولا الطاقة للتعبير عن تحيزه تجاه ذلك المختلف أو قمعه. لا يبدو أن الحجج التي تدعو إلى التمييز فيما يسمى التسامح النشط والسلبي المقترحة في الأدبيات الحالية مقنعة. يرتبط ما يسمى بالتسامح السلبي باللامبالاة تجاه الآخرين، أو الخجل والجبن في التعبير عن الذات. نظرًا لأن التسامح مع الفضيلة الشخصية ينطوي على استعداد الفرد وقدرته على التعايش مع أولئك الذين تختلف آراءهم ومواقفهم وأنماط حياتهم عن آرائه. في رأيي، أن هذا وصف كافٍ للتسامح. وفي هذا الصدد، يشبه مبدأ التسامح مبدأ اللاعنف.

لا يوجد لدى، هذا الأخير، شعور عملي يتعلق بهؤلاء، الذين هم ضعفاء، عاجزون، سلبيون، وخجولون. وبالطريقة نفسها، على الرغم من أنه بشكل معاكس، فإن مبدأ التسامح - من وجهة نظر المراقب غير المهتم - هو مبدأ فعلي لأولئك، القادرين على إدراك الاختلافات بين الأفراد والجماعات، منحازين ولديهم الإرادة والسلطة للتعبير عن تحيزهم في سلوكهم تجاه الآخرين.

يشير مايكل والزر، بالاضافة إلى جانب الانفتاح على الاختلافات، الى فضول الفرد للاختلافات وإدراكه للإمكانات البناءة للتنوع الاجتماعي والثقافي. وهناك حاجة إلى التسامح ، عندما يُنظر إلى الاختلافات النفسية على أنها تهديد.

لتوضيح مشكلة مبدأ التسامح ، يجدر النظر مرة أخرى في "رسالة التسامح" لجون لوك. يمكن تفسير خطاب لوك حول التسامح بطريقة كانه يوجه بها هذا المبدأ إلى العضو العادي في المجتمع المدني. وهكذا تم قبول هذا المبدأ من قبل الثقافة السياسية الحديثة. ومع ذلك ، أن الحديث عن التسامح كان مهتمًا بشكل أساسي بالحكام ورجال الدين، أولئك الذين كانوا على رأس التسلسل الهرمي الاجتماعي والقوي ليس فقط للتعبير عن رفضهم و خلافهم وكراهيتهم للآخرين، ولكن أؤلئك الذين يظهرون مواقفهم وتحقيقها في العمل المباشر ضد من يعتبرونهم يستحقون سخطهم. ولكن في الوقت نفسه، على الرغم من أن لوك في تفكيره المعياري كان منفتحاً تجاه مبدأ العالمية، وكان التسامح بالنسبة له مبدأً عالميًا للمجتمعات، استنادًا إلى القانون الطبيعي، الاً أنه وضع قيودًا معينة على مبدأ التسامح. تتعلق هذه القيود بالمخالفين، أوأؤلئك الذين يمثلون خطورة على النظام الاجتماعي ، والذي يبرر أو يضمن فعالية مبدأ التسامح هذا. بعبارة أخرى، هناك حدود لمبدأ التسامح، يتم وضعها بواسطة نظام التسامح ذاته (استخدم المصطلح الذي اقترحه مايكل والتزر).

لذلك، طبقاً الى لوك، ليس التسامح مبدأ أخلاقيًا نموذجيًا وليس مبدأ أخلاقيًا مطلقًا كما يُقدم غالبًا في المناقشات الفلسفية والسياسية العامة. إنه واحد من بين أمور أخرى في سياق نظام أخلاقي معين. يرتبط تسامح الفكر في الفكر الليبرالي بمفاهيم أخلاقية مثل الاحترام والكرامة وحقوق الإنسان والأستقلالية، وما إلى ذلك. المطلوب إعطاء التسامح كضرورة مكانه المناسب في التسلسل الهرمي للمبادئ. يتم تعيين حدود التسامح عن طريق الأخلاق نفسها، ومن خلال مهمتها الأساس أوالحد الأدنى منها لتنظيم السلوك الفردي والجماعي لمقاومة الشر. إن مبدأ المعارضة النشطة للشر بكل الوسائل الممكنة هو قبل مبدأ التسامح.

نحتاج إلى تمييز أعمق للجوانب الأخلاقية والسياسية للتسامح. من وجهة نظر سياسية ، يُنظر إلى التسامح باعتباره عاملاً يعزز النظام المدني والاستقرار العام ، ومن وجهة نظر أخلاقية يُنظر إلى التسامح على أنه نوع من التقييد المعياري للأفراد لعدم التدخل وقمع المعتقدات والممارسات التي يكرهونها. النقطة الأساسية هي يجب أن يفهم التسامح ويقبل كفضيلة عامة، باعتبارها واحدة من القيم المجتمعية والمدنية الأساسية.

يمثل مصطلح "نظام التسامح" المذكور أعلاه المصطلح الذي اقترحه مايكل والتزر، في رأيي، مفهومًا مهمًا، يتم بموجبه تبني التسامح في المجتمعات المختلفة من خلال هياكل وإجراءات عامة مناسبة خاصة بمجتمع معين. يتطلب التنفيذ الكامل للتسامح كمبدأ أخلاقي عملي أدوات سياسية وقانونية مناسبة، حيث يتقاسم المجتمع مسؤولية الحفاظ على روح التسامح وأخلاقياتها من أجل الحفاظ على الاستقرار وتوفير فرص بناءة للتفضيلات. 

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

 

علي محمد اليوسفتقديم: أن المعضلة التي يطرحها تشابك الذاكرة والخيال قديمة قدم الفلسفة الغربية، منذ ما يقرب من 470- 399 ق. م أورث سقراط الفلسفة اليونانية اشكالية علاقة الذاكرة بالخيال في تيارين فلسفيين أحدهما تزعمه افلاطون الذي كان يدافع عن ادخال اشكالية الذاكرة في اشكالية الخيال، والمسار الثاني تزعمه ارسطو الذي يرتكز على ثيمة تمثل شيئا سبق ادراكه أو اكتسابه وتعلمه فيدافع عن أدخال اشكالية الصورة في اشكالية الذكرى، وعلى هذا المنوال لم يتوقف النقاش الفلسفي حول هذه الازدواجية الاشكالية بالفلسفة الى يومنا هذا.1

وهنا أود التنبيه أن المناقشة الفلسفية حول تشابك الذاكرة بالخيال، تنطلق من أنهما مفهومان لهما علاقة ترابطية  في عملية الادراك باعتبارهما وحدة زمانية تختلف في التعبير عن الزمان كتحقيب زماني - تاريخي في اتجاهين متعاكسين أن الذاكرة هي أستذكار لوقائع واحداث الماضي، والخيال تصنيع لزمان مستقبلي آتي يتبلور كصيرورة كما تصوّره المخّيلة، ولا تشير المناقشات الفلسفية الى أهمية التاكيد أنهما جوهران متعالقان في التعبير التجريدي عن الاشياء مصدرهما تفكير العقل، الذي أجده يحل المشكلة من أساسها، لاننا من دون مرجعية العقل لا يمكننا الحديث عن عمل ذاكرة ولا عن عمل خيال لا في ترابطهما ولا في فصلهما عن بعضهما. الشيء الملفت للانتباه هو معاملة الفلاسفة الذاكرة والخيال موضوعين متداخلين مترابطين بعلم النفس والادراك الحسي، بعيدا عن كونهما تجريدان ناتجان عن منظومة العقل الادراكية يعرفان بدلالة الوظيفة التعبيرية المتداخلة بينهما.

بين الذاكرة والخيال

على خلاف من ديكارت وبرجسون ومعهما فلاسفة آخرين من الذين أنكروا وجود علاقة ترابطية بين الذاكرة والخيال وأنكروا ايضا توليدية الذاكرة لافكار الخيال وارتباط المخيّلة بالذاكرة. في مقاربة هذه الاشكالية الفلسفية يطرح بول ريكور تلازم الذاكرة والخيال بعلاقة ممكن الفصل بينهما بالقصدية التي تتلبس الوعي في الفهم الوجودي وفلسفة اللغة. فهو يؤكد حقيقة غير مشكوك بها فلسفيا على الاقل قوله" الذاكرة مقاطعة تابعة للخيال، الذي كان قد عومل ومنذ زمان بعيد بكثير من الشبهة كما هو الحال عند ميشال مونتين وباسكال واسبينوزا."2

قبل دخولنا تفسير تفاصيل هذا الحكم الفلسفي لريكور الذي نستشف منه تغليبه قيادة الذاكرة في مسكها مقود الخيال والهيمنة عليه، لذا يصبح معنا التساؤل مشروعا أيهما يقود الاخر الذاكرة تقود الخيال أم العكس الخيال هو يقود الذاكرة في حالتي اقرارنا الانفصال أو الاتصال بينهما؟ أم لا علاقة تعسفية من هذا النوع التساؤلي يكون واردا في أعتمادنا حقيقة انفصالهما، وهذا يقودنا الى تساؤل أكثر أهمية ماهي مصادر أكتساب كلا من الذاكرة صفتها الادراكية، وكذا الحال كيف يكتسب الخيال معنى أفكاره التخيلية وما هو مصدر تلك الافكار غير الذاكرة في حال جعلنا من انفصال مفهومي الذاكرة والخيال عن بعضهما حقيقة قائمة لا بل موجبة كما سنرى في تعبير ريكور لاحقا.

والعقبة التي يتجاهلها الفلاسفة أن كلا المفهومين الذاكرة الاستذكار والمخيلة في تعبيرها عن الخيال كلاهما جوهران تجريديان لا يمكننا معرفة أين موقعهما من تكوين الجسم في التبعية البايولوجية لمنظومة الادراك العقلي، حتى في حال العودة أنهما نتاج عمل منطقة محددة في قشرة الدماغ أو في الفص الدماغي المّخي المسؤول عن توليد مثل تلك الفعاليتين التجريديتين الذاكرة والخيال التي هي من أختصاص علمي صرف في دراسة علم وظائف الاعضاء والجملة العصبية.. .

والسؤال المربك فلسفيا اذا كانتا الذاكرة والخيال كلاهما تعبيران مجردان يصدران عن ملكة العقل الادراكية فكيف تم الربط بين أعتماد الذاكرة خزين توليدها أفكار الخيال؟ يطرح بول ريكور وجوب وأهمية فصل الذاكرة عن الخيال قائلا " علينا الوقوف ضد هذا التيار – يقصد تيار ديكارت باعتباره الذاكرة هامشا متعالقا بالخيال – الذي يحط من شأن الذاكرة ويعاملها على هامش نقده الخيال، أن نقوم بعملية فصل الخيال عن الذاكرة الى أبعد ما نستطيعه في هذه العملية " 3 هذا ما اراده ريكور.

ويضيف ريكور أبعد مما ذهب له حول أهمية الانفصال بين الذاكرة عن الخيال بدقة متناهية الوضوح تعبيره " الفكرة الرئيسية هنا هي وجود أختلاف نستطيع أن نقول عنه أنه جوهري بين استهدافين، بين قصديتين أحداهما هي قصدية الخيال المتجهة نحو الوهمي، القصصي، غير الحقيقي وغير الواقعي، والممكن، واليوتوبي، والاخرى هي قصدية الذاكرة المتجهة نحو الحقيقة السابقة، الواقع السابق، وتشكل السبقية السمة الزمنية بامتياز للشيء المتذكر بوصفه كذلك." 4، بهذا التعبير أعطى ريكور الذاكرة خاصية التعبير في استذكار حوادث الماضي، وأعطى أفكار الخيال قابلية فتح بناء افاق المستقبل باعتباره وهما أحتماليا تحققه التنبؤي له.

أي جعلهما الذاكرة والخيال يرتبطان بزمنين أحدهما خاصية الذاكرة استذكار (الماضي)، والثاني الخيال خاصية تنبؤه (المستقبل)، فكيف جرى الربط التعسفي بينهما في الغاء عدم المجانسة الزمانية التحقيبية بينهما في تحاشي الانزلاق بوجود أكثر من زمان واحد من ناحية الماهية وليس من ناحية التحقيب للزمان كتاريخ أرضي.

تعقيب وتساؤلات:

- يأخذ بول ريكور توجه ديكارت قوله " لاشيء يأتي لمساعدة الذاكرة بوصفها وظيفة نوعية لبلوغ الماضي " طبعا هنا ديكارت لا يعير أدنى أهتمام للخيال بأعتباره تصنيع أيهامي للميتافيزيقا، وعلى أعتبار الخيال رغم طابعه اليوتوبي الميتافيزيقي، الا أنه توجه معاكس لما تضطلع به الذاكرة باتجاهها قصديا نحو أستذكار وقائع الماضي، في حين الخيال استشراف قصدي مستقبلي مناقض لتوجه الذاكرة يتجه قصديا لخلق عوالم مستقبلية.

كما لا يتطرق ديكارت حتى بالاشارة الى تعالق كلا من الذاكرة والخيال بالعقل البيولوجي كنواتج عن فعالية فسلجية تتم داخل دماغ الانسان عضويا وليس خارجه. جميع حلقات الادراك العقلي هي تجريدات متصلة مع بعضها ولا قيمة حقيقية لوجود أحداها منفصلة. وحلقات العقل الادراكية من التجريدات وغير التجريدات تبدأ باحساسات الحواس، فالجهاز العصبي الناقل لها، الذهن، الوعي، الادراك، الفكر، اللغة، الذاكرة، المخيلة أو الخيال، وغيرها من متصلات معها جميعها تخضع لتصنيع عقلي في الدماغ والمخ تحديدا. وهي تجريدات معرفية لغوية مسؤول عنها وتطلقها مناطق عصبية ترتبط بأجزاء محددة موجودة في قشرة الدماغ أو في تركيبة تكوين المخ.

- كيف تم جمع النقيضين الذاكرة والخيال من خلال قصدية زمنية متعاكسة،؟ الذاكرة تنشد الماضي والخيال ينشد تحقق المستقبلي، بضوء هذا التضاد المتعاكس غير المتجانس يصبح ما طرحه بول ريكور حول ضرورة الفصل بين الذاكرة والخيال أكثر من ضرورية في حال أمكانية برهنة ثبوت تحقق هذا التوجه على صعيد البيولوجيا العضوية عند الانسان وليس على وفق منطق الفلسفة التجريدي.. فكما أن الاعتراف بربط الذاكرة بالخيال عمل أعتباطي بمنهج الفلسفة وليس بحقائق العلم، كذلك طرح الانفصال بينهما هو الاخر عمل أعتباطي بالفلسفة وليس العلم.

كون الذاكرة والخيال أصبحا مفهومين مجردين يعبران عن اشياء يدركها العقل ولا يعرف الانسان كيف نشأت ومن هو المسؤول عنها، وعندما نقول ذاكرة فهي دلالة لفظية نتاج عمل خلايا عصبية موجودة ومرتبطة بالدماغ مسؤولة عنها، وتصبح تجريدا للعقل وليس موضوعا يدركه العقل، كذلك الخيال فهو أيضا دلالة لمفهوم مجرد ترجع مسؤولية أصداره منطقة في قشرة الدماغ أو في جزء من الفص المخي الموّلد له. ويبقى الخيال تجريدا استبطانيا ما لم يتحول الى أفكار تعبيرية تصدرها اللغة.

- الذاكرة في حال أقرارنا أنها مستودع تخزين التجارب الادراكية الواقعية المستمدة من العالم الخارجي، واذا ما علمنا أن الذاكرة لا تستطيع استذكار الماضي تماما بسبب النسيان الذي تمتاز به ويلازمها. لذا يكون التساؤل من أين تستمد الذاكرة افكار الخيال وكيف تكون هي مصدر الخيالات في وقت هي تتوجه نحو ماض قائم بوقائعه التاريخية، في تعارضها المتعاكس مع توجه الخيال الى صناعة مستقبل قيد الصيرورة الزمانية التي يسودها التنبؤ والوهم في التعبير عن وجود غير موجود انطولوجيا بعد، وليس أجترار ماض منقوص يعتريه ويشوبه النسيان. وكيف نفهم تعبير ريكور الذاكرة منطقة هيمنة الخيال؟. لا يوجد قدرة يمتلكها الخيال في السيطرة على ذاكرة لا تجانسه الوظيفة التعبيرية عن المدركات والاشياء.

- اذا ما ذهبنا مع أمكانية انفصال الخيال عن الذاكرة فمن هو الذي يضطلع بتزويد الانسان بخيالات مستقبلية لا حصر لها. الخيال الذي هو لا يمكن معاملته على أنه تخزين تجارب خبرة متراكمة بالذاكرة، فمن يكون المسؤول عن منبع تزويد الانسان بالمخيلة وابتداع موضوعاته الخيالية.؟

جان بول سارتر 1905 -  1980" طرح في كتابيه الخيال، والمتخيل أهمية الاهتمام في تمايز الذاكرة عن الخيال يجب أن يقترن بمراجعة موازية لموضوعات المتخيل" ص 39، هنا سارتر لا يريد تاكيد انفصال الذاكرة عن الخيال لانهما في حقيقتهما البيولوجية الوهمية والتجريدية جوهران منفصلان، ويمكن دراسة كل منهما منفصلا عن الاخر.

-  ربما يكون أقصر الطرق في الاجابة التي على تحييد التفكير العقلي العلمي تداخله بالاشكالية الفلسفية بين الذاكرة والخيال، أن الدماغ هو مصدرتوليد افكار الخيال، ولكن بأية وسيلة ارتبطت الذاكرة بأنها مصدر الخيالات والمخيّلة وهي تجريد تفكيري وليست موضوعا مدركا بذاته؟. هل يمكننا العيش بدون أفكار خيالية في حال يتعذر علينا معرفة مصدر توليد المخيلة لموضوعات الخيال عند الانسان وأين يكون موضعها في المسؤولية الابتداعية التخليقية لها واصدارها افكارها الخيالية نحو الواقع الخارجي في حال جرى تمرير توجه ريكور ومن قبله برجسون لا توجد علاقة حقيقية تربط الذاكرة بالخيال ويتوجب الفصل بينهما.

المسألة الطريفة أن الفصل الذي يبتغيه الفلاسفة بين الذاكرة والخيال هو فصل لجوهرين منفصلين اساسا ولا علاقة ترابطية بينهما سوى في تعبيرات الفلاسفة التي يدحضها التفكير العلمي التخصصي بعلم فسلجة الاعضاء. فالذاكرة والخيال والوعي والذهن هي حلقات تجريدية في منظومة العقل الادراكية التي مركزها الدماغ. ولا تعني شيئا خارج هذا الاطار المعرفي العلمي في الفهم السببي بين تعالق الدماغ بالادراك العقلي للاشياء..

- اذا نحن سلمنا بأن مصدر تخليق الخيالات هو الدماغ فعن أي حلقة في منظومة الادراك نستطيع القاء مسؤولية الحفاظ على الخيالات بعد انفصال الذاكرة عنها وتمت تبرئتها الانفصالية عن الخيال؟ أن المأزق الحقيقي في انفصال الذاكرة عن الخيال ينتج عنهما أنهما كليهما تجريدان تابعان لمنظومة الادراك العقلية. فكيف يكون تشكيل الذاكرة كمنطقة تجريد ادراكي ترتبط بالدماغ،؟ وكيف يكون مصير مخيلة توليد افكار الخيال التي هي تجريد ايضا يرتبط بكل من الذاكرة والدماغ في تفكير العقل؟.

- لمصادرة أشكالية تعالق الذاكرة بالخيال في وجوب الفصل بينهما يطرح اسبينوزا تعريفا فحواه تضييع الاشكالية التناقضية بين الذاكرة والخيال باعادتهما الى مرجعية وحدتهما الزمانية وأعتباره الزمان هو ديمومة أستمرارية الوجود، وليس للذاكرة تداخل وصلة مع أدراك هذا الزمان.5 مقولة أسبينوزا هذه مأخوذة عن ارسطو قوله " الذاكرة هي من الزمان "، واذا أردنا تمرير هذه المقولة الارسطية الصحيحة يتوجب علينا التوضيح، فزمانية الذاكرة تنحصر في مهمة قصدية تنشدها الذاكرة نحو تذكر حقائق واقعية تاريخية سابقة يحتويها الزمن الماضي كزمن تحقيبي لا يدركه العقل كموضوع غائب الحضور بل يدركه بدلالة محتواه في تاريخية احداثه ووقائعه. والخاصية الزمانية في الذاكرة هي زمانية مكتسبة بالادراك وليست خاصية ذاتية تمتاز بها الذاكرة. ولا توجد في هذه الميزة أدنى ارتباط بين الذاكرة والمخيلة رغم أن كليهما تجريد زماني.

- كيف يتوافق هذا التعبير مع ما ذهب له ريكور أعتباره الذاكرة هي خاصية أستيعابية لتذكر تجارب الماضي وعدم طيّها في غياهب النسيان. علما أن ريكور لم يبد تحفظا من أي نوع تجاه طرح سبينوزا أن الزمن سيرورة وجودية بل أعجب واشاد بها. اذا سمحنا لانفسنا نقد هذه العبارة لسبينوزا، فأن ديمومة واستمرارية الوجود هو علة ادراكنا الزمن غير صحيحة، بأعتبار الزمن لا يتخلق عنه سيرورة الوجود، بل الزمن هو سيرورة أدراكنا الوجود زمنيا بحركة موجودات الوجود داخله ليس في علّة ارتباط حركة الموجودات الذاتية بالزمن، بل ندرك الزمن بحركة الاجسام داخل الوجود. الزمن يساعدنا أدراك الوجود المادي في حالتي السيرورة والثبات الحركي النسبي. لكنه أي الزمن عاجز أن يكون علة وجود موجود مادي متحرك. الزمن لا يمتلك قابلية تحريك موجودات الوجود اذا صح التعبير. فالموجودات سيرورة انطولوجية لا تستطيع الخلاص من قبضة الزمن  بالادراك العقلي لها . لذا تكون علاقة الزمن بسيرورة الوجود علاقة ادراكية فقط وليس علاقة سببية لا في حركتها ولا في وجودها الفيزيائي مطلقا.

- بضوء عبارتي ارسطو ومن بعده سبينوزا بأن الذاكرة خاصية زمنية تحتويها القصدية التاريخية للماضي، والخيال قصدية زمنية يحتويها المستقبل، فكلا التعبيرين كما وسبق ذكرناه هو توصيف لفعالية زمنية وليست تعبير عن حقيقة موضوعية منفصلة عن توليد العقل لها. فكما ترتبط الذاكرة بتفكير الدماغ كذلك ترتبط المخيلة بتفكير الدماغ أيضا، ولا وجود تعبيري لادراكهما كتجريد خارج منظومة العقل الادراكية. كل حلقة تجريد ادراكي للعقل لا قيمة لها بانفصالها ولا تمتلك وجودا انطولوجيا مدركا اكثر من حقيقتها انها تجريد ادراكي مصدره العقل.

ما بعد الانفصال

في حال أقرارنا صحة أنفصال الذاكرة عن الخيال فلسفيا، وأن مصدر خيالاتنا الابداعية في تذكر وقائع الماضي، وخيالاتنا في تصنيعها المستقبلي، يصبح كلاهما الذاكرة والخيال تجريد ادراكي ليس للزمن وحسب، بل كلاهما جوهران منفصلان بالتجريد متزامنان في تبعيتهما الادراكية للدماغ داخل ترابط منظومة العقل الادراكية. بهذا المعنى المفهومي الصحيح نصطدم بحقيقة واقعية هي لا وجود لذاكرة خاصيتها الماضي ولا لخيالات خاصيتها المستقبل بمعزل عن تفكير العقل المرتبط بهما، كون خاصية الذاكرة الماضوي ليس وجودا عضويا بيولوجيا لها. وكذا نفس الحال مع الخيال أو المخيلة التي لا نستطيع تحديد موجوديتها أكثر من أنها تجريد تفكيري يبتدعه ويخلقه الدماغ، الحقيقة التي نتجاهلها أحيانا أن جميع تكوينات انشطة الانسان الموزعة بين الاحساسات الخارجية والاحاسيس الداخلية هي تجريدات تفكيرية صادرة عن دماغ الانسان ولا وجود حقيقي يمثلها كمواضيع ادراكية قائمة بذاتها سوى ردود الافعال الناتجة عنها المنقولة عن تفكير الدماغ بوسيلة منظومة الجهاز العصبي. فكل ادراكات الانسان الواقعية والخيالية هي تجريد تعبيري صادر عن مناطق معينة بتركيبة الدماغ الانساني.

اللغة في اشكالية الذاكرة والخيال؟

ادراك الذاكرة ليس مصدر أنبعاثه الخيال بل مصدر توليده هو تفكير العقل، وميزة ادراك الذاكرة هو أستذكار صوري مرهون في تمثيل لوقائع الماضي بوسيلة تعبير (اللغة). فاستذكار الذاكرة لوقائع الماضي لا يختلف عن ادراك الحواس لموجودات الحاضر الحسية في وجودها المادي الانطولوجي. فكلا التعبيرين هو تمثيل صوري يتوسل اللغة في التعبير عن تمثله الموجودات في العالم الخارجي. الذاكرة تستذكر وقائعها باللغة التجريدية التصورية التي ترافقها خاصية النسيان الملازمة للذاكرة في تصوراتها اللغوية تعبيرها عن أحداث ووقائع الماضي.

عبارة ديكارت : الذاكرة مقاطعة تابعة للخيال الذي كان عومل عصورا طويلة بالشبهة، عبارة تناقض نفسها في:

الخيال لايقوم ولا ينوب عن الذاكرة ولا يمثلها من حيث التعبير، لا من حيث الاختلاف الزماني ولا من حيث محتواه التعبيري عن نفسه، فالخيال تصورات ذهنية تتجه نحو المعالجة الحاضرة والمستقبلية، ولا يهتم الخيال بوقائع الماضي الا في أغناء تعبيرات الخيال الفكرية. واذا ما أضطلع الخيال بمهمة أستيعاب بعض الدلالة الواقعية الماضية التي تغني أفكار المخيلة، ومع هذا يبقى الخيال لا تشكل وقائع الماضي أهتماما له في التعبير عنها كوقائع تاريخية حدثت، لا يمكن ولا المستطاع التلاعب بها من حيث هي تاريخ انتهى حدوثه واكتسب زمنه الماضي.

الخيال في حال تحرره من الذاكرة يعجز التعبير عن الماضي بكيفية تطابق تعبير الذاكرة عن الماضي، من حيث الخيال سيرورة حركية في فضاء غير محدود بخلاف الذاكرة التي تكون محبوسة في وقائع حدثت تحاول نقلها كما جرت. الخيال في حال هضمه الاستيعابي لاجتزاءات من وقائع واحداث الزمن الماضي أنما يكون بذلك يقوم بوظيفة الذاكرة الواقعي وليس وظيفة الخيال الوهمي. حين يصبح الخيال استذكارا لوقائع ماضية وليس اسشرافا لسيرورة مستقبل لا يحتويه الماضي ولا يتوفر عليه الحاضر بل  يبقى نزوع مستقبلي يعبر عنه الخيال ولا علاقة للذاكرة به.

الاستذكار للماضي هو وظيفة الذاكرة

هنالك رأي يحمّل اسبينوزا مسؤولية التعبيرعنه " أن الذاكرة في حالة أختزالها الى استذكار فهي بالتالي تعمل في سياق الخيال " 6 هذا التعبير الاعتسافي لا يقوم على منطق فلسفي يمرر مقبوليته، فالذاكرة في حقيقتها الوظيفية هي تعبير صوري لاستذكارات ماضية جرت. ولا توجد هناك خصيصة دلالية تشير الى تحميل الذاكرة ما لا تقدر عليه مثل تخليقها الافكار الخيالية بدلا من وظيفة ملكة الخيال عند الانسان التي هي ملكة توليد تفكيري هو من أحدى خصائص الدماغ.

الذاكرة بمقارنة خاصيتها الاستذكارية المحدودة في التعبير التصوري عن الماضي فقط ليس من أمكانيتها الوظيفية أن تكون جزءا من افكار الخيال. فالخيال يتسم بفضاء متحرر غير مقيد وله قابلية التلاعب بمدركاته الشعورية التي يستمدها من المحيط وحتى من وقائع الماضي، ومن اللاشعور الذي يقوم الخيال بتوسيله للتداعيات الفكرية والصورية في توليد استبطاني لا يكون تعبيرا دقيقا كما تفعل الذاكرة في التعبير عن وقائع حقيقية تاريخية لا تستطيع الخروج عنها. الخيال أضافة نقدية فكرية متجاوزة لزمانيتها في أغناء الحاضر تمهيدا لمستقبل افضل، الذاكرة عكس الخيال حلقة تعبيرية من الادراك المنغلق الذي لا تخرج محدوديته الزمانية عن الماضي فقط..

يتبع لاحقا

 

علي محمد اليوسف /الموصل

..........................

الهوامش:

1- بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة وتعليق جورج زيناتي ص 41

2- نفسه ص 37

3- نفسه ص 38

4- نفسه نفس الصفحة

5- نفسه نفس الصفحة

6- نفسه ص 37

 

 

محمود محمد علينعود وننهي حديثنا عن التفسير الابستمولوجي في قراءتنا لكتاب التحليلات الأولي لأرسطو، وهو الكتاب الرابع ضمن سلسلة الاورجانون، وهنا في هذا المقال نتحدث عن أبعاد القطيعة المعرفية في كتاب التحليلات الأولي ؛ وفي هذا يمكن القول بأن الاورجانون الأرسطي كان بشهادة معظم مؤرخي المنطق، قد تطور إلي حد بعيد، وانه لا يوجد كتاب من كتابات أرسطو المنطقية ظل بدون تغيير، فضلاً عن أن معظم تلك الكتب قد وضعها أرسطو في زمن متأخر داخل إطار عام يتطابق إلي حد ما مع تعاليمه الأخري، ولذلك فإن تحليل الخطوات المختلفة في تطوره تعد مهمة صعبة.

وهذه الصعوبة تتمثل في أن كل كتابات الاورجانون ليست بمستوي واحد، فبعض النصوص كما يذكر مؤرخ المنطق "بوشنسكي" لا يتجاوز نصوص أفلاطون أو معاصريه، بينما تدل نصوص أخري علي قدرة منطقية خارقة، وبالتالي فهي تكشف عن تقدم ملموس بالمقارنة مع النصوص الأخري.

ويذكر مؤرخ المنطق "بوشنسكي" أنه يمكن استخدام معايير عديدة لذلك الأمر، وذلك علي النحو التالي .

1-استخدام القياس التحليلي (الحملي)، والذي يعد بمثابة الاكتشاف الأخير

2-استخدام الحروف، كاختصارات وكمتغيرات .

3-مستوي الصرامة المنطقية، والأسلوب والذي كان مختلفاً جداً في كتابات عديدة، وربما من المفترض أن يكون قد تحسن مع الوقت .

4-التحسن الذي طرأ علي تحليل القضية، من الشكل البسيط " أ – ب " مروراً باستخدام الشكل الأكثر تعقيدا " وإن الذي يوجد فيه ب في كله يوجد أ ".

5-إن الحروف تظهر علي الأرجح في البداية، كاختصارات بسيطة، ثم كمتغيرات حدية، وفي النهاية كمتغيرات قضوية .

6-إن القضايا الموجهة التي تتوافق مع فلسفة أرسطو الخاصة بالمستقبل، تعد فيما يبدو الاكتشاف الأخير .

ثم يؤكد " بوشنسكي " أنه بتطبيق هذه المعايير، فإننا نجد أن الأعمال المنطقية لأرسطو – علي الأقل من حيث الاهتمام – يمكن أن تكون قد كتبت بالترتيب التالي :-

أ- ففي البداية يأتي كتاب الطوبيقا (مع كتاب السفسطة والذي يعتبر تكملة لكتاب الطوبيقا، وهو بمثابة المقالة التاسعة منه)، وهما لا يشتملان بأية حال علي متغيرات، كما أن القياس لم يكن قد تمت معرفته بعد .علاوة علي أن المستوي المنطقي فيه متدن وتحليل القضية الحملية فيه بدائياً.

ب- كتاب المقولات، وهو ينتمي فيما يبدو إلي نس الفترة؛ حيث يعد مدخلاً لكتاب العبارة؛ وهو يشتمل علي نظرية في الألفاظ، ويتعامل معها بدون استخدام متغيرات .

ج- كتاب العبارة، ولا بد أنه كتب فيما بعد، ويتضمن هذا الكتاب نظرية السيميوطيقا، التي كانت فيما يبدو في الأصل أفلاطونية، ومع أنه لا يوجد أثر في هذا الكتاب للمتغيرات وللأقيسة، إلا أنه من الملفت للنظر أن مستواه أعلي من كتاب الطوبيقا والسفسطة والمقولات . علاوة علي اشتماله فصل في الموجهات، وإن كان لم يزل أولياً بالمقارنة مع ما يوجد في التحليلات الأولي.

د- يمكن وضع المقالة الثانية من كناب التحليلات الثانية بعد ذلك مباشرة؛ حيث أن أرسطو الآن في القياس والمتغيرات معاً، وإن كانت المتغيرات تستخدم دائماً كاختصارات فقط . أما عن المستوي المنطقي، فإنه قد كان فيما يبدو أدني درجة من الأجزاء الأخري لكتاب التحليلات الأولي.

هـ- أنه يجب أن نضع بعد ذلك الصول 1، 2، 3، 7، 23، 46، من المقالة الأولي لكتاب التحليلات الأولي، كما أن ما لدينا ليس مجرد متغيرات فحسب، بل إنها مستخدمة كمتغيرات حدية . كما يوجد أيضاً تفصيل كامل للقياس، فضلاً عن أن المستوي التكنيكي للقياس ملفت للنظر.

م - أما أخر الأعمال المنطقية، فربما تكون الفصول 3، 8، 22 من المقالة الأولي للتحليلات الأولي، والمقالة الثانية من الكتاب نفسه ؛ إذ أننا نجد هنا معظم النظريات الدقيقة < كنظرية الموجهات . فضلاً عن استخدام المتغيرات أحياناً كمتغيرات قضوية.

وعلي ضوء هذا الترتيب الزمني السابق، فإنه يمكن القول بأن الاورجانون الأرسطي، قد تطور بالتمييز بين مرحلتين : مرحلة ما قبل التحليلات، ومرحلة التحليلات . في مرحلة ما قبل التحليلات، قام أرسطو بالتنظيم المنهجي لقواعد المجادلة، والتوسع في القسمة الأفلاطونية علي نحو ما يوجد في الطوبيقا والمقولات والعبارة، وهي الكتب التي طور فيها أرسطو إلي حد بعيد وقرر بوضوح مجموعة القواعد أو القوانين التي تقوم عليها هذه القسمة.

علاوة علي ذلك، فقد حاول أرسطو في تلك المرحلة إبراز العمومية في أعماله عن طريق الاستخدام غير الملائم إلي حد ما للضمائر، أو عن طريق الأمثلة علي نحو ما يفعل أفلاطون في محاورة الجمهورية .

أما مرحلة التحليلات، فقد أتاها اسمها من موضوعها ومنهجها، فموضوعها أجزاء القياس والبرهان، وهما آلة العلم الكامل ومنهجها تحليل القياس والبرهان إلي أجزائها، فإن العلم الكامل إدراك الشئ بمبادئه، ولا يتسنى هذا الإدراك إلا بالتحليل، والبرهان ينظر إليه من حيث صورته ومن حيث مادته، فهو ينحل إلي مبادئ صورية، وأخري مادية، والتحليلات التي ترد البرهان إلي المبادئ الصورية التي يتعلق بها لزوم التالي من المقدم لزوماً ضرورياً بصرف النظر عن مادة البرهان، تسمي التحليلات الأولي، والتحليلات التي ترد البرهان إلي المبادئ المادية التي يتعلق بها صدق التالي، تسمي التحليلات الثانية.

وكتاب التحليلات الأولي، يمثل مرحلة القطيعة المعرفية لكل صور الممارسات السابقة للفكر المنطقي عند كل من الأيليين والسفسطائيين وأفلاطون، والتي كانت متمثلة في منهج القسمة الثنائية، حيث أخذ أرسطو في أوائل التحليلات الأولي علي منهج القسمة في أنه لا يوصل إلي نتيجة مفيدة، نظراً لأنه بدلاً من نيل موافقة الآخر علي نحو ما، فإنه يتوجب علي هذا المنهج في كل خطوة من خطواته، أن يرجوه بالموافقة علي إدراك ذلك،ولهذا انتهي أرسطو إلي أن أسلوباً كهذا يعجز عن الإيصال إلي نتيجة، وبالتالي فهو غير استنتاجي . إذ أنه عندما نقسم المرتبة " أ " المنتمية إلي " ب " بدلاً من " لا – ب"، إذ لا بد من موافقة المحاور علي ذلك، حتي نتمكن من التقدم، وهو ما نحتاجه باستمرار في كل خطوة جديدة، وحول هذه النقطة لا يقدم لنا منهج التقسيم أية مساعدة، ولهذا انتهي أرسطو إلي أن القسمة الثنائية ما هي إلا مجرد قياس ضعيف لا يمكنه في الواقع إثبات شئ، ولكنه يكمن في سلسلة الافتراضات.

وكذلك فإن كتاب التحليلات الأولي يقطع الصلة المعرفية بينة وبين كتاب الطوبيقا لأرسطو نفسه، والذي يعتبر أحد مؤلفات الشباب التي كان يتمرس فيها أرسطو ويتدرب علي صياغة القواعد النظرية لعلم المنطق كما جاءت بعد ذلك في التحليلات الأولي.

فعلي سبيل المثال لا الحصر، نجد ي كتاب الطوبيقا فقرتين سابقتين لنظرية الرد غير المباشر الوارد في الفصول من الواحد والثلاثين إلي الخامس والأربعين من الباب الأول من كتاب التحليلات الأولي الفقرات 46 b 40-50 bH، ومؤدي الفقرة الأولي : إذا ما كان الخير جنساً للذة، فهل تكون أي اللذة، ليست خيراً، لأنه إذا ما وجدت لذة غير خيرة فسوف يتضح أن الخير ليس جنساً للذة، لأن الجنس يجمل علي كل شئ يندرج تحت أي نوع معطي.

ونلاحظ هنا أنه توجد إشارة إلي قياس وارد في صورة الضرب Barbara ) من الشكل الأول ) " إذا كانت كل لذة خيراً، وكانت س لذة فإن س هي خير " لإثبات صحة قياس في صورة الضرب Felapton (من الشكل الثالث)، وإذا ما كانت " لا س " هي خير، وكل " س"، فإن بعض ما هو لذة ليس خيراً.

وتوجد إشارة مماثلة لهذا في الفقرة التالية " لننظر ثانية ما إذا كان النوع المفترض يصدق علي شئ ما، ولكن الجنس لا يصدق عليه، مثل ما إذا جعلنا الموجود أو الذي يمكن معرفته جنساً للذي يمكن أن ندلي برأي عنه . لأن الذي يمكن أن ندلي برأي عنه يمكن أن يحمل علي شئ غير موجود ( لأن كثيراً من الأشياء غير الموجودة هي موضوعات للفكر)، ولكن من الواضح أن الموجود والذي يمكن معرفته هو جنس للذي يمكن أن ندلي برأي عنه.

وفيما يلي قياس من الضرب Ferison من الشكل الثالث " إذا كان لا واحد ما هو غير موجود،، موجود وبعض ما هو غير موجود يمكن التفكير فيه، فإن ليس بعض ما يمكن التفكير فيه يكون غير موجود، ويمكن رد هذا القياس إلي قياس من الضرب Darii من الشكل الأول، فنقول " إذا كان كل شئ نفكر فيه موجوداً وبعض غير الموجود يمكن التفكير فيه، فإن بعض غير الموجود يكون موجوداً.

وفي هذين المثالين من الأقيسة كما في التحليلات الأولي، يشير أرسطو إلي الشكل الأول للرد، ولكنه يصوغ أمثلته دون استخدام متغيرات.

وثمة نقطة أخري جدية بالإشارة، وهي أن كتاب الطوبيقا لم يقطع صلته بالفكر المنطقي الأفلاطوني، بدليل أن ممارسة فني التصنيف والتعريف في الأكاديمية، هي التي حددت محتويات كتاب الطوبيقا، ومن المحتمل أن تكون نظرية المحولات هي التي اكسبت كتاب الطوبيقا الوحدة بما تنطوي عليه من وحدة قد درسها الأكاديميون من قبل، لأن أرسطو يعرض للمصطلحات الأساسية، مثل الخاصة والعرض والجنس والنوع والفصل، كما لو كانت معروفة من قبل . وكتاب الطوبيقا هو نتاج للتفكير المنهج الجدلي المستخدم في الأسئلة المتعلقة بالتعريف والتصنيف.

علاوة علي أن القصد من كتاب الطوبيقا، فيما يقول أرسطو هو " أن نستنبط طريقاً يتهيأ لنا به أن نعمل من مقدمات ذائعة قياساً في كل مسألة تقصد "، فإن الكتاب يكون في الواقع عملاً منطقياً قائماً علي مبدأ عام يمكن علي أساسه البرهنة علي أمور حسية، وهذه المبادئ إما أن تكون قواعد منطقية – ويوجد هنا عدد ليل من هذه الواعد علي عكس ما يحدث في التحليلات أو إرشادات منهجية وملاحظات سيكولوجية.

من كل ما سبق يتضح لنا أن كتاب الطوبيقا لم يتعد مرحلة الممارسة العفوية للتفكير المنطقي السابق علي أرسطو حتي وإن انطوي علي بعض القواعد المنطقية، بدليل أن لغة كتاب الطوبيقا هي نفس لغة أفلاطون ومن قبله السفسطائيين والأيليين . ولذلك فإن كتاب الطوبيقا هو أحد مؤلفات الشباب التي كان يتمرس فيها أرسطو للتدريب علي صياغة القواعد النظرية لعلم المنطق كما جاءت بعد في التحليلات الأولي.

ولذلك فإن كتاب التحليلات مختلف تماماً عن كل ما سبقه من تراث منطقي عند الفلاسفة اليونان، فهو يمثل قطيعة معرفية مع هذا التراث – أي بدون أن يلغيه أو ينفيه ؛ بل يتعداه ويتجاوزه . ولذلك يمكن أن ندرس معالم الجدة المطلقة التي تميز بها هذا الكتاب فيما يلي : أولاً: لغة التحليلات الأولي:

وإذا كانت الوسائل التكنيكية المفيدة لدراسة المنطق كالمتغيرات وما يرتبط بها من المصطلحات لم تظهر ي كتابات أرسطو في مرحلة ما قبل التحليلات، فإنها سرعان ما بدأت تظهر بوضوح في كتاب التحليلات الأولي ؛ حيث يستخدم أرسطو في هذ الكتاب الحروف الأبجدية، كالمتغيرات، مما يعد وسيلة جديدة ومطلع عهد جديد في التكنيك المنطقي علي حد قول وليم نيل في كتابه تطور المنطق.

ففي التحليلات الولي كان أرسطو يصوغ جميع الأقيسة الصحيحة من خلال الرموز، وكان لا يأتي بأمثلة لغوية إلا في حالات نادرة، وخاصة عندما يريد أن يبين أن بعض الأقيسة فاسدة . وقد كانت أصغر الوحدات تتألف منها نظرية أرسطو هي الحدود، ويرمز لها أرسطو بحروف معينة . والحد يمكن أن يكون موضوعاً أو محمولاً في قضية أو مقدمة قياس . وبدل أن يستعمل أرسطو الألفاظ حدود منطقية، نجده يتخلي عن هذا العمل ويستعمل الرموز، وتتميز هذه الرموز بأنها تشير فقط إلي موضع الحد، ويمكننا أن نضع محل هذه الرموز ألفاظاً لغوية معينة لنحصل أخيراً علي عبارات لغوية، وأهم ما تتميز به هذه الرموز أنها لا تدل علي معني ثابت ؛ بل إنها مجردة من كل معني، وهذه الرموز هي متغيرات، وهذه المتغيرات علي نوعين : احدهما – متغيرات تشير إلي الموضوع في القضية، وثانيهما – متغيرات تشير إلي المحمول في القضية

وقد كان أرسطو حريصاً علي كتابة القضايا في صورة رمزية، إذ كان يضع حروف الهجاء كرموز للمتغيرات، وهذه المتغيرات ترمز إلي الحدود في القضية، ومن المألوف أن تعبر كتب المنطق التقليدي عن القضية الكلية الموجبة مثلاً بالصيغة كل أ يكون ب، (All A is B) ، لكن لم تكن هذه طريقة ارسطو في صياغتها، فقد كان أرسطو يقدم المحمول علي الموضوع من خلال صيغة معينة هي : ب محمول علي كل أ (B is Preidcated of All A) أو ب تنتمي إلي كل أ B is Belongs to All A)) .وكان أرسطو يصوغ القياس في صورة رمزية أيضاص، لكنه لم يضعه في صورة استدلال، بحيث يوضع القياس ي ثلاثة أسطر متتابعة، وأمام النتيجة علامة إذن، كما نألف في كتب المنطق التقليدي، ( أن أول من استخدم هذ الرسم للقياس هو الإسكندر الأفروديسي Alexander of Aphrodisas في أواخر القرن الثاني وأوائل الثالث الميلادي).

كان أرسطو يصوغ القياس في صورة قضية شرطية متصلة تعبر المقدمتان مرتبطتين بواو العطف عن المقدم، وتعبر النتيجة عن التالي: (إذا كان أ محمولاً علي ب، ب محمولاً علي كل ج، فإن أ محمولاً علي كل ج ) يزداد استخدام أرسطو لمتغيرات الحدود، حين يتحدث عن قوانين الفكر ونقض المحمول وعكس النقيض: (إذا كان أ محمولاً علي كل ب، ب محمولاً علي بعض أ ) وهكذا.

ومن جهة أخري فقد استخدم أرسطو في سياق واحد حروف الهجاء، رموزاً للقضايا لا للحدود، حين أثبت ن ما هو ضروري ينتج عما هو ضروري، وأن الممكن ينتج عنه الممكن، وأن القضية الضرورية والممكنة لا يلزم عنها قضية مستحيلة و قال:" ... إذا كان أ محمولاً علي، ب محمولاً علي ج، فإن أ محمولاً علي ج، وإذا كانت كل منها ممكنة، فالنتيجة ممكنة، وإذا وجب علينا أن نعتبر مثلاً أ ضرورياً يكون ب ضرورياً . بل وينتج أيضاً أنه إذا كان أ ممكناً يكون ب ممكناً، ومادمنا قد برهنا علي، فمن الواضح أنه إذا قمنا بفرض خاطئ، لكنه ليس مستحيلاً، فإن نتيجة الفرض سوف تكون خاطئة، لكنها ليست مستحيلة . إذا كان أ خاطئاً، لكنه غير مستحيل، وإذا كاب نتيجة أ، فإن ب خاطئ، لكنه ليس مستحيلاً.

ولذلك فقد تمكن أرسطو بفضل استخدام المتغيرات من التعبير مباشرة عن العديد من المبادئ المنطقية، وذلك بالإشارة إلي ما يمثلها بلغة المخطط الاستدلالي بدلاً من وضعها بشكل يتجاوز المنطق أو تفسيرها بأمثلة قياسية علي نحو ما يفعل في مرحلة ما قبل التحليلات، بما فيها كتاب العبارة . ولهذا يقال أن إدخال المتغيرات في المنطق اختراع أرسطي لم يسبقه إليه أحد.

وها هو ذا العالم المنطقي البولندي " يان لوكاشيفتش" يقول :" وقد كان إدخال المتغيرات في المنطق من أعظم مبتكرات أرسطو، ويكاد المرء لا يصدق أن أحداً من الفلاسفة أو اللغويين لم ينبه للآن إلي هذه الحقيقة الفائقة الأهمية . ولهذا أجازف بالقول إنهم لا بد كانوا جميعا معرفة الرياضيات، إذ يعلم كل رياضي أن إدخال المتغيرات في علم الحساب كان كان فتح عهد جديد في ذلك العلم . ويبدو أن أرسطو قد أعتبر ابتكاره هذا شيئاً واضحاً لا يحتاج غلي بيان، وذلك لأنه لا يتكلم عن المتغيرات في أي موضع من مؤلفاته المنطقية، وكان الاسكندر (الأفروديسي) أول من قال صراحة إن أرسطو صاغ أقيسته من حروف Stoicheia، حتي يبين أن النتيجة لا تلزم عن مادة المقدمتين، بل تلزم عن صورتيهما واجتماعهما، فالحروف علامات الشمول و وهي تدل علي لزوم النتيجة دائماً آياً كانت الحدود التي نختارها . وثم شارح آخر هو يوحنا فيلوبونوس، كان يدرك تمام الإدراك أهمية المتغيرات ومغزاها، فهو يقول إن أرسطو بين بالأمثلة كيف يمكن عكس المقدمات جميعاً، ثم وضع بعض القواعد الكلية الخاصة بالعكس مستخدما في ذلك الحروف بدلاً من المتغيرات، وذلك لأن القضية الكلية يدحضها مثال واحد تكذب فيه، ولكن البرهنة علي صدقها لا تكون إلا بالنظر في كل أحوالها الجزئية (وهو أمر لا نهاية له، وهو من ثم ممتنع) أو بالرجوع إلي قاعدة كلية بينة . ويصوغ أرسطو هذه القاعدة من حروف وللقارئ أن يعوض عن الحروف بما يشاء من الحدود المتعينة.

وقد برر بعض مؤرخي المنطق عدم قيام أرسطو بأية محاولة لشرح استخدامه، بأنه ربما كان أرسطو معتاداً علي استخدامها في محاضراته في اللقيون، أو ربما أيضاُ لأن أرسطو اعتب ابتكاره هذا شيئاً واضحاً لا يحتاج إلي بيان، ولهذا السبب لم يتحدث عن المتغيرات في أي موضع من مؤلفاته . إلا أن " بوشنسكي " لا يوافقهم علي هذا خاصة، وأن نص أرسطو نفسه أن الانتقال إلي المتغيرات كان يتم بصورة بطيئة . كما لو أن الأمر يبدو أن أرسطو نفسه لم يدرك تماماً أنه يتعامل مع متغيرات . وإن كان " بوشنسكي " يري في الوقت نفسه أنه مع أن أرسطو أستخدم نوعا واحداً من المتغيرات للفئات وللأفراد، الأمر الذي تسبب في وجود خلط نظرأ لأنه يميز بوضوح شديد بين القوانين المتعلقة بالأفراد والقوانين الخاصة بالفئات.

مما سبق يتضح لنا أنه إذا كان أرسطو في أعماله المبكرة، قد حاول إبراز العمومية عن طريق استخدام الضمائر والأمثلة، إلا أنه في التحليلات الأولي قد تخلص من ذلك تماماً، وذلك من خلال استخدامه للمتغيرات التي أعطت لتعبيراته قدراً كبيراً من الوضوح وايجاز ؛ وخاصة في إطار القواعد المنطقية المعقدة، كالقواعد الخاصة بالقياس، والتي يكون استخدام المتغيرات فيها أمراً لا مفر منه تقريباً .

ثانياً: منهج التحليلات الأولي :

عندما اكتشف أرسطو مبدأ القياس (مقالة الكل ولا واحد Dictum Deomni Etnullo ) (85) – وهو صلب المنطق الأرسطي وصحت له صياغة نظريته في التحليلات الأولي، ترسخت عنده هذه الفكرة، وهو أنه المنهج الوحيد الذي يستطيع بواسطته أن يشيد العلم آياً كان وبما أن اكتشاف مبدأ القياس، قد ارتبط تاريخياً عند أفلاطون وأرسطو نفسه بنظرية التعريفات، فد اعتقد أرسطو أنه لاكتشافه هذا، إنما اكتشف في الوقت نفسه المنهج الذي يستطيع بواسطته تشييد النظرية العامة في التعريفات، التي تستند إليها أي نظرية عامة في العلم.

وهكذا أصبح القياس بأشكاله وقواعده الثابتة بالنسبة لأرسطو هو المنهج الذي يستطيع بواسطته الانتقال من تشييد نظرية العلم إلي تشييد العلم نفسه . ومعني هذا أن التحليلات الأولي، قدمت لأول مرة منهج جديد في تاريخ علم المنطق، وهو المنهج الاستنباطي، وذلك في بناء نظرية القياس، وهذا المنهج يعتبر قطيعة معرفية مع منهج القسمة الثنائية، بدليل أن أرسطو بعد أن عرف القياس وحلله، شرع يقارن بين منهج القياس ومنهج القسمة، فيقول :" إن هذه القسمة قياس ضعيف أو عاجز، لأنها خلو من حد أوسط، فهي تقول مثلاً : الكائنات إما حية وإما غير حية، فلنضع الإنسان في الحية، والحيوانات إما أرضية وإما مائية . فلنضع الإنسان في الأرضية وهكذا حتي تمضي جميع خصائص الإنسان، ولكنها لا تبين علة إضافية خاصة دون الخاصة المقابلة، وإنما نضعها وضعاً . فما لا نجده عند أفلاطون هي فكرة أن الاستدلال إقامة البرهان علي أن المحمول يوافق الموضوع، وهذا لا يتحقق في القسمة، إن القسمة مصادرة علي المطلوب الأول في جميع مراحلها، فإن صح أن القسمة الأفلاطونية، هي التي أدت إلي القياس، فإن الفرق بعيد بين الطريقتين

ثالثاً: شكل نظريه العلم في التحليلات الأولي:

قدم أرسطو في التحليلات الأولي نظرية مكتملة في الاستدلال المنطقي التحليلي و هدفها العلم الاستنباطي، إلا أنه لم يخطر ببال أرسطو مطلقا ً أن يكون منطقاً صورياً علي النحو الذي أراده – مثلاً – هاملتون – فيما بعد لتحليلاته الجديدة . صحيح أن نظرية القياس تبدو في التحليلات الأولي، وكأنها مقطوعة الصلة بمضمون الفكر، إلا أن هذه الفكرة باطلة رغم شيوعها، حتي بين المتخصصين في المنطق، وسرعان ما تتداعي حين نعلم أن ط نظرية القياس " ما هي تمهيد أو إعداد لنظرية البرهان، موضوع التحليلات الثانية، والتي كانت الهدف النهائي من المنطق الأرسطي.

ومن هنا جاءت التحليلات الثانية لتحكي لنا مجتمعة مدي النجاح الذي حققه المعلم في تشييد المعرفة الضرورية البرهانية، فلا غرابة بعد هذا أن يكون القياس عند أرسطو – علي ما فيه من عيوب ومآخذ – هو وسيلتنا أو أداتنا الوحيدة في تشييد العلم أو أن يكون ذهب إلي ذلك بعض تلاميذه من بعده – هو المدخل الضروري لكل علم.

وبذلك تصبح النظرية المنطقية المتمثلة في القياس برمتها عند أرسطو – هي في خدمة العلم ز ومعني هذا بعبارة أخري أن المنطق ظل علي علاقة وثيقة بالواقع، ولهذا فد اكتسب إلي حد بعيد الطابع التجريبي، كما أنه ظل مرتبطاً بالميتافيزيقيا، إذ أنه يعتبر وسيلتها المنهجية في التعبير عن نفسها . وباختصار فإن النظرية الاستدلالية المنطقية التي تضمنها كتاب التحليلات الأولي تستند إلي نزعتين فلسفيتين متكاملتين عند أرسطو هما النزعة الواقعية من جانب، والنزعة العقلانية من جانب آخر .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

رحيم الساعديبقلم: فريدريك دولان

ترجمة: د. رحيم محمد الساعدي

الأسطورة هي بالفعل (تنوير) لأن الأسطورة والتنوير لديهما شيئا مشتركا هو الرغبة في السيطرة على الطبيعة، ويتجذر في الخوف من الطبيعة والعدوان.

وفي الأساطير والدين، حاول البشر السيطرة على الطبيعة (على الأقل إلى حد الحفاظ على الكميات المطلوبة من الشمس والمطر والخصوبة) وذلك من خلال إثارة الآلهة،وتقديم التضحيات وغيرها من علامات التضحية.

وفهمت الأسطورة والدين والطبيعة من خلال الشخصيات، ومن خلال رؤية قوة الشمس والمطر والرياح وأيضا الصفات الإنسانية.

من الجانب الاخر فان المبدأ الأساسي للتنوير، كان سيادة العقل لأنه أعلى مصدر للسلطة الفكرية، وتتفوق نتائجه على الدين وعلى التقاليد. والعقل يحدد قيمة الدين والتقاليد، لكن لا الدين ولا التقليد يستطيعان تقييم العقل. كما وضح ذلك عمانويل كانط في نقد العقل الخالص.

ان عصرنا هو (بشكل واضح)، عصر النقد، والانتقاد وهو ما يجب أن يتقدم كل شيء. قد يسعى الدين من خلال القداسة، والدولة من خلال جلالتها، إلى إعفاء أنفسهم من العقل . لكن ذلك سيثير الشبهات ضدهم، ولا يمكنهم المطالبة باحترام صادق ويتمثل بذاك الذي يوفره العقل .

وفي الوقت الذي اكتسبت الأساطير والدين المعرفة عن طريق الوحي والتقاليد، اعتبر التنوير أن المعرفة يتم الحصول عليها عن طريق استخدام العقل .

كما انه في الوقت الذي وصفت الأساطير والدين بوجود الشخصيات الإلهية التي تقف وراء الأحداث الطبيعية فانه نظر التنوير إلى الطبيعة ببرود، وذهب الى التحقيق في العالم بموضوعية والبحث عن "قوانين الطبيعة" العالمية. وقد انشات هذه القوانين من خلال التماس الحجج والأدلة، التي تستند إلى ملاحظة دقيقة، فيمكن لأي شخص عاقل أن يفهم ويقيم نفسه بنفسه.

ان الأساطير والدين "مستنيران بالفعل" لأنهما، مثل العلم، يعبران عن الرغبة في السيطرة على الطبيعة. لكن التنوير (بشكل خاص) “لا يزال أسطوريًا" لأنه أيضًا يعبر عن الرغبة في التحكم في الطبيعة. فالرغبة في تقليص الأشياء والأحداث في العالم الواقعي إلى "حالات" من القوانين المجردة التي تحكم "الطبيعة" هي في النهاية دوافع عدوانية. وكل من الأساطير والتنوير يخشى الطبيعة وينفر منها.

والشكل الأكثر بشاعة هو صورة من يأخذ شكل الخوف والاغتراب عن الطبيعة البشرية.فلا يرغب البشر في ممارسة السيطرة على الطبيعة الخارجية فحسب، ولكن أيضًا الرغبة في السيطرة على الآخرين واستغلالهم و يأخذ شكل سيطرة الفرد على العواطفوالرغبات. ويتم ذلك عن طريق قمع المعاناة النفسية لديهم وتضيق المشاعر الإنسانية إلى حد كبير، خاصة ما يتعلق بالتعاطف والانفتاح والعفوية حتى أصبحنا وفقتسمية هربرت ماركوس (أحاديي البعد) .

إن مقاربة الحياة بشكل عقلاني – مع معرفتنا لقوانين الطبيعة واستخدامها في صورة التكنولوجيا - تمكننا من تنظيم المجتمع بشكل أكثر فاعلية وجعل الحياة أكثر أمانًا، ولوجود دوافعنا الارتيابية وجنون العظمة -وهو ما جعل العالم قابلاً للتنبؤ به-، فقد تحولنا إلى أدوات مفيدة يمكن التنبؤ بها. ويتم تلبية احتياجاتها بشكل أكثر موثوقية، مع اقتصار الاحتياجات نفسها على الاحتياجات الفسيولوجية الأساسية والحماية من الخطر وظائف أعلى من ركود تنمية الشخصية.

التنوير، لذلك، لا يزال يوصف بالأسطورية بمعنى أنه غير منطقي تماما. إنه عقلاني بمعنى انه يحمل الكفاءة، يعمل باستمرار على تحسين الوسائل لتحقيق غاياتنا، لكنه فشل في التفكير في الغايات ذاتها. في نهاية المطاف، فإن الهدف الوحيد المعترف به هو تحسين الوسائل، ونتوصل إلى اعتبار أنفسنا مجرد أدوات هدفها الوحيد هو "تفعيل" العالم بشكل كامل.

البديل المتوخى من قبل ادورنو وهوركهايمر هو إحياء ما أطلق عليه سابقا السبب الموضوعي، وهي الشمولية التي تمكننا من الحديث حول ما يشكل السعادة الإنسانية أو الطريقة الافضل لحياة البشر. بهذه الطريقة، يمكن للتنوير ان ينتقد وكذلك الأسطورة والدين والتقاليد والسلطة.

هوركهايمر وأدورنو و يوهان فيورباخ (1775-1833) وفريدريش هاينريش جاكوبي (1743) -1819) ويوهان جوتفريد هيردر (1744-1803) جادل كل هؤلاء المفكرين بأن أساس التنوير، عندما يفهم بشكل صحيح، يقوض التنوير نفسه من خلال التشكيك في التزاماته الأخلاقية والسياسية، مثل الحرية والمساواة.

 

..............................

فريدريك دولان: دكتوراه في الفلسفة السياسية، جامعة برينستون

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا قراءتنا لكتاب التحليلات الأولي لأرسطو قراءة ابستمولوجية، وهنا نقول بأنه يوجد بجوار هذا النوع من ممارسة فن الجدل والذي يقوم علي مهاجمة الجانب الصادق من دعوي الخصم وحججه، والذي يمثله الأيليون، نجد نوعاً آخر من هذا الفن وفيه ينشد المتحاور الأخطاء المنطقية التي يرتكبها خصمه ي الدفاع عن دعواه، وهذا النوع الثاني يترض معرفة منطقية ولو ضمنية تؤهل المتحاور لمعرفة البراهين السليمة من غير السليمة منطقياً معرفة دقيقة، وذلك لأن مغالطات الخصم ليست دائماً من النوع البرئ اللاإرادي، أليست القدرة علي إعطاء براهيننا العقلية الخاطئة مظهر الأشكال المنطقية السليمة تعتبر دليلاً علي إجادتنا لفن الجدل والحوار من أجل تبرير وجهة نظر متناقضة أو من أجل إلزام الخصم بإقرار قضية تضعه موضع الحرج .

ويعد السفسطائيون خير من يمثل هذا الجانب من الجدل ؛ حيث كانوا يلجأ ون في ذلك إلي حيل لغوية متقنة وحجج تبدو بما لها من حبكة لفظية متقنة، أكثر من اللجوء إلي إقامة البرهان علي صحة دعواهم، فكانت قوة حججهم تقوم علي الاستهواء أكثر من اعتمادها علي الإقناع العقلي . ولذلك كانت نقطة انطلاقهم تلك الآراء الشائعة التي يسلم بها الناس دون نقد، ويقرون بها دون أن تكون واضحة في أذهانهم . وهنا يستطيع السفسطائي بما أوتي من قدرة لفظية بارعة وموهبة في الجدل كبيرة أن يستميل المستمعين إلي حججه بما تبدو عليها من قوة وإقناع ظاهري .

وبهذا تحول الجدل لدي السفسطائيين إلي نوع من السفسطة، أي إلي فن يستخدم المرء فيه المنطق في سبيل إرضاء مآربه . وهكذا نجد أن السفسطة جدل يستعمل لخدمة مآرب من يلجأ إليه دون أي اهتمام بالحقيقة، ويمكنه البرهنة علي صحة القضية بعد البرهنة علي صحة نقيضها، ونعلم أن السفسطائي هو الذي يلجأ بصورة منتظمة إلي حجج خادعة ليس لها من الصحة غير الظاهر في سبيل الوصول إلي غاياته، وهذا ما يدعي بالسفسطة . فقد ادعي السفسطائي " بروتاجوراس " أن بمقدوره أن يجعل الحجة الأردأ تبدو الأفضل أكثر من تعلقه بالمنطق أو بالفلسفة . وقد سمي أفلاطون هذه الصورة المنحطة للجدل بـ "الجدل المموه "، وكان ذلك في محاورة السفسطائي . كما اعتقد أرسطو أيضاً أن السفسطائيين يستحقون لأن يرد عليهم، وذلك في كتابه " دحض الحجج السفسطائية "، وإن كان قد ميز بصفة حاسمة بين الجدل والجدل المموه، إلا أن الجدل بالنسبة له كان نشاطاً موجهاً للاحترام .

واستخدام السفسطائيون للجدل المموه جعلهم يتفوقون في فن الخطابة ؛ حيث وضعوا ذلك الفن في منزلة تفوق منزلة العلوم والفنون جميعاً ؛ فقد اعتبروها قوة تمنح الحرية للبشر، فبها يدافع المرء عن حقه، ولقد ذكر " جورجياس " الخطابة بأنها: فن الكلام المقنع، ولذا فلا غني عنها لكل الفنون الأخرى، وذلك لأن كل المشتغلين في هذه العلوم والفنون بحاجة إلي فن الإقناع للتعبير عن علومهم وإقناع الأخرين .

ولقد كان من أكبر مظاهر الخطابة لدي أصحاب النزعة السفسطائية، هو الدفاع عن الفكرة ومقابلتها، فكان السفسطائي إذا تناول الطرف الراجح من موضوعه، قواه وأبرزه في صورة فنية من الخيال والجمال، بحيث يصل به إلي درجة اليقين .

كما تطرق السفسطائيون من خلال وضعهم لنظرية الخطابة إلي البحث في مسائل المنطق بطريقة عفوية تلقائية ؛ حيث نجدهم صاغوا العديد من آرائهم وبراهينهم علي أساس من قوانين الكر، وبخاصة قانون عدم التناقض واستحالة الحكم علي قضية ما بأحكام متناقضة، حيث يتضح من جدلهم الذي كان يهدف إلي دحض أقوال خصومهم علي تبنيهم لقانون عدم التناقض، والذي استطاعوا به أن يحققوا هدفهم في تبكيت الخصم وإلزامه أشياء شنيعة أو أموراً هي في المشهور كاذبة، ومن ثم رفضها .

كما ميز السفسطائيون بين أنواع القضايا وكيفية الحمل بشكل عفوي ومضمر، نجدها لدي "بروتاجوراس"، إذ قدم لنا في كتابه " في الحديث الجيد "، تمييزاً لصيغ الإسناد المختلفة، فنراه يقسم أساليب الكلام إلي سبعة: خبري أي تقريري، سؤال، جواب،أمر، نداء، سرد، ورجاء.

واستخدم السفسطائيون كذلك القضايا ذوات الجهة الممكنة والاحتمالية، وينسب أفلاطون إلي جورجياس بداية صياغة القضايا في أسلوب جديد هو صياغة الاحتمال، كما يقول بأن "تيسياس" قد ساهم بنصيب في هذا الأمر، إذ أنهما كانا يجلان الاحتمال أكثر من تبجيلهم للحقيقة التي تكون هي ذاتها غير قابلة للاحتمال .

كما عرف السفسطائيون الأقيسة الشرطية واستخدموها في استدلالاتهم بصورة عفوية تلقائية، مثال ذلك حجة بروتاجورس ضد تلميذه " اوثلس" الذي امتنع عن دفع باقي أجر أستاذه، إذ اتفق أن يعطيه أياه بعد أن يكسب أولي قضاياه . فأورد بروتاجورس الحجة التالية: إذا كسبت القضية فيجب أن تدفع لي بناء علي أمر القاضي . وإذا فسرتها فيجب أن تدفع لي بناء علي العقد المبرم بيننا، ولكنه إما أن تكسب القضية أو تخسرها . إذن يجب أن تدفع إلي لا محال .

يتضح لنا مما سبق أن الفكر الجدلي السفسطائي فد أعد العقلية اليونانية وهيأها لاستقبال المنطق الأرسطي بعد ذلك .

3- بلغت مرحلة الممارسة العفوية التلقائية لعلم المنطق قبل أرسطو قمتها عند أستاذه أفلاطون؛ حيث تشهد محاوراته مدي الذكاء والألمعية في إدارة المناقشة والحوار، إلا أن المبادئ المنطقية التي تحكم هذه المناقشة وتنظيمها لا تزال عنده ضمنية وليست صريحة ؛ الأمر الذي أدي بمؤرخ "بوشنسكي" إلي القول بأن " وضع أفلاطون في تاريخ المنطق معقداً إلي حد ما ؛ حيث أن جدله يعد فيما يبدو لنا خليطاً من علوم ومناهج مختلفة، فهو في ناحية يتضمن فن المناظرة والميتافيزيقيا والمنطق .ولهذا فإن قراءة محاوراته أمر لا يحتمله المنطقي تقريباً نظراً لاحتوائها علي أخطاء منطقية عديدة . إذ يكفي أن نذكر تمسكه بالمبدأ الكاذب [كل أ هو ب   كل  لا أ هو لا ب] أو الصعوبة في فهمه أن الذي لا يسلم بأن [كل أ هو ب] لا يجب عليه بالضرورة أن يسلم بأن [كل لا أ هو ب] .

ومع ذلك فإن ما قام به أفلاطون في تاريخ المنطق كان له أهمية كبيرة، منها أنه أول من فكر وعرض بوضوح فكرة القوانين الصحيحة للتفكير، والتي كان يعلنها من وقت لآخر، في سياق محاوراته، حيث يؤكد مؤرخ المنطق " وليم نيل " أن محاورات أفلاطون كانت تتألف من حجج تتعلق بموضوعات فلسفية، وبالتالي فمن الملائم أن يعمل أفلاطون علي تقوية حجته من الناحية السيكولوجية عن طريق إضافة تغيير صريح لمبدئه ؛ أنه إذا شك الشخص في الحجة، فـإنه ربما يـسلم بصحة مبدئه، وبذلك يكون الشخص مضطراً للتسليم بصحة الحجة .

ولقد أعلن أفلاطون بهذه الطريقة عدداً من المبادئ المنطقية بشكل عرضي ؛ حيث استخدم مبدأ التناقض كمعيار للفكر، كما رأي أن جميع الأشياء المتعينة لا تستطيع في وقت واحد، ومن جهة واحدة أن تنطوي علي خاصيات متناقضة . كما نظر أفلاطون لمبدأي الهوية والتناقض كقانونين للوجود، وإن كان " أفلاطون " لم يفسر مبدأ التناقض باعتباره قانوناً للفكر إلا في الكتاب العاشر من الجمهورية .

ومن جهة أخري، فقد احتوت محاورة " السفسطائي " علي أفكار منطقية أكيدة أفاد منها أرسطو إفادة لا شك فيها في اكتشاف أمرين أساسيين بالنسبة للمنطق فيما بعد، وهما القضية الحملية من جانب ومبدأ القياس من جانب آخر ؛وقد أخذ أرسطو الفكرتين معاً من أستاذه أفلاطون، حينما كان بصدد قراءة نظريته في التعريفات قراءة نقدية .

ولقد أخبرنا أرسطو فيما بعد كما يري بعض الباحثين – من أنه توصل إلي اكتشافين هامين لصياغة علم المنطق، حينما كان يفكر في المشكلات التي تعرض لها أستاذه أفلاطون، ولم يستطع هذا الأخير حلها . فقد استرعي انتباه أرسطو نوعين من المشكلات كلاهما يتعلق بفكرة الجدل كما فهمها أفلاطون ؛ حيث فهم أفلاطون المنهج الجدلي علي أساس أنه مكون من خطوتين متتاليتين وعكسيتين: الخطوة الأولي، هي خطوة صاعدة ونستطيع بواسطتها الصعود رويداً رويداً حتي نصل إلي المثال الأعلى، وهو مثال الخير أو الواحد . والخطوة الثانية، وهي خطوة هابطة نستطيع من خلالها وعن طريق القسمة الثنائية المتوالية أن نهبط سلم الأجناس والأنواع حتي نصل إلي الأنواع الدنيا من هذا السلم .

ولا شك في أن أرسطو قد استفاد من هذا المنهج في صياغة الاستقراء ونظرية التعريفات العامة، ولفهم هذه النقطة يجب أن نتعرض مفهوم التعريف عند سقراط وأفلاطون . ذهب سقراط إلي أن لكل شئ طبيعة أو ماهية هي حقيقته التي يكتشفها العقل من خلال بحثه وراء الأغراض المحسوسة، ويعبر عنها بالحد وغاية العلم هو إدراك الماهيات، أي تكوين معان تامة بالحد، فكان يستعين بالاستقراء، فيندرج به من الأجزاء البسيطة المحيطة بنا، والتي يمكن ملاحظتها في الحياة العادية إلي الماهية المشتركة بينها، فلقد رد سقراط جدله كله إلي الحد والماهية، فيتسأل ما الخير وما الشر وما العدالة وما الظلم وما التقوي والإلحاد ؟ وهكذا فكان يجتهد في حد الألفاظ والمعاني حداً جامعاً مانعاً .

ولقد انتقد أفلاطون أستاذه سقراط، فهو يري أنه لا بد من عبور مستوي المعرفة الظنية التي اكتسبناها عن طريق الاستقراء الحسي إلي مستوي العلم الحقيقي الذي يستند إلي ماهية الشئ المراد تعريفه ؛ أي تلك الرابطة الضرورية التي تضمن تماسك الخصائص والصفات التي ينص عليها التعري . وهكذا طور أفلاطون الفلسفة السقراطية القائمة علي المفهوم، لكي تصبح الفلسفة الأفلاطونية القائمة علي المثال ؛ أي تلك الفلسفة القائمة علي المثل من هي كائنات مفارقة ومنفصلة عن الموجودات الجزئية .

بيد أن أرسطو لم يقبل هذا الفهم الأفلاطوني لنظرية التعريفات، لأنه يصعب معه شرح الجمل أو القضايا الحملية، كتلك القضية التي تقل " س "  هي " ص " أو " س " توصف بالصفة " ص "، أي القضايا التي يمكن تحليله إلي موضوع ومحمول، والصعوبة تأتي من أن كل مثال يمكن اعتباره متميزاً بوجود مستقل ومنفصل، فهو أقرب إلي الموضوع منه إلي المحمول، ولهذا فإنه يلعب بصعوبة دور المحمول بالنسبة للموضوع ؛ وبمعني آخر فإن المثال الأفلاطوني هو عبارة عن نموذج ويتميز بمعني ما من المعاني الجزئية، ولهذا فإنه يصعب علينا من وجهة نظر أرسطو – أن نحمله علي العديد من الموضوعات . ولهذا فإن أرسطو يعالج المفهوم Concept لا كمثال، بل كمحمول في إمكانه أن يحمل علي موضوع معين، بل علي عدة موضوعات يجمعها في فئة واحدة . وهكذا استطاع أرسطو أن يرسي الأساس الذي أقام عليه القضية الحملية، احدي الدعائم الأساسية التي أقام عليها منطقه .

ولقد استفاد أرسطو من الخطوة الثانية من منهج أفلاطون والخاصة بالحركة الهابطة في اكتشاف نظرية القياس ؛ حيث أن الطريقة التي يحدد بها أفلاطون معني أي مفهوم من أجل الوصول إلي تعريف له، هي القسمة المتتالية . فمن أجل تحديد مفهوم معين، وليكن " س " يجب أن نبدأ من مفهوم أعم، وليكن " أ "، وأن نهبط بعد ذلك سلم الأجناس والأنواع، وأن نقسم المفهوم الأعم " أ " إلي المفهومين الأكثر تحديداً " ب "  ولا " ب "  علي شرط أن يستثني كل منهما الآخر، وأن يكون معاً جامعين لكل الأفراد التي تدخل في نطاق المفهوم العام أ . وحينما نضع المفهوم س المراد تحديده ضمن أحد طرفي القسمة، ونستثنيه من الدخول في الطرف الآخر، فإننا نكون بهذا قد وصلنا إلي تحديد أدق .

ويقدم أفلاطون في محاورة " السفسطائي " مثلاً أولياً لشرح الطريقة التي تعرف الألفاظ عن طريق القسمة الثنائية، علي أساس أن اللفظة المراد تعريفها هي "صيد الأسماك بالخطاف "، ويلاحظ أولاُ أن صيد الأسماك يعد فن، ومن ثم فإن الجنس الأول هو " الفنون "، وهي تنقسم إلي فنون للاقتناء وأخري للإنتاج، وصيد الأسماك ينتمي إلي الفئة الثانية، وينقسم الاقتناء إلي ما يتم برضاء موضوعها، وما يقتنص فيها الموضوع . وهنا ينتمي صيد السمك إلي النوع الأخير، وقد تكون الأشياء المقتنصة جماداً و حيواناً . والصيد يتعلق بالأحياء، والأحياء تعيش علي اليابس أو الماء، وهنا نجد موضوعنا ينتمي إلي الفئة الثانية، وقد تمسك بالشبكة أو بالطعن، وقد نقتنصها ليلاً أو نهاراً، وقد تضرب من أعلي أو من أسفل، وهذا النوع يتم فيه الضرب من أسفل وبتجميع الصفات الفاضلة . نعرف من صيد السمك بالخطاف علي أنه: فن اقتناء عن طريق قنص مخفف لحيوانات تعيش في الماء مع صيدها نهاراً وطعنها من أسفل، وهكذا حتي نحدد عن قرب مفهوم الصيد بالقنص .

تلك هي الطريقة الأفلاطونية في التعريف، وهي طريقة تقوم علي وضع علاقة بين طرفين بواسطة طرف ثالث علاقته بهما معلومة، وذلك بأن يقسم الجنس بخاصيات نوعية – تضا إليه . فيطبق ماصدقه وتجعل فيه أقساماً مختلفة تطلق عليها أسماء مختلفة، ولكنها تشترك في معني واحد ؛ أي أننا نقسم الجنس إلي نوعين، ثم نقسم كل نوع من هذين النوعين إلي قسمين . وهكذا حتي تستنفد القسمة، فيكون المتبقي هو التعريف المطلوب.

أما أرسطو – فلم يقبل القسمة الأفلاطونية للتوصل إلي التعري، ومع أنه استخدم القسمة الافلاطونية في منهج التحليل – المرحلة الأولي لتكوين الحد، إلا أنه هاجمها هجوماً عنيفاً، وقرر أنها قاصرة عن الوصول إلي الحد، إذ تعد قياساً ضعيفاً أو عاجزاً، وذلك لأنها لا تخلو من الحد الأوسط، وهو العنصر الأساسي في القياس عند أرسطو، كما انه هو الرابطة التي تربط بين الحدين الأكبر والأصغر، ففي القسمة إذن دور أو مصادرة علي المطلوب .

ويقدم لنا أرسطو في كتابه " التحليلات الأولي " مثالاً لطريقة التعريف بالقسمة الثنائية، وكيف أنها لا تعدو أن تكون قياساً حقيقياً، فيقول:" إذا كنت لدينا المقدمات التالية: الإنسان حيوان، والحيوان إما مائت أو غير مائت، فالذي يلزم عن هاتين المقدمتين هو: إن الإنسان إما مائت أو غير مائت، وليس أنه احدهما علي وجه الخصوص، وكذا إن كان لدينا المقدمة: إن الإنسان حيوان مائت، والمقدمة المائت منه ذو رجلين، ومنه ذو أرجل كثيرة . وأردنا أن نعرف أي النوعين يحمل علي الإنسان، فإننا لا نستطيع أن نستفيد ذلك من طريق القسمة بأي حال من الأحوال، وذلك لكون القسمة قياساً يخلو من الحد الأوسط .

ولهذا السبب، فإن أرسطو علي حق حين وصف منهج القسمة الثنائية، بأنه قياس ضعيف وغير برهاني، لأن النتيجة فيه لا تستخلص من المقدمات فقط، وإنما تعتمد علي الحدس من جانب، والتجربة من جانب آخر .

يتضح لنا مما سبق أن الفكر المنطقي الأفلاطوني لم يتعد مرحلة الممارسة العفوية للتفكير المنطقي  عند اليونان، والدليل علي ذلك أن لغة أفلاطون المنطقية هي نفس لغة الأيليين والسفسطائيين، كما أن منهج أفلاطون المنطقي هو بعينه المنهج الجدلي الفلسفي الأفلاطوني  الذي يقوم في شقه الهابط علي طريقة القسمة الثنائية ذات الأصول الأيلية والرياضية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو  مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

محمود محمد عليمن المعروف أن المنطق هو العلم الذي يبحث عن المبادئ العامة للتفكير الصحيح، إذ يضع الشروط الضرورية والكافية التي يتم بواسطتها الانتقال من قضايا نفترض صدقها إلي النتائج اللازمة عنها، ومن المعروف كذلك أن أرسطو أول من صاغ بطريقة علمية نظرية هذا العلم الذي سبق تاريخياً كل العلوم في التأسيس، ولكن الناس لم ينتظروا صياغة لقواعد المنطق حتي يفكروا، والإنسان حيوان مفكر منذ أن وجد علي سطح الأرض . المنطق كعلم يفترض – مسبقاً – المنطق كممارسة يومية تلقائية، شأنه في ذلك شأن النحو الذي يفترض المقدرة علي الاستخدام المسبق للغة، فالعلم آياً كان لا يبدأ إلا حين يتجه المفكر إلي الواقع العملي لهذا العلم، ولكي يصيغه صياغة نظرية .

 ولقد أخذت مرحلة الممارسة العفوية التلقائية للتفكير المنطقي في الفكر الفلسفي اليوناني السابق علي أرسطو في القرن الخامس والنصف الأول من القرن الرابع قبل الميلاد صوراً عدة، وذلك علي النحو التالي:

1- الفكر الجدلي كما تمثل في فلسفة الأيليين وحججهم الخاصة بنفي الكثرة والحركة ...الخ، والجدل الأيلي استمد جزء من مفاهيمه الأساسية من الفكر الرياضي الذي بلغ حداً معقولاً من التطور في هذا الوقت، مثل مفهوم القسمة الثنائية ومفهوم اللانهاية .

 ويري " ديوجين اللائرسي " Diognes Leartius أن أرسطو كان يعذو اختراع فن الجدل إلي " زينون الأيلي"، تلميذ " بارمنيدس " (540-547 ق.م) الذي كان يري أن العالم واحد، لا كثرة فيه ولا انقسام حقيقي، وثابت لا حركة فيه ولا انتقال، وكان زينون أول من استخدم برهان الخلف كأداة جدلية لدحض آراء خصوم أستاذه من الفيثاغوريين الذين رأوا أن العالم مكون من وحدات منفصلة أو أعداد .

 ويبدو أن أرسطو حينما قال أن " زينون " هو الذى أسس فن الجدل، إنما كان يشير إلي مفارقات زينون التي دحضت بعض فروض خصومه، بأن استخرجت منها نتائج لا يمكن التسليم بها، كما أنه من المحتمل أن يكون "أرسطو " قد وضع متناقضات زينون في الاعتبار، كما لو كانت أمثلة بارزة عن الجدل ؛ بمعني دحض فروض الخصوم بإظهار النتائج غير المقبولة الناشئة عن تلك الفروض . فعلي سبيل المثال فإنه من غير المعقول أن " آخيل " لن يلحق بالسلحفاة أبداً . ومن ثم فإن الفروض التي تقود إلي هذه النتيجة يجب أن ترفض، طالما أن هذه الطريقة تعتمد علي قانون المنطق الصوري، وهي معروفة " ببرهان الخلف" أو " القياس الشرطي المتصل في صورة نفي المقدم Modus Tollens " .

 ويمكن توضيح ذلك بشئ من التفصيل إذا ما رجعنا إلي ما أورده أرسطو من حججه في امتناع الكثرة والحركة، نجد ثماني حجج، أربعة منها في نفي الكثرة وأربعة منها في نفي الحركة .

 نبدأ بحجج نفي الكثرة، حيث تمثل الحجتان الأوليان في الحقيقة حجة واحدة ذات فرعين، يستندان معاً علي المقدمة المشتركة: إذا كانت هناك كثرة فلا تخلو الكثرة من أن تكون إما كثرة مقادير ممتدة في المكان أو كثرة آحاد أو أعداد ممتدة وغي متجزئة . وتعتمد الحجة الأولي علي الفرض الأول من فرض التالي . فإذا كانت هناك كثرة، فإنها تكون كثرة مقادير ممتدة في المكان، ومعني ذلك أن المقدار يكون قابلاً للقسمة إلي آحاد غير متجزئة، لا تؤلف مقداراً منقسماً، وبذلك يكون المقدار المحدود المتناهي حاوياً أجزاء حقيقية غير متناهية العدد، وهذا خلف.

وهذه الحجة تمثل رداً إلي المحال، وبالتالي تكون صيغتها المنطقية كالآتي:-

[ق> (ك . ~ ك) .ك]:>: ~ ق .

 ولننتقل إلي الحجة الثانية القائمة علي الفرض الثاني: لو كانت هناك كثرة، إنها تكون مكونة من آحاد غير متجزئة . وهذه الآحاد تكون متناهية العدد لتعينها، ما دامت حقيقية، وهي منفصلة، والمنفصل يفصل بينه أوساط، ويفصل بين هذه الأوساط أوساط أخري، وهكذا إلي ما لانهاية مما يناقض المفروض .

 وهذه الحجة تعتمد علي الصيغة المنطقية بشكل مضمر، وذلك علي النحو التالي:

[(ق > ك) . ~ ك]:>:~ ك).

 وتقوم الحجة الثالثة علي أنه إذا كانت الكثرة حقيقية، كان كل واحد من آحادها يشغل مكاناً حقيقياً، ولكن هذا المكان يجب أن يكون في مكان وهكذا إلي غير نهاية، وهذا خلف، فالكثرة غير حقيقية .

 وهذه الحجة تعتمد علي الصيغة المنطقية بشكل مضمر، وذلك علي النحو التالي:

[(ق > ك) . ~ ك]:>: ~ ق .

 حيث تشير " ك" إلي الأماكن المتناهية التي تشغلها آحاد المكان المتناهية المتعينة، وتشير "ك" إلي الأماكن اللامتناهية التي يتسلسل الاحتواء فيها إلي ما لانهاية .

 وإذا انتقلنا إلي الحجة الرابعة نجدها تختلف عن الحجج السابقة، إذ يذهب " زينون " إلي أنه إذا كانت الكثرة حقيقية وجب أن يقابل النسبة العددية بين كيلة الذرة وحبة الذرة وجزء علي عشرة آلاف من الحبة، نسبة مساوية لها بين الأصوات الحادثة من سقوطها إلي الأرض، ولكن الواقع يخالف ذلك، فالكثرة إذن ليست حقيقية .

 وهذه الحجة تعتمد علي الصيغة المنطقية بشكل مضمر، وذلك علي النحو التالي:

[(ق > ك) . (ق > ~ ك]:>: ~ ق .

 حيث تشير " ك" إلي ما ينتج عن تسليم الخصم . وتشير " ~ ك " إلي ما هو في الواقع مما يخالف ما نتج عن الفرض المحال .

 أما بالنسبة لحجج نفي الحركة، نجد أن الحجة الأولي والتي تسمي بحجة القسمة الثنائية، وهي تعتمد علي فرض إذا كان المكان موجود فهو موجود في شئ، ولكن الشئ الذي يوجد في شئ يوجد أيضا ي مكان، فالمكان إذن يجب عليه أن يوجد هو نفسه في مكان . وهذا إلي ما نهاية، فالمكان إذن غير موجود .

 وهذه الحجة تعتمد علي الصيغة المنطقية بشكل مضمر، وذلك علي النحو التالي:

ق > ق:>: ~ ق .

 ومعناها إذا كان يلزم عن قضية ما كذب هذه القضية فهذه القضية كاذبة.

 أما الحجة الثانية من حجج نفي الحركة، هي التي تسمي بحجة " آخيل والسلحفاة " وهي شديدة الصلة بالحجة الأولي أو بالأصح تطبيق لها علي مثال، فلو كانت هناك حكة لاستطاع آخيل وهو أسرع عداء في اليونان، أن يسبق سلحفاة تتقدمه بمسافة، إذا بدأ السباق في وقت واحد، ولكنه لا يسبقها لأنه عندما يقطع المسافة الفاصلة بينهما، تكون السلحفاة قد قطعت مسافة أخري، وعندما يقطع المسافة التي قطعتها، تكون السلحفاة قد قطعت ثانية وهكذا إلي ما لانهاية .

 وهذه الحجة تعتمد علي الصيغة المنطقية بشكل مضمر، وذلك علي النحو التالي:

[(ق > ك) . ~ ك]:>: ~ ق .

 وأما الحجة الثالثة فهي التي تسمي بحجة السهم، وهي قائمة علي أن الزمان مؤلف من أنات غير متجزئة، يشغل السهم في كل منها مكاناً مساوياً لطوله، لا يبارحه في كل آن، وبذلك فإنه ساكن غير متحرك في كل آن، أو أنه لا ينطلق إلي هدفه .

 وهذه الحجة تعتمد علي الصيغة المنطقية بشكل مضمر، وذلك علي النحو التالي:

[(ق > ك) . ~ ك]: >:~ ق .

 حيث تشير " ك" إلي انطلاق السهم ووصوله إلي هدفه، وتشير " ~ ك " إلي عدم انطلاقه وعدم وصوله إلي هدفه .

 أما الحجة الرابعة والأخيرة و وهي الحجة المعروفة بحجة الملعب، وهي تقوم كذلك علي كون الزمان مؤلف من أنات غير متجزئة وكون المكان مركبا من نقط غير منقسمة . يحاول "زينون" أن يثبت أن فرض وجود الحركة يؤدي غلي تناقض، فلو تحرك جسم مكون من أربع وحدات (طوله نصف طول ملعب) في عكس اتجاه جسم آخر موازي له ومتحرك بنفس السرعة مركب من أربع وحدات (طوله نصف طول الملعب نفسه)، فإن كلا منهما يقطع طول الآخر في نصف الزمن الذي يقطع فيه كل منهما طول جسم ثابت مكون من أربع وحدات موازي لهما . وعلي ذلك فإن الحركة تقطع نفس المسافة في زمن معين، وفي ضعف من الزمن، فيكون نصف الزمن مساوياً لضعفه، وهذا خلف، فالحركة وهم .

 وهذه الحجة تعتمد علي الصيغة المنطقية بشكل مضمر، وذلك علي النحو التالي:

[(ق> (ك . ~ ك) ]:>: ~ ق .

 يتضح لنا مما سبق أن زينون كان رائداً من رواد المنطق في مرحلة الممارسة العفوية التلقائية، حيث كان لا يوجد أي دليل أنه كان بمقدوره أن يصوغ بعض قوانين برهان الخلف، فقد ترك لأرسطو فيما بعد ليضع صراحة القواعد التي تحكم هذا النوع من الجدل، وكذا لينشئ علم المنطق الصوري . وزينون كما نري لا يدعي أنه سيبرهن علي نظرية من النظريات، وإنما يقتصر علي دحض نظرية خصومه وخصومه هم الفيثاغوريين، ولم تكن غاية زينون المباشرة في بادئ الأمر أن يقيم نظرية أو يبرهن علي صحة نظرية من النظريات، بل كان هدفه أن يهدم نظريات خصمه، وهذا هو الجدل السالب .ثم أن هذا الجدل لا يأتي من مقدمة ثابتة، بل من مقدمات يتقبلها الخصم أو يحبذها . إنه جدل يتجه إلي تبيان عيوب الخصم ومغالطاته ad haminem ... وللحديث بقية...

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

تقديم: إن المتأمل في مصطلح (ما بعد) سيتوقف من دون شك متسائلا عن مدلول "ما بعد" والسؤال المطروح بشأنها هل ال"ما بعد" مؤشر تاريخي أم نظري؟ كما يتساءل تيري إيغليتون[i] بمعنى هل يرجع ذلك إلى مسألة تاريخية أم مسألة ثقافية؟ هل يشير ال"مابعد" بداية إلى قطيعة ودعوة إلى التجاوز أم إلى استمرارية ودعوة إلى التواصل؟ ثم هل هي قطيعة كلية أم جزئية؟ في كلتا الحالتين لماذا التمسك إذن اللفظ القديم؟ وإن كان التجديد هو الغرض فلماذا لا يكون ابتداء المصطلح ذاته؟ أليس من الأجدر أن يكون الحديث صورة منطقية عن (ما قبل) مثلما هو متداول في "ما بعد"؟ أو على الأقل مثلما اقترح بعضهم تقسيم الحداثة إلى حداثة أولية وأخرى متأخرة[ii] عوض الحديث عن ما بعد الحداثة.

وإذا كانت ما بعد الحداثة ليست مرحلة متأخرة أو متقدمة للحداثة، فإنها مع ذلك لا تنفصل عن الحداثة وإنما تنشأ "في نفس الحداثة التي تسعى إلى تعويض دعائمها"[iii]، يرى جيمسين أن مفهوم ما بعد الحداثة:"ليس مجرد كلمة تصنف أسلوبا خاصا، فهو مفهوم زمني وظيفته الربط بين ظهور خصائص شكلية جديدة في الثقافة وبين ظهور نمط جديد في الحياة الاجتماعية، ونظام اقتصادي جديد"[iv]. من خلال هذا التصور يكون معنى (ما بعد) منحصرا في إحدى الدلالتين الزمان والأسلوب.

قد لا يكون لهذه البادئة "ما بعد" كل هذا الزخم إذا أخذنا في الحسبان جميع الكلمات التي يضاف إليها "ما بعد" ليعطي لها مدلول آخر يستمد ويقرأ من رحم دلالة اللفظ المراد من دون بادئة "ما بعد". إن إضافة ما عد مثلا لمصطلحات معينة بدا وكأنه موضة لوصف الاتجاهات الحديثة جدا أو المذاهب والمناهج التي تحث عن التحيين واصطلاح الواجهة ومن هنا كثير استخدام عبارات ما بعد: (posthistoire) ما بعد التاريخ (postindustriel) ما بعد الصناعي (post-bourgeois) ما بعد البورجوازي (post-capitalisme) ما بعد الرأسمالية (post-marxisme) ما عد الماركسية (poststructuralisme) ما بعد البنيوية (postmodernité) ما بعد الحداثة ولم تسلم موجة المابعد من التصورات والاتجاهات الفلسفية: post-analytique philosophie ما بعد الفلسفة التحليلية.

وربما كانت الإضافة في استعمال بادئة "ما بعد" لبعض الاتجاهات والحركات الفلسفية دليلا وإشارة إلى التململ والانزعاج من استخدام مفرط اتخذ شكل الموضة لمصطلح ما بعد الحداثة الشيء الذي أفقده كل معنى أصيل ومحدد وباتت الاستعاضة بادئة "ما بعد" مضاف إليها المصطلح المرغوب مثلما جسده (روتي ريتشارد) حينما استبدل تعبير ما بعد الحداثيين (postmodernes) بما بعد النيتشويين  (post-nietzschéen) على الرغم من كونه منتسبا للفريق ما عد الحداثي وهو في هذا شبيه أمبرتو إيكو (Umberto Ecco) الذي يمقت تسمية ما بعد الحداثة على الرغم من اعتبار أعماله ما بعد حداثية بامتياز.

إن بادئة "ما بعد" ليست مجرد كلمة تضاف إلى أخرى موجودة بقدر ما هي لفظة محورية تتحدد من خلالها الكلمة اللاحقة، وسواء كتبت بارتباط معها أو بانفصال عنها وسواء كتبتت في اللغات الأجنبية بحرف كبير (Post) أو بحرف صغير (post)، ومثلما يقول (هابرماس):"ما بعد post ليست فقط إنذارات انتهازية تشتم ربح العصر، بل يجب أخذها بجدية والنظر إليها على أنها مقياس زلزال عقل الزمن"[v]

أ- ما بعد الحداثة: عندما بدأ مصطلح ما بعد الحداثة post modernité أو post modernisme[vi] في الانتشار والذيوع بدءا من استخداماته الأولى في الثلاثينيات في القرن العشرين لم تكن معاينة ودلالاته محددة وواضحة فضلا عن تعدد القراءات المقدمة من قل المفكرين والمثقفين الذين بادروا في استعماله في مجالات عديدة في التاريخ والحضارة إلى الفلسفة وعلم الاجتماع مرورا بالفنون والهندسة والنقد الأدبي، غير أنه ومنذ أن نشر المفكر الفرنسي جون فرانسوا ليوطار J.F.LYOTARD لكتابه المعنون الشرط ما بعد الحداثي. La condition post moderne والذي أصح منذ ذلك الوقت مرجعا ونموذجا في الكتابات ما بعد حداثية، على مستوى آخر يقترن معنى الحداثة بكتاب ليوطار السالف ذكره سنة 1979، فقد أقر سقوط النظريات الكبرى التي تحاول تقديم تفسير شمولي للمجتمع وتتخذ شكل أنساق فكرية مختلفة ومنظورات من أبرز نماذجها، الإيديولوجيات الكبرى، كما أقر بنهاية فكرة الحتمية سواء في العلوم الطبيعية أو في التاريخ الإنساني، فليست هناك حتمية في التطور التاريخي من مرحلة إلى أخرى، بل إن هذا التاريخ يظل منفتحا على احتمالات عديدة[vii].

لقد شهد كتاب ليوطار انتقادات عنيفة من طرف منظري الحداثة وعلى رأسهم هابرماس هذا الأخير الذي صنف في مؤلفه "الخطاب الفلسفي للحداثة" تيار ما بعد الحداثة إلى صنفين وهما: الاتجاه المحافظ الجديد والاتجاه الفوضوي، معتبرا أنه مهما كان الاختلاف ين هاتين الصيغتين فإنهما معا  قد انشقتا عن الأفق المقولي horizon catégorial الذي شكلته الحداثة نفسها، لذلك فإن الأمر لا يعدو كونه نقدا ذاتيا تقوم به هذه الأخيرة، مما يؤكد على حيويتها واستمراريتها.

وقد عرف مفهوم ما بعد الحداثة أول الأمر في الولايات المتحدة الأمريكية وتم استخدامه من طرف السوسيولوجيين والنقاد. وفي هذا الإطار ظهر المؤلف الرائد للمفكر المصري الأصل –الأمريكي الجنسية- إيهاب حسن وعنوانه "التحول ما بعد الحداثي، مقالات في نظرية وثقافة ما بعد الحداثة"[viii]

فقد وضع هذا المفكر تخوما محددة بين الحداثة وما بعد الحداثة، وذلك عبر إبراز مجموعة من التقابلات بين الخصائص المميزة لكل طرف فالحداثة مثلا قامت على التمركز العقلي والإبداع والحضور والهرمية والعمق والكليانية والتصميم والأصل أو السبب والميتافيزيقا، في حين قامت ما بعد الحداثة على التشتت واللاابداع والغياب والفوضى والسطح والتفكك والصدفة والاختلاف والمفارقة.[ix]

ب-ما بعد البنيوية: انبثقت كتيار فلسفي مثله بالخصوص ميشال فوكو، جاك دريدا، جيل دولوز، جان فرانسوا ليوطار، أو بعبارة أخرى الذين اصطلح عليهم بـ"جيل الاختلاف"[x] فهؤلاء الفلاسفة استندوا إلى الميراث الفلسفي النيتشوي المتشكك في القيم المتوازنة وفي المعايير التي انبثقت مع المجتمعات الأوروبية الحديثة كما استندوا إلى مناهج حديثة في تحليلهم للمجتمع الغربي ومنها على الخصوص المنهج البنيوي والمنهج التفكيكي، يضاف إلى هذه الأدوات المنهجية، التطورات الحاصلة في العلوم الإنسانية ومنها الأنتروولوجيا والتحليل النفسي والدراسات اللغوية والتي استغلها هؤلاء المثقفون في قراءاتهم الخاصة التي أبرزت توجهات تتشابه إلى حد كبير في بعض ملامحها مع ما بعد الحداثة، فعبارة ما بعد البنيوية وإن دلت على حقبة تالية للبنيوية تعلن فيها عن موتها فإنها بالمقابل تشير إلى توجهات ما بعد حداثية.

وقد يستخدم المصطلح أحيانا post structuralisme بالتناوب وبنفس معنى التفكيكية déconstruction، ويقسم ريتشر هارلاند (harland 1987) ما بعد البنيوية إلى ثلاث فئات، تضم الأولى مجموعة مجلة tel quel الفرنسية وهم جاك دريدا، وجوليا كريستيفا julia kristiva وكتابات رولان بارن الأخيرة، وتضم الثانية جيل ديلوز gilles deleuze وفيليكس جاتاري (felix guattari) وكتبات ميشال فوكو الأخيرة وتضم الثالثة فردا واحدا هو جان بودريار (jean baudrillard) ولا يزال الجدل محتدما حول جاك لاكان lacan إذا كان من البنيويين أومن أنصار ما بعد البنيوية.[xi]

إن لنظرية ما بعد الحداثة إيجابيات وسلبيات كباقي الظواهر والنظريات الثقافية وباقي المناهج الأدبية، ومن إيجابيات (ما بعد الحداثة) أنها حركة تحررية تهدف إلى تحرير الإنسان من عالم الأوهام والأساطير وتخليصه من هيمنة الميثولوجيا البيضاء.

كما تعمل فلسفات ما بعد الحداثة على تقويض المقولات المركزية للفكر الغربي، وإعادة النظر في يقينياتها الثابتة، وذلك عن طريق التقويض والتشكيك والتشتيت والتشريح والهدم.

والهدف من ذلك هو بناء قيم جديدة، كما حاربت من جهة أخرى ثقافة النخبة والمركز، فاهتمت بالهامش والثقافة الشعبية.[xii]

كما آمنت نظرية ما بعد الحداثة بالتعددية والاختلاف وتعدد الهويات، وأعادت الاعتبار للسياق والإحالة والمؤلف والمتلقي كما هو حال الهيرمينوطيقا وجمالية التلقي، واهتمت كذلك بالتناص، وعملت على إلغاء التحيزات الهرمية والطبقية، واحتفت بالضحك والسخرية والقبح، والمفارقة والغرابة، واستسلمت للغة التشظي والتفكك واللانظام.[xiii]

بيد أن من أهم سلبياتها –ما بعد الحداثة- اعتمادها على فكرة التقويض والهدم والفوضى، فمن الصعب تطبيق تصورات "ما بعد الحداثة" واقعيا لغرابتها وشذوذها، وبذلك استهلكت قدراتها الإستراتيجية الفعالة في إبراز التحيزات المجحفة دون أن يكون لها موقف أخلاقي أو سياسي أو اجتماعي.

ومن عيوبها الخطيرة كذلك أنها تجعل من الإنسان كائنا عبثيا فوضويا لا قيمة له في هذا الكون المغيب، يعيش حياة الغرابة والشذوذ والسخرية والمفارقة، ويتفكك أنطولوجيا في هذا العالم الضائع بدوره تشظيا وضآلة وانهيارا وتشتيتا.

أهم نظريات ما بعد الحداثة:

ثمة مجموعة من النظريات الأدبية والنقدية والثقافية التي رافقت مرحلة ما بعد الحداثة، وذلك ما بين سنوات السبعين والتسعين من القرن العشرين، وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى التأويلية، ونظرية التلقي، والنظرية التفكيكية، والنظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، ونظرية النقد الثقافي، والنظرية الجنسية، والنظرية التاريخانية الجديدة، والنظرية العرقية، والنظرية النسوية، والنظرية الجمالية الجديدة، ونظرية ما بعد الاستعمار، ونظرية الخطاب (ميشل فوكو) ،وفي هذه التخوم المعرفية نحاول تسليط الضوء على إحدى أبرز هذه النظريات والإيديولوجيات الجديدة هي النظرية ما بعد الاستعمارية أو ما بعد الكولونيالية، ونسلط الضوء بدورنا على الروائي والأديب محمد ديب الذي نشأ في ظل هذه الإيديولوجية وما سبقها من مرحلة كولونيالية، من أجل استنباط مدى تأثر الروائي والأديب بهذه النظرية وتجلياتها في خطابه الأدبي.

 

أ. أحمد دحماني

......................

[i] - ينظر أوهام ما بعد الحداثة تيري إيغليتون تر: منى سلام أكاديمية الفنون (د.ت) (دط)

(the illusions of postmodernisme) terry eag leton

[ii] - هذا رأي لويس ديبري louis dupre في مقال له بعنوان ما بعد حداثة أم حداثة متأخرة (postmodernité or modernité tardive)

[iii] - فريدريك جميس (ما بعد الحداثة والمجتمع الاستهلاكي) ص256.ضمن الحداثة و ما بعد الحداثة، تقديم بيتر بروكر ،تر: عبد الوهاب علوب، منشورات المجمع الثقافي أبوظبي ،ط1، 1995

[iv] -نفسه، ص256.

[v] -Jutgen Habermas, la pensée post métaphysique ; essais philosophique, traduit de l’allemand par rainer rochlitz, paris, Armand colin 1993, p10.نقلا عن الحداثة و ما بعدها في فلسفة ريتشارد روتي،أطروحة دكتوراه فلسفة لمحمد جديدي جامعة منتوري قسنطينة2006،ص126

[vi] - كما هو الشأن في مصطلح الحداثة modernité أو  modernisme وأشكال ترجمتها إلى العربية الحداثة أو الحداثية، العصرية أو العصرانية فغالبا ما يحدث نفس الشيء مع post modernité و post modernisme نجد لفظ ما بعد الحداثة يدل على الكلمتين معا وقد أشار تيري إيغليتون إلى أن ما بعد الحداثة post modernité يشير إلى مرحلة تاريخية مخصوصة ما عد الحداثية post modernisme فيشير بصورة عامة إلى شكل من أشكال الثقافة المعاصرة مع أنه  يصرح بعدم مراعاته لهذا التمييز في استخدامه للمصطلحين. ينظر تيري إيغليتون، أوهام ما بعد الحداثة ص07.

[vii] - Jean-François Lyotard, la condition post moderne نقلا عن عز الدين الخطابي: أسئلة الحداثة ورهاناتها، منشورات الاختلاف ط1، 1430/2009، ص29.

[viii] - ihab hassan, the post modern turn نقلا عن عز الدين الخطابي أسئلة الحداثة ورهاناتها، ص30.

[ix] - ينظر عز الدين الخطابي نفسه، ص30-31.

[x] - ينظر تفصيلا أكثر: جون ستروك: البنيوية وما بعدها من ليفي شترواس إلى دريدا، تر: محمد عصفور سلسلة عالم المعرفة، الكويت، فبراير 1996.

[xi] - محمد عناني المصطلحات الأدبية لحديثة دراسة ومعجم انجليزي عربي، الشركة المصرية العالمية للنشر لونجمان، ط3، سنة 2003، ص75.

[xii] -ينظر، جميل حمداوي نظريات النقد الأدبي في مرحلة ما بعد الحداثة شبكة الألوكة، ص28.

[xiii] - ينظر سعد البازعي وميجان الرويلي: دليل الناقد الأدبي المركز الثقافي العربي بيروت لبنان، ط2، 2000، ص183.

 

 

محمود محمد عليعندما وضع أرسطو تصنيفه للعلوم ميز بين ما كان منها علماً نظرياً غايته المعرفة كالفيزيقيا الرياضيات والفلسفة الأولي، وما كان منها عملياً غايته السلوك مثل الأخلاق والسياسة، وما كان منها إنتاجيا غايته إنتاج شئ جميل أو مفيد، مثل فن الشعر. أما المنطق فلم يذكره ضمن هذه العلوم . ولعل السبب في عدم اعتباره علماً من العلوم، هو أن موضوعه أوسع من أي منها . لأنه يدرس التفكير الذي يستخدم فيها جميعاً، بل يدرس أيضاً التفكير الذي لا يدخل في نطاق العلم، كالتفكير الشائع عند جمهور الناس، والذي يستخدم في البلاغة، وكذلك يقدم المنطق القواعد التي تجنب الإنسان الخطأ وترشده إلي الصواب . ومن هنا فقد عُد المنطق عند أرسطو مقدمة للعلوم تساعد علي التفكير السليم .

ويقال عن أرسطو أنه الواضع الحقيقي لعلم المنطق ؛ حيث كان له العديد من المؤلفات المنطقية التي جمعها تلاميذه وشراحه، وأطلقوا عليها أسم " الاورجانون arganun (أي الأداة أو الآلة)، وظل هذا الاورجانون المنهج الوحيد للتفكير حتي مطلع العصور الحديثة .

وقد جري العرف علي ترتيب الاورجانون الأرسطي طبقاً لاندرنيقوس الرودسي (القرن الأول ق.م) في ستة كتب علي النحو التالي: المقولات، ثم العبارة، ثم التحليلات الأولي، ثم التحليلات الثانية، ثم الطوبيقا، وأخيراً كتاب السوفسطيقا .

ويقوم هذا الترتيب علي أساس تحتويه المؤلفات . فيتناول كتاب المقولات دراسة الحدود، ويتناول كتاب العبارة القضايا، ويتنول كتاب التحليلات الأولي الأقيسة، ويتناول كتاب التحليلات الثانية الأقيسة الضرورية، ويتناول كتاب الطوبيقا الأقيسة الاحتمالية، ويتناول كتاب السوفسطيقا الأقيسة المموهة القائمة علي المغالطة (أي الأغاليط الصورية).

إلا أن أرسطو لم يتبع هذا الترتيب في مؤلفاته . ولا يوجد أي دليل يؤيد الرأي الشائع القائل بأن أرسطو قد أعتبر كل هذه المؤلفات (فيما عدا التحليلات الأولي والثانية) فصولا متتابعة في مؤلف مرتب عن المنطق .

وموضوع هذا المقال هو " القطائع المعرفية في التحليلات الأولي الأرسطية"، وفيه نحاول أن نطبق هذا المبدأ المعرفي " يمر العلم في انتقاله من مستوي الممارسة التلقائية العفوية إلي مستوي الصياغة النظرية لقواعد العلم بما يسمي القطيعة المعرفية ".

ولتوضيح ما يعنيه هذا المبدأ نقول مع أستاذنا الدكتور " حسن عبد الحميد" في بحثه الرائع بعنوان " التفسير الابستمولوجي لنشأة العلم": "أن أي علم علي الإطلاق قد مر في تاريخه بمرحلتين أساسيتين ومتميزتين: مرحلة الممارسة اليومية التلقائية التي يغلب عليها الطابع الإيديولوجي، ومرحلة الصياغة النظرية للقواعد الأساسية والمبادئ العامة التي تجعل من المعرفة معرفة علمية بالمعني الدقيق للكلمة . أو هو الانتقال مما هو ضمني إلي ما هو صريح وواضح، فالطفل أو الرجل الأمي – علي سبيل المثال - يستطيع كلاهما أن يستخدم اللغة استخداماً صحيحاً نسبياً وبدون حاجة إلي تعلم قواعد النحو الخاصة بهذه اللغة أو تلك، ولو سألنا أحدهما أن يستخرج قواعد اللغة التي يتحدث بها، وأن يصيغها صياغة نظرية، لما كان هذا في إمكانه، والسبب في ذلك أننا ننقله في هذه الحالة من مستوي الممارسة اليومية للغة إلي مستوي الصياغة النظرية لقواعدها" .

والانتقال هنا هو انتقال من مستوي الممارسة اليومية العفوية للمعرفة إلي مستوي الوعي بالقواعد النظرية التي تنظم هذه المعرفة وقد أصبحت علماً . وهذا الانتقال من المستوي الأول إلي المستوي الثاني لا يتم إلا عن طريق " قطع الصلة" بالممارسات اليومية ذات الطابع الحدسي والتلقائي التي تسيطر علي المعرفة قبل أن تتحول إلي علم.

والقطيعة المعرفية هي الحد الفاصل الزمني اللحظي أو هذا التغير السريع الذي ينتج عنه أمراً جديداً كل الجدة، ولكنها عبارة عن مسار معقد متشابك الأطراف تنتج عنه مرحلة جديدة متميزة في تاريخ العلم ؛ ومعالم القطيعة المعرفية التي تحدثها الثورات العلمية داخل العلم يمكن تتبعها علي ثلاثة مستويات: مستوي لغة العلم من جانب، ومنهجه من جانب آخر، ومستوي نظرية العلم من جانب ثالث .

ويمكن تطبيق هذا المبدأ المعرفي علي الكتاب الثالث من الاورجانون الأرسطي، وهو كتاب التحليلات الأولي ؛ حيث أن هذا الكتاب يمثل ثورة داخل ميدان المنطق، وهذه الثورة قد أنجزها أرسطو بمفرده ونقل بها هذا الفرع من فروع المعرفة من مرحلة الممارسة العفوية (والتي تمثلت في التفكير المنطقي في الفكر الفلسفي اليوناني السابق علي أرسطو في القرن الخمس والنصف الأول من القرن الرابع ق.م وبالأخص لدي الأيليين والسوفسطائيين وصاحب الأكاديمية "أفلاطون") إلي مرحلة الصياغة النظرية، والتي تسمي بالقطيعة المعرفية .

وبالتالي يمثل كتاب "التحليلات الأولي" مرحلة القطيعة المعرفية ليس فقط مع كل صور الممارسات السابقة للفكر المنطقي عند الأيليين والسوفسطائيين وأفلاطون، بل إن هذا الكتاب يقطع الصلة بينه وبين مؤلفات أرسطو المنطقية .

والمتفحص لكتاب التحليلات الأولي يجده مختلفاً تمام الاختلاف عن كل ما سبقه من تراث منطقي – أي بدون أن يلغيه أو ينفيه، بل يتعداه ويتجاوزه .

1- ونستطيع أن نجمل الجدة المنطقية التي تميز هذا الكتاب فيما يلي:

2- لغة جديدة كل الجدة صاغها أرسطو للتعبير عن نظرية القياس وقواعده وأشكاله وضروبه، وهي لغة المتغيرات .

3- منهج جديد استخدمه أرسطو لأول مرة في تاريخ علم المنطق، وهو المنهج الاستنباطي .

4- نظرية مكتملة في الاستدلال المنطقي التحليلي هدفها العلم الاستنباطي البرهاني.

ولقد بقي علم المنطق كما صاغ أرسطو نظريته ووضع لغته وحدد منهجه كما هو حتي منتصف القرن التاسع عشر تقريباً، وهذا حدا بالفيلسوف الألماني "كانط" Kant (1724-1804) حينما لاحظ في مقدمة الطبعة الثانية لكتابه " نقد العقل الخالص" بأن المنطق لم يتقدم خطوة واحدة منذ أيام أرسطو، وأن نظرية القياس – وهي صلب المنطق الأرسطي – قد وجدت صياغتها الأخيرة والنهائية في كتاب التحليلات الأولي.. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

علي محمد اليوسفتقديم: كنت في مقالة سابقة (الفلسفة التحليلية الانجليزية) اشرت على قدر المستطاع ثغرات الفلسفة التحليلية، ونزعة تجيير ريادة فلسفة التحليل اللغوي لها ، وطموحات سقفها العالي الذي لم يتحقق منه القليل، في محاولتها وصول هدف تخليص تاريخ الفلسفة من سقوطها الموغل بالاخطاء المتراكمة القائمة على مخاتلة اللغة وخداعها في عدم التعبير الصادق عن القضايا الاشكالية المعلقة بالفلسفة على مدى قرون طويلة. وأرتأت التحليلية الانجليزية الاضطلاع بمهمة المعالجة والتصحيح، فكانت جهودها الاستعراضية بهذا المجال أسقطها في مشاكل عزلة المنطق اللغوي في وقت أعلنت فيه عن نفسها الفلسفة الرائدة الام لكل الفلسفات السابقة عليها قاريّا.

أدعاء ريادية قيام التحليلية الانجليزية بدور الفلسفة التي تتوخى فرض نفسها على مباحث الفلسفة الحديثة والمعاصرة في فلسفة اللغة، في وجوب أعتماد منهج التحليل النقدي المنطقي اللغوي لتصحيح مسار الفلسفة الذي أكتنفه الغموض وفقدان بوصلة الاتجاه الصحيح في معالجة مباحث ومفاهيم الفلسفة الموروثة المغلوطة. هذه الريادية لم تكن تمتلك مقومات أستئثارها المتفرد الذي كان أصلا مشتتا بين الواقع والطموح في فلسفات وتيارات غطّت دول اوربا والولايات المتحدة.

من المسائل التي نجد أهمية لها فرش أرضية عرض أختزالي لما أرادت التحليلية الانجليزية أنجازه ولم تثمرجهودها بذلك وهي:

- لم يكن منهج التحليل بالفلسفة يمثل فتحا جديدا من حصة فلاسفة الانجليز حصرا بل كان له وجودا تاريخيا سابقا على فلسفة التحليل الانجليزية. فمنهج التحليل أعتمده السفسطائيون ما قبل سقراط. وأعتمده العديد من فلاسفة اليونان مرورا بجميع عصور الفلسفة تاريخيا. وصولا الى الفلسفات الحديثة في دول اوربا وانجلترا وامريكا، ما وضع ريادة التحليلية الانجليزية في أدعاءها فرادتها وسبقها الريادي الاولي لمنهج التحليل لا يقوم على سند حقيقي وسط هذا التشتت الفلسفي عالميا وتاريخيا.

- أعتمدت كل فلسفات التحليل في اوربا وامريكا مركزية تحليل اللغة بالاعتماد على فلسفة اللغة والتحول اللغوي ونظرية المعنى. ومنهج التحليل اللغوي ليس منهجا مفهوميا ولا مصطلحا فلسفيا غير متفق عليه، بأستثناء حقيقة التحليل الفلسفي يقوم على مبدأ تحليل معنى اللغة. لكنما الاختلافات الفلسفية العميقة ظلت مزامنة التحليل في تنوع مضامين تلك التيارات الفلسفية.

- أصطدام فلسفة التحليل الانجليزية بجدار العلم الطبيعي التجريبي عندما حاولت التحليلية أعتماد تحليل اللغة بمنهج يقوم على ربط كل من المنطق والرياضيات بالعلم الطبيعي، وهذا التوجه كان اشار له جوتلوب فريجة في مؤلفاته العديدة في الرياضيات. ولم تأخذ التحليلية بمبدأ أن مسار العلم الطبيعي مع الفلسفة هو مسار التوازي وليس التقاطع ولا حتى التداخل ، لذا كان طموح التحليل التداخل مع قضايا العلم الطبيعي ليست سهلة ولا متاحة ببساطة فلسفية حينما غرقت التحليلية في تحليل نحو اللغة وقواعد التعبير بغياب تحليل قضايا الفلسفة.

- أختطت فلسفة تحليل اللغة في اوربا فرنسا والمانيا على وجه التحديد ، وكذلك في الولايات المتحدة الامريكية، مسارات عديدة ومتباينة حد الاختلافات العميقة، بعيدا منفصلا عن الميراث الريادي الذي نسبته التحليلية الانجليزية لنفسها. ومن الجدير ذكره أن تقاطع تحليلية الاميركان كانت مزدوجة في أنفصالها التام عن تحليلية الانجليز من جهة وتحليلية فرنسا من جهة أخرى وسبب ذلك هو توجه الفلاسفة الاميركان وضع كل فلسفات اوربا الحديثة والمعاصرة في فلسفة اللغة والتحليل في خدمة هدف أعادة الحضور المنسي للبراجماتية الاميريكية الفلسفة العجوز على أرضها الجغرافية في هجرة الفلاسفة الاوربيين أليها وأستقبالهم العمل في الجامعات الاميريكية..

- سقوط التحليلية الانجليزية في طوق العزلة الفلسفية سببه أعتماد روادها الثلاث جورج مور، بيرتراندراسل، وايتهيد، وأنضم لهم لاحقا كلا من فينجشتين وكارناب، وكانت تتوزعهم الاهتمامات التحليلية التالية:

* التحليلية مرتكزها المنهجي الفلسفي البحثي هو فلسفة اللغة حصرا.

* أعتماد محاولة ربط علم الرياضيات والمنطق في تحليل اللغة بغية تحقق المقاربة العلمية التي كان رائدها راسل بامتياز.

* محاولة معالجة مشاكل القضايا الفلسفية الكبرى العالقة المتواثة عبر تاريخ الفلسفة من خلال الوصول الى ضبط معنى الدلالة اللغوية.

* الاقتراب نحو تمازج الفلسفة بالعلم في محاولة التكامل والالتقاء مع بعض طروحات العلوم الطبيعية دونما جدوى.

* الوضوح في لغة التعبير الفلسفي نزولا الى درجة لغة الكلام العادي وهو ما تبناه جورج مور.

* الانطلاق من معالجة الجزء وصولا الى الكل في معالجة القضايا الفلسفية المعقدة الشائكة.

التحليلية الفرنسية والعداء للتحليلية الانجليزية

أتسمت الفلسفة الفرنسية التحليلية بالنفور من تيارات التحليلية الانجليزية تحديدا، من حيث أن الفلسفات الفرنسية ذات الارث العميق باصول تاريخ الفلسفة الذي ساهمت كثيرا بصنعه، كانت دائما تعتمد معالجة القضايا الفلسفية الكبرى بمنهجية التركيب الشامل ولم تتجه نحو الاهتمام بمعالجة الجزء للوصول الى كليات كما تفعل التحليلية الانجليزية. مناهج الفلسفات الفرنسية على ثرائها المتنوع الغزير كانت تناقض تماما منهجية التبسيط اللغوي في التحليلية الانجليزية وأبتعادها عن ملامسة عمق القضايا الكبرى، في أنهمامها تحقيق مبدأ الوضوح الذي يصل أحيانا الى كلام الناس الجاري كما طرح ذلك جورج مور يسنده بهذا المسعى فينجشتين المتأخر.

من جهة أخرى وجدت الفلسفات الفرنسية التي أعتمدت مركزية فلسفة اللغة أنها أقرب الى توجهات الفلاسفة الاميركان الذين كانوا هم أيضا ينظرون لتحليلية الانجليز أنها أستنفدت كل جديد يمكنها قوله. لذا وجد الفلاسفة الفرنسيين ملاذهم في لقاء فلاسفة الاميركان كما فعل بول ريكور صاحب التاويلية ومثله جاك دريدا صاحب التفكيكية في تواجدهم على الارض الامريكية والتدريس بجامعاتها تحديدا قبل عودتهم الفرنسية ثانية.

فريجة وراسل وقسمة الرياضيات بينهما

أعتمد راسل باقرار منه لا لبس فيه غاية الاعتماد على كتابات ومؤلفات جوتلوب فريجة في مجال الرياضيات على وفق منهج التحليل." حاول فريجة أظهار أن الرياضيات ومصطلحاتها يمكن أن يتم تحليلها باستخدام مصطلحات تعود الى المنطق، وحقائق الرياضيات ماهي الا اختصاصات تعريفية لحقائق المنطق"1، كما يؤكد فريجة " أن دقة معظم البراهين الرياضية لمعاصريه والسابقين عليه، هي دقة وهمية، وأن الرياضيين لم يحققوا أكثر من مجرد التاكيد التجريبي لاسس الرياضيات "2. كما يؤكد فريجة بنزعة شديدة " هناك مزايا للمعرفة الرياضية، وهي الوضوح التي عجزت وجهات نظر معاصريه من الرياضيين والفلاسفة أمتلاكها، ويصف هذا الامر بالفاضح الذي يكشف عن جهل فلسفي"3 ماذا نستخلص من عبارات فريجة الاب الروحي للتحليل السابقة:

- أعتماد فلاسفة التحليلية الانجليز الرواد على فريجة بأهمية العودة الى الرياضيات وفق منهج تحليل اللغة غير مسبوق، وأن المنطق الرياضي يقود الى حل مجمل قضايا الفلسفة الخاطئة الموروثة التي سببها الرئيس غموض وتعقيدات اللغة التي حجبت خلفها حقيقة قضايا الفلسفة ومشكلاتها.

- تبني كلا من فينجشتين وجورج مور أن الوضوح اللغوي حتى على صعيد المنطق والرياضيات، هو منهج مطلوب في تصحيح متراكمات الاخطاء الفلسفية المعيبة الفاضحة على حد تعبير فريجة. حيث تراجع فينجشتين في أستهوائه طرح الوضوح قوله مامعناه لا يستر عيوب اللغة غير الصمت حينما تعجزنا اللغة التعبير بوضوح المعنى... وتلقف مور هذا التوجه في دعوته أن لغة الحوار العادي الجاري بين الناس هو الكفيل بتخليص مشاكل الفلسفة من التعقيّد والابهام الذي يضيّعه تعبير اللغة الفلسفي الغامض.

- أن مشكلة اللغة في تعقيد المعنى أصبحت هي مشكلة سابقة على جميع مشاكل القضايا المعقدة فلسفيا. وأصبح السائد المتداول عند فلاسفة اللغة المعاصرين معظمهم، أن التراكم اللغوي الخاطيء الذي رافق تاريخ الفلسفة جعل من اولوية ازالة ركام الاخطاء هو باب الانفراج الذي تنفذ منه الفلسفة وتدخله لمعالجتها أخطاء المشاكل التعقيد اللغوي بالفلسفة والابهام اللغوي بالفلسفة قبل كل شيء آخر.

- ليس من السهل ولا من المطلوب فصل الترابط القائم ما بين اللغة كاصل جوهري ترتكزه التحليلية من جهة، وبين منطق الرياضيات الذي ورثته عن فريجة من جهة أخرى. وهذا المسعى يجعل من مقاربة الفلسفة للعلم في تكامل معه لها ما يبرره أيضا بالاستناد الى توصية فريجة تحت هذا العنوان.. أنه من الاخطاء الفاضحة التي تسم الفلسفة هو في أهمالها هذا التوجه المعيب. وتنبه راسل الى أهمية كتاب فريجة العظمى (التصورات) الذي نشره عام 1879.

- في فترة لاحقة من تطور التحليلية الانجليزية تمحور جورج مور بالتحليل اللغوي القائم على اللغة التي أطلق عليها اللغة الجارية بين الناس، بينما أنفصل عنه راسل بتبنيه لغة المنطق القريب من الرياضيات، وبالرغم من التعبير البادي عن أقتراب راسل من منطق العلم الا أن النتيجة كانت خلق اتجاهين أحدهما أستغلاق فلسفة مور بأهمية تبني الوضوح البسيط في اللغة، يقابله راسل بمساعدة فينجشتين ووايتهيد على الاقتراب نحو لغة مثالية قريبة من أبتداعهم ميتافيزيقا لغوية رغم كل الادعاءات في تبنيهم المنهج العلمي..بل ودعوتهم خلق لغة اصطناعية غير اللغة التواصلية الحالية.

جورج مور والتحليلية

تميز جورج مور كما ذكرنا في سطور سابقة تاكيده أهمية اللغة الجارية بين الناس، مستنتجا من ذلك أن الادراكات الحسية المشتركة العامة لاتخطأ كونها ادراكات(فطرية) لا يمكن التشكيك بها لانها تحمل أجماعا سيسيولوجيا متفقا عليه لا يحتاج لبرهان منطقي يثبته. وأدراكات الفطرة صادقة كونها لا تتعارض مع الحس المشترك الذي يعارضه فلاسفة المثالية مثل بيركلي، والحس المشترك عند مور معرفة ثابتة لا يجوز أن تكون موضع تساؤل شكي.4

تعقيب

من منطلق نقدي مادي علمي لا يؤمن به مور دليل قوله (لا يوجد ما هو مادي) يسعى مور محاربة المنطق المثالي بمنطق مثالي آخر لا يخرجان كليهما معا عن الالتقاء بالمحصلة النهائية في هدف مثالي مشترك. الشيء الجدير بالتشكيك بصحة مثالية مور، هو في أعتباره وأعتماده وجود ادراكات (فطرية) مرددا نفس أفكار ديكارت وكانط حول فطرية الادراكات غير الخاطئة لأنها مجمع على صحتها البديهية التي لا تحتاج البرهنة عليها، وفي معرض تخطئتنا هذا المنهج المثالي نجده يتمثل في منحيين:

الاول لا يوجد أدراكات فطرية يولد الانسان مزودا بالاستعداد التام بها. تصلح أن تكون استدلالا منطقيا في الحكم على صدقية ما تشير له من مدركات وظواهر. فكل خبرة ننعتها بالفطرية هي بالاصل تكونت من تراكم خبرة مكتسبة من الواقع والعالم الخارجي مخزّنة بالذاكرة والذهن... مقولة جون لوك نكرانه لافكار فطرية وعدم وجود ادراكات قبلية عن الاشياء والعالم الخارجي مقولة صحيحة من حيث وسيلة أكتساب المعرفة يكون من خلال الاندماج بالحياة التي لا توجد معرفة قبلية لها سابقة على التجربة فيها. الافكار الفطرية التي يكون مزودا بها الانسان هي في حقيقتها تراكم خبرة مكتسبة وخير دليل تعلم الانسان اللغة، وتعلمه كيف يكون استعمال النار الخاطيء هو نشوب الحرائق وهكذا.

الثاني الاجماع الادراكي على صواب وصحة معارفنا لا يمنحها حقيقتها الثاوية فيها على أنها زائفة غير صادقة. فالاجماع على المسائل التي نجدها بديهية الادراك بصحتها لا تحتاج برهان يؤكد تلك المصداقية لا يمكننا الاخذ به باعتباره من مقولات ميتافيزيقية نسبة الصح والخطأ فيها متساويان قبل أمكانية الحسم بينها أيهما الاصح... المعارف الحقيقية الصحيحة تكتسب شرعيتها من التجربة العلمية وليس من سيسيولوجيا الحكم الجماعي عليها. الادراكات الجماعية هي الاحساسات غير اليقينية التي لا تستطيع تحويل الزيف والاكاذيب الى حقائق مسّلم بها تقود الحياة.

صحيح جدا أننا نصادف بالحياة ظواهر وأمور تلقى الاجماع السيسيولوجي بالحكم على صحتها لكنما لا يجعل من هذا الاجماع قانونا علميا يمكن أعتماده على الدوام. بديهيات الحياة ليست هي كل الحياة التي نتعامل بها معرفيا، ففي معرض تعزيز مور وجهة نظره الادراكية في بديهيات الاشياء التي لا تحتاج الى برهان يرد على عبارة هيوم في الشك قوله لا يمكن لاحد أن يعرف وجود أي موضوع، وكان رد مور عليه " أن على هيوم أخذ بيده قلما ويقول أعرف أن هذا قلم".5

من المفارقة الغريبة أن هذا المثال المادي الذي يسوقه مور في دحضه المثالية الشكية لهيوم هونفسه مور صاحب مقولة (لا يوجد اشياء مادية). فهل المثالية والمادية منهجان لا فرق بينهما لدى جورج مور؟. كان مور على أقتناع كامل بأن مشكلات الفلسفة لا تحلها المعالجات المنطقية التنظيرية، ولا بمجرد أزدياد المعرفة العلمية، وأنما مفتاح الحل هو توجيه عناية مركزة للحس المشترك واللغة العادية.6

نعود تكرار متناقضات مور المثالية فهو بالوقت الذي يهاجم مثالية بيركلي قوله "الموضوعات الفيزيقية توجد فقط، عندما يتم ادراكها"، يذهب الى الجزم القاطع أن كل ما أنكره الفلاسفة المثاليون هي صادقة في حقيقتها، وبرهانه على ذلك هو أعتماد الحس المشترك واللغة العادية.من الملاحظ أن مور في أفكاره الهجومية على الفلسفة المثالية فهو في حقيقة الامر لا يغادرها في ممارسته التحليل بالمنهج المثالي الذي يعتمده ولا يلتزم بالنقيض المادي له.

تحليلية بيتراندراسل

هناك ما لا يمكن حصره من أختلافات فلسفية بين راسل من جهة وفلاسفة التحليلية الانجليزية الاخرين من جهة اخرى، وأبرز ما يمثله راسل في تمايزه التحليلي نجده:

- رغم نزعة راسل العلمية ألا أنه أعتبر الميتافيزيقا مبحثا فلسفيا مهما لا يمكن تجاوزه. كما سعى أن تكون الفلسفة التحليلية والعامة تنظيرا منطقيا لا علاقة تشده بالواقع والحياة، معتبرا ليس من مهام الفلسفة تغيير الحياة وأنما التعبير المتسائل عنها ومعنى الوجود والانسان. وهي قضايا لا يمكن أعتبارها دخيلة وتجديد فلسفي لم يكن تاريخ الفلسفة قائما عليه..

- ربط راسل بين المنطق الذي أعتبره " ماهية الفلسفة" وما لا يكون منطقيا لا يكون فلسفيا،" وأعتبر التحليل المنطقي عملية ذهنية نضطلع بها حين نحاول توضيح التصورات والعبارات سواء في مضمار الفلسفة أم في مضمار الحس المشترك"7

- التحليل عند راسل نوع من الاختزال الفكري" أو الرد سواء كان هذا الرد فيزيائيا أو لغويا أو رياضيات، ويستهدف الرد تطهير الفلسفة من الكيانات الوهمية التي درج الفلاسفة أشاعتها وبثّها في الكون، وأستعار عن اوكام الاختزال أو ما يطلق عليه الاقتصاد بالفكر الذي اراد راسل من خلاله رد الرياضيات الى المنطق في كتابه أصول الرياضيات" 8

- أنكر راسل على مور الحس المشترك بأعتباره نوعا من المطلق الابستمولوجي، معتبرا الحس المشترك صورة فجّة غير منقحة للمعرفة العلمية، فالعلم عند راسل يذهب أبعد مما يذهب له الحس المشترك.9

تحليلية فينجشتين

كان دافع فينجشتين الفلسفي الاول في منهج تحليل اللغة، بعيدا عن التشتيت والتطرف الذي سلكته فلسفات وتيارات عديدة في توظيفات وأستخدامات وأجتهادات خارج مركزية تحليل اللغة من أجل تحقيق "هدف تحليل اللغة في توضيح المشكلات الفلسفية، معتبرا أزالة غموض اللغة كفيل كشف زيف المشكلات الفلسفية او هي ليست مشكلات أساسا."10

ويضيف فينجشتين بلهجة اكثر صرامة " ان معظم القضايا والاسئلة التي كتبت عن امور هي ليست كاذبة فقط، بل هي خالية من اي معنى، فمعظم الاسئلة التي يتداولها الفلاسفة انما هي ناشئة عن حقيقة كوننا لا نفهم منطق لغتنا، واذن فلا عجب اذا عرفنا ان اعمق المشكلات الفلسفية ليست مشكلات على الاطلاق ". عليه لا نجد غرابة في توكيد فينجشتين الاختزالي تعبيره "الفلسفة ماهي الا تحليلات نقدية للغة" تقوم على توضيحات لغوية. الغرابة في تعبير فينجشتين أن ما أعتبره منهجا تحليلا تقويميا لقضايا فلسفية ورثناها خاطئة ووصلتنا معقدة بلا معنى، لم يأخذ طريقه المنهجي التحليلي بالتطبيق من حيث أن تحليل اللغة دخلت في نفق تصحيح معاني عبارات اللغة قبل تصحيح أفكار الفلسفة التي لم يطالها منهج التحليل التطبيقي.

اننا لا نغالي اذا ما قلنا منهج التحليل اللغوي استنفد طاقته في تحليل غموض وتعقيدات تعبير اللغة ولم تصل في تطبيقها المنهجي التحليلي قضايا ومشكلات الفلسفة لكشف الزيف الذي يعتريها مستشريا فيها. تحليل اللغة الذي اراده فينجشتين منهجا تقويميا لانحرافات معاني التعبير اللغوي بالفلسفة، جعل فلاسفة التطرف في فلسفة اللغة يذهبون مذاهب وطرق شتى باسم منهج تحليل اللغة وخير دليل على ذلك هو تاويلية بول ريكور وتفكيكية جاك دريدا. فكانوا مهوسين في البحث عن فائض المعنى باللغة وليس اهتمامهم تصحيح تعبير أخطاء لغة تعبير الفلسفة عن قضايا ومشكلات خاطئة. في مصطلح العاب اللغة الذي ابتدعه فينجشتين يكون تحليل اللغة مرتبطا بتحليل العالم الخارجي، والوحدة التحليلية الاخيرة التي لا يمكن تحليلها الى أصغر منها أطلق عليه"الواقعة الذرية"، وتحليل الفكر عنده يتوقف على ارتباطه بتحليل اللغة، طالما أن اللغة هي الصياغة اللفظية أو الجهاز الرمزي الذي تعبر به عن الافكار والمعاني.11

معيار فينجشتين في صدق اللغة أو زيفها هو في مدى مطابقتها الواقع الخارجي. مما حدا بتوهان الفلاسفة في تحديدهم المقصود بالعالم الخارجي قبل البحث عن صدقية تعبير اللغة، وزاد الارباك الفلسفي عباراته مثل "أن جملة الوجود الخارجي هي العالم " و"الوجود الخارجي هو وجود وعدم وجود الوقائع الذرية "12

خاتمة

يمكننا الذهاب مع بعض الفلاسفة والمفكرين الذين نقدوا التحليلية الانجليزية، والتحليلية الفلسفية بصورة عامة، أنها أخذت في نهاياتها بعد رحيل فينجشتين وراسل وقلاسف تحليلية آخرين عديدين تقع في متناقضات حول الاسس التي أعتمتها في أوج ظهورها الى أن فلسفة العقل، وفلسفة اللغة ونظرية المعنى، والمنطق، والرياضيات في تعالقها وتداخلها الفلسفي أنصهرت بمجموعها في ما سمي الفلسفة التحليلية، الا أن حقيقة الواقع التنظيري الفلسفي أبانت بوضوح عن جملة أمور جعلت من التحليلية مرحلة عابرة في تاريخ الفلسفة وليس كما تنبأ لها راسل أن تكون أم الفلسفات جميعها ، وفيلسوف التحليلية هو سيد الفلاسفة.

من العيوب التي رجعت التحليلية مناقضة نفسها بها هي الميتافيزيقا، وكذلك سردية الدين، والعودة الى أعتماد منطلقات الوضعية المنطقية التي في البدء خرجت عليها، والاهم من كل ذلك أنها وقعت في الفخ الذي حذرت منه هو أن التحليلية منهج وليس هدفا. وفي الوقت الذي نادت به وبأصرار فلسفي عنيد أن التحليلية ستكون مفتاح حل مشاكل وقضايا الفلسفة الكبرى التي أوقعتها اللغة في اللامعنى أو الزيف أو على أقل تقدير الازدواجية في التعبير. ثم الوضوح اللغوي الذي طالبت به أرتد عليها في أن التحليلية أضاعت المشيتين كما يقال في هذا المنحى فلا هي نجحت في منهجية وسيلية وضوح اللغة ، ولا هي احتفظت بمكانتها التي تقوم على المنطق اللغوي المعقد.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.....................................

الهوامش:

1- احمد محمد عطية/الفلسفة التحليلية ،ماهيتها، مصادرها ، ومفكروها ص68

2- نفسه ص 73

3- نفسه ص 74

4- نفسه ص 78

5- نفسه 76

6- نفسه ص 75

7- نفسه ص 84

8- نفسه ص 86

9- نفسه ص 87

10- نفسه ص 94

11- نفسه ص 96

12- نفسه ص 97

  

 

كوثر فالحقراءة في فكر صوفي غير متصوّف

اكتشفتُ المفكر العراقي عبدالجبار الرفاعي صدفة، وأنا أُنقّب عن آثار شلايرماخر في فكرنا العربي المعاصر. أضعتُ شلايرماخر، ووجدتُ لاهوتيًا وفيلسوفًا يقاسمني الدين والهواجس، همُ الانتقال من تدين الشكل إلى تدين الجوهر. فنعم الرحلة هي، ولتطل ما شاء الله لها ان تطول!

 يُفكّر عبدالجبار الرفاعي خارج جغرافيا العقيدة أو الطائفية، بل أحيانًا خارج جغرافيا الدين نفسه. فكره من الدين داخل الدين. لذلك فهو يعلو فوق سجون الـ "هنا، اذ يؤسّس الرفاعي لفلسفة دين، بعيدًا عن أسوار القراءات وعراقيل التخصصات. قد لا أبالغ إن قلتُ إني أجدُ فيه "بول ريكور" آخر. هو لاهوتي الحوزة وفيلسوف الجامعة، هو الأكاديمي البيداغوجي والمنظر التربوي. هو المفكر الموسوعي المتنور، في ظل جامعات فلسفة عربية أنهكها إرث التخصّص ورذيلة القطائع المعرفية التي لا نكاد نجدها إلا في أوطاننا العربية المريضة بعصاب الانتماء الواحد.

هو المؤمن و كفى!

لن أعود إلى ما قيل عن كتبه السابقة، وقد أسهب الباحثون في ذلك من شتى بلاد العرب. لكني أتمنى أن أقف عند مقاربته "التصحيحية" للتصوّف. بجرأة قد تزعج الكثيرين، ينتفض الرفاعي ضد تصوّف الاستلاب، مناديًا بتصوّف حرية، حتى نروي "الظمأ الانطولوجي"، الذي يجد فيه الرفاعي أصلَ ما نعانيه من اغتراب، ولنقل من تطرّف؛ منشؤه سوء فهم لوظيفة الدين، وسوء قراءة لنصوصه.

هل التصوّف هو الحل؟

إذا  كان الحلُّ في الهروب نحو الأعلى فقد انهكنا الهروبُ إلى الخلف، نحو ماضي نتوهمه فردوسيًا. فهل تغيير الباردايم المكاني باتجاه صاعد هو الحلّ للحاضر المريض؟

  يجيب الرفاعي من خلال هندسة عرفانية صاعدة هابطة، لا تبرح الأرضَ وتتخطى المكان. هو بذلك يقدّم لفهمٍ جديد لتجربة التصوّف؛ اذ يرى الرفاعي أن التصوّفَ في معناه التقليدي متعاليًا على الواقع و مستلِبًا للإنسان. بدلًا عن ذلك يقدّم هو لتصوّف يتأسّس انطلاقا من الواقع، لا يغادره إلا ليعود اليه. تتجلى أطروحةُ الرفاعي بوضوح في مداخلته: "التصوّف بصيرة ملهمة انطفأ ضوؤها في زوايا العزلة و الغياب عن العالم"، المقدمة  ضمن كتاب: "الصوفية اليوم  قراءة معاصرة في مجتمع التصوّف ونماذجه" عن  مؤسّسة فريدريش ايبرت (2020). ينطلق الرفاعي في مداخلته هذه من قراءة "تطورية" للدين، بدءا بلحظة التأسيس وانتهاءا بفوضى التأويلات، يرى فيها الرفاعي: "اهدارًا للمعنى الروحي الأخلاقي و الجمالي للدين" (ص16). ويرجع الرفاعي جمود المعنى هذا لتبعات المأسسة الفقهية والابستيمولوجيا  الكلامية للدين، منتفضًا ضد ادعائها الإجابة عن كلِّ الأسئلة ومتحدّثا عن: "عمليات الوضع"، وكأننا بصدد "موضعة فقهية كلامية" للدين تحشره داخل زاوية المعنى النهائي. يكتب الرفاعي: "ترسخت صلة  الفقه بالسلطة وتفاعلت مع مختلف الأزمنة فانعكس ذلك على الفقه باتساع مساحة التحريم وضيق مساحة الإباحة… وكان من نتائج زحف الفقه على الفضاء الروحي والأخلاقي خارج حدوده ضمور العقل وإخضاع كل شيء في حياة المسلم إلى الموقف الذي يقرره الفقه  …أُنهك العقل بفرض حدود لتعبيره عن أفكاره، وتبعًا لذلك ضاق فضاء المعنى في الدين بسبب شح حضوره في الفقه". ( ص 20). موقفه تنديدٌ بانغلاق الدلالات وانغلاق الإمكانات عبر الاقتصار على جدلية عقيمة لا تبارح ثنائية التحليل والتحريم. ينادي الرفاعي اذن بالانتقال إلى رحابة الهرمنيوطيقا بعيدًا عن أحفوريات الخطابات الفقهية.

كما ويرفض الرفاعي الترخيصَ للإجابات الفقهية كقواعد دين وأنماط تدين، من دون أن يغفل التنديدَ بالزواج السعيد بين بعض الفقهاء ورجال السياسة، ومعترضا على الشكل الثاني للمأسسة: السياسية  هذه المرة، والتي يعدّها الرفاعي شرعنةً للسلطة باسم الدين ومطالبا بدولة العقل. لكن ينبغي أن نوضح أن الرفاعي لا يرفض الفقهَ أو التصوّف، بل يرفض "تصلبَ المعنى" ووصايةَ الفقه أو السياسة على الدين. باختصار الدين عنده قضيةٌ هرمنيوطيقية.

من زاوية أخرى، نجد عند الرفاعي اهتمامًا بالتجربة الدينية التي خصّها بمجلد كبير1، حيث يلتقي مع مفكرين تأويليين من أمثال ديلتاي وشلايرماخر. الدين عنده تجربةٌ متسامية، لكنها لا تأخذ معنى انتفاء الموجود أو الأنا في الكينونة المطلقة كما هو الشأن في الصوفية، بل بوصفها تجربةً انطولوجية. هي إذن تجربة فردية، تجربة متوحد داخل الجموع، خلافًا لمتوحد ابن باجة المنعزل. هي تجربة الأنا مع النحن داخل المطلق.

في السياق نفسهِ، يذهب  الرفاعي للحديث عن التجربة الدينية مزاوجًا بين خطاب وجودي وخطاب صوفي عرفاني، وهذا واضح في تعريفه للتجربة الدينية وحديثه عن جلال الدين الرومي. نقرأ قوله:  "لذلك لا يُفهم الايمان إلا في فضاء الايمان، ولا تُفهم التجربة الدينية إلا في فضاء التجربة الدينية، فما لم نتحقق  بهذه التجربة ليس بوسعنا تقديم فهم واضح لها، مثلما لا يفهم الحب إلا من يتذوق الحب ولا يفهم البهجة إلا من تشرق نفسه ابتهاجا بالنور، ولا يفهم القلق إلا من يمزقه" (ص 22). ليسترسل في صفحات لاحقة مصرّحًا بخصوص مولانا جلال الدين: "ينبغي ان نستقي من الرومي تدفق قلبه بالعشق الإلهي، وما يصوره بيانه من لوحات متلألئة بالمحبة والجمال والتراحم والسلام وكل معنى انساني بهيج". ص28 . والشواهد على ذلك  كثيرة لا يسعنا المجال هنا لنعود اليها جميعا. لنقول باختصار: إن التجربة الدينية عنده هي: "رحلة الكينونة إلى الحق". ص23.

هو العاشق إذن، فلِمَ ثورته على التصوّف!

لا يرفض الرفاعي التصوّفَ بقدر ما يرفض الاستعباد. إذ يميز المفكر العراقي بين تصوّف الاستعباد وتصوّف الحرية على أساس الثراء الروحي. التجربة الدينية كما يصفها هو تتعالى على الفعل باتجاه الكينونة. تتعطل المادةُ وتنطلق الروح. هنا يكمن الفرقُ بين تصوّف الاستعباد وتصوّف الحرية. لينتقل الرفاعي للتمييز بين شكلي التصوّف هذين. تصوّف الاستعباد تصوّف تبعية لشيوخ طريقة هو:  "خسران للذات". (ص 24). كونه تصوّف دراويش، كما يرى الرفاعي، الذي  يربطه بعصر الانحطاط والعزلة ،كنوع من مازوشية اجتماعية، تحت غطاء طقوسية دينية. انه استنزاف للتجربة الدينية.

 يتحدث الرفاعي بلا تردّد عن: "وثنية صوفية"، كما هو الشأن عند المولويين الذين يجدهم الرفاعي يعانون مرضًا روحيًا وأخلاقيًا. يسمح بعدها الرفاعي لخوفه أن يخونه متوجسًا عودةَ: "دراويش فوضويون يتسكعون في الأسواق والشوارع بين الناس، بهيئة ولباس غريب من أسمال بالية أو قطع مزركشة بألوان متناشزة". (ص 25 ). ليطمئن قلبك فدراويشنا اليوم غارقون في الاستهلاكية، ودروشتهم مناسباتية فقط.

يذهب بعد ذلك الرفاعي ليندّد  بـ "ميثولوجيا التصوّف". (ص 26)، مقدّمًا لمقاربة سوسيولوجية تقيم الدين على أساس عبادة الأسلاف، أو فلنقل مع الرفاعي: "عبادة الأقطاب". لهذا الغرض يعود الرفاعي بجلال الدين الرومي إلى التاريخ ويحرّره من شطحات الميثولوجيا؛ كأننا به يجعل من التصوّف ظاهرةً تاريخية تسلبها كلَّ تعالٍ على الزمان والمكان والواقع الذي كانت تعيش فيه بكلِ ظروفه المتنوعة. يبرئ الرفاعي الرومي من إثم الدراويش وذنب المشيخة، ويجعله ملهمًا وليس معلّمًا باهتًا، مدافعًا بذلك عن تصوّف الحرية. إنه تصوّف واعٍ، تصوّف "يوقظ الانسان داخل الإنسان". (ص 31)، هو إذن تصوّف يزاوج بين المعرفة والعرفان. فهل مازال لأهل الوجد وأهل النظر أن يلتقيا؟

إجمالا التصوّف عند الرفاعي ذريعة للمطالبة بلاهوت جديد. لاهوت مسكون بالحياة، يبتهج بالفرح،  يرحب بالتعدّد، ينشد السلامَ الروحي. خلافًا للاهوت الموت، المولع بالتحريم، الغارق في الاجترار.

فهل لمشروعه ان يكتمل، وإنسان ما بعد الإنسانية يلوح في الأفق؛ منذرًا بإنسان غارق في المجهول؟

هل ستلفظنا الأرض الرحبة التي يرغب الرفاعي في أن يعيدنا إليها، أم ستلتقطنا السماء وقد طال الهجران؟

 

د. كوثر فاتح

دكتوراه في الفلسفة التأويلية / الهرمنيوطيقا - أكاديمية فاس - مكناس، المغرب.

....................

1-  المجلد الثاني من مجلدات "موسوعة فلسفة الدين" التي يحررها ومازالت تصدر، بعنوان: "الايمان والتجربة الدينية".

 

علي محمد اليوسفبدايات التحليلية: مارس برويقوس الفيلسوف السفسطائي تفسيره التحليلي على الكلام العادي المتداول حول بعض القضايا بين الناس وما هو المقصود منها منذ ماقبل سقراط الذي قام هو الاخر استخدام التحليل بدوره في تحليله التصورات الاخلاقية مثل التقوى والشجاعة والعدالة والنزاهة، تلاه افلاطون الذي قام بتحليل قيمتي العفة والاعتدال والشجاعة والفضيلة، ويعتبر منطق ارسطو محاولة جبّارة في التحليل الفلسفي.1، وقام سقراط بتحليل دلالة معاني كلام الناس وكان يسعى اكتشاف الماهيات الخلقية منطلقا من تحليل السلوك العملي وهو واقعة ملموسة...كما أتخذ الرواقيون من التحليل محورا قامت عليه فلسفتهم، فقسموا الموجودات الى جواهر وأعراض، وأهتموا بصفة خاصة بالتحليل الفلسفي وأصل اللغة والمشكلات التي أثيرت حولها، كما تحدثوا عن مقولات الجنس والعدد والزمن، وقال لا يونز عنهم : أن الفلسفة الرواقية على الاخص هي التي قامت بالتحليل المنطقي للغة وأستمرت نتائج هذا التحليل تحديد المقولات النحوية.2

وفي الفلسفة الحديثة "يمكن القول أن البداية الحقيقية للتحليلية المعاصرة أو المنهج التحليلي جاءت على يد فريجة فيلسوف اللغة السويسري الذي أصدر كتابه أسس الحساب عام 1884 الذي مهد لانبثاق المنهج المنطقي الذي أعتمده أقطاب التحليلية الانجليزية مور، وراسل، ومعهم فينجشتين وكارناب" 3، ووصف راسل ريادة فريجة قوله " نحن ندين بالفضل في كل مسائل التحليل المنطقي لفريجة".

الفلسفة التحليلية الانجليزية موضعها ومحط تركيزها وتحليلاتها كان سعيا وراء اللغة، واستبعاد ما يشوب التعبيرات اللغوية من غموض وخلط أو زيف ، وتتميز عن الفلسفة القارية السائدة في غرب اوربا للناطقين بالانجليزية. كما كشفت الدراسات المعاصرة حول التحليلية الانجليزية مسائل مهمة منها، أن كتابات راسل الفلسفية حول التحليلية بالتعاون مع وايتهيد في الرياضيات والمنطق كانت نتيجة تأثرها بكتابات فريجة. وتبني جورج مور الوضوح اللغوي ولم يكن هدفه السعي الى معالجة قضايا فلسفية هامة خارج دعوة تبسيط اللغة.

هذا الاستشهاد البسيط الذي اوردته هنا يؤكد بوضوح تام أن التحليلية الانجليزية لم تولد من أختراع فلسفة انجليزية لم يكن لها وجودا فلسفيا سابقا عليها، كما أراد تصويرها راسل أنها قمة عبقرية الفلسفة التحليلية الانجليزية وهو أدعاء في غير محله لا معنى له ومكابرة ليس لها رصيد في تاريخ الفلسفة كما نرى لاحقا. حيث لا يخلو عصر فلسفي من منهج التحليلية الذي هو بالاصل يتابع فائض المعنى اللغوي وليس مهمة تصحيح مسار الفلسفة الذي حرفته اللغة في مخاتلة التعبير الزائف.

التحليلية الانجليزية

يتهم النقاد والمهتمون بقضايا الفلسفة أن الفلسفة الانجليزية التحليلية بزعامة جورج مور وبيتراند راسل، وايتهيد أنهم ومعهم فلاسفة آخرين غيرهم بذلوا جهودا كبيرة طيلة عشرين عاما في محاولتهم تحقيق أحد الهدفين التاليين:

الاول ربط التحليلية المنطقية التي هي تيار أكثر ميلا نحو التكامل مع العلم بزعامة راسل في تبنيه المنطق التحليلي القائم على الرياضيات ساعده وايتهيد، والمنطق الذي ساعده فيه فينجشتين المنظم متأخرا الى المنطقية التحليلية الانجليزية بعد انفصاله عن حلقة فينّا معتبرا "قضايا المنطق والرياضيات تحصيل حاصل وصادقة بالضرورة، وهي خالية من المعنى لكنها مع ذلك صادقة كونها عبارات مفهومة، لكنها ليست صورا للواقع وهي تتعلق ببناء اللغة" 4 ، هنا تعبير فينجشتين المناصر لراسل في التحليلية يختلف تماما بينهما من حيث أن فينجشتين كان يرى بالتحليلية فلسفة لغوية مجردة قوامها ومجال اشتغالها نحو وقواعد اللغة، بينما وجد راسل التحليلية هي محاولة ربطه المنطق اللغوي بالرياضيات التي هي قريبة جدا من النزعة العلمية بغية تصحيح الخاطيء بالفلسفة... 

الهدف الثاني الذي حاولت التحليلية الانجليزية فيه أعتماد التحليل اللغوي بزعامة جورج مور الذي يعتبر رائد التحليلية المعاصرة " ربط التحليل الفلسفي بكل من الادراك العام والادراك الفطري وحكم بالكذب على كل قضايا تعارضها" 5 ورغم تاكيد مور أهمية أعتماد فلسفة اللغة الجارية التواصلية بين الناس لكنها التحليلية هي ايضا لم تتمكن من أخراج تحليل اللغة الى ميدان تحليل الواقع والحياة، وبقي هذا التيار يعبّرعن كيانات غير واقعية خالية من المعنى وفارغة المضمون حسب تعبير فينجشتين الذي تحوّل كثيرا في كتابه المتأخر بحوث فلسفية عما كان جاء به في (رسالة منطقية فلسفية) مخطوطته اللغوية الاولى.

كما أستنفدت التحليلية الكثير من طاقتها وقواها الفلسفية في بحثها عن الالفاظ التي تشكل معضلات سجالية نقاشية لا يمكنها الخلاص من فلك الدوران حول مركزية تحليل اللغة المجردة عن الواقع والحياة، ومقدار ما تثيره تلك الالفاظ من مشاكل لغوية أختلافية. ما دعى فينجشتين أعتبار هذا التحليل اللغوي يدور في مركزية قضايا ميتافيزيقية تحاول خلق كيانات غير واقعية خالية المضمون فارغة المعنى.

مستقبل الفلسفة التحليلية

تناول كولنجوود التحليل في كتابه "مقال في المنهج الفلسفي" نزعتين في التحليلية الفلسفية هما النزعة النقدية، والثانية النزعة التحليلية التي ترى أنه لم يبق للفلسفة شيئا من مباحث فلسفية بظهور طغيان فلسفة اللغة والعقل ونظرية المعنى الا مهمة تحليل المعرفة التي لدينا بالفعل، قضايا العلم وقضايا الحس المشترك.6

أن النزعتين النقدية والتحليلية وجدتا نفسيهما أمام جدارالاصطدام بحقيقة أن التحليلية لا يمكنها زج نفسها بقضايا العلم الطبيعي التي لا تجانسه لغة البحث اللغوي الفلسفي، ولا قضايا لا تهتم بالواقع والحياة، بل ينصب أهتمامها على تحليل (الكلام والاقوال) على مستوى التحليل اللغوي الصرف. بمعنى رضخت التحليلية في مآلها الاخير أن تكون فلسفة لغة شكلية عادية لا فلسفة لغة مضمونية ذات حمولة فلسفية تلازم العلم في نزعته التجريبية، وليس بمقدورها ما هو أكثر من تحليل اللغة بتجريد لا يقترب من مباحث العلوم الطبيعية الا فيما يدّعيه ولم يدركه..

بضوء هذا المآل التي رست عليه التحليلية" يكون الفيلسوف العلمي التحليلي – وليس العالم الذي يمارس أحد انواع وتخصصات العلم الطبيعي التجريبي - قد أفرغ العلم من محتواه ومضمونه ليصبح العلم مجرد معادلات صورية لا علاقة لها بالظواهر الخارجية " 7 ولم تسجل التحليلية الانجليزية على العلم الطبيعي مناطق فراغ يمكنها هي القيام سد تلك الفراغات بالاستعانة بفلسفة التحليل في ملئها.

التقدم العلمي في مساره المتوازي مع الفلسفة عموما، جعل النزعة العلمية بالفلسفة تسقط في فضاء الفلسفة اللغوية ذاتها وليس خارجها لا في العلم ولا في واقع الحياة. ولم يستطع العلم الطبيعي استيعاب تلك النزعة العلمية الفلسفية التحليلية ومجانستها معه دونما أمتلاكها الحد الادنى من المؤهلات بضوء تاكيدات تحليل الفلسفة اللغوية على المرتكزات التي فرضت عليها ولم تبتدعها وهي:

- تأكيد الفلسفة التحليلية أنه يتوجب على مباحث الفلسفة أن يكون مرتكزها تحليل اللغة بما هي لغة نحوية وقواعد أسوة بغيرها من الفلسفات التي تشتغل على فلسفة اللغة والمعنى واللسانيات والتحول اللغوي. بفارق أن التحليلية الانجليزية تناولت مواضيع لها وشيجة صلة بالعلم في ناحيتين هما المنطق والرياضيات.. وكلاهما ارادا الاعتياش على العلم الطبيعي وفشلا.

- مهمة التحليل اللغوي لبعض قضايا العلم لا يتوخى منها منافسة العلم التجريبي، بل توّخي الحد الادنى من التحليلية اللغوية الفلسفية أن تكون فلسفة علم بالمعنى الدال أنها فلسفة لغة علمية وليست فلسفة علم طبيعي تنافس الخصوصية العلمية التجريبية في وجوب الالتزام التام في عدم توريط فلسفة التحليل اللغوي في مطبات أختصاصات العلم الطبيعي.

- "لا يفهم فيلسوف العلم التحليلي الدلالة الواقعية المادية بل كل مايهمه الدلالة الصورية فحسب، وهذا يشير الى نزعة صورية تتجه نحو ابتلاع المنطق المادي الذي يجعل الظواهر والوقائع مدار حديثه، وتحويل المنطق الى صورة رمزية بحتة لا علاقة لها بالواقع " 8 وليس أدل على هذا التوجه من أستمساك راسل بالرياضيات دون جدوى وفينجشتين بالمنطق اللغوي الذي تركه في مؤلفه الثاني" تحقيقات فلسفية" لصعوبته التجريدية مثل الرياضيات ليعود المطالبة بوضوح لغوي وقد سانده بهذا المسعى المتأخر جورج مور الذي هو الآخر طالب وجوب الابتعاد عن لغة فلسفية معقدة تهويمية بعيدة عن الوضوح المجتمعي الذي يجعل من الفهم العام للفلسفة التحليلية متاحا للجميع وليس للنخبة فقط.

- تكريس مهمة الفلسفة التحليلية في محاربة وأسقاط جميع الفلسفات الزائفة التي شهدها تاريخ الفلسفة على مر العصور. كما أن من المسائل المهمة أن الفلسفة التحليلية ليست فلسفة قائمة على وضوح ركائزي موحد من حيث النسق اللغوي المفهومي بخصائص مميزة كما نجده مثلا في البنيوية والتاويلية وأخيرا بالتفكيكية.، بل التحليلية هي فلسفة توزعت على عدد كبير من الفلاسفة الذي يعبّر كلا منهم عن فهمه الفلسفي الخاص للتحليل.

لذا تشتت التحليلية الى ما يقرب أكثر من خمسين تيارا فلسفيا عالميا كل فيلسوف فيهم ينظر لفلسفة التحليل بما يراه يمّثل فلسفة مميزة عن غيره، وضاعت جهود هذا الجمع الكبير الفلسفي في الوصول الى فهم تحليلي مشترك يجمعهم. وأنعكس هذا التشتت على فلاسفة أميركان تحليليين وفرنسيين وألمان أيضا.

خصائص فلسفة التحليل

رغم تشتت تيارات الفلسفة التحليلية في سبل وطرق شتى لا تجانس يجمعها ألا أنه تم استخلاص بعض الصفات التي لاقت أجماعا عليها من قبل فلاسفة التحليل هي:

- أعتراف وأقرارالتحليلية بدور اللغة الفعال بالفلسفة أو مايمكن تسميته بالمنحى الشعوري المتزايد نحو اللغة ما ألجأ بعض المفكرين والنقاد نعت التحليلية أنها فلسفة لغة مثل غيرها لا أكثر.9، وطرحت التحليلية رؤيتها أن اللغة ليست وسيلة فحسب بل هي بوصفها هدفا من أهداف البحث الفلسفي ايضا، ومن المهم التنويه أن فلسفة التحليل لا تعتمد لغة موحدة في حل بعض قضايا الفلسفة. حيث دعا البعض أعتماد لغة اصطناعية بديلا عن لغة الفلسفة العادية، وعارضهم آخرون في التاكيد على أعتماد اللغة الجارية التواصلية التي تتسم بالوضوح ابرزهم فينجشتين وجورج مور. وبولغ في أعتماد اللغة الى حد جعل التحليلية تخرج من ثياب خصوصيتها اللغوية التي تود الاقتراب العلمي الذي لم تحقق منه شيئا يذكر.

- الاتجاه نحو تفتيت المشكلات الفلسفية الى أجزاء صغيرة لحلها جزءا بعد آخر.، وتشمل "الاجابة على المشكلات الكبيرة بالفلسفة المشتقة من التحليلات الدقيقة الفرعية الجزئية التفصيلية كي تكون التحليلية فلسفة بدون أفتراضات مسبقة" 10 وهو هدف ولد تنظيريا فلسفيا وليس فلسفيا تطبيقيا منهجيا.

- الخاصية الثالثة هي أن التحليلية فلسفة معرفية تتجه نحو كشف العالم الخارجي، وذلك بفحصه من أجل أكتساب المعرفة التي ترغبها التحليلية معرفة علمية وواقعيتها الابستمولوجية، وأن لا تكون أمتدادا للنزعة التجريبية المنطقية الانجليزية بزعامة جون لوك وبركلي وهيوم ومن قبلهم بيكون.

- الخاصية الرابعة هي المعالجة البين ذاتية لعملية التحليل. بهذه الخاصية أرادت التحليلية التمايز عن الفلسفات التي تتسم حول مركزية الذات مثل الفينامينالوجيا التي تتصور التحليل هو النفوذ الى الجوهر أو الماهية، وتتميز أيضا عن الوجودية التي تدور حول مركزية الذات (البعد الوجودي) وتعتبر هذين المنحيين الفلسفيين لا يقومان على تحليل اللغة ولا يرتبطان بها بشكل موضوعي، ما يجعل منها فلسفات ذاتية عديمة الجدوى بالنسبة لفلسفة تحليلية تعتمد اللغة في تحقيق معرفة نسقية تقترب من مباحث العلم. 11

راسل وبيان التحليلية

جاء على لسان بيرترانرسل في كتابه " مشكلات الفلسفة" أن" الفلسفة التحليلية ثورة جاءت لتعيد الفكر الانجليزي الى مرآه الاصيل وهو الاتجاه التجريبي. ولا يعني ذلك أن التحليل مجرد صورة من الصور التجريبية، أنما هي ثورة وضعت الفلسفة ذاتها موضع التساؤل، وهي بجانب ذلك كونها فلسفة علمية هي فلسفة عن الفلسفة، والفيلسوف التحليلي هو فيلسوف الفلاسفة " 12

لنا التعقيب التالي على بيان راسل المتفائل جدا:

- لا نجد في التحليلية الانجليزية على وجه الخصوص والتحديد أنها فلسفة علمية تقود فلسفة العلم حسب تعبير راسل، فقد رفضت النزعة العلمية الطبيعية كلا من المنطق والرياضيات التحليلية كفلسفة انجليزية لا تمتلك هذين المجالين في محاولتها سحب العلم وراءها وليس العكس الثابت على ارض الواقع في سحب العلم الفلسفة وراءه. أرادت التحليلية الانجليزية الاعتياش على العلم بهاتين الميزتين وفشلت. ولا يوجد من يتقبّل الادعاء الفلسفي الانجليزي أن التحليلية أنجبت فلسفة العلم من رحمها، ولا يوجد ما يثبت هذا الادعاء البعيد جدا عن تمرير مقبوليته الزائفة المصطنعة..

- قضايا الفلسفة منذ نشأتها الاولى في الصين والهند واليونان والرومان والى منتصف القرن العشرين، هي قضايا تهتم بمحورية الانسان كوجود وطبيعة وحياة على الارض وفي الكوني، وقضايا الفلسفة شمولية عابرة للعنصرية الشعبوية المدانة عصريا حداثيا، وهو ما أخفقت التحليلية الانجليزية تحقيق النزر اليسير منه مقارنة بمنجزات تاريخ الفلسفة الحديثة في مختلف بلدان العالم.. فقد ضربت التحليلية الانجليزية على نفسها طوقا من العزلة.

ولم تكن الفلسفة في يوم ما على أمتداد رقعة جغرافيا العالم أن أدعت أنها فلسفة بلد بعينه هي فوق كل تاريخ الفلسفة عامة وهي مفلسة من أثبات وجودها على أرضها كما هي تحليلية راسل التي يعتد بجوهرها الانجليزي العلمي الذي لم يتحقق منه شيئا.

لقد كان لفلاسفة اليونان والالمان والفرنسيين وغيرهم الباع الاكبر والفضل الأعم في نشر تيارات فلسفية هي من الاهمية والريادة التي لا يستطيع راسل التغاضي عنها ولم يقولوا أنهم أخترعوا فلسفة تخص بلدهم وتتويجها سيدة على فلسفات العالم وأنها فلسفة (ثورة) فوق فلسفة العالم وفيلسوف التحليلية هو فيلسوف الفلاسفة بالعالم كما ورد في بيان راسل.

- بأعتراف فلاسفة تحليل أنجليز على عكس طاؤوسية وتعالي بيرتراند رسل أقروا بأن التحليلية وصلت في مآلها الاخير أن تكون فلسفة لغة خالصة تنشد تحقيق معرفة علمية لم تستطع الحصول عليها لا في أعتماد رياضيات راسل ولا في أعتماد تجريبية أسلافه العلميين كما هي عند بيكون ولوك وصولا لديفيد هيوم.. كون قضايا العلم غير الفلسفية هي من أحتكار تخصصات العلوم الطبيعية. فعن أي أحياء وانبعاث موروث فلسفي أحيته التحليلية الانجليزية ممثلا بنزعة التجريب عند بيكون وجون لوك وبيركلي وهيوم، بعدما فشلت التحليلية الانجليزية تحقيقه بالتواصل الميراثي معهم ، ما حدا بفلاسفة أميركان وفرنسيين والمان أختراعهم تيارات فلسفية مجددة أيضا تقوم على فلسفة اللغة والمعنى قبل التحليلية الانجليزية وبعدها، ولم يعتبروا أنفسهم فلاسفة نجباء انجبتهم تحليلية راسل الانجليزية الثورة التي أقتلعت جذور الفلسفة من أصلها بالتبشير بفلسفة هي أم فلسفات العالم المعاصر كما في بيان راسل.

ميراث التحليلية

كتابات جون لوك وبيركلي وهيوم الفلسفية المنطقية التجريبية كانت تندرج تحت عنوان ما يسمى فروع فلسفة المعرفة، وكان المفترض أن تحلل هذه النزعة ضروب الادراك المختلفة بما في ذلك الخيال والاعتقاد.13 ولم يكن بيركلي تجريبيا تحليليا، وليس صحيحا عنه أنه أنكر وجود الاشياء المادية كما هو عند لوك، وأنتقد مور مفهوم بيركلي للتحليل الذي أقتصر على التحليل اللفظي فقط، في ربطه بين الواقع الفيزيائي والواقع الذهني. وكان لوك فيلسوفا تحليليا تناول القضايا التي يقول بها الناس كما هي ليحلل معانيها، وكان يؤكد عمل الفيلسوف هو القيام بازالة ما يعيق المعرفة الانسانية. 14

كما أستندت المثالية الالمانية الى منهج التحليل بالعودة الى الميتافيزيقا، فقام كانط بتحليل القضايا العلمية ونتج عنها التحليل المتعالي الذي عدّه علم الصور القبلية التي يتألف منها العقل. الذي يقوم على تحليل المعرفة للكشف عن المباديء والمقولات المعرفية التي تجعل المعرفة ممكنة وتقول بأستحالة الميتافيزيقا. ومن الجدير أن زكي نجيب محمود أعتبر كانط أضخم رجال التحليل في تاريخ الفكر كله. وينسب لكانط أنه أول فيلسوف أستخدم لفظة تحليل.

بين الفلسفات القارية والتحليلية

لم تهتم اوربا نفس الاهتمام الفلسفي بالتحليل الذي أولته له الفلسفة الانجلوساكسونية الحديثة لها على حساب قضايا فلسفية أخرى. وعلى سبيل الاستشهاد العابر نجد الخلاف كان شديدا بين جاك دريدا المحسوب على الفلسفة القارية الاوربية، وبين جون سيرل الامريكي صاحب التحليلية على الطريقة الامريكية في محاولة بعث وتجديد أصالة الذرائعية الامريكية القارة، الذي أتهم فيلسوف التفكيكية دريدا بأنه ظلامي ليرد عليه الاخير بنعت سيرل الفيلسوف السطحي. والحقيقة التي تقال في أمانة أن جون سيرل فيلسوف موسوعي متعمق ولم يكن سطحيا في تحليله الوعي وفلسفة العقل. ألا أن الحقيقية الثابتة التي تتجاوز هذه الانتقادات الافتعالية تؤكد أن التفريق الانفصالي مابين الفلسفتين القارية الاوربية والانجلوساكسونية، هو تفريق مفتعل لا قيمة حقيقية له حينما سقط معظم فلاسفة اوربا المعاصرين في أحضان الجامعات الامريكية منهم دريدا وبول ريكور واخرين عديدين.غالبية فلاسفة اوربا الحديثين قصدوا حاضنة التفريخ الاميريكية الاكاديمية.

الاهم من هذا التمازج نجده في حقيقة أن الفلسفات القارية الاوربية كانت من التنوع والتشكلات المختلفة والازدهار ما جعل التحليلية التي مصدرها الحديث الفلاسفة الانجليز كانت عاجزة تماما أن تكون الفلسفة المحتواة لتيارات تفلسف اللغة وفائض المعنى، في مسار التحول اللغوي واللسانيات الذي أنبثق من اوربا حصرا. في وقت لم يستطع فلاسفة الانجليز أبتداع فلسفية حديثة غير التحليلية التي أخذتها عن اوربا وأرادت توطينها مركزيا في انكلترا، ما وضعها بين مطرقة الفلسفات الاوربية وسندان الفلسفات الامريكية التي لم تكن تعتبر التحليلية الانجليزية تطورت وجاءت بجديد غير الدوران حول مركزية أفكار راسل ومور التي لم تجد لها فضاءا يحتويها خارج انكلترا ولا في أمريكا ماجعل راسل يضجر من الفلاسفة الاميركان في اعتباره لهم لقطاء الفلسفة البراجماتية الامريكية الخسيسة..

كما تتضمن الفلسفة القارية الاوربية مجموعة من الاراء والتنويعات التي ظهرت في القرنين التاسع عشر والعشرين، من بينها المدارس التي تتضمنها المثالية الالمانية ، والظاهراتية، والوجودية ، والتاويلية، والبنيوية، وما بعد البنيوية، علاوة على أفكار فرويد بالتحليل النفسي والنظرية النقدية في مدرسة فرانكفورت والاراء المتعلقة بالماركسية.

خاتمة

نحاول في الختام التعرض الى أبرز خصائص الفلسفة التحليلية الانجليزية، ويبقى هناك غير الذي نذكره الكثير مما قيل ويقال عنها:

- مركزية اللغة في التحليلية الانجليزية لا يجعل منها فلسفة لغة تتسم بالوضوح وتعرية الزيف اللغوي المستتر بالغموض والتعقيد كما أعلنت هي عن ذلك في تسويق نفسها، وعدم استطاعتها توخي مناقشة قضايا فلسفية هامة تضارع ما حققته الفلسفات القارية الاوربية وعلى وجه التحديد في فرنسا.

- التاثير اللغوي الذي تبنته التحليلية جعلها تضيع وتتشتت في الفلسفات القارية التي لم تجعل من اللغة محورا مركزيا في مقاربتها العلم الطبيعي كما فعلت التحليلية الانجليزية بل كان مسعاهم تطوير فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات في بحث قضايا فلسفية متنوعة لم تحاول التحليلية الانجليزية الاقتراب منها، .

- مهمة تاثير التحليلية الانجليزية على مسار تجسير هوة انفصالها عن الفلسفات القارية الاوربية قام الاضطلاع بها الفلاسفة الاميركان أمثال رورتي وسيرل وسانتيانا وكارناب في مرجعيتهم وارتباطهم بحلقة فينّا، ولم يهتموا بمناقشة الجزء وصولا الى الكل في منهج فلسفي تحليلي.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

الهوامش:

1- احمد عبد الحليم عطية/ الفلسفة التحليلية ، ماهيتها، مصادرها، ومفكروها، ص 50

2- نفسه ص 53

3- نفسه ص 19

4- نفسه ص 17

5- نفسه ص 34

6- نفسه ص 37

7- نفسه ص 37

8- نفسه ص 40

9- نفسه ص 42

10- نفسه ص 43

11- نفسه ص 45

12- نفسه ص 53

13- نفسه ص54

14- نفسه ص 56

 

 

 

 

حاتم حميد محسنفي عام 2002 أعلنت اليونسكو عن تحديد يوم عالمي للفلسفة في ثالث خميس من شهر نوفمبر من كل سنة. هذه المناسبة تشكل احتفالا بموضوع الفلسفة وتأكيدا لقيمتها. ما مدى ملائمة هذه الدراسة القديمة للعالم الحديث؟ سنعرض هنا أربعة اسباب تجعل الفلسفة من الأهمية بمكان لاتقل عن أي وقت مضى.

1- الفلسفة هي أساس التفكير النقدي

مع ان المجتمع يختلف كثيرا اليوم عما كان عليه حين وضع المؤسسون الكبار للفلسفة الغربية بصماتهم،  لكن الأسئلة التي نواجهها اليوم هي بنفس القدر من التحدي. الفلسفة الحديثة تضع التفكير النقدي وحل المشاكل في الصدارة لكي تجعل هناك معنى لهذه المشاكل الخطيرة. كتب الكسندر ليفسلي في موقع هافينجتون بوست، "ان الفلسفة ليست مجردة، الفلسفة تضع الأسئلة المهمة على الطاولة وتعمل لإيجاد جواب. انها تشجعنا للتفكير النقدي حول العالم، هي أساس كل المعرفة وعندما تُستعمل بشكل صحيح يمكنها ان تعطينا فوائد هائلة".

2- العلم لا يستطيع الاجابة على جميع الاسئلة

بفضل التقدم العلمي والتكنلوجي، نحن نميل بقوة للعلوم، نعيش بطريقة مختلفة جدا مقارنة بما كنا عليه بدون ذلك. بدءاً من الثلاجة التي نستخدمها لحفظ الطعام الى الطائرة، لا مجال لإنكار اهمية  التقدم العلمي لبقائنا كنوع بشري. لكن أهمية العلم لا تعني إنكار قيمة الفلسفة. في الحقيقة، ان الاثنين يسيران يد بيد."العلم للأسف لايمتلك كل الأجوبة. تماما مثل أي حقل آخر له حدوده. نحن لا نستطيع اشتقاق كل شيء من التجربة، والفلسفة ليست ميتة .. فمثلا، العلم لا يستطيع تقرير القيم الانسانية. التجريبية لا يمكنها تقرير لماذا يجب علينا التصرف بأخلاقية، ولا لماذا يجب علينا ان نقدّر السعادة الانسانية على البؤس الانساني. نحن لا نستطيع خلق تجربة تختبر طبيعة الحقيقة او استحصال المعرفة"، يذكر الفوتوغرافي الامريكي بلوغر ديفد "الفلسفة في جوهرها تكافح  لمعرفة ما هو حقيقي وذو قيمة، وماذا يعني ان نعيش حياة تستحق وذات مغزى . ذلك شيء ما خارج الحدود بالنسبة للعلم لأن العلم يستطيع ان يخبرنا عن الأشياء تجريبيا لكنه لايستطيع وصف كيف يجب ان نعيش: العلم يساعدنا ان نعيش أطول بينما الفلسفة تساعدنا ان نعيش أفضل".

3- الفلسفة لها معنى خاص في عالم الأعمال

للوهلة الاولى، وكما في الفلسفة  قد لا يبدو العلم "الناعم" ملائما خصيصا للأعمال،  بروفيسور الفلسفة في مدرسة فرانكفورت للادارة والمالية كرستين تيفينس توضح بان كل منْ يريد النجاح في التحدي، او يقود وظيفة في الأعمال، في الادارة العامة، السياسة، او المجتمع الأوسع يحتاج مجموعة حاسمة من المهارات. وتضيف، "انت ستحتاج النظر بسرعة في قضايا معقدة، تضع جنبا الى جنب حججا مقنعة مؤيدة ومعارضة للمقترحات، تختار الملائم من غير الملائم من المعلومات، تفحص انسجامية وصوابية ورقة السياسة، تقرر أي المشاكل حاسمة وتحدد القضايا التي لاتزال تُفهم بشكل سيء. هذه المهارات من التحليل الصارم والحجة السليمة والفحص النقدي كلها أساسية للفلسفة: لا وجود لموضوع يدرّب قدراتنا على التفكير المنهجي والمنسجم أفضل من الفلسفة".

هذه المهارات غير محددة بعالم الأعمال، انها يمكن تطبيقها عمليا على أي سياق سواء كان مهنيا او شخصيا.

4- الفلاسفة القدماء يستمرون في التأثير على الانسانية

بينما افلاطون وارسطو كان لهما الفضل في صياغة مستقبل الحضارات، ولازال لتأثيرهما صدى حتى اليوم،  تؤكد مجلة (الناشرون الاسبوعية) الامريكية "بأن فلاسفة اليونان القديمة مثل افلاطون وارسطو ربما بدوا مبالغ فيهما لكنهما في الحقيقة احياء جدا. قبل 24 قرنا هما وضعا أسس الثقافة الغربية وان افكارهما ورؤاهما لاتزال تفرض سمات اساسية لعالمنا حتى الان، بدءاً من الطعام الذي نتناوله وحتى المعلومات التي نشاهدها في الانترنيت".

وبينما ينظر البعض الى كونفشيوس فقط كجمل وعبارات، لكن عمله كان هاما جدا ويبقى كذلك اليوم. هذا مفيد جدا خصيصا للطلاب في حقول مثل العلوم السياسية والدبلوماسية والسياسة الدولية. فمثلا، طبقا للجغرافية الوطنية، قامت الحكومة الصينية الحديثة بصياغة المزيد من روحها الشعبية على بلاغة كونفشيوس، مثل "طاعة الامبراطور، التنظيم الهيراركي، الولاء". ومن جهة اخرى، تعرض افلام الأبطال الخارقين الاخيرة مثل رجل الستيل (حول السوبرمان) والليل المظلم (الرجل الخفاش) معضلات أخلاقية ترتكز على قضايا فلسفية قديمة مثل مأزق العربة(1).

لذا، بينما تبدو الفلسفة لبعض الناس تفتقر للجاذبية على الورق، لكنها ذات قوة استثنائية وإمكانية فذة. انها لا ترمز فقط  لتغيير العالم، بل انها ربما تغير حياتنا. احد الطلاب يصف كيف ان كورسا في الفلسفة ساعده في تغيير حياته،  يقول "بينما كنت مرة اكره الفلسفة،  لكني الان اتخصص بها. انا لدي القناعة بان الفلسفة تعطينا الأدوات لنصبح مفكرين جيدين، وهي بهذا تصبح المهارة الأكثر أهمية في الحياة.

 

حاتم حميد محسن

.................

الهوامش

(1) معضلة العربة trolley problem تصف مأزقا اخلاقيا فيه خمسة أشخاص وُضعوا مقيّدي الأيدي على سكة قطار وكانت عربة القطار تتجه نحوهم، المتحكم بحركة القطار كان لديه خيار واحد هو توجيه العتلة نحو مسار آخر، لكن هذا المسار سيموت فيه شخص واحد. وهنا تبرز المعضلة هل يستمر القطار في مساره الاول فيقتل خمسة اشخاص ام يأخذ المسار الآخر فيقتل شخصا واحدا فقط؟

 

حاتم حميد محسنان أصل المجتمع، او الظهور التطوري للتنظيمات الاجتماعية الانسانية المتميزة هو من الموضوعات الهامة ضمن البايولوجيا التطورية والانثربولوجي وعلم آثار ما قبل التاريخ. ومع ان القليل عُرف بشكل مؤكد، لكن النقاشات منذ هوبز وروسو عادت مرة اخرى لما طُرح من اسئلة فلسفية واخلاقية وتطورية .

الاصول الاجتماعية في الطبيعة

يمكن القول ان أهم نظرية في الاصول الاجتماعية للانسان هي نظرية توماس هوبز الذي جادل في كتابه اللفياثان (الفصل 13) انه بدون حكومة قوية فان المجتمع سينهار الى حرب الجميع ضد الجميع. في مثل هذه الظروف، لن يكون هناك مكان للصناعة لأن ثمارها ليست مؤكدة وبالنتيجة لا ثقافة ولا ملاحة ولا فائدة من السلع التي يمكن نقلها عبر البحار ولا وسائل للحركة وإعادة الحركة، هذه الأشياء تتطلب مزيدا من السلطة، لا معرفة في الارض، لا حساب للوقت، لا فن ولا رسائل، لا مجتمع، وما هو اسوأ من كل ذلك، الخوف المستمر وخطر الموت العنيف، وحياة الانسان تصبح منعزلة وفقيرة وكريهة ووحشية وقصيرة.

إبداع هوبز كان المساهمة في تأسيس مجتمع على أساس "عقد اجتماعي" يتنازل فيه رعايا التاج بجزء من حرياتهم مقابل الأمن.

اذا كانت فكرة هوبز مقبولة، ذلك يعني ان المجتمع لا يمكن ان يبرز قبل الدولة . هذه المدرسة من الفكر بقيت مؤثرة الى اليوم. أحد البارزين في هذا الشان وهو الاركولوجي البريطاني (كولن رنفرو) يشير الى ان الدولة لم تنشأ الاّ بعد وقت طويل من تطور الانسان العاقل . الممثلين الأوائل لنوعنا الانساني طبقا لرنفرو ربما صحيح كانوا حديثين من حيث تركيب الجسد، لكنهم لم يكونوا حديثين معرفيا وسلوكيا. فمثلا، هم افتقروا للقيادة السياسية، التعاون على نطاق واسع، انتاج الطعام، دين منظّم، القانون او الصناعات اليدوية. كان الناس مجرد صيادين وجامعي بذور يشبهون كثيرا القرود يأكلون حيثما يجدون الطعام في ما يجاورهم. يقترح رنفرو بشكل مثير للجدل ان الصيادين الى هذا اليوم يفكرون ويخلقون صداقات وفق خطوط لا تختلف كثيرا عن نظرائهم البدائيين اللاّ انسانيين. بالذات هو يقول هم لا"ينسبون اي معنى رمزي للأشياء المادية" ولذلك السبب هم "يفتقرون لذهن متطور كليا"، لكن انثوغرافيو جامعي البذور يؤكدون ان بحث الناس عن الطعام له مؤسسات اجتماعية – لاسيما حقوق وواجبات مؤسسية مقننة في انظمة رسمية للقرابة. الطقوس المتقنة مثل افتتاح الاحتفالات يساعد في ترسيخ العقود والالتزامات بشكل مستقل عن الدولة. علماء آخرون يضيفون بانه بمقدار ما نتحدث عن "الثورات الانسانية" – فان التحولات الكبرى في التطور الانساني لم تكن في ثورة العصر الحجري الحديث وانما في صعود الثقافة الرمزية التي حدثت في نهاية العصر الحجري الوسيط.

الفوضوي والانثربولوجي (برير كلاستر) يجادل بالضد تماما من موقف هوبز، قائلا ان الدولة والمجتمع غير منسجمين : المجتمع الحقيقي يكافح دائما ليعيش ضد الدولة.

جان جاك روسو

كما هوبز، جادل روسو بان المجتمع وُلد في العقد الاجتماعي. بالنسبة لروسو، السيادة منوطة بكامل السكان الذين يدخلون مباشرة في عقد مع آخر. "المشكلة"، هو يقول "هي ان تجد شكلا من الارتباط يدافع ويحمي بقوة مشتركة شخصية واموال كل مشارك، وبينما كل شخص يوحّد نفسه مع الكل، لكنه لايزال يطيع نفسه فقط، ويبقى حرا كما كان من قبل"(جان جاك روسو، العقد الاجتماعي والخطابات G.D.H.cole، لندن و ملبورن، الجزء الاول فصل 8).

هذه هي المشكلة الاساسية التي يوفر العقد الاجتماعي حلا لها. فقرات العقد، كما يوضح روسو، يمكن اختزالها الى واحدة "نقل كامل للملكية لدى كل مرتبط مع جميع حقوقه، لكل الجماعة. كل انسان، في إعطاء نفسه للكل، لا يعطي نفسه الى أي شخص، وبالنتيجة يكسب مردود مساوي لكل خسارة يتحملها، ومن ثم يزيد سلطة الحفاظ على ما يمتلك". بكلمة اخرى، كل واحد منا يضع نفسه وكل سلطاته تحت توجيه الرغبة العامة، وفي ظل مقدرتنا العامة، نحن نقبل كل عضو كجزء لا يتجزا من الكل. وهنا، بدلا من الشخصية الفردية لكل طرف متعاقد، هذا الفعل من الانتساب يخلق هيئة أخلاقية وجمعية مركبة من عدة أعضاء لأن الجمعية تحتوي على اصوات وتستمد من هذا الفعل وحدتها وهويتها المشتركة وحياتها ورغبتها. بهذا يعني، كل عضو بالجماعة لا يكتسب فقط قدرات الكل وانما ايضا ولأول مرة، الذهنية الرشيدة: المسار من دولة الطبيعة الى الدولة المدنية ينتج تغييرا كبيرا في الانسان، باستبدال العدالة بالغريزة في سلوكه، وإعطاء أفعاله السمة الأخلاقية التي افتقر اليها في السابق. عندئذ، فقط عندما يحل صوت الواجب محل الدوافع الفيزيقية وحق النهم والشهوة، فان الانسان الذي فكّر فقط بنفسه، يجد انه مجبر للتصرف بمبادئ مختلفة، ويستشير عقله قبل الاستماع الى ميوله.

السير هنري سومنر مين

في كتابه الهام (القانون القديم، 1861) جادل مين انه في الاوقات المبكرة، كانت الوحدة الاساسية للمنظمة الاجتماعية الانسانية هي العائلة البطريركية او الذكورية.

ان الدليل المشتق من التشريعات المقارنة يؤسس الرؤية للظروف البدائية للعرق الانساني والتي تُعرف بالنظرية البطريركية. وباعتباره خصما للافكار الفرنسية الثورية والافكار الاجتماعية الراديكالية الاخرى، كان دافع مين سياسيا. هو سعى لإضعاف ميراث روسو والمؤيدين الاخرين لحق الانسان الطبيعي بقوله انه في الأصل، لم تكن لأي فرد اية حقوق ابدا "كل انسان يعيش في الجزء الاكبر من حياته تحت استبداد بطرياركي، كان عمليا مُسيطر عليه في جميع أفعاله بنظام ليس حكم القانون وانما بالنزوة. ليس فقط اطفال البطرياركي عرضة لما يسميه مين بـ "الاستبداد"، وانما ايضا زوجته وعبيده ايضا تأثروا بنفس المقدار. ان فكرة القرابة، طبقا لمين كانت ببساطة طريقة لتصنيف اولئك الذين تعرّضوا بالاكراه للحكم العشوائي المستبد. لاحقا، اضاف مين سمة دارونية للجدال. في كتابه "نسب الانسان" اوضح دارون تقارير بان ذكر الغوريلا البري يحتكر لنفسه اكبر عدد ممكن من الاناث اللواتي يمكنه الدفاع عنهن. مين وافق على تفكير دارون بان "الانسان البدائي" ربما عاش في جماعات صغيرة، لكل واحد عدة زوجات يتولى حراستهن بدافع الغيرة ضد الرجال الاخرين.لكي يوضح بالضبط معنى "البطريركية" أعلن مين ان "الغيرة الجنسية التي يتمتع بها الذكور من خلال السلطة، تعمل كتعريف للعائلة البطريركية".

لويس هنري مورغان

في كتابه البارز، المجتمع القديم (1877)، والذي يبدو في عنوانه صدى لكتاب القانون القديم لمين، يقترح لويس نظرية مختلفة كليا. أصر لويس بانه طوال الفترات الاولى من التاريخ الانساني، لم يكن هناك وجود لا للدولة ولا للعائلة. هو يفترض ان جميع اشكال الحكومة تُختزل الى خطتين عامتين اثنين مستخدما كلمة خطة plan بمعناها العلمي. الخطتان في اساسهما متميزان جوهريا. الاولى، في ترتيب الزمن،  تتأسس على الافراد، وعلى علاقات شخصية خالصة، و يمكن تمييزها كمجتمع. العشيرة هي وحدة هذا التنظيم، تتخذ مراحل متعاقبة من التكامل. في الفترة القديمة، العشيرة وجماعة القربى والقبيلة واتحاد القبائل شكّل شعب الامة. وفي فترة لاحقة حدث التحام للقبائل في نفس المنطقة ضمن امة في كونفدرالية قبلية تشغل مناطق مستقلة. وهكذا بعد فترة طويلة من ظهور العشائر، حدث التنظيم العالمي المهم للمجتمع القديم، وبقي مع الاغريق والرومان بعد ظهور الحضارة. اما الخطة الثانية تأسست على الاقليم وعلى الملكية، ويمكن تمييزها كدولة (مورغان، 1877. المجتمع القديم. شيكاغو:شارلس H.Kerr صفحة6).

طبقا للويس بدلا من العائلة والدولة، حلت العشائر التي يُطلق عليها حاليا "clan" وترتكز اساسا على مكان اقامة الام وعلى نسب الام. هذا المظهر من نظرية ليوس، نال القبول من كارل ماركس وانجلس، لكنه حاليا يلقى معارضة.

فردريك انجلس

اعتمد انجلس على افكار لويس في اطروحته عام 1884 بعنوان (اصل العائلة، الملكية الخاصة والدولة) في ضوء بحوث لويس هنري مورغان. كان الاهتمام الرئيسي لانجلس هو الموقف من المرأة في المجتمع القديم، وبالذات اصرار لويس على ان العشيرة الامومية سبقت العائلة كوحدة اساسية للمجتمع. "جماعات حق المرأة"، كتب انجلس في استبيانه عن الامومة التاريخية المعاصرة، "اصبحت المحور الذي تدور حوله كل العلوم". جادل انجلس بان الجماعة الامومية مثّلت مبدأ للتنظيم الذاتي الحيوي جدا والفعال لدرجة لم تسمح بأي مجال للسيطرة البطريركية او الدولة الاقليمية. العداوة الاولى التي ظهرت في التاريخ الانساني تتزامن مع ظهور الخصومة بين الرجل والمرأة في الزواج الاحادي، والقمع الاول للنساء من جانب الرجل.

اميل دوركهايم

دوركهايم كان يرى انه لكي يوجد اي مجتمع انساني يجب ان يقاوم الميل الطبيعي للجنسين للاتحاد بشكل غير شرعي. هو جادل بان النظام الاجتماعي يفترض سلفا الاخلاقية الجنسية التي يُعبّر عنها في المحضورات ضد الجنس مع اناس معينين او اثناء فترات معينة في المجتمعات التقليدية خاصة اثناء الحيض.

احدى الحقائق المؤكدة هي ان كامل النظام من المحضورات يجب ان يمتثل بشكل صارم للافكار التي امتلكها الانسان البدائي حول الطمث، لأن جميع هذه التابوات تبدأ فقط مع بداية سن البلوغ ومع اول علامة لظهور الدم تكون تلك المحرمات قد بلغت شدتها.

كتب دوركهايم عام 1898، بان تابو سفاح القربى ليس اكثر من مثال معين عن شيء اكثر اساسية وعالمية – وهو الإعداد الطقسي "للمقدس" من "المدنس". هذا يبدأ كانفصال بين الجنسين كل واحد منهما – على الاقل في المناسبات الهامة – هو "مقدس" او "منفصل" عن الآخر. "الجنسين"، كما يوضح دوركهايم، "يجب ان يتجنبا بعضهما بنفس العناية عندما يهرب المدنس من المقدس والمقدس من المدنس".

النساء كأخوات يتصرفن انطلاقا من دور الكائنات "المقدسة"المستثمرة بنوع من سلطة العزل لتبقي السكان الذكور على مسافة". دماء الطمث لديهن تضعهن في صنف بعيد، يشكل "نوعا من الفعل الرافض الذي يجعل الجنس الآخر بعيدا عنهن". بهذه الطريقة، ينشأ البناء الطقسي القديم ليؤسس لأول مرة "مجتمعا" منظّم اخلاقيا .

سجموند فرويد

وصف دارون المجتمع الانساني القديم بشكل مشابه لمجتمع القرود، حيث سيطرة ذكر واحد او اكثر يحرسون بدافع الغيرة مجموعة من الزوجات. في اسطورته "الحشد البدائي"، اخذ فرويد لاحقا كل هذا كنقطة بدء ولكن افترض فيما بعد تمردا شنّه أبناء الطاغية. كل ما كان موجود هو أب عنيف وغيور يحتفظ بجميع النساء لنفسه ويطرد ابنائه بعيدا عندما يكبرون .. وفي يوم ما يأتي الاخوة المطرودون مجتمعين ليقتلوا آبائهم وبهذا وضعوا نهاية للحشد البطريركي.

بعد هذا، تأتي عصابة من الاخوة لتأخذ الحيازة الجنسية لأمهاتهم واخواتهم لكنهم فجأة يتغلب عليهم الندم. في حالتهم الشعورية المتناقضة هذه، اصبح أبوهم الميت الآن أقوى من الاب الذي كان حيا. وكطريقة لتذكّره، نقض الاخوة أفعالهم عبر منع القتل و أكل "الطوطم"معلنين ادّعائهم بالمرأة التي اصبحت حرة لتوها. بهذه الطريقة، تأسس لأول مرة التابوان الاساسيان الاثنان للمجتمع البدائي لا تأكل الطوطم ولا تتزوج الاخوات .

ارنست غيلنر

الانثربولوجي ارنست غيلنر كتب، ان الكائنات البشرية ليست مبرمجة وراثيا لتكون أعضاء في هذا النظام الاجتماعي او ذاك. انت يمكنك ان تأخذ رضيعا وتضعه في أي نوع من النظام الاجتماعي وسوف يعمل بشكل مقبول. ما يجعل المجتمع الانساني متميزا هو ذلك النطاق الرائع من مختلف الاشكال التي يتخذها عبر العالم. لكنه، في اي مجتمع معين، يكون نطاق السلوكيات المرخصة مقيد جدا، وهذا يعود ليس لوجود نظام خارجي قسري يفرض العقوبات ويمنح المكافئات وانما لأن القيود تأتي من الداخل، من مفاهيم أخلاقية إجبارية معينة يتشرّبها أعضاء النظام الاجتماعي. يتولى المجتمع تكريس هذه المفاهيم في نفسية كل فرد باسلوب جرى تحديده لأول مرة من قبل اميل دوركهايم، أي، بواسطة وسائل الطقوس الجمعية . لذلك، فان مشكلة المجتمع الأصلي تُختزل بمشكلة اصول الطقوس الجمعية (غيلنر، 1988، اصول المجتمع).

كيف تأسس المجتمع، وكيف تنوعت سلسلة من المجتمعات، بينما في نفس الوقت مُنع اي منها من الاستغلال الفوضوي لذلك التنوع الواسع للسلوك الانساني؟ كيفية عمل هذا توضحه النظرية، وهي واحدة من النظريات الاساسية للانثربولوجيا الاجتماعية. الطريقة التي تمنع بها الناس من عمل مختلف الاشياء، غير المنسجمة مع النظام الاجتماعي الذي هم أعضاء فيه، هي انك تعرّضهم للطقوس. العملية مبسطة: انت تجعلهم يرقصون حول عمود الطوطم حتى يغرقون في الاثارة ويصبحون هلاميين وسط هستريا من الهيجان الجمعي، انت سوف تعزز حالتهم العاطفية بأي وسيلة، بكل الوسائل السمعية والبصرية المتوفرة والادوية والموسيقى وغيرها، وحالما يصلون الى الذروة، انت ستطبع في أذهانهم نوع المفهوم او الفكرة التي سيصبحون لاحقا عبيدا لها.

 

حاتم حميد محسن

.......................

The origins of society, from Wikipedia, the free encyclopaedia

 

 

علي محمد اليوسفيذهب أحد الفلاسفة تعريفه " الوعي أنه الفكر الانساني، وحيث لا وجود لوعي لا وجود لفكر ولا للغة"1. الوعي هو تجسيد تفكير العقل لمدركاته بوسيلة تعبير الفكرواللغة في تلازمهما تحقيق قصدية الوعي. الوعي من غير قصدية هو تغييب للفكرواللغة وادراك المحيط وفقدان السلوك المجتمعي. وفي عجز هذه الحلقات التعبيرية الايفاء في الافصاح عن موضوع الوعي. والشيء الاهم أن قصدية الوعي هي ليست من أختراع الوعي ولا خاصية ذاتية له حتى اذا انتسبت اليه، فالقصدية هي السمة التي يخلعها تفكير العقل على الوعي كي لا يكون تهويما عبثيا لا قيمة يحملها ولا حدود معرفية تحده. الوعي هو تفكير العقل القصدي المعبّر عنه بالفكر واللغة بموضوع.

يوضّح هوسرل صاحب مقولة قصدية الوعي التي أخذها عن استاذه برينتانو، "أن القصدية هي من عمل الوعي وحده"2، وهذا التعبير الالتباسي يجعل من الوعي حامل دلالة المعاني التاويلية الخاطئة التالية في حال اعتبار هوسرل القصدية صفة ذاتية للوعي وليست صفة يكتسبها الوعي من ترابطه بمنظومة العقل الادراكية:

- الوعي هو الذي يحدد القصدية وليس تفكير العقل يخلق الوعي القصدي في تعبير الفكر واللغة عنه في مدركاته التي يعيها موضوعات له..

- الوعي ليس ناتجا عن تفكير عقلي، بل الوعي تخلقه الادراكات الحسية وغير الحسية خارج منظومة العقل الادراكية..

- والوعي يسحب فكره ولغة تعبيره بملازمتهما معه باستقلالية عن تعالقه بمنظومة العقل الادراكية.

هذه بعض الاخطاء التعريفية التداولية في معنى الوعي الذي هو خاصية انسانية يحوزها الانسان الفرد على مستوى ادراكه لذاته ولموضوعه، وعلى مستوى الجماعة في تعاملهم الادراكي مع مواضيع الوعي كلا من وعيه الخاص به. الوعي صفة انفرادية يمتلكها كل انسان سوي طبيعي في افصاحه عن موضوع.

من الامور التي أغفلها هوسرل أن قصدية الوعي لا يحددها الوعي بمعزل عن الافعال والردود الانعكاسية التي يصدرها تفكير الدماغ عن الشيء الحسي أو عن الموضوع المدرك ، كما أن الوعي لا يمتلك تجريد الفكر واللغة المصاحبتين له اللتين هما  تصنيع عقلي ذهني، فالوعي ناتج ترابط تجريد الفكر مع تجريد اللغة بما تمليه عليهما منظومة العقل الادراكية بمجملها التي أحدى حلقاتها الوعي. الوعي تجريد يكتسب كل خصائصه الادراكية من منظومة العقل.

الوعي هو تجسيد ادراك العقل بوسيلة تعبير الفكر واللغة، والوعي حلقة ترابطية لا تكتسب محتواها الا من خلال ادراك العقل لموضوعاته، رغم ما يحمله الوعي من تجريد فكري لغوي، من حيث فهمنا الوعي هو محصلة ادراك تعبير الفكر واللغة عنه.

الادراك والوعي

الادراك مرحلة متقدمة بدئية على الوعي مصدره الاحساسات لم يكتسب القيمة الافصاحية التي تصدر عن العقل ولا يخلقها الوعي ذاتيا في الادراك، فالادراك هو الاحساسات الاولية الصادرة عن الاشياء الواصلة على شكل انطباعات تصورية بالذهن... والوعي هو الحصيلة النهائية لمنظومة العقل الادراكية في البوح عن تلك الخلاصة بتعبير الفكر واللغة... بمعنى الوعي هو آخر مرحلة ادراكية صادرة عن العقل عليه نستطيع القول أن الوعي هو المرحلة الاخيرة من سلسلة المنظومة  الادراكية في حقيقة تمثيل الوعي لأرادة العقل النهائية حول موضوع أو شيء.

بمعنى الوعي الذي يشترك تجريديا مع الذهن والذاكرة كحلقات ترابطية معه في سلسلة الادراك العقلي الا أنه يتقدمهما بالادراك المستمد من العقل. هذا لا يعني أن الوعي لا يتشارك الفهم الاندماجي المتداخل والمعنى المتبادل مع الذهن والذاكرة والفكر واللغة.. لكنما نجد الوعي يتقدمهما بالافصاح الفكري اللغوي الملازم له. وربما يتشكل الوعي من ادراك عقلي فكري صامت لا يحتاج لغة التعبير الافصاحي عن محتواه ويبقى تفكيرا استبطانيا لا يبوح عن نفسه ولا يعبر لغويا عن موضوع تفكيره..

الحواس وما تبعثه من أحساسات حسيّة خارجية، ومنظومة الجهاز العصبي الناقل والمستلم لردود الافعال الدماغية الواردة والصادرة الانعكاسية، وصور ما ينطبع بالذهن من أحساسات صورية عن المدركات الخارجية، والذاكرة بنك معلومات تخزين الخبرات التراكمية المكتسبة، والفكر واللغة في تعبيرهما عن المدركات، من مجموع هذه الحلقات يخرج تفكير العقل بمقولاته التي لا رجعة ولا تعديل يطرأ عليها ليجسدها (الوعي) لا غيره في الافصاح عن مدركاته، بهذا المعنى من أهمية الوعي يكون هو استنساخ ادراكات تفكير العقل ونقلها حسب المطلوب منه عقليا بتعبير اللغة والفكر. ورغم كل هذه الميزات التي يحملها الوعي فهو ليس موضوعا يمكن ادراكه عقليا منفردا. الوعي خاصية ذاتية يعرف بها الانسان حقيقة نفسه وادراك موضوعاته لكنه لا يكون موضوعا مدركا لغير حامله كخاصية انفرادية.

حلقات منظومة العقل الادراكية هي تجليّات ترتبط بيولوجيا بدماغ الانسان لكنها تبقى في حقيقتها الترابطية تجريدا لا معنى لواحدة بانفصالها المستحيل عن هيمنة العقل ورقابته التكاملية لجميع الحلقات الادراكية التي تتصل به.

الذهن أو الذاكرة أو الوعي تبقى حلقات تستمد قيمتها من ارتباطها بمنظومة العقل الادراكية لكنها لا تمتلك الاستقلالية البيولوجية عن تلك المنظومة في أحتفاظها بالصفة التجريدية فقط. عندما نقول (وعي) فلا يمكننا تصور ماذا يعني الوعي من غير أعتباره حلقة ادراكية ترتبط بيولوجيا بالدماغ وتعبر عن نفسها بتعبير الفكر واللغة المجردتين ايضا عن موضوع.

الوعي خاصية يمكن للفرد حاملها ادراكها لكنها من المستحيل أن تكون موضوعا مدركا من غير صاحبها. بمعنى الوعي يعي ذاته ويعي موضوعه لكنه لا يكون موضوعا لغيره قبل تعبير الفكر واللغة عنه. ثمة مقارنة تقريبية تفيدنا كيف يحمل الوعي صفتي البيولوجيا والتجريد معا، فالوجود حسب تعريف كواين هو أن توجد قيمة متغير متصل. ولو نحن حاولنا أسقاط هذا المعنى على مفردات متصلة متغيرة مجردة مثل الذهن والذاكرة والوعي فلن نتمكن من اكسابها صفة الوجود – البايولوجي العضوي ولا المادي المستقل – فهي موجودات غير وجودية تستمد قيمتها في متغيراتها الاتصالية بتفكير العقل لكنها لا تكتسب صفة الموضعة العضوية كموجود بالمعيار الذي حدده كواين، وتبقى هذه الانواع من التجليّات الادراكية تحمل صفتي الارتباط البيولوجي مع مجردات منظومة العقل الادراكية التي تبدأ بالحواس وتنتهي بالدماغ لكنها في حقيقتها ليست مواضيع مدركة بل هي تجريدات في منظومة العقل المعرفية..

الوعي الذات والانا

على حد تعبير أحد فلاسفة اللغة يعتبر الوعي هو وعي شيء ما، وكل وعي هو وعي الذات بنفس وقت وعي لشيء آخر. لو نحن أمعنا التدقيق التاويلي في العبارة لوجدنا حين يكون الوعي مجردا من قصديته فهو لا يعدو كونه أدراكا بلا معنى أكثر من تمثيله انعكاسا ماديا لصور الاشياء المدركة بالانطباع في الذهن الاستقبالي لها. والذهن ليس مرجعية الوعي في فهم المدركات، الذهن لا يفكر بالاحساسات الواردة اليه المنطبعة فيه بمعزل عن تفكير الدماغ أوبالنيابة عنه. الدماغ هو الذي يمنح قبول مرور انطباعات الاحساسات بالذهن بعد فلترتها باهميتها أم لا.

الوعي القصدي هو خاصية انسانية يتفرد بها الفرد، وقصدية الوعي التي أعتمدها هوسرل لم تعد هي القصدية التي أعتمدها جون سيرل، ولا هي وعي الانا التي أعتمدها كانط بأعتباره الانا نوعا من الوعي القصدي المتسامي المتعالي الذي لا يتحدد بموضوعه الادراكي. وفي تجاوز كانط للفهم الديكارتي في الكوجيتو لمعنى (الوعي بالذات) أشار الى أن الذات المتسامية التي هي الانا العليا لا يمكن أن تكون موضوعا بتاتا. وهو ما لا يمكن نكرانه في انطباقه كمعيار فلسفي يطال الوعي مقبول منطقيا فلسفيا..

هذا الاشكال الذي وضعه كانط في معنى وعي الذات القائم على تسامي الانا، يسحبنا مضطرين الى مناقشة متى كان وعي الذات (الانا) موضوعا كي لا تكون الانا العليا موضوعا؟، الا في حال ربط الوعي الذاتي بالانا المتعالية المتسامية كما يرغبه كانط، وعي الذات سواء بالتعالي الأنوي أم بغيرها فهو خاصية انفرادية يمتاز بها الانسان، ولا يمكن أن يكون الوعي موضوعا، لأنه لا يدرك الا من صاحبه فقط... الموضوع موجود مستقل خارج وعي الانا له وادراكه،وموجود خارج الادراكات التي لا تكون وعيا تفكيريا عقليا به.

وبالتاكيد لو لم يكن الوعي هو وعي بموضوع آخر لما توفرت الحاجة الى أن يكون الوعي قصديا مشروطا بتلك الخاصية الهادفة تحقيق معرفة معنى موضوعه. وعي الذات يقود الشخص الى سلوكية قصدية خاصة بصاحبها. الانا هي اساسا وعي ذاتي لا يمكن أن يكون موضوعا مدركا من غيره. ويوجد العديد من اشكال وعي الانا التي يحتازها ويمتلكها الانسان ولا تكون موضوعا مدركا من غير صاحبها مثال ذلك الضمير، النفس، العواطف، الاحساسات، الاحاسيس، السلوك، الرغبات ، الغرائز، الماهية وهكذا.جميع هذه الموضوعات الادراكية وغير الادراكية تبقى تجريدات مفاهيمية مطلقة لا معنى لها الا من خلال الوعي الادراكي بها والتعبير عنها بفكر ولغة تحمل دلالة المعنى عنها كمواضيع وليس كمفاهيم مطلقة مجردة.

الوعي: المجتمع والحاسوب

الوعي ليس ادراك تعبيري قصدي متجرد عن معنى قصديته الواقعية. بل هو ذلك الوعي القصدي الذي يقود صاحبه الى سلوك مجتمعي يجعل من الانسان جزءا فاعلا بالحياة. "والكيان الذي لا يملك الادراك من حيث هو علاقة مع العالم، والذي لا يقدر على التفاعل الاجتماعي هو كيان غير قادر على القيام بسلوك لغوي بشري حتى لو كان انسانا"3

أن عجز الحاسوب أن يكون كائنا لغويا مستنسخا تماما عن لغة الانسان لا يصبح انسانا في امتلاكه خاصية اللغة، ليس لأن الحاسوب لا يمتلك روحا وأنما لعدم أمتلاكه جسدا يجعله يعيش داخل مجتمع يؤثر فيه ويتاثر به.4

نلاحظ هنا تاكيد أن الوعي القصدي هو فعالية حيوية مكتسبة من العقل، ولا فائدة منها ما لم تكن سلوكا ضمن مجتمع، أي حسب تعبير هيدجر وعي الذات حقيقته هي وجود- في – عالم. هذه المقولة الهيدجرية التي نتداولها على أنها تمثل انتهاء الوعي الى استقرار انطولوجي محسوم ممثلا في الوجود في عالم يتفاعل معه وبذلك يجد الوعي دلالته الطبيعية في قصدية وصوله الاندماج في عالم هو عالم الناس والمجتمع.. أنه لمن الغريب أن يعود هيدجر في نفس كتابه الكينونة والزمان ليدحض المعنى الشكلي الظاهري للعبارة في محاولته التماهي مع مقولة كانط في الانفراد المتعالي للذات في الانا العليا التي لن تكون موضوعا بتاتا، مؤكدا هيدجر  تصحيح الفهم الخاطيء الذي يقوم من خلال عبارته أن قصدية الوعي في تموضعها الوجودي في عالم يعني أن وعي الانسان هو أصلا خارج العالم. بهذا التعبير اراد هيدجر حل مشكلة أوقعنا باكبر منها.

بتلك العبارة المزدوجة المعنى يضع هيدجر الانسان في منطقة محصلة التجاذب الصفر في وجود الانسان الذي يتقاذفه اللاوجود بين عالمين وجود (في) داخل مجتمع ووجود (خارج) ذلك المجتمع بنفس الوقت ...هذا الخلط الازدواجي مصدره عدم التفريق بين جوهرين متلازمين لكنهما لا يمثل أحدهما الاخر بايولوجيا، فالوعي هو تجريد ملازم للانسان منفصل عنه وملازم ومتحد فيه. فكيف يكون الانسان كينونة وجودية هي داخل مجتمع ومنفصلة عنه خارجيا بنفس الوقت؟؟ الانسان وجود بايولوجي فيزيائي يحمل خصائص عديدة أحداها هو (الوعي) وحينما يكون هذا الوعي مندمجا في وجود مجتمعي، فهذا الوعي يكون تجريدا صادرا عن انسان فرد منعزلا بطبيعته البايولوجية عن مجتمعه ككيان فردي. بعبارة اكثر توضيحا كما أننا لا يمكننا أختزال كينونة الانسان باللغة والفكر فقط، فيكون هنا معنا نفس الشيء لا يمكننا أختزال كينونة الانسان بمفردة الوعي الادراكيية التي تتموضع بالاشياء بمعزل عن التاثير الوجودي في صاحبه الذي هو الانسان.. الوعي هو سلوك انساني تسيّره الارادة الانسانية المعنية به. والسلوك الاندماجي التكيّفي مع المجتمع الذي يقوده الوعي لا يجعل من كينونة الانسان ذائبة بهذا التواصل الاندماجي عبر التواصل السلوكي، وأنما الاندماج يطال الوعي ولا يطال الانسان اذا جاز الفصل بينهما. 

افلاطون واللغة

أنه لمن العبقرية حقا أن يعتبر افلاطون النص المكتوب لغويا ليس سوى صورة مشوّهة للسلوك البشري، وعلى نفس هذه الفكرة أنكر جون سيرل فيلسوف العقل والوعي القصدي المعاصروفلاسفة آخرين معه "ان المعالجة التي تتم في الحواسيب ليست هي بالفعل سلوكا لغويا بشريا"5، لنفس الاسباب التي كنا مررنا عليها سريعا ونؤشرها الان هي:

- لغة الحاسوب هي ليست لغة مجتمعية بمعنى أمتلاكها كل خصائص لغة التواصل الطبيعية، كون الحاسوب لا يمكنه أن يكون كيانا يعيش ضمن مجتمع يتفاعل معه كما يفعل الانسان..

- لغة الحاسوب في تمكينها خاصية توليد الاشتقاقات اللغوية ألا أنه أي الحاسوب لا يستطيع التحكم في العبارة التي أوصلت المعنى للمتلقي أم لا، بمعنى الحاسوب لا يمتلك وعيا أدراكيا يجعله يتحكم بطول وقصر عبارة اللغة في مخاطبته الاخر تواصليا تحاوريا. بمعنى التكافؤ الندي مع الآخر. لغة الحاسوب لا تمكنه من أختيار السلوك اللغوي المندمج مع المجتمع. ولا يتمكن أمتلاك العواطف والضمير والقيم الاخلاقية والدينية وغير ذلك.

- لغة الحاسوب تفتقد أهمية الالتزام بما يترتب على الجملة والعبارة الصادرة عنه كما هو عند الانسان في تحديده موعد لقاء مثلا واين ومتى؟، وكذلك الايفاء بالوعود التي يقطعها الحاسوب على نفسه من خلال لغته ولا يعرف معنى الالتزام بما يترتب عليها من تنفيذ أجرائي مستقبلي.

ولعل تعبير كوندياك في تناوله أصل اللغة يشير الى مثال في غاية الدلالة عن السلوكية اللغوية قوله " الصرخة التي تنطلق من شخص ليست متمثلة في وعي الشخص، وأنما متمثلة في وعي الشخص المتلقي الذي يراقب الصرخة. وليس هناك لغة فردية ولا بد من وجود مجتمع كي تولد اللغة "6 هذا يقودنا التسليم بصحة الفهم السيسيولوجي المنحدر عن تأصيل اللغة انثروبولوجيا.

الختام مع هيدجر

في كتابه "رسالة حول الانسانوية" يذهب هيدجر الطعن وادانة اللغة التواصلية الطبيعية أن تكون وسيلة تعبير فهم الانسان عالمه ووجوده قائلا "ليست اللغة في جوهرها الوسيلة التي يكشف الكائن الحي بواسطتها عن نفسه، وهي ليست ايضا التعبير عن كائن حي، لهذا السبب نحن لا يمكننا التفكير بطريقة تتلاءم مع جوهر اللغة انطلاقا من قيمتها كاشارة ولا حتى قيمتها كدلالة، فاللغة هي السبيل الموضح للوجود نفسه والمواري له في آن واحد"7

ومن غرائب تحقق الوعي الذاتي عند هيدجر نجده لا يقوم على منطق اللغة بل على ما اطلق عليه (الوجدانية) التي تقوم على حوار ما بعد معنى اللغة التي هي رمزية بها يصل الكائن البشري الى الواقع. ومؤكدا هيدجر أن الخطابية اللغوية التي هي الميزة الخاصية بالانسان الذي من خلالها يتموضع وجوده في الخارج أصلا. وبالوجدانية التي تتجاوز تعبيرات اللغة الشكلية تنفتح أمام الكائن العيني (الانسان) أبواب العالم الذي يعتبر تحليل شكل اللغة محاولة في غير محلها.8

لنا التعقيب التالي:

- الاقتباسان يحتويان على تناقضات لا يمكن لفيلسوف مثل هيدجر تصدر عنه  ويقترفها. ويمكن لأي قاريء لتلك العبارات التوقف عند متناقضاتها التي لا يمكنه تمريرها. ولا نجد حاجة تكرارها فهي واضحة لا تحتاج توضيح.

- كيف تكون اللغة" هي السبيل الموضّح للوجود نفسه، والمواري له – يقصد أخفاءه -  في آن واحد؟؟ مامعنى اللغة التي أجملها هيدجر بالاشارة أن تكون وسيلة سحرية تلبس طاقية الاخفاء في حجبها الوجود عنا تارة والتعبير عنه تارة اخرى بنفس الآن؟ هل من الممكن أن تكون اللغة تعبيرا عن وجود هو غير موجود؟ بمعنى هل تمتلك اللغة خاصية غير تجريد الفكر المعبر عن موضوع.؟ ماهي الوسيلة التعبيرية التي نزيح عنها اللغة كي تعّبر هي عن وجود حقيقي يمكننا التعامل معه كما يرغبه هيدجر؟

من المقبول فلسفيا أذا قلنا أن اللغة ليست تعبيرا امينا دقيقا عن موجودات الوجود، في تركها خلفها نقائص في النص أو أي خطاب لغوي هي فراغات تتوزع بنية النص المخفي والمسكوت عنه والمراوغة والاحتجاب، فراغات تحتاج ملء تاويلي نقدي يحمل فائض معنى قرائي لها ، فيكون كلامنا أن اللغة ليست بريئة في تعاملها المخاتل وهو ما يجمع عليه فلاسفة اللغة واللسانيات اليوم. أما أن يعتبر هيدجر اللغة ليست وسيلة تعبير عن الوجود بنفس وقت أخفاءها هذا الوجود فهو طرح يحتاج توضيح فلسفي من صاحبه هيدجر وألا وقع تعبيره الفلسفي في منطق اللامعنى الذي لا قيمة له..

- ما هو بديل اللغة التي هي ليست وسيلة الانسان في فهم وجوده والعالم والطبيعة من حوله الواردة في تعبير هيدجر"ليست اللغة في جوهرها الوسيلة التي يكشف الكائن الحي بواسطتها عن نفسه، ولا هي وسيلة التعبير عن كائن حي " هل يمتلك هيدجر وسيلة غير لغوية تساعدنا التعبير عن أنفسنا وعن الاخرين؟ يعني في أعدامنا اللغة المتاحة طبيعيا لنا هل نتوفر بمساعدة هيدجر على منطق فلسفي لغوي أو غير لغوي يضعنا أمام حقيقة فهم أنفسنا والعالم من حولنا؟ بالتاكيد لا.

- اذا أعتبرنا على خلاف رغبة هيدجر أن ما هو أعلى من اللغة والمتجاوز المتعالي عليها يمثل (الوجدانية) كما اشار له في عبارتيه السابقتين، معتبرا هذه الوجدانية أسمى من جوهر اللغة الاشارة التي نتعامل بها بلا معنى ولا فائدة. وتعقيبنا على هذا التخريف هو حقيقة اللغة هي جوهر شمولي مطلق وخاص أشمل من كل مفردات علم النفس، الوجدانية التي يرغبها هيدجر بديلا متعاليا على اللغة لا تكون في حقيقتها غير لغة خرساء لا تمتلك لغة التعبير عن نفسها قبل التعبير عن حاملها. عليه نجد ما هو متاح لفيلسوف بوزن هيدجر التفلسف في نطاق منطقي يقبله العقل بدلا من تخاريفه الفلسفية المليء بها كتابه الزمان والكينونة.

- كيف تكون خطابية اللغة بلا وجدان حينما تجعل الانسان يتموضع وجوده في الخارج أصلا على حد تعبيره، ويضيف " الوجدانية التي تتجاوز تعبيرات اللغة الشكلية تفتح أمام الكائن العيني الانسان أبواب العالم الذي يعتبر تحليل شكل اللغة محاولة في غير محلها " لا أجد فيلسوفا واحدا يستطيع الخلاص من هذه التعبيرات التي لا معنى ترابطي لها ولا هي جديرة حتى بالوقوف عندها. أنها بعض من اسطورة ملابس الامبراطور الجديدة التي لم يسبق لأحد شاهدها ولا سمع بها ولا أكتشف غير عرّيها الفاضح.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.............................

الهوامش:

1- فلسفة اللغة، سيلفان اورو، جاك ديشان، جمال كوغلي، ت:د. بسام بركة ص 310

2- نفسه ص311

3- نفسه 321

4- نفسه 321

5- نفسه 321

6- نفسه 321

7- نفسه ص 353

8- نفسه ص 351

 

حضور التكنولوجي في الممارسة التشكيلية لفيرونيك جومار

لقد منح التطور التكنولوجي جملة من المتغيرات المعيشية واقعا وأسلوبا، سواء في علاقة الفرد بذاته، أو الفرد بالفرد، كما من الفرد بالمجتمع. هذا التطور المرتبط بمفهومي "الحاجة" و"الضرورة" في معناهم الشامل، يمكن له أن يسهم في تغيير أسلوب التواصل والتفاعل مع الآخر، عاكسا في أصله مدى استيعاب هذا التطور سواء بشكل واع أو غير واع.

فهذه الإمكانات الممنوحة من التطورات التكنولوجية على اختلاف مجالها وأغراضها، تعكس شكلا ونمطا جديدا في الحياة، لتكون آلية تفتح أفق المعرفة وتتعدد عبرها أشكال التعبير والتواصل، فتكون بذلك منتجا لجملة من الوسائط التكنولوجية المساهمة إلى حد كبير في تحقيق هذه الأغراض.

عبر تكثف استعمال الوسائط التكنولوجية على اختلافها، وتدخلها في عدة ميادين، يمكن هنا أن نستقرئ دورها في عملية التشكيل، وخاصة منه في حضورها كوسيط تشكيلي أو كمكون للمنجز الفني، والذي يمكن أن يطرح جملة من المحايثات الدلالية والمفهومية، ذات الصلة بشكل حضور التكنولوجي في الممارسة الفنية، وهو الإطار الذي تتنزل فيه تجربة الفنانة الفرنسية "فيرونيك جومار".

فالوسيط  التكنولوجي يمكن أن تختلف فيه المميزات والخصائص، إلا أنه يمكن أن يكون آلية منفتحة على كل ما هو حسي ومادي، وهو ما يمكن أن نعبر عنه بمواطن اشتغال وتفاعل الوسيط ضمن حلقة وجوده، في إطار واقع وتفاعل بين المادي الملموس والمرئي المحسوس. فهذه الإمكانات، يمكن أن تسهم إلى حد كبير في دعم التجربة الفنية المعاصرة، وتفتح لها أفقا جديدة في التعبير كما من إمكانية خلق لمفاهيم إنشائية، جمالية، فلسفية ...، من داخل هذه المنظومة المتغيرة.

 1- فيرونيك جومار وتطويع الوسيط التكنولوجي:

من الوسائط التّكنولوجيّة التي استدرجتها فيرونيك في منظومتها التّشكيليّة هي المعدّات الكهربائيّة التي لعبت دور أساسي في الشّبكة المفاهيميّة والفكريّة لديها، نتيجة حضورها المكثّف في أغلب أعمالها، أين نجد المعدّات الكهربائيّة بجميع أنواعها، حيث وقع تضمينها كمقوم من مقومات البناء التشكيلي. لقد أضحى الوسيط التكنولوجي كعمل إنشائي قائم بذاته، وذلك من خلال عرضه وتقديمه كشيء محسوس وملموس، شيء عيني يكون تارة على الجدران وطورا في الزّوايا وأخرى متدّلية، فهو وسيلة تأثيث، به يكتسب الفضاء دلالة .

إن اشتغال "فيرونيك" على مكوّنات متنوّعة من مصابيح وأنابيب النيّون، يمكن أن يعكس تركيز الفنّانة على ظاهرة المدّ أو مرور للتيار الكهربائي، أي مقومات ظهوره التي تعود بالضّرورة إلى الكبلوّات والأسلاك التي تحدّد حيز العمل فتشكّل إطاره.

كأنّ فيرونيك هنا تبيّن إمكانات الوسيط الذي اتّخذ دور المادّة القابلة للتّشكيل والتّحديد،  فهو الخطّ تشكيليّا والسّلك ظاهريّا.  فالضّوء ليس موضوع بحث بقدر ما هو مادّة قابلة للصّياغة والتّوظيف الإنشائي فهو محور العمل، وكما مثله فلافين في قراءة لعمل فيرونيك، وكأنّها تقول هنا الضّوء، ضوء القرن العشرين هذه مكوّناته ومقوّمات ظهوره، فهي تقوم بتفكيك هذا الوسيط كمادّة وكمفهوم ومحاولة لفهم الكيفيّات .

إذن فيرونيك تتجاوز حدود الإضاءة دون أن تتجاوز تركيبة الوسيط، لتدنو إلى إمكانيّة التّحوير ومحاولة الإضفاء على مستطاع المادّة عن طريق التّجربة وفتح مجال الاختبار، التّجربة التي تنوّعت بتنوّع الفضاءات والمصابيح، حيث اعتمدت على مجموعة متنوّعة منها نجد مصابيح الهالوجين: تستعمل لإضاءة الفضاءات الكبرى، بالإضافة إلى الفوانيس الكهربائيّة المتوهّجة، كما نجد أنابيب الفلوريسنت أو النيّون أحاديّة وثنائيّة التوهّج. هذه الخصائص كانت حافزا لفتح المجال على عالم الإلكترونيّات، عالم النيون الكهربائي الذي بان مع بدايات القرن العشرين مع الفيزيائي والكيميائي الفرنسي جورج كلود، ليلعب هذا الظّهور الدّور الأساسي في ولوج الضّوء إلى فضاء العرض أين أصبح وبالتّحديد في العشرينات، الوسيط الأكثر توظيفا نتيجة انجذاب الفنّانين إلى عروض الإعلانات التّجاريّة أين استدركوا أنّه وسيط يتميّز بمقاييس جماليّة تشكيليّة، ليظهر في فضاءات العرض في هيأة منشئ نابض بالدّلالات والمعاني التّعبيريّة تجمع بين الضّوء والحركة والكلمة والحرف التي تعكس من خلال إنارتها رسائل نقديّة سياسيّة وأبعاد فلسفيّة تدعو إلى التمعّن .

تسعى فيرونيك عبر المحايثات المفهومية والدلالية إلى إيقاظ فكر المتلقّي وتحفيز حواسه من خلال التّجربة، أيّ من خلال التّواصل والتّعامل مع الوسائط حسب خصوصياتها وفضاء تموضعها، والتي تزيد من فاعليّة التّجاوب الذي يرتبط بالحجم وقوّة الإشعاع أو التوهّج الذي يكون تارة خافتا وطورا قويّا إلى درجة انعدام الرؤية النّاتج عن تأثّر العين بقوّة الإشعاع، لتتأقلم بعد برهة من الزّمن، وهذا بدوره يطرح مسائلة تًعنى بفيزيولوجيا الرؤية ووسائطها.

يأخذ الضّوء مع فيرونيك دور تشكيلي استيطيقي فعّال، لأنّ المصابيح المكشوفة والعارية هنا هي العمل بذاته على المستوى الفكري والمادّي، فهو مصدر من مصادر الضّوء وهو تقنيّة من تقنيّات نشوئه الاصطناعي والمعاصرة لزمانها، كأنّها هنا تحاول أن تظهر طبيعة الشّيء في وجوده المادّي والحسّي. فأن تمسك بمصباح كهربائي مثلا يختلف على أن تقف أمام مصباح يبلغ نصف حجمك، بالإضافة إلى تبدّل الفضاءات والأمكنة التي تتيح بدورها فرصة الغوص في تجربة جديدة تحاول إعادة الاكتشاف والتّفاعل مع الخصائص الحسيّة، وتجاوز كلّ ما هو مرئي لينغمس في حوار مع المادّة، حوار تفاعلي لا يتطلّب الفهم أكثر ممّا يتطلّب الانتباه والتّواصل الحسّي. بالرغم من البساطة والوضوح مع أنابيب النيّون ذات الألوان العاديّة الروتينية التي اعتدنا عليها. فالضوء بالنسبة لفيرونيك جومار هي علاقات ومفاهيم تجمع بين الاستقطاب والبثّ والتدفّق والتفاعل... فهو منهج ومسار خاصّ أرادت من خلاله الباحثة أن يكون مادّة نظرا لما يتمتّع به من خصائص فيزيائيّة وصناعيّة، تختلف عن الوسائط الأخرى بالرّغم من التّشابه الذي يجمعها.

 فالضّوء وكيفيّات حضوره بحسب الصّياغات التي أوردتها والمواضيع المطروحة، لا يتمحور في الإنارة والإضاءة فقط، فهو يعتبر عمل تشكيلي ذو مكانة بارزة، وهذا ما ذكره النّاقد الفنّي ميشال جوثي  فهو العمل بذاته.  لقد عملت فيرونيك على توظيف الضوء كشكل من الوسائط البصريّة التّشكيليّة المتميّزة، بالإضافة إلى كونه مصدر إثارة انطباعية وإيحاءات مختلفة ذات قيمة جماليّة تكون من داخل المسار البنائي البصري وضمن مبدأ التبسيط والاختزال.

في هذا الإطار نتبيّن أنّ الفنّانة تشتغل على الاختلافات المفهوميّة والفكريّة والجماليّة التي قامت بطرحها بأساليب مختلفة، كما تهدف من خلال هذه الاختلافات إلى استدعاء المشاهد من أجل تجريب الفضاء فيزيائيّا وحسيّا. قامت فيرونيك باستفزاز المشاهد وحثه على الدّخول نتيجة اعتمادها الامتلاء الضّوئي في فضاء معتم، وهذا التناقض بين الضّوء والظّل يعكس القدرة على إعطاء الملمس البصري للشّكل والفضاء بكل أبعاده، و يقوم بجذب المتلقّي بكل مدركاته الحسيّة نتيجة القيمة الحسية للضوء.

تعكس أعمالها دقّة في التّرتيب والقياس، مصابيح متجاورة ومتراتبة بنظام تأثيثي، محدثة في تتاليها شكل هندسي، ذاك المربّع الذي ينبض بالإشعاع كصيغة للتّعبير عن مساحة الشّكل الحقيقي الذي يفرضه الضّوء، ومنه إلى المساحة الضّوئية المسقطة في الأسفل التي تعتبر من تشكّلات الضّوء، كأنّما بذلك بيان لمفهوم الثّقل أو الكثافة بالنّسبة للتجمّع الضّوئي.

إذن فالعنونة "سولاريوم" لا ترجع إلى العمل المثبّت فحسب بل تعود إلى مكان العمل ككلّ أيّ ذاك القبو وما يحتويه من فراغ، والحاوي بدوره للعمل فهو يتجاوز ذلك الإطار الظّاهري والمعدني ليكون حاو ومحتو للفضاء، وهذا يؤكده الصّحفي والنّاقد الفرنسي لورنس جومار في مجلة أرت براس .

2- الوسيط التكنولوجي والمدرك الحسي:

إنّ اكتشاف الكهرباء جعل من الضّوء مادّة قابلة للاستدراج كمادّة حقيقيّة ضمن المجال الإنشائي، ومنه إلى بناء المعنى التّشكيلي، وهو ما يتجلّى في تجربة الفنانة "فيرونيك جومار"،  ضمن اشتغالها على مفهوم الضّوء كمادّة حاملة للعديد من الإمكانات أين اهتمّت بالتدفّق غير المادّي وكيفيّة الامتداد والتحرّك. فهي تقوم بتفكيك مكوّناته الفيزيائيّة وتحويلها إلى مدركات حسيّة بسيطة كالكثافة والاهتزاز والصّوت والجاذبيّة والفضاء والزّمن والحيز كما تجلى في منجزها الفني "خطّ الضّوء".

هذا الأسلوب الذي قامت به الفنّانة، يعتبر طرحا في التعامل مع الوسيط بوصفه استمالة للمدركات الحسية. ففي تفعيل الضّوء الكهربائي ضمن شكل تراكبي، عبر تنظيم جملة من المصابيح الكهربائية، والمتكونة من اثنان وأربعون عنصرا من المصابيح المتراتبة بشكل عمودي، تتفاعل عبر رصد الصوت والحركات، لتكون بذلك شكلا تفاعليا مع المشاهد، عبر ترجمة الحركة أو الصوت في حركة ضوئية متبدلة  ومباشرة.

"خطّ الضّوء" إنّما هو مسار تفاعلي مكتمل بحضور المشاهد، ليضحى موضوع تأملي يرتقي به الوسيط ويحقّق اكتماله في التّحديث وامتلاءاته الماديّة والمفهوميّة، عبر استيعابه لمضمون الحركة بشتى أشكالها، وترجمتها ضوئيا، فيصبح بذلك المسموع مشكلا مرئيا ووسائطيا.

 هذه القيمة الفنيّة لإمكانات الوسيط أضحت الطّرف المساير لأفعال المشاهد كدلالة عن صيرورة زمانيّة وموقعيّة متحوّلة، بها يمكن إحداث نوع من الإثارة التي تستفزّ نوعا ما المشاهد بحسب عنصر المحاكاة التي يفرضها الضّوء على المدركات الحسيّة، والتي يفرضها الصّوت على الضّوء، وتُمثّل هي الأخرى بالضّوء ذاته.

إذن الضّوء وسيلة للتّعبير، وهو كمادة تشكيلية بحسب ما جاء في أعمال فيرونيك، ليحمل كوسيط تشكيلي إلى الخبرات الإستيطيقيّة والأبعاد الفكريّة المعاصرة، كلغة خاصّة تُحدّدُ بمدى تضمينه في التجربة التشكيلية كمنحى للتّعبير والتّبليغ عن معناها بأسلوب محسوس، يقوّمه الإدراك وتحدّده طبيعته على اختلافها، لتضحى خطابا والية في الإنشاء والتفاعل، فالانفتاح.

2062 الضوء 1

2062 الضوء 2 

منى صيود – تونسية

باحثة برمحلة الدكتوراه

.......................

الهوامش:

1- La lampe n’éclaire pas l’œuvre, elle ne fait pas même partie de l’œuvre, elle est l’œuvre. Michel Gauthier, article, www.veronique-joumard.tn.

2- «  Car le terme de solarium déborde le cadre de l’œuvre et s’applique a l’espace quelle travaille : c’est tout le cube du sous sole du Credoc qui est solarium, un monochrome de chaleur et de lumière ». Laurent Goumarre, article http://www.veronique-joumard.net/.

 

 

 

أثرت التكنولوجيا تأثيرا كبيراً على حياة الإنسان فقد أصبحت التكنولوجيا اليوم جزءًا أساسيًا منا، مما يؤثرذلك على معتقداتنا ورغباتنا، وخططنا وأهدافنا، ورؤيتنا لما نحن علية، وما قد نصبح عليه بعد أيضاً، فقد أصبحت التكنولوجيا في كل شئ حولنا فلا يستطيع الفرد العيش بدونها، وتتعلق أهم الأسئلة الفلسفية اليوم بكيفية التعايش مع العلوم والتكنولوجيا، وتعد فلسفة التكنولوجيا واحدة من التخصصات الأكثر حداثة والتي لاقت رواجاً كثيرا في القرن العشرين، ومن ثم فالتكنولوجيا كأى مجال لا يستطيع أن ينجو من تحليل ونقد فلسفي، وتتعلق أهم الأسئلة الفلسفية اليوم بكيفية التعايش مع العلوم والتكنولوجيا، لذلك سوف اقوم بعرض بعضاً من أفكار واحداً من اهم فلاسفة ذلك المجال وهو:

دون إدDon Ihde 1934

هو استاذ الفلسفة المتميز في ولاية نيويورك جامعة Suny Stony Brook فقد كانت فلسفتة تدور حول التكنولوجيا في تطورها وعلاقتها المتداخلة بالثقافة والعلم والبيئة والإنسان وما ينتج عنها من تطورات تؤثر في حياة الفرد فقد كانت الأسئلة المركزية في فلسفتة تأتي على النحو التالي: ما هو الدور الذي تلعبة التكنولوجيا في التجربة البشرية اليومية؟ وكيف تؤثر المصنوعات التكنولوجية على وجود الناس وعلاقتهم بالعالم؟ وكيف تنتج الأدوات التكنولوجية المعرفة البشرية وتحولها؟ ويستحدم دون إد المنهج التاريخي في عرض قصة الفلسفة وتطورها وعلاقتها بالعلم والتكنولوجيا، وله ما يقرب من الأثنتي عشر كتابا منها: "المدخل إلى فلسفة التكنولوجيا - Philosophy of Technology: An Introduction1998، التقنيه والعملTechnics and Praxis، التكنولوجيا وعالم الحياة من الأرض للسماءTechnology and the Lifeworld: From Garden to Earth (1990) Arun Kumar Tripathi, Technologcaly Mediated Lifeworld,p1.

تعريف التكنولوجيا Technology:

كلمة يونانية الأصل، تتكون من مقطعينTechno وهي تعني المهارة والفن أما Logy فيعني العلم فالتكنولوجيا تعني جملة الأشياء المصنوعة من الإنسان من أجل تغيير العالم الخارجي طبقاً لإحتياجاته ومتطلباته ومن هذة الوجة تزيد التكنولوجيا من فاعلية الإنسان"مراد وهبة، المعجم الفلسفي، ص210"، وهي أيضاً علم التقنيات وهو يدرس الطرق التقنية من جهة ما هي مشتملة على مبادئ عامة أو من جهة ما هي متناسبة مع تطور الحضارة وأهم المسائل التي يبحث فيها هذا العلم ثلاث: المسألة الأولى وصف الفنون الموجودةفي زمان معين وصفاً تحليلياً دقيقاً، والثانية:هي البحث في شروط كل مجموعة من القواعد الفنية وقوانينها لمعرفة أسباب انتاجيتها العملية، أما الثالثة: هي دراسة تطور الطرق التقنية في أحد المجتمعات الإنسانية أو في المجتمع الإنساني العام وتسمى دراسة هذة المسائل الثلاث بعلم التكنولوجيا العام .جميل صليبا، المعجم الفلسفي، ج1، ص332.عرفها جندورن Gendorn” " بأنها النظرية العلمية الى تعززقدرة المجتمع على إنتاج السلع والخدمات والتي تتجسد في المهارات الإنتاجية وتنظيم الآلات"

وقد فرق دون إد بين التقنية والتكنولوجيا. فالتكنولوجيا بالنبسة له "مركب عيني يتكون من بعض العناصر المادية، ويجب إدراجها في مجموعة العمل أو الاستخدامات التي ربما جعلها الناس لهذه التكنولوجيا"ويقول إد بالرغم من اتساع هذا التعريف إلا إنه أضيق كثيراً من التعريفات التي جعلت التكنولوجيا معادلة لأي تقنية عقلانية أو حسابية "val disk, philosophy of Technology,An Introduction,p29 وقد ميز بين التكنولوجيا والتقنية فقال" التكنولوجيا ليست تقنية، والتقنية يمكن أن تكون بدون تكنولوجيا ولكن لكل تكنولوجيا تقنية فعلم التقنية هو الذي يقود التكنولوجيا الحديثة ويطورها في تميز من أي تكنولوجيات تقليدية قديمة"ويرى إد أن التحديد الفلسفي والانثروبولوجي يرى معظم صور أو أشكال الثقافة المادية مرتبطة بالتكنولوجيا فلم يكن للبشر البدائيين ثقافات إنسانية سابقة للتكنولوجيا ولكن كان لديهم ثقافة مادية ونماذج عمل معقدة مثل الأدوات الحجرية وفؤس الحر وغيرها من الاشياء التي سمحت لأسلافنا بأن يمارسو عملهم في عالم الحياة. دون إد، موجات جديدة في فلسفه التكنولوجيا، ص5.

فالتكنولوجيا هى وسيلة الفرد لتحقيق غاياته، واستخدام الطبيعة ومواردها تساعد في تحقيق تلك الغاية وهنا يأتي دور العلم ونظرياته لتطبيق ما توصل إلية من نظريات على ارض الواقع فالتكنولوجيا تابعه للعلم

وهناك عدة أبعاد للمعرفة التكنولوجية عند إد

1- معرفة بالتقنيات وهذة المعرفة خاصة بالمهندس أو الفني "اي معرفة صنع الألة والطريقة التي تعمل بها"

2- المعرفة التقنية النظرية ويقصد بها معرفة القوانين والمبادئ الفزيائية أو الكميائية أو الكهربائية التي تسمح لأي تقنية بالقدرة على فعل ما تفعلة ويختص بها " العالِم" 

3- وأخيراً المعرفة العملية أو استخدام المعرفة التي تمر عبر مجموعة واسعة من الأعمال البشرية لتحقيق اقصى فائدة من هذة التكفقًا ل إد، هناك علاقة تكافلية بين العلم والتكنولوجيا، حيث يعتمد البحث العلمي بشكل كامل على تطوير الأدوات العلمية، والتطور التكنولوجي.نولوجيا.

don Ihde,the structure of technology knowled,p73."

ويقدم إد افكاره حول الدور الذي تلعبة التكنولوجيا في حياة الإنسان ويتساءل عن السبب وراء إهمال تاريخ التكنولوجيا رغم أن وجودها سابق لكل من وجود الفلسفة والعلم، يشير إد إلى أن الصمت فيما يتعلق بالتكنولوجيا يأتي من داخل الفلسفة نفسها، فعادة ما تعتبر الفلسفة نفسها نوعاً من الهندسة "المفاهيمية"أكثر من كونها هندسة "مادية " Don Ihde,InstrumentalReealism,p10 ويرى إد أن الظهور المتأخر لفلسفة التكنولوجيا يرجع إلي التحيز العميق جدا الذي يربط الفلسفة والعلم في اللحظة النظرية ويؤثرها، ويري إد أن هذا التحيز يبدو واضحاً عند فلاسفة اليونان قبل عند فلاسفة اليونان قبل الميلاد، وأيضاً عند الوضعية المنطقية في القرن العشرين ولكي يكشف دون إد هذا عمق هذا التحيز يبدأ بعرض نقدي لقصة الفلسفة منذ بدايتها ليؤكد علاقتها بالعلم ويفسر دورهما وعلاقتهما بالتكنولوجيا ويقول" مع بداية الفلسفة اليونانية بدأ سؤال التأمل والنقد والإستدلال بداية من طاليس 585ق.م ويستطيع الفرد أن يزعم أن الفلسفة المبكرة كانت علمية نظراً للأسئلة الموجهة مباشرة إلى الطبيعة، حتى وإن كانت الطبيعة من حيث هي مطلق، فارتباط الفلسفة والعلم يمكن رؤيته في كل من القديم والحديث في عصري النهضة والتنوير في التاريخ الغربي والعلم لم يكن تجريبياً إلا بمعناه الحديث، يتحكم في المتغيرات ويستخدم المقاييس ليدل على حكم كمي أو رياضي عن شئ ما وفضلاً عن كل هذا وبشكل خاص يتطلب التكنولوجيا والآلات فاليونانيون الكلاسيك مفكرون علميون يقصهم تماما معنى التجربة والمعالجة الآلية .دون إد، مدخل إلى فلسفة التكنولوجيا، ص3

التكنولوجيا والانسان:

تظهر العلاقة بينهما من خلال البيئة، فتسمح التكنولوجيا بتعديل البيئة وتكييفها وهذا التعديل ليس محايدا أو معتدلاً إنه قوة تحول وترقى للبشر بواسطة التكنولوجيا فالبشر في استخدامهم لأبسط التكنولوجيات أحدثو تعديلات بالنسبة للبيئة والنتائج قد تكون جيدة أو سية اعتماداً على الاستخدام الإنساني للتكنولوجيا، ويؤكد إد " أن التكنولوجيا مرتبطة دائما بالبشر فتصور الإنسان زائد التكنولوجيا لا يعتمد على مجرد الإستخدام، وإنما يعتمد على القدرات المدخلة فيها بوصفها مرتبطة بالامكانات المعقدة المفتوحة لإشتراك الإنسان.

وفي كتابه ما بعد الظواهر، يوجد تحليل لأنواع مختلفة من العلاقات بين الإنسان والتقنيات والعالم.وقد حقق في الطرق التي تلعب بها التقنيات دورًا في العلاقات بين الإنسان والعالم، بدءًا من "التجسيد" "القراءة"، إلى "التفاعل" و "الخلفية".

وقد بدأ إد بالعلاقات التجسيدية

ورأى انه في علاقات التجسيد، تشكل التقنيات وحدة مع الإنسان، وهذه الوحدة موجهة إلى العالم: فنحن نتحدث مع أشخاص آخرين عبر الهاتف، بدلاً من التحدث إلى الهاتف نفسه، وننظر من خلال المجهر بدلاً من النظر إليه. ويخطط إد لهذه العلاقة على النحو التالي:

(الإنسان - التكنولوجيا) -> العالم.

العلاقات التأويلية

العلاقات التأويلية، هي العلاقات التي يقرأ فيها البشر كيف تمثل التقنيات العالم، مثل فحص التصوير بالرنين المغناطيسي الذي يمثل نشاط الدماغ، أو صفير جهاز الكشف عن المعادن الذي يمثل وجود المعدن. هنا، تشكل التقنيات وحدة مع العالم، وليس مع الإنسان الذي يستخدمه يتم توجيه البشر إلى الطرق التي تمثل بها التقنيات العالم. تخطيطيا كالآتي:

الإنسان -> (التكنولوجيا - العالم).

العلاقات التبادلية

وهو نوع ثالث من العلاقات بين الإنسان والتكنولوجيا والعالم، والذي يسميه إد علاقة التغيير، يتفاعل البشر مع التقنيات، ومع العالم في خلفية هذا التفاعل. ومن الأمثلة على ذلك التفاعلات بين الإنسان والروبوت، أو الحصول على المال من أجهزة الصراف الآلي، أو تشغيل الجهاز. في الواقع، يمكن اعتبار هذه العلاقة مجالًا مركزيًا لتصميم التفاعل. يمكن أن يكون مخططًا كـالإنسان -> التكنولوجيا (العالم)

 What can we learn from Don Ihde?,course in University of Twente,p1-2 .

التكنولوجيا والثقافة:

يرى إد أن كل تكنولوجيا هي تجسيد للثقافة التي نشأت فيها والتكنولوجيا تشكل اساليباً للرؤية ويرى إد أن كل جانب من جوانب التكنولوجيا عندما يقتبس من مجتمع فإنه ينشر إمكانيات منقولة غير حيادية ويذيعها .

التكنولوجيا والتقدم:

يرى إد أن التكنولوجيا أقدم من العلم والفلسفة فماضي التكنولوجيا فماضي التكنولوجيا يعود إلى عصور سحيقة قبل التاريخوصور هذا البماضي ساهم فيها أجدادنا بتكنولوجيات أكثر تعقيدا وتنوعا واختلافا مما نظن أوو نفكر فية، ويعتبر إد أن تطور التكنولوجيا هو الحركة الفاصلة في عصور ما قبل التاريخ عن العصور التاريخية ويرى إد في ذلك التاريخ ثلاث متغيرات تشرح الثورات التكنولوجية وتصفها وهم:

1- تكنولوجيات الزمان

2- تكنولوجيات المكان

3- تكنولوجيات اللغة

وقد تطورت تكنولوجيا الزمان من التقويم القمري إلى الساعة الآلية ففي هذا التطور بدأ تجريد الزمان من فلكيتهوأصبحت التكنولوجيا مقياساً ضد المقياس السماوي وقد أصبح تكميم الزمان وتكنلجته واحداً من الأبنية العميقة للعلم في عصر النهضة والعلم الحديث، فالتكنولوجيات التاريخية ترد لأصلها في فلسفات " العمل" وفلسفات العمل هي أصل او منبع فلسفة التكنولوجيا التي ظهرت متأخرة رغم أن وجود التكنولوجيا سابق لوجود الفلسفة، والظاهرة المقترنة بالتكنولوجيا بالمعنى الحديث هي التقدم وقصص التكنولوجيا هي عادة قصص التقدم وكثير منها في نغمة يوتيوبية وتقيس الظواهر بشكل كمي وتقيس الظواهر بشكل كمي تلك الظواهر التي تحدث بالنظر إلى نهضة علم التقنية فهي قصة تؤكد أنه مع نهضة العلم يتم هدم كل الخرافات والأديان.دون إد، مدخل إلى فلسفة التكنولوجيا، ترجمة فريال حسن، ص6.

التكنولوجيا والعلم:

وفقًا ل إد، هناك علاقة تكافلية بين العلم والتكنولوجيا، حيث يعتمد البحث العلمي بشكل كامل على تطوير الأدوات العلمية، والتطور التكنولوجي.

ويقول إد أن استخدام العلم النظري هو المحرك الذي يدفع بالتكنولوجيات ويطورها في أشكال من التطبيقات وإذا كانت هذة التطبيقات هي التي أدت إلى تأثر الكوكب بأثار التكنولوجيات وأحدثتها فالعلم هو الأساس بالنسبة لهذا التطورويقول أيضاً أن العلم النظري حر وهو في ذاته قيمة محايدة وعندما تكون نظريات العلم مطبقة فهذا التطبيق للعلم يمكن إستخدامه خيراً أو شراوهذا معناه أن في المستوى التطبيقي أسئلة القيمة من " الخير والشر" تصبح فعالة وهذا معناه ببساطه أن مشكلات التكنولوجيا هي ببساطة مشكلات استخدام تطبيق العلم وليست مشكلات العلم في حد ذاته.ويرى إد أن تكنولوجيات العلم الحديث هو علم تجريبي يناقض أصوله اليونانية فالتجريب يتطلب الآلات أو الأدوات أي التكنولوجيات .دون إد، مدخل الى فلسفة التكنولوجيا، مرجع سابق، ص9

وفي النهاية يرى إد أن العلم والفلسفة في علاقة ترابط بالتكنولوجيا والعمل ويرى ضرورة إعادة تفسير الكثير من العلم الحديث في ضوء تكنولوجياتة ويؤكد على تنوع التكنولوجيا الإنسانية ويرى أن الثابت في قي أساليب الخبرة الإنسانية هو تكنولوجياتها فالعلاقات المتضمنة استخدام التكنولوجيات تزيد وتحول بشكل ليس حياديا جملة خبراتنا الشعورية عن البيئة والعالم.

 

نيرة محمود محمد الشيخ

ماجستير فلسفة

..................

المراجع

1- مراد وهبة، المعجم الفلسفي، القاهرة، دار قباء، 2007.

2- جميل صليبا، المعجم الفلسفي، بيروت لبنان، دار الكتاب اللبناني، ج1، 1982.

3- دون إد، مدخل إلى فلسفة التكنولوجيا، ترجمة فريال حسن خليفة، القاهرة، مكتبة مدبولي، ط2، 2006.

4- جان كير برج اولسن، إيفان سلنجر، سورين ريس، موجات جديدة في فلسفة التكنولوجيا، ترجمة شوقي جلال، القاهرة، المركز القومي للترجمة، ط1، 2018.

5-Val Dusek,philosophy of Technology,An Introduction,newyork,Blackwell,2006

-Ihde, Don,InstrumentalReealism,Newyork,Indianaprees,1991.6

7- What can we learn from Don Ihde,course in University of Twente https://www.futurelearn.com/courses/philosophy-of-technology/0/steps/26324

8-Ihde Don, The Structure of Technology Knowledge,New York International Journal of Technology and Design Education 7: 73—79, 1997.

9- Arun Kumar Tripathi, Technologcaly Mediated Lifeworld, Institute for Philosophy, at Dresden University of Technology https://ubiquity.acm.org/article.cfm?id=1670827

 

 

علي رسول الربيعيتُثير مسـألة الحداثة الغربية وعلاقة العالم غير الغربي معها نقاشا مستمرُا وطُرحت حولها رؤى  كثيرة ومناهج عديدة؛ كذلك هناك دراسات وصفية وتحليليلة كثيرة عن تاريخ الحداثة واصولها، وافكارها ومدارسها، ومفكريها. سوف لن أتناول ايً من هذا. لكن ساقوم أبتداءً، من موقع التفكر في السياقات التاريخية والأطر الفكرية للحداثة، بنقد الآراء التي تواجه التقاليد المحلية المتعددة بحداثة غربية واحدة لأدافع عن فكرة أمكانية وجود انماط أو خيارات أخرى من الحداثة، وجود انماط من حداثات عديدة داخل العالم الغربي وخارجه. ثانيًا، آمل أن أقدم فكرة تقريبية عما يعنيه أن يكون هناك أمكانية لأنماط أو اشكال عديدة من حداثات حقيقية أخرى غير الحداثة الغربية الواحدة السائدة. أخيرًا، الفت النظر الى الحذر من الخلط بين أنماط الحداثات العديدة وبين ما أسميه خليطًا من الحداثة الغربية الرفيعة التفكير وتقليدًا محليًا جامدًا بالقدر نفسه.

فهم الحداثة

أبدأ بالتمييز بين طريقتين لفهم صعود الحداثة، ووجهتا نظر مختلفتين حول كيف يختلف التكوين الاجتماعي الحديث عن سابقاته، أسمي أتفاقا مع الفيلسوف، تشارلز تايلور، الأول النظرية الثقافية، والثانية النظرية الثقافية للحداثة.[1] لايحتاج تفسير التحول من مجتمع ما قبل حديث إلى مجتمع حديث، على أساس الفهم الثقافي، إلى أيً اشارة إلى المقولات الثقافية؛ بينما المطلوب بالنسبة للنظرية الثقافية للحداثة أن تستحضر الثقافة لوصف وتفسير التحول المجتمعي.

هناك صعوبة المضي قدمًا  في النقاش دون توضيح معنى مصطلح "الثقافة" المراوغ رغم أن الأمساك به بشكل تام ونهائي بعيد المنال. نقصد بـ " الثاقفة "هنا تكوينًا فكريًا معقدًا، وهو مجموعة من الأفكار والصور التي تحول كائنات بيولوجية إلى بشر تعيش وتختبر حياة ذات معنى. إنها شبكة من التفاهمات والتمثيلات حول الذات وعلاقتها بأنفسنا والعالم الطبيعي، وتشمل مفاهيم الخير والشر، الصواب والخطأ، الفضائل والرذائل، إلخ. إن ثقافتنا هي التي تقرر ما إذا كنا ننظر إلى الطبيعة على أنها مقدسة أو ذات مغزى جوهري، ومتخلصة من السحر والوهم أم لا. فالثقافة هي التي تحدد إلى أي مدى ننظر إلى أنفسنا كأفراد وكذلك القيمة التي نضفيها على شخصياتنا أيضًا. بمعنى، تكون أشكال الأجسام البشرية متطابقة من الناحية الفسيولوجية في كل مكان، لكن يعتمد على الثقافة كيف تقدم نفسها، وما هي الأعمال التي تؤديها، وكيف ترتبط ببعضها البعض. ونظرًا لأن الثقافة شبكة معقدة من الصور والأفكار والمفاهيم، فهي موجودة  في كل مكان يوجد فيه الانسان. يُعتقد على نطاق واسع لا يمكن أن توجد الأفكار والتمثيلات إلا في اذهان الناس فقط. لكن هذا ليس صحيحا. فعلى الرغم من أن الثقافة أفكار، إلا أنها ليست ذهنية ولا توجد إلا في رؤوس الناس فقط. صحيح أنها موجودة في الذهن، ولكن بصرف النظر عن وجودها في الحالات والأنفعالات الجسدية، تتجسد في الممارسات الجماعية أيضًا. تتولد الثقافة وتتغذى من المجتمعات ويوجد الكثير منها كمعرفة عملية وغير واعية ويفترض مسبقًا أنها الخلفية الأساسية للتمثيلات الأكثر وضوحًا التي شكلها قسم من تلك المجموعة.

نظريات الحداثة الثقافية

يمكن تفسير الانتقال إلى الحداثة، من قبل النظريات الثقافية، دون اللجوء الى الثقافة بالمعنى المبين أعلاه. يوجد مثال على هذه النظرية في مقدمة كارل ماركس لنقد الاقتصاد السياسي. اقترح ماركس، في واحدة من أكثر المقاطع شهرة في أدب العلوم الاجتماعية، نظرية من مرحلتين للتحول الاجتماعي والتاريخي، والتي يتم بموجبها تحديد التغيير في البنية الفوقية القانونية والسياسية والأيديولوجية للمجتمع عن طريق تغيير أكثر جوهرية في علاقات الإنتاج التي هي، بدورها، دالة على طبيعة قواها المنتجة. المقصود من المصطلحين الرئيسيين، "القوى المنتجة" و"علاقات الإنتاج"، امتلاك مضمون ثقافي. إن السمة المميزة للمجتمع الحديث، بوصفه "حديث"، هي مستوى عالٍ من القوى الإنتاجية ونوع من التنظيم الإنتاجي الأنسب للحفاظ على هذا المستوى من الإنتاجية. يصبح المجتمع حديثًا عندما يكتسب التكنولوجيا المتقدمة، وتتجاوز إنتاجيته عتبة معينة. لا شك أن الحداثة لا تستنفد بالتكنولوجيا المتقدمة ونمط معين من الاقتصاد، لكنها تتبع هذا التغيير التكنولوجي لأن التحول الثقافي، أي التغيير في كيفية تصور الذات والعالم والقواعد التي تحكمها هي مجرد ظاهرة ثانوية التكنولوجيا الحديثة والبنية الاقتصادية المصاحبة لها. ليس التفسيرات الثقافية الأخرى غير شائعة في العلوم الاجتماعية، فيمكن، على سبيل المثال، تعريف المجتمعات الحديثة بالتصنيع والتحضر، أو فهمها من حيث بعض الممارسات السياسية والإدارية، أو تصور أنها جزء من عقلانية مفيدة أو مزاج علمي.

تشترك جميع النظريات الثقافية في سمات اساسية تتمثل في التمييز الحاد بين الثقافة من ناحية ونظام للتكنولوجيا / المؤسسات الاقتصادية والسياسية من ناحية أخرى. واسمحوا لي أن أسمي هذا النظام المحدد ثقافياً بالمجمع التكنولوجي المؤسسي أو مجمع تكنولوجيا المعلومات. يشكل، على سبيل المثال، المستوى العالي من التكنولوجيا، والاقتصاد الرأسمالي، والدولة البيروقراطية معًا مثل هذا المركب من تكنولوجيا المعلومات.

تفسيرات النظريات الثقافية

تسفر النظرية الثقافية،عن ثلاثة تفسيرات مختلفة. التفسير الأقوى، المرتبط بالماركسية المبتذلة ومنظري التحديث البسيطة  الذي يقول: أن مجمع تكنولوجيا المعلومات هو ما يشكل الحداثة وله أولوية سببية صارمة، ويتبعه التكوين الفكري بمجرد ظهوره بالضرورة. ليس للثقافة أي فعالية سببية ضمن هذا المخطط. علاوة على ذلك، يجب على كافة المجتمعات عبور هذه العملية بمنطق صارم مع  القليل من الخيارات. لا بد أن يتأثر كل مجتمع، عاجلاً أم آجلاً، أولاً بمركب تكنولوجيا المعلومات هذا، وعندما يحدث ذلك، لابد أن يكتسب "نظرة حديثة". تحتوي هذه النظريات على تكهنات جذرية لكافة المجتمعات البشرية: سوف تمحي الحداثة جميع الاختلافات الثقافية والحضارية لإنتاج توحيد عالمي.

وهناك تفسير ثان يلقي بظلاله على التحيز الغائي القوي للأول لكنه يحتفظ ببقية النظرية. يواجه كل مجتمع خيارًا وجوديًا من وجهة النظر هذه: فعليه إما اختيار الحداثة أو رفضها. إذا اختار المجتمع ذلك، فسيكون قد اختار الحزمة بأكملها؛ ولا يمكنه التراجع بمجرد أن يسير فيها. نظرًا لأن التوقعات تتبع مجمع تكنولوجيا المعلومات، فإن اختيار أحدهما يعني أيضًا اختيار الآخر.

تولد هذه التفسيرات ارتباطًا وثيقًا بما أسميه الأيديولوجيات المزدوجة للحداثة والتقليد. تظهر هذه الإيديولوجيات بشكل خاص عندما يُنظر إلى الحداثة بوصفها هجوم على  جماعة تجد صعوبة في التعامل مع تكنولوجيا المعلومات المعقدة، وهو أمر شائع في المجتمعات التي يغلب عليها الخضوع لتقاليد محلية تعتقد أنها مطلقة الصحة وذات قيمة وصلاحية كونية. تشترك أيديولوجيات الحداثة والتقليدية في الكثير على الرغم من الاختلافات فيما بينها. يعرّف الإيديولوجي الحداثي التقاليد بوصفها نقيض الحديث، وليس من المستغرب أن يجدها بلا قيمة. ترد إيديولوجيات التقليد على الحداثيين بالاسلوب نفسه؛ حيث ينظر الحداثيون الى التقليديين بوصفهم عبدة اعْمِياءَ للماضي، غارقون بشكل غير عقلاني في ممارسات اجتماعية هرميًة تتعارض مع الحرية الفردية. بينما ينظر التقليديون إلى الحداثيين على أنهم لا قيم لهم ينتقلون من رغبة عابرة إلى أخرى، يؤلهون العقلانية الأداتية، ويتغاضون عن الأهمية الأكبر والأعمق لعالمهم الحي المُعاش. ومع ذلك، يشترك كلا المنظرين في الفهم نفسه لكيفية تحول مجتمعات ما قبل الحديثة ودخولها إلى الحداثة. إنهم يقبلون الحداثة كظاهرة غير ثقافية في الأساس. إنهم، في الواقع، يؤيدون التفسير نفسه للنظرية الثقافية للحداثة.

ينتج عن التفسير الثالث للنظرية الثقافية ما أسميه خليطًا من الحداثة والتقاليد. يحافظ هذا التفسير، مثل التفسيرين الأولين، بصرامة على التمييز بين مجمع تكنولوجيا المعلومات والثقافة. ومع ذلك، فإنه يرفض غائية التفسير الأول والرابطة السببية بين مجمع تكنولوجيا المعلومات والثقافة التي يجيزها التفسير الثاني. فمن الممكن، من وجهة النظر هذه، الوصول إلى مجمع تكنولوجيا المعلومات دون الأسس الثقافية المرتبطة به. يُنظر إلى هذا النظام المعقد والثقافي على أنهما منفصلان وغير مرتبطين سببيًا. إن هذا الرأي جذاب بشكل لا لبس فيه لأنه يوفر مزيجًا سريعًا من التقاليد والحداثة. ونظرًا لأنه يتم تعريف الهوية الثقافية من حيث التقاليد المحلية بدلاً من مجمع تكنولوجيا المعلومات، فإنه لا يُنظر الى هذا الحل "الترقيعي" بوصفه هجوم على المجتمعات غير الغربية. بل على العكس تماما، فقد يتم طرحه بأعتباره مثالا يستحق السعي والمتابعة. تعد حيازة مجمع تكنولوجيا المعلومات مصدرًا للتمكين، الذي يُعتقد أنه صفة مهمة للغاية لعلاقات القوة الحقيقية في العالم المعاصر. يمكن لكل مجتمع غير غربي أن يكون حديثًا وتقليديًا في آن واحد، ويستمد قوته من أفضل ما في العالمين. لا يبدو أن استراتيجية تأكيد الذات هذه تمنح التمكين دون الإضرار بالهوية المحلية فحسب، بل إنها تضعف التعارض بين "حداثتهم" و"تقاليدنا" أيضًا. إن الأمثلة التي تتبادر إلى الذهن هي السهولة الواضحة التي يرغب فيها قسم من المجتمعات التقليدية الحصول على المزيد من الطاقة النووية أو امتلاك تكنولوجيا معلومات عالية في الوقت الذي يطالب فيه اللباس التقليدي للمرأة.

قال عالم الاجتماع البارز سرينيفاس أنه قابل شخصًا لم ير أي تناقض في قيادة الجرافة لكسب قوته والانغماس في السحر الأسود التقليدي من أجل سعادته.[2] كان هذان القطاعان من حياته منفصلين تمامًا. يسهل العثور على أمثلة لأشخاص يحملون مواقف دينية سحرية تجاه التكنولوجيا التي يعملون فيها. ويوفر استخدام التكنولوجيا الحديثة لنشر وجهات النظر غير الحديثة مثالاً آخر.

إن كثيرا ما يكون هناك ارتباك وعدم تمييز بين هذا الخليط من الحداثة والتقاليد، بما في ذلك "تحديث التقليد" وبين معنى الحداثة الأخرى لكنها في الحقيقة ليس حداثة أخرى أو بديلة. وهذا لسبب لا لبس فيه، كما هو الحال في أي خليط، وهو الجمع بين الحداثة الغربية وتقليد محلي.

ألخص ذلك بالقول: إن النظرية الثقافية للحداثة منفتحة على ثلاثة تفسيرات، اثنان منها يولدان أيديولوجيات الحداثة والتقليدية، والثالث ينتج حلًا خليطًا غالبًا ما يتم فيه الخلط بينه وبين الحداثة الأخرى.

باختصار، تفرز النظرية الثقافية حداثة "سامية"، وتقاليد راسخة، ومتشددة بالقدر نفسه، وحل هو عبارة عن خليط يجمع بين الاثنين. يعرّف كل من هذه التفسيرات التحديث بالتغريب.

النظريات الثقافية للحداثة

ترفض النظريات الثقافية للحداثة التمييز بين الثقافة ومركب تكنولوجيا المعلومات. وجدت أن التمييز بين المؤسسات والثقافة غير مستدام. على أقل تقدير. لكن لما ذلك؟ لأن المؤسسات هي ممارسات ملزمة أو مقيًدة بقواعد. وأن جميع الممارسات، بما في ذلك التي تحكمها قواعد محددة، تتشكل جزئيًا من المعتقدات التي يشير بعضها بشكل مباشر أو ضمني إلى القيم التي تعطي هذه الممارسات اتجاهًا معياريًا – وهو سبب وجودها، ووجهة نظرها. وهناك فهم محدد للذات من قبل المشاركين فيها على القدر نفسه من الأهمية للممارسات الاجتماعية. باختصار، لن تكون ممارسة معينة كما هي بدون وجهة نظرها الداخلية أوفهمها الذاتي. إنه لمن الضروري كما في ممارسة التصويت أن يتم التوصل إلى قرار أو إصدار حكم. ومن الأهمية بمكان أن يرى الناخبون أنفسهم كذوات قادرة على اتخاذ خيارات معقولة أيضًا. بدون وجهة نظرها هذه والفهم الذاتي، يضع الناس علامة على ورقة ولكن لا يصوتون. يكشف كل هذا عن ادعاء مألوف في العلوم الاجتماعية التأويلية بأن الممارسات الاجتماعية لها مغزى.

والآن، يعني هذا القول اعتراف بالصلة بين المؤسسات والتكوينات الثقافية ذات الخصوصية. وبعد كل شيء، ليست الثقافة سوى شبكة من المعاني التي تغذي كلاً من فهم الذات وغاية الممارسات. إننا نشيرعند الحديث عن مجموعة محددة من الممارسات الاجتماعية  إلى أنظمة ثقافية معينة أيضًا. إن هذا صحيح، إلى حد ما، حتى بالنسبة للتقنيات لأنها تنطوي أيضًا على بعض مفاهيم وأغراض ذاتية خاصة وليست ثقافة محايدة على الإطلاق كما تبدو. إذا كان كل هذا صحيحًا، فلا يمكن تعريف الحداثة من منظور ثقافة معقدة محايدة لتكنولوجيا المعلومات فقط. إنها بالضرورة نظام ثقافي / معياري يشمل مجمع تكنولوجيا المعلومات. لذلك يرتبط مجمع تكنولوجيا المعلومات من الناحية المفاهيمية بنظرة ثقافية وأخلاقية، بالنسبة للنظرية الثقافية. لا يعني هذا أنه يجب عليهم تشكيل نظام متماسك بإحكام معًا، كما هو الحال في العلاقات في المنطق الشكلي. ولا حاجة لأن تكون هذه العلاقات سببية. إنها علاقات أكثر مرونة، مثل الخيوط الضعيفة لشبكة او نسيج (و بالمناسبة هذاهو السبب في أننا كثيرًا ما نشير إلى الثقافة على أنها شبكة). وأعطي أمثلة على ذلك. يفترض مشروع العلم الحديث بأكمله كما أشار إليه ماكس فيبر على أنه خيبة أمل العالم، أي تشيوءه. ويتطلب فهم خلفية العلوم الطبيعية أن العالم الطبيعي يتكون من كيانات منفصلة بدون هدف أو معنى جوهري. ويكمن المعنى في الذوات المنفصلة عن العالم الخارجي حصريًا من الآن فصاعدًا. ينطوي هذا الفصل الجذري بين الذات والأشياء على موقف من درجة معينة من التحكم الأداتي في الطبيعة وإخضاعها. إذا لم يكن الغرض من الطبيعة خاصًا بها لإنه  مستمد من البشر بالكامل ، فيمكن للبشر أن يعطيه أي غرض يراه مناسبًا. وإذا لم يظهر أي غرض  فيها أو لها، وإذا كان الأمر كذلك، فيمكن التأثير فيها والتلاعب بها حسب الرغبة، بل حتى يمكن تدميرها. إن البشر فقط بوصفهم يمتلكون هذا النوع من الذاتية الحديثة يمكنهم إنتاج العلم والتكنولوجيا. أنظر مثلا الرأسمالية، وهي نظام اقتصادي مصمم لتوليد الأرباح، يعتمد تحقيق هذه الغاية باستمرار الادخار وإعادة الاستثمار في الإنتاج، والذي يكون بدوره ممكنًا عندما يتم تقليل الاستهلاك والإشباع للرغبات فقط. لا يمكن أن يعمل هذا النظام إلا من قبل أنواع معينة من الناس، على سبيل المثال، من قبل أولئك الذين يجب أن يعيشوا دون التخلي عن العالم وفقًا لأخلاق ضبط النفس على الرغبة والعاطفة، أيً عليهم اتباع ما أسماه فيبر بالزهد الدنيوي الداخلي.

يبدو للوهلة الأولى، يجب أن تكون الحداثة غربية بشكل لا مفر منه بالنسبة للنظريات الثقافية. إنها ولدت في الغرب، ويجب أن تظل مرتبطة به. إذا كانت التكنولوجيا والمؤسسات الاقتصادية قد نشأت في الغرب، فيجب أن تكون الثقافة التي ارتبطت بها منذ ولادتها كذلك. وإذا كان الأمر كذلك، يبدو أننا نصل إلى النتيجة نفسها التي توصلت إليها النظريات الثقافية القائلة بوجود حداثة غربية فريدة واحدة فقط. وإن الطريق الوحيد للتحديث هو التغريب بالنسبة للمجتمعات غير الغربية.

لكن هذا الاستنتاج حول النظريات الثقافية للحداثة خاطئ. لا تحتاج النظريات الثقافية إلى الاعتقاد بأن الحداثة ظاهرة فريدة وشاملة وغربية لا مفر منها. ما تم ترسيخه وتقريره حتى الآن هو: أن الحداثة في الأصل، نظام ثقافي معقد، كانت غربية بشكل حصر لكن لم يثبت أنها يجب أن تظل غربيًة. من المؤكد أن هذه النقطة حول الأصول الغربية للحداثة تفرغ  أو تخض من خطوة أخرى لتأكيد الذات من جانب المجتمعات غير الغربية أي من الممكن أن تنبت الحداثة في أماكن مختلفة إما في وقت واحد أو في أوقات مختلفة. يمكن لكل مجتمع، من وجهة النظر هذه، أن يكون حديثًا دون أن يكون غربيًا لأن كل مجتمع له مسار إلى حداثته الخاصة، ويحمل في ذاته بذور حداثته الفريدة.[3] ونظرًا لأن النظريات الثقافية تشير ضمنيًا إلى الأصول الغربية الفريدة للحداثة، فإنها تدحض الرأي القائل بأن مناطق مختلفة من العالم قد طورت مفاهيمها المميزة والفريدة من نوعها للحداثة. ومع ذلك، فهي متوافقة تمامًا مع الفكرة القائلة بأن الحداثة نشأت في الغرب، وانتقلت إلى أجزاء أخرى من العالم. ويتفق معها الرأي القائل بأن الحداثة الغربية قد تغيرت في رحلتها إلى أجزاء أخرى من العالم من خلال اتصالها بالتقاليد الثقافية غير الغربية. لقد تغيرت الحداثة حتى داخل المنطقة الجغرافية المسماة الغرب، أي أوروبا وأمريكا الشمالية بمرور الوقت. تطورت الحداثة الأخرى داخل الغرب وخارجه، أي الحداثة التي تتحدى  وتختلفت عن الحداثة الغربية المبكرة، بمرور الوقت.

طورت الشعوب في الغرب الجغرافي، من خلال العمل على طرق مختلفة للابتعاد عن ماضيهم  حداثاتهه الآخرى. لقد تولدت مفاهيم مختلفة عن التنوير، وتطورت حركات مناهضة للتنوير مثل الرومانسية، وبُذلت عدة محاولات إبداعية للتوفيق بين الرومانسية وتقاليد التنوير؛ باختصار، لا يمكن مساواة الحداثة الغربية بأي مفهوم واحد للتنوير. ظهرت الحداثة الأخرى في المجتمعات غير الغربية، عندما حاولت الشعوب غير الغربية التحرر ليس فقط من النظم والممارسات السابقة ولكن من قيود صيغة معينة من الحداثة الغربية المفروضة عليهم أيضًا.

بمجرد قبول فكرة أن الحداثة نشأت في الغرب ولكنها هاجرت إلى مكان آخر، هناك ثلاثة احتمالات مختلفة تتنافس. أولاً، فشلت الحداثة عند وصولها في أن تترسخ لأن النظم الثقافية غير الحديثة كانت راسخة بعمق، ومرنة للتغيير، ولا يمكن استبدالها بسهولة. ثانيًا، وجدت الحداثة الغربية مكانًا آمنًا ومستوعبًا في هذه المجتمعات بسهولة. فساعد عدد من الآليات على مرورها بسلاسة. كان هناك تحول تدريجي أما بالمحاكات العمياء أو الإغواء المطلق. شملت المؤسسات التي حصل فيها هذا على نطاق واسع البيروقراطية والقوات المسلحة ومراكز التعليم الحضرية. بالإضافة الى أنه تم تبني التغريب لأسباب ذرائعية بحتة أيضًا. لقد بدأ شيء مشابه لهذه العملية في وقت مبكر في أواخر القرن السابع عشر كما حصل في الدولة العثمانية ومصر والهند.[4]

كان هناك سبب أوآخرلأستيعاب للحداثة الغربية في بعض مجتمعات العالم غير الغربي. فربما تضمنت الحداثة الغربية العديد من العناصر التي تتوافق مع البنى الأسطورية العميقة داخل الحضارات غير الغربية. وإذا كان لأي سمة من سمات الحداثة الغربية بنية عالمية أعمق على عكس الاختلافات السطحية فإن استيعابها كان مجرد إجراء شكلي.[5] أخيرًا، هناك احتمال ثالث وهو: عندما بدأت الحداثة الغربية في التفاعل مع الأنظمة الثقافية المحلية، بدأ شيء مثل الثقافة الهجينة أو التركيب في الظهور عن طريق التكيف الإبداعي، والذي لا يمكن العثور على نظير له في الحداثة الغربية ولا في التقاليد المحلية الأصلية. تشبه هذه الظواهر الجديدة الكيانات الغربية الحديثة والتقليدية ويمكن الخلط بين إحداهما والأخرى ولكنها تهرب من الشبكة التفسيرية والخطاب المتعلق بكليهما. تنتمي هذه المجموعة من الظواهر المطورة حديثًا، والتي تم تشكيلها من قبل الأنظمة الثقافية الغربية الحديثة والأنظمة التقليدية المحلية الأصلية، إلى ما يمكن تسميته بالحداثة  الأخرى أو نمط اخر من الحداثة.

لكن من المهم إعادة التأكيد على الاختلافات بين الحداثة الأخرى (أو الحداثات الأخرى) والمزيج  المكون من الحداثة الغربية والتقاليد  المحلية الأهلية.

نشير إلى نقطتين إضافيتين. أولاً، لا يعني التغيير البنيوي تحولاً شاملاً. فقد تكون الممارسة حديثة مع الاحتفاظ بعناصر تقليدية، مثل الممارسة التقليدية التي تحتفظ بهويتها الأساسية على الرغم من أنها استوعبت بعض العناصر الحديثة. ما يهم هو الشكل الثقافي الأساس. فإذا تغير ذلك، لا يحدث السطح الخارجي فرقًا كبيرًا في هويته. على سبيل المثال، تغيير الموقف تجاه أنواع معينة من الملابس أو الأطعمة أنه مجرد  تغيير سطحي. قد يرفض الشخص أكل أنواع معينة من اللحوم الحمراء إما لأنها محظورة تقليديا أو لأسباب صحية. عندما لا يؤكل لحم  على اساس الصحة، تغير في الشكل الثقافي الأساسي لحظر أكل ذلك الحم. ثانيًا، يمكن العثور على دليل التغيير في الشكل الثقافي الأساس من خلال فحص طبيعة أو عادات  المجتمع وأعتقاداته الراسخة. لا تحدث التغييرات الثقافية الأساسية عندما يقول الناس أنهم أصبحوا مختلفين أو عندما يتم تغيير معتقداتهم ولكن تحدث مع تغيير في الفهم المدرج في ممارساتهم الاجتماعية.

من الواضح أيضًا لا تزال  تمثل الحداثة الأخرى على الرغم من اختلافها جذريًا عن التقاليد الأصلية والحداثة الغربية السائدة صيغة من الحداثة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن أي نقاش حول الحداثة الأخرى ( أو الحداثات)  يطرح بطبيعة الحال السؤال: ما هي الحداثة؟ ما هو الشيء المشترك بين كل الحداثات؟ ليس من السهل الإجابة عن السؤال، لكن سأقدم وجهة نظري الأوليًة حوله. يجب تحديد أي حداثة بالميزات التالية:

1- قبول درجة معينة من عدم سحرية الطبيعة.

2- ميل واضح لتجنب المعاناة والرغبة في الرفاهية المادية.

3- اعتماد مبادئ مختلفة لتحديد الهوية الذاتية للأفراد والجماعات التي ينتمون إليها، وبالتالي توليد أنواع جديدة من الهويات الجماعية والفردية التي تنطوي علاقتها على شكل من أشكال الحرية للأفراد.

4- شكل من أشكال المساواة بين الأفراد والجماعات.

5- القبول بأن الأختلافات بين الأفراد والجماعات أمر حتمي ومعقول. في الواقع، يمكننا القول، (2) - (4) وربما (5) يشكلون معًا الفكرة الحديثة للعدالة الاجتماعية.

6- وجود درجة معينة من قدرة الشخص على فحص شاعره وردود فعله ودوافعه (= أسباب التمثيل) وكيف تؤثر هذه الأشياء على ما يفعله أو يفكر فيه في موقف ما، وبالتالي التساؤل النقدي.

7- الاعتقاد بأن البنى الاجتماعية تعتمد على الفاعليًة البشرية إلى حد ما على الأقل.

تفرز هذه السمات معًا أو تفترض مسبقًا مفهومًا معينًا عن الذات وكيفية ارتباطها مع الذوات الأخرى ومع بالعالم الطبيعي. يولد هذا معًا إمكانية التوافق مع مجموعة محدودة ولكن واسعة من الترتيبات المؤسسية أيضًا. توفر الحداثة الغربية السائدة تفسيرًا واحدًا لهذه المجموعة المعقدة من الميزات. المطلوب أن تفسرها الحداثات الأخرى وتوضحها بشكل مختلف، وتخصيص أوزان مختلفة لكل منها.

النقاط الأخرى الجديرة بالذكر لتوضيح موقفي هي: أولاً، أعتقد أن أي تشكيل اجتماعي غير غربي قد استجاب للحداثة الغربية في كل من الطريق الثلاث المذكورة سابقًا. ويتضمن ايً تشكيل اجتماعي غير غربي معاصر على مجموعة من الممارسات غير الحديثة التي لم تتأثر الى حد كبير والتي أظهرت مرونة ملحوظة في التغيير بالإضافة إلى مجموعة من الممارسات الحديثة ذات الطابع الغربي تمامًا. بالإضافة إلى هذه المجموعات - وهذا هو المضمون الرئيس لهذه المحاولة- فأنها تتضمن مجموعة  مميزة عن الحداثات الأخرى. فمن وجهة نظري، ليس كل سمة مهمة من سمات المجتمعات غير الغربية يمكن فهمها بوصفها تعبر عن منظور حداثة فريدة تمامًا.  بدلاً من ذلك ، فإن وجهة نظري هي: لطالما حجبت إعادة النظر في سمات مجتمعنا من حيث الفصل المباشر بين التقاليد الغربية الحديثة / التقاليد المحلية الأهلية الأصلية، وجود مجموعة ثالثة مهمة في المجتمعات غير الغربية أيضًا. ثانيًا، لا يلزمني أي مما قلته حتى الآن بإصدار حكم قيمي قوي على أي من هذه المجموعات الثلاث. ليس من نطاق هذا  الطرح هنا الإسهاب في الحديث عن الخير أو الشر الموجود في هذه  المجموعات. على أي حال، لا الحداثة الغربية ولا التقاليد المحلية الأصلية جيدة أو سيئة بالكامل. وينطبق الشيء نفسه على الحداثات الأخرى.

أنه من الشائع عن الحداثة الغربية السائدة أنها فتح فضاءات تحررية غير مسبوقة ولكن كذلك أشكال جديدة من السجن. يترافق مع رفض الحداثة للتسلسل الهرمي مع بعض الأشكال غير المقبولة للتمايزات والتسويات وعدم المساواة. وكما تهتم الحداثة بتجنب المعاناة وبالرفاهية المادية لكنها ولدت اهتمامًا مفرطًا بالراحة المادية وعززت الخوف العصبي من أي ألم أو معاناة. لقد شجعت الاستقلالية الفردية ولكن البحث عن الذات بلا رحمة أيضًا. شددت على الحاجة إلى أن تكون عقلانيًا ولكنها عززت أشد أشكال التفكير الأداتي في الوقت نفسه.  لقد أنقذت الأفراد من خلال فتح مساحة خاصة لهم من التدخل الاجتماعي المستمر ونظرة بالمراقبة الدائمة من قبل المجتمع، ولكن جعلتهم غير مكترثين بالشأن العام أيضًا. لقد ولّدت أشكالًا جديدة أكثر انفتاحًا من الانتماء، لكن أنتجت استبعادات جذرية وكراهية للأجانب كذلك. إن هذه الطبيعة المتناقضة هي سمة من سمات الحداثة، أبتداءً من الحداثة الغربية المبكرة إلى تجسيداتها اللاحقة. وينطبق ذلك على الحداثة عندما وصلت إلى شواطئ المجتمعات غير الغربية أيضًا. وكما نعلم جميعًا، حتى الحداثة الاستعمارية كان  لها وجه نعمة، فقد زرعت بذور التحرر حتى عندما كانت منشغلة في خنقنا.

هذه لحظة مناسبة لتوضيح موقفي التقييمي لمواجهة ما أسميته حل "المزج أوالخليط". بمعنى، إن الخليط أمر حتمي ومرغوب فيه. إنه أمر لا مفر منه لأن البشر مخلوقات معقدة ذات احتياجات ورغبات متنوعة لا تهتم كثيرًا بشأن الاتساق والترابط أنها تهتم أكثرفي كيفية تلبية هذه الاحتياجات والرغبات. يميل الناس إلى استكشاف جميع أنواع المصادر المتنوعة. لذلك لا يمكننا الاستغناء عن  المزيج  أوالخليط. تزدهر حياة الإنسان من خلال الخليط هذا، لأن يصبح التفاعل والتبادل الثقافي من دونه مستحيلاً. يبدأ كل اقتراض ثقافي على شكل خليط. ومع ذلك، قد تكون الخلطة هي أيضًا نتاج لدرجة ما من قصر النظر وبالتالي، عدم التفكير والضحالة المصاحبة له. والأسوأ من ذلك، عندما تكون الأمور المخلوطة متعارضة بشدة وفي صراع عميق  فأنها تفصل المجتمعات والأفراد عن بعضهم البعض ما لم يتم على مستوى مختلف آخر، تشكيل ظاهرة جديدة تؤدي إلى تهدئة التوتر داخل كيانات ممزوجة أو مُرقعة سابقًا. ، لا تستطيع الخلطات بحكم طبيعتها التوفيقية بين الصراعات العميقة داخل الكيانات المنفصلة التي يتم تجميعها عرضيًا بشكل أو بآخر. لذا، يجب أن نبحث في مكان آخر للحصول على حلول دائمة تلبي أعمق احتياجاتنا.

ثالثًا، ليس لدي فكرة ثابتة عن الحداثة الأخرى، بل عن أي حداثة أخرى. قد تكون الحداثة الأخرى ظاهرة محلية للغاية، داخل مدينة على سبيل المثال. إذا كانت هناك حداثة باريسية، فلماذا لا توجد حداثة في القاهرة وبغداد والشام؟ قد يكون لها انتشار وطني. على سبيل المثال، إذا كان هناك حداثة يابانية، فمن المؤكد أنه يمكن أن تكون هناك حداثة عربية أيضًا. في الواقع، قد تتواجد العديد من الحداثات العربية أو الآسوية أو في أماكن أخرى. أخيرًا، قد يكون هناك وجود عالمي حقيقي لحداثة مختلفة عن الحداثة الغربية السائدة.

لم يكن في نيتي تقديم إدانة شاملة لتقاليد المجتعات غير الغربية أوماقبل الحداثة  أو الحداثة الغربية. إن هذا المقال هو نداء للاعتراف بالحداثة الأخرى وأمكان اشكال نشؤها التي قد  لا يلاحظها أحد بسبب سيطرة إطار مبسط  يفصل بشكل ثنائي على خيالنا ،يقسم عالمنا إلى الحداثة الغربية والتقاليد المحلية الأصلية. أصبح هذا الإطار الراسخ الآن عادة معطلة للعقل، يمنعنا من رؤية الأشياء كما هي. سيكون هذا المقال قد حقق هدفه إذا كان، ولو بطريقة صغيرة، قد ساهم في تحريرنا من هذا الإطار المحدود.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

......................................

[1] Charles Taylor, 'Two Theories of Modernity', Public Culture, vol. II, no. l,1999, pp. 153- 74.

[2]  M.N. Srinivas, Social Change in India, New Delhi: Orient Longman, 1966, pp. 54-5.

[3] هناك وجهة النظر تقول أن المجتمعات غير الغربية طورت حداثاتها المبكرة  ولكن تم ايقاف  مساراتها، أو أحبطتها، أو اغتصبت من قبل الحداثة الاستعمارية الغربية ، أنظر:

Sanjay Subrahmanyam, 'Hearing Voices: Vignettes of Barly Modernity in South Asia, 1400-1750', Daedalus, vol. 127, no. 3, 1998, pp. 75-104.

[4]  Misra, B., Modernization of Indian Tradition,Rawat Publications, 1988, p. 89.

[5]Ashis Nandy, The Tao of Cricket: On Games of Destiny and the Destiny of Games, New York: Viking, 1989.