علي محمد اليوسففي تعاطف مع ماذهب له رورتي في فلسفته السلوكية دأب فلاسفة اميركان مثل سانتيانا وكواين وسيلارز في أطلاقهم عبارات تهكمية لا تقوم على منطلقات فلسفية جادة بل تقوم على سخرية لغوية لا يتم توضيحها مثال مقولة سانتيانا" المعرفة هي وهم اليقين الحيواني " وتعبيرات كواين "كل البشر حيوانات" و"كان هناك بعض الكلاب بلون اسود". هل مثل هذه العبارات الحيوانية السائبة بلا توضيح المقصود ما تعنيه (فلسفيا) مقبولة لدى المتلقي حين يعمد الى فبركة يخترعها تصوره خوفا من اتهامه لايعرف مايقوله الفلاسفة؟.هل يعرف القاريء المتلقي أن هذه العبارات تقوم على مرجعية فلسفة اللغة والعقل وعلم النفس السلوكي عند هؤلاء الفلاسفة الاميركان.؟ الذين يتلاعبون باللغة تعبيرا هزليا بلا معنى لا يحمل دلالة فلسفية حتى اذا ما أخذت العبارات في سياقها داخل النص وليس في أجتزائها كعبارة.

يعبّر رورتي عن " شرح العقلانية والسلطة المعرفية بالرجوع الى ما يسمح لنا به المجتمع قوله، وليس العكس، هو جوهر ما سوف أدعوه والكلام لرورتي "المذهب السلوكي المعرفي" وهو موقف ديوي وفينجشتين المشترك."1

مؤكد لا يخوننا التعبير أن جون ديوي أحد اقطاب الفلسفة البراجماتية الاميريكية الثلاثة هو الوحيد الذي اراد علنا تطويع فلسفة العقل واللغة والتحول اللغوي لسلطة وهيمنة الذرائعية الاميريكية كمرجعية شائخة أصابها الانحلال المتقادم زمنيا عليها ومحاولة أعادة هيمنتها بلبوس فلسفي معاصربالتوازي مع فلسفة اللغة والعقل وتيارات علوم اللسانيات.. دأب كل من سانتيانا وسيلارز وكواين وسيرل يساندهم جون ديوي أختراع فلسفة ما يعرف الفلسفة السلوكية النفسية باللغة، مستغلين الثغرة الكبيرة التي تركتها فلسفة اللغة ونظرية المعنى في البنيوية والتاويلية في تنحيتها جانبا كل من الانسان والمجتمع وقضاياه وأخيرا تطرف التفكيكية في تغييب مركزية العقل والذات والموضوع والانسان في جعل مركزية نظام اللغة النسقي المنفصل عن قضايا الانسان المجتمعية هو الفلسفة الاولى الواجب الاهتمام بها والتركيز عليها.مؤكدين معنى الواقع في نسق اللغة ولا واقع خارج الكلمات اللغوية يكون مرجعية لما يقوله النص لغويا.. واعتبرت التفكيكية كل مرجعية ثابتة خارج توالي التفكيك والارجاءوحضور الغياب في تقويض النص هي ثوابت ميتافيزيقية يتوجب مجاوزتها. لقد اراد  فلاسفة  السلوك اللغوي الاجتماعي الاميركان سيلارز وسانتيانا وكواين وجون سيرل وسيلارز ومعهم جون ديوي تطويع فلسفة اللغة الاحتماء تحت مظلة الذرائعية المحتضرة بعيدا عن فلاسفة التحليلية المنطقية التجريبية الانجليزية يتقدمهم راسل ومور التي استنفدت فلسفتهم التحليلية اللغوية هي الاخرى طروحاتها في محاولة تطويعها مداخلة تلفيقية مصطنعة عقيمة مع علم المنطق والرياضيات بمعزل عن مواكبة التطور المحوري ممثلا في التحول اللغوي ونظرية فائض المعنى المدّخر لغويا الذي أستبعد مباحث الفلسفة الحقيقية التي كانت الفلسفة البنيوية فتحت ابوابها. وأراد فلاسفة التحليلية المنطقية التجريبية الانجليز تخليص الفلسفة من نفق الضياع التفكيكي الذي أدخلها دريدا فيه لكن موضة العصر الفلسفية الاستهلاكية كانت تركض وراء عماء تفكيكية دريدا التي ولدت مع تطرفها اللغوي في محاولتها تفريغ مباحث اللغة من أية فاعلية تهم الانسان والمجتمع والحياة.

من جهة أخرى أستغل فلاسفة السلوك اللغوي الاجتماعي النفسي الاميركان الذين حين وجدوا عجز التحليلية المنطقية التجريبية الانكليزية تراوح مكانها يتجاذبها احتمالان هما مفترق طريقين لم تكن ترغبهما هما ،أما التماهي التلفيقي بوجوب أدخال مباحث الفلسفة كليّة في المنطق والرياضيات والتاويل والتفكيك اللغوي، وأما التماهي مع المذهب الفلسفي المتفرد الذي رفعه بوجهم الفيلسوف وعالم اللغات نعوم جومسكي معتبرا مذهب التوليدية في منهج تطور اللغة هو مبتدأ فلسفة اللغة ، وتحصيل حاصل أن اللغة هي خصيصة أجتماعية بأمتياز لم ينكرها جومسكي على فلاسفة السلوك الاجتماعي لكن هذه الخاصية الانفرادية لا تمثل منشأ اللغة وتطورها. ورغم الهالة الكبيرة التي أحرزتها الفلسفة السلوكية الاجتماعية الامريكية الا أن توليدية نعوم جومسكي وقفت بصلابة أمامها واستطاعت أن تجد لها فضاءا واسعا في علوم اللغة وتخصصات الادب وعلم النفس والسياسة.

كما والأهم لم يستطع الفلاسفة الاميركان المعاصرين انتشال الفلسفة الذرائعية من وهدة سقوطها التاريخي في تشظيتها الانحلالية الى عدد كبير من تيارات فلسفية امريكية متناسلة متداخلة مع بعضها..وكل واحدة من هذه التيارات الفلسفية تدّعي مهمتها أحياء الفلسفة الذرائعية في منهجيات معرفية جديدة.

المذهب المعرفي الاميريكي

أصحاب المذهب السلوكي المعرفي في فلسفة اللغة من الاميركان الفلاسفة رورتي ، وسيرل، سانتيانا، سيلارز، وكواين، ويسندهم جون ديوي ارادوا العودة لما يقوله المجتمع حسب تعبيرهم وليس ما تقوله فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات التي تحاول تمرير سيسيولوجيا فينجشتين الفلسفية اللغوية الخجولة التي اراد غلق الباب الذي فتحه لتدخل فلسفتي ريكور التاويلية ودريدا التفكيكية بتطرف من خلاله. لقد دعى فينجشتين الى تطويع فلسفة اللغة لاستجابة المنحى السيسيولوجي، ما اعطى الضوء الاخضر لفلاسفة السلوكية الاجتماعية الاميركان ظهيرا ساندا لطروحاتهم الفلسفية اللغوية. أعتمد فلاسفة السلوك النفسي اللغوي الاميركان في محاولتهم اللعب على ادانة النسق اللغوي المقفل لغويا الذي أعتمدته الفلسفتين التاويلية والتفكيكية الفرنسيتين في أبتداعهما نظام لغوي نسقي يقوم على محورية اللغة بما هي نص لغوي في معناه ولا شيء خارج النص بما هو منهج فلسفي بعيدا وبمعزل عن تعالقه بالمجتمع وقضايا الانسان الذي قتلته الفلسفة البنيوية عن خطأ ارتكبته ولم تستطع الخلاص منه. في تبنيها طروحات ما بعد الحداثة التي اراد ايقافها يورغن هابرماس فيلسوف الحداثة والنقد ونظرية التواصل  في عبارته الشهيرة ولكن الحداثة لم تستكمل أهدافها بعد وهي مشروع لم يفقد حيويته المعاصرة... ولم تفلح جهوده عن تراجع البنيوية بعدما أفقدها فلاسفة العقل ونظرية فائض المعنى زمنها التاريخي الذي كانت هيمنتها عليه مطلقة بفلاسفة عمالقة على مختلف الاصعدة والمباحث المتنوعة الغزيرة التي عالجوها بجدارة تحسب لهم منهم  سيوسير وشتراوس وجان لاكان ورولان بارت وجان بياجيه والتوسير وغيرهم.

رورتي وزملاؤه الاميركان في أختراعهم المذهب السلوكي اللغوي النفسي الفلسفي وقفوا من حيث ارادوا أو لم يريدوا امام فلسفتي التاويل والتفكيك الفرنسيتين. ونفذّوا هذه الاستراتيجية الفلسفية في منحى خدعت فلاسفة موضة تطرف اللغة من الفلاسفة الفرنسيين رغم ما يشوبها من نقاط أختلاف ليست جوهرية..

عمد الفلاسفة الاميركان بتنوع نظرياتهم الفلسفية الى أحتواء الفلسفة التحليلية التجريبية الانجليزية بزعامة راسل ومور وآخرين. يرافقهم فلاسفة التاويل وتفكيكية دريدا الفرنسية في تبئيت تلك التيارات الفلسفية على ارضية الذرائعية الامريكية. وقصدوا بذلك دعوة فلاسفة اللغة الفرنسيين مثل ريكور ودريدا دخول الفضاء الاميريكي باسترتيجية تطرف فلسفة اللغة ونظرية المعنى والعقل واذا بهم يتشتتون حين وجدوا انفسهم أن الارضية الاميريكية أحتوتهم كفلاسفة موضة استهلاكية في طريقها الى التلاشي الفلسفي، وزبدا طافيا على سطح استقرار أمواج بحر البراجماتية التي لفظتهم في عجزهم المساس الجوهري التاثير بها كفلسفة الأم بكل ما تحمله من عبء كلاسيكي تاريخي انتهى عصره خارج الولايات المتحدة الاميريكية...وبهذا الحسم أستلم الاميركان راية الفلسفة من أيدي الفلاسفة الفرنسيين الذين أرادوا تسويق تطرف فلسفة اللغة الموضة الفرنسية أمريكيا ليجدوا انفسهم خارج فلسفة العصر وليس خارج الفلسفات الاميريكية فقط.

الواقعية الجديدة وفلسفة الوعي

ظهرت الواقعية الجديدة (The new Relatism كفلسفة أمريكية خالصة شأنها شأن الذرائعية وأستعارت الواقعية الجديدة الامريكية وريثة الفلسفة الذرائعية عن وليم جيمس فكرة (أن الوعي ليس جوهرا بل وظيفة) والثانية (أن الوعي تجربة صرفة لا طبيعية ولا عقلية بل محايدة).. والعبارتان بما تخصّان (الوعي) تحتاجان الى مناقشات ليس لها بداية ولا آخر، وسنتناولهما هنا بما يسمح به المجال في عدم خروجنا عن متن الموضوع.

تعقيبنا على عبارتي وليم جيمس هي أن تكون الافكار معارف يستقبلها ويطلقها الوعي ليس كجوهر متعالق ومتداخل بها من جهة ومتعالق مع العقل من جهة أخرى، بل الوعي في المنهج البراجماتي وسيلة معرفية شأنها شأن اللغة في توصيلها المدركات، والوعي محور مركزي في وظيفة تمكين العقل معرفة الاشياء والمدركات، من حيث يتعذر علينا الفصل بين الوعي والعقل تجريديا كما يرغبه جيمس في الفصل قوله: الوعي تجربة محايدة وليست عقلية ولا طبيعية، والوعي في الوقت الذي يكون فيه وسيلة أستدلال معرفي وحلقة وصل وظيفية بين العقل ومدركاته لا يمكننا أعتباره وظيفة أو تجربة محايدة في عملية الادراك حسب تعبير وليم جيمس أيضا، فالوعي ليس (موضوعا) لأدراك عقلي كي يكون جوهرا منفصلا محايدا بل الوعي هو تفكيرمتداخل في صلب العقل المعرفي للاشياء، والوعي بدون ملازمته التداخلية الصميمية بالعقل لا يمكن أن يكون هناك أدراك سليم لموجودات العالم الخارجي في لا وجود وعي قصدي وأنعدامه،ولا حيادية قائمة يمكن الركون على سلامة الوعي بأعتباره تجربة صرفة قائمة بأنفراد ليست عقلية بل هي محايدة..الوعي ليس تجربة محايدة من خلال أعتباره وظيفة حسب الفهم البراجماتي، بل هو جوهر نافذ ومتنفذ بالقيام بدور معالجة المدركات الواردة ونقل مقولات العقل بشأنها أيضا في تداخله الصميم كحلقة وصل أيصال المحسوسات للعقل ونقل وأصدار ما يعطيه العقل من تفسيرات وعلاقات لها.. الوعي هو التجسيد الحقيقي لمنظومة الادراك بدءا من الحواس وصولا الى الذهن عبر الجهاز العصبي وأخيرا نقل الوعي أفكار العقل في تعبير اللغة عن الاشياء بالعالم.. بمعنى الوعي هو ناتج تفكير العقل المتعالق معه.

ربما تكون حيادية المحسوسات التي مصدرها الحواس في علاقتها الادراكية المعرفية بالعقل هي أقرب الى الاقتناع من قولنا الوعي تجربة محايدة لا طبيعية ولا عقلية حسب ما تقول به الذرائعية والواقعية الجديدة... والأنا كجوهر هو وعي ذاتي يسترشد العقل على الدوام في بيان معرفة حقيقة مدركاته ولا يمكن للوعي أن يكون تجربة محايدة في الادراك..وأذا جاز لنا التعبير أن (العقل) يكون موضوعا مدركا من العقل ذاته، عندها يصبح جواز القول أن (الوعي) هو موضوع محايد بمعزل عن العقل.. والعقل موضوع محايد عن الوعي....وهو ما يدخلنا في سفسطة لغوية منطقية تعبيرية لا معنى حقيقي لها بضوء عضوية سلسلة منظومة الادراك العقلي..فمثلما لا حاجة للعقل أن يعقل نفسه ذاتيا وتجريديا، كذلك لا يوجد وعي يعي ذاته بمعزل عن تداخله الوظيفي بالعقل الذي يمنحه حقيقته العضوية به وليس أستقلاليته عنه. الوعي حلقة في منظومة الادراك لا تستطيع التعبير عن نفسها منفردة ولا تستطيع الانابة عن العقل كمصدر للوعي التابع له.

تقوم أطروحات الواقعيين الاميركان الجدد الذين يرومون تطوير الفلسفة الذرائعية الأم على ثلاث مرتكزات في تداخلهما معا هي:

- فلسفة المعرفة ليست أساسية من الناحية المنطقية، بعبارة أخرى لا يمكننا أستخلاص طبيعة الواقع من طبيعة المعرفة.(2)

- لا وجود للقضايا الوجودية أو غير الوجودية تكون سابقة على فلسفة المعرفة )(3)

- المعرفة بوصفها علاقة فهي تنتمي للعالم نفسه الذي ينتمي اليها موضوعها، وبالتالي يكون كل موضوع هو حاضر بشكل مباشر في الوعي، والفرق بين ذات الوعي وموضوع الوعي(المعرفة) ليس فرقا بالكيفية ولا بالجوهر بل فرقا بالدور أو في الموقع أو في التشّكل..(4)

يمكننا أستخلاص أكثر من ملاحظة فكرية بضوء ما أدرجناه عن افكار الفلسفة الواقعية الامريكية الجديدة:

- الواقعية الجديدة فلسفة تلتقي مع أنماط المفاهيم الوجودية عند (سارتر، هيدجر) بالمعنى المشترك بينهما كمفاهيم فلسفية مجردة وليس كمفاهيم خاضعة لحتمية التجربة الذرائعية..فالاشياء في فرادتها الانطولوجية تكون موجودة حتى لو لم يكن لدينا وعي بها وبأدراكها وهو ما تعمل به الفلسفة الواقعية في مرتكزها الفكري البراجماتي..

- مقولة الواقعية الجديدة لا يمكن أستخلاص طبيعة الواقع من طبيعة المعرفة مقولة تحتاج الكثير جدا من التوضيح للاقتناع والتسليم بصحتها..لما تحمله من تداخلات عديدة تشمل الوعي والتصورات والفكر واللغة وعلم النفس واخيرا وظيفة العقل...

- الكليات كمواضيع أدراك متعذر علينا الوعي بها ومعرفتها كاملة كما هي أنما هي تظل وجودا قائما بأستقلالية حتى حين يكون لنا وعي عاجز عن أدراكها أكثر من تجزئتها تحليليا لمعرفة بعضها .

- ميزة الواقعية الجديدة في خروجها على الذرائعية أنها أيّدت حقيقة الكليات التي تعارض كل من ديوي وجيمس وذرائعيي مدرسة شيكاغو أذ لا شك في وجود العالم الخارجي المستقل قبل كل شكل من أشكال المعرفة والوعي والادراك له.

- تعتبر الواقعية الجديدة الامريكية الفلسفة الامريكية الثانية وريثة الذرائعية التي حاولت أخراج الفلسفة الامريكية من المستنقع السايكولوجي الاستبطاني والحدسي والمنطقي الارسطوي الذي كانت قد أنزلقت اليه بهدف حملها الوقوف على أرض صلبة حسب رأي فلاسفة الواقعية الجديدة في انتقادهم الذرائعية .(5)

أن الوعي ليس جوهرا قائما بذاته كما هو ليس تجربة خالصة منّبتة محايدة منفصلة عن  جوهرالعقل،لذا فالوعي وظيفة مادية وعقلية ماهوية مستمدة من جوهر العقل في تعالقهما المشترك وتخارجهما معا في أدراك الاشياء وفهمها وتفسيرها..لذا يكون جوهر الوعي غير منفصل عن جوهر العقل ولا يمكن التفريق بينهما في محاولة اعتبار كل منهما جوهرا يمثل موضوعا قائما بذاته. الوعي بأختصار غير مخل المعنى هو وظيفة العقل، والوعي الذي لايعقله العقل لن يكون موجودا.. لا وجودا محايدا ولا وجودا وظيفيا..

أما أعتبار الوعي تجربة خالصة كما تذهب له الذرائعية الاميريكية فهو تعبير لا يحمل معه التفسير البراجماتي العملي والعلمي معا..لأننا لا يمكننا أعتبار الوعي تجربة خالصة محايدة حسب رغبة الفلسفة الذرائعية، في حين كل معطيات العلم والمعرفة تؤكد أن الوعي يتداخل مع العقل ويتكافل معه في معرفة وتفسير مدركاتهما.. وتجربة الوعي لا تكون تجربة خالصة لوحدها وهي تمثل تجربة العقل في الادراك والمعرفة وكما اشرنا له في أسطر سابقة الوعي والعقل تجربة واحدة لا أنفصال ولا تقاطع بينهما.. وتجربة الوعي وتجربة العقل واحدة لا يمكن الفصل بينهما من حيث أنهما أدراك مشترك واحد لشيء أو لمجموعة موجودات ومواضيع تتم معرفتها بتداخل الوعي والعقل.. ..

ومن الممكن أن نعتبر الوعي وظيفة أو وسيط في نقل مدركاته الحسية الى العقل وبالعكس في نقل مقولات العقل الفكرية لغويا عن مدركاته العالم الخارجي، وبهذا المعنى لا يكون الوعي وسيطا ناقلا محايدا بين مدركات الحواس ومدركات العقل، فالوعي هو حلقة متداخلة في منظومة معرفية متكاملة تبدا بالشيء كموجود بجوهر وصفات، ومن ثم بأدراك الحواس له، ومن ثم أستقراره كوعي في الذهن وأخيرا تأتي مقولات العقل النهائية بشأنه... لذا الوعي في حالة أدراكه الاشياء غير العاقلة في الطبيعة فهو لا يدركها ألا كوسيط بين الحواس والذهن..والوعي بلا منظومة التصورات والتمثلات الانطباعية للاشياء لا يكون له حضورا محايدا مستقلا مطلقا.

لهذا من الخطأ أعتبار الوعي تجربة خالصة لذاتها ومحايدة في أدراكها الموجودات في العالم الخارجي.. عندها يصبح تساؤلنا وجيها منطقيا بماذا نستدل على أن الوعي كاف أن يكون تجربة خالصة؟ وكيف؟ ألا أذا أخذنا الوعي هو وظيفة أبستمولوجية ليست محايدة ولا منفصلة وليست قائمة كتجربة لوحدها من دون أعتبار الوعي حلقة في منظومة معرفية متكاملة تبدا بالوجود ولا تنتهي بالعقل.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

............................

الهوامش

1- جيرار ديلودال، الفلسفة الامريكية، ت.جورج كتورة، الهام الشعراني ص 123

2- المصدر اعلاه ص120

3- المصدر اعلاه 120

4- المصدر اعلاه ص 124

5- المصدر اعلاه ص 132

 

رحيم الساعديموقع UKEssays البريطاني

ترجمة الدكتور رحيم محمد الساعدي


في كتابه الطبيعة البشرية والنظام الاجتماعي في عام 1902، قدم بالصدفة عالم الاجتماع الأمريكي الرائد تشارلز هورتون كولي، مصطلح "الذات الزجاجية". وأصبحت هذه الاستعارة بمعنى ضمني اوتصوري (منذ ذلك الحين) مفهومًا قياسيًا في علم الاجتماع الأمريكي بمعنى أكبر من كولي نفسه، وللمصطلح آثار مهمة في علم النفس وفي الدراسات الأخلاقية  ونظريات تربية الأطفال، ومجالات أخرى.

وقصد كولي بهذا المصطلح أن الأفراد إلى حد ما، يطورون هوياتهم أو مفاهيمهم الذاتية، ويتوصلون إلى فهم وتعريف أنفسهم، انما من خلال النظر في الأفكار وردود الافعال التي يكونها الآخرون عنهم، سيما المهمون في حياتهم. و في عملية التنشئة الاجتماعية، والتي تعد بالغة الأهمية بشكل خاص في المراحل المبكرة من الحياة، يصوغ الناس طبيعتهم وشخصياتهم وتتغير أدوارهم استجابةً لردود أفعالهم تجاههم في السياقات الاجتماعية. وبهذا المعنى، وفقًا لكولي، يمكن القول بأن "الذات" "تعكس" الجوانب الاجتماعية الموجودة خارج الذات . ويشير المفهوم في الواقع إلى وجود ثنائي متفاعل من المرايا.

أولًا، يتخيل المرء نفسه مُصورًا (ويُحكم على هذا التخيل) في عقل شخص آخر ؛ ثم يعكس المرء في ذهنه تلك الأحكام التي يتخيلها المرء، وبالتالي ينظم سلوكه ويحدد نفسه جزئيًا.

إن ما "ينعكس" في مرآة عقل الفرد يتضمن أنظمة القيم، وتعريفات الذات، وأحكام الآخرين في المجتمع المحيط. من وجهة النظر هذه، لا يعتمد التطور الذاتي للفرد بالضرورة على الحقائق الاجتماعية الموضوعية ؛ بل يحدث لأن المرء يدرك أو يتصور ردود الآخرين بطرق معينة. وبالتالي، فإن التعليقات التي يعتقد المرء أنه يحصل عليها من المجتمع قد تكون في الواقع أكثر أهمية من أي حقيقة موضوعية خارج الذات.

وقد لخص عالم الاجتماع جورج جيه ماكول وجيه إل سيمونز نظرية كولي في عام 1966، وفق انه "تعكس تخيلاتنا عن الذات اهتماماتنا الشخصية." تقول باتريشيا آر جيت، في كتابها المعجم الموسوعي لعلم الاجتماع (1986)، إن نظرية "الذات الزجاجية" تميز ثلاثة مكونات منفصلة تساهم في تطوير الذات: ان ردود الآخرين على الفرد انما تصور الفرد لماهية هذه الاستجابات (والتي قد تختلف عن الردود الفعلية) ؛ واستيعاب الفرد لهذه الاستجابات المتصورة قد يصبح جزءًا من مفهومه الذاتي والتركيب السلوكي. وفي هذه المرحلة الأخيرة، يقوم الفرد بصياغة الذات التي تعكس المحيط الاجتماعي والأشخاص الموجودين فيه كما هو أو كما أدركهم بشكل شخصي.

يمكن أن تساعد ملاحظة الطريقة الدقيقة التي استخدم بها كولي مصطلحه لأول مرة على تطبيقه بتفاصيله الأصلية،في الطبيعة البشرية والنظام الاجتماعي .

وظهر المصطلح في الفصل المعنون "معنى" أنا "، وهو فصل من فصلين عن" الذات الاجتماعية ". يوضح كولي، عند اقتراحه مصطلح " ذات المظهر الزجاجي"، أنه ليس المقصود منه أن يكون تعريفًا مطلقًا لطبيعة الذات ولكنه مجرد جزئية واحدة "كبيرة جدًا ومثيرة للاهتمام" تكون فيها الذات (أو "أنا" “) من خلال محيطها الاجتماعي. وفقًا للغة كولي الأصلية، يتخيل المرء نفسه وكانه يظهر في عقل آخر، ومن ثم فان "نوع الشعور بتلك الذات هو ما يحدده الموقف الذي ينسب إلى ذلك العقل الآخر. ويمكن أن يطلق على الذات الاجتماعية من هذا النوع الذات المنعكسة أو ذات المظهر الزجاجي ".

يمضي كولي ليقتبس مقطوعة شعرية مجهولة: "لكل منا زجاج ذا مظهر / يعكس الآخر الذي يمر " وهكذا فإن أول استخدام كولي للمصطلح يشير إلى أنه في أي تفاعل اجتماعي، يكون هناك عقلان الاول مرآة (عقل شخص واعٍ بذاته)، والثاني (عقل شخص آخر "مرآة" متفاعلة) .

وفي الحياة الواقعية، يمكن للمرء أن يتخيل بعض التغييرات، خاصة بين أقرانه الاجتماعيين، على أنها تعمل في كلا الاتجاهين، بطريقة متوازنة حيث يكون كل شخص في نفس الوقت ممثلاً واعياً بذاته ومنتقدا يقوم بالتقييم .

يؤكد علماء النفس الاجتماعي مثل تاموتسو شيبوتاني على أهمية أفكار كولي في عملية التنشئة الاجتماعية. فمن وجهة نظر شيبوتاني، فإن "الذات الزجاجية" تعني ببساطة أن "توجه كل شخص نحو نفسه هو انعكاس للطريقة التي يُعامل بها". لاحظ كولي ما أكده ريد باين في الثلاثينيات من أن الأطفال يعرفون الآخرين كأشياء، ويدعون الآخرين بأسمائهم، قبل أن يشعروا بأنهم كيانات منفصلة. ويتفق العديد من الخبراء على أن الأطفال يعتبرون أنفسهم متلقين للعمل قبل أن يعتبروا أنفسهم ممثلين. لذلك، فإن طبيعتهم المتطورة كذوات نشطة تكتسب شخصيات يرجح أنها تعكس الطريقة التي عومل بها الآخرون ؛ ويكتسبون الهوية الذاتية أولاً من التفاعل الاجتماعي.

استعارة كولي، كأي تشبيه، تتضمن كلاً من ميزة الوضوح وخطر التشويه.

وعلى الرغم من أن ماكول وسيمونز يطلقان على زجاج كولي صورة "الغائم إلى حد ما"، فإن هذا المصطلح يستخدم بشكل شائع من قبل علماء الاجتماع للمساعدة في شرح جوانب معينة من العملية التي يحقق بها جميع الأشخاص هوياتهم، وينظمونها ويضبطونها ويعدلونها و يعتقد معظم علماء الاجتماع أن فكرة كولي تحتوي على حقيقة مهمة.

التطبيقات

الأمثلة المعممة التي استخدمها كولي عندما ذكر لأول مرة الذات الزجاجية عام 1902 هي نقاط بداية جيدة لتوضيح كيفية تاثير المفهوم في الحياة الواقعية. ويقترح كولي، أولاً، أنه عندما نجتاز مرآة حقيقية و"نرى وجهنا وشكلنا وملبسنا" ينعكس، فإننا مهتمون بشكل طبيعي وبالمثل، عندما نلتقي بشخص آخر، فإننا نتخيل أنفسنا بسهولة كما ينعكس في عقل ذلك الشخص "مظهرنا، وأخلاقنا، وأهدافنا، وأفعالنا، وشخصيتنا، وأصدقائنا، وما إلى ذلك." في الخطوة التالية، نجد أنفسنا نتخيل كيف يمكن أن يكون حكم ذلك الشخص الآخر على أنفسنا "المنعكسة". المرحلة الثالثة الناتجة عن هذا التسلسل هي الشعور التأملي في أنفسنا "مثل الكبرياء أو الإهانة" عندما نتصور هذا الحكم.

يعترف كولي نفسه بأن استعارة منظر الزجاج ليست كافية لشرح العنصر الثاني من هذه المكونات الثلاثة، وهو التقييم الذاتي للمشاهد.

يقول كولي، بافتراض أهمية المتفرج (الاخر –المترجم-) في حياة المرء، سيخجل المرء من أن يبدو متحفظًا إذا علم أن المتفرج صريح ؛ ولن يرغب المرء في أن يبدو جبانًا إذا عرف أن المتفرج شجاع ؛ وقد يتفاخر المرء، في موقف اجتماعي معين، أمام أحد المتفرجين حول كيفية قيام المرء بصفقة تجارية حادة، ولكن مع شخص آخر يرى المرء أنه يمتلك قيمًا اجتماعية مختلفة، وقد يحاول المرء إخفاء نفس الحقيقة. وفي هذه الحواس، إذن، تحدد المرآة الخارجية لعقل المتفرج طبيعة الذات الاجتماعية للفرد، وتولد سلوك الفرد ودوره في بيئة ما .

على الرغم من أن أمثلة كولي لا تشير إلى أن الذات الكاملة لأي شخص يتم تحديدها من خلال تطبيق مثل هذه التفاعلات، إلا أنه يمكن للمرء أن يرى بشكل عام، من الطفولة المبكرة وما بعدها أنه من المرجح يقوم المرء بتشكيل نفسه ليلائم ما يتوقع منه الاخر أن يكون .

و في المواقف الفردية طوال الحياة، حتى بعد تكوين هوية الفرد بشكل كامل، يميل المرء إلى تبني الأدوار السياقية التي يعتقد المرء أنها مناسبة عندما تنعكس في أذهان الآخرين. وهكذا، في غرفة جلوس الجدة أو في خدمة الكنيسة، قد يكون المرء في الواقع شخصًا واحدًا، بينما في مباراة كرة السلة قد يكشف المرء عن نفسه تمامًا ؛ هذا هو سلوك لعب الأدوار. قد يناقش الآباء الفخورون أطفالهم بحرية مع الآباء الآخرين، ولكن مع درجة معينة من الوعي، قد يمتنعون عن ذكر أطفالهم عند التحدث إلى شخص ليس لديه أطفال أو فقد طفلاً مؤخرًا في حادث سيارة. في هذه الحالات، يشكل الزجاج المحيط بالمحيط الاجتماعي والجمهور هوية المرء المدركة.

على الرغم من أن كولي أوضح فقط التبادلات بين شخصين بالغين ولم يستكشف على وجه التحديد الآثار المترتبة على مفهوم التنشئة الاجتماعية في مرحلة الطفولة، فإن الذات، ذات المظهر الزجاجي تساعد في تفسير تطور الهوية المبكر: ويميل الطفل الصغير إلى أن يصبح مزيجًا من الخصائص التي تمت الموافقة عليها و مرغوبا فيه في المجتمع. والمجتمع يضغط دائمًا على الأفراد للتوافق مع قيمه وأحكامه من أجل الحصول على الموافقة ؛ وبالتالي، فإن البشر يسعون عمومًا إلى القبول ويريدون تفكيرا جيدًا في تشكيل أفعالهم الاجتماعية وفقًا للإشارات التي يتلقونها من المرآة الاجتماعية التي ينظرون إليها دائمًا. كما ان الأطفال يميلون إلى استيعاب ما يواجهون خارج أنفسهم والتصرف كما لو كان صحيحًا وصحيحًا

و من الواضح أن أولئك الذين يعاملون ككيانات جديرة بالاهتمام لديهم فرصة أفضل في أن يصبحوا منتجين اجتماعياً من أولئك الذين يعاملون بإساءة أو تجاهل. إن تطوير مفاهيم الذات السلبية عند الأطفال لا يشجع الأفراد على التصرف لاحقًا ولا يشجعهم لتقديم مساهمات إيجابية للمجتمع.

 

 

علي رسول الربيعيأريد أن اشير ابتداءً إلى أننا دائمًا نقدم اراء ونطرح قضايا ونتبنى أعتقادات ونلتزم بايمان. يبدو كل هذا طبيعيا وعاديا في مجريات الحياة اليومية . ندخل نقاشات وسجالات من اجل تأكيد أعتقاداتنا وغالبا ما ندعو الآخرين لتبنيها والالتزام بها. لكن حتى يكون ذلك مقبولًا او يتقبله الآخرون منا علينا اثباته بالتدليل على صحته وصدقيته وحقيقته. وإذا كان ذلك كذلك يتطلب منا أو تبريره عمليًا او منطقيًا او عقليًا، أيً حتى يمكن ان يكون معرفة لها العمومية والسبب الضروري أو الكافي للتعميم. وتتطلب هذه المعرفة أن تكون مسًوغة، وهذا التسويغ يسمى التسويًغ الإبستيمولوجي .

على الرغم من أن مفهوم التسويغ الإبستيمولوجي (أو التبرير المعرفي) epistemic) justification (قد احتل مركز الصدارة في الفكر الإبستيمولوجي المعاصر، الا إن الأسئلة التي تنطوي على طبيعة وخصائص هذا التسـويغ مازالت محل خلاف كبير. وقد تفاقم الوضع أكثر بسبب الجدل حول الطابع الداخلي / الخارج (internalist/externalist) للتسويغ بين كل من جانبي النقاش مع ما يعتبرونه طبيعة ذلك المفهوم.

عادة ما يُنظر إلى التسويغ الإبستيمولوجي على أنه نوع من التبرير يرتبط بالمعتقدات والأحكام. وهذا ما هو مطلوب، من بين أمور أخرى، لإثبات اعتقاد حقيقي في المعرفة. ولكي نسأل عما إذا كان الشخص يعرف شيئًا ما، فنحن في الواقع نتساءل عما إذا كان لديه أسباب كافية لإعتقاده. على الرغم من أن محاولات تفسير "المعرفة" لم تحقق نجاحًا، من خلال التوافق أو الإجماع العام، إلا أن علماء الأبستيمولوجيا ما زالوا يتحدثون عن التسويغ الإبستيمولوجي كخاصية معرفية ذات قيمة في حد ذاتها. إنها تختلف عن الحقيقة في كونها غير قابلة للتحقيق، وأنها مسألة درجة. ومرة أخرى، على عكس الحقيقة، فإن التبرير له طبيعة سياقية. لإن ما إذا كان هناك مايبرر أعتقًادا معينا لشخص ما فأنه دالة على الحالة المعرفية لهذا الشخص. وبالتالي ، فإن ما يبرره الشخص في وقت معين قد لا يكون له ما يبرره في وقت آخر. وعادة ما يتم تمييز ما يكمن وراء الاختلاف من حيث مجموعة الأدلة ذات الصلة التي يمتلكها الشخص في أوقات مختلفة. تقليديًا، تم وصف الاعتقاد المبرر على أنه نوع من الاعتقاد مسموح به معرفيًا لإبراز ما يسمى بالطابع "المعياري" على أنه يتضمن ما يجب علينا نعتقده أو لا. من ناحية أخرى، يُعتقد على نطاق واسع أن التبرير المعرفي يختلف عن الأنواع الأخرى من التبرير مثل التبرير الأخلاقي أو البراغماتي من حيث أنه يهدف إلى خدمة هدف تصديق الحقيقة وتجنب الزيف وهذا هو بالضبط سبب اعتباره ضروريًا للمعرفة .

ومع ذلك ، هناك سمتان متميزتان للتسويغ تهيمن على النقاش الإبستيمولوجي المعاصر وهما مسألة المنظور وتوصيل الحقيقة.. وبصفة عامة ، يمكن تشخيص كل موقف أبستمي (حالة معرفية) يتضمن تشكيل أعتقاد العارف من خلال بعدين: المنظور والموضوعية. يتميز بعد المنظور من ناحية ظاهر الموقف الابستمي للشخص العارف، ومن ناحية كيفية ظهور الأشياء من وجهة نظره . من ناحية أخرى ، يتم تفسير البعد الموضوعي من حيث كيف تكون الأشياء في الواقع مستقلة عن العارف. وبما يتناسب مع هذين البعدين، سيكون للتبرير دور في كيفية ظهور الأشياء من منظور الشخص العارف وكذلك كيف تكون الأشياء في الواقع الفعلي. إن هذا الأخير هو ما يكمن وراء حدسنا فيما يتعلق بالطبيعة المؤاتية للحقيقة التبرير المعرفي. من ناحية أخرى ، يتم تمييز الطابع المنظوري للتبرير من خلال حدسنا فيما يتعلق بالوضع التبريري للمعتقدات في مايسمى "سيناريوهات الشيطان" المزعومة. خذ في نظر الأعتبار مثلا في عالم ممكن لا يمكن تمييزه عن العالم الحقيقي فيما يتعلق بتجاربنا، ولكن رأى فيه الشيطان أن معتقداتنا الإدراكية الحسية خاطئة دائمًا. ونظرًا لأن عالم الشياطين لا يمكن تمييزه عن العالم الفعلي ، يجب أن تتمتع المعتقدات الإدراكية الحسية في هذا العالم بالقدر نفسه من التبرير كما هو الحال في العالم الفعلي على الرغم من كونها، من خلال الفرضية، خاطئة دائمًا. ما أريد اخلص اليه في هذه المقدمة المختصرة هو أن أي نظرية مناسبة للتبرير يجب أن تكون قادرة على استيعاب هاتين السمتين ل التسويغ الإبستيمولوجي. وما يتضمنه هذان المكونان من عناصر التسويغ بالفعل قبل الشروع في دراسة كيف تعمل بعض التفسيرات المعروفة عن التسويغ الإبستيمولوجي فيما يتعلق باستيعابهما.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

 

حاتم حميد محسنكان الاتجاه المفضل لدى الشكاك عبر العصور هو الاشارة الى ان تعدد الآراء بين الناس يكشف عن عدم وجود حقيقة واحدة. في الحقيقة، قام الشكاك الأصليين بصياغة هذا النهج في واحدة من الطرق التي استخدموها لتجاهل وإضعاف العقيدة الدوغمائية. هم أدخلوا الشك في بعض القضايا مؤكدين ان الناس لم يتفقوا حولها – على سبيل المثال، رغم ان معظم الناس يقولون ان هناك حركة، لكن برمنديس جادل ان الحركة ليست الاّ وهما. هم يرون ان الاعتبارات يمكن تقديمها من كلا الجانبين، وبالنهاية تقود الى مأزق.

في الحقيقة، ان تاريخ الفلسفة يبدو تاريخا للناس غير المتفقين مع بعضهم. ارسطو لم يكن مشككا، لكنه كان مفعما بتنوع الآراء الموجودة سلفا في زمانه (384-322 ق.م)، وايضا ادرك ان هذا وفّر وسيلة فعالة لتفنيد المعارضين. في عمله حول الديالكتيك (تقنيات الجدال)، هو اقترح ان المرء يمكنه إتّباع ما أسماه endoxa "آراء مقبولة" كمادة لبناء حجج في النقاش. جميع الآراء لـ "العديد من الناس والحكماء"ستكون لعبة عادلة، طالما ان مثل هذه الرؤى تكون لها مقبولية مبدئية، حتى عندما تفتقر للإتساق المتبادل.

ولكن في سياقات اخرى لم يكن ارسطو راضيا ببساطة في جمع عقائد متنوعة كنوع من المخزون الجدالي. هو بدلا من ذلك حاول تنظيم آراء المفكرين القدماء، ليس فقط لتلخيص ما اعتقدوا به، وانما ليبيّن أين أصابوا واين اخطأوا.هذا يوضح لماذا العديد من أعماله الهامة مثل الفيزياء و حول الروح، تبدأ باستقصاء لما قبل سقراط وفلسفة افلاطون. انها كانت من بين اولى المحاولات لكتابة تاريخ الفلسفة، لكن ارسطو لم يكتب كمؤرخ وانما هو أراد ان يأخذ دروس من أسلافه بحيث يستطيع استخدامها في فلسفته الخاصة. فمثلا، هو لاحظ ان بعض المفكرين المبكرين اعتقدوا ان "المتشابه يُدرك من قبل المتشابه"(لهذا فان العين يجب ان تُصنع من عناصر مشابهة للأشياء المرئية)، بينما آخرون يؤمنون ان "المتشابه يُدرك من قبل الغير متشابه (لأن ما يُدرك يجب ان يكون مختلفا الى حد ما عما يدركهُ، بحيث يمكن تغيير الأخير من قبل الأول). هنا ارسطو يفصّل الاختلاف: جهاز الادراك هو في الحقيقة "يشبه" موضوعه، ولكن بإحتمال فقط. ارسطو كان مهتما بالنظريات المبكرة لأنه افترض ان ما يقوم به الانسان من تحقيق لابد ان يصل الى الحقيقة، على الأقل جزئيا. في كتابه الميتافيزيقا، الفصل الاول من الجزء الاول، هو قارن الحقيقة بباب لا يمكنك طرقه بإطلاق النارعليه. حتى الان، لا احد سيكون قادرا على الوصول الى كامل الحقيقة وحده، ولهذا نحن نحتاج للعودة الى أسلافنا . وحتى لو ساهم البعض فقط بالقليل، عندما تجتمع الرؤى الى بعضها، ستكون النتيجة جيدة. ومع ان هذه هي مشاعر متفائلة، لكن ارسطو لايذهب بعيدا للقول من الحتمي ان تبرز الحقيقة كاملة، او ان نظامه الخاص كان نوعا من كشف ذلك الانبثاق. لذلك، نحن نحتاج الانتظار لحين مجيء هيجل، لما يقوله، طالما فقط في عصره اصبح الظرف ناضجا للتعبير الكامل عن الحقيقة في نظام منفرد واع بذاته كليا(نظامه). هيجل رأى التاريخ الكامل للفكر البشري كقيادة لا مفر منها عبر مراحل فكرية تؤتي ثمارها بالكامل وحيث تجد الفلسفة ذاتها "مكتملة سلفا".

لهذا، فان فهم هيجل لتاريخ الفلسفة كان معارضا تماما لفهم الشكاك الذين يشيرون الى عدم الاتفاق بين الفلاسفة ويجد ان رد الفعل المعقول هو فقط تعليق الحكم. وكما كتبت انجيلكا نوزو في مساهماتها بـ تاريخ هيجل للفلسفة: تفسيرات جديدة (D.A.Duquette,ed.,2003) سعا هيجل لإزالة الانطباع بان التاريخ نُظر اليه فقط "كتعدد للفلسفات جاءت كل واحدة ضد اخرى، كل واحدة تدّعي حيازتها على الحقيقة المتفردة، وكل منها تجسد "تفنيدا" للحقيقة المدّعاة من اخرى". بدلا من ذلك، جادل هيجل، اننا نحتاج لفهم كيف ان كل مرحلة من الفلسفة تشكل خطوة نحو إتمام الفلسفة ذاتها. هذا يفسر لماذا هو، لايقل عن ارسطو، في انه كان يتبنّى استكشاف تاريخ الفلسفة. هو حاضر في مواضيع عدة مرات: في جينا ثم في هايدلبيرغ ومن ثم في برلين لمدة عقد كامل حتى وفاته عام 1831. في محاضراته يوضح كيف تطورت الفلسفة "منطقيا"وفق فهمه للعبارة. وكما قال لطلابه في محاضراته عام 1820، "ان تعاقب أنظمة الفلسفة في تاريخها هو نفس التعاقب الذي يحدث في الاستنتاج المنطقي للتحديدات المفاهيمية للفكرة".

هذا يجعلها تبدو مثل فلاسفة كل العصور، غير معروفين لأنفسهم، يتخذون بطريقة ما حركات مقررة سلفا في تطور مفاهيمي اكبر. ولكن في الحقيقة لا شيء هناك اسطوري حول الفلسفة وفق رؤية هيجل. تفسيره يقوم على افتراض معقول بان الفلاسفة يجب دائما ان يتصرفوا تجاه العالم المحيط بهم، وبما ان الواقع ذاته يتغير، فان الفلسفة يجب ان تتغير لكي تتطابق مع ذلك الواقع. هذا هو ما يعنيه هيجل بملاحظته الشهيرة"الفلسفة هي زمانها المدرك في الافكار"(مبادئ فلسفة الحق، 1820). ومع ان تاريخ الفلسفة مرتبط بعمق بتاريخ العالم، لكن البعض لايرى ان تاريخ العالم ذاته يتجه نحو وجهة معينة.

 

حاتم حميد محسن

 

علي محمد اليوسفدائما ما نصطدم حين قراءتنا بعض مباحث الفلسفة الغربية بمفترق طرق موزع بين مفوهمين، الاول لا يتعلق بالمبحث الفلسفي الاجنبي في عدم امكانية تبيئته الظرفية الزمانية - المكانية السيسيولوجية عندنا، على أعتبار مفاهيم الفلسفة عالميا هي مفاهيم الشمولية الكليّة التي توّحد هموم الانسان أينما يكون ويوجد وما يشغل الانسان في قضية فلسفية أو فكرية في بلد ما نجدها هي نفسها واحدة فلسفيا تعني الانسان كوجود ارضي وقضاياه وهمومه وتطلعاته كلها واحدة. ويبقى الاختلاف بالمنهج وطرائق واساليب التناول.

القلق الذي يتوزعنا في علاقتنا مع الفكر الفلسفي المعاصر:

1- ان مباحث الفلسفة الغربية عموما هي مباحث يكون تعبير اللغة عنها هو اشكالية المعنى الفلسفي عندنا قبلهم، وقبل ولوج اشكالية مضمون المبحث الفلسفي الذي يهمنا كما هو يهم غيرنا من منطلق انساني، هنا لا يذهب بنا الاعتداد بالنفس المكابر الى أننا لا نحتاج مثل هذه التعبيرات اللغوية الفلسفية المترجمة أو في لغتها الاجنبية الاصلية، التي نحاول فهمها وتفسيرها ومناقشتها من منطلق خصوصية لغوية عربية فلسفية عاجزة حسب تصنيف الغالبية في التعامل مع اللغات الاجنبية الاوربية كترجمة رصينة تعنى بتوصيل محتوى الفكر قبل شكل اللغة. وعاجزة عربيا عن المجاراة الندّية التي تتطلبها لغة التفكير الفلسفي في النقد والمناقشة.

وأننا بحسب هذه الغالبية من المفكرين بيننا وهم على حق لا نمتلك مجاراة الفلسفات الغربية التي تجذرت لغتها الخاصة بها وقطعت مراحل فلسفية سبقتنا فيها قرونا طويلة بسبب تعطيل رغبة وأهمية الفلسفة في حياتنا المعدومة فيها ابسط مستلزمات العيش الذي يجعل من ميدان الفلسفة ترف فكري ليس له علاقة بواقع حال ثقافة مجتمعاتنا العربية ولا يعبّر عنها، وموعد حضوره قبل الحكم عليه أنه تعقيد لغوي نخبوي لا يفيدنا بشيء يغيّر تخلفنا الموروث الممنهج بأننا محكومون بما هو تحريم مشرعن مصدره نضح واقعنا المتردي في معظم مناحي الحياة قبل تدوين تخلفنا الفلسفي الذي يحكم تساؤلنا مباشرة بدلالة عميقة ماهي الفلسفة عندنا؟ وبماذا تعنينا؟ وما هو دورها في مجتمع يبحث الانسان فيه كيف يسد رمق جوع عائلته ويضمن لهم كرامة عيش يكفيهم مذلة السؤال؟. من الامور التي نحاول القفز من فوقها وتجاهلها أن الثقافة لا تزدهر مع الفقر والجهل والتخلف المجتمعي الذي يكون فيه البحث عن معنى الحياة والوجود بلا معنى. ظهور مبدع كبير من بيئة التخلف والفقر في مجال ثقافي أو أدبي معيّن لا يلغي حقيقة أن مئات العباقرة ماتوا ودفنتهم مآسي الحياة بتجهيلها وفقرها أن يأخذ اولئك العظام فرصة نبوغهم بالحياة عندما يعدم الفقر أمكانية تحقيقها أمامهم في تكملة التحصيل الدراسي والثقافي.

2- القلق الثاني لا نجده مجديا هنا بديل هذا التبرير الزائف في تعاليه، ولماذا لا يكون لنا لغة خاصة فكرية ثقافية بنا تفصلنا عن لغة غريبة في الاصل عنا قبل الترجمة وغريبة في الاصل عنا ايضا بعد الترجمة العربية الهزيلة فكريا لها؟ الجواب الذي يحمل مباشرة حقيقته تبدو فجّة يتمثل في التساؤل هو هل عندنا فلسفة خاصة بنا عربية ؟، وهل لدينا فلاسفة عربا غير منفصلين عن الاعتياش الفلسفي في كتابة هوامش وشروحات وعروض مقدسة في عبقريتها لآراء فلاسفة أجانب غيرنا ويطلق العديد عليهم القاب مفكرين وفلاسفة عربا؟. الجواب ليس في عجز مطاوعة اللغة العربية التكافؤ الندي مع غيرها من لغات أجنبية قبل مساءلة انفسنا توفير أين هي الفلسفة العربية الخاصة بنا التي لا تمّثل لغة تعبير الافكار لها عدم مجانسة مضمونية وشكلية بينها وبين لغة التعبيرعنها.؟

خلاصة القول كتاب ومفكري الفلسفة العرب عندنا هم مستلبي الانتماء الحقيقي بين مفاهيم فلسفية متداولة عالميا لا تجد لها ارضا عربية عندنا من منطلق حداثة فكرية نبتعد عنها ومسبوقين بها ازمانا طويلة، والذي يزيد المشهد الفلسفي ارباكا هو أن مباحث الفلسفة المعاصرة بدأت تأخذ منحى مغاير عن تاريخ الفلسفة المعهود تداوليا الذي نفهمه وندرسه تاريخا مقدسا في تعالقه مع الموروث الفلسفي العربي الاسلامي الذي أنتهت صلاحيته بخروج اوربا من تخلف العصور الوسطى ودخول المنطقة العربية فيه بلا خلاص ولا رجعة.

دخلت فلسفة اليوم الحداثة وما بعدها كما تردنا ترجمة في تداخل معرفي متشابك لم نعهده سابقا مثل محور اللغة وعلاقتها بكل من المعرفة بانواعها، علاقة اللغة مع علوم الطبيعة وعلم النفس والعقل، علاقة الفلسفة بتساؤلات الايمان الديني المعاصر، علاقة الفلسفة بالبيئة، علاقة الفلسفة بعلم التاريخ ولانثروبولوجيا وعلم الاساطير، علاقة الفلسفة بالحداثة، علاقة الفلسفة بالهوية، علاقة الفلسفة بالسياسة والاقتصاد الخ الخ. هذه المباحث غريبة عنا بين مزدوجتين ولا نجد لها حلا عربيا في ازدواجية غربتنا عن لغتها الاجنبية الخاصة بها في منهج تناولنا الفلسفي لتلك التداخلات الفلسفية، في منهج متقاطع معها سببه ازمة اشكالية الحداثة عندنا. وازدواجية قصورنا معالجة مضامينها الغريبة عنا  بنوع من الاحساس المتراجع دوما الى الوراء في عجزنا ممارسة نقد فلسفي يكون لنا فيه بصمة عربية تكافيء المنقود الاجنبي بسبب رغبتنا شد وأرجاع كل معرفة تردنا بمقايستها المعيارية بماضينا التراثي الذي يدور في فلك مفهوم تضاد الدين مجتمعيا مع العلمانية ممثلة بافراد قلائل.. حتى الذين كتبوا بالفكر والفلسفة محسوبين على العرب المغتربين في المهجر لم يكونوا يطمحون تاسيس انفرادية فكرية خاصة بهوية عربية مميزة حيث كانوا يقرأون الفلسفة الغربية بعيون أجنبية وليس بعيون عربية وبافكار دوغمائية تعيش الماضي مستقبلا وليس بافكار علمية عصرية تعيش الحاضر مستقبلا، ولم يكن واردا امامهم هدف تحديث اوطانهم التي تغربوا عنها بمقدار أهتمامهم جذب انظار من يزاملوهم في الجامعة الاجنبية أو في بلد المهجر كمفكرين اندادا لهم يبتغون شهادة الاعتراف بهم كفلاسفة ومفكرين بعد نيلهم الشهادة الجامعية ولا ضرورة تسميتهم باسمائهم لانهم اساسا لم يكونوا معترفا بهم من قبل مفكرين وفلاسفة أجانب داخل الكلية الواحدة أو الجامعة الواحدة في بلاد المهجر.

طبعا هذا التشخيص يستثني عديدين من فلاسفة مفكرين امثال محمد عابد الجابري وعشرات غيره من الذين استهدفتهم سهام القاطنين في باريس وعواصم عالمية أخرى بعدم انصافهم وهم لم يبرحوا مواطنهم وبلدانهم من قبل أجانب فلاسفة أهملوا باحثين عربا ممن يشاطروهم البلد في العيش أو الجامعة الواحدة التي تجمعهم. وهذا لا يشمل الجابري وآخرين على صعيد الاقطار العربية مثل مفكري المغرب، تونس، الجزائر، الاردن، لبنان، ومصر. فقد مارسوا وفكري هذه الاقطار بعضهم وبخاصة في مصر البحث الفلسفي باصالة فكرية وبصمة عربية تحسب لهم. والمفتقد المطلوب هو توحيد هذه الجهود الكبيرة في تأسيس بداية نهضة فكرية ثقافية فلسفية جامعة لها وزنها بين ثقافات شعوب العالم.

 

علي محمد اليوسف/ الموصل

 

 

علي اسعد وطفةاللغة "مرآة الشعب ومستودع تراثه وديوان أدبه وسجل مطامحه وأحلامه وأفكاره وعواطفه، وهي فوق هذا وذاك رمز كيانه الروحي وعنوان وحدته وتقدمه وخزانة عاداته وتقاليده"  جميل صليبا .


مقدمة

تعد اللغة المنطلق الأول لعمليات التفاعل الإنساني، وتشكل في الوقت نفسه أحد أهم صيغ الوجود الإنساني  وواحدا من أبرز تجلياته. ويأخذ مفهوم الاتصال اليوم أهمية مركزية في علم النفس الاجتماعي وفي علم الاجتماع. فالاتصال على حد تعبير كولي Cooley " هو العملية التي تأخذ فيها العلاقات الانسانية مجراها وحركة تطورها "(1). وذلك يشير إلى العملية التي يتم فيها تحويل وتبادل الإشارات بين الافراد. إن إدراك عملية الاتصال أمر يتميز بالصعوبة إلى حد كبير. لقد بين جورج هيربارت ميد G.H Mead أن الاتصال يسعى إلى إيجاد إحساس مشترك بين الناس أي : بين الذي يتصل والذي يستقبل. ومما لا شك فيه أن حياة مجتمع ما غير ممكنة إذا لم يكن هناك اتصال، إذ لا يستطيع الناس تنظيم أفعالهم وفقا للسببية الفيزيائية: وهذا يعني ان كل تفاعل انساني يفترض بالضرورة تدخل أفكار اتصالية تحقق التواصل بين الافراد في واقع الامر. و يميز الباحثون في مجال علم النفس الاجتماعي بين نموذجين اتصالين هما: الاتصال الجماهيري اي تحويل الافكار إلى عدد كبير من الناس دفعة واحدة. ثم الاتصال الشخصي وهو الاتصال الذي يقوم بين شخص آخر وهي العلاقات التي يطلق عليها العلاقات الأوليّة الأساسية.

الاتصال من غير لغة:

تشكل اللغة من غير شك الوسيلة الراقية لتحقيق التواصل الانساني. ولكن يوجد هناك اتصال بين الناس لاتكون فيه اللغة هي الوسيلة الوحيدة. وهذا ما يمكن ان نلاحظه عند العميان: الذين يعانون من غياب امكانية قراءة التعابير التي تظهر على وجوه الاخرين. ومما لاشك فيه ان العميان يتواصلون بدرجة اقل من المبصرين وخاصة فيما يتعلق بالعلاقات التي تقوم بين المحبين (2 ).

ونستطيع ان نحدد اركان الاتصال في ثلاثة جوانب اساسية هي: الحضور الفيزيائي، والاشارة ،وتعابير الوجه. وتلعب هذه العناصر دورا هاما في عملية الاتصال وينطلق من هذه الجوانب إلى تحقيق فعاليتين أساسيتين هما: تحويل الافكار والمشاعر إلى الآخر من جهة ومن ثم التمييز بين هذه الافكار والمشاعر وفهمها من جهة اخرى .

لا يملك العنصر الاول - الحضور الفيزيائي بالنسبة للشخص المعني - تأثيرا مباشرا على نفسه اي على جسده أو على سمات وجهه. ومع ذلك فان طريقة اللبس والزينة تعطي الشخص نفسه، إراديا أو عفويا، بعض الانطباعات وهي انطباعات حقيقية أو متوهمة فالمظهر الفيزيائي عنصر اساسي من عناصر وعي الشخص للأخر بشكل متبادل. ومع ذلك يجب ان نلاحظ ان غياب المظهر الخارجي لا يمنع ولا يقلل من اهميته الاجتماعية. فكل فرد، في اي مجتمع، يحول في اطار محيطه رسالة حقيقية أو وهمية عن نفسه وعما يملك وما يؤديه من عمل. والمظهر الفيزيائي يشكل مثيرا اجتماعيا يلعب دورا هاما في عملية الاتصال بين الاشخاص. وتستطيع الاشارة ونعني بها الموقف الجسدي ونسق الايماءات ونمط التعبير الحركي ان تؤدي دورا إتصاليا هاما لا يقل شأنه عن اهمية الحضور الفيزيائي. ومما لاشك فيه انه يمكن للفرد ان يكون سيد ايماءاته وحركاته وذلك بدرجة اكبر من قدرته على السيطرة على هيئته الجسدية الفيزيائية. ومع ذلك لابد من الاشارة إلى ان نظام الاشارات والايماءات عند فرد ما يرتبط إلى حد كبير بطبيعته النفسية الفيزيائية أو طبيعته الاجتماعية والثقافية وذلك بالقياس إلى الحرية التي يتميز بها سلوكه. فالحركات العادية التي يؤديها الشخص ويقوم بها مثل مظاهر الاحترام الدبلوماسي، حرارة المصافحة لرجل السياسة، عصا المعلم المرفوعة، هي حركات تعبر عما يريد ايصاله إلى الاخر.

الطابع الرمزي للغة:

فالإشارات الرمزية التي نعبر عنها عبر ايماءات الجسد مثل موافقتنا، اللامبالاة، الحماس، الرغبة في رؤية صديق ليست في نهاية الامر سوى عناصر لغة محددة ثقافيا. ولكن العنصر الاكثر اهمية ومحورية في عملية التفاعل والاتصال الاجتماعي هي تعابير الوجه. فالإيماءات تقوم بعملية تحريض واثارة الافراد الذين يتفاعلون.

والايماءات هي سلوك اجتماعي متبادل أو سلوك متبادل اجتماعيا مثل المناقشة والتي تمثل سلسلة من ردود الافعال القوية. فالمشاعر التي تقوم بين المتخاطبين تكون محدودة ، ولكن تعابير الوجه الخاصة بالمحدث تؤدي إلى عملية استثاره. اذ يلاحظ أن تعابير الوجه هذه توجه عملية التفاعل، وبالتالي فان تعابير الوجه هذه هي أفضل من الكلمات في تمكين الفرد من فهم غاية الذي يخاطبه ويمكن لهذه الايماءات الوجهية ان تقول للأخر اشياء كثيره مثل: أرجوك، أو لو سمحت، أو لطفك الخ. أو للدلالة على معنى مثل لهجة الامر والتأكيد والجدية والهزل والاثارة والاعتراف.

وفي هذا السياق يمكن القول ان اتجاه النظر يمكن له ان يحدد موضوع التفكير عند الشخص، على سبيل المثال : إن قدره فرد ما على تركيز نظراته باتجاه الآخر تحمل معنى أو دلالة النزعة العدوانية. ويمكن ان يستدل من هذه النظرات على ميل الانسان إلى الخضوع في احيان اخرى: إذ يلاحظ ان البائعين يركزون انظارهم على انف الزبائن. وتبين الدراسات المخبرية ان الافراد الذين ينجحون في تحقيق عمليات هندسية ناجحة من دون خفض انظارهم أمام الملاحظ هم اكثر عدوانية من غيرهم.

لقد تكونت ادبيات متكاملة تقليدية عند علماء النفس الاجتماعيين وهي تتضمن امكانية الادراك المباشر لتعابير الاخرين ومشاعرهم. وغني عن البيان ان تعابير الوجه " كالإشارة "، تشكل جانبا كبيرا من اللغة التي يتحدثها إنسان ما. وإذا كان من السهل ادراك هذه اللغة بسهولة وذلك لأن وظيفتها ان تكون مفهومة بصورة حدسية ، وبالتالي فان الانسان يستخدمها لأنها مفهومه، ومن أجل أن تكون مفهومة. ولكن وكما هو الحال في أي لغة من اللغات فإن دلالة إشارة ما ليست أكثر من دلالة كلمة ما، وهذا يعني ان دلالة إشارة ما يمكن ان تتحدد في سياق نظام من الدلالات الاجتماعية .

إن عملية الاتصال الاكثر اهمية تكمن في لغة الكلمات أو في اللغة الشفوية. ويمكن لنا في هذا الخصوص ان نميز بين اللغة العادية وهي اللغة الشفوية واللغة الادائية التي تتمثل في منظومة القواعد النحوية التي تنظم حركة اللغة .  ولهذا  يولي علم النفس الاجتماعي يولي اهميته كبيرة لدراسة جوانب اللغة المختلفة ويتمركز اهتمام علم النفس الاجتماعي في ما يسمى علم النفس اللغوي الذي يدرس اللغة كما هي وكما تستخدم في واقع الامر(3).

السياق اللغوي

إذا كانت اللغة اداة لتحويل المعلومات فما هي هذه المعلومات؟ حيث تسعى المعلومات هنا لتبديد الشكوك اي بمعنى خفض عدد الاحتمالات وامكانيات الخيار امام الشخص. ويجري تحديد وحدة المعلومات التي يمكنها ان تقلص امكانيات الخيار إلى اقل من النصف. يقول افلاطون في هذا الصدد ان الكلمة تعبير عن جوهر الشيء وهذا يعني ان الدلالة تتحدد في اطار العلاقة القائمة بين الشيء والكلمة. ولكن ماذا تعني كلمة مثل افلاطون Platon ؟ ان مثل هذه الكلمة لا يمكن لها ان تعطي دلالتها الا بالعلاقة مع كلمات اخرى متعددة. وهذا يعني ان دلالة كلمة ما لا يمكن ان تكون مستقلة بذاتها ومن هذا المنطلق يمكن القول ان دلالات الكلمات تشكل كلا متكاملا ويأخذ صورة نظام دلالي، وهذا يعني ان دلالة كلمة ما لا تكمن في العلاقة بين الكلمة والشيء المشار اليه بل في النظام الدلالي على وجه العموم . ومن الضرورة بمكان الاشارة إلى اهمية دلالة الكلمة التي تشير إلى العلاقة الرمزية القائمة بين الكلمة والشيء الذي يرمز اليه، وهذه العلاقة ليست بسيطة كما يبدو للوهلة الاولى.

وتأخذ النظرية السلوكيه في اللغة انطلاقا من ذلك خصوصية عملية كنظرية سكنر Skinner. وهي التي تبدو اكثر اتصالا بالواقع، ولكنها مع ذلك تبدو غير كافية أو مرضية إلى حد كبير. فمعاني الكلمات كما يقول سكنر تتحدد بعملية التعزيز Renforcement وذلك لأن الاستجابات الصحيحة لمثير ما تؤدي إلى عملية تعزيز ايجابي.

البعد السيكوسوسيولوجي:

ويمكن ايجاد التفسير الخاص بمسألة التباين اللغوي الذي يظهر في قطاعات اجتماعية مختلفة. وهذا يعني ان هذا التباين يعود إلى دور الثقافة والمجموعات الاجتماعية على وجه العموم. بعض الثقافات تغني مفردات اللغة في جانب من جوانب الحياة الهامة، وتهمل بعض جوانب الحياة الأخرى حيث يؤدي ذلك إلى الاقتصار على مفردات اولية فجة وخاصة في مجالات الحياة التي ليس لها اهمية كبيرة على مستوى الحياة الاجتماعية(4).

وعلى الرغم من الجهود التي يوليها علم نفس اللغة، ونظرية الدلالة اللغويه للجوانب الاجتماعية في اللغة، فان هذه الجهود ما تزال قاصرة عن دراسة كافة المسائل الخاصة باللغة والتي يطرحها علم النفس الاجتماعي. حيث يلاحظ ان الدراسات الراهنة تكرس نفسها لدراسة " اللغة " وليس لدراسة من يتحدثون هذه اللغة.

وتتضح هذه المسألة في مجال الاقتصاد، عندما يقال على سبيل المثال: إن نفقات المستهلك هي وظيفة لدخوله الاقتصادية. وهذا يعني اننا ابعدنا المستهلك نفسه عن اطراف القضية أو المسألة. فالتبادل الشفوي يشكل نسقا من السلوك القابل للدراسة وخاصة بالنسبة لهؤلاء الذين يتبادلون اللغة، أو بالنسبة لمضمون الكلمات التي يتم تبادلها بين الافراد أو من خلال السياق الاجتماعي الذي تجري في اطاره هذه العلاقة اللغوية. ويمكن القول هنا إن هذه الفكرة الخاصة بعلم النفس الاجتماعي هي فكرة في غاية الاهمية وهي فكرة لم تأخذ ما تستحقه من الاهمية حتى اللحظة الحاضرة (5).

فاللغة كما تبدو للإنسان العادي هي استخدام وسائل لغوية من اجل تحويل الافكار وتبادلها بين الناس. والحق يقال ان استخدام اللغة في عملية التفاعل الاجتماعي يستجيب إلى ثلاثة انواع من الغايات. وهي غايات محددة ومحسوسة: استجرار استجابات شفوية وتبادل التحيات والمجاملات، نداءات، اجابات، ثم استجراء الفعل والنشاط مثل اعطاء الاوامر، واخيرا استثارة الانتباه الذي يتصف بالديمومة عبر تأكيدات افتراضية .

وتنطوي اللغة بوصفها مؤسسة اجتماعية على اشكال واضحة ومتعارف عليها مثل: الصلاة والخطابة والتصريحات والمحادثات. وكل شكل من هذه الاشكال ينطوي تفرعات محددة فعلى سبيل المثال تتفرع احاديث الصالونات إلى انواع مختلفة مثل: الحديث السري، حديث الثقة، الحديث العابر، وحديث العشاق أو الغزل. ويضاف إلى ذلك مختلف الاساليب الجمالية والادبية والنكتة والاغنية والحكاية الشعبية، ويتضمن ذلك على التوالي على قواعد ومبادئ النشاط اللغوي المتعارف عليه .

وتنطوي اللغة بوصفها مؤسسة اجتماعية على اسقاطات رمزية تحدد شكل اللغة ومسارها. فالحديث على سبيل المثال لا يأتي من أجل التعبير عن شيء ما فحسب أو لأن أحدا يرغب بالحديث، إذ يتوجب على المرء أن يتحدث احيانا فيما لا يرغب فيه. في بعض الاحيان يوجد المرء في مواقف سلبية فالموظف لا يتحدث في حضرة رئيسه في العمل مالم يطلب منه ان يتحدث، وهو لا يتحدث لأن ذلك من مقتضيات احترام الذات. وعلى خلاف ذلك قد يقتضي الموقف من المرء ان يكون ايجابيا فهو قد يتحدث بغاية تحقيق التوافق مع الاخرين أو مساعدة الاخرين على تحقيق التوافق اي من اجل الحدٍ من المسافة الاجتماعية الفاصلة، اي من اجل وضع حد لتأثير الخجل. ويجب على المرء احيانا ان يتحدث لأنه المعني بإلقاء كلمة أو خطاب، إذ يوجد في اطار اللغة، كمؤسسة اجتماعية، تحديد اجتماعي تتباين فيه ادوار الافراد. ومثال ذلك الناطق الرسمي، والمحاضر في المحاضرة، ومدير الندوة الفكرية والمهرج .. الخ .

ويتمثل احد جوانب المؤسسة اللغوية في الموضوعات التي يتم طرحها في هذه المناسبة أو تلك أو في اطار هذا الدور أو ذاك. فاختيار الموضوعات عملية تتم تحت تأثير نسق من الواجبات والرموز والاعراف، وبالتالي فان مخالفة القواعد العامة أو احترامها من شأنه أو يؤدي إلى العقاب عن طريق الاستحسان أو الابتسامة أو الاهانة أو بالعداء الذي تظهره الجماعة فيما بعد للشخص.

ويمكن لنا أن نتحدث عن وجود بعض أشكال التنوع بنغمة الصوت " Les tons " ففي بعض الاحيان تأخذ هذه النغمة نمطا إداريا يعبر عن النسق الاجتماعية للعلاقة بين الموظفين وفق سلم التراتب الوظيفي. ويجب ان نعترف ايضا بوجود خصوصيات لغوية جغرافية واجتماعية في عملية اداء اللغة وفي استخداماتها. والتي شكلت مجال دراسة لعدد كبير من الباحثين والدارسين في هذا المجال.

يتنوع هذا النسق المتكامل من القواعد والاتفاقات والاستخدامات بتنوع الثقافات وفي داخل الثقافات الفرعية نفسها. فالمناقشات العامة تخضع في البلدان الغربية إلى قواعد محددة مكتوبة أو عرفية وهي قواعد لا نجدها في مجتمعات اخرى. فالخطابة عند هنود الأريزون ARIZON التي تتصف بأنها مطولة ومملة، والتي يستند فيها إلى خطباء سابقين يستشهد بهم، حيث تكرس نفسها لمعالجة مسائل سبق لها ان طرحت، وتبحث عن تفاصيل دقيقة مطولة تجعل من الشخص الذي يستمع لأول مرة إلى هذه الخُطَب يشعر ان هذه التفاصيل لا علاقة لها بالموضوع المطروح. إن انتخاب المرشحين أو اتخاذ القرارات يعد اختراعا جديدا أوجده البيض وهي عملية تقض مضاجع النافاجوز Navagos المعمرين وذلك لانهم اعتادوا اطالة مدة المناقشة من اجل الوصول إلى إجماع في اتخاذ قراراتهم أو من إجل ايصال الخصوم إلى قناعة بعدم اهمية أفكارهم والتوقف عن المطالبة أو التعبير .

ويجب في النهاية أن ينظر إلى اللغة من خلال الوظائف التي تؤديها بالنسبة إلى الفرد أو إلى الجماعة. فاللغة وفقا لذلك المنظور تعد أداة أساسية لابد منها كي يحقق الفرد تكيّفه مع الجماعة التي يعيش فيها: فاللغة هي التي تتيح للفرد أن يتمثل المفاهيم والافكار والتصورات الاجتماعية. وهي بالإضافة إلى ذلك تؤدي وظائف متعددة أكثر خصوصية. إذ هي بمثابة فعل اجتماعي يسعى إلى تحقيق غاية محددة تحقق للفرد هويته الاجتماعية. وفي هذا الخصوص يرى علماء النفس الذين يعتمدون التحليل العاملي في أبحاثهم وجود عامل شفوي - V -إلى جانب عامل الذكاء - G - ويضاف إلى ذلك عامل اخر يطلقون عليه اليسِر اللفظي Aisance verbale. وهم في هذا السياق يعترفون بوجود استعدادات متباينة بين الأفراد.

لقد أكد برت Burt على أهمية وضرورة البحث عن عوامل اخرى، فأسباب الصمت الذي يوجد عند طفل قد تعود إلى انخفاض مستوى الاثارة العاطفية لديه أو لأنه يعاني من كبت شديد، وقلما يعود ذلك إلى وجود استعداد Aptitude شفوي منخفض. والطفل الثرثار من جانب آخر هو طفل تعرض للتشجيع وقلما تعرض لعملية الكبت .  فاللغة لا تعبر عن الشخص فحسب بل تمكنه من اكتساب قيمته الاجتماعية. وفي هذا الخصوص تبين الدراسات الجارية أن الأسئلة التي يطرحها الأطفال في عمر الخامسة من العمر لا تهدف إلى إشباع فضول الأطفال فحسب بل تسعى إلى إثارة اهتمام الراشدين.

خاتمة:

لاحظ ديرو Dirot ان  الناس يحبون الحديث وهنا يكمن جانب من جماليات الإنسان. فاللغة تتيح لنا أن نفرض وجودنا على الآخرين كأشخاص ونجعلهم ينصتون الينا ، وتمكننا من أن نستحوذ على اهتمامهم ، ونجعلهم  يستجيبون لنا. وندفعهم عن طريق اللغة ايضا إلى المشاركة في المسائل التي تشغلنا، والاستماع إلى ما نريد قوله. ومن هنا يمكن لنا أن ندرك الدقة النسبية للتنظيم الذي يوجه التبادل الشفوي بين الأفراد .  ويمكن لنا هنا أن نجد بعض الملاحظات تتعلق بالنموذج النفسي للمتحاورين: فالثرثار على سبيل المثال، مهما يكن أمره، يحاول أن يفرض نفسه على الأخرين لأنه يشعر بالحاجة إلى تأكيد ذاته الواهنة .

وتتضمن اللغة أخيرا وظيفة علاجية على المستوى النفسي، فعندما يكون العنف الجسدي ممنوعا، فإن السباب والشتائم تصبح بديلا عنه، فالثرثرة المنزلية والنميمة بين الناس وروح التمرد تشكل ضرورة اجتماعية غير معروفة، إذ تعيد إلى الشخص اعتباراته القيمية أمام أعين الآخرين، وتعزز تقدير الذات ، وهي تعوض أحيانا عن حاجات نفسية متنوعة. واللغات الخاصة مثل اللغات العامية تؤدي هذه الوظائف، فالعامية تؤدي وظائف علاجية نفسية واجتماعية، وهي في النهاية تستطيع أن تخفف من طاقة النزعة العدوانية عند الأفراد وتخفض مستويات السلوك المباشرة ، وتعزز وجود الجماعات المغلقة، وتسمح للشخص ان يعبر عن انتمائه وميوله ورغباته.

 

علي اسعد وطفة

كلية التربية – جامعة الكويت

..................... 

هوامش ومراجع

Charles Horton Cooly , " Social organization ; A study of the. 1909 , lagrge mind , New yourk , Scrib-ners

Pierre Henri , " Les aveugles et la societe", P.U.F., ,.1958 Paris

Geroge A.Miller, "Langage et communication",trad. fr., Paris. 1956 , .P.U.F

A.Meillet , "Linguestique historique et linguestique .1921 , generale , Paris , Champion

Marcel Cohen," Pour une sociologei du Langage,Paris,Allin. 1956 , Michel

 

 

محمد كريم الساعديإنَّ حقيقة اشتراك معارف أخرى في بعض حدود علم التاريخ لإيجاد مشتركات بحثية في حياة الأنسان، منها ما قدمته الفنون في بدايات التجارب الأولى، قد أستفاد منها المؤرخ في زوايا معينة من هذه التجارب لتدوين بعض الحقائق من جهة ودعم مفردات أخرى عاش عليها الأنسان قد تصلح في توجيه مسارات تاريخية متداخلة مع هذه المعارف، كذلك الأنثروبولوجيا وصيغها المعرفية واشتغالها في مفردات الحياة اليومية للمجتمعات البشرية الأولى،أو ما لحقتها من مفردات أخرى ساهمت في دعم صور التاريخ، على اعتبارها مشتركة أيضاً مع مسارات مهمة حددت حقائق تاريخية مثل الرسوم والكتابات الأولى على جدران الكهوف وطرق الصيد التي دونت في فجر بدايات التجارب الفنية البكر،أو ما انتج من طقوس فيها ملامح للفنون هي مشتركة بين المسارات الأنثروبولوجية والتاريخية، وكذلك فن السير وغيرها من المشتركات مع العلوم والفنون الأخرى، " فالتاريخ مثلاً لا يعني بتدوين جميع الحقائق الخاصة بالحياة البشرية . فهو يترك حقائق الحياة الأجتماعية في المجتمعات البدائية ليستخرج منها علم (الأنثروبولوجيا) قوانينه، ويتخلى الى (فن السير)،أو (التراجم) عن الحقائق الخاصة بحياة الأفراد – على الرغم من أن حياة الأفراد جميعاً تقريباً تتصف بالأهمية والقيمة اللتين تجعلانها تستحق التسجيل، لم يكن أصحابها قد عاشوا في المجتمعات البدائية بل في أحد المجتمعات المتحضرة التي تعدّ، كما هو المتعارف، ضمن دائرة التاريخ . هكذا فإن التاريخ يعنى ببعض حقائق الحياة البشرية وليس كلها "(1). غير أن المشتركات هي فعلاً تشكلت من حدث مادي في حياة الإنسان، مما جعلت الحوادث المادية تعطي لدراسة التاريخ بعدها الأنطولوجي الذي يحسم العديد من الرؤى، وقد تكون بعيدة عن التطبيقات الفعلية لفهم الأنسان والتجربة التاريخية معاً " وهكذا يصبح التاريخ حسب هذه النظرة، عبارة عن سلسلة من الحوادث الناتجة عن شروط الإنسان المادية، وموقفه منها، لأن هذه الشروط تتبدل وتتعدل تبعاً لإدراك الإنسان نفسه، كما أنه لا يجوز النظر الى الحياة والتاريخ من زاوية خارجية تقيد حرية الإنسان "(2) وتفرض عليه سياقات خارج عن ماديته التي أسهم بها الفن في شكل أساسي في تدوينها والتي شكلت منها أحداث التاريخ، والتدوين ليس فقط الكتابة، أي أدوات الكتابة، لكن مفهوم التدوين هنا يتعلق بالكيفية التي مارس بها الفنان صياغة الأحداث المختلفة التي انتجت تاريخاً كتب من خلاله الممارسات التي قام بها الفنان نفسه منذ اللحظة الأولى لتشكيل وعيه بالتاريخ وبالحياة بمختلف صورها .

إذن، من أجل أيجاد فهم للتاريخ، لابدّ أن يتكون أطار مفاهيمي لدى الفنان يكون فيه قادر على إيجاد صيغ تواصل مع أفق تشكيل المنظور التاريخي لكل الحوادث والأفعال التي شكلت وعيه وأساليبه في الحياة، من يدوّن التاريخ بشكل مباشر ليس كمن يكتبه عن بعد، وتقع على عاتق الفنان أن يكون واعياً ويمتلك فهماً لما سيدوّن عنه حتى لا يأتي من يكتب مسار أخر للوقائع أو يبدل صورها التي حاول الفنان تجسيدها من خلال عمله عليها، بل يبقى نتاجه من يعبر عن القيمة في الوعي الجمالي للتجربة التاريخية الدالة التي من الممكن أن تتكرر في صورتها الجمالية بوصفها مقياس نوعي في تجارب أخرى مشابهة من حيث الوعي الجمالي لكن بتفرد عن سابقاتها، أو ما يأتي في طريقة إنتاج العمل الفني ذات التجربة التاريخية بعمل الفنان ذاته كون " ما يعنيه تزامن الوعي الجمالي في هذا الصدد هو أن أعمال الحقب التاريخية المختلفة يمكن أن تكون موضوعاً لنفس التجربة الجمالية، لأن المسألة هنا تتمثل في أن نحيا مرة ثانية هذه الخبرة والتعبير"(3). من الضروري أن يتشكل الوعي الجمالي للفنان بآفاق معرفته ومرجعيات تشكيل وعي متقصد للتجربة الإنسانية التي عاشها، فالفنان بإعتباره إنسان له شخصية معنوية ولتاريخه ايضاً شخصية تكتسب وجودها من وجوده وتكاملها من فهمه، حتى لا يكون تدوّينها غير سليم من الذي يدوّن لهذه التجربة عن بعد،أي من خارج أطار التشكيل الذهني للتجربة، الذي يجزئها ويضيف لها ما يشاء من مفاهيم قد تبعدها عن حدودها وطبيعتها التي شكلت وجودها، فالأمانة تفرض على من يقرأها أن يفهمها على وفق أطارها الواقعي وفهمها السليم وتدوّينها على وفق تصورات واعيه بها دون اضفاء أمور أخرى عليها، هذه التجربة الفنية في أطارها التاريخي تصبح أشبه بالحادثة التاريخية، التي تفهم في ضوء فهم طبيعة التاريخ الذي ينطلق من معنى " فهم لكل حادثة تاريخية بعد أن نجمع أجزاءها، وندرس مناخها والعوامل المكوّنة لها والشروط الضرورية لبروزها . علينا أن نفهم معناها، دون أن نكتفي بالسرد، فالحادثة التاريخية هي بذاتها شخصية تاريخية متكاملة ولها وجودها وحياتها ومقوماتها، ولا يجوز تشويهها وتحريفها والحكم عليها بمفاهيم قبلية ومأخوذة من عصرنا نحن "(4)وليس من عصر الحادثة ذاتها . من يحاول أن يطبق مفاهيمه المعاصرة على أي حادثة في بعدها التاريخي وفهمه المعاصر لها سيكون هذا التطبيق محمل بانحيازيات ستغير من المضامين الحقيقة للواقع في أطارها الزمني، فالحادثة التاريخية لها شخصيتها وكيانها وواقعها الذي لابدّ من التعامل وفقه والتفاعل من خلال استحضاره في لحظة ممارسة التطبيقات التي تفسر شكل الواقعة ونظم تشكيل صورها الذهنية في عقلية المتفاعل معها، وليس على وفق ما يريده المتفاعل مع الواقع مما يسهم في الغاء الشكل التكويني لهذا الحدث التاريخي وتغيير ملامحه التي جعلت منه حدث مهم يراد مراجعته وفهم مضامينه وأثره في الوقت الحاضر.

إذن،فلا بد من توضيح الفرق بين ثلاثة اساليب من الممكن أن تغير تفسير الحادثة وتؤثر عليها، اذا لم نستخدم الاسلوب السليم في الفهم للحادثة التاريخية في هذا المجال، ويعطي (أرنولد توينبي ) في كتابه ( بحث في التاريخ ) تبيان لهذه الأساليب ويقول: " يوجد ثلاثة أساليب متباينة للنظر في أغراض تفكيرنا والتعبير عنها وعرضها، ويدخل ضمن هذه الأغراض ظواهر الحياة البشرية . فأول هذه الأساليب تمحيص الحقائق وتدوينها، والثاني توضيح هذه الحقائق بقوانين عامة يتوصل اليها بالبحث في تلك الحقائق بحثاً مقارناً، والأسلوب الثالث (إعادة خلق)، هذه الحقائق أو تجديدها تجديداً فنياً على هيئة قصة خيالية . والمفروض عموماً أن تمحيص الحقائق وتدوينها هو أسلوب التاريخ، وأن الظواهر ضمن هذا الأسلوب هي الظواهر الأجتماعية من الحضارات . وإن استخراج القوانين العامة وتفسيرها هو أسلوب العلم، وأن العلم المختص بدراسة الحياة البشرية هو (الانثروبولوجيا)، أما الظواهر الداخلة في منهجيه العلمي فهي الظواهر الاجتماعية في المجتمعات البدائية. وأخيراً فإن الخيال هو منهج (الدراما ) والقصة أو الرواية، وأن الظواهر الداخلة ضمن هذا المنهج هي العلاقات الشخصية بين الكوائن البشرية "(5). هذه الاساليب الثلاثة التي يشير اليها (توينبي) تحدد طبيعية الفهم في مجال التاريخ والتمييز بين الفهم التاريخي للتاريخ والحادثة التاريخية، وبين اسلوبين أخرين لهما تقارب مع هذا الفهم للأشخاص الذين يحاولون دراسة التاريخ دون تحديد الأسلوب المختص بالدراسة التاريخية، كون أن هذا التقارب يجعل من غير المختص في التمييز بين الأساليب الثلاثة يذهب الى تطبيق مفاهيمه القبلية على الحادثة التاريخية لاغياً شخصية الحادثة التاريخية لصالح ما يريد منها ذاتياً وليس الهدف الموضوعي الذي جعل من الظاهرة محل دراسة ونقاش في مجالها . يريد (توينبي) من المشتغل بهذا المجال أن يعمل مثلما يعمل صاحب الحفريات بدقة في استخدام الادوات البحثية والتفريق بين ما هو مادة أثرية لها عمقها في الدلالة التاريخية البعيدة، وبين ما هو مزيف من الممكن ان يقلد ويدفن في نفس المكان المراد تنقيبه، والتحديد والتمييز يأخذه المشتغل في فهم التجربة التاريخية والحادثة التي وقعت وابعادها من خلال (تمحيص الحقائق وتدوينها )، لأن العملية تكون الاسلوب الأمثل لدراسة الحادثة،أو تلك للوصول الى الفهم التاريخي لها .

وباختصار فأننا نحدد الآتي في هذا المجال من خلال الاقتباس السابق لـ(توينبي):-

  • التاريخ وأسلوبه هو التمحيص للحقيقة التاريخية من أجل الوصول الى تدوينها كما هي بكل موضوعية بعيداً عما يعد معلومات قبلية قد تفرض على هذه الحقائق فتبعدها عن مسارها الطبيعي الذي وقعت فيه الحادثة التاريخية.
  • العلم وأسلوبه في استخراج القوانين العامة وتفسيرها لتوضيحها من خلال اشتغال هذه القوانين في تفسير الحقائق للوصول الى المقارنات البحثية الداخلة في هذا التفسير العلمي . ويشير الى أن هذا العمل يدخل في دراسة الحياة البشرية حتى أن كانت بدائية وتعود الى أقوام سالفة على وفق العمل الأنثروبولوجي في هذا المجال.
  • الدراما،أو القصة،أو الرواية وأساليب إعادة الخلق لهذه الحقائق،أو تجديدها في أطار فني يعطي المشتغل في هذا المجال تحويل الحقائق الى خيال للوصول بها الى منهج في طبيعة فهم العلاقات الشخصية بين الكوائن البشرية.

إنَّ قراءتنا لأفكار (توينبي) وتفحصنا لها تشير الى حقيقة واحدة وقعت في التاريخ أشتغل عليها ثلاثة من العاملين في مجالات ثلاثة (التاريخ، العلم، الفن) فأنتجوا ثلاثة أساليب مختلفة:

- التمحيص للحقائق وتدوينها .

-  القوانين من أجل المقارنة.

- وإعادة الخلق والتجديد من أجل الخيال) .

وكلها اتت من الحقيقة التاريخية التي وقعت فأفرزت عدد من الأتجاهات البحثية المختلفة،وعلى المشتغل أن يفقهها حتى لا يخلط بين ما ينتج عن الحقيقة التاريخية من أشياء تجعل المتتبع يضيع في فهم مفرداتها وانتماءاتها لتلك الحادثة .

إذن، يحتاج المتخصص في تمحيص الحقائق وتدوينها الى وعي بالتاريخ ذاته وأشتغالاته المعرفية وأدواته حتى يصل الى وعي تاريخي ينتج فهماً سليماً لهذا الأفق الممتد لحقائق التاريخ، والكيفية التي نخرج بها من أطار الزيف، " فالوعي بالتاريخ هو تجنيد الوعي في مشروع تمثل العالم في مجمل تحققه الزماني، أي امتحان قدرة التفكير على تشغيل ملكة التدوين والتحليل والاستقرار والاستنتاج التي ينعشها كوقائع، يبدو التاريخ هنا نقطة أساسية يرتكز عليها كل وعي يروم العمق والشمول لأنه يغذي ذلك الوعي بالإحالات التي تسعف فيه المقارنة والتأمل وسائر العمليات المعقدة التي تنتج الفكر"(6). فالتدوين الذي يستند الى العمق التاريخي يفتح الوعي الى آفاق أخرى بعد أن تثبت التجربة التاريخية بوصفها حقيقة قائمة في ذاتها تدعم في تشكيل الوعي في الحادثة التاريخية ذاتها وتعطي العقل امكانية التحليل ولاستنتاج حتى يثبتها بوصفها وقائع تاريخية لها حدودها وتحويلها من ماضيها الى حاضر تكون فيه حية في بثها للتجارب التي يستفاد منها الأنسان في حياته وفي وعيه من خلال التأمل الذي ينتج فكراً، ومن خلال المقارنة التي ليس كما قلنا سابقاً في استخداماتها العلمية، لا بل في طبيعتها مع الأحداث التي تقع في وقتنا الحاضر وكيفية استلهام التجارب منها في استخلاص الجيد من الرديء من هذه التجارب التاريخية على وفق الوعي التاريخي بها وأهم ما يقدمه التاريخ من مداخيل معرفية لتطوير وعي الأنسان بماضيه وحاضره من أجل الأبتعاد عن الأخطاء التي وقع بها من هو قبله .

إنَّ صياغات الوعي بالتاريخ وأعادت بث التجارب تجعل من الفرد العامل في مجال التاريخ قارئاً يمتلك مقومات النقل الواعي بما هو منقول في الوقائع التاريخية، ومن الممكن أن يكون أيضاً فنان في عملية تقديم هذه الحقائق، فالفن صناعة الأحداث التي قد ترتبط بالخيال بشكل كبير، والمؤرخ قد يعطي للفنان ملكة المساحة الواعية بالتاريخ بوصفه حوادث لها أطرها في المجال المعرفي على المستوى الوعي، فكلاهما داعم للأخر من صنع الماضي في جزئه المتخيل هو الفنان ومن قدم المادة في شخصيتها الواقعية هو المؤرخ، وكلاهما يعملان في مجال أبداعي يتشابه في بعده الواعي في التجارب المعرفية المقدمة، لكن يبقى العمل في مجال التاريخ يصنع مبدعاً في ايجاد ارضية من الأحداث التي يستقى منها كل من الفنان والعالم وغيرهما، وبذلك يكون المؤرخ فنان ايضاً كونه يصنع هذه الارضية والمائدة المعرفية التي يمحصها من الماضي .

إنَّ التشابه بين النشأة الأولى بالنسبة التاريخ بوصفه مجال ابداعي للمؤرخ يكون قريباً الى نشأة مجالات ابداعية أخرى ساهمت في الاستفادة من التاريخ وأفادته أيضاً كونها أصبح وسيلة ناقلة أيضاً لهذه الوقائع التاريخية،أو داعمة لبعض من أحداثها التي قد تكون قد وقعت لكن الدهر قد شوه بعض من ملامحها، وكل من التاريخ بوصفه سرداً للوقائع، والملحمة بوصفها سرداً لأحداث يحتمل صحتها من جوانب أخرى فيها تدعم التاريخ، ويقع التشابه في النشأة، فنشأة " التاريخ مثل (الدراما) والقصة من (الميثولوجيا) (الاساطير)، وهي شكل بدائي في التعبير والإدراك يكون فيه الحد بين الحقيقة والخيال مختلطاً غير واضح (...) فمثلاً لقد قيل إن من يشرع في قراءة (الإلياذة) على أنها تأريخ يجدها ملأى بالخيال . ولكن يصح القول أيضاً أن من يشرع في قراءتها على أنها خيال يجدها ملأى بالتاريخ . وتشبه جميع التواريخ الإلياذة الى حد الذي لا يستطيع فيه (هذه التواريخ) أن تستغني عن عنصر الخيال بالمرة . وأن مجرد أختيار الحقائق وتنظيمها وعرضها لهو أسلوب يعود الى حقل القصة والخيال، وأن رأي الجماهير مصيب في تمسكه بأنه ما من مؤرخ يستطيع أن يكون (مؤرخاً) عظيماً إذا لم يكن كذلك (فناناً) عظيماً "(7)، في صنع مادة معرفية من يقرئها ويمحصها يكون قادراً على أن يقدمها من خلالها قيمة معرفية تضاهي عمل الفنان العظيم في مجال ابداعه . فالفنان مصمم مبدع في وعيه الإبداعي، والمؤرخ أيضاً صانع مبدع في وعيه التاريخي، بين الوعي الإبداعي والوعي التاريخي تشابه كبير في صنع التجارب المعرفية بين التمحيص لدى المؤرخ وإعادة الخلق لدى الفنان.

من طبيعة التواصل المعرفي بين القارئ سواء أكان مؤرخ أو فنان مع التاريخ يسير وفق حاجة قد تفرضها التجربة التاريخية،أو موقف الفرد من هذا التاريخ في أيجاد ما يتلاءم مع احتياجاته لتجربة تاريخية ما، وأن تنطبق على مواقف معاصرة من أجل الدلالة على من يؤيد مواقفه تجاه هذه القضايا المعصرة، أو قد تكون لحاجات أخرى يسعى من يعمل في مجال التاريخ الى ايجاد ضالته في البحث بالحقائق الماضية وكيفية صياغة تجارب جديدة تفيد في هذا المجال الذي يسعى من ورائه الى أثبات ذاته من خلالها، ولكن ليس على حساب موضوعية الحقيقة التاريخية . إنَّ الوعي التاريخي لدى الفرد لابدّ من الوصول الى ما يهمه من البحث في الحقائق التاريخية من أجل اثبات ما يريده،أو تقديم وجبة معرفية للقارئ من وراء بحثه في التاريخ . فالحياة هي تاريخ مسطّر لا ينتهي وكأن الحياة هي ماكنة لأنتاج التاريخ، والفرد يبحث فيها وفيما تنتجه من حقائق تاريخية لابدّ من دراستها . فالعملية لا تخلو من "أن الحياة بحاجة الى التاريخ: هذه الحقيقة لابدّ من الوعي بها، ولابدّ في نفس الوقت من الوعي بمبدأ (...) وهو أن الإفراط في التعلق بالتاريخ يضر بالأحياء. إنَّ التاريخ يهم الأحياء لأسباب ثلاثة: لأنهم أولا ناشطون وطموحون، ولأنهم ثانيا حريصون على المحافظة على الأشياء وعلى حب التقديس، والسبب الثالث لأنهم يتألمون ولابدّ لهم من الخلاص "(8)، وطبيعة الفرد يسعى الى العمل المستمر من أجل اثبات ذاته،مما يجد في التاريخ وحوادثه دفعة نحو العمل الطموح من خلال استلهام ما يمكن أن يفيد من التاريخ، كما هو الحال في الحوادث التاريخية التي تخص المفاصل العلمية من اكتشافات،واختراعات وغيرها في مجال الطب، أو الهندسة،أو الفيزياء،أو حتى العلوم الإنسانية .   وكذلك فإن البحث في اهتمام الفرد بالتاريخ قد يكون لحرصه على الرموز الموجود فيه،أو حوادث أعطته امتداد حقيقي لوجود عمل على أحياء التاريخ بجدية مستمرة حتى يؤكد وجوده في ظل العمل على التغيرات التي تحصل على مستوى أثبات أو محو الهويات المحلية، مثال على ذلك: في الوقت الحاضر نلاحظ ابناء الأمة العربية دائماً ما يتغنون بالماضي الذي كان قد جعلهم في وقت ما في ريادة العالم، مقابل ما يتعرضون له اليوم من محاولات لمحو الهوية العربية مقابل الهيمنة الغربية على العالم . وتوجد أمثلة أخرى كثيرة في هذا المجال من الممكن أن يسوقها من يعمل على تعميق هذا الموضوع على مستوى الفرد،أو الجماعة . أو قد يعمل الانسان على الهروب الى الماضي الذي يجد فيه مساحة جيدة لتجارب ناجحة قام بها أسلافه جعلته من الذين ينغلقون عليها بسبب أخفاقات الحاضر المعاش الذي قد يتسبب بأزمة أثبات وجود قد تزحزح عن جادة الصواب نتيجة للظروف التي يعيشها الأنسان في وقته الحاضر، ونلاحظ عند بعض كتاب القصة، أو الدراما، وغيرهم دائماً ما ينغلقون على الماضي للخلاص من الحاضر باستحضار الموقف التاريخية دائماً بوصفها نوع من الخلاص في هذا المجال، كاستحضار شخصية البطل الذي يعمل على تجسيد صورة المنقذ في مواقف معينة، وفي الأدب أمثلة كثيرة ومنها ما حفل بها الأدب اليوناني في الألياذة وحروب طروادة، لكن الانغلاق على حقيقة البطل اليوناني المخلّص جاءت نتيجة لغائية تاريخية عمل على الاستفادة منها في دعم اثبات الهوية على المستوى الثقافي في تأكيد تاريخية المرجعيات الغربية، وكذلك على البعد الجمالي للهوية الاغريقية باعتبارها الهوية المؤسسة للذات الغربية في هذا المجال، وكما سنتناولها في الفصلين القادمين .

 

أ. د محمد كريم الساعدي

............................

المصادر

1- أرنولد توينبي: بحث في التاريخ، المجلد الأول، ترجمة: طه باقر، بيروت: الفرات للنشر والتوزيع، 2014، ص104.

2- د . حسين محمد سبيتي: أعلام فلسفة التاريخ، بيروت: المكتب العالمي للطباعة والنشر والتوزيع، 1996، ص47.

3- هشام معافة: التأويلية والفن عند هانس جورج غادامير، الجزائر: منشورات الأختلاف، 2010، ص176.

4- د . حسين محمد سبيتي: نفسه، ص59.

5- أرنولد توينبي: بحث في التاريخ، المجلد الأول، نفسه، ص 103.

6- د. عبد الله عبد اللاوي: حفريات الخطاب التاريخي العربي (المعرفة، السلطة والتمثلات)، الجزائر: أبن النديم للنشر والتوزيع، 2012، ص 19.

7- أرنولد توينبي: بحث في التاريخ، المجلد الأول، نفسه، ص 104.

8- د . الهادي التيمومي: المدارس التاريخية الحديثة، بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 2013،ص29.

 

 

حاتم حميد محسنان الطبيعة الكلية للعالم هي الفوضى الأبدية، ليس بمعنى افتقاره للضرورة، وانما في الافتقار للنظام، البناء، الشكل، الجمال، الحكمة وكل ما يمكن ان يمتلكه الانسان من افكار جميلة .. علينا الحذر من ان ننسب له القسوة واللامعقول او أضدادهما: انه غير كامل ولا جميل او نبيل، وليس لديه الرغبة ليصبح أي من تلك .. انه لايعرف أي قانون. لنحذر من القول ان هناك قوانين في الطبيعة. هناك فقط ضرورات. لايوجد هناك من يأمر، لا احد يطيع، ولا وجود للمتجاوز.. لنحذر من القول ان الموت هو المضاد للحياة. الكائن الحي  ليس الاّ نوعا من الموتى، وهو نوع نادر جدا.(نيتشة)

الاقتباس أعلاه يلخص النظرة الحديثة للكون ، وهي نظرة يشترك بها تقريبا الكثير من الناس اليوم. بالتأكيد جرى التعبير بصراحة كبيرة وقسوة أكبر مما يحرص الناس التعبير عنه. لكن هذه الرؤية الباردة والفارغة والفوضوية للطبيعة النهائية للأشياء هي الصورة الأساسية للعالم الحديث. انها الحجر الاساس الذي بنى عليه القرن العشرون رؤيته عن الكون، وانها توضح عدة أشياء حول الطريقة التي يشعر ويتصرف بها الناس في االغرب في القرن الماضي .

ان الطريقة التي نرى بها الكون هي ليست منفصلة عن الطريقة التي نرى بها أنفسنا. اذا كان كوننا فوضويا وبلا معنى، كيف يمكننا ان نكون منسجمين وتكون حياتنا ذات هدف؟ اذا كان كوننا باردا وفارغا،  كيف يمكن لنا ان نعيش بطريقة ذات معنى؟

كل الناس التقليديين رأوا الانسانية والكون باعتبارهما مترابطين راديكاليا، والراعية (maid) نفسها هي "كون جزئي" او "كون صغير" والعكس صحيح ايضا في ان الكون نفسه هو بالنهاية أقرب لأنفسنا. كلمة "عالَم" تعني بالأصل "الانسان العظيم"، وبالطبع، في الاوقات المبكرة، جرى تصوّر الراعية الكونية كأنثى. نحن والكون مرتبطان بفكر تقليدي، ومن نفس الجوهر ونفس المادة. كلانا مدركان وكلانا نعني نفس الاشياء.

الرؤية الحديثة

وعلى عكس ذلك، طبقا للرؤية الحديثة، نحن لسنا الاّ صدفة في اتساع الكون،  ربما لم نكن، او ربما كنا بطريقة مختلفة جدا. ضمن المجرات اللامتناهية  لسنا الا نقطة ضئيلة، وضمن الأفاق اللامتناهية للزمن الكوني، فان تاريخنا كله، والماضي ، والحاضر والمستقبل ، ليس الا لحظة، انه غريب بالنسبة لنا، لايعرف اي شيء عن قيمنا او طموحاتنا، لا يعرف اي شيء، هو في الحقيقة  ليس الاّ مادة عمياء عديمة الإحساس، وعرضي وبلا معنى كأنفسنا.

عندما تخسر الراعية اهميتها في الكون، ويخسر الكون اهميته تجاهها، فان العديد من الاشياء الاخرى ستضيع ايضا. وحتى وقت متأخر تجسدت الراعية ذاتها في معرفة انها كانت كون صغير، وان ذلك انعكس في كل حركة قامت بها، وكل كلمة نطقت بها، وكل ملابس ارتدتها وكل ما احاط بها من الاشياء .

إرسم الراعية في اللحظة الحاضرة، في ملابس فضفاضة ومرتخية، تكافح دائما لأجل الغريب والشاذ، او اي شيءآخر لأجل الطارئ واللامبالاة. الا تمثل تلك صورتها عن الكون؟ كونها بلا هدف، عرضية، فوضوية، بلامعنى؟ ربما قميصها يحكي بعض النكات المبتذلة أو يعلن عن منتج تجاري. لماذا لا؟ أي احترام هي تطمح اليه، نقطة طارئة عائمة للحظة قصيرة في عالم الغبار العشوائي؟

ملابسها هي ملابس الإحباط والسخرية من الذات. حياتها، تجردت من جميع مصادر المعنى والانسجام، اصبحت تجوالا دائما بلا هدف تتحفز فقط بالرغبات المصطنعة اللامتناهية التي يفرزها النظام التجاري، وبواسطة تلك الرغبات التي نشترك بها مع الكلاب والقطط،  رُفعت الى منزلة الكلاب وتحفزت بكل الوسائل المتوفرة للاتصالات الواسعة.

وعندما يتفكك كوننا من الكل الموحد والهادف، الى مجموعة من الأشياء المنفصلة بمسافات مبهمة في الفضاء الأسود البارد، كذلك نسيجنا الاجتماعي يكون مهلهلا، وروابط الولاء والحب و التقاليد والثقة تصبح رخوة، تاركة كل فرد في وحدة منعزلة باستمرار يدافع عن نفسه في عالم بارد ومنعزل.

العديد من النتائج الاخرى تبرز من هذه الرؤية الجديدة للعالم كشيء فارغ وبلامعنى أقلها فقدان إحساسنا القديم بالمسؤولية نحو العالم. اذا كنا لا شيء بالنسبة للعالم والعالم لا شيء بالنسبة لنا، اذا كانت الراعية ليست عالما صغيرا، ولا العالم راعية كبيرة، لماذا يجب علينا ان نتعامل معه باحترام؟ لماذا يجب ان لا ننهبه ونحطمه؟ عندما تتلاشى روابط المعنى والولاء ورقصة التناغم الأبدي، ستبدو حتى المحافظة على الذات ليست كافية لمنعنا من قطع الغصن الذي نجلس فوقه.

نحن ربما نظن انفسنا كحيوانات، والحيوانات هي مجرد مكائن مبرمجة لأجل البقاء،  لكن عندما يكون بقاء الحيوان هو كل شيء، وعندما تُنتزع منا عقائدنا وحوافزنا التي هي دائما خاصية انسانية ، سيتضح اننا لسنا جيدين جدا في كوننا حيوانات، ولا نهتم كثيرا حتى بالبقاء ذاته.

ولكن حتى لو اتفقنا اننا افضل حالا مع كون عاقل، كون يعكس الراعية ذاتها ذلك لن ينفعنا لو لم نستطع الايمان به كحقيقة.

العديد من الناس اقترحوا انه من الأفضل للانسانية الرجوع الى بعض اساطيرها ومعانيها المبكرة لكي تنهي فراغ وفوضى العالم العرضي العشوائي. هذه الاقتراحات هي ذاتها بلا هدف. نحن لا نستطيع اختيار الايمان بشيء  نحن نظن انه غير صحيح. لا نستطيع إمضاء حياتنا عبر ممارسة الكذب الجميل. انه ليس من طبيعتنا.

اولئك المفكرون الذين حلموا باستعادة عالم الاساطير الذي نُظر اليه بعيون الأنثربولوجيا الحديثة او علم النفس قد اخطأوا الهدف كليا. علم النفس الحديث والانثربولوجي وضعا نفسيهما فوق الاسطورة ، يسعيان لتوضيح الانسان المتفوق (السوبرمان) بلغة انسانية،  ليختزلا ما فوق الطبيعة الى ظاهرة ثانوية لها.

اذا كانت الرؤى الاسطورية صحيحة، عندئذ فهي تكون اساسية. اذا كانت صحيحة، فهي تعطي توضيحات للثقافة الانسانية والذهن الانساني وليس العكس . واذا كانت غير صحيحة، فهي تكون لا فائدة منها لنا ولا لأي شخص.

الصورة الحديثة للكون تعرض نفسها كحقيقة. ليست جذابة او هادفة لنا، ولكن ببساطة هي صحيحة. تلك قوة كلمات نيتشة المقتبسة أعلاه. هذه الرؤية تدّعي انها أبطلت الرؤية السابقة وأنزلتها الى عوالم الفنتازيا القديمة الطراز. الكون الذي صُنع في صورة الراعية (او حتى العكس) كان انانية طفولية لنا. الآن نحن نعرف الحقيقة، سواء كنا نحبها ام لا. الكون هو غير مرتبط بنا ما عدى بمقدار ما نكون احد حوادثه اللامعدودة والعشوائية. ليس فيه رسالة لنا ولا معنى كذلك. هو غير مدرك وغير مدرك.هو فقط كائن وليس اكثر. نحن نعرف هذا كنتيجة لمعرفتنا المتفوقة. علومنا أثبتت ان كل العصور الاخرى خاطئة ونحن على صواب.

تلك هي الحكمة المعطاة من العالم الحديث. ولكن هل هي صحيحة؟ هل الرؤية العلمية العالمية الحديثة أثبتت بطلان الصورة المبكرة للكون الذكي؟ ان لم تكن كذلك، نحن ربما نرتكب خطأً جسيما. ربما ننتزع انفسنا من دعاماتنا النفسية، نزيح انفسنا من مكاننا الطبيعي في الكون، نسبب ضررا نفسيا غير معلن ليس فقط لأنفسنا، وانما للعالم الذي حولنا . نيتشة رأى بوضوح النتائج السايكولوجية لمثل هذه الثورة الداخلية:

"منْ أعطانا اسفنجة لتنظيف كامل الافق؟ ماذا عملنا عندما حررنا هذه الارض من شمسها؟ الى اين هي تتحرك الان؟الى اين نحن نتحرك حاليا؟بعيدا عن جميع الشموس.. الم نكن تائهين في العدم اللامتناهي؟ الا نشعر بشهيق الفضاء الفارغ؟ ألم يصبح اكثر برودة؟ الا تأتي المزيد والمزيد  من الليالي في كل الأوقات؟"

بالطبع، اذا كانت هذه رؤية جديدة فهي ببساطة صحيحة، نحن لا نستطيع عمل أي شيء تجاهها. الرؤية القديمة التي أعطتنا مكانا في كون متناغم وعطوف جرى إبطالها. نحن يجب ان نعيش مع الحقيقة الجديدة حتى لو كانت تفرغ قلوبنا وأرواحنا، حتى لو تحطم الروابط بيننا وبين الراعية ، تقتل إحترامنا لأنفسنا، تزيل حبنا للجمال والشفقة واخيرا تطفئ الرغبة باستمرارية الحياة.

اذا كانت الرؤية صحيحة وأبطلت الرؤية المبكرة فهل حصل ذلك حقا؟ سنبيّن هنا ان الرؤية التقليدية للكون لم يثبت بطلانها. الرؤية التقليدية؟ قد يسأل البعض اي رؤية تقليدية. بالتأكيد هناك العديد من الرؤى والعديد من الميثولوجيا والأديان قبل الحاضر. اي من الرؤى التقليدية نسعى لعرضها؟ نحن سنعرض الرؤية التقليدية لأنها هي الوحيدة حقا. انها صيغت بمختلف اللغات الروحية والرمزية في مختلف الثقافات، ولكن في جوهرها، هي ذاتها دائما وفي كل مكان .

سنفحص الرؤية التقليدية بشكلها النسوي السابق للصيغة الذكورية المعروفة في الثقافات التاريخية الحديثة. سنقوم بهذا لسبين. الاول لأنها الشكل الاقدم  والبدائي للفكر الانساني الكبير وثانيا، لأننا نعتقد ان المزيد من مشاكل العالم اليوم بما فيها خسارة ذلك التقليد، يكمن في التقييم المفرط للذكورية كمضاد للنسوية. نحن نتذكر حقيقة ان العديد من النساء اليوم يبحثن عن اجوبة للاسئلة التي تحطم حضارتنا، اجوبة يمكن توفيرها فقط عبر الحكمة التقليدية. غير ان رسالتنا ليست فقط للمرأة. في عالم جائع جدا للانوثة مثلما هو جائع للأبعاد العليا للحقيقة الاسطورية والرمزية،  نعتقد ان الرسالة اللازمنية لتقاليد الانوثة العالمية ستأتي كبلسم شفاء لكل من هو مستعد لسماعها.

الرؤية التقليدية

لنعود الآن الى سؤالنا السابق هل الرؤية التقليدية للكون جرى إبطالها وحلت محلها الرؤية الحديثة؟ لابد هنا ان نبدأ بالسؤال: ما هي الرؤية التقليدية؟ هذه الرؤية لدى الغرب الحديث هي التي نالت القبول طوال فترة القرون الوسطى والفترة الكلاسيكية وصولا الى ثورة كوبرنيكوس في القرن السابع عشر. طبقا لهذا النظام ، الارض تقف في مركز الكون،  هي كرة دائرية، وما ورائها هناك سلسلة من افلاك متحدة المركز، شفافة وبلورية. في كل واحد من تلك الافلاك هناك كوكب هو بالضرورة اله او ملائكة. اول هذه الافلاك التي اقرب الى الارض هو القمر ثم تأتي الزهرة وصولا الى سابع كوكب وهو كوكب زحل. بعد هذا يأتي عالم النجوم الثابتة وعالم السماء ذاته. الآن، هل هذه الرؤية للكون صحيحة ام زائفة؟ C.S.Lewis يشرح بوضوح الصورة التقليدية للكون في كتابه (الصورة المهملة) Discarded Image The (1) وهو متحمس جدا لجمالها وتناغمها،  مع ذلك هو يشعر انه مجبر للاعتراف انها ترتكز على ما اسماه "علم الفلك الانفجاري" وعلى فهم زائف "ما قبل العلمي"لطبيعة العالم الفيزيائي. هذا بالطبع، كان الإجماع العام للعالم المتعلم الحديث منذ القرن السابع عشر. ان الصورة يجب ان لا تُهمل ابدا. الاسباب التي رُفضت لأجلها كانت اسباب زائفة. كامل العملية ترتكز على سوء فهم بسيط لكنه جوهري، وان الراعية الغربية كانت غريبة عن كونها، عالمها متجرد من العمق والأهمية نتيجة لخطأ التفسيرات والالتباس. الصورة التقليدية للكون ما كانت مرتكزة على "علم الفلك الانفجاري"، لأنها لم ترتكز على علم الفلك ابدا. ليس لها مشتركات مع علم الفلك بالمعنى الحديث للكلمة – وهي محاولات لفهم الكون الفيزيائي على مستوى فيزيائي خالص.

هذا في الحقيقة بعيد عن الكتابات التقليدية حول الكون. عالم القمر او الذي تحت مجال القمراو الارض هو عالم الاشياء المادية، عالم التغير والاضمحلال،  وبكلمة اخرى، الكون الفيزيائي. كل شيء في التجليات الفيزيائية، اي كل شيء يُفهم بواسطة علم الفلك الحديث وبالعلم الحديث ككل – من اصغر الجسيمات ما دون الذرة الى أبعد المجرات بعدد لامتناهي من السنوات الضوئية - هو جزء من اول حلقة من الكون التقليدي. حالما نصل الى اقرب مجال سماوي وهو مجال القمر، نكون سلفا وراء العالم المادي ووراء كل شيء متميز لدى العلوم الفيزيائية.

القول بان الكون التقليدي انفجر بواسطة علم الفلك الحديث هو مشابه لمستوى الاستنتاج غير المنطقي الذي نجده في الكتابات الالحادية :"انا كدكتور استطيع التأكيد لك بعدم وجود حياة بعد الموت". الدكتور ربما يدّعي معرفة كبيرة في جسم الانسان قياسا بالانسان العادي. ولكن في الاسئلة التي تتجاوز العالم الفيزيقي هو ليس لديه ادّعاء اكثر من اي شخص آخر، وان ادّعاءه بان معرفته بمجال معين هي ضمان لتأملاته في مجال اخر هي ليست اكثر من نكتة ساخرة. صحيح ان إزاحة الكون التقليدي كانت اقل خداعا من احتيال الطبيب الملحد،  لكنه كان مرتكزا على التباس حقيقي اكثر من ان يكون على خداع متعمد، و النتيجة تبقى هي ذاتها.

مع تزايد الوعي المادي للعالم الحديث، جرى وبسرعة نسيان ان دراسة الكون يمكن ان تكون حول اي شيء عدى المادة الفيزيائية . كان الافتراض ان العلم التقليدي كان يحاول القيام بنفس الشيء كالعلم الحديث، لكنه يقوم بذلك بشكل سيء. لا اتفاق على ان الحكمة القديمة لها اهداف مختلفة كليا عن تلك الاهداف في العلوم المادية، وانه حتى عندما تبدو ظاهريا كذلك، فهي لاتدرس في الحقيقة نفس الأشياء (2). صحيح ايضا ان معظم القدماء تصوروا بالفعل الكون الفيزيائي وبنفس المقدار الكون الميتافيزيقي، اي، انهم فشلوا في رسم تمييز كافي بين البناء االملموس للكون ورموزه الفيزيائية الخارجية. كذلك صحيح ايضا انهم عرفوا القليل عن التفاصيل العملية للكون الفيزيائي قياسا بما قام به العلم الحديث. كل هذه النواقص هي نتيجة لحقيقة ان مستوى الوجود الخالص فيزيقيا لم يكن يهمهم كثيرا وان اهتمامهم الرئيسي كان في الحقائق العليا التي ترمز لها ظاهرة العالم المادي. من الطبيعي لأي ثقافة ان تكون جاهلة بأشياء تعتبرها غير هامة. اذا كان العالم القديم عاجزا في اسئلة الفيزياء المادية والفلك، فان العالم الحديث هو جاهل وبنفس المقدار في مجالات الميتافيزيقا والحقيقة الروحية.

من المهم ان نفهم ان تصورنا للكون يتم عبر توسط الحواس الخمس. نظريا، تلك الحواس يمكنها ان تتعدد عدة مرات. لاحدود هناك لعدد الحواس التي نمتلكها مبدئيا. يتبع ذلك، ان نسبة الكون القابل للادراك لتلك الحواس الخمس هو فقط نسبة ضئيلة جدا من الواقع الكلي. اذا كانت حواسنا متعددة، نحن يجب ان نندهش بالضخامة المرعبة للكون: منسحقين، محطمين، مجتاحين بالاتساع الرهيب المتعدد الأبعاد غير القابل للتحمل"الكائن الانساني لايستطيع تحمل الكثير جدا من الحقيقة".

هذه النسبة القليلة الآمنة من الكون التي خُصصت لنا – هذا العالم من الحواس الخمس – هو في ذاته فعل للرحمة، تجسيد لشفقة امنا الكبرى. الطيبة والشفقة مندغمان في نسيج الكون، وان رؤية نيتشة للكون الفارغ والبارد والذي بلا معنى هي رفض سخيف لتلك الطيبة ، لأن فهمه ارتكز على سوء فهم عميق لمكاننا ضمن طبيعة الاشياء.

لو تصورنا مخلوقا صغيرا يمضي كامل حياته على طاولة في غرفة. سطح الطاولة هو خريطة للعالم. الطاولة، وكل الغرفة تمثل عالم الحواس الخمس. هذا المخلوق تعلّم منذ البداية ان الخارطة التي على سطح الطاولة هي صورة للعالم، وانه عبر دراستها هو ربما يعرف العالم وذاته. الآن لنتصور في يوم ما هذا المخلوق ينسى التقليد الأصلي ويقرر ان يتعلم اكثر مما تبيّن له الخارطة. هو يقوم بصنع  تلسكوبات ووسائل اخرى وحالا  يجد انه يستطيع النظر الى النهايات البعيدة للغرفة. هو يتعلم عدة اشياء لم تتضمنها خارطة العالم. هو يتعلم عن طاولات ومقاعد ، بساط وحتى من مسافة بعيدة يرى الشباك والباب، رغم انه غير متأكد تماما ماهية تلك.

هو الان يحتقر خارطته ويعتقد انه يعرف الكثير حول العالم قياسا بأسلافه السذج الذين آمنو به. هو اكتشف اشياء لا تُعد ولم يحلم بها ابدا. ولكن ما لا يعرفه هو انه وراء هذه الغرفة توجد غرف اخرى، وراء كل تلك الغرف بيت آخر وعدد من البيوت الاخرى في نفس الشارع ومئات من الشوارع الاخرى في المدينة، مئات من المدن الاخرى في البلد، ومئات من البلدان الاخرى في العالم – وليس فقط بلدان، وانما بحار واسعة وغابات وصحاري وكهوف تحت الارض  ومناطق قطبية والكثير. كل هذه الاشياء تُرى على الخارطة التي على سطح الطاولة،  الخارطة التي هو يعتقد الآن ان تكون "مطلقة" بسبب معرفته الجديدة المتفوقة المكتسبة عبر النظر الى غرفة منفردة من بين تلك الحصة من الكون المرئي للحواس الخمس.

 بالتأكيد هو يعرف اشياءً لم يعرفها اسلافه لكنها تشكيلة عشوائية من الأشياء – مثل الاشياء التي صادف حدوثها في تلك الغرفة المحددة، والتي هي قريبة بما يكفي لرؤيتها او سماعها بوضوح. انها ليس لها معنى معين لأنها اختيار عشوائي ولذا تبدأ رؤية نيتشة - الافتراض بانه، بسبب كون الاختيار المحدود للواقع المتاح لحواسنا الخمس عشوائيا، كذلك الكون ذاته بلا معنى وبدون نموذج. هذه الرؤية النيتشاوية، ذات الخواص المرعبة تدفعنا لنرى ان كانت حواسنا متعددة الى النقطة التي يمكننا ان نرى اي شيء. نيتشة ذاته اصيب بالجنون . معظم العقول الصغيرة تبقى عاقلة لأنها لا تواجه الآثار الكاملة لما تعتقد.

ولكن لماذا من غير الممكن لنا رؤية الكون الكلي؟ ذلك بسبب اننا في حالتنا الراهنة ضعيفين جدا لرؤيته. الراعية لديها القدرة لرؤية الكل، المطلق واللامتناهي – الاله، فيه الكون الكلي يمتلك وجوده. لكن رؤية الاله هو بالضبط ما ابتعدت عنه الانسانية . انكشاف الكون الكلي الآن سوف يعرّضنا الى حمولة هائلة من الطوارئ – شيء مثل كون نيتشة متعدد بملايين ملايين المرات اللامتناهية: فوضى بأبعاد متعددة لامتناهية لا تتوفر فيها الحماية لأرواحنا،  ذلك ليس بسبب ان الكون فوضوي وانما لأنه يُرى من جانب شخص لم يحصل على الادراك الروحاني الحقيقي، انه من الضروري ان يبدو هكذا.

هذا العالم اللطيف، المحمي، ذو الابعاد الثلاثة هو وقاء لنا وايضا مدرسة اُعطيت لنا من جانب الحب العالمي. اعطانا عالم آمن نكون فيه اكثر قربا من الادراك الروحاني الحقيقي وايضا نتعلم الكون الكلي في طبيعته الحقيقية عبر دراسة الخارطة التي أمامنا. ماهي الخارطة؟ غرفتنا المغلقة هي الكون المدرك لحواسنا الخمس، لكن ما هي بالضبط الخارطة؟ هي الكون المتجسد مباشرة لحواسنا الضعيفة في هذه الحياة،  الكون هو حيثما تشرق الشمس وتغيب، وحيث قبة السماء الزرقاء فوقنا و الكواكب السبعة تتحرك في مداراتها. كما في كل خارطة، نحتاج معرفة ماذا تعني رموزها واشاراتها قبل قرائتها بشكل صحيح، هذه المعرفة او الحكمة اُعطيت لنا منذ وقت طويل.

 

حاتم حميد محسن

....................

الهوامش

(1) كتاب الصورة المهملة للكاتب سي.اس. لويس،  صدر اول مرة عام 1964 عن مطبعة جامعة كامبردج في 242 صفحة واعيد طبعه في مارس 2012.

(2) يجب الانتباه  خصيصا الى رؤية المركزية التقليدية للشمس الخارقة او الام الشمسية، ان فكرة مركزية الشمس للكون تتطابق ايضا مع الرمزية الميتافيزيقية الظاهرة. في الحقيقة، ان فكرة مركزية الارض تكون صالحة فقط من منظور ارضي. دانتي كان يتبع تقليدا عندما يعلّم ذلك من منظور سماوي (او في لغة افلاطون، في كون مدرك وليس محسوسا) ان الارض لم تعد مركزا وانما هي الحافة الخارجية للوجود. كوبرنيكوس في جداله حول مركزية الشمس كان يؤكد الرؤية الميتافيزيقية او الثيولوجية المرتكزة على احياء نظام شمسي فلسفي للعالم الكلاسيكي. هو لم يكن نموذجا للعالم المادي الذي تحاول الميثولوجيا الشعبية الحديثة اظهاره بها. وهو لم يدّعي طرحه شيئا جديدا وانما استخدم اشارات مرجعية من العالم القديم لمركزية الشمس. من مفارقات التاريخ ان عمله خدم غايات بعيدة عن مقاصده، وفي تحليله للرؤية التقليدية للكون يكون قد مهّد الطريق للنقيض لكل ما اعتقد به. وبعد قرن ، استجابت الكنيسة للتصاعد في دعوات نزع الأسطرة الكونية بمحاولة قصيرة الأمد لكبح مركزية الشمس لأنها ومعها اوربا كلها فقدت الأساس الفكري الضروري لدمجها في الاطار الروحي للغرب.

 

 

علي محمد اليوسفيتساءل ريتشارد رورتي(1931 – 2007) قائلا " كيف يمكننا معرفة أن أي شيء عقلي يمثل شيئا لاعقليا.؟ وهل الوعي تعبير عن أحداث الحياة الداخلية منفصلة عن أحداث العالم الخارجي؟"1

في الشق الاول من السؤال لا يمكن أن تكون معرفتنا العقلية بشيء هي نفي عقلي له بنفس زمانية الادراك له الا اذا كان ادراك العقل زائفا يمّثل مرآة صورة الشيء وليست حقيقة موجودية ذلك الشيء. وهنا في حال عدم التوافق المنطقي بالاجابة على تساؤلات رورتي نعود للمسلمات التالية:

- العقل لا يدرك شيئا حقيقيا بتأكيد معرفة متناقضة عنه في عدم تعبير المدرك صوريا عن حقيقته الوجودية كصفات خارجية وليس كماهية، بمعنى ما هو مدرك عقليا حقيقة لا ينفيه العقل ادراكيا حقيقيا. فالحقائق تلد حقائقها بنفس وقت الزيف يتناسل زيفا صادراعنه أيضا. والا كنا حسب هذا الافتراض  الغامض لرورتي أن الادراك العقلي يخلق ادراكاته الزائفة في وهم انتاجيته المعرفة الادراكية الصحيحة.

يجوز لنا التشكيك بالعقل وسيلة ادراك مزدوجة على نفسها غير موثوقة قبل التشكيك بأن الشيء المدرك عقليا يكون زائفا لاعقليا وهو موجود مستقل عن العقل بخصائص لا نستطيع الجزم المسبق أنها غير عقلية ادراكيا. ربما التشكيك بادراك العقل يكون اكثر مقبولية ترجيحية من التشكيك بان الموجود الذي أدركه العقل ليس حقيقيا عقليا. وسبب الارجحية بعدم موثوقية العقل هو أن الموجود باستقلالية موجوديته عن العقل يكون أكثر صدقية من ادراك العقل له.

- العقل فعالية ادراكية واحدة فما يدركه العقل صورة ذهنية لموجود شيئي مادي متعيّن حسيا لا يمكنه أن يدرك نقيضه غير المشابه له حقيقة في نفس الوقت. وكما ذكرنا تفريق الزيف عن الحقيقي يكون في العقل وليس في موضوع الادراك له الذي عجز العقل ادراكه في حقيقته وليس في تناقض موضوعه المتارجح بين المصداقية والزيف بينما الصحيح أن التارجح بين الحقيقي والزائف هو خاصية الادراك العقلي وليس خاصية الموجودات باستقلالية في عالم وجودها الواقعي. زيف الواقع عن حقيقته لا يكون مصدرها استقلالية تلك الموجودات الواقعية في عالم الاشياء، بل الذي يبين فرق حقيقتها من زيفها هو منهج التناول الادراكي الفكري لها.

- اللاعقلي أدراكا لا يكون الحكم عليه بعقل يدرك لا عقليته، حيث يكون الموضوع غير مدرك حقيقة وعدم الحضور يتبعه بالضرورة السببية عدم وجود عقل بلا موضوع يدركه. لاعقلية ادراك الشيء الحقيقي يكون التشكيك في تناقضه هو من نصيب العقل حصرا وليس من نصيب الشيء. فالشيء وجود انطولوجي أو موضوع خيالي متعين بخواص، وانحراف ادراك العقل لهذا الشيء بأعتباره زيفا أو حقيقة لا تمس حقيقة موجودية الشيء المستقلة بل البحث عنها يكون في انحراف تفكير أدراك العقل لتلك الموجودية المتعينة كشيء مادي أو كموضوع.

ادراك الصورة والاصل

كان ديفيد هيوم متابعا جادا في مداخلته حول موضوع الخلاف بين حقيقية الادراك العقلي عن زيفه، بنفس تقليد نظرية افلاطون في وهم الواقعي في تمثيله عالم المثل عنه. حينما طرح قبل ريتشارد روروتي موضوع هل الادراك العقلي للشيء يدرك صورته الذهنية الحقيقية كموجود انطولوجي في الواقع ؟ أم يدرك صورته الذهنية (فوتوغرافيا)** التي لا تمثل حقيقة الشيء في وجوده بالعالم الخارجي؟ وكان رأي هيوم بخلاف رأي كل من جون لوك وجورج بيركلي اللذين ذهبا أن ادراك صورة الشيء هو ادراك لحقيقته الوجودية الصفاتية الحية التي يمتلكها وليست حقيقته الماهوية، مخالفين مقولة هيوم أن الادراك هو مجرد أحساسات صورية لا تمثل موجودية الشيء.***

الادراك العقلي وحدة كلية نوعية واحدة لا يتشاكل تناقضيا محتواها الحقيقي مع صورتها كوسيلة ادراك عقلي لا تأخذ صورة الشيء تجريديا عن محتواها كما تقوم به الكاميرا المتطورة الابعاد أو الموبايل. لكن يبقى التساؤل قائما أن ادراك الشيء حقيقة هي نفس آلية ادراكه في صورته الفوتغرافية التي لا تختلف عن حقيقة المدرك كموجود(حي).. فكيف يتم التفريق بين الاصل والصورة كما أختلف عليها ديفيد هيوم مع جون لوك وبيركلي؟ حيث ذهب هيوم ادراك الشيء هو صورة فوتغرافية تجريدية خالية من كل ما هو حقيقي حي ملازم لها، بينما ذهب بيركلي ولوك أن ادراك صورة الشيء هو أدراكه بوحدته الكلية الشاملة التي تحمل صورة الاصل الحي وصورته الخارجية الفوتوغرافية كون العقل لا يدرك شيئا الا في صورته التجريدية الموحدة.أي العقل لا يدرك صورة الشيء ثم بعدها بمرحلة زمنية يليها يدرك صورة ذلك الشيء الحقيقية كموجود حي شكلا ومحتوى.

ويكون حل هذا الاشكال من وجهة نظرنا عن هذا الاختلاف التساؤلي يكمن في تفسير العقل وحده مجردا عن واقع الشيء المدرك من جهة، ومجردا من آلية كيفية الادراك العقلي من جهة اخرى. وجاهة وصواب الاختلاف والتضاد بين هيوم وبيركلي تقوم على حقيقة تجمعهما أن العقل يدرك الاشياء صوريا تجريديا بغض النظر عن حقيقة الشيء من زيفه. أي هل الشيء الذي ادركه العقل هو أصل أم صورة؟ أي هل هو صورة ومضمون معا أم صورة فوتغرافية مجردة عن مضمونها؟ أنما يحدد الاجابة عن هذا الالتباس ادراك العقل وحده ولا يحدده وجود الشيء باستقلالية في وجوده بالعالم الخارجي قبل وبعد ادراك العقل له؟ فالموجود الشيئي لا يكون حقيقيا وزائفا بنفس الوقت في وجوده المستقل عن ادراك العقل الذي بضوء معرفة وتحليل ذلك الادراك  نعرف زيفه عن حقيقته.أي نعرف حقيقة الشيء من زيفها بدلالة ادراك العقل في المجانسة التعبيرية له مع الزيف أو مع حقيقة الشيء.

أما بالنسبة للشق الثاني من التساؤل هل الوعي تعبيرا عن أحداث داخلية منفصلة عن العالم الخارجي فيمكننا التعقيب  بالتالي:

-  تجزئة الوعي بالشيء يتوقف على مقدرتنا تجزيء الادراكات الحسيّة له عن الاشياء، فالوعي وحدة كلية من تمثّلات الواقع الخارجي ووحدة كلية في تمّثلات الداخل الاحساسي الذي يكون موضوعه متخيّلا لا وجودا انطولوجيا له في عالم الاشياء الخارجية. فتجزئة الوعي هو تبعية ادراكية لمواضيع الادراك التي يسهل تجزئة أدراكها نوعيا بأختلاف الاشياء والمواضيع المدركة.

- الوعي هو نتاج ادراك عقلي منّظم يتم داخل منظومة الادراك العقلية التي لا تفصح عن نفسها الا بعد انتهاء العقل من أصدار مقولاته كرد فعل عن الشيء الذي يدركه ويبقى تعبير الفكر واللغة عنه بما يمكننا ادراك وعي الموضوع الذي كان ادركه العقلي فرديا وأصدره العقل ثانية تعبيرا فكريا لغويا جمعيا بمعنى موضعة مقولات العقل عن الشيء تكون من قراءة ذلك الشيء جمعيا بعد تعبير العقل عنه بالفكر واللغة انفراديا كموضوع استبطاني عالجه العقل تفسيرا. وعي الشيء هو ادراك منفرد يتحول الى وعي جمعي يدركه المجموع كلا بطريقة واسلوب تفكيره حين يكتسب الموضوع أو الشيء المدرك صيغته النهائية بتعبير الفكر واللغة عنه.

- الوعي الادراكي يكون فرديا، ويصبح بعد توصيله مقولات العقل عن مدركاته للاشياء يصبح جزء من منظومة تعبيرية تشمل الوعي، الفكر، اللغة. التي هي ادراكات لمواضيع أما أستمدها الذهن من عالم الذاكرة والخيال استبطانيا داخليا كمواضيع،أو استمدها كمواضيع هي موجودات في عالم الاشياء الخارجي. ويستقبل الوعي الاحساسات المنقولة له عبر الحواس كما يوصل المقولات الارتدادية الصادرة عن العقل وتوصيلها الى وعي خارجي عن شيء تعبر عنه اللغة. الوعي أما أن يكون ناتجا عن ادراك موضوع من عالم الاشياء الخارجية أو يكون وعيا مستمدا من تعالقه مع الذهن والدماغ أستبطانيا داخليا عن شيئ غير موجود ماديا في عالم الاشياء جرى تفسيره عقليا بعد أدراكه خياليا.

توضيح عام

الوعي كحلقة ضمن منظومة العقل الادراكية لا يمكننا تجزئته الى وعي حقيقي والى وعي زائف، وكذا نفس الحال مع تجزئة العقل. تجزئة العقل أو تجزئة الوعي لا يفرضها العقل على نفسه ذاتيا بغياب موضوع ادراكه في حقيقته وفي زيفه. الموضوع في استقلاليته هو من يحدد امكانية تجزئة الوعي به، وتجزئة ادراك العقل له.

بضوء فهم وتفسير مقولة رورتي تساؤله كيف لنا أن نمّيز بين شيء عقلي يمثل لاشيئا عقليا؟ نقول كل شيء لا يدركه العقل ادراكا حقيقيا- كصفات لا كماهية – هو أدراك زائف عن موضوع غير موجود متوفر أدراكيا. الشيء المادي لا يدركه العقل بغيابه ويعتبره مدركا عقليا لشيء لم يدركه العقل. بمعنى الشيء لا يمتلك قدرة نفي نفسه بنفسه. حتى ادراك مواضيع الاحلام في اللاشعور تعتبر عقلية حتى وأن كانت تفتقد خاصية أدراكها بمكان وزمان متلازمين انطولوجيا. الادراك العقلي هو اشتراط ذاتي – موضوعي لمؤثرات حتمية تجعل من الادراك العقلي حقيقة عينية. والتشكيك بالعقل ليس واردا عندما يكون موضوع ادراكه غير متوفر وجوديا لا في عالم الواقع ولا في عالم الخيال. العقل هو موضوع يدرك ذاته داخليا قبل أن يدرك موضوعاته خارجيا.

فرضية أن يعقل العقل شيئا هو لا يمثل شيئا حقيقيا حسب تعبير رورتي، هو تعبير عن تصور رؤيوي غير واضح يضع المسؤولية على مهمة الحواس وليس عل مهمة العقل. ومقولة افلاطون ادراك عالم الاشياء هو غيره في عالم المثل لم تعد اليوم مقولة يمكن أعتماد صحتها فلسفيا. وتبقى أهميتها في مطاولتها التاريخية الفلسفية التي وصلتنا وندرسها كمرحلة قديمة من التفكير الفلسفي. ومن المؤكد تفقد كل خصائصها الفلسفية عندما نضعها على معيار ما وصله تاريخ الفلسفة المعاصرة اليوم. ونحن أذا تعاملنا مع مقولة افلاطون حول عالم المثل بمعاييرنا الفلسفية وما وصلته اليوم من تاريخها نجد ما هو مدرك واقعي لا يحتاج الى برهان حقيقته في وجود غير مدرك ميتافيزيقي في عالم لا يخضع لسطوة مدركات الحواس والعقل. وتشكيك رورتي في قدرة العقل الادراكية يجب أن تكون مستمدة من واقع ادراكه الحسي للاشياء وليس العقلي لها، فالعقل ينخدع بالحواس ليس على وفق نمطية الوهم السرابي الزائف غير الحقيقي.

وبالعودة الى أستحضار مقولة جون لوك باستناده في استعارته تعبير ديكارت أن جوهر العقل ماهيته التفكير، وجوهر التفكير هو جوهر الوجود بالتبعية، عليه أعتبر لوك ما يكون موضوعا لفهم العقل هو فكرة تستمد حقيقتها من مصدر ادراك العقل لها كواقعة ممكنة الوجود...ديكارت لا يحصر تفكير العقل الذي يختص بقدرات الشك، الفهم، التاكيد، النفي، يريد، يرفض، يتخيل، ويشعرالتي يعتبرها هي من خصائص الضمير.أي يحيلها ديكارت الى عالم النفس المجردة عن العقل حيث يعتبر ديكارت العقل والنفس جوهران لا فيزيائيين منفصلين عن بعضهما وخالدين بعد فناء الجسم. وليس العقل منفردا هو الوصي على النفس، علما أن العقل لا يتخلى عن النفس ويحتويها ولا يبقى للنفس قيمة ادراكية ولا معنى في تنوع موضوعاتها الصادرة عنها  بلا وصاية وتحكيم العقل عليها.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

..................

الهوامش:

** لفظة الصورة الفوتغرافية هي تعبير لنا وليست منسوبة لرورتي أو هيوم.

*** تراجع مقالتنا المنشورة على موقع المثقف وموقع الحوار المتمدن بعنوان (ديفيد هيوم الذاكرة والخيال).

1- ريتشارد رورتي /الفلسفة ومرآة الطبيعة/ ت د. حيدر حاج اسماعيل ص 105

 

محمود محمد عليكان الباحثون يعتقدون حتى وقت قريب، أن المنطق الرواقي ليس شيئا آخر سوي تقليد ممسوح أو محاكاة مشوهة لمنطق أرسطو، وكانت هذه الوجهة من النظرة سائدة حتى القرن التاسع عشر عند كبار مؤرخي الفلسفة، من أمثال " زيلر " Zeller الذي كتب في تأريخه للفلسفة اليونانية، قائلا : " إن الرواقيين لم يقدموا شيئا في المنطق، سوي صياغة مصطلحات جديدة للمنطق الأرسطي " ؛ ونفس الشئ ذهب إليه كبار مؤرخي المنطق، من أمثال " ج، برانتل " G،Prantl   الذي كتب في الجزء الأول من كتابه " تاريخ المنطق في الغرب " يؤكد هذا المعني، وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، جاء الفيلسوف الفرنسي "بروشار" Brochard ليعلن عكس ذلك ؛ موضحا مدي أصالة واستقلال المنطق الرواقي عن المنطق الأرسطي، ولقد أخذ بهذا الرأي معظم الباحثين المعاصرين، فنجد " الدكتور  محمود فهمي زيدان " في كتابه" المنطق الرمزي نشأته وتطوره"، حين أراد أن يبرز إسهامات الرواقيين في مجال المنطق، قال : " أن للرواقيين إضافات منطقية عديدة، منها : أنهم أول من خططوا بداية مذهب الاستدلالات الشرطية، فبحثوا في القضايا الشرطية المتصلة بنوعيها، كما صاغوا لأول مرة القضايا الشرطية المنفصلة بنوعيها، ووضعوا قواعد صدقها وكذبها، كما طوروا استخدام الرموز فوضعوا رموز للمتغيرات كعناصر للقضايا، كما عرفوا عددا كبيرا من الثوابت المنطقية، ولم يقتصروا علي ثابت التضمن (اللزوم) فقط، ووضعوا تعريفاتها، ولكنهم لم يضعوا لتلك الثوابت رموزا، كما أدت دراستهم للثوابت إلي دراسة القضايا المركبة وقواعد صدقها وكذبها ؛ كما أضافوا أثرا آخر حين انبثقت عنهم أول بادرة لتصور المنطق نسقا استنباطيا ؛ وذلك بأن وضعوا بعد التعريفات قضايا أولية لا تقبل البرهان، وأمكنهم بفضلها استنباط قضايا أخرى، وفي هذا الصدد يمكن القول بأنهم فتحوا الطريق أمام المحدثين لإقامة حساب القضايا "،

وهذه الإضافات التي أضافها الرواقيون لتاريخ المنطق، إذا نظرنا إليها من الناحية التاريخية، نجد أنها قد انبثقت علي يد رجال المدرسة الرواقية الأولي، وخاصة علي يد " كريسبوس " Chryissups ( 282-204 ق، م ) خلال القرن الثالث قبل الميلاد، أما في القرنين الثاني والأول قبل الميلاد، فقد ضعف الفكر المنطقي الرواقي، ولم تعد هناك أفكارا منطقية جديدة ؛ وذلك نتيجة ظاهرة يؤسف لها في تاريخ المنطق وهي علي حد تعبير " بوشنسكي " Bochensi  " التنافس الشديد بين المدرستين المشائية والرواقية "،

ونتيجة لهذا التناقض لم يكن هناك في البداية تعاون في مجال البحث المنطقي بين المشائيين والرواقيين، إذ أنه في حين أن المشائيين قصروا اهتمامهم علي دراسة القياس الحملي ؛ فإن الرواقيين لم ينظروا إلي ما يتعدى المخططات الاستدلالية التي يمكن استنباطها من لا مبرهنات " كريسبوس "، ولهذا أهمل الرواقيين تماما نظريتي الحمل المنطقي والفئـات،

إلا أن هذا الموقف لم يستمر طويلا، إذا سرعان ما حدث شيئا فشيئا اندماج أو ربما خلط بين أفكار المدرستين، ولهذا أصبحت الحركة التوفيقية أكثر وضوحا نتيجة لهذا المزج الذي سيطرت عليه في النهاية المدرسة المشائية،

وقد شاءت الأقدار أن تكون أول محاولة لتطبيق عملية المزج بين أفكار المشائية الرواقية علي يد " ماركوس تيلليوس شيشرون " Marcus Tullius Cicero  (المفكر الروماني التوفيقي الذي أراد تثقيف مواطنية بعلوم اليونان وفلسفتهم إبان القرن الأول قبل الميلاد،

وقد جاءت هذه المحاولة في رسالة صغيرة له بعنوان " الطوبيقا " Topica، وقد دونها شيشرون تحت طلب صديقه الفقيه " تريباتيوس " Trebatius ؛ لكي يشرح له كيفية الاستفادة من طوبيقا أرسطو في استخلاص الأحكام القانونية،

وقد ذهب بعض الباحثين من أمثال " وليم نيل " إلي أن " طوبيقا شيشرون " لا ترجع أهميتها إلي ما فيها من أصالة وجدة في تطور المنطق، بقدر ما هي إلا تجميعا واضحا لتعاليم المنطق اليوناني " ؛ ومع ذلك فقد كان لها فضل لا يمكن إنكاره، وهو كما يقول " جورج سباين " ، " إقبال الناس علي قراءة كتبه والإحاطة بما تضمنته، فكان مجرد فكرة لشيشرون كفيلا بأن يخلدها علي مدي الزمن "،

وبغض النظر عن الأهمية التي أعطاها الباحثون لطوبيقا شيشرون، فإن لهذا المؤلف ، في ذاته أهمية خاصة لسببين رئيسين :

السبب الأول : هو كونه أول محاولة وضعت في علم مناهج   البحث، هذا إذا وافقنا علي أن مناهج البحث، هي تطبيق لمبادئ المنطق في العلوم المختلفة، وشيشرون نفسه يعلن عن هذه الحقيقة في بداية رسالته، حين يلفت نظر القارئ إلي استخدامات صديقه الفقيه " تريباتيوس "، وعلي هذا فإن الأمثلة التي استخدمها شيشرون قد استقاها من القانون الروماني،

السبب الثاني : هو أن هذه الرسالة تعتبر الأولي من نوعها، والتي خلط فيها صاحبها ومزج بين منطق أرسطو ومنطق الرواقيين ؛ علي أن هذا المزج بين المنطقين من شأنه أن يستمر عند عدد قليل من المفكرين في الشرق والغرب خلال العصور الوسطي،

ومن ناحية أخرى، إذا كان شيشرون قد اعتبر رسالته عن الطوبيقا بمثابة تهذيب لطوبيقا أرسطو، إلا أن الدارس لرسالة شيشرون سرعان ما يكتشف أن ما أخذه شيشرون عن أرسطو، هو أمر لا يكاد يذكر بجوار ما أخذه شيشرون عن المنطق الرواقي، لدرجة جاءت فيها الرسالة رواقية سواء في روحها أو نصها،

ولعل السبب في ذلك يرجع إلي طبيعة التفكير الفلسفي عند شيشرون، فقد كانت نزعته الفلسفية مطبوعة بالفلسفة الرواقية التي جاء بها " بنائتيوس الرودسي " Panaotius of Rhodes، ونقلت إلي " الدائرة السبيونية " المتمثلة في مجموعة الفقهاء الذين أخذوا علي عاتقهم القيام بالدراسات الأولي في التشريع الروماني، والواقع أن كل ما عرف عن هذه الفلسفة كما قامت في مستهل القرن الأول قبل الميلاد، إنما عرف عن طـريق شيشـرون،

ولهذا جاءت طوبيقا شيشرون لتحافظ علي التعاليم المنطقية للرواقية من خلال صياغة الأفكار المنطقية في طوبيقا أرسطو، ويمكننا توضيح ذلك من خلال عرض الرسالة، والتي يمكن حصرها في الموضوعات الرئيسية الآتية :

أ- دراسة لبعض الحجج العامة والتي عرضها أرسطو في الطوبيقا، وقد أخذت هذه الحجج طابعا رواقيا، مثال ذلك الحجج التي ذكرها أرسطو، والتي يمكن أن نستخلصها من الجنس Genus  والنوع Species والمتشابه Similarity والمختلف Difference والمتضادات Contraries والمتناقضات Controductions والمقدمات Antecedents والتوالي Consquents والعلة Cause والمعلول Effect،،،،،،، الخ،

ب- دراسة لمختلف أشكال الاستدلالات الرواقية،

ج - عرض لسيمانطيقا الرواقيين الخاصة بأصل المصطلحات ومعناها وكيفية الاشتقاق اللغوي،

ونكتفي هنا في هذا المقال بدراسة الاستدلالات المنطقية كما عرضها شيشرون ؛ حيث نقوم بتصنيفها مع بيان الكيفية التي طبق بها شيشرون منطق أرسطو في ميدان القانون من جانب، وعلي أن الحجج العامة التي ذكرها أرسطو في كتاب الطوبيقا قد أخذت عنه طابعا رواقيا، ثم بيان أثرها بعد ذلك علي المفكرين في الشرق والغرب خلال العصور الوسطي، وسيكون منهجنا في ذلك هو المنهج التحليلي المقارن الذي يعتمد علي تحليل النصوص تحليلا دقيقا واستنباط واستخلاص كل ما تشمله من آراء وأفكار مع المقارنة بين هذه الفكرة وغيرها قديما وحديثا، وقد نضطر في أحيان أخرى إلي اللجوء إلي استخدام المنهج التاريخي بالقدر الذي يفي بسرد نفس الظاهرة المنطقية كما في طوبيقا شيشرون علي بعض المناطقة خلال العصور الوسطي،

لقد حاول شيشرون أن يصنف الاستدلالات الرواقية تصنيفا جديدا، وهذه الاستدلالات تتكون من سبع قواعد، يقول عنها : " أنها كافية لاشتقاق عدد لا يحصي من القواعد تسمي مواضيع ؛ وهذه القواعد كما يذكر " وليم نيل " أن خمس منها ترجع إلي " لا مبرهنات كريسبوس " دون أن يذكر شيشرون اسمه مضيفا إليها قاعدتين أخريين، ربما يكون قد نقلها عن متأخري الرواقية "،

وهذه القواعد صاغها شيشرون علي النحو التالي،

1- إذا كان هذا صادقا، كان ذاك صادقا ؛ ولكن هذا صادقا ؛ إذن ذاك صادقا،

2- إذا كان هذا صادقاً، كان ذاك صادقاً ؛ ولكن ذاك ليس صادقاً ؛ إذن هذا ليس صادقاً،

3- ليس كل من هذا وليس ذاك صادقاً معاً، ولكن هذا صادقاً، إذن ذاك صادقاً،

4- إما هذا أو ذاك صادقاً ؛ ولكن هذا صادقاً، إذن ليس ذاك صادقاً،

5- إما هذا أو ذاك صادقاً ؛ ولكن ليس هذا صادقاً، إذن ذاك صادقاً،

6- ليس كل من هذا أو ذاك صادقاً معاً، ولكن هذا ليس صادقاً، إذن ذاك   صادقاً،

7- ليس كل من لا هذا ولا ذاك صادقاً معاً، ولكن هذا ليس صادقاً، إذن ذاك صادقاً،

وهنا نلاحظ أن شيشرون، قد وضع نسقا مكونا من سبع استدلالات، أربعة منها تبدأ بقضايا مثبته، وثلاثة منها تبدأ بقضايا منفية، مما يدل علي اهتمام شيشرون علي عكس الرواقية الأولي بفكرتي الوصل والنفي، حيث تعبر القاعدتان الأولي والثانية عن القياس الشرطي المتصل بنوعيه، والقاعدتان الرابعة والخامسة تعبران عن القياس الشرطي المنفصل بنوعيه، أما القاعدة الثالثة والقاعدة السادسة والقاعدة السابعة، فإنها تعبر عن استخدام منطقي جديد، ويعبر عنه بالكلمات " ليس كلاهما معا "، وسوف يتجاهل المناطقة هذا الثابت إلي أن يبعثه أصحاب المنطق الرمزي الحديث

ولم يكتف شيشرون بتصنيف تلك الاستدلالات ؛ بل تكلم عن نوع آخر من الاستدلالات الشرطية ذات المقدمة الإضافية، وهذه المقدمة الشرطية قصد بها ما يسمي بقياس الإحراج،

هذا هو تصنيف شيشرون للاستدلالات المنطقية عند الرواقيين، وهو في هذا لا يضيف جديدا، أما الجديد الذي يضيفه شيشرون، فهو تطبيق تلك الاستدلالات المنطقية من خلال القانون الروماني وذلك بإعطاء أمثلة مستمدة من ذلك القانون، حيث يصوغها شيشرون في صورة منطقية ذكرها أرسطو في الطوبيقا، وقد أخذت عند شيشرون طابعا رواقيا .. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو  مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

حيدر جواد السهلانيإن أول من استعمل لفظ اللوغوس (Logos) أو العقل الكوني هو هرقليطس من أجل تفسير نظام الكون تفسيراً عقلانياً بعيداً عن الفهم الميثولوجي والأسطوري وقد تصور هرقليطس العقل الكوني على أنه محايث للطبيعة ومنظم لها من داخلها، فهو النور الإلهي الذي يبث الحياة في الطبيعة والحركة الفعالة الهادفة، وهذا التصور هو إقرار بوحدة الوجود. أما افلاطون فقد اعتبر العقل ملكة أو قوة نفسية تتميز عن باقي القوى الحسية الخيالية والشهوانية والانفعالية، ويميزه عن النفس على اساس أن النفس هي مبدأ الحياة وكل ألوان النشاط الحيوي. ويستعمله ارسطو بمعنى أداة المعرفة أو النفس الناطقة وهو القدرة على إدراك الصور الكلية والماهيات، والعقل الأرسطي عقلان، عقل نظري يدرك الكليات، وعقل عملي يدرك الجزئيات، وكلاهما يطلب الحقيقة، فالنظري ينزل من المبادئ إلى النتائج، ليرتقي العملي من آخر نتيجة إلى أعلى مبدأ. أما في الفلسفة الإسلامية فلم يختلف كثيراً عن معناه في الفلسفة اليونانية، فمثلاً الكندي يستعمله بمعناه الأرسطي، وهو جوهر بسيط مدرك الأشياء بخصائصها، أما أبن سينا يرى في العقل فهو جوهر غير قابل للفساد، ويقسم ابن رشد العقل إلى العقل المنطقي والعقل البرهاني والعقل الذي يستجيب للوعظ والأدلة الخطابية. وعند أبن عربي العقل هو العلم وهو صفة يتأتى بها إدراك العلوم. ويرى اوغسطين بأن الإيمان ضروري للعقل والعقل ضروري للإيمان، أما القديس أنسلم، فيرى العقل هو وسيلة للمعرفة وهو سبيل الإيمان، أما توما الإكويني يرى أن العقل والعقيدة يرميان إلى غرض واحد، وبالعقل نفهم الوجود، وبالعقل والوحي تتم المعرفة لكن العقيدة أولاً. وفي الفلسفة الحديثة بدأ التسليم بأولوية العقل فمثلاً فرنسيس بيكون يرى بأن العقل وحدة يكفي للوصول إلى الحقيقة بدون الوحي. أما كانت استعمله بمعنين، العقل العملي وهو ملكة متعالية تتضمن مبادئ لكل فعل أخلاقي، أو العقل الخالص أو المحض، وهو الملكة المتعالية التي تتضمن المبادئ القبلية للمعرفة وتؤسس بذلك العلم. أما هيجل يعتقد أن الحقيقة النهائية التي هي أساس كل الحقائق هي العقل، ويرى أنه لا يتم الوصول إلى حقيقة العالم إلا إذا تدرجنا بمراتب العقل من الأدنى إلى الأعلى وقال عبارته المشهورة إن ما هو عقلي حقيقي، وما هو حقيقي عقلي. ويرى برغسون العقل ليس أداة صالحة لإدراك الحياة، لأنه والحواس أدوات للتجزئة، أما رايشنباخ يرى في العقل يعبر عن حالة جسمية تدل على أنواع معينة من الاستجابات، ويعرفه زكي نجيب محمود بأن العقل هو ضرب من النشاط يعالج به الإنسان الأشياء على وجه معين.

أما سلامة موسى فيعتقد أنه ليس هناك شك في تأثير العقل بالجسم وتأثير الجسم بالعقل، فيرى أن الشخص إذا خجل من شيء ما احمرت وجنتاه، ومعنى هذا أن خاطر الحياء الذي خطر بذهننا قد أثر في القلب وفي اوعية عروق الوجنتين حتى أحدث تورهما ومعنى هذا أن كل الأفكار والخواطر التي تمر بأذهاننا يتأثر بها الجسم، وبذلك كل العواطف تؤثر في اجسامنا، فإذا مثلاً تضاحكنا وليس هناك ما يضحكنا، فإن التضاحك يحدث سروراً عندنا، وينتهي بنا إلى الضحك الحقيقي، وإذا تباكينا انتهى التباكي المصطنع ببكاء حقيقي، ومعنى هذا أن الجسم يؤثر أيضاً في العقل، والواقع أن الجسم والعقل كتلة واحدة، ولا يمكننا فصل أحدهما عن الآخر فالتفكير يحتاج إلى الاثنين معاً، وكل خاطرة أو فكرة تمر بذهننا مهما كان مرورها لا بد لها من أن تحدث لنا عاطفة تؤثر فينا وهذه العاطفة تنتهي برغبة وإرادة، وبذلك أن العقل يؤثر في الجسم إلى حد الموت، فالخوف يقتل بعض الناس والخوف فكر أو خاطرة، فيرى موسى مثلاً عندما حدث زلزال في اليابان وجد ناس قد ماتوا لا لأنهم جرحوا أو اصيبوا بل شدة ما استولى عليهم الرعب، فهم ماتوا من الوهم.(1) ويرى موسى ولأن العقل يؤثر في الجسم عن طريق العواطف، فكر بعض السيكولوجيين في البحث عن الجريمة بإيجاد آلة تقيس النبض ودقات القلب من حيث انتظامه وكذلك التنفس وضغط الدم، فإن جميع هذه الأعراض تظهر وقت الخوف مثلاً، فإذا قلنا لأحد المتهمين بسرقة ساعة ذهبية بسلسلة من الذهب، فإن هذه الكلمة تستدعي معاني أخرى كثيرة، لأنها ترتبط بعاطفة معينة ما، فالارتباط هنا عاطفي.(2) ويعتقد موسى أن الإنسان بعقله ووجدانه يستطيع أن يجعل فهمه موضوعياً وأن يصل إلى حقائق الدنيا كما هي في حقيقتهما، فإن قيمة العقل أنه يتسلط على غرائزنا ويحملنا على الاعتدال، ولكن بلا زهد أو نسك، أي بلا إنكار للغرائز، وقد يكون في القليل من الزهد قيمة في التأنق في الاختيار.(3)

يؤمن موسى بما طرحة علماء النفس وخاصة فرويد فهو يصفه بقوله بأنه رائد علم النفس وهو اضخم شخصية في علم النفس، أذ هو كولمبس الذي كشف الأرض المجهولة وخططها ورسم معالمها. ويؤمن بوجود عقل باطني وعقل واعي، والعقل الباطني هو ذلك العقل الذي يعمل على غير وعي منا وبه نحلم ونحن نائمون وبه تخطر علينا الخواطر ونحن في اليقظة، أي حين يكون العقل الواعي غير يقظ تمام اليقظة، والعقل الباطني يعمل كأنه مستقل عنا، وهو يقرر ميولنا وامزجتنا، بل هو الذي يكون اخلاقنا. والعقل الباطني هو العقل الذي نحكم به والذي يورد إلينا الخواطر اللذيذة، وهو الذي يقرر عقائدنا الدينية والسياسية ويكون الأخلاق والامزجة، ويعمل لرقيهم أو انحطاطهم، وهذا العقل قديم في نفوسنا وطريقة اقناعه ليس المنطق، بل الإيحاء، وهو يجري على اساليب قديمة في تفكيره، فهو لا يمثل الصور المجردة للمعاني، ولذلك فطريقة تفكيره هي الرموز. وللعقل الباطن ميزات منها:

1- يختزن ذكرياتنا لكيلا تعوق العقل الواعي في عمله ثم يقدمها لنا عند الحاجة.

2- أنه يعطينا فيؤدي ما نطلبه منه، وتزداد هذه الطاعة بالتمرين حتى أن أبن عربي قال إنه يمكننا أن نحلم ما نشاء في النوم.

3- أن جميع الخواطر والأفكار تؤثر في اجسامنا كخاطرة الحياء على سبيل المثال لا الحصر.

ويعتقد موسى من فعاليات العقل الباطن، أنه تقوم في النفس العقائد بالتلقين والإيحاء، وهي في ذلك تختلف من المعارف، فالمعرفة عقل وتجربة وافكار، ولكن العقيدة تلقين وإيحاء وتكرار، فالناس ينشؤون على عقائد آبائهم، لأنهم يتلقونها وهم صغار وتتكرر أمامهم مرات حتى ترسم في عقولهم الباطنة، ويصبح نزعها أشق عليهم من الموت، وبذلك يرى موسى أن أردت أن تقنع احد فليس سبيلك إلى ذلك العقل وإنما التكرار، وكذلك إذا اردت أن تقنع أحداً برأيك فسبيلك إلى ذلك التكرار وليس المناقشة المنطقية، وليست إعلانات التجار التي نراها كل يوم في الصحف سوى نوع من التلقين والإيحاء، وغايته إيحاء العقيدة بالتكرار في نفس القارئ، والعقل الباطن إذا لم يكن على وفاق مع العقل الواعي حدثت لنا العصبية وكثرت الزلات، وبتحليل خواطرنا واحلامنا نقف على اصل الخلاف، ولكننا بالتسامي نستطيع أن نرفع اغراض العقل الباطن إلى ما يوافق عقلنا الواعي ونزيل بذلك الخلاف، وبالتلقين نجعل عقلنا الباطن في خدمتنا ونجنده حتى يسعى لتحقيق اغراضنا، وبذلك أن العقل الباطن هو العامل المهم في الأخلاق والأذواق والعواطف هي المحرك للأخلاق والباعث للنشاط وأن العقل الواعي هو عقل المعرفة والبرهان والتجربة، والعقل الباطن هو عقل العقيدة وخزانة العواطف المكبوتة التي يمنعنا الحياء أو الشرائع أو الفقر من الاستسلام وهو ينفس عنها بالخواطر والأحلام.(4) أما العقل الواعي، فهو العقل الراقي الذي به تدبر تدابيرنا وهو أصل الاكتشاف والاختراع والبحث العلمي ويمكننا أن نجادل ونناقش به، فهو العقل الحديث ويحاول تحقيق غايات الشخص بالعلم والمنطق والطرق السليمة، وهو يفعل ذلك على وعي أي دراية، أما العقل الغير واعي وهو العقل القديم ويحاول التحقيق بطرق قائمة على الأثرة والتهجم أو بطرق وحشية محضة وكل ذلك بلا وعي.(5)

 

حيدر جواد السهلاني

............................

الهوامش:

1- ينظر سلامة موسى: العقل الباطن، مؤسسة الهنداوي، القاهرة، ص71- 72.

2- ينظر سلامة موسى: عقلي وعقلك، دار الكاتب المصري، القاهرة، ص29.

3- ينظر سلامة موسى: فن الحياة، مؤسسة هنداوي، القاهرة، ص13- 15.

4- ينظر سلامة موسى: العقل الباطن، ص9- 14- 72- 75- 84- 117- 141.

5- ينظر سلامة موسى: المصدر نفسه، ص14- 19.

 

 

علي محمد اليوسفأن فيلسوف فلسفة العقل الانكليزي جلبرت رايل(1900 – 1976) أعتمد افصاحات العقل مثل" المعتقدات، الرغبات، المواقف، النوايا، المهارات، الفضائل، حالات المزاج"1، أعتمدها مجرد طرق واساليب استخدامات الكلام فارغا من محتوياته المضمونية في تاكيد حضور اللغة كمرتكز تدعيم محورية المعنى في التوازي مع محكومية نظام الواقع الخارجي المادي. وركنت فلسفة العقل في مركزيتها معنى اللغة هي وظيفة اللغة التاويلية كبنية نسقية داخلية في أعتماد العقل بمحدوديته الوظائفية على أن التعبير الحقيقي الوحيد الذي بات يمتلكه العقل هو (المفاهيم) كمطلقات خارج معرفة العالم الخارجي الواقعي كمثل موروثات الاهتمام الاستثنائي في الابستمولوجيا، فالمفهوم لم يعد في فلسفة العقل واللغة يعوّل عليه حضوريا محوريا بدلالة معنى اللغة وفائض المعنى التأويلي الملازم لها.، حينما جعلت من العقل مجردا من خاصية التجريد اللغوي الذي باتت تحتكره اللغة بعيدا عن الخصائص المعرفية التي تقوم على مادية وفيزياء العقل لتحتل اللغة مكانة اللغة في فلسفة العقل على أنها سلوك لغوي وليست وسيلة تواصل أجتماعي ولا هي وسيلة أستحصال معارف أبستميولوجية وهو ما أعتمده فلاسفة العقل اللغوي الاميركان تحديدا.

العقل والجسد

يذهب ريتشارد رورتي (1931 – 2007) أحد رواد فلسفة العقل واللغة الاميركان الى "مسألة العلاقة بين العقل والجسد هي مجرد خطأ مؤسف وقع فيه لوك، يختص بكيفية حصول الكلمات على معنى"2، من المؤكد أن الكلمات الشيئية لا تسبق مدلولات معانيها في انطباعات الذهن الصوري التجريدي عنها، ومعنى الشيء لا تبحث عنه الكلمات التجريدية، التي تناسبه في المطابقة التعبيرية اللغوية عنه. بل الاشياء هي التي تبحث عن معانيها في الحصول على الكلمات التي تجانسها التعبير عن حقيقتها التي يمكن الاطمئنان الاخذ بها. أهم ميزة للاشياء هي أن يدركها العقل كموجودات لا معنى لها من غير تعبيرالفكر واللغة عنها. الاشياء المستقلة خارجيا في عالم الاشياء تفقد التعريف الادراكي بها من غير فكر لغوي يعبر عنها، لكنها لا تفقد موجوديتها الانطولوجية من غير عقل يدركها.

من الامور التي نتجاوزها بسهولة هو عدم الاعتراف بأن موجودات الاشياء لا تعطي الادراكات والانطباعات الاولية واللغة نفسها على حقيقتها، الموجودات الواقعية لا تفهم بتعابير اللغة الادراكية المباشرة في التعبير عنها تماما.وأنما كل موجود في عالمنا الخارجي يمتلك لغة خاصة به متموضعة فيه هي جزء من تكوينه المادي. بمعنى ادراك الشيء هو ادراك اللغة الكامنة المتموضعة في تكوينه قبل تشكيل لغة المدركات الانطباعية الذهنية التي تنقلها الحواس عنه. كل معنى لفظي بالكلمات أو بالكلام أو بتعبير اللغة عنه كتابة هو معنى زائف حينما يكون منطلقه (وهم) أحتكار حقيقة الشيء تكمن بالتعبير عن معناه كمدرك صفاتي خارجي فقط...

التعبير عن المعنى الادراكي البدئي الاولي للصفات الخارجية لا يعني التعبير عن حقيقة تلك المدركات سليما عقليا، وحقيقة كل شيء يعطي معناه في وجوده الواقعي ضمن نظام الاشياء والموجودات. محاولة فلسفة العقل جعل نظام اللغة نسقا مستقلا كافيا لمعرفة العالم بدلالته المتوازية مع الحياة الواقعية، في انفصال تعبيرات اللغة عن مدلولاتها الخارجية المادية هي بالنتيجة عملية مصطنعة لا فائدة منها لسبب عدم توافر شروط انبثاقها، قبل عدم توافر شروط براهينها الصادقة.

الفكر واللغة وجودهما الحقيقي كجوهرين يتبعان العقل يكمن في تداخلهما الاحتدامي مع موجودات العالم الخارجي، ومن غير المتاح الممكن جعل زيف توازي نظام اللغة النسقي داخليا وانفصاله عن نظام العالم الخارجي حقيقة صادقة يخطؤها العقل.

كما يعتبر رورتي دقيقا قوله (أن نعقل الشيء (خطأ) هو حينما نعتبر العقل مجردا من حالات الظاهرية والقصدية)3، الوعي القصدي عند رورتي وسيلارز ومن قبلهما فلاسفة الوجودية برينتانو، هوسرل، هيدجر، وسارتر ينتقص من خصائص الوعي العقلي الادراكي مجردا عن قصديته...فالادراك القصدي العقلي هو جوهر فاعلية حقيقة العقل. ولو يتسّنى لنا مقايسة تعبير رورتي مع فلاسفة الوجودية، نجدهم توقفوا عند نقطة التقاء لا تزال فاعلة، بمعنى رفضهم تجريد العقل الادراكي من وعيه القصدي، يعني تجريده من ملكة التعبير عن نفسه وذاتيته قبل تجريده من التعريف عن مدركاته الشيئية. العقل يدرك بخصائصه الجوهرية الثابتة التي منها الوعي القصدي، فالعقل بأدراكه موجودات العالم الخارجي لا يدركها من دون ملازمة سؤال لماذا يدركها؟ ولا نكتفي بتوضيح كيف يدركها؟ أي أن التعبير عن مدركات العقل يستبقها توفر شرطين هما موضوع ادراك العقل واقعيا أو خياليا، وثانيا الهدف المتوخى المطلوب قصديا من عملية الادراك وما هو الوسط الذي يحتويه العقل ومدركاته. كل مدرك مادي يكون ادراكه العقلي ناقصا حينما يكون تعبيره اللغوي وصفيا لصفاته الخارجية وليس أمعانا قصديا في معرفة حقيقته الوجودية.

لذا فالعقل لا يعقل الاشياء بمنطق جون لوك التجريدي وبيريكلي على صعيد الفكر فقط الذي يوازي الواقع الخارجي ولا يقاطعه الذي يدينه رورتي لكنه يعتمده في محاججته الفلسفية في ادانته انهمام العقل بالابستمولوجيا كمبحث تاريخي فلسفي.

وأيمان رورتي بتوازي نسقية نظام اللغة الداخلي كبنية مستقلة في قطع علاقتها بالانسان والعالم الخارجي، قبل وضع اكتمال نظام اللغة القائم على المعنى المجرد اولا قبل المضي في أعتماد نظام نسق اللغة تفسيرا للعالم وموجودات الطبيعة من ضمنها الانسان.

لذا مقولة رورتي بالوعي القصدي شرط ادراك العقل هو مانود تاكيد سلامته وصحته وأن كان الوعي القصدي لم يكن من اختراع فلاسفة العقل واللغة ابرزهم جون سيرل كما بيناه في اسطر سابقة... قصور الادراك هو تعبير عن تجريد فعل الادراك الحقيقي للعقل في معرفة الاشياء بادراك وعي قصدي هادف ولا يكون هناك معنى لادراك لا يتوخى ما هو مطلوب وراء عملية الادراك. الادراك وسيلة معرفية وليست هدفا معرفيا. ولا يلزم أن يكون للعقل فاعلية أدراكية بدون أسبقية قصدية تلازمه وتتقدمه. ولم تكن القصدية فتحا جديدا بالفلسفة التي ركزّت اهتمامها على تعالق الوعي بين فهم كلا من الذات والموضوع وعلاقة الوعي بالادراك وتعبير اللغة ايضا.

نجد رورتي يؤكد هذا المنحى القصدي في الوعي العقلي تشبيهه الاشخاص مثل الكتابات لهم صفات قصدية تسعى تحقيقها باسلوب الكتابة. فهو يؤمن بالاشخاص سلوكا معرفيا يرتبط بعلم النفس والاجتماع على صعيد السلوك الذي هو تجسيد لغوي غرضي. فكما يكون للاشخاص أهدافا يسعون تحقيقها هي نفسها الكتابات التي تلازمها قصديتها وتكون الاهداف التي تريد توصيل قصديتها بوسيلة لغة الكتابة. طبعا المنهج السلوكي باللغة الذي يعتمده فلاسفة اللغة الاميركان ينكره عليهم بشدة عالم وفيلسوف اللغة الشهير نعوم جومسكي في منهجه التوليدي القائم على الفطرة اللغوية التي تنمو طبيعيا مع تقدم الطفل بالعمر.كما ينكر ذلك جلبرت رايل فيلسوف العقل الانجليزي.

والاكثر أهمية أن فلاسفة التاويلية اللغوية التحليلية الاميركان مثل سيرل، وسيلارز، وكواين، وسانتيانا، وغيرهم يفهمون بأيمان مطلق أن كل تجديد فلسفي امريكي هو في جوهره تعبير عن الحياة بالاستناد الى مرجعية الفلسفة الاميريكية الام (البراجماتية) أو الذرائعية. فالفلسفة عندهم ليس مهمتها تغيير الحياة بل مهمتها فهم وتفسير الحياة بمنطق نفعي عملياتي واقعي يقوم على التجربة الميدانية وليس على تناسق النظام التنظيري البنيوي الذي يفتقد تجربته في الحياة. لا قيمة حقيقية لنظرية فلسفية أو ابستمولوجية لا تحقق منفعة بالحياة. وفلاسفة العقل واللغة الاميركان أنما يجدون في الفلسفات الاوربية والفرنسية منها بالذات هي تقليعات وموضات تعوّدها الفلاسفة الفرنسيين ويتعاملون معها الاميركان دونما المساس بمرجعية الفلسفة الذرائعية.

رورتي والعقل

يقسم رورتي كينونة الانسان كوجود فيزيائي كالتالي:

- الوعي ومركزه الدماغ والمشاعر والحركات الجسدية.

-  العقل الذي تدور حوله مواضيع المعرفة والذكاء واللغة.

-  الشخص في صفاته المنسوبة له الحرية، المسؤولية، الاخلاق.4

هذه الفعاليات التمييزية الصفاتية التي ذكرها رورتي هي وظائف العقل بدلالة تعريف معنى الوعي / ودلالة المعرفة والذكاء واللغة / ودلالة معنى الحرية والمسؤولية والاخلاق/. هذه الدلالات الثلاث المتفرعة على اكثر من منحى هي تجريدات ذهنية يطلقها العقل مصدرها الوحيد. لذا ما يرغب توصيله رورتي منها أن هذه التجريدات الذهنية المتفق عليها اصطلاحا لا معنى تجريدي لها ولا معنى حقيقي لمعرفتها بدون دلالة العقل البيولوجية الفيزيائية فقط.

رورتي رغم مزجه بين العقل غير الفيزيائي الذي ماهيته الفكر واللغة التجريديين حسب تعبير ديكارت، مع العقل الفيزيائي الذي يعتمده كعضو بيولوجي يتعالق بجسم الانسان لحين وفاته لم يخلط بين الفارق ماهو صادر عن مخ الانسان بيولوجيا، مع ما ينسب للعقل مهمته توليد الافكارالمجردة المعبرة عن مدركاته من المواضيع والاشياء. ديكارت حين اطلق مقولته العقل جوهر ماهيته الفكر التجريدي لم يكن يخطر في وارد تفكيره عن العقل الفيزيائي وغير الفيزيائي هما عقل واحد في التعبير عن المدركات بالفكر واللغة تجريديا. هنا نستطيع القول أن العقل غير الفيزيائي هو الانجاب اللقيط للعقل الفيزيائي وليس هناك من وارد صحيح في الفصل الحقيقي بينهما على صعيد الدلالة البيولوجية والتجريد فالعقل بدلالة الوظيفة الادراكية والتعبير عنها هو عقل واحد غير قابل للتجزئة.

ويميز رورتي بين الكائنات ذات العقول (الانسان) يقابلها الكائنات الفيزيائية التي لا تمتلك العقل مثل الجسد، المادة، الجهاز العصبي المركزي، والطبيعة . ويعمد الى تعداد صفات العقل الذي يخلط فيها عدم التمييز بين العقل كعضو بيولوجي فيزيائي جزء من تكوين الانسان يختص بمهام لا يمتلكها العقل غير الفيزيائي الذي له مهام لا يستطيعها العقل الفيزيائي ألا في المداخلة بينهما الفيزيائي مع غير الفيزيائي في التعبير اللغوي المجرد وهذا الخلط قصدي من رورتي وليس عابرا لا يفهمه فالعقل جوهر تجريدي واحد. ونرى تلك المواصفات الخليط التي أجملها رورتي بما يلي بعد التنبيه أن الكلمات المضافة بين قوسين هي تعقيب لكاتب المقال:

1- قدرة العقل على معرفة نفسه بصورة راسخة وهذه امكانية مميزة . (ولم يقل خاصية نوعية فيزيائية يمتلكها الانسان فقط، فالعقل لا يدرك ذاته بخاصية غير فيزيائية خارج الوعي القصدي الذي هو المنهج الساري المفعول الدال على ادراك العقل نفسه وادراكه موضوعاته بملكة تعبيرية لغوية تجريدية. ادراك الذات استبطانيا داخليا لا يخلو أو ينعدم فيه الوعي القصدي الخارجي، فالتفكير بموضوع هو الوعي القصدي المترتب على ذلك التفكير الادراكي).

2- قدرة العقل عن الوجود بمعزل عن الجسد. (خاصية غير فيزيائية للعقل ماهيتها التفكير المجرد بعيدا عن مؤثرات الجسم. العقل هو ادراك قصدي تعبيري عن الاشياء في تجريدها أي في انفصال العقل كموجود بيولوجي عنها، وارتباط تجريد العقل مع تعبيره عن الاشياء تجريديا لا يلغي استقلالية الموجود عن مدركاته كمواضيع واشياء).

3- لا مكانية العقل أي ليس له جزء أو عنصر مكاني. (ميزة غير فيزيائية يكون العقل فيه مفهوما لا يدركه غيره ولا يكون موضوعا لوعي غيره به، فالعقل غير الفيزيائي هو مفهوم مطلق ولا يمكن الاحاطة بتعريفه وادراكه الا بدلالة مدركاته).

4- القدرة على ادراك الكليّات. (ميزة فيزيائية للعقل وغير فيزيائية متداخلتين في وقت واحد، بمعنى يدرك العقل الماديات في كليتها كما يدرك غير الماديات في منهج التفكير التجريدي الموحد في كلا الادراكين، تفكير العقل الفلسفي شمولي في موضوعي الادراك المادي والخيالي).

5- القدرة على أستبقاء علاقات ليس لها وجود مثل القصدية . (خاصية فيزيائية للعقل تتداخل معها خاصية غير فيزيائية، والقول بالقصدية هي الشيء الذي ليس له وجود غير فيزيائي خطأ ينسف أمكانية العقل ادراك أي موجود مادي أو أي موضوع خيالي، صحيح القصدية ميزة تصورية تجريدية مسبقة يمتلكها العقل قبل تعبير الذهن واللغة عنها لكن قصدية العقل تشترط ادراك العقل لوجود شيء مادي متعين كموضوع يستبق التفكير به ادراكيا. وبخلاف غياب موضوع الادراك ينتفي ادراك العقل وتنتفي ملازمة القصدية له. القصدية ادراك عقلي يحمل معناه لكنه يفتقد التعبير عن نفسه فكريا لغويا الا بدلالة ادراك غيره من الاشياء والموضوعات..)

6- القدرة على استعمال اللغة (خاصية عقلية فيزيائية هي ميزة انسانية لا يمتلكها ولا يمارسها غيره من كائنات مثل الحيوان فهو يمتلك لغة على نطاق محدود جدا يفتقد بها الذكاء والوعي القصدي الناضج، والشعور بالزمن، اللغة وسيلة ذكية لانهائية الغايات والاستعمالات وهذا ما لا ينطبق على الحيوان الذي تقصر وظيفة اللغة عنده وسيلة اشباع غريزة الجنس، وتحذير نوعه من الخطر وهي لغة صوتية فقط تصدر عن حنجرة ليست متطورة صوتيا كما هي عند الانسان في مخرجاته الاصوات بدلالة اشارية مفهومة داخل الجنس الواحد من نوعه).

7- القدرة على الفعل الحر (خاصية فيزيائية يمتلكها عقل الانسان بأعتباره كائن تحكمه الحرية والارادة والاختيار).

8- القدرة على أن يشكل جزءا من مجموعة اجتماعية. (خاصية فيزيائية فالوجود الحقيقي لعقل الانسان هو أن يجعل منه كائنا أجتماعيا بالغريزة والحاجة الضرورية الملزمة له كموجود تشغل وجوده الطبيعة باحتوائها له).

9- العجز عن مطابقته بأي شيء بالعالم . (خاصية فيزيائية مع خاصية غير فيزيائية فقابليات العقل الانساني وملكاته التي لا حصر لها تجعل منه جوهرا متميزا لا ينوب عنه ولا يماثله شيئا بالعالم). النقاط التسع منقولة عن المصدرهامش5 .

لا يختلف اثنان أن هذه المواصفات التسع التي أجملها رورتي للعقل التي يتداخل فيها العقل الفيزيائي بما هو وجود عضوي المخ في جمجمة الانسان، والعقل غير الفيزيائي بما هو تجريد ماهيته التفكير باستقلالية عن ارتباطه البيولوجي بجسم الانسان وليس ارتباطه بعقله الفيزيائي داخل الجمجمة أذ كل تعبير لغوي تجريدي عن شيء هو صادر عن تفكير عقلي يستبقه. كما يصبح التعليق أو الايضاح عن كل فقرة صفاتية وردت مضيعة وقت لسهولة معرفتها أن الانسان هو العقل وبقية الاعراض والمواصفات التابعة هي خصائص عقل الانسان في حال تجريدنا العقل منها لا يبقى هناك كينونة انسانية سوية تمتلك وعيها، أو نحصل على انسان بلا عقل بمعنى مريض غير سوي. وشرحنا توصيفات رورتي التسع للعقل في تعقيبنا عن كل واحدة حصرناه بين قوسين نجده كافيا.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

............................

المصدر: ريتشارد رورتي/ الفلسفة ومرآة الطبيعة /ترجمة د.حيدر حاج اسماعيل 1ص 70/2 ص87/3 ص88/ 4 ص 89،/5 ص 90

 

محمد كريم الساعديمن اجل مدرسة تاريخ عراقية فلسفية

بدأت اوليات فكرة فلسفة التاريخ الشعبي معي، في محاضرات مادة فلسفة التاريخ لطلبة الدكتوراه منذ سنوات، ودار في ذهني ان اطبق مفاهيم  ابن خلدون وهيجل وكارل ماركس ونتشه وشبنكلر وتوينبي على مجتمعاتنا المحلية، وانا اعلم ان الكثير من شواهد فلاسفة التاريخ سيما توينبي هي شواهد من المجتمع المحلي . لكن فلاسفة التاريخ يوضفونها ضمن قواعدها العامة ونظرياتهم بوصفها تفاصيل دالة، شارحة .

وكتبت ونشرت منذ سنوات عديدة، تمهيدا لمدرسة تاريخ عراقية فلسفية متميزة،  افكارا منها:

1- منهجية استشعار الحادثة التاريخية.

 2- تطبيق الية التحدي والاستجابة لفلسفة التاريخ على الفكر الفلسفي.

3- فلسفة تاريخ القبيلة.

4- فلسفة التاريخ بين علم الكلام والتطبيق والمستقبل.

وما اقصده بفلسفة التاريخ الشعبي هي فكرة مرونتها التي اعدها اكبر من تصورات مدرسة الحوليات الفرنسية التي تعتمد على المعالجة الفكرية لجزيئات التاريخ مثل تواريخ العمارة والعبيد والغجر والفن وغير ذلك .

ان الية ونقطة ارتكاز فلسفة التاريخ الشعبي بشقين الاول ان تكون مادة وموضوعا لتطبيق الافكار والمفاهيم التي جاء بها فلاسفة التاريخ على المجتمع المحلي او المدينة والثاني هي استفزاز ذلك المجتمع المحلي واعادة بناء مفاصله الاجتماعية – السياسية – الثقافية والفكرية والادبية، وذلك بتلافي الاخطاء او بوساطة (الطريقة الغيرية) وسوف اتحدث عن هذا الان ولاحقا بمقال منفصل .

وبعض من غاية فلسفة التاريخ الشعبي انما تحاول:

1- التنبيه وفسح المجال لدراسة التاريخ المحلي بطريقة فكرية ترتبط بالتاريخ والمستقبل، على حد سواء.

2- تطوير وتنمية المدينة (اي مدينة) او المجتمع المحلي بقراءته وفق التاريخ المفلسف، وتجاوز الاخطاء، ومحاولة معرفة اسباب الفشل لوضع قواعد لتلافيها .

3- تكوين وتأسيس قواعد مهمة نقوم باشتقاقها من القواعد العامة لفلاسفة التاريخ وتطبيقها على حوادث المجتمع الشعبي المحلي التاريخية .

4- ان هذا المشروع يمزج بين الاسس الفكرية العامة الخاصة بفلسفة التاريخ وبين الجزئيات الخاصة بالمجتمع المحلي، وايضا السعي الى تحقيق التنمية السريعة .

5- تطبيق نظريات ومفاهيم فلاسفة التاريخ على الحوادث الشعبية والحروب والصراعات العشائرية والاقليمية والقومية والطائفية ....الخ . فالاقطاع وجد في مناطق مختلفة من العالم وليس روسيا فقط، وبامكاننا تطبيق اراء ماركس على جنوب العراق مثلا، مع الانتباه الى الفروقات الاخرى . وتبرز العصبية في طبيعة طبقة الزعامات في الجبل والريف والصحراء في كل بلد في العالم، وتختلف بعض تفاصيلها من مكان الى اخر . وهنا السؤال هل ان العصبية تطبق على الدولة فقط دون سواها، وايضا التبادل الدوري والحتمية والتحدي والاستجابة والاقطاع والسادة والعبيد ...الخ . الجواب كلا وفق دراستنا لمفهوم فلسفة التاريخ الشعبي، فمعظم المصطلحات الخاصة بفلسفة التاريخ تدخل بهذا السياق ولو بنحو جزئي .

6-  البحث عن محركات التاريخ المحلي وفهمها واعادة تقيمها وتوازنها.

7-  استشعار الحادثة التاريخية المحلية وفق اليات الاستشعار لغرض تغطية الحدث بشكل دقيق .

8-   فهم اسس الصراعات المحلية واعادة توجيهها وفق منهجية الغيرية الثنائية بمحاور منتجة اجتماعيا منها الثقافة والفكر والادب والفن .

ومثالي هنا هو توجيه الاستفزاز المعرفي والثقافي والعلمي وبطريقة سيناريوية واعلامية لمدينتين مثلا (ميسان وذي قار) وفق تأسيس ديالكتيك ومنهجية المنافسة بهذه المحاور وبطريقة تنمية كل ما هو مهم في المدينتين . وسيثمر الصراع الموجب عن نهضة ادبية وفنية وفكرية وعلمية، وهو خلاف صراع الثيران التي تحطم القرية او تثلم هويتها .

عند تتبعي لتاريخ هذه المدن وللعراق  بشكل عام وجدت بان مدنه هي مسرح للصراع الهامشي، ولعوائل وبيوتات تأسست بفعل الهجرة وتحدياتها، ففي الجنوب صراعات قبائلية مميتة لا ثبات الهويات بدأت منذ زمن بعيد وتبدو وكان لها ديالكتيكها ومحركها الخاص بها، وصراعها غرائزي يرتبط بالطبيعة وتحولاتها (اقصد ان الارض هي الموضوع المتصارع عليه)، وهدف الصراعات هو امتلاك الارض وبسط السيطرة، وهذا يشمل الدول العظمى والزعامات القبلية، مع اختلاف قسوة كل زعامة عن الاخرى، ومع وجود العثمانيين والانكليز، فان هذه القبائل كانت تتأثر بأداء القوى السياسية وبالبيئة، فكانت تدخل في صراعات سببها الجانب البركماتي الغرائزي، هنا نحن نحتاج تبيان القواعد التاريخية التي سارت عليها المدن والقبائل والمؤسسات وفئات المجتمع وقواعد الصراع والاشتباك، ومعرفة وعيها بمرحلتها وبيئتها في ذلك الوقت، وايضا معرفة محركات الخلافات المحلية الشعبية وتحليل ما تبع ذلك فيما بعد .

علينا تقصي اثر الاقتصاد والسياسة والادارة والفن والادب والتعليم والبيئة والدين ووجود المثال  في تغيير التاريخ المحلي لكل مدينة وقبيلة .

وسيكون من الملزم لنا معرفة:

1-  موت وانبعاث المجتمع المحلي او القبيلة، وانقساماتهم، ومعرفة طبيعة السيادة القبلية وتأثيرها – اثار الاعراق على التاريخ المحلي .

2-  اثر الطبقة الوسطى في فلسفة التاريخ الشعبي، سيما تلك التي تخلق النظريات الشفاهية او المكتوبة .

3-  متابعة الهوية المحلية وصمودها وفق التحدي والاستجابة  التوينبية وبروز الهوية الجماعية بالقياس الى الهوية الفردية مما قاد الى ضعف التنمية وبروز صورة القبيلة .

4-  تحليل المحركات المحلية لمجتمعاتنا الماضية، فمن الملاحظ ان الصراع الاجتماعي قاد تلك المجتمعات الى تنافس لم يثمر الا عن بداوة وقد وحدهم الاستفزاز الانكليزي بوصفه احتلالا نبهت على خطره المؤسسة الدينية فكانت تلك المؤسسة العامل الوطني الاول الذي تنبه لخطر الاحتلال الانكليزي وحاربه، كان ذلك قبل ان يستبدل الانكليز اليتهم بمعالجة المجتمع بأكثر من اسلوب طروادي لاختراق المجتمع المحلي، ومازالوا .

5-  من المحركات الشعبية تبرز الغريزة، الغيرية السالبة (الحسد) فكثير من الصراع سببه التحاسد، غيرية  الرجل او المرأة الريفية والتي قادت الى صراعات عديدة بداية من الاعداد الزمني الطويل لا بنائها للتصدي لشؤون القبيلة وانتهاء بالتحريض . وهذه الغرائز شغلت مخيلة القبائل حتى عن التفنن بزراعة الارض واستخراج خيراتها . وشغلتها عن ابتكار الوسائل الحياتية التي تقلل من الجهد الضائع، وقد كانت المخيلة في غالب تلك المناطق ضعيفة جدا .

وكان لا ثر البيئة في المجتمع الشعبي في العراق او في كل بلد، تأثيرا كبيرا ومهما، ولو طبقنا اليات توينبي لفهمنا ان الامكان الخصبة لنظرية التحدي والاستجابة انما هو في جنوب العراق، وغربه بفعل البيئة الصحراوية،وشماله ايضا، لكن تأثر القبائل كان بفعل الصراع السياسي او بفعل طموحات تغالب شيوخ العشائر، وساترك صراعات بني لام والبو محمد وبني اسد والسواعد في جنوب العراق لوقت اخر، لا نها كانت قتال قطع الشطرنج المتكررة التي تستبدل في كل مرة بقبيلة اخرى . ولكن ماذا سيقول توينبي عن صراعات المجتمع المحلي، انها بالتأكيد تحديات لاستجابات ساذجة قد يشفع لها ان مجنونا مثل هتلر وموسوليني وصراعات قادة وطغاة العرب كانوا يحركون التاريخ بشكل عابث .

6-  بإمكاننا الاكتفاء بموجات الهجرات الشعبية القبائلية، من دون وصفها بالحضارية، لان الحضارة هي ان تتشابه امة في العادات والتقاليد وغير ذلك، مع امة اخرى وان تتميز (وهذا هو المهم ) في البناء والعلم والثقافة والمعرفة والادب، وان تمتلك التدوين والاثر الذي يبقى بمثابة الشاهد .

7-  لا تؤثر في حديثنا عن فلسفة التاريخ الشعبي صورة ان قواعد فلسفة التاريخ العامة ثبتت بوصفها تتحدث عن وقت زمني طويل يعد بالآف السنوات، فالدافع هو معرفة التاريخ القريب وفق خضوعه لقواعد الفعل الانساني الفردي او الجماعي واثر تلك الافعال على التكتلات البشرية والقبائل والعشائر بشكل عام .

8-  قد لا تتعلق فلسفة التاريخ الشعبي بدراسة الحضارات بوصفها حضارات او الدول وتقلباتها، لكنها تتداخل مع فلسفة التاريخ العامة بمفردات مهمة كما بينا منها البيئة والفعل الانساني وتعدده، واذا اختصرنا فانه ستبرز مصطلحات بيئة فلسفة التاريخ  الشعبية في مجمل مناطق العالم ومنها ( المجتمع الارستقراطي، الازمات (العامة – المحلية )، التحدي والاستجابة، السادة والعبيد، البداوة، الاقطاع، العصبية والياتها، الاقليات، البطل المحلي والبطل الديني، تاريخ الطبيعة المحيطة، الحتمية والدين، الزعامة والزعامات، السرد التاريخي، صراع الطبقات، الصراع ...الخ .

اظن بان المقال لن يفي حق الموضوع ونحتاج لتفصيل اخر بالتأكيد، ولكن يمكننا ان نفكر باثر الاقتصاد على مجتمعنا الشعبي على مر مئات السنوات وهذا هو احد محركات التاريخ المحلي بالإضافة الى الصراع الاثني والطائفي والعرقي ربما ايضا يحرك تاريخنا المحلي بصورة متقطعة .

وبإمكاننا ايضا تقسيم تاريخ المدينة الواحدة او المجتمع الشعبي ككل على مراحل مهمة ودراسة تلك المراحل وفق سياق تحليلي تاريخي مع قراءة تحليلية لدويلات بعض القبائل الكبيرة التي اسسوها وخصائصها، ودراسة الروابط بين الريف والبرير او الصحراء والجبل، وتطبيق المفردات النقدية لفلسفة ماركس الاشتراكية على اريافنا وصحارينا، فقد زخرت كل البلدان الفقيرة المتخلفة بالطبقية والبرجوازية والرأسمالية، ويندر ان تجد تنويرا في بيئة الصراع القبائلي .

 

د. رحيم الساعدي

 

حاتم حميد محسنيبدو للوهلة الاولى ان كلا الفيلسوفين يتمسكان بمبادئهما المتضادة وان معتقداتهما تتعارض دراماتيكيا، فاذا كان هرقليطس يؤكد على التغيير والحركة الدائرية للاشياء، نرى الثاني ينكر وجود ذلك. هرقليطس يرى الوجود الحقيقي دائري يتحول الى لا وجود، وان الحياة تتحول الى موت وان ما يحدث من تغيير هو أبدي ودائري (غراهام). بينما بارمنديس يرى الوجود الحقيقي بلا حركة وثابت، وانه لايتغير خلف مظهر التغيير. كلا الفيلسوفين وبشكل غير مباشر يلغيان الموت من خلال ختم الصيرورة بختم الوجود (Mcfarlane) .

في الحقيقة، كل من بارمنديس وهرقليطس أكّدا على شيء واحد. هما فقط طبّقا اتجاهين مختلفين لكي يعلّما نفس الشيء. هرقليطس أكّد بان مختلف المظاهر تتغير، ولذلك فان الأضداد توجد في ترابط داخلي معتمدة على بعضها البعض وهي في حالة اتحاد. هو تصوّر وحدة الاضداد وآمن بالصيرورة، بينما بارمنديس رفض الأضداد، وركز على إبراز الوجود مدّعيا "ان الوجود هو غير متولد ولايتحطم، هو كلي، نوع واحد وتام وراسخ. هو لم يكن في يوم ما وسوف لن يكون، طالما هو الآن كائن، مجتمع الى بعضه، واحد ومستمر". ولذلك فان المظاهر المختلفة للواقع لا تتغير في حقيقتها، لأنها بهذا سوف لن توجد. برمنديس اعتبر التغيير مستحيلا، لأن كل شيء يبقى على ذاته، لكونه عنصر ثابت وواحد، لكن هرقليطس على الضد من ذلك، اكّد بان كل شيء يتغير وفي تدفق دائم، واصبحت بعض اقواله شائعة بين الناس مثل "كل شيء يتدفق" و "انت لا تستطيع النزول في نفس النهر مرتين". هو يرى ان الشيء وبفعل سرعة التغيير، يتبعثر ثم يجتمع مرة اخرى. لذا فان النهر سيكون مختلفا في كل مرة. وبسبب اعتباره الحركة تغييرا، عُرف هرقليطس بفلسفة "التدفق والنار"العالمية التي كانت الاساس المادي للعالم، بالاضافة الى نظريته في تزامن الاضداد المثيرة للجدل. كان هرقليطس مستقلا عن المدارس المحددة لأن تراثه متعدد التفكير ويضم عناصر من الوحدة المادية والكوزمولوجيا العلمية والميتافيزيقا والعقلانية، لكن الشيء المؤكد انه كان فيلسوفا ثوريا ورغم ان أعماله خضعت للدراسة العميقة لكنها بقيت شائكة وصعبة التفسير(غراهام). هرقليطس يعرض استعمالات للطريقة الاستقرائية يريد بواسطتها من الآخرين فهم العالم، هو يعرض دائما موقفا بسيطا معطيا صورة رمزية واضحة، ولهذا هو يمكّن القرّاء من تعليم انفسهم. ولكي يجعل عقيدته مثمرة، يستخدم هرقليطس في كلامه وسائل اسلوبية من بلاغة وجناس دفاعا عن النظرية. هو يكرر دائما ان قرّائه سوف لن يفهموا رسالته، لكنه يعدهم بمحاولة توضيح كل شيء هو قادر على رؤيته:"يميز كل شيء طبقا لطبيعته ويبيّن كيف هو "(غراهام). ان الشكل الذي يعرض به هرقليطس عمله هو اساسي لفهم جوهر ذلك الشكل، هو يستعمل تقنية من التعقيدية اللفظية والغموض النحوي، فمثلا، شارلس خان يصف اسلوبه بكلمتين"الكثافة اللسانية"و "الصدى". في اسلوبه المشابه لبرمنديس يُفترض انه كتب كتابا واحدا فقط سمي "حول الطبيعة"والذي لسوء الحظ ورد فقط على شكل مقاطع او عبارات، كانت في الأصل تضم 800عبارة. اما برمنديس فقد خالف الطريقة التقليدية في النثر واستخدم الشكل السداسي الذي اقتبس منه المؤلفون اللاحقون وحفظوه لأجيال المستقبل. برمنديس يتحدث مناصرا لمبادئه في المقدمة التي لها عدة تفسيرات مختلفة واعتُبرت من جانب المدارس المعاصرة مظهرا للاحادية الصارمة والديالكتيكية المنطقية وغيرها. في عمله كان يتعامل مع الربة goddess التي يجب ان تكشف لبرمنديس كلا الطريقتين وهو يجب ان يختار الأحسن من بينهما. الطريقتان تعرضان خطأه السابق والحقيقة التي تصبح واضحة له. العمل يتألف من جزئين، الاول يتعلق بالحقيقة او "الواقع الحقيقي" والثاني يتعامل مع عالم الوهم، عالم الاحاسيس والآراء. في العبارة رقم 8 تذكر الربة مبادئ الفيلسوف للثبات العالمي بادّعائها "حتى الان تبقى حكاية واحدة وهي ان ما هو كائن كلي وموحد وتام" وحيث الماضي والمستقبل هم بلا معنى للعقل. برمنديس اعتقد ان "الواقع يجب ان يكون بالمعنى الاكثر صرامة" وان اي تغيير فيه غير ممكن.

من اللافت، في قصيدة برمنديس نجد الربة تنتقد الناس العاديين لكونهم يسترشدون بحواسهم. على عكس هرقليطس، نجد برمنديس يحكم فقط بالعقل ولايثق ابدا بالحواس. في التصور الانساني العالم لاشيء الا"مظهر مخادع"(بالمر). العديد من المقاطع الاخرى تشير الى ان برمنديس لامس موضوعات في علم وظائف الاعضاء والفكر الانساني وادّعى ان ذواتنا مخادعة وتؤكد على ابراز ذاتية التصور الفردي.

هرقليطس يؤكد ايضا على الشأن الانساني واعتُبر اول انساني، وهو ما يثبت جهل الناس بافكاره. مع انه اعتقد ان الناس هم دائما غير قادرين على الفهم، والحكمة، هو لا ينكر اهمية الاحاسيس ويقول:"انا افضل الاشياء التي يكون بها بصر وسمع وممارسة". ربط هرقليطس تراكم الحكمة بالاحاسيس والذاكرة بدلا من المعرفة، والاخيرة ليست بالضرورة تعلّم الناس الفهم. لذا وطبقا لهرقليطس،، الناس لا يتعلمون بالتجربة، لأنهم لايمكنهم تحويل المعلومات التي يتصورونها، ومع ذلك لايزال الناس يمارسون "المعرفة الذاتية والتفكير السليم". لفهم افكاره يجب على المرء الامساك بتعقيديتها واكتشاف وحدة العناصر(غراهام).

طبقا لغيثري Guthrie، لايرى برمنديس وجود للكوزمولوجي، لأنه عرض براهينا لإستحالة وجود الأضداد. وحين يتصور تعددية العقائد العادية، يذكر برمنديس مبادئ الكوزمولوجي في المقطعين (8 و 9) حيث يناقش فيهما الضوء والليل بالاضافة للنجوم والشمس والقمر والأرض ذاتها. لاحظ غوثري معلقا على كوزمولوجيته لكي تبقى فلسفته فقط"وسيلة ديالكتيكية" فهي تُستخدم لرؤية صورة العالم الفيزيقي والمحسوس (بالمر). الدليل على ذلك وُجد في كلمات الربة عندما هي تصف الكوزمولوجي بـ:"الايمان بالموت". خلافا لبرمنديس، بما ان هرقليطس كوزمولوجيا فهو يذكر في نصوصه الكوزموس "نظام" يصف العالم حولنا، الذي يتميز بالنار. النار وُصفت في عقيدته كأصل الكل، كل الأشياء مجرد تجليات للنار وهي رمز للتغيير لأنها لايمكن ان تكون هي ذاتها ابدا، طبقا له، بدون تغيير سوف لن يكون هناك عالم. ان العناصر هي في توازن كوزمولوجي (كوني) وتباشر تحولات ابدية مع عدم اكتساب اي عنصر منفرد للهيمنة (غراهام). هرقليطس يقول في عمله (تحوّل النار: اولاً بحر، ونصف البحر هو ارض، والنصف الثاني انفجار ناري).

خلافا لبرمنديس الذي أثبت استحالة وجود الأضداد، أدخل هرقليطس فكرة تزامن الأضداد وناقش الارتباطات بينها قائلا:"البحر هو الماء الأنقى والأكثر تلوثا: لأنه صحي وقابل للشرب من قبل الأسماك، ومؤذي وغير قابل للشرب من قبل الانسان". طبقا لهرقليطس، النوعيات المتضادة متداخلة "في نفس الشيء"، هو يؤمن بأن نفس الشيء حي وميت في نفس الوقت، انه يقظ ونائم، شاب وكبير(غراهام). غير ان هرقليطس يشدد على انه مع ان الاضداد مترابطة، لكنها لا تشبه بعضها ابدا. تزامن الأضداد يؤدي الى تناقضات لا يمكن تجنبها من جانب هرقليطس. بارنيس، مثلا، يلوم الباحثين في مخالفة مبادئ المنطق وجعل المعرفة شيئا مستحيلا(غراهام).

في تحليل عقائد هرقليطس كتلك الداعمة للتغيير الراديكالي، نحن نرى في تدفق هرقليطس حالة من وحدة الاضداد التي وُصفت في عقيدته. لكن المحللين المعاصرين يدّعون، هو لا يمكنه ان يكون مؤمنا في التدفق الراديكالي وموحدا في آن معا، لذا هو بالتأكيد تعددي يجادل لأجل السيطرة الذاتية والاعتدال ويعتبر الروح المركز الاخلاقي لوجود الانسان (غراهام). في احتقاره للعاطفة، هو يعجب بالقوة النابعة من اتقان الذات والتنقية الذاتية:"ليس جيدا للرجال حصولهم على كل ما يرغبون. مهما تكن رغباتنا فهي تأتي على حساب الروح".

برمنديس يناقش ايضا سلوك الناس، ويهتم في تفكير الانسان وتبريراته، حتى وان كان نقاشه بتلك المسألة يتعلق بالكوزمولوجي. الارتباطات تصبح اوضح عندما يناقش نطاقا واسعا من الظواهر الطبيعية. الوجود احادي صارم، كذلك اعتقد هرقليطس في الحرب، هو امتدح الحرب واسماها"القوة المرشدة في العالم"مدّعيا ان "الحرب هي أب الجميع وملك الجميع، بدون الصراع سيكون لدينا فقط نمطية واحدة بلاحياة". هرقليطس بالاضافة الى برمنديس يتحدثان عن الله، لكن هرقليطس لايعني بذلك اله الاغريق ولا كينونة شخصية. هو يرى ان الله موجود في كل روح وفي كل شيء منفرد في العالم. وطبقا لنظريته في "النار والتدفق" هو يوضح وجود الله في كل شيء على الارض.

واذا كان احدهم يرى ان الكون ثابت وابدي وبلاحركة وينكر التغيير والصيرورة، فان الآخر يؤكد على كل تلك ويفتح افاقا جديدة للفكر اليوناني عبر إدخال نظريته في "التدفق والنار"، كلاهما اثّرا على الفكر الفلسفي وتحدّيا نظريات أسلافهم عبر تطوير نظريات اكثر تعقيدا. برمنديس كونه موحدا ميتافيزيقيا، وهرقليطس مستقلا عن أي نظرية قديمة، موحدا ماديا وكوزمولوجيا علميا وعقلانيا، لديهما الكثير من المشتركات . غير ان هيرقليطس يُفترض انه حفّز برمنديس لتطوير نظرية مقابلة، وبهذا يمكن رؤيتهما كممثلين يناصران التدفق المستمر والسكون الكوني.

 

حاتم حميد محسن

 

علي محمد اليوسفبحسب الفيلسوف الامريكي المعاصر ريتشارد رورتي 1931- 2007 يختلف ما هو عقلي عما هو فيزيائي، وهذا الاختلاف كان بدأه ديكارت في تقسيمه العقل نفسه الى فيزيائي مرة والى غير فيزيائي تارة اخرى، فالعقلي ويقصد به الانسان هو ما يعقل ذاته ويعقل موجودات العالم الخارجي، ولا يشترط أن يكون الفيزيائي (المادة) يمتلك هذه الصفة الاعجازية الادراكية التي يمتلكها العقل.

فالطبيعة بكل موجوداتها وتكويناتها لا تمتلك ميزات العقل الانساني في وعيها لذاتها ولا وعيها بعض تكويناتها المتعايشة معها ولا وعيها بعض القوانين الفيزيائية التي تحكمها، فالطبيعة تدرك بموجوداتها عقليا بالانسان كوعي والموجودات الاخرى من الكائنات التي تمتلك عقلا كالحيوانات التي يكون ادراكها الطبيعة محدودا جدا بالقياس لادراك عقل الانسان الذكي في وعيه المستقبل.

وبعض كائنات الطبيعة كالحيوانات تمتلك عقلا لكنه يختلف عن عقل الانسان بصفات عديدة سنأتي على ذكرها وهي تتجاوز ملكة العقل الانساني في وعي ذاته وموجودات الطبيعة من غير نوعه، وعقل الانسان عقل ذكي على مستوى أحساسه بالزمن، وكذلك عقل الانسان يمتلك ابتكارا واختراعا لغة تجمع النوع الواحد من جنسه. وجميع هذه الصفات وغيرها هي عقل الانسان في جوهره المادي. وليس في جوهره اللافيزيائي الذي حدد ديكارت ماهيته التفكير فقط في التعبير عن الوجود واكتساب المعرفة.

ولم يكن ديكارت يشغله أكثر من أن يكون العقل كتكوين فيزيائي بيولوجي أو غير فيزيائي لا بيولوجي منفصل عن الجسم، بحسب حاجته التعبير عما يحققه العقل من اهداف يضعها ديكارت قبل وجودها الواقعي ورغبة الادراك العقلي لها. وبقدر أهتمامه الذي كان يحاول فيه التوفيق التلفيقي بين وظيفة العقل المنفصلة عن الجسم كجوهر ماهيته توليد الافكار لطرح وجهة نظره التي يقرن بها العقل مع النفس كجوهرين غير فيزيائيين خالدين في انعزالهما عن الجسم، وأراد ديكارت بذلك المراوغة في تحييد العقل عن التداخل مع لاهوت الدين بنفس أهميته أن لا يتقاطع العقل كفلسفة مع العلم. لم يكن ديكارت الفيلسوف الوحيد الذي لا يميز بين العقل العضوي الفيزيائي الذي هو المخ بتكويناته، وبين العقل ماهيته التفكير الذي اسماه غير فيزيائي لأنه لا يدرك بغير دلالة غيره من موضوعات، وهنا العقل المقصود غير الفيزيائي اللامادي هو نوس nose   تقتصر ماهيته على التفكير وتوليد الافكار المجردة التي لا وصاية للجسم عليها لكن وصاية العقل العضوي يبقى ساري المفعول عليها.. كون تجريد خلق الافكار الذهنية لا تأخذ مصداقية معناها من غير وصاية العقل العضوي عليها. صحيح أن التفكير واللغة هما موضوعان تجريديان لكنهما عاجزان عن التفكير وأختراع اللغة في التعبير عن الاشياء من دون وصاية دماغ الانسان العقلي عليهما. وبغير هذا الترابط لا يبقى هناك معنى لتفكير ولا يبقى هناك معنى للغة من دون وصاية العقل عليهما. فمصدر التفكير ليس اللغة وأنما هو العقل. فالتفكير توسيط بين العقل واللغة.

نفهم من التفريق الذي طرحه رورتي بين الفيزيائي والعقلي أنه أراد أسقاط هيمنة مبحث الابستمولوجيا كأولوية أهتمام العقل بها باعتبارها الفلسفة الاولى التي اشغلت فلاسفة القرن السابع عشر معتبرين مهمة الفلسفة تفسير كيف يمكننا الحصول على المعرفة.، بخلاف ديكارت الذي أراد تحييد العقل من المساس بما يراه الدين صحيحا حتى لو عارضه العقل برؤاه... العقل في تمسكه بالابستمولوجيا كهدف ومبحث فلسفي سابق على كل ما يشغل أهتمامات الفلاسفة في عصره  وما قبله.

ولم يكن ديكارت يجرؤ البوح العلني أن وسيلة تحقيق وتحصيل المعرفة في عصره لا يكون بغير توسيط العقل ليس كتجريد لغوي غير فيزيائي وأنما كجوهر فيزيائي يتعالق بموجود جسم الانسان بالحياة والفناء. والسبب في الفرق بين ديكارت ورورتي هو المدة الزمنية التي تقارب ثلاثة قرون تفصل بينهما في أختلاف  فلسفتيهما في مراكمة مفاهيم فلسفية جديدة.. فديكارت الذي قال أن مهمة الفلسفة المركزية الاولى هي تحصيل المعرفة أبستمولوجيا، جاء رورتي معتبرا فلسفة العقل واللغة هي ما يتوجب العناية والاهتمام بهما في القرن العشرين والعقدين اللذين تلاه. ولم يبق تلك الاهمية لخدعة ديكارت حين أضل الفلسفة بمفهوم الابستمولوجيا بحسب أدانة فلاسفة اللغة لديكارت.

فكلاهما ديكارت ورورتي لا يختلفان بأن ماهو فيزيائي هو الذي تنطبق عليه قوانين الادراكات المادية، والعقلي هو الذي يدرك كل ماهو فيزيائي بالفكر المجرد الذي لا يسعى تحقيق وجوده الفيزيائي المادي على حساب التفريط بأهمية تحولات فلسفة العقل من فلسفة تعنى بمركزية تحصيل المعرفة ، الى فلسفة عقلية تقوم على تفسير العالم بفلسفة اللغة وليس بقوانين تأتي من خارج نظامها اللغوي الخاص المستقل بها كبنية نسقية لا ترتبط بالعالم الخارجي.

ما فعله رورتي فلسفيا على مستوى كبير من الاهمية في الغائه مركزية العقل كمصدر للمعرفة، والثاني في أعتباره نظام فلسفة اللغة هو نظام التوازي مع الواقع لا يقاطعه ولا يحاول التداخل التفسيري معه. والثالث اللغة نظام لا تحكمه القوانين التي تحكم العالم الخارجي، فاللغة نظام مستقل داخل منظومة قواعده في النحو والاستعارة والمجاز وفائض المعنى في معرفته تفسير العالم بسلطة اللغة ذاتها وليس بسلطة قوانين الطبيعة الثابتة منها والوضعية ايضا التي أخترعها الانسان معرفيا علميا.. وبهذا غادرت اللغة خاصية التعبير التجريدي عن الاشياء الى خاصية امتلاكها نسقا بنيويا مستقلا بها وحدها.

في التحول اللغوي الذي ارسى فلاسفة اللغة والتحول اللغوي ونظرية المعنى مفاهيمه الفلسفية بالقرن العشرين لم تبق هناك حاجة بعد استنفاد العقل لمزاياه الموروثة التي أسقطتها عنه فلسفة ما بعد الحداثة بتنوعاتها الفلسفية بدءا من البنيوية والتفكيكية والتاويلية والعدمية والعبثية، الى وجوب الابتعاد عن قياس فاعلية العقل بعلاقته التواشجية الجدلية عبر القرون مع الواقع المادي.. حينما كان الفرد هو مركز استقطاب دوران الفلسفة حول الانسان كذات وكينونة وماهية وصفات وهي العصور الزمانية التي حكمت الفلسفة منذ ما قبل سقراط والى نهاية القرن السابع عشر عصر فلسفة ديكارت العلمية.. التي لم تفارق قدسية الذات الانسانية لكنها أي الديكارتية فتحت ابواب الفلسفة على العلم بتكامل مع فرانسيس بيكون.

في عصر ديكارت حاولت الفلسفة الاهتمام بالمعرفة (الابستمولوجيا) في تقريبها الشديد من دعم العلم  وتحصيل المعرفة الابستمولوجية باشتراط مهادنة الدين وتحييد اللاهوت ورجال الكنيسة لاقصى درجات التحفظ من الاصطدام المباشر بهم. أي اراد ديكارت تلفيق جمع متضادين لا تربطهما علاقة جدلية معرفية، ولا تربطهما علاقة عقلية سيسيولوجية انفصالية هي بمصطلح اليوم (علمانية) لم يجرؤ ديكارت التصريح بها ليس لأن مصطلح العلمانية لم يكن معروفا عصرذاك وأنما من ثبات الاتهام بالزندقة والهرطقة وملاحقة ما يسمى لجان التفتيش سيئة الصيت التي تطال كل من يجرؤ التطاول على أهمية وصاية لاهوت الدين وما يقوله رجال الدين على تجاوز حرمة فصل العلم عن وصاية تعاليم رجال الكنيسة ولم يكن دقة المصطلح (العلمانية) واردا الذي كان تبلوره النهائي تم في عام 1905 في فرنسا كتشريع قانوني ملزم بعد رسوخ مفاهيم الثورة الفرنسية...

هذا التضاد بين العلم والدين اراد ديكارت حسمه بالتلفيق والدوران حول المشكلة دونما المساس بتغيير أي شئ بين القطبين المتنافسين أكثر من انحيازه نحو العلم بمهادنة الدين، وقلبت المعادلة في تغليب أهمية مركزية الدين كفلسفة اولى بدلا من العلم طيلة مدة القرون الوسطي الاوربية، الى وقت مجيء عصر الانوار الذي سبقته النهضة والاصلاح الديني في وجوب أعطاء ما لله لله وما لقيصر لقيصر، بمعنى فصل الدين عن العلم وحياة الانسان وحريته الاعتقادية بما يجده ملائما له بحياته. وهكذا بقي المتضادان لا نقل متعايشان بل بقيا في أستقلالية أحدهما بعيدا عن التدخل بشؤون الاخر وأستقر هذا الاتفاق المعلن الى يومنا هذا بالتوافق بين الطرفين.. مع دخول عصر الحرية والمساواة والانتخابات وحقوق الانسان في مغادرة جحيم القرون الوسطى الاوربية وسلطة لجان التفتيش بوحشيتها المروّعة.

العقل اليوم وأهمية ماذا؟

أصبح العقل اليوم لا يستمد مقوماته المادية بمعيارية المقايسة التداخلية مع الواقع المادي ولا مع الانسان كعالم مستقل بذاته كهوية ماهوية كان قائما وأنهار كقيمة عليا بتقادم تراجع هيمنة المعرفة عن ملازمتها له، لذا أصبح في فلسفة العقل واللغة اليوم الانسان والابستمولوجيا والعقل من مخلفات الميتافيزيقا التي خرجت عليها فلسفة ما بعد الحداثة، أكثرها تطرفا فلسفة دريدا التفكيكية بضراوة شديدة غير معهودة سابقا على معاداة العقل والذات والابستمولوجيا ليس في سبق يحسب لها بل في موروث مقتبس افادت منه جاءت به فلسفة اللغة التي تبلورت بشكل تنظيري فلسفي على ايادي اقطاب البنيوية فريجة ودي سوسير وفينجشتين ومن بعدهما حلقتي فيّنا واكسفورد في التحليلية والمنطقية الوضعية وصولا تشعبات فلسفة اللغة الى تيارات متنوعة لايمكن حصر فلاسفتها ورؤاهم المستمدة جميعا من الفلسفة الأم الاولى فلسفة اللغة والمعنى التي هيمنت فلسفة اولى بالقرن العشرين.

وأصبح يراد المطلوب من فلسفة اللغة اليوم التحررمن تداخلها مع فلسفة العقل الخالصة في تمجيدها وتبنيها النزعة العلمية التي بدأها بيكون وديكارت في تكريسهما لها على وجوب أن تكون المعرفة هي جوهر تلاقي العقل مع العلم الطبيعي. وذهب ديكارت الى نوع من الموائمة التي تجعل العقل في تكامله المعرفي مع العلم والدين تلفيقية ساذجة . على العكس تماما مع ماحصل في فلسفة العقل واللغة اليوم في ابتعادها عن تعالقها مع العلم وكل من الابستمولوجيا والدين. واشتغلوا على فلسفة العقل التي لا توازي فقط المعرفة بل التقاطع معها  كما في اقطاب فلاسفة التاويلية، في تحقيق مهادنة التوافق مع اللغة في تياراتها المتعددة التي يحتويها التحول اللغوي وفي نظرية فائض المعنى الذي تدخّره اللغة على الدوام في تعدد القراءات الجديدة وتأويل النص في البحث عما وراء الكلمات في غير المباح عنه.كما اعتمدها رولان بارت، فوكو، وسوسير في البنيوية وعمق هذا التوجه بعدهما بول ريكور في التاويلية (الهورمنطيقا)، لتجد فلسفة اللغة كبنية تجريدية لا علاقة لها بالعقل والانسان اوج الاهتمام بها في تفكيكية جاك دريدا.

العقل في فلسفة اللغة اليوم تراجع الى ضرورة الاكتفاء الذاتي القائم على ترابطه الفيزيائي بالجسم، ولم يعد تنطبق عليه مقولة ديكارت التي فقدت بريقها العقل جوهر لا فيزيائي ماهيته التفكير وحتميته الخلود في ملازمته خلود النفس. هذا التفريق الذي كان تطرق له ديكارت بتردد خجول بين أن يكون العقل لا فيزيائي أكثر منه فيزيائيا ما ترتب عليه انتشار مقولة ديكارت أن وسيلتنا الوحيدة في معرفة انفسنا والعالم والطبيعة من حولنا هو العقل الذي لا يقاطع ولا يتداخل مع ما هو ديني. وكان الفارق الزمني بينه وبين التقائة بفلسفة فرانسيس بيكون لا يتجاوز بضعة عقود في توجههما تتويج العقل أثمن قيمة في معرفتنا العالم وتحقيق تقدمنا العلمي فيه. ودام هذا الاعتقاد الفلسفي راسخا قرونا طويلة الى أن كنسته تماما فلسفة العقل اللغوي ونظرية التحول وفائض المعنى في الفضاء الرحب الذي فتحته ما بعد الحداثة أن من حقك أن تقول كل شيء ولكن ليس من حقك مصادرة أي شيء لغيرك هو حر في أمتلاكه أو الايمان به يخالفك الرأي فيه ...

هذه الارضية مهدت لريتشارد رورتي وعديدين من فلاسفة اميركان مثل جومسكي، سيرل، كواين، وسيلارز، وسانتيانا وغيرهم من اقطاب فلسفة اللغة ونظرية المعنى والتحول اللغوي الى تنحيتهم العقل مصدرا للمعرفة، بدلا من المعرفة التائهة التي باتت تبحث عن وسيلة التعبير عن ذاتيتها في تغييب سندها الصلب العقل الذي أسقطته ما بعد الحداثة معتبرة أياه ميتافيزيقا تجاوزها الزمن من منزلة الاحتكام والمرجعية التي يقاس الصواب والحقيقي بمعياره..

فلسفة العقل واللغة

من المثير للاستغراب اننا اذا ما تماشينا مع نظرية أعدام العقل وسيلة معرفية يمكن الوثوق بها، فأننا بقصد نعيه ندركه أو بقصد لا نعيه ولا ندركه نضع (العلم) في قفص الاتهام بتهمة تضليله العقل، أو تضليل العقل له لا فرق... وبهذا نجد أقصر السبل في مصادرة العقل وأستهدافه في أستبعاده وانفكاكه عن الابستمولوجيا التي أخلت موقعها كفلسفة أولى لازمت العقل قرونا طويلة، وكذلك أستبعاد العقل عن تعالقه بكل واقعي في تعطيلهما معا وظيفة كل منهما الاخر.

لم تكن فلسفة العقل واللغة تقوم على مكنة وقدرة العقل فهم العالم الذي وصل قبل نهايته الى طريق مسدود في ما بعد الحداثة، لذا نجد فلسفة اللغة أعتمدت العقل بما لا يفقده آخر معاقله في التجريد في وقت لا يكون العقل ينتزع من اللغة طوباويتها التي تدور حول مركزية تاويل النص اللغوي في تعدد القراءات التي يتمحور دورانها حول خاصية اللغة في ملاحقة فائض المعنى الذي تدّخره اللغة بما هي لغة قبل أنهمامها أن تكون وسيلة العقل في فهم العالم وتفسيره والتعبير عنه. وهذه الميزة اللغوية النظامية تفتقدها صرامة العقل الذي يرى الواقع بعيدا جدا عن أهتمامات الفلسفة اللغوية المعاصرة.. وبقي تجريد اللغة في فلسفة اللغة هو عملية التفكير اللاعقلي في تنحية واستبعاد الواقع عن تعبيرات اللغة عنه بما هو معرفة وليس بما هو وجودا. بمعنى على خلاف أن تجريد اللغة هو تعبير العقل عن الواقع نجد فلسفة اللغة رأت في تجريد اللغة الاهتمام بنظام نسقي خاص بها بعيدا عن أي التزام آخر، ولو استطاعت فلسفة اللغة الغاء التوظيف التواصلي كخاصية سيسيولوجية لغوية لما قصّرت المطالبة به في القفز من فوقه في تعالق اللغة بالواقع الاجتماعي على الخصوص. وعديد من فلاسفة اللغة ذهبوا بهذا المعنى في استهجانهم أن تكون اللغة توسيط فهم الواقع التواصلي والتداخل به. على حساب بحث اللغة تأسيس نظام لغوي خاص بها بعيدا عن الواقع الاجتماعي والطبيعي. ولعل بول ريكور وفلاسفة المنهج التاويلي بعده ومن مجايليه ذهبوا هذا المذهب المتطرف.

يتبع في ج2

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

محمود محمد عليفي هذا المقال نختم حديثنا عن مناظرة جون ستيوارت مل مع هيوول؛ حيث  يمكن القول بأنه: عندما قرأ جون ستيوارت مل كتاب فلسفة العلوم الاستقرائية لوليم هيوول، قرر أن يناظر هيوول حول القضايا الجديدة التي صاغها في كتابه وقد سجل مل تلك المناظرة عبر فصول كتابه " نسق المنطق" system logic،ثم قام هيوول بالرد علي تلك المناظرة، وذلك في الجزء الثالث من فلسفة العلوم الاستقرائية والمسماة بفلسفة الكشف .

نبدأ أولاً: بالخلاف حول كلمة الاستقراء فقد اتفق كلا منهما مبدئيا علي استخدام الكلمة للدلالة علي أي إجراء علمي يبدأ من وقائع خاصة ومحدودة وينتهي بقضية عامة سواء علي تلك الحالة موضع البحث أو علي غيرها وعلي استخدام كلمة الاستقراء أيضا علي عملية ملاحظة النظريات ككل وعملية ربطها معا .

وإذا كان مل وهيوول اتفقا حول معني الاستقراء، إلا أنهما اختلفا حول الأمثلة التي يقدمها كل منهما، فمل يري أن الاستدلال القائل: " كل البشر فانون " المشتق من القضية " بيتر وجون وبول .... الخ فانون "، هو مثال للاستقراء . إلا أن الإجابة المفاجئة هو أن هيوول استدل علي أن " كل ما ينتمي إلي ب من القضية القائلة " كل ما يمكن ملاحظته لـ أ يمكن ملاحظته لـ ب  " وصف لا يتوائم مع الاستقراء .

ويشرح هيوول ديناميكية أمثلته التي يعطيها للاستقراء قائلاً " أنه قد يبدو أن الأمر يتكرر تخيله  بأن القضية العامة ناتجة عن وضع الحالات جنبا إلي جنب أو من خلال ربطها وتمديدها معا . ولكننا إذا أخذنا بعين الاعتبار تلك العملية بصورة أكثر دقة، فسوف نجد أن كل ما سبق وصف غير كافي . الوقائع الجزئية معا هكذا، ولكن هناك عنصر جديد يضف للمزيج في كل حركة من حركات الفكر، ولعل تلك العناصر هي ما تجعلها متجمعة. هناك مفهوم متقدم في القضية العامة ولا يوجد في أي من وقائع الملاحظة  .

ويترتب علي ذلك أن مفهوم الاستقراء في تصور مل يختلف عن تصور هيوول له، فهيوول يصر علي أن في كل عملية استقرائية تحمل بداخلها ما لا تقدمه الظاهرة، وإنما ما يقدمه العقل أيضاَ، وما يقدمه العقل لا تستطيع الظاهرة تقديمه، ألا وهو تقديم الفكرة العامة والمفهوم الجديد في كل مرحلة ضروري للوقائع، فهو الذي يجعلها تقفز سوياً لتصل إلي مرحلة القضايا العامة، والتي يتكون منها العلم .

ويصر هيوول أيصاً علي أن أي استقراء حقيقي لا بد من أن تكون الوقائع معروفة، ولكنها معزولة Insulated وغير مترابطة unconnected في البداية ... اللؤلؤ Pearls موجود هناك في انتظار شخص ما يأتي ليربطه في الخيط ليصنع حلية مترابطة .

وهنا اللؤلؤ علي حد تعبير هيوول هي معطيات الملاحظة     Data والموجود بالفعل مسبقا، والخيط String هو المفهوم الجديد الذي يربط ويوحد تلك المعطيات . والقضية " كل البشر فانون " هي قضية لا يصنفها هيوول تحت مفهوم العام، فهي لا تضم مفاهيم جديدة لـ ( البشر / و / صفة الفناء) فهي لا توصف بأنها موجودة في أي من وقائع الملاحظة.

أما القضية " كل أ هو كل ب ) تحمل قضية تندرج تحت العام . وللتوضيح أكثر نضرب المثال الآتي " كل الكواكب تدور حول الشمس " قد يكون المفهوم السابق نتيجة لاستقراء حقيقي خاصة إذا كان مفهوم الدوران حول الشمس، قد جاء ليقدم خصائص شائعة وعامة لكواكب معينة، نعم قد تدور حول الشمس، ولكن ليس من خلال الاستخدام الفعلي لنفس المفهوم . الاستقراء لا يعرف من خلال نتيجة العملية ولكن من خلال العلاقة بين المقدمات والنتيجة .

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة، وهي أن مل قد اتفق مع هيوول في كل شئ بشأن ربط الوقائع، فيما عدا إصرار هيوول علي أن ربط الوقائع جزء ضروري وأساسي في كل استقراء . مل اتفق علي الربط أمر مشترك و شائع في العلم . كما اتفق أيضا علي أن المفاهيم تضاف من خلال عقول العلماء . ولكن علي خلاف هيوول ، يري مل أن الربط يأتي في مرحلة واحدة، وهذه المرحلة سابقة علي الاستقراء، وفي تلك المسألة يكمن الخلاف بينهما .

يفترض أن هيوول اخطأ فيما يتعلق بالعملية النموذجية للاستقراء، إذ يعتمد الاستقراء عند هيوول خاصة علي تقديم مفهوم جديد . وهذا خطأ في رأي مل لأنه يخلط بين أمرين مختلفين هما الاختراع والبرهان، وفي هذا يعارض مل بشدة كل ما يخص الاستقراء من حيث النظر إليه يوصفه وسيلة لاجتلاب مفهوم جديد . ويقول مل في ذلك أن المفهوم الجديد يمكن الإتيان به بشأن نتيجة استقرائية، وبذلك يتساوي كل من الوصف والاستقراء، ولا تتم التفرقة بين الوصف وبين الاستقراء إلا بسبب خاصية علي شئ غير مرئي ابتداء من شئ خاضع للملاحظة . خذ هذه القضية مثلا:" كل إنسان فان "، إنها بالتأكيد عبارة عن نتيجة استقرائية، وبرغم ذلك فهي لا تقدم أي مفهوم جديد .

ومن ناحية أخري يري مل أن المفهومات غير المتصورة لا يمكن إدراكها إلا من خلال الأشياء وخلال الإجراءات التي تؤدي إلي تكوينها فهي تملك إذن دلالة فاعلية، ومن الصحيح أن مثل هذه العمليات الوصفية البحتة تستلزم إزاءها مفهوما ذهنيا، إذ يقوم المفهوم في عقلنا لا في الواقع، ولكن برغم ذلك لا بد في المفهوم من شئ متصور . وإذا لزم أن يوافينا المفهوم ببعض المعرفة الخاصة بهذه الوقائع لزم أن يكون مفهوما " عن شئ " ما موجود حقيقة بين الوقائع أو عن خاصية بهذا الشئ يملكها فعلا ويبديها لحواسنا إذا كان من طبيعة هذا الشئ أو هذه الخاصية أن يؤثرا علي حواسنا .

ولا يتجاهل مل دور مفهوماتنا في دراسة الوقائع، ولم يعارض أحد في أن البرهنة علي شئ تقتضي وجود مفهوم ذلك الشئ، وعندما نشمل عدا من الأشياء في تعبير عام يكون مفهوم شئ ما مشترك في كل هذه الأشياء – متضمنا في التعبير، ولكن لا يلزم عن ذلك إطلاقا أن يكون المفهوم سابق الوجود ولا أن يكون المفهوم قد تكون في الفكر بغير مواد خارجية . ويجب أن يكون مفهوم الاهليج قد خطر علي فكر كبلر قبل أن يكون قد تعرف علي مدار الكواكب السيارة بشكلها الاهليجي .

ويري مل إذا كان هيوول يؤكد علي أن المفهوم يشبه شيئا مضافا إلي الوقائع، ويوحي كلامه من بعد بأن كبلر قد وضع شيئا في الواقع بطريقته في تصورها، غير أن كبلر لم يفعل شيئا من ذلك، وكان الاهليج قائما في الوقائع قبل أن يتعرف عليه كبلر تماما، كما أن الجزيرة جزيرة قبل أن ندور حولها، ولم يسقط كبلر علي الوقائع ما فكر فيه، ولكنه أسقط عليه ما رآه فيها، ولا شك أنه لا يوجد اختلاف من حيث طبيعة ما نراه  وما نتصوره، فالمفهوم شبيه بالإدراك . ولكن تعقيد التفصيلات التي يلزم وصفها فيما يتعلق بالمفهوم أكبر بكثير من التعقيد الذي يلزمنا استشعاره إزاء الإدراك: فمثلا إذا تركت الكواكب خلفها أثر مرئيا في الفضاء وكان المراقب قادرا علي رؤية أجزائه بأكملها علي التوالي لا دفعة واحدة – فسيكون قادرا بفضل المواءمة بين ملاحظاته المتقطعة، علي أن يكتشف أن المدار اهليجي وأن الكوكب يتحرك في مدار اهليجي في وقت واحد، ولا فرق بين هذا المراقب وبين الملاح الذي يكتشف أن قطعة أرض جزيرة في الواقع بمجرد دورانه حولها .

ولن يعارض أحد كما يقول مل في أنه إذا كان الطريق بالكواكب مرئيا في الفضاء فسيتم تقرير الهوية بينه وبين الاهليج عن طريق تعمد وصفه، وعلي ذلك فعلي الرغم من أن المدار لم يكن مادة حسية مباشرة فقد كانت كل نقطة من نقاطه قابلة للتحديد الدقيق كما لو كان ذلك المدار مادة حسية مباشرة، وهذا من شأنه أن يذلل من ثم عملية العثور علي تفصيلات ذات دلالة فيما يتعلق بالمفهوم في إطار العمليات الخارجية التي تشير إلي الوسائل التي يمكن عن طريقها تكوين المفهوم ذاته .

من علي صواب بشأن الأمثلة العلمية ؟ فهيوول ومل قد تناقشوا وتجادلوا حول الطبيعة الدقيقة لاكتشاف كبلر، حيث يبدأ كبلر بملاحظة وضع حركة المريخ بالنسبة للشمس في أوقات مختلفة . وتلك الملاحظات يجب أن ينظر إليها علي أنها تمثل نقاط مبعثرة حول الشمس التي استنتج منها كبلر علي أن المدار الذي يدور فية المريخ اهليجي. هل يمكن أن يكون هذا المثال مصاغ علي أنه مثال للاستقراء بالمعني الذي تصوره مل ؟ هيوول ومل أتفقوا علي أن نتيجة الاستدلال الذي يقول أن " كل النقاط المتمثلة في مدار المريخ تقع في الاهليج  ب، حيث ب تمثل اهليج     معين ". ولذلك في هذا المثال فإن التنبؤ بـ أ، معناه وضع المريخ، والتنبؤ بـ ب معناه أنه يقع في الاهليج ب .

ولكن مل أصر علي أن الوصف جزء من العملية والعملية التي تصف تلك النقاط علي أنها تقع في الاهليج ب تحدث بشكل سابق علي الاستقراء ذاته . معني هذا أنه قد قال بأن معطيات الخاصة بصورة الاستدلال تحدث في الوقت س1، والمريخ يقع في الاهليج ب وفي زمن س 2، والمريخ يقع في الاهليج ب وهلم جرا . ومن الملاحظ أنه بالنسبة لمل فإن التنبؤات التي تظهر في القضية العامة تظهر أيضا في وصف المعطيات، ولذلك فإن الاستدلال يكون منبثق من تلك القضية " كل ما يمكن ملاحظته أنه ينتمي إلي أ، فإنه ينتمي إلي ب " بالنسبة للنتيجة " كل أ هو ب" .

أما هيوول فيصر علي أن مفهوم الاهليج مقدم أثناء   الاستقراء . وبالنسبة لهيوول فإن المعطيات لا تصف استخدام مفهوم الاهليج، وإنما تصفة في معاني لها أفكار أولية مثل " الوضع " و " الزمن"، ففي زمن س1 فإن المريخ يكون في الوضع ص1 وفي الزمن س2، والمريخ في الوضع ص 2.. وهلم جرا. وهنا في تلك اللحظة فقط الوقائع تتجمع معا من خلال مفهوم الاهليج، بحيث يبرز من خلال ذلك القضايا العامة التي منها يتكون العلم .ولذلك فإن النتيجة التي توصل إليها كبلر ليست مجرد " توحد للأجزاء " أو مجرد جمع للوقائع " Collection of prticulars .أو الملاحظات المختلفة البسيطة، لأن الملاحظات لا تحتوي علي تصور الاهليج وأن كبلر لم يلاحظ مطلقا مثال التعميم . الأمثلة والشواهد قد يستدل عليها من التعميم بعد الاستقراء الذي قد اكتمل . وأمثلة التعميم هي الكتل التي تبني الاستقراء وتمثل النواتج العرضية للاستقراء . والنظام الذي توصل إليه ما كان خاطئاً وكذلك فهمه للتاريخ كان  فهما خاطئاً .

وإذا كان مل يري أن خاصية وقوع الاهليج ب مستدل عليها من البيانات والمعطيات من تلقاء نفسها، ليس في الأمر جديد أضفناه، ومن ثم كان تأكيده علي أن كبلر لم يضف ما تخيله علي الوقائع، ولكن شاهد هذه الوقائع بما فيها من خصائص .Kepler did not put what he had conceived into the facts، but saw it in them ، " نعم المفهوم موجود هناك في الوقائع " قالها هيوول، ولكن هل يوجد ذلك المفهوم من تلقاء ذاته، وإن وجد فهل يفهم بدون مجهود ؟ لقد وجد كبلر مفهوم الاهليج داخل الوقائع التي لاحظها، لنه كان يوجد بداخلها دون شك لسبب ما، ولكن أيضا لسبب آخر قد حمل بعقله تلك العلاقات والملكات التي جعلته يدرك هذا المفهوم ويحل شفرته . أما مل فلا يعطينا إجابة مقنعة  ؛ حيث يفترض أن   يفترض جون مل أن المسار المريخي ليس علي شكل اهليج بمعني الكلمة، فربما أخفق نيوتن أو اخفق كبلر عندما جمع مل بين نيوتن وكبلر، إلا أن هيوول وبذكاء شديد لا يتخذ من افتراض مل فرصة للهجوم   عليه، فهيوول لا يترك مساحة لاحتمال وجود خطأ في الاستدلال الاستقرائي أو مجرد وجود خطأ في الفرض، وحتي لو وجد هل الخطأ فإنه لا يمثل مشكلة بقدر ما قد يمثل هذا الخطأ دور إيجابي فيمل يقول هيوول فيما بعد .

علي أية حال يقول هيوول " إن القول الذي يجب ان نتذكره دوما هو أن الفرض سيكون دائما في خدمة العلم، حتي وإن كان يحمل نصيب من النقصان وعدم الاكتمال، بل وحتي إذا كان خاطئا، فإنه يستحق منا الاهتمام به، وهل الاهتمام يتمثل في تجميع هذه الوقائع وفرضياتها معا، ليصبحوا في نسق واحد، ومن ثم فسيخرج وبصورة أوتوماتيكية الفرض الخاطئ، سنستبعده، بل سيستبعد نفسه عندما نفسر الظاهرة وفرضياتها، وبالأحرى عندما نربط أطرافها معا ".

وبعد هذه الجولة السريعة من عرض مكانة وليم هيوول في فلسفة العلم في القرن التاسع عشر، فإنه يمكننا أن نخلص إلي أهم النتائج، وذلك علي النحو التالي:

1- إذا كان وليم هيوول قد هيأ  نفسه ليكون تابعا لفرنسيس بيكون في منهجه الاستقرائي، إلا أنه كان مطالبا بإعادة إحياء منهج بيكون في الاستقراء علي أن هناك دائما عنصر جديد يضاف إلى مجموعة المراحل الفكرية، لكل حركة عقلية مجردة من هذه المراحل الفكرية المجتمعة، هذه الحركة العقلية كما يقول هيوول هي عملية " التأليف"، وهو يشرح هذه العملية العقلية بتجميع عدد من الحقائق التجريبية و" تأليفها" ليكون مفهوم يجمع هذه الحقائق و ويوحدهم تحت قانون عام، وهذا المفهوم هو فكرة الفرض العلمي.

2-  إن الفلسفة العامة للعلم عند هيوول  تتصف في ملامحها العديدة بأنها حديثة علي نحو قوي . فقد اهتم هيوول ولكن علي نحو غير بدائي بما يشار إليه الآن علي أنه منطق العلم وتوقع الروابط الصورية بين أجزاء الأنساق العلمية الكاملة .وقد حاول هيوول أن يصوغ  القواعد العامة لمنهج البحث العلمي، وبالأخص الاهتمام بالقواعد المنتجة والمعتمدة حقا من قبل نتائج العلماء، خاصة وأن مثل هذه التعميمات المنهجية تنتج منطق العلم . كما حاول هيوول أن يقدم لنا أعمالاً ابستمولوجية كانت مثار إعجاب واهتمام الفلاسفة المعاصرين، وهذه الأعمال كشفت عن مصداقية النتائج العلمية .

3- بالنسبة لهيوول، بمجرد أن تخرج النظرية إلى حيز الوجود من خلال "إستقراء" الباحث، لابد وأن تعبر العديد من الاختبارات الأستنتاجية قبل اعتبارها مؤكدة كنظرية مبنية على الاختبار والملاحظة، وهذة الاختبارات هي مجرد سلسلة من التنبؤات المترابطة منطقيا، هذا التصنيف من خلال هيوول قصد بة أولا أن يكون الفرض هو الظاهرة المتكهن بها التي لم تلاحظ بعد، وثانيا أن يكون فهم وتحليل هذة القضايا بطريقة مختلفة عن تلك التي تكون بها الفرض في بدايتة من خلال تأملنا وتنبؤنا، فالأمر الآن مختلف في هذة المرحلة عن سابقتها، وثالثا وهو الأهم ان تصبح الفرضيات التي نطرحها أو طرحناها أكثر تماسكا عبر الوقت وإلا فهناك خلل

4- أحد المواضيع الهامة التي تشغل بال فلاسفة العلم الآن وسابقا هي العلاقة بين العلم كممارسة وكتأريخ وبين الكتابة في فلسفة العلم، ولعل إهتمام هيوول بذلك الجانب إنما يرجع إلى كونه أحد الممارسين للعلم وأحد المؤرخين له والكاتبين في فلسفة العلم أيضا، والبؤرة تتضح في كتابة تاريخ العلوم الاستقرائية كانت مسحة تاريخية حول العلم منذ القدم وحتى عصرة، معتمدا معرفة العلم من خلال تاريخه، ولعل كتاباته ومقالاته ودراساته في مختلف الفروع هي أكبر دليل على ذلك بل وله أهمية كبرى. إذا إلى أي مدى تظهر أهميته في فلسفة العلم؟

5-  عندما قرأ جون ستيورت ميل كتاب فلسفة العلوم الاستقرائية لوليم هيوول قرر أن يوسع بحثه عن منطق الاستنباط ليتضمن كتابا عن المنطق الاستقرائي . ومن ثم فقد جمع ميل كل ما يمكن أن يعطيه إحساسه تجاه ويل الذي كان يمثل في تلك المرحلة واحدا من أكثر مؤرخي العلم . ولقد كان كتاب ميل المسمي system logic بمثابة البذرة المنطقية لفلسفة هيوول العلمية التي هبت عليها بعض الرياح فأزاحت بعيدا تلك القشرة عن كل ما غير منطقي أو علي الأقل كان هذا يعد اعتقاد الذين لم يفهموا الأجزاء التي كان يتحدث فيها هيوول والتي ظن البعض أن ميل قد رشحها له . ومن ثم يمكن القول بأن كتاب system logic يعد بداية الخلاف ثم تشعب هذا الخلاف ليشمل نقاط أخري ولعل من أهمها المنهج المتبع في العلم، وقد وصف المنهج الفرضي الاستنباطي عند ميل بأنه يكاد يقترب في محتواه مما عرض في فلسفة العلوم المعاصرة ولما كان ميل يعد رجلا من رجال المنطق فقد نظر للغة علي أنها وعاء لخبرات الإنسان السابقة وبأنه علي الرغم من أن لغة العلم خصبة إلا أنها يجب فصلها عندما ننظر للعمليتين داخل العلم كعلم وكإجراءات علمية . وقد كانت وجهة نظر هيوول مختلفة فقد نظر للغة بأنها أحد عوامل التتابع والمقدمة التي يجري الاستفادة منها وأخذها في الاعتبار عند عرض مفاهيم جديدة أو لشروح قديمة علي أنها خطوة لحل جزء من تلك المعضلة، ولقد كانت الاختلافات السابقة بين هيوول وميل تقودنا إلي خلاف حول المنهج والنسق ولنظام الذي يجب أن يتبعه أي إجراء علمي وشكل بذلك سلسلة من القضايا .

6-  وهيوول اعترف أيضا أن تاريخ العلم يحتوي علي العديد من الأمثلة للفروض الكاذبة التي قامت ببعض التنبؤات الصحيحة ( مثل نظرية الفوجستون)، ولذلك فهو لم يعتقد أن القدرة التنبؤية المحددة تكفي لاقتناعنا  بصدق الفرض . وحين يجتاز الفرض أكثر من اختبار صارم، فإن ربط ارستقراءات طبقا لهيوول تمثل البينة التي تقودنا إلي إثبات أن النظرية صادقة .

الاختبار الثالث: ربط الاستقراءات تمثل البينة الأكيدة علي مصداقية الفرض في أكثر من طرفين هما: حين يمكننا الفرض من تفسير وتحديد الحالات التي من نفس النوع تكون مختلفة عن تلك التي تأملناها في تشكيل فروضنا .

حين نفسر اثنين و أكثر من الأنواع المختلفة للظاهرة، كدوران الكواكب وسقوط الأحجار ومبادرة الاعتدالين . فإن هذا يؤدي بنا إلي نفس السبب، ومثل هذه الصدفة، تضفي واقعية للسبب . وفي الحقيقة لدينا في مثل هذه الحالة "

7- إن هيوول شأنه شأن كارل بوبر أراد أن ينكر الدور الاستقرائي للملاحظة وذلك من أجل حفظ كيان العقل والقوي الخلاقة ويرفض أن يحيل أن يحيل الإنسان إلي آلة صماء، تقصر عملها علي تسجيل انطباعات التجريب، وتعمم نتائجها لتصل إلي القانون . وكأن الإنسان حسا فحسب وليس حسا وعقلا وقدرات علي الابتكار العلمي والخلق الفني ... وسائر مكونات العالم الثالث . هذا درس عميق للتجريبين و وقد نصت كتابات بوبر علي أنه يناصبهم العداء . أولئك الذين بالاحتفاظ بالمدركات الحسية خالصة صافية بقدر الإمكان بلا اضافة أو نقصان، فتكون بهذا المعرفة اليقينية حتي جاء كانط ليقول لهم: " المعطيات الحسية لا تشكل إلا المادة الخام ".

8- أن مفهوم الاستقراء في تصور مل يختلف عن تصور هيوول له، فهيوول يصر علي أن في كل عملية استقرائية  تحمل بداخلها ما لا تقدمه الظاهرة، وإنما ما يقدمه العقل أيضا، وما يقدمه العقل لا تستطيع الظاهرة تقديمه، ألا وهو تقديم الفكرة العامة والمفهوم الجديد في كل مرحله والمفهوم الجديد ضروري للوقائع، فهو الذي يجعلها تقفز سويا لترتع إلي مستوي القضايا العامة والتي يتكون منها العلم.

9- هناك بعد حدسي يميز فكرة هيوول، وهو أن الاستقراء الحقيقي هو استدلال للتفسير الجيد، وهذا التفسير يجب أن يقدم الأسباب النظرية التي توحد وتوضح وقائع الخبرة. " كل البشر فانون" لا تفسر لماذا جون وبيتر وبول فانون بالمعني المعقول، بينما " كل الكواكب تدور حول الشمس " تفسر تكون الحركة الرجعية للكواكب البعيدة جدا عن أنظارنا موجودة، ويمكن تحديد السبب استقرائياً، ولذلك فإن الاستقراء عند هيوول ينزع نحو أفضل تفسير ممكن ونحو أكثر واقعية، إلا أنه يتطلب شرحاً أكثر لعناصره  الاستقرائبة .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

علي اسعد وطفة"يتألق العمل الأدبي بالأصالة ويزدهر بالدلالة كلما ابتعد عن الحركة الحقيقية للواقع، وسيكون أكثر أصالة وجمالا إذا كان ينطلق من أحضان الخيال، وينبجس من أعماق اللاشعور وخفايا العقل الإنساني"

غاستون باشلار (التحليل النفسي للنار)


يعتقد فرويد أن الأحلام التي يرسمها الفنانون والأدباء في أعمالهم الأدبية يمكنها أن تخضع لقانونية التفسير نفسها التي تخضع لها الأحلام الحقيقية. ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن الأحلام المتخيلة تنطوي أيضاً على انعكاسات لا شعورية تتبدى في مستوى الشعور. لقد دفعت الروح المنطقية فرويد إلى بناء هذه الملاحظة العبقرية لماذا لا يكون الخيال الأدبي مشتملاً بنفسه على معطيات لا شعورية؟ لماذا لا تكون الأعمال الأدبية ترجمة لأفاعيل لا شعورية مثل التحويل Deplacement والتركيز Condensation والرمزية Sympolisation.. إلخ؟ ولماذا لا تكون تجسيداً لمركبات وعقد Complexes لا شعورية؟ ألا يمكن لهذه الأعمال الأدبية وفي إطار هذه الشروط أن تؤدي كالحلم وظيفة رمزية لا شعورية دالة ومحددة.‏

ومن هذا المنطلق يعتقد فرويد أن التراجيديا الكلاسيكية تعكس إلى حد كبير العقد النفسية وتبلور الموضوعات التي ما زالت منذ الأزل تهاجم خيال الإنسان وعقله. وهو في هذا الخصوص يعطي لموضوع هاملت Hamlet بعض المؤشرات والتي كان يمكنها أن تشكل بالنسبة لجونيس Jomes منطلق دراسة تحليلية حول هذه التراجيديا حيث ألقى الضوء هنا وللمرة الأولى على تفسير الدوافع الحقيقية لشكسبير.‏

لقد انطلق أوتو رانك، وهو تلميذ فرويد، في أبحاثه من أساس هذا التصور الفرويدي لدراسة قانونية اختيار الموضوع الأدبي عند الشعراء وكتاب الدراما وخرج بنتيجة قوامها: أن اختيار الموضوع يعبر عن الكاتب بالضرورة ليس عن شيء آخر. وهو في معرض الإشارة إلى غوته Goethe كاتب ويرزر Werther يبين إلى أي حد يختار الشعراء موضوعاتهم وفقاً للوضعية الأوديبية لديهم. ومن جهة أخرى يتضمن كتاباه: (أسطورة ولادة الأبطال) و(صدمة الولادة) إشارات هامة حول العلاقة التي تربط بين الأساطير والأدب وخاصة حول الأصول اللاشعورية للحاجات الأسطورية التي تعزي للأبطال ولادة ثانية أكثر نبلاً من الأولى.‏

وبدا أن عدداً من المحللين النفسيين بدؤوا يتناولون الظواهر الأدبية بالدراسة والتحليل. ويمكن الإشارة في هذا الخصوص إلى كتاب إخفاق بودلير: (L' echec de Baudilair 1929) للدكتور لافورج Laforgue ثم كتابه علم النفس المرضي للإخفاق Psychopathologie de L' echec عام 1944 وهي دراسة هامة حول شخصية المفكر والأديب الفرنسي جان جاك رسو Jean Jacques Rousseau. لقد كان للتحليل الذي أجراه حول إدكار بو Edgar Poe في شخصية الأميرة ماري بونابرت أهمية خاصة في مجال التحليل النفسي للأدب في مستوى العمق والتكامل، حيث يبين لافورج الذكرى القهرية التي تسيطر على الجانب اللاشعوري عند الشاعر طيلة حياته وهي الذكرى التي شكلت عقدة عصابيته ولا بد في هذا السياق من الإشارة أيضاً إلى إحدى أعمال الكاتب الإنكليزي هاكيت C.A. Hacette حول غنائية ريمبود Le Tyrisme de Rimbaud. ثم إلى أعمال غاستون باشلار Caston Bachelare التي تحمل قيمة عالية جداً. ومن هذا المنطلق تم تحليل دون كيشوت Don Quechotte والأب كوريوت Pere Goriot وهوفمان Hoffmann الخ...‏

يبين بودوان في كتابه التحليل النفسي للفن 1929 أهداف وإجراءات التحليل النفسي للأدب. ويجب علينا هنا أن نشير إلى دراسته الهامة حول الرمزية عند فيريهارين عام 1924، ثم التحليل النفسي لفيكتور هيغو.‏

يكمن هدف التحليل النفسي للأدب عند بودوان، كما هو الحال عند لافورج في تحليله لماري بونابرت، في تحديد الأسباب الكامنة وراء الأعمال الأدبية وهي بالطبع الشروط اللاشعورية للأعمال الأدبية. إذ تتيح عملية التأمل والتفكير في العمل الأدبي للباحث التوغل داخل سيكولوجية الكاتب وتلك هي الوسيلة الوحيدة الممكنة لاستطلاع الجانب السيكولوجي واللاشعوري عند الأدباء والكتاب. حيث يجب من أجل تفسير العمل حصول على بعض العناصر حول حياة الكاتب كما يجب أيضاً استخدام المنهج التحليلي في الوقت نفسه وخاصة إذا كانت المقابلة مع الكاتب غير ممكنة كما هو الحال بالنسبة للشخصيات التاريخية التي عاشت في عصور سابقة. وفي كل الأحوال يتوجب على المحلل النفسي أن ينطلق من السيرة الذاتية للكاتب جنباً إلى جنب مع المواد الأدبية القائمة والتي تشكل موضوع التحليل بصورة أساسية وذلك كله من أجل الكشف عن المركبات والعقد اللاشعورية الكامنة.‏

وهنا لا بد من إدراك المسائل التالية:‏

- ما المؤثرات المتعددة وفي أية ظروف حياتية بدأ اهتمام الأديب بالعمل الأدبي موضوع الدراسة؟‏

- ما المركبات والعقد الشخصية الأولية التي تحرك المضمون الرمزي لهذا العمل؟‏

- ما الاتجاه الذي تأخذه الرموز وما الاتجاه الذي تأخذه تفرعاته نحو الأهداف العليا للنفس الإنسانية.‏

وكما يبدو لنا فإن بودوان يوظف جهوده للتمييز بين ما هو جمعي وما هو شخصي في مجال اللاشعور الأساسي في عملية الإنتاج الأدبي. ويؤكد بودوانفي هذا الخصوص أهمية الرموز الأدبية وأهمية الحركة الخيالية الأدبية التي تبدأ من العناصر الغريزية وترتقي بها عن طريق التحويل والتسامي إلى المصاف العليا لطبقات النفس الإنسانية عند الكاتب.‏

فالرمز كما يوصف: نظام صادر عن القوانين الطبيعية للخيال والحلم، وهو نابع من عمق المركبات والعقد النفسية، إنه إسقاط دينامي للعقد النفسية Complexes على ساحة التصور، إنه الفعل الرائع للخيال المبدع، وهو بالتالي يأخذ مساره في سياق النشاطات الداخلية الخلافة للحلم. وهو بذلك يشكل مركز التصورات الأدبية. وعلى المحلل أن يكون قادراً على قراءة الصور والمجازات ينطلق المحلل النفسي لدراستها بوصفها رموزاً قابلة للتحليل. ومن جهة أخرى يشير بودوان إلى مفارقة هامة قوامها أن وظيفة الأدب تتجانس مع وظيفة الحلم. وهو في هذا السياق يؤكد على الخاصة التعويضية للعمل الأدبي التي تحرر بعض النزعات المكبوتة عند الأديب. وباختصار فإن بودوان يضع هذه الوظيفة في سياق دائرة الهيمنة اللاشعورية وهو في إطار ذلك كله يعمل على إيجاد العلاقة العميقة بين الإبداع الأدبي والغرائز الأولية مثل الغريزة الجنسية وغريزة السيطرة إلخ... ولكن إذا كان فرويد يؤكد أهمية التسامي Sublimation وهي العملية التي ترتقي بالغرائز الأولية المختلفة إلى أشكالها الراقية فإن المحلل النفسي لا يسعى أبداً إلى اختزال الأعلى إلى مستوياته الدنيا. ويضاف إلى ذلك أيضاً أن فرويد يؤكد أن التحليل النفسي لا يمكنه أن يقول شيئاً فيما يتعلق بالمسألة الخاصة بالموهبة الفنية والأدبية وحول الأدوات التي يستخدمها الفنان أو التقنيات التي يوظفها. فهناك جانب من العمل الفني يسمح لنا بإدراك عملية البناء وهو اختيار الموضوع. وهذا يعني أن هدف التحليل النفسي لا يسعى فحسب إلى وصف عمليات التأهيل الفني ومتابعة اتجاهات التطور عند الفنان ووصف الانتشارات الأولى وازدهار الحياة النفسية. فالتحليل النفسي كما يعتقد بودوان لا يسعى إلى تصغير الأعمال الأدبية بل إلى استجلاء مكوناتها الأولية الطفولية والجنسية وذلك إلى جانب العطاءات العليا للقلب والذكاء.‏

إنه لمن المؤكد أيضاً أن العمل التحليلي الذي يتناول النصوص عمل بالغ التعقيد وهو يتطلب الصبر والجدية. إذ يمكن للكلمة البسيطة على سبيل المثال أن تشير إلى عمليات ربط أو تحويل خاصة بالعمليات اللاشعورية.‏

وبالتالي فإن المحلل الذي يعمل في مستوى التفاصيل مكره على تكرار الإشارات وتفسيرها دون انقطاع. لقد ترتب على شارل بودوان أن يمارس هذا العمل بمهارة بالغة وخاصة في دراسته حول التحليل النفسي عند فيكتور هيجو وهو العمل الذي تجدر قراءته والاطلاع عليه. حيث نجد فيه خارطة جغرافية للعمق والمركبات الخاصة بالشعراء الكبار: مركب "المشهدية" ثم مركب "أوديب والعقدة الأخوية" وهي المركبات التي أدت إلى بناء كتابه العمدة Le Burgrave وإلى بناء كتابه قاتل الأب Le Parrcide. ومن غير أن نضع في حسباننا كتابه الوعي La Cosience فإن عذاب القاتل يجسد رمزية النزعات الخاصة بعقدة القطع وذلك في إطار العلاقة مع عقدة التدمير التي نجدها عند هيجو بصورة دائمة. ونجد في أعمالها التالية توركمادا Torqueumada ثم إيفغانديس Evirandnus ثم الثالث والتسعون Quatre Vingt-treize عقدة الانسحاب Complexe De retraite وهو هروب أمام الأب. وتشهد على هذه العقدة أيضاً نزهة ملك كاليس الصغير. وتبدأ في عمله هيرناني Hernani عقدة القوة بينما تظهر عقدة الولادة Complexe De Naissan في الرجل الضاحك (L' Homme qui rit).‏

وفي إطار رؤية إجمالية يعرض بيكوان في كتابه هذا ملامح الصراعات الأساسية في لا شعور الشاعر ويبين كيف لحظات التوازن النفسي عند الشاعر الكبير.‏ تنطوي مقدمة ألبيرت بيكوان (Albert Baguin) الخاصة بكتابة (النفس الرومانسية والحلم) (L'ame romantique et le reve) على نقد كبير ضد التحليل النفسي للفن: (يتناول التحليل النفسي للأدب العمل الفني بوصفه وثيقة أو مجموعة من الأعراض وهو ينتهي إلى تحليل لشخصية المؤلف وحياته وعصابه. وهذا الجهد التحليلي لا يأخذ بعين الاعتبار سوى المظاهر النفسية للكاتب وهي علاقات ومظاهر لها أهميتها الإنسانية ولكنها تبقى مع ذلك خارجة عن طبيعة النص أو النتاج الشعري والأدبي).‏

غالباً ما ينظر في واقع الأمر إلى التحليل النفسي للأدب بصفته معالجة إكلينيكية: فالرجل هو المعنى بالدرجة الأولى وبالتالي فإن الاهتمام بالعمل يشكل وسيلة من أجل الوصول إلى إدراك نفسية المؤلف الفرد.‏

ومع ذلك فإن بيكوان يجد ربما صعوبة في زعمه بأن علاقات العمل الأدبي مع البنية النفسية أو مع البنية النفسية اللاشعورية توجد خارج القيمة الخاصة للعمل الشعري. ففي إطار أعماله المخصصة لدراسة الخيال الأدبي يرفض باشلار الأساس الذي ينطلق منه النقد الموجه للتحليل النفسي حيث يأخذ دوراً يتمثل في الحكم على أصالة العمل الأدبي. وهو بمقتضى هذه الرؤية يشارك في حركة الخيال التي تتحدد اتجاهاته عبر هذه العقدة أو تلك. وهذا يعني أن باشلار ينظر إلى التحليل النفسي للأدب بوصفه جزءاً من قيمة الأدب نفسه.‏

يمكّن عمل باشلار حول لوتريامونت ـ الكاتب الغريب لأشعار مالدورور (Chants maldoror) ـ من إدراك أفضل لشاعرية منحرفة حيث يستطيع القارئ أي يصبح أكثر تآلفاً بالمعنى الاشتقاقي للكلمة مع المركب الذي ينهض به.‏

لقد حاول باشلار في تحليلة للوتريامونت أن يستند إلى إيحاءات أدلر وهنا يكتشف باشلار مركباً حقيقياً للحياة الحيوانية عند الشاعر وهو مركب يصدر عن عدوانية فاضحة تميل إلى التحقيق الفوري. وذلك على أثر شعر عصابي يتطلب منا محاولة لإيجاد أنفسنا داخل نزقية كامنة.‏

اتجهت بعض الدراسات الأخرى إلى تناول صدى اللاشعور داخل النفس الإنسانية من خلال عناصر أربعة هي: الماء والهواء والتراب والنار.‏ وهنا تظهر توجهات باشلار النقدية الخاصة بالأدب الذي يقوم على أساس من علم اللاشعور والخيال.‏ ويعلن باشلار (1938) عن دهشته لأن الأوهام استطاعت أن ترسم حدود التطور العقلي عند الإنساني. وذلك جعله متشبثاً بالتحليل النفسي للمعارف الموضوعية وذلك كله لتحديد هذه الأوهام الصادرة عن اللاشعور، التي قدر بأنها تشكل عوائق أمام المعرفة الإنسانية. وهو في إطار ذلك يلاحظ أنه وحول موضوع واحد من الموضوعات كالنار على سبيل المثال يوجد عدد كبير من الأوهام المستمرة. فإلى أي حد تكون فيه هذه الأوهام رائعة في صيغتها الحلمية! ومن هنا يبدأ باشلار بدراسة هذه الهواجس والأحلام بذاتها ويحاول أن يربط بين الاتجاهات الإبداعية الخاصة بالمواد الأساسية للخيال، الحلم والتي تتجسد في العمق اللاشعوري.‏

ومن هذا المنطلق فإن العقائد الذاتية الخاصة بالنار تجد نفسها في كتابه ((التحليل النفسي للنار عام 1939 (La psychanaiys des Feu) وهو في إطار ذلك يحدد بوضوح وحدة الخيال الخاص بالنار والتي تتسم بمختلف المركبات والعقد مثل عقدة بروميتي (Compiexe de promethee) (نسبة إلى بروموتيوس إله النار الذي يرنو إلى الحضارة البشرية الأولى) وهو مركب يجعل المرء ينظر إلى النار كموضوع ممنوع ومقدس. ثم يشير بعدها إلى مركب أمبيدوكل (Empedoci)(2) ويعني هذا المركب رغبة المرء في الاختفاء جسداً وروحاً في ألسنة اللهب وهو نداء إلى الاحتراق حيث يتعانق الحب مع النار وغريزة الحياة مع غريزة الموت. ثم مركب نوفاليس (Novalis) (نسبة إلى الشاعر الألماني 1772- 1802) وهو من أبرز زعماء المدرسة الرومانسية الألمانية. ثم مركب هوفمان (Hoffman) ويعد تحليل عمل هوفمان من أكثر الأعمال أهمية وخصوصية في هذا المجال وذلك لأنها تشير إلى النار بوصفها نظام الإخلاص الشعري المتماسك.‏ ويتجلى في عمله الموسوم بالماء والأحلام عام (Reves et L' eau ) الشعور الذي يولده حلم النار في صورة الماء. حيث يشار هنا إلى مركب أوفيلي (Compiexe de Ophelie) (2). ثم إلى مركب كارون (Caron) ومركب نوسيكا (Naucica) فالماء يستدعي في الذاكرة صورة آلهة الماء وحواريه ويرمز إلى التفكير في الرحلة الأخيرة وإلى تحللنا النهائي وهنا يكتشف باشلار عند إيدكاربو (Edgarpoe) إخلاصه لماء خاص ثقيل ونائم والذي يعطيه وحدة خياله.‏

في كتابه الهواء وأوهامه عام 1943 يحاول باشلار أن يحلل الأوهام الهوائية: وذلك لأن خيالنا يحلق في الأجواء وواحدنا يشعر كأنه يطير في مسابح الفضاء الخارجي. لقد عرف نيتشه (Nitzshe) الشاعر والفيلسوف بعقدة التحليق (Complexe d' Hauteur) حيث كتب في هذا الصدد يقول ((أرواحنا أرواح حرة هوائية، سعيدة!...) فهو في هذه الصورة يتبدى بوصفه شاعر القمم والصعود.‏

وفي النهاية يدرس باشلار الخيال الأرضي (نسبة إلى الأرض) من خلال عمليتين أساسيتين: الأرض وأحلام الإرادة، ثم الأرض وأحلام الاستقرار عام 1948. فالأرض تثير طاقة الصراع والعمل أو تدعونا إلى الراحة والهدوء فنحن وبحسب توجه خيالنا يمكن أن نهتدي بهواجس الإرادة أو هواجس الراحة وأحلامها. ففي الحالة الأولى يمكن للطبيعة أن تتحول إلى حجر (مركب ميديوس Mwduse عند هيسمان Huysmans) أما في الحالة الثانية يمكن أن نعثر على الموضوعات الشعرية والأدبية للأرض الأم وعلى أساطير الكهوف والمتاهات وهنا يكمن مركب جوناس Jonas إلخ...‏

هناك، كما يشير باشلار موضوعات خيالية متماسكة مترابطة مع عقد ومركبات متقاربة إذا كانت تعبر عن موضوع واحد. ويكون العمل الأدبي أصيلاً إذا كان بعيداً عن الحركة الحقيقية للواقع ،وإذا كان ينطلق من أحضان الخيال، ويكون أكثر أصالة إذا كان ينبجس من عمق اللاشعور الأصيل. كتب باشلار في هذا الصدد يقول: ((عندما يتم التعرف على مركب نفسي يكون الإدراك أكثر عمقاً وشمولية لبعض الأعمال الشعرية.)) وفي الواقع فإن العمل الشعري لا يمكنه أبداً أن يمتلك وحدته إلا من خلال مركب أو عقدة محددة، وإذا كان المركب ناقصاً فإن العمل ينفصل عن جذوره ولا يحقق تواصله مع اللاشعور وبالتالي فإنه يعاني من البرودة والتصنع.‏

ويمكن لنا أن نقرأ في كتابه الماء والأحلام ((إن النقد الأدبي الذي لا يريد أن يتقلص إلى المستوى الجامد للصور يتوجب عليه أن يتزاوج مع نقد نفسي يعطي الخيال سمته الدينامية وذلك وفقاً للمركبات (العقد) الأصلية)).‏

وهذا التواصل مع العقد النفسة Complexe يهب الصورة الأدبية قيمتها اللاشعورية ويعطيها جمالا سحريا. وعلى خلاف ذلك إذا كانت هذه الصورة تفتقر إلى روابطها مع اللاشعور فإنه لن يكون لها أي صدى عند القارئ وستبدو صورة متكلفة صنعية غير نقية لأنها لا تنطلق من شيء ينطوي على أهمية.‏ وهنا يلاحظ أن باشلار يؤكد على أهمية المصادر اللاشعورية للإبداع الخيالي والأدبي وبالتالي فإن الصور الأدبية الطافحة بالغنى والثراء هي بالضرورة صور لا شعورية.‏

 

د. علي أسعد وطفة

.........................

هوامش:‏

(1) شخصية ذات طابع أسطوري معقد وهو فيلسوف يوناني يعتقد أن الحياة تنشأ عن اجتماع العناصر الأربعة الماء والتراب والهواء والنار. إلى القرن الخامس قبل الميلاد ويروى عنه حكايات أسطورية منها أنه رمى نفسه في داخل فوهة بركان أثينا (Ethen) الملتهب بالنار إلى حد أن أحداً لم يعثر على أثر من جسده وكان معاصروه يعتقدون أنه صعد إلى السماء. ولكن البركان الخادع بعد أن ابتلع أمبيدوكل لفظ نعليه سليمتين دون ضرر وكأنه يريد أن يكشف حيلة الانتحار المفاخر فيه.‏

(2) شخصية من شخصيات شكسبير في تراجيديته المشهورة هاملت (Hamlet) ـ (H) وتعد هذه الشخصية من أكثر شخصيات شكسبير عذوبة ورقة. يصاب أوفيلي بالجنون لخيبة أمله في الحياة ثم يبدأ بقطف الأزهار بالقرب من شاطئ أحد الأنهار ثم يسقط في النهر ويموت.‏

 

 

محمود محمد عليفي هذا المقال نتحدث عن  الفرض كمرحلة يمكن القول بإن الثورة العلمية التي أحدثها "نيوتن" قبل عصر هيوول في مجال الرياضيات والبصريات وما أستتبعها من نتائج عملية في مجال الرياضيات التطبيقية، وعلي وجه الدقة في الميكانيكا والفيزياء العملية، أفضت إلي استخدام التجريب بصورة تكاد تكون شبه دقيقة إلي حد ما في مجالات العلم المختلفة. ومع ازدياد التجريب أصبحت النتائج التي أمكن الحصول عليها من التجارب بمثابة محصول نظري جديد يسمح لنا بتنبؤات وتجارب أخري، وعلي هذا الأساس نتجه إلي مزيد من التجريب إذا ما أيدت هذه التنبؤات مشاهدات ووقائع جديدة تتفق مع المعطيات النظرية . أي أنه بصورة أو بأخرى يمكن لنا القول بأن حصيلة البحث في الاتجاه الاستقرائي ازدادت بصورة ملحوظة بعد عصر نيوتن، مما جعل الباحثين يتصدون لتفسير الوقائع علي أسس منهجية .

ومع أن هذه المرحلة تتسم بنزعة استقرائية واضحة، إلا أن وليم هيوول يكشف لنا في أكثر من موضع من مؤلفاته عن خصوبة الجانب العقلي المتمثل في ابتكار الفرض إذا ما أضيف كبعد جديد لتفسير الوقائع، حيث أن العالم وهو بصدد تفسير وفهم الظواهر الموجودة في العالم الخارجي، لا بد له أن يلجأ لأهم خطوة من الخطوات المنهجية، التي تتمثل في إضفاء مقولات العقل الخلاق، لتحديد الطريقة التي تعمل الظواهر وفقا لها، وهي خطوة الفرض .

وفي إثبات خطوة الفرض  لم يعمد وليم هيوول إلي حصر المنهج الاستقرائي في قواعد محددة كما فعل جون مل الذي يري أن الاستقراء جسر نعبر عليه من الوقائع إلي القوانين ؛ فهو عملية منطقية تثبت بها أن ما يصدق علي بعض أفراد فئة ما يصدق علي الفئة بأكملها، أو أن ما يصدق علي بعض أجزاء الصنف علي الصنف كله بوساطة تحقيق ظروف مماثلة، وإنما نحا هيوول منحي آخر أقرب ما يكون إلي الأسلوب العلمي    الدقيق، فلقد استقرا تاريخ العلم الحديث واستنتج منه أسس المنهج الاستقرائي الذي طبقه العلماء منذ جاليليو، وكانت الفكرة الأساسية التي خرج بها هي التالية: إن الاكتشافات التي توصلت إليها العلوم الاستقرائية إنما يرجع الفضل فيها إلي فعالية الفرض العلمي ؛ بمعني أن الكشف العلمي يرجع أساسا إلي الفرضية      لا إلي الاستقرائية  ؛ حيث يري هيوول أن الاستقراء وحده لا يكفي و بل لا بد من فرضية توجه البحث وتقوده قبل الاستقراء وخلاله وبهده . ولا توجد طريقة أو طرق محصورة يسلكها  الذهن، دون غيرها، للانتقال من الفرضية إلي القانون، بل ليس هناك ما يفصل بين الفرضية والقانون غير تلك التجارب والعمليات الذهنية التي تقودها الفرضية .

وانطلاقاً من هذا شرع هيوول يؤكد أن دراسة تاريخ العلم تكشف عن عملية استقرائية لا تماثل البتة حجة التعميم التي يتمسكون بها، بل ثمة ربط للوقائع التجريبية من خلال مفهوم عقلي عبقري، وهذا المفهوم متقدم من خلال العقل في القضية العامة ولا يوجد في أي من وقائع الملاحظة .

وهنا اهتم هيوول بوضع نظرية في الاستقراء مستمدة من تاريخ العلوم التي اتفق العلماء علي وصفها بالاستقرائية، فانتهي إلي أن تاريخ الاستقراء يدل علي أن الاستقراء الذي يقوم به العالم ليس برهانا منطقيا يصدق بقوة صورته، بل هو طريقة أخري للوصول إلي الحقيقة: إنه مسلك مغامر يتخذه العقل ويصنع فيه صنيع من يحاول حل لغز: فيجرب ويحاول عدة فروض، إلي أن يقع بحدس صائب علي الفكرة الصائبة .

ومعني هذا أنه ليست المسألة إذن مسألة ما هي الشروط التي بها يكون هذا المسلك صحيحا – وهو لا يمكن أن يكون صحيحا أبدا، بل فقط ما إذا كانت النتيجة سليمة .والعناية والتدقيق إنما يتعلقان بالرقابة التجريبية علي القضية الاستقرائية، لا بصياغتها مما يسمح للخيال بمجال واسع، ولا فائدة من وضع منطق استقرائي، وصياغة قواعد للاستقراء مناظرة لقواعد القياس، فالاستقراء لا يقوم علي تعميم وقائع الملاحظة، بل يقوم بربط بينهما برباط عقلي من خلال مفهوم جديد يزودنا به العقل لا الظواهر .

وهذا المفهوم الذي يتقدم به العقل هو الفرض، لأنه في كل استدلال نقوم به عن طريق الاستقراء يوجد تصور ما يقدمه العقل ولا تقدمه الظواهر . ونتيجة الاستدلال ليست محتواه في  المقدمات، ولكنها تحتويها عن طريق إدخال عمومية جديدة . وحتي نحصل علي استدلالاتنا فإننا نذهب بعيدا إلي ما وراء الحالات الماثلة أمامنا، وتعتبر هذه الحالات مجرد تبسيط لحالة ما مثالية تكون فيها العلاقات تامة . ونحن نأخذ معيارا معينا نقيس به الوقائع بواسطته، وهذا المعيار نحن الذي نؤلفه ولا تقدمه لنا الطبيعة .

ومن ناحية أخري يري هيوول أن الاعتقاد السائد الذي يري في الاستقراء الوسيلة التي نحصل بها علي قضايا عامة، انطلاقا من الأحوال الجزئية، والذي يقرر أن القضايا العامة تنتج فقط من تجمع هذه الأحوال وضم بعضها إلي بعض هو كما يقول هيوول – اعتقاد خاطئ تماما، حيث أن " الحقيقة الاستقرائية ليست علي الإطلاق مجرد تجميع فقط للوقائع .إن الشئ المعمول هو أكثر من ذلك وهو التمهيد لعنصر عقلي جديد والعقل لكي يكون قادر علي أن يقدم هذا العنصر يجب أن تتوافر له مواهب ونظام عقلي  مميز" .

كما أننا إذا رجعنا إلي الوقائع وتتبعنا الخطوات التي سلكها الباحثون، وجدنا أن الأحوال الجزئية لا تجمع هكذا عرضا، بل هناك دوما فكرة موجهة، فكرة أدخلت في القضية العامة نفسها ولا توجد في الوقائع الملاحظة . ولكن عندما تندمج هذه الفكرة الموجهة في معطيات التجربة لتشكل معها مركبا جديدا، ينسي الناس تلك الفكرة ويعتقدون أنها من صميم الواقع، تماما مثلما يعتقدون أن القلادة هي دوما قلادة، في حين أن الفكرة التي جعلت منها قلادة هي من الإنسان . فلا يوجد في العالم المادي إلا جواهر معزولة . إن الإدلاء بفكرة تجمع شتات الظواهر عملية تستلزم اقتراح فرضية . والفرضية تؤخذ من جملة أفكار أخرى ؛ أي تختار من بينها لكونها أقرب إلي تفسير الظواهر . واقتراح الفرضية من طرف الباحث عمل ينم لا عن ضعف، بل عن قوة ويتطلب جرأة وعبقرية .

ويؤكد هيوول أن اكتشاف كبلر لفكرة الاهليج يعد مثالا للاستقراء الحقيقي الذي يدعو إليه، فقد كانت المشكلة الأساسية التي واجهت العالم الطبيعي منذ عصر كبلر، هي مشكلة الحركة . كيف نفسر حركة سقوط الأجسام الطبيعية ؟ وكيف نربط بين حركة تفسير نقدمه لحركة الجسام الطبيعية علي الأرض، وتفسير حركة الكواكب . وقف كبلر علي أساس نظرية كوبرنيقوس في علم الفلك، وعرف عنه فكرته الأساسية القائلة بأن الأرض تدور حول الشمس في مدارات دائرية، وهو تصور يرجع إلي أرسطو الذي ذهب إلي أن الدائرة أكمل الأشكال .

وبالتالي لا بد وأن تكون الحركة دائرية . وضع كبلر ملاحظات تيكوبراهي موضع الاختبار الرياضي ليعرف العلاقة الرياضية التي تقوم بينها . وحاول أن يستنبط من هذه الملاحظات النسبة بين الزمن الذي يستغرقه الكوكب ليدور حول الشمس وبين بعده عن الشمس . هل هذه النسبة واحدة لجميع الكواكب ؟  لم تكن الأدلة التي توافرت لديه كافية للقيام باستنباط هذه العلاقة وتقديرها في قانون . والسبب في ذلك أنه كان يقوم بإجراء حساباته الرياضية علي أساس أن الحركة، كما تصورها كوبرنيقوس وأرسطو من قبل دائرية .

ومن ثم اتجه إلي وضع فرضه الأول وضعا جديدا: هل نسبة مربع الزمن والمسافة واحدة لجميع الكواكب ؟ وضع الفرض في صورته الأخيرة يعد تعديلا للصورة الأولي، وبالتالي احتاج كبلر لأن يقوم بإجراء حساباته علي كوكب واحد، ثم يقوم بتتبع نتائجه بالنسبة لجميع الكواكب، فاتخذ كوكب المريخ نموذجا له . لا حظ كبلر أن كوكب المريخ يتخذ مواضع متغيرة في أوقات مختلفة من السنة . كيف يمكن أن يحدث هذا التغير في وضع الكوكب ذاته؟ لقد تصور كبلر المشكلة من خلال الخيال الرياضي، فإذا مد خط من الشمس إلي كوكب المريخ، فإن هذا الخط بناء علي هذه المواضع التي يتخذها الكوكب، سيقطع مساحات متساوية في أزمنة متساوية .

والنتائج الاستنباطية  التي توصل إليها كبلر تدل علي صحة هذا التصور، ومن ثم وضع قانون تساوي المساحات الذي ينص علي أن " الخط الذي يربط الكواكب بالشمس يمر بمساحات متساوية في الأزمنة المتساوية . كان من الطبيعي أن يكتشف كبلر اختلافات جذرية في حساباته لأوضاع كوكب المريخ، عن  حسابات كوبرنيقوس، فتساءل عن شكل المدار الذي يتخذه الكوكب . إن فكرة كوبرنيقوس عن المدار الدائري لا تؤدي إلي نفس النتيجة التي توصل إليها كبلر في قانونه السابق . فما هو شكل المدار .

اتجه كبلر إلي معالجة الملاحظات التي دونها تيكوبراهي مرة أخري، فتبين له أن المدار لا يمكن أن يكون دائريا،فافترض أنه بيضاوي، وعن طريق الرياضيات وجد أن نتائج عملياته الرياضية تتفق مع الوقائع الملاحظة، وأن الكواكب فعلا تتخذ مدارات بيضاوية، فعمم فرضه عن المدار البيضاوي في قانونه القائل إن " الكواكب جميعا تدور حول الشمس في أفلاك بيضاوية تقع الشمس في إحدى بؤرتيها "، وقد أفضي به هذا الاكتشاف إلي التوصل لتجريدات تتعلق بالخصائص الفيزيائية لكل من الشمس والكواكب .

ومن هذه النتيجة أمكن لكبلر، أن يتوصل للإجابة علي سؤاله الأول، فقد تبين له أنه بالنسبة لجميع الكواكب يتناسب مربع الزمن تناسباً طردياً مع مكعب متوسط المسافة من الشمس "، وهو ما يعرف بالقانون الثالث .

وهنا يري هيوول أنه بالنسبة لاكتشاف كبلر، فإن النقاط التي لوحظت في مدار المريخ، كانت معروفة من قبل، ولكن عندما طبق كبلر "مفهوم" القطع الناقص، اكتشف وعلى الفور المدار الصحيح، وكبلر كان أول من طبق هذا المفهوم، القطع الناقص، على مسار مداري لكوكب، وذلك لأنه لدية فكرة واضحة للغاية في عقلة عن القطع الناقص . ولعل ذلك مهم لأن الأفكار والمفاهيم الأساسية مصدرها العقل، ولكنها لا يمكن استخدامها من منظور فطري،  فهي لا تقف وحدها. وهيوول يشرح ذلك بأن"البذور الأولى لهذه الأفكار كانت على الأقل موجودة في العقل البشري في مرحلة ما قبل الخبرة المكتسبة، ومن خلال عملية التفكير العلمي فهم يتجلوا للعيان في وضوح ونقاء .

وهيوول يقصد بهذا  "التجلي للعيان" عملية التحليل و التفسير المطول من قبل المفاهيم، فتلك العملية وهذا التفسير هما شرط أساسي سابق لأي اكتشاف، وهذا الاكتشاف يتكون من جزء تجريبي صرف وجزء عقلي صرف . العلماء يحاولون بداية تكوين مفهوم واضح ونقي في عقولهم، ثم يحاولون تطبيقه على الوقائع التي بحثوها بدقة، للوصول إلى الحكم عما إذا كان من الممكن جعل هذه الوقائع مؤلفة تحت قانون عام، وإذا لم يكن ذلك ممكن، فلعلهم يستخدمون هذا التمرين المتكرر لمحاولات مستقبلية. وبالتالي فإن استخدام كبلر لمفهوم القطع الناقص يعقب علية هيوول بقولة: "تغذية هذا المفهوم تتطلب تهيئة خاصة، ونشاط خاص ومميز داخل عقل المكتشف، ....الاكتشاف هو مجرد نقاط اتصال يجب أن يكون العقل مطلع عليها، أنواع محددة من الأشكال، وعلاقات محددة للمكان". وبمجرد أن تصبح المفاهيم واضحة، سيكون من الممكن اختيار المفهوم المناسب لأن يصبح مؤلفا، ولكن كيف يتم اختيار المفهوم المناسب لأن يكون مؤلفا، وبمجرد أن أمد كبلر مفهوم الأهليج علي الوقائع الخاصة بمدار المريخ، عممها علي كل أطراف وقائع الملاحظة ليصل في النهاية إليأن جميع النقاط الممتدة داخل مدار المريح، إنما تمتد علي هيئة قطع ناقص مع الشمس وفي مركز بؤري واحد .

ويعقب هيوول علي ذلك فيقول،: " ... ونفس الشئ يكون كذلك في كشوفات أخري، فالوقائع تكون معروفة، حتي وإن كانت منعزلة وغير مترابطة، إلي أن يأتي المكتشف، فيضع من مئونته الخاصة " مبدأ الربط"، فاللؤلؤ موجود ولكنه في حاجة إلي من ينظمه في عقد منتظم  فالمسافات والفترات الخاصة للكواكب كانت كلها تمثل وقائع عديدة متباعدة، إلي أن صاغ كبلر قانونه الثالث الذي استطاع أن يربط تلك الوقائع في حقيقة فريدة متباعدة، ولكن المفهومات الخاصة بتلك القانون كانت مستمدة من عقل كبلر،وبدون تلك المفهومات، فإن الوقائع تكون بلا فائدة . ومن الكواكب التي تصف الاهليجات حول الشمس تأملها الكثيرون بما فيهم نيوتن، إلا أن نيوتن أدرك أنها تنحرف في حركات  اهليجية في ضوء جديد – بفضل تأثير قوة رئيسية ناتجة عن قانون محدد، ولذلك فإن هذه القوة تم اكتشافها علي أنها موجودة فعلاً .

ثالثا: طرق التحقق من الفرض العلمي وقواعد استخراج المبدأ العام للوقائع:

إذا كان لكل من الخيال والحدس دوراً هاما ًفي نشأة الفروض، وإذا كان للفروض أن تخترع وتقترح بشكل في العلم، إلا أن هناك جانبان مهمان في الاستقراء عند هيوول: أما الجانب الأول و فيتمثل في أن كل استدلال استقرائي نقوم به يوجد مفهوم ما يفرض علي الوقائع . وأما الجانب الثاني فيبدو في أن اختراع المفهوم الذي يربط بين  الوقائع كان أعظم خطوة في الكشف، كما أن اختراع تحقيق القضية الاستقرائية كان أعظم خطوة هامة في البرهنة علي الكشف ذاته .

وعلي هذا الأساس، فإن هيوول يري أن عملية الاستقراء تتألف من الفرض والتحقق، ولهذا فإن ملكاتنا المنظرة هي التي تجعل العالم يستبصر التخمينات أو الفروض الجيدة ذات الصلة   بالوقائع، هي التي تجعل العالم يعشق الصدق ويعمل علي تبيين التمايزات من أجل صيانة الابتكار العلمي، فإذا أتضح للعالم أن الوقائع تتناقض مع الفروض كان لزاماً عليه أن يرفض الفروض ويقبل الوقائع بدون تردد،وفي هذا يقول هيوول:" إن التحقق من صدق الفروض يجب أن يتم من خلال تطبيقها علي الوقائع، وعلي المكتشف أن يكون مستعدا، وأن يلتزم الدقة في اختبار فروضه علي هذه الحالة، فإذا ما ثبت من خلال الاختبار أن هذه الفروض باطلة وغير مجدية فعليه أن يتركها .

ولهذا فإن التحقق في رأي هيوول يمثل عنصراً هاماً في الملية الاستقرائية، وقد قدم هيوول في مناقشته أربعة اختبارات للفروض، وذلك علي النحو التالي:-

الاختبار الأول: هو الملائمة، حيث أن " الفرض يجب أن يكون متسقاً مع القضية المستنبطة التي تعرض كل وقائع   الملاحظة " ؛ وهيوول في هذا الصدد يود أن يوضح أن الفرض المقترح يجب أن يكون وثيق الصلة بالظاهرة المراد تفسيرها أو المشكلة المراد حلها، فإذا كان الفرض لا صلة له بالظاهرة المراد تفسيرها، فإنه لن يحقق الهدف المرجو منه و ويكون الفرض فاشلاً.

الاختبار الثاني: التنبؤ بالوقائع التي لم تلاحظ بعد، يقول هيوول " إن الفروض يجب أن تفعل أكثر من وصف ما هو  ملحوظ ... فروضنا يجب أن تنبئ بالظاهرة التي لم تلاحظ بعد، وبالأخص كل الظواهر التي من نفس النوع كتلك التي للفرض الذي ثبت انه صحيح ومفيد ؛ ويقول في موضع آخر " إن الفروض التي نقبلها ينبغي أن تفسر الظواهر التي لاحظناها، وأكثر منهذا ينبغي ان نتكهن بالظواهر التي لم نلاحظها  بعد " .

وهنا يريد هيوول أن الفرض يكشف عن أصالته من خلال عنصر التنبؤ و التكهن إلي الجانب التفسيري، لأنه إذا اقتصر دور الفرض علي التفسير فقط، فإن هذا يعني بالضرورة أننا لن نعرف سوي ما نلاحظه، ولكن إضافة عنصر التنبؤ إلي التفسير، يعني إتاحة الفرصة أمام الباحث أو العالم لأن يقوم بمزيد من التجارب، مما يتيح لنا إمكانية الكشف عن ظواهر سوف ترد في المستقبل . فكأن الفرض بعد أن اقتصرت وظيفته في المرحلة الأولي من التجريب علي الجانب التفسيري، أضيف عنصر التنبؤ كوظيفة في عصر هيوول .

الاختبار الثالث: الذي ذكره هيوول هو قدرة الفرض علي التفسير والتنبؤ بالحالات ذات النوع المختلف التي تم تأملها في تشكيل الفرض . وحين نستخدم هذا فإننا سوف نصل إلي ما ذكره هيوول عن " ربط الاستقراءات " وهذا الربط يعني أن قانونين يمكن الحصول عليهم من خلال استقراءات مستقلة وتتضمن بوضوح أصناف متغايرة من الظواهر يمكن أن تتضمنهم جميعا وقابلة لأن تتجزأ من فرض واحد أو من نفس الفرض . وهذه المقومات تجعل الاختبار دقيق وحاسم في تصحيح الفرض؛ وفي فقرة أخري يؤكد هيوول أن ربط  الاستقراءات يمثل البينة الأكيدة علي مصداقية الفرض في أكثر من طرفين هما: حين يمكننا الفرض من تفسير وتحديد الحالات التي من نفس النوع تكون مختلفة عن تلك التي تأملناها في تشكيل فروضنا . وكذلك حين نفسر أثنين  أو أكثر من الأنواع المختلفة للظاهرة، كدوران الكواكب وسقوط الأحجار ومبادرة الاعتدالين" .

الأختبار الرابع: هو البساطة ؛ وفي هذا يقول هيوول " قد يحدث أن نجد فرضين متنافسين علي تفسير نفس الوقائع، وفي نفس الشروط، فأيهما يختار العلماء ؟ الحقيقة أنه إذا حدث ذلك، فإنه يتم اختبار الفرض الأبسط " ؛ ويقول أيضاً " كل الافتراضات

الإضافية تميل نحو البساطة والتناغم " .

هذه هي الاختبارات الأربع التي أضافها هيوول للتحقق من الفرض العلمي، والتي يحاول من خلالها هيوول أن يثبت مقارنة الفرضيات مع معطيات الواقع، وأنه لا بد من التخلي عنها عندما لا يكون هناك تطابق بينها . إلا أن هيوول لا يكتفي بذلك ح بل يؤكد أنه يمكن أن تستعمل الفرضيات في العلم وتؤدي دوراً كبيراً،  حتى ولو لم يكن هناك ما يؤكدها في التجربة . ذلك لأن دور الفرضية في العلم، شأنها شأن النظرية دور مؤقت، وتقدم العلم يصحح الفرضيات ويعدلها باستمرار .

وهناك في تاريخ العلم من الفرضيات ما أثبت العلم عدم صحتها، ولكن مع ذلك قامت بدور كبير، لا في تفسير الظواهر المدروسة وحسب، بل وفي التنبؤ بظواهر جديدة أيضا، يقول هيوول:" الفروض أحيانا ما تخدم العلم حتى وإن تضمنت جزء غير متكامل وقد يكون هذا الجزء علي خطأ، ويقول:" إن الفروض التي ثبت بطلانها قد أفادت في تقدم العلم، وذلك لكونها قد فسرت جوانب عديدة من الظاهرة، وإن كانت لم تفسر الظاهرة ككل  .

وهيوول اعترف أيضاً أن تاريخ العلم يحتوي علي العديد من الأمثلة للفروض الكاذبة التي قامت ببعض التنبؤات الصحيحة مثل نظرية " الفلوجستون " ولذلك فهو لم يعتقد أن القدرة التنبؤية المحددة تكفي لاقتناعنا بصدق الفرض، ولكن أكد أنه حين يجتاز الفرض أكثر من اختبار صارم، فإن ربط الاستقراءات طبقا لهيوول " تمثل البينة التي تقودنا إلي إثبات أن النظرية  صادقة " .

ويشرح هيوول ذلك فيقول " إن القول الذي يجب ان نتذكره دوما هو أن الفرض سيكون دائما في خدمة العلم، حتي وإن كان يحمل نصيب من النقصان وعدم الاكتمال، بل وحتي إذا كان خاطئا، فإنه يستحق منا الاهتمام به، وهل الاهتمام يتمثل في تجميع هذه الوقائع وفرضياتها معا، ليصبحوا في نسق واحد، ومن ثم فسيخرج وبصورة أوتوماتيكية الفرض الخاطئ، سنستبعده، بل سيستبعد نفسه عندما نفسر الظاهرة وفرضياتها، وبالأحرى عندما نربط أطرافها معا ". وهذا ما فعله نيوتن بلا شك، فقد صحح وحدد من استعمال بعض قوانين كبلر وشرح بصورة غير مباشرة كيف أنها ستكون في خدمة الجانب العلمي رغم وجود بعض الأخطاء .

ويعطينا هيوول مثالا لأهم الفرضيات التي تمكنت من التنبؤ الصحيح بظواهر جديدة، علي الرغم من أن العلم أثبت فسادها فيما بعد ؛ مثال ذلك قانون الانكسار الذي توصل إليه "سنل" Sneal   (1591-1626) الرياضي الفلكي الدانمركي، والذي ينص علي العلاقة الصحيحة بين زاوية السقوط وزاوية الانكسار بطريقة هندسية، تتلخص في أن نسبة قاطع التمام لزاوية السقوط إلي قاطع التمام لزاوية الانكسار ثابتة لكل وسطين، وعلق هيوول علي ذلك فيقول:" إن الافتراضات العقيمة المتعددة التي تم التوصل إليها لاكتشاف قانون الانكسار مهدت الطريق إلى اكتشافها الصحيح والحقيقي الذي توصل إليه Sneal " .

وننتقل إلي الكشف عن قواعد استخراج المبدأ العام للوقائع من خلال عملية التحقق ؛ حيث يقرر هيوول هنا أن لدينا ثلاث خطوات أساسية هي: اختبار الفكر، وبناء التصور، وتحديد المقادير .

أما من حيث اختبار الفكرة فإن هيوول يضع قاعدة بحثية هامة هي: يجب أن يكون هناك تجانس بين الفكرة والوقائع . فإذا لاحظنا الوقائع وقسناها بالرجوع إلي المكان فلابد من ربطها بفكرة المكان، لأن الفكرة تختبر عن طريق الوقائع .

وأما من حيث التصور وتحديد المقادير والأهمية فقد أشار هيوول إلي مجموعة من المناهج التي تميزت بالترابط والدقة في المعالجة، أكثر من اعتبارها إسهاما أصيلا من جانب هيوول، ومن بين هذه المناهج مايلي:

أ- منهج المنحنيات The Method of Curves هو الذي يتألف من رسم منحني تكون الكميات الملاحظة ممثلة علي الأحداث الرأسي، أما الأحداث الأفقي فيمثل مقدار التغير في الكمية الملاحظة . وكفاءة هذا المنهج تعتمد علي قوة العين التي تلاحظ مباشرة صور الاطراد أو عدم الانتظام . كما تبدو أهميته في أنه يمكننا من التوصل إلي قوانين طبيعية من الملاحظات الجيدة، ويجعلنا نستبصر الملاحظات الناقصة، كما أنه من جانب ثالث يمكننا من التوصل إلي معطيات تتجاوز الوقائع الجزئية .

ب- منهج الوسائل أو المتوسطات وهو الذي يتلافي بعض الصعوبات المشار إليها من في منهج المنحنيات، فيمكن لنا إجراء تصحيح للملاحظات التي أجريناها من خلال المنهج السابق عن طريق أخذ متوسط هذه الملاحظات،وهذا المتوسط حسابي فقط . ومن ثم فإن كفاءة هذا المنهج تعتمد علي أنه في الحالات التي تكون فيها الكميات الملاحظة متأثرة بعوامل أخري إلي جانب العوامل التي تحدد القانون، فإن الازدياد أو النقصان عن الكميات التي سوف ينتجها القانون موضع التساؤل سوف تتجمع في ملاحظات عديدة في موضع معين .

ج - منهج المربعات الصغري هو في الحقيقة منهج الوسائل، ولكن مع بعض الخصائص المميزة .فموضوعه يحدد الوسيلة الأفضل من عدد الكميات الملحوظة أو تكون غالبية القانون المحتمل مشتقة من عدد الملاحظات أو من بعضها أو من كله التي تسمح بأكثر أو أقل الملاحظات الناقصة . والمنهج يبدأ بافتراض أن – كل الأخطاء ليست محتملة بالتساوي، إلا أن الأخطاء الصغيرة ليست أكثر احتمالا من الأخطاء الكبيرة . ومن خلال التفكير تفكيرا رياضيا في هذا الأساس، نجد أن النتيجة الأفضل هي التي نصل إليها (حيث أننا لا نستطيع أن نصل إلي النتيجة التي تلاشت بسبب الخطأ) من خلال عمل لا يتمثل من الأخطاء ذاتها، ولكن بجمع مربعاتها في في القيمة الممكنة الصغيرة .

د- منهج البواقي: ينحصر منهج البواقي في إسقاط الكميات المعطاة من خلال أي ملاحظة، والكمية المعطاة من خلال أي قانون مكتشف بالفعل، وبعد أن يفحص الباقي أو المتبقي لكي يكتشف القانون الرئيسي اللازم عنه .وعند هذا يكون القانون الثاني قد اكتشف الكمية المعطاة من خلال ما تم إسقاطه من المتبقي الأول؛ وهذا يعطي المتبقي الثاني الذي ربما يكون مفحوص في نفس الحالة ...إلي آخره . وكفاءة هذا المنهج تعتمد بشكل أساسي علي ظروف قانون التنوع الذي يكون أقل وأقل في القيمة بالتتابع (أو علي الأقل في معناه الحقيقي)، وذلك لكي لا تعيق القوانين الغير مكتشفة بعد ذلك القانون موضع التساؤل الكائن البارز في الملاحظات .

وبعد أن تناول هيوول هذه المناهج الأربعة، وأشار إلي الأسلوب الذي تستخدم به تطبيقا في البحث الاستقرائي، أشار إلي ثلاثة مناهج أخري تتعلق بالبحث في خصائص الأشياء،  وهي علي النحو التالي:-

1- منهج الاتصال: وينص علي أن الكمية لا يمكن أن تنتقل من قيمة واحدة إلي قيمة أخري من خلال آيا من تغير الشروط بدون أن تنتقل عبر المقادير المتوسطة طبقا للشروط المتوسطة .وهذا المنهج غالبا ما يستخدم للتمييزات الغير محسنة التي ليس لها أساس حقيقي .

2- منهج التدرج وينحصر في أخذ عدد من المراحل للخاصية موضع التساؤل، ويتوسط بين الحالتين الأخيرتين التي تبدو مختلفة، وهذا المنهج  يستخدم لتحديد فيما إذا كانت الحالات النهائية متميزة حقا أم لا .

3- منهج التصنيف الطبيعي وينحصر في حالات التصنيف التي لا تكون طبقا لأي تعريفات مفترضه ولكن طبقا لسياق الوقائع ذاتها بحيث تجعلهم وسائل للحقائق العامة المثبتة .

من العرض السابق لأراء هيوول تبين أنه ركز علي ثلاث وظائف هامة للفرض العلمي. أما الوظيفة الأولي فتتمثل في تفسير الوقائع الخارجية والالتزام بالظواهر الموجودة فعلا في العالم المادي . وأما الوظيفة الثانية فتكمن في أن الفرض يجب أن ينبؤنا بكل ما جديد في مجال الظاهرة ويشير إلي الظواهر التي لم نلاحظها بعد . وأما الوظيفة الثالثة فتبدو في أنه يرشدنا إلي البحوث والتجارب المستقبلية التي يمكن للعالم القيام بها.

كذلك فإنه يرجع الفضل إلي هيوول إلي ابتكار بعض المناهج التي يمكن استخدامها للتوصل للقانون العام الذي يربط الوقائع معا، أكثر من الاهتمام بطرق تحقيق الفروض علي غرار ما فعل جون مل . والواقع أن المناهج التي أشار إليها هيوول تعتبر تدعيما للفرض حتى لا نضل الطريق ونحن بصدد استخدام الفرض في البحث العلمي، فإذا اتضح للعالم أن الفرض لا يمثل ما هو واقعي أخذ في البحث عن غيره حتي لا يفسد كشفه العلمي .. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

حاتم حميد محسنهل فكّر الانسان يوما في حياته وحول ما اذا كانت وهماً، او في حقيقة وجود اله؟ هل حاول التحقق من الأشياء التي تحدث حوله؟ هذه الأسئلة لطالما طرحها الفلاسفة في الماضي وقسم منها لاتزال حتى اليوم دون جواب حقيقي. الفلاسفة يسألون حول المفاهيم اليومية التي يتّبعها الناس دون وعي او يؤمنون بها بسبب الدين او المعرفة الشائعة او التقاليد او لعوامل اخرى، وهم يحاولون ايجاد تبريرات لها. جميعنا سمع بالعديد من الفلاسفة الذين حاولوا التأثير على الطريقة التي يفكر بها الناس او يحاولون جعل الناس يتحققون من صحة عقائدهم. بعض هؤلاء الفلاسفة الكبار برزوا في التاريخ القديم مثل سقراط وافلاطون وزينون وطاليس، لكننا سنركز هنا على هرقليطس.

كان هرقليطس "فيلسوف يوناني لما قبل سقراط من مدينة ايفسوس". عاش في ايفسوس في عام 500 ق.م تقريبا وهو اعتقد ان كل شيء حولنا يتغير وان الناس يمكنهم ملاحظة التغيير باستخدام حواسهم الخمس. عُرف هرقليطس بين أقرانه بالفيلسوف القاتم بسبب صعوبة فهم كتاباته. اشتهر هرقليطس بمقارنته للناس من حيث فهمهم باولئك النيام. هو اعتقد ان الفيلسوف في بحثه عن الحقيقة هو وحده يتمتع باليقظة التامة المفعمة بالحياة ، وهو اعتبر نفسه الفيلسوف الوحيد في زمانه. نستنتج من هذا انه يقارن الناس بالنيام لأنهم لايتابعون الحقيقة، هم يتّبعون بعماء ثقافتهم او ما يمليه عليهم دينهم بدون التحقق والبحث عن مزيد من المعلومات.

هكذا كان لهرقليطس مثل هذا التأثير على الأجيال اللاحقة حتى قيل ان "العديد من الفلاسفة اللاحقين من افلاطون الى ارسطو، ومن الرواقيين الى آباء الكنيسة، ومن جورج هيجل الى الفريد نورث وايتهد، اعترفوا بتأثرهم بافكار هرقليطس". قيل ان هرقليطس كتب كتابا واحدا فقط اثناء حياته وهو كتاب "حول الطبيعة"، الذي قيل انه ينقسم الى ثلاثة اقسام: "قسم حول الكون ، وقسم حول السياسة، والثالث حول الثيولوجي". في عمله، هو استخدم مختلف الاساليب البلاغية لكي يمكن ان تعني عباراته اكثر مما تبدو عليه وهو قام بذلك قصدا ليس لأجل ان يستطيع كل شخص فهمها وانما لكي يفهمها فقط اصحاب الموهبة والقدرة . هو اعتقد ان التغيير هو الجوهر في كل شيء وان النار هي الاساس كونها هي التي دائما تغيّر الاشياء. عقيدة اخرى له كانت في نظام التبادل المتوازن. فمثلا، "طريق واحد ينقل بعض المسافرين خارج المدينة، بينما هو ذاته يجلب الآخرين منها ، الطريق ذهابا وايابا"، هذا يجعل الناس يعتقدون ان كل فعل له فعل مضاد مساوي له والذي يشكل نوعا من الوحدة . هرقليطس ذكر عدة اقوال، نشير الى اقواله الأكثر شهرة منها مثلا "كل شيء في حالة من السيلان" و "انت لاتستطيع النزول في نفس النهر مرتين". ما نستنتجه من القول الاول ان كل شيء حولنا يتغير، يتحول، يصبح شيئا آخر. لاشيء يبقى ذاته كما كان من قبل. القول الثاني يشير الى ان النهر ربما يبقى كما هو لكن الماء فيه يتغير باستمرار.

ان الاقتباس الثاني سيكون ذا معنى عميق حين ننظر الى ما تبدو عليه الحياة حولنا من تغير دائم وانها ستكون بلا معنى لو بقيت في نفس الحالة، قد يعيش المرء حياته مثلما يرغب لكن البقاء في نفس المكان والاعتقاد فقط بما تربّى عليه ومحاولة نقل تلك العقائد للاجيال اللاحقة ، سوف لن يؤدي الى اي تقدّم في المعرفة. لو اتّبع كل فرد ما قيل له منذ ان كان طفلا، ولو ان الاجيال نقلت تلك المعلومات الى الاجيال التي اعقبتها، لكنّا لانزال نؤمن ان الارض هي مركز الكون او ان الارض مسطحة؟ كان هرقليطس مختلفا، هو رأى الالوهية في العالم، وان "العالم ذاته هو الله، او تجلّي لفعالية الله، والتي تتحدد بطريقة ما بالنظام الذي يؤطر الاشياء". قيل ان هيرقليطس ذكر ان المعرفة بعدة اشياء لاتجعل من الشخص ذكيا. الناس حاليا يسمون الآخرين اذكياء بناءً على معرفتهم وليس على ما يعرفون حقا. هذا يدعو لمعرفة ما معنى ان تكون ذكيا. البروفيسور J.M.Robinson نُقل عنه قوله "شيء جيد ان تعرف عدة اشياء، مثل اسباب الرعد والبرق والزلازل، لكن الافضل ان تفهم الشيء الوحيد الذي يؤطر كل تلك الظواهر، الفكرة التي توجّه كل الاشياء . تلك هي الحكمة". الحكمة الحقيقية لايمكن تعليمها وانما تُكتسب من خلال الصراع وتجارب الحياة.

النزاعات اللفظية والاختلافات تسمح للناس بتعلّم منظور الآخرين وانها تختبر مقدرتك في الدفاع عن حججك، وهنا تكمن الحكمة. نعتقد ان هرقليطس قدم لنا الكثير من الاشياء وفتح الطريق لإكتساب المعرفة وشجع اجيالا بعده للتحقق من الحقائق التي قيلت لهم. هو كان مختلفا عن الآخرين في عصره، كان فضوليا. الفضول يحفزنا للكفاح لأجل الحقيقة ولايزال العديد من الناس اليوم يتّبعون ما ذكره لهم آبائهم او ما لقّنه لهم دينهم بصرف النظر ان كان لها معنى ام لا لأنهم يرون كل شخص آخر يتبعها ايضا. نعتقد ان هرقليطس عالج الاشياء بطريقة مختلفة. كلماته كانت متفردة وجعلت الناس حقا يعتقدون بما قصد بها وهو امر مثير للاعجاب. احيانا يتحتم علينا الرجوع الى زمان لنقدّر معرفة الاجيال التي سبقتنا لأنهم حقا لديهم الكثير لنتعلم منه سواء اعترف بذلك الناس ام لم يعترفوا. معظم الناس يعتقدون انهم يعرفون كل شيء ويرفضون طلب المساعدة عندما يجهلون، ولكن يجب ان نتذكر كيف بدأنا ومن أين جئنا لهذا العالم وهو الامر الذي يجب ان يشارك به الجميع.

 

حاتم حميد محسن

.....................

Philosophy, www. Philosophybasics.com/philosophers- Heraclitus-html

 

علي محمد اليوسفمن النادر نجد عناية منصفة لدراسة الفيلسوف الفرنسي من اصل الماني ديتريش هولباخ (1723 – 1789) باعتباره فيلسوفا ماديا ملحدا متطرفا، دافع عن مذهبه المادي في كتابه (نظام الطبيعة) الذي نشره عام 1770 باسم مستعار، والذي أعتبر انجيلا جديدا لتنوير البشرية العقلي والاخلاقي. واطلق النقاد على كتاب هولباخ انه يمثل ذروة الفلسفة المادية والالحادية الفرنسية، ومن المفارقة أن يعجب ماركس بافكار هولباخ رغم المعيشة الارستقراطية الباذخة التي عاشها هذا الاخير ولم يترجمها كمعتقد يؤشر تفاوت طبقي مجحف بين الطبقات الغنية والطبقات المحرومة الفقيرة.. وتنسب لهولباخ المقولة الماركسية (الدين افيون الشعوب). وكان له صالونا ادبيا يضم نخبة مختارة من ملحدي عصره فلاسفة وكتاب الذين كانوا يشاطرونه الميل الشديد في معاداتهم الكنيسة الكاثوليكية.وكان هولباخ لا يؤمن بمبدأ وحدة الوجود ولا يؤمن ايضا بالمعجزات الدينية معاديا بشدة رجال الدين الذين أعتبرهم يعيشون حياة الترف على حساب بؤس الفقراء ومعاناتهم المؤلمة.

وأعتبرهولباخ الانسان موجودا ماديا لأن عملياته الذهنية ليست سوى حركات تجري في المخ.1. رغم أن هذا السبب الاجمالي الاختزالي يبدو ضعيفا في التدليل على أن الانسان وجود مادي باسباب عديدة أخرى لا حصر لها أختصرها هولباخ بعلاقة الفكر بمادية الانسان ككائن بما سمّاه تعالق الفكر مع حركة المخ فقط، أذ ربما كان يقصد هولباخ الوجود المادي للانسان يكون مؤكدا وناتجا حصوليا ممثلا في بيولوجيا التكوين الفكري الوظائفي له ايضا. وضرب لذلك مثلا هو تعالق عمليات الذهن التفكيرية الناتجة عن حركات تجري بالمخ. صحيح أن يكون الانسان موجودا ماديا بالفكر كمنهج، ومادية الانسان كموجود في الطبيعة هو تحصيل حاصل المنهج المادي بالتفكير الذي مصدره الانسان كينونة مادية مفروغ التسليم المطلق بوجودها المادي.

لكن مادية الانسان كوجود مادي متمايز عن الطبيعة وجميع كائناتها لا يمكن أختزال البرهنة على بديهيته المادية بهذه التعالقية العضوية ممثلة في منهج علاقة تفكير الذهن بحركات المخ كما في تعبير هولباخ. لكن لو نحن تعمقنا تاويليا في تعبيرهولباخ نجده يقع في تناقض جدلي معتبرا مادية الانسان مستمدة قبليا من مادية الفكر. بينما ترى المادية الجدلية التي تبلورت من بعده بتعاقب مجيء هيجل وفويرباخ وماركس عكس ما ذهب له هولباخ، في أهماله حقيقة الواقع المادي هو الذي يفرض المادية على الفكر كما ذهب له فيورباخ الاب الروحي للمادية أن فكر الانسان لا يمنح الواقع حقيقته المادية بل مادية الواقع والطبيعة والانسان تجعل من الفكر منهجا ماديا في تفسير موجودات وظواهر العالم الخارجي والطبيعة..

لكن ما يمكن أعتباره نقلة متقدمة نحو منهج المادية الذي جاء لاحقا بعد عشرات العقود من عصر تنوير هولباخ هو في فتحه الابواب التي كانت موصدة تماما بوجه التوجه المادي الذي كان يحاربه بضراوة اللاهوت وتبعاته الفكرية المثالية الابتذالية التي كان حتى فولتير المتنور واقعا تحت تاثيرها في تماشيه مع اللاهوت الديني الموروث عن ديكارت ولايبنتيز.

كما هاجم هولباخ الحجج الفلسفية التي كان تبناها لايبنتيز ولوك وديكارت على أن في مقدور الانسان الوصول الى حقيقة وجود الله بمنهج الاستقراء الذهني العقلي كما هو الحال في المنهج التجريبي المعتمد في العلوم تماما.، وما يدركه العقل من اشياء العالم الخارجي وموجوداته يمكنه ادراك وجود الله بنفس المنهج الادراكي العقلي.

كما هاجم هولباخ البرهنة على خلود النفس التي ربطها ديكارت بخلود العقل بأعتبارهما جوهرين لا فيزيائيين منفصلين عن الجسم. مثلما صادر ديكارت خلود النفس ولم يفرق بينها وبين الروح أذ ربما أعتبرهما دلالة تعبير عن معنى واحد. فالنفس على العكس من الروح ترتبط فسلجيا بتكوين جسم الانسان المتكوّن من مجموعة الاجهزة البيولوجية التي تحكم الانسان في وجوده كائنا حيّا، مثل جهاز الدورة الدموية وجهاز التنفس وجهاز الهضم والجهاز العصبي والضمير والعواطف والانفعالات وغير ذلك. على العكس من الروح التي هي نوع من مفهومات وموضوعات الميتافيزيقا التي لا يدركها العقل لا بالماهية ولا بالصفات تعايش الانسان وتلازمه الحياة وتفارقه بالممات. وهو ما يذهب له اللاهوت الديني بخلود الروح بعد مغادرتها فناء الجسد بالموت. واعتبارهم الروح جوهرا منفصلا عن الجسم وأن ارتبطا سوية أحدهما بدلالة الاخر.

وأعتبرديكارت خلود النفس وليس الروح حقيقة فلسفية من دون تبيان كيف تكتسب النفس وليس الروح الخلود، كما لم يكن ديكارت موّفقا أعتباره العقل جوهرا ماهيته التفكير بالذهاب الى أن العقل جوهر خالد يلازم خلود النفس ولم يفرق بين ماهية العقل التجريدية وماهيته البيولوجية كدماغ تحتويه الجمجمة وملحقاته المخ الذي يحتويه مع الجهاز العصبي. فخلود العقل الذي يلازمه خلود النفس لدى ديكارت لا يمكن التسليم بها بوجود الفارق بين العقل الفيزيائي المادي كعضو من أعضاء وظائف الجسم الانساني وبين العقل غير الفيزيائي الذي هو جوهر تجريدي ماهيته التفكير فقط وأعتبر ديكارت العقل بهذه الخاصية خالدا لكونه موجودا غير فيزيائي.. خاصيته تتبع الدماغ بالتفكير فقط وليست بخاصية بيولوجية يمتلكها تتبع بيولوجيا تكوين جسم الانسان الطبيعي الفاني بالممات كما هو الحال مع الروح في امكانية خلودها عند اصحاب الايمان الديني.. لانها تجريد ميتافيزيقي لا رابط علائقي لها مع مكونات العقل العضوي الدماغ.

كما لم يكن هولباخ يؤمن بالمعجزات ويعتبر هذه الاقانيم الثلاثة /البرهنة العقلية على وجود الله/ وخلود النفس/ والايمان الديني بالمعجزات/ التي قامت عليها المسيحية هي خرافات توّسلها رجال الدين مستغلين سذاجة الناس في سرعة التصديق للخرافات، ليسهل عليهم استغلالهم.2. وذهب أبعد من ذلك حين أعتبر هولباخ سلوك الانسان الطبيعي كان من الممكن أن يكون أفضل في مساره الطبيعي المستقل عن اللاهوت لو ترك حرّا طليقا تحركه نوازع الخير الموجودة اصلا بالانسان كغريزة فطرية. ولم يكن الانسان بحاجة ضرورية ألزاميه تلزمه تلبية نواهي وتحريمات رجالات الدين الذين يبنون رفاهيتهم الارضية على حساب بؤس وحرمان الاغلبية من الناس.

ولولا التقدم الحضاري – أعتقد يقصد هولباخ بالتقدم الحضاري هو التقدم العلمي التمديني ومنجزات العلم التكنولوجية عالية التقنية التي قللت من تعب ومشقات الانسان ولم يكن يقصد الحضارة كمفهوم شمولي كما هو متفق عليه اليوم اصطلاحا يشتمل نمطا متقدما شموليا لجميع مناحي الحياة في السلوك والاجتماع والاقتصاد والثقافة والمعرفة والتقدم العلمي وغيرها واحتمال أن لفظة الحضارة نسبها المترجم لهولباخ وهو لم يقصدها - في تقاطعه السلوك الاخلاقي الطبيعي الذي لو ترك على طبيعته الغريزية الانسانية لكانت النتائج أكثر جدوى عملانية بحياة الانسان في خدمة تحقيق تقدم البشرية على ركائز قيم بعيدة عن خرافات اللاهوت الديني في ارساء الصدق والمحبة والالتزام الذي يحقق تماسك المجتمع أكثر مما قام به اللاهوت من تدمير تلك النزعات الفطرية السلوكية الخيّرة التي تكون مغروزة في طبيعة الانسان الذي لم يكن بحاجة اليها كقيم أخلاقية يضعها رجال الدين له في مصادرتهم حق الانسان في طموحه نحو تحقيق رفاهيته وسعادته بأمتلاكه حرية الارادة والاختيار بالحياة بلا وصاية خارجية تفرض عليه قسرا من رجالات الدين.

ومن النوادر التي حصلت في أحدى صالونات هولباخ الارستقراطية الادبية والفلسفية الراقية على مستوى حضور روسو وديدرو وديفيد هيوم أن تساءل هيوم هل يوجد ملحدون حقيقيون معنا اليوم؟ فكان رد هولباخ أن الطاولة التي تجلس عليها تضم الآن 17 ملحدا جالسين قريبين منك. ومن أهم عبارات هولباخ المعبّرة عن الحاده الذي لم يكن يخفيه قوله (الكون لا شيء اكثر من مادة في حالة حركة دائمية مقيّدة بقوانين طبيعية، وانه لا ضرورة اللجوء الى قوى خارقة للطبيعة لتفسير وجود الاشياء). ويكيبيديا الموسوعة. واضح هنا هولباخ يعتبر قوانين الطبيعة الثابتة التي تقيّد بحركتها الثابتة هي بكليتها معطى ازلي وجود غير مخلوق نطلق عليه الطبيعة.

فرقة المؤلهة والايمان الديني

جاء من بعد هولباخ تيار فلسفي يعتمد مذهب ما يسمى فرقة المؤلهة الدينية ما يطلق عليهم عندنا الربوبيون وهم ايضا يؤمنون بالاخلاق الطبيعية قبل وضعية أخلاق الدين التي يدعو لها رجال الدين، لعل أبرزهم روسو ومن قبله لا يبنتيز وجون لوك وباركلي لكن بشكل يكرس الايمان الديني بوجود الله ضرورة لا غنى عنها يمكننا تحقيقها بمنهج الادراك العقلي، فالله عندهم ذو عقل وقدرة وارادة لكننا لا نستطيع كشف ماهو الله ولا ماهيته بل يمكننا الاستدلال العقلي على وجوده... وأن جميع الشرورالتي تصيب الانسان مصدرها الانسان الذي يصنعها بيده أو تقع مسؤوليتها عليهم بقدرة قوى خارجية طبيعية تدميرية هم مسؤولين عنها وليس مسؤولية الله عنها لأنه يمتلك قدرات محدودة لا يكون فيها مسؤولا عن وقوع الشرور على الناس في تبرير رجال الدين حدوث زلزال لشبونة 1755 الذي حصد مئات الارواح وهم موزعون يصلون بالكنائس. معللين تحميلهم الضحايا مسؤولية تدمير الزلزال الذي طالهم هم وعوائلهم ومنازلهم سببه يقع على عاتق الناس الذين بنوا بيوتهم المتهالكة من غير تحسباتهم الحذرة حصول وقوع مثل هذه الزلازل ويبدو هذا التعليل التبريري بمنتهى السخافة والابتذال.، تلك البيوت التي لم يكن الرب بناها لهم كي يتحمّل خراب الزلزال الذي ضربها وهدمها على رؤوس أصحابها متدينين وغير متدينين. والاهم من ذلك وصفهم الله بقدرة محدودة لا يستطيع دفع كل الشرور عن الانسان.

كما ويحافظ الله بمعتقد جاك روسو ومذهب المؤلهة على الكون بقوانين طبيعية ولا يخرقها الله بمعجزات تخالف هذه القوانين وهو غير مسؤول عنها. (يرجى العودة الى مقالتنا المنشورة على اكثر من موقع الكتروني منها المثقف، الحوار المتمدن، كوة، والمجلة الثقافية الجزائرية بعنوان: المعجزة الدينية وقوانين الطبيعة).

لا مجال هنا الدخول أن تعريف ديفيد هيوم وعدد كبير من الفلاسفة المعجزة هي خرق لقوانين الطبيعة يحمل معه خطأه أكثر من أمكانية التسليم بصدقيته التي تبدو واقعية متفق اصطلاحا عليها ويتوضح هذا معنا لاحقا بأسطر قادمة. نظرا لكون قوانين الطبيعة ثابتة لا يطالها الزمان بالتغيير ولا تعبث بنظامها المعجزات الخارقة لها ايضا، مقارنة بالمعجزات التي يستطيع بعض الانبياء بها كسر تلك القوانين في زمانية محدودة وفي عصر واحد لا يتجاوز زمانه الدقائق من الوقت التي تزول فيه المعجزة ويعود القانون الطبيعي المخترق لخاصيته الثابتة ثانية. فثبات قوانين الطبيعة الزماني هو ليس حصولا تغييريا ولا زوالا زمانيا دائميا كما في المعجزات الآنية المؤقتة. بمعنى في حال حدوث خرق القانون الطبيعي بمعجزة زمانية مؤقتة لا يجعل ذلك الحدث الخارق لأحد قوانين الطبيعة متغيرات دائمية تطالها. وأنما يجعل من المعجزة الدينية طارئا لا معنى له خارج انخداع الناس به في ترسيخ ايمانهم الديني بالانبياء قبل الايمان الديني بالرب الذي لا يحتاج معجزات تخرق قوانين الطبيعة الثابتة..

لا نريد هنا تكرار كم يحمل هذا التعبير المتداخل بين قوانين الطبيعة وخوارق المعجزات من خلط عالجناه في مقالتنا التي اشرنا لها في سطور سابقة، منها من المسؤول عن وقوع المعجزات الدينية رغبة الانبياء أم مشيئة الله؟ وما يترتب على هذا التساؤل من اشكاليات عديدة لا تخدم التسليم بحصول المعجزات. مثلا لدى مذهب فرقة المؤلهة الذين ينفون المعجزات أن تكون وتحصل بارادة الله وبوحي منه كونها هي خرق لقوانين ثابتة وضعها الله في الطبيعة كنظام ازلي ولا رغبة عنده بتخريبها وخرقها بمعجزات غير منطقية ولا عادية يتقبّلها العقل.

وبذا تكون خرافة المعجزة الدينية اسطورة تلقى على عاتق الانبياء في البرهان على الايمان الديني بهم وليس الايمان غير المباشر بالله الذي لم يوعز لهم القيام بالمعجزات، وفي هذه الحالة يكون الشد والجذب بين قطبين هما أعلى من قدرات فهم البشرالايماني الديني في التفريق بين اولوية الايمان الديني بمعجزات الانبياء أم اولوية الايمان الديني بالرب بمعجزات لم يأمر الله انبياءه القيام بها؟، وكيف ترتبط المعجزة وبمن؟ هل بالايمان الديني بالنبي الذي يقوم بها أم بالخالق الذي لم يوعز لاحد القيام بها؟ وتبقى المعجزات تحمل اشكاليات خلافية عديدة غير التي ذكرناها.

الا أن الاختلاف يبقى قائما من المسؤول عن حدوث المعجزات الدينية وما هي الغاية منها هل هو هدف تحقيق الايمان الديني بما يقوله الانبياء بوحي الهي أم الايمان الديني بالله الذي هو في غنى عن الاستدلال الايماني العقلي به عن طريق واسلوب المعجزات التي يقوم بها الانبياء ولم يأمرهم الرب القيام بها لوجود وسائل استدلالية يمكنها تحقيق الايمان الديني ليس بوسيلة المعجزات التي يطعنها عدم التصديق اليقيني بها في عصرنا الحاضر؟ منها على سبيل الاستشهاد وسيلة الاستقراء العقلي البرهاني التي قال بها اكثر من فيلسوف وهم انفسهم لا يستطيعون البرهنة على حقيقة ما يدعون أثباته بمنهج العقل.

طالما الايمان الديني هو التسليم بأعجاز قدرات الخالق غيبيا ميتافيزيقيا وليس بدلالة العقل البرهانية الاستقرائية الذي تحكمه قوانين مادية سببية وغير سببية، عليه تبقى المعجزات كخروقات لقوانين الطبيعة المؤقت لا يمكن غير التسليم بها سواء حصلت في عصرها أم لم تحصل ووصلتنا اليوم اسطورة أم حقيقة لأن كل شيء يراد البرهنة عليه ميتافيزيقيا يكون تحصيل حاصل النجاح المسبق بتصديق تحققه دوغمائيا لأنه اساسا موضوعا في كلتا الحالتين لا يحكمه الصواب أو الزيف الا في العودة نحو مرجعية تحكيم العقل له. فالميتافيزيقا كمواضيع لا تحتكم العقل في البرهنة المستحيلة على موضوعاتها، لذا لا يبقى غير التسليم بصدقيتها في تغييب حكم العقل على حساب تفعيل العاطفة الايمانية الدينية الدوغمائية في التصديق. لذا فالميتافيزيقا كموضوعات لا تحتاج على برهنة صحة تحقق المعجزات لأن تحققها يقوم على الايمان التسليمي الغيبي الدوغمائي الذي لا يخضع لقوانين ادراكات عقلية تقوم على تفكير طبيعي لا يتوسل الميتافيزيقا..

من الواضح أن قوانين الطبيعة الثابتة يتم اكتشاف بعضها وادراك بعضها بدلالة موضوع المغايرة المتعالق بها وحتى غير المتعالق بها ماديا بمنطق العقل لذا يكون كل ما هو غير مدرك عقليا دينيا ميتافيزيقيا لا يمكننا التشكيك به بمنطق العقل بل الايمان الديني المسبق به بمنطق الاسطورة والميتافيزيقا. وبذا يكون الايمان الديني بالمعجزات لا يمكننا محاكمة التصديق به ولا أمكانية تكذيبه من قبل مرجعية العقل الذي يختلف ماهويا بعدم المجانسة حتى الادراكية مع جميع الخوارق التي لا تقع ضمن رقابة العقل الادراكية عليها والتي منها المعجزات التي هي عمليات تدرك فيزيائيا في زمن حدوثها ولا يمكن ادراك حصول تكرارها كنظام خارق لقوانين الطبيعة الثابتة على الدوام عبر الازمان والعصور وألا ترتب على ذلك أن قوانين الطبيعة هي توليد ذاتي خصائصي بالطبيعة تعيها وتدركها وهي تنتجها وتستحدثها عند الحاجة لها، وهي قابلة للتغيير والتبديل على مر العصور والازمان بأرادة منها أو بمعجزة خارجة عنها. في حين يقول العلم قوانين الطبيعة ثابتة ازلية في ملازمتها الطبيعة.

ولو كان هذا الفرض صحيحا مقبولا لما كانت قوانين الطبيعة وصلتنا كما هي الآن نعيشها تداوليا في ادبيات لاهوت الاديان والكتب المقدسة في ثباتها الكوني الازلي الذي يحاكم الطبيعة والانسان بتفسيرها خارج ما يقوله العلم الذي يركن تفسير اللاهوت الديني جانبا بمنطق ما يقبله العقل... وبذا تكون المعجزات أجزاءا من تاريخ لا يمكن دحض وقائعه بمنطق العقل المقترن بزمان غير مؤكد في تلازمه مع واقعة المعجزة. وثبات قوانين الطبيعة لا تزحزحه عن حقيقته لا اساطير اللاهوت الديني ولا حتى فروضات حقائق العلم التي تعمل على اكتشاف عمل تلك القوانين بالتوازي المعرفي معها وليس بالتقاطع غير العلمي معها.

زمان المعجزة وزمان القوانين الطبيعية

ثمة فرق جوهري تم ويتم أغفاله هو أن الزمان الادراكي لقوانين الطبيعة على الارض هو زمن سرمدي يستمد خاصيته الازلية من ازلية الزمان الذي يحكم تلك القوانين وثباتها والا ما كانت وصلتنا الى عصرنا اليوم كما هي في ثباتها طيلة مسيرة هذه الازمان والعصور التاريخية الطويلة جدا، بخلاف ذلك المعجزة الدينية ليست خرقا زمانيا دائميا لثبات قوانين الطبيعية في ملازمة ظاهرة الخرق الطبيعي المؤقت زمانيا لها باسلوب المعجزات التي لا يمكن البرهنة على تصويبها عقليا كما ذكرنا سابقا ..زمانية المعجزة المحدودة بزوالها كزمان مؤقت تجعل من زمان قوانين الطبيعة الثابتة قوانين لا تغيرها المعجزات التي هي خرق مؤقت لها، لذا يكون الخرق الاعجازي في حقيقته يقع على هامش قوانين الطبيعة الطارئة عليها وليست معجزات تطالها بالتغيير الدائم الذي يلازمها زمانيا. فقوانين الطبيعة أكثر رسوخا بثباتها الزماني من زمان المعجزة الزائل ما يرتب التشكيك بالمعجزة التي هي خرق ميتافيزيقي طاريء بدلالة قوانين الطبيعة الثابتة التي لا تتغير زمانيا. وما ذهبنا له يعطينا المؤشرات الثابتة التالية:

- زمان قوانين الطبيعة زمان ثابت لا يطاله التغيير لا بالمعجزات ولا بغيرها. بخلاف المعجزات التي زمانها زائل مؤقت.

- المعجزة تتأرج بين رغبة ذاتية راودت الانبياء بالحصول على الايمان الديني الجمعي بهم أولا المقترن بوحي الخالق لهم ثانيا. وهذا التارجح غير محسوم لا بمنطق اللاهوت الايماني ولا بمنطق الاستدلال بقوانين الطبيعة الثابتة التي جرى خرق أحدها بالمعجزة في عصر ما وزمان مضى منذ الاف السنين...

- يتداول بعض دارسي علم الاديان مؤخرا أن المعجزات ترتبط بالاساطير ولم تكن تكليفا من الرب في تدعيم استحصال الايمان الديني به كخالق يتوجب عبادته، كما تذهب له بعض الفرق والمذاهب الدينية التي بدأت التشكيك بحصول وأهمية المعجزات في أستحصال الايمان الديني الجمعي المشكك برسالات الانبياء.

- خطأ ربط تحقق صدقية المعجزات بتصديق الميتافيزيقا التي لا علاقة برهانية عقلية تؤكد صواب ما تعتبره الميتافيزيقا صحيحا مطلوبا تصديقه عقليا بالتبعية. تبعية العقل للميتافيزيقا وليس العكس.

- خطأ تعريف الفلسفة أن المعجزات خرق لقوانين الطبيعة الثابتة التي لا يكون خرقها المؤقت زمانا أعجازيا يخدم الانسان أبعد من تحقق الايمان الديني، بل المعجزة الدينية هي أعجاز مؤقت زائل طاريء على قوانين ثبات زمانية الطبيعة السرمدية الباقية الملازمة لسرمدية زمان الوجود الملازم لها.

- المعجزة تخدم أستحصال الايمان الجمعي الديني في تثبيت سلطة لاهوت الايمان الديني لا علاقة تربطه بسلطة رفاهية وحرية الحياة الانسانية في اشباع ضرورات العيش بكرامة انسانية. واستحصال حياة ارضية تقوم على العدل والمساواة والقضاء على الفقر والجوع والتفاوت الطبقي المجحف بين الغني والفقير. بمعنى المعجزة خاصية أعجازية تخدم الايمان الديني فقط ولا تخدم حياة الانسان.

- المعجزات تتجاذبها ثنائيات مثل هل هي رغبة الانبياء أم رغبة الخالق، كذلك ثنائية زمان قوانين الطبيعة الثابتة التي لا تتغير مع زمانية خرق تلك القوانين المؤقتة الزائلة، ثنائية المعجزة خرق يقبله العقل أم تصدقه الميتافيزيقا بعيدا عن سلطة تحكيم العقل. وقائمة الثنائيات المتناقضة حول المعجزة لا حصر لها بما يبقي على معادلة هل المعجزات اساطير لا سند تاريخي لها أم هي حقائق ساحقة في القدم يتوارثها لاهوت الاديان بلا سند عقلي مقبول؟

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.........................

الهوامش: 1، 2، وليم رايت، تاريخ الفلسفة الحديثة، تقديم ومراجعة امام عبد الفتاح امام، ص 238، ص 239