محمود محمد عليذهب شهاب الدين يحي بن أميرك السُّهْرُوَرْدِىّ في كثير من كتاباته؛ وبالأخص كتابه "حكمة الإشراق" إلى نوع من العلم لا يأتى عن طريق التجريد الذهنى، أو تمثل صورة الموضوع فى الذهن، كما هو عليه الفلسفة الأرسطية، بل إنه يرى أن هذا علم لا يزيد شيئاً على الذات العارفة؛ بل العلم عند السُّهْرُوَرْدِىّ تَكشُف يتحد فيه الموضوع بالعارف، لأن الذات العارفة نفسها من نوع الموضوع، فهى نور وشعور بهذا النور، ثم إن موضوع المعرفة هى الأنوار العقلية .

فالمعرفة عند السُّهْرُوَرْدِىّ لا تقوم على تجريد الصور كما يقرر المشاؤون، بل تقوم على الحدس الذى يربط الذات العارفة بالجواهر النورانية … فعندما يكون الموضوع معروضا للنظر، وترفع الحجب يحصل للنفس إشراق حضورى على المبصر فتراه النفس بحضوره عندها، وليس عن طريق صورة صادرة عن الموضوع، ومرتسمة فى النفس، فالنفس عندما تضاء جوانبها بالإشراق تدرك الموضوع الحاضر، وهذه القدرة للنفس على استحضار الموضوع تختص بالنفس وحدها فى حالة مفارقتها للبدن وتجردها عن علائقه … ويتدرج هذا الإدراك حسب درجة النفس فى التسلط على قوى الجسد أو تسلط الجسد على قوى النفس، فمن أنوار مشرقة إلى ظلمات غاسقة، وليست هناك شروط خاصة للمعرفة المباشرة عند السُّهْرُوَرْدِىّ إلا فى خلاص النفس من البدن .

وبناء على هذه النظرية فى المعرفة، وبناء على أن العالم الحسى وهم، والوجود الحقيقى هو وجود النفس والروح، ومن ثم يرى السُّهْرُوَرْدِىّ أن الإدراك الحسى أقرب إلى إدراك المعقول منه إلى المحسوس، إذا أن موضوعاته ليست المحسوسات فحسب، بل أيضاً الإشراقات، وهو أبسط وأول مراحل اتصال النفس بالعالم الخارجى.

أما الإدراك العقلى فقد قبل السُّهْرُوَرْدِىّ آراء المشائية فيما يختص بمشكلة العقل التى تقسم العقل إلى عقل هيولانى، وعقل ممكن، وعقل بالملكة، وعقل مستفاد، والروح القدس، إلا أن السُّهْرُوَرْدِىّ  يزيد على هذا الموقف اتجاهه الإشراقى، فموضوعات المعرفة ليست المحسوس الذى يجرد العقل منه الصورة المعقولة، بل الموضوع يستثير الذهن العارف فيحل للذهن إشراق حضورى هو فعل المعرفة، وعملية الإشراق تربط بين المحسوس ومثاله حسب نظرية المثل.

إذن السُّهْرُوَرْدِىّ يري شأنه شأن كثير من المتصوفة، أن وراء طور الحس والعقل طوراً أخر ينبغى اللجوء إليه، والاعتماد عليه وهو الكشف أو الذوق.

من هذا المنطلق قام السُّهْرُوَرْدِىّ بمحاولة جادة وصريحة لجذب أرسطو العقلى صاحب البحث والبرهان إلى ميدان الكشف والذوق، ومحاولة استنطاق أرسطو بالمبادئ الإشراقية، ثم الوقوف ضد ابن سينا كثيراً مستخدماً، كل أنواع المذهب الإشراقى سواء عند الفرس أو الصابئة وغيرهم  .

ومبدأ هذا المذهب وأساسه الأول أن: ” الله نور الأنوار، ومصدر جميع الكائنات، فمن نوره خرجت أنوار أخرى هى عماد العالم المادى والروحى . والعقول المفارقة ليست إلا وحدات من هذه الأنوار تحرك الأفلاك، وتشرف على نظامها؛ فالمذهب الإشراقى على ما يذكر الدكتور إبراهيم مدكور يعتمد إذن على نظرية العقول العشرة الفارابية مختلطة بعناصر مزدكية ومانوية .

وإذا كان العالم فى جملته قد برز من إشراق الله وفيضه، فالنفس تصل كذلك إلى بهجتها بواسطة الفيض والإشراق . فإذا ما تجردنا عن الملذات الجسمية، تجلى علينا نور إلهى لا ينقطع مدده عنا . وهذا النور صادر عن كائن منزلته منا كمنزلة الأب والسيد الأعظم للنوع الإنساني، وهو الواهب لجميع الصور ومصدر النفوس على اختلافها . ويسمى الروح المقدسة أو بلغة الفلاسفة العقل الفعال، كما يذكر السُّهْرُوَرْدِىّ فى هياكل النور؛ ومتى ارتبطنا به أدركنا المعلومات المختلفة، واتصلت أرواحنا بالنفوس السماوية التى تعيننا على كشف الغيب فى حال اليقظة والنوم . وليس للتصوف من غاية إلا هذا الارتباط، والإشراقيون يسعون إليه ما استطاعوا وكثيراً ما ينعمون به . أما الأنبياء فهم فى اتصال دائم وسعادة مستمرة يقول السُّهْرُوَرْدِىّ: ” إن النفوس الناطقة من جوهر الملكوت، وإنما يشغلها عن عالمها هذا القوى البدنية ومشاغلها، فإذا قويت النفس بالفضائل الروحانية وضعف سلطان القوى البدنية بتقليل الطعام وتكثير السهر، تتخلص أحياناً إلى عالم القدس، وتتصل بأبيها المقدس، وتتلقى منه المعارف، وتتصل بالنفوس الفلكية العالمة بحركاتها وبلوازم حركاتها، وتتلقى منها المغيبات فى نومها ويقظتها، كمرآة تنتقش بمقابلة ذى نقش” .

وقف السُّهْرُوَرْدِىّ من المنطق الأرسطى موقفاً خاصاً، فهو يخصص فى بعض رسائل؛ وخاصة رسالة ” اللمحات في الحقائق ”، قسماً طويلاً لمباحث المنطق الأرسطى، وهو حين يعرض هذه المباحث يبدأ أولاً، فيذكر آراء أرسطو وغيره من الفلاسفة المشائين، ثم يعقب لهذه الآراء، وذلك في القسم الأول من كتابه ” حكمة الإشراق ”. وهو ينتمى إلى إثبات بطلانها بالقياس إلى مذهبه فى الإشراق الذى يؤمن إيماناً قوياً، ويسيطر عليه في كل مجال من المجالات التى يعرض لها بالبحث .

وهكذا يحاول السُّهْرُوَرْدِىّ أن يختصر المنطق الأرسطى اختصارا مبتكراً، ويسمى كثيراً من آرائه المبتكرة مباحث أو ضوابط إشراقية؛ بحيث يمكننا نحن أن نطلق على مجموع تلك الآراء ” المنطق الإشراقى ”، ويرجع السُّهْرُوَرْدِىّ مصدر هذا المنطق إلى نظريته في المعرفة القائمة على الذوق، فيصرح بأنه توصل إلى إبتكار هذا المنطق بواسطة الذوق، حيث يرى أنه في حكمة الإشراق يبدأ على سياق المشائين الذى يبتنى على البحث الصوفى . ويصف هذا السياق الصوفى بأنه: ” سياق آخر وطريق أقرب من تلك الطريقة وأنظم وأضبط وأقل إتعاباً في التحصيل ” . وفى ذلك يقول قطب الدين الشيرازى في شرحه لحكمة الإشراق للسهروردى أن: المنطق المذكور في حكمة الإشراق موجز محذوف عنه الفروع الكثيرة القليلة الاستعمال بَين فيه أشياء كانت في طريقهم غير محصلة ولا مهذبة، ولهذا قال: ” وأنظم وأضبط وأقل إتعاباً في التحصيل لانضباط هذه الطريقة لتحديد قواعدها، وتهذيب مطالبها وتلخيص زبدها عن زبدها .

ويصف تارة أخرى: ” بأنه الآلة الواقية للفكر جعلناها مختصرة مضبوطة بضوابط قليلة العدد كثيرة الفوائد ” .

وفي ذلك يقول قطب الدين الشيرازى في شرحه لحكمة الإشراق: ” الآلة المشهورة الواقية للفكر يعنى المنطق يصون الفكر من الخطأ في انتقالاته من المعلوم إلى المجهول جعلناها مختصرة مضبوطة بضوابط قليلة العدد لتقوى الذهن من التبديد والخاطر عن التبلد، كثيرة الفوائد لكونها لباب ما يُحتاج إليه في هذا الفن مع تصرفات لطيفة وتنفيحات شريفة منه أنه رد الأشكال (القياسية)، بل الضروب المنتجة من كل شكل إلى ضرب واحد والمركب من موجبتين كليتين والسالبة موجبة بالعدول، وإما أن السالبة إنما يمكن جعلها موجبة معدولة إذا كانت مركبة لا بسيطة، وجعل غير الضرورية ضرورية بجعل الجهة جزء المحمول، وهى أن هذه الضوابط يكفيها أقل إشارة، وأدنى إيماء بخلاف البليد، فإنه لا يفهم القليل ولا ينفعه الكثير لطالب الإشراق كافية له أيضاً، لأنه إذا تفطن لما هو سبيله من شروق الأنوار ولمعان البوارق، فيصير القليل لذلك أكثر المطالب ومهمات المسائل، لأن النور السائح هو إكسير المعرفة والحكمة، وما لم يتهيأ الجزم به لتوقفه على الفكر فيكفيه من المنطق الضوابط النورانية لاشتمالها على ما لا بد منه فى هذا الفن وإن كان على سبيل الإجمال .

ويرجع السُّهْرُوَرْدِىّ مصدر المنطق إلى طريق آخر غير العقل فيقول: ” ولم يحصل لى أولا بالفكر، بل كان حصوله بأمر آخر، ثم طلبت الحجة عليه مثلاً ما كان يشككنى فيه مشكك .

ويعلق قطب الدين الشيزارى على هذا النص، فيقول: ” ولم يحصل بالفكر، بل كان حصوله بأمر آخر؛ أى بالذوق والكشف لما ارتكبته من الرياضيات والمجاهدات، ثم أى بعد حصوله لى بالذوق والكشف، ثم طلبت الحجة عليه، أى البرهان بالفكر حتى لو قطعت النظر عن الحجة مثلاً ما كان يشككنى فيه مشكك، لأن حصوله اليقين كان بالعيان لا بالبرهان ” .

وما يؤيد ذلك أن السُّهْرُوَرْدِىّ في مبحث المعارف والتعاريف بغير بعض أسماء الألفاظ المنطقية المعروفة في المنطق الأرسطى، ويضع مكانها أسماء أخرى تمل بُعداً إشراقياً، فيسمى مثلاً دلالة اللفظ على المعنى: التطابق والتضمن والالتزام – يسميها القصد والحيطة والتطفل . ويسمى اللفظ الخاص اللفظ الشاخص والمعنى الخاص المعنى الشاخص أو المنحط .

كما إنتقد السُّهْرُوَرْدِىّ التعريف الأرسطى، وبين استحالة حصول العلم عن طريقه، فقد رأى أن المشائين يأخذون الذاتى العام، أى الجنس، والذاتى الخاص، أى الفصل، فى تعريف الشئ . ولما كان الذاتى الخاص هذا غير معلوم عند من يجهله، فإقحامه في التعريف يناقض القاعدة المشائية بأن المجهول لا يتوصل إليه إلا بالمعلوم، ثم لو افترضنا أنه إتفق الإلمام بهذا الذاتى أو الخاص أو الفصل فكيف يأمن ألا يكون قد غفل عن ذاتى آخر لا يعرف الشئ إلا به، فتكون المعرفة بالشئ آنذاك ممتنعة، وكذلك تعريف الشئ .

وهذا النقد للتعريف الأرسطى حاول السُّهْرُوَرْدِىّ توضيحه، وذلك بمحاولة إيجاد طريقين للتعريف:

أولاً: طريق الإحساس فالأمور المحسوسة تدرك تمام الإدراك .

ثانياً: طريق الكشف والعيان وهو أدق الطرق وأوثقها. ومن هذين الطريقين يضع السُّهْرُوَرْدِىّ التعريف الكامل لديه ويسميه التعريف بالمفهوم والعناية ويحدده: ” بأنه التعريف بأمور لا تختص آحادها الشئ ولا بعضها، بل تخصه للاجتماع ” .

وهذا التعريف عند السُّهْرُوَرْدِىّ وإن أخذ صورة الرسم الناقص، إلا أنه يحمل بُعداً إشراقياً، وهذا يدل على إيمان السُّهْرُوَرْدِىّ بحقيقة الجمع بين الحكمة البحثية والحكمة الذوقية.

أما فى مبحث القضايا والقياس: فنجد السُّهْرُوَرْدِىّ يختصر كثيراً من أشكال القضايا والقياس، لأنها متشعبة يستغنى عنها بأقل منها ويستبدل بها ضوابط للفكر قليلة العدد، مختصرة كثيرة الفوائد تكفى للذكى، وهو ما قاله ابن تيمية بعد ذلك من أن ” المنطق الأرسطى لا يفيد الذكى ولا ينتفع به البليد” .

وهذا يعنى أن السُّهْرُوَرْدِىّ يرفض كل ما هو زائد عليه أو متشعب منه لا دلالة له . فمبادئ العقل هى المبادئ الكافية، وقد يكون هذا التشعب والتفريغ أحد معانى الصورية، أى الصورية الفارعة.

ففى القضايا يقسم القضايا من حيث الكم إلى كلية وجزئية، ثم يحذف القضايا الشخصية لأن الشواخص لا يطلب حالها في العلوم، وحتى تكون القضايا أضبط وأسهل، ثم يرد القضايا الجزئية كلها إلى قضايا كلية، فالكل هو الأصل والجزء فرع عليه، والمعرفة الإشراقية كلية لا جزئية وفى العلوم لا تطلب البرهنة على القضايا الجزئية، بل على الكلية، والجزئية لا تكون شرطاً في التناقض، ومن ثم فهى لا تدخل في أصول القضايا والكلية لا بد أن تكون محيطة أو حاصرة .

ثم يقسم القضايا من حيث الكيف إلى موجبة وسالبة، ثم يرد القضايا كلها إلى قضايا موجبة، وهذا يعنى الفرع إلى الأصل . فالسلب فرع والإيجاب أصل . والسُّهْرُوَرْدِىّ يبحث عن الأصول لا عن الفروع، والمعرفة الإشراقية أصل المعرفة الإنسانية .

وإذا كان السلب جزء للموضوع أو للمحمول لم يكن قاطعاً للنسبة، فالإيجاب قطع والسلب ظن . والإيجاب ثابت عينى .أما السلب في الذهن فقط وليس في الخارج، يقول السُّهْرُوَرْدِىّ:” والحكم الموجب الذهنى لا يثبت إلا على ثابت ذهنى والموجب على أنه فى العين لا يكون إلا ثابت عينى .

فالمعرفة الإشراقية إذن لا سلب فيها بل كلها إيجاب، وهى لا تسلب صفة عن الوجود بل تعطيه صفات الإشراق إيجاباً لا سلباً . ثم يقسم السُّهْرُوَرْدِىّ القضايا من حيث الجهة إلى ضرورية وممتنعة وممكنة، ثم يحذف المجهولة وكمية الموضوع، لأن المجهول لا يفيد العلم، ولأن الكيف هو الذى يميز شيئاً عن آخر .

ثم يرد السُّهْرُوَرْدِىّ القضايا الممكنة كلها إلى قضايا ضرورية أو بتاتة، وذلك لأن الممكن سلب للضرورى والمعرفة الإشراقية معرفة ضرورية وليست ممكنة ويجعل السُّهْرُوَرْدِىّ الإمكان والاقتناع جزءاً من المحمول، ولم يجعله شرطاً للتناقض . والقضية البتاتة هى الوحيدة التى تستخدم في العلوم . أما الممكنة أو الممتنعة فلا تستخدم على الإطلاق؛ ثم يرد السُّهْرُوَرْدِىّ كل أشكال القضايا إلى القضية الكلية الموجبة الضرورية، وهى القضية البتاتة كما يسميها . ولم يعرف بفائدة ما للقضية الجزئية إلا في بعض نواحى العكس المستوى والتناقض وبعض ضروب الأقيسة .

هذا بالإضافة إلى أنه خرج بآراء مبتكرة أيضاً . ففى التناقض يحذف السُّهْرُوَرْدِىّ عديداً من الأبحاث، لأنه لا يحتاج إليها في نقد المناطقة المشائين وتفريعاتهم .

وفيما يتعلق بالقياس الاستثنائى والاقترانى، يقول عن السلبى: ” إنه لا يتاج إلى تطويل والضابط الإشراقى فيه مقنع ومنه كثير من المختلطات . ويقول عن الشكل الثانى ” إنه ترك التطويل على أصحابه فى الضروب والبيان والخلط ”، ويقول عن الشكل الثالث: ” إنه قد حذف عنه التطويلات ”، أما الشكل الرابع ” فإنه يسقطه من حسابه لأنه شكل تابع للأشكال الثلاثة الأولى الأصلية ” .

فالسُّهْرُوَرْدِىّ يستبدل بهذه التعريفات القريحة أو الفطرة أو الضابط الإشراقى، وفى هذا يقول: ” ومن كان له قريحة لا يصعب عليه مثل هذه التركيبات بعد معرفة القانون؛ ويقول أيضاً: ” إن كفته سلامة القريحة فى معرفة حجة قياسيه فليقنع بذلك في جميع المطالب العلمية، فلا يحتاج إلى تطويل في قياس الخلف . ولكن عن التطويل في مثل هذه الأشياء استغناء.

تلك هى الإضافات التى أضافها السُّهْرُوَرْدِىّ للمنطق الأرسطى، وهى تعتبر من أعمق المحاولات في تاريخ المنطق العربى، والتى بدأت تنضج ثمارها اليانعة لدى ” عبد الحق ابن سبعين ”؛ حيث حاول وضع منطق إشراقى شأنه شأن السُّهْرُوَرْدِىّ . هذا المنطق يحل محل المنطق الأرسطى الذى يقوم على تصور الكثرة، كما أن هذا المنطق على حد تعبير أستاذنا الدكتور ” أبو الوفا التفتازانى ” رحمه الله  في رسالته للدكتوراه عن ابن سبعين، يمكن أن يسمى بمنطق المحقق عند ” ابن سبعين ”، وهو منطق ليس من جنس ما يكتب بالنظر العقلى، وإنما من قبيل النفحات الإلهية التى يبصر بها الإنسان ما لم يبصر ويعلم ما لم يعلم، فهو إذن منطق ذوقى أو إشراقى لا يقوم على التجربة والاستقراء، وإنما يقوم على أساس الفطرة والمشاهدة .

ويخصص ” ابن سبعين ” لهذا الغرض قسماً طويلاً من كتابه ” بُد العارف ” على نحو ما صنع السُّهْرُوَرْدِىّ في ” حكمة الإشراق ”، وأغلب الظن أنه متأثر به في هذا الصدد . ومباحث هذا المنطق الجديد على حد قول ابن سبعين: ” لا يمكن تصورها إلا بالمرشد، ولا تنالها النفوس بالجهد ولا بالتجلد، بل بالنفحات الإلهية، حتى يبصر (الإنسان )، ما لم يبصر، ويعلم ما لم يعلم، وتظهر أشياء لا من جنس ما يكتسب ”، وهذا يذكرنا بما قاله السُّهْرُوَرْدِىّ: بأنه ” لم يحصل لى أولاً بالفكر، بل كان حصوله بأمر آخر، ثم طلبت الحجة عليه حتى لو قطعت النظر عن الحجة ما كان يشككنى فيه مشكك .

تلك أوجه الشبة البارزة التى نجدها بين ” منطق ابن سبعين ”، ومنطق السُّهْرُوَرْدِىّ ”، وعلى الرغم من إعتداد ” ابن سبعين” الشديد بنفسه وعدم اعترافه لأحد من السابقين عليه من الفلاسفة والصوفية بأى فضل، إلا أنه فيما يبدو لبعض الباحثين المحدثين إذا صرفنا النظر عن الاختلافات بينه وبين السُّهْرُوَرْدِىّ في تفاصيل مذهبيهما، نجد أنه متأثر بهذا الأخير، وذلك على الأقل في محاولته التحرر من المنطق الأرسطى ووضع منطق جديد يبنى على الذوق والمشاهدة، وتوجد مباحثه في الخَلد (يعني العقل) قبل التصور والتصديق لا بعدهما، ومطالبه الأصلية خارجة عما يذكره الحكماء المشاءون؛ إذ لا نعلم أحد قبل السُّهْرُوَرْدِىّ حاول التحرر من سيطرة منطق أرسطو ووضع منطق جديد على أساس علمى منظم .

وأهم النتائج التى توصل إليها ” ابن سبعين ” فى منطقه أن حقائق المنطق فطرية في النفس الإنسانية، وأن الألفاظ المنطقية الستة، وهى الجنس، والنوع، والفصل، والخاصة، والعرض، والجوهر، والشخص – ونشعر بالكثرة الوجودية، فهى محض وهم، والمقولات العشر كذلك، وإن اختلفت وتباينت، فإنما تشير إلى الوجود المطلق، فهو إذن يحمل المقولات على الوجود المطلق، وبذلك يجعل المقولات جنساً واحداً أو تحت جنس واحد.

وهكذا يطبق ” ابن سبعين مذهبه في الوحدة في مجال المنطق الأرسطى ليثبت دائماً أن كل مباحث هذا المنطق التى تشعر بالكثرة في الوجود وهم على التحقيق أو يتبادل بعض هذه المباحث لتبدو متمشية مع مذهبه العام .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط

 

 

2338 مارثا نوزباوموصفت مارثا نوزباومMartha Craven Nussbaum1947 _ ” “بأنها فيلسوفة المشاعر وهى بالفعل تستحق هذا الوصف بل تستحقه وبجداره حيث أنها انشغلت طوال حياتها المهنية بل وحياتها الشخصية بصفات كثيرة لم يلتفت إليها الكثير ولم يلق الضوء عليها بشكل مفصل مثلما فعلت هي، كالعطف والرغبة والاشمئزاز والعار والحب والوطنية والاحتياج وأيضا الغضب. ولها منشورات في مجموعة واسعة من الموضوعات، من المأساة والضعف، إلى التسامح الديني، والنسوية ودور العواطف في الحياة السياسية. يجمع عمل نوزباوم بین الفلسفة الصارمة والأفكار المستمدة من الأدب والتاريخ والقانون.

ولكن ما الدور الذى تلعبه العواطف في اكتساب المعرفة؟ وهل يجب أن نمنح العاطفة قيمة معرفية؟ فالكثير من العواطف تعد جزءا لا يتجزأ من حياتنا فمن خلال ممارستنا لها نكتشف صفات شخصية واحيانا فضائل لم نكن نعلم بوجودها، فالمواقف لا تضفي طعما شخصيا على حياتنا فقط بل على حياة الآخرين، لذلك تؤكد نوزباوم على الدور الحاسم الذى تلعبه العواطف في إكتساب المعرفة .

 وهنا تختلف نوزباوم فكرياً مع أشخاص مثل الرواقيين وإيمانويل كانط الذين يقترحون أنه لا مكان للعاطفة في الأخلاق فهم يعتقدون أن الأخلاق تدور حول الأشياء التي يمكننا التحكم فيها. إنه يتعلق بالأشياء التي لا يمكن فقدها أو أخذها منا، .مثل أفكارنا وفضائلنا، على سبيل المثال كانط في كتابه الأساسي (ميتافيزيقا الأخلاق)، ذهب أنه حتى لو كان سوء الحظ أو الظروف تعني أنك لم تنجح في كل ما حاولت القيام به طالما تصرفت بحسن نية"، فإن أفعالك ستظل مشرقة مثل "جوهرة" فحسن النية هنا يتبعها أعمال مشرقة من وجهة نظرهم، وعلى النقيض من ذلك، تعتقد نوزباوم أن الظروف قد تحبط نوايانا ورغباتنا وآمالنا تخبرنا بشيء مهم حقا بشأن الازدهار فهذه الفلسفة التي تتحدث عن عيش الحياة الجيدة (على وجه .التحديد، أنها ضعيفة وهشة) فأن تكون انسانا جيدا يعني أن يكون لديك نوع من الانفتاح على العالم، والقدرة على الوثوق بأشياء غير مؤكدة خارجة عن إرادتك.

Big Thinker: Martha Nussbaum The Ethics Centere 22Aug 2017 .

وحسب نوزباوم، هناك قيمة أخلاقية في المشاعر والعواطف، ونحن مخطئين في نبذهم خارج نطاق الصلة الفلسفية، وترى نوزباوم أن فهم عواطفنا يساعدنا في بناء مجتمع عادل أخلاقيا، كما يساعدنا على توسيع إنسانيتنا نحو الأشخاص الذين رفضناهم سابقا بإعتبارهم الأخر وهو جزء أساسي من بناء ديمقراطية صحية وسليمة فهي ترى أن العواطف مهمة للغاية لكى نعيش حياة جيدة، وهى تؤكد على أن المشاعر بصفه عامة قد تم نفيها بشكل غير شرعي من الفلسفة تحت ذرائع زائفة فقد صورها الفلاسفة النقاد على انها دوافع عمياء وغير عقلانية لا علاقة لها بالإدراك ويجب أن تخضع لرقابة صارمة من قبل مقاليد العقلانية، وتعترض هنا نوزباوم على إعتبار العواطف دوافع عمياء لا علاقة لها بالعلم وتستند في حجتها على حجتين الأولى وهي أن الفلاسفة قد ساووا بين الدوافع الفطرية وبين العاطفة فتضع لنا مثالا لتوضيح حجتها بمقارنتها بين الجوع والحزن وتري أن الجوع مجرد وظيفه بشرية، أما الحزن فنحن نتفق جميعا على إنه يختلف عن الجوع وترى اننا لسنا بحاجة الى إثبات ذلك بأدلة علمية، وذلك لأن الحزن يستمر من خلال مجموعة متنوعة من الافتراضات ذات القيمة المعرفية وهو ما يقودنا إلى الحجة الثانية آلا وهي أن العواطف لها قيمة معرفية لذلك يجب أن تتبع منطقيا، ثم تطرح نوزباوم مثالا آخر عن الغضب فتوضح لنا الافتراضات المختلفة التي تكمن وراء المشاعر والعواطف، ومن بينها فكرة أن هناك نوعا من التوازن الكوني فنحن ننزعج عندما يتم ظلم شخص ما ونوجه غضبنا نحو هذا الشخص وبتوجيه الغضب للشخص المخطئ سيعيد التوازن إلى هذا العالم بطريقه ما.

 NUSSBAUM martha, Love's Knowledge,p14_15

لذلك يجب أن تفهم العواطف على أنها "اضطرابات جيولوجية في الفكر": كأحكام يقر فيها الناس بالأهمية الكبرى لازدهارهم للأشياء التي لا يسيطرون عليها بالكامل وبالتالي يعترفون باحتياجهم أمام العالم وأحداثه لكن هذا الاحتياج - وهو مفهوم يكتنفه دائما الحكم السلبي والعار، لأنه يدل ضمنيا على الإعتراف بافتقارنا إلى القيادة - هو أحد :السمات الأساسية التي تجعلنا بشرا.

هكذا كتبت نوزباوم "يبدو أن البشر هم الكائنات البشرية المحدودة الوحيدة التي ترغب في تجاوز حدودها"، فإنهم هم الكائنات العاطفية الوحيدة التي لا ترغب في أن تكون عاطفية، والتي ترغب في حجب الاعترافات بالحاجة وتصمم لنفسها حياة لا مكان فيها لهذه الاعترافات. هذا يعني أنهم يتعلمون في كثير من الأحيان رفض ضعفهم وقمع الوعي بالمرفقات التي تنطوي عليها. قد نقول أيضا . إنها .الحيوانات الوحيدة التي تعتبر الاحتياج بالنسبة لها مصدر خزي، والتي تفتخر بنفسها إلى الحد الذي يزعم أنها تخلصت من الضعف

ولذلك، تجادل نوزباوم بأن الاحتياج أمر أساسي في عمليتنا التنموية كبشر. مثل الإحباط ضروري للرضا وترى نوزباوم أن النقص البشري هو السبب الرئيسي في إحباطنا كبشر فمن منا لم يشعر يوما بنقص ما في حياته ويكن ذلك النقص هو السبب الرئيسي في إحباطنا لذلك تؤكد بأن عدم التسامح مع النقص يمكن أن يعيق قدرتناعلى الاتصال ويجعل عواطفنا تظهر كأحداث غير مفهومة..

 Maria Bopova,The How storytelling Rewired us and Why Befriending our neediness is essential for Happiness,

وترى نوزباوم انه قد يكون لدينا بعض المشاعر الخاطئة بالفعل ولكن هذا هو بالضبط سبب حاجتنا الى اخذها على محمل الجد واخضاعها لتحقيق دقيق، فعندما نكتشف أن بعض المشاعر لا مبرر لها أو لا أساس لها فإننا سوف نتجاهلها تماما كما نفعل مع المعتقدات عندما نكتشف انها خاطئة، فإذا كانت بعض المشاعر غير عقلانية كما يقول بعض الفلاسفة فهناك أيضا بعض المعتقدات خاطئة ولكن لم يخطر ببال الفلاسفة إستبعاد المعتقدات تماما من الفلسفة كما يفعلون مع المشاعر، فتجادل نوسباوم أنه من غير المتسق تشويه سمعة المشاعر باعتبارها غير مهمة وغير جديرة بالثقة .

 Ana Sandoiu, Martha Nussbaum on Emotions, Ethics, and Literature

وتتساءل نوزباوم لماذا يقومون بعض الفلاسفة برفض المشاعر وعدم الاعتماد عليها إعتماداً كلي في إصدار أحكام ولو حتى في بعض الاحيان؟ وتجيب قائلة أن الإعتراض الرئيسي على المشاعر ذلك “لأنها تنطوي على أحكام قيمية تعلق قيمة كبيرة عليا لأشياء الخارجة عن السيطرة خارج الفاعل إنها... اعترافات بالطابع المحدود وغير المكتمل للحياة البشرية، ولمواجهة هذا الضعف تطمح الفلسفة الغربية الى نوع من الاكتفاء الذاتي، وهو الاعتقاد بأنه لن يحدث أي شيء سيء لمن يفعلون كل شيء بشكل صحيح.

 NUSSBAUM martha, Love's Knowledge,p42

 وقد ربطت نوزباوم العواطف بكل مجالات الحياة نذكر منها الدين والسياسة فتقول أنظر على سبيل المثال الى الدور الذي تلعبه المشاعر في" الإعلان والسياسة " فإننا نجد الخطاب السياسي المليء بالعواطف يكون أكثر فاعلية من خطاب يتجاهل مشاعرنا تماما"، ويشعر معظم الفلاسفة والمعلقين السياسيين بالقلق عند ربط العاطفة بالسياسة والبعض يري أن السياسة ستكون أفضل بدون مشاعر ولكن ليس حسب نوزباوم لانها وتؤكد على دور العواطف في السياسة وترى أنه لا يمكننا العيش بدونها لسبب واحد وهو أن المشاعر مثل الحب والرحمة هي التي تترجم المفاهيم المجردة مثل الحقيقة والعدالة إلى روابط حقيقية مع مجموعات وأشخاص معينين، تقول نوزباوم بأن هناك حياة واعدة، لأنه إذا تمكنا من استنباط المشاعر التي تخدم الحياة الديمقراطية على أفضل وجه، فيمكننا بعد ذلك تنمية هذه المشاعر وخلق مواطنين أفضل، وهي تعتقد أنه يمكننا القيام بذلك من خلال الطقوس والإستثمارات العامة في الفن وبالإحساس الحي بالتاريخ والوطني والثقافي وهي تؤكد أن السفسطائيون أساتذة البلاغة قد إعترفوا بذلك واعتمدوه تماما والفلاسفة ما قبل سقراط كانوا أكثر دعما للتشابك بين الفن أيضًاوالعواطف إلى أن جاء افلاطون ورسم إنقساما بينهما.

Big Thinker: Martha Nussbaum The Ethics Centere 22Aug 2017

كما انها اكدت على الترابط بين الادب والعواطف وقالت انه يمكن لفنون السرد أن تعيد تشكيل دستورنا النفسي والعاطفي، فالأعمال الفنية السردية مهمة لما تظهره للشخص لفهم المشاعر، وهي ترى أن المشاعر الإنسانية يمكن نقلها بشكل أفضل في شكل لفظي ونصي ومن خلال عمل فني أو سردي كما يساعدنا فهم العواطف في التغلب على فوضى الحزن والحب والغضب والخوف، و تري ايضًا أن الأدب يوسع خبرتنا ويوسع خيالنا الأخلاقي. إنه يمنحنا الفرصة لإكتشاف بشكل غير مباشر أمثلة لا حصر لها من العقل العملي المعاش. و تطرح نوزباوم قضية الرواية باعتبارها "نموذجًا للنشاط الأخلاقي" . وترى أنها تمنحنا موقفا متميزًا بشكل فريد يمكننا من خلاله إستكشاف المواقف بعمق، ولكن من بعيد.وهي تسمح بالمشاركة العاطفية مع الحفاظ أيضا على الحياد. بهذا المعنى، فإننا نسكن في مكان "يشبه على حد سواء ويختلف عن الموقف الذي نشغله في الحياة"، وهو مثالي لإيقاظ أنفسنا على التصورات الأخلاقية. تشبه الروايات إلى حد كبيرأي بروفة قبل العرض المباشر، حيث تمنح الروايات لقرائها الفرصة لإستكشاف المواقف التي تتطلب متطلبات أخلاقية من مكان آمن

 Nussbaum Martha,The Fragility of Goodness,p47

وبالتالي فإن فهم أي عاطفة واحدة غير مكتمل ما لم يتم استيعاب تاريخها السردي ودراسته . يشير هذا بالفعل إلى الدور المركزي للفنون في فهم الإنسان لذاته بالنسبة للأعمال الفنية السردية من مختلف الأنواع سواء كانت موسيقية أو بصرية أو أدبية فهي تعطينا معلومات حول تاريخ المشاعر هذه التي لم نتمكن من الحصول عليها بسهولة بطريقة أخرى.وبالتالي تتمثل إحدى نقاط نوزباوم المركزية في أن البنية المعرفية المعقدة للعواطف لها شكل سردي - أي القصص التي نخبرها لأنفسنا عن هويتنا وما نشعر به تشکل واقعنا العاطفي والأخلاقي، وهو بالطبع الوظيفة النفسية العظيمة للأدب والسبب في أن الفن يمكن أن يعمل كشكل من أشكال العلاج وتوضح لنا أن هناك الكثير على المحك في قرار النظر إلى المشاعر بهذه الطريقة، كاستجابات ذكية لإدراك القيمة. إذا كانت المشاعر مليئة بالذكاء والتمييز، وإذا كانت تحتوي في حد ذاتها على وعي بالقيمة أو الأهمية، فلا يمكن، على سبيل المثال، أن يتم تهميشها بسهولة في حسابات الحكم الأخلاقي، كما هو الحال غالبا في تاريخ الفلسفة. بدأً من النظر إلى الأخلاق كنظام من المبادئ التي يجب أن يستوعبها العقل المنفصل، والعواطف کدوافع تدعم أو تقوض خيارنا في التصرف وفقا للمبدأ، سيتعين علينا إعتبار العواطف جزءاً لا يتجزأ من نظام التفكير الأخلاقي . لا يمكننا حذفها بشكل معقول، بمجرد أن نعترف بأن المشاعر تتضمن في محتواها أحكاما يمكن أن تكون صحيحة أو خاطئة، وأدلة جيدة أو سيئة للإختيار الأخلاق فالعواطف ليست فقط الوقود الذي يمد الآلية النفسية للمخلوق العقلاني، فهي أجزاء شديدة التعقيد وفوضوية من منطق هذا الكائن نفسه، لذك تصف نوزباوم الأخلاق التي تستند حصريا على المبادئ العامة والعالمية بأنها "فجة أخلاقية" وتقترح بدلاً من ذلك وجهة النظر التي تأثر بها أرسطو، والتي تركز على الحكمة العملية.

Maria Bopova,The How storytelling Rewired us and Why Befriending our neediness is essential for Happiness,

وفي النهاية تؤكد نوزباوم على أن العلوم الإنسانية تعد الطلاب ليكونوا مواطنين صالحين وتساعدهم على فهم عالم معقد ومتشابك. تعلمنا العلوم الإنسانية التفكير النقدي، وكيفية تحليل الحجج، وكيفية تخيل الحياة من وجهة نظر شخص .مختلف عنك.

 The 2017 Jefferson Lecturer in Conversation with NEH Chairman William D

نستنتج مما سبق أن العاطفة تمثل حجر الزاوية في فلسفة نوزباوم الأخلاقية وأن أي نظرية جوهرية للأخلاق تتطلب فهما جوهريا للعواطف وأن السرد التاريخي للقصص له الدور الأساسي في بناء الشخصية وفهم العواطف وأن معتقداتنا كلما مر بنا الزمن تحدث لها تغيرات من الناحية النفسية والفسيولوجية فتحدث لنا تغيرات في أفكارنا ومعتقداتنا ومع مرور الزمن نأخذ من هذه المعتقدات المناسب لنا من الناحية الاخلاقية والاجتماعية وانا هنا لا اتفق مع نوزباوم في ربطها بين العاطفة والسياسة فعلى سبيل المثال حين يقوم فرد بفعل إجرامي شنيع فعل لا يقبله عقل ولا مجتمع فيجب ان يأخذ جزاؤه دون رجوع الى أي عاطفة فالجزاء وقتها كما يقولون من جنس العمل كما اننا لا يجب أن نعتمد إعتماد كلي على العاطفة في الحكم ف أحيانا يكن هناك تضارب في مشاعر الفرد وانا هنا لا اقلل من قدر العاطفة فيجب أن ندرك أن ضرورة العاطفة في حياة الإنسان لا تقل اهمية عن ضرورة العقل كما أن المشاعر لها أهمية قصوى بالنسبة لتطوير أخلاقيات المعرفة ولكن العقل له الجانب الاكبر فتحليل المواقف واتخاذ القرارات الهامة في حياة الإنسان مما يجعل العقل له الأهمية الاكبر ولذلك ميز الله الإنسان عن سائر مخلوقاته بالعقل. فنحن لا نستطيع أن نضع العاطفة مع العقل ندا بند فالعقل هو المرجع الاساسي لتصرفاتنا من خلال عمليه التفكير التي يقوم بها ليقرر أي الافعال تكن أخلاقية وايهما غير أخلاقي أي التصرفات صحيحه وأيهما غير صحيحة

وننتهى إلى القول أن الأخلاق عند نوزباوم تشبه الى حد ما الاخلاق عند هيوم حيث ان كل منهما يعتمد على العاطفة بدلا من العقل والمنطق في تفسيره للأحكام الأخلاقية.

 

بقلم: نيرة محمود محمد الشيخ

...................

المراجع

NUSSBAUM martha, Love's Knowledge: Essays on Philosophy and Literature,Usa,Oxford press,1990.

Nussbaum Martha,The Fragility of Goodness: Luck and Ethics in Greek Tragedy and Philosophy,Usa,Cambridge press,1986.

Big Thinker: Martha Nussbaum The Ethics Centere 22Aug 2017 .

https://ethics.org.au/big-thinker-martha-nussbaum/ 

The 2017 Jefferson Lecturer in Conversation with NEH Chairman William D. AdamsMartha C. Nussbaum Talks About the Humanities, Mythmaking, and International Development ,

https://www.neh.gov/humanities/2017/spring/conversation/martha-c-nussbaum-talks-about-the-humanities-mythmaking-and-international-development

- Maria Bopova,The How storytelling Rewired us and Why Befriending our neediness is essential for Happiness, https://www.brainpickings.org/2015/11/23/martha-nussbaum-upheavals-of-thought-neediness/

Ana Sandoiu, Martha Nussbaum on Emotions, Ethics, and Literature,

 https://partiallyexaminedlife.com/2016/08/12/martha-nussbaum-on-emotions-ethics-and-literature/

 

 

حاتم حميد محسنان افكار كانط الكبرى في الأخلاق لا يجب ان تقتصر على جماعة صغيرة من الافراد اختاروا دراسة الفلسفة. انها ليست فضولا اكاديميا وانما هي هامة جدا ويجب ان تكون جزءاً من أي تعليم أخلاقي. ان معرفة أخلاق الفضيلة virtue Ethics تحديدا تساعد شباب اليوم في الإبحار في ما يواجهون من عالم معقد ومخيف.

تقليديا، كان التعليم الديني هو الميدان الذي تتم فيه تغطية الموضوعات الأخلاقية، عادة مع التركيز على الإشكالات الاخلاقية مثل الموت الرحيم، الإجهاض، ومكانة الحيوان. هذه الموضوعات هامة وممتعة وبحاجة لتُناقش لكنها لا تعطي ما نطمح اليه من اطار اخلاقي .ان التعامل مع الاخلاق في هذا المستوى عادة يُنتج نوعا من شلل الحيادية، او اتجاه فيه "بعض الناس يقولون هذا والآخرون يقولون ذاك – وعليك الاختيار"، مع ان هناك مجالات يتم فيها اتخاذ خط اكثر حزما.

لا أحد ينكر، مثلا، اننا لنا حقوقا معينة، هذه ليست مجرد رأي، في المملكة المتحدة كان هناك مؤخرا اندفاع لتضمين ما سمي "القيم البريطانية" في المنهاج التدريسي (لا نعلم ان كانت هناك قيم بريطانية متميزة). هذه تضم حكم القانون، التسامح، الديمقراطية، الحرية الفردية. وهناك قيم اخرى مثل المساواة، الاحترام، التنوع، الشمولية ايضا اُعطيت أهمية. كل هذا مهم لكنه غير كاف. انه غير شخصي ومجرد وغير مفيد لمن يبحث عن مرشد مباشر حول الكيفية التي تُقاد به حياته. هذه الأفكار الأخلاقية هي ايضا ثابتة. انت اما تقبل بها او لا تقبل، ولا وجود هناك لبُعد تطوري يسعى لتحسين حياة الشخص اخلاقيا وسايكولوجيا. الايمان الديني يمكنه ان يعطي المزيد من التوجيه الشخصي ولكن هناك بالتأكيد شيء ما يملأ هذا الدور لاولئك الذين هم غير متدينين . حتى وقت متأخر كان هناك قلق من ان النسبية الأخلاقية أصبحت الافتراض الثقافي المهيمن، والذي يعني ان الأخلاق هي دائما مسألة رأي، كل رؤية هي "صالحة بمقدار متساوي" مع عدم وجود معيار موضوعي. نحن نبدوا الآن كما لو اُلقي بنا بقوة الى النهاية الاخرى. المواقف الاخلاقية هي عادة ما يتم الايمان بها بيقين حماسي . اذا كان مسرحك الاخلاقي تشغله فقط الحقوق والمبادئ العالمية عندئذ انت اما "تؤمن" بها او "لا تؤمن"، وهناك افتراض طبيعي بانك اذا كنت حقا تؤمن، فان الأقوى هو الأفضل. يجدر الانتباه هنا ان فضيلة التواضع غير المألوفة يمكن ان تكون في تضاد مع هذا. الباحثة (كاثي ماسون) ربطت فضيلة التواضع بالتطور الاخلاقي. هي لاحظت ان التحدث لشخص متواضع "طالما هو لا يهتم بكونه متفوقا نسبيا، هو يُحتمل ان يكون اقل اشتراكا في القوالب النمطية الخبيثة حول ما يجب ان يعلّمنا اياه الآخرون. الاستماع الجيد لشخص ما يستلزم الاعتقاد بان المتكلم ربما لديه ما يريد قوله لنا، وانه ربما يعرف بعض الاشياء التي لا نعرفها نحن"(1). التواضع هنا لا يعني نقص الثقة، او عدم القدرة للدفاع عن رؤية اخلاقية معينة، انه يستلزم فعلا تبنّي جاد للوصول الى الحقيقة دون اعتبار للمكانة الشخصية.

هناك ايضا مشكلة أعمق في التأكيد على الحقوق. انها صورة تشجع الرؤية للافراد كمراكز ذاتية منعزلة ومهددة .الحقوق تصبح دعامة للفرد من تدخّل العالم الخارجي. ان السرد الذي تحتل فيه الحقوق مركز الصدارة يدفعنا نحو افكار الانجاز الفردي من خلال تحقيق الذات والأصالة التي يجب ان تعمل ضد الضغوط التي نواجهها حولنا من العالم الاجتماعي . نعتقد ان هذا، اتجاه أحادي الجانب. كما سنرى، اتجاه الفضيلة يتخذ منظورا اجتماعيا اساسيا حول وجود الانسان.

بالنسبة الى اولئك الذين ليست لديهم تجربة بالفلسفة الاكاديمية، ربما تبدو كلمة "فضيلة" موضة قديمة الطراز وحتى متزمتة. غير اننا، منذ ان كتبت (اليزابيث انسكوم )عام 1958 ورقة هامة اصبحت اخلاق الفضيلة احدى التقاليد المسيطرة في الفلسفة الاخلاقية.(2) هي تجادل انه بدون الافتراضات الدينية للثقافة المسيحية، فان الفضائل الاخلاقية لأرسطو تبدو اكثر ملائمة من التقاليد المنافسة المتشربة بالافتراضات المسيحية الميتافيزيقية. اخلاق الفضيلة هي نهج شمولي يأخذ الكائن البشري كنقطة بداية بعواطف وعقل والذي عليه اتخاذ قرارات ملموسة في حياته، وانها توفر اطارا مقنعا لعمل معنى لكل هذا. وبدلا من ذوات خاصة تتخذ قرارات اما خاطئة اخلاقيا او صحيحة اخلاقيا، فان التركيز في اخلاق الفضيلة هو على الشخصية وهذه هي شيء يمكن تطويره. اخلاق الفضيلة هي بالتأكيد موضوع كبير، لذا سنركز هنا على ثلاثة مجالات.

اولا، العادات

بالنسبة لاتجاه الفضيلة، تتعلق الاخلاق كثيرا بالعادات في اتباع قرارات اخلاقية طوعية. لكي نكتسب الفضيلة هي، من بين اشياء اخرى، ان نطور العادات الملائمة، ولا وجود هناك لتمييز حاد بين العادات الاخلاقية والعادات غير الاخلاقية. الخاصية الهامة لاتجاه الفضيلة هي ان الاخلاق ليس فيها قسم خاص للحياة . (تكشف الكاتبة بان ارسطو وافلاطون يشيران مرارا وتكرارا في نقاشاتهم للاخلاق الى أمثلة عن المهن وبدون ملائمة أخلاقية واضحة، مثل الاسكافيون والرماة والمصارعون والنجارون). انه من الصعب رسم حد فاصل و واضح بين الاثنين، عادات التفكير مثل الانتباه الى التفاصيل، الدقة وتقييم الدليل، رغم انها ليست واضحة اخلاقيا لكن يمكن القول ان فيها بعد اخلاقي. بالنسبة للسلوكيات المتكررة التي تشكل الكثير من حياتنا، يسمح لنا الدليل التلقائي للعادة بتجاوز عملية إتخاذ القرارات الواعية . العادات يمكن ان تسود عندما لا يجب ذلك، عندما على سبيل المثال انت تجد نفسك تسوق سيارتك للعمل في نهاية الاسبوع بسبب انك في نفس الطريق الذي تسلكه في يوم العمل. الخاصية الاساسية للفكر المعتاد والسلوك هو انه سهل وطبيعي، ويمكن تجسيده في حياتك ومن الصعب تجاوزه. هذه الخاصية الأخيرة يمكن ان تكون ذات فائدة هامة، قد يجد البعض، مثلا، من المستحيل الذهاب للنوم في الليل بدون تنظيف اسنانهم. ولكن من المهم، ان العادات لاتظهر بسرعة، انها تأخذ وقتا لكي تتطور. في بداية حياتنا، من المألوف ان يكون آباؤنا مسؤولين عن غرس العادات الجيدة، ولكن من الخطأ الافتراض ان هناك نقطة في البلوغ تتوقف عندها هذه العملية. نحن نستطيع الاستمرار في العمل بعاداتنا تماما كما لو كنا نكتسب مهارات جديدة مثل عزف الموسيقى او المشاركة في فعالية رياضية جديدة. العديد من السلوكيات السخيفة، تنتج عادة عن عادات سيئة.هذه ليست بالضرورة قرارات واعية للتصرف بدون اعتبار للاخرين، او لامبالاة . لذا فان العادات الجيدة، هي عنصر مهم للحياة الاخلاقية ولم يُعترف بها بما يكفي من جانب المنظورات الاخلاقية الاخرى.

ثانيا، الحكم الجيد

ان فكرة الحكم الجيد (الحكمة العملية لأرسطو) اُعطيت دورا مركزيا. تقليديا الاخلاق تضع المبدأ الاخلاقي في مركز الصدارة وتطبيق هذا اُعطي مكانة ثانوية، انها اعتُبرت تقريبا كعملية ميكانيكية. تماما مثل الهندسة، على سبيل المثال، حالما تُعرف معادلة مساحة المثلث، سيكون الحساب سهلا لو عرفنا القيم الملائمة للمثلث المعين في السؤال. معرفة المعادلة هي الجزء المهم. اتجاه الفضيلة يعترف بان الاخلاق ليست هكذا ابدا. معرفة المبادئ الاخلاقية يمكن ان تكون عامة ومجردة وهناك فجوة كبيرة بين هذه المعرفة والافعال التي يُفترض ان تُتبع. مثلا، حبّك للجيران كحبك لنفسك، رغم انه شيء رائع، لكنه حقا لا يقول لنا كثيرا عن الافعال المحددة في ظروف معينة. هذه النقطة اثارها سارتر في مثاله الشهير عن الطالب الفرنسي في الحرب العالمية الثانية الذي كان عليه ان يقرر هل يلتحق بالمقاومة ام يبقى يعتني بامه المريضة(3).

الحكم الجيد هو القدرة على التقييم الحقيقي لموقف معين واتخاذ الخيار الصحيح في هذا الموقف. بالنهاية، حياة الانسان هي معقدة وفيها العديد من المتغيرات، بما فيها قدرات الفرد على عمل الأحكام. لو اردنا عمل مقارنة رياضية بين مباريتين لكرة القدم، فان المباريتين لا تتبعان ابدا نفس الطريقة ولذا فان لاعب القدم الجيد يجب ان يمتلك القدرة على عمل القرار الصحيح في موقف جديد. هناك ربما قواعد عامة للتكتيكات او الاستراتيجية ولكن حتى مع هذه المعرفة سنبقى نفتقر للقدرة على عمل القرار المطلوب في مواقف متفردة. التركيز على الحكم الجيد يضع اخلاق الفضيلة اقرب الى الأسبقيات القانونية منه الى القانون الأساسي. قانون الحالات لا يتطور من خلال وصفات عامة كبيرة وانما من خلال الحكم في حالات محددة تعمل لاحقا كسوابق لحالات المستقبل، والتي بدورها اما تتبع السوابق او، تنحرف بسبب اختلافات اساسية. الحكم الاخلاقي يتحسن في نفس الطريقة لأن حالات السوابق تصبح اكثر صقلا عندما تُواجه حالات جديدة مختلفة . لذا فان النقطة الاساسية هنا هي ان الحكم الجيد هو حساس للاختلاف في الظروف، وهو شيء عادة يتم تجاهله من جانب المُثل الاخلاقية العالمية، نحن دائما نقول ان الشيطان يكمن في التفاصيل. القرارات الاخلاقية لمعظمنا تتكون في الواقع من أحكام فردية حساسة لظروف معينة بدلا من اتّباع مباشر لقائمة من التوصيات الاخلاقية. هنا اخلاق الفضيلة تعكس فقط الكيفية التي تُعاش بها الحياة. وبدلا من المبادئ الاخلاقية، فان المواد الخام لعملية تطوير الحكم الجيد هي فضائل معينة مثل الصبر، الكرم، التواضع، اللطف وما شابه. هذه بذاتها خصائص مفتوحة النهايات، نحن فقط من خلال عملية طويلة من تعلّم كيفية تطبيق هذه الافكار في ظروف معينة سنستطيع القول اننا اكتسبنا مثل هذه الفضائل كصفات شخصية. عملية التعلّم هذه تحدث من خلال نماذج الدور، الاستشارة الجيدة، التجربة والخطأ والتفكير النقدي. وهكذا، كما في العادات، الحكم هو شيء ما نستطيع الاستمرار في تحسينه طوال حياتنا.

ثالثا، المصلحة الذاتية

 ان أخلاق الفضيلة تعطينا فكرة واسعة ومعقدة عن المصلحة الذاتية. في الخيال الشعبي يُفترض عادة ان تكون المصلحة الذاتية عدو السلوك الأخلاقي: الأنانية سيئة، التضحية جيدة. نحن نرى التصرف لأسباب سخيفة مساوي لوضع مصلحتنا الذاتية قبل مصالح الآخرين، حتى عندما لا يرسخ العمل السخيف دائما المصلحة الذاتية . العديد من الدارسين افترضوا كونك مهتم بالمصلحة الذاتية يعني كونك سخيفا الى ان اشير لاحقا ان الدراسة لأجل الامتحانات يمكن وصفها كمصلحة ذاتية لكن من الصعب ان تكون سخيفة. الفلاسفة أعطوا نظريات توفّق بين المصلحة الذاتية و السلوك الاخلاقي – نظرية العقد الاجتماعي هي مثال رئيسي (انا اتصرف جيدا تجاه الآخرين بشرط انهم يتصرفون جيدا تجاهي). مع ذلك، الاخلاق الفاضلة تعطي كما يبدو ما هو اكثر اقناعا من هذه النظريات. ان تطوير العادات الجيدة اخلاقيا والحكم الجيد لا يتطلب وضع المصلحة الذاتية جانبا. بل العكس تماما، انه جزء اساسي من عيش حياة جيدة. ان غموض كلمة "جيد" هنا هو امر هام. لأنه بالنسبة للاخلاقي الفاضل، الحياة الجيدة اخلاقيا هي الحياة التي هي ايضا جيدة بمعنى كونها حياة مقنعة. ولكي تعيش حياة مرضية او مقنعة هو بالتأكيد لمصلحتنا الذاتية. الافتراض الهام الذي يدعم هذه الحجة هو الطبيعة الاجتماعية الجوهرية للوجود الانساني. اخلاق الفضيلة يمكن ولدرجة كبيرة ان تهدم الذات اثناء الصراع مع الآخر من خلال الافتراض بان حياتنا افضل ما تُعاش هي ضمن جماعة مستقرة عبر فترة من الزمن، وحيث تتحد المصلحة الذاتية مع مصلحة الآخرين . هذه الجماعات لكي تكون دائمة، كلا المصلحتين تعتمدان على سلوك فاضل للناس المقيمين وفي نفس الوقت يوفر مجالا للمقيمين لتطوير هذه الفضائل. هناك احساس واضح تكون فيه الفضائل الساندة اجتماعيا مثل الصبر والكرم والمودة، هي مصلحة ذاتية. الكائن البشري يميل للشعور والتصرف بايجابية اكثر تجاه الافراد الذين يعرضون هذه الفضائل قياسا بمنْ يفتقرون لها . لكن هناك معنى أعمق تكون فيه الفضائل جيدة لنا. الفيلسوف الاسكتلندي ألسدير ماكنتاير يطرح الفرق بين ما يسميه خيرات خارجية وخيرات داخلية. لكي يوضح هذا الفرق، هو يتصور طفلا ذكيا يرغب لعب الشطرنج بوسائل من مكافأة الحلويات. حالما يتعلم الطفل اللعبة، يُعطى مكافأة اخرى في كل مرة يربح بها . اصبح واضحا ان الفوز دائما ممكن مع انه ليس سهلا. ماكنتري يلاحظ انه طالما الحلوى هي المحفز الاكبر فهناك إغراء واضح للخداع. ولكن، هو يقترح وبشكل مقبول ان وقتا سيتم الوصول اليه عندما يبدأ الطفل التمتع بالمهارة التي يطورها لأجل ذاتها. هو يقول، "لذا نحن ربما نأمل، سيأتي وقت عندما يجد الطفل في تلك الخيرات الخاصة بالشطرنج، بالإمكان استخدامها في انجاز نوع معين من المهارات التحليلية، وفي الخيال الاستراتيجي والمزايا التنافسية، ومجموعة جديدة من الأسباب، وهي الان اسباب ليست فقط للفوز في مناسبة معينة وانما لمحاولة التفوق في كل ما يمكن ان تتطلبه لعبة الشطرنج"(4). وعلى خلاف الحلوى التي تعمل فقط كخير خارجي، ماكنتري هنا يحدد الخيرات الداخلية التي يمكن الحصول عليها من لعب الشطرنج. (السلسلة الاخيرة من دراما Queens Gambit توضح مثال ماكنتري بوضوح، لأنه على الرغم من ان الصفة المركزية الواضحة هي ان لعبة الشطرنج للفوز بالنقود – خير خارجي- لكن المشاركة في اللعبة ذاتها هي مصدر الإنجاز والقناعة العميقة – الخير الداخلي). الشطرنج هو فقط مثال لما يصفه ماكنتري كممارسة، أي، " شكل متماسك ومعقد للفعالية الانسانية التعاونية المتأسسة اجتماعيا"، وكما في اي ممارسة نحن نستطيع تحسين الآداء من خلال اكتساب العادات الصحيحة، والفضائل الملائمة والحكم الجيد. (5). وهكذا فان الخير الجيد للحياة الانسانية ليس الخير الخارجي، رغم ان هذا لا يمكن تجاهله، وانما هو الخير الداخلي للانخراط بالممارسات. لكي يكون هناك انجاز عميق ومستمر، فان القناعة والمهنية في المشاركة، في "فعالية انسانية تعاونية مؤسسة اجتماعيا" لا يمكن بلوغها بالمكافأة المادية. وان الانخراط في الجماعة هو الممارسة التي يجب ان نكون فيها بدرجة ما دائما مهنيين . هذا يقودنا لفكرة ان هناك شيء كونه خيّر في الحياة، والحياة نعني بها القدرة لنعيش بانسجام مع الاخرين ضمن جالية. لكن مثل اي مشاركة عند الممارسة يجب النظر اليها كمشروع يترك مجالا للتحسن المستمر. هناك اذاً فن للحياة اكثر من مجرد تعاقب لخيارات حرة دون ربان كما تفترض الليبرالية احيانا. وفي مقابل فكرة الحياة الاخلاقية كجمود عند مبادئ معينة دون ان تتأثر بالمصلحة الذاتية، يتم تصور الاخلاق كمشروع طويل الأمد لتطور الشخصية ضمن الجالية، والذي يرتكز على اكتساب العادات الجيدة والحكم الجيد المرتبطان بالفضيلة، وهذا كثير منه يصب في مصلحتنا الذاتية. المشاركة في الجالية لا تعني الوسيلة لهدف السلام والأمن للفرد، كما يفترض ذلك العقد الاجتماعي، انها جزء أساسي من الازدهار الانساني ذاته.

هناك طريقتان يمكن ان يكون فيهما فهم الاخلاق الفاضلة لفائدة الحياة المفعمة.

1- على المستوى الشخصي انه يزود انموذجا معقدا في كيفية ايجاد معنى للحياة كمشروع يتطلب جهدا وانخراطا في الممارسة ولكن يمكن ان يقود لإنجاز أعمق يتجاوز رأسمالية المستهلك ومزاعم الهوية. انه انموذج للحياة الاخلاقية التي هي جيدة بصفة عامة وجيدة لك ايضا. في الغرب هناك نزعة لإعطاء قيمة عالية للفطري"الموهبة" التي اما تمتلكها انت ام لا. (هذا يفسر لماذا أطفال شرق اسيا يعملون جيدا في الرياضيات، هم لا يضعون مثل هذا الافتراض). الاخلاق الفاضلة تعمل ضد هذه النزعة. (قيل ان كتاب الاخلاق النيقوماخية لأرسطو هو أعظم كتاب في المساعدة الذاتية).

2- وعلى نطاق أوسع، فهم الاخلاق الفاضلة يزودنا بفهم أعمق للمجتمع الجيد. ان وضع البناء السياسي والاقتصادي الصحيح ربما هو شرط اساسي لكنه بالتأكيد غير كاف للمجتمع. ثقافة الفضيلة هي ايضا مطلوبة. وبمعنى آخر، نحن نرى ان وضع الهياكل السياسية والاقتصادية في المكان الملائم يتطلب وجود شخصيات فاضلة.

أحد الانتقادات لنظرية الفضيلة هي انها تنطوي على نوعها الخاص للنسبية بمعنى لا وجود هناك لمجموعة من الفضائل يمكن اعتبارها المجموعة الصحيحة، وانه من الممكن بناء ظروف تتصارع فيها الفضائل . فضائل اليونان القديمة سوف لن تكون نفس فضائل كونفشيوس او المسيحية، رغم ان هناك مقدار اكبر للتلاقي منه الى الاختلاف. نحن لا نسعى بالنهاية لتحديد مجموعة واحدة للفضائل الصحيحة، وفي اية حال، هناك بعض الفضائل المركزية التي هي بالتأكيد بحاجة للتطوير في أي حياة جيدة، وهو النقاش الذي نحن بحاجة له .

فضائل اللطف، الصبر، العدالة، التواضع، الشجاعة، ربما تبدو واضحة للعديد من الناس، ولكن وصف لماهية الفضائل، كيف يمكن تطويرها، وكيف يمكن ان تساعد المرء ليعيش حياة أفضل لازال بعيدا عن الوضوح لدى الطلاب .

Why we need virtue Ethics, 3 Quarks/science Arts Philosophy,1 march 2021

 

حاتم حميد محسن

...................

الهوامش

(1) ماسون، 2020، التواضع والتطور الاخلاقي. مجلة الاخلاق والفلسفة الاجتماعية. مجلد 17، عدد 1،

مارس. ص71.

(2) Anscombe، E. 1958. الفلسفة الاخلاقية الحديثة: مجلة المعهد الملكي للفلسفة. مجلد 33، عدد 124(جنوري، 1958)، ص 1- 19.

(3) سارتر، 1948. الوجودية والانسانية. لندن، Methuen. ص 36.

(4) MacIntyre,A، 1981. بعد الفضيلة. لندن: Duckworth.ص 188.

(5) المصدر السابق. ص187.

 

علي محمد اليوسف(1) الكلمة والخطاب

الكلمة مفردة لغوية لا تكون صادقة أو كاذبة إلا إذا وردت ضمن سياق نظامي لغوي متماسك الدلالة في التعبير عن معنى أو لامعنى. المفردة اللغوية المعبّرة عن معنى شيئيء بالتمام منفردة تكون تعبيرا عن بديهية إدراكية تختلف عن المفردة المجازية التجريدية التي ترد ضمن خطاب لغوي مكوّنا من عبارات وجمل عديدة فهي لا تعبّر عن معنى الا ضمن سياقها في جملة لغوية. وأخرج فينجشتين كل مفردة لا يكون معناها في خطاب دلالي تعبيري يسير في مجرى الحياة وبخلافه إعتبرها ملفوظا بلا معنى يكون الصمت أفضل منه.

وإذا ما كانت العبارة أو الجملة ضمن خطاب نسقي أو كليّة بنيوية لغوية تستوعب محمولاتها من المعنى بإنتظام الكلمات المفردة في سياق ترصيفي لغوي هادف، فيكون هنا معنا الحال أن الخطاب الذي بين أيدينا هو خطاب تداولي تقليدي يتداخل جدليا مع الحياة في كل تقلباتها وتغيراتها ويدخل في محاورة مباشرة مع القاريء المتلقي.. وبالعكس لا يمكن تشكيل خطاب يحمل معنى في ترصيف الكلمات والجمل في عشوائية غير منتظمة خارج قواعد لغوية.

أما في حال نسعى أن يكون خطاب اللغة هو بنية نسقية تراعي الانتظام داخليا في بنية مكتفية بذاتها بمعزل عن دفق وحيوية الواقع بل تتشكل في موازاته هنا يكون الخطاب اللغوي بنية ليس من شأنها التداخل الواقعي جدليا مع الخارج بل يبقى هاجسها الاول تحقيق الاكتفاء الذاتي الفلسفي القائم على تجريد نظام اللغة من قصدية هادفة تخرجها عما هي عليه من خصائص لغوية فقط. وهو ما تشتغل عليه فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات في التاويلية والتفكيكية والتحليلية والتوليدية والسلوكية في رعايتهم البذرة الاولى التي بذرها دي سوسير منذ بداية القرن العشرين في أن دور اللغة أن تكون وسيطا تواصليا بين البشر إنتهت عصوره. فالمهم أصبح التفتيش عن فائض المعنى في اللغة أكثر من أهمية التفتيش عن فائض معنى الوجود والحياة بين البشر.

الاهمية البالغة لفلسفة اللغة وعلوم اللسانيات التي فتحت فضاءات فلسفية تجديدية إلا أنها سلكت منحى متطرفا جعل منها بنية كليّة نظامية لغوية صرف سارت فلسفيا في موازاة واقع الحياة...وحسب التفريق الارسطي في مقال له عن التاويل اللغوي يكون للاسم المفردة النحوية معنى، وللعقل فضلا عن إنطوائه على معنى يشير لزمن. يعتبر هذا الربط الارسطي في زمن ماض سحيق بين اللغة والزمان فتحا عبقريا في حينه. الاسم كمفردة نحوية لغوية هو دلالة كافيّة في التعبير عن أصالة حقيقية شيئية زمنية موحدة. عندما نقول لفظة اسم قلم مثلا فنحن نفهم شيئا ماديا متحققا وجوده الانطولوجي، والاكثر أهمية أن إسم القلم يؤكد وجود الشيء في دلالة ثابتة لا يحدها الزمن ولا يؤكد وجودها زمنا ايضا باستثناء حالة إدراكها زمكانيا..

على العكس من لفظة فعل مثل (ركض، يركض، سأركض) فهنا اللفظة تدل على القيام بحركة أو عمل معين مقصود لكنما يداخله الزمن الذي هو زمن حدوث الفعل، ركض تفيد الزمن الماضي، ويركض تفيد الزمن الحاضر، وسأركض تفيد زمن فعل الركض مستقبلا.

وحول الشفرة اللغوية يشير بول ريكور الى "ان الشفرة اللغوية التي نعرفها بوصفها لغات متعددة متكلمة، تتكلمها جماعات لغوية مختلفة، عليه لا تعني اللغة هنا القدرة على التحدث بل تشير الى البنية الخاصة للنسق اللغوي الخاص".

نفهم من هذا الاقتباس عن ريكور أن النسق اللغوي الخاص بمجتمع معين هو المعوّل عليه أن تكون فعاليته ليس في القدرة على التحدث، وإنما الفعالية الحقيقية في البنية النسقية الخاصة بها كلغة تهم مجموعة بشرية لاغيرها، تتكلم بها، وليس هذا من الإهمية الكبيرة التي يكون فيها الخطاب قائما.

تعميق هذا التوجه نجده ايضا في تعبير ريكور " انجازات علم اللغة التي تسعى الى حل اشكالية الخطاب أنها تهتم باللغة كبنية ونسق وليس من حيث هي مستعملة كوظيفة تواصلية ".

أي ليس من حيث الخطاب اللغوي وسيلة تواصلية في التعبير عن فهم العالم من حولنا والوجود المركزي للانسان فيه بمجمل قضاياه. فالموضوع يكون ملزما للغة التعبير عن معنى دلالته الوجودية، وإلا أصبحت اللغة ليست وسيلة إستدلال معرفي برقابة الادراك العقلي. أثبتت الدراسات اللسانية الى حقيقة الللغة ملكة فطرية مشّفرة، وتكتسب صفة السلوك النفسي اللغوي بمرور الوقت.

(2) الوعي والجوهر

لم أجد أبلغ من تعبير سارتر قوله " جوهر الانسان أن يكون بلا جوهر".

ثمة أمور تخص علاقة الوعي بالجوهر أعرض لبعضها:

- أهم انجاز يسجل في تاريخ الفلسفة لاسبينوزا أنه عكس الخطأ المتداول أننا ندرك الجوهر بدلالة الوجود الى عكسه أننا ندرك الوجود بدلالة الجوهر. هذا الخطأ ألذي يرى إدراكنا الجوهر بدلالة الوجود الذي قام اسبينوزا تصحيحه كان يتردد في مباحث تاريخ الفلسفة على إمتداد قرون طويلة معتقدين أن وجود شيء مادي يحتوي جوهرا لا يمكننا إدراكه ولا يمكننا التأكد من عدم وجوده، فقال العكس الذي لم ينتبه اليه أحد قوله : اننا نعرف الوجود بدلالة الجوهر.

- إعتبر سبينوزا الجوهر كلّي شامل لا يمكن تجزئته وهو خالق غير مخلوق بعكس الوجود (الطبيعة) فهو مخلوق وليس خالق. لذا نحن ندرك الطبيعة في موجوداتها المادية وفي علاقاتها الموجودية وظواهرها ولا ندرك الجوهر في موجوديته التي لا نستطيع توكيده لا حدسا ولا إدراكا..

- مبدأ وحدة الوجود مشكوك البرهنة على صحته في إعتبارنا الجوهر الخالق التام الكلي الشمولي لا يمكن تجزئته الى جواهر موزعة في موجودات الطبيعة والاشياء، وخطورة ذلك أن إدراكنا لجوهر جزئي مادي تنسحب نفس آلية إدراكه على معرفة الجوهر الكلي (الله) الذي من المحال إدراكه لا بالصفات ولا بالماهية الجوهرية. ربما من باب الإفتراض يتسّنى لنا إدراك جواهر موجودات الوجود لكننا نكون عاجزين إدراك الجوهر الكلي الخالق لها حسب المفهوم اللاهوتي الذي هو الله الجوهر الكامل.

أجد أن علاقة الجوهر بالوجود علاقة مصطنعة مفتعلة لا حقيقة لها بدليل أن جميع مدركاتنا التي نعرف بها صفات الاشياء الخارجية فقط لا يقودنا هذا لمعرفة جواهر تحتويها الاشياء إفتراضا. الوجود بجميع موجوداته المادية ليست جواهر نستدل عليها بموجوديتها في المادة أو في المواضيع. الوجود بموجوداته هي صفات خارجية يدركها الانسان خالية من أي جوهر خفي تحتجبه الصفات خلفها. فهمنا الصفات الماهوية الاستبطانية للانسان هي جوهره التي غالبا ما نعبّر عنها بالماهية أو بالضمير او بالحب او بالسلوك الاخلاقي وغير ذلك متجاهلين عبارة سارتر جوهر الانسان الحقيقي انه بلا جوهر. ما يصنعه الانسان من سمات خصائصية إنفرادية تمّيز شخصية فرد عن آخر هي بناء صفات له مستمدة من السلوك الإنفرادي للشخص في تمايزه ضمن مجتمع.

البحث عن جوهر إنساني غير موجود يشبه البحث عن جوهر إفتراضي لا نمتلك معرفة أين يكون ولا كيف نستدل عليه؟ لذا يكون الجوهر والبحث عنه يمثل أعلى درجات تغييب التفكير العقلي وإشغاله بميتافيزيقا محال التحقق منها.

(3) الوعي الذاتي

وضع هوبز فيلسوف عصر النهضة "النزعة الآلية في الإمتداد وأضاف جوهرا آخر للمادة هو التفكير لكي يفسح بالمجال للوعي الانساني بالحضور ". وجعل من هذين الميزتين للجوهر يعتمدان على الله. ولا علاقة لجوهر الوعي بخصائص تمتلكها المادة ولا يستطيع الوعي المجرد إمتلاكها. والمادة والوعي ليسا جوهرين بمعنى الإستقلالية الإنفصالية في عملية الإدراك بل مستّقلين في دلالة عملية الإدراك العقلي بمجملها..

التساؤل المبني على هذا الإجتزاء عن هوبز هو هل التفكير خاصّية آلية في المادة؟ أي هل المادة تمنح الوعي الذاتي نوعا من الإدراك؟ والوعي جوهر لا مادي بمعنى عدم تعيّنه الانطولوجي بمحدودية مواصفات المادة (الطول، العرض، الارتفاع، والزمن) بل الوعي هو حلقة توسيل وظيفي في عملية الإدراك العقلي للاشياء والمواضيع، والوعي المرتبط وظيفيا بالعقل لا يصبح موضوعا مستقلا لإدراك العقل ذاته كون الوعي تجريدا مرتبطا بتجريد العقل للفكر... وحينما يعي الوعي ذاته، فهو يكوّن الصورة التعبيرية الثابتة الثانية المطابقة أنه وعي العقل لكينونته الفيزيائية.*

صفة الحركة والإمتداد هي صفة المادة المدركة من موجودات العالم الخارجي، والوعي هو جزء إدراكي لمثل هذه المدركات، والوعي الذاتي والوعي الخارجي هما خاصية واحدة ترتبط بتفكير العقل ولا فرق بين وعي داخلي ولا وعي خارجي سوى بإختلاف نوع موضوع الإدراك ماديا خارجيا أم داخليا خياليا.

إعتبر سبينوزا شخصنة الخالق في جوهر وجوده في وحدة موجوداته الطبيعية وبذا يكون إكتسب صفتي المادة بالحركة والامتداد، فتصبح الصفات الإعجازية الموزّعة في الطبيعة على موجوداته دلالة مدركة عليه تسري عليها قوانين الطبيعة ولا تمتلك تلك الموجودات قوانينها الخاصة بها..

هل الوعي يمتلك ماهية تنوب عن العقل في تمثله الاشياء تجريديا بالفكر واللغة؟ الجواب على هذا التساؤل أن ماهية الوعي هي تمثيل أمين مستمد من ماهية العقل غير الفيزيائية. لماذا إستدركنا وقلنا ماهية العقل غير الفيزيائية؟ ماهية العقل غير الفيزيائية كان عرّفها ديكارت هي خاصيّة تفكير العقل. وهنا يكون العقل تجريدا إدراكيا معرفيا يتبعه العديد من حلقات إدراكية غير فيزيائية ترتبط به مثل الوعي، الذهن، الذاكرة، المخيلة، الفكر، اللغة وهكذا جميع هذه المفردات تمّثل إدراكات إفصاحية تجريدية ترتبط بتجريد العقل. وإذا نحن إعتبرنا العقل فيزيائيا بمعنى أصبح ذلك العضو الوظيفي وتلك العجينة وزنها كيلو وربع التي تحتويها جمجمة الانسان والذي يمكننا بها إدراك جميع مكوناتها وتحديد أعمالها كاجزاء وظائفية عضوية يتشّكل منها العقل (الدماغ الذي يحتوي المخ والمخيخ والنخاع الشوكي وشبكة الاعصاب الناقلة والمستلمة)..

(4) اللغة مادة أم وعي؟

إعتبر ارسطو ماهيّة الانسان هي ليس بوصفه حيوانا عاقلا، فهذه صفة ليست حقيقية تماما ولا تمّثل ماهيّة الانسان الحقيقية علما أن الحيوان بلا ماهيّة ولا جوهر فهو يمتلك صفات خارجية ندركها فقط، كما إعتبر ارسطو ماهيّة الانسان هي ايضا بإمتلاكه خاصّية اللغة المقترنة بالتفكير الذكي.

المجمع عليه تقريبا بالفلسفة هو ماهيّة الانسان هي الجوهر الدفين الذي يتعّذر علينا إدراكه وبتعبير فينومينولوجي موجود بذاته "نومين". وجوهر الانسان بهذا المعنى هو تشكيل يتم تصنيعه ذاتيا من قبل الشخص الفرد مدى الحياة. لذا يكون جوهر الانسان خاصّية غير ثابتة لا يمكن إدراكها سوى من قبل حاملها. بينما تكون جواهر غير الانسان ثابتة لا تتطور ولا تتغيّر لأنه كما في الحيوان لا يمتلك وعي بناء ماهيّة جوهرية له كما يفعل الانسان في حياته، لذا تكون الصفات الخارجية والسلوكية للحيوان هي جوهره أو ماهيته. هنا نود تثبيت ملاحظاتنا عن الجوهر والصفات والوعي:

- لا يمكننا الجزم القاطع أن يمتلك الانسان ولا الحيوان جوهرا هو غير صفاته البيولوجية الطبيعة المدركة خارجيا. ولا توجد جواهر يمتلكها الانسان ولا أيّا من الكائنات الاخرى هي معطى جاهز يشّكل عضوا بايولوجيا أو صفاتيا او سلوكيا ناجزا يمتلكه الاحياء وغير الاحياء بالطبيعة.

- لقد شككت العديد من الفلسفات منها الماركسية أن يكون هناك ما يسمى جوهرا أو ماهية هي غير الصفات الخارجية التي ندركها. وهو نفس الرأي الذي أخذ به كانط وفلاسفة الوجودية.

- الجوهرفي الشيء حسب نظرية اسبينوزا لا يعرف بمرجعية وجوده الفيزيائي وهو خطأ سارت عليه الفلسفة قرونا طويلة، والصحيح الذي إفترضه سبينوزا أن الوجود المدرك يدرك بدلالة الجوهر اللامتناهي غير المدرك الذي هو الله.

هنا لا بد لنا من التطرق الى اشكالية تمس مفهوم الجوهر والماهية بالصميم إنفرد بها سارتر واعتبرها انضج وأقوى الآراء الفلسفية مصداقية ويمكنني إجمالها بالتالي:

- لا وجود لجوهر يكون خاصّية منفردة نوعية للانسان لكنها بنفس الوقت هي قسمة عادلة بين الانسان والحيوان وجميع موجودات الطبيعة أن الصفات المدركة خارجيا لكل شيء هي جوهره الماهوي.

- لم يناقش سارتر الرؤية الفلسفية التي تقول أن جوهر الانسان يختلف عن جوهر غيره من الكائنات مثل الحيوان، وركّز إهتمامه هل يمتلك الانسان جوهرا أو ماهية هي غير صفاته الخارجية المدركة أم لا يمتلك؟

- إعتبر سارتر ماهية أو جوهر الانسان هو عملية تصنيع ذاتي لبنية شخصية متمايزة عن غيرها، بمعنى الجوهر لا يمتلكه الانسان دفعة واحدة، بل يقوم بإنشائه بتراكم تجاربي معرفي خبراتي مدى الحياة. لكنه يبدو كان مترددا في حسم هذا الموضوع الفلسفي بما ادرجه دليل ذلك عبارته " جوهر الانسان الحقيقي أنه لا يمتلك جوهرا".

- الجوهر الانساني لا يكون موضوعا مدركا من غيره المشارك له بالنوع.

- الجوهر لا يمكن التحقق الادراكي من وجوده أوعدم وجوده لذا يكون قريبا من مبحث الميتافيزيقا.

مرت بنا عبارة لسارتر ليست عبقرية فلسفيا وحسب بل هي إقفال لمبحث فلسفي دام قرونا طويلة بلا معنى لخصّه سارتر قوله (جوهر الانسان أن يكون بلا جوهر). لمّا كان الفلاسفة عجزوا عن حسم مسالة نقاشية فلسفية رافقت تاريخ الفلسفة قرونا طويلة، فلا أقل من إعتبار عبارة سارتر هي المسّلمة الحقيقية الواجب إعتمادها ليس في الهروب من مواجهة حلها الى امام بل عن قناعة فلسفية صحيحة تماما في الخلاص من سفسطة فلسفية لا نتيجة ولا مخرج منها يشوبها الشك الفلسفي الملازم لها.

(5) الماهية او الجوهر الفلسفي

يرى جون لوك أن كل شيء بالوجود في الطبيعة من كائنات حّية هي متغيرة بالصفات والماهية ما عدا الله الذي خلق هذه الكائنات فهو ثابت غير مدرك الوجود والتعّين العقلي المحدود لنا.

الحقيقة الطبيعية في التغيير والسيرورة والتحولات ليست بحاجة كثير عناء لمعرفتها وإدراكها بعد إكتشاف الانسان لها قوانين طبيعية ثابتة تحكم الطبيعة والانسان وجميع الكائنات ولا تسري على الخالق الذي أوجدها، كوننا ندركها في الطبيعة ولا نستطيع تحقق إدراكها من عدمه في الله. فمحدودية الادراك العقلي للانسان تجعله عاجزا التمييز بين ما هو صفات غير مدركة بالخالق أو ماهيّة غير مدركة ايضا له.

لقد وضع جون لوك بلا قصدية منه اللبنات الاساسية التي أقام عليها فيما بعد داروين في القرن التاسع عشر وضع مؤلفه الشهير أصل الانواع. ويذهب بعض الفلاسفة الى إمكانية صياغة ماهيّات حقيقية للأعراض الصفاتية أو المدركة كما هو الحال معنا في علم الهندسة اننا نعرف ماهية المثلث من مجموع صفاته وهي ثلاثة اعضاء ومجموع زواياه 180 درجة، وكل تغيير يطرأ على هذه الصفات يفقد المثلث ماهيته الثابتة، ويمكننا التعميم أكثر في ثبات ماهيّة الحيوان المستخلصة من مجموع صفاته الخارجية الثابتة. لكن يوجد نقد فلسفي لهذه الأطروحة لا بأس من المرور السريع عليها.

توجد معلومة فلسفية تذهب الى أن مجموع خصائص أجزاء الكل لا تمّثل خاصيته الكليّة. وبرهان هذه المعلومة الفلسفية نجده في الفلسفة الماركسية في القانون الثاني من الجدلية المادية في تحول المتراكمات الكمية الى إستحداث طفرة هي حالة نوعية جديدة لا تشبه خصائصها خصائص مكونات أجزائها. فمثلا من صفات الاحجار في تراكمها الكمي لا تشكل سدا او لا تشكل حائطا، لكن عندما تتدخل الارادة الانسانية في ترصيف هذه الاحجار على وفق مواصفات غير كميّة عشوائية نستطيع بناء حائط من تلك الاحجار أو بناء سد حجري يقطع مجرى مائي مثلا فيكون الحجر لإكتسب صفة نوعية لم يكن يمتلكها وهي حجر متراكم فوق بعضه.

ويضرب جون لوك مثلا لا يسنده الى الماركسية التي ظهرت بعده قوله كل شيء في الوجود متغيّر ما عدا الله فهو ثابت، لذا نجد أن العشب الذي يقتاته الحيوان يتحول الى لحم ضأن نأكله. ويمضي لوك في مثاله قائلا الكلمة المفردة لا تفقد المعنى الحقيقي في الدلالة الشيئية المتطابقة معها، فكلمة عشب بقيت كما هي في دلالتها التي لم تفقدها حين تحوّلت الى لحم ضأن.

حسب مذهب لوك الفلسفي يمكننا القول أن ماهية الشيء كجوهر هو محصلة تجميعات فكرية عنه بالذهن.- هنا لدينا تحفظ لا مجال التقاطع معه بتفصيل هو الذهن ليس مستودع تجميع الافكار بل هو طريق مرور الانطباعات عبره الى الدماغ - الذهن حسب رؤية جون لوك يجعل من تكوينات صفات جزئية لشيء جوهرا خفيّا لذلك الشيء لا يدركه العقل كماهيّة. طبعا الإعتراض على مقولة جون لوك ليس فقط أن صفات الشيء المدركة لا تمّثل جوهر ذلك الشيء بإستثناء صفات الحيوان الخارجية بمجموعها تكون جوهرا لماهيته في تطابقها مع الصفات الخارجية المكونة لماهيته الحيوانية. بل الخطأ القاتل الاكبر أن الذهن الذي هو حلقة تجريد إدراكي معرفي لا يستطيع انتاج ماهيات وجواهر لاشياء لا يدركها العقل وهو محال.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

............................

* حين تعامل ديكارت في توصيفه العقل على أنه جوهرغير فيزيائي ماهيته التفكير، كان يعتبر العقل جوهرا تجريديا وغير عضوي ويمكن خلوده بعد موت الجسم. والحقيقة التي يتعامل معها الفلاسفة أن العقل سواء كعضو بيولوجي داخل جمجمة الانسان، هو نفس العقل غير الفيزيائي التجريدي، فكلاهما في الحالتين ينتجان الافكار التجريدية.

 

 

 

علي رسول الربيعيإذا كان من المهم التمييز بين تاريخ الفلسفة (ما فعله الفلاسفة) من تأريخ الفلسفة (ما يفعله مؤرخو الفلسفة) في سياق مناقشة قضية التفلسف وعلاقة الفلسفة مع تاريخها، فإنه من المهم بداية تقديم نظرة تصنيفية لتاريخ الفلسفة. هناك نظرتان مختلفتان لتاريخ. لدى مايكل فريد، في مقدمة مقالاته في الفلسفة القديمة، رواية توضح الطريقة التي دخلت بها دراسة الفلاسفة العظماء في الماضي في المناهج الفلسفية العامة في نهاية القرن الثامن عشر. وقال إن ذلك يعتمد على مفهوم تاريخ الفلسفة: حيث يتم عرض وفهم بعض الأسئلة التي تحدد المشروع الفلسفي بشكل أكثر وضوحا حتى تصبح إجابات هذه الأسئلة أكثر وضوحا، والتي ربما يكون من المفترض حتى أن هناك بعض من الآليات التي تضمن نوع من التقدم في تاريخ الفلسفة، لكي تكون مفهومة. أنظر:

Michael Frede, Essays in Ancient Philosophy (Oxford: Clarendon Press, 1987), p. XXV.

يقول فريد للأسف لا يزا، هذا المفهوم مؤثراً في بعض الأوساط ولا يزال الأعتقاد الخاطئ سارياً، وهو أنً الطريقة الصحيحة لفهم وتفسير فكر أرسطو كانت وستكون بمثابة خطوة حاسمة بأتجاه فهم الكانطية، أو أي نظام فلسفي لاحق قد نتبناه.

يمكن للمرء أن يستفيد من دراسة الفلاسفة العظماء في الماضي كنماذج تاريخية. لكن، وكما يؤكد فريد، أنه يختلف تمامًا عن دراسة تاريخ النصوص الفلسفية الذي تم إجراؤه بالطريقة التي يجب أو من المفترض أن يتم بها.

هناك معاني عديدة للفلسفة بأختلاف السن المتحدثين عنها، وهذا يسري على تاريخ الفلسفة الذي له ايضاً معاني مختلفة تعتمد على مايعتبره مؤرخ معين ضرورياً للفلسفة. كان هذا صحيحًا بالنسبة لأرسطو، الذي كان أول مؤرخ للفلسفة، وأيضا لهيجل، الذي كان يأمل في أن يكون الأخير. وكان لكل منهما وجهة نظر مختلفة نوعا ما عن طبيعة الفلسفة. لكن كلاهما، عندما شرحا آراء الفلاسفة السابقين - أرسطو في الميتافيزيقا مقالة الـ "ألفا"، وهيجل في محاضراته حول تاريخ الفلسفة - نظر لهما بوصفهما يمثلون خطوات بأتجاه رؤية كانوا يعتبرونها كانت غير مكتملة ومتعثرة.

هناك رأي عكس ذلك تماما، يقول، لا تزال جميع المشكلات الفلسفية الرئيسية موضع جدال بعد قرون من النقاش، وهي ليست أقرب في هذه المرحلة إلى أي حل نهائي. وأي شخص ينظر إلى الوراء عبر التاريخ الطويل للفلسفة لا بد أن يتساءل: هل تصل الفلسفة إلى أي مكان؟ هل تعلم الفلاسفة، رغم كل جهودهم على مر القرون، أي شيء؟ قارن فولتير علماء الميتافيزيقا بالراقصة الصغيرة التي تتحرك عبر غرفة في موقف رائع ورقيق، بحركة دائرية دائمة دون التقدم خطوة واحدة، وأنهم ينتهون عند النقطة نفسها التي انطلقتوا منها.

كتب فيتجنشتاين، في زمننا هذا:

تسمع دائمًا أن الناس يقولون إن الفلسفة لا تحقق أي تقدم وأن المشكلات الفلسفية نفسها التي كانت تشغل اليونانيين ما زالت تثيرأهتمامنا اليوم. لكن الناس الذين يقولون ذلك لا يفهمون السبب وراء ذلك. والسبب هو أن لغتنا ظلت على حالها ودائمًا ما تقودنا الى الأسئلة نفسها.. لقد قرأت الفلاسفة وهم ليسوا أقرب إلى معنى "الواقع" مما كان عليه أفلاطون.

Kenny, The Wittgenstein Reader (Oxford: Blackwell, I994), p. 2.73.

الفرق بين هذين الموقفين حول اللتقدم في الفلسفة - قد نسميها الأرسطي والآخر لفيتجنشتاين - يعبران عن رأين مختلفين حول اللفلسفة نفسها. الفلسفة هي تخصص غير عادي للغاية، يصعب تصنيفه. قد ينظر إليه كعلم، أو كفن.

اذا كان الفيلسوف، من ناحية، مثل العالم، هو بالتأكيد يسعى وراء الحقيقة. يبدو هناك اكتشافات تمت في سياق الفلسفة: أشياء معينة نفهمها لم يفهمها حتى أعظم فلاسفة الأجيال السابقة. وهكذا ينتمي الفيلسوف إلى عملية مستمرة، تعاونية، و تراكمية كما يفعل العالم؛ ويكون لدى الفيلسوف الطموح في أن يساهم في بناء صرح الفلسفة الكبير. وإذا كانت الفلسفة مثل العالم في هذا الصدد، فهناك التزام على الفيلسوف أن يستوفيه وهو القيام بمواكبة التفكير الجاري أو الحالي. وهذه مهمة ملحة، لأن مدة صلاحية مقال علمي تقدر بنحو خمس سنوات. وعليه تكون الفلسفة، من وجهة النظر هذه، مجال تراكمي يحل فيه العمل الحديث محل العمل السابق. لا شك أننا نقف على أكتاف الفلاسفة الآخرين والأكبر، لكننا نقف فوقهم.

يبدو للفلسفة، من ناحية أخرى، جاذبية الفنون والتخصصات الإنسانية. فبالتأكيد، الأعمال الفلسفية الكلاسيكية لا تنتهي بمرحلة تاريخية معينة، أنه تُقرأ مرة، ومثنى، وثلاث، ورباع،. بينما إذا كنا نريد أن نتعلم الفيزياء أو الكيمياء، فأننا لا نهتم لتاريخ هذا الحقل العلمي، إننا لا نقرأ هذه الأيام نيوتن أو فاراداي مثلا، في حين أننا في الأدب لانزال نقرأ هومر وشكسبير ليس فقط لمعرفة الأشياء الغريبة التي كانت في عقول الناس في تلك المناطق البعيدة وفي تلك الأيام . وينطبق الشيء نفسه على الفلسفة، فنحن نقرأ أفلاطون وأرسطو ليس فقط بروح من الفضول القديم كشئ أثري.

إن الفلسفة، من وجهة النظر هذه، هي أساسًا عبقرية، نتاج أفراد أستثنائين. فإذا رأى المرء أن الفلسفة في تاريخهاهي سلسلة من العقول الكبيرة، فليس هناك من معنى أن يحل كانط محل أفلاطون، أوأكثر يحل شكسبير محل هوميروس. يمكنك، طبقاً لهذا الرأي أن تدرس الفلسفة عن طريق قراءة ديموقريطس وكذلك عن طريق قراءة ديفدسون.

ليست الفلسفة علمًا، لأن التقدم في الفلسفة ليس مسألة توسيع المعرفة لاكتساب حقائق جديدة عن العالم. إنها مسألة فهم، بمعنى تنظيم ما هو معروف. نظرًا لأن الفلسفة مظلة شاملة لجميع المعارف، فهي كليًة في مجالها وتنظيم المعرفة التي يتطلبها هذا المجال أمر صعب للغاية لدرجة أن العبقري وحده هو الذي يستطيع القيام بذلك. لا يمكن إلا للعقل الاستثنائي أن يدرك تمامًا عواقب حجة أو استنتاج فلسفي أبسط. بالنسبة لنا جميعًا نحن المختصين والمهتمين في الفلسفة لسنا عباقرة، لذا فإن الطريقة الوحيدة التي يمكننا أن نأمل أن نتوصل بها إلى الأمساك بالفلسفة وفهمها هي الوصول إلى عقول بعض الفلاسفة العظماء في الماضي.

الفلسفة مثل العلوم الإنسانية، لها علاقة أساسية بالنصوص وأثار المؤلفين. ويتم تعريف الفلسفة كموضوع من قبل ممارسيها العظماء، لأنه لا يوجد لديها موضوع معين، ولكنها تمتلك الأساليب والمناهج المميزة. كان الناس الأولين الذين ندعوهم ونعترف بهم كفلاسفة، ما قبل سقراط، من العلماء، وكان العديد منهم أيضًا قادة دينيين. كان التمييز بين العلم والدين والفلسفة غير واضح في زمنهم، كما أصبح في القرون اللاحقة. كان هناك مرجل فكري، في القرن السادس، اختمرت فيه عناصر كل التخصصات المستقبلية. لقد نظر المؤمنون الدينيون والتلاميذ الفلسفيون وورثة العلم،في وقت لاحق، إلى هؤلاء المفكرين بوصفهم أسلاف لهم. لكن لم يفكر هؤلاء الفلاسفة في أنفسهم أنذاك على أنهم ينتمون إلى مهنة مشتركة يمكننا أن ندعي نحن الاستمرارية لها. كان أفلاطون هو الذي استخدم في كتاباته لأول مرة كلمة "فلسفة" في معنى قريب من معناه الحديث. يمكن لأولئك الذين نسميهم فلاسفة اليوم أن يدعوا بصدق أنهم ورثة أفلاطون وأرسطو. لكنهم يبقون مجموعة فرعية صغيرة من ورثتهم. أنهم ليس حاشية على أفلاطون. لكن كان أفلاطون الذي وضع جدول أعمالهم. ما يميزالفلاسفة في هذا الزمن عن الورثة الآخرين لليونانيين العظام، ومايخولهم استعمال اسمهم، على عكس الفيزيائيين والفلكيين والأطباء واللغويين، هو أنهم، أيً الفلاسفة، يتابعون أهداف أفلاطون وأرسطو بنفس المناهج التي كانت متاحة ومستعملة من قبل فلاسفة الأغريق هؤلاء بالفعل. وهذا هو السبب في أن التاريخ حميم للغاية مع الفلسفة، ولماذا الفلسفة مهمة جدا لمؤرخ الفلسفة.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

 

حاتم حميد محسنقديما ذكر سقراط ان الحياة الخالية من التفكير والاختبار لا تستحق ان تُعاش؟ فالحياة في نظره لابد ان تُختبر، ولكن ماذا يمكن ان يفعل الانسان في هذا الاختبار؟ سقراط ادرك ان الانسان هو اكثر من هذه الحياة القصيرة على الارض. فهو لديه روح ابدية، حيث يقرر مصيره الابدي من خلال الخيارات التي يقوم بها في هذه الحياة. ولكي تصبح افكارنا افعالا فلابد لهذه الافعال ان تشكل عاداتنا، وهذه العادات تصنع شخصيتنا الثابتة التي تذهب معنا للخلود. بدون الحكم على حياة الفرد وبدون المعرفة التي نكتسبها عبر الاختبار للافعال التي نقوم بها  فما الغاية من حياتنا اذا؟انها  بذلك سوف لن تختلف عن حياة الكائن الحيواني  وستنتهي الى العبث. تساؤلات سقراط  المُتقنة يمكن اعتبارها ركيزة وحلقة اساسية في التفكير النقدي المعاصر. اذ يمكن استخدام تلك التساؤلات في متابعة الفكر في عدة اتجاهات ولعدة اغراض، بما في ذلك استكشاف افكارا معقدة للوصول الى حقيقة الاشياء، وفي افتتاح القضايا والمشاكل، واماطة اللثام عن الافتراضات، وتحليل المفاهيم لغرض التمييز بين ما نعرف وما لانعرف، واتّباع المضامين المنطقية للتفكير.

المرحلة الاولى: مرحلة اللاتفكير

جميعنا وُلدنا دون ان نفكر، غير واعين اساسا بالدور الذي يلعبه التفكير في حياتنا. معظمنا يموت وهو على هذه الطريقة. في هذه المرحلة من اللاتفكير، لا يوجد لدينا تصوّر عما يعنيه التفكير. فمثلا، باعتبارنا غير مفكرين نحن لا نلاحظ اننا باستمرار نضع افتراضات، نكوّن مفاهيم، نطرح استنتاجات، ونفكر ضمن وجهات نظر. في هذه المرحلة، نحن لا نعرف كيف نحلل ونقيّم تفكيرنا. لا نعرف كيف نقرر ما اذا كانت اهدافنا قد صيغت بوضوح، وان افتراضتنا مبررة، واستنتاجاتنا طُرحت بطريقة منطقية . نحن غير واعين بالخصائص الفكرية ولذا لا نكافح لتجسيدها.

في هذه المرحلة، يقود التفكير السيء الى العديد من المشاكل في حياتنا، لكننا غير واعين بهذا. نحن نظن ان عقائدنا حقيقية. و قراراتنا صائبة.  نفتقر للمعايير الفكرية وليست لدينا فكرة عن ماهية هذه المعايير. نحن نفتقر للسمات الفكرية، ولا ندرك انا نفتقر لها . نحن وبلا وعي نخدع انفسنا بعدة طرق.  نخلق اوهاما سارة ونحافظ عليها . عقائدنا تبدو معقولة لنا، ولذا نحن نؤمن بها بثقة تامة.  نتحدث عن العالم ونحن واثقون ان  الاشياء هي حقا ما يبدو لنا. نحن نحكم على بعض الناس كـ "جيدين" وعلى آخرين بـ "السيئين".  نوافق على بعض الافعال. و لا نوافق على افعال اخرى.  نتخذ قرارات، نقوم برد فعل تجاه الناس، نسلك طريقتنا في الحياة، ولا نتسائل بجد عن التفكير الذي نقوم به ولا عن انعكاساته.

في هذه المرحلة، تلعب الميول لمصالحنا الذاتية  الدور الرئيسي في تفكيرنا، لكننا لا نقر بهذا. نحن نفتقر الى المهارات والتحفيز لكي نلاحظ كم نحن منحازون ومنقادون نحو مصالحنا الذاتية، وكم نحن نستنسخ الآخرين، وكم نتجاهل الافكار دون عقلانية لأننا لا نريد تغيير سلوكنا او طريقتنا المفضلة في النظر الى الاشياء.

المرحلة الثانية: مرحلة التحدي الفكري

هل نحن مستعدون لقبول التحدي؟

نحن لا نستطيع حل المشكلة التي لا وجود لها. لا نستطيع التعامل مع الظروف التي ننكرها. بدون معرفة جهلنا، لا نستطيع البحث عن المعرفة التي نفتقدها. بدون معرفة المهارات التي نحتاج تطويرها، فسوف لن نطور تلك المهارات .

عندما نصبح على وعي بان المفكرين "العاديين" عادة يفكرون بطريقة ناقصة وغير جيدة، سننتقل الى المرحلة الثانية من تطوير التفكير النقدي. سنبدأ بملاحظة اننا عادة:

- نستعمل افتراضات  مشكوك فيها

- نستعمل معلومات زائفة وناقصة ومضللة

- نعمل استدلالات لم تأت من الدليل الذي بحوزتنا

- نفشل في التسليم بوجود مضامين هامة في افكارنا

- نفشل في الاعتراف بالمشاكل التي بحوزتنا

- نكوّن  مفاهيم خاطئة

- نفكّر وفق وجهة نظر متحيزة

- نفكر بانانية وبطريقة لا عقلانية.

اننا ننتقل الى مرحلة "التحدي" حينما نصبح على وعي بالطريقة التي يرسم بها التفكير حياتنا، بما في ذلك الاعتراف ان سوء تفكيرنا يسبب مشاكل في حياتنا. نحن نبدأ بالإقرار ان التفكير السيء قد يكون مهددا للحياة، ربما يقود الى الموت او الى عجز دائم، فنؤذي بذلك الآخرين بالاضافة الى انفسنا. فمثلا، نحن ربما نتأمل التفكير في:

- الفرد الذي يماطل دائما ويؤجل الاشياء باستمرار

- المدير اللاعقلاني الذي لا يستطيع ادراك سبب عدم تصفيق العاملين له

- الفرد الغاضب عموما على العالم

- المراهق الذي يعتقد ان التدخين هو حالة من اتزان الشخصية

- المرأة التي تعتقد ان فحص الرحم غير هام

- صاحب الدراجة النارية الذي يظن ان ارتداء الخوذة يعيق الرؤية، ولذا من الآمان نبذ الخوذة عند السياقة

- الشخص الذي يعتقد بامكانية قيادته للسيارة وهو مخمور

- الشخص الذي يقرر الزواج من امرأة حمقاء اعتقادا منه انها ستتغير بعد الزواج.

نحن نُقر ايضا بالصعوبة التي يتطلبها "تحسين" تفكيرنا. فلو كنا في هذه المرحلة من التفكير، لابد من الإقرار بان مشكلة تغيير عاداتنا في التفكير هو تحدي هام يتطلب تغييرات مكثفة وصعبة في روتين حياتنا اليومي.

بعض الإشارات التي تنبئ ببروز الحالة التفكيرية هي:

- اننا نجد انفسنا نكافح في تحليل وتقييم افكارنا

-  نجد انفسنا  نعمل بتركيبات ذهنية تخلق التفكير،او تجعل هناك امكانية للتفكير مثل: المفاهيم، الافتراضات، الاستدلالات، المضامين، وجهات النظر

- اننا نجد انفسنا نفكر في القدرات والمزايا التي تجعل التفكير سليما - الوضوح، الدقة،   الصلة،الضبط ، المنطق – مع اننا ربما لدينا فقط معرفة اولية بكيفية تحقيق هذه القدرات

- اننا نجد انفسنا مهتمّين بدور الخداع الذاتي في التفكير، رغم ان فهمنا  "مجرد" واننا ربما غير قادرين على اعطاء عدة امثلة من حياتنا الخاصة.

في هذه المرحلة من التطور، هناك خطر معين وهو خداع الذات. العديد من الناس يرفضون قبول الطبيعة الحقيقية للتحدي – التحدي المتمثل بان  تفكيرنا الخاص يمثل مشلكة حقيقية وهامة في حياتنا. لو كان احدنا يفعل كما يفعل العديد من الناس، فانه سوف يعود الى مرحلة اللاتفكير. تجربته في التفكير بشأن تفكيره ستتآكل. عاداته الاعتيادية في التفكير ستبقى كما هي. على سبيل المثال، ربما يجد نفسه يتأمل وفق الطريقة التالية:

تفكيري ليس سيئا. في الحقيقة، انا كنت افكر جيدا لفترة ما. انا اتسائل عن كثير من الاشياء. انا غير منحاز او متعصب. الى جانب ذلك، انا نقدي جدا . وانا غير منخدع ذاتيا كما هو حال معظم الناس الذين اعرفهم.

اذا كان احدنا يفكر بهذه الطريقة، فهو سوف لن يكون وحيدا. انه سوف يرتبط بالاغلبية. النظرة – "اذا كان كل شخص يفكر كتفكيري، فان العالم سيكون رائعا" – هي النظرة المسيطرة. اولئك الذين يشتركون بهذه الرؤية يتراوحون من ذوي التعليم الضعيف الى ذوي التعليم العالي. لا يوجد دليل للقول ان التعليم المدرسي يرتبط بالتفكير الانساني. في الحقيقة، العديد من الخريجين هم مغرورين فكريا نتيجة لتعليمهم المدرسي. هناك اناس غير مفكرين لم يتجاوزوا التعليم الابتدائي، ولكن هناك ايضا من اكملوا دراستهم العليا، الناس اللامفكرون موجودون في الطبقة العليا والوسطى والسفلى من المجتمع. يدخل ضمنهم السايكولوجيون وعلماء الاجتماع والفلاسفة والرياضيين والاطباء والقضاة والمحامون واعضاء مجالس النواب والناس من مختلف المهن.

باختصار، غياب التواضع الفكري هو شائع في كل الطبقات، في جميع مناحي الحياة وفي كل الاعمار. يتبع ذلك ان المقاومة السلبية او النشطة لتحدي التفكير النقدي هي الشائعة، وليست حالة نادرة. وسواء كانت بشكل استهجان او عداء صريح، فان معظم الناس يرفضون تحدي التفكير النقدي. وهذا هو السبب في ان يكون البحث عن الذات امرا هاما في هذه المرحلة من العملية.

المرحلة الثالثة: التفكير الابتدائي

هل نرغب في ان نبدأ؟

عندما يقرر الفرد بحماس قبول التحدي في النمو والتطور الفكري، فانه سيدخل مرحلة نسميها "المفكر المبتدئ". هذه المرحلة من التفكير يبدأ فيها التفكير الجدي. هي مرحلة استعداد قبل ان يحصل الفرد على قيادة وسيطرة واضحة في التفكير. انها مرحلة بدء الادراك . هي تطوير قوة الارادة. انها ليست مرحلة من اللوم الذاتي، وانما  هي بروز الوعي. هي مشابهة للمرحلة التي يعترف فيها الفرد المدمن على الخمر ويقبل تماما حقيقة انه مدمن. لو تصوّرنا المدمن حين يقول "انا مدمن، وانا فقط المسؤول عن ادماني". كذلك يمكن لأحدنا القول "انا مفكر ضعيف ومشاكس وانا فقط المسؤول عن نفسي ".

حالما يعترف الناس انهم "مدمنون" على التفكير الضعيف، فهم يجب ان يبدأوا الاعتراف بعمق بطبيعة المشكلة. نحن كمفكرين مبتدئين  يجب الاعتراف بان تفكيرنا هو احيانا اناني. فمثلا، نحن  نلاحظ ضآلة اهتمامنا بحاجات الاخرين وحجم تركيزنا على مانريده شخصيا. نحن نلاحظ ضآلة اعترافنا بوجهة نظر الاخرين وحجم التأييد الذي نمنحه لصوابية افكارنا. نحن ربما نضع انفسنا في موقف نحاول فيه السيطرة على الآخرين لنحصل على ما نريد، او نقوم بدور الخضوع للاخرين (لأجل الحصول على المكاسب التي يجلبها السلوك المذعن).

نحن كمفكرين مبتدئين في التفكير نبدأ بـ :

- تحليل منطق المواقف والمشاكل

- التعبير عن الاسئلة بوضوح ودقة

- فحص المعلومات من حيث الدقة والملائمة

- التمييز بين المعلومات الخام وبين تفسير الاخرين لها

- الاعتراف بالافتراضات المرشدة للاستدلالات

- تحديد العقائد المتعصبة والمتحيزة، الاستنتاجات غير المبررة، الكلمات التي يساء استخدامها، وغياب المضامين

- ملاحظة الحالات التي تؤثر فيها مصالحنا الانانية على وجهات نظرنا.

وهكذا، نحن كمفكرين مبتدئين سنصبح مطلعين على كيفية التعامل مع تراكيب او اشكال التفكير(الاهداف، الاسئلة، المعلومات، التفسيرات،الخ). نحن نبدأ بتقدير قيمة التفكير في تفكيرنا من حيث وضوحه، دقته، ملائمته، منطقيته، تبريريته، اتساعه، عمقه. لكننا لا نزال في مستوى قليل من المهارة في هذه الفعاليات. انها تبدو صعبة المراس لنا. علينا ان نجبر انفسنا للتفكير بطرق محكمة. نحن كالمبتدئ في الباليه.  نشعر بالسذاجة .لا نشعر بالاناقة.  نتعثر ونرتكب اخطاء. لا احد يدفع نقود من اجل مشاهدة ادائنا. نحن ذاتنا لا نحب ما نراه في المرآة عن عقولنا.

لكي نصل هذه المرحلة الابتدائية في التفكير، يجب ان تبدأ قيمنا بالتحول. يجب ان نبدأ باستكشاف اساس تفكيرنا ونكتشف الكيفية التي نفكر ونعتقد بها حينما نعمل. لنقف الآن على تفاصيل اكثر حول هذا الهدف. لنفكر في بعض المؤثرات الكبيرة التي شكّلت تفكيرنا:

- نحن ولدنا في ثقافة (اوربية، امريكية، افريقية، اسيوية).

- نحن ولدنا في زمن معين (في قرن في سنة).

- انت ولدت في مكان ما (في بلد، مدينة، شمال او جنوب، شرق ام غرب).

- انت نشأت بين والدين وضمن عقيدة معينة.

- انت كوّنت مختلف الارتباطات مع الناس ذوي القيم والعقائد والمحرمات.

اذا اردنا تغيير اي من هذه المؤثرات، فان نظامنا العقائدي سيكون مختلفا. .. لو نفترض ان العديد من هذه المؤثرات خلقت عقائد زائفة لدينا، معنى ذلك انه توجد  في عقولنا حتى الان  عقائد زائفة ونحن نعمل بموجبها. ولكن يجب ملاحظة ان العقل لا توجد فيه آلية لتنقية العقائد الزائفة. نحن جميعنا نحمل في عقولنا تعصبات وميول لثقافتنا،  لأصدقائنا وزملائنا. ان عملية ايجاد طرق لتشخيص تلك العقائد المعيبة واستبدالها باخرى اكثر عقلانية هي جزء من برنامج التفكير النقدي.

ان عقولنا هي عوالم غير مستكشفة، عوالم داخلية  تطبع كل حياتنا . هذا العالم الداخلي هو الحقيقة الأعظم اهمية بالنسبة لنا، لأنه معنا حيثما نعيش. انه يقرر المتعة والاحباط.  يضع حدود ما نرى ونتصور.  يُبرز بوضوح ما نرى. يدفعنا للجنون. يمكنه تزويدنا بالعزاء والسلام والهدوء. لو استطعنا الإقرار بهذه الحقائق الخاصة بنا، سوف نجد الحافز لتبنّي مسؤولية التفكير، ولنكون اكثر من مجرد العوبة في ايدي الآخرين، ونصبح القوة الحاكمة في حياتنا.

المرحلة الرابعة: ممارسة التفكير

التفكير الجيد يمكن ممارسته كلعبة التنس او الباليه او كرة السلة

هل نحن ملتزمون بالممارسة المنظمة؟ عندما يعترف الناس صراحةً ان التحسن في التفكير يتطلب ممارسة منتظمة، ويتبنّون نمط من الممارسة، عندئذ،  سيصبحون  "مفكرين ممارسين".

لا توجد هناك طريقة في عملية تصميم نمط الممارسة. هناك عدة طرق، بعضها جيد، والبعض الآخر سيء . فمثلا، انت ربما تتصفح كتابا يقدم اقتراحات لتحسين التفكير.  هذه الاقتراحات يمكن استخدامها كنقطة بداية.

ربما يراجع البعض فعاليات "اختبار الفكرة"، او يدرس عناصر التفكير،او مستويات التفكير، وخصائص الذهن، وقد يركز آخرون على كيفية عمل قرارات ذكية، او على التفكير الاستراتيجي. اي من تلك المواد تمثل وسيلة هامة في وضع خطة منهجية لتحسين التفكير.

ان مشكلة معظم الناس في ممارسة التفكير انهم لا يستمرون في ذلك بطريقة  منتظمة،هم لا يؤسسون عادات للممارسة المنتظمة.  فيُحبطون بسبب الارتباك والصعوبات التي يلاقونها اثناء المحاولات الاولى للآداء الجيد.

ان النجاح يأتي عادة لمن لديهم التصميم والقدرة على الاستمرار.

يجب وضع الخطط لمواجهة اي احباط او فشل. يمكن تجنب التثبيط والاحباط عبر الاعتراف منذ البداية اننا منخرطون بخطط لإختبار الافكار. يجب إعداد الذات للفشل المؤقت، انها عملية تشبه ارتداء الملابس الجديدة التي قد لا تناسب الجسم جيدا، لكن في النهاية سنعثر على القياس الملائم.

المرحلة الخامسة: التفكير المتقدم

ما الشيء الذي يمكن اعتباره تفكيرا متقدما؟

حينما نصل المرحلة الرابعة ونمارس المهارات، سنكون قادرين في الاجابة على هذا السؤال. كل ما نحتاج هو ان نضع خطة ونقرأ المصادر الآنفة الذكر.

 

حاتم حميد محسن

..................

من كتاب التفكير النقديcritical thinking ، تأليف Richard Paul & Linda Elder، مطبوعات مؤسسة التفكير النقدي(2002)،الطبعة الثالثة (10سبتمبر2011).

 

علي محمد اليوسف(1) بول ريكور: اجتزاءات فلسفية

جميع الافعال الصادرة عن الانسان هي ذاتية صرف يحكمها القرار والارادة في محاولة صنع عالم خاص .بول ريكور في عبارة رشيقة له " الانسان لا يمتلك عصمة من ارتكابه الاخطاء والشرور، وهذه السمة العامة تتركز في عدم مطابقة الانسان مع نفسه، وهذا اللاتناسب بين الذات والذات هي نسبة اللاعصمة." ان نزعة الخير المترسّبة في قاع الضمير والوجدان الانساني تجعله متقاطعا على الدوام مع مظاهر الانحراف التي يعيشها في مجتمعه، ما يرتب عليه اتخاذ القرار الصائب حسب تصوره وقناعته أن يكون متطابقا مع ذاته في تقاطعه مع المجتمع. والذات المنقسمة فرويديا الى ذات ومافوق ذات اسمى جوهريا عن الاولى ايضا ينطبق عليها التفاوت بين ارادة نموذجية في حب الخير واخرى لا تتورع عن ارتكاب الاخطاء المتعمدة والعفوية على السواء.

هل الوعي المجتمعي الزائف يحكم على أفراده بالخطأ اذا ما كانت انطلاقتنا الاقرار بحقيقة الانسان محدودية طبيعية غير معصومة من الاخطاء على الدوام. المجتمع يدين افراده على أخطائهم في وقت هو مصدر تلك الاخطاء. ان العصمة الوجدانية الضمير مستمدة دائما من نزعة الانسان الدائمية نحو الميتافيزيقا في تصوراته الايمانية الدينية التي هي المثال في حياته، ما يجعله يشعر نفسيا أن قدرة الله في جعله الانسان محدودا غير معصوم لا يلازمه تانيب ضمير نتيجة ارتكابه الاخطاء والوقوع في براثن الشر.

من جهة اخرى نجد هوبز كان عميقا في عبارته الانسان محكوم بغريزة الشر. وبذلك اراد تهوين الشعور بالذنب وتانيب الضمير بالقناعة الزائفة التي تكسب الانسان الرضا أن الشرور قسمة عادلة بين البشر. وهو تعميق الشعور المناقض أن الانسان موجود بائس. وفي عبارة اخرى لريكور " ليس الانسان ذلك الذي لا يعرف مسؤولية معرفة نفسه، فمن الشر ان يكون الانسان حافلا بالاخطاء ولا يريد الاعتراف بها، لأن ذلك بمثابة اضافة وهم اختياري، فلكي يبرر اللامبالاة يلجأ الى شيء من النفور من الحقيقة ".الحقيقة التي تتلبسنا ونحياها جميعا ونحاول طمسها باستمرار هربا من الإعتراف بها هي أننا فعلا لا نريد تحمّل مسؤولية معرفتنا الحقيقية لانفسنا وهو نفور من حقيقة قائمة لا يلغيها عدم إفصاح الاعتراف بها. يصعب علينا مواجهة أن توأم الوجود الانساني هو حقائق الأخطاء المحتجبة.

السؤال: هل ينقذ الانسان والمجتمع الاقرار أن العمود الفقري لوجودنا هو الاخطاء المتراكمة التي اخذت حيزا كبيرا واصبح الانسان فيها هشاشة وجودية في حال إعترافنا الصريح بذلك.

(2) المتناهي واللامتناهي

التفكير متناه في محدودية القدرة على معرفة وفهم اشياء من العالم وليس كل العالم. ويكون التفكير الخيالي خاملا حسب توصيف ديفيد هيوم كونه يستنفد نفسه قبل تمام ادراك مواضيعه المستمدة من عالم لامتناه. عن هذه الحقيقة يعبر ديكارت "ربما يوجد ما لانهاية له من الاشياء في العالم، وفي المباينة مع ذلك فليس عندي في الفاهمة أية فكرة عنها". ليس غريبا تكرار المقولة الفلسفية أن ما يعرفه الانسان ليس اكثر مما يدركه فعلا.

في محاولة المتناهي المحدود معرفة اللامتناهي المطلق محاولة عقيمة لا معنى لها، فالتفكير الخيالي لا يستطيع فهم اشياء لا تكون لها معرفة صورية حتى بالتعريف البسيط لها.يصف ريكور الارادة بانها ذات سعة ومجال بلا نهاية. الارادة لها سعة ومجال تفكيري بلا نهاية صحيحة، لكن فاعلية الارادة التخييلية انما تكون في المتحقق المنجز لما تقصده وتبتغيه..

ويقصد باللامتناهي المطلق فلسفيا هو الخالق غير المدرك بصفاته ولا ببعض ماهويته الذاتية. هذا اللامتناهي الذي لا يمكن الاحاطة به. اما المتناهي فهو المدرك الذي يمكننا تحديده بالمقارنة مع متناهي اخر يشاركه المجانسة النوعية. ومن الصعب استطاعتنا تحديد اللامتناهي لاننا نحتاج الى حده بشيء يجانسه النوع وهومحال.

امام هذا المعنى اثار لا يبنتيز طرحا اشكاليا معتبرا " كل معنى محدد، ايا ما كان، وكل معنى لا يحتوي المتناهي هو معنى مجرد ناقص" نقلا عن كاتب.

هذا التداخل الاشكالي الذي يقيمه لايبنتيز على منطق رياضي هو المتواليات العددية والمتواليات الهندسية التي لها بداية ولا تكون لها نهاية. فهي تكون بحكم اللامتناهي الذي تختلف معه بالمجانسة النوعية. وهو حكم رياضي لا يمكننا تعميمه على مدركاتنا الاشياء وموجودات العالم الخارجي، فهذه تكون محدودة انطولوجيا متناهية وتحتويها لا متناهيات وجودية.

اما راي كانط الذي يرى الناس كائنات متناهية يعيشون في عالم لا متناه يجب ان يكون هذا اللامتناهي محدودا ب(زمان) والا اصبح لا وجودا يمكن الاحاطة بادراكه ولو جزئيا. لو نحن حاكمنا عبارة كانط بفهم اسبينوزا الذي يرى ان الوجود بغض النظر كونه متناهيا او لامتناهيا لا فرق فهو يدرك بدلالة الجوهر، ولا يدرك الجوهر بدلالة الوجود. لكانت اطروحة كانط في امكانية الاحاطة بمحدودية اللامتناهي بمحدودية الزمان الذي يحتويه خاطئة تماما كون الزمان مخلوقا ازليا يكون لامتناهيا لنا نحن البشر لكنه متناهيا مخلوقا من لامتناهي لاندركه هو الله.

ونختم بعبارة ثانية لكانط يقول بها" ليس للعالم بداية ولا حدود بل هو لامتناه. والزمان الذي يحد العالم يتوجب ان يسبقه زمان له بداية، وبداية الزمان هي (فراغ كلي) واذا لم يكن للعالم بداية ولا حدود فهو لامتناه. ان ما يلفت النظر ان كانط لا يحدد مقصوده الدقيق بالعالم هل هو الكون الميتافيزيقي ام العالم الانساني على الارض؟.

(3) اشكالية اللغة

بحسب تعبير أحد المفكرين بدراسة فلسفة اللغة يقول "إحتاج إكتشاف أفكار دي سوسير الى ما يقرب من نصف قرن من التيه قبل أن تصل البنيوية الى الايديولوجيا الموعودة ممثلة بكتابات بارت وفوكو ولاكان والى حد ما شتراوس ".

بالعودة الى مقولة نيتشة في موت الاله جعل كل شيء مباحا في تناوله فوضويا، إذ إنتقلت المقولة من محتواها الميتافيزيقي الى محتوى اركيولوجي معرفي، إنتقل فيها إسقاط موت الانسان بالفلسفة البنيوية من صيرورة وجودية انثروبولوجية، الى إنسان وجود طاريء أربك مسار الفلسفة يجب تنحيته عن طريق فلسفة التحوّل اللغوي ومعه العقل التقني ايضا.

كانت تاولية بول ريكور وتفكيكية جاك دريدا هما التتويج لمعنى التطرف في فلسفة اللغة.في إعتبار تاويلية اللغة واستراتيجية التفكيك الذي يستثمر إتجاهات الفلسفات الحديثة، البنيوية، الوجودية، الماركسية، والتحليلية، والعدمية، ونظريات اللغة وفائض المعنى اللغوي، وانثروبولوجيا الدين، كل ذلك من أجل جعل فلسفة اللغة مركزية مبحث الفلسفة الاولى، وتنحية الانسان والعقل خارج إهتمامات الفلسفة وتعويم مبحث الابستمولوجيا فائض لا معنى الإهتمام به.

الفلسفات الإنفصامية على صعيد فلسفة اللغة وضعت الانسان في مأزق الإحتضار العدمي المؤجل الى إشعار آخر. وكانت البداية مع البنيوية التي رافقت طروحات ما بعد الحداثة التي كانت ثورة على العقل والانسان والسرديات الكبرى والواقع وتكنولوجيا العلم، وجاء تعبير ذلك على لسان أحد الفلاسفة المناوئين للبنيوية قوله " البنيوية التي إعتمدت علم اللغة الوسيلة الوحيدة في الاكتفاء بها معرفة حقيقة العالم ." من الملاحظ أن الاكتفاء الذاتي باللغة فلسفيا لم يكن الوسيط لحل معضلات العالم بل العكس تماما زادت تلك المعضلات إرباكا وتعقيدا فلسفيا . دي سوسير فتح أبواب التطرف اللغوي حين إعتبر إنفصال علاقة اللغة بالواقع الخارجي الى الابد، بمعنى الواقع الخارجي وجود في تمثلات اللغة له، ماجعل هذا التصور الراديكالي البنيوي المبكر 1905 هو الذي جاء وصفه على لسان أحد الفلاسفة قوله " إنفصام اللغة مع الواقع الخارجي جعل من أنظمة اللغة مغلقة على نفسها، مكتفية ذاتيا، تنطوي على جميع العلاقات الممكنة بداخلها، وبالتالي لم يعد لها علاقة بالخارج اللغوي".

بنيّة اللغة الكليّة الفلسفية أساءت لنفسها ولم تسيء للواقع الخارجي. والمقصود بالواقع الخارجي في تمّثلات اللغة التجريدي تداوليا طبيعيا. ليس من المعقول أن تهضم اللغة العالم الخارجي في تمّثله داخليا وتركه جدليا خارجيا. وقائع وموجودات العالم الخارجي لا تؤثر فيه بنية لغوية منفصلة عن الإحتدام به في توازيها معه.

عندما تنسحب اللغة من تمثلاتها العالم الخارجي، وتكون أنساقا لغوية مكتفيّة ذاتيا في التعبير عن اللغة بما هي لغة تجريد، وليست لغة واقع معيوش، يكون موت العالم الخارجي بمنظورها حصيلة أكيدة، وهذه الحقيقة تؤكدها البنيوية حين تعتبر نفسها فلسفة نمطية كليّة نسقيّة من التفكير الجواني الذي لا قيمة للواقع والانسان فيه لا داخليا ولا خارجيا. وهذا مصداق تعبير أحد الفلاسفة " تصبح اللغة نمطا من التفكير الذي يتخّطى جميع الإشتراطات المنهجية حينما لا تعود اللغة وسيطا بين العقل والاشياء".

فالبنيوية ومن بعدها التفكيكية في منهجهما اللغوي تكوين كليّة نسقية داخل نظام اللغة وحده المكتفي ذاتيا. إنما سعت كلتاهما تكوين عالم خاص لغويا مقطوع الصلة بعالم الاشياء. ألمازق أن تجريد التعبير عن الواقع هو اللغة فكيف تكون اللغة عندما تشتغل على بنيّة داخلية هي تجريد ينبني على تجريد سابق عليه وليس على تمّثلات واقعية؟ اللغة وجود حيوي يعطي حياة الانسان الوجود الديناميكي الفاعل.

حين أفاق فينجشتين على كابوس توظيف اللغة في مشروع إعدام اللغة فلسفيا بالتّطرف اللغوي نادى أن اللغة لا تزدهر وتأخذ مداها الطبيعي إلا في تكاملها مع دفق الحياة في التعبير عنها وليس في موازاتها الرتيب معها. وإعتبر فينجشتين عجز اللغة التعبير عن الحياة يوجب عليها الصمت لأن ما ستقوله خارج فضاء حيوية الحياة سيكون لامعنى له. وحصل ما حذّر فينجشتين منه نجده على لسان ريكور قوله" لم تعد اللغة بوصفها صورة حياتية كما أراد لها فينجشتين، بل صارت نظاما مكتفيا بذاته يمتلك علاقاته الخاصة به.".

وبذلك أخرجت البنيوية اللغة بوصفها خطابا تداوليا الى "أن سوسير يرى في أرجحية الكلام على اللغة بإعتباره تعبير فردي تعاقبي وعارض مؤقت، واللغة أو اللسان هو الإجتماعي التزامني والنسقي لذا تكون أسبقية الخطاب على الكلام واردة ". سوسير هنا أخرج الكلام من التوظيف الطبيعي الانثروبولوجي للكلام بإعتباره وسيلة العقل في فهم الحياة. وإعتبر الخطاب المكتوب بديلا عنه. وجد سوسير في اللغة خطابا تدوينيا يحكمه نسق من العلاقات الداخلية التي تجعل منه بؤرة مركزية ثابتة في الفهم على المدى البعيد وليس كمثل الكلام الذي يكون حوارا إستهلاكيا في شفاهيته التداولية المؤتة الزائلة كحوار.

(4) ما هو الفرق بين الكلمة المفردة والجملة؟

في أبجديات اللغة الكلمة لا تأخذ مداها الدلالي الدقيق لما تتضمنه من محمول ترغب الإفصاح عنه، وهذا ما تجد فيه البنيوية تبسيطا مخّلا لا معنى له،فالمفردة خارج سياقها في عبارة لا توحي بمعنى معّبر دلاليا مكتفيا. حيث نجد ريكور أيضا يقول" الجملة وحدة الخطاب الأساسية لتشمل وحدات أكثر تعقيدا وتعاقب الكلمات في الجملة لا معنى ينتظمها ما لم تكن ضمن وحدة نسقية تحمل الدلالة بلا قطوعات معاني المفردات".

هذا التماهي الذي كانت بذرته الاولى في البنيوية سرعان ما تلقفته التأويلية التي وجدت ضالتها في إرث هيدجر الذي كان وجد أن اللغة أصبحت حقيقتها تكمن في إنفصالها تماما عن الواقع وتمثلاتها له. وعمد التعبير أن الشاعر ويقصد به هولدرين، يقول الوجود بلغة الوجود الاصيلة" ما جعل فوكو يحمي وطيسه في توكيده إنفصامية اللغة عن الواقع أبعد مما ذهب له هيدجر حيث وجدها في تهويمات شعرية تجعل من اللغة تفكيكاكات متقافزة خارج مالوف نظام اللغة، وجديد فوكو على صعيد الثقافة هو في إباحته أن يقترن الشعر بالجنون للحصول على تداعيات لا شعورية تمثل الاصالة اللغوية الشعرية الحقيقية.هولدرين الشاعر الالماني الكبير كان زجّ نفسه عمدا في أتون الجنون للخروج بتجربة فريدة في أهمية تداعيات اللاشعور في الشعرية. (نقلا غير حرفي عن محمد المزوغي).

فوكو ذهب أيضا بعيدا في تطرّفه حول إنفصال اللغة عن الواقع الانساني مرددا "الانسان ليس أكثر من تمزّق في نظام الاشياء وتشكيل رسمه الوضع الجديد في الثقافة الغربية". لانجد جدوى التعليق أن اللغة كنظام دلالي في المعرفة من الممكن خروجه على مواضعات اللغة كنظام توليدي متطور على صعيدي المعنى وتشكيل اللغة كبنيّة منتظمة. ولا غرابة نجدها إذا ما وجدنا لغة الشعر تخرج أحيانا كما في البرناسية والدادائية والسريالية على تلك المواضعة بإعتمادها تداعيات اللاشعور في كتابة القصيدة الشعرية، من حيث متابعة التجديد في شكل اللغة الشعرية لا يلزم التعبير بالمألوف من نظام اللغة. فالتجديد في لغة الشعر هي سيرورة دائمية لا تتوقف. أما أن يكون تفكيك اللغة هو إستجابة محاكية لتمزّقات الانسان كونه مادة من التقويضات المستمرة في حقل تجارب فوضوي فهذا ما يجب التوقف عنده.

(5) اللغة: الشعر والجنون

كان إعجاب هيدجر بالشاعر الالماني هولدرين وتجربته في تقمصّه حالة الجنون مثار تعاطف هيدجر، ليعقب هذا الاعجاب فوكو ايضا. إذ اعتبر إلاثنان لغة الشاعر تتماهى مع لغة المجنون في إثراء تجربة الشعر في تجديد شكل اللغة، والبوح بمعان لغوية غير عادية خارج المواضعات التي تحكم قواعد ونحو ونظام أية لغة. هذا التداخل اللغوي بين الشاعر والمجنون من ناحية تغليب محاكمة العقل الصارمة يعتبر خرقا خارج العقل المنطقي لكنها داخل مواصفات ما تشجع عله الفنون كافة من ضمنها الادب في خاصيّة تجدد جمالية لغة الشعر. ولم يكن هيدجر ولا فوكو يتعاملان مع هذا الموضوع بحساسية تقوم على سيكولوجيا الفرق بين الشاعر والمجنون ما يترتب عليه تفريق نوع ومحتوى اللغة بينهما، إذ ليست لغة المجنون هي لغة الشاعر وإلا أدخلنا ذلك خارج معايير العاطفة الانسانية بمنزلقات خطيرة جدا نتطرق لبعضها توضيحا:

- اولا لغة الشاعر خرق لغوي تشكيلي لنظام اللغة يشتمل التداعي اللاشعوري لكنه لا يتمّثله تماما، وليس كل خرق لغوي يقوم على تداعيات لا شعورية هي تنم عن نضج تجربة شعرية هاجسها التجديد اللغوي.

- ثانيا لغة المجنون ليست لغة بل هذاءات صوتية تلازمها حركات هستيرية صادرة عن لاشعور في التداعي الصوتي الهستيري الذي يفت في عضد العقل السيطرة على ما يتفوّه به المجنون ولا يفهم السوي العاقل منه شيئا.

- الشاعر يخرق بتعبيره الشعري عن قصد مسبق نظام التناغم في المجانسة النوعية للغة كنظام تعبيري جمالي يدركه العقل وتهتز له العاطفة، لذا تكون لغة الشاعر مهما أوغلت في الغرابة التعبيرية والفانتازيا فهي بالمحصلة لا تخرج عن مهمتها أن تكون لغة تواصلية. والشاعر لا تلزمه المطابقة ولا الاستعارة ولا التوظيف الرمزي ولا المجاز أن لا يخرق نظام التآلف اللغوي.

- أما هذاءات المجنون فهي لغة مفككة تخرق قوانين وقواعد وأحكام اللغة بغير ما قصدية يداخلها الشعور كما هي عند الشاعر. هنا الهذاءات تعبيرات لا تمت بصلة لعالم الواقع السوي الذي نعيشه على الاقل من زاوية نظر علم النفس الطبي. لذا فمقولة فوكو وهيدجر أن لغة الشاعر والمجنون هي تعبير حقيقي أصيل عن الوجود أمر مشكوك الأخذ به خارج الهلوسة.

خاصية اللغة هي تعبير عن واقع يجد الانسان فيه حقيقته الوجودية، وربما تكون لغة الشاعر تعبيرا عن عالم متخيّل يقوم على أنقاض واقع مزّيف نعيشه. أما الإعتداد والأخذ بلغة الجنون على أنها فوق لغة فلا يمكن تمريرها كون المجنون دونما دراية مسبقة منه يهرب من عالمنا الواقعي ليس في قصدية إختراعه لعالم لغوي آخر أفضل منه. وأصوات هذاءات المجنون هي تداعيات لا شعورية تخرق كل مجانسة لغوية تواصلية ذات معنى، بخلاف لغة الشاعر التي هي خرق مألوف نظام اللغة بوعي قصدي ينشد من خلاله أن تكون اللغة نظاما جماليا قبل أن تكون ملفوظا تعبيريا هستيريا خال من المعنى.

يتبع لاحقا ج6

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

علي رسول الربيعيعلى الرغم من أن معظم المفكرين والباحثين الذين درسوا هذه المشكلة كان بينهم إجماع واسع ضد استخدام الأسباب الدينية في الحياة السياسية، إلا أنه لا يزال هناك قدر كبير من الخلاف بينهم حول التفاصيل1.

يشير البعض إلى ألا يجب أن يتدخل الدين في المداولات السياسية أبدًا بينما يعتقد البعض الآخر أنه قد يلعب دورًا اعتمادًا على نوع السؤال السياسي المطروح، أو المنصب الخاص الذي قد يشغله شخص ما، أو المكان الذي تحدث فيه المداولات. أنا لا أقصد أشراك جميع الحجج المتضمنة فيما اسميه القيود التداولية. بدلاً من ذلك، أفحص ما أعتبره أكثر الحجج إقناعاً المتاحة ضمن الإجماع وأكشف لماذا أخطأوا لأسباب أخلاقية وتجريبية.

يرتكب الإجماع الواسع لصالح القيود التداولية أخطاء أخلاقية وتجريبية لأنه يبالغ في تقدير كل من معقولية وجاذبية النظام السياسي "المقيد" وتهديد النظام "الديني". ينسج أنصار القيود التداولية معًا مجموعة من المطالب التي تبدو مقنعة مما يجعل هذه القيود أحد ركائز النظام الاجتماعي والسياسي الديمقراطي، لكنها لا تصمد أمام الفحص الدقيق، خاصة تلك التي تفكك خيوطهم الأخلاقية والتجريبية الناظمة. أريد ان أركز أولاً على ادعاءات القيود التداولية، ولا سيما تلك التي تدافع عن أولوية العلمانية ومن ثم الأسباب العمومية. أقترح (من موقع نقدي ودافع البحث عن اسباب اقوى) أن فلاسفة مثل روبرت عودة، ويورغن هابرماس، وجون راولز يرفضون بسرعة الأسباب الدينية على أنها مشتبه فيها أبستمولوجيا وأخلاقياً، كما أنهم يقدمون أيضًا ادعاءات تجريبية غير مبررة تقول إن الخصخصة السياسية للدين شبه حتمية أو قدرة هذه الادعاءات على إثارة الصراع السياسي. وعليه أن أدعاء القيود التداولية أنها تمثل الى حد ما جهد لضمان الشرعية السياسية في نظام ديمقراطي دستوري يتميز بتعددية أخلاقية واسعة وعميقة، لا يمكن أن تصمد. إنه طموح بشكل مفرط فيما يتعلق بدرجة التوافق الأخلاقي والسياسي الذي يمكن أن نتوقعها في ظل ظروف التعددية وغير مدركين للقول أن الجهود المبذولة للدفع في أي حال قد تؤدي إلى نتائج عكسية للغاية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

........................

1- للاطلاع على النقاشات الموسعة حو الأسباب الدينية أنظر:

Audi, Robert. "The Place of Religious Argument in a Free and Democratic Society." San Diego Law Review 30 (1993): 677- 702.

Audi, Robert.Religious Commitment and Secular Reason. Cambridge and New York: Cambridge University Press, 2000.

Audi, Robert. “The State, the Church, and the Citizen." In Religion and Cotemporary Liberalism, ed. Paul J. Weithman. Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, 1997.

Audi, Robert, and Nicholas Wolterstorff. Religion in the Public Square: The Place of Religious Convictions in Political Debate. Lanham, MD: Rowman & Littlefield, 1997.

Berkowitz, Peter. "John Rawls and the Liberal Faith." Wilson Quarterly 26, no. 2 (2002): 60-70.

Carter, Stephen L.God's Name in Vain: The Wrongs and Rights of Religion in Politics, 1st. edn. NewYork: Basic Books, 2000.

Chaplin, Jonathan. "Beyond Liberal Restraint: Defending Religiously Based Arguments in Law and Public Policy." University of British Columbia Law Review 33, no. 3 (2000): 617-46.

Dombrowski, Daniel A. Rawls and Religion: The Case for Political Liberalism. Albany: State University of New York Pres s, 2001.

Eberle, Christopher J. "Basic Human Worth and Religious Restraint." Philosophy and Social Criticism 35, no. 1-2 (2009): 151-81.

Christopher J. Eberle, "Religion, Pacifism and the Doctrine of Restraint;' Journal of Religions Ethics 34, no. 2 (2006);

Christopher J. Eberle, Religious Conviction in Liberal Politics. New York: Cambridge University Press, 2002.

Elshtain, Jean "State-Imposed Secularism as a Potential Pitfall of Liberal Democracy." Paper presented at the Religious Liberty Conference, Prague, Czech Republic, 2000.

Greenawalt, Kent. Private Consciences and Public Reasons. New York: Oxford University Press, 1995.

Habermas,Jurgan On the Relations between the Secular Liberal State and Religion." In Political Theologies: Public Religions in a Post-Secular World, ed. Hent De Vries and Lawrence Sullivan. New York: Fordham University Press, 2006.

Habermas, "Religion in the Public Sphere"; JeffJordan, "Religious Reasons and Public Reasons," PublicAffairs Quarterly 11, no.3 (1997);

Krause, Sharon R. Civil Passions: Moral Sentiment and Democratic Deliberation. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2008.

Larmore, Charles. "The Moral Basis of Political Liberalism." Journal of Philosophy 96, no. 12 (1999): 559-626.

Macedo, Stephen. “Transformative Constitutionalism and the Case of Religion: Defending the Moderate Hegemony of Liberalism." Political Theory 26, no. 1 (1998): 56-80.

Parkinson, John. Deliberating in the Real World. Oxford: Oxford University Press, 2006.

Perry, Michael J. Religion in Politics: Constitutional and Moral Perspectives. New York: Oxford University Press, 1997.

Rawls, John."The Idea of Public Reason Revisited." In The Law of Peoples, ed. John Rawls.Cambridge: Harvard University Press, 1999.

Rosenblum, Nancy L., ed. Obligations of Citizenship and the Demands of Faith.

Princeton, NJ: Princeton University Press, 2000.

Swaine, Lucas. "Deliberate and Free: Heteronomy in the Public Square."Philosophy and Social Criticism 35, no. 1- 2 (2009): 183-213.

Talisse, Robert. "Dilemmas of Public Reason: Pluralism, Polarization, and Instability." In The Legacy of John Rawls, ed. Thom Brooks and Fabian Freyenhagen. New York: Continuum, 2005.

Weithman, Paul J.Religion and the Obligations of Citizenship. Cambridge: Cambridge University Press, 2002.

 

 

 

ظريف حسينإنه برغم إمكانية وجود عدد لا محدود من القراءات التأويلية لفلسفة نيتشه، فإنه يمكنني تلخيص رؤيتي لها-و قد تحولت من حماس متقد إبان مرحلة الشباب إلي مرحلة التحليل العلمي - في نقاط أهمها:

1- فلسفته في الإرادة تجد أصلها في نظريات لوك وبيكون وهوبز وديكارت وفيخته وشيلنج هيجل وفويرباخ وهلبرت وشوبنهور وبرجسون، غير أنه جعها الأساس الوجودي للإنسان.

2- من يقرأ كتاب "قلق في الحضارة" لفرويد يصبح أكثر وقوفا علي أصل الشعور بالذنب والخطيئة الأصلية، والتضحية بشخص واحد فداء للآخرين. وفضل فرويد علي نيتشه أنه تحاشي الانخراط في إصدار أحكام تقويمية للحضارة كما فعل نيتشه. وأن كانت أولي مهامه هي بيان دور" الحب الجنسي"في مسيرة الحضارة، كما كانت مهمة التحليل النفسي بصفة عامة هي الكشف عن التوتر بين المرغوب فيه وهو موضوع اللاوعي من جهة، والعقل أو الوعي، من جهة أخري.

3- ويري نيتشه أن الخلاص بالفن هو حل الصراع بين الشكل في صورة أبوللو والانفعال الذي يمثله ديونيسوس، فيعتقد بأن العبقري هو الذي يستطيع أن يجمع بين النقيضين، أي بين الشكل والنظام ممثلا في أبوللو وبين اللانظام أو اللاتحدد ممثلا في ديونيسوس.

و لقد عرض نيتشه هذه النظرية في كتابه "المأساة اليونانية" حيث ذهب إلي أن السعادة هي في تقبل الإنسان مصيره ووضعه بلا تأفف، ويقبل بمفهوم الصراع والنسبية يحاول التسامي بانفعالاته، ومع ذلك فإن نظريته الأخلاقية ككل تنسف هذا المفهوم للخلاص، وتقف ضد التوافق والتكيف مع الظروف الراهنة وتدعو للتمرد علي كل شيء!

4- ومع ذلك يبقي هناك تشابا بين نيتشه وفرويد يتجلي في إقرار فرويد بدور الهُوَ أو الإيروس ممثلا في الغريزة الجنسية أو الليبيدو في بناء الحياة.و لنلاحظ أيضا وجود ثلاثية عندهما:

فمثلا نجد الإرادة والروح والأنا عند نيتشه يقابلها الهو والأنا والأنا الأعلي عند فرويد.

و تكرس كتابات نيتشه نفسها للاضطلاع بمهمتين:

الأولي: هي محاولة تأويل نفسي للتصورات الفلسفية عن الحقيقة والعقل والفضيلة.

والأخيرة: هي أنها تحليل نفسي ذاتي غير منضبط علميا من جانب نيتشه لنفسه.

5- وقد أفلح فرويد في التخلص من التأثير الأيديولوجي لفلسفة نيتشه ولكل فلسفة بصفة عامة، وكان من شدة حرصه علي ذلك أن علق علي حائط غرفته عبارة: "يجب أن نعمل بدون أن نتفلسف".

و بذلك يعد شوبنهور أكثر علمية وأمانة من نيتشه، حتي لو ظل متمسكا بالمثل الأعلي للفضيلة المسيحية مما عده نيتشه نقيصة. لكن من الناحية العملية لم تشكل فضيلة الشفقة جانبا سلبيا في مسار الحضارة الغربية لدرجة أن فوكوياما يعتبر المسيحية ضلعا مهما من أضلاع هذه الحضارة.

6- وتعد نظرة نيتشه للعلم والعقلانية وصمة عار علي فلسفته، بعكس نظرة فرويد الذي كانت آخر عباراته في كتاب"مستقبل وهم" هي أن الوهم يكمن في التخلي عن العلم. وذلك في مقابل الحماسة الأيديولوجية الحمقاء التي تكرست لها كتابات نيتشه الذي بدا إرهابيا يسخر من العلماء وموضوعيتهم.

7- كما استبدل نيتشه دينا بدين، وعكس القضية هي قضية من نفس النوع، فالعقل غائب في الحالتين، أي حالة الدين وفي حالة عبادة السوبرمان عند نيتشه، وغالبا ما كانت أفكار أوجست كونت وجون استيوارت مل عما أسمياه"دين الإنسانية" أنضج وأكثر قابلية للتطبيق من فكرة نيتشه التي تم استغلالها عنصريا، وضد الإنسانية.

8- كما أن أخلاق المتعة والأخلاق الأنانية تمثلان انتكاسة إلي الوراء، كما أن تغليب الجانب النفسي في وصف المجتمعات وتحليلها، وتصور المجتمع علي أنه شخص"نفسجسمي"هو تصور مضلل؛لأن العلاقة بين الأفراد ليست علي غرار العلاقة بين أعضاء الجسم الواحد، كما أن عمل المؤسسات في المجتمع ليس كعمل العقل الشخصي.

9- ويتوهم نيتشه أنه حاز قصب السبق إلي تأسيس الأخلاق والفلسفة عامة علي علم النفس بدلا مما هو حاصل طوال تاريخ الفلسفة، ولكن إن صح زعمه فماذا نقول عن هوبز وسبينوزا، وفيخته مثلا؟ فالأنانية والانفعالات والأفكار غير الواضحة أي اللاوعي كانت حاضرة في كتابات هؤلاء بالذات، كما أشرت في البداية

10- كما أن آلية التطهير بمأساة البطل في التراجيديا له أبعاد طبية ودينية وأخلاقية... أي من" الخلاص" الذي يتأسس علي مفهوم التضحية والفداء، ومن هنا كان مفهوم التضحية أي التطهير في التراث اليوناني يتضمن معني التضحية بالماعز مثلا.

ونجد ذلك بصورة أبرز في المسيحية في عقيدة الفداء بالصلب والعذاب.

وإذا تأملنا فلسفة الزار باللغة الأمهرية-لغة شمال اثيوبيا-فإننا سنجد أنها تمثيل لصراع تراجيدي بين الأرواح الشريرة التي تسكن الأجساد وبين الفن المتمثل في الموسيقي ذات الإيقاعات المصاحبة للطقوس الخاصة وذلك بهدف التطهير وبالتالي المتعة، ومن هنا نجد التلاحم التاريخي بين الدين والطب والفن (الطابع الاحتفالي) والأخلاق، غير أن نيتشه يُغلِّب الفن علي الدين والأخلاق؛ لأنه الأقدر في نظره علي التعبير عن الإرادة الأقوي بوصفها "الشئ-في-ذاته" في مقابل العقل ونظامه الذي يمثله أبوللو، والذي يميل إلي تشكيل هذه الإرادة وتثبيتها، وبالتالي تجميدها.

و بذلك يكون التطهير هو تحرير للانفعالات وإسكات للعقل والسخرية منه.

كما اعتبر نيتشه أن التطهير يكون علي عاتق التراجيديا برغم أن الطب يضعه علي كاهل الكوميديا أكثر، والتي تعتمد أكثر علي اللعب علي التناقضات بين المعقول والواقع المعاش، فما علة ذلك منه؟!

والمهم أن نيتشه يرفض فكرة التطهير من الانفعالات بإثارة الشفقة بل بإطلاق الانفعالات المدمرة والمحطمة لأشكال الحياة القديمة وبذلك تكون المتعة هدف التراجيديا وليس الشفقة.

11- كما أحل نيتشه تصور الإله ديونيزيوس محل المسيح لكونهما يحملان طبيعة مزدوجة، أي إلهية وبشرية معا، ولكن بدلا من عذاب المسيح والتضحية به بالصلب للخلاص الجماعي، فإن ديانة وطقوس ديونيزيوس تقوم علي الصراع بين الإلهي والإنساني أو بين المقدس والمدنس، ذلك الصراع بين الحق والباطل، بين البناء والهدم، لينتصر الهدم وبالتالي لا يحصل الخلاص الجماعي القائم علي الاستعارة، أي استعارة شخص المسيح ليكون نيابة عن البشر بالتضحية بذاته، بل مع ديونيزيوس يكون الخلاص بالقضاء المستمر علي الطبيعة الإلهية في الله لصالح الطبيعة البشرية، فلا يتم التضحية بالإله المستعار بل بالله الحقيقي الذي نشأت معه فكرة الخطيئة.و بذلك تكون فكرة الخطيئة نفسها قد ماتت بموت الإله، وبذلك تم القضاء علي الطابع الديني للسقوط وأعيد إلي أصله السيكولوجي المؤسس علي فكرة البطولة الشخصية التي تصنع الأحداث، وليس علي الأحداث التي تصنع البطل، برغم أن التراجيديا في معناها هي صراع غير متكافئ بين البطل النبيل والأحداث المقاومة له، وقطعا سينتصر هو عليها، وهذا الجانب السيكولوجي مؤسس بدوره علي أنطولوجيا حيوية أخذها نيتشه عن دارون الذي فسر الحياة بأنها صراع علي البقاء، فزايد عليه نيتشه بأنه صراع علي القوة.

ومن المؤكد أن هناك اختلافا شكليا بينهما؛لأن الحياة تتصارع لتتفوق علي نفسها، ولا تبقي لمجرد البقاء، ويدل علي ذلك تطورها.

ونجد أن المفهوم ذاته موجودا أيضا علي المستوي النفسي التي هي عبارة عن محاولات التخلص أو الخلاص من الاعتياد باكتساب عادات جديدة.

كما أن فكرة الخلاص الجماعي لن يستطيعه الفن ممثلا في أي صورة سواء أكان مسرحا أم موسيقي، إلا عندما يتحول هذا الفن إلي شعائري أو احتفالي كما هو الحال في الموسيقي الكنسية، حيث تكون الموسيقي مكملا للشعائر، في حين يريد نيتشه جعل الفن مكتفيا بذاته، وقطعا فإن ذلك لن يجعله مؤسسيا أو جماعيا.و بالتالي سيظل تجربة تلقٍ فردي حتي في الشكل والمضمون، وفي جميع الأحوال سيظل تجربة تلقٍ، ولن يصل إلي درجة الجماعية في الأداء الإبداعي، وبذلك يشترك مع الخلاص المسيحي في كونه مجرد انفعال أو تلق أو نعمة أو فضل من الله الذي يبادر بالتضحية بجانبه الإلهي من أجل الإنسان، وهذه أكبر مفارقات المسيحية!

فكان من نيتشه أن فعل العكس، أي تخلص من الجانب الإلهي في المسيح من أجل أن تأليه الإنسان.و بذلك تعود فلسفته مجرد تعبير مختلف عن فلسفة فويرباخ.و لكن فلسفة فويرباخ متعادلة نظريا لأنك تستطيع نظريا أن تبدأ من أحد طرفيها، فتفسر الإلهي بالإنساني والعكس، تماما كما يمكنك أن تفكر في المجتمع بعقل هيجل أو بعقل ماركس، وبلا أدني تناقض.

ولكن فلسفة نيتشه تعتمد علي ادعاءات برجماتية بأن الحياة هي نظرية استاطيقية-حسية، جمالية- وتستطيع ٱن تؤكد ادعاءاتها بفعلها هي، وليس من خلال حِجاج مبني علي التعادل السابق.

12- ونيتشه يعتقد بأن العقل والدين معا والفلسفة أيضا من أمراض الحضارة، ومن المؤكد أنه يصطدم بالمفارقة الواقعية (وليس النظرية التي يتبرأ منها)، ومؤداها أن الإرادة تتموضع في أشكال وأفعال محكومة بالعقل، كما أن كل أساليب العلاج النفسي تقوم علي فنيات تساعد الاستبصار العقلي وإيقاظ العقل، أو الوعي بعوامل الصراع النفسي بين المعقول واللامعقول، بين المقبول واللامعقول، للإعلاء من شأن اللامقبول.

ومن حسن الحظ أن فكرة الإعلاء نفسها موجودة فنيا عند فرويد وسبق بها نيتشه، وهي تنطوي علي فعل التوافق مع المقبول الأخلاقي، وبذلك يتأسس علم النفس علي الأخلاق ونظامها القيمي برغم أنف نيتشه.

كما أن لسان حال نيتشه في الخلاص بالمتعة برغم الألم ينطوي علي"ماسوشية"ظاهرة.

13- كما أن فكرة العود الأبدي أو التكرار فكرة عدمية لأنها عبارة عن توكيد لفظي لأفعال الإرادة وتقضي علي فكرة التجديد، وتدل علي شعور نفسي بالتناهي الذي نتخلص منه بالاعتقاد بتكرار وجودنا إلي الأبد.

14-و أخيرا فإن فلسفة نيتشه في الفن هي مجرد تعبير عن فكرة المسرح اليوناني عند اسخيلوس الذي يعد مبتكر التراجيديا الحقيقي وصاحب الفضل الأول في وجودها بصورتها التي نعرفها، فإليه يعزى إظهار الممثل الثاني مما أدّى إلى وجود الصراع بين وجهات النظر المختلفة، وإلى زيادة عنصر الحوار على (عنصر الغناء)عند الجوقة.و بالتالي يعد الصراع والغناء أو الموسيقي الكورالية (الجماعية) أهم عناصر الإمتاع الفني وتجسيد الانفعالات باسم الإرادة.

 

د. ظريف حسين

أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بجامعة الزقازيق-مصر

 

 

علي رسول الربيعيماركس / انجلز والأيديولوجيا الألمانية

أثرت أعمال هيجل على كل ركن من أركان الحياة الفكرية، في ألمانيا أولاً وخارجها ثانيا. قام بعض الفلاسفة، والأكاديميين، والنقاد في امتداح الفلسفة الجديدة التي أطلقها هيجل لكن أنتقدها بعضهم. يبرز هنا لودفيج فيورباخ (1804-1872) الذي بدا مثل هيجل، كطالب في علم اللاهوت، ثم تحول تحت تأثير وجهات النظر الهيجلية، إلى دراسة الفلسفة. لقد كان في البداية من أتباع هيجل، لكنه تحول إلى أحد منتقديه بعد ذلك. كانت شكواه أن هيجل، على الرغم من أنه يبدو ماديًا (وبالتالي كمفكر ملحد وفي هذا ما يوجب الاتفاق معه) اللا أنه كان في الواقع مدفوعًا بالدين. عبر فيورباخ عن موقفه الفلسفي المادي من خلال تأليف مصنف معادٍ للأديان، وكان من نتائج هذا فقدانه لوظيفته رغم أن الكتاب نُشر بدون الكشف عن هوية المؤلف.

درس كارل ماركس (1818-1883) القانون في بون ثم الفلسفة والتاريخ في برلين. حصل على الدكتوراه في جينا عام 1841 على أساس أطروحته عن أبيقور (342-271 قبل الميلاد) وديموقريطس (460 قبل الميلاد). وقد عرّف نفسه في وقت مبكر من تعليمه على أنه يمثل الجناح اليساري لما كان يعرف باسم "الشباب الهيجليين".  لقد جعل إلحاده العلني عمله الأكاديمي في بروسيا مستحيلًا، فبعد فترة قصيرة من عمله كمحرر لمجلة اقتصادية، ذهب إلى المنفى، الذي لم يعد منه أبدًا، إلى بروكسل، باريس، ثم لندن. كانت منشوراته الأولى الجديرة بالملاحظة هي ما يعرف باسم المخطوطات الاقتصادية والفيزيولوجية لعام 1844.[1] سرعان ما بدأت شراكته مع فريدريش أنجلز (1820-95) التي استمرت مدى الحياة، فتعاونا على اصدار كتاب "الأيديولوجيا الألمانية" في عام 1845 (التي يبدو أنها لم يُنشر إلا بعد عشرين عامًا لإنقاذه من "قضم الفئران"، كما جاء في المقدمة،).

تبدأ الـ "أطروحات حول فيورباخ" في افتتاح الأيديولوجيا الألمانية بنمطً من الرفض القاسي والساخر أزاء  الهيجليين الشباب، وهو أسلوب سوف يستمر في كتابات الماركسيين التي تنتقد مَنْ يعارض كتاباتهم منذُ عام 1845 حتى الوقت الحاضر. وتمشيا مع الاهتمام الحديث بالعملي مقابل النظري، يتحول هدف الفلسفة مع ماركس وأنجلز من الرغبة في الفهم وأن تكون مفهوما، إما من قبل القلة أو من قبل الكثيرين، إلى الرغبة في النجاح كفاعل سياسي. فتنحل الفلسفة وتعاود الظهور كسياسة. إن أبرز مثال على الجدل الفلسفي السياسي هو لينين (1870-1924)، الأب المؤسس لثورة عام 1917 التي أدت إلى قيام الاتحاد السوفيتي، والذي كتب في كتابه "الدولة والثورة" (1917): إن جدلًا ساخرًا وشديد القسوة يكاد يكون لذيذًا. لقد عامل كارل كاو تسكي، وهو اشتراكي غير ماركسي، بمثل هذه السخرية القاسية في الفصل السادس من ذلك الكتاب القصير الذي يمكن قراءته مرارًا وتكرارًا بتسلية متزايدة.

ينقد ماركس وأنجلز، في الصفحة الأولى بعد مقدمة الأيديولوجيا الألمانية، هيجل فيما يتعلق بموقفه المُعبر عنه في مصطلح “الروح العامة".  لقد تم رفض الحجة الهيجلية بوصفها تعبر عن "تعفن الروح المطلقة".[2] وبعبارة أخرى، أنهم يرون أن ما توصل إليه هيجل فيما يسميه، روح العالم، كان مفهوم قابل للتلف، وكان من المحتم أن يتعفن هذا المفهوم، وهذا ما حدث بالفعل لـ هذا المفهوم الهيجلي مع بعض أتباعه. أما المفهوم الآخر الذين تناوله وعلينا هنا فحصه وهو مفهوم "الأيديولوجيا". ويُقصدون به ما نسميه "الثقافة". فالأيديولوجيا بالنسبة لهم هي مثل تصور هيجل لـ “روح العصر". أي أنه ما يرمز الى التصور الأخلاقي والفكري للثقافة.  لقد كان يقصد ماركس وأنجلز في استخدمهما هذا المصطلح في الأيديولوجية الألمانية، شيئًا يضع هذا المفهوم في ضوء جديد تمامًا بالنسبة لنا. فتعني "الأيديولوجيا" بالنسبة لماركس وأنجلز، شيئًا مثل "المثالية".

عندما يشبه ماركس وأنجلز الإيديولوجيا بالمثالية، أو يعاملان المفهومين على أنهما قابلان للتبادل، فهذا ليس ثناء منهما ولكن يقصدون أن الأيديولوجية تقوم على " المُثل" الأفكار. بدا أفلاطون أحمق بالنسبة لهم، فقد كانوا يعتبرون المُثل كما تصورها أفلاطون عبارة عن مجرد تخيلات. إنها مثل كل فلسفة، ومثل الدين والشعر تعبير عن أوهام العقل غير المتجذر في الواقع الملموس، وهذا هو المكان الذي أخطأ فيه هيجل وأتباعه. فقد رأى ماركس وأنجلز:

لم يتخلى النقد الألماني، عن عالم الفلسفة أبدًا. فقد انبثقت، وبعيدًا عن المقدمات الفلسفية العامة، بنيًة تحقيقاته من تربة نظام فلسفي محدد ألا وهو نظام هيجل. مما أدى الى أن يلف الغموض ليس فقط إجابات النقاد الألمان ولكن تساؤلاتهم ايضًا.[3]

أيا كان ما يمكن قوله عن آراء ماركس، فإن الحديث عن فلسفة هيجل على أنها " غامضة " أمر حقيقي. يصف ماركس الفلسفة نفسها في هذا السياق بأنها خاطئة، ويجب على النقاد " للكتابة بطريقة منطقية، التخلي عن الفلسفة". إذا كان مكيافيلي هو الفيلسوف الأول الذي يضع الفلسفة في خدمة السياسة، فإن ماركس كان أول فيلسوف ينكر الشرعية أو حتى إمكانية الفلسفة.

قال هيجل أن التاريخ حل محل الفلسفة، ودفن ماركس جثة الفلسفة ودفنها بطريقة غير لائقة، فقد رأى أنه توجد بالفعل أفكار، لكنها ليست، كما فهمها أفلاطون، كيانات تعيش بذاتها في عالم منفصل عن عالم المادة القابلة للتلف والفساد.

يتداخل إنتاج الأفكار والمفاهيم والوعي بشكل مباشر مع النشاط المادي والعلاقات المادية التي هي لغة الحياة الواقعية. يظهر التصور، والتفكير، والعلاقات الفكرية او الروحية بين البشر، كتدفق مباشر لسلوكهم المادي. ينطبق الأمر نفسه على الإنتاج العقلي كما هو مطبق على السياسة والقوانين والأخلاق والدين والميتافيزيقيا. إن البشر هم المنتجون لمفاهيمهم وأفكارهم لأنهم مشروطون بتطور محدد لقواهم الإنتاجية، والعلاقات المقابلة لها، حتى في أقصى أشكالها. لا يمكن أن يكون الوعي أي شيء آخر أبدًا غير الوجود الواعي، ووجود البشر هو طريقة أو عملية حياتهم الفعلية ".[4]

إن ما أطلق عليه أفلاطون "المُثل" يسميها هيجل geistes، (الوعي بروح العصر)، ويفسر سير التاريخي على أنه ديالكتيك ذاك روح العصر. كان لروح العصر جوهره الخاص بالنسبة لهيجل، كما فهم أفلاطون المُثل، لكن هيجل أعطى تطورًا حديثًا لهذا الفهم اذ يرى: أن ارسطو أعتبر أن أفضل نظام سياسي عملي في معظم الحالات هو نوع من "النظام المختلط" والذي هو مزيجًا من الأوليغارشية والديمقراطية، وكلاهما من الأنظمة الناقصة بذاتها، لذا قد يُثرى هذا الخليط بمزيج من الأرستقراطية في بعض الحالات. وهذا هو أفضل شكل من النظام ولكن يصعب قيامه في حد ذاته. عدل هوبز تعاليم أرسطو في القرن السابع عشر، فجعل المشاعر بدلاً من العقل أساس كل شيء. أيً النظر إلى الحكم من ناحية الرغبة والحماس. إنً هذه الرغبة عند هوبز هي أساس العقيدة السياسية الحديثة التي تسمى في الاقتصاد "اليد الخفية". إنه، كما يسميه شتراوس، أول سياسي رغبوي؛ يجعل من الأنانية وصراعاتها مؤلفًا للصالح العام. لا يوجد خير مشترك على هذا النحو، فالخير العام هو ببساطة النتيجة الرياضية لسلسلة صراعات الرغبات الخاصة. يتابع هيجل مسار هوبز من خلال رؤية ديالكتيكية لروح العصر بوصفه صراع تاريخي. يحتفظ ماركس بالجدلية والعملية التاريخية والصراع، لكنه يرفض الجانب غير المادي– المثالي لهيجل، " ويبدو أنه يساوي بين هيجل وتاريخ الفلسفة بأكمله أيضًا. إنه يحتفظ بالعملية التاريخية الهيجلية، والجدلية الهيجلية، والصراع الهيجلي، ويجمعها مع صيغة معينة من المادية.  لقد رأى ماركس وأنجلز في "الأيديولوجيا الألمانية":

إذا قلب البشر ظروفهم، في كل ايديولوجيا، رأسًا على عقب كما هو الحال في كاميرا التصوير، تنشأ حقيقة سير حياتهم التاريخية تمامًا مثل انعكاس الأشياء على شبكية العين هي من حياتهم المادية.

في تناقض مباشر مع الأيديولوجية الألمانية التي تنزل من السماء إلى الأرض، نصعد هنا من الأرض إلى السماء. أي أننا لا ننطلق مما يقوله البشر ولا مما يتخيلونه أو يتصورونه من أجل الوصول إلى ما هو متجسد فعليًا؛ ولكن ننطلق من بشر موجودين حقيقيين ونشطين فعليًا، وعلى أساس سيرتهم الحياتية الواقعية، فنظهر الانعكاسات الأيديولوجية وأصداء هذه العملية الحياتية في الأخلاق والدين والميتافيزيقيا وكل ما يقابلها من أشكال للوعي.[5]

تنظر كل أيديولوجيا، أي المثالية، أي الفلسفة كلها، بشكل مقلوب الى الواقع، حيث تنظر اليه بوصفه نتاج ثانوي للفكر. إن الحالة الحقيقية للأشياء هي أن الفكر مبني على السير المادي للتاريخ. إنها تعبر عما أطلق عليه الماركسيون فيما بعد "المادية الديالكتيكية". (لم يستخدم ماركس هذا المصطلح أبدًا، لكن استخدام من قبل أتباعه). لقد فهم هيجل والهيجليون، مثل كل الفلاسفة من قبلهم، كل شيء خاطئًا لأنهم بدلاً من الوقوف على أقدامهم على أرض صلبة يقفون على رؤوسهم على سحابة. وكما وصف ماركس وأنجلز في كتابات أخرى، بما في ذلك البيان الشيوعي (1848)، الفلسفة هي بنية فوقية تتراكم فوق الظروف المادية في ذلك الوقت التي أُنتجت هي فيه. "عندما يتم وصف الواقع، تفقد الفلسفة باعتبارها فرعًا مستقلاً من النشاط وسيط وجودها... فإذا نظرنا إلى هذه الأفكار التجريدية بصرف النظر عن التاريخ الحقيقي، فليس لها في حد ذاتها أي قيمة على الإطلاق".[6]

هناك، بالطبع، الكثير مما يمكن قوله عن ماركس وأنجلز والمعرفة الماركسية الصاخبة ككل، لكن يكفي للأغراض المحدودة لهذا المقال تلخيصها بالقول إن ماركس يواصل النزعة التاريخية التي بدأها روسو وطورها هيجل. لقد فعل ذلك بقبوله الجزء الأكبر من هيجل، واستبعاد ما يسميه "صوفية" هيجل، ووضع صيغته الخاصة من المادية مكانها بحيث يؤدي الديالكتيك التاريخي إلى نهاية التاريخ ليس كدولة هيجل البروتستانتية الألمانية، ولكن كعالم جديد ورائع للشيوعية المطلقة.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

........................

[1] حول فيورباخ وماركس أنظر:

Feuerbach and Marx can be found in The Encyclopedia of Philosophy, 8 vols., New York, 1967, Macmillan (Feuerbach in vol. 3; Marx in vol. 5).

وأنا مدين لهذه المقالة في هذا التفصيل.

[2] Marx and Engels, The German Ideology, R Pascal, ed., New York, 1947, International Pub­lishers, p. 3.

[3] Marx and Engels, The German Ideology, p.4.

[4] Marx and Engels, The German Ideology, pp. 13-14.

[5] Marx and Engels, The German Ideology, pp. 13-14.

[6] Marx and Engels, The German Ideology, p.15.

 

علي محمد اليوسف(1) البنية اللغوية في موازاة الواقع

هل تراجعت اللغة كنسق نظامي مستقل في تعبيرها عن الوجود؟، وهل اصبحت جوهرا محايدا في فلسفة اللغة وتيارات فلاسفة التاويلية والتفكيكية والتحليلية في تعبيراللغة عن المعنى الدال وتراجعت ومهمة التواصل المجتمعي الى مرتبة ثانوية في خلق عوالمها الموازية لعالم الواقع الحقيقي لا تقاطعه ولا تحتدم معه بصراع ولا تتلاشى فيه كتكوين تجديدي؟ هل تنازلت اللغة عن مهمتها في تحقيقها الإدراك الشيئي القائم على مطابقة الدال اللغوي مع المدلول الشيئي مطابقة تامة تجعل من المدركات الشيئية بديهيات معرفية لا تقبل التشكيك بها، بعدما إكتسبت تلك الاشياء البداهة الموجودية في مطابقة الدلالة اللغوية مع وجودها الشيئي زمكانيا؟.

فلسفة اللغة أدخلت مبحث اللغة في دوامة من المتناقضات التي إعتبرها فلاسفة اللغة وعلوم اللسانيات وفلاسفة مبدأ التحول اللغوي علي يد كل من فريجة ودي سوسير، وفلاسفة اللغة، ونظرية القراءة الجديدة وحفريات النص في تقصّي البحث عن فائض المعنى اللغوي.  المعنى غير المكتشف في ثنايا تداولية اللغة بمثابة محاولة عملية إنقاذ فاشلة لمباحث الفلسفة من تقليديتها الخاوية المفرغة في مرحلة الاحتضار والموت البطيء التي كانت تعانيه طيلة قرون طويلة في دورانها المتمركز حول الانسان والمعرفة والوجود والطبيعة والعلاقات البينية بين تلك المباحث وغيرها. ما اقصده هنا هو تشخيص الاعتلال والمرض لا يعني إمكانية معالجة الشفاء منه كما حاولته تيارات ومدارس فلسفة اللغة والتحويل اللغوي.

الحقيقة التي لا يمكن القفز من فوقها أن التيارات الفلسفية التي عمّت وسادت اوربا وامريكا بعد أفول نجم البنيوية التي رافقت بكل إمكاناتها طروحات مرحلة ما بعد الحداثة، لم تحقق الطموح الذي كانت تتوخاه من عملية التحول اللغوي وإعتماد علوم اللسانيات وفلسفة اللغة وما يتفرع عنها في محاولة إدخال فلسفة اللغة في كل مبحث فلسفي أو مبحث معرفي حتى وصل الحد تجاوزإدخال الفلسفة بعلوم الفيزياء الى إدخالها في علوم الرياضيات وباقي العلوم الطبيعية التي تمتلك خصائصها النوعية التي تقاطع منطق الفلسفة تماما. ليس في إختلاف شكلية التعبير اللغوي بين الفلسفة التي تعتمد اللغة الابجدية الصوتية، وبين العلوم الطبيعية التي يكون تعبيرها اللغوي هو علامات ورموز ما يسمى بالمعادلات الرياضية . إنما الإختلاف أبعد من ذلك حول إهتمامات ما يشغل التفكير العلمي في تقاطعه مع ما يشغل مباحث الفلسفة. ولو نحن إستقصينا في جردة سريعة الإخفاقات التي رافقت فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات ولم تنجز اليسير مما كان يمّثل طموحا مرتجى صدر عنها وأعلنت هي عنه، فلا البنيوية ولا التاويلية ولا حتى نهايات الوجودية الحديثة، ولا التفكيكية، ولا العدمية ولا التحليلية المنطقية الانجليزية جميعهم منفردين ولا حتى متداخلين لم يتمكنوا من إسعاف بعضهم البعض ولا إستطاعوا إنجاز ما كانوا يأملونه من توظيفات فلسفة اللغة وعلوم اللغة واللسانيات بما لا يمكن حصره من مباحث وقضايا كانت فلسفة اللغة على الدوام توازيها ولا تتقاطع أو تتداخل معها حينما كانت غارقة في مثالية إعتماد مركزية اللغة هي الحل السحري لمشاكل وقضايا الفلسفة المستعصية أو التي ميئوس منها..

أغلب المطلعين على مباحث فلسفة اللغة يدركون جيدا أن المبدأ العام في المنطق النظري الذي طرحته فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات كان في تمام المقبولية والإقرار بحقيقة أن معنى اللغة أضاع على مباحث الفلسفة الوصول الى مثابات إرتكاز تجديدية لم تتحقق عبر تاريخها الطويل وبقيت مباحث الفلسفة التقليدية تراوح مكانها إجترارا تقليديا لا معنى له بات مركونا بالظل في غياب توافر ملء الفراغ التجديدي له. وقالوا مشكلة الفلسفة اولا واخيرا مشكلة تعبير اللغة.

فلسفة اللغة حديثا شطرت مباحث الفلسفة شطرين :الاول أن مباحث فلسفة اللغة هي ليست الابحار العميق في تقليب صفحات تتوخى تصحيح نحو اللغة وقواعدها  التركيبية لإعطاء كمال المعنى باللغة المجردة عن كل قصدية قبلية سابقة تروم وصولها. والثاني وجدوا في مباحث فلسفة اللغة أنها لم تكن غاية بذاتها بل وسيلة تصحيح مسارات مباحث الفلسفة الغارقة في مستنقعات الإعادة والتكرار في مواضيع تتوزعها مباحث الوجود ومباحث الابستمولوجيا والمعارف، ومباحث القيم الاخلاقية.

لذا نجد أول من تنبّه تحاشي هذا المنزلق الخطير هو الفلسفة البنيوية التي ركنت مباحث فلسفة اللغة جانبا بعد أن كانت ألسبّاقة الاولى في فتحها فضاءات فلسفة اللغة والمعنى على يدي سوسير وشتراوس وبياجيه، كما وركنت مباحث الفلسفة التقليدية ثانيا لتقوم بطرق أبواب مباحث فلسفية لم تكن ذات إهتمام عند الفلاسفة طيلة قرون، كما نجد ذلك عند فوكو والتوسير ولاكان ودي سوسير وليفي شتراوس وباشلار وهكذا في اشتغالهم على مباحث فلسفية لا علاقة ترابطية تداخلية لها مع مركزية فلسفة وعلوم اللغة.

أبدأ بسؤال :هل فلسفة اللغة أغنت مباحث الفلسفة القديمة والحديثة التي جاءت بها؟ أم عملت على تشتيت إهتمامات الفلسفة في السير وراء تجريدات من الاشتغال على بنية اللغة كنصوص تتداولها الفلسفة بما هي لغة تشكيل علاماتي يتكوّن من نحو وقواعد وصرف خاصة باللغة شكلا لا محتوى؟ أم أن فلسفة اللغة فتحت أبوابا بحثية فلسفية كانت موصدة ولم تحقق المرجو المطلوب منها حيث أضحى تراشق تهم خيانة اللغة وبراءة الفكر في أولويات مداخل مباحث الفلسفة اللغوية التي أصبحت في متراكمها (الكمّي والنوعي) متاهات من التجريد الذي جعل من اللغة إنفصالا تاما عن كل ما هو جدير بالإهتمام في الحياة والانسان والعقل ناهيك عن العلم بكل تجليّاته.

هنا ربما يساء الفهم أننا نطالب أن تكون مباحث فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات ايديولوجيات تعبوية ملتزمة قضايا الانسان في حياته اليومية.من هذه النقطة الاخيرة نستعير كلمات بول ريكور في إدانة إنفصال اللغة عن الواقع الميداني، والمفارقة الغريبة هي أن بول ريكور هو الآخر كان يسبح في مغطس تضليل الفلسفة بإسم الإحتماء خلف فلسفة اللغة في تاويليته. لكنه ربما أراد ترقيع الفتق الفاصل بين اللغة والفلسفة بما أطلق عليه التاويلية أو الهورمنطيقا التي لم تغادر محكومية  الإنقياد وراء فلسفة اللغة لها.

أمام حقيقة الاصطدام أن فلسفة اللغة أصبحت إنفصالا تاما عن التزامها التعبير عن الواقع الخارجي الحياتي للانسان، وصف بول ريكور فيلسوف التاويلية إدانته الفلسفة البنيوية التي خرج من تحت عباءتها قائلا ما معناه  التفكير البنيوي النسقي في البنيوية كان يتخّبط في نمطيّة كليّة من التفكير في عالم اللغة الداخلي الذي يتخّطى جميع الاشتراطات المنهجية الذي ينشدها عالم الانسان الخارجي، عليه لم تعد اللغة بعدها توسيطا بين العقل والاشياء بل البحث عن تشكيل بنية عالم لغوي منفرد خاص باللغة وحدها . بهذه النظرة رفض بول ريكور الفكرة الأساسية التي كان دافع فينجشتين عنها بإلحاح حينما كان أحد اعضاء فلسفة تحليلية اكسفورد في وجوب التعامل مع اللغة بوصفها صورة حياتية تنمو وتتطور من خلال طبيعتها المجتمعية، وفي وجوب جريان ينابيع اللغة مع دفق الحياة في سيرورتها الدائمية. وكأنما كنت هذه الدعوة من فينجشتين هي تكفير عن ذنب إرتكبه وخرجت معالجته من بين يديه. وحتى ريكور رغم إدانته الصحيحة للبنيوية فهو عجز عن إعطاء بديل عنها. بول ريكور في الهورمنطيقا سبق جميع التيارات الفلسفية السابقة عليه في رفضه إتجاهين فلسفيين رئيسيين أحدهما متمثلا بالفلسفة التي كانت تنادي في إصلاح معنى اللغة تمهيدا لإصلاح قضايا الفلسفة عامة في وضعها على سكة معالجتها قضايا فلسفية تكون فيها اللغة ليست بنية نسقية في تنظيم نفسها باستقلالية تامة عن عالم الانسان الخارجي، والإتجاه الثاني أن اللغة كبنية تبني نفسها بنفسها  كي لا تكون سلوكا نفسيا ولا نزوعا فطريا يسكن الفرد يتطور ذاتيا بمعزل أن يكون للمجتمع دورا تكامليا معه.، فأصبحت فلسفة اللغة لا علاقة لها مع وجوب معالجة قضايا إنسانية هي خارج تشكيل إستقلالية بناء نسق لغوي من التجريد لا يمكن تطبيقه ولو جزئيا على ضروب معرفية سوى ما جرى على مستوى نقد الادب كما فعل رولان بارت، وغيره من المتاثرين بتفكيكية جاك دريدا ممن وجدوا في معالم التفكيكية وبعض موروثات البنيوية إمكانية أن تكون منهاجا تطبيقيا تجديديا في ضروب مناهج النقد الادبي...

ربما يبدو مصادرة فكرية قولنا كان سعي بول ريكور تاسيس بنية لغوية هي إكتفاء لغوي ذاتي يقوم على إعتماد تطورات اللغة في مجمل التناقضات والاختلافات والفروقات القائمة داخل النظام اللغوي المستقل عن العالم الخارجي.. النسق اللغوي المكتفي ذاتيا الذي إخترعه ريكور ودريدا بفارق ليس جوهريا، هو خلق نسق لغوي إغترابي تعسّفي داخل نظام اللغة ما جعل الفلسفة تدور في مناخات البحث عن التجديد الذي قفلته مباحث فلسفة اللغة الخالية من مضمونية شكل اللغة بما هي قواعد نحوية...

(2) البنيوية واللغة

رغم أن البنيوية اشّرت وظيفة اللغة في فلسفة العقل ونظرية المعنى، أن وظيفة اللغة لم تعد تلك الوسيلة المعرفية لفهم الواقع والتعبير عن مشكلاته، وخرجت اللغة أن تكون وسيطا علائقيا بين الأفكار والاشياء. نجد بول ريكور شنّ هجوما على البنيوية من حيث أنها تعاملت مع اللغة خارج  منطق اللغة في التعبير المستقل عن ذاتيتها.

فالبنيوية لم تحاول مسك تلابيب الواقع الخارجي وتوظيف نظرية المعنى في جعل علاقة اللغة بالواقع علاقة جدلية مثمرة وليست منفصمة كما أرادت البنيوية وريكور ذلك. البنيوية منذ بدايات دي سوسير عام 1905 لم تعمل على ترسيخ حيوية اللغة في ربطها بالواقع كما تبنّى فينجشتين هذا الطرح لاحقا قبيل وفاته، وكان تحذيره من انزلاق الفلسفة نحو انشاء بنيّة كليّة تجعل من اللغة اكتفاءا ذاتيا لا يؤثر بالواقع الخارجي ولا يتأثر به ويكون خطرا لم تتم معالجته. ما عدا التماعات متناثرة تبنّاها جورج مور في دعوته من داخل الفلسفة المنطقية التحليلية الانجليزية الى أن يكون أصلاح قضايا الفلسفة إنما يكون في إصلاح نظام اللغة التي إنحرفت الفلسفة عموما به ودعا مور الى أهمية اللغة العادية المجتمعية في تطوير الفلسفة من جهة وتطوير مباحثها من جهة أخرى.هذه الدعوة ذهبت أدراج الرياح في إصرار كلا من بيرتراند رسل أن تكون مباحث فلسفة اللغة تقوم على الرياضيات والمنطق حسب وصّية فريجة نصا وأقنع فينجشتين بذلك ايضا. وإهتمام راسل بمبحث الرياضيات بشكل استثنائي يوازي لابل يفوق إهتماماته الفلسفية والمنطقية ما جعله يتنقل في مؤلفاته من مبحث لآخرفي تنويعة بدت لبعض المهتمين بالفلسفة متناقضات. والى جانب ذلك برزت مدرستي التوليدية اللغوية الفطرية لدى نعوم جومسكي، وأخرى مناوئة لها أطلقت على نفسها فلسفة السلوك اللغوي روادها ودعاتها هم الفلاسفة الاميركان حصرا نأتي على ذكرهم لاحقا.

(3) الوعي واللغة

طرح الباحث اللغوي عبد القادر البار تساؤلا هاما على صعيد إشكالية اللغة مع الفلسفة. قائلا : أين يوجد معنى اللغة؟ هل يوجد في أذهان البشر؟ أم يوجد في العالم الخارجي المشترك بينهم؟ وهل يمكن للمعنى أن يتكون وينمو خارج المكونات التقليدية الخاصة بما لا يمكن تجاوزه بسهولة ؟

نجد في محاولة مقاربة فتح هذه المسالك الفلسفية أن نبدا بالوعي كمفردة مفتاحية للدخول في معترك تلك الاسئلة المتداخلة...فالوعي يمكننا تصنيفه الحذر أنه حلقة في بايولوجيا منظومة العقل الادراكية ليست لها ميزة فيزيائية غير تجريدية كما هو حال الفكر واللغة. والوعي الذي أصبح له فلسفة خاصة به. الوعي الذاتي أي تعبير ذهن الانسان عن مدركاته إنما يمتلك معان مستمدة من الاحساسات يمكن أن تكون إضافة نوعية تثري المعنى اللغوي في تعبيره.

في أغلب الاحيان لا يطابق معنى الذهن معنى الموجود المادي في واقعه الاستقلالي، كون جوهر الذهن هوإنطباعات عشوائية خارجية وليس جوهر الذهن افكارا إكتسبت كامل اليقينية، فهل نلجأ الى تفعيل دور الوعي أن يكون وسطا بين المدرك المادي ومعنى التعبير اللغوي عنه؟ الوعي يتداخل جدليّا بينه وبين ما يمتلكه الذهن من معنى لم يأخذ حيّز التنفيذ الإفصاحي لغويا له، لذا يكون الوعي توسيط بين الذهن(الانطباعات) المؤقتة، والمعنى الدلالي اللغوي عن الشيء المقصود. والوعي كما أشرنا هو خصيصة إدراكية ذاتية منفردة، بمعنى حينما نقول الوعي الجمعي أو الوعي المجتمعي فهذا لا يتحقق على صعيد التفكير المنفرد بل يتحقق على صعيد التوافق غير المعلن لمجموعة من الناس في التعبير عن قضية أو عن موضوع يجمعون عليه سواء أكان ماديا أو غير مادي معين. وما يدركه الذهن من معنى هو إدراكات إنطباعية لتداعيات فارقته بسهولة. ألذهن ليس مستودعا لتخزين الانطباعات ولا حتى الافكار. والوعي لا يعمل في فراغ ولا يعّبر عن معنى غير قصدي يمكن التأكد منه.الذهن ليس ذاكرة من جهة، ولا هي عقل تفكيري ينوب عن العقل من جهة ثانية، واخيرا الذهن ليس مستودعا لتخزين الافكار فيه.

الوعي هو معنى لغوي وحلقة غير منظورة في منظومة العقل الإدراكية، هذه المنظومة الادراكية بعضها بايولوجي عضوي وظيفي مثل الحواس والجهاز العصبي ومحتويات تكوين الدماغ، وبعضها الآخر له مناطق عصبية مسؤولة عنه في القشرة الإمامية للدماغ، وهي في حقيقتها الإفصاحية بالدلالة إنما هي تعبيرات من الفهم الادراكي التجريدي مثل الاحساسات، الاحاسيس، الذهن، الذاكرة، المخيلة، الوعي، الادراك، الفكر، واللغة. والوعي لا يكون تعبيرا أفصاحيا ذاتيا عن اشياء خارجية مادية فقط وإنما الوعي يكون إستجابة إدراكية داخلية أيضا في التعبير عن النفس والعواطف والضمير والاخلاق والسلوك وغيرها.

(4) الوعي الفلسفي

الوعي مصطلح فلسفي تجريدي – بيولوجي الولادة غامض، والخوض في معتركه لا يسلم صاحبه من الأخطاء لكن مع هذا فالدراسات والابحاث الفلسفية العديدة بدأت التركيز على بسط الوعي كمبحث فلسفي يستحق الإهتمام الإستثنائي به.

ومنذ منتصف القرن العشرين حينما أصبحت فلسفة اللغة هي الفلسفة الاولى، نشأ الاهتمام الملتبس حول الوعي الفلسفي، وأكثر الفلاسفة إهتماما بالوعي هم الفلاسفة الاميركان المعاصرين يتقدمهم جون سيرل وريتشارد رورتي وسيلارز وكواين يسبقهم الانجليزي جلبرت رايل فيلسوف العقل...حين وجدوا في فلسفة العقل واللغة الارضية المناسبة للاهتمام بدراسة الوعي من الناحية الفلسفية إذ لم يروا مناسبا طغيان التحول اللغوي على مباحث الفلسفة في هيمنة الفلاسفة الفرنسيين على المشهد اوربيا ويبقى الفلاسفة الاميركان متفرجين، فعمدوا الى إستعارة مفهوم الوعي من عميد البراجماتية الامريكية وليم جيمس عالم النفس وفيلسوف الذرائعية الذي لخّص فهمه الوعي :

* اولا الوعي يقوم على أساس أنه ليس جوهرا مستقلا بل هو وظيفة.

نزع صفة الجوهر عن الوعي في إعتباره وظيفة فقط لا يقلل من أهميته أنه حلقة إدراكية غير فيزيائية تعبر عن جوهر العقل الذي ليس هو ماهية مفكرة فقط، لذا فالوعي يستمد جوهره من العقل بإعتباره وظيفة ملحقة لا غنى للعقل عنها. فالوعي إفصاح ادراكي وسيلته التعبيرية الفكر واللغة.

رب تساؤل يقول مالفرق بين وظائف العقل والوعي والذهن والذاكرة، وهل بمكنة وإستطاعة الوعي الإنابة عن العقل بالوظيفة الإدراكية؟ لكي نجيب:

- الوعي لا يقوم بمهمة العقل التفكيرية بل هو الوسيلة لذلك.

- الوعي إستجابة ناقلة لردود أفعال العقل، وكذلك وظيفة ناقله لإنطباعات الذهن الى العقل.

- يشترك العقل والوعي بوسيلة الفكر واللغة في الافصاح التعبيري عن مدركاتهما.

- ما يدركه العقل يدركه الوعي بالضرورة، بفارق العقل جوهر كليّ والوعي جوهر وظيفي جزئي حلقة في منظومة العقل الادراكية.

* الصفة الثانية للوعي حسب وليم جيمس أن الوعي تجربة صرفة لا يمكن تجزئتها الى أفكار واشياء، والوعي ليس تجربة عقلية ولا طبيعية . وتعقيبنا عليه هو:

- الوعي تجربة صرفة يمكن تجزئتها الى أفكار إدراكية لاشياء بإعتباره حلقة تابعة لمنظومة العقل الإدراكية. كل حلقة في منظومة العقل الادراكية هي جزء يمّثل نفسه بدلالة مرجعية العقل له، لكنه لا ينوب عن العقل في دلالة الادراك الكامل عن الاشياء منفردا.

- الوعي هو فكر وإحساس عن شيء شأنه شأن ووظيفة كل حلقة إدراكية مرجعيتها العقل. وليم جيمس كونه عالم نفس وفيلسوف يريد أن يجعل  الوعي إنطباع نفسي حين يصفه ليس تجربة عقلية ولا هو تجربة طبيعية.

- لا يمكن الحكم على الوعي انه ليس تجربة عقلية ولا طبيعية وهو حلقة توسيط ادراكية للعقل.الوعي تجربة عقلية في مرجعية العقل له وليس هناك وعي يريد الافصاح عن ذاتيته من غير وصاية العقل عليه.

- نعت وليم جيمس الوعي انه ليس تجربة عقلية ولا طبيعية في تعبير خاطيء بوضوح، فالوعي يستمد سمته العقلية من جوهر العقل الادراكي التفكيري الذي يرتبط به الوعي، ولا يمكن أن يكون للعقل مخرجات معرفية يصدرها العقل عن شيء لا يكون الوعي ناقلا لها.

- قول وليم جيمس  الوعي ليس تجربة طبيعية غير صحيحة، فالطبيعة وكل ما يدركه العقل يجري وفق تراتيبية نظامية طبيعية للعقل والوعي جزءا من العقل وليس طارئا منفصلا عنه. والوعي هو إدراك متعال على الطبيعة وليس ناتجا عنها.كما هو شان العقل بعلاقته بالطبيعة هو جزء منها متعال بذكائه عنها..

- اذا إعتبرنا مع وليم جيمس الوعي ليس ليس تجربة طبيعية بمعنى ليس تجربة فطرية مرتبطة بفطرية العقل الادراكي يحوزها الانسان كجزء من تكوين العقل في وظيفته غير الفيزيائية كون الوعي تجريد لغوي يحتوي الفكر التجريدي بينما العقل تجريد ناتج عن منظومة عضوية بايولوجية هي جزء من تكوين جسم الانسان تسمى العقل الوظيفي العضوي (الدماغ ومحتوياته من المخ، المخيخ، النخاع الشوكي، ومنظومة شبكة الاعصاب الناقلة والمستلمة للاحساسات والمثيرات..). لا يشترط أن يكون ما هو طبيعي جزءا من الطبيعة ولا منقادا لها وهو ما ينطبق على الوعي كونه حلقة إستدلالية معرفية تطال كل موجود في الطبيعة ولا تكون جزءا منها.

(5) الوعي واللغة

تعتبر الكتابة في أبسط تعبير لها هي عملية تدوين الافكار اللغوية من حالة المشافهة المنطوقة صوتيا لسانيا الى حالة التدوين الكتابي المقروء أو المنظور الصامت. ويعتبر إختراع الكتابة طفرة نوعية في اللغة ترقى الى مستوى إختراع الانسان لغة الكلام. ويرى غودي "أن الكتابة هي إرتقاء الى شكل جديد من أشكال التقنيّات الفكرية وبالتالي الى شكل جديد من العقلية ".بهذا المعنى تكون الكتابة هي الخروج من الخاص الى الفضاء العام بأن لغة الكتابة تصبح من حصة المجموع اولا، وتصبح الافكار المكتوبة تدوينا عابرا للتاريخ باقيا على مر الاجيال من غير إندثار بخلاف لغة الكلام الشفاهي التي تندثر في فترة زمنية محدودة.ونستطيع القول أن اللغة أوالكلام الشفاهي هو كل ما لا نتمكن من حفظه تاريخيا زمانيا الا بوسيلتي التدوين الكتابي أو التسجيل الآلي للغة المشافهة صورة وصوت. بخلاف اللغة المكتوبة التي تعتمد تدوين العقل لها.

نتساءل الآن هل توجد لغة في ما وراء المدلول الشيئي.؟

هناك ظاهرة يصفها علماء اللغة بمصطلح ما (فوق لغوية) وهي إمتلاك بعض الشعوب تجربة تقنية لغوية من دون تعلم مسّبق قواعد ونظام نحو تلك اللغة، فمثلا عندنا في لغتنا العربية نجد الشعراء العرب نظموا الشعر موزونا مقفى بضوابط بحور الشعر قبل وضع العبقري الخليل بن احمد الفراهيدي المتوفي سنة 170 هجرية نظام العروض الشعري. أي بعد مضي قرون طويلة على تداول العرب الشعر الجاهلي وهم لا يعرفون ما معنى بحور الشعر بل كانوا يدركون الشعربالسليقة كلاما له ضوابط تميّزه عن النثر. كما يذهب علماء اللغة المحدثين "عدم وجود علم لغة الا اذا كان هناك علم ماوراء لغوي، اي عندما يكون لدينا لغة ماورائية (ما وراء اللغة ) هي لتمثيل لغة اخرى هي اللغة الموضوع " ومعنى ذلك إن فنون اللغة تنشا قبل علوم اللغة. أي كما ذكرنا لا يشترط الابداع في اللغة أن يقوم على مدى إتقان قواعد تلك اللغة، لكنما برأينا نجد هذا الحكم نسبيا بالنسبة للغات منها اللغة العربية. حين قام الخليلي بن احمد الفراهيدي في القرن الثاني الهجري بتنقيط المصحف المكتوب في وضعه علامات الحركات في ملازمتها الحروف كصوت لغوي  الكسرة، الضمة، الفتحة، السكون، والشدّة لم يكن إحد من عرب ذاك الزمان (يلحن) في لفظ المفردات ويعرف بالفطرة المتوارثة الفرق بين المرفوع، والمنصوب، والمجرور، والفرق بين الاسم والفعل والحرف وما يتفرع عنها في صياغة الجمل والعبارات. هذه الظاهرة هي مايسمى فوق اللغة.

يتبع لاحقا ج5

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

علي محمد اليوسف(1) العلم / الوعي والادراك

"الى أي مدى يمكننا قبول مقولة  كانط " إكتساب المعرفة ينحصر على نطاق حدسي حسّي وبدون الاحساسات تبقى مقولات العقل الصادرة عن الحواس فارغة " بضوء الأخذ بنظر الإعتبار أن الحواس تضليل للعقل، والحدس يقبل المراوغة التي تفرضها مخاتلة وقصور ملازمة الفكر واللغة في التعبير عن ما ندركه، هل هو صورة ذلك الشيء المدرك أم هي حقيقته كاملة؟.. ثمة تعريفات وردت على لسان كبار الفلاسفة الغربيين ربما تكون مشاعل إستدلال لنا منها:

- ينكر ديفيد هيوم اية قيمة موضوعية للقوانين العامة والعالم الحقيقي لا يقوم إلا على الاعتقاد. ليس غريبا هذا على هيوم الذي ينكر ثلاثة ثوابت قارّة بالفلسفة لا يمكن القفز من فوقها بسهولة هي بتعبير هيوم :لا يوجد عالم مادي خارج مدركاتنا الحسيّة وما ندركه موجود وما لا ندركه غير موجود، ثانيا لا وجود لنظام سببي يحكم ظواهر ووقائع الحياة سبب ونتيجة ، ثالثا لا يوجد ما يعرف بالعقل خارج ماهيته التفكيرية التجريدية فقط العقل هو تصوراتنا عن الاشياء وعالمنا الخارجي.

- الحقيقة الفلسفية بحسب لايبنتيز هي ما يمكننا تحديده بالكامل، ويقصد لايبنتيز بالحقيقة الواقعية المدركة وليس مطلق الحقيقة. كيف نمرر مقولة لايبنتيز بضوء نسبية كل شيء بالعالم الطبيعي والكوني؟ تحديد كامل الحقيقة شيء متعذّر تحققه. أما أن يقصد لايبنتيز الحقيقة الكاملة هي تجربة علمية وليست إدراكا عقليا أخذ تعبير الفكر واللغة عنه فقط فهي وجهة نظر تفرض مقبوليتها قدرات التجربة العلمية وليس قدرات تفكير العقل المجرد.

- المذهب الثنائي الديكارتي يقوم على وجود جوهرين فقط هما العقل وماهيته التفكير، والمادة وماهيتها الإمتداد والحركة. وهذا تعبير يدخل مجال فيزياء العلم  وفيزياء المعرفة الفلسفية على السواء. وما يترتب على هذا المعنى أن إحساساتنا الإدراكية ليس بمقدورها الفصل بين حقيقة الشيء في وجوده المادي عن حقيقة الشيء في تصوره التجريدي الذهني.

- كل وعي إدراكي بحسب سيلارز شأن بدايته اللغة. هنا يقصد سيلارز بالوعي العقلي للمادة تفكيرا إستبطانيا داخل منظومة العقل الإدراكية، واللغة تعبير صوتي عن موجودات المادة خارجيا، وتفكير اللغة وعيا إدراكيا لاصوتيا صامتا داخليا. صحيح جدا الوعي هو تفكير عقلي لكنه في مجال الفلسفة يكون الوعي قريبا من علم النفس السلوكي أكثر منه قربا من تجريد الفلسفة كمنطق لغوي.

- ينكر وليم جيمس أنه يوجد شيء حقيقي يسمّى (الوعي) على صورة مادة أو جوهر، موضّحا الواقع الوحيد الذي نعتمده هو التجربة في سياقها يكون كل شيء، وكل الذوات العارفة صاحبة الوعي والموضوعات المعروفة. الحقيقة الصادقة عند وليم جيمس"أنها ما يمّثل لدينا الأفضل لإعتقادنا، وليس التمثيل الدقيق للواقع" وصاغ وليم جيمس عميد الفلسفة البراجماتية نظريته بالصدق مفادها أن صدق التصور ليس سكونيا، فالتصّور لا يمتلك صدقه في ذاته. بل صدقه تحدده التجربة التطبيقية في تحقيق المنفعة، ومعنى ذلك المعرفة ليست جاهزة صحيحة في مقبوليتها بل هي إبنة التجربة التي أنجبتها. كما والصدق عند وليم جيمس هو صدق التصور أو الفكرة التي حمولتها منفعة في التطبيق، فكل نافع حق وصادق وكل ما هو غير صادق وزائف هو الذي لاينفعنا بالحياة.

(2) الفكر والحركة

يتفرّد هوبز فيلسوف عصر النهضة الاوربية بتعريفه الفكر هو حركة الجسم، بمعنى الفكر هو سلوك عقلي، وليس نتاج عقلي مجردا من واقعه المادي. والفكر هو توليد عقلي في معرفة موجود أو معرفة موضوع. الفكر ربما يكون إمتدادا لفكر سابق عليه، وربما يكون فكر ثالث يليهما وهكذا، لكن العبرة ليست في تناسلية الفكر اللاحق عن السابق بل الأهمية القصوى أن الفكر تكون مرجعيته المادة والوجود المادي حتى قبل إدراك العقل له وتعبير اللغة عنه. وهذا لا ينفي أن خاصّية العقل الجوهرية الاولى هي توليده الافكار التي ليست مجردة عن تفسير الواقع المادي لكنها ليست جزءا ماديا غير تجريدي في التعبير عنه.  الفكر يمتاز بالخصائص التالية:

- الفكر تعبير عن إدراك شيء مادي أوتعبير عن شيء خيالي، وسيلة تعبير الفكر عن نفسه خارجيا هو اللغة الصوتية المسموعة حوارا أو المكتوبة  قراءة. وتعبير الفكر عن نفسه ذهنيا هو لغة تصوّرية مركوزة بالذاكرة التي تعي موضوع الفكر الذي تختزنه فيها.

- الفكر توليد عقلي بمعنى الفكر يعبّر عن وعي قصدي يتمّثل هذا الوعي بسلوك الانسان ضمن مجتمع يحتويه. وميزة الفكر المستمدة من العقل أنه تعبير عن شيء مادي أو موضوع خيالي والفكر لا يخلق تعبيره اللغوي من فراغ ولا يعبّر عن لا معنى له. والفكر شأنه شأن اللغة تعبير عن تجريد لشيء مادي أو موضوع من الذاكرة..

- الفكر حلقة مهمة في سلسلة حلقات المنظومة الإدراكية للعقل لكنه لا ينوب في تمثيله عن حلقات أخرى داخل هذه المنظومة الإدراكية العقلية. فالفكر ليس هو الذهن، كما أن الفكر ليس هو الوعي، كما أن الفكر ليس هو الذاكرة، وأخيرا الفكر هو لغة غير مفصحة عن نفسها.

- الفكر يلازم اللغة الصوتية ولغة أبجدية القراءة إدراكا تصوريّا ولا سبيل للفكر التعبير عن نفسه إلا بواسطة اللغة. إختلاف الفكر عن اللغة رغم تلازمهما الذي لا إنفكاك له هو أن الفكر تفكير عقلي صامت واللغة تفكير عقلي ناطق يلازمه الصوت الذي يفتقده الفكر الذي هو تفكير لغوي بلا صوت حينما لا تعبّر اللغة عنه إفصاحا عن شيء.

- تعبير الفكر التواصيلي وسيلته الوحيدة هي اللغة. فالفكر لغة عقلية. وتعبير الفكر عن شيء أو موضوع بلا معنى هو إستحالة إدراكية يرفضها العقل قبل رفض الفكر لها. فأللامعنى بالفكر يعنى اللامعنى في تفكير العقل.

- الشيء الموجود المادي أو الموضوع الخيالي يكونان ملزمين بتعبير اللغة عنهما، والإدراك المادي للشيء وإن كان سابقا تعبير اللغة إلا أنه في جوهره تصوّر لغوي أخرس صامت، الإدراك إحساسات لغوية فاقدة لنظام تعبيراللغة التي يصدرها العقل وليس ألتي يستمّدها الإدراك عن الاحساسات. الإدراك من غير مرجعية العقل واللغة لا قيمة حقيقية له.

- شرط الفكر الاول هو إمتلاكه معنى وتعبير لغة عن هذا المعنى، وإلا أصبح الفكر هلوسة لامعنى لها ولا تمتلك لغة تواصلية مفهومة. واللغة لا تمتلك حقيقتها المضمونية بدون فكر يلازمها يحمل معه حمولة معناه عن شيء أو موضوع.

الشيء والمعنى:

بحسب امبرتو ايكو الشيء الصحيح هو الذي لا يمكننا شرحه، ومعنى العبارة تحمل تاويلين الاول أن الشيء الذي لا يحتاج شرحا هو الشيء البديهي في الادراك مثل أي شيء برتقالة قلم كتاب وهكذا. أو أن الشيء الذي لا يحتاج شرحه هو الشيء أو الموضوع الذي وصل حد الإشباع في عدم إمكانية إضافة فائض معنى لغوي عليه يمكن يستقبله. تطابق المفردة التعبيرية عن شيء مادي هو يديهة لا تحتاج برهان التحقق منها.. الموضوع الذي تقف اللغة عاجزة عن إكتمال المعنى في تعبيرها عنه هو ثابتا نسبيا ومطلقا متغّيرا.

السؤال الذي يتبادر للذهن لمن الأسبقية في الإنقياد وليس الأسبقية الموجودية الانطولوجية الموضوع أم لغة التعبير عنه؟ من ناحية الوجود فموضوع الفكر الإدراكي في وجوده المادي يكون أسبق على تعبير اللغة عنه، أما من ناحية الانقياد فاللغة تقود الفكر الإدراكي ولها الإسبقية.

الفكر الإدراكي للاشياء سيرورة من التغيرات والتطورات المتجددة على الدوام، ويكون متجددا في الوجود غير المتحقق المعّبر عنه لغويا، بمعنى الفكر المادي يتطوّر أسرع من لغة التعبير عنه التي تلاحقه على الدوام. لذا الفكر يختلف عن اللغة بأنه لا يمتلك خصائص هوياتية ثابتة بخلاف اللغة التي تكون هويتها في مجمل قواعدها ونظمها النحوية الخاصة بها كلغة تحكمها بها..

(3) النص وفائض المعنى

نص التاويل في حفريات اللغة لا يمكن أن يكون له هوية لغوية بملامح ثابتة، ولا يمكن للنص أن يكون لغة محايدة لدى المتلقي. كما ولا ألفهم الإجتزائي يكون تعويضا عن مدّخرات اللغة في حمولة التاويل المتعددة غير المحدودة.

التأويل اللغوي اللامحدود يعبّر عنه توردوف " مؤلف النص كاتبه يأتي بالكلمات ليأتي القراء بعده بالمعنى " بمعنى تاويل النص هو عملية تشظ متتالية تنعدم فيها المركزية في مرجعية النص، فالمركز التاويلي هو إمتداد الفهم التفكيكي عند دريدا في الغائه المركزية المرجعية التي يدور في فلكها الهدم والتقويض وعند بول ريكور في ملاحقة فائض المعنى في التأويل، عليه تكون بصرف النظر عن الأخذ الحرفي بإسترتيجية التفكيك ومدى إمكانيتها تحقيق نجاحها ولا تاويلية بول ريكو ومدى نجاحها ولا حتى التحليلية ومدى نجاحها، فهذه التيارات الفلسفية تشتغل على مركزية النص في فلسفة اللغة. وتقوم على ملاحقة حقيقة النص من جهة وعلى حقيقة ملاحقة فائض المعنى اللغوي الذي يحتويه من جهة أخرى. لذا تكون التعددية الدلالية المتعالية بالفهم التاويلي والتفكيكي والتحليلي لا تجمعها ما يطلق عليه امبرتو ايكو كليّة التاويل المركزية التي تستنفد طاقة التاويل في تقويض النص والبحث عن فائض معنى لغوي لم يعد يتقبله ولا يمتلكه النص في تعدد القراءات التذويتية له.. ويعبّر عن هذه الاستراتيجية التاويلية اللغوية ايكو قوله " خلاصة القول التاويل غير محدود في محاولة الوصول الى دلالة أو دلالات نهائية لا يترتب عليها إنزلاقات ومتاهات لغوية لا حصر لها".

علاقة اللغة بالعقل في معنى الخطاب (اللوغوس) عند افلاطون هو الملكة الموّلدة للافكار، وهي عند ارسطو العقل الجوهر الذي به نستدل التعرف على جواهر الاشياء. وعلى النقيض من ذلك نجد ايكو قائلا " النوس بمعنى العقل خطابا في القرن الثاني الميلادي هو ملكة للحدس الصوفي والاشراق اللاعقلاني. ويصبح بعدئذ ملكة الرؤية المباشرة والعفوية ولا يعود الكلام والنقاش والحجاج من الامور الضرورية ".

لم يكن افلاطون مجانبا الصواب إعتباره العقل موّلدا الافكار، وفي مقاربة لديكارت من رؤية افلاطون يصف ديكارت العقل جوهر ماهيته التفكير. ولم يكن ارسطو مخطئا في تعبيره العقل وسيلة معرفة جواهر الاشياء. هنا يتوجب توضيح اشكالية مفهومية عالقة :

- ارسطو في إسناده مهمة العقل تعريفنا الجواهر وليس الوجود بما هو موجود أخرج مثالية افلاطون المتعالية من مطلق توليد الافكار الى مجال توظيف العقل معرفيا ابستمولوجيا، أي أنه أخرج الماهية الجوهرية للعقل من الافكار المجردة الى معرفة الواقع كما هو موجود في مدركاتنا الحسية.

- الاختلاف الثاني هل كان افلاطون يدرك أن معرفة جواهر الاشياء بدلالة العقل مبحث ميتافيزيقي لا يمكن التحقق منه من حيث أن جواهر الاشياء ليست محسومة لصالح البحث عنها حقائق تلازم الموجودات والاشياء في الطبيعة.

- من المفارقة حقا أن نجد ارسطو المادي يسقط في المثالية في السعي وراء معرفة الجواهر المشكوك بأمرها كموجودات يدركها العقل بدلالة وجودها. علما أن سبينوزا في مذهب وحدة الوجود قال الوجود يمكن معرفته بدلالة الجوهر يعني هو عكس التعبير الفلسفي الدارج أننا ندرك الجوهر بدلالة وجوده في شيء مادي. ، بل نعرف الوجود بدلالة الجوهر في وقت إستقتل فيه اسبينوزا إثبات أن الموجودات تمتلك جواهر مستمدة من جوهر واحد هو الله الذي لا يدرك. كما وأن هذه الجواهر لا يمكن ادراكها من حيث الجوهر خالق للوجود وليس مخلوقا منه.

- الإشكال الاخير هو ليس كل معارفنا كما يرغب ارسطو نستمدها من معرفتنا جواهر الاشياء في حين ذهبت في وقت غير متأخر كلا من الوجودية والماركسية والبنيوية في خوض غمار حجاج فلسفي حاد بينهم يرتكز على أن ما يدركه العقل من صفات تغني البحث عما وراءها لمعرفة الجوهر غير الموثوق يقينا في وجوده في تكوينات الاشياء.

نخلص من هذه العروض الى أن مستويات التفكير العقلي تحدده الغايات القصدية التي من المتاح تحققها. ومن غير الصحيح أو الذي لا يمكن إثبات صحته تحميل العقل وظيفة ابستمولوجية واحدة، فالعقل طاقة الانسان المتمركزة به. وتعدد وجهات النظر المتباينة والمختلفة لا يلزم عنها بالضرورة تشتيت وإلغاء القصديات التي يرغب العقل تحقيقها. قصدية الهدف لا يلزم عنه قولبة المنهج في بعد قصدي معرفي واحد. ونختم عن موضوع التاويل المتشّظي لا يحمل مركزية ولا هوية ثابتة، فالتاويل سيرورة يلزمها على الدوام لغة مسايرة لها تستوعبها وتحتويها. وهذه السيرورة نصل ذو حدين فهو لا يمنع الضياع في متاهات وإنزلاقات غير محسوبة نتيجة إمتلاك إستراتيج التفلسف التاويلي فضاءات واسعة، فالتاويل اللغوي لا يحمل تلك اليقينية التي تعجز عنها اللغة وتتوقف عن إضافة معنى متجدد من القراءات التي لايمكن إيقافها عند حد.

(4) العقل والوجود

دعونا نرجيء قليلا عرض بعض الفقرات الفلسفية لرائد فلسفة العقل الانجليزي جلبرت رايل 1900- 1976. حين كانت مقولة ديكارت راسخة منذ القرن السابع عشرمفادها العقل جوهر غير فيزيائي ماهيته الجوهرية التفكير. والعقل جوهر لا مادي ليس له معايير تحققه غير الفيزيائي كجوهر مستقل ميزته الخلود بعد فناء الجسم... اما تعريف العقل في الفلسفة الحديثة فهو متشّعب من حيث هو إستعداد للسلوك كما يعبر عنه فيلسوف العقل الانجليزي جلبرت رايل، والعقل ميزة خصائصية يمتلكها عقل الانسان فقط على أنه سلوك ذكي غير بهيمي، يدرك ذاته ويدرك موضوعه ولا يكون موضوعا إدراكيا لغير حامله. والعقل جوهر موجود لا فيزيائي خالد بعد فناء الجسم.

لنا التوضيحات التعقيبية التالية :

- العقل بالمصطلح العلمي في علم وظائف الاعضاء حين يكون ماديا فيزيائيا وعضوا يحتويه الجسم فهو بهذا المعنى لا يكون جوهرا خالدا بل موجودا فانيا بملازمته فناء الجسم عضويا.

- العقل خصيصته الماهوية التفكير هو تجريد ذكي مستقل يسعى بلوغ الخلود، وبهذا المعنى يكون العقل أقرب الى النفس منه الى الجسم، لتلازمهما العقل والنفس صفتي الذكاء التوليدي للافكار ، وصفة عدم فناء العقل كنفس تلازم فناء الجسم.

- لا يمكن صناعة عقل آلي يزاحم إزاحة العقل البشري لعدة اسباب منها فقدان قابلية التوليد الابتكاري الذكي في الآلة، وكذلك عدم امتلاك العقل الآلي النفس العاطفية أو الروح. وقدرة العقل الصناعي على الحوار يكون محدودا بجملة من التعبيرات التي يكون في مجاوزتها لها يعني انعدام النظام في السلسلة التنظيمية بالتفكيرالعقلي.

- العقل بالمفهوم الفلسفي إشكالية تختلط بها فيزيائية تكوين العقل كأحد أعضاء جسم الانسان وبين لافيزيائية العقل التجريدية كفكرولغة تعبيرية. ولما كانت ميزة العقل هي الوعي الذي هو جوهر غير فيزيائي، فكيف يدرك العقل اللافيزيائي عالم المادة والموجودات في الطبيعة وحوله ؟ وقد أطلق الفيلسوف الاميركي جوزيف ليفني على هذه الإشكالية مصطلح (الفجوة التفسيرية).

- أنكر فيلسوف العقل المعاصر جلبرت رايل1900- 1976 في كتابه الموسوم (مفهوم العقل) مقولتي ديكارت الراسختين لثلاثة قرون وهما: اولا العقل جوهر غير فيزيائي ماهيته توليد الافكار، والثانية أن العقل هو المصدر الوحيد في تزويدنا بالمعارف التي نحتاجها.

من المهم التنبيه الى أن الباحث الفلسفي الاكاديمي المصري صلاح اسماعيل أشار نقلا عن فيلسوف العقل الانجليزي  جلبرت رايل أن هذا الاخير انكروجود العقل – وهذه مقولة سبق لديفيد هيوم أن قالها في أنكاره العقل – سواء أكان العقل جوهرا فيزيائيا أو جوهرا لا فيزيائيا. كما أن رايل أدان بحجته أن وظيفة العقل مصدرنا الوحيد في إكتسابنا المعارف قائلا : في الوقت الذي يكون العقل مصدر توليد الافكار وتطوير اللغة وهما أسمى خاصيتين يمتاز بهما إلا أن العقل ليس جوهرا قائما بذاته منفصلا عن الجسم كما يقول ديكارت. بل هو إستعداد للسلوك الذي تديره فلسفة العقل في توجيها تعبير اللغة الحفاظ على هذا السلوك الانساني المنتظم. وسخر رايل من إعتقاد الفلاسفة الراسخ المستمد من ديكارت أن العقل هو مصدر معارفنا الابستمولوجية التي أضاعت قرونا طويلة من تاريخ الفلسفة بالركض وراء سراب خادع لاقيمة له. وأعطى رايل البديل المنطقي الفلسفي أن العقل بضوء فلسفة اللغة والتحول اللغوي ونظرية المعنى، اصبحت معها وظيفة العقل الفلسفي هي تزويدنا بالمعنى اللغوي الذي هو سلوك بشري بالحياة.

(5) ماهو العقل؟

ربما تكون مفاجئة مدهشة لنا تثبيت قول جلبرت رايل (العقل لاشيء ابدا).

منطلق مقولة رايل هذه هو نتيجة ازدهار فلسفة اللغة والتحول اللغوي ونظرية المعنى أنها  أصبحت الفلسفة الاولى في النصف الثاني من القرن العشرين وتراجعت أمامها معظم مباحث الفلسفة التي دامت قرونا طويلة تكرر الدوران غير المجدي وراء مبحث الابستمولوجيا في اعتباره الفلسفة الاولى. وأصبح رايل الانجليزي في مقدمة الفلاسفة الاميركان الذين أخذوا عنه تطور اللغة والتنقيب فيها عن فائض المعنى هو نظام سلوكي بالحياة مصدره الوحيد اللغة وسيلة العقل الادراكية. من هذا التوضيح السريع نستنتج :

- العقل جوهر لا فيزيائي يمّثل ملكة توليده الافكار واللغة.

-  العقل سلوك معرفي وليس معرفة ابستمولوجية.

- العقل جوهر لا يرتبط بالنفس وليسا خالدين بعد فناء الجسم.

خاتمة

نرى إنتاجية العقل للمعنى في مركزية فلسفة اللغة، تجعل من جوهرالعقل مشروع حضور زائل حتميا غير خالد ولا مفارق لفناء موت الجسم. والعقل جوهر لغوي لا يتسّم بالثبات ولا بالخلود. وفي تعبير كواين "السلوك اللغوي هو فهم المثير كسبب، والاستجابة اللغوية نتيجة ذلك السبب." وأن نظرية المعنى في فلسفة اللغة هي الفلسفة الاولى، ولم تعد فلسفة الابستمولوجيا مبحثا اساسيا في مباحث الفلسفة المعاصرة الغربية.

يتبع لاحقا ج4

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

عدنان عويدكثيرة هي الرؤى التي تناولت الفلسفة الوجوديّة، كالفيلسوف الألماني هورسل، وتلميذه مارتن هايدجر، كما تناولها سارتر الذي تأثر كثيراً بهايدجر، وهناك نيتشه، وكيركغور الذي تناولها من وجهة نظر أقرب إلى الصوفيّه منها إلى وجهة النظر الماديّة لهايدجر وسارتر ونتشه.

عموماً، تنطلق الفلسفة الوجوديّة برأيي في شقيها الماديّ والمثالي من قاعدتين أساسيتين هما:

التفرّد المطلق للذات أولاً، والحريّة المطلقة لهذه الذات في تفكيرها وسلوكياتها العملية ثانياً. وذلك من خلال رؤيّة فكريّة يغلب عليها الموقف المثالي الذاتي، كما سيتبين لنا من خلال عرضنا لجوهرها أو بنيتها، وهو موقف يقول: بـأن (الوجود يسبق الجوهر). على اعتبار الوجود يمثل عند الوجوديين هنا جوهر الأفراد ككائنات حيّة مستقلة ومسؤولة وواعية، وهي منعزلة ومتشكّلة بذاتها في وجودها النفسي والفكري والقيمي والسلوكي عن (الجوهر)، أو المحيط الاجتماعي الذي يمثل في الفلسفة الوجوديّة، (الوجود الاجتماعي) الذي يولد وينشط فيه الفرد، وبالتالي فإن ما يحمله هذا الجوهر – أي الوجود الاجتماعي - من علاقات وسلوكيات تشكل أمام حياة الفرد - أي وجوده - قوّة ماديّة ومعنويّة تفرض عليه بالضرورة السير وفق أنظمة وقوانين وعادات وتقاليد يعيشها (الجوهر)، أي مجتمعه، مثلما تفرض عليه تمثل رموزاً ومعايير أخلاقيّة انتجها هذا الجوهر. وهذه العلاقات والسلوكيات في الجوهر، منفصلة تماماً عن شخصيته النقيّة في داخلها وغير الملوثة أصلاً، وما تمتلكه هذه الشخصية من حريّة يجب أن يتمتع بها الفرد وباستقلاليّة مطلقة.

إذن، إن الحياة الفعليّة للأفراد وفق هذه المعطيات التي جئنا عليها أعلاه، تقوم على معطيين إثنين أساسين هما:

أولاً: وجود نقي طاهر داخل الفرد.

ثانياً: وجوهر ملوث هو المحيط الاجتماعي الذي يعيش وينشط فيه الفرد.

وعلى هذا الأساس، فإن الجوهر، أي المحيط الاجتماعي هو من بفرض على الفرد اختياراته في هذه الحياة الملوثة وليس ما يطلقون عليه "وجودهم الحقيقي" أي نقاء أو طهارة تفكيرهم وسلوكياتهم. بل الذي يفرض هو المحيط الاجتماعي (الاعتباطي) الملوث بسبب العلاقات التي يستخدمها الناس فيما بينهم وفقاً لمصالحهم المادية والمعنوية، حيث يتعرفون من خلال هذه العلاقات على بعضهم ويقيمون بعضهم بعضاً سلباً او إجاباً وفقاً للمعايير التي وضعوها هم.

إن المنطلق في الوجوديّة، هو رفضها الحياة التي تعيش أو تبحث عن معنى محدد لوجود البشر، أو وفقاً لنظريّة أو عقيدة محددة. تريد الحياة التي يجب أن يشكل الطهر الإنساني غير الملوث الكامن في وجود الإنسان قبل أن يحتك بوجوده الاجتماعي، أي الجوهر، في سياقاته الاجتماعيّة والفكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة.

إن العالم أو البشر ليسوا عبثيين وليسوا أنانيين وليسوا خائفين أو مرعوبين في ذاتهم (وجودهم) الفطري، وإنما ينشأ مفهوم العبثية والخوف والأنانية وكل القيم السلبية فقط عن اجتماع الاثنين أي الوجود والجوهر، إذ تصبح الحياة سلبية في قيمها الماديّة والروحيّة بسبب عدم التوافق بين البشر الأنقياء الطاهرين بفطرتهم من أي سلبية، وبين العالم الذي يسكنون فيه. وبالتالي فاللوم هنا لا يقع على طيبتهم أو نوعهم البيولوجي أو طبيعتهم البشرية، وإنما على المحيط الاجتماعي، أي الجوهر الذي يولدون فيه، وينشطون فيه.

من جهة ثانية: إن الفعل الأصيل في الحياة هو الفعل المتسق مع حريّة الفرد. كشرط لحريّة الوقائع.  أي بعيداً عن الجوهر السلبي الذي يمثله محيطه الاجتماعي. فالفرد "يشكل نفسه" هنا، ثم يعيش بعد ذلك في اتساق مع ذاته واختياراته. أي الاتساق مع الذات ضد العبثية واليأس والخوف، مما يجعل الفرد يتحمل المسؤولية لفعله بدلا من الاختيار الذي يفرضه عليه الخارج  بقيمه المتعددة، وضعيّة أو دينيّة، على اعتبار أن أن القوانين  أو الوصايا الدينية، التي تأتيه من خارج ذاته، هو غير مجبر على اتباعها على اعتبار أن هناك طرفاً خارجياً يفرضها عليه.

نقد الفلسفة الوجوديّة:

لقد حظيت الحريّة الفرديّة في الفلسفة الجوديّة باهتمام كبير، عند كل فرد وجودي وبأي اتجاه من اتجاهاتها الماديّة او المثاليّة، فالحريّة عندهم ليست هي الحريّة الملازمة للإنسان فحسب، بل هي جوهر وجوده أيضاً. فقيمة الإنسان في المحصلة هي حريته، بيد أن هذه الحريّة في جوهرها عصيّة على التفسير عند الوجوديين، وهي لا يُعبر عنها بالمفاهيم، لذلك ظلت الحريّة عندهم رغبة جامحة لتحقيق ما تحركه الغرائز أكثر مما يحركه العقل، فالحريّة يعارضونها بالضرورة، التي تقوم على قوانين موضوعيّة وذاتيّة تفرضها البيئة الاجتماعيّة بكل مكوناتها التي يشكلها ويحياها الإنسان ذاته وليس غيره كما يتصور الوجوديون، وغالباً ما تشترط هذه البيئة اختيارات الإنسان أي تحددها. لذلك فحريتهم التي تأتي من خارج المحيط الاجتماعي، هي حالة باطنيّة، ومزاج نفسي، ومعاناة ذاتية. وعلى هذا الأساس تكون حريّة بلا معنى أو قيمة، أو هي مبدأ شكلي فارغ ونداء عقيم لا فائدة منه. إن الحريّة في الفلسفة الوجوديّة لا يهمها تحرير البشر من قسوة الطبيعة، ولا من ظلم الاستغلال الطبقي وصراعاته الدامية. إنها في مشروعها العام ليست أكثر من نصائح تقدم للفرد كفرد كي يبحث عن حريته في أعماق وجوده الذاتي المنعزل والمتعالي عن تناقضات الواقع وصراعاته وقضاياه الجوهريّة في أبعادها الإنسانيّة العامة، وليس  من خلال وعيهم (الذاتي)، وحريتهم (المطلقة).

هكذا تظهر لنا الوجودية في بعدها الفلسفي

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية.

 

 

 

سامي عبد العالهل يمكن للجسد البشري أنْ يتجاوز الحيوان الذي يسكُنه؟ وبالتوازي: هل كل سلطة تستحضر حيواناً ما داخل الإنسان حتى يسهل ترويضه؟ وعلية يجب التساؤل تالياً: ما هي أبرز تحولات الجسد في تاريخه المراوغ مع السلطة؟!

علينا الالتفات مبدئياً أننا جزء لا يتجزأ من فكرة الحيوان بشكل عام، وأنّها إحدى مراتب الوجود الحي مع الآخرين والكائنات الحية. فنحن نحيا كضرب من الوجوه الحيوية المشتركة في الطبيعة. ولكن الإنسان يتجاوز مرحلةً كهذه من خلال تطورات الثقافة والحضارة والإبداع والفكر، كما أنَّ نمط العيش الخاص به يختلف عن سواه من كائنات. بيد أنَّ الاسئلة السابقة تثير إشكالية التجاوز لهذه الحيوانية من عدمها، أو على الأقل يتم تأويلها ثقافياً من جانبنا في تاريخ الوجود الإنساني.

سبب فكرة التجاوز أنَّ السلطة لا ترى في الجسد سوى الحيوان القابل للمراقبة والقمع والحجر والسجن والإقصاء وأنَّه كلما قطع شوطاً من الرمزية الثقافية تعيده إلى الخلف مرةً بعد مرةٍ. والقضية الأعمق أنَّ الغرائز تجعل من الجسد قدرة ذاتية على الوجود والتجلي، ومع كل الرغبات تنشأ السلطة المقابلة التي تحد من فعلها المتجاوز، أي مع فاعلية الرغبات سرعان ما تضع سلطةٌ ما تقنيناً لهذه الغرائز طالما كانت تثير نوعاً من الصراع على نطاقٍ عام. أي أنَّه عبر مراحل التاريخ الأولى في "تراث الجسد" حتى النهاية خضع الجسد لسلطة ما، استغرقت دلالاته بالنسبة إليها وبالنسبة لحياته. فهي تهتمُ بالجسد نظراً لاعتباره امتداداً لها، فإذا كان علَّيه أنْ يصبح موجوداً فهي تنتظر منه مزيداً من الوجود المعبر عنها حين لا تكون (في غيابها الظاهري).

في المقابل استوعبت تحولات الجسد هذه السلطة المتربصة وأثارت حفيظتها بالوقت نفسه. وأنَّ كل تحولات ( تحورات) بيولوجية أو ثقافية في الجسد هدفها الإفلات من التسلط أو على الأقل مراوغته. فلا تخشى السلطة شيئاً قدر ما تخشى من تحرر الأجساد، لأنَّها تهدد كيانها الحي الذي تحافظ عليه يقظاً بين البشر. مما جعل الصراع على مساحة التحرر مشتعلاً مع تغيرات السياسة وأنظمتها المختلفة.

المفارقة أنَّ الدور المزدوج للجسد (البيولوجيا-الثقافة) كان رهاناً على امتصاص عنف السلطة وفلترته لصالح أشكال جديدة من الأجساد الحرة إلى حد ما. فليست دوائر الليبرالية السياسية سوى جزء من هذا الرهان الحر باعتبار أن الاعتراف المفتوح بكيان الجسد دون أدلجته أو قولبته، وحتى ما بعد الليبرالية بمجمل حقوقها الإنسانية إنما هي سياسة انفتاح لمجال الجسد وآفاقه. فمع فرص التحول الذي يحققه يكون الجسد قادراً على التمتع بسلطةٍ ذاتية (الحريات الفردية) وباستطاعته أنْ يدبر شؤونه الخاصة. والحقيقة أنَّ دلالةَ الجسد تنشأ من كونِّه قوة قابلة للتأثير والتأثُر دون قمع، أي أنَّه وسيط فعال فوق العادة لأشياء قد تأتي غالباً بحكم تفاعل البشر. فتكوين المجتمعات يفترض سلفاً هذا الوسيط الحر الذي يلتزم بآلياته ومظاهر حركته.

الأمر فيه جانبان: احدهما الوجود المرتبط بالرغبة الممتدة كبناء شعوريٍّ يجمنا والآخرين، كلَّ الآخرين. فلا يوجد إنسان دون رغباتٍ ولا إمكانيات حسية يكاد يدركها أيُّ من يعيش معه. وذلك يفترض التأثير المجاوز لحدود الجسد في مجاله المعروف. وهو ما يجعل الرغبة – كدالٍّ صائر دون توقف- موضوعاً للآخر ويجعل إمكانية قوته واردة باستمرار.    ومن ذلك نشأ ما اسميه الوجود معاًco-existence وهو المتحقق انسانياً ولغوياَ كما ترى جوليا كريستيفا. فما يميز تاريخ الانسان هو الإحساس بغيره، أنَّه الكائن الذي يأخذ آخريته otherness بعين الوجود ولا يستطيع العيش دونها. فاللغة مثلاً لا تأخذ امكانياتها الدلالية إلاَّ برغبة تجاه الآخر، التكلم هو ترجمة لرسالة ما كانت لتخرج دون وجوده، والكتابة هي الغياب الذي يغزل خيوط ما يستحيل حضوره، وهي تفترض ترك حروف وكلمات وصيغ لمن يأتي في وقتٍ ما.

أمَّا الوجه التالي، فهو البُعد الرمزي الذي يحل محل البعد المادي الأول عبر فضائه غير المدرك. أي هو الشيء الحاضر حين يغيب الآخر مادياً عن قصد أو دونه. فالرمز شيء يحضر مكان شيء غائب دالاً عليه. وكلمة الشيء لا مهرب من استعمالها، فلا يسعفنا معجم اللغة تعبيراً عن رموز بصيغ لا تشير إلى معطياتٍ بعينها. فالموت -على سبيل التوضيح- يُعرف بأنَّه فقدان لروح الحياة في الكائن، لكن ما هي ماهيته؟ ما طبيعته؟ هو وضع رمزي يفعل دلالياً داخل الجسد وخارجه، وهنا يعرِّفنا اللاوعي والخيال أبعاداً أخرى في شكل اللاجسد. ولا يعني ذلك تصفيةً لقضايا الجسد بمعطاه الحي لكن ما يحصل يمثل وجوداً من نوع خاص.

بالتدريج التاريخي يمكننا- لإتمام الفكرة السابقة- رصد تحولات الجسد (من خارجه إلى داخله) واضعاً السلطة في احراج تكويني للتحرر منها. لقد استطاع " الجسد" أن يتحول (يتغير- يشف، يُهجّن، يُصنع) مستثمراً الفجوات الثورية لبنية المعرفة والسياسة والتكنولوجيا والمجتمعات الإنسانية. كان عليه بلوغ أقسى درجات التكيف وانتزاع مصيره الأنطولوجي تعبيراً عن طبيعته كما حدث في الواقع الافتراضي. المدهش أن مسار تطورات الجسد يدفع بالأمور لصالحه حتى اللحظة الأخيرة. أي بنفس منطق السلطة يقارعها الجسد طبيعة بطبيعة محاولاً تصفية كتلته الحرجة ( العضوية والبيولوجية) والتي تثير غرائز التوحش لدى السلطة حين ترى جسداً متمرداً.

إذن ثمة مراحل مرَّ بها الجسد أنطولوجياً حتى وصل إلى صورته الافتراضية الراهنة التي تظهر في تكنولوجيا الصورة والمحاكاة والكائنات الرقمية.

أولاً: الجسد مخلُّوقاً (سلطة اللاهوت):

وهي مرحلة السلطة اللاهوتية المُضافة إلى الجسد من الخارج، باعتباره احدى بصمات الإله في الإنسان. إنه " الجسد– القيمة " من وجهة نظر المؤمنين في الأديان. حيث مثلَّ أثراً لاكتشاف أثار الخالق بصدد التكوين والوظائف والحكمة التي يجسدها. فالإله- من تلك الزاوية- وهب الإنسان جسداً معجزاً في حياةٍ يتحملها كنعمة ميتافيزيقية.

وجميع أصحاب الديانات يبدون امتناناً للسماء، لأنَّها أوجدت الجسد الذي يحس ويشعر ويتمتع بالملذات منتظراً منها المزيد، لكن الأهم أنَّ أية سلطة له في هذه المرحلة لن تكون نابعةً منه تخصيصاً، فدوما تستحضر سواها من مصدرها المتعالي. هذا بخلاف الغرائز التي ستجد تصنيفها داخل أهواء الجسد. أي أنَّ خطابات الأديان وعظياً تطلق تحذيراً من انحرافات الجسد بوصفه دابةً للشر. وهو الدابة التي تجذب صاحبها نحو الأرض وحمأة الخطايا. فالإنسان العاصي ستلاحقه اللعنات، لأنَّه عصي خالق (الجسد) واتبع شهواته الدنيا. وهذا الاعتقاد يضمر كون الجسد محلَّاً لشيطان خفيٍّ سلارعان ما يملى على صاحبه معاقرة الزائل والشهوات.

هناك جانب محقر في المسألة أساسه تدني غرائز الجسد حين تشد الإنسان إلى وهاد الحياة بينما الروح تجذبه إلى أعلى. ونظراً لعجز الإنسان عن التخلص من غرائزه، فالكهانة الدينية تقنعه بأنَّ خلاصة يتم بقمع جسده ووضعه تحت الوصاية. إذن بطبيعة الجسد لا يستطيع الإنسان التحرر من رجال الدين انتظاماً لقطيع طويل باسم العبودية للإله. أي اعتبار القيد نابعاً من الجسد بتسييس حركته لصالح من يتحكمون فيه.

ثانياً: الجسد مؤسطَّراً (سلطة الأسطورة):

والسلطة ها هنا تكمن في إضفاء الطابع الأسطوري على الجسد، فقد تمَّ تصويره في منحوتات ورسوم الفراعنة واليونان على أنَّه خليط من الحيوان الخرافي والجانب الإنساني. والسلطة بطريقة النقطة الأولى خارج قوى الجسد الإنساني، وكأنَّ هناك اسراراً تسكنه ليفعل أشياء خارقة للمألوف.

بإشارةٍ سبقت كانت آلهة الفراعنة دالةً على قوى تنوء بها الطاقة البشرية المعتادة. والسلطة تحرم الجسد الآخر في مجال الأساطير من الوجود حراً. لأن ادراج كيانه الضعيف كإنسانٍ عادي يجعل الجسد الأسطوري خارج التوقع ويجلب أسراراً ترتبط بالآلهة لا البشر.

ثالثاً: الجسد شفافاً (سلطة الروحانيات):

هو ناتج عن التعلق بالروحانيات، إذ تحاول اتجاهات روحانية بث انفاس إنسانية على إيقاع لاهوتي قديم في صورة الجسد. والأمر مبني على اعتبار الجسد أقل أهمية من الروح. وفي ذلك لا تخفى ثنائيات: جسد/ روح، عقل / حس، جوهر / مظهر.

والجسد هاهنا هو البديل الخلفي لما كانت تمارسه السلطة المادية. فالروح هو السلم للمعراج بالجسد نحو الأعلى. ويؤكد هذا التفكير أنَّ الجسد سيتحول من كتلةٍ غرائزيةٍ إلى مستوى شفاف. أي محاولة للتطهر من الإحساس الداخلي بالخطيئة، ذلك على افتراض كون الجسد جراباً لآثام قديمة.

والأخطر أنْ يصل الجسد رغم ماديته إلى سلطة باسم الروح، وهذا ما يعيد قداسته المفقودة. الأمر واسع الانتشار في الجماعات الصوفية وتعاليم الأديان التي تعنى بالروحانيات حيت تختزل القداسة في أشخاص بعينهم. ويصبح الجسد منعزلاً، هائماً، غائباً لصالح الروح. وهذا له جانب سياسي متعلق باصطياد الاجساد الهائمة ضمن حشود الأيديولوجيا، فالسياسة تفرغ الأجساد من طاقات التمرد. وإذا كانت الروح تفعل ذلك، فليس أمام الأنظمة السياسية سوى مد خط الروحانيات إلى المجهول، حتى تترك الأجساد كقواقع مقذوفة على شواطئ الحياة.

رابعاً: الجسد مؤدلجاً (سلطة الأيديولوجيا):

تأتي الفكرة من إلباس الجسد لباس الأيديولوجيا، وكافة الأيديولوجيات تخضع الجسد لمعايير حاكمة، تقده قداً على مقاييس معينة إنْ لم تكن لتخلقه من جديد. الأيديولوجيات الدينية مثلاَ تستعمل لاهوت التحريم للسيطرة على الجسد، فتقرر إسناده إلى الإله وكيفية التعامل معه وآداب اللياقة الجسدية وأزمنته وأهم التغيرات الطارئة عليه. كل هذا في إطار تنظيم اجتماعي ثقافي يستقبل إمكانياته وفق مرجعية الدين.

كذلك الأيديولوجيات السياسية تتعامل مع الأجساد كمعادل موضوعي لتحقق منافعها. فهي تريد الاصطفاف باسمها وتنحت علامات الجسد وفقاً لتراتب يخدم مصالح الفاعلين. فالأيديولوجيا الماركسية تفترض الاصطفاف في مجتمع الطبقات بما يشعل الصراع السياسي ويحسمه لصالح الفقراء.

وبالمثل الاتجاهات الليبرالية تفترض أنَّ الأجساد تتحول إلى ثقافة للتحرر من مركزية السلطة لصالح سلطتها الخاصة، بحيث يتقلص دور الدولة والمجتمع وتزيد رقعة الحرية الفردية. ولأول مرة بعد عصر النهضة وجدت الاجساد صدى لتحولاتها في مسارات نوعية بجب أن تقطعها. ورغم وقوع الايديولوجيات في حفرة اللاهوت من جهة مركزية النظرية السياسية إلاَّ أنها تركت أثراً لم يكن مقصوداً. مؤداه أن الجسد بإمكانه حمل مصيره كطاقة قابلة للانفجار السياسي خلال أية لحظة. ولذلك فإن عصور الأيديولوجيات تنتهي غالباً بانفجار حيوي للأجساد على جثث النظريات المغلقة.

خامساً: الجسد طقساً (سلطة التدين):

حيث انتشرت طقوس الجسد لدى جماعات الاسلام السياسي كانتشار النار في الهشيم. فهم يعتبرون الجسد طقساً جمعياً علينا تغطيته بالرموز. وهو ما يوثق عُرى السلطة الدينية مستدعياً اشباحها في كل مكان. هي سلطة المقدس بمعناه التنظيمي المؤدلج، فالرجال يرتدون جلباباً وبنطالاً قصيرين، وتنقش الذقون بلحى طويله وتحمل الأيدي سواكاً لا يمل صاحبها تخليلاً لأسنانه. ويمشون بتؤدة بين خطى سريعة وأخرى بطيئة تعكس خجلاً خادعاً كإيحاء بالخشية من الله. ولا ينسى رجال الجماعات الاسلامية محاولة التظاهر بالجدية المطلوبة لحسم الأمور.

كان نمط الجسد تسييساً ذكورياً يعكس خطاب الإسلاميين الذي يصطَّاد متابعيه في شباكه من أول طرحِه، مع الزعم أنه مجرد جسد عابد، قانت لله في تفاصيله ومسعاه. بالطبع سيأتي المظهر مع علامة الصلاة (الزبيبة بالجبهة) والوجه الجاد مع الخطوات المهرولة والواثقة كأنَّ ثمة مهمةً له لا تنتهي. أما جسد النساء فهو محط عناية الاسلام السياسي بالمقام الأول. فالتغطية بالنقاب والملابس السميكة والمشي المتواري هي نظرية سياسية في طبيعة المرأة وأفكارها ووجودها الاجتماعي. كما أن جسدي المرأة والرجل مربوطان بمرجعية جهادية تترجم إلى أفعال عنيفة، ولذلك فالجسد كطقس بالمعنى السابق كان عبوة ناسفة تحصد الأرواح لدى الدواعش والقاعدة والسلفية الجهادية وبوكوحرام.

سادساً: الجسد أداة مدمرة (سلطة الموت):

هو ما يظهر في الحروب التي ينخرط فيها البشر بلا طائل، وقد مرت البشرية بحربين عالميتين ضروس في النصف الأول من القرن العشرين، الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية. حيث كان الإنسان الأوروبي (إنسان الحداثة والعقلانية والتنوير) آلة تدمير بامتياز.

ظهر الإنسان خلال هذين الحربين راكضاً وراء أشباحه ككائن أحمق وطائش. يركض ليحرق ويدمر تاركاً الأرامل والثكلى والأيتام في شوارع أوروبا. يبدو أنَّ الإنسان إذا أشعل غرائز القطيع والتوحش لن يوقفه سوى الفناء. لا يختلف في هذا مجتمع عن سواه. مما حدا جان بول سارتر إلى طرح سؤال الوجود كنبع أصيلٍّ لحرية الإنسان. الوجود يسبق الماهية أيا كانت، أي ليَعُد الإنسان إلى وجوده كما هو أولاً، ثم ليبحث عما سيكُّونه من مشروعٍ. الإنسان مقذوف وجودي عليه أن يتحمل تبعاته. ومهما تكن المشروعات التي ستحقق جوهر الفرد، فلن تجدي بدون حريةٍ هي لب ماهيته. الوجود كامن في كيانه الجسدي بقدر أصالة الحياة وغرائزها.

سابعاً: الجسد موجُوداً (سلطة الكائن الإنساني):

وهو فكرة جسد الناتج عن الحداثة الغربية. فالجسد الحداثي ليس مسكوناً بالأساطير ولا بالأسرار ولا تحركه قوى مفارقة، لكنه مجرد جسم بيولوجي له سياقه وغرائزه الحسية، يخضع للتغيرات المناخية والطبيعية ويمرض ويشفى بعد الدراسة والفحص الطبي. وهو ما يفترض قدرة َالجسد على المشاركة في الحياة العامة طالما يمكن التحكم فيه. والعنوان البارز أن الجسد يستطيع التعبير عن نفسه، وبإمكاننا تأهيله لتحمل القيم والمسؤولية والحرية داخل مواطني الدول والمجتمعات.

بوضوح قال كوجيتو ديكارت (أنا أفكر إذن أنا موجود) وهو اعلان صريح بقوة الفكر داخل جسد يغدو موجوداً في ذاته. والكوجيتو هنا اعلان سياسي كذلك وليس فلسفياً فقط. وطالما نستطيع التفكير بحرية، فإننا نستطع الوجود بالدرجة نفسها. هو اعلان لنزع السلطة المقدسة التي أوجدت ذوات الناس سلفاً (الجسد مخلوقاً ومؤسطراً). والفكر يعني ممارسة دلالات الجسد كاشفاً قدراته الطبيعية والرمزية. ورغم ما قيل فلسفياً عن الكوجيتو الديكارتي ( ثنائية الفكر والوجود) إذ يباعد الفكر عن الجسد، لكن تأويلُّه يعني لحظات الفكر الأولى (أنا أفكر) والوجود الثانية ( إنا موجود) قد لا ينفصلان. الفكر هو عين الوجود والوجود هو عين الفكر، الأنا واحد.

وتلك خطوة كبيرة في قطع هيمنة السلطة على الأجساد من الخارج، فالسلطة - ديكارتياً- كامنة في ذات الإنسان طالما هو إنسان وطالما يمتلك فكراً حراً. الخطوة التالية أن الفرد قد يكون خالقاً لحياته، عكس مما يروَّجه كُّهان اللاهوت ( الجسد المحقر).

ثامناً: الجسد طاقة (آلة عمل):

الجسد هو الرصيد العيني لفكرة العمل، فما لم يكن ثمة جسد هو طاقات مختزلة ما كان بإمكاننا تصريفها عملياً. معنى ذلك أن العمل هو الجانب المختزل داخل الجسد بإدارة الذات نحو المنفعة. لكنه يفترض مورداً اجادت الرأسمالية استغلاله لتحقيق الأرباح وفتح الأسواق العابرة للمجتمعات.

كانت المقايضة لا تخطئها العين بين القوى العضلية للجسد والقوى الشرائية التي قد يجنيها، ليجيء جعل الجسد ماكينة بشرية تستنزف قدراته تباعاً. وقد نوَّه ماركس أنَّ العمال يبيعون قواهم الجسدية من أجل احتياجاتهم، وأنَّهم يقعون تحت نير طبقة الرأسمال التي لا ترحم. حيث يراهن الاقتصاد على فائض القوة الجسدية لجني المكاسب التي تهدر عرق الآخرين.

الرأسمالي لدية كل الحيل الممكنة في امتلاك الأجساد بواسطة أمرين.

1- التحكم في الأسواق وسيولة الأسعار وبالتالي سيثير سيولة الطاقة الجسدية الباحثة عن احتياجاتها الأولية.

2- اعتبار الاجساد معاول لزيادة ثرواته عن طريق استنفار غرائزها ببدائل لا تتوافر لجميع الناس نظراً لتدني الأجور. سواء من خلال نوعية السلع المادية أو بالاشتغال على إثارة الرغبات وإدارتها لصالح الأغنياء وأصحاب السلطة.

تاسعاً: الجسد عارياً (الافقار والعُري):

ظاهرتا الفقر والعُري (في مجتمعات معاصرة) مرتبطان بالتقائهما عند مستوى الشهوات. صحيح لا يوجد قانون للأجساد التي يحملها الفقراء وكذلك لأجساد الطبقة الثرية المرفهة، إلاَّ أنَّ الجسد الفقير العاري من إنسانيته ومن حماية المجتمع هو منشور سياسي لفضح الأنظمة الحاكمة المستبدة. هذه الأنظمة المتخمة بإشباع الغرائز لفئات عُليا ليس أكثر، في حين تتلاعب بالفقراء عن طريق الجسد كترمومتر لبسط النفوذ واستهلاك طاقات التحرر واهدار رصيد الحياة.

صناعة الفقر هي صناعة ثقيلة تشغل ماهية الجسد وتربطه بالمجهول حتى الرمق الأخير. وهي صناعة تقول: ليكُّن الجسد هو الآكل لنفسه إنْ لم يجد ما يقتات عليه. وإذا كان " كل تغير كمي يؤدي إلى تغير كيفي " بعبارة الماركسية، فتجويع الجسد يطفئ على الأقل جذوة النهوض والحركة. ومع طبع الفقر في طيات الجسد (الفقراء عادة كالأشباح)، فالفقر علامة واضحة للعيان، الفقر يمشي على رجلين في أحرش المدن والقرى والحواري والأزقة.

أغلب المجتمعات العربية تتَّوحل– بهذا المعنى- في العشوائيات السكانية على نواصي المدن وأحزمة القصور والمزارع. إنه عرض الجسد عارياً لكشف لحم الفقراء أمام العيون، أما حالة العُري المبتذل في الدعارة والنوادي والفنون والدراما والسينما فتكتب رداً على الإفقار المادي بإفقار قيمي (أخلاقي).

ليس ثمة مبرر أخلاقي يلزم الفقير ببيع جسده وعقله وإرادته وحريته لمن يدفع دون أن يشعر بحرية كيانه. حيث يكون الجسد سلعة الأنظمة السياسية وسلعة علب الليل على السواء. إنَّ العُري القائم على الفقر هو أقسى أنماط العُري اذلالاً للإنسان، لأنَّه غدا بضاعة مكشوفة أمام الذباب الاجتماعي والسياسي. وكلمة الذباب نتيجة فضيحة انكشاف الجسد لمن يشتري سواء أكان ديكتاتوراً سياسياً يتاجر بالعقول وإرادة الشعوب أم راغب متعة يتسَّقط ضحاياه الذين هم ضحايا آلة اقتصادية تدهس الفئات الفقيرة.

عاشراً: الجسد كائناً آلياً (الروبوت):

ظهر هذا الجسد نتيجة تخليط التقنيات المتطورة الكترونياً مع الجسد كنسيج بشري. الإنسان الآلي أو مزيج من الجسد الحي وشرائح الكترونية تؤدي وظائف مثل التذكر وتغذية الجسم أو زراعة أعضاء مصنَّعة في اللحم الحي. هذا الجسد يشكك في قدرات السلطة التقليدية على بسط نفوذها. فالسلطة لا تمارس وظائفها بخفاءٍ طوال الوقت، وبلتالي ماذا لو كانت التقنية متغلغلةً فيما هو حي داخلنا؟!

الجسد الآلي ليس خطراً على الجسد البيولوجي، لكنه يشكل خطراً على السلطة، لأنه يأتي من النقطة الأكثر عماءً بالنسبة إليها. فكيف سيشعر بالخوف من لا يشعر بالحياة مثلاً؟ كيف يميز الجسد الآلي بين هذا وذاك دونما برمجة سالفة التجهيز؟ هذا الوضع يحتاج نمطاً معقداً من السلطة، لأن الجسد الآلي يحمل سلطته الخاصة. ويلعب اللعبة ذاتها التي تفرزها السلطة وهي لعبة الوسيط، فلئن كانت السلطة أداة هيمنة ناعمة، فالجسم الآلي وسيط في الفضاء المعمول به. ليضع أية سلطة تقليدية موضع الاستفهام.

حادي عشر: الجسد متخيَّلاً (سلطة الخيال):

هو الجانب المتخيل الذي لا يجري الجسد بدونه. فليس الجسد مادةً حية ثابتة في كل الأحوال، لكنه نزوع نحو التَّوهم بجسد آخر أكثر قبولاً وكمالاً وإدهاشاً. فقد يكون هناك جسد مشوه، ولكنه سيمثل لدى صاحبه دائرة شبه مكتملة في صورة جميلة. كما أنَّ الرغبات تمد الجسد بشحنات من جنسها المفترض على مستوى الخيال. ويغدو موضع القصور موضعاً لإثارة المزيد منها عند حالات العِوُز.

ثاني عشر: الجسد افتراضياً (سلطة الديجيتال):

وهو الجسد الأكثر ذكاء بين جميع أنماط الجسد وتحولاته السابقة. إنّه منظومة رقمية تتوافر لديها إمكانيات تتفلت من السلطة في فضاء المعلوماتية والانفتاح بين البشري والتقني وتجدد الإمكانيات (التحديث). كما أنَّه يشارك إيجابياً في الحياة عبر خلق شبكة علاقات عنقودية بين العقول بمقدار توافر الممارسة فائقة الجودة.

هنا ليس يكفي للسلطة أنْ تراقب وتتابع وترسم الحدود بيولوجياً، فهذه الأشياء تحديداً هي ما يعمل الجسد الافتراضي على هدمها. لأنَّه نسيج خارج – داخل أشكال الزمان والمكان بمعناهما المألوف، أي هو جسد يدمر الثنائيات والمفاهيم الكلية. فالأبعاد المنتمية إلى المكان والزمان لا تنتمي موضوعياً إليهما وإنْ أشارا إلى ذلك. فالزمان والمكان مقولتان ميتافيزيقيتان في تاريخ الفلسفة، أمَّا في الواقع الافتراضي، فيصبح المكان زماناً والزمان مكاناً بموجب أنَّ التشكيل السائل هو الفضاء الأبرز. والجسد الافتراضي بمثابة الإمكانية غير المتصورة لجسد يفعل ما يشاء بحكم قدراته من واقع العالم الذي يسكنه.

الجسد الافتراضي لا يموت ولا يفنى لكونِّه ذاكرة إلكترونية لها نسيجها الخاص حيث يمكن تجديدها. ذاكرة تختزن في تفاصيله مستقبلاً مفتوحاً لم يأت بعد، حتى أنَّه كلما مر بانحنائه زمانية يجدد وضعه غير المنظور، إنَّ الجسد يقاوم موتاً يحتاج مادة لإفنائه. بينما الواقع الافتراضي يكتسب الحيوات تلو الحيوات كاحتمالٍّ لا ينضب، فقوانينه كامنةٌ داخله لا خارجه.

 

سامي عبد العال

 

 

علي محمد اليوسف(1) هيدجر وتشتيت الوجود

يتسم العرض الوجودي لتحقق الذات لدى هيدجر بالغموض في نحته مصطلحات جديدة غامضة في الفلسفة، وترتّب على هذا الاجتهاد الهيدجري ارباكا من سوء الفهم البعيد عن الوضوح المطلوب. من شطحات هيدجر قوله "الانسان لا يملك وجوده لأنه هو هو وجوده" واضح هنا هيدجر لايعتبر تحقيق الذات بمعيارية تعالقها الاختلافي مع الموضوع الملازم لها لا يحققها كبنية قائمة متمّيزة.

بمعنى هيدجر يعتبر الانسان كائن من غير وجود منفصل متمايز عن توزّع وجوده في مدركاته الذاتية كمواضيع تختلف معه بالمجانسة المغايرة وتتحد به في تحقيق ذاتيته الانسانية، هنا يمكننا القول بضوء الفهم الهيدجري أن الانسان هو وجود معطى متحقق غير محتاج إثباته.

بنفس هذا المعنى وأشمل منه تأتي مقولة هيجل (الله هو الوجود) عبارة هيجل هذه لا تشي بتصور صوفي ميتافيزيقي، في تقطير وتكثيف عبارته الله هو الوجود. وأجد بهذا المعنى منتهى المادية وليس المثالية الابتذالية، في موضعة الطبيعة والانسان في وجود الله، ولا توجد موجودات الوجود بذاتها مستقلة بل في ذات تدركها.

يمكننا التعبير بجملة إستنباطية بنفس المعنى حين نقول (العقل هو الوجود) وبذلك لا نكون متناقضين لا مع الله ولا مع الطبيعة المادية للانسان. فما لا يدركه العقل ليس غير موجود في استقلالية، بل تصبح لاقيمة للعقل من غير وجود يشتغل عليه العقل. في إحالة تحقق الوجود الى الله دلالة استدلالية في تعميق الموجودات المادية والطبيعة إستقلاليتها الاقتران المباشر وغير المباشر بالله. لا يمكن للذات الالهية أن تكون موزّعة الجوهر أو موزعة الصفات في موجودات وأشياء يدركها العقل في مرجعية وجود الله.. وإلا ترتّب على هذا إمكانية العقل البشري معرفة الخالق في وجوده.

تعقيب نقدي تحليلي

- اول ملاحظة على فهم هيدجر للوجود أن تذويت الموجودات وإنصهارها في الانسان كوجود وكينونة تعي ذاتها والموضوع لا يحتاج بعدها الى موضوع يغاير به توكيد وجوده. كون الانسان وجود يمتلك مقومات موجوديته الكاملة التي تدخله حسب تفسيرنا لمقولة هيدجر في انفصامية مرضية هي بحث الانسان عن توكيد وجوده خارج وجوده الحقيقي المعطى له، التطابق القائم بين الذات والكينونة، يعني علاقة الذات بالموضوع لا يلغي إنعدام الفروق غير المتجانسة بينهما رغم حاجة أحدهما الآخر، فالذات بلا موضوع يحقق وجودها لامعنى إفصاحي لها، وكذا المواضيع كموجودات إدراكية لا قيمة تكتسبها في وجودها المستقل سوى بإدراك الذات الانسانية لها.

- عبارة هيدجر الانسان لا يملك وجوده لأنه هو هو وجوده. الوجود بمعنى الكينونة المتحققة ذاتيا تحتاج تحقيق وجودها الحقيقي بالمغايرة الوجودية (الموضوع). وحسب عبارة هيدجر تحقق الوجود الاصيل للانسان لا يكون إلا ضمن  وجود – في – عالم تؤكد هذه الحاجة ولا تنفي أهميتها. الانسان لا يحتاج توكيد وجوده الذاتي في وعيه الادراكي بموجوديته الذاتية بمعزل عن معرفة أين يكون وجوده المتحّقق من وجود الآخرين. الاستنكار الذي واجهه كوجيتو ديكارت أنا أفكر في تحقق الذات الانفرادية بسلبية منعزلة عن المجموع أو عن الكليّة الناسيّة إستنسخها هيدجر في تحقيق الوجود في إدراك الذات لذاتيتها.

- وعي الوجود الضائع الذي يضعه الانسان في جيبه ولا يدركه عقليا، هو وعي الانسان بكينونة متكاملة وإلا يكون الوعي بلا معنى ولا قصدية لاقيمة حقيقية له ترفضه الوجودية ذاتها التي ينتسب لها فيلسوفنا هيدجر. الوجود الملازم للانسان كظله لا يجعله في غنى البحث عن تحقيق ذاتيته القيمية كانسان في بحثه عن مدركات تعطي وجوده معناه الحقيقي ضمن عالم يعيشه.

- الانسان في كينونته الكليّة لا ينقسم الى وجود سايكولوجي منفرد، ولا الى وجود (قيمي) آخر انساني أو أخلاقي منفرد حتى لو جاء على صعيد تباين واختلاف السلوك بينهما. ورغم الإفصات السلوكية الانسانية المتباينة عن كلا المحتويين الوجوديين بالحياة. وفي حال تسليمنا أن الانسان ليس بحاجة توكيد وجوده لأنه هو هو وجوده، فبأي وسط يمكن للانسان إمتلاك وجوده الحقيقي غير التكويني الملازم له في محاولته إثبات وجوده المتمايز ضمن فعالية مجتمعية تحتويه هو وغيره.؟ توكيد الذات لنفسها في موجودية منفردة لا قيمة حقيقية لها بالحياة فألانسان موجود لا يحقق كل رغائبه الفردية بمعزل عن مجتمع يحتويه. فما فائدة عبارة هيدجر لايحتاج الانسان البحث عن وجوده لانه هو هو وجوده.؟ وجود الانسان المادي المستقل بالطبيعة هو معطى طبيعي وليس إكتسابا معرفيا يسعى الانسان تحقيقه.

- الوجود الانساني الحقيقي الفاعل بالحياة لا يتم بغير إمتلاكه الفعاليات البيولوجية التالية: التعبير عن الحرية بمسؤولية عن حرية الاخرين، إرادة الفعل والحركة، السعي نحو هدف قصدي يحتاجه الانسان تحقيقه له ولغيره. ويوجد أمور أخرى عديدة تمّثل خصائص الوجود الحقيقي للانسان. فالوجود الانساني لا يقاس إلا بمعيارية (الفعل) البراكسيس فقط. والوجود لا يعبّر عن أصالته الحقيقية إلا بالعمل وفق الوعي القصدي بالحياة. لا وفق الوعي النرجسي في توكيد الذات.

- الوجود الديناميكي للإنسان هو وعي قصدي مدرك أهمية الإمتلاك عندما يكون الانسان مشروع تنمية مستدامة من التطور الفاعل لوجوده. وبحسب سارتر تحقق الوجود المتمّيز الفاعل لا يكون إلا في حالة من التنمية المتصاعدة في تخليق الانسان نفسه بنفسه في إمتلاكه وعيه بالحرية الكاملة، فهي أساس كل إختيار حقيقي في الوجود، كما هي أيضا معيارية أصالة الوجود بالحياة. وممارسة الحرية بمسؤولية لا يكون حقيقيا صادقا بغير وعي الذات لأهميتها في تحقق الإرتباط المثمر بالوجود الانساني في صنع الحياة، لذا الحرية وعي وجودي مدرك بإمتلاء ذاتي ومسؤولية انسانية. وهذا لا يتوفر لكينونة لا تمتلك ذاتيتها الوجودية وتعي إرتباطها بعالم.

- تناقض الوجودية نفسها على لسان هيدجر قوله "الانسان ذاتية خالصة، وليس مظهرا أو تجسيدا لتيار حيوي أشمل منه هو التيار الكوني ". لا أعتقد ونحن نتحدث عن وجود أرضي أن تكون معياريته الحقيقية في ذاتيته الخالصة في تيار أشمل منه هو التيار الكوني. ولا أعتقد هيدجر صاحب مؤلف (الكينونة والزمان) لا يعرف الزمن هو إدراك الانسان وجوده الديناميكي المتواتر، وهذا الإدراك الزمني كتحقيب أرضي هو معيار موجودية الانسان في تحقيق تنميته الانسانية كذات متمايزة غير منفصلة عن محيطها في حالتي المجانسة بالعيش نوعيا داخل مجتمع بشري، وبين عدم تجانسها الماهوي ولا الصفاتي مع موضوعات يدركها في الطبيعة.

- الانسان كينونة مدركة في تعّين زماني- مكاني غير مفارق لها.، وإدراك كينونة الانسان أو بعض جوانبها الماهوية وخصائصها الصفاتية من خلال إفتراض تعطيل الزمن الإدراكي الذي يحكم قوانين الطبيعة شاملة، هو نفس الزمن الإدراكي الذي يحدسه الوجود الكوني من غير وجود انساني فيه.

(2) هارتمان والتفكير المادي

في تفرّد متمايز وفلسفة واضحة بلا تعقيد يطرح نيقولاي هارتمان رؤاه الفلسفية "جوهر الفكر أنه لا يستطيع التفكير بعدم، بل فقط بشيء ما ". ويضع هارتمان بعض ركائز فلسفته المادية في إعلائه قيمة العقل قوله " أخطأت الميتافيزيقا القديمة خطأ مزدوجا، فقد كانت تدّعي من جانب أنها تقدم حلا لما هو غير ممكن المعرفة، ومع ذلك فإن كل موجود يمكن إدراكه ومعرفته."

بهذه العبارات يجّنبنا هارتمان الخطأ المستمر في تداوله إعتبارنا الميتافيزيقا لا تستطيع معالجة الوجود والاشياء كموجودات مادية، وهذه الخاصّية تتقاسمها الميتافيزيقا مع جميع الفلسفات المادية غير المثالية. كما أن القول الانسان كائن ميتافيزيقي لم تمت رغم إدعاء نيتشة موت الاله وإدعاءات فلاسفة المادية العقلية العلمية إنتحار الاديان.

يقول هارتمان بوضوح إسلوبه الفلسفي الرشيق " العقل العارف – عقل المعرفة - يتجه في الإتجاه المعاكس للعقل المدرك للماهيّات ". هنا يتوجب علينا التنبيه الى أن العقل لا يدرك الماهيّات في كل مدركاته كونها مضيعة وقت بحسب فلسفة كانط. أعتقد ما أراد هارتمان التعبير عنه أن العقل يدرك الموجودات المادية والموضوعات الخيالية بما يغنيه عن البحث في محاولة إدراكه الماهيّات أو الجواهر وهو تعبير صحيح.

منذ القرن الثامن عشر عصر كانط تم التبشير بمسلمّة لا تقبل المناقشة أن العقل الذي يدرك إمتلاكه المعارف، يتوازى في مساره التسليم في عدم قدرة العقل إدراك ماهيّات الاشياء في وجودها الدفين وراء حجاب الصفات الخارجية. وبقيت هذه المقولة الفلسفية ساريّة المفعول مع فلاسفة الوجودية وفلاسفة الحياة وفلاسفة الفينامينالوجيا عند هوسرل تحديدا، والأهم أن الماركسية تقّر أن العقل غير ملزم بإدراك الماهيات قدر إلتزام إدراكه الصفات الخارجية للاشياء.

يقرّ هارتمان بحقيقة " الميتافيزيقا ليست علما، بل هي مجموعة اسئلة لا يمكن الإجابة عليها". لا حاجة هنا تأكيد أن عبارة هارتمان متكررة ومعادة حد التخمة، لكن ما هو جدير بالملاحظة أنه ليست الميتافيزيقا في حقيقتها الجوهرية وحدها حمولتها تساؤلات متسلسلة لا تقف عند حدود معينة بلا أجوبة نهائية. بل الفلسفة عموما تقوم على سلسلة لانهائية من التساؤلات المتروكة بلا أجوبة أسئلة متوارثة الى اليوم.

إنه لمن الجدير التعقيب عليه أن العقل من حيث المبدأ هو فعالية لا تتوقف في التساؤل عن كل وجود مادي أو ظاهرة طبيعية أو موضوع خيالي، لكن العبرة هي في محدودية قدرة العقل إعطاء أجوبة عن كل شيء. وخير دليل على هذا العجز العقلي الإدراكي نجده أن كلتا الفلسفتين المادية والمثالية تعتبران مرجعية العقل هي الفيصل في إدراك العقل وعدم إدراكه.

(3) سبينوزا وإعجاز الطبيعة

يقول سبينوزا " أن ارادة الله وقوانين الطبيعة شيء واحد، وهما إسمان يعبّران عن حقيقة واحدة، ويتبع ذلك أن كل الاحداث التي تقع في العالم هي نتيجة آلية لقوانين الطبيعة الثابتة، وليست نزوة من نزوات حاكم مطلق يجلس بين النجوم."

تعقيب وتحليل

- لا نعتقد جازمين أن ما يحدث من ظواهر وأحداث خارج قوانين الطبيعة الثابتة، تقف خلفها إرادة الهية في تبعيتها نفس آلية قوانين الطبيعة التي تعمل وفق مشيئة الخالق تنظيمه الطبيعة. الزلازل، البراكين، الاعاصير وغيرها من أحداث طبيعية لا تحكمها نفس آلية القوانين الثابتة، فهذه محكومة بوقت زمني زائل وتندثر بلا رجعة بخلاف قوانين الطبيعة فهي ثابتة أزلية ودائمية ولا تتغيّرزمكانيا.

- الصفات المستمّدة من الطبيعة وتفكير الانسان بها، يجعل الإدراك البشري يخلعها على صفات الخالق، وهي صفات قابلة للادراك العقلي المحدود بخلاف صفات الخالق التي نجهلها تماما ولا نستطيع لإدراكها. صفات الخالق التي يخلعها الانسان على الرب الخالق هي صفات بشرية يدرك مصدرها، هي صفات من الطبيعة، وصفات مأخوذة من تدوينات الكتب المقدسة الدينية، وثالثا وأخيرا هي صفات نموذجية متعالية لا يجدها البشر متحققة في حياتهم فيردونها على الخالق بما يتمنّون أن يكونوا عليه كما هو الخالق يمتلكها.

- صفات الطبيعة ليست هي صفات الله، كون صفات الطبيعة مدركة عقليا، وأفكار الناس في معتقداتهم الأخلاقية الدينية هي صفات بشرية تخلعها على خالق لا يحتاج صفات تؤكد الوهيته. هذا المنطلق الفلسفي الذي إعتمده سبينوزا بمذهب وحدة الوجود أخذه فيورباخ نصّا، أن صفات الطبيعة التي يخلعها الانسان على الله، هي ليست صفاته الإلهية الحقيقية، بينما واقع الحال يشير الى أن الطبيعة تستمد صفاتها من قدرة الله خالق نظام الطبيعة الثابت وفق قوانين ثابتة تحكمها.

- مذهب وحدة الوجود اسيء فهمه كثيرا حسب تعبير سبينوزا نفسه. فالتفسيرات الابتذالية الفجّة التي تصور كل شيء بالطبيعة هو الله، في وقت أن الطبيعة وقوانينها وصفاتها هي مخلوقة من الله وليست خالقة وجوده وخالقة وجودها بنفسها. ويعبّر سبينوزا بتوضيح أكثر قائلا :"لقد أخطأ فهمي اولئك الذين يقولون أن غرضي هو أن أبيّن أن الله والطبيعة شيء واحد. والقائلون بهذا يفهمون من لفظ الطبيعة كتلة معينة من المادة المجسدة، إنني لا اقصد ذلك".

- لماذا قال سبينوزا القوانين الطبيعية الثابتة هي والله شيء واحد في تعبيرهما عن حقيقة واحدة.؟ السبب حسب تحليلنا هو: قوانين الطبيعة ثابتة لا تتغير، لذا هي إعجاز الهي خاص بمن خلق الطبيعة بنظامها الثابت. وجعل إمكانية العقل الانساني اكتشاف القوانين التي تحكمها وليس إختراعها، وعجزه عن مجاراة نظامها في حكمها الطبيعة. لذا إعتبر سبينوزا عدم إمكانية السيطرة الانسانية عليها أنها إعجاز إلهي لا يستطيع الانسان مجاراته.

* صفات الله ليست صفات القوانين الطبيعية الثابتة التي تحكم الطبيعة، فهذه القوانين إستطاع العقل إكتشافها، وعرفها كيف تعمل، وهذه المعرفة بقوانين الطبيعة لا يترتّب عليها إدراك كيف يدير الخالق الكون.

* ربط الحوادث الطبيعية على أنها قوانين ثانوية متعالقة بقوانين الطبيعة العامة الثابتة توحدهما نفس الآلية، سوء تقدير سقط به سبينوزا، فلا علاقة ترابطية بينهما لا فيزيائيا ولا ميتافيزيقيا. ما عدا قوانين الطبيعة الثابتة، فكل شيء يحدث ويدركه عقل الانسان في الطبيعة لا يشير الى ارادة الله في ظهورها التدميري ولا علاقة قصدية الهية تسيّطر عليها سوى في الاساطير والخرافات البدائية..

(4) برجسون والحقيقة الفلسفية

ينسب لبرجسون قوله " الحقيقة ليست اكتشافا بل هي اختراعا " وحين يعطي برجسون الحقيقة صفة الاختراع فهو يجزم بما يلي:

- حين يعمم برجسون الحقائق هي إختراعات فهو ينّحي من أمامه قصديا أو غير قصدي خلو عالمنا الارضي من حقائق إكتشفها الانسان ولا دور له في خلقها وإيجادها في مقدمتها جميع القوانين التي تحكم الطبيعة من جاذبية ، وتمدد وحركة وزمن وأمواج كهرومغناطيسية وقوانين فيزيائية وكيميائية جميعها قوانين لحقائق تم إكتشافها ولا دخل للانسان في إختراعها.

- الحقيقة الفلسفية والحقيقة العلمية تحكمهما قوانين نسبية وليست مطلقة.  وتختلف الحقيقة الفلسفية عن الحقيقة العلمية في مناحي عديدة منها الحقيقة الفلسفية هي خارج نطاق التجربة والتطبيق على العكس من الحقيقة العلمية التي هي حاصل نتيجة تجربة وتطبيق. المنطق التجريبي العلمي يقوم على نوع من العلامات المشفرة التي هي المعادلات الرياضية بينما الحقيقة الفلسفية لا تقترب من لغة العلوم الطبيعية الصارمة التي ترفض المنطق اللغوي التجريدي كفكر.

- كل حقيقة فلسفية أو علمية هي نسبية ما يجعل منها مفهوما إستدلاليا في سلسلة من الحقائق المتناسلة تبعا لتغيّرات الظروف وتبّدل الخواص الذاتية التي أنتجتها. هذا يجعل من الحقائق سيرورة دائمية من التشكل والإنحلال في تعاقب متوالي من سلسلة حقائق تتبّدل وتتغّير..

- الحقيقة مفهوم ومصطلح لا تمتلك وجودا زمكنيا ثابتا، والذات الانسانية المفكرة لا تكون خالقة ومخترعة لحقائق الحياة، فالذات الانسانية لا تستطيع تخليق الحقائق بالفكر التجريدي، حتى في حال تسليمنا الإفتراضي أن الحقيقة ليست وجودا إفتراضيا في المطلق. بل هي سيرورة من الإنتقالات الإستدلالية.

- الحقيقة الفلسفية ميلاد فكرة ضمن شروط ذاتية وتوافر إشتراطات موضوعية. كي يكتمل إنبثاقها وتحققها الإفتراضي، غير المتعيّن وجودا ماديا، ولا متعينا فكريا لم يكتسب الإجماع عليه. لذا تكون كل حقيقية يطلق عليها حقيقة فلسفية إنما هي مشروع إنحلال حتمي قادم ضمن سيرورة تحكمها.

- السيرورة الملازمة لكل حقيقة هي مشروع إستدلالي لغيرها من حقائق مستقبلية غير قائمة على إستقلالية دائمية ثابتة. وحقيقة الشيء ليس في وجوده المادي المستقل، بل في معرفته الادراكية الابستمولوجية.

- الحقيقة الفلسفية ليست من إختراعات الذات الانسانية كما يذهب له برجسون، فالذات هي وعي إدراكي لا يستطيع خلق الموجودات المادية في تجريد الفكر. بل حقائق الاشياء فلسفيا هي مفهوم فكري يجري التعبير عنه باللغة.

وعي الذات أكبر خصيصة يمتلكها هو تنفيذ إملاءات العقل في تحديد الموجود أنطولوجيا أو في جعله مدركا فكريا.

(5) جون سيرل والوعي القصدي

يرجع الفضل الاكبر في أسبقية مصطلح الوعي القصدي لبرينتانو بعد أن أسقط ديكارت في القرن السابع عشر الوعي في قاع محكومية الوعي الذاتي الإدراكي مجرّدا من ميزتين الاولى أن الوعي الديكارتي هو وعي إنفرادي لا يلتفت لوجوده ضمن عالم، والثانية إتهام ديكارت عدم تعيينه بماذا كان يفكر ديكارت في إثبات وعيه الذاتي أنه موجود  يفكر بلا موضوع، والتفكير بلا موضوع إستحالة إدراكية لا تتحقق..

جون سيرل فيلسوف امريكي معاصر أخذ مفهوم الوعي القصدي من منطلق مغايرة كان إحتكره الفلاسفة الفرنسيين. فقد ربط سيرل الوعي القصدي بكل من العقل واللغة. ينطلق سيرل من مقولة فلسفية كانت مثار جدل نقاشي شديد بين كل من ديكارت من جهة وبيركلي من جهة مقابلة، تلك هي أننا لا نستطيع أن ندرك العالم الخارجي بصورته الحقيقية. "مقالتي بعنوان الادراك :الاصل والصورة تعطي تحليلا كاملا لهذا الموضوع منشورة على موقع الحوار المتمدن وموقع المثقف. "

تلخيص أفكار سيرل

- سيرل أفضل الفلاسفة الاميركان المحدثين الذين تناولوا الوعي القصدي في تعالقه باللغة وفلسفة العقل، معتبرا قصدية الوعي هو التمّثل المسّبق لموضوع الإدراك. ولا يمكن فهم قصدية الوعي من غير سلوك تحكمه اللغة وليس موجودية الشيء المادي. التجربة الإدراكية هي وعي قصدي يحتاج السلوك الذي تتحكم به لغة وتفكير العقل.

- الإشباع الغريزي لحاجات الانسان البيولوجية تختلف تماما، عن إشباع الوعي القصدي في إدراكه موجودات العالم الذي تحيط به، والوعي القصدي ليس وعيا محايدا في الإدراك بل هو إشباع لمعارف ابستمولوجية يحتاجها الانسان في حياته هي غيرها إشباع حاجات الجسم  الغريزية.

- التجربة الإدراكية مصدرها الموجود المادي، ورغبة الوعي القصدي من التعرف عليه. والقصدية لا تهتم بالوعي من حيث هو فعالية عقلية – بيولوجية تتوقف في تحقق إشباعات الغرائز الانسانية.

- خصائص الوعي القصدي يجملها جون سيرل بالتالي:

* الوعي القصدي حقيقي لا يمكن إختزاله.

* الوعي نوعي بمعنى هناك نوعية تجريبية تخص كل حالة لوحدها، والوعي شخصاني بشري لا يمتلكه الحيوان.

* الوعي عملية يتوزعها الهدف والسلوك نحو الهدف وتحقيق معرفة ذلك الهدف. والوعي هو خاصية الجهاز العصبي عند الانسان.

كلمة ختامية: يذهب الفيلسوف (الفانوي) في مقال نشره بعنوان (تجربة من دون رأس) قائلا"الوعي الإدراكي من الممكن أن يتم خارج الدماغ، وتجربتنا بالوعي غير معتمدة فقط على ما يتمّثل في أدمغتنا، بل يعتمد على تفاعلات دينامية بين أقطاب الوعي ، الدماغ، والجسم، والبيئة ".

يتبع في ج3 لاحقا.......................

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

علي رسول الربيعيكيف يجب أن نفهم نظرية القانون الطبيعي؟ يصف ميرفي هذه النظرية على أنها وصف أساسي لـ "العقلانية العملية"، والتي لها هدفان رئيسيان. الأول كشف كيف يمكن أن تكون الافعال "مفهومة من الناحية العملية، مما يعني تبيان أن للأفعال غاية أو هدف، بحيث تستحق التنفيذ.[1] الهدف الثاني هو مساعدة البشر على اتخاذ القرارات بشأن أي من الأفعال الجديرة بالاهتمام التي ينبغي القيام بها؛ إنه في الأساس تفسير لعقلانية الخيارات فيما يتعلق بالأفعال.[2] يتم تحقيق كل من هذين الهدفين عن طريق إعطاء وصف لما هو خير. لنأخذ راي توما الأكويني، على سبيل المثال، بوصفه المُنظر لنظرية القانون الطبيعي، حيث يزعم أن المبدأ الأساسي للقانون الطبيعي هو: يجب القيام بالخير وتجنب الشر. هذا المبدأ بالنسبة إلى الأكويني، هو "المبدأ الأول"، وهو مثل مبدأ عدم التناقض بالنسبة للعقل النظري، وعلى هذا النحو، يعتبر بديهيًا بدون جدال. تتميز نظريات القانون الطبيعي بشكل بإعطاء الأولوية للخير. ولفهم غاية الأفعال ومعرفة الأفعال المعقولة يجب أن نعرف ما هو الخير.

ومع ذلك، من الواضح لا يعطينا هذا المبدأ الأول المجرد في حد ذاته التوجيه أو الارشاد فيما يتعلق بأفعال محددة. نحن بحاجة إلى معرفة ما هو جيد بشكل خاص وبظروف محددة. يقدم منظرو القانون الطبيعي تفسيراً للخيرات بشكل شامل وطبيعي، وقد قام معظمهم بذلك من خلال تقديم تفسير مستوحى من الأرسطية عن الصالح للبشر من حيث ما يكمل الطبيعة البشرية أو يمكن من ازدهارها. لا شك أن أتباع نظرية القانون الطبيعي لم يتبعوا أرسطو بهذه الطريقة. فقد قدم توماس هوبز وصفًا للقانون الطبيعي يرتكز على تفسير ذاتي للخير، مبني على الحقيقة النفسية المتمثلة في رغبة جميع البشر في البقاء وتجنب الموت العنيف.[3]  دافع بعض منظري القانون الطبيعي عن تفسير أفلاطوني للخير، والذي يرى بعض الأشياء، مثل المعرفة والجمال خير في حد ذاتها بصرف النظر عن أي إشارة إلى الطبيعة البشرية. غير أن الغالبية العظمى من منظري القانون الطبيعي فسرت الخير بالنسبة للبشر بأنه يأتي من الطبيعة البشرية ذاتها، وسأعتبر ذلك خاصية مميزة لنظرية القانون الطبيعي.

بالطبع، تم تقديم العديد من التفسيرات حول ماهية السلع الأساسية للبشر من قبل منظري القانون الطبيعي ، بالإضافة إلى روايات متنوعة حول كيفية معرفة البشر لها. أحد الخلافات التي كانت مستمرة بين منظري القانون الطبيعي تتعلق بالمسألة الأخيرة. اذ ترى العديد من نظريات القانون الطبيعي التقليدية أن فهم ما هو خير للبشر يفترض مسبقًا ويجب أن تُشتق من فهم الطبيعة البشرية حيث لا يمكن للمرء فهم ما يُكمل الطبيعة البشرية دون فهم تلك الطبيعة نفسها. يطلق مورفي على مثل هذه النظرة بـ “الاشتقاقية"، حيث تؤكد أن معرفتنا بالخيرات الأساسية مشتقة أو مستمدة من نوع من المعرفة النظري.[4]  أحد البدائل الرئيسية للتفسير الاشتقاقي لمعرفة الخيرات الأساس هو ما يسميه مورفي "المَيليًة"، (وهي النزعة التي تقول إن ماهية الخيرات البشرية مسألة تأويلية، وتأتي الإجابة عنها من خلال التفكير في الحقائق التي يمكن معرفتها على مباشرة حول ميولنا) وهو نوع النظرة للخيرات الأساسية التي يقدمها المفكر المعاصر جون فينيس. بالنسبة لفنيس، يعد فهم الخيرات الأساسية أمرًا بديهيًا وواضحًا وشيئًا داخليًا في حياة العقل العملي. لدى البشر،على سبيل المثال، رغبة طبيعية في معرفة الأشياء، ويعتقد فينيس أنه بالنسبة لكائن لديه مثل هذا الميل، فإنه من الواضح على الفور أن المعرفة خير.[5]

ليس هدفي في هذه الدراسة القصيرة التعبير عن نظرية الأخلاق في القانون الطبيعي في الدفاع عن طروحات أي من مُنظريها المذكورتين أعلاه، وبالتالي، ليس من الضروري بالنسبة لي أن أتمكن من حل النزاعات القائمة ين منظري القانون الطبيعي. ربما تكون كلتا وجهات النظر صحيحة، ويمكن معرفة الخير بكلتا الطريقتين. أجد دفاع مارك مورفي معقول عما يسميه "أطروحة الهوية الحقيقية"، والتي تدعي أن البصيرة الجيدة التي لدينا من خلال ميولنا والمعرفة التي لدينا حول ازدهار الإنسان من خلال فهمنا للطبيعة البشرية تمثل طريقتين بديلتين للامساك بالخيرات نفسها.[6] بغض النظر عما إذا كان فهمنا للخيرات البشرية الأساسية فوريًا أم مشتقًا، فسوف أفترض أن نظرية القانون الطبيعي هي تلك التي تنص على أن تلك الخيرات تحددها طبيعتنا  البشرية بطريقة أو أخرى، بحيث لو كانت هذه الطبيعة مختلفة اختلافًا جوهريًا، فما سيكون خير للبشر مختلفاً عقليا ايضاً.

ما هي الخيرات الأساسية للبشر، وفقًا لنظريات القانون الطبيعي؟ هناك، كما قد يتوقع المرء، بعض الاختلافات في البيانات التي يقدمها مختلف المفكرين. غير أن هناك أيضًا قدر كبير من التداخل والاتفاق، وربما يرجع بعض ذلك على الأقل الى ما يبدو وكأنه خلاف إلى الطريقة التي يتم بها وصف الخيرات وتمييزها.[7] تشمل الخيرات بصورتها النموذجية عادة الحياة والصحة والمعرفة والجمال (أو التجربة الجمالية)، والصداقة وغيرها من الخيرات الاجتماعية (مثل ان يكون المرء جزءًا من أسرة ومجتمع)، والوفاء بالعمل والنشاط (بما في ذلك اللعب)، والخيرات النفسية مثل "السلام الداخلي"، المعقولية العملية، وفي بعض الحالات الدين.

على الرغم من أن تفسير القانون الطبيعي للعقل العملي يعطي الأولوية للخير على الحق، كما النفعية وغيرها من أشكال النظريات التي تعتمد المردودية والنتائج العملية، الاً أن نظرية القانون الطبيعي تختلف عن معظم أشكال النفعية لأنها لا تفترض أن العقلانية تتطلب أنه يجب تعظيم الخير. طبعاً في الحديث عن أولوية "الخير على الحق" أنا أتحدث عن "الخير" بالمعنى غير الأخلاقي. من الواضح أن هناك معنى لـ “الخير والشر" ذو طبيعة أخلاقية، وبهذا المعنى فإن حقيقة أن فعلًا مثل القتل محظور أخلاقًا يرتبط منطقياً بكونه سيئًا أخلاقياً. يعتقد مُنظِر القانون الطبيعي أن العقل العملي يدعو إلى استجابة معقولة لما هو خير، ولكن هناك مجموعة متنوعة من الطرق التي قد تكون بها الأفعال معقولة أو غير معقولة كاستجابة للخير. ما يطلبه العقل العملي ليس مجرد تعظيم بعض الخصائص مثل اللذة، أو حتى تعظيم بعض الخيرات، لكن أن يستجيب الأشخاص بشكل مناسب للخيرات الفعلية التي يواجهونها أو يمكنهم تحقيقها. هذا يعني أنه يمكن لمنظِّر القانون الطبيعي، مثل الكانطيين، يمكن أن يجادلوا بأنه قد يكون هناك بعض أنماط أو أنواع من الأفعال غير مناسبة أو غير معقولة دائمًا، وبالتالي قد تكون هناك قواعد أو مبادئ عامة تستبعد بعض أنواع الأفعال تمامًا. وأخيرا إذا كانت الحياة البشرية أهم خير أساسي، فإن القتل، الذي يُفهم على أنه التدمير المتعمد للحياة البشرية البريئة، يُنظر إليه على أنه خطأ جوهري.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.....................

[1] Murphy, Mark, Natural Law and Practical Rationality (Cambridge: Cambridge University Press, 2001), p. 2.

[2] Murphy, Mark, Natural Law and Practical Rationality,p.2-3.

[3] توماس هوبز، اللفيثيان، الأصول السياسية لسلطة الدولة، ترجمة، ديانا حرب وبشرى صعب، دار الفارابي، بيروت، 2011. ص 139-165

[4] Murphy, Mark, Natural Law and Practical Rationality, p.6-17.

[5] Finnis, John.  Natural Law and Natural Rights, New York: Oxford University Press,1980, p.9--60.

[6] Murphy, Mark, Natural Law and Practical Rationality, p.17-21.

[7] أنظر: للحصول على ملخص للقوائم أو البيانات التي قدمها مختلف المفكرين

Murphy, Mark (201I) "The Natural Law tradition in ethics," Stanford Encyclopaedia of Philosophy (Winter 20n), ed: Edward N. Zalta, http://plato.stanford .eduf archives/win2011/entries/natural-law-ethics. p.11.

 

 

سامي عبد العالتمثل السلطة فائضَ قوة ذات بدائل متعددة لملءْ الفراغ  بين الواقع والخيال. بكلماتٍ واضحةٍ تحاول كلُّ سلطةٍ إشعار ممارسيها ومتلقيها بعدم وجود أي فراغ من الأساس. فهي ضد أيَّة فجوة تراها خطراً على كيانها العام. ولذلك فقد تغمض السلطة عينيها بعض الأحيان عما يتحرك في محيطها الافتراضي، ولكنها لا تغفل إطلاقاً قدرتها إزاء الذوات، وربما لا يهمها سوى تلك الفاعلية دون اعتراضٍ من قُوى أخرى. وبهذا المضمون، ستحمل السلطة امكانيات بالقوة أكثر منها بالفعل، لأنها تضع أقدامها الخفية فيما هو متوقع وممكن داخل الأفراد والجماعات.

أمَّا الجسد فهو طاقات إنسانية تتجلى في معانٍ وأفعال، وهذا ما يجعل السلطة تتحسّب له لإعادة انتظام وجوده بحسب أهدافها. وإذا كان ذلك صحيحاً في مجالٍّ معين، فلعلَّه أقرب إلى الصحة في المجال السياسي، وبخاصة مع دلالات الجسد كمقولة ثقافية نشطّة على صعيد اجتماعي. لأنَّ السياسة صنف من هندسة السلطة التي توزع الأجساد وفقاً لممارسة الأدوار ضمن خريطة المجتمعات. هي ترسم كيفية الفعل وماذا ينبغي على الاجساد أن تتلقاه إزاء الآخرين وإزاء الكيانات المعنوية في المجتمع.

ولذلك على مستوى الفعل، لم يهدأ الصراعُ بين الجسد والسلطة، رغم اتفاقهما في كثيرٍ من الوجُوه. فكلاهما يتعلق بأفكارٍ مثل: (الوسيط، التحول، السر، العلامة، الذاكرة، الفعل، الوشم، الرمز، الصورة، الشعار، السريان، الشبح، الظل)، فالسلطة وسيط وأسرار في ذاتها، سر تؤثر به على نطاق أكبر من الحقيقي. ولعلَّ ذلك قد ورثته من تاريخ الأساطير والسرديات الشعبية، لأن الجانب غير المحدد فيها أكبر من الواضح. وكذلك الجسد في حالات الممارسة الاجتماعية يُكّون ذاكرة وعلامة وحركة كما أن فكرة الأشباح تعطيه وجوداً مضاعفاً مع عمليات الخيال ... إلى أخر تلك المعاني.

بهذه الأفكار يزاحِم الجسد والسلطة أحدهما الآخر داخل ثقافةٍ تحدد إلى أي مدى سيمارس الإنسان حياته ووظائفه. وهذا هو "مَوطِّئُ الأثر" لأيَّةِ علاقاتٍ بينهما، ويؤكد معاني حضورهما المتبادل (أي قد يصبح الجسد سلطة والسلطة جسد)، إذ اعتبره الاثنان صِراعاً قاسياً إلى الداخلinterior  منهما. إذن يبدو السؤال متاحاً: أيهما يقنن الآخر ويرسم حدود عالمه؟! لأن رسم المسافة بينهما تتطلب معرفة ماذا يجري وبأية أوضاع يكون الجسد وبالتالي تكون السلطة والعكس.

في هذا الإطار يعدُّ "تاريخُ الجسد هو ذاته تاريخ السلطة " نزاعاً حول فضاءٍ لن يتقهقر خلفاً، هو فضاء الحرية. جاءت نتيجته تطورات سياسية نحو استقلال كيان الإنسان، ولذلك كانت الحرية تعني وجود الفعل الأنثروبولوجي للإنسان عبر التاريخ. فمع توتر العلاقة بين ما هو "جسدي وسلطوي"، ثمة إنسانٌ يُقاوم إفرَاغ كيانه من الحياة. يخشى إزاحةَ وجوده الهش دون أنْ يلامس شيئاً، لأنَّ السلطة كامنةٌ في خفاءِ المجتمعات إلى حدِّ القبول الساذج بلا وعي. إذ تمارس السلطة احتواءً ناعماً soft تجاه أي جسدٍ متمردٍ (عام أو خاص)، تنحو إلى تشتيت وحدتَّه واستنزاف طاقاته(= القمع بصوره الثقافية). بالمقابل قد يُحدِث الجسدُ داخل هيكل السلطة اضطراباً، فوضى(=الحراك السياسي)، فغرائز الكتل البشرية وتطلعاتها لا تخضع لمنطق واضح ويصعب التحكم فيها. ودوماً في حالة الثورات السياسية يكون الجسد هو المؤشر للتأثير في الواقع كما في المظاهرات والحشود الثورية.

وفردياً في الأنظمة السياسية، قد يتوَّحد الجسد بالسلطة في هيئة حاكم ديكتاتور يري نفسه بحجم العالم، ويجعلها حِزاماً رخواً من شهواتٍ تستنفد مجالها العام. لأن الجسد عندئذ يقف داخل قوى السلطة ولا يسمح بأي انفصال بينهما. أيضاً قد تتصف السلطة بأوصاف عضويةٍ حسية: تجُوع، وتفتك، وتلتهم وتزأر وتفترس (= حيوان الثقافة)، بالتوازي يتسلَّط الجسد ويضربُ ويُعنِّف، ويتحرش، ويزاحم، ويتعقب، ويراقب، ويقرع أجراسَ الترهيب للآخرين.

أساس المشكلة

تاريخياً، يتولَّد هكذا استفهامٌ فلسفي مزدوجٌ:

أولاً، هل استطاعت السلطةُ كقوةٍ مهيمنة تشكيل جسدٍ إنساني ما، صادفَ الزمنُ أنَّه موجود بوضعٍ معينٍ ( تبعاً للاهوت والأسطورة والتراث الثقافي والأنثروبولوجيا)؟ ومن ثمَّ سينتج الجسدُ معالمها (أي القوة) في فضاءاته، حيث تتعين السلطة بوسائل مؤثرةٍ اجتماعياً، أي السؤال دوماً عن تعامل السلطة مع الجسد، وبأي معنى تنحت صورته وفقاً لقوالبها الجاهزة كما يحدث في الايديولوجيات الدينية والسياسية.

ثانياً، عكس ذلك، هل تُوجد للجسد سلطةٌ في ذاته انفكاكاً من القيود؟ وبالتالي- كما سنوضِّح - لماذا تبدو ثمة فجوة (بين السؤالين الآنفين)؟ وبأية صيغةٍ هي فجوة تُلخص طبيعة الجسد وتحولاته وقدرتنا على تغيير دلالاته؟!

المشكلةُ من ثمَّ ليست في تحديد هوية الجسد ( ذكراً أم أنثى أم خنثى أم صاحب توجه جنسي sexual orientation) وليست كذلك في ابراز التأثيرات الجانبية للسلطة، لأنَّ تشكيل الجسد في ذاته هو البصمة الوراثية السابقة على هذا. إنَّ جيناتَه الثقافية genes cultural الراجعة إلى تحديد أنطولوجي تعدُّ أكثر جذرية. حيث كان هناك  تراث لاهوتي- وجودي كوَّن السلطةَ ولم يُفلتها عبر الأبنية الاجتماعية. وبلغ الوضع أنْ استحوذ تراث كهذا على الكيان البشري منتزعاً وجوده في العالم. ولأنَّ الجسد الإنساني هو أخص شعور حي للفرد التصاقاً بأناه، فلم تتركه أية سلطة وشأنه. وعندما أرادت السلطة التعامل مع الأنا، كان عليها إمساك مساراته الجسدية بحكم الخلفية الثقافية التي تفتحها.

وبخاصة أنَّ الأسئلة المذكورة ترتبط بماهية الجسد (لا هويته الجنسية)، وستأتي تحولاته في حياتنا المعاصرة على صعيدها تحديداً. أي غدا الجسد الآن مسرحاً لانعكاس تقنيات طبية وعلمية وفنية اسهمت في تشكيله، مثل الهندسة الوراثية وكذلك السينما والأجساد الافتراضية. الأمر الذي سيحد من قوة السلطة على فرض هيمنتها بسهولة. وهو ما سيجعل الأنوثة والذكورة على سبيل المثال مع " الجسد الافتراضي" ثنائية غير مهمةٍ، وأنَّها قد تكون مفتعلة أحياناً، أهميتها كامنة في كونِّها أداة عنف ثقافي لوأد المرأة في رداء اجتماعي. بينما الجسد الراهن- كما بالواقع الرقميdigital reality مثلاً - سيطرح تكويناً فائق الغرابة من الجنس الأنطولوجي للمشكلة نفسها. فمبررات التصنيف لثنائية الذكورة والأنوثة مجرد قشرة للجسد واستعمالاته، لكن انفجار طبيعة الجسد ذاته(افتراضياً- عضوياً) يحتم انفجاراً لأية قشور، ويؤدي إلى ترتيب جديد لأوضاع الجسد ومحمولاته الثقافية.

لقد أبقت ممارسات السلطة على البعد البيولوجي للإنسان ولم تعبأ بتحولاته الثقافية، ومن ثمَّ فإنَّ إخماد فاعليته (مثلما تفعل الأنظمة السياسية) لا يتم بمجاراته ثقافياً، إنما بالتعامل البيولوجي معه ككائن يحمل نقيض حياته (غريزة الموت). وهي غريزة اشتغلت عليها السلطة لإيجاد مضاد ثقافي لما هو بيولوجي، أي نشر ثقافة التخويف والعنف والقمع والمراقبة والترهيب. لكنها تناست أنَّ جسد الإنسان (بيولوجيّاً) دخلت عليه تغيرات من جنس الثقافة والمعارف المتقدمة، لدرجة تأكيد اندماجهما (البيولوجيا والثقافة) لدى العوالم الإلكترونية والوسائط الديجيتال. وبينما تعمل مفاهيم السلطة على خلفية "الجسم" لا الجسد، فقد أظهرت تطورات الذكاء الاصطناعي استحالة ارجاع الجسد إلى خانة الجسم مرة أخرى.

تُراث الجسد

وردت خلفية المشكلة في تاريخ الإنسانية عبر فكرة التَّوحُد بالطبيعة- كما في الثقافات الشرقية القديمة- لالتماس القوة واعتبارها الملجأ الذي يزود اجسامنا بالأسرار والإمكانات المطلوبة لمواصلة الحياة. ووردت أيضاً بشأن القوى الخارقة للأجسام حيث عبرت الأساطير عن وجود آلهة بأنصاف بشرية وبرؤوس حيوانية (الحضارتان الفرعونية واليونانية).

إنَّ الرسوم الجدارية في معابد الفراعنة تحمل صوراً تخلط بين البشري والحيواني. وربما كانت الفكرة غريبة بالنسبة إلى المشاهد، لكن الحياة بينهما متصلة من زاوية أبعد. لأنَّ القوة المقدسة تحمل الجانبين طبقاً للخيال البشري، وهو خيال حسي أكثر التصاقاً بالجسد وتداعياته. وبالتالي سيكون الشكل الهجين للآلهة من جنس العمل مباشرة.

ثمَّ مع تطور مسيرة البشرية، ارتبطت الفكرة راهناً بصور النجوم العابرة للثقافات والجغرافيا: مثل رجال السياسة والاعلام وقادة الحروب ورموز الفنون ونجوم الرياضة والمودة والأزياء. حيث اختفى "المسخ الأسطوري" للجسد ليحل معنى العبقرية والإتيان بشيء فائق الوصف وتسجيل الأرقام القياسية. والآن أصبح الجسد كرَّاساً عولمياً للأرقام القياسية (كموسوعة جينيس للأرقام القياسية) لتدوين طاقات وألعاب وأفعال فوق المألوف.

لكن في ضوء ازدواج السلطة والجسد، أليس هذا يفترض مصدراً متعالياً (إله – طبيعة – مثال- تطور- نمط حُكم) وراء القضية؟ ... وإذا كان الأمرُ كذلك، كيف تكون للجسد سلطةٌ ما؟ وإذا لم يكُّن كذلك، فبأي معنى تُعطى أهمية للجسد بحد ذاته؟ كيف ينتج الجسد معانيه عبر الممارسات الإنسانية؟ وما هو مصادر الثراء في تجاربه الحرة على مستوى السياسة والاجتماع؟ والأهم: هل ذلك يستوجب ترويضه في أنظمة ثقافية تستوعب طفراته أم أنَّه فوضوي، ثائر، خارج التوقُع؟

علماً بأنَّ ثمة دلالةً للسلطة لا تأخُذها إلاَّ في حدود الممارسات الثقافة، وهي دلالة التأثير الرمزي الذي يصلح لانتظام موضوعاتها وفقا لنسقٍ ما يخدم أغراضها، بينما الجسد الأن هو "التكملة المتخيلة" لما هو بيولوجي (الجسم) عبر الثقافة. أي أنَّ (السلطة + الجسد) يؤديان دوريهما ضمن الحياة الإنسانية احاليَّاً أحدهما إلى الآخر. وهاجس اللغة كما يشير رولان بارت لا يغيِّب المعنى اللغوي الوجودي، فالجسد آتٍ من التَّجسد، وهو الأثر الباحث عن سواه وهو أيضاً المتأثر إذ يمارس عملاً يعكس نمطَ العيش. إنَّه استعارة وجودية existential metaphor تملأ الفجوة بين الواقع والمأمول، ويصير الجسد وسيطاً يقف وراء الإحساس بامتلاء مجالات الحياة.

الفكرة أنَّ احتكار السلطة بواسطة اللاهوت والأساطير (وأحفادهما) كان يعقبه احتكار (واحتقار) عمومي للأجساد، إذ يطلب منها القيام بأعمال معينةٍ بحكم الخضوع لإملاءات خاصة. وأنَّ تحرر السلطة من عنف الأسماء المفارقة كان تحرراً للجسد أيضاً بواسطة حرية الأفراد وتوافر فرص الحياة الكريمة واختيار ما يليق بالإنسان وزيادة الوعي. فجسدي الحر هو الشرط الرمزي لوجودي الاجتماعي والسياسي، وله كامل الأنشطة التي تحقق خيالاً اعيش واتصرف به. وسأجد الصدى مواتياً فيما عليَّ نيله من حقوق داخل حدود المجال العام وممارساته بدءاً بالفرد وانتهاء بالدولة.

إنَّ الجسد ككيان ذكي يستشعر وجود السلطة ومراقبتها، وكانت الثقافة امتداداً لتك الفكرة. وهو ما اتاح للثقافة أن تعتبر الجسد منتمياً إليها أكثر من أي مجال آخر، فما نخاف منه ونراه إكراهاً تمَّ الاعتراف بكونه حدوداً يجب ألاَّ تعترض الإنسان. فالخوف أساسه الألم والإيذاء الذي يلحق بنا والتضييق على حرية الاجساد، لكنه أخذ اشكالاً غير جسدية مثل القوانين التي تمنع الاعتقال التعسفي ومنع التعذيب بالنسبة للدولة الراهنة. ولذلك يتشوف كل جسد لاكتساب قدرات خاصة يحد من سطوة السلطة وملاحقتها، أو يرسل إشارات إلى أنه لا يمتثل للنمط السائد من الهيمنة سواء أكانت هيمنة اجتماعية أم ايديولوجية.  وإذا كان الجسد يتمرد في مساحات قريبة من حركته الخاصة، فإنها يظل يخاطب السلطة العامة بطرف خفي لأنها لم تنساه. كما أن الجسد ثقافيا يمثل مصفاة لكل شوائبها التي لن تخطئه بحال. فكل قوانين الدول وممارساتها السلطوية تفترض جسداً بشكل أو بآخر، فطالما تظل الأخلاقيات قابعة في القوانين سيكون الإنسان متجسداً في هيئة معينة تستحق المتابعة ثواباً وعقاباً.

 

سامي عبد العال

 

 

حاتم حميد محسنقد لا تختلف حياتهما الخارجية كثيرا. احدهما درامي اشتهر بالذكاء واللباقة، اما الآخر فهو فيلسوف انعزالي عاش وكتب في غموض نسبي، ولكن بالنتيجة والى مدى معين، كل منهما إعتقد بنفسه كشاعر. كلاهما ايضا، وبطريقتهما الخاصة، اهتمّا بتأسيس فلسفة تقوم على فن الحياة، ملتفتين الى اليونان القديمة في مُثلهما الجمالية، واعتبرا فرنسا المعاصرة هي الوريث لتعقيديتها الحسية. كلاهما وبسبب طبيعتهما التحريضية منذ الولادة، كانا مثيران وبلا مهادنة للتمرد الثقافي واحتفظا بنقدهما المدمر لـ "مواطني البلد". رغم معاصرتهما، كانا غير واعين ببعضهما البعض، لكنهما كلاهما جاء بشخصة ملتهبة وأقوالا تجسّد التوترات والخصومات التي كانت سائدة في اوربا في نهاية القرن (نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين).

في الأدب، يميل المحتوى لإملاء الشكل، لذا كان من اللافت ان يعبّر وايلد ونيتشة عن نفسيهما بطراز مشابه: الأمثال، القصائد، الأقوال المأثورة. هذه الأشكال كانت قد اختُرعت عمليا من جانب فلاسفة ما قبل سقراط في اليونان، واُتقنت من جانب الأخلاقيين الفرنسيين. الأفكار الواسعة يمكن حملها مكثفة في هذه الأوعية التي تبدو (احتيالا) خفيفة . كذلك، بلاغتهما التعبيرية ضمنت ان يبقيا في الذاكرة : "ايّ كان من يكتب بدم وتذوّق لا يريد ان يُقرأ وانما لكي يُتعلّم بالقلب. في الجبال، أقصر طريق هو من القمة الى القمة: ولكن هنا يجب على المرء ان تكون لديه سيقان طويلة. الأقوال المأثورة يجب ان تكون قمماً، كما يذكر نيتشة في (هكذا تكلم زرادشت) وفي افول الاصنام (Twilight of the Idols): "الأمثال التي انا الاستاذ الاول بها بين الآلمان، هي اشكال من "الخلود"، طموحي هو ان أقول في عشر جمل ما يقوله اي شخص آخر في كتاب وما لا يقوله اي شخص في كتاب". كإسلوبي، أدرك نيتشة انه كان جيدا لدرجة أفسد أذواق قرّائه، طالما هم لا يمكنهم الاستمتاع بأي أحد بعده، وانه الى جانب الشاعر هين (Heine)، سيُعتبر أعظم اسلوبي في اللغة الآلمانية (الأخير أضاف غوتة لهذه القائمة الحصرية). وايلد ايضا إعترف بهذا التقييم العالي لنفسه، في جواب شهير له لمسؤول الجمارك في الولايات المتحدة، "هل لديك شيء غير مسموح به؟" كان جوابه "فقط عبقريتي" . في رسالة مطوله له من السجن، وصف وايلد أعمال حياته: "انا لخّصت كل الأنظمة في جملة والوجود في قصيدة". لكن الشيء المذهل هو مدى التشابه تقريبا بين بعض قصائد وايلد ونيتشة، أغلبها يمكن استخدامها بشكل متبادل شكلا وجوهرا. فمثلا:

ما لا تحطّمه النيران تقوّيه. (وايلد)

ما لا يقتلني يجعلني أقوى. (نيتشة)

الحقيقة البسيطة هي التي لا يكمن بها الشك. (نيتشة)

الحقيقة نادرا ما تكون صافية ولن تكون بسيطة ابدا. (وايلد)

الرأي العام يوجد فقط عندما لاتوجد هناك افكار. (وايلد)

لكي أقولها مرة اخرى، الآراء العامة، كسل خاص. (نيتشة)

نحن نمتلك فنا لكي لا نهلك من الحقيقة. (نيتشة)

قول الأشياء الجميلة وغير الصحيحة هو الهدف الملائم للفن. (وايلد)

الضمير والخوف هما حقا نفس الشيء. (وايلد)

لا ترتكب الجبن كرد فعل لعمل احد ما، لا تتركه يندفع الى الامام . لدغة الضمير غير لائقة. (نيتشة)

الإستياء هو أول خطوة في تقدّم الانسان او الامة. (وايلد)

كل تقدّم عظيم يجب ان يسبقه قليل من الضعف. (نيتشة)

هذه الكلمات الثقيلة اُلقيت برشاقة، لم يُقصد بها كثيرا إظهار الكاتب كما لو انه يؤسس قناعا. "persona" تعني حرفيا (صوت من خلال) حيث ان per تعني "خلال" وsona تعني "صوت" لأن الممثلين اليونانيين تكلموا من خلال قناع . في حواره الافلاطوني (النقد كفنان) يكتب وايلد"اعط الرجل قناعا وهو سوف يخبرك الحقيقة". نيتشه ايضا يعترف، "كل روح عميقة تحتاج قناع" و"الحديث الكثير عن شخص ما يمكن ان يكون ايضا وسيلة لإخفاءه ".

من المدهش، ما يبدو من شخصيتين متفاوتتين جسّدهما وايلد ونيتشة خرجتا الى العالم لتوضيح فلسفات متماسكة (وان كانت رخوة). غير ان هاتين الشخصيتين المزدحمتين يشتركان بعدة مزايا رئيسية:

الاسلوب Style

أحد المبادئ المركزية التي تمحور حولها كل من وايلد ونيتشة كان أهمية الاسلوب. في مثل بعنوان "شيء واحد ضروري"، يعلن نيتشة استراتيجيته: "ان تعطي اسلوب لشخصية ما – فن عظيم ونادر، يمارسه ليفحص كل ما تجسّده طبيعته من قوة وضعف ومن ثم يصوغها بخطة فنية حتى يظهر كل شيء كفن وفكر، وحتى الضعف سيسر العين".

لكي يكيّفا شخصيتهما المتعددة الأبعاد، كلاهما وظّفا اسلوب متعدد الابعاد، يشجع منتقديهما للاشارة اليهما كتباين كبير لأعظم كاتبين . بالضد من القانون الاخلاقي الالزامي، انهما ولأسباب اسلوبية كلاهما استعارا الرعد والايقاعات الانجيلية، نيتشة في زرادشت، ووايلد في سالوم، مكيّفان عبارات دينية لتناسب مزاجهما الغريب. من الجدير ملاحظة انهما كلاهما آمنا بافراط بالرؤى العالية عن أعمالهما. وايلد كان اكثر فخرا بسالوم (هذه القطعة اللامعة التي كتبتها في مزاج غريب) من أي مسرحية اخرى، ونيتشة أعلن وبلا شك ان زرادشت "أعظم هدية للبشرية".

كشخصيتين اسلوبيتين محترفتين، هما كلاهما كتبا جيدا لمصلحتهما سامحين لنفسيهما ليكونا منزعجين بموسيقاهما الخاصة المثيرة عاطفيا وكلامهما المطوّل. كانا في انسجام عال مع موسيقية الكلمات، هما في اوقات معينة ربما سمحا للاسلوب في إملاء المحتوى، او في إخفاء الجوهر. في رسالة كُتبت عام 1884 لصديق قديم، ارن روهد Erwin Rohde، يعترف نيتشة، "اسلوبي رقصة، انه يعزف مع كل انواع التشابهات، فقط ليقفز فوقها ويستهزئ بها. هذا ينطبق حتى على اختيار الحروف المتحركة". ان نقد الروائي الفرنسي غيد Gide لإسلوب وايلد ربما ايضا ينطبق على نيتشة:"لمعان السطح يجعل ذهننا يفقد الرؤية للعواطف الاساسية العميقة". اما برنارد شو فقد وافق على هذه العواطف بشأن وايلد، مجريا القليل من التعديل عليها: "كان وايلد محبا جدا للاسلوب، لدرجة انه لم يدرك الخطر ابدا في التعبير باسلوب اكثر مما تتحمل قضيته". نيتشة أطلق اتجاهه (العلم المرح) . انه رؤية عالمية في تمجيد رقة القلب او الروح (ذكاء ظريف).

اشترك وايلد في هذه الفلسفة المرحة التي حرضت على الوفرة والابتهاج وادامة الروح العالية المرح. (نيتشة كان يكره ايضا المرح الشيطاني الخبيث). هما كلاهما احتفظا بدرجة عالية من القدرات الطفولية للدهشة، المرح، والايمان بالمستحيل. هذا تأكد في العديد من اقوال وايلد وشخصيته السعيدة بعدم النضج الصبياني، بنفس مقدار ما كان في قصصه القصيرة الساحرة للاطفال. الشاعر الارجنتيني والمؤلف Jorges Luis Borges تحدث عن "البراءة المنيعة" لوايلد. وفي ما وراء الخير والشر يعرّف نيتشة الرجولة الناضجة بـ " اعادة اكتشاف الجدّية التي امتلكها المرء كطفل في مسرحية". الى جانب البراءة، "براءة" نيتشة ووايلد ايضا مثلت لامبالاة وعدم احترام، احساس بالمرح واجازة للسخرية. "ليس بالغضب، وانما بالضحك، نحن نمرح. تعال، دعنا نُفرح روح الجاذبية" (هكذا تكلم زرادشت) . في النهاية، جوابهما للمشاكل العميقة كان اسلوبيا: الجمالي فوق الاخلاق. لتحقيق هذا، هما عادة وجدا من الضروري العودة الى سطح الاشياء.

عالم الظهور

فوق كل ذلك، كان نيتشة ووايلد محبين عظيمين للحياة، من المفارقة التاريخية لليونانيين هي في عبادتهم للشمس كقوة للحياة وفلسفتهم المفرطة في الحيوية المشبعة حسيا بهذه الروحانيات الدنيوية. كذلك، في ايمانهم العميق بحكمة الجسد وحيث رددوا الحكمة اليونانية القديمة في اعتماد الذهن الصحي على جسم صحي: "اولئك اليونانيون، عرفوا كيف يعيشوا. ما كان مطلوبا هو الوقوف بشجاعة عند السطح، عند الجلد، المظهر الذهبي، الايمان بالاشكال، بالنغمات، بالكلمات، في المظهر الكلي للاولمب. اولئك اليونانيون كانوا سطحيين في انطلاقهم من العمق"(1). هذا ليس حماس شعري لوايلد، وانما حماس الفيلسوف نيتشة. بالطبع، هذه ايضا نفس الفلسفة الجمالية التي تبنّاها وايلد:"الناس الضحلين فقط هم من لا يحكموا بواسطة الظهور"(صورة دوريان غراي)(2). كذلك، الصقل والذوق جرى تمجيدهما:يقول نيتشة في هكذا تكلم زرادشت "كل الحياة هي صراع حول الذوق والتذوق". مثل هذه الجمالية لم تكن فقط تفسيرا للحياة، وانما فلسفة للحياة.

نيتشة ووايلد ربما كانا "سطحية من العمق" ولكن بطريقة اخرى، لو اعتبرنا ان تفضيلهما للظهور تأثر بنقد كانط الذي جاء في نقد العقل الخالص(1781). طبقا لهذا المذهب، نحن لانعرف ابدا الاشياء كما هي، وانما فقط كما تبدو لنا. في هذا السياق، موقفهما في الوقوف بشجاعة على السطح قد يبدو حكيما .

وعلى مستوى آخر، طبقا لدراسة الاكسندر نيهام Alexander Nehama عن نيتشة (الحياة كأدب)، كشفت ان جمالية نيتشة انطوت على نزعة ينظر فيها للعالم عموما كعمل فني، وكنص أدبي بالذات، تشغله شخصيات ادبية، بما فيها هو ذاته . قراءة وكتابة الكلمات، بالاضافة الى ما تعلّمه من الكتب والجدال معها. يكتب نيهام، "استعماله وتأكيده على الاسلوب هو ذاته جزء من جهوده لتجاهل الفرق بين الشكل والمضمون في الحياة وكذلك في الكتابة".

دمج الحياة مع الادب كان الطبيعة الثانية لوايلد ايضا، الذي اعترف بها علناً لكي يؤدي حياته. هو شعر ان الحياة فنا مقلّدا اكثر من ان تكون العكس، وقال لاندريه غيد Andre Gide، "حياتي تشبه عمل الفن". وايلد اعترف في من الاعماق (De Profundis) : "انا تعاملت مع الفن كواقع أسمى والحياة كمجرد طريقة للخيال". او، كما ذكر في (الناقد كفنان)، "عندما يتصرف الانسان، فهو دمية. وعندما يصف، فهو شاعر". هناك الكثير من نيتشة ضمن هذا الكون اللفظي يؤكد سيادة اللغة، مستعيدا السلطة من المصير من خلال التعبير البليغ والواضح.

في نيتشة نحن لدينا الفيلسوف كفنان اداء، يتصل من خلال النكات، الألغاز، الامثال، القصائد، الأغاني او الأقوال المأثورة. في وايلد، هناك الفنان مؤديا فيلسوف، كونه جعل "الفن فلسفة والفلسفة فنا" كما كتب في (من الاعماق)، او في الثناء الفخم غير المعهود لجورج برنادشو، " بمعنى معين، السيد وايلد بالنسبة لي هو الكاتب المسرحي الشمولي الوحيد. هو يعمل مع كل شيء: مع الفلسفة، مع الدراما، مع الممثلين والمشاهدين، مع كل المسرح"نشرة يوم السبت، reviewing wild’s An Ideal Husband، 12جنوري 1895". بعد وفاة وايلد كتب صديقه ماكس بيربوم: "هو جاء كمفكر، ناسج للافكار.. بناء مسرحي، احساس بالاثار المسرحية، كان كل ذلك بفطرته"(مراجعة السبت، 8 ديسمبر، 1900)

الصراعات الشخصية

في كلا الرجلين كان التناقض بين الحقيقة الخاصة والمظهر العام واضحا. وراء الاسلوب، كانت هناك صراعات ذاتية وذبول في الشخصية. اعترف نيتشة "انا في ساحة المعركة كجسم وروح اكثر مما ككائن بشري ". وايلد ايضا كان مليئا بالدوافع المتصارعة. مع ذلك، اذا كان هناك ضعف بنيوي في تفكير وايلد او نيتشة، فهو بسبب ان صروح فلسفتهما بُنيت على المنطقة الرخوة او خط الصدع. من المفارقة، بالرغم من شخصيتهما العنيفة، لكن كلاهما نظر الى الذات كشيء يُخشى منه وغير موثوق به، وسعيا الى تجاوز الشخصي وإذابة شخصيتهما من خلال توظيف الأقنعة. وفي عداء شديد لما كان مرتبط به بشكل عميق، استنكر نيتشة بصوت عال ما كان تجذّر به بعمق وحاز عليه بافراط: اي، الشفقة، الأسف، التقوى والاخلاق. في محادثة مع نيتشة، لاحظت سالوم Lou Salme (التي اشارت له كتوأم الروح) منذ بداية التعارف بينهما (1882) انه كان ذو طبيعة دينية. لاحقا هي كتبت، "اليوم انا اريد التأكيد على هذا التعبير مضاعفا.. نحن نشعر بذلك وانه سوف يتقدم كمدّع لدين جديد، وحيث سيكون كمنْ يجنّد الابطال ليكونوا تلاميذه". وعن سالوم ذاتها، نيتشة ذو الاسلوب الذاتي "اللااخلاقي" يكتب في مسودة رسالة لصديقهما المزدوج بول ري:"هي اخبرتني ذاتها انها لا تمتلك اخلاقا – وانا اعتقد انها لديها، كما لدي من الاخلاق الشديدة اكثر من اي شخص اخر". نيتشة سقط في الشارع، متأثرا بانهيار عصبي، حينها بكى وذراعاه ملتفان على حصانه المتعب، كانت صورة حزينة مثيرة للشفقة. ملاحظات نيتشة اللاذعة حول الشك والضعف والمثالية، او نقده القاسي للثقافة الألمانية عامة، هي ايضا تُفهم بشكل افضل كتهديد باطني. لأنه، رغم الاستعارات الجنسية المشحونة للغاية، وإدانته لمواعظ الامتناع عن الجنس كخطيئة ضد الحياة، لكن حياته بقيت اساسا باردة جنسيا. وكذلك في جميع احتفالاته ومدحه المتكرر للرقص، هو لم يشرب ولم يرقص ابدا(رغم انه اثناء سنوات جنونه مارس شكلا انطباعيا للرقص). ككاتب اكثر سلطة من المتكلم، كلا القدرتين يبدو انصهرتا اثناء الشهور الاولى من جنونه. وبعد وقت قصير من انهياره العصبي عام 1889، كان نيتشة قد حضر في صف لطلاب الطب، احد الطلاب لاحظ، "نحن لم نسمع ابدا رجلا يتكلم بهذه الطريقة... انا شعرت بالقوة السحرية لاسلوب نيتشة لأول مرة. هو تحدّث كما لو انه كتب: جملا قصيرة مليئة بكلمات غريبة ونقائض متقنة".

التجارب مع القيم

يصف برنارد شو شهرة وايلد ومكانته بعد وفاته كشهيد: كيف كان يمكن ان يُنظر الى وايلد من قبل الأجيال القادمة لو مات قبل مأساته (فضيحته والسجن)؟. في تقييم برنارد شو، "وايلد سيبقى في الذاكرة كلبق ومدهش، وستبقى له مكانة في الدراما الى جانب المسرحي الانجليزي (كونغريف) . نسخة من أمثاله ستبقى مصداقيتها شاهدة على رف المكتبة الى جانب الاخلاقي (Rochefoucauld)(3). ماذا لو مات نيتشة بدون مأساته (الموت بالجنون)؟ ذلك من الصعب معرفته، ولكن سيبقى محطما الرقم القياسي في سجلات الادب وعلم النفس، وسيبقى له مكانا الى جانب الفلاسفة الحديثين ايضا. كمتطرفين، كلاهما اعترف بان التطرف أقرب اليهما من المسار الأوسط للاعتدال الذي استعصى عليهما. او حسب كلمات نيتشة "المواقف المتطرفة لا تأتي من المواقف المعتدلة، وانما تورثها المواقف المتطرفة المضادة".

في (الرغبة بالسلطة)، هو يذكر، "السحر الذي يقاتل لمصلحتنا، عيون فينوس التي تسحر وتعمي حتى خصومنا، هو سحر التطرف، الإغراء الذي يتبنّى كل شيء متطرف.. نحن غير اخلاقيين- نحن الأكثر تطرفا". كلا الرجلين كانا مفتونين بالتطرف في هذه الطريقة، وانهما في رؤية كلا جانبي الجدال في وقت واحد، عادة يخاطران في ان يُصابا بالحول الفلسفي . النتيجة كانت وجود افكار لا تبدو فقط ملتبسة بعمق وانما مربكة ايضا.

في (شوبنهاور كمعلم)، كتب نيتشة، " انا اهتم بالفيلسوف فقط الى المدى الذي يصبح فيه قادرا على ان يكون مثالا". هذا يبرز من نصوص نيتشة ووايلد: كل واحد في طريقته غير العادية نجح في ان يخلق لنفسه مثالا مذهلا جسّد للأجيال القادمة شخصيته الغريبة والتي كانت أعماله جزءا منها. في تركيزه على وايلد كقاص موهوب ومتحدث لامع، وصفه (غيد) "أعظم مدلل.. كما هم فلاسفة اليونان، وايلد لم يكتب وانما تحدث وعاش حكمته". بالنسبة لنيتشة، كتب الناقد جورج براندس " سؤالي الاول هو :ما قيمة هذا الرجل، هل هو مثير للاهتمام، ام لا؟ اذا كان كذلك عندئذ فان كتبه هي بدون شك تستحق المعرفة. اسئلة حول الصحيح والخطأ نادرا ما تطبّق على العوالم الفكرية العالية... نحن لسنا اطفالا نبحث عن تعليمات، وانما شكاك في البحث عن الرجال". هذا الموقف الناضج يمكن تبنّيه تجاه كلا الرجلين. بالتأكيد هما مثيران للاهتمام سواء كانا على صواب او خطأ. السؤال عن قيمتهما هو سؤال أكبر. بدون شك، نحن لانجدهما عنيفين كما كانا في أحاسيس القرن التاسع عشر، وانما في عصرنا المشكك بالمطلقات والعرضة لتعددية التفسيرات، نحن نعتبرهما معاصرين في ادراكهما لقيم تعكس قيمنا . حتى في أعمالهما المتناقضة نحن نعترف بالاعمال المدهشة والمعقدة لنفسية الانسان. وهكذا كعاملي تجديد يعيشان فينا، قبولهما يجدد قيمهما ويجعلهما على الأقل ملائمين اليوم كما كانا قبل قرن.

 

حاتم حميد محسن

..................................

The Twin souls of Oscar wild&Friedrich Nietzsche, philosophy Now

الهوامش

(1) هنا هو يمتدح اليونانيين للعيش السطحي المنطلق من العمق، بمعنى،  قرار ان تعيش سطحيا هو ذاته شيء عميق (مع ان العديد من الناس يعيشون بسطحية فقط لأنهم لايعرفون طريقة اخرى). نيتشة يشجع العيش السطحي – او العيش بخفة، بمرح، مثمناً الأشياء كما تبدو لنا، بدلا من ان نُثقل بالافكار والشكوك حول أنفسنا والعالم. هذا قد يبدو مفارقة طالما اعتقد نيتشة وبعمق في عدة قضايا، لكنه يرى انه بالإمكان لبعض الناس التفكير في الأشياء وبعمق لوقت قصير ثم العودة للعيش في حياة سطحية. هو يقول : انا أعتقد انه من الأحسن لك التعامل مع المشاكل العميقة كما لو كنت في حمام بارد – الدخول بسرعة والخروج منه بسرعة (TGS 381).

(2) صورة دوريان غراي هي قصة حول شاب لم يتأثر جماله بالعمر والفساد طالما وُضعت روحه في لوحته. الإنقسام في هذه الطبيعة الثنائية في دورين غراي يتعمق عندما هو يتفاعل مع باسل هالورد ولورد هنري. القصة تخبر القرّاء عن بطل الرواية، عن حياة دوريان غراي التي كانت مليئة باللااخلاقية والفساد كنتيجة للبحث عن المتعة والجمال الخارجي. دوريان غراي يحطم حياته عبر البحث فقط عن "جمال الجسم" وينتهي به الحال الى "فساد الروح"(Douglas 273).

(3) فرانكوس دي لاروشفوكولد اخلاقي فرنسي ولد عام 1613، يجسد بأفضل صورة الروح الفرنسية. أقواله وحكمه هي في الحقيقة تركز على النكات، الملاحظات او الاقتباسات الساخرة حول العواطف الانسانية والتفاهات ومآسي الانسان. احد هذه الاقتباسات الشهيرة:"هناك نوع واحد فقط للحب، لكن هناك ألف نسخة مختلفة له".

 

 

علي محمد اليوسف(1) فينجشتين والوضعية المنطقية

في الوقت الذي ذهب فيه فينجشتين في الوضعية المنطقية مجموعة فيّنا، التي جرى تعديلها لاحقا فلسفيا الى التحليلية المنطقية الانجليزية بزعامة بيرتراند راسل، وجورج مور، وايتهيد، فلاسفة جامعة اكسفورد والتي إنضم لها كل من كارناب، وفينجشتين الذي كان استاذا للفلسفة في جامعة كامبريدج.

كان لفينجشتين رأيه الخاص في إعتباره اللغة منطق قوانينه قبلية مستقلة عن التجربة لكنها أيضا تحصيل حاصل أنها لا تعني شيئا. ولا تدل على شيء في التجربة. فما قوانين المنطق إلا قواعد نحوية تنّظم تنظيما ميّسرا بفضاءات التجربة الحسّية . وأضاف أن المنطق يتكوّن من قواعد تركيبية أي تنّظم تركيبا وهذه القواعد تستخرج من مباديء تم إخيارها بطريقة تحكميّة.

التحليل النقدي والتعقيب

- كل ما هو قبلي معرفي تجريدي مستقل عن التجربة الإدراكية لا معنى له ولا يعبّر عن مدرك حقيقي مادي ولا عن موضوع خيالي.

- أصحاب الوضعية المنطقية الجدد وجدوا إمكانية التحدّث عن اللغة بوسيلة إستخدام لغة ثانية أطلقوا عليها "لغة اللغة" والتفلسف ما هو إلا شرح معنى لغوي بمعنى لغوي آخر. لغة شارحة بعدية للغة قبلية سابقة عليها في ملاحقة فائض المعنى.

- اللغة هي إحساس نسقي منّظم لا علاقة له بالإدراك الشيئي حسب فلسفة اللغة ونظرية المعنى، وإحساس اللغة يكون إحساسا زائفا حينما لا يكون تعبيرا لمعنى واضح الدلالة حسب المناطقة.

- بحسب المناطقة الجدد لا فرق بين زيف الإحساسات حينما تكون تعبيرا لغويا لا معنى له. ولا يمكن التحقق من صدقيته، لذا يبقى الإحساس موضع شك.

- العديد من المباحث المفاهيمية لا ينطبق عليها المنهج التجريبي النقدي الذي تنادي به الوضعية الجديدة. فكل شيء بمفهوم العلم هو موضع شك، يتطلب تبيان جوانب الإدانة فيه وتصويب أخطائه.

(2) كارناب وربط اللغة بالعلم

يميز رودولف كارناب 1891- 1970 بين عدة وظائف للغة إما أن تدل على معنى أو تعبّر عن رغبات وعواطف. ومن واجب الفلسفة حسب المنطقية الوضعية أن تحصر نفسها في تحليل لغة العلم باستخدام المناهج المنطقية التي أساسها الرياضيات، وما عدا هذه المهام فاللغة تبقى مبحثا ميتافيزيقيا لا معنى له، وخارج ميدان مباحث الطبيعة. وأدان كارناب فلاسفة اللغة الذين يضعون قيودا على الإستعمالات اللغوية، بدل الإهتمام بتجديد الشروط التي تطابق اللغة معناها.

تعقيب تحليلي

- هذه المهام للغة التي لخصّها كارناب لا تقول جديدا ما عدا يجب أن تقوم الفلسفة على تحليل لغة العلم بمنطق الرياضيات كما اسّس له فريجة وتبّناه بيرتراندراسل ومن قبله دي سوسير. فليس سهلا أن تكون الفلسفة تابعة للعلم بمجرد أنها تمتلك منطقا منهجيا تحليليا للعلم. وهذا لا ينفي بل يؤكد حقيقة تاريخ الفلسفة لم تكن تابعة للعلم تقتفي آثاره بل كانت توازيه على الدوام وتتداخل معه في نطاق ضّيق.

- العلوم الطبيعية قاطبة وليس فقط العلوم الانسانية تقوم على مبدأ إستقلالية منطق تجريدي إشاري علاماتي من المعادلات الرياضية لا يخضع الى نقد لغوي عادي سردي كما يجري في لغة نقد سرديات الادب والايديولوجيا وعلم الاجتماع والاديان التي أطلقت عليها ما بعد الحداثة السرديات الكبرى..

- أدان ريشنباغ وهو من فلاسفة الوضعية توّجه كارناب وأشياعه قائلا : أنهم يخطئون حين يحاولون البحث عن يقين مطلق، حيث ليس هناك من بديل، وإنما مجرد إحتمال. ومّيز ريشنباغ بين التحقق التكنولوجي في عصر ما، والتحقق الفيزيائي الذي لا يتعارض مع قوانين الطبيعة،.

- إنتهى كارناب في أخريات تطوره الفلسفي الفكري الى أنه يجب التوّصل الى تعريفات دقيقة للمفاهيم الاساسية التي يستخدمها العلم في إطار لغة صورية تماما.

- كما إنتهى جورج مور على العكس من لغة المنطق ضرورة العودة الى لغة الناس العاديين الجارية المتحاورة معتبرا ذلك الشرط الاساسي للتحليل العلمي الصحيح. وربط التحليل الفلسفي بكل من الإدراك العام أو الإدراك الفطري.

(3) علاقة اللغة بالوجود والادراك

يذهب بيركلي أنه يمكننا تحديد المقصود ب"وجود" دون اللجوء الى أدوات لغوية، وجود الشيء هو وجود إدراكه الشيئي. كما إعتبر أفلاطون الوقائع المعنيّة هي أفكار أي هي كيانات مختلفة تماما عن كيانات العالم المحسوس. وعن ارسطو قوله :الانسان لا يمكنه التحدث إلا إذا تحدّث عن شيء ما مسّبق بذهنه. وأضاف التعبير عن الوجود ليس فقط أن تقول ماهو موجود، وأنما أن تقول أي نوع من الوجود تقصده. وعن بارمنيدس مقولته الوجود موجود، وعدم الوجود غير موجود ،فأنت لا يمكنك إدراك شيء أنت تخلق وجوده بتفكيرك وتدركه بإحساسك.

تعقيب توضيحي

- الوجود المادي للاشياء والمخيال بموضوعات الذاكرة إستبطانيا تكون سابقة على ادراكها المادي خارجيا، وخياليا استبطانيا داخليا.. وسابقة على تعبير الفكر واللغة عنهما في كلا المنحيين.

- السؤال بماذا يختلف ما هو موجود مادي، عما هو غير موجود مادي بالنسبة للفكر واللغة؟ الفرق هو في تعبير اللغة فقط بين ماهو موجود مادي خارجي وبين ماهو خيالي تصوّري داخلي.

- إدراك الوجود لا يتم بغير دلالة عقلية له، لذا يكون الوجود مصدر إدراك العقل، ولا يكون إدراك العقل هو مصدر تحقق موجود مادي لن يتحقق الا بالذهن فقط في مرجعية العقل.

- لا يمكننا معرفة موجود بغير دلالة تعبيرية لغوية عنه. إدراك الشيء هو أن تتصوره بالفكر واللغة. حتى الحواس لا تنقل الاحساسات عن الاشياء بغير تعالق ما تنقله الحواس في تصوّر وتمثّل لغوي.

- الموجود المادي هو موضوع لتعبير اللغة وتفكير العقل، وعندما نقول الموجود المادي هو لغة تجريد انطولوجي لذلك الموجود. وحينما نقول الموجود المادي هو لغة متموضعة في الاشياء والمواضيع التي يدركها العقل، وإدراك الشيء المادي حسيّا هو إدراكه لغويا، كما وإدراك الموضوع الخيالي هو إدراك وتعبير لغوي مجرد ايضا..

- أمّا حين نقول مع أفلاطون الموجودات ومدركات العقل هي أفكار فهو صحيح تماما لا يحتاج أدنى نقاش، فاللغة والفكر المعبّران عن موجود متعّين أنطولوجيا، يكون دليل قاطع أن الموجودات سابقة على إدراك العقل لها وتعبير اللغة والفكر عنها. وهو تعبيرمنهجي مادي. أما الوجه الآخر المقابل في هذا الطرح فهو يقوم على أن الموجود هو لغة مستقلة في التعبير عن دلالة الموجود ماديا ، فالتعبير لغويا عن شيء أو عن موضوع من الخيال لا وجود مادي له بالواقع، فتكون اللغة تفكير لغوي تجريدي صرف لا علاقة تربطه بالموضوع المعّبر عنه سوى جدل علاقة التأثير بالمؤثر على صعيد الفكر فقط.

- جدل علاقة التاثير والمؤثر بين الموضوع في وجوده المادي وتفكير العقل وتعبير اللغة عنه، هو بالمحصلة يقود الى تطوير الفكر المتعالق مع موضوعه ، وتسريع التطور المادي لموضوع الفكر بقدراته الذاتية وليس بقدرات التفكير الذهني به.. جدلية الفكر بالمادة تبقى جدلية غير حقيقية، وسبب ذلك هو إنعدام المجانسة النوعية بين الموجود المادي وتفكير العقل عنه. فالوجود مادي وتفكير العقل هو تجريد لغوي. جدل تناقض الاضداد لا تتم الا داخل مادة او موضوع يحمل المجانسة التكوينية الواحدة في داخله بين سالب وموجب تنبثق عنه الظاهرة المستحدثة الجديدة التي هي بدورها تحمل جدل تناقضها الداخلي ايضا.

(4) الصفات والماهية

يقول أحد تلامذة السوسفطائي جورجياس والذي أصبح من تلامذة سقراط فيما بعد قوله " أنا لايمكنني أن أحدد ماهية الشيء ، وإنما يمكنني فقط أن أحدد بعض الخصائص التي يمتلكها هذا الشيء، وهناك ما هو أسوأ من ذلك فأنا لا يمكنني القول عن شيء محدد ما ليس هو عليه ولا حتى أن أقول عنه غير موجود."

ما يقصده انتسين تلميذ جورجياس لا يمكننا تحديد ماهيّة الشيء ، إنما كان وضع بذلك بذرة فلسفية في حقل فلسفي نقاشي دام قرونا طويلة، وتناول كانط وهيجل وفلاسفة الماركسية وفلاسفة الوجودية جميعا تلك المقولة.

وهؤلاء أكدّوا عدم إمكانية إدراك ماهية الشيء بل المتاح إدراكه هو الصفات الخارجية فقط...فلاسفة الماركسية لم يعيروا إهتماما كبيرا لهذه الاشكالية الفلسفية، بل إكتفوا بمعرفة صفات الشيء تغني عن معرفة ماهيته أو جوهره، بإستثناء سارتر قوله :

- لا يشترط أن يكون لكل موجود أو شيء جوهرا علينا التفتيش عنه وملاحقته. فالماهية وعلاقتها بالصفات للشيء أو الموجود المادي الواحد، من غير الانسان كانت محط إختلاف ونقاش دائم.

- ذهب سارتر في تفرّد عن فلاسفة الوجودية الذين ارادوا ترك القضّية معلقة لا حل لها. أن الانسان هو الكائن الوحيد الذي يمكننا تأكيد ماهيته. ماهيّة الانسان ليست موضوعا أو معطى مجّاني يتعالق مع الانسان في وجوده الطبيعي، بل الماهية عملية تصنيع ذاتي يقوم بها الانسان ذاته. جوهر أو ماهيّة الانسان عملية سيرورة دائمية من البناءات التراكمية والخبرات المكتسبة للانسان.

- إختلاف الوجود بإختلاف موجوداته التي يحتويها وتشّكل مضمونه. لذا تكون نوعية الوجود وإدراكه تتم بدلالة موجوداته. فالوجود مفهوم لا يحده غير موجوده الذي يحتويه. كل موجود يستمد معناه من محتواه النوعي.

- عبارة انستيسين الماضية الملغمة قوله لا يمكنني القول عن شيء محدد هو ما ليس به ولا حتى أقول عنه غير موجود، فهو أراد بذلك أن الحواس تخطيء الإدراك في الإحساسات، وتكون عاملا أوليا في تضليلها العقل. الشيء الثاني أن تعبير اللغة هو الآخر قاصر عن الإحاطة في التعبير عن مدركاتها الموضوعية بتمامها.

(5) شيلر .. والانسان

يدين شيلر 1874-1921 صاحب مقولة الانسان هو المكان الوحيد الذي يتجمّع فيه الاله. ويدين شيلر المنهج الاستقرائي في المعرفة، قوله "إن ميدان القبليات البديهية لا علاقة لها على أي نحو مع ماهو صوري " ويرى شيلر هناك وجود مادي هي مضمونات مستقلة عن الخبرة وعن الإستقراء، ويرفض شيلر بقوة شديدة ومتكافئة الاتجاه التصوري – المثالي، والإتجاه الاسمي الوصفي.

مثالية شيلر هي نسخة متقدمة عن مثالية كانط أنه لا يوجد مدركات قبلية بديهية معطاة للعقل النظري. كما أن التفريق بين ما هو تصوري مثالي، والإتجاه الإسمي الوضعي في العقل قضّية محسومة أن العقل هو حصيلة الواقع المادي، والواقع المادي يخلق التصورات الذهنية والإدراكية عن الاشياء.كما يرى شيلر في معرض إدانته لكانط في عبارة بليغة جدا قوله " لا يوجد عقل يفرض قوانينه على الطبيعة، وأننا لا نستطيع إثبات إلا ما يعتمد على الإتفاق والإصطلاح، أما القوانين فلا يستطيع أحد فرضها"

تعقيب توضيحي

- الطبيعة المادية هي مصدر قوانين العقل، وليس العكس أن العقل مصدر قوانين الطبيعة.

- القانون المستمد عقليا من الطبيعة لا بد له من التداخل في تخليق العقل لمدركات الطبيعة. والعقل الانساني في طبيعته الادراكية للطبيعة عقل متكيّف مع قوانين الطبيعة الثابتة ، وعقل محتدم متصارع مع ظواهر طبيعية تحاول النيل من الانسان في وجوده ولا تمثل تلك الظواهر التي يصارعها الانسان ويحتدم بها قوانين ثابتة تتبع قوانين الطبيعة بل هي مظاهر طبيعية عشوائية.

- يرى شيلر أن الذي يمّيز العقل الانساني تمييزا قاطعا هو نشاط الافكار التصورية له. أي فصل الماهية عن الوجود، وبالتالي فأن العقل موضوعي وإمكانية وارادة، يحددها شكل وهيئة الاشياء ذاتها في موجوديتها الطبيعية.

- الافكار التصورية للعقل الانساني هي مرتبة ثانية في إدراك العقل للوجود. فالعقل يدرك الوجود المادي للاشياء قبل الإهتمام في التعبير عنها صوريا تجريديا.

- مخرجات العقل لا تدرك وجود الاشياء بهدف التعبير عنها مثاليا تجريديا صوريا من غير ملازمة قصدية تلازم عملية الإدراك العقلي للاشياء. العقل لا يعبّرعن مخرجاته بالفكر واللغة بحيادية. بل يعبّر عنها بجدل تخارجي يلزم عنه محاولته تغييرها.

(6) هيدجر ومازق مفهوم الوجود

يعتبر هيدجر مفهومه عن الوجود في كتابه الشهير (الوجود والكينونة) المليء بالمصطلحات التعبيرية الغامضة النشاز التي تخلط بين المصطلحات الفلسفية دونما أي تحفظ كونها صادرة عن فيلسوف لا يتكرر. فهيدجر يعتبر الوجود من أغمض المفهومات على الاطلاق، والوجود ليس شبيه المتواجد من حيث هو متواجد، الذي هو الموجود هناك الديزاين "الانسان". وماهية ذلك الموجود هناك ليس ما يحتويه، وإنما ماهيته تقوم في كينونته المتعيّنة، والذي يفّسر تلك الماهية هو دائما هذه الكينونة. ويعّبر هيدجر عن أصالة تلك الماهيّة إنما تقوم على إستخلاص المتواجد الانسان من العتمة والظلام.

تعقيب اولي

- بحسب مفهوم هيدجر أنه كي يحقق الموجود هناك "الديزاين" أصالته الوجودية الحقيقية، عليه الإنسحاب من الظلمة المعتمة على حد تعبيره. ويتم هذا الإنسحاب من الكليّة الناسيّة أو المجتمعية، والناسّية حسب فهم هيدجر الذي يعتبر الوجود الحقيقي للذات هو في وجودها ضمن عالم يتسم بالديناميكية والحركة والتغيير المستمر. لكننا نجده مع هذا يطالب الانسان الفرد الخلاص من العتمة والظلام التي هي بحسب هيدجر الانسحاب من الناسّية المجتمعية.

- هذه الكلية المجتمعية أو الناسّية في الوجود كما يرى هيدجر هي تضييع الوجود الاصيل للموجود هناك الدزاين الذي هو الانسان. فتجعل من وجود الانسان كائنا قطيعيا منساقا وضائعا في رتابة الحياة القائمة على إشباع الحاجات الأساسية الروتينية في الحياة.

- إذن لا يكون خلاص الموجود هناك الانسان بغير قرار وإختيار وارادة فيها يمتلك ذاته الحقيقية وحريته التي تحكمه هي، الحرية حسب مفهوم سارتر تحكم الانسان بالمسؤولية ولا قدرة له على التحكم بها. ولا يتحكم هو بها إلا في مسؤوليته عن حرية المجموع، التحقق الذاتي المتعالي على الناسيّة بالوجود هو تحقق نوعي للذات في إمتلاكها لذاتها الحقيقية المتحررة إنفراديا. وهو من أخطاء الفهم الوجودي للذات.

- ويرى هيدجر تحقيق مثل هذه الحقيقة هو في الإنعزال عن الكليّة المجتمعية بما يجعل الموجود هناك الانسان يحس ويعرف قيمة أناه الفردية في تجليات خروجها من سلبية الوجود ضمن كلية مجتمعية زائفة، ويتحرر من هذه الاحتوائية الاستلابية لوجوده الحقيقي الاصيل بالحياة.

الصوفية وافلوطين

كيف يمكن للمتصوف أن يعرف اللامتناهي؟ قبل عرض جواب افلوطين نود التاشير إلى أن مقولة هذا التساؤل المنسوب لافلوطين خاطئة، كون المتصوف لا يدرك اللامتناهي في تجربته الصوفية – الله- فكيف يكون الحال في معرفته؟ التي هي أرفع درجة من الادراك.

يجيب افلوطين الفيلسوف الهلنستيني المتصوف عن السؤال قائلا" اننا – يقصد المتصوفة – لا نعرف اللامتناهي عن طريق العقل، لإن وظيفة العقل التمييز والتحديد، ولا يمكن للمتناهي أن يكون على مرتبة واحدة مع موضوعاته، وإنك لا يمكنك إدراك اللامتناهي إلا بالدخول في حالة لم تعد أنت موجودا فيها. ولا ذاتك المتناهية وهذا يعني تحرر ذهنك من الوعي المتناهي، وعندما تتوقف أن تكون متناهيا فإنك تصبح واحدا مع اللامتناهي"

تعقيب توضيحي:

- اللامتناهي حسب تعبير افلوطين لا يدرك بالعقل، بل يدرك في تسامي روحي يكون أعلى مرتبة من مادية العقل الطبيعية، بمعنى حالة التصوف هي إعدام كليّ لإحساسات العقل المادية غير الروحية. وحسب تعبير والتر ستيس وهو فيلسوف يعنى بالصوفية يجد بذلك مفارقة أن الكشف الصوفي يتجاوز العقل. إننا نرى لا تجربة صوفية يحققها العقل. فالعقل يدرك ما يرغب معرفته بحدود امكاناته المحدودة إدراكيا في إمتلاكه قدرة إدراك الاشياء المادية ويعجزعن إدراك الروحانيات الميتافيزيقية بضمنها التجربة الصوفية.

- الحلول الصوفي بالذات الالهية غير وارد، كون الإله غير مادي وغير مدرك الصفات ولا يتجانس مع الذات الانسانية الصوفية. ويؤكد والتر ستيس :أن الروح لا تستطيع أبدا أن تبلغ درجة الاتحاد بالله. ويذهب الى أن هناك في تراث الديانات السامّية عموما هوة عظيمة تفصل بين الخالق ومخلوقاته، ولا تستطيع روح الفرد إزالتها، بضرب نوع من التجديف.

- لا صحة لإدعاء افلوطين الحلول الصوفي هو إندغام الذات الانسانية المتحررة من العقل والوعي مع الذات الالهية، بحيث يكون الصوفي في حالة من الوجود الارضي غير الموجود الا على صعيد التسامي الروحي فقط. وهي ممارسة وتجربة إعجازية لا يمكن تصديق عدم التحقق منها.

يتبع لاحقا

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

علي رسول الربيعيالسّؤال: كيف يمكن التّوصّل إلى مفهوم مطابق للعدالة الاجتماعيّة يسمح بتحديد المواطنة؟ من هذا المنظور سأتناول أعمال جون راولز حيث يحاول في كتاباته الأخيرة تطوير مفهوم للمواطنة يستجيب لما أطلق عليه "واقع التّعدّديّة"؛ باعتبار أنّ "تنوع المذاهب الدّينيّة والفلسفيّة والأخلاقيّة الشّاملة في المجتمعاًت الدّيمقراطيّة الحديثة ليس مجرّد وضع تاريخيّ ينتهي بسرعة؛ بل هو سمة دائمة من سمات الثّقافة العامّة للدّيمقراطيّة".[1] وعلى هذا الأساس يسعى راولز إلى بناء مفهوم سياسيّ للعدالة يُمكن اختباره ومناقشته من قبل المواطنين كافّة أيّا كانت مواقعهم الاجتماعيّة أهدافهم ومصالحهم الأكثر خصوصيّة ومهما كانت آراؤهم الدّينيّة والفلسفيّة والأخلاقيّة.[2]

قد لا يكون واضحاً أيّ معنًى للمواطنة فيما قدّم راولز في كتاباته الأولى لاسيما في كتابه العمدة "نظريّة العدالة"، حيث أشار إلى أنّها مجموع المبادئ التي لا يمكن للأفراد العقلانيّين إلاّ أن يؤيّدوها من أجل تثبيت شروط التّعاون الاجتماعيّ. ذلك أنّ هذه المبادئ هي عبارة عن صياغة لحقوق المواطنة، إنّها تشير إلى وكلاء يقدّمون مفاهيم فرديّة للحياة الخيّرة بوصفهم أطرافا لعقد افتراضيّ ولسيت صياغة مباشرة لمفهوم المواطنة. لكنّه يعود في كتاباته اللاّحقة ليؤكّد أنّ مبادئ العدالة وضعت لأشخاص هم بالفعل مواطنين لدولة ديمقراطيّة ليبراليّة من المفترض أن يفكِّروا فيما ينشئ وضعهم كذلك في هكذا دولة ونظام سياسيّ من التزامات ملموسة.

لقد تحدّث راولز في "نظريّة العدالة" عن "أشخاص" هم مجرّد "بشر"، بينما تحدّث عن مواطنين كموضوع للنّظريّة في الكتابات اللاّحقة وهو ما اعتبر تحوّلا في تفكيره. والأكثر أهمّيّة في ذلك التّحوّل النّظر إلى أطروحته حول العدالة كوصف لمفهوم سياسيّ موجّه لعموم أولئك الذين يحملون صفة مواطن، يتناول فيه مجمل التّرتيبات السّياسيّة المتعلّقة بالمجتمع ككلّ، ويقدّم من خلاله حججا تفترض مسبقا اعتماد منظوره بالفعل.

لذلك فهو يرى أنّ أعضاء الدّيمقراطيّات اللّيبراليّة لديهم هوّيّة مزدوجة[3]، من جهة هوّيّة تسمح بالنّظر إليهم بصفتهم الشّخصيّة كحاملين لمفهوم عن الخير وعمّا يمكن أن تكون عليه حياة قيّـمة وخيّرة، فتشمل عن سبيل المثال أذواقهم الشّخصيّة واعتقاداتهم الدّينيّة ... ومن جهة ثانية هوّيّة تنظر إليهم بوصفهم مواطنين قادرين على التّوصّل إلى اتّفاق بشأن مبادئ العدالة التي تحكم ترتيباتهم السّياسيّة مثل الدّستور وغيره. ويفترض أنّ مفاهيم الخير متباينة بشكل جذريّ ولا يوجد احتمال لأن يتوافق النّاس حول ماهية القيم العليا بالنّسبة لهم، على خلاف المفاهيم السّياسيّة للمواطنة التي تعطي الأسبقيّة للمشترك فيكون مطلوبا بالنّسبة لهم أن تسبق هوّيّة المواطنة الهوّيّات الشّخصيّة، أي أن يوافقوا على قصر تصوّراتهم الخاصّة عن المصلحة والخير في الحدود المنصوص عليها في مبادئ العدالة. ومثال ذلك ما قد يطلبه متديّن من الامتناع عن مزاولة النّشاط التّجاريّ في أحد أيّام الأسبوع مثلاً، فيكون لمن هم على رأيه من أهل ملّته الموافقة على ذلك شريطة ألاّ يسعوا إلى رفع هذا المطلب إلى مستوى تشريع يلزم كافّة المواطنين الذين لا يشاركونهم نفس المعتقد، فالواجب يملي عليهم أن يفكِّروا بأنفسهم كمواطنين أوّلاً، وبهذه الصّفة سيطالبون فقطّ بما يمكن تبريره للآخرين الذين لا يشاركونهم نفس المفاهيم الشّخصيّة للخير ... وبالنّسبة له فإنّ هذا المثل يبرز بوضوح صواب أن تعطى المواطنة هذا النوع من الأولويّة.

لماذا يعتبر راولز النّظريّة اللّيبرالية نموذجا لمواطنة تستجيب لما ترفع التّعدّديّة من تحدّيات؟ ماذا يعني أن يكون الفرد مواطناً بالنّسبة له؟ لعلّ في إيمانه بشخص يتبنّى رؤية للعالم فينحو في سلوكه طبقا لمبادئ تلك الرّؤية ليرى نفسه واحدا من بين العديد من الأشخاص الأحرار والمتساوين، ويعترف بأنّ مبادئ المجتمع السّياسيّ الذي ينتمي إليه مقبولة من الجميع بعض الجواب عن هذين السّؤالين. فالفرد عندما يعترف أنّ لدى كلّ شخص آخر مفهوما خاصّا للحياة الخيّرة، يكون قادرا على التّفكير بمبادئ العدالة التي عليه أن يلتزم بها في حياته اليومية، فيستدعي احترامه لحقوق الآخرين الاتّفاق معهم على المبادئ العامّة التي تؤطّر الحياة الاجتماعيّة ومنها مبدأ تكافؤ الفرص عن سبيل المثال.

يكشف موقف راولز من المواطنة رأيا يفترض المواطن شخصا يؤيّد مجموعة من المبادئ التي تجعله عضوا في مجتمع وطنيّ، لكن هذا الافتراض يبقى مجرّد خلفية لتفكير قد يفضي التّصريح به إلى الكشف عن مشكلة تتعلَّق بالتّمييز بين العدالة ومفاهيم الخير. فهو لا ينظر إلى المواطنين على نفس المستوى من ناحية المشاركة النّشيطة في السّياسة مع أنّ مبادئ العدالة تشمل الحقوق السّياسيّة كجزء أساس، إنّه يُـعرِّف (المواطن) بوصفه ذلك الشّخص الذي له الحقّ في المشاركة والمطالب بالإقرار والاعتراف بمبادئ العدالة. ويبدو هذا واضحاً أكثر في جداله للرّؤية المدنية التي تعتبر المواطنين كائنات سياسيّة، وأنّ "المواطنة لا تتحقّق على أكمل وجه إلاّ في مجتمع ديمقراطيّ تكون فيه المشاركة في الحياة السّياسيّة واسعة وقويّة" حينما يدافع عن تقسيم المواطنين إلى نشطين سياسيّاً والبقيّة صالحين للمجتمع معتبرا أنّ "بهذه الطّريقة يطوّر النّاس مواهبهم ومهاراتهم المختلفة والتّكميليّة، فيتعاونون وينخرطون في المنافع المتبادلة"، وبها تكون المشاركة مطلوبة فقطّ بقدر ما هو ضروريّ لحماية الحقوق والحريّات الأساس.[4]

المواطنة اللّيبراليّة والتّعدّديّة

- كيف يمكن أن يتعامل المفهوم اللّيبراليّ للمواطنة بنجاح مع مفهوم التّعدّديّة؟

يتّضح أنّ هوّيّة المواطنة التي يعطيها راولز الأولويّة لشمولها هوّيّة الأشخاص إلى جانب غاياتهم وارتباطاتهم الخاصّة، وباعتبار قابليّتها للمراجعة باستمرار، ثمّ بوصفها أساسا لاستيعاب التّعدّديّة هي تجسيد لمفهوم ذلك الشّخص الذي يمتلك قوّة أخلاقيّة تسعف ليس فقطّ في تأييد وقبول الأفكار والآراء حول الحياة الخيّرة ولكن أيضاً وبشكل حاسم في مراجعة تلك الأفكار الآراء وفي تمحيصها عند الضّرورة؛ والذي يطالب بوصفه شخصاً حرّاً بحقوق يرى نفسه من خلالها مستقلاّ غير تابع لتصوّر مخصوص عن الخير، وغير منقاد لأيّة خطّة ترسم له غايات بعينها.[5] ومن جهة أخرى يسلّم راولز بأنّ الهوّيّات الخاصّة قد تشكّل عائقاً قويّا أمام هوّيّة المواطنة عندما يرى الشّخص نفسه جزءا من مجموعة لها معتقدات دينيّة أو فلسفيّة أو أخلاقية تصوغ عبرها روابط وولاءات دائمة.[6] فالأشخاص الذين ينتمون إلى مذهب دينيّ معيّن أو هم أعضاء في جماعة عرقيّة، والذين قد لا يرون أنفسهم ملزمين بإعادة النَّظر في ولاءاتهم لأنّهم يعتبرونها من ثوابت هوّيّتهم الثّقافية عليهم إعطاء الأولويّة للهوّيّة الوطنيّة التي تحقّق غاياتهم وأهدافهم الخاصّة في إطار ما ترسم مبادئ العدالة من حدود وما تضع من شروط وقيود.

إذ يمكن النّظر لهذه المشكلة طبقاً لراولز من زاوية أنّها لا تعتبر الهوّيّات الشّخصيّة عائقاً في مجتمع ليبراليّ، مادام النّاس ينظرون لأنفسهم أحراراً في اختيار أسلوب حياتهم وفقاً لأذواقهم وتفضيلاتهم الخاصّة دون أن يمنعهم ذلك من الالتزام بروابط أخرى ولا من اعتبارها غير قابلة للمراجعة؛ ومادام ممكنا أن تدعم مذاهبهم الشّاملة المفهوم السّياسيّ للعدالة فإنّ تبنّيَهم لوجهة نظر المواطنة لا يكلّفهم شيئاً بالفعل.

لكن هناك في الواقع أشخاص تمثّل هوّياتهم الشّخصيّة أو الخاصّة عائقاً أمام هوّيّة المواطنة التي يعتبرون تبنّيَها تنازلاً عن أمور خاصّة بهم ومفيدة لهم، والتي يرون التّسليم بها يعني وضع مطالبهم السّياسيّة جانباً لأنّه لا يمكنهم التّعبير عنها وفق ما تقترح من معنى للهوّيّة بوصفهم مرتبطين بجماعة عرقيّة أو بطائفة دينيّة.

- أّيّ جواب عمليّ عن هذه المشكلة؟ هل يكفي تكرار الموقف اللّيبراليّ في الرّدّ؟

- لماذا يتعيّن على الأشخاص الذين يرفضون أو يتحفّظون على المعنى اللّيبراليّ للهوّيّة أن يعطوه الأولويّة؟

- لماذا عليهم أن يقبلوا ما يقترح هذا المعنى من هوّيّة للمواطنة بشكل عفويّ؟

- ما الذي يمنع مبادئ العدالة نفسها من أن تستجيب لمطالب الهّويّات الخاصّة؟

باستعمال أشكال من الحجج والتّسويغات يفترض راولز مجتمعاً مثاليّاً يقوم على عقل عموميّ حرّ ومجموعة مؤسّسات يعيش النّاس في ظلّها ويقبلون تبريرها، لقد نسي أو تناسى وضع المطالب التّأسيسيّة لحججه التي يزعم لها الأهمّيّة بالنّسبة لأغلبيّة النّاس قيد التّجريب الملموس وبذلك يكون موقفه تكرارا للموقف اللّيبراليّ.

يذهب راولز إلى أنّ الشخص عندما يتبنّى المفهوم اللّيبراليّ للمواطنة يصبح ملزما بطريقة هذا المفهوم في تبرير المؤسّسات الاجتماعيّة والسّياسيّة. لكن السّؤال هنا هو: لماذا يتعيّن على شخص أصوليّ يرى أنّ القانون المدنيّ بصيغته اللّيبراليّة لا يتضمّن المعايير الأخلاقيّة للملّة التي ينتمي إليها في موضوع كالإجهاض مثلا؛ لماذا يتعيّن عليه إذن أن يعطي الأولويّة لهوّيّة تتبنّى المعنى اللّيبراليّ؛ أو أن يقبلها بشكل عفويّ لمجرّد الاستناد إلى القانون الوضعيّ وإلى مبادئ قبل بها الآخرون؟ لماذا يجب عليه أن يرى نفسه كمواطن أوّلاً وقبل كلّ شيء في حين أنّ واجبه الأوّل هو اتجاه الله؟ أليس من حقّه ملاءمة نشاطه السّياسيّ مع التزامه الملّيّ والعقديّ؟

تفشل حجّة راولز؛ ويترك فشلها الاختيار اللّيبراليّ أمام خيارات مفتوحة:

أوّلا: الدّفع بحجج برغماتيّة لتبرير المؤسّسات والدفّاع عن التّصوّرات اللّيبراليّة باعتبارها البديل العمليّ الأوفر نجاحا، والأكثر ملاءمة للحرّيّة والدّيمقراطيّة حتى وإن تعذّر أن يكون عالميّا أو أن يحظى بإجماع الأغلبيّة في أي مذهب شامل للحياة الخيّرة بالنّظر إلى الطّبيعة العميقة للتّعدّديّة الثّقافية في عالم متنوّع.

ثانيا: دعوة الجماعات الرّاغبة في إضفاء الصّبغة العموميّة على مطالبها الخاصّة إلى مأسسة تلك المطالب عبر إقامة تكتّلات تراعي إجراءات تشكيل المؤسّسات اللّيبراليّة لتتمكّن من خلالها من حماية وتحقيق تصوّرها الخاصّ عن الحياة الخيّرة مادامت هوّيّاتها محميّة بقوّة القانون من أيّ انتهاك، وهو ما يمكن اعتباره بحسب راولز "تسوية مؤقّتة" وخيارا ممكنا لتجنّب أيّ نزاع مفتوح مع هذه الجماعات.

ثالثا: الانتقال إلى موقف هجوميّ واعتبار اللّيبراليّة أسلوبا مميّزا يستحقّ الدّفاع أخلاقيّا وسياسيّاً، وهو بديل يتخلّى في استراتيجيّاته الفكريّة والسّياسيّة عن أيّ ادعاء للحياديّة حينما يلجأ إلى استعمال القسر في لبرلة المجتمع وهوّيّات الأشخاص فيُعامِل الأفراد كمواطنين ليبراليّين ولا يَقبَل الادّعاءاتِ والمطالبَ السّياسيّةَ التي لا تتوافقُ معه.

ومن المتوقّع جدّا ألاّ تسعف هذه الخيارات كلّها في الدّفاع بشكل مُرْضٍ عن شروط مواطنة ليبراليّة سعى إليها راولز نفسه، ولن يؤدّي أيّ منهما بالضّرورة إلى قيام مؤسّسات ليبراليّة حقيقيّة تسمح بالتّعدّديّة. ويمكن الاستئناس في هذا السّياق بالحجّة التي استشهد بها (ويل كيميلكا) عند الإشارة إلى نظام الملل العثمانيّ الذي لم يكن ليبراليّا ولكنّه كان تعدّديّا ومستقرّاً، والذي تعايشت في ظلّه مختلف الجماعات بعد أن فرضت قيوداً على حرّيّات أعضائها لاسيما فيما يتعلق بمسائل العقيدة الدّينية.[7] فبالرّغم من انقسام الجماعات المؤلّفة له وتباين هوّياتها الملّيّة والعرقيّة فإنّ هذا النّظام أعطى لكلّ منها سلطة تنظيم شؤون الأعضاء ضمن إطار قانونيّ عامّ فكان مستقرّا مع أنّه لم يكن ليبراليّا قطّ.

رابعا: إعمال النّموذج الطّبيعيّ الذي يدعو إلى تنشئة الأجيال بالتّربيّة والتّعليم على الطّريقة اللّيبراليّة، وعلى الاختيار والاستقلاليّة. فيكون التّوجيه بوسائل غير قسريّة، ويكون التّوجّه نحو تبنّي الاختيار اللّيبراليّ حرّا وتلقائيّا يحقّق مشاركة الجميع بسلاسة في الحياة السّياسيّة للمجتمع. ومن المؤمّل جدّا أن يهدي هذا النّمط من اللّيبرالية إلى طرحٍ معتدلٍ حول المواطنة والتّعدّديّة يقبله الجميع، فيتعاملون مع تصوّراتهم عن الحياة الخيّرة كشأن خاصٍّ يمكن تعقّبه بوسائلَ غيرَ سياسيّةٍ.[8]

تصل اللّيبراليّة المتشدّدة في حلّ مشكلة التّعدّديّة إلى حدّ إعلان الحرب على الجماعات التي لا تبدي استعداداً للتّكيّف مع الفهم اللّيبراليّ للمواطنة، ولا تقدّم أسباباً وجيهة ولا أجوبة معقولة حينما تواجه بالسّؤال عن الدّواعي التي تحتّم على هذه الجماعات قبول المؤسّسات اللّيبراليّة، فتُشعِرُ هذه الحالة أعضاء هذه الجماعات بالغربة عن المجال السّياسيّ لتبقى مواطنيّتهم مجرّد صفة رسميّة. يقلّل اللّيبراليّون من حجم الصّعوبات التي تواجه "عمليّة تحرير" الهوّيّات غير اللّيبراليّة ولا يقدّرون ما على النّاس التّخلّي عنه إذا ما قرّروا اعتبار تصوّراتهم الخاصّة للحياة الخيّرة قابلة لإعادة النّظر والمراجعة. ولا يرون أنّ الجماعات ذات الارتباط القويّ بهوّيّاتها تحتاج إلى عدّة أجيال لتقبل الهوّيّة اللّيبراليّة للمواطنة، مع أنّ هذا واضح حتى في المجتمعات التي تعيش في ظل أنظمة ليبراليّة سياسيّا واجتماعيّا.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...........................

[1] Rawls, J., ‘The Domain of the Political and Overlapping Consensus’, New York University Law Review, 64 (1989), pp.234-5

[2] Rawls J. ‘The Idea of Overlapping Consensus’, Oxford Journal of Legal Studies, 7 (1987), pp5-6

يقدم راولز الخطوط الأساسية لوجهة نظره حول المواطنة ولكنه أيضاً، يستجيب بما يمكن لكل النقد الذي وُجهَ لنظريته في صيغتها الأولى، نلاحظ أنه مال لاحقاً إلى اتفاق جوهري مع المفهوم الجمهوري للمواطنة، خصوصاً في وصفه للعقل العمومي.

[3] Rawls J. ‘Justice as Fairness: Political Not Metaphysical’, Philosophy and Public Affairs, 14 (1985), pp 240-2

[4] Rawls J. Political Liberalism (New York, Columbia University Press, 1993) p.206

[5] Rawls J. ‘Justice as Fairness: Political Not Metaphysical’, P. 241.

[6] Ibid P. 241

[7] Kymlicka, W., ‘Two Models of Pluralism and Tolerance’, Analyse und Critic, 13 (1992), 33-56

[8] هذه الاستراتيجية التي يدافع عنها بريان باري في:

‘How Not to Defend Liberal Institutions’ in Barry B. Liberty and Justice (Oxford, Clarendon Press, 1991)