حاتم حميد محسنان الآراء الدينية والسياسية عادة تبدو متجذرة في الأذهان، عصية على محاولات الإقناع العقلاني. (نتذكر كيف كانت امهاتنا يحذرننا من الحديث مع الغرباء عن الدين والسياسة). ولكن مؤخرا، جرى تسييس جميع انواع القضايا غير السياسية . الناس الذين على هامش السياسة يميلون لإنكار تقلّبات المناخ، يؤمنون بسطحية الارض، ويقفون بالضد من اللقاحات. لنرى ما هي مشكلة هؤلاء الناس؟ كيف يمكن لهم إنكار الحقائق الواضحة؟ ألا يهتمون بالدليل؟

لا نستطيع توضيح لماذا يتزايد عدد المتشددين حينا ويتراجع حينا آخر، رغم كثرة التفسيرات السائدة بين الناس. سنحاول هنا تقديم اسباب عدم نجاح العمليات العادية للجدال في إقناع الناس على الجانب الآخر. في ضوء ما تعلّمه الفلاسفة وعلماء النفس حول تركيب عقائدنا، فان التشبث بالرؤى المتطرفة هو ما يجب ان نتوقعه. لكي نرى سبب ذلك، نحتاج لفهم بعض أسس العقيدة.

المنطق والسياق

ان عقائدنا ليست متماسكة منطقيا. لا أحد يعتقد دائما حتى في النتائج المنطقية الواضحة لعقيدته، ونحن دائما ما نؤمن ببعض التناقضات المنطقية.

فمثلا، افرض ان محرك سيارتك لا يعمل . وبعد اختبارات بسيطة، مثل فحص الهورن والضوء تستنتج ان البطارية قد نفدت، وانت يجب ان تحاول ربط السيارة الى بطارية حية. لذا، ظاهرا، انت تعتقد انه

 1- "انك لا تستطيع تشغيل السيارة ببطارية ميتة"، و

 2- "انت تستطيع تشغيل السيارة ببطارية ميتة" كأن يكون بربطها الى بطارية حية. كلا العقيدتين تبدوان متناقضتين منطقيا. ربما ان ما تعتقد به حقا هو ليس انك لا تستطيع ابدا تشغيل السيارة ببطارية ميتة، وانما انت تؤمن بعقيدة اكثر تحفظا وعناية وهي انك لا تستطيع تشغيل السيارة ببطارية ميتة بالطريقة العادية. ولكن مثل هذه الاستراتيجيات تعني اننا لانؤمن حقا بمعظم عقائدنا المعبّر عنها. ربما أفضل ستراتيجية هي الإعتراف اننا نؤمن "انك لا تستطيع تشغيل السيارة ببطارية ميتة" فقط في المواقف التي نلجأ بها لتلك العقيدة، مثل عندما نحاول توضيح سبب عدم عمل محرك السيارة. عندما يتغير السياق، الى محاولة تشغيل السيارة، نحن نضع جانبا العقيدة "انك لا تستطيع تشغيل السيارة ببطارية ميتة"، وبدلا من ذلك نحفز الايمان "بانك تستطيع تشغيل السيارة ببطارية ميتة عبر ربطها لبطارية حية".

ملاحظتنا هنا هي اننا نتمسك بجميع العقائد التي نعبّر عنها او نعتقد بها بفاعلية، لكن فقط في تلك السياقات التي نعبّر او نفكر بها . لو استطعنا تحديد السياقات التي تعمل فيها العقيدة، عندئذ نستطيع القول بالضبط بماذا نؤمن، بمعنى في مثل سياقات معينة، السيارة ذات البطارية الميتة سوف لن تعمل. لكننا من غير المحتمل ان نعرف جميع السياقات مثل الاعتقاد ان السيارة سوف لن تعمل، او انك تستطيع تشغيل السيارة ببطارية ميتة. وفي سياق جديد، بعضنا سوف يحفز عقيدة لا يؤمن بها الاخرون. وحتى عندما نتمسك بنفس العقيدة، نحن ربما لانزال نختلف حول السياقات الصحيحة التي يجب استدعائها. نحن جميعنا نؤمن بالحكمة "لاتقتل"، لكن نختلف حول السياقات الملائمة. فمثلا، هل تنطبق الحكمة على الحيوانات؟ وحتى لو حددنا السياق بالكائن البشري، لاتزال هناك خلافات حول السياقات الملائمة: القتل الرحيم؟ الاجهاض؟ عقوبة رأس المال؟ الحرب؟ العقائد لا تأتي معها تعليمات حول السياقات الملائمة.

الإنموذجات والتوضيحات and Explanations models

كوننا نستدعي عقائد معينة في سياقات معينة، واحيانا عقائد غير منسجمة ضمن سياقات اخرى، ذلك ليس عيبا ذهنيا، وانما ضرورة لكي نستطيع المضي في الحياة. نحن نفكر حول العالم ونتخذ ردود أفعال ملائمة تجاهه وفق إنموذجات فكرية – صور للعالم – مرتكزة على عقائد نراها ملائمة لذلك السياق. تلك الانموذجات تتجاهل عدة ظروف وتعقيدات ممكنة . وهكذا، عندما نستدعي العقيدة التي بموجبها نستطيع تشغيل السيارة ببطارية ميتة عبر ربطها الى بطارية حية، بهذا نحن ربما نتجاهل إمكانية ان تكون السيارة ايضا خالية من الغاز، وهذا ليس جزءاً من سياق البطارية الميتة.

المسألة ليست مجرد غموض او عدم سعة افق ذهني حول مسائل رتيبة . العلماء ايضا، يعملون بإنموذجات لإستخدامها فقط في سياقات محددة. لنأخذ مثالا مشهورا. فيزياء نيوتن والنظرية العامة للنسبية لاينشتاين هما انموذجان غير منسجمان عن الكون لأنهما في بعض الظروف (مثل حقول الجاذبية القوية) يتنبآن بأشياء متناقضة. فيزياء نيوتن جرى استبدالها بفيزياء اينشتاين، ولكن في انواع المقاييس والحقول التي نواجهها في المواقف اليومية انها لاتزال تعطي الأجوبة الصحيحة وبصراحة وبديهية اكبر، لذا لاتزال تُستعمل بشكل واسع. لهذا، فان الفيزيائيين احيانا يستعملون فيزياء نيوتن، وفي احيان اخرى النسبية اعتمادا على السياق. ونفس الشيء، يستعمل الفيزيائيون نظرية الكوانتم في عدة مواقف ولكن ليس عندما يعدّون طعام الغداء.

من أين تأتي عقائدنا؟

في لحظة ما، انا اعتقد اني أجلس خلف طاولتي لكتابة مقال. حينما انهض من الطاولة، انا سوف أهمل عقيدة (هنا والآن) مفضلا عقيدة جديدة – ذلك لأني الآن أسير في أسفل القاعة، أتناول غداء، وهكذا فان عقائدي السابقة في (هنا والآن) اصبحت عقائد (هناك ومن ثم). لكن العديد من عقائدنا العامة حول العالم ليست مرتبطة بإحكام بالخبرة المباشرة. فمثلا، انا اعتقد أني أعيش في كوكب كروي. نحن نتمسك بمعظم عقائدنا العامة، مثل الاعتقاد في كروية الارض، لأن المصادر التي نثق بها مثل، الآباء، المعلمين، الأصدقاء، الكتب، التلفاز، الانترنيت هي التي أخبرتنا بذلك. نحن لا نعتقد بكل شيء قيل لنا وانما بالكيفية التي توصلنا بها الى معظم عقائدنا العامة.

ثقتنا في الناس الآخرين في توفير عقائدنا العامة هي مرة اخرى ليست عيبا في بنائنا الابستيمولوجي وانما هي قوة. صحيح، ان بعض عقائدنا التي فُرضت علينا إعتباطا سوف يثبت عيبها، ولكن أغلبها ليست كذلك. في الحقيقة، ان الحياة التي نقودها تعتمد على شبكة هائلة من المؤمنين المتخصصين الذين يقولون لنا ما نفكر. عندما نقود السيارة الى السوق لشراء لتر حليب، نحن ليس لدينا الكثير من العقائد التي نحتاجها لتصميم او تطوير سيارة او تكرير المعدن الذي تُصنع منه السيارة او الكازولين الذي يغذيها بالطاقة. ولا يجب ان نحتاج عدة عقائد مفيدة حول كيفية بناء طريق او طريقة حلب البقرة. من حسن الحظ، ان رحلتنا لشراء حليب لا تتطلب منا امتلاك هذه العقائد . يكفي ان الناس الآخرين لديهم العقائد الملائمة واننا نستطيع إستعمال المنتجات التي أتاحتها لنا تلك العقائد .

التجربة وتغيير العقيدة

عندما يحتاج احدنا الى خضراوات ويعتقد ان دكان البقال لازال مفتوحا، فسوف يتجه المرء الى هناك. ولكن عندما يصل الى البقال، يجده مغلقا. من الواضح، هو عليه ان يعدّل عقيدته حول ساعات عمل البقال. ومع إنكشاف الأحداث، والاندهاش بالنتائج، نحن باستمرار سوف نراجع عقائدنا . انه من السهل تعديل عقائدنا حول ساعات عمل البقال، ولكن ليس جميع المسائل المثيرة للدهشة يسهل حلها. لنسوق مثالا آخرا مشهورا، في بداية القرن العشرين وجد الفيزيائيون من الصعب تعديل عقائدهم ليأخذوا بالحسبان النتيجة المدهشة لتجربة مايكلسون ومورلي التي أثبتت ان سرعة الضوء لا تتغير مع اتجاه القياس، بالرغم من حركة الارض خلال الفضاء. هذا المأزق حُلّ فقط بعد تطوير اينشتاين لنظرية النسبية الخاصة، وهي النظرية التي كانت ايضا، مدهشة. عندما قال كوين (wvo Quine) في (من وجهة نظر منطقية، 1961)، كل واحد منا لديه عقائد هامشية يمكن التخلص منها بسهولة، ولكن ايضا لديه عقائد اكثر مركزية يصعب التخلص منها كلما اصبحت اكثر اهمية لحياتنا. بالطبع، الشيء الأساسي لي ربما هو هامشي لك، والعكس صحيح.

التجربة غير المتوقعة لاتخبرنا بذاتها عن أي عقيدة نستطيع تغييرها. نحن نستطيع التمسك بأي عقيدة عامة في وجه التجارب غير المتوقعة لو رغبنا في تعديل عقائدنا الاخرى. طبقا لكوين، الناس سوف يجرون تغييرا أقل تدميرا لعقائدهم عبر التخلي عن عقائدهم الهامشية والتمسك بتلك الأكثر مركزية لهم. حيث يقول كوين:

" ان معرفتنا او عقائدنا الكلية، بدءاً من المسائل الأكثر عرضية في التاريخ والجغرافية الى القوانين العميقة للفيزياء الذرية وحتى الرياضيات الخالصة والمنطق، هي نسيج من صنع الانسان تؤثر على التجربة فقط عند حدود الحافات... الصراع مع التجربة عند التعديلات الطارئة الخارجية في داخل الحقل.. لكن الحقل الكلي لايتقرر بظروفه الهامشية، او التجربة، لدرجة هناك مجال اكبر للخيار حول اي البيانات نعيد تقييمها في ضوء اي تجربة منفردة مضادة.. اي بيان يمكن الايمان به كحقيقة لو قمنا بتعديلات عنيفة و كافية في مكان آخر من النظام. حتى البيان القريب جدا من الهامش يمكن الايمان به كحقيقة في وجه التجربة المتمردة عبر اللجوء الى الهلوسة او الهذيان او عبر تعديل اقوال معينة من النوع الذي يسمى قوانين منطقية".

هذا ينطبق على العلماء بنفس القدر الذي ينطبق فيه على الناس العاديين. فمثلا، عندما أعلن الفيزيائيون في مشروع اوبيرا(OPERA ) في سبتمبر 2011 انهم لاحظوا نيترونات بدت تسافر أسرع من الضوء، معظم الفيزيائيين تبنّوا موقف (ننتظر ونرى). الايمان بسرعة الضوء كحد مطلق كان مركزيا جدا في الفيزياء. ولاحقا في جولاي تعقّب علماء اوبيرا النتيجة ووجدوها تعود لعيوب في أجهزة القياس لديهم.

ان رفض التخلّي عن العقائد المركزية ماعدى في الظروف الاستثنائية من المحتمل ان يحمينا من الحالة الدائمة للارتباك والتردد. بدون مثل هذه المعوقات الابستيمولوجية، سيكون من الصعب جعل الناس يتعاونون او حتى يتصرفون.

الارتباط بالجالية The community connection

غير ان بعض عقائدنا الأكثر أهمية ترتبط بالأفعال ولكن فقط بشكل فضفاض. عقائدنا الدينية ربما تقرر أي كنيسة نذهب وعدد مرات الذهاب، لكن الرؤى حول ولادة المسيح الطاهرة او التحولات الاسطورية (مثل تحويل الخبز والخمر الى لحم ودم المسيح) ربما لها تأثير قليل على أي من أفعالنا الاخرى. ونفس الشيء ينطبق على العقائد السياسية التي ربما تقرر كيفية التصويت، لكن هذا غير دائم ويبقى فعلا خاصا يأخذ القليل من الوقت. بالنسبة لمعظمنا، عقائدنا حول التجارة والهجرة او المسائل السياسية الاخرى هي من غير المحتمل ان تؤثر كثيرا على أفعالنا اليومية. حتى في هذا، يتم التمسك بالعقائد الدينية والسياسية و بقوة الى النقطة التي تكون فيها محصنة من الجدال الحضاري.

وبينما ارتباطها بالفعل ربما يكون ضعيفا، لكن ارتباط العقائد السياسية بالحزب السياسي او ارتباط العقائد الدينية بالجماعة المتدينة يمكن ان يكون قويا. في الحقيقة، ان حزبنا السياسي قد يقرر بعض رؤانا السياسية، والكنيسة التي نذهب اليها تقرر بعض معتقداتنا الدينية بدلا من العكس. لذا، وبعيدا عن كونها جزءاً اساسي من الهوية الذاتية، ديننا او العقائد السياسية ربما ايضا تصبح مركزية للعديد منا لأن تغييرها قد يتطلب تغيير حلقاتنا الاجتماعية.

لماذا لا نتفق؟

الان نستطيع ان نرى لماذا بعض الخلافات يصعب جدا حلها بالجدال العقلاني المهذب.

اولا، الناس ربما يتمسكون بعقائد تبدو كأنها متناقضة لأنهم يستعملون عقائدهم بمختلف السياقات.

ثانيا، الناس يختلفون في أي العقائد هي مركزية لحياتهم، وأي منها هامشية، من غير الواضح ان كانت نشأت بفعل تجربة مقلقة ام بفعل جدال عقلاني مهذب، مختلف الناس ربما يختارون تعديل عقائدهم المختلفة.

ثالثا، العديد من العقائد لا تُشتق من التجربة الشخصية وانما من جماعة موثوقة، ولهذا السبب فان التخلّي عن تلك العقائد قد يهدد الروابط مع الجماعة.

هذه العقبات للاتفاق تبرز من الخصائص العامة والمفيدة لنفسية الانسان. حالات عدم الاتفاق تجعلنا نبحث عن معايير موضوعية. هناك العديد من الآراء، ولكن يمكن ان يكون هناك فقط موضوع واحد حقيقي . لكن الحقيقة ثبت انها زبون متقلب وغامض. نحن نأخذ عقائدنا حول العالم الخارجي لتمثّل العالم، وانها حقيقية للدرجة التي تكون بها تلك التمثلات دقيقة. واذا كان بعض الفلاسفة جادلوا بأن طبيعة العالم الخارجي هي بالنهاية لايمكن معرفتها، لكن أغلبنا مع ذلك يفترض ان هناك عالم خارجي يوجد بشكل مستقل عن كيفية تفكيرنا حوله بدلا من أخذ الرؤية الشكوكية حول العالم الخارجي. وكما جادل ديفد هيوم، انه افتراض يستحيل تجنبه:

"المحطم الاكبر.. للمبادئ المفرطة للشك هو الفعل والاستخدام، ومهن الحياة العامة. تلك المبادئ المشككة ربما تزدهر وتنتصر في المدارس الفلسفية، وحيث انها، من الصعب حقا ان لم يكن من المستحيل تفنيدها. ولكن حالما هي تغادر الظل، وبوجود الاشياء الواقعية التي تنشّط عواطفنا ومشاعرنا، ستوضع بالضد من المبادئ الأكثر قوة في طبيعتنا، انها تتلاشى كالدخان وتترك المشكك المتصلب والأكثر تصميما يعيش في نفس الظروف كالبشر الاخرين". (تحقيق يتعلق بالفهم الانساني، قسم 12، جزء 11، 1748).

لكن الاعتقاد بان هناك عالم خارجي لن يحل مشاكلنا، لأن هناك عدة تمثلات دقيقة لذلك العالم. لو أخذنا تمثلات الاستعارة بشكل جاد، فان عناصر العقيدة ستطابق عناصر العالم، والعلاقات بين عناصر العقيدة سوف تتبع العلاقات بين العناصر المطابقة للعالم. لهذا عقائدنا سوف تمثّل العالم بنفس الطريقة التي تكون فيها خارطة الطريق تمثل المناظر في الطبيعة. النقاط المشار اليها على الخارطة تتطابق مع المدن والقرى، والخطوط المسماة تتطابق مع الطرق الفرعية والطرق السريعة.غير اننا لا نستطيع القفز خارج تجربتنا لنفهم اشياء العالم الخارجي والارتباطات المتداخلة بطريقة مستقلة عن التجربة. نحن عالقون في الجانب التجريبي، ونستطيع معرفة العالم مستقلا عن تجاربنا فقط كسبب افتراضي لتجاربنا وعقائدنا المترتبة على ذلك .

الحقيقة والبراجماتية

نظرية اخرى للحقيقة هي البراجماتية التي ترى ان العقائد تكون صحيحة اذا ساعدتنا في الوصول الى التجارب التي نرغبها. ان قوة هذه النظرية هي إخلاصها للطريقة التي بها حقا نعدّل عقائدنا. عندما يقود التصرف وفق عقائدنا الى تجارب غير متوقعة، نحن سنغير عقائدنا بدون الخوف من أي علاقات غير معروفة بين عقائدنا والعالم الخارجي.

المشكلة مع البرجماتية هي ان أهدافنا تتغير، لذا فأن العقائد المتصارعة ربما مفيدة للناس ذوي الأهداف المختلفة. شارل ساندر بيرس، مؤسس البرجماتية الامريكية حاول حل هذه المشكلة بالقول انه، في النهاية، أنظمة عقائدنا المختلفة سوف تتلاقى في مجموعة منفردة من العقائد المثلى التي تمكّن كل واحد منا تحقيق أهدافه المختلفة. هذه العقائد (الأفضل لكل شخص) ستصبح هي الصحيحة (لعقيدة كل شخص) (الاوراق الملتقطة لشارلس ساندر بيرس، ص267، 1935). ولكن في ضوء التنوع في أهدافنا ومواقفنا سوف لن تكون لدينا ابدا مجموعة من العقائد التي تفيد كل شخص. نحن محكوم علينا بنماذج مجزأة ومتعددة للعالم، ولذلك فان النماذج غير المنسجمة ستخدم على افضل وجه حاجات مختلف الناس في مختلف المواقف والاهداف.

مرة اخرى الخرائط توفر انموذجا مريحا لهذا المفهوم. في التنقل حول العالم، نستعمل مختلف الخرائط اعتمادا على المكان الذي نذهب اليه وكيفية الذهاب – هناك خرائط طرق للسياقة، الابحار في البحر، المسارات الخاصة للمشي، وهكذا. كل خارطة تتجاهل الكثير من الحقائق حول الاقاليم المثبتة في الخرائط لأنها حُكم عليها بشكل غير ملائم لأهداف المستعمل المقصودة. نحن نقول ان الخرائط دقيقة (صحيحة) عندما يقودنا اتّباعها الى المكان الذي نريد الذهاب اليه، حتى عندما يقود الناس ذوي الاهداف الاخرى الى الضلال. ونفس الشيء، لكي نرشد أفعالنا، نحن نستعمل عقائد (او نماذج فكرية) ملائمة لمواقفنا الفردية وأهدافنا. الناس في المواقف الاخرى وبأهداف مختلفة ربما يستفيدون من امتلاك عقائد اخرى.

ماذا نعمل؟

مع عدم وجود معيار موضوعي للحقيقة، كيف نتصرف بشأن تعديل عقائد الافراد الآخرين؟ الناس الذين لايشتركون بالعقائد ربما ببساطة لديهم أهداف مختلفة. ألم يكن (عش ودعه يعيش) هو الجواب المناسب للاختلافات في العقائد؟ نحن ربما سعداء لترك كل شخص يتخذ طريقه في الأفضليات الادبية او الموسيقية، والمسائل الاخرى للذوق الشخصي، لكن ليس عندما نأتي الى المسائل التي تؤثر على الآخرين. فمثلا، ربما نكون سعداء في السماح للناس الذين يرفضون اللقاحات في ان يختاروا ويعانوا النتائج. ولكن ماذا لو خلقت تلك النتائج معاناة للناس الذين لايستطيعون اللقاح بأمان، مثل المواليد الجدد؟ العقائد المضادة للّقاح لم تكن هناك بالصدفة، وهي من غير المحتمل ان تُزاح بالجدال. الحجج التي يعرضها المعارضون للقاح ربما تبدو سخيفة لنا، وهم ربما يشعرون نفس الشيء حول حججنا. ولكن اذا كانت الحجج لا تعمل فما العمل؟

الناس يغيّرون فعلا عقائدهم المركزية، ولكن فقط كنتيجة لحدث شخصي خالص، مثل الوقوع في الحب او موت أحد الاقارب او انتشار واسع لوباء او كارثة كالحرب. الأحداث الشخصية هي غير متنبأ بها، والكوارث غير مرغوبة لذا لايمكننا الوثوق بها في تغيير العقائد. الصراخ عند او السخرية من حجج الخصوم الاخرى قد يجعلنا نشعر جيدا ونقوّي ارتباطنا بعقائدنا الجماعية، ولكن من غير المحتمل تغيير عقائدهم. بالنهاية، هل ان صراخ وسخرية الجانب الآخر غيّر من عقيدتك سوى تخفيض انطباعك عن ذكائهم او اخلاقهم؟ القمع يُستخدم باستمرار لإسكات الناس ذوي العقائد غير المريحة، ولكنه لا يبدو منسجما مع نوع المجتمع المنفتح الذي يفضله أغلب الناس. ورغم ان القمع قد ينجح لفترة قصيرة، لكنه عادة يفشل في المدى البعيد.

تبنّي رؤية طويلة الأجل

اذاً ما مدى قدرتنا على جدال شخص ما انطلاقا من عقيدة ربما تبدو شاذة لنا؟ في جدالهم معنا ومهما كانت العقيدة التي لدينا هم يعتبرونها شاذة. ان نوع التغيير الذي نتحدث عنه يأخذ وقتا وربما أجيالا. هناك عدة أشياء يجب إبقائها في الذهن وهي:

1- كل واحد منا يعتمد على شبكة واسعة من المعتقدين الآخرين للوصول لأهدافنا المختارة. تبنّي عقائد من الناس الآخرين او على الاقل السماح لهم الاستمرار بالعقيدة، هو ضرورة لو اردنا ان نعيش كما نريد. ربما أنا لا أفهم ميكانيكا الكوانتم، لكني سعيد ان الآخرين يفهمونها. الاعتماد على عقائد الآخرين نادرا ما يتطلب منا التخلي عن عقائدنا العميقة. عندما أذهب لشراء حليب لا يهمني عقيدة البقال السياسية والدينية.

نحن عموما نستفيد عبر تعظيم عدد الناس الذين يساهمون في شبكة عقيدتنا. ونحن نعاني عندما يُمنع او لا يُشجع الناس للانخراط في حقل او في التعليم او في خدمات يحتاجونها، بسبب عرقهم وجنسهم ودينهم او بسبب السياسة او اي عوامل اخرى ليس لها علاقة بمقدرتهم على المساهمة.

اخيرا، من الأحسن لو كنا لا نمتلك كلنا نفس العقيدة. في المشكلة الشائكة نحن سوف نحتاج الاختيار من بين نطاق واسع من الحلول المقترحة. الرؤى غير التقليدية يجب ان يُسمح بها حتى لو لم يتم تبنّيها.

الرؤى المتطرفة هي في مد وجزر، لكن النزعة الطويلة الأجل تبدو مفضلة. النقل السريع وانظمة الاتصالات تسارعت في الفترات الاخيرة. المجتمعات المنعزلة في السابق ذات العقائد المتجانسة فجأة وجدت ان يقينياتها امام التساؤل. هم قاوموا واستمروا في الكفاح ولكن بلا أمل. الافكار والعقائد تتسرب، ثم تندفع عبر الحدود . ربما هنا بدايات وتوقفات، تقدّم وتراجع، لكن النتيجة النهائية تبدو واضحة:

في المجتمع المعولم تمتلك مختلف المجتمعات الفرعية عقائدها الخاصة وطرقها في عمل الاشياء، لكنها يجب ان تكون متسامحة في الطرق الاخرى للحياة .

تغيير العقائد الاساسية ربما امر صعب، ولكن على الأقل ان لا يعتقد أطفالنا بكل الهراء الذي نؤمن به. ان ضغط الأحداث سوف يحوّلهم تدريجيا نحو عقائد تعمل لهم، عقائد توسّع ايمان الجالية بينما تحتفظ عالميا بتنوّع الرؤى. انها عملية لا يمكن فرضها ولكنها تبدو حتمية.

 

حاتم حميد محسن

..........................

The Tree of Knowledge, The Limits of Argument, Philosophy Now.Feb/March2021

 

 

محمود محمد عليفي هذا المقال نحاول أن ننهي حديثنا عن تجديد الخطاب العقدي في المدرسة الأشعرية، وهنا نقول: يعد الجويني أول من فتح الباب علي مصرعيه لتلميذه الغزالي الذي سيستخدم المنطق بشكل واضح في الدراسات الكلامية والفقهية . وهنا يمكن لنا أن ندرك إلي أي مدي ستكون حاجة الغزالي إلي المنطق، وإلي القياس الأرسطي بالذات، إنه سيكون في حجاة إليه لتقرير عقائد الأشعرية ضد المعتزلة الذين ظلوا متمسكين بمنهجهم المفضل " الاستدلال بالشاهد علي الغائب" وسيكون في حاجة إليه أكثر للرد علي التعليمة الباطنية الذين يبطلون الرأي والقياس، ويقولون بضرورة الأخذ من المعلم المعصوم، وسيكون في حاجة إليه أيضا لبيان تهافت الفلاسفة أنفسهم .

هذه الحجة الماسة إلي المنطق ستدفع الغزالي إلي تطويعه داخل الفكر الأشعري، إلي حد القول أنه هو القسطاس المستقيم، الذي عرض به القرآن العقيدة الإسلامية ورد به علي المجادلين الكفار، وأن أشكال القياس الأرسطي، هي نفسها " موازين القرىن "، كما أن الحاجة إلي المنطق ضريوة في علم الكلام لرد الضلالات والبدع وإزالة الشبهات وحراسة عقيدة العوام من تشويش المبتدعة والرد علي الباطنية .

فإعجاب الغزالي بالمنطق، ومحاولة ربطه بالدراسات الكلامية، جعل متأخري الأشاعرة يبدأون بحوثهم الكلامية بعرض المسائل المنطقية والمنهجية، والحديث عن طرائق العلم وأنواع الاستدلالات قبل الخوض في المسائل الكلامية، ومن هؤلاء " فخر الدين الرازي"، الذي استوعب الفلسفة المشائية الإسلامية، ثم كان أول من أدخل هذه الفلسفة في علم الكلام، ونتيجة لما قام به الرازي أصبح علم الكلام فلسفة، ويمكن القول بعبارة أخري أنه جعل تلك الفلسفة كلاما، وهكذا امتزج علم الكلام بالفلسفة .

وإذا كان الرازي قد أدخل الفلسفة في علم الكلام، فإنه علي ضوء الفلسفة المشائية السينوية، قد أعطي اتجاها جديدا لعلم الكلام.

فلقد ابتكر الرازي طريقة جديدة في تصنيف المؤلفات العقائدية، قبل تكوين المذاهب الكلامية الخاصة، حيث إستن في كتابه " المحصل " سنة في تبويب المشاكل الكلامية وتقسيمها، وسار عليها معظم من جاءوا بعده، من أمثال " الآمدي " و " البيضاوي" و" الإيجي"، وهو في الجملة ممتاز في التقسيم والتبويب، فهو إذا عرض لمسألة كلامية أو لمشكلة فلسفية استعرض وجهات النظر المختلفة فيها في تصنيف جامع، مع ربط محكم لكل ما يتصل بالموضوع من موضوعات أخري . وقد يجر الموضوع الكلامي أو الفلسفي إلي أبحاث لغوية أو تفسيرية في عرضه لها دون أن يفلت منه زمام، وهو إذ يناقش وجات النظر التي يعرض لها، يحدد موقفه الذي يعتقد أنه الحق، ويدافع عنه، وإذا كانت للرازي تلك القدرة الفائقة علي العرض والطلب، فإن القارئ الذي ليس له سعة إطلاع في مختلف العلوم قد لا يتمكن أن يلاحقه بفكرة في تقسيماته وتفريعاته وتشقيقاته .

ولذلك يمثل الرازي طفرة ممتازة ومرحلة متميزة في تطور كل من المذهب والمنهج الأشعريين، وعلي ارغم من أته قد خالف الأشعري والغزالي في بعض القواعد والأصول، فإنه تأثر ببعض آرائهم، وبخاصة في منهجه الجدلي؛ حيث يقوم جدله علي تعدد الأدلة مثل، وتسيطر عليه نزعة فلسفية مثل تلك التي توجد لدي الغزالي، وهو يستخدم التعريف والتقسيم كسابقيه ويهتم بالقضايا الشرطية " المتصلة والمنفصلة"، ويعرض الأفكار في أشكالها المختلفة، ويقلب الموضوع علي كافة وجوهه في كل معانيه، وهو يستخدم بكثرة هذا المنهج في واحد من أهم كتبه الجدلية وهو " اساس التقديس".

ويعتبر الرازي آخر ممثل كبير لمدرسة الأشاعرة، ولذين جاءوا بعده يتوخون منهجه ويبدو ذلك واضحا لدي "الآمدي" في كتابه " غاية المرام في علم الكلام"، وأيضاً البيضاوي في كتابه " طوالع الأنوار من مطالع الأنظار ".

وهذان الكتابان يمثلان أعظم دراسة تحاكي صنيع فخر الدين الرازي في كتابه " المباحث المشرقية" وكتابه "المحصل" .

كما نجد هذا الاتجاه أكثر بروزا عند متأخري الأشاعرة، وقد تمثل ذلك لدي " عضد الدين الإيجي (680هـ- 756هـ)" في كتابه " المواقف في علم الكلام "، وهو موسوعة كلامية فلسفية، استطاع من خلالها أن يقحم لموضوعات المنطقية واللغوية والميتافيزيقية في علم الكلام ؛ فقد تمكن الإيجي بقدرته الفائقة من تقديم نسق محكم مترابطة موضوعاته متبعاً المنهج المقارن بين المتكلمين بعضها ببعض، حقيقة لقد تضاءل موضوع العقائد، إذا قورن بما عرض له من موضوعات، مع أن العقائد هما موضوع علم الكلام، ومع ذلك فالقارئ، يستطيع أن يلمس الصلة الوثيقة بين الموضوعات الميتافيزيقية أو المنطقية أو الطبيعية، وبين علم الكلام، إلي حد يمكن معه القول بأن موضوعات أصول الدين، هي محور الموضوعات الأخري .

بل إن البحث في العقائد قد اقتضي منه تخليلاً منطقياُ فلسفياُ لموضوع الوحدة والكثرة ونظريتي: شيئية المعدوم والموجود، قد اقتضيا منه تفصيل القول في العلة والمعلول . وهكذا نجده في بقية المسائل التي عرض لها بالحث .

وهنا يتضح لنا مدي تطور الدراسات المنطقية في العلوم الكلامية عند الإيجي، ولقد قلده المتأخرون بدون أن يضيفوا تطورات في المنهج، وقد تمثل ذلك لدي " سعد الدين التفتازاني (ت: 791هـ - 1389م) صاحب كتاب " المقاصد "، وفي هذا الكتاب قامت الدراسات العقلية في العالم الإسلامي إلي أخريات القرن التاسع الهجري خلطت فيها الفلسفة خلطاً تاماً .

وفي القرن التاسع الهجري، نجد السنوسي (ت: 895هـ-1490م)، الذي يعد أكبر ممثل للأشعرية في شمال أفريقيا بعد المهدي بن تومرت (ت:524هـ) وكتابه " السنوسة" أو " عقيدة التوحيد" من متون ادلراسات الكلامية التقليدية في القرون الأخيرة، يقف السنوسي دائما إلي جانب الأشاعرة، ويرفض الآراء الأخري، يأخذ برأي الأشعري في الغالب، وقد يؤثر عليه رأي الباقلاني أو إمام الحرمين " الجويني" في بعض التفاصيل والجزئيات .

ويلاحظ بوجه عام، أن الأشاعرة المتأخرين يرددون آراء السابقين من أمثال الغزالي، والفخر الرازي، وقل أن يضيفوا جديدا في الدراسات الكلامية والمنطقية.

وحول الطرق التي عالج بها المتكلمون موضوعا المنطق اليوناني فيمكن القول بأنه: إذا كان الإسلام بعد فتحه العظيم للبلدان، قد واجه نحلا ومذاهب كثيرة، فإن تلك النحل والمذاهب كانت قد فلسفت مبادئها عشرات اللاهوتيين والفلاسفة، ولم تكن مجابهتها ومناقشتها أمرا سهلا، إن مجرد حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وتفسيرهما علي ظاهرهما المتلو، لم يكن كافيا لمواجهة المسارب العقلية الصحيحة والملتوية، وإثارتها لمئات من الأسئلة والقضايا الفكرية وكانت الحاجة ماسة إلي عقلية واعية ومنطق جديد يفهم كتاب الله وسنة رسوله، ويغوص في معانيهما ومقاصدهما ومراميهما، ويستخلص منهما ما أثاره أعداء الإسلام من البلبلة الفكرية والشكوك المطروحة والشبهات الكثيرة، ولا سيما أنها بداـ تجد أعوانا وعقولا ومسارب في حياة المسلمين .

كانت هذه هي الحاجة الفعلية التي دفعت معظم متكلمي وفقهاء الأشاعرة من أمثال " ابي الحسن الأشعري" و" الباقلاني" و" الجويني" و" الغزالي" و" الرازي" و"المدي" وغيرهم من أعلام المتكلمين، كي يواجهوا هذا الخطر الداهم بعد الجهد الذي بذله رجال المعتزلة الأوائل .

لذلك كله، استطاع علماء الكلام، وخاصة المتأخرون منهم، أن يرتبوا عقائدهم الدينية علي أصول عقلية، وأن يوجدوا لأنفسهم كلاما منطقيا مدققا، وأ، يتقنوا المجادلة والمناظرة، حيث وجدوا أنهم لن يتمكنوا من مجاراة مخالفيهم من المسلمين وغير المسلمين، ولن تتهيأ لهم الغلبة عليهم إلآ أن يهدموا مثلهم إلي دراسة الفلسفة والمنطق، ويستعينوا بها في دعم حججهم وتوقيه آرائهم، فالأدلة النقلية بظاهر نصوصها الدينية وحدها، قد تكون أحيانا غير كافية لإقحام الخصوم وإلزامهم الحجة، وما لم تضع هذه الأدلة صياغة عقلية، فإنها تظل تفتقر إلي البراهين العقلية التي تسنندها وتظهر صحة القضايا التي وضعت البراهين لإثباتها .

وهكذا أقبل علماء الكلام علي دراسة الفلسفة والمنطق، كيما يتأتي لهم أن يحاربوا خصوم الدين الإسلامي بنفس سلاحهم، ويخاطبوهم باللغة التي اعتادوا عليها وألفوها.

ولعل هذه الحاجة الماسة إلي المنطق، هي التي دفعت الغزالي إلي ربط المنق بالدراسات الكلامية، ومن مظاهر ربطه المنطق بالدراسات الكلامية كتابه " الاقتصاد في الاعتقاد"، والفكرة الرئيسية التي يدور حولها هذا الكتاب، هي وجوب استخدامنا لعقولنا عند فهمنا لنصوص الشرع، وذلك بأن نلتمس بين الطرفين ( أعني المنطق والفقه) طريقا تصان فيه أحكام الدين وأحكام العقل معاً، فلا يصح، من جهة أمن نجمد النصوص جمودا يجعلنا في تناقض مع منطق العقل .

كما لا يصح من جهة أخري أن نذهب مع منطق العقل إلي حد خروجنا علي النصوص الدينية، ولقد ختم الغزالي كتابه بفقرة تلخص موقفه هذا إذ قال في تلك الفقرة الخاتمة لكتابه:" ولنختم الكتاب بهذا، فقد أظهرنا الاقتصاد في الاعتقاد، وحذفنا الحشو والفضول المستغني عنه، الخارج عن أمهات العقائد وقواعدها، واقتصرنا من أدلة ما أوردناه، علي الجلي الواضح الذي لا تقتصر أكثر الأفهام عند دركه .

وكان من أهم العبارات دلالة ومن أقواها توضيحا لموقفه، هي كذلك من أهداها لنا نحن في عصرنا هذا، الذي أخذنا نتخبط فيه بين غلو المتطرفين وإسرافهم في تضييق الخناق علي أنفسهم وعلي الناس جميعا، هذه العبارات:" فالمعرض عن العقل مكتفيا بنور القرآن، مثاله مثل المتعرض لنور الشمس، مغمضاً للأجفان، فلا فرق بينه وبين العميان، فالعقل مع الشرع نور علي نور " .

وهكذا أخذ الغزالي في كتابه هذا، يعاود العقل مرة بعد مرة في وجوب التوفيق بين نصوص الشرع من جهة، وبين مقتضيات العقل أو المنطق من جهة أخري، وإذا كان الغزالي قد ربط المنطق بالدراسات الكلامية، فإن هذا المنطق لم يكن إلا المنطق الصوري القائم علي القياس لا المنطق المادي القائم علي الاستقراء ؛ فقد تحدث الغزالي عن نقاط الضعف في الاستقراء مبينا عدم صلاحيته في المباحث العقلية، فبدأ بتعريفه بأنه " تصفح أمور جزئية ليحكم بحكمها علي أمر يشتمل تلك الجزئيات "، ثم نسبته لجزئيات أخري لم تكن في نطاق البحث مما يجعل نتيجته ظنية ؛ وذلك لأنه لا يصلح في المباحث الإلهية، نظراً لاختلاف طبيعة كل من الغائب والشاهد، وقد عبر عن هذا المعني بوضوح تلميذ الغزالي وهو الآمدي، إذ يقول:" فلا يخفي أن ما حكم به علي أحد المختلفين غير لازم أن يحكم به علي الآخر، لجواز أن يكون من خصائص ما حكم به عليه، دون الأخذ وذلك كما إذا كمنا علي الإنسان بأنه ضاحك مثلا أخذ من استقراء جزئيات نوع الإنسان، فإنه لا يلزم مثله في الفرس لمخالف له في حقيقته" .

غير أن مثل هذا الاستقراء غير ممكن في مجال الإلهيات، إذ كيف يتناول البحث والنظر هذا (الغائب) المتعالي علي وسائل الإدراك العادية؟ وحين يقدر لنا إدراك حقيقته فما أغنانا عندئذ عن تتبع أي جزئيات أخري في الواقع (الشاهد)؛ أي أن الآمدي يريد أن يقول أن هذا المنهج فيما يتصل بالمباحث الإلهية غير ممكن وغير مفد أيضاً، وحتي ولو كان ممكنا ( ولو قدر أن ذلك غير محال، فالاستقراء إما أن يتناول الغائب أو ليس، فإن تناوله فهو محل النزاع ولا حاجة إلي استقراء غيره وإن لم يتناوله، بل وقع لغيره من الجزئيات فهو لا محالة – استقراء ناقص، وليس بصادق كما بيناه، وهذا لا محيص عنه " .

وقد كرر الآمدي هذه الوجوه من النقد في مواضع عديدة من كتابه " غاية المرام في علم الكلام ".

وبعد هذا النقد الدقيق للاستقراء، يتوجه الغزالي إلي المنطق الصوري القائم علي التصورات والتصديقات، أعني المنطق الذي يكون مستقلا عن كل مضمون للمتكلم والفقيه والمحدث والمناظر في الآراء والديانات والأهواء والمقالات، لأن مهمته الوقوف علي كافة الحقائق وتمييزها من الأباطيل .

ومن أجل ذلك اتجه معظم مكلمي وفقها الأشاعرة، بعد الغزالي إلي إدخال بعض التعديلات علي موضوع المنطق، وحذف بعض كتب " الاورجانون العربي"، حتي يصلوا إلي المعني الصوري الخالص، حيث تكون عنايته متجهة نحو دراسة صور الفكر.

وقد عبر ابن خلدون عن هذا الأمر بوضوح في الذي عقده عن المنطق في مقدمته، حيث قال:" .. ثم جاء المتأخرون، فغيروا اصطلاح المنطق وألحقوا النظر في الكليات الخمس ثمرته، وهي الكلام في الحدود والرسوم نقلوها من كتاب البرهان، وحذفوا كتاب العبارة الكلام في العكس، لأنه من توابع الكلام في القضايا ببعض الوجوه، ثم تكلموا في القياس، من حيث إنتاج المطالب علي العموم لا بحسب مادته، وحذفوا النظر فيه بحسب مادته، وهي الكتب الخمسة: البرهان والجدل والخطابة والشعر والسفسطة، وربما يلم بعضهم باليسير منها إلماما، وأغفلوها كأن لم تكن، وهي المهم المعتمد في الفن، ثم تكلموا فيما وصفوه من ذلك كلاما مستبصرا ونظروا فيه، من حيث أنه فن برأسه، لا من حيث أنه آله للعلوم فطال الكلام فيه واتسع، وأول من فعل ذلك الإمام فخر الدين بن الخطيب (الرازي)، ومن بعده أفضل الدين الخونجي وعلي كتابه معتمد المشارقة لهذا العهد، وله في هذه الصناعة كتاب " كشف الأسرار "، وهو طويل، واختصر فيه مختصر " الموجز"، وهو حسن في التعليم، ثم مختصر " الجمل " في قدر أربعة أوراق، وأخذ بمجامع الفن وأصوله، فتداوله المتكلمون لهذا العهد، فانتفعوا به، وهجرت كتب المتقدمين، كأن لم تكن، وهي ممتلئة من ثمرة المنطق وفائدته " .

من هذا النص نستطيع أن نتبين موقف المتأخرين، فبينما أخذ الفلاسفة المشاؤون المسلمون (أعني الفارابي وابن سينا) المنطق علي أنه صوري ومادي معاً، نقول بينما كان موقف الفلاسفة المشائيين " المتقدمين " هو هذا، وهو أمر يمكن استنباطه من هذا النص، كان موقف المتأخرين مناقضاً لذلك، فقدوا أخذوا يدخلون بعض التعديلات علي موضوع المنطق، ويحذفون بعض محتويات الاورجانون، حتي يصلوا بالمنطق إلي المعني الصوري الخالص ؛ حيث تكون عنايته متجهة نحو دراسة صور الفكر.

ولهذا السبب غير المتأخرون اصطلاح، عما كان عليه عند المتقدمين وحذفوا الكتب التي كانت تتحدث عن المنطق بحسب مادته ولم يبقوا إلا علي تلك الكتب التي تؤدي إلي إنتاج المطالب علي العموم .

وهكذا اصطبغت الدراسات المنطقية بالصبغة الصورية الخالصة علي يد المتأخرون، وهو أمر كان له أثره علي طبيعة الدراسات المنطقية في الإسلام، إذ بدأ واضحاً لدي المتأخرين تحرير الدراسات المنطقية من الفلسفة، فالمنطق ليس جزء من الفلسفة، بل آلة للبحث العقلي بوجه عام، وهو آداة تعليمية ضرورية لجميع النظم المعقولة .

ونجد في مقدمة ابن خلدون وصفا لعملية الاستئناس الديني للمنطق ذكره نيقولا ريشر حيث قال:" إن علماء الكلام الحاليين منذ الغزالي، قد اعتبروا أفكار المناطقة عن التوافق العقلي أفكارا صحيحة، ولذلك قرروا أن المنطق لا يتعارض مع العقائد الإيمانية، حتي رغم أنه يتعارض مع بعض الحجج القائمة عليها، والواقع أنهم قد وصلوا إلي أن مقدمات علماء الكلام التأمليين كانت خاطئة لأن حجج علماء الكلام الـمليين علي القواعد الإيمانية استعاضت عما ثبت صحته من الحجج الأخرى بالتأمل، أو بالتفكير التمثيلي (أي القياس)، وأقروا بأن هذا لا يتعارض مع أي وجه مع القواعد الإيمانية السلفية، وهذا ما قال به فخر الدين الرازي ومن قبله الغزالي، ومن تابعهم من معارضتهم .

ولقد قيل أن الفلسفة ليست وحدها التي هي بحاجة إلي المنطق، بل تحتاجه الرياضيات ويحتاجه الطب، بل يحتاجه حتي القانون وعلم الكلام ذاته، وكان هذا الأمر واحدا من الموضوعات لكتاب "ابن رشد (ت: 595هـ)"، وهو " فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال "، ولقد أصح الرأي القائل بأن المنطق هو أداة يمكن تطبيقها بصورة شاملة لتمييز طرق التفكير الصحيحة من الطرق المغالطة، رأيا شائعا علي نطاق واسع، ومعترفا به من ثقاة الكتاب والباحثين والمؤرخين، من أمثال " ابن خلدون"، ولكن مما لا نزاع فيه أن أهم عامل منفرد أدي إلي الاعتراف بأهمية المنطق، وقبوله من الناحية الدينية، كان تدعيم الغزالي لهذا الرأي، فقد أكد أن المنطق هو آلة الفكرة، فهو لا ينطوي علي أي محتوي مذهبي من أي نوع، وبالأولي فليس فيه خطر علي الدين، فهو في الواقع الآداة التي يمكن وضعها لخدمة الأغراض الدينية، فلا وسيلة هناك للوصول لعلم إلا بالمنطق، فالمنطق ليس مقبولا من الناحية الدينية فحسب، بل هو في الواقع أمر جوهري .

إن فصل المنطق عن الفلسفة جعل منه علما آليا ؛ بمعني أنه ليس من علم القاصد، بل من علوم الوسائل التي لا ينبغي التوسع في دراستها علي حد تعبير ابن خلدون .

فقد ميز ابن خلدون بين صنفين من العلوم "علوم مقاصد"، وهي مقصورة بالذات كالشرعيات من التفسير والحديث والفقه وعلم الكلام، وكالطبيعيات والإلهيات من الفلسفة، وعلوم آلية وكون وسيلة لعلوم المقاصد، كالعربية والحساب وغيرهما للشرعيات، وكالمنطق للفلسفة، وربما كان آلة لعلم الكلام، ولأصول الفقه علي " طريقة المتأخرين".

ويري ابن خلدون:" بأنه لا حرج من التوسع والتفريع في علوم المقاصد، أما العلوم الآلية، فلا ينبغي أن ينظر فيها، إلا من حيث هس آلة، لأن المتكلمين اهتمامهم بعلوم المقاصد أكثر من اهتمامهم بوسائلها، فإذا قطعوا العمر في تحصيل الوسائل، فمتي يظفرون بالمقاصد ".

والان، قد نستطيع بنظرة شاملة في طريقة الأشاعرة في المنطق أن نقول بأنه مما لاشك فيه أن متأخري الأشاعرة، وبخاصة الغزالي، قد اهتم اهتماما كبيرا بالدراسات المنطقية، ولكن يبدوا أنه منذ نهايات القرن السادس الهجري، بدأ الحماس للتأليف والشروح يفتر شيئاً فشيئاً، وبدأ الاهتمام بالدراسات المنطقية الجادة، يفقد الكثير من الأنصار والمدافعين، ويبدو أن الذين كان عليهم الاهتمام بالمنطق في ذلك الوقت، وكانوا كثيرين، قد وجدوا أمامهم تراثا ضخما، من الترجمات والشروح تكفل به الأجداد، فما كان منهم , إلا أن راحوا يلخصونه، ويكتبون مادته المنطقية بغية حفظها، وبذلك افتقدنا الدراسات الجادة التي كنا نراها عند الغزالي .

ولا ينبغي إغفال الدور الهام الذي قام به الفخر الرازي في القرن السادس الهجري، حيث حاول أن يعيد إلي الأذهان أمجاد مدرسة الغزالي المنطقية، إلا أن الحال لم يستمر بعده، ولم تجد الدراسات من يواصل هذا الاتجاه في شكل متطور.

ويجدر بنا أن نشير إلي الطرق التي انتهجتها مدرسة الأشاعرة، لتناول موضوعات، فعلي سبيل المثال استعمل الغزالي في تفصيله للمعاني وشرحه لألفاظ المنطق " المنهج التحليلي " الذي يرتكز علي ما أسماه المناطقة المسلمين " مباحث الاستدلال"، وهي تقوم علي أسس تحليلية طبقها الغزالي لتقصي معالم المنطق الارسطي وأبعاده . ولقد درج شراح أرسطو علي هذا المنهج، وبخاصة الفلاسفة المسلمون، أمثال الفارابي وابن سينا عندما تناولوا المنطق الصوري وفسروه .

وها نحن نذكرها هنا لنبين كيف تناول علماء الكلام هذا المنهج، وذلك فيما يلي:

- السبر والتقسيم: اتبع مفكروا علماء الكلام، هذا المسلك في عرضهم وشرحهم لمختلف قضايا الفلسفة والكلام والشرع، فقد استعمله في كتابه " البرهان في أصول الفقه"، بقوله:ط وهو أن يبحث الناظر عن معاني مجتمعه في الأصل ويتتبعها واحدا واحدا، ويبين خروج آحادها عن صلاح التعليل، إلا واحدا يراه ويرضاه" .

ولقد ساير الغزالي أستاذه الجويني في هذا المسلك، فقد تكلم عنه في معيار العلم: ثم في كتابه " الاقتصاد في الاعتقاد "، عندما عرض لمناهج الأدلة بقوله معرفاً هذا المسلك:" هو أن يحضر الأمر في قسمين، ثم يبطل أحدهما، فيلزم منه ثبوت الثاني ".

وهذا ما فعله أيضا الفخر الرازي، كلما كانت تطرح أمامه مشكلة فيحللها من جميع جوانبها متتبعا دقائق معانيها، إلأي أن يخرج برأي ينتقيه أفضل برهان يفند رأي المتكلمين، أن يثبته، ثم يصل في النهاية إلي الاستنتاج، وبهذا تنحل الحيرة فيكون قد طرح الحل النهائي بعد سبر جميع الحلول وتقسيمها .

- المقابلة والحذف: ويستعملها كبار علماء الكلام أيضاً في عرضهم لمنهجية تلخيص المنطق اليوناني، حيث نراهم يقابلون بين رأي " الفارابي وابن سينا "، فيحذفون منها البرهان الأضعف، ليحتفظوا بالأجدر والأفضل، ويظهر ذلك واضحا، حين يعرض الفخر الرازي لقيمة علم المنطق، حيث يعرض لرأي" الفارابي "، ثم رأي " ابن سينا"، ثم يحللهما ويقابل بينهما، وأخيرا يختار الرأي الذي يراه صحيحا، يقول " كان الشيخ " أبو نصر الفارابي " يسميه رئيس العلوم، وكان الشيخ " أبو علي ( يعني ابن سينا) ينكر هذا الرئاسة . ويقول: إنه كالخادم للعلوم، والآلة في تحصيلها . وهذا البحث أيضا لفظي . فإن الرئيس إن كان هو الذي يينفذ حكمه علي غيره، ولا ينفذ حكم غيره عليه .فالمنطق رئيس العلوم بأسرها لأن حكم المنطق ناقد في كل العلوم، وشئ من العلوم لا يجري حكمه فيه وأن كان شرط كونه رئيسا أن يكون مقصودا لذاته، فالمنطق ليس كذلك .

وهناك وجه آخر لهذه الطريقة هي " طريقة القابلة " بين الآراء والنقاش الذي جري حول مسائل المنطق الأرسطي، فنجد " الفخر الرازي" في كتاباته المنطقية يقيم حوارا غير مباشر يمر عبره بين أرسطو وشراحه المسلمين أو بينه وبين هؤلاء الشراح، مستندا إلي ما كتبوه حول منطق أرسطو، ويبدو ذلك واضحا حين يناقش ويحاور المناطقة في قضية تعريف اللفظ والمركب حيث يقول:" اعلم أن الحكيم " ارسطاطليس " قال:" اللفظ المفرد هو الذي لا يدلنا جزء منه علي شئ أصلاً . فأوردوا عليه سؤالاً . وقالوا: هذا يشكل بقولنا " عبد الله " فإنه لفظ مفرد، مع أن له جزئين، وكل واحد منهما دال علي معني . وأجاب المناصرون لقوله عن هذا السؤال بجواب حق . فقالوا إن قولنا " عبد الله " قد يذكر ويراد به جعله اسم علم .وقد يذكر ويراد به جعله نعتا وصفه . فإن أردنا به الأول، فهو لفظ مفرد، ولكن لا يبقي لشئ من أجزائه دلالة أصلا . لأن العلم هو اللفظ الذي جعل قائماً مقام الإشارة إلي ذلك الشخص المعين، من حيث أنه ذلك المعين، ولهذا قال النحويون "أسماء الأعلام" لا تفيد فائدة في المسميات البتة، بل هي قائمة مقام الإشارات، وإذا كان كذلك، فقد ظهر أن " عبد الله " إذا جعل اسم علم، فإنه لا يكون لشئ من أجزائه دلالة علي شئ أصلاً أما إذا أردنا أن نجعل قولنا " عبد الله" نعتا وصفه . فهو بهذا الاعتبار مركب لا مفرد . وهذا جواب عن السؤال المذكور:

ومن الناس من ترك تعريف اللفظ المفرد بذلك الوجه، بل هذا: هو الذي لا يدل جزء من أجزائه، علي جزء من أجزاء معناه . وهذا القائل إنما اختار هذا الوجه فرارا من ذلك السؤال . فإن قولنا " عبد الله " إن كل واحد من جزئه علي شئ، لكنه لم يدل شئ من أجزاء هذه الكلمة علي شئ من أجزاء هذا المعني . لأن هذا اللفظ إذا جعل اسم علم، كان مسماه هو ذلك الشخص ولا يمكن أن يقال: إن قولنا " عبد" يدل علي بعض أجزاء ذلك الشخص . وقولنا " الله" يدل علي نعته الآخر . فثبت أن قولنا " عبد الله" لا يفيد شئ من أجزائه شيئا من أجزاء معناه . وأعلم أن اختيار الشيخ الرئيس ( يعني ابن سينا) في "الشفاء " و" الاشارات" هو الوجه الأول، واختياره في هذا الكتاب هو هذا الثاني . ولا منافاه بين القولين، لأن لكل أحد أن يفسر لفظه بما شاء .

مما سبق يتضح لنا الكيفية التي عالج بها الأشاعرة موضوعات المنطق اليوناني، وقد تأثروا فيها بفلاسفة المسلمين، وبخاصة ابن سينا .

 

د. محمود محمد علي

قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

علي محمد اليوسفذهبنا في أسطر سابقة أن الفكر واللغة جوهران متلازمان يشتركان بصفة التجريد فكيف لنا تبرير هذا التناقض مع القول "اللغة على وجه الخصوص هي مادية (أصوات) يمكن التعرف عليها لذاتها من حيث أنها حقيقة مادية"1

ماديّة اللغة نفهمها بدلالة تعبيرها عن المادة ولا يمكن إدراكنا لغة التجريد كأصوات مادية مكتفية بذاتها مصدرها اللغة وليست خاصّية لها مستقلة عنها، كونها خاصّية مادية حسب العبارة. المادة كمحسوس متعّين حسّيا يدركه العقل لا يتحدد بالصوت اللغوي المعّبرعنه، بل تتحدّد المادة بوجودها ألأنطولوجي كمتعيّن يدرك ويحس بصفاته الثلاث الطول والعرض والإرتفاع، وأضاف أنشتاين له البعد الرابع الزمن. وهو الوجود ألمادي السابق على الفكر واللغة.

الصوت فيزيائيا لا يمكننا تحديده ماديا بصفات مادية معروفة ذكرناها، واللغة كصوت ذي دلالة تعبيرية عن معنى قصدي، هي تجريد في تعبيرها عن أشياء وليست مادة بذاتها، ولا تكون اللغة هنا جزءا من مادة مدركة حسّيا بل تكون جزءا من لغة تجريد إدراكي للمادة في موضعتها بها. وتجسيد اللغة للفكر في التعبير عن معناه المضموني لا يجعل من كليهما اللغة والفكر مادة بإكتسابهما صفة تجريد الصوت مدركا بذاته وهو خطأ لعدم إمكانية إدراكنا الصوت مجرّدا عن دلالته ألماديّة هي اللغة.

ألفكر لا تحتويه ألمادة بمقدار ما تحتويه لغة التجريد في تعبيرها عن المادة. وفي حال تأكيد صوابية خطأ مقولة هنري برجسون أن تكون اللغة خاصّية مادية بالصوت المدرك لوحده فهذا يقودنا التسليم لخطأ أكبر منه تجاوزناه هو صحة إمكانية جواز التفكير من دون لغة تصورّية تمثّلية للاشياء. بمعنى الإدراك الحسّي المباشر يكون بديلا عن تجريد اللغة في التعبير. لكن العقبة التي لا يمكن تجاوزها أن المادة غير العاقلة لا تدرك مادة أخرى تجانسها الخواص التعريفية ماديا معها من غير تداخل تفكير اللغة ألتجريدي التوسيط بينهما. المادة غير العاقلة لا تربطها بمادة أخرى مجانسة لها بالكيفية والصفات من غير تعبيرلغوي تجسيري علائقي تقوم اللغة به كوسيط يربط تلك العلاقات مع بعضها. عليه تكون اللغة كأصوات تعبيرية عن معنى مادي مقصود هي تجريد مادي وليست مادة مدركة لوحدها. تجريد اللغة في التعبير عن موضوع مدرك عقليا يفقدها خاصّية التعبير كأصوات وأبجدّية مكتوبة تعبيرية. وتنتفي عن ألمدركات حينذاك صفة اللغة التي هي خاصية تعبير فكري تجريدي عن ألمادة والأشياء في وجودها الواقعي. ألوجود بموجوداته الطبيعية ألتي تحكمها القوانين الطبيعية الثابتة هو وجود مستقل سواء أدركه العقل أم لم يدركه، وسواء تم تعبير الوعي بالفكر واللغة عنه أم لم يتم، فالموجودات المادية تبقى موجودات مستقلة في العالم الخارجي.

ألتسليم بمقولة اللغة مادة بدلالة الصوت، عندها يصبح لا غرابة أن نجد اللغة كما يعبّرعنها أحد الفلاسفة المثاليين "هي تعبير كلّي يقوم مقام الواقع بكامله."2. تماشيا مع هذا التعبير إلإفتراضي الخاطيء لا يمكننا معرفة الواقع في حقيقته المادية عندما نحاول التعبيرعنه بمادة لغوية متموضّعة فيه تكوينيا وليست لغة إدراك تجريدي منفصلة عنه، وليس من الصحيح أن تمتلك المادة تجريدا لغويا ما يعني إمكانية أن تعي المادة ذاتها وتعي غيرها من الماديات الأخرى ليس بدلالة تجريد اللغة بل بدلالة تجريد لغة المادة الموهومة التي أصبحت هي ميزة المادة ذاتها في كثرة أعدادها وإختلافاتها وتنوّعاتها التي يعجز حصرها.

وهذا أمر ليس محالا على صعيد الإدراك العقلي وحسب وأنما محال على صعيد إلغاء خاصّية التجريد اللغوي عن مدركات اللغة التعبيرية التي هي في حقيقتها تعبير عن مدركات عقلية. بوضوح ألعبارة اللغة لا تمتلك أسبقية الإدراك العقلي للأشياء، كما أن المادة لا تمتلك لغة تعبير لا عن نفسها ولا عن غيرها من الموجودات المتعالقة في الوجود معها.

المادة لا تمتلك صفة الإدراك العقلي كي يتاح لها إمتلاك لغة، لذا تكون ميزة الانسان النوعية عن جميع الكائنات في إمتلاكه اللغة.. اللغة هي إدراك كلّي لأشياء وموجودات لا حصر لها لكن لا يستطيع الانسان جعلها لغة إستيعاب تقوم مقام الواقع بأكمله. عالم الانسان ألإدراكي هو ما تستطع أللغة ألإحاطة به وألتعبير عنه ، وهذا ألإدراك اللغوي يبقى جزئيا ناقصا في محاولة جعل مدركات اللغة إنابة اللغة أن تكون هي كل عالمنا الواقعي الذي تدركه. وعالم الاشياء يتوقف إدراكه عندما تعجز اللغة التعبير عما هو أبعد منه. لا يمكننا الإحاطة بإدراك العالم أبعد من محدودية مدركات العقل.

لا يسعنا التعبير عن هذا المأزق أكثر من قولنا أننا يمكننا التعبير عن اللغة بلغة أخرى تجانسها الماهية والصفات النحوية والقواعد الصوتية، لكننا لا نستطيع فهم الواقع المادي الذي تموضعت اللغة فيه تكوينيا بتعبير لغة لم يعد يمتلكها العقل ولا يستطيع تصنيعها بل يمتلكها الواقع المادي للاشياء في محاولته توصيل فهم العقل له وليس العكس توصبل فهم العقل للواقع. ربما يذهب البعض أني أعبّر أن تكون أللغة مادة متموضعة في الاشياء المدركة، بل ما أؤكد عليه تبقى اللغة في كل أنواع ألإدراكات هي تجريد تصورّي في التعبير عن المدركات حتى في حال تموضعها بالموجودات المادية.

كل شيء موجود في الواقع يحمل معه لغة ألإدراك التي يتواصل بها مع إدراك العقل له. ولا تمتلك أيّة مادة لغة الإدراك التواصلية مع غيرها من المواد والاشياء.فالمادة غير العاقلة لا تمتلك خاصّية التعبير العلائقي مع غيرها من دون وسيط ثالث بينهما هو لغة الانسان فقط.

إن الحقيقة التي يراد العبور من فوقها أن اللغة تبقى تجريدا تعبيريا، والمادة تبقى واقعا موضوعيا لإدراك هذا التجريد اللغوي، واللغة المتموضعة بألأشياء هي لغة تجريد يحتويها الموجود المادي أنطولوجيا لكنه يبقى تجريد اللغة غريبا عن المادة كتجريد لغوي معبّراعن المادة منفصل عنها في خصائصها المادية التكوينية ، ولا يحمل إدراك اللغة خصائص تلك المادة كواقع مادي. مشروع اللغة الكليّة المصنوعة آليا التي نادى بها العديد من الفلاسفة والعلماء والمفكرين في القرن التاسع عشر إعتبرها "دستوت تراسي" من فظائع ألأخطاء التي وقعت بها الفلسفة كما في محاولة بعضهم تربيع الدائرة.

طبيعة الفكر وطبيعة اللغة

يذهب بعض الفلاسفة الدخول قسرا في إفتراضات فلسفية لا معنى لها في صرف الجهود لمناقشتها مثل" أننا في حال إقرارنا اللغة هي ألفكر، يصبح معنا إمكانية ألإستنتاج أن علاقة الفكر باللغة هي علاقة ماديّة تقوم على وجود فرق أختلاف بين طبيعة الفكر عن طبيعة اللغة "3

في سطور سابقة ناقشنا خطأ إعتبار اللغة فكر مادي غير مجرد تدركه وتعبّر عنه لغة تجريد أخرى تشارك لغة ألإدراك المجانسة لها غير المادية، فإذا نحن خلعنا صفة المادة على الفكر نكون أعطينا الفكر إمكانية إدراكه كموجود أنطولوجي تجريديا بلغة خاصة منفردة عنه، وهو ما لا ينطبق على أن يكون الفكر مادة ميزتها الاصوات ندركها بلغة أخرى ميزتها صوتية أيضا.

اللغة في حقيقتها الجوهرية هي مفهوم يعبّر عن وحدة كليّة من الإدراك العقلي لعالم الموجودات وظواهر الحياة. محال أن تنوب اللغة عن المادة كموجود بل اللغة وسيلة تعبير عن مادية الاشياء في وجودها المستقل في عالم الاشياء ، يجب التفريق بين إستحالة ماديّة اللغة كمتّعين واقعي وبين ماديّة اللغة كتعبير تجريدي عن المادة.

إننا في منتهى البساطة يمكننا أن نعبّر عن تجريد ملازمة اللغة والفكر بلغة تجريد أخرى يتلازم فيها الفكر واللغة كتجريد تعبيري أيضا. خير مثال على هذا هو أننا نمارس القراءة بصفحات مكتوبة هي فكر ولغة بلا أصوات منطوقة بل بأصوات تحتويها لغة الصمت ألمكتوبة. اللغة ألمقروءة تعبير تجريدي أخذت شكل أو صورة كلمات الكتابة، ونحن نقرأها بفكر ولغة تجريديين أيضا، فاللغة مدرك تجريدي من الممكن أن يفهمه ويعبّر عنه تجريد لغوي آخر. الفكر هو إنعكاس توليدي لواقع مادي لكنه لا يمتلك خصائص المادة كموجود يماثلها بل كتعبير فكري لغوي يلازمها.

طبيعة الفكر وطبيعة اللغة

والآن نناقش ألإختلاف بين طبيعتي الفكر واللغة، وأول ما يتبادرلتفكيرألذهن هو مالمقصود تحديدا بأختلاف طبيعة الفكر عن طبيعة اللغة وبماذا يختلفان؟ لم نعثرعلى إجابة مقنعة على طرح مثل هذه ألأشكالية الفلسفية.لكننا نقول لا يوجد فرق بين طبيعة الفكر عن طبيعة اللغة لا من حيث الإدراك ولا من حيث التصور التعبيري اللغوي ألمجرد عن شيء مادي.

إذا أقررنا حقيقة أن الفكر واللغة هما شكل ومحتوى كلاهما يتسّمان بالتجريد أحدهما بدلالة الآخرفي إدراك العقل لهما وتعبيرهما عن الأشياء ومواضيع الإدراك، عندها لا يصبح واردا مناقشة إمتلاك الفكر طبيعة لا تجانسها طبيعة اللغة. كون العقل يدرك تنظيم الفكر بدلالة تجريد اللغة الصوري، ولا يدرك العقل اللغة بتجريد فكري خال منعزل من ملازمة اللغة له..

لذا تكون طبيعة حمولة تفكير العقل هي طبيعة لغوية تجريدية. وأن يكون الفكر يمتلك طبيعة غير طبيعة اللغة هي محض تلاعب لغوي وهمي لا يقوم على منطق فلسفي مقبول..وألإدراك يتبع نفس ألآلية التي تتبعها ألحواس في إدراكها مواضيع الموجودات المادية في نقل ألإنطباعات عن موجودات العالم الخارجي الى الذهن.وكلاهما تجريد لغوي واحد عن شيء واحد بعينه.

عندما نقول للفكر خاصية مادية (مادة) بخلاف خاصية اللغة كتجريد لا مادي، معنى ذلك أصبح متاحا لنا أن نعي الفكر بلا لغة أصوات مسموعة أو مكتوبة. لكن كيف نثبت إمكانية فصل الفكرعن اللغة؟ ثم ماهي الآلية التي تجعلنا ندرك الفكربطبيعته المادية في حال إمكانية إنفصاله عن تعبير اللغة التجريدية عنه؟ إدراك اللغة للمادة هو إدراك تجريدي وإدراك مواضيع مخيّلة ألذاكرة المجردة أيضا يكون بنفس آلية إدراك اللغة التجريدية للمادة. الإدراك العقلي للمادة لا يتم إلا بلغة تصورّية تجريدية عنها هي نفس اللغة التي نتحدث بها في وصفنا الاشياء المادية كلاما.

الفكر إنعكاس تصّوري لغوي عن وجود مادي محسوس أو عن موضوع خيالي مصدره الذاكرة، وهذه الخاصية يمتلكها الفكر كونه تجريدا لغويا وليس كونه وجودا أنطولوجيا ماديا تدركه الحواس قبل اللغة. موضعة الفكر بالأشياء لا تكون متحّققة دونما ملازمته لغة تصوّراتية تمّثلية عقلية في التعبير عن مدركاته المادية. الفكر والوعي وتعبيرات اللغة هي حلقات في عملية الإدراك لا معنى لها منفردة ولا مجتمعة في تجريدها عن وصاية العقل عليها.

اللغة والآلة

ألاطروحة الفلسفية التي عرضناها حول إمتلاك كلا من الفكر واللغة طبيعة خاصة مختلفة إحداها عن الأخرى، وإعتبروا اللغة مادة لأنها بإختصار هي أصوات. جعل بعض الفلاسفة يلجأون لحلم تصنيع آلة حاسوب تقوم مقام اللغة عند الانسان بإعتبارها ملكة وخاصّية لا يمكن إستنساخها وتحاكي التواصل أللغوي بين البشر،.

الا أن هذه الفرضية الطموحة المتفائلة لقيت معارضة قوّية من فلاسفة بيّنوا عقم مثل هذا التوجه، واضعين بعض إعتراضاتهم الفلسفية بما يلي:

- الآلة التي تنوب عن لغة الانسان ألتواصلية لا يمكنها التعبير الصحيح عن مجمل المسائل المتعلقة بالأخلاق والنفس والضمير والعواطف والإخلاص والإلتزام بالوعود والإستقامة والنزاهة وغير ذلك عديد، وهذه ألمواصفات الخصائصية أللغوية لا يتوفر على تلبيتها الحاسوب ألمبرمج بتقنية عالية من إستنساخ لغة الانسان ألخالية من الروح..

- ورد منذ القرن السابع عشر على لسان ديكارت ما يدحض آلية تصنيع اللغة قوله "طيور العقعق والببغاء تستطيع التلفّظ بكلمات وحتى عبارات مثلنا نحن البشر لكنها لا تستطيع أن تعي ما تقوله وتلفظه" 4

- طرح أيضا بعض الفلاسفة تساؤلا" لماذا لا يستطيع الحاسوب أن يحاكي بالضبط السلوك الانساني عند البشر؟ 5

 أجاب بعض الفلاسفة عن هذا التساؤل قولهم عجز الآلة ممثلا في عدم إمتلاكها (وعيا قصديا) تسير بهديه وعلى ضوئه يتمّكن الانسان السيطرة على سلوكه الذي يرسمه له الوعي القصدي كملكة يتفرّد بها الانسان، والوعي القصدي دعا له برينتانو ليعقبه هوسرل وهيدجر في تبنّيه وليتسّلم الراية منهم الفلاسفة الاميركان مثل سيلارز وجون سيرل وريتشارد رورتي وسانتيانا وغيرهم.

- أدان العديد من فلاسفة اللغة والعقل في مقدمتهم فلاسفة السلوكية اللغوية الاميريكية مقولة فيلسوف وعالم اللغات نعوم جومسكي حين أجاز في مصطلحه (الابداعية التوليدية) إمكانية توليد الجمل اللغوية ألإبتكارية عند الانسان بما لا يمكن حصره، لكنه إلتقى مع فلاسفة السلوكية الاميركان أن الآلة لا تنوب عن الانسان في قابلية ألابتكار التوليدي اللغوي الذي هو إستعداد فطري لا تمتلكه الآلة..

- " إقترح جومسكي منذ خمسينيات القرن الماضي في إعتماده اللغة تمتلك عنصرا بيولوجيا مركوزا في دماغ الانسان بألفطرة، وأننا ننطوي وراثيا على حاسّة الكلام، وأننا مبرمجون وراثيا لنتكلم بدلا من التقليد من ثقافتنا وبيئتنا، وكلامنا يرتكز على مخطط وصفة إنطبعت فينا منذ الولادة"6،

هنا جومسكي ينهي أي أجتهاد فلسفي حول إمكانية إستنساخ لغة وظيفية آليا في حاسوب متطوّر.كون الإفتراض الذي يبيح لبعض التقنيّات المتطورة صناعة لغة حاسوب آلي يمكنه الإشتقاق وتوليد الافكار إلا أنه يقف حتما في عجزه مجاراة لغة الانسان وقابليته الخصائصية المتفردة من توليد الأفكار وتطوير لغة الحياة بما تعجز عنه الآلة.

- من المسائل التي رفضها فلاسفة السلوكية اللغوية الاميركان إمكانية إستنساخ اللغة آليا بالحاسوب وهذا الرفض هو ما طرحه جون سيرل وهو فيلسوف العقل واللغة وأحد أبرز المتبنّين للوعي القصدي، أن توليدية الإبتكاراللغوي التي نسبها جومسكي لملكة الانسان الفطرية الوراثية، لا يمكن إستنساخها في الحاسوب أبسطها عدم إمكانية تحّكم الحاسوب بالعبارات والجمل التي تكتفي بإيصال المعنى المطلوب. وضرب لذلك مثلا أن الحواسيب يمكنها تركيب جملة (أنا أعدك) لكنها لا تفهم ما يترتب على العبارة من تنفيذ تطبيق هذا الكلام كمحاورة قصدية ذات معنى. ألوعد بماذا؟ ومتى وأين؟

- بقي أن بعض الفلاسفة إعتبروا الانسان يمتلك الروح الذي لا تمتلكه ألآلة، والتي عبّر عنها بعضهم بالنفس وهو خطأ مصطلحي، فالنفس خاصّية إنسانية يمكن حدسها في تجلياتها مثل الضمير والاخلاق والعواطف، والسلوك في حين الروح من مقولات الميتافيزيقا هي كل مالا يدركه الانسان ويلازمه البقاء معه ولا يفترق عنه سوى بالممات. وأدراك ما سمّي بالروح هو في دلالة إدراك بقاء الانسان حيّا فقط.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.................................

الهوامش:

1- فلسفة اللغة /سليفان اورو، جاك ديشان، جمال كوغلي، ت :د. بسام بركة ص 211

2 - نفسه ص 305

3 - نفسه ص306

4 - نفسه ص 301

5 - نفسه ص 306

6 - نفسه ص 308

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن تجديد الخطاب العقدي في المدرسة الأشعرية، وهنا نقول: طور الإمام "القاضي أبو بكر الباقلاني" منهج الجدل الأشعري، حيث أضاف إلي هذا المنهج ما يمكن اعتباره بوادر لتطور أعظم لدي من جاء بعده في منهج الجدل الأشعري، ذلك أن المنهج الجدلي عند "الباقلاني" يقوم علي عدة أصول هي:

أ- إن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول:

ويعد الباقلاني، أول من استخدم هذه القاعدة، حيث يقول ابن خلدون ": إن أُبا بكر الباقلاني وضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة والأنظار ومنها أن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول ".

وهذه القاعدة التي سلكها الباقلاني تتكون من مرحلتين:

الأولي: أن تتلمس أدلة المثبتين للشئ وتثبت كذبها وضعفها، بحيث لا نجد دليلاً آخر علي ثبوت الشئ سواها .

الثانية: أن يقوم بعملية حصر وجوه الأدلة، ثم نقوم باستقراء دقيق لها ينتهي إلي نفي هذه الوجوه كلها، بحيث لا نجد وجوها أخري، هي الأولي بعينها، إذ أنها تنتهي إلي عدم وجود أية أدلة غير الأدلة المنفية، إلا أنها تمتاز عنها بفكرة الحصر.

ب- قياس الغائب علي الشاهد:

وهو المعروف في علم أصول الفقه بالقياس الأصولي، وقد استخدم الباقلاني هذا القياس في آرائه الكلامية، ليرد علي المعتزلة الذين أخذوا بهذا القياس .

ج- الدليل اللغوي التوفيقي:

وهو يمثل أحد عناصر المنهج الجدلي عند الباقلاني، فقد استخدمه في كثير من المسائل التي تتعلق بالمصطلحات الكلامية، كبيان لمعني العرض ومعني القديم والمحدث وشرحه لحقيقة الإيمان وغير ذلك من المسائل.

د- الدليل الشرعي:

ومثلما اهتم الباقلاني في منهجه الجدلي بالأدلة العقلية، فقد إهتم بالأدلة السمعية الشرعية المستمدة من القرآن والسنة والإجماع والقياس .

هـ- الإلزامات:

وإذا كان الباقلاني قد استخدم في منهجه كلا من الأدلة العقلية والنقلية، فإنه قد سلك في نقده لخصومه طريقة الإلزام علي الخصم، وهذه الطريقة تمثل أحد جانبي القياس الأصولي، وهو " قياس الطرد"، وهذا القياس يعني طرد حكم الأصل في الفرع سواء كان الحكم ثبوتا، فيكون الطرد في الإثبات، أو عدميا فيكون الطرد في النفي ".

و- رد الإشكال بإشكال مثله:

ومن الطرق التي سلكها الباقلاني أيضا، طريقة رد الإشكال بإشكال مثله . وهذه الطريقة تقوم علي أساس أن يثير المناظر أشكالا علي دعوي مناظرة فيقوم هذا برد الإشكال بإشكال مثله علي دعوي الأول، بحيث يجعله بين أمرين: إما أن يتخلى عن أشكاله الذي أثاره ويسلم بالدعوي أو يتمسك بإشكاله، فيؤدي إلي تسليمه بدعوي الخصم ويسلم الخصم بدعوي خصمه الأول، فيصير الرأيان صحيحين مسلمين . وهي طريقة لا تفيد يقيناً وإثباتاً قاطعاً لأي من وجهتي النظر اللتين قام الإشكالان ضدهما، وإن كانت تفيد حسم المناظرة أو الجدال القائم بين المتناظرين .

هذه هي سمات المنهج الجدلي عند الباقلاني، ولقد طور كبار الأشاعرة الذين جاءوا بعد الباقلاني المنهج الجدلي الأشعري .

فقد ساير أبو المعالي الجويني وأبو حامد الغزالي وفخر الدين الرازي، أستاذهم الأشعري، حينما استثني من خصومته المنطق، لأن قوانينه فيما يقول هي قوانين العقل الذي اتفق عليها جميع بني البشر .

وباختصار، فإن علماء الكلام، اعتبروا المنطق جزء من الدراسات الكلامية أو مقدمة ضرورية لها، وأطلقوا علي هذا الجانب من كتاباتهم المتعلقة بالمنطق اسم " كتاب النظر " تارة، و " كتاب الجدل " تارة أو " مدارك العقول " تارة أخري ؛ وفي هذا يقول الغزالي:" نعم قولهم أن المنطقيات لا بد من احكامها هو صحيح، ولكن المنطق ليس مخصوصا بهم، وإنما هو الأصل الذي نسميه " مدارك العقول "، فإذا سمع المتكايس المستضعف ام المنطق، ظن أنه فن غريب لا يعرفه المتكلمون، ولا يطلع عليه إلا الفلاسفة، ونحن لدفع هذا الخيال واستئصال هذه الحيلة في الإضلال، نري أن نفرد القول في " مدارك العقول " في هذا الكتاب، ونهجر فيه ألفاظ المتكلمين والأصوليين، بل نوردها بعبارات المنطقيين، ونصبها في قوالبهم، ونقنفي آثارهم لفظا لفظاً، ونناظرهم في هذا الكتاب بلغتهم – أعني بعباراتهم في المنطق، ونوضح أن ما شرطوه في صحة مادة القياس في قسم البرهان من المنطق، وما شرطوه في صورته في كتاب القياس وما وضعوه من الأوضاع في " إيساغوجي" و" قاطيغورياس " التي هي من أجزاء المنطق ومقدماته، ولم يتمكنوا من الوفاء بشئ منه في علومهم الإلهية .

وقد كان أمام الغزالي للتخلص من هذا الإحراج أد أمرين:

1- إما أن يطور هجومه ليشمل المنطق فيرفضه، كما رفض الفلسفة، ويظهر تهافت المناطقة، كما أظهر تهافت الفلاسفة .

2- وإما أن ينظر له علي أنه علم قائم بذاته، ويمكن الإفادة منه في علوم أخري، وليس مجرد آلة للفلسفة أو مدخلا لها، ولما كان من غير المعقول، أن يتبني الغزالي الموقف الأول لم يكن أمامه سوي أن يأخذ بالموقف الثاني، ويعتبر المنطق علما قائما بذاته، وليس جزء للفلسفة أو مجرد مدخل لها، وبهذا الموقف يهاجم الفلاسفة في دعواهم الاستئثار بهذا العلم " المنطق " واضعا له أسماء أخري يشاركه فيها المتكلمون والأصوليون ويحاول أن يلتمس له أصلا غير فلسفي، فهو فن " الكلام" الذي يسميه " كتاب النظر "، وقد وجه لهذا الاسم الأصلي بعض التغيير من قبل الفلاسفة لمجرد التهويل، فسموه باسم " المنطق" .

ومعني هذا أن الغزالي، يعتبر أن الخلاف بين المنطقين وغيرهم من نظار المسلمين، يكاد يكون خلافاً لفظياً، ويري أنه لكي يتخلص المسلمون من الخطأ في الاستدلال في شتي علومهم يجب عليهم أن يستخدموا المنطق، فيقول:" وليكن للبرهان بينهم قانون متفق عليه، يعترف به كلهم فإنهم إذا لم يتفقوا في الميزان، لم يمكنهم رفع الخلاف بالوزن، وقد ذكرنا تلك الموازين الخمسة في كتابنا " القسطاس المستقيم"، وهي الهي يتصور الخلاف منها  بعد فهمها أصلاً، بل يعترف كل من فهمها، بأنها " مدارك العقول " قطعا، والمحصلون لها يسهل عليهم عقد الإنصاف والانتصاف وكشف الغطاء، ورفع الاختلاف، ولكن لا يستحيل فهم الاختلاف أيضاً، إما لقصور بعضهم عن إدراك تمام شروطه، وإما في رجوعهم في النظر إلي القريحة والطبع دون الوزن بالميزان كالذي يرجع بعد تمام تعلم علم العروض في الشعر إلي الوقوق للاشتقاق عرض كل شعر علي العروض، فلا يبعد أن يغلط .

فهو يري أن نظار المسلمين لا بد وأن يتفقوا علي معيار أو قانون أو ميزان من الموازين الخمسة التي يفردها كتابه " القسطاس المستقيم " في برهانهم، وأن يعتبروا هذه الموازين الخمسة الاحتكام إليها في البرهان بالذي يتعلم الشعر، فعليه أولا تعلم علم العروض .

وتتمثل الموازين الخمسة التي ذكرها الغزالي في الأصل إلي ثلاثة أقسام: " أولها: ميزان التعادل، وثانيها، ميزان التلازم، وثالثها، ميزان التعاند، ولكن ميزان التعادل ينقسم إلي ثلاثة أقسام، إلي الكبر، والأوسط، والأصغر، فيصير الجميع خمسة " .

ثم خطا الغزالي خطوة واسعة في سبيل ربط المنطق بعلم الكلام، إذ بدأ واضحا لديه، أن المتكلم ينبغي أن يكون في مقدوره تقدير وزن الآراء المتعارضة، ووزن الحجج هو مادة موضع المنطق، فهو الذي يميز الحجة " الصحيحة" من الحجة " الخاطئة "، كما يميز الحجج " الإقناعية " و" المغالطية " و " الشعرية" عن الحجج البرهانية، وهكذا أصبح المنطق بشكل متزايد أداة أساسية للدراسات الكلامية، كما هو كذلك بالنسبة للفروع الأخرى من المعرفة .

وقد دافع الغزالي عن المنطق دفاعا كبيرا، وكان له مع أستاذه الأشعري الفضل في إبقاء الدراسات المنطقية في المشرق الإسلامي بصورة نهائية.

وهنا نتساءل متي تم للأشاعرة إدخال المنطق في دراساتهم الكلامية ؟

يري بعض الباحثين أن الأشاعرة بدأوا يستخدمون المنطق الأرسطي منذ القرن الخامس في علومهم الدينية، بحيث يعتبر أواسط القرن الخامس من تاريخ الفكر الإسلامي فاصلاً بين عهدين دقيقين: " عهد لم يلجأ (الأشاعرة) فيه إلي مزج علومهم بالمنطق والفلسفة اليونانية ؛ وعهد بدأو فيه (الأشاعرة) عملية المزج هذه، وخاصة في نطاق المنطق .

ويذكر ابن خلدون أن هذه الحركة الأخيرة قام بها الغزالي، حيث يقول:"إن أول من كتب علي منحي المتأخرين، هو الغزالي، وقد عاد إليه من جاء بعده".

وطريقة المتأخرين هنا كما يسميها ابن خلدون، هي الطريقة التي تم فيها تطعيم الأساليب الكلامية بالمنطق الأرسطي؛ لذا "غلب علي طريقتهم الأسلوب القياسي" .

علي أن هناك طريقة أخري، يسميها ابن خلدون بـ "طريقة المتكلمين"، ويمثلها من وجهة نظره "الباقلاني"؛ وهي طريقة قائمة علي المذهب الذري أولا ثم علي العلاقة المثبتة بين الأصول الفلسفية والعقيدة، وعلي القول بأن " بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول" .

ولكن ما هو القطب الذي يدور حوله منهج المتقدمين؟ أهو عدم اهتمام بالمسائل الفلسفية والمنطقية؟ كلا ما دام الأشعري قد تأثر بمنطق أرسطو، لكن الغريب حقا، أن الباقلاني لا يستعمل اصطلاحات أهل المنطق في دراسته الكلامية ؛ إذ لا نعثر علي مؤلف من مؤلفاته، ما يدل علي خوضه في علوم الفلسفة والمنطق ؛ بل بالعكس هاجم الفلسفة والمنطق هجوما عنيفا ؛ حيث يذكر ابن " تيمية" ( ت: 728هـ)، أن للباقلاني كتباً في نقد المنطق الأرسطي، ومن أشهر كتبه "القائق" الذي رد فيه علي الفلاسفة والمنجمين ورجح فيه منطق المتكلمين من العرب علي منطق اليونان ".

وهنا يتضح لنا أن الباقلاني كان أول أشعري يرفض منطق أرسطو، باعتباره منهجا أدي بصاحبه إلي آراء وأفكار تخالف العقيدة الإسلامية في كثير من أصولها .

ويمكن أن نفهم المقصود بطريقة المتقدمين التي أشار إليها ابن خلدون، وهي تمثل كل من لم يأخذ بالمنطق الأرسطي في العلوم الإسلامية؛ ولذلك فالباقلاني يمثل القطب الأساسي لطريقة المتقدمين؛ وهذه الطريقة تمثل قاعدة منهجية تعد أصلا من أصول المنهج عند الباقلاني، وهي أن " بطلان الدليل يؤذن ببطلان الملول"؛ ولم يكتف الباقلاني بهذا، بل راح يستخدم الأدلة العقلية والأقيسة الأصولية وقياس الخلف والإلزامات ؛ إلي جانب الأدلة النقلية والشرعية من القرآن والسنة والإجماع ؛ فضلا عن الأدلة التوفيقية من كلام العرب ولغتهم؛ إلي جانب الاستشهاد بأخبار وآثار الأئمة والعلماء من السابقين عليه، والمعاصرين له بهدف ابطال دعاوي الخصوم، والكشف عما في آرائهم ومذاهبهم من ضعف وتهافت عن طريق إبطال أدلتهم وحججهم عليها .

ولعل هذه هي الأسباب التي جعلت الباقلاني ممتلكا لناصية الجدل الذي تأثر فيه بالمعتزلة، فقد كان متمكنا من الأساليب اللازمة للحجاج من الدليل الحاضر – حصر موقف الخصم في قضيتين لا ثالث لهما لإبطالهما معاً إلي مقابلة الإشكال بالإشكال أو معارضته نظرية الخصم من نتائج فاسدة، فضلا عما وهبه الله من قوة ذاكرة وحضور بديهة .

إن أهم أثر خلفه الباقلاني في تطور المذهب الأشعري، هو هذا النسق المنهجي لموضوعات علم الكلام، وقد تأثر به معظم من جاءوا بعده من متكلمي الأشاعرة .

وهذا يدل علي أن الباقلاني، لم يكن في آرائه مجرد تابع لأستاذه الأشعري مؤسس المذهب، ولا مجرد مواصل لحمل تراث الأشاعرة السابقين عليه، بل لقد تم علي يديه توضيح بعض النقاط، وتحديد كثير من لمفاهيم والمصطلحات وتقديم بعض الآراء والأفكار الجديدة في بعض المسائل التي يشملها المذهب، وهو ما أدي إلي تطوير المذهب من بعض الوجوه، وإلي تقريبه من رأي المعتزلة، وهذا ما لم يفعله بعض العلماء المتقدمين .

إذن الباقلاني يمثل في حد ذاته مرحلة في تطوير الأشعرية، فهو المؤصل الحقيقي للمذهب الأشعري، فلقد نظر المنهج الذي وضعه الأشعري، فبدأت الملامح الأساسية للأشعرية تبرز وتتضح علي يديه . وقد عبر عن هذا المعني ابن خلدون حينما قال:" واخ ذ عنهم (أي تلاميذ الأشعري) القاضي أبو بكر الباقلاني، فتصدر للإمامة في طريقتهم، فهذبها، ووضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة والأنظار، وجملت هذه الطريقة، وجاءت من أحسن الفنون النظرية والعلوم الدينية" .

وكان الباقلاني مالكي المذهب، حتي أن بعض المؤرخين يقولون عنه بأنه " إنتهت إليه رئاسة المالكيين في وقته " .

ومن هنا يمكن لنا أن نفسر سر نقده للمنطق الصوري الأرسطي بتمسكه بالفقه المالكي ؛ حيث أن الفقه عموما والفقه المالكي خصوصا، ليبدو منافيا منافاة جذرية للمنهج الاستدلالي في المنطق اليوناني، فهذا الأخير يتقوم بالصورة الذهنية ويقيس الحقيقة بما تكون العلاقة بين الصورة والأخري في الذهن بقطع النظر عن الواقع . أما الفقه فهو أكثر العلوم ارتباطا بالواقع ؛ إذ هو يعالج قضايا واقعية تخص أمور الناس المتجددة، وهذه الأمور كما يقول الشاطبي (ت: 790هـ) لا تضبط بحصر ولا يمكن استيفاء القول في احداها، فلا يمكن أن يستغني عنها بالتقليد ، فمنهج استدلاله يقوم علي الاستقراء وتتبع الجزئيات .

والفقه المالكي يحمل هذا المعني بأكثر مما يحمله أي فقه من المذاهب الأخري، ويظهر هذا باستعراض أصول المالكية التي منها يستخرجون الحكام الفرعية، والتي هي التسعة التالية: الكتاب – السنة – والإجماع – والقياس- والاستحسان- والعرف – وعمل أهل المدينة – والمصالح المرسلة – وسد الذرائع .

وهي إلي جانب كثرتها أو تنوعها، إذ أنها تزيد علي أصول الشافعية بالخمسة الأخيرة، وعلي أصول الحنفية بالثلاثة الأخيرة، إلي جانب ذلك فإنها تصطبغ بالصبغة العملية التي تتمثل في مراعاة مصالح الناس وما تقتضيه تلك المصالح بدراسة واقع المجتمعات دراسة ميدانية .

ولذلك فإن الفقه المالكي يمتاز من بين أنواع الفقه المختلفة، بأنه يغلب عليه مراعاة المصالح  ؛ حيث أنه يجري في أصوله علي منطقها، وإن كان فقهاء المذهب المالكي يأخذون بالقياس، ولكنهم يخصونه في علله لمنطقهم الفقهي، وهو " جلب المصلحة ودفع المضرة "  . ولقد عبر الإمام الشاطبي عن هذا المعني إذ يقول متحدثا عن الاستحسان:" ...مقتضاه الرجوع إلأي تقديم الاستدلال المرسل علي القياس، فإن من استحسن لم يرجع إلي مجرد ذوقه وتشهيه، وإنما يرجع إلي ما علم من قصد الشارع في الجملة في أمثال تلك الأشياء المفروضة كالمسائل التي تقتضي القياس فيها أمرا، إلا أن ذلك الأمر يؤدي إلي فوات المصلحة من جهة أخري، أو جلب مفسدة كذلك وذلك حسب قول  عبد المجيد النجار في كتابة فصول الفكر الفلسفي بالمغرب.

وإذا ما كان الفقه المالكي علي هذا النحو من الواقعية التي تشده إلي ما هو جارٍِِ في حياة الناس الزاخرة المتغيرة لمراعاة مصالحهم، وتطبعه لذلك بالطابع التتبعي الاستقرائي الذي تكون فيه الحقيقة في إصدار الأحكام علي أشد الصلة بالواقع، وإذا ما كان المنطق اليوناني علي ذلك النحو من التجريد الذي لا ترتبط فيه الأحكام إلا بما هو جار في الذهن من الصور، فإنه من الطبيعي أن لا يتأثر الفقه المالكي في صلب منهجه بالمنطق اليوناني لما بينهما من المنافاة في الطبيعة .

إن الفقه المالكي يعالج " سير الحياة المتشابك المعقد ( وهذا) لا يمكن أن يخع لقواعد مقررة جامدة تستنبط استنباطا منطقيا من أفكار عامة معينة، ولو نظرنا إلأي سير الحياة بمنظار المنطق الصوري الأرسطي لبدأ أليا بحتا ليس له في ذاته أصل يبعث فيه الحياة والحركة .

وهنا يتضح لنا أن الفقه المالكي كان له دور بارز في إعراض الباقلاني عن منطق أرسطو .

وثمة إشارة "لأبن خلدون" جديرة بالاعتبار ؛ حيث  يقول:" ثم انتشرت من بعد الجويني علوم المنطق، وقرأه الناس، وفرقوا بينه وبين العلوم الفلسفية، بأنه قانون ومعيار للأدلة فق يسبر به الأدلة منها يسبر من سواها، ثم نظروا في تلك القواعد والمقدمات في فن الكلام للأقدمين، فخالفوا الكثير منها بالبراهين التي أدت إلي ذلك، وربما أن كثير منها مقتبس من كلام الفلاسفة في الطبيعيات والإلهيات، فلما سبروها بمعيار المنطق ردوها إلي ذلك فيها ولم يعتقدوا بطلان المدلول من بطلان دليله، كما صار الإمام القاضي (الباقلاني)، فصارت هذه الطريقة من مصطلحهم مباينة للطريقة الأولي ".

ويشير ابن خلدون إلي ذلك بقوله:" إن الأولين يتقيدون بمبدأ الباقلاني في أ، بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول، علي حين أن المتأخرين، وبخاصة الغزالي يرفضون بعد ذلك دخول المنطق الأرسطي ".

وإذا تساءلنا عن هذا التمييز والفرق بين الطريقتين، نجد أن بعض الباحثين المعاصرين يري أنه ليس إلا الصلة الضرورية المتبادلة، التي أثبتها المتقدمون بين فلسفتهم الطبيعية وبين العقيدة، وها نحن نري هذه الصلة تنفصم، والذي أدي إلي ذلك، هو استخدام منطق جديد، وهذا المنطق الجديد هو الذي يقوم فاصلا، وهو أمر لا نلبث أن نلاحظه لدي الجويني في كتابه " البرهان في أصول الفه"، وليس المنطق في طريقة المتقدمين، إلا منطقا عربيا إسلاميا جاء من الأصول الفقهية التي يعتمد عليها الفقه في سياقه، ولم يظهر فيه القياس الأرسطي بعده، وقد اشتهرت هذه الطريقة بالباقلاني".

في حين أن طريقة المتأخرين إشتهرت بالغزالي، بينما كان الجويني نقطة الوسط بين طريقة المتقدمين وطريقة المتأخرين ؛ فهو يعتبر أول أشعري أسهم في بناء طريقة المتأخرين، التي تخلت عن الأخذ بقياس الغائب عن الشاهد ؛ وفي هذا يقول الجويني:" فإما بناء الغائب علي الشاهد فلا أصل له، فإن التحكم به باطل وفاقا . والجمع بالعلة لا أصل له، إذ لا علة ولا معلول عندنا، وكون العالم عالما هو العلم الحادث، مخالف للعلم القديم، فكيف يجتمعان في الحقيقة مع اختلافهما؟ والقول الجامع في ذلك: أنه إن قام دليل علي المطلوب في الغائب، فهو المقصود ولا أثر لذكر الشاهد، و؟إ، لم يقم دليل علي المطلوب في الغائب فذكر الشاهد لا معني له وليس في المعقول قياس ".

ولما كان الجويني قد أسهم في بناء طريقة المتأخرين التي تخلت عن الأخذ بقياس الغائب علي الشاهد، فقد استخدم أساليب قياسية منطقية، كفكرة " السبر والتقسيم"، حيث يقول:" السبر والتقسيم، ومعناه علي الجملة أن الناظر يبحث في معان مجتمعة في الأصل، وينتقيها واحدا واحدا، ويبين خروج آحادها عن صلاح التعليل به، إلا واحدا يراه ويرتضاه، وهذا المسلك يجري في المعقولات علي نوعين: فإن كان التقسيم العقلي مشتملا علي النفي والإثبات حاضرا لهما، فإذا بطل أحد القسمين تعين الثاني للثبوت ".

وحتي في الوقت الذي تم فيه اعتماد اساليب قياسية منطقية من طرف الجويني بغية تطعيم المناهج اللامية، لم تستطع فيه تلك الأساليب ممارسة نفسها في وضوح وتميز واستقلال، بل انطبعت بالطابع البياني، أي " طريقة المتقدمين "، فالمقدمات أو ألأصول التي تم للجويني أخذها من منطق أرسطو كانت ناقصة ... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

علي محمد اليوسفتساؤل: هل من الممكن المتاح لنا الإستغناء عن اللغة في إدراكنا موجودات الطبيعة والأشياء؟ ثمة من يذهب الى أن مثل هذا ألإفتراض ممكن تحقيقه.خطأ هذا التعبيرالفلسفي يكمن في محاولة إستبدال وسيلة اللغة ألإدراكية التجريدية بـ (ألإدراك) المباشر الحسّي الانطولوجي الإستبطاني المجرّد من اللغة وهو محال أن نجد إدراكا مجرّدا عن لغته. فألإدراك هو تفكيرحسّي لغوي وليس مجرد إحساسات لا تمتلك صوريتها اللغوية التجريدية... وهذا ألإتجاه الفلسفي بمقدار ما يحمله من إدانة واضحة إلا أن فلاسفة الوضعية المنطقية التجريبية حلقتي فيّنا  أكسفورد التحليليتين أخذتا كليهما بهذا ألإحتمال. معتبرين إمكانية إنابة ألإدراك محل تعبير اللغة. متجاهلين حقيقة أن ألإدراك هو لغة تصوّرية لا يمكنه الفكاك عن اللغة الصوتية ولا عن اللغة المكتوبة. بمعنى ألإدراك واللغة والفكر ثلاث مفردات تعبيرية عن معنى مقصود واحد، ولا يمكن الفصل بين هذه الحلقات المنظومية الإدراكية عقليا.

ويحمل هذا التعويل الخاطيء مقدّما على أن إدراك الأشياء في وجودها الأنطولوجي حسّيا داخليا يعني أن تلك ألإدراكات الحسّية هي لغة تعبير تواصلي لا تعتمد وسيلية اللغة في إدراكها الاشياء، وهو خطأ لا يمكن تمريره فألادراك الحسّي هو لغة أيضا لا تختلف عن أصل أية لغة تواصل كان تعلمّها الشخص الذي يحمل إدراكه ألذاتي، ألادراك لغة تصورية تجريدية لا تخرج على أبجدية اللغة التواصلية العادية. بعبارة توضيحية أكثر الإدراك ليس بمقدرته إختراع لغة إدراك خاصة به تختلف في بنيتها التركيبية نحويا وبلاغيا وقواعد تحكمها هي غير نمط وشكل لغة التعبير العادية التي يتحدث بها مجتمع معين أو أمة معينة..

وإدراك الحواس ماديا لا يمكن ترجمته الى إحساس مفهوم المعنى والدلالة من غير لغة تحتويه وتعبّر عنه... إذ لا يمكن تحقيق إدراكا حسّيا عن شيء لا يحمل لغة إدراكه التجريدية معه، كل إدراك حسّي عن شيء وكل إدراك غير حسّي خيالي عن موضوع لا يمكننا فهمه من غير تلازم تعبير اللغة عنهما خارجيا أو إستبطانيا صامتا.. الإدراك الحسّي يبقى لغة صمت لا يستطيع الإفصاح عن نفسه من غير توسيل تعبير اللغة التواصلية الأعتيادية.. بالمختصرالمفيد ألإدراك لغة خرساء صماء موجودة بالذهن ولا يمكن تحققها بالواقع كلاما وتعبيرا من غير وسيلية اللغة الإفصاح عنها كفكر قصدي. لذا يكون من المشكوك به إمتلاك ألإدراكات الحسّية مصداقية تعبيرية عن موجودات ألانطولوجيا بمعزل عن اللغة التواصلية أكثر مما تستطيع التعبير عنه. وكلا التعبيرين لغة الإدراك الصمت ولغة الإفصاح الصوت هما لغة تعبير واحدة لا أنفكاك بينهما، من حيث ترابطهما ألأبجدي في تكوين ألمقاطع والكلمات الصوتية والجمل ألقائم على إدراك لشيء.

التفكير الحسّي الملازم لإدراكات الاشياء المادية في حال لا يمكنه إرسال إحساسات الحواس الى الذهن لغويا تصورّيا فلا معنى يبقى للإدراك كحلقة في منظومة العقل الفكرية ألتجريدية، لإنعدام آلية التوصيل المنتظم داخل منظومة العقل ألأدراكية. ولا يستطيع الوعي إدراكه الأشياء من غير لغة ايضا، أي حينما لا تتمكن اللغة أن تستوعب ألإدراك الحسّي والوعي بألاشياء فلا يبقى هناك أي وجود خارج الذهن لهما.. كما وإلاحساسات هي لغة تعبير العقل عن مدركاته في ردود الأفعال ألإنعكاسية الصادرة عن الدماغ.

فإذا كانت فكرة ألإدراك عن شيء هي تعبير لغوي مجرد فكيف يكون ألإدراك بلا لغة تلازمه يمكننا ألإستغناء عنها في إدراكنا المحسوسات الانطولوجية؟ وكيف يتشّكل الوعي بألاشياء بدون لغة تلازمه؟؟وكيف تنطبع المدركات الحسّية بألذهن بغير تعبير لغوي يلازمها؟ ألإحساسات وألإدراكات والوعي ثلاث حلقات في منظومة العقل الإدراكية هي في حقيقتها لغة تعبيرتجريدي واحد ولا تحمل هذه الحلقات التجريدية إفصاحاتها عن مدركاتها لمواضيع العالمين الداخلي (ألأحاسيس) والخارجي (ألإحساسات) إلا بتعبير اللغة التواصلي الدارجة مجتمعيا..إلإدراك بتعريف كواين له هو (وجود الشيء المستقل أنطولوجيا).. لكنه غير المنفصل عن الإدراك به بوسيلة تعبير اللغة، عليه يكون إلإدراك لغة التعبير عن الشيء.. .

إننا لا نستطيع إغفال حقيقة أن ألاحساس بشيء ليس لغة إستبطان معرفية له فقط، وكل موجود يدرك حسّيا يصبح بالنتيجة الملازمة له لغويا هو لغة إدراكية تجريدية سليمة غير إعتباطية خالية من المعنى. فالموجود الشيئي والوعي به، وإنطباعه الصوري بالذهن هو تجريد لغوي يقبل تمرير معناه إدراك العقل، والفكرالمتعالق مع الوعي فيما يعنيه، جميعها تجليّات إدراكية تقوم على تصوير لغوي يتمّثل مواضيع ألإدراك، ويشمل هذا حتى ألإدراك العقلي غير المريض الذي لا يتوّسل اللغة في التعبيرعن تلك المدركات بل في التعبيرغير الإنفصامي الصامت عنها. الصمت غير المريض لغة تفكير لا تختلف عن لغة التواصل العادية سوى بفارق الصوت في تعبير اللغة...كان يتردد في بداية القرن العشرين سؤالا فلسفيا جداليا هل بألإمكان فصل اللغة عن الفكر؟ جدال نقاشي تم حسمّه في أدبيات الفلسفة البنيوية بخاصة عند دي سوسير بتعبيره اللغة هي وعاء الفكر.

بمعنى أن فصل تداخل شكل اللغة مع محتواها المضموني محال إدراكه عقليا. وفصل إلإدراك عن اللغة محال معرفيا. ألادراك من دون لغة تلازمه عبث لا يمكن تحققه في معنى دلالي في ألإفصاح التعبيري عن شيء أو موضوع، وتجريد اللغة عن تعبيرها التجريدي للأشياء هو محال أيضا فاللغة وجود يلازم كل موجود يدركه العقل. والعقل لا يدرك ألاشياء والعالم وموجودات الطبيعة بغير وسيلة تعبير تلازم الفكر واللغة معا في دلالة عن معنى واحد.

وتجريد أللغة في تعبيرها عن ألمادة تصبح كيانا لا ماديا أيضا رغم تعالقها التجريدي ألإنفصالي في تعبيرها عن ألاشياء المادية. لا نستطيع فهم الشيء من غير إدراك حسّي لغوي له، كما لا يمكننا فهم لغة لا تعبّر عن شيء يمكن إدراكه ومعرفته. لا يمكننا فهم العالم بصورة سليمة مقبولة عقليا من غير تعبير اللغة عن مدركاتنا لموجودات العالم من حولنا. ألعقل في ماهيته غير البيولوجية هو (لغة) تفكير تعبيري عن المعنى فقط بتعبير قدامى فلاسفة اليونان (لوغوس) خطاب... وفي تعبير ديكارت العقل جوهر ماهيته التفكير.

ومحال أن نجد اللغة موجودا أنطولوجيا ماديا خال من تعالق لغة تجريده معه التي هي تعبير عن إدراكه. اللغة أصوات دلالية منتظمة في التعبير عن المادي ألإدراكي بينما تكون الموجودات المادية ليست لغة تواصل صوتي بل لغة إدراك صامت تفكيري. تموضع اللغة في تكوين الأشياء المادية تبقى لغة تجريد ملازمة لوجود المادة.

أما قضية إمكانية فصل اللغة عن إلإدراك كما يذهب له السفسطائيون والمناطقة من بعدهم فهو وهم فلسفي لا يمكن ألبرهنة على إمكانية تحققه، إذا ما علمنا أن ألإدراك إستبطانيا داخليا أو إدراكا حسّيا خارجيا للأشياء والموجودات هو (لغة) في الحالتين ولا يوجد إدراك من غير لغة تحتويه كفكر تجريدي. لكن في فرق جوهري أن لغة إلإدراك الجوّانية هي لغة صمت فكري أما لغة التعبير الحسّي عن موجودات العالم الخارجي تكون من نوع اللغة التواصلية المجتمعية كلاما أو كتابة.

لا يمكن تعويض ألإدراك المجرّد عن اللغة القيام بمهمة اللغة أوألإستغناء عنها. من حيث أن حقيقة الادراك الحسّي للاشياء في وجودها الانطولوجي هو (لغة) أولا وأخيرا، ولا توجد آلية تحقيق إدراك أنطولوجي مفهوم له معنى في ألإستغناء عن تعبير اللغة ألصوري ألتجريدي ألذي يحمله ألإدراك. إدراك الشيء هو لغة صامتة إستبطانية تحمل معها الفكر، وبغير هذه الآلية لا يتوفر للعقل تحقيق إدراكات لأشياء ذات معنى. وفي حال إنتقالنا الى مرحلة متقدمة أن إدراك ألاشياء خارجيا هو إدراك حسّي مصدره الحواس، فهل تستطيع الحواس مع إلإدراك إيصال إلإحساسات الى الجهاز العصبي والمنظومة العقلية على وفق آلية ألإستغناء عن اللغة في إدراك موجودات الانطولوجيا الموزّعة على الاشياء؟ الجواب المباشر كلا من حيث ألإحساسات هي ترجمة لغوية مستمّدة من الحواس، وألإحساسات التي تربط ما تدركه الحواس بالجهاز العصبي تكون هي أيضا لغة صورية تجريدية منتظمة وليست تداعيات من ألإحساسات ألعشوائية التي تفتقد حمولتها النظامية في المعنى المطلوب الدال من غير نسق وبنية لغوية تنتظمها.

اللغة والفكر

رغم أني عالجت هذه العلاقة التي تربط الفكر باللغة في مرات عديدة توزّعتها كتاباتي ومقالاتي العديدة إلا أنني إرتأيت تثبيت ومناقشة إقتباس جدير بالتوقف عنده مفاده  كانط والمثالية الألمانية لا تهتم باللغة، وأنما بالفكر، وقد جاء هذا التعبير الكانطي في كتابه الشهير الموسوم (نقد العقل المحض) " فهو يعتبر علاقة اللغة بالفكر علاقة إعتباطية وبالتالي لا يمكن ألإستناد الى إستنتاج الشروط ألضرورية التي يمكن أن يكون هناك للفكر موضوعا فيها."1

أمام هذه المقولة المنسوبة لكانط نضع التعقيبات التوضيحية التالية :

- لا يمكن ألجزم القاطع أن علاقة الفكر بأللغة علاقة إعتباطية غير منتظمة، فألفكر تفكير لغوي تجريدي بموضوع مادي أو خيالي، ولا يمكن تأكيد إعتباطية التفكير أنه بلا معنى لعدم إمكانية اللغة التعبير خارج الخلاص من الفرضية التي تذهب الى أن علاقة ترابطية الفكر باللغة إعتباطية غير منتظمة لا يعوّل عليها في إستنتاج شروط ضرورية يمكن من خلالها تأكيد أن هناك للفكر موضوعاته المسّتقلة عن اللغة حسب عبارة كانط.

-  الفكر هو تفكير العقل المتقدّم بألأسبقية على لغة التعبير، عليه لا يمتلك الفكر موضوعاته المجردة من تعبير اللغة عنها. وإذا إفترضنا إعتباطية الفكر حالة تلازم الإدراك والتفكير العقلي، فإن اللغة لا تتأثر بهذه الصفة كون اللغة لا تعمل في فراغ إعتباطي غير منتظم إدراكيا لمواضيعها التي هي مواضيع تفكير العقل بها، كما لا تعمل اللغة خارج التعبير عن معنى متحقق قصديا بألفكر سلفا بمعزل عنها.

- اللغة لا يمكن إدراكها عندما لا تكون دلالة إدراكية مستمدة من شيء موجود واقعي سابق عليها. أو موضوعا إستنفد تفكير العقل به وأعطى ردود الافعال ألإنعكاسية ألإستجابية عنه. ويحتاج إفصاح اللغة التعبيرعنه خارجيا. ألإدراك لا يكتفي بألفكر المجرد عن لغته كون ألادراك هو تفكير لغوي لا يمكن فصل الفكر عن اللغة فيه.

- الحقيقة التي لا يمكن مجاوزتها بسهولة هي أن الفكر هو إدراك متعيّن بدلالة لغوية تعبّر عن معنى، وكذلك تعبير اللغة هي إدراك متعيّن بدلالة الفكر، ولا يمكننا التعبير عن فكر لا تلازمه بالضرورة لغة تعبير عنه.. نظام التفكير باللغة يطوّع لغة التعبيرالتداولية عنه..وألفكر وألإدراك وألوعي حلقات تجريدية لغوية تحتويها منظومة العقل الإدركية.

- ليس من مهام اللغة التي ترتبط حسب عبارة كانط بعلاقة إعتباطية بالفكر أن تقوم هي تنظيم وتخليص الفكر من ألإعتباطية التي تلازمه. بل تنظيم نسق ألإدراكات الواصلة الى الدماغ تصبح مهمّة تنظيمها تقع على عاتق العقل وليس على عاتق اللغة. فالعقل مضمون تفكيري واللغة وسيلته في التعبير عن تلك المضامين.. اللغة تعبير إكتسب محتواه من مرجعية تفكير العقل ولا تمتلك اللغة إمكانية تنظيم مدركات العقل بمعزل عن العقل نفسه.

ما هو الفكر بيولوجيا؟

يقّسم بعض الفلاسفة الفكر بأعتباره خاصية إنسانوية يتفرد بها الانسان الى عنصرين هما ميزتين تطبعان الفكر من ناحية خاصّيته الانسانية، الاولى هي مضمون الفكر، والثانية هي نشاط الفكر نفسه.2 من ألأمور التي نفهم بها خاصية الفكر التعبيرية من خلال تعالقه البيولوجي بكل من ألعقل من جهة، وإرتباطه بتعبير اللغة من جهة أخرى. رغم حقيقتهما أنهما علاقة واحدة لا يمكن الفصل بينهما. فالفكر كمضمون هو نتاج حصيلة تفكيرية يبتدعها العقل تفكيرا تجديديا بموضوع، وهذا النوع من التفكير العقلي هو (ملكة) إنفرادية يحوزها العقل البشري. وألصّفة الثانية الملازمة للفكر أنه نوع من الفعالية الحيوية الديناميكية، بمعنى الفكر هو خاصية تفكيرية قصدية ملزمة التعبير عن نفسها باللغة، يعني الفكر هو سلوك إجرائي معرفي بالحياة لا يتسّم بالحيادية. يطرح بعض الفلاسفة سؤالا غريبا بضوء علاقة الفكر المزدوجة بين العقل بيولوجيا وبين لغة التعبير عنه تجريديا " هل من الممكن التفكير من دون لغة؟ أم نتقبّل الحقيقة التي تقول أنه بدون الفكر لا توجد لغة؟ ومن خلال الفلسفة وعلم النفس تم التوصل الى فكرتين، الأولى تذهب الى أن الفكر الحقيقي غير لغوي وهذه المقولة تبنّاها هنري برجسون . والثانية أن الفكر هو لغة ليس إلا " 3

للتعقيب حول هذه التساؤلات ألإلتباسية ألجدالية:

- لا يمكن التفكير بدون لغة صورية، ليس فقط بتسليم ألإستناد الى حقيقة الفكر هو لغة إدراكية تفكيرية صامتة، بل إذا جاز لنا فصل الفكر عن اللغة بإعتبار الفكر هو إدراك صامت، فيكون معنا تفكير ألإدراك بمواضيعه لا يقوم على غير علائقية ترابطية بين ألإدراك الفكري باللغة، ولا يمكننا التفكير المنّظم في معنى عن شيء من دون لغة تصّورية. ألإدراك الحسّي هو صمت لغوي من التفكير لا يخرج عن إستحالة تفكيره وإستيعابه إحساسات ألاشياء والتعبير عنها كمدركات حسّية بغيرتعبيرات اللغة تجريديا عنها.

- الشيء الثاني في عدم إمكانية فصل اللغة عن الفكر لا بالتفكير ألإدراكي العقلي الصامت ولا بالتفكير اللغوي المنطوق أو المكتوب. يأتي من كون ألإدراك هو تفكير عقلي معبّر عنه باللغة. بمعنى اللغة هي أفصاح وتعبير لإدراك العقل في موضوع له معنى.

- حين يعتبر برجسون أن الفكر الحقيقي هو غير لغوي نفهم منه هو لا يقصد آلية التفكير التي هي آلية لغوية بإمتياز لا يمكن العبور من فوقها وتجاوزها، فالفكر حقيقته القصدية بالمعنى تؤخذ من لغة تعبيره عن الاشياء . والفكر من دون وعاء لغوي يستوعبه لا يتحقق من غير شكل اللغة التي تحتويه. أما كيف يكون الفكر أكثر مصداقية حقيقية من اللغة حسب عبارة برجسون، فتمريرها الحذرالمشكوك به أنما يأتي من إعتباره ألإدراك العقلي للاشياء يمتلك لغة تجانس ألإدراك الحقيقي في صمت التفكير وليس في تعبير اللغة ألإفصاحية الخارجية عن المعنى المضموني للإدراك. لذا فالفكر هو لغة لا أكثر وما يتعالق بالفكر مثل الوعي والذهن والذاكرة جميعها تفكير لغوي موزّع في أشكال من التجليّات ألتعبيرية المتنوعة إدراكيا كتجريدات مصدرها العقل.

- كما أن ألذين يرون للفكر طبيعة تختلف عن طبيعة المادة فهذا لا يغير من حقيقة الفكر ولا من حقيقة اللغة أنهما تجريدان غير ماديان ولا حسّيان، وطبيعتهما التجريدية تختلف عن طبيعة المادة كموجود متعيّن أنطولوجيا أمر مفروغ منه ولا يتقبّل التداخل بينهما، فألفكر الذي يعبّر عن المادة لا يصبح في لغة التعبير تموضعا غير تجريدي بالمادة ويصبح جزءا ماديا تكوينيا منها بل يبقى الفكر تجريدا لغويا تصوريا عن المادة...كما هو تجريد اللغة في تعبيرها عن الموجودات بألعالم الخارجي. وليس هناك من قيمة جادة تحملها مقولة برجسون (كل تعبير لغوي هو تشويه للفكر). هذا التعبير يناقض مقبولية القول أن اللغة قدرة إستيعابية محدودة في التعبير لا تستطيع الإفصاح الكامل عن محتوى الفكر.وإلا تكون عبارة برجسون تقفل أمامنا حقيقة أن تكون طبيعة أفكارنا هي تحقق لغوي وبغير ذلك لا يبقى تشويها للفكر لا نجده في تعبير اللغة عنه.

يتبع في ج2

 

علي محمد اليوسف /الموصل

....................

الهوامش :

1- فلسفة اللغة /سيليفان اورو، جاك ديشان، ت: بسام بركة ص 307/

2- نفسه ص 307.

3- نفسه ص 306

 

 

محمود محمد عليمما تختص به تعاليم الدين الإسلامي صفة الشمول والاستقصاء، سواء فيما تدلي به من الحقائق عن الكون نشأة مصيرا وتدبيرا، أو فيما تتناول فيه حياة الإنسان اعتقادا وسلوكا .

وقد كان لهذه الصفة أثرها العلمي العميق علي الفكر الإسلامي عامة ؛ والفكر الكلامي خاصة، حيث قد تطبع بوحي من التعاليم الشاملة علي سعة في مناحي النظر وشمول في مواضيعه الطبيعية والميتافيزيقية، فأصبح له هذا الشمول خاصية ثقافية مميزة، صارت معها كل موضوعات الفكر مادة له، كما تشهد بذلك مؤلفات أبي الحسن الأشعري (ت:324هـ - 935م)،وأبي بكر الباقلاني (ت: 403هـ - 1013م)، والإمام أبي المعالي الجويني (ت: 478هـ) والإمام أبو حامد الغزالي (ت: 505هـ)، و" فخر الدين الرازي (ت : 606هـ)، و" سيف الدين الآمدي (ت : 631هـ) و، والبيضاوي (ت : 685هـ) وعضد الدين الإيجي (ت : 756هـ)  وغيرهم من أعلام الأشاعرة.

إلا أنه محافظة علي صفاء الحقائق الدينية، كما جاءت بها تعاليم الوحي خدمة للغرض الديني الأسمى الذي هو صلاح العباد بتلك الحقائق، فقد تطبع الفكر الأشعري إلي جانب ذلك الشمول في التوجه علي صفة من الاحتراز والنقد لإسقاط ما عسي أن يسيئ إلي حقائق الدين مما أنتجه العقل .

فجاء التراث الإسلامي تسير فيه جنبا إلي جنب النزعة النقدية المتأنية بالاحتراز والنزعة التقريرية الواسعة المتأنية بالمشول . بهذه العقلية الشاملة الناقدة اتجه الأشاعرة منذ مطلع القرن الرابع الهجري إلي علوم الأوائل متخذين منها ما يساعد علي تحقيق الغرض الديني ويرد منها ما يؤدي إلي الحيلولة دونه .

ولما كان فلاسفة المسلمين في ذلك العهد، تغلب عليهم الثقافة اليونانية، فقد امتد الفكر الأشعري إلي هذا العلم بالدراسة بعد ترجمته إلي اللسان العربي في حركة الترجمة الشهيرة في العهد الأول من الحكم العباسي هذا من ناحية، وإلي مؤلفات ابن سينا المنطقية من ناحية أخري.

ولئن كانت جولة النقد والتقدير بعد الاطلاع والدراسة، قد شملت جميع أجزاء هذا العلم من منطق وطبيعيات وإلهيات، فإنها لم تبلغ من الأهمية، ولم يقع فيها من اللجاجة في أي جزء منها منه كما كان في الجزء المنطقي.

ولعل السبب في ذلك هو أن المنطق كان ينظر إليه من جانب البعض باعتباره منهجا في التفكير أدي إلي القول بآراء تعارض الدين وتتناقض مع بعض أصوله.

لذلك فقد أسفر التوجه الفكري الناقد للمتكلمين إلي هذا العلم عن تردد في موقفهم العام بين قبوله ورده، مقالاً في مؤلفات خاصة، حالا في سائر مؤلفاتهم، فنشأت من ذلك حركة شارك فيها معظم متكلمي وفقهاء الأشاعرة وتقابل فيها التهجين والنقد مع القبول والتأكيد علي نحو ما نري في كتب أبي حامد الغزالي، وخاصة في " معيار العلم" و " محك النظر" و" القسطاس المستقيم"، وكتب " جلال الدين السيوطي " (ت: 911هـ)، وخاصة " صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام" .

وربما كان اختلاف علماء الكلام في موقفهم من هذا العلم راجعاً إلي التطور الذي طرا علي المذهب الأشعري، وكان هذا التطور قد اتخذ مساراً من شأنه أن يقرب بين وجهات النظر المنطقية التي أخذ بها فلاسفة المسلمين ؛ وبخاصة ابن سينا، وبين وجهات النظر الدينية والعقائدية التي كانت تمثل أساساً للمذهب الأشعري .

وعلي أية حال فإن معظم علماء الكلام أصبحوا ينظرون إلي المنطق نظرة مخالفة عن سابقيهم من أصحابهم، ومن ثم أولوا اهتماما للمنطق، حقق لديهم اقتناعا بصلاحيته وقدرته علي التبليغ إلي الحق وتأثروا به فيما أنتجوه من آراء كلامية وفقهية، إذ أن المنطق كما يقول الغزالي " القانون الذي يميز صحيح الحدود والقياس، عن فاسدهما، فيميز العلم اليقيني كما ليس كذلك، وكأنه الميزان والمعيار للعلوم كلها ".

وحول مشروعية الصلة بين المنطق والدراسات الكلامية أقول : قد لا نجانب الصواب إذا قلنا بأن المدرسة الأشعرية تعتبر من أهم وأشهر المدارس والفرق الكلامية في الإسلام . ويمثل رصيدها العلمي والثقافي الذي خلفه مفكروها وعلماؤها، وأودعوه بطون مؤلفاتهم منذ نشأتها وخلال مراحل تطورها علي مر العصور، قدراً من التراث الفكري الإسلامي بوجه عام، ومن الجانبين الديني والفلسفي لهذا التراث علي وجه الخصوص، ولا تنحصر عظمة هذا القدر في كمه فقط، بل تتجاوزه إلي حيث الكيف والمحتوي . ذلك أن المذهب الأشعري بمضامينه الفكري كان يحظى في كل عصر من عصور التاريخ الإسلامي بدرجة أو بدرجات من النمو والتطور والازدهار بفضل ما توافر له من ظروف وعوامل عديدة ومتنوعة ضمنت لهذا المذهب استمراريته حتي عصورنا هذا رغم أفول كثير من المذاهب استمراريته حتي عصورنا، هذا رغم أفول كثير من المذاهب والفرق الإسلامية التي ظهرت قبل الأشاعرة كالخوارج والجهمية والمعتزلة وغيرهم .

ويمكن القول، بأن ظهور المذهب الأشعري، كان في وقت انتشر فيه المذهب الإعتزالي، ذلك  المذهب الذي انبثق من حلقة " الحسن البصري (ت:110هـ)" السلفية مؤكدا منذ البداية دور العقل في مقابلة النص، من حيث المنهج، ومؤثرا التنزيه الإلهي والوحدانية، ولو علي حساب صفات الكمال الأخرى من الجانب الإلهي ومتشبثاً بفكرة الحرية والاستقلال بالنسبة للجانب الإنساني، تطبيقاً للعدل الإلهي، وقد طغي لديه الاتجاه العقلي المسرف نحو التنزيه والتجريد، بالنسبة للمعتزلة، هو وقوعم في شئ من التغالي في الاعتداد بالعقل (وذلك في نظر الأشاعرة)، والزهادة في النص الديني؛ وعلي الأخص الحديث النبوي الذي سلطوا عليه مقياسا نقديا يناسب الآراء التي ذهبوا إليها .

وفي القرن الثالث الهجري بدأ نجم المعتزلة في الأوائل في الأفول، فقد كان أهل السنة ينظرون إليهم بعين الكراهية، ولقد حملوهم مسئولية الفتن والاختلاف، فضلا عن أن المجتمع الإسلامي قد ضاق ذرعا بتصورهم العقلي الجاف للموضوعات الإلهية، ولم يكن في نظريات المعتزلة ما يشبع العاطفة الدينية  للرجل العادي، ولم يكونوا يأبهون بأن يجيبوا العامة في آرائهم، فقد عاشوا كأي فرقة تستند إلي العقل كأنهم فئة فكرية أو أقلية مثقفة يسودها الاستعلاء الفكري علي تصورات العامة ووجدانهم، بل إن في آراء المعتزلة ما يصدم عواطف الجماهير، ولم يترددوا في إعلان هذه الآراء في المواقف التي تقتضي العاطفة والمشاركة الوجدانية، من حيث الآراء إنكار الشفاعة في الكبائر أو عدم نفع الدعاء أو الاستغفار للميت .

هذا وقد كانت تسود العصر حاجة فكرية ملحة إلي الحلول الوسطي والآراء المعتدلة، وليس أدل علي ذلك من ظهور الإمام " أبي الحسن الأشعري (ت: 324هـ)"، وكان ظهوره علي مسرح الدراسات الكلامية تطوراً هائلاً في المنهج الذي كانت تستخدمه المعتزلة (، وهو منهج الذي اعتمد في جانب كبير منه علي النظر العقلي، من حيث أنهم استخدموا بعض الأقيسة والإلزامات وعمدوا كثيراً إلي ضرب الأمثال واستخلاص الأحكام من المعاني المتضمنة في النصوص.

ونجد أن الأشعري قد جعل هذا المنهج أكثر إحكاما ودقة بتأثره الشعوري أو اللاشعوري بمنهج المعتزلة ؛ وخاصة وأنه كان تلميذا نابهاً من تلاميذ " أبي علي الجبائي المعتزلي (ت: 303هـ)"، وأكثر من ذلك محاولة الأشعري الاستفادة مما ورد في أورجانون أرسطو ؛ وخاصة في " التحليلات الأولي" و " الطوبيقا" و" السوفسطيقا"، وتطبيقه علي الكثير من المشكلات الكلامية.

ويشهد كتاب " الإبانة عن أصول الديانة " بمقدار تأثر الأشعري بالمنطق الأرسطي، فقد أصبح القياس الأرسطي، هو الشكل المقبول للتفكير، كما أن جزءً كبيرا من القواعد المنطقية المختلفة التي تضمنها كتاب " الطوبيقا"، قد طبق علي بعض المشكلات الكلامية .

فلقد تميز الأشعري بموهبة جدلية فائقة، مثل المعتزلة الأوائل، ثم أضاف إليها " طريقة فنية"، لم يعرفها هؤلاء . وقد تلقي فن الحوار والجدل من الفلاسفة المعاصرين له، ومما قرأه في الكتابات الأرسطية ؛ وبخاصة " الاورجانون الأرسطي "، الذي كان قد ترجم بالفعل إلي اللغة العربية، هذا من جانب تأثره بأستاذه " أبي علي الجبائي" من قبل .

والواقع أن المنهج الأرسطي، يبدوا أنه قد أثر تأثيرا بالغاً في الأشعري الذي أصبح " القياس" لديه، هو الصيغة المألوفة في البرهنة.

والمتأمل لكتاب " الإبانة عن أصول الديانة" يجد أن الأشعري يناقش في هذا الكتاب آراء خصومه من المعتزلة بالكثير من النظام والوضوح، وهو يعرضها أولاً باختصار، ثم يعرج بعد ذلك إلي دحضها، ويستعرض كل وجوه المسألة الواحدة، مقدما حول كل نقطة البراهين المضادة، وينتهي بالاختيار بين الإيجاب والنفي، إما حسب النص أو تبعاً لتفرقة جديدة .

كما يحاول الأشعري عن طريق التقسيم والتصنيف أن يقيم شكلا من القياس، وقد أتاحت له الصيغة التالية : "فإن قال – قلت " أن يستقصي كل الفروض الممكنة حول المشكلة التي يتناولها . هذا إلي جانب براعته في تليل اللفظ مسايرا المنهج الذي طبقه أرسطو في دراساته عن المترادفات والجناس ... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

علي محمد اليوسفالمثالية وألمادية

جون لوك معروفة فلسفته النظرية المثالية المتطرفة في الإحتكام لمرجعية الحواس والعقل التجريبي الذي يبدأ بالحس وينتهي بالذهن والدماغ وهما البرهان الوحيد في معرفتنا صحة الترابط والعلاقات داخل التفكير العقلي في فهمنا حقائق الاشياء في وجودها الخارجي. ويعتبر لوك أن (الحقيقة تتضمن إتفاق الافكار وتناسقها بعضها مع البعض الآخر وليس إتفاقها مع واقعة حقيقية خارجية)1.أي ليس هناك رابطة بين الفكر والواقع تعطينا حسما معرفيّا قطعيا بصحة كل حقيقة سواء أكانت حقيقة فردية خيالية منفصلة عن الواقع أو كانت حقيقة واقعية مستقلة تماما عن الفكر.. والمعرفة عند جون لوك خبرة تراكمّية مكتسبة ولا توجد هناك معرفة فطرية يولد الانسان مزوّدا بها، وهذا بطبيعة الحال لا يشمل المورّثات الجينية البايولوجية الخاصة بشفرة جينات كل انسان منفردا.

تلازم الفكر والواقع في المعرفة

بدءا يتوجب التمييز بين أمرين:

اولا إتساق ألأفكار داخل تفكير العقل المجرّد لا يعطيها ضمانة صّحتها التوافقية المتطابقة مع ذاتها، فتطابق الفكر مع الذات داخليا لا يجعل من موضوع تفكيرهما حقيقة صحيحة عن عالم المواضيع وألاشياء. ولا تكون حقيقة الأشياء هو في مطابقة ألأفكار مع حقائق العالم الخارجي المنفصّلة المسّتقلة عن تفكير الذهن. علما أن تفكير الذهن الداخلي ألإستبطاني المجرّد لا يكون إفصاحا فكريا إلا في تعبيره اللغوي بموضوع يلازمه الإدراك به.أو يكون إستجابة إدراكية صامتة لإشباع ردود الأفعال الإنعكاسية التنبيهية التي مصدرها إستثارة غرائزية ترد الدماغ على شكل أحاسيس نابعة من أجهزة الجسم البايولوجية.

 حقائق الاشياء والموجودات في الطبيعة وعالمنا الخارجي لا تكتسب حقيقتها الصائبة بدلالة صّحة بعض الأفكار مع بعضها الآخر في مرجعية الإحتكام للعقل وحده وما ينتج عنه من معرفة نظرية لا علاقة تربطها بوقائع العالم الخارجي الذي يكون الفكر وحده مصدر إدراكه ولا يكون الواقع أكثر من موضوع أدراكي للفكر لا يتداخل مع مدركه التفكيري العقلي بعلاقة ترابطيّة جدلية. بل يتداخل الموضوع مع الفكر بعملية إدراك معرفي منفصل متباين  يدرك الفكر العقلي فيه تجريده عن المادة موضوع الفكر. لا تعرف حقيقة الشيء إلا بدلالة التفيكر العقلي، كما لا تدرك حقيقة الفكر إلا بدلالة تعالقها الجدلي في التعبيراللغوي عن موضوع مدرك.

ثانيا أن حقائق العالم الخارجي من المتعّذر البرهنة على صحتها في واقعها المعزول عن حقيقة معرفة الأفكار العقلية المجردة التعبير عنها . إلا بعد دخول تصّورات الفكر بعلاقة جدلية تخارجية مع موجودات العالم الخارجي كي ينتج لنا حقيقة معرفية يكون الإتساق الفكري النظري متطابقا فيها متداخلا جدليا مع حقيقة الأشياء في وجودها الخارجي الواقعي. وبغير هذه الآلية الجدلية تبقى حقائق الفكر معزولة عن حقائق الواقع المستقلة غير مبرّهن على أنها تحمل صفة الحقيقة في إنعزالها عن مرجعية حقائق العالم الخارجي المادية المستقلة في وجودها. حقيقة الشيء واقعيا لا تعرف بغير حقيقة التعبير ألإدراكي الفكري عنه. وحقيقة الفكر لا معنى له من غير دلالة إدراكه الواقع.

كذلك من جهة أخرى فأن حقائق الواقع الخارجي من غير تداخلها الجدلي مع الأفكار العقلية المتسّقة صحّتها مع بعضها البعض تبقى مواضيع غير مبرّهن على صدقها من زيفها بغير دلالة الواقع وليس دلالة الفكر المجرّد في التعبيرعنها. والفكر من غير موضوع مادي أو خيالي يتمّثله إدراكا عقليا يكون لا معنى له ويتعذر حصوله مادة في التفكير...كذلك أشياء الواقع في موجوداتها بالعالم الخارجي مستقلة تبقى لا قيمة حقيقية لها من غير تناولها حسّيا إدراكيا ذهنيّا بالفكر واللغة.

الحقيقة المعرفية لا تكون متاحة بمجرّد أنها تعبّر عن موجود واقعي في العالم الخارجي من غير إدراك التفكير العقلي بها القائم على تجربة برهانية تؤكد تطابق الفكرة مع دلالتها الواقعية، وكذا المعرفة الذهنية تبقى تجريدا خادعا بإنفصالها عن جدل الواقع معها. صحيح جدا أن تفكير الذهن الداخلي يتعامل مع إدراكه موجودات العالم الخارجي بألافكار المجردة التصورية في تمثلاتها الواقع. لكن الأهم هو أن الأفكار المجرّدة لا تعطينا حقائق الموجودات على الارض بمجرد إدراكها...موجودات الواقع هي مصدر الافكار وتفكير العقل المنهجي بها يعطيها حقيقتها الصادقة من حقيقتها الزائفة الكاذبة. الواقع هو مصدر تفكير العقل لكن تمّثلات العقل للواقع هي تخليق مضاف جديد مغاير للموجودات الواقعية المدركة خارجيا ولا يخلق الفكر مواضيع إدراكه ذاتيا، فمواضيع إدراك التفكير العقلي إما أن يكون مصدرها واقع العالم الخارجي وموجوداته، أو يكون مصدرها الخيال الفكري الذي تكون الذاكرة مصدره.

جون لوك والمعرفة

النظرة الفلسفية المثالية الذاتية التي يحملها جون لوك حول معرفة الحقيقة هي منهج تجريبي فكري ينكر على الواقع أن يكون له دورا في تشكيل معارفنا عن حقائق الاشياء فكل شيء مادي في عالمنا الخارجي ندركه بالفكر التجريدي داخل المخ. وفي غياب هذا الإدراك الفكري لموجودات الواقع وعالمنا الخارجي ليس ثمة عالم خارجي موجود.هذا الفهم هو موجز الفهم الخاطيء في فلسفة جون لوك وبيركلي وهيوم وغيرهم من فلاسفة المثالية.

والمنهج التجريبي المثالي الذي يعتمده لوك أن الافكار لا تلتقي الواقع الا عن طريق إدراك موجوداته حسّيا ثم معالجتها بالفكر المجرد وحده وليس بدلالة ماهية وصفات الموجودات الواقعية التي يتناولها الفكر تجريدا فلسفيا فكريا من غير ما تداخله معها في علاقة جدلية متخارجة.. بل كل شيء يدركه الفكر التجريدي حسّيا يكون بهذا الفكر الإدراكي يتحقق وجوده في عالم الأشياء.. وما لا يدركه الفكر تجريدا حسيّا لا وجود حقيقي له في عالم الاشياء الخارجي. .

معرفة صواب حقيقة الشيء عند جون لوك تقوم على إتساق الافكار بعضها مع بعض بالذهن داخليا فقط بمعزل عن وجود الشيء خارجه. وما لا يدركه الذهن لا وجود له. وليس مهما مرجعية معارفنا الذهنية الفكرية المجردة  تكون في معرفتنا الموجودات الواقعية المستقلة بالعالم الخارجي. فمرجعية أفكار الذهن هي أفكار العقل ذاته. كما ليس مهما أن نسعى الى مطابقة صحة الأفكار العقلية بدلالة بعضها مع البعض الآخر مع حقائق الاشياء في العالم الخارجي ومحاولتنا ربط إستقلالية الفكر مع إستقلالية موجودات العالم الخارجي التي لا وجود واقعي لها إلا بضوء ما يظهره لنا الفكر مجردا ونلتزم به عبر ما تنقله لنا الحواس فقط بصرف النظر عن حقيقة الحواس خادعة لا تنقل موجودات الاشياء على حقيقتها، ولا يؤخذ بما تنقله من إحساسات أنها صحيحة وليست زائفة..

ولا يشير جون لوك الى أحتمالية أن يكون ما ينتجه الفكرتجريديا عن الاشياء مخطوءا زائفا ولا ما تحمله حقائق الاشياء المادية في الواقع عن معطيات ودلالات خاطئة لا يمكن الإعتماد عليها بما تنقله الحواس، بل نجد لوك ينحاز الى ما يقوله العقل الذهني التفكيري الواصل إليه عبر الحواس تجريبيا صحيحا بالمطلق في إدراكه موجودات وظواهر العالم الخارجي بعيدا عن إرتباط جدلية الفكر بالموضوع ليس في تفريق الأسبقية بينهما بل في تفاعل ألتاثير وألتأثر. وبهذا التفسير يكون الفكر وحده هو الذي يخلق حقائقه على الارض ولا يخلق الواقع حقائقه في الذهن والتفكيرألمجرد. وموجودات الواقع التي لا تدركها الحواس ويعالجها الفكر ذهنيا تصبح لا موجودة ولا أهمية لإدراكها جدليا بتعالقها مع الفكر.

بألتاكيد يضعنا جون لوك في مرجحة فكرية قلقة أمام حقيقة إذا ما وجدنا أفكارنا المتسقة ذهنيا مع بعضها داخليا البعيدة عن أية صلة تربطها بحقائق العالم الموضوعي هي ليست صحيحة وتمثل واحدة من شطحات التفكير غير المتزّن. ثم إلغاء لوك أهمية المجانسة الذهنية مع حقائق موجودات الخارج الواقعية لا يمنحنا حقائق الاشياء. فما يذهب له تفكير الذهن المجرد يمّثل حقائق الارض وليست حقائق الارض تفرز صواب أو زيف حقائق التفكير بها..من ألصحيح أننا لا نمتلك وسيلة لإدراكنا موضوعات العالم الخارجي غير لغة التجريد اللغوي التصورية في تمثّلاتنا لها، لكن يبقى إدراك وجود الشيء هو غير معرفته الحقيقية.

أليس من الإحتمال الوارد الكبير أن افكارنا المتسّقة معرفيا مع بعضها البعض كاذبة وزائفة.؟ إنفصال الفكر عن الواقع لا يمنحه تفويضا أنه صحيح بدلالة محاكمة مرجعية التفكير الذهني للعقل وحده بمعزل عن عالم الاشياء الخارجية.. ثم ألا يكون إحتمالا كبيرا أن تكون أخطاءنا بالتفكير المجرد يقودنا الى أخطاء بعيدة عن حقائق الواقع والحياة؟ وبذلك يكون تجريد الفكر غير الجدلي مع الواقع لا قيمة حقيقية له؟ لأنه معدوم الدلالة التوكيدية في البرهنة على صّحته ألمعيارية.

إنه لمن الجدير التأكيد عليه أن حقائق الواقع هي التي تصنع التفكير الذهني المجرّد الذي لا يقدرهو بدوره تصنيع حقائقه المادية على أرض الواقع...فالواقع موجود مستقل قبل إدراكه الحسّي وقبل إدراك التعبير اللغوي الذهني عنه.

حقائق العالم الخارجي هي أيضا تؤكد صحتها وتفرز حقائقها عن زيفها في مرجعية الإحتكام للعقل في تجريده التعبير عنها. وموجودات العالم الخارجي كمدركات وجودية مستقلة لا تمتلك حقائقها الذاتية بنفسها إلا في تعالق تفكير الفكر جدليا بها. كل موجود مستقل في عالم الاشياء يكون هو مصدر الفكر لكن ليس بمستطاع الفكر خلق حقائقه الأرضية بمعزل عن إدراكها واقعيا مسّتقلة الوجود قبل إدراكها.

أمام هذا التضاد المنهجي الابستمولوجي يصبح معنا التشكيك المشروع السليم أنه لا حقائق الفكر لوحدها تجدي نفعا في معرفتنا حقائق العالم الخارجي، ولا حقائق العالم الخارجي تعطينا كفالة ضمان أنها حقائق لا تتعارض صدقيتها مع أفكار العقل التجريدية والتجريبية التي تقوم على الجدل وليس على التسليم القاطع أن الفكر لايلتقي المادة في معرفة الحقيقة الشيئية له. وبهذا الإنفصال التعسّفي لا نفهم الاشياء على حقيقتها بدلالة الفكر المجرد المعبّر عنها، كما لا نستطيع فهم الاشياء في واقعها المستقل عن تفكير العقل. كل معرفة حقيقية مكتسبة عن الاشياء بواقعيتها الإدراكية السليمة المستقلة هي كانت مبتدأ بداية إكتساب المعرفة ، بدليل أن الفكر في تفكيره بألاشياء وفي التعبير عنها يكون مصدره إكتساب الخبرة والمعرفة من موجودات العالم الخارجي المستمدة من الواقع. التجريد الفكري هو في كل الاحوال تعبير عن معارف مكتسبة سابقة مصدرها الواقع ليس في ثباته فقط وإنما في تغيراته وتطوراته المستمرة، ويصبح العكس إعتبار أن الفكر يقوم بتصنيع حقائق الواقع رأي لا يكتسب أدنى صدقية معرفية. فمثلا حين نعمل وفق بديهة رياضية هندسية أن المثلث يتألف من ثلاثة أضلاع وثلاث زوايا مجموعها 180 درجة، وهي حقيقة علمية مسّلم بها ولا يمكن دحضها بعد آلاف السنين، لكن التساؤل هل الفكر إستمد معرفة المثلث وصفاته بالفكر التجريدي أم بسابقة مادية معرفية أكسبت الفكر حقيقة علمية ما هو المثلث منذ عصر فيثاغورس وربما قبله، وهل المثلث أبتداع فكري آني جديد أم هو نتاج مادي تم تصنيعه وإختراعه ميدانيا وليس نظريا فقط قبل أن يصبح حقيقة علمية بديهية متوارثة علميا لا تحتاج البرهان عليها بمرور الزمن؟.

التفكير النسقي المنّظم والمنطقي المجرد الذي يتم داخل الفكر لا يكفي معرفة حقائق العالم الخارجي بدلالة براهين العقل المجردة بدون خلفية معرفية مادية سابقة عليها أعطت الوجود المادي صفة مصدر الأفكار بنفس وقت الواقع يستجيب لنتائج تلك الأفكار في معالجة الذهن لها. بمعنى جدل الفكر مع الواقع يعمل ليس فقط على إدراك كلا منهما علميا بل بإعتبار الجدل التخارجي بين الفكر والواقع يمنحهما تطورهما التلازمي معا. وكل بمواصفاته الخاصة بدلالة أحدهما على الآخر في تعالقه الإدراكي العقلي.

الفهم المثالي لصواب الافكار

يدعم اسبينوزا في تطرف مثالي تفكير ديكارت المنهجي في محاولتيهما إرضاء الكل على حساب طمس وتضييع فرق الصائب عن الزائف، في مثل تعبيرات ديكارت السطحية قوله " تكون ألافكار الواضحة والمتميزة صادقة. إذا ما كانت واضحة ومتميزة، بخلاف الافكار الغامضة فهي غير كافية أو كاذبة)2 .

لا يمكن الركون الى صواب صحة الإستدلال في فرزنا الأفكار صادقها مع زائفها بدلالة الوضوح والغموض في التعبير اللغوي، فمعيارية هذا الفرز لا يقوم على وضوح لغة التفكير من غموضها في التعبير عن مواضيعها المدركة. بل فرز الصواب عن الخطأ يتم بدلالة مخرجات التفكير العقلي في تعبير اللغة عن الأشياء المدركة. التفكير خاصية عقلية تجريدية وتعبير اللغة وسيلة توصيل تفكير العقل. بمعنى نقص وعدم وضوح تعبير اللغة عن الافكار منشؤه الدماغ والذهن.

وعلى نفس منهج ديكارت المثالي يعمد سبينوزا في حكمه على صدق الأفكار بمرجعية الإحتكام لله. قوله (معرفة الله هي الأكثر يقينا في كل ما لدينا من معارف، وما عداها من حيث أنها ممكنة نستمدها من معرفتنا الله، أو يمكن على الاقل أن ننظر إليها على ضوء معرفتنا بالله.)3 وهذا نفس المنطلق الذي أرساه بيركلي بعدهما.

هنا لا نريد أن نذهب بعيدا في وهم حقيقة أن سبينوزا الفيلسوف الكبير لا يفرق بين الافكار وبين الأخلاق عن غير قصدية مسبقة. فهو يعتبر الافكار هو ما يحتويه اللاهوت الديني من مواعظ ورقية لا رصيد لها في التطبيق وهذا ليس مجال التفصيل به. لكن هنا علينا محاكمة صحة الافكار بما يقوله العلم والتجارب المعرفية وليس ما يقوله اللاهوت من مواعظ أخلاقية لا رصيد لها على أرض الواقع والتطبيق.. أفكار تعبيرنا عن الحياة في مناحيها كافة، لا يغني عنها دلالة صحتها بمرجعية الإيمان الديني بأفكار الاخلاق. الأخلاق ليست هي كل أفكار الحياة التي نتعامل بها. رغم بديهة التسليم أن كل فكر يحتوي أخلاقه الانسانية يكون مقبولا لكن لا يكون ما يحمله من أخلاق مستمدة من الدين تجعله صحيحا بألمطلق يمكننا تطبيق أخلاقيته في كل مجالات الحياة.

أسبينوزا في عباراته السابقة يتماهى مع فلسفة باسكال وبيركلي في محاكمتهم إدراك الوجود ألانطولوجي بأكمله بمنطق اللاهوت الايماني الديني فما يعجز عنه الإدراك ولا تستطيعه اللغة والافكار نجد حلوله جاهزة فيما يقوله اللاهوت المستمد من وحي الله به. فالأخلاق التي تعلو منزلة الافكار المعرفية يكون قبول رفضها أو صحتها هو بالتعالق السببي لها مع الإيمان الديني. لكن الأكثر أهمية هو إستحالة تطبيق مانجده  صحيحا بأخلاق الدين يكون بالضرورة الحتمية صادقا صحيحا منطبقا على أفكار الحياة خارج أفكار الإيمان الديني.. بمعنى لا يمتلك الانسان ضميرا أخلاقيا بمعزل عن الإيمان الديني كما يريده سبينوزا وبيركلي.كما يؤكد جون لوك أن الاخلاق المنطقية تقوم على وجود الله، وأنكار ذلك سيقوض جميع الالتزامات الخلقية والمدنية.

لكنما السؤال المحرج الذي يبقى بلا جواب كيف يستطيع من لا  يمتلك إيمانا دينيا تمييز أفكار وأخلاق الصح من الخطأ بغياب مرجعية اللاهوت في دلالة الإيمان الديني المنهج الوحيد في إدراكنا الوجود؟ وما هو معيار الصح والخطأ في تفكير الانسان وفي أخلاقه خارج الايمان الديني؟ هل نعاملها بمنهج الوضوح والغموض التي يقول به ديكارت أم يبقى تعطيل العقل عن التفكيرالعلمي بالإجابة هو الحل؟ ما لم يتم التسليم مقدما بالإحتكام الى مرجعية الايمان الديني قبل العلم وقبل الوضوح اللغوي الديكارتي؟

هل من المعقول تصديق فرضية سبينوزا أنه يحاكم صّحة وصواب الافكار بمقياس مقارنة زيفها بالإيمان الديني معتبرا الأخلاق هي أساس صحة الأفكار في كل مناحي الحياة بدلالة لاهوت الاديان.؟ سبينوزا في التماهي مع النزعة الايمانية الديكارتية القائمة على فوبيا الخروج عما كان سائدا في هيمنة الكنيسة المطلقة الرهيبة التي أرعبت ديكارت في محاكمتها غاليلو وإحراق برونو... ذهب سبينوزا الى الازدواجية العلمية – الدينية بالفلسفة في إعتباره أخلاق الدين هي مصدر ومرجعية كل صواب تفكير ناجح وصائب بالحياة... وبذلك جعل اسبينوزا ميتافيزيقا الايمان هي جوهرالاخلاق وسلامة الافكارفي مختلف مناحي الحياة معا... سبينوزا كفيلسوف كبير لا يمكن أن يقع بعدم إقراره أن أخلاق الانسان كفكر وسلوك تطورت أنثروبولوجيا تاريخيا رغم ما شابه من عصور همجية إلا أن سلوك الانسان المؤنسن بالتعايش مع الانسان من نوعه كان سابقا على ظهور أخلاق الاديان الوثنية والتوحيدية الذي رافق إختراع الانسان الكتابة والتدوين ثلاثة الاف سنة قبل الميلاد... أخلاق الحياة الانسانية سابقة على أخلاقيات الاديان وسابقة على أنها مستمدة من الدين... وبعدما فقدت الإديان الكثير من مرتكزاتها التاريخية اللاهوتية على رأسها (معجزات) الانبياء التي بدأت الشكوك الجادة تطال نكرانها ولا عقلانيتها ، لم يتبق أمام الاديان غير المتاجرة بأخلاق السماء المتعالية جدا على أخلاق رجال الدين الكاذبة على الارض. ماذا يعلل أصحاب نظرية منشأ الأخلاق هو الدين كيف يكون شعب مثل اليابانيين 80% لا يؤمنون بدين وهم في قمّة الأخلاق الانسانية ومثلها الصين والسويد ودول إسكندنافية عديدة.

من الصحيح الذي لا جدال فيه أن الاخلاق في مرتكزها الايمان الديني تعلو جميع المفاهيم النظرية الأخلاقية الفلسفية وفي علم الاجتماع وعلم النفس الفطرية منها والمكتسبة التي تتماشى مع التطابق المفهومي الأخلاقي الديني. وبغير ذلك يمكننا إعتبار انثروبولوجيا وجود الانسان الى ما قبل ظهور الأديان الوثنية والتوحيدية، كان بلا أخلاق انسانية لا فطرية ولا مكتسبة من تجارب الحياة مهما كانت بسيطة.

الأخلاق فطرة غريزية غير جينية موروثة كان يحملها الانسان بهذا التعبير أو ذاك قبل ظهور الاديان في حياة الانسان. التي لا أحد يفكر اليوم أنها في جوهرها التطبيقي الصحيح لا تعطي الانسان المكانة الرفيعة التي أرادها الخالق له على الارض. ولا من المنطقي إنكار حقيقة العديد من عباقرة العلوم في جميع تخصصات المعرفة انجزوا أعمالا خالدة أفادت البشرية بما لا يمكن حصره، ولم ينكروا اولويات هرم الاخلاق هي تلك المستمّدة من الدين التي لها دور كبير في تماسك المجتمع، لكن لا يعني هذا أن من لم يأخذ بأخلاق الدين كان فاقدا الضمير الاخلاقي الرادع عن كل ما هو خارج الأخلاق الانسانية العليا السامية.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.............................

الهوامش:

1- وليم رايت/ تاريخ الفلسفة/ صفحات 116، 171

 

 

اسعد شريف الامارةهي رحلة البحث في النفس عن البناء وتكوين اسس الشخصية التي نستدل على مكوناتها من خلال ما يصدر عنها من سلوك، حيث قال علماء النفس أن السلوك هو تكوين فرضي، بمعنى أننا نستدل على ما هو متكون في دواخلنا من أبنية نفسية وفكرية تخرج للعلن من خلال تصرفاتنا وما يصدر عنا، سنحاول في السطور القادمة كيف تم بناء هذا التكوين، أقصد به التكوين النفسي، أو التكوين الفكري، سأحاول التطرق من خلال التساؤل التالي: هل هو بناء سوي أم هو بناء  مرضي، قوي صلب أم ضعيف هش، لنا رحلة نفسية في البحث عن الأبنية التي تشكلت.

حينما نتناول مفهوم البناء النفسي للإنسان حتمًا سنستعرض خلفية تشمل الصحة والمرض، السواء واللاسواء، على وفق اسس فلسفة النفس، هنا أعني بها مفهوم الديالكتيك الذي يعد هو لب أسس البناء النفسي. أن تناولنا لمصطلح " العصاب" أي الاضطراب النفسي والذي هو يشير إلى حالات مرضية ذات أصول نفسية أعراضها تعبير رمزي لصراع نفسي كما يقول شيخ فلاسفة التحليل النفسي العربي  العلامة"مصطفى زيور" رحمه الله ، هذا البناء  تمتد جذوره إلى مرحلة الطفولة المبكرة من حياة الإنسان، ويعلم من دَرسَ العلوم النفسية المعمقة يعرف تماما أن وظيفة العصاب الأساسية هي أنه يقوم بتسوية بين قطبي الصراع، أي بين الرغبة والدفاع، بين اللذة والألم، ويقول "لاجاش" كل سلوك يرجع في أصله إلى حالة توتر مؤلم ويهدف إلى الوصول إلى خفض هذا التوتر، مع تجنب الألم وتحصيل اللذة إن أمكن تحصيلها. وذكرنا قبل قليل أن البناء النفسي تمتد جذوره منذ الطفولة المبكرة، ففي هذه السن ينشأ البناء النفسي من خلال صراع نفسي يحسمه الطفل بالاستمتاع بحنان الأم ورعايتها، فهو يموه على الألم الناجم عن زيادة التنبيه وتأخير الإشباع بفعل التفريغ الحركي والنشاط الذي يصدر عنه وأهم ذلك هو التعبير بالصراخ والعراك والحركة الإعتيادية والمفرطة، وهو يهلوس أيضًا أي يعيش الخيال وتكوين مختلف الصور واللعب الإيهامي بين أقرانه مع الاطفال حيث يحقق الإشباع المرغوب، أما عند الراشد الناضج فيلجأ إلى الابتعاد عن ما يسبب الألم ويورثه في تثبيته وإبقاءه في تكوينه النفسي من خلال اللجوء إلى أحلام اليقظة وأحلام النوم، ويقول علماء النفس النوم يسمح باسترجاع حياة نفسية شبيهة بما كانت عليه معرفة الواقع، لا سيما أن الواقع هو المحك للإشباع بلا ألم لجميع الرغبات حتى المجنونة منها" غير العقلانية"، وبطبيعة الحال فإن الكبت هو الذي يدلنا على إختلال صلة الفرد بالواقع والرغبات غير المتحققة لدى المرضى وحتى الأسوياء. إننا نفطن خلال مرحلة البناء النفسي لدى الإنسان السوي والإنسان الذي بدأ يميل نحو الإضطراب النفسي من إحلال مبدأ الواقع محل مبدأ اللذة في ارتقاء الوظائف النفسية الشعورية واللاشعورية للتوافق مع الواقع، هنا تدخل وظائف الإنتباه وشدته والحساسية الإدراكية وتكونها والذاكرة وقدرتها على الخزن لكل الصور التي تمر بحياة الفرد خلال تلك المرحلة ليكون التثبيت Fixation   أما قويا أو خفيفا سطحيا، وتؤكد أدبيات علم النفس التحليلي يتمتع الفكر الإنساني بصفات تتيح للجهاز النفسي أن يتحمل زيادة في التوتر أثناء تأجيل عملية التفريغ، أما إذا أستطاع أن يقلل من الطاقة من خلال تفضيل نمط من النشاط النفسي ومنه الخيال عند البالغ والطفل، وأحلام اليقظة عند البالغ والذي سنراه في سلوكه عند النضج ومرحلة البلوغ في إختيار المهنة التي تناسب تكوينه النفسي الأساس، فمن ظل خاضعًا لمبدأ اللذة سيتبناه وهو كبير وناضج في مرحلة مقتبل العمر.

أن البناء النفسي للإنسان تتدخل فيه عوامل التربية كثيرًا فمن نشأ في أسرة دينية تدعو إلى العزوف عن اللذة في هذه الحياة بما تعد به من تعويض في الآخرة، سينهج الفرد منهج أسرته ويكون بناءه النفسي دينيا وحسب تعمقه ومدى قوة الصراع الذي سيحسمه حتما، لأنه لا يوجد صراع دائم، الصراع الدائم ينهك الإنسان وسيؤدي به إلى اختلال النفس في نهاية المطاف. أما في صورة الفن الذي يعصف في بناء البعض نفسيا فهو نمط فريد في نوعه في التوفيق بين المبدأين فالفنان يتحول عن مبدأ الواقع إلى المتوهم، إلى الخيال لكنه يعود إلى الواقع من خلال أعماله وما يصدر عنه من نتاج فكري وفني يحقق له الإشباع ويحقق للناس اللذة التي كانت السبب في ألم الكاتب، أو الفنان، أو من يقوم بإنتاج فكري عميق يترك الأثر في أجيال، وهو ما عبر عنه عالم النفس الفرنسي "هنري فالون" بأنه تعاطف معذب. وكذلك الحال في البناء النفسي  لدى الرياضي والإنسان العادي وأسس تكوينه النفسي والفكري، ونلاحظ أن السوية "الصحة" بحدها الفاصل بين اللاسواء" المرض النفسي" تقف على خط واحد يفصلها وقد يتسائل القارئ الكريم كيف يكون هذا الفصل بين السوية والمرض؟ نقول له أن الإنسان يعيش في مرحلة من مراحل عمره الأولى الخيال وعدم إدراك الزمان والمكان ومحدودية معرفة الآخرين عدا المحيطين به من الاهل ولكن بمرور السنوات والنمو الجسدي والعقلي والفكري والنضج سيدرك كل ما ذكرنا، ولكن يختلف الإنسان غير السوي" المضطرب نفسيًا" عن السوي بأنه أنزلق من اللبس في الزمان والمكان والأشخاص حيث يصدر عنه اختلاط بين عالم الأخيلة وعالم الواقع، بمعنى أدق .. إن عالم الأخيلة أصبح واقعًا نفسيًا فرض صفاته على الواقع الفعلي فزيفه كما يقول "مصطفى زيور".

إن الخبرة الإنفعالية التي يتركها الفرد في داخله تقوده حتما إلى تكوينه النفسي في مراحل بناءه النفسي الأولى، في سنواته الأولى، تقود هذه الخبرة الإنفعالية لدى البعض منا نحن البشر إلى اضطراب في اختبار الواقع وقدرته على الحكم السوي، أي التمييز بين الواقع النفسي والواقع الفعلي، بين الرغبة واللذة مقابل الدفاع والواقع ، فمن تشكل تكوينه النفسي أن يؤمن بالسحر وفعل السحرة وتأثير الحسد وقوة ضرب العين وفعلها، يبحث عن تعويذة لتحفظه من العين والحسد فهو يؤمن بالخيال الذي يكافئ الواقع، والنية التي تساوي الفعل. وهذه أعراض وسواسية قهرية تلازم من يؤمن بها ويعتقد بها  مدى الحياة،  ولكنه لا يستطيع أن يجابه خبايا ذاته وإن عرفها وأكتشفها. وعلى هذا يقول "لاجاش" إن ما تُدركهُ من البيئة ليس ما ينصاع لرغباتنا، بقدر ما هو ذاك الذي يمتنع عليها، فالإدراك ليس جزئيًا فحسب، وإنما هو متحيز من حيث أنه يصوغ الواقع على أنه تضاد – الرغبة.

 

د. اسعد الامارة

 

حاتم حميد محسنالفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط وُلد عام 1724 وتوفي عام 1804. كتاباته الفلسفية اثّرت في الناس ليس فقط في اوربا وانما في كل العالم. لاحقا وبعد عدة قرون، لاتزال أعماله تشكل مرجعية اساسية في مختلف الدراسات التي جرت في العالم الحديث. كتاباته أدخلت بعداً جديدا في الدين والقانون والتاريخ. ومن بين العديد من أعماله كان "ميتافيزيقا الاخلاق". رؤيته للاخلاق تتجسد في قاعدة الاخلاق الإلزامية المطلقة التي تقترح ان الأفعال يجب ان يكون بالإمكان تصنيفها عالميا اما أخلاقية او غير أخلاقية .

اما بالنسبة الى جون ستيوارت مل فقد كان فيلسوفا بريطانيا وُلد عام 1806 ومات عام 1873. هو ساهم ايضا بقوة في تطوير الرؤى الفلسفية التي استمرت تؤثر في مختلف مظاهر الحقول كالسوسيولوجي والسياسة والاقتصاد. ومن بين العديد من انجازاته كانت نظرية النفعية التي توضح الأخلاق. يجادل مل ان الفائدة او القيمة الأخلاقية للفعل تتقرر حسب المنفعة منه (المتعة او القناعة المشتقة من نتيجة الفعل). يبدو ان مل كأنه يقترح ان عواطفنا ورغباتنا تشكل الأساس الذي بموجبه نحكم على أخلاقنا. فمثلا، اذا كان قول الكذب لشخص آخر يضمن تحقيق الرغبة بالعيش بانسجام مع الناس الآخرين، فان فعل الكذب هذا سيُعتبر أخلاقيا، مسترشدا بتلك الرغبة. بالمقابل، في جدال كانط في ميتافيزيقا الاخلاق، هو يرى هذا كنقص في المعايير لأنه يعني المساومة او القبول بالكذب، والذي هو حسب رأيه يجب ان يُعمم كشيء غير أخلاقي سواء كانت ام لم تكن هناك متعة مشتقة منه. هذه الرؤية تشكل الأساس للمقارنة بين مل وكانط .

دور الرغبات والعواطف

طبقا لكانط، الرغبات والعواطف ليست هامة في خياراتنا للتمسك بالاخلاق او رفضها . هو يرى ان الاخلاق هي مسألة إحساس فطري عام بالواجب بصرف النظر عما يشعر به المرء اثناء الوقت الذي دُعي به لذلك الواجب. كانط يقول لا يوجد شيء يمكن اعتباره جيدا بعيدا عن الرغبة الخيرة والتي هي البوصلة الاخلاقية التي تكون دائما هي الموجّه في البحث عن الخير. هو يقول ان الافعال المسترشدة بالاخلاق هي ليست للبحث عن المكافأة وانما لإنجاز الواجب الذي هو الاحساس الباطني بالصحيح والخطأ، سواء كانت هناك قناعة ومتعة ام لم تكن، وسواء كانت رغباتنا اُشبعت ام لم تُشبع، وعواطفنا هدأت ام لم تهدأ. في رؤيته، الاخلاق هي متفوقة على العواطف والرغبات. نظريته تحمل الكثير من اتجاه الاخلاق الفاضلة او اخلاق الواجب المرتكزة على الشخصية .

في مبدأ المنفعة، يشعر مل بقوة ان السعادة والمتعة التي تُشتق من نتائج الفعل يجب ان تكون دائما المرشد في عمل الأشياء. فمثلا، في السعي نحو السعادة، اذا كانت نتيجة الفعل انه يترك عدد كبير من الناس يشعرون بالرضا عندئذ فان نوع الفعل لايهم حقا، ما يهم هو انه يجلب السعادة والانسجام. هذا ما يُعرف بحسابات المتعة التي تتميز بقواعد ورموز حول ما يُفترض عمله في كل مناسبة من أجل إسعاد اكبر عدد من الناس. في رؤيته، ان الرغبات والعواطف متفوقة على الأخلاق. وهكذا طبقا لمل، الاخلاقي هو نسبي يرتكز على رغبات وعواطف المرء وان المنفعة المشتقة من الفعل تعتمد على كثافة الفعل ومدته، وعلى تأكيده او نقصه. ولكي يؤكد نظرته، يقتبس مل من سقراط القول "من الأحسن ان تكون انسانا غير مقتنع بدلا من ان تكون خنزير مقتنع"وهو هنا يشتق مختلف مستويات المتعة من مختلف الأفعال.

يبدو ان مل يقترح ان الرغبات والعواطف يجب ان توضع فوق العقل. وفي مثال ورد في كتابه، لو ان التحرش بولد صغير ووحيد ينتج سعادة مقابل السعادة الناتجة عن الفضائل، عندئذ فان التحرش يُعد مبررا. نظريته كأنها تقترح ان الناس لا يجب اعتبارهم مسؤولين عن افعالهم، لكن عواطفهم يجب ان تجعلهم مسؤولين. العواطف والعقل لا يتعايشان، لذلك، طالما الافعال تسترشد بالعواطف، فان الناس لا يجب ان يُعتبروا مسؤولين عن عواطفهم لأنه من الشائع جدا ان يتصرف الناس من عواطفهم اكثر مما يتصرفون انطلاقا من عقولهم. فمثلا، من المألوف ان نسمع الناس يقولون "انهم غيرقادرين على منع انفسهم من الشعور بالطريقة التي تصرفوا بها حول ذلك الشيء".

التشابه بين كانط ومل

أحد اوجه التشابه بين الفيلسوفين هي انهما كلاهما يتفقان على ان الاخلاق هي دائما تتحفز بشيء ما، انها ليست مجرد ان تحدث فقط. هما يختلفان حول القوة الدافعة وراء الاخلاق، واذا كان مل يشعر ان الاخلاق دائما حول الرضا، كانط يشعر انها دائما حول الواجب نحو الانسانية وهو الفرق الاساسي بين الاثنين.

اذا كان كانط يدعو لإعتبار الوعي هو القوة الدافعة للأخلاق في كل الاوقات، نجد مل يدعو لكي تكون الاخلاق مندفعة بقوة الظروف والمواقف والتي لا يجب ان ترتكز على العقل او عوامل الادراك. كانط يدعم فكرة ان الواجب نحو الانسانية هو اكثر اهمية من اشتقاق السعادة من الأفعال. مل يدعم فكرة ان رضا الرغبة والعواطف اكثر أهمية من الواجب نحو الانسانية. اذا كان مل يعتبر العواطف القوة المحركة للانسان نحو الجيد او السيء، نجد كانط لايعتبر العواطف ويقول انها ليس لها مكان في الايمان بما هو خير او سيء. مل هو أنوي بمعنى يعيش للزمان والظرف الذي هو فيه، بينما كانط اكثر عقلانية كونه يتمدد نحو المستقبل ليرى قيمة عملنا الآن في المستقبل .

أي الفيلسوفين اكثر اقناعا؟

ربما كانط هو الفيلسوف الاكثر اقناعا. هذا بسبب انه في توضيحه لأساس الاخلاق، هو يقول ان الاخلاق يجب ان تكون عالمية وهذا يشكل اساسا جيدا للحكم على ما هو صحيح او خطأ. كيف نستطيع الحكم على من يرتكب فعلا خاطئا كشيء جيد او سيء اخلاقيا لو أخضعنا الفعل الخاطئ للعواطف والرغبات بحثاً عن الرضا؟ اذا كان هذا هو الاساس الذي نُحكم بموجبه على افعالنا الخاطئة عندئذ كل شخص سيذهب بلا عقوبة لأن اولئك المخطئين لو اشتقوا المتعة من عمل أي شيء خاطئ، عندئذ ليس لدينا سبب للحكم عليهم او معاقبتهم لأنهم حسب وجهة نظرهم لم يفعلوا أي شيء خطأ، هم فقط يبحثون عن المتعة والرضا. وبالنهاية لا وجود لعقوبة قانونية تعاقب من يمتلك العواطف.

 

حاتم حميد محسن

 

 

من السمات الجمالية في الدين وأسراره، -ولا سيَّما الإسلاميَّ- هو تنوعه المعرفي، وتعدد أبعاد الرؤية فيه. فتطويق الدين في بعد معين مهما كانت قيمته، سيشطب مخزونات جمالية، لها القدرة على استيعاب المفارقات والتحديات التي يعيشها الإنسان. فمن زاوية فلسفية إلى أخرى كلامية، وثالثة بيانية، ورابعة قرآنية، وخامسة تاريخية، وأخيرًا عرفانية روحية. فالعقل الذي يتشكل على أساس ضفيرة من المعارف والمناهج، قدرته على فهم خصوصيات الفكر الديني ومنطلقاته، ستكون أعلى من غيره، بل وتفكيكه للبناءات المعرفية أدق. وهذه احد القضايا التي شغلت تفكير العديد من المفكرين والباحثين في قضية تجديد الفكر الإسلامي، فقد دعوا إلى فتح دائرة تواصل المعارف والعلوم على جدلية التخادم، وضرورة إزالة أغشية التزمت والقراءة الأحادية، أو العلم الأحادي.

في توصيف الدين يتم التركيز غالبًا على مفهوم النظام والنسق أي على البعد الجمعي للدين؛ فيهتم الفلاسفة ورجال اللاهوت بمسائل "العقائد" و"الوجود" بوصفها انساقًا معرفيةً أو بوصفها قضايا إيمانية، ويكون تركيز " الفقهاء" بصفة خاصة على الدين بوصفه نسقًا من الأوامر والنواهي، وعلى أساس طاعة "الأوامر" واجتناب " النواهي" أما علماء الاجتماع والانثربولوجي فيهتمون بالدين بوصفه ظاهرة اجتماعية إنسانية. أما الدين بوصفه تجربة "روحية" ذاتية فهو التصور الذي يمثل "بؤرة " اهتمام كل الروحانيين في كل الأديان والثقافات." (1)

ومن الظواهر الملفتة- معرفيًا- في العقود الأخيرة هو استدعاء الدراسات المعاصرة المتأثرة بالحداثة لرموز العرفان والتصوف كمحي الدين بن عربي، أو جلال الدين الرومي أو ابن الفارض وسحبهم من دائرة التهميش إلى فضاء المتن أو المركز. فهذا الدكتور نصر حامد أبو زيد في إطار مشروعه التأويلي يستحضر ابن عربي في سياقه الإسلاميّ، ليقدمه بوصفه بانورما الفكر الإسلامي، وهمزة الوصل بين التراث الإسلامي والتراث العالمي. وعندما نفتش عن بواعث هذا الاستحضار الأندلسي وماذا يمكن أن يقدمه لنا ونحن في القرن الواحد والعشرين نجده يعلل ذلك بأمور،(2) وهي:

أولًا: ان استدعاء ابن عربي يمكن أن يمثّل مصدرًا للإلهام في عالمنا الذي تتراكم مشكلات الحياة فيه. فالتجربة الروحية هي مصدر التجربة الفنية والأدبية، وهي الإطار الجامع للدين والإبداع. هذه أهمية استحضار ابن عربي في السياق العام. أما استحضاره في السياق الإسلامي، فمهمّ، وذلك بسبب سيطرة بعض الاتجاهات والأفكار والرؤى السلفية على مجمل الخطاب الإسلامي في السنوات الأخيرة. كما أن فكر ابن عربي يقدّم للقارئ غير المسلم صورة أخرى لروحانية الإسلام، وإسهاماته في التراث الإنساني.

ثانيًا: ترجع أهمية فكر ابن عربي إلى ما يمثله من نضج في الفكر الإسلامي في مجالاته العديدة: الفقه، اللاهوت، الفلسفة، التفسير، الحديث، علوم اللغة.. من هذه الزاوية تكشف دراسته في السياق الإسلامي عن "بانوروما" الفكر الإسلاميَّ في القرنين السادس والسابع الهجريين.

وهكذا نجد رواد "التنوير" الإيراني كعبد الكريم سروش، والشيخ محمد مجتهد الشبستري، ومصطفى ملكيان، إذ تلمح الاستخدامات الأدبية والجمالية العرفانية لجلال الدين الرومي واضحة بارزة في دراساتهم حول الوحي وحقيقته أو التعددية الدينية أو لغة الدين وهويّة الفهم وغيرها.

فهذا الدكتور عبد الكريم سروش يقدم مجمل قراءاته ومطالعاته وبيانه على لمسات عرفانية، غزيرة ومكثفة، ومنها نظريته في تفسير ظاهرة الوحي وحقيقة القرآن، والتي أسندها في إيضاح المعاني وتفتيحها على مقولات جلال الدين الرومي في المثنوي. فتجده وهو يعالج موضوع الوحي بين الفعل والانفعال يصرح بأن النبي كان له دور محوريّ في خلق القرآن. فالنبي يحس- مثل الشاعر تمامًا- أن قوة خارجية تستحوذ عليه، ولكنه في الواقع يقوم بكل شيء، وان هذا الإلهام ينبثق من (نفس) النبي ونفس كل شخص إلهية، إِلَّا أن النبي نفسه قد اتحدت مع الله، وهنا يأتي استحضار جلال الدين الرومي لتكشيف هذا المعنى الموهم للتناقضات، فيقول في أبيات شعرية مفادها: " إن اتحاد النبي مع الله مثل صبّ مياه المحيط في الدوق." ولتدليل على دور النبي في القرآن، وان لشخصيته وحالاته المتغيَّرة، وأوقاته السعيدة والعصيبة منعكسة في القرآن، يورد مقولة المولوي التي يقول فيها: " القرآن مرآة ذهن النبي" بل ويذهب إلى أبعد من ذلك، مستشهدًا بمقولة المولوي التي يرى فيها: " إن تعدد الزوجات إنما أجيز في القرآن، لأن النبي كان يحبّ النساء، ولهذا السبب أباح لأتباعه الزواج من أربعة نساء."

وعندما أشكل الشيخ جعفر سبحاني عليه في كثرة استحضار جلال الدين الرومي على حساب النص القرآني، ردّ سروش قائلًا: " من دواعي سروري أن أجدكم متفقين معي في أن الاستشهاد بأشعار مولوي استشهاد بتجارب وحكم له باع طويل وراسخ في العرفان الإسلامي، وأن الاستشهاد بشعره لا يعني الاستعانة بالشعر بما هو شعر، هذا مع أن المولوي في ديوانه المثنوي ناظم، وليس شاعرًا، ورجائي من الشيخ السبحاني أن يقرأ هذا السفر الشريف بدقة، وأن لا يكتفي ببعض الكلمات المشهورة عنه، فيكون انتقائيًا في أحكامه."(3)

أما الشيخ مجتهد الشبستري، وهو يعالج دور الدين في حياة الإنسان وتوقّعات الإنسان منه، ولا سيَّما في كتابه (الفهم البشري للدين) نجده يبلور قناعاته على رفض فكرة شمول الدين لتمام الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ليطرح في قبالها تاريخيّة الدين، بمعنى أن النظم والأحكام والتشريعات الإسلاميَّة، لم تكن سوى محاولة عقلانيّة من النبيّ والنصّ، لتنظيم حركة الحياة في ذلك العصر. ومن ثَّم، فكل هذا الفقه تاريخي. وان التغذية الدينية تقتصر في الأبعاد الروحية المعنوية القيمية، ولهذا تجد في كتابات شبستري التصريح بخلود الدين المعنوي، وفي الوقت نفسه إنكار مفهوم خلود الشريعة بالمعنى السائد لها.

لا جَرَم أن دراسة هذا الموضوع واستشهاداته الأدبية ليس بالأمر الهين، فمناطق الاشتغال فيها متعددة ومتداخلة، إِلَّا أننا سنضع ومضة نقارب من خلالها ما تلمسناه من استحضار عرفاني، أو تطويق لدائرة الدين في البعد المعنوي. فمن يقرأ مجمل الخطاب المتأثر بالحداثة، وما بعدها، يجده قد نظر إلى نجاحات التجربة الغربية، ودقق في عناصر النجاح ومقوماته، ومناطق الضعف فيها، وعندما أدرك أن هذا النجاح يعوزه البعد المعنوي الروحي، منح هذا العنصر للدين وركز عليه، بوصفه مكون الافتقار في التجربة الغربية، أو تجربة الإنسان المعاصر. نعم هذه الرؤية لا تعد نهائية أو حاسمة لمجمل خطابات الحداثة، إِلَّا انّه من المحتمل رجحانها عند محاولة فهم هذا الاستحضار الغزير في التغذية الدينيّة. وتستطيع تلمس هذا المعنى في عبارات نصر حامد أبو زيد، إذ يقول: " لقد حققت الحداثة إنجازاتها في شكل تقدم تكنولوجي مذهل، وصل إلى تحويل العالم الفسيح الممتد إلى فضاء مترابط الأجزاء، ولكن بفضل ذا التقدم نفسه وما حققه من وحدة العالم أمكن للتناقضات أن تنكشف وتظهر، بين الأغنياء والفقراء من جهة، وبين المستغِلين والمستَغَلين من جهة أخرى."(4)

وكما لا يخفى ما للخطاب السلفي ومدّعياته في امتلاك الحقيقة الدينيّة دون سواه من أثر في هذا الاستحضار، مما ولد حالة من الشوق للتفتيش والبحث عن همزة للوصل بين التراث والواقع، من دون اصطدام. وهذا المعنى متوفر في الخزين الروحي دون غيره من منظومات الدين.

بقي أن نتساءل: هل يمكن للدين اليوم أن يساعد على رتق الفتق وردم الهوّة وتَفتيت الاغتراب دون أن يضحّي بالفقه والقانون الشرعيّ؟ يرى البعض إمكانية ذلك من خلال الآتي(5):

أولًا: إعادة موضعة الشريعة ضمن منظومة الدين، وقراءتها بطريقة تلقي عن النص لباس التاريخ لاكتشاف روح المعنى اللاتاريخي فيه. ووقف تضخم الفقه وابتلاعه لسائر الجوانب الدينيّة الأخرى.

ثانيًا: إحياء معنويّة) الحبّ والتسليم (ويعنى بها صناعة التدين القائم على عشق الله تعالى، وفي الوقت عينه التلسليم له، ولكن هذا التسليم هنا ليس استلابًا في وعي المؤمن العارف، بل هو إحساس الفرد بتكامله الحقيقي في ظلّ الاندماج مع الوحدة المطلقة لله تعالى..  وعودة الكثرة إلى هذه الوحدة، فهذا الاندماج يحقق الرضا والطمأنينة بالقضاء التكويني والتشريعي لله سبحانه، وهو اندماج مستبطن في مفهوم (الإسلام) الذي ركز عليه القرآن الكريم.

 

الباحثة: سُميَّة إبراهيم الجنابيَّ

ماجستير/ كلية العلوم الإسلاميّة- جامعة بابل.

.................................

(1) ينظر: نصر حامد أبو زيد، هكذا تكلم ابن عربي، الناشر: مؤمنون بلا حدود- بيروت، الطبعة الأولى- 2017م 24.

(2) ينظر: نصر حامد أبو زيد، هكذا تكلم ابن عربي، 26- 29.

(3) د. عبد الكريم سروش وآخرون، الوحي والظاهرة القرآنية، الناشر: دار الانتشار العربي- بيروت، الطبعة الأولى،85- 86.

(4) هكذا تكلم ابن عربي، 17.

(5) الشيخ حيدر حب الله، شمول الشريعة، الناشر: دار روافد- بيروت، الطبعة الأولى – 2018م،679.

 

 

علي محمد اليوسف(أن يقول عقلنا شيئا خطأ عندما نعتبر العقل مجردا من الحالات الظاهرية والقصدية)... ريتشارد رورتي

بدءا من برينتانو وصولا لهوسرل وهيدجر وسارتر أقطاب الفلسفة الوجودية ممن هاجموا بضراوة النزعة المثالية التي حملها ديكارت في الكوجيتو الذي أعتبروه منطلقا فلسفيا سلبيا في تحقيق الوجود الإنفرادي بتوسيله الفكر الخالي من قصدية الوعي، وذهبوا الى أن الإدراك العقلي في وعيه الأشياء والموجودات لا يدركها بمجّانية خالية من الهدف القصدي الذي لا يقف بحدود توكيد الذات وجوديا فقط . بمعنى العقل لا يدرك ما لا معنى له من الموضوعات التي هي غير حقيقية زائفة أن تكون مادة تفكير الوعي بها. ولا أهمية تستتبع عدم إدراك الوعي تفكيره في موضوع بلا معنى. الإدراك الحسّي للأشياء يستبق الوعي في متابعته قصدية ما يدركه العقل.

تجريد العقل من وعيه القصدي يعني فرض إستحالة إدراكية حقيقية على العقل نفسه كان أشار لها جون سيرل الفيلسوف الاميريكي أيضا تأكيده الوعي بلا قصدية ما يدركه هو وعي زائف لا يتحقق إدراكا وظيفيا بالذهن. وقصورالوعي العقلي الإدراكي التجريدي من قصديته معنى ذلك إنتفاء فعل ألإدراك من خاصيته العقلية لماذا ندرك الاشياء وليس كيف ندركها.؟

الإدراك العقلي للأشياء لايكتفي ويتوقف وعيه لمدركات  ألاشياء فقط، وإنما يتعدى هذا الإدراك الوعي الى مرحلة التخارج الديالكتيكي المؤثر والمتأثر الناتج عن عملية الإدراك التخارجية الذي هو القصدية من الإدراك للاشياء وليس كيف يدرك العقل تلك الاشياء. العقل لا يدرك العالم الخارجي لمجرد تحقيق وجوده فيه، بل يدركه في محاولة تغييره والتداخل الجدلي معه.

رورتي وكينونة الانسان:

 يقسّم رورتي الكينونة الى ثلاثة فعاليات بيولوجية يقوم بها الانسان في وجوده كائنا حيّا نوعي هي:

- الوعي ومركزه الدماغ والمشاعر الخام والحركات الجسدية.1

- العقل الذي تدور حوله مواضيع المعرفة والذكاء واللغة.2

-  الشخص في صفاته المنسوبة للحرية والمسؤولية الاخلاقية.3

بضوء هذا التقسيم يطرح ريتشارد رورتي تساؤلات إشكالية فلسفية صعبة مثل كيف لنا أن نعرف أن أي شيء عقلي يمثل شيئا ما ليس عقليا؟ وتساؤله ألآخر أيضا هل الوعي تعبير عن أحداث العالم الخارجي؟ في محاولتنا الإجابة عن تساؤل رورتي كيف لنا أن نميز بين شيء عقلي، يمكن إدراكه هو لا شيئ عقلي في حقيقته الإدراكية؟  تساؤل يلغي بديهية التمييز بين إدراك عقلي واحد منقسم على نفسه ومتشّظ الى إدراك حقيقي طبيعي سوّي ، نخلع عليه بضوء عبارة رورتي صفة الشك أنه ليس إدراكا حقيقيا غير زائف بذات الوقت الذي يكون العقل خدعنا   بإدراكه ما ليس حقيقيا ولا يمّثل شيئا يتقبّله العقل.

هنا إذا قلنا أن الادراك الزائف هو إدراك لعدم (لاشيء) موجود نكون أوقعنا أنفسنا في محذور لا يغتفر هو أننا تغافلنا عن حقيقة العقل أنه لا يدرك لاشيئا خارج الجسم ولا شيئا في داخله، وسبب ذلك هو حقيقة العدم لاشيء يمكن إدراكه...

فالعدم هو لاشيء قبل عدم إدراكه وبعد عدم إدراكه. كون العدم حسب سارتر يركب ظهر كل موجود بقصدية الإفناء الحتمي له، لكن من المحال إدراك العدم موضوعا مستقلا لإدراك العقل لا يلازمه وجود لموجود. بمعنى ألعدم يحدس بدلالة ملازمته لموجود.كل شيء يدركه العقل إدراكا حقيقيا يقينيا يمّثل إدراكا لشيء غير زائف، وحقيقة الشيء بالنسبة لإدراك العقل له لا يحددها وجود الشيء المدرك في أنطولوجيته الفيزيائية في عالم الموجودات، وإنما تحددها حقيقة (نوع) الإدراك العقلي لذلك الشيء.

التشكيك بالعقل الإدراكي لا يكون واردا مقبولا حين يكون موضوع إدراكه زائفا غير حقيقي وهنا يكون العقل في حل من مسؤوليته عن زيف مدركاته أنها وردت عنه زائفة ولا وجود حقيقي لها في الواقع. مثال ذلك عدم أدراك المريض الانفصامي حقيقة الوجود في عالمنا السوي الذي نعيشه ولا يقع في هذه الحال زيف الإدراك ألمريض هنا على موجودات العالم في عدم أدراكها الصحيح من قبل المريض ألإنفصامي، بل المسؤولية تقع على زيف وهم وعي وأدراك العصابي المريض للعالم الخارجي بصورة خاطئة.

التساؤل الثاني الذي أوردناه على لسان رورتي هل الوعي تعبير عن أحداث العالم الخارجي؟ طبعا الجواب ألقطعي بالنفي، فالوعي وحدة منظومية متكاملة من عملية الإدراك ألعقلي الذي يمّثله تعبير الفكر واللغة التجريدي عن الاشياء والموجودات، لذا الوعي لا يمكن تجزئته الى وعي خارجي وإلى وعي داخلي حتى وإن كانت هذه التجزئة حقيقية قائمة في وحدة عملية الإدراك التي من المحال تجزئتها في تكامل الوعي لكن يمكننا تجزئة الإدراك حسب الطبيعة الانطولوجية للموجودات في عالم الاشياء. في طبيعة وجود موجودات الاشياء في وجودها الواقعي أنها هي مجزأة مسبقا في إدراكها العقلي الحسّي الواحد ولا يترتب على ذلك تجزئة الوعي الإدراكي الواحد ذاته. حقيقة الإدراك تنفرز مصداقيتها ليس بالنسبة الى معيارية زمن ومكان موجودات مدركات الوعي بها في وجودها كمواضيع مادية خارجية أو أنها مواضيع خيالات إدراكية مصدرها ألذاكرة لا تمتلك حضورا فيزيائيا في عالم الاشياء. تجزئة وحدة الإدراك الى إدراك خارجي في معرفة الاشياء، وإدراك باطني داخلي في إدراك عوالم مخيّلة الذاكرة والخيال ومواضيع الإحاسيس الإستبطانية التي تصدرها أجهزة الجسم على شكل رغبات وأيعازات يرسلها الدماغ بضرورة ما يريده الانسان في إشباع تلك الرغبات الغريزية مثل إحساس الانسان بالجوع أو العطش أو حاجة الافراغ أوحاجة تلبية إشباع حاجته الجنسية وهكذا.

ولا يعني هذا قابلية الوعي التجزئة الى وعي خارجي وآخر داخلي كما هو ماثل في تجزئة مواضيع وأشياء إدراكات الخيال.. الوعي وحدة كليّة من الإدراكات التي تتوزّعها الموجودات في إستقلاليتها. وبالوقت الذي يكون الإدراك فيه واحدا لا يمكن تجزئته الإدراكية فإنما تكون وحدة الوعي في ملازمته ضرورة أن كل مدركات الوعي من مواضيع وموجودات مجزأة وليست موحدة.

يشير رورتي أيضا الى تساؤل مفتعل ورد على شكل توضيح قوله " نمّيز بين الكائنات ذات العقول (الانسان) تقابلها الكائنات الفيزيائية التي لا تمتلك العقل مثل الجسد، المادة، والجهاز العصبي المركزي"4

طبعا إذا تماشينا مع حقيقة المادة والكائنات الفيزيائية لا تمتلك عقلا وهو توصيف صحيح فهذا لاينطبق لا على أي جسد نقصد لا يمتلك عقلا؟ ولا على أي جهاز عصبي مركزي نقصد لا يمتلك عقلا؟، من الواضح تجريد هذين العضوين البايولوجين الجسد والجهاز العصبي المركزي من العقل يصبح معنا الإصطدام بحقيقة فرضية خاطئة تماما هي أن العقل مشكوك بوجوده أصلا ؟ لماذا؟ لأن هذين العضوين الجسد والجهاز العصبي هما من ملحقات منظومة العقل الإدراكية العضوية التي يتسّيدها العقل وهي ملحقات تابعة له لا معنى لها خارج منظومة العقل الإدراكية، وبتجريدنا الإفتراضي الخاطيء لكل من الجسد والجهاز العصبي من العقل لا يبقى هناك وجود إدراكي منعزل لهما بإستقلالية موجودية لا يمكن تصورها كونها إستحالة إدراكية للعقل.. قبل أن تكون فرضية خاطئة لا قيمة لها.

إزدواجية الإدراك

إزدواجية الإدراك مبحث قديم في الفلسفة، وبرز الإختلاف بمفهوم الإدراك منذ عصر أفلاطون في إدراك عالم المثل، يقابله ارسطو في وجوب الإدراك لعالم الواقع والطبيعة والموجودات. فما هو مدرك واقعيا لا يحتاج الى برهان حقيقته في وجود غير مدرك بالذهن، لعالم لا يخضع لسطوة مدركات الحواس والعقل.

وبضوء هذا نجد تشكيك رورتي في قدرة العقل الإدراكية ليست مستمدة من واقع الإدراك الحسّي للعقل، وليس واقع الإدراك الذي يقوم على اللاموضوع سواء في الواقع أو في الخيال. فالعقل حين يخدعنا بزيف ما تنقله لنا الحواس، هذا لا يجعل إعتبارنا التشكيك بزيف إدراك العقل حقيقي واقعي، فظاهرة (السراب) التي تنقلها لنا الحواس في زيفها لا ينسحب عليه زيف الإدراك العقلي الطاريء لها، فالسراب كظاهرة فيزيائية زائفة في ظهورها أصلا إنما هي تخدع حاسة البصر ولا تخدع إدراك العقل لها. جون لوك إستنادا الى مقولة ديكارت العقل جوهر ماهيته التفكير، وجوهر التفكير الوجود، إعتبر ما يكون موضوعا لفهم العقل هو فكرة تستمد حقيقتها من مصدر إدراك العقل لها كواقعة ممكنة الوجود.

ديفيد هيوم والادراكات

يذهب ديفيد هيوم ألى أن الإدراكات المتعاقبة وحدها هي التي تخالف الذهن.

ثمة العديد من التعقيبات التي تلزمنا بها هذه العبارة نوردها:

- الإدراكات التعاقبية هي تداعيات أللاشعور المتعاقبة المتسارعة بسرعة هائلة لا يستطيع الذهن تخزينها كإدراكات وتراكم خبرة معرفية نفهم بها ومن خلالها موجودات العالم المحيط بنا. من المهم التفريق بين الإدركات الصادرة عن الشعور وبين التداعيات الصادرة عن اللاشعور.

- الإدراكات التعاقبية هي إدراكات الشعور المرتبط بوصاية العقل وليس بوصاية الذهن التعبير عنها. ومركز إستلام ومعالجة الإدراكات التعاقبية هو في منطقة عصبونية خلوية موجودة بقشرة الدماغ تحتوي الملايين من الخلايا العصبية. وكذا مع تداعيات اللاشعور المسؤول عنها خلايا دماغية أخرى غير مسؤولة عن إدركات الشعور.

- يعتبر هيوم الإدراكات تجريدات مادية ناتجة عن الواقع الذي ينكره ديفيد هيوم على حساب أرجحية الافكار على المادة. – بالمناسبة هيوم لا يعترف بشيء يسمى العقل وينكر الوجود المادي للعالم الخارجي الذي لا يخضع لإدراكات الحواس وما لاتدركه الحواس لا وجود له، كما ويرفض هيوم مبدأ السببية ويعتبرها تعالقات مصادفة تصبح مع مرور الزمن عادة نطلق عليها خطأ (السببية) التي لا تحكم علاقات بعض الظواهر وألاشياء -  ثم أن الإدراكات هي إنعكاسات مؤثرات الواقع على إستجاباتنا الإدراكية العقلية عن تلك الإيعازات الحسّية الواصلة للدماغ وليس الواصلة للذهن الذي يقوم هو بالتفكير وتخزينها كتراكم خبرة مكتسبة بالذهن وهذا عين الخطأ الدارج، فما يدركه الدماغ هو الذي يتمكن الذهن من التعبير عنه بوسائط الوعي والفكر واللغة التي هي نشاطات تنفيذ الذهن لإيعازات الدماغ الواصلة له. الذهن لا يفكر ولا ينوب عن العقل وظيفيا بإصداره إيعازات ردود ألافعال وبالتحديد هي من عمل الدماغ وليس خاصية الذهن.

- التساؤل ألهام هو كيف يمكننا التمييز بين إدراك الشيء، وبين تكوين الافكار عن الشيء؟ ومن منطلق التفريق بين هيوم الذي يعتبر الذهن مصدر إنبعاث الافكار نحو مدركات الخارج، وكما يقوم الذهن بإصدار الإحاسيس الواردة عن إيعازات الجسم الغريزية. فالحقيقة البايولوجية في دراسة فيزياء عمل أعضاء الجسم الانساني تشير الى الحقائق التالية:

- الإدراك الخارجي للاشياء ليست خاصية ذهنية مستقلة بل هي خاصية عقلية، وكل إدراك خارجي لاشياء أو إدراك إستبطاني داخلي لأفكار الذاكرة ، هو فعالية دماغية بيولوجية ترتبط بالعقل مباشرة وليست خاصية ذهنية لا يتداخل بألوصاية عليها الدماغ.

- الذهن ليس مصدر تفكير الانسان بلا مرجعية الدماغ له، والذهن عضو في منظومة العقل الإدراكية التي تستلم إيعازات المدركات الخارجية وتنقلها للدماغ ،أي أن وظيفة الذهن الإدراكية لا تختلف عن وظيفة الحواس الناقلة لإنطباعات الإحساسات في مدركاتها موجودات العالم الخارجي، والفرق بينهما أن الذهن ناقل ومستلم ايضا لمقولات العقل الصادرة عن الدماغ،وفي كلتا الحالتين لا يكون الذهن مصدر تفكير الانسان من غير وصاية بايولوجيا عمل القشرة الدماغية والجهاز العصبي ألمرتبط بهما. .

- الإدراكات الواصلة عن طريق الحواس لا يقوم الذهن تخزينها كخبرة قارّة مكتسبة من عالم الخارج، بل بعد فلترة تنظيم الدماغ لمدركات الحواس الواصلة اليه يعطي ردود الافعال الإنعكاسية عليها للذهن، الذي يقوم بدوره بتخليق الوعي بها وتعبير الفكر واللغة عنها. وكل خبرة تكون مكتسبة وتحمل معها حقيقتها التجريبية الصادقة يكون مركز تخزينها الذاكرة وليس الذهن. ربما يتبادر للبعض أن تعابير مثل الذهن، الذاكرة ، الخيال،الوعي، هي مفردات تجريدية في التعبير عن معنى واحد دلاليا. والصحيح رغم ترابط تلك الحلقات الإدراكية الوثيق بمنظومة العقل الإدراكية، فأن لكل واحدة منها دورا تلعبه ضمن منظومة العقل ألإدراكية التي تحتوي أيضا الجهاز العصبي واللاشعور والنفس وهكذا. ولا تمتلك تلك الحلقات في منظومة الإدراك العقلي أية إستقلالية لوحدها.

- تراكم الإشعارات الإدراكية الواصلة للذهن لاتبقى فيه كخبرة تراكمية يختزنها، بل تتجاوزه الى الدماغ أو بالأصح الى القشرة الدماغية صاحبة الاهلية والكفاءة بإعطاء ردود الافعال عنها. وكذا الحال في إستقبال الذهن مقولات الدماغ الراجعة للذهن كردود أفعال، وفي كلتا الحالتين أستقبالات الذهن للإدراكات الواصلة اليه عبر الحواس والجهاز العصبي الناقل، وإستلام الذهن لها ثانية كردود أفعال إنعكاسية مصدرها القشرة الدماغية، كل هذه الوظيفة البايولوجية لا تمنح الذهن أن يكون مصدر بديل ينوب ويعوّض عن خاصية تفكير العقل.

وضوح الافكار والمصداقية

يدعم اسبينوزا مقولة ديكارت "الافكار الواضحة المميزة صادقة، أما الافكار الغامضة فهي غير كافية أو كاذبة "5

لنا التوضيح التالي:

- قبل البت بزيف الأفكار عن صدقيتها علينا التمييز القبلي بين لغة التعبير بوضوح ولغة تعبير اللغة المعقد الغامض. ولا يترتب على الأفكار الواضحة والافكار الغامضة إستنتاج صدقية أو كذب موضوع التعبير عنه بالفكر واللغة. فالوضوح والغموض بالفكر لا يصح معيارا يفرز بين ما هو صادق عن ما هو كاذب. الوضوح والتعقيد بالافكار لا يغير من ماهية الموجود في إستقلاليته بالعالم الخارجي. ومعيارية الصدق والزيف لا نستدل عليها من تعابير الفكر واللغة عنها، بل المعيار هو محاكمة العقل لها وتمحيصها وتدقيقها. أننا نجد أن فيلسوف اللغة فينجشتاين سقط في هذا الابتذال التعبيري حين أكد أن كل ما هو غامض في تعبير اللغة عنه يكون بالنتيجة زائفا لامعنى له لذا يتوجب الصمت عنه، وروّج لهذه الفكرة كلا من جورج مور وراسل قطبي التحليلية الانجليزية بأختلاف معروف بينهما.

- لم تكن فلسفة اللغة والتحول اللغوي وفائض المعنى معروفا متداولا في الفلسفة في القرن السابع عشر عصر ديكارت، لذا نجد اسبينوزا يبني حكمه على صدق أو كذب التعبير عن الشيء خارج معيار الغموض والوضوح باللغة بمرجعية اللجوء الى الله عندما يعجز العقل أن يمنحنا معيار الصدق بالحياة. فيقول " معرفة الله هي المعرفة الاكثر يقينا في كل ما لدينا من معارف، وما عداها من حيث أنها ممكنة نستمدها من معرفتنا الله، أو يمكن على الاقل النظر اليها على ضوء معرفتنا بالله ." 6

هنا يخرج اسبينوزا عن المنهجية التجريبية العقلية عند الفلاسفة السابقين عليه واللاحقين بعده مثل باسكال وبيركلي في محاكمتهما الايمان الديني بالله هو المرجعية الاكثر موثوقية لقبول أو رفض كل شيء لا يتماشى مع هذا التعالق الفلسفي السببي، لكن التساؤل المحرج الذي يبقى بلا جواب،اذا كان الشخص لا يمتلك أيمانا دينيا بالله. فما هو معيار حكمه على صدق الافكار من زيفها؟ هل نعاملها بالوضوح والغموض اللغوي كما زعم ديكارت ومن بعده فينجشتين وجورج مور وبيرتراندراسل، أم يبقى تعطيل العقل في معرفة أفكار مدركاته هو الحل؟

مثالية بيركلي

يعتبر بيركلي الأنا المدركة للاشياء أو الذات مرتكزا محوريا في الموضوعات التي تحيط بالانسان أو بالاحرى بالأنا المنفردة في إدراكها، ويبني على هذا الخطأ خطأ آخر أكبر منه على أنه لا شيء يمكن أن يكون موجودا، الا عندما تكون ذاتا متحققة الوجود، وهي نتيجة لا تلزم أحدا من الواقعيين أو الماديين الأخذ بها. هذه المثالية المفرطة في نكران الوجود من غير مزامنة الذات أصبحت من كلاسيكيات الأخطاء التي جرى تخطئتها في أدانة مثالية فلسفة بيركلي.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.......................

الهوامش:

1- د.امل مبروك /الفلسفة الحديثة ص 103

2- نفسه نفس الصفحة

3- نفسه نفس الصفحة

4- نفسه نفس الصفحة

5- نفسه ص 116

6- نفسه ص 119

 

محمد كريم الساعديلقد قدم الفلاسفة في العالم الإسلامي نظرة عن الوجود والماهية، وهي تختلف عن النظرة الغربية، ولاسيما في المرحلة التي تزامنت مع نشوء الإسلام وقيام أركان دولته وما بعدها، إذ اتجه الفلاسفة في العالمين العربي والإسلامي الى مسألة الوجود وربطها بالإله الواحد، وبدأت مرحلة البحث عن الوجود على وفق هذه المسّلمة، ولكن بطرق وأساليب مختلفة بحسب نوع النظرة الفلسفية والفكر الفلسفي في المدارس الإسلامية المختلفة، علماً بان هذه الطرق الفلسفية استندت في اغلبها الى المصادر الفلسفية اليونانية، ولاسيما ما عرف بالاتجاهين الرئيسين في الفلسفة اليونانية (الأفلاطوني، أو ما أطلق عليه في العالم الإسلامي بالفلسفة الإشراقية)، والثاني (الأرسطي أو ما نسميه بالفلسفة المشائية)، حتى انقسم فلاسفة في العالم الاسلامي الى إشراقي ومشائي، ومن ثم أصبحت النظرة الى الوجود تأخذ احد الاتجاهين .

إن القول بأصالة الوجود، أو أصالة الماهية توزعت بين الفريقين مثلما توزعت المرجعيات الفلسفة اليونانية فيها ايضاً، حتى أصبحت بلاد الغرب الإسلامي ترجع الى فلسفة (أرسطو)، ولاسيما عند (أبن رشد) من خلال ترجمته  (لأرســـطو) ومؤلفاته، إذ إنَّ بلاد الشــرق ترجــــع الى فلـــــسفة (أفلاطـون) ولاسيما مع تبني شيخ الإشراق (السهروردي) لمقولات (أفلاطون) الفلسفية في إثبات أصالة الماهية.

لقد انطلقت فلسفة الأصالة والاعتبار بين الوجود والماهية من أراء كل من (أفلاطون وأرسطو)، فقد سعى (أفلاطون) الى حل إشكالية المعرفة بتقرير عالم المثل وصرف العلم الى الماهية الثابتة، الأصيلة، وعلى الرغم من ذلك، فأن (أرسطو)، هو أول من وضع (الأرغون) في محاولة لضبط عملية التفكير، واستقراء قوانين الفكر الإنساني، يحاول عبر آلته المنطقية، إنزال الفلسفة الى العيان، وجعل القياس سبيلاً من العام الى الخاص، ومن الكلي الذهني الى الجزئي الواقعي، وهكذا كان انتساب (أرسطو) لأصالة الوجود، بل عَدّ من المؤسسين الرئيسيين له .

إن نظرية أصالة الوجود في الفلسفة الإسلامية لم تطلق بشكل صريح وواضح، بل كانت هناك أراء تنادي بها، لكن دون التنظير لها على العكس من أصالة الماهية التي وضع أسسها في الفلسفة الإسلامية ونظر لها بشكل صريح شيخ (الإشراق السهروردي)، مما دعا ذلك الى ظهور فيلسوف آخر في الشرق عمل على إيجاد نظرية فلسفية تقوم على أصالة الوجود، وأسس لها بشكل جلي الفيلسوف (صدر الدين محمد) وموقفه هذا يعد موقفاً نقيضاً لما دأبت علية الفلسفة الإسلامية في الشرق التي كانت تنادي بأصالة الماهية .

إن المصادر التي استقى منها (صدر الدين) فلسفته في الوجود هي: (الفلسفة المشـائية، وتراث المتــكلمين المرتبطة بالمصادر العقائدية، والعرفاء المتصوفة) والمصدر الأخير (العرفاء والمتصوفة) الذين طرحوا فكرة وحدة الوجـــود، إذ طرحت وحدة الوجـــــود وبحثت للمرة الأولى وتمت صياغة أصولها النظرية بشكل تام في تراث الشيخ (محي الدين بن عربي)، ثم أضحت هذه المسألة محوراً لأفكار (جلال الدين الرومي) في كتابه الشهير (المثنوي)، وبعد ذلك من خلال تراث العرفاء عبرت هذه الى البحث الفلسفي عند (صدر الدين) .

تقوم نظرية أصالة الوجود في الفكر العربي والاسلامي على ثلاث مراتب للوجود، سعى الفلاسفة المسلمون الى إثباتها وهذه المراتب الثلاثة هي:

1- أولا: الوجود الحق: هو الوجود المجرد عن جميع الألقاب والأوصاف حتى عن هذا الوصف . وهو أعلى درجة الوجود التي لا يمكن وصفها إلا بأنها أعلى الدرجات ولا حد لها إلا أنها لا حد لها. وهذا الوجود متفق عليه في الفلسفات الإسلامية حتى أن القرآن نص عليه في قوله تعالى:"لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ.

2- الوجود المطلق: وهو عبارة عما لا يكون محصوراً في امر معين محدوداً بحد خاص .وهذا الوجود يقع خارج المحسوسات كما هو الأول، ويختص هذا الوجود بخصوصيات مراتبية غير خارج عن المراتب نفسها.

3- الوجود المقيد: وهو خلاف الوجود المطلق كالإنسان والفلك والنفس والعقل وجود الأعيان والماهيات والإمكانية التي احتاجت الى الحيثية التقييدية والواسطة في العرض، كما احتاجت الى الحيثية التعليلية في حمل الوجود عليها .

وهذا الوجود هو الذي يقع في عالم الإمكان، وهو الموضوع الذي سنركز عليه، وهذا النوع الثالث من الوجود، هو المتمثل في عالم الطبيعة والمحسوسات، ويسمى بالوجود الممكن لإمكان حواس الإنسان من إدركه والتعامل مع معطياته العينية بطرق مباشرة، و يقوم على الحقيقة العينية التي يقابلها العدم، والتي يتألف منها الواقع الخارجي، ويحكي عن تلك الحقيقة العينـية والواقعية الخارجية بمفـهوم الوجود العام البديهي، الذي يعد من المفاهيم الفلسفية. وتكون أصالة هذا الوجود نابعة من وجوده بحد ذاته في الحضور العياني الخارجي، وليس من ماهيته، أو ما يراد من الألفاظ المقرونة به، أي أن الأصالة المقصودة في هذا النوع الثالث من الوجود هي الأصالة الحقيقة العينية، وهي الخارجية التي يترتب عليها الآثار، وليس بأصالة الوجود أصالة المفهوم، ولا أصالة المعنى الحرفي للوجود، لأن المعنى الحرفي، سيكون مرتبطاً بماهيته المرسومة في ذهن المتلقي للشكل الوجودي للموجود.

إن الآثار المترتبة على التكوين الأنطولوجي للموجود، هي التي تعطي الصور الخارجية له، وتشكل هيأته التي تنتقل بالمشاهدة الى صورة ذهنية الى عقل المتلقي، ولذلك يكون لهذه الحقيقة الوجودية ثبوتاً وتحققاً بنفسه، بل الوجود عين الثبوت والتحقق، وان للماهيات – وهي التي يقال في جواب ما هو، وتوجد تارة بوجود خارجي فتظهر آثارها، وتارة بوجود ذهني فلا يترتب عليها الآثار – ثبوتاً وتحققاً بالوجود، لا بنفس ذاتها، وأن كانا متحدين في الخارج، أن المفاهيم الاعتبارية العقلية - وهي التي تنتزع من الخارج، وإنما اعتبرها العقل بنوع من التّعمل لضرورة تضطره الى ذلك، كمفاهيم الوجود والوحدة والعلية ونحو ذلك – أيضا لها ثبوت بثبوت مصاديقها المحكية.

إن للوجود حقيقة عيانية مستقلة بذاتها، وأن الماهية هي أمر يرجع ليس لجوهر الموجود، بل لما يسمى الأمر العارض، وهي مختلفة باختلاف العارض الذي يحمل على وجود الموجود، أي أن أصالة الوجود الممكن حقيقة مستقلة، وأن الماهية هي ليست أصله بل هي مضاف اليه، أو هو زائد عليها، على اعتبار أن لكل موجود أصيل ماهية عارضه على وجوده، وهذا الأخير زائد عليها، فكل وجود ذو ماهية، هو ممكن، وكل ممكن هو زائد الماهية، ومن ثم فالماهية هي من خصائص الوجود الإمكاني لا الواجب.

يقسم الفكر الاسلامي الوجود الممكن الى قسمين رئيسين هما (جوهر وعرض)، أما الجوهر فيقسم الى خمسة أقسام هي المادة والصورة والجسم والنفس والعقل .مستند هذا التقسيم في الحقيقة إستقراء ما قام على وجود البرهان من الجواهر . فالعقل هو: الجوهر المجرد عن المادة ذاتاً وفعلاً . والنفس هي: الجوهر المجرد عن المادة ذاتاً والمتعلق بها فعلاً . والمادة هي: الجوهر الحامل للقوة . والصورة الجسمية هي: الجوهر المفيد لفعلية المادة من حيث الامتدادات الثلاثة . والجسم هو: الجوهر الممتد في جهاته الثلاث.

أما (العرض) فقد قسمه الى تسع مقولات وهي (الكم والكيف وألاين ومتى والوضع والجدة و الإضافة وان يفعل وان ينفعل)، وهذا ما اتفق عليه المشاؤون مستندين في ذلك على إستقراء الأعراض . ويقسم الكم في أقسامه الأولية: الى الكم المتصل: وهو ما يمكن أن يفرض فيه أجزاء بينهما حد مشترك، والكم المنفصل: وهو ما كان بخلاف المتصل. أما الكيف فقد قسمها الى أربعة أقسام، الأولى: الكيفيات النفسانية، مثال ذلك كـ(العلم والإرادة والجبن والشجاعة)وغيرها . والكيفيات المختصة بالكميات، مثال (الاستقامة والانحناء والشكل). والكيفيات الاستعدادية، مثال (الانفعال واللين) . والكيفيات المحسوسة المختصة بالحواس الخمسة .أما (الأعراض) المتبقية في: الأين: هيأة حاصلة من نسبة الشيء الى المكان .ومتى: هيأة حاصلة من نسبة الشيء الى الزمان . والوضع: هيأة حاصلة من أجزاء الشيء بعضها الى بعض والمجموع الى الخارج . والجدة: يقال لها(الملك)وهي هيأة حاصــلة من إحــاطة شيء بشيء بحيث ينتقل المحيط بأنتقال المحاط . والإضافة: هيأة حاصلة من تكرر النسبة بين شيئين . والفعل: هيأة حاصلة من تأثـير المــؤثر ما دام يؤثر . والأنفعال: هيأة حاصلة من تأثير المــتأثر ما دام يتأثر .

ويرى الباحثون في الفكر الاسلامي بأن للوجود مفهوماً عاماً ينتزع من الوجود العيني ولهذا يضع ثلاث مقدمات لهذا الانتزاع وهي كالآتي:

1- عند مواجهة الشيء الواقعي فأننا نكون، أما مفهومين الأول هو الوجود وهو مشترك بين المشاهدين والثاني، وهو مختص وهو الماهية .

2- ان المفهوم المشترك بين المشاهدين للشيء هو الوجود، والمختص هو الماهية، ومن ثم يقع هذا التصور تحت بحث زيادة الوجود على الماهية على أعتبار أن تكرر الوجود عند المشاهدين يكون أكثر من مفهوم الماهية المشكلة ذهنياً عند كل مشاهد، وبحسب ثقافته ومعرفته بذلك الشيء .

3- إن انتزاع أي مفهوم حاكي عن الشيء (المشاهد)، يتوقف على مدى تحقق الأمر المنتزع عنه خارجاً، وإذا لم تتحقق المعرفة بالشيء، أو المطابقة في الافهامية بين الشيء والمشاهد فلا تحقق محاكاة الشيء ذهنياً، ومن ثم لا يكون التواصل المعرفي موجود .

ويضع المفكر الاسلامي للوجود مراتب يجعلها موزعه ليس فقط بين الداخل والخارج، أو بين الوجود والماهية بل تأخذ صيغاً أخرى وهي كالآتي:

1- الوجود الكتبي: وهو عبارة عن مجموعة من النقوش الخطية المجعولة والموضوعة من لدن الواضع وهو الإنسان، وفائدتها الحكاية عن الألفاظ بدلاً من النطق بها، فالكتابة وجود جعلي اعتباري حاك عن الوجود اللفظي للأشياء.

2- الوجود اللفظي: وهو عبارة عن أصوات مشتملة على تقاطيع الحروف موضوعة من قبل الواضع، وفائدتها الحكاية عن المفاهيم الذهنية، وهي حكاية قائمة على أساس العلاقة الوضعية بين اللفظ وبين المفهوم في الذهن.

3- الوجود الذهني: وهو عبارة عن مجموع المفاهيم الذهنية الحاكية عن مصاديقها في عالم نفس الأمر، فكل مفهوم حاك عن مصداقه النفس الأمري وان كان مفهوماً عدمياً، إذ إن مفهوم العدم يحكي مصداقه في نفس الأمر، وإن لم يكن له مصداق في الواقع الخارجي.

إذن، فأن نظرية أصالة الوجود تعطينا التصورات التي يمكن ان نبني على وفقها التكوين المسرحي وكما يأتي:

1- الوجود هو وجود الأعيان والماهيات التي تحتاج الى حيثية تقييدية وواسطة في العرض، وكذلك تحتاج الى حيثية تعليلية في حمل الوجود عليها، ويكون أما بالحمل الذاتي أو بالحمل التركيبي .

2- ان للموجود آثاراً تترتب عليه صور خارجية وصور داخلية ذهنية، وبذلك يتحول هذا الوجود الى وجودين خارجي يترتب عليه أثار ووجود ذهني لا يترتب عليه آثار في داخل الذهن .

3- ان الوجود الذهني لا يأخذ شكله في داخل الذهن دون وجود ماهية للوجود الخارجي، هذه الماهية تكون مضافة الى الوجود الخارجي، وكذلك زائدة عليه وتكون رابطة بين الوجودين الخارجي والذهني.

4- ان الماهية هي صورة وشكل لا تعود الى جوهر الوجود بل الى العرض الناتج عن الوجود الخارجي .

5- الوجود يقسم الى جوهر وعرض ولكل واحد منهما له تقسيمات تكون الوجود وأصالته واستقلاليته عن الماهية، بل ان الماهية تأخذ أعتباراتها الثلاثة (المجردة والمطلقة والمخلوطة) من الوجودات الثلاثة (الحق، المطلق، المقيد).

6- للوجود ثلاث مراتب (كتبي، ولفظي، وذهني) هذه المراتب تعطي للوجود أمكانية منة خلال ووسائل للتعبير عن الوجود لتحقيق صوره أو إقرانها بمدلولات أخرى .

7- ان للموجود مفهومين عند المشاهد، الأول مفهوم مشترك بين المشاهدين، ويسمى الوجود، والثاني مفهوم خاص هو الماهية , ويكون الوجود أكثر زيادة وعدد من مفهوم الماهية، وذلك بسبب اشتراك المفهوم الأول بين المشاهدين، في حين يبقى مفهوم الماهية خاص بحسب كل شخص يشاهد الموجود وبحسب خلفيته الفكرية والثقافية .

8- يكون الارتباط بين الوجودين الخارجي والذهني من خلال الحمل الذي يقع بين الموضوع والمحمول، ويكون أما حمل ذاتي من ذات الموضوع، أو حمل تركيبي من خارج ذات الموضوع.

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

 

علي رسول الربيعيتحليل من منظور هابرماسي

ساهم كانط في الفلسفة القانونية كثيرًا كما فعل في فروع الفلسفة الأخرى، تمامًا. لقد تأثر واستلهم جان جاك روسو، الذي سعى عقده الاجتماعي إلى حل مشكلة التوفيق بين الإكراه والحرية الفردية. سعت فلسفة كانط للعدالة التي تلعب فيها الحرية دورًا رئيسيًا بالطريقة نفسها إلى تقديم فهم منهجي للمبادئ الأساسية لجميع القوانين التي ستمكننا من تقرير ما إذا كانت هذه القوانين تتفق مع المبادئ الأخلاقية أم لا. سقأوم في ما يلي بأبراز الأفكار الأساسية التي تقف وراء فلسفة كانط للقانون والأخلاق، حتى نتمكن من أن نرى بشكل واضح، مراحل تطور هذه النظرية ومشاكلها أيضاً.

يقول هابرماس لا يتم، عند كانط، تبرير الإكراه أو الإذن بالإكراه إلا على أساس منع إعاقة الحرية، أي منع التعدي على حرية كل فرد؛ وأن المطالبة بصحة القانون يتم التعبير عنها بالاقتران الداخلي بين الإكراه العام المتبادل مع حرية كل فرد.[1] وكما لاحظنا، تلعب الحرية دورًا رئيسيًا في فلسفة كانط. وتتضح أهمية الحرية في فلسفته حول العدالة من الشعور الحقيقي بالاستقلالية والمسؤولية الأخلاقية. لا يمكن للإنسان أن يكون مسؤولاً أخلاقياً عن أفعاله إلا أذا كان كائن مستقل وعقلاني وحر. وبعبارة أخرى، إن جميع الأعمال التي تُنفذ تحت وطأة القوة أو الإكراه لا تتحمل أي مسؤولية أخلاقية. ينطبق هذا الفهم للحرية فيما يتعلق بالأخلاق على نظامه القانوني أيضًا. وأن من الدلائل الأخرى، تدعم نظريته هي فكرة أن يكون الشخص حراً أو يتصرف بحرية قبل أن يعتبر مسؤولاً عن أفعاله قانونياً.

إن حماية هذه الحرية التي تقوم على أن كل شخص يتمتع بالأستقلالية، والأخلاقية، والقانونية تخدم الإكراه في نظرية العدالة في الفلسفة الكانطية. يجذب الإكراه في القواعد القانونية انتباه كل شخص (لأن حريته معنية).وبعبارة أخرى، إن قدرة الشخص على الحرية بعبارة أخرى، تتحد القدرة على الحرية لشخص ما مع قدرة كل شخص آخر، وفقًا لقانون الحرية الشامل. سيتم،في هذه الحالة، فهم الإكراه كوسيلة للحفاظ على الأنتظام في مجتمع من الأعضاء الأحرار. وبالتالي، فإن الإكراه الذي يحمي الحرية ويربط كل الحريات الأخرى يضبط الحرية ويضعها تحت السيطرة في الوقت نفسه. و يشكل هذا أيضا البنية الأساس للعقود الاجتماعية. ومن ثم، وفقًا لنموذج العقد الاجتماعي، يكتب كانط: لا يمكن أن تعزى السلطة التشريعية إلا إلى الإرادة الموحدة للشعب. لأن من المفترض أن تنطلق جميع الحقوق والعدالة من هذه السلطة، فلا يمكن أن تؤدي الى أي ظلم على الإطلاق. عندما يأمرأحدهم الآخر، من الممكن أن يؤدي ذلك الى ظلم الآخر، لكن هذا ليس ممكنًا أبدًا عندما يقرر الشخص هو لنفسه. ومن ثم، فإن الإرادة الموحدة والموافقة للشعب التي بموجبها يقرر كل فرد الشيء نفسه للجميع ويقرر الجميع الشيء نفسه لكل منهم، يمكن التشريع.[2]

السؤال الأول الجاد هنا هو كيف تتحد أو تتحق الإرادة الموحدة للشعب؟ يؤكد النقاد وفقًا لهابرماس أن خيال الإرادة الشعبية الموحدة لا يمكن أن يتحقق إلا على حساب إخفاء أو قمع تجانس الوصايا الفردية. أنا شخصياً أشعر أن طغيان الأغلبية (في ظروف معينة) سيجد منزلاً في فكرة الإرادة الموحدة هذه. يجب مراعاة مجموعة متنوعة من المصالح وتعدد الآراء.

لايمكن، وفقا لهابرماس، من وجهة نظر تحليليلة، إن يكون التصرف طبقاً للواجب، أي طاعة القانون بدوافع أخلاقية، وفقاً لهابرماس، قد حصل بالإكراه. فلا يستدعي هذا التصرف أي حاجة للإكراه، لأنه ليس من المناسب تأديب شخص يطيع القانون. لا يمكن، من ناحية أخرى، توحيد أو مزج بين الاختيار الحر لكل شخص مع أختيارات الآخرين من أجل التكامل الاجتماعي، إلا على أساس قواعد صالحة من الناحية المعيارية ودون إكراه، وهذا يعني، أن ياتي بدوافع عقلانية، واعتراف من وجهة النظر الأخلاقية، ووفقًا لقانون الحرية الشامل.[3]

إن التصرف حسب الواجب هو أختيار حر، حتى عندما يكون الأختيار صعبًا، لكن طالما أنه تصرف أو فعل أخلاقي، فلا يلزم الإجبار به أو إعاقته بالإكراه. عندئذ، يتطلب توحيد الاختيار الحر لكل منها مع الآخرين بعض التحديد، حتى لو تم ذلك وفقًا لقانون الحرية الشامل. سيكون، هنا، السؤال الضروري هو: ما الذي يمكنني اختياره ويتوافق مع اختيارك واختيار كل شخص آخر؟ مع الأخذ في الاعتبار الاختلافات في الذوق ووجهات النظر. يشير هابرماس إلى أن هذا (التكامل الاجتماعي) لا يمكن تحقيقه إلا على أساس قواعد صالحة من الناحية المعيارية دون إكراه. يبدو لي أن هذه القاعدة المعيارية الصالحة اليوم حتى أكثر مما كانت عليه في زمن كانط. يجب أن يكون لهذه القاعدة الصحيحة ما يبرر أسبابها أو مطالبها في مجتمع تعددي قبل أن تستحق اهتمامًا بعدم قسريًة خطابها. ما أقوله في الواقع هو أن توحيد كل اختيار حر يتطلب تحديداً وتعريفًا في عصرنا أكثر مما هو مطلوب في وقت كانط . ويلاحظ هابرماس أيضا من من منظو نظر نظرية الفعل التواصلي أن هناك جوانب مزدوجة للصلاحية القانونية وهي الإكراه والحرية. هذان العنصران موجهان نحو الشرعية والاعتراف الاجتماعي وهما من الصفات المميزة للقانون الشرعي الساري. يتم تحديد الصلاحية الاجتماعية للمعايير القانونية، وفقًا لهابرماس، من خلال الدرجة التي يتم بها تطبيق هذه المعايير، وبالتالي بمقدار ما يمكن للمرء توقع فعليًا قبولها من قبل دائرة التوافقات القانونية. كذلك يتم قياس شرعية القواعد من قدرة الخطاب أكتساب متطلبات صلاحيته المعيارية؛ أيً وفقًا لما إذا كانت قد حصلت من خلال عملية تشريعية عقلانية، أو على الأقل يمكن تبريرها من وجهة نظر براغماتية أو أخلاقية.[4] هذا يعني أن كل قاعدة يجب أن تكون قادرة على تبرير سبب وجودها. ولا يكفي وضع القواعد، فالمطلوب أن تكون القواعد مقبولة اجتماعيًا وأن تكون متسقة مع النظام القانوني المعترف به وأن تأتي من سلطة شرعية صحيحة تتمتع بحق التشريع.

عندما نسلط الضوء على هذه الشروط على خلفية فلسفة العدالة الكانطية، يصبح الفرق واضحاً. أقام كانط نظريته المثالية الأخلاقية والقانونية على الحرية. ومع ذلك، فقد أدرح الحرية نفسها من بين النقائض في "نقد العقل المحض"، وهي تلك الأشياء التي يمكن أن تكون أو لا تكون. وفي حالة الحرية، قد تكون محدودة أو غير محدودة، اعتمادًا على مسارالحجة. يطرح هذا التوجه مشكلة جدية في مايتعلق بتطبيق النظرية القانونية الكانطية في مجتمعات الحالية. فلا يزال بوسعنا أن نتصور هذه الطبيعة القطبية للحرية في النظرية القانونية الأخلاقية. هنا، تتمثل الوظيفة الفريدة للإكراه في منع إعاقة الحرية، أو عرقلة الحرية في حماية الحرية. يمكن للمرء أن يجادل بأن إعاقة الحرية غير المسيطر عليها والخطرة، يتم بالقانون، وبهذا المعنى، هي حرية مؤسسية مقبولة تفرض قيودا على بعض الحريات الأخرى..على الرغم من ذلك، طالما أن السلطة غالبًا ما تُسكر بعض أصحابها، فقد نحتاج إلى بعض المعايير لتحديد الوسائل القسرية وكيف ومتى نطبقها لحماية الحرية.

لقد أرسى كانط، تحت تأثير روسو، الأساس القانوني للأعتراف بحقوق كل شخص، أو يفترض أن يتم الاعتراف بها من قبل جميع الأشخاص الآخرين. ويعتمد هذا بدوره على الشرعية التي تأتي من إعطاء حرية متساوية لكل شخص. ومن ثم يمكن ان تتعايش حرية الجميع.

ومع ذلك، يبدو أن هذا الإنجاز أو صحة الأساس القانوني عند كانط أحد ضحايا مصادفات التاريخ في التطور القانوني. كان يمكن أن ينجح بشكل جيد لو لم الفصل والتمييز بشكل كبير بين القانون والأخلاق. اذ لم يعد، العصر وفقًا لهابرماس، من الممكن أن تستمد الشرعية القانونية من الحرية الأخلاقية في هذا سأوضح هذا لاحقاً. علاوة على ذلك، تم تطوير فلسفة كانط عن العدالة تحت تأثير ما يسميه هابرماس فلسفة الذاتية أو فلسفة الوعي، أي في الوقت الذي كانت تلعب فيه الذات دورًا رئيسيًا في الفلسفة. فلسفة الذاتية هذه ابدأت مع الكوجيتو الديكارتي واستمرت مع كانط ..الخ.، حيث سيطرت الأنا، النفس، أو الذات، على الأفكار الفلسفية. ونشهد هذا في ثورة كانط الكوبرنيكية، حيث لم يعد العقل سلبيًا ولكنه نشط وفعاًل، ويقوم بفرضَ الشروط المسبقة للمعرفة والفهم.

لقد حصلت أشياء كثيرة داخل النظم الاجتماعية منذ زمن كانط حتى اليوم. فقد حدث ترشيد النظم الاجتماعية وهذا أثر كثيراً على النظم القانونية. ونما المجتمع وتحول من التوحيد إلى التعددية، من الذاتية إلى الموضوعية ومن عالم واحد إلى العديد من العوالم. وعليه، فإن بعض المبادئ التي استندت أو استمدت من الافتراضات الشائعة للحقيقة غير القابلة للنقاش في ذلك الوقت أصبحت قضايا محل جدل. فعلى سبيل المثال يكتب كانط، عندما أفكر في ما يجب أن أقوم به، فأنا أفكر أيضًا في ما يجب أن تفعله جميع الكائنات العاقلة، لأنه إذا كان القانون أو القانون الأخلاقي صالحين بالنسبة لي ككائن عاقل، فيجب أن يكون صالحًا لجميع الكائنات العاقلة. لذلك، هناك اختبار رئيس لجميع الأعمال الجيدة من الناحية الأخلاقية، وهو ما إذا كان يمكن تطبيق مبدأه على جميع الكائنات العاقلة بشكل ثابت ومستمر.[5]

دون أي شك بشأن حقيقة المبادئ الأخلاقية الصحيحة أو التي تمتلك الشرعية الآن، قد يكون من الصعب تبرير الادعاء بأن نظرتي الى الفعل الصحيح من ناحية الحق يمكن أن تمثل بشكل مطابق وصحيح وجهة نظر جميع الكائنات العقلانية المتساوية. وهذا لأن العقلانية نفسها تم ترشيدها. ويصبح الأمر أكثر أشكاليًة و صعوبة عندما نكتشف أنه لا أحد يتحدث من موقع معلق في الفراغ. وبالتالي قد يكون من الصعب تجنب سلاسل من التأثيرات مثل الوراثية - الجينية والاجتماعية والثقافية والبيئية والتقنية والنفسية والأنثروبولوجية والنفعية والسياسية والدينية، على سبيل المثال لا الحصر. قد يجادل المرء بأن الخير أو فكرة الخير تتجاوز كل هذه العوامل المذكورة. يمكن أن تدعي مثل هذه الحجة أن الدليل هو تقديرنا المشترك لأشياء مثل أن الحياة هبة، والصفات الجمالية، والموسيقى، وما إلى ذلك. يمكن الأعتقاد أن هذه الحجة قد تصمد لكن جينالوجيا الأخلاق لنيتشه تتركنا في حيرة، من أمرنا .وعلى كل حال، منذ زمن نيتشه إلى اليوم يرفض صوت الأخلاق أن يدفن حيًا. المشكلة العنيدة هي كيف نحدد القضايا الأخلاقية؟ أعتقد أن هذه واحدة من أولى المهام التي يجب على الكانطيين الجدد الوفاء بها، قبل مراجعة المبادئ الأخلاقية الكانطية.

مرة أخرى، في زمن كانط، قد يكون من المفيد استخدام تقديري الشخصي للأفعال الأخلاقية كمعيار لجميع الموضوعات العقلانية الأخرى، واليوم، فإن مقولة " رأسان أفضل من واحد '' هي أكثر صحة. ومن ثم، ينصب انتباهنا على البيذاتية. لقد انتقلنا من المونولوج إلى الحوار، من الإملاء إلى المناقشة، من نظرية التأمل إلى نظرية الخطاب. يتساءل المرء إلى أي مدى يمكن أن يذهب الاختبار الكانطي لفعل أخلاقي جيد في المجتمع التعددي مثل مجتمعنا، حيث يتنافس الأشخاص الذين لديهم العديد من وجهات النظر والتوجهات والأهداف العالمية المختلفة في عالم حر. الموقف الذي تعتبر فيه الأفعال المبررة أخلاقياً لمجتمع أو جماعة أو جمعية ما تشهيرًا وغضبًا وفجورًا من قبل الآخرين.

تصبح مسألة صحة أساس النظرية القانونية الكانطية أكثر إشكالية بسبب حقيقة أن نظريته القانونية مشتقة من المبادئ الأخلاقية. إن النظرية هي تطبيق لنتائج الفلسفة الأخلاقية على ظروف البشر الذين يعتبرون مجرد بشر. يوضح هابرماس ذلك بجلاء عندما يلاحظ أن كانط يحصل على المبدأ العام للحق من خلال تطبيق المبدأ الأخلاقي على العلاقات الخارجية ويبدأ نظريته القانونية بهذا الحق المستحق لكل كائن بشري بحكم إنسانيته، أي الحق في التبعية المتساوية. حريات فعلية مدعومة باستحقاقات الإكراه.[6] سوف نفهم هذا بشكل أفضل بعد إلقاء نظرة على المحتوى المعياري لنظام الحقوق.

إن نظام الحقوق هذا (الحقوق الشخصية)، الذي ينتمي إلىه كل كائن بشري غير قابل للتصرف، ولايمكن التخلي عن هذه الحقوق حتى لو اراد المرء، ويتم إضفاء الشرعية عليها قبل تسن في شكل قوانين، على أساس المبادئ الأخلاقية، و بشكل منفصل عن أن الاستقلال السياسي للمواطنين الذي يشكل في البداية مع العقود الاجتماعية فقط.[7] وهذا يعني، أن شرعية نظام الحقوق الكانطية يتم قبل استيعاب أو تشريع هذه الحقوق على شكل قوانين. وتستند شرعيتها إلى مبادئ أخلاقية مستقلة عن الاستقلال السياسي. وعليه ليست شرعيتها سوى جزء من الكل. إنها شرعية خاصة فقط ولا يمكنها التأثير على الاستقلال العام أو السياسي للمواطنين. الحق المدني فقط هو المؤهل لهذا الاستقلال السياسي. لذلك، تؤكد فلسفة العدالة الكانطية على الاستقلالية الأخلاقية على حساب الاستقلال السياسي.

تسبق حرية الذات عند كانط إرادة المشرع السيادي، وفقا لهابرماس. وبالتالي، فإن سيادة الإرادة المتوافقة و المتزامنة والموحدة للمواطنين مقيدة بحقوق الإنسان القائمة على اسس أخلاقية. يحمي هذا الحق الأفراد من التدخل الخارجي. وغالبا ما يطلق عليه حق سلبي أو حرية سلبية. يمكن للأفراد، من خلال الحقوق السلبية أن ينسحبوا من الفضاء العام للالتزامات المتبادلة.

ومع ذلك، فإن اشتقاق النظرية القانونية من الحرية الذاتية يضع قيودًا خطيرة على هذه النظرية القانونية. يحمل مصطلح الحرية الذاتية معنى الحرية والحق والاستقلال والامتياز والحكم الذاتي. ومن هنا يمكن قراءة مصطلح حرية الذات وفهمها كحق شخصي أو حرية ذاتية وما إلى ذلك. تكشف نظرية الخطاب في القانون أيضًا أنه وفقًا للحق الشخصي الذي يحمي خصوصية كل فرد، يتمتع كل مواطن ( كل شخص) أيضًا بالحق المدني أو بالحق السياسي. فبينما يكون الحق الشخصي خاص، تكون الحقوق المدنية عامة. ويمكن للشخص مع الحقوق المدنية الانخراط في التواصل البيذاتي والأنشطة العامة، السياسة مثلاً. لا يمكن للحق الذاتي وحده أن يؤهل الشخص للأنشطة السياسية. كذلك، لا يمكن أن ينبثق القانون الحديث من وراء الترتيب السياسي. لذلك، فإن النظرية القانونية الكانطية، التي تنبثق من الحقوق الشخصية، تحرز درجات أقل في النسق أو مجال الحقوق اليوم، وبالتالي لم تعد مؤهلة لمجابهة التحديات والأختيارات والتفضيلات الحالية. لا يدمر هذا نبل الشرعية الكانطية، لكنه لا يدخل في السياق القانوني الحالي. وحتى اذا مازال يستخدمها بعض المحامين والقضاة فأن هذا لا يبرر صلاحيتها في تقييمنا الحالي.

في الدولة الديمقراطية التي تدار فيها الحكومة بموجب القانون، القانون الوحيد هو القانون الذي يتمتع بالحماية التشريعية. لا يمكن تحقيق مثل هذه الحماية إلا من خلال ترخيص الحقوق المدنية. ويمكن أن يأتي هذا من خلال سلطة الهيئة التشريعية أو السلطة القضائية في بعض الأحيان. وحتى المدخل الأساسي للمنصب التشريعي يتطلب هذا الحق المدني أو السياسي. ولا بد من إضافة مؤهلات أخرى إلى هذا الحق. وبالاسلوب نفسه، تتمتع شرعية القانون بدعم الحقوق المدنية من قبل المواطنين الذين يقبلون مثل هذا القانون على انه قانون خاص بهم.

وعلى اساس هذا الفهم، سيكون هناك تشويش خطير إذا كانت السلطة التشريعية تعتمد على الحقوق الشخصية. هذا يعني أن أي شخص في أي مكان له الحق في المشاركة السياسية في كل موقع، فيما يتعلق بحرية الشخص. يجب أن نتذكر أن الحرية الذاتية هي حق خاص - شخصي يبقى مع الفرد بقدر ما هو هي شخص بشري. أحد الأسئلة الحاسمة هو كيف يمكننا إذن أن نوفر للقانون الحديث، البعد الأخلاقي المهم الذي يتمتع به القانون في النظرية الكانطية؟ إن فصل الأخلاق عن القانون بطريقة محكمة قد يعطي وجهاً غير إنساني للشرعية. بعد كل شيء، نفس الشخص الذي هو كائن قانوني هو أيضًا كائن أخلاقي؛ من المفترض أن تكون المعايير القانونية والأخلاقية موجودة من أجل رفاهية الإنسان.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

............................

[1] Habermas, J, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy, Polity Press; 1997.28.

[2] Kant; Metaphysical Element of Justice, trans. J.

Ladd, New York, 1965 p78.

[3] Habermas, J, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy,28-29.

[4] Habermas, J, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy,30.

[5] S.E. Stumpf; Philosophy History and Problems. McGraw-Hill, Inc. 1994 p.316.

[6] Habermas, J, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy,100.

[7] Habermas, J, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy,101.

 

 

علي محمد اليوسفتقديم: "يرى أفلاطون أن الزمان ليس أزليا، لأنه مخلوق من صانع، افلاطون لم يعتن العناية الكافية بالزمان كمثل عنايته بالمكان، ولم يضعهما في مرتبة متساوية متكافئة في تعالقهما الادراكي المتداخل، كما يرى أفلاطون الزمان مظهرا من مظاهر نظام العالم، بينما المكان إطار موجود – يقصد إطارا للزمان- موجود بالضرورة منذ الازل، مستقل عن الصانع أي أن – المكان –  مستقل عن الصانع وغير مخلوق منه"1 وما يبدو مفارقة لنا أن افلاطون " يعتبر الزمان بخلاف المكان شرط ضروري سابق على فعل الصانع وهو عامل ثالث يضاف الى الوجود والصيرورة ولولاه لم يستطع الصانع أن يحدث النظام الظاهر في العالم."2

نستنتج فلسفيا من عبارات افلاطون المار ذكرها ما يلي:

1- المكان بخلاف تصوراتنا المأخوذة عن فلاسفة محدثين بدءا من كانط  ما بعد الفلسفة اليونانية يرون حقيقة أسبقية المكان على الزمان أو تلازمهما التزامني بينهما جدليا على الأقل فيزيائيا بما يقبله العقل، والمكان بلا تأطير زماني هو موجود لا يدركه العقل. كانط لا يذهب بالخطأ في تفريقه مايدرك مكانا ليس مايدرك زمانا متلازما به.

نجد  حسب رأي افلاطون المكان تأطيرا أزليا لزمان مخلوق سلفا من صانع ليجعل هذا التأطير المكاني للوجود يقوم على وجود زمان نظامي له، وينعدم المكان وجودا تأطيريا بغير هذه العلاقة التي ترى الزمان وجودا أزليا من صانع ولا يرى في المكان (الطبيعة) كوجود نفس النديّة التكافؤية بينها وبين الزمان. الطبيعة أو المكان عند افلاطون هي ليست مخلوقا من صانع فالطبيعة معطى أزلي عشوائي بلا نظام وهي من غير صانع، لا كما هو حال الزمان المصنوع بقدرة صانع ليس للقيام بمهمة تنظيم عشوائية المكان بل العكس في تكييف الطبيعة نفسها لمدركها الزماني وتنظيم نفسها بدلالة الزمان... هنا أفلاطون يؤمن بألجوهر الخالق غير المخلوق الله أنه زمان سرمدي مطلق يسبق وجوده الطبيعة والكون والاشياء التي يتوجب عليها كي تخلص من العشوائية المكانية تنظيم نفسها بالتكيّف مع الزمان المنّظم لكل شيء. لذا يكون كل مدرك مكانا هو موجود بعدي على الزمان لا قبلي عليه دونما زمن قبلي يزامنه ويلازمه الوجود ألمكاني حسب تفسيرنا لافلاطون، وهو فهم قريب من فلسفة كانط بعيد جدا عن فهم برجسون ، فكانط يجد الزمان والمكان هما قالبا الإدراك العقلي الفطريان  للأشياء وليس هناك تراتيبية أفضلية في أسبقية أحدهما على الآخر كونهما قالبين فطريين مزروعين بألدماغ بالولادة.

بينما ينكر برجسون أن تكون مدركاتنا المكانية هي في حقيقتها زمانية صرفة كما يدركها العقل لا كما يفترضها المنطق كموجودات. وينكر برجسون أن المكان لا يدرك من غير زمان يلازمه.... وهنا يرفض برجسون حقيقة لا مكان لموجود يمكن إدراكه بلا زمن يلازمه ويزامنه حيث يعتبر برجسون هذه الشرطية الزمانية للمكان أن يوجد بها إدراكيا بدلالة الزمان ليست صحيحة حتى من الناحية الفيزيائية العلمية..

ويفهم برجسون المكان مدركا حسّيا عقليا معطى جاهزا لا يحتاج زمانا يحتويه ويؤكد وجوده الإدراكي إحساس الحواس له فقط بداية قبل أن يأخذ سلسلة المنظومة الادراكية للعقل مثل الجهاز العصبي والوعي والتفسير الذهني ومن ثم ردود أفعال العقل التي تأخذ مضمون الفكر وشكل اللغة التعبيرية عن كل مدرك عقلي. برجسون هنا يقترب كثيرا من افلاطون وبيتعد جدا عن مفهوم كانط.

فالطبيعة موجود أزلي يقوم على تنظيم ذاتي مسبق تحكمّها قوانين ثابتة، وليس الزمان معطى غير مدرك ماهويا يقوم على حفظ إدراكاتنا المكانية بنفس أهمية أنه يحفظ للطبيعة قوانينها العامة الثابتة التي تحكمها وتحكم الانسان معها. هنا نجد نظام الطبيعة الزماني المقترن بأزلية وجود الطبيعة لا علاقة للزمان المخلوق أزليا بها لا من قريب ولا من بعيد.

فأزلية نظام الطبيعة غير المصنوع سابق على أزلية نظام الزمان المخلوق من صانع حسب افلاطون. المفارقة العجيبة الأخيرة حسب العبارة المقتبسة الثانية تؤكد أن الزمان سابق على الصانع، وبهذا يكون المكان والزمان كلاهما غير مصنوعين (قصديا) من صانع بل كلاهما مفروضين قبليا عليه من مجهول يتعالى على الصانع نفسه وهو ما لا تقبل به الميتافيزيقا قبل العقل. بمعنى أن العالم  الطبيعي والانسان وجدا منذ الازل هكذا ولا دخل لصانع في صنعهما وخلقهما. هذا الفهم تعبير يلتقي فلسفة كانط بالمضمون فيما وراء معنى تعبير اللغة فقط.

2- على العكس مما نتصوره أن الزمان هو نظام الاشياء في الطبيعة والكون، وعليه لا تكون هناك قوانين طبيعية ثابتة تحكم الطبيعة والكون والانسان لا تكون زمانية مطلقة أزلية. بمعنى أكثر وضوحا أن الطبيعة لم تكن نظمّت نفسها بقدراتها الذاتية التي تحكمها قوانين ثابتة من حيث أن أفلاطون يري أسبقية الزمان على الوجود المكاني الذي هو تأطير زماني نظامي لاحق على الطبيعة بعدي عليها وليس قبلي لها ينظمّها. فالطبيعة هي التي تمنح عشوائية الزمان نظامه المتجانس مع مدركاته المادية التكوينية لها. وليس العكس أن الزمان هو الذي يقوم على تنظيم الطبيعة والمكان من عشوائيتهما الوجودية غير المنتظمة.

بمعنى الطبيعة في قوانينها الازلية هي التي تحكم تأطير الزمان من العبثية وأللانظام وليس العكس أن الزمان هو إدراكنا تنظيم الطبيعة في قوانين ثابتة زمانية لا تتغير. الشيء المهم في هذا التفسير أن الطبيعة مخلوق منّظم ذاتيا بمعزل عن الصانع وعن فكرة الزمان مخلوق لتأطير الطبيعة كوجود له وليس العكس مما يذهب بنا التفكير أن الزمان الذي هو نتاج صانع قام به، هو عشوائي بما يجعل الطبيعة في نظامها غير المخلوق عن صانع تقوم بتنظيم الزمان مخلوق الصانع في عشوائيته العبثية. بمعنى مفارقة غريبة حسب تفسير افلاطون أن الطبيعة غير المخلوقة بقوانينها النظامية من صانع هي التي تقوم بتنظيم عبثية الزمان المخلوق من صانع بعد وجود الطبيعة. لا يمكن تصورنا الزمان مخلوق بعدي على الطبيعة وليس قبليا يتقدمها.

الفهم المسبق الراسخ تداوليا هو كنا نرى تنظيم الطبيعة إنما هي خاصّية الزمان في حفظه قوانين تنظيم الطبيعة الثابتة لها من الإنتهاك وهو خلاف ما ذهب له افلاطون. فالطبيعة عنده مالم تنّظم نفسها في تأطيرها هي الزمان سيكون إدراكها المنّظم ذاتيا معدوما. هنا يمكننا القول أن الطبيعة تعقل نفسها أكثر من إمكانية الزمان يعقل ذاته. وتبدو الفرضية الثانية أكثر مقبولية بالقياس الى الطبيعة التي لا تعي ذاتها ولا تعي الموضوع فكيف يمكنها تنظيم الزمان كمدرك موضوعي لها.تأطير الطبيعة للزمان من غير إدراك قصدي تعيه يجعل من الزمان وجودا يدرك ذاتيته بمعزل عن الطبيعة.

3- والمكان عند افلاطون ليس (مخلوقا) منظمّا من صانع يسبق أزلية الزمان المفروضة على الصانع بلا إرادة قصدية منه في مهمة تنظيم الطبيعة والعالم له وليس تنظيمه هو العالم.. وحسب فهم أفلاطون للزمان الأزلي المخلوق تكون الطبيعة وجودا إعتباطيا غير مخلوق من صانع إنما وجودها مقترن بالضرورة الأزلية في إحتوائها الزمان السابق عليها وتنظيمها لنفسها زمانيا بدلالة لا نظام الزمان نفسه. بمعنى الطبيعة هي تكيّف الزمان لها وليس الزمان يتكيّف إدراكيا معها.

بعبارة ثانية الطبيعة لم توجد تنظيميا كمعطى أزلي وجد هكذا بنظامه في القوانين الطبيعية الثابتة التي تحكمها ويبقى هكذا، يدهش العقل البشري قبل شرط إلزامية وجود الطبيعة من أجل تأطيرها هي لزمن الإدراك لوجودها الازلي. بمعنى يشوبه الغموض أن الزمان هو قلب الطبيعة ومحتواها وليس هو تشكيل إدراكاتنا للطبيعة خارجيا بصفاتها الخارجية البائنة المحسوسة والمدركة. وبالطبيعة المنتظمة ندرك لا نظامية الزمان العشوائية في تعامله معها في تأطيرها الزماني له. بمعنى عشوائية الزمان هو ما تقوم الطبيعة تنظيمه، وليس عشوائية المكان هو مايقوم الزمان تنظيمه. بضوء تفسيرنا لمفهوم افلاطون حول علاقة المكان بالزمان.

4-  المفارقة الغريبة في مطلق وأزلية الزمان المخلوق من صانع عند افلاطون، هو أن تكون الطبيعة وجودا عشوائيا من دون زمن سابق على موجوديتها الطبيعية المكانية أنطولوجيا وهي موجود ازلي من غير الصانع للزمان،. حيث المكان يؤطر الزمان وليس الزمان يؤطر المكان. لذا فالزمان ينّظم الموجودات ليس بقوانين الطبيعة العامة الثابتة التي نتعامل بها فيزيائيا علميا، بل الطبيعة والموجودات تؤطر نفسها توافقيا متكيّفا مع الزمن ألإدراكي لها في تبعيتها هي للزمان لا في تبعية الزمان للطبيعة.

5- المكان عند افلاطون كما ذكرنا لا يسبق الزمان ولا يوازيه وجودا ولا يكافؤه ولا حتى يداخله تزامنيا- مكانيا. بمعنى الزمان لم يخلقه الصانع لعلة وسبب تنظيم المكان (الطبيعة).. بل أن المكان حسب تعبير افلاطون موجود  بالضرورة الأزلية والذي لم يخلقه الصانع إنما دوره تأطير الزمان في نظام الاشياء والطبيعة.. مما يرتب على هذا إستنتاجنا أن المكان وجود غير موجود ولا يكتسب موجوديته إلا بتأطيره هو لنظام الزمان الذي تخلعه الطبيعة عليه وليس العكس، وليس أسبقية تنظيم الزمان على المكان. فالمكان خلق من أجل أعطاء الزمن معناه الفيزيائي وليس الزمان خلق من أجل أعطاء المكان تعينّه الانطولوجي المنّظم.

6- أخطر الامور التي تترتب على فهم افلاطون لمعنى علاقة الزمان بالمكان هو قول افلاطون أن الزمان غير أزلي لأنه مخلوق من صانع – يقصد الزمان فان فناء زائل بينما هو في فهمنا أزلي أبدي لا يفنى -  وهو ما يضعنا أمام محنة أن ازلية الصانع المرتبطة بلا أزلية الزمان تكون قائمة بالملازمة الافنائية العدمية لكليهما معا، والصانع يفنى بفناء محدودية خلقه لزمان غير أزلي. كون ما ندركه من الزمان هو تنظيمه لمدركاتنا ليس في زمنها ألإدراكي عقليا بل في وجودها الانطولوجي. وبعدم أزلية الزمان تنعدم معه أزلية الصانع له. أي في إنعدام ازلية الزمان ينعدم معه بالضرورة السببية عدم أزلية الصانع. وبذلك يكون افلاطون خرق إيمانه الديني بالخالق الذي أوجد الطبيعة والزمان أنه فان زائل وليس سرمدي باق. لإرتباط وجوده بوجود سرمدية الزمان الفانية كون الزمان مخلوقا وليس خالقا لشيء.

7- إن النظرية الكانطية التي تذهب الى عدم إمكانية إدراكنا لموجود مكانيا من غير ملازمة زمانية له، تصبح لا قيمة حقيقية لها، لإنفقاد حقيقة التكافؤ الوجودي بين الزمان والمكان. من حيث أننا لا ندرك الاشياء والوجود عموما إلا في زمانيته فقط حسب الفرضية الكانطية، وكل موجود لا يدرك مكانا- زمانيا لا وجود إدراكي حقيقي له. وأننا نذهب مع الرأي الذي يرى في حقيقة إدراكنا الموجود مكانا أنما هو مدرك موجود زمانا، والمكان الذي لا يلازمه زمن إدراكي لا يعقله العقل كموجود. ولا يبقى معنى لأفضلية أسبقية الزمان على المكان وبالعكس لأن مناقشة هذه الفرضية المعقدة هي من مهام الميتافيزيقا التي يتقاطع معها إدراك العقل في مناقشتها. والمكان يكون لا وجود مادي من غير زمان يلازم إدراكنا له.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

....................

1- عبد الرحمن بدوي /الزمان الوجودي/ ص 59

2- نفسه نفس الصفحة

 

في علم النفس يُسمُّونه بالطاعون النفسي.[2] وفي علم اللاهوت هو سبب أساسي للدنَس الذي يُوجِب الغسل. ليس الغسل الجسدي فحسب، وإنما النفسي أيضا في بعض الأحيان؛ إذ أنه من الأسباب الأكثر عُمقا وتأصُّلا للشعور بالذنب، بل وحتَّى لنشوء العُصاب.[3] هو النواة التي ينبثق منها تأويلنا الوجداني لمفهوم "التابو" وأوَّل ما يترادف في أذهاننا، مع مفهوم "الشهوة الحرام". عند ذِكرهِ تحمرُّ الوجنات وتتوه العيون، مع أنه الوسيلة الحصرية والشرعية لاستمرار الحياة. هو موت صغير، أو حياة كبرى لامتناهية، كمُعاند للفناء؛ فناء النوع. هو رابض في مياهنا الجوفية، وينسلُّ خلسة إلى كؤوسنا من حيث لا ندري، مُحتويا لضده في ذاته؛ فقد يراودنا كشيطانٍ مُتَخَفٍّ على هيئة ملاك أبيض، أو قد يُداهمنا كذئب يُخفي شدقيه بقناع طفل بريء؛ ثم تقع بسببهِ الحماقات الكبرى. هو منتصف الجسر الذي يلتقي عنده الحائرون من الذكور والإناث، ثم يعود كلٌّ إلى ضفته أكثر حيرة؛ ثم لا يجدون تفسيرا لحيرتهم، إلا بالعودة لانتظار بعضهم عند منتصف الجسر. هو المُهر الجامح الذي يرمح ما بين النساء والرجال، فاجتمع الحكماء منهم لكي يلجموه، ولكنهم ألجموا البشر، وبقي هو جامحا حرَّا، يرمح فيما بينهم وفيما حولهم وفيما وراء دوافعهم وأفعالهم. صهيله للحياة بلسمها ودافع استمرارها؛ إن قيَّدوه يصهل من عيونهم، من مسامات جلدهم، يصهل في عمق وجودهم وفي فضاء وجدانهم إلى أن يُطلقوه. ذلك اللاعب الخفي الذي يُحرِّك الدُمى من وراء الستار، ذلك الشغف الذي كلَّهُ شغف، والذي لا يجاريه أي شغف؛ ما هو؟ ما مصدرهُ؟ أو ما هي "ماهية" ذلك الشعور المُبهم اللذيذ الذي نعايشه أثناء الجنس؟ وما هي آلية حدوث تلك النشوة الغامضة، التي تومض عندما تتشابك الأجساد العارية؟

بما أن العلم بطبيعته تجريبي، فهو لا يستطيع أن يجيبنا على تساؤلات من تلك الخامة؛ إذ أنه يبحث عن مأربه في الأشياء، يغوص فيها، ويتحرَّى في قوانينها وخواص عناصرها، ولكنه لا يحاول استنطاق جوهرها ولا يستطيع الالتفاف على كثافة موادها للنفاذ إلى ماهيتها. فتلك بطبيعة الحال ليست مهمته، وأدوات الماهية والماوراء ليست أدواته. وبالمقابل فإن الفلسفة تستطيع الذهاب إلى حيث لا يستطيع أن يذهب العلم؛ إذ أن لها من الخفَّة في ذاتها، ما يمنحها القدرة على التحليق إلى آفاق، لا يستطيع العلم بلوغها بثقالته التجريبية، التي تشدَّه وتُقيِّده غالبا، ضمن ما هو محسوس ومُدرَك. ولذلك، فلكي نحاول النفاذ إلى "ماهية" تلك الظاهرة العجيبة، لا مناص لنا من اللجوء إلى الفلسفة والاستعانة بأدواتها.

علاوة على ذلك، فنحن هنا لسنا أمام مُجرَّد ظاهرة ڤيزيولوجية بسيطة، كعمل الأمعاء مثلا، لكي نستطيع الإحاطة بها بيسر وشمول. ثم أن العلوم البيولوجية عموما، لم تُطفئ ظمأنا تماما، حتى ولو فسَّرت لنا الآلية الڤيزيولوجية لحدوث الرغبة الجنسية، عبر تسليط الضوء على دور الهرمونات وآلية تحفيزها، وعلى آلية عمل الغدد، وآلية عمل أجزاء من المخ، كمنطقة تحت المهاد المُخّية مثلا.[4] فكل هذا لم يُقرِّبنا كثيرا من الإحاطة بكنهها؛ ذلك أن فاعلية الدماغ وڤيزيولوجيته، لا يُحيطان بالضرورة بفضاء سيكولوجية الكائن الحي، تبعا لما يُشير إليه عالم النفس "كارل يونغ": بأن النفس ليست مُجرَّد "ظاهرة ثانوية ناجمة عن سياق كيميائي عضوي في الدماغ [...] إن ارتباط النفس بالدماغ لا يُثبت بحد ذاته، أن النفس ظاهرة لاحقة؛ وظيفة ثانوية تتوقف سببيا على سياقات كيميائية عضوية [...] لا تُزودنا بنية الدماغ ولا ڤيزيولوجيته بتفسير للسياق النفسي"[5] وعلى الرغم من أن علم النفس قد ذهب بعيدا، وأضاء لنا أعماق مملكة اللاشعور مثلا، مما يفتح لنا "مدخلا" لا غنى عنه، بغية الخوض في تفكيك تلك الظاهرة. إلّا أن علم النفس لم يكشف لنا "الماهية" مما نتوق لمعرفته في هذا المضمار. وبالتالي لا يُمكننا حصر تلك الظاهرة، على أنها مُجرَّد ظاهرة نفسية خالصة فحسب؛ بمعنى "الاكتفاء" بآخر ما توصل إليه علم النفس الحديث، عند مُحاولة سبر عُمق أغوارها. ولا هي ظاهرة روحية مثلا؛ بمعنى أن نتمكَّن من النفاذ إلى خفاياها عبر مرجعية روحية ما. وفي الحقيقة حتى ولو كانت محاولة تعليلها مزيجا من كل هذا، ولكن ما نبتغيه هو أبعد من ذلك؛ فنحن هنا نروم "الماهية". فما هي "ماهية" تلك الغريزة اللغز، الحاكمة بلا تاج أو صولجان، والتي تمنحنا كل تلك اللذَّة الجامحة وكل ذلك الدفق من الفرح العارم، الذي ينهمر بسخاء في عمق خلايانا ويجتاح عناصرنا كلها، كدهشة لا تشبه أيا من الأحاسيس المنطقية أو المفهومة التي نعايشها؟ ومن أين يأتي كل هذا؟

قبل التوغل في ألغاز الحكاية وحيرتها ومتاهاتها، لا بأس من البدء بمُقدِّمة قصيرة، حول تطور مفهوم فضاء النفس الفردية في العصر الحديث؛ حيث ظهر بأن للنفس بُعدا جماعيا، تبعا للمؤرخ وعالِم الاجتماع الفرنسي "غوستاڤ لوبون" مثلا، الذي كان من الرواد الأوائل الذين تحدَّثوا عن علم نفس جماعي بالمعنى الأفقي والعامودي، عبر سعيه لتأسيس مفهوم "علم نفس الجماهير" الذي يرتبط أساسا لدى "لوبون" بالعِرق الذي ينحدر منه الأفراد، والذين يتفاعلون بدورهم لاشعوريا، تبعا للرسابات الموروثة عن الأسلاف.[6] أما "سيغموند فرويد" فقد ذهب إلى أبعد من ذلك؛ إذ تحدَّث عن قاعدة لاشعورية أحادية الشكل ومشتركة؛ ليس في العرق الواحد فحسب، وإنما لدى جميع البشر، وتمتدُّ جذورها حتى الإنسان البدائي، الذي لا يزال على قيد الحياة في كل فرد منا. ومن ثُمَّ، فإن القليل من المُثيرات كافية، لكي تجعله يستيقظ ويُبعَث من جديد؛ كما يحدث عندما يتفاعل الأفراد مثلا، مع انفعال جمهور ما، ينتمون إليه، ثُمَّ ليتحوَّل الجمهور فجأة إلى عشيرة بدائية، أو أنه يمتلك الميل لذلك.[7] ومَرَدُّ ذلك حسبما يفترض "فرويد" هو وجود استمرارية في الحياة العاطفية للبشر، تسمح بتجاوز الانقطاعات في الوقائع النفسية، بسبب زوال الأفراد؛ عبر توريث الاستعدادت النفسية مثلا.[8]

ذلك الذي كان قد بدأه "لوبون" و"فرويد" وغيرهما، قام "يونغ" بالاجتهاد في فهمه وتأويله، ضمن مفاهيم عدَّة، منها مفهوم (النفس الموضوعية - objektiv psyche) التي تحلُّ موضوعيا على صاحبها من حيث لا يدري؛ إنها "النفس الخافية" التي تتجلى على هيئة دوافع داخلية ومشاعر وانفعالات وأحلام، من دون أن يكون لذاتية العقل الواعي، أي دور في صياغتها أو تجلّيها.[9] بمعنى أنه عندما يتعلَّق الأمر باللاشعور، فإن "الذات الفردية" ليست "ذاتية" تماما، ولا هي "فردية" خالصة، بل إنها ذات موضوعية، لا بل وجماعية كذلك في مُعظم ما تخفيه؛ حيث تَزاحَم لصياغتها واستمراريتها، كل من سبقونا من أسلاف، منذ أزمان بعيدة مضت، لتوريثنا بشكل مُتعاقب، ما أسماه "يونغ" بالـ "الخافية الجمعية" أو "اللاشعور الجمعي".[10]

وذلك ما يُمهِّد لنا الطريق للولوج إلى مفهوم في علم الأحياء يُسمَّى بالـ (تأسُّل - Atavism)[11] والذي يُشير في سياقه النفسي، إلى وجود قناة اتصال، تحمل لنا شحنات انفعالية من أجدادنا القدماء، وتمتدُّ من تجاربهم ومخاوفهم، وصولا إلى أعماق لاشعورنا، الذي لا يزال يترسَّب فيه ما عايشوه.[12] فالطفل يُولَد ولديه خوف فطري، مما كان قد عايشه هؤلاء الأجداد، كالخوف من الأفاعي والظلام مثلا. مثل ما يتلقف الإنسان في نومه أحلاما كانت نائمة في لاشعوره الجمعي، ثم لتنهض خلسة من أعماقه، على هيئة رموز أو "نماذج بدئية" تأتيه فجأة من الإنسان البدائي.[13] ويُفسِّر ذلك المفهوم في سياقه البيولوجي، ظاهرة عودة بعض الصفات الآتية من الأجداد القدماء، بحيث تظهر تلك الصفات فجأة في نسلنا، من دون أن تظهر فينا، أو فيما نعرفه من أجيال سبقتنا؛ كعودة ظهور عضو زائد في المواليد الجدد، كان موجودا لدى أسلاف البشر، ولكنه اختفى عبر المسار التطوري الطويل في الأجيال السابقة. ولكن نظرا لندرة حدوث تلك الظواهر المُتأتية من أسلاف البشر، وتجنبا للخوض في تعقيدات وإشكاليات "نظرية التطوُّر" نسوق مثلا موازيا، هو أكثر تحديدا ووضوحا، بغية مُحاولة إيجاد مقاربة حول ما نسعى لتبيانه؛ كأن يُنجِب أبوان ذوي بشرة سمراء وعيون بنيّة مثلا، طفلا أشقرا عيونه زرقاء، مما يدل بشكل واضح ولا يحتمل الشكَّ أو التأويل، إلى أن الطفل ينتمي إلى خلفية عرقية، تختلف تماما عن تلك التي ينتمي إليها والداه المُفترضان، ثُمَّ لتُثبِتَ نتائج تحليل الحمض النووي “DNA” بأن كِلا الوالدين، هما فعلا الآباء البيولوجيون الحقيقيون للطفل.[14] وتعليل ذلك، أن الطفل هو ليس ابنا لوالديه فحسب، بقدر ما هو ابن حياة تمتدُّ منذ الأزل.[15] وبالتالي، فإن سجن فرديتنا الضيِّق، الذي له فُوَّهة أمامية مفتوحة على الموت، له بالمُقابل سراديب خلفية مفتوحة على حياة لامُتناهية؛ إذ أن عُمر الفرد منا، ليس سوى بضعة عقود فحسب، ولكن تلك الفردية، هي امتداد لحياة عمرها ملايين بلا عدد من السنين.[16] فالحياة التي تسكننا، كانت قد وصلتنا عبر سلسلة لا متناهية من الأنفس المتمثلة بآبائنا وأجدادنا الذين تناسلوا لنكون، والذين لا يزالون ينبضون في أعماقنا. وتلك السلسلة التي نحن امتداد لها لم تنقطع أبدا، وإلا لما كُنَّا موجودين أصلا. وبذلك فنحن لسنا مُجرَّد أفراد مُعلَّقين في الخواء، بل أن لكل فرد منَّا نَسَبا ثريَّا وسيرة جماعية عجائبية وطويلة، تمتدُّ جذورها بعيدا إلى قاع تاريخ الحياة، وتكمن في ثنايا خلايانا، كمنظومة تُخفي ملامح وتجارب كل من سبقونا من أنفس؛ أي أن عناصر دمنا مجبولة بالأزل.

فإذا استهلّينا بحثنا هذا بالذكور؛ نظرا ليُسر ووضوح عمل الآلية الجنسية لديهم، لأمكننا القول: بأن كل نطفة من ملايين النطاف الموجودة في ثمرة نفس الرجل، تحمل الكثير من صفات عرقه ولونه وتفاصيل شكله ومزاجه وميوله واستعداداته النفسية المُسبقة، وكذلك نقاط قوَّته وضعفه، بالإضافة إلى خلاصة تجاربه ومخاوفه الكامنة، هو وأسلافه وأجداده القدماء. ونحن عندما نستحضر تلك النطاف من أعمق أعماقنا، نكون قد أيقظنا منظومة سلسلة طويلة من الحياة، حيث يكمن في كل نطفة، الصفات العامة للسلسة برمَّتها. أو لنكون قد طُفنا من حيث لا ندري، على عدد غير مُحدَّد من أطياف أنفس أسلافنا، لإيقاظهم بما فيهم من صفات. تلك الأطياف التي تصبح في داخلنا كسربٍ لا متناهٍ من دوائر الظل، أو الشموع المُطفأة، التي تتسارع تدريجيا بالحضور والتهافت على دائرة روحنا، لكي تتقاطع معها ولتستمدَّ منها نشوة الحياة والنور من جديد؛ بسرعة وغزارة يتناسبان مع جمال شريكنا الجنسي ولهفتنا نحوه. ولنكون قد دعوناهم للاحتفال بما يُشبه العُرس في داخلنا، ومن ثمَّ لينفضَّ العُرس فجأة وليخلُد المدعوون ثانية إلى النوم، مُباشرة بعد بلوغ النشوة. فإن أسعدهم العُرس، رقدوا بهدوء وعُمق وسلام، إلى أن يحين وقت نهوضهم ثانية، فيستنهضون شهوتنا للتناسل مع الجنس الآخر، الذي يجدون في وصاله قيامتهم وبعثهم من جديد، وكذلك إمكانية بقائهم من خلال استمرار صفاتهم في نسلنا.

تبعاً لهذه الفرضية إذن، فإن اللذَّة التي نشعر بها أثناء الجنس، ناتجة عن مُعايشة الحياة الأزلية في داخلنا؛ وكأن النفس الفردية هي ومضة من نور، تجرُّ وارءها سلسلة لا متناهية من الأنوار الخامدة المُطفأة. وفي تلك اللحظات التي نُمارس فيها الجنس، يتم تفعيل أو إنارة تلك الأنوار المُطفَأة في داخلنا من جديد، وهذا ما يُفترَض بأنه يمنحنا ذلك الشعور المُبهم اللذيذ؛ بمعنى أن فعل الجنس هو تفعيل لفضاء لامتناهٍ من الحياة، أو الحيوات الكامنة في أعماقنا. أو أنه تفعيل لأزلية نفس فردية تجرُّ سلسلة لامتناهية من الأنفس التي تحيا في داخلها. تلك الأنفس التي عادة ما تكون في حالة كُمون، أو في حالة سُبات، ولكن أثناء مُمارسة الجنس تُبعَث من جديد؛ حيث يمسك المرء بحبل أزلي من أنفس أسلافه وينزلق إلى أعماق وادي الأزل، إلى أن يبلغ ذروة ما، من سلسلة الأنفس الكامنة فيه. وهناك في "ذروة الوادي" تبدأ النفس الفردية بالانفتاح على سلسلة لامتناهية من أنفس سبقتها، فتصبح وكأنها فضاء من الأنفس أو الحيوات. وبذلك يزول البرزخ ما بين النفس وأزليتها فيتعانقان، وبعناقهما يشتعل البرق في عمق ظلام الأزل، ليُضيء في لحظات غامضة ملايين من السنين، تُسافر فيها النفس إلى أعماق بعيدة الغور.

في سرده للنظريات والآراء حول تاريخ الغريزة الجنسية، وحول أصل التناسل عن طريق اندماج الخلايا المُختلفة الجنس، يقول "فرويد" مُستندا على المعقول من آراء "داروين": "وعلى ضوء هذا الرأي، لا يكون الجنس أمرا عريقا في القِدم، وتكون الغرائز القوية العنيفة، التي تهدف إلى الجمع بين الجنسين، تكرارا لأمر حدث يوما عن طريق الصدفة، ثم بقي واستقر، لما تبيَّن من نفعه وجدواه"[17] بمعنى أن الغريزة الجنسية، لم تصبح عنيفة وقوية، إلا بفعل التكرار الطويل، عبر الأجيال المُتعاقبة، وبأنها كانت في بدايات الحياة العضوية، أقرب إلى الأمر العملي النافع، من قربها إلى المُتعة العارمة التي نعرفها.

استنادا لما يُمكن فهمه وتأويله، مما ذهب إليه "فرويد"، نجد أن في افتراضاته سببا منطقيا للاجتهاد والتساؤل: ما معنى أن تصبح الغريزة الجنسية قوية وعنيفة بسبب التكرار الطويل عبر تاريخ الحياة؟ وكيف لها أن تتحول من مُجرَّد فعل نفعي روتيني، إلى حاجة وجودية تترافق ممارستها مع أقصى ما يُمكن تحصيله من لذَّة؟ ومن ثُمَّ، ما هو دور الإعادة والتكرار عبر الأجيال المُتعاقبة، في التصاعد التدريجي للشهوة والمُتعة وفي الترسيخ المُتطارد للغريزة الجنسية؟

كمحاولة لتعليل الجانب المحوري من نظريتنا حول ماهية المُتعة الجنسية، نفترض بأن السبب وراء ذلك، هو أن المُتعة الجنسية القوية والجامحة، تتناسب طردا مع وجود إرث طويل من الحياة، ورصيد زاخر بها، وذلك ما لم يكن متوفرا لدى الكائنات، في بدايات الحياة العضوية؛ إذ أن الأحياء وقتذاك، لم يكن قد سبقتهم سلسلة طويلة من الأسلاف بما يكفي، لكي ينتشوا بالطواف عليهم، وليقتبسوا منهم نشوة الحياة أثناء فعل الجنس؛ بمعنى أن عُمق الحياة في داخلهم كان ضحلا، أو أن سلسلة تعاقب الحياة قبلهم كانت محدودة، وليس فيها تراكمٍ كافٍ من الحيوات، لمنحهم ذلك الفرح العارم، عند محاولتهم "للحجِّ إلى الحياة" في داخلهم؛ عبر فعل الجنس.

ثمَّة معرفة يقينية لدى البشر، بأن الجسد مصيره الفناء. وثمَّة من يعتقد بأن للروح خامة إلهية مصيرها الخلود. أما النفس، فتتميَّز بقابليتها لنوع من البقاء "الموازي" المشروط بالتناسل. ويبدو أن من يقسرنا على طلب ذلك البقاء الموازي عبر الجنس، هو ليس ذواتنا الفردية، وإنما ما تراكم فينا من ذوات، لم تَمُتْ تماما، ولا تحيا في واقع خارج عن ذواتنا؛ إنهم أسلافنا المُستترون في خلايانا، والذين لا بُدَّ لهم من نوع من النهوض والفاعلية أثناء مُمارستنا للجنس، وذلك لكي يطبعوا نطافنا ببصماتهم؛ ذلك النهوض الذي يُتيح لهم فرصة افتراضية للخلود، عبر استمرارية صفاتهم في نسلنا. فنحن أتينا أصلا عبر نطافهم، ولكنهم في الحقيقة كامنون أيضا في نطافنا، بل وكامنون حتى في سلوكنا ويتحكمون في أدقّ تفاصيل حياتنا عبر جيناتهم الكامنة فينا. وبالتالي، فإنه عندما يستحضر الرجل خُلاصة ماء عناصره، عبر ذلك الكمّ الهائل من النطاف أثناء فعل الجنس، فإن تلك النطاف تصبح دائمة الحركة والسعي بعد إطلاقها، لكي تجتهد في سباق، للظفر بفردوس الحياة المُتمثّل ببويضة مُفترضة بغية تلقيحها. والنطفة التي تستطيع بلوغ هدفها، سوف تضمن نوعا من الاستمرارية لوجودها، عبر المولود القادم، الذي هو مشروع امتداد لحياة مُستمرَّة لامتناهية، أو أنه أشبه بجسر غرائزي، سوف يبقى دائم السعي إلى الامتداد، مشرئبا نحو ضفة الأبدية؛ من خلال التناسل. أما النطاف الأخرى، التي ضلَّت هدفها وخاب سعيها في الاستمرارية عبر حياة جديدة، فسوف تتوه ثمَّ تسقط في هاوية العدم.

وبذلك، فإن رغبتهم في نيل الخلود والاستمرار، هي التي تدفع أنفس أسلافنا في داخلنا، لكي يستنهضوا شهوتنا للتناسل بشكل دوري، ثم لينهضوا بدورهم للاحتفال، عندما نطاوع رغبتهم عبر ممارسة الجنس، ولكي يدلوا بدلوهم في محاولة مصيرية للبقاء؛ بمعنى أنه من المُفترض أن يكونوا هُم من يُولِّد الحنين إلى الجنس في داخلنا، وعندما نمتلأ بحنينا، لا بُدَّ لنا من البوح به إلى الضفة الآخرى من الجسد، في عُمق جسد أنثوي مُفترَض؛ أي أننا نفترض، بأن من يقف وراء "الليبيدو الجنسي" هم أسلافنا وأجدادنا القدماء، الذين هم "علَّة" الدافع الجنسي الذي يتفاعل في داخلنا، أما الجنس الآخر فهو مُجرَّد "سبب" لهُ، أو أنه مُجرَّد وسيلة فحسب. وبما أن عددهم ليس بالقليل أبدا، فنحن في الحقيقة، لا طاقة لنا على مقاومة جيش لامتناهٍ من أطياف أنفس أسلافنا، ولذلك فنحن نخضع لرغبتهم في بَسْطِ ومَدِّ وجودهم الموازي، عبر فعلنا للجنس، بشكل دوري وقسري رغما عن أنفنا، ولو بعد حين؛ إذ عندما تهبُّ نسائم الأزل، ففي البداية تداعب أبواب وجداننا بِرِقَّة وحنان، ولكن عندما يشتدُّ عصفها، فمن له الاستطاعة على كَبْح حنينه إلى امتداده الأزلي، ومن يقوى على الترفّع أو التعفّف عنه! وهل يتعفّف النهر عن الماء! أم هل يتعفّف الأنف عن الهواء! فكما للجسد، فإن للنفس أنفا وتنفسا وهواء أزليا عليلا؛ حتى لو كان أنف النفس يتموضع بالمقلوب من أنف الجسد.

عندما يرى الرجل مثلا، امرأة فاتنة تتعرَّى، فإننا نفترض بأنه يرى من خلال جسدها أطياف أزليته، فيتوق إلى عناق ذلك الجسد والالتحام فيه؛ لكي ينفذ من خلاله إلى عمق تلك الأزلية. مثلما تتراءى للمرء أطياف مشهد ساحر من خلال نافذة مُوارِبة، فيتوق لأن يقترب منها ويفتحها؛ ليطلّ عبرها على فضاء ذلك المشهد. ويبدو أنه هذا هو حال النساء والرجال؛ إنهم ينظرون إلى بعضهم كنوافذ، يقفزون من خلال بعضهم، من أجل إطلالة خاطفة على فضاء أزليتهم. وبذلك فإن حُبَّهم لبعضهم، هو ليس بالضرورة حُبَّا بالآخر لذاته، وإنما رغبة به، كوسيلة للعبور من خلاله إلى منتهى رغبتهم؛ فتلك الكأس التي تدور على شفاه العطاشى، ينهلون حلو شرابها من بعضهم، مع انهم ليس لهم من بعضهم غاية سواها. وهذا ما يُذكِّرنا بقول "جبران خليل جبران": "يُعانق المُحبَّان ما بينهما، أكثر مما يُعانق أحدهما الآخر"

ولكن ماذا عن المرأة؟ وما هي ماهية ذلك الشعور المُبهم اللذيذ لديها؟ ما دامت ومضة نشوتها لا تُمطر شيئا من مادة أزليتها، كما يحدث لدى الرجل. في الحقيقة أن الرجل قد يبلغ مُنتهى شهوته بِحَكَّة من نسيم عابر، أما شهوة المرأة فهي سرٌّ تائه في مغاور سحيقة. وبما أن نشوة المرأة تحكمها مزاجية مُعقَّدة، وغير مُتاحة دائما. فلذلك، وربما حرصا على استمرارية الحياة، فإن إفراز ثمرة نفس المرأة أو بويضتها، غير مُرتبط بنشوتها، وهي ثمرة لا تحتاج إلى تفعيل كما عند الرجل، بل تأتي دوريا من تلقاء نفسها.

ولكن مع ذلك، فإن تلك الثمرة تحمل في الحقيقة خلاصة أزلية نفس المرأة وصفات أسلافها، مثل ثمرة نفس الرجل. ولذلك فإنه عندما يتم طرح تلك الثمرة في داخلها، تصبح المرأة في ذروة شهوتها. ثم عندما يتم إيجاد متنفس فعلي لتلك الشهوة عبر الجنس، فإننا نفترض بأن المرأة أيضا، تحصل على ذلك الشعور المُبهم اللذيذ من خلال معايشة أزلية نفسها، ولكن من دون أن ترتبط نشوتها بطرح أي ثمرة؛ أي ان المرأة تُرعِد وتُبرق، ولكنها لا تُمطر بإرادتها. بل أن المطر لديها قد يكون سابقا للرعد والبرق ومُحفّزا لهما، على عكس الرجل. وبذلك يُمكننا القول تبعا لهذه الفرضية، بأن مصدر الرغبة واللذّة، واحد لدى الرجل والمرأة، حتى ولو اختلفت الأولويات والنتائج.

إذن، تتعدد الأعراض وعلَّة اللذَّة واحدة؛ فعلى الرغم من أن النفس مُتَّصلة لاشعوريا بأنفس أسلافها، إلَّا أن ذلك الاتصال يبقى مُنفعِلا وغير فاعل، خفيا، خاملا، يتوسل التفعيل. وبذلك تبقى النفس الفردية نفسا جزئية معزولة عمَّا سبقها من أنفس؛ بمعنى التحقق والإحساس والمُعايشة للحياة المُتوارية في أعماقها. وذلك ما يتوق الإنسان لِكَسرِه، عبر إطلالة خارج محدودية نفسه الفردية، إلى فضاء أزلي بلا حدود، وليس هناك من وسيلة مُتاحة لتحقيق ذلك سوى فعل الجنس، الذي هو تفعيل للحياة الأزلية في داخلنا واستحضار لرحيقها وجَني لشهدها؛ حيث يزور المرء أزليته، ومن هناك يقطف كذلك ثمرات الخلود. أوإنه ينهل من حلاوة أزليته، إلى أن يشتعل جرح الفناء من فرط الرغبة بالحياة، فيغرف من تلك الأزلية ثُمَّ ينثرها في وجه الأبد، ليترك نسخة عن أزلية نفسه في نسله. وما مُمَارَسة الجنس، سوى تقاطع نفسين في عمق الأزل؛ إذ أن تشابُك الأجساد العارية هو مقدمة لتقاطع الأنفس، التي تُرعد فتُومض أزليتها، مُبشِّرة بإمكانية إضاءة نفس جديدة.

وعلى الرغم من أن الإنسان يُدرك في أعماقه بأن "الخلود الشخصي" مُجرَّد وهم، ولكنه مع ذلك لا يستطيع أن يتقبَّل الموت كحقيقة؛ فيهيم لاشعوريا، نحو أسباب التناسل لكي يتحايل على الفناء. ولذلك فإن كل سعي نقوم به، قد يكون دافعه الخفي غالبا: إما الهروب من الفناء، أو التوق الكامن لنشوة وصال الجنس الآخر، ويبدو أننا نلجأ إلى الثاني هربا من الأول. حتى أن الكثير من طقوس حياتنا، بما في ذلك البريئة منها، قد لا تكون سوى مُجرَّد تغليف وتذويق، لتوقنا للقرب من بعضنا، بغية الذهاب معا، للتنقيب في خفايا سراديب الأزل؛ نكاية بالفناء. وبالتالي، فإن التذكير والتأنيث ليسا مجرَّد سبب لاستمرار الحياة، بل إنهما الدافع لها أيضا. ويبدو أننا نسير في طريق قسري، لا نُدرك بكامل وعينا فحوى وجودنا فيه؛ ذلك أن طريق الحياة ليس مرصوفا لنا فحسب، وإنما هو أيضا مرصوف بنا، وينسلّ عبر الفارق ما بيننا كأنثى وذكر، في امتداده نحو اللانهاية.

فنحن العابرون ونحن الطريق، ونحن الحاصدون ونحن الحصاد. وعَبْرنا سوف يمتدُّ طريق كنا قد عبرناه. ولسوف نستمرُّ في الرقص حول تلك النار التي أوقدت في شرايننا منذ الأزل. ولسوف يستمرُّ النحل في لسع أجسادنا، ثم لا نُطلِقه إلى أن يملأ جرارنا بالعسل. وكلما حبلت سماؤنا بالوجد، سوف نتوق إلى من يَحُكّ مكمن البرق فيها، لكي تفتح أبوابها وتُمطرنا بالياسمين. وكلما أينعت كرومنا، لا بُدَّ لنا من قاطف لها، لكي يعصرها ويبعثها خمرا. فإذا هبَّ النبيذ على خيال الكروم وأيقظ  شهوتها، تاقت لأن تُفني نفسها لتكونه؛ كفتيل سراج مُطفَأ مسَّهُ لهب، فانتشى وصبا، ليغمد حنينه في نهم النار، توقا لرعشة النور. كرحيق زهرة أغواهُ الحصاد، فأغوى نحلة لكي تعبر به نحو الشهد. فإذا تساررت الأنفس، ثم تكاشفت الأجساد وتوحدت، فثمة خمر عتيق يغلي في العروق، ومنه يندلع اللهب.

ولكن لماذا تترافق مُمَارَسة الجنس أحيانا مع الشعور بالإثم والخزي؟ ولماذا تقترن زيارات الأزل بالخصوصية والتستّر والخجل؟ مع أنها كما أسلفنا، هي الوسيلة الحصرية والشرعية لاستمرار الحياة!

أما عن الشعور بالإثم والخزي؛ فنفترض ان سبب ذلك هو خيبة أمل تشبه الصدمة الناجمة عن سقوط مُفاجئ من مكانٍ عالٍ، كانت قد رفعتنا إليه الشهوة. وذلك ما يحصل غالبا إذا ذهب المرء إلى أزليته وحيدا، بدون رفقة نافذة. أو إذا كانت النافذة ذات إطلالة سيئة. وكذلك إذا اصطدم المرء بنافذة، كان قد اندفع نحوها ولم تُفتَح له. أو إذا أطلَّ من نافذة مُحرَّم عليه الإطلال منها؛ مع أن ذلك التحريم يبقى نسبيا، وغالبا ما ترسم حدوده التربية الأسرية وثقافة الجماعة التي ينتمي إليها الفرد. ولكن مع ذلك، يبقى "التابو الجنسي" راسخا في جميع الثقافات، ولو ضمن هوامش متفاوتة.

وأما عن الخصوصية والتستر والخجل؛ فنفترض أن السبب وراء ذلك، أن العملية الجنسية هي أشبه بمكاشفة مع الآخر حتى الهتك النهائي. ولكن ذلك يتطلب منا التعرّي؛ ليس فقط من ثيابنا، وانما كذلك من "الأنا العليا" أو من أقنعتنا التي نتقنَّع بها أمام البشر. أي أنها تُجبرنا على خلع قناع إنسانيتنا، أو إزاحته ولو قليلا، لكي يتسنَّى للوحش المُحاصَر في داخلنا لأن ينطلق ويتنفس بحُرِّية وفطرية ولامبالاة، وإلا فلن يكون هناك لذَّة حقيقية، وهذا ما نخجل من أن يراه فينا الآخرون. وفي الحقيقة، حتى عندما تكون العلاقة الجنسية سويَّة وشرعية تماما، تبعا للمرجعية الدينية والأخلاقية والإجتماعية، ولكن مع هذا، لا بد من التحلّل ولو نسبيا، من عبء الموروث الأخلاقي المُكتسَب، ومما تراكم في داخلنا من عناصر دخيلة؛ بغية إطلاق الغرائزي الأصيل، الذي قيَّدته الإنسانية فينا. أو لا بُدَّ من الدخول في "إجازة شرعية" إلى الساحة الخلفية للأخلاق، حيث يتحرر المرء هناك من الكثير، مما اعتاد أن يلتزم به علانية أمام الجماعة من أدب ولباقة وتهذيب، وذلك أثناء ممارسته لأخطر وأغرب الغرائز فيه؛ ففعل الجنس أصلا (بما هو كمُمارسة وفعل) يتنافى مع السلوك الإنساني المألوف، ولذلك فإنه فمن المُستهجَن والمُستقبَح، بل ومن الممنوع مُمارسته في العلن، أو في فضاء عمومي مفتوح، تبعا لقوانين أي جماعة، مهما تحضَّرت أو تحرَّرت. ومهما اجتهد البشر في وضع القيود والحدود والمُقدّمات والحواشي لممارسة تلك الغريزة، ومهما أحاطوها باللباقة والتنميق، إلا أنها تبقى نوعا من الحنين إلى الحيوان القديم وغير المُدَجَّن فينا، وذلك على الرغم مما قد يُمهِّد لتلك الغريزة أو يتداخل معها، من إحاسيس نبيلة ووجدانيات راقية ومشاعر إنسانية سامية، والتي تُميّز فضاءها بلا شك، وبشكل جوهري، عن الغريزة الحيوانية البحتة. ومما يمنحها طابع مُقايضة وجدانية، هي من أعدل وأجمل ما يُمكن مُقايضته بين إنسانين؛ تلك المقايضة التي تثقب الروح وتسكُب في الثقب بلسما، يتعافى معه كلُّ ما في الوجود من أشياء إلى حين.

ثمة سؤال آخر يُعتبر مدعاة للعجب والتأمل؛ فكيف للمتعة أن تتجلَّى أحيانا على هيئة ألم؟ ذلك أن مُمَارَسة الجنس قد يرافقها أصوات وآهات، هي أقرب إلى الأنين والنحيب، أو حتى الصراخ والعويل أحيانا. فكيف للمرء أن يتألم من فرط اللذَّة والسرور!

في الحقيقة يُمكننا أن نُشبِّه ظاهرة النشوة بموت صغير معكوس؛ فالإنسان يتألَّم عندما تداهمه أسباب الموت، ولكنه يتألَّم أيضا عندما تداهمه أسباب الحياة بسخاء أكثر مما يحتمل. ذلك أن النشوة الجنسية تؤجّج في أعماقنا بركانا من الحياة كان خامدا، عمقه هو عمق ما نستطيع بلوغه من أزليتنا، وذلك ما يُحطِّم لوهلة حدود أنفسنا الفردية وينثرها فجأة في فضاء من الأزل.

إنها سَكرة الحياة المُتماهية عكسيا مع سَكرة الموت؛ ذلك أن الحياة والموت هما أشبه بعجلتين لعَرَبَة واحدة، يسيران بالتوافق والتوازي على سكَّة وجودنا. وكلَّما دارت عجلة الحياة، اقتربنا من الفناء؛ وذلك لأنها مُرغَمة لأن تدور بالتوافق مع عجلة الموت، بفعل عامل الزمن. أما أثناء مُمارسة الجنس، فهما يدوران باتجاهين مُتعاكسين؛ حيث تحاول عجلة الحياة في تلك اللحظات ان تُعاند الفناء، فتدور في الاتجاه المعاكس لدوران عجلة الموت. وذلك يتطلب بأن يمتلك المرء نوعا من الطاقة والحيوية، لا بُدَّ من هدرهما.

وعلى الرغم من أن عجلة الموت هي التي ستُقرِّر وجهة العَرَبَة في النهاية، إلا أنه في تلك اللحظات القليلة تنتصر عجلة الحياة؛ فتنخطف عَرَبة وجودنا فجأة إلى الوراء، لتعود بنا لوهلة، إلى بدايات سكَّة الحياة، في سفر فُجائي غريب وبعيد. ولكن بعد أن تنتشي العَرَبة بالنهل من ينابيع الحياة الأولى، لا يلبث أن يُعيدها الصحو إلى مكانها، الذي كانت عليه قبل النشوة. ثُمَّ لتُعاود السير من جديد على سكَّة وجودنا نحو الفناء؛ تلك السكَّة التي ستنتهي على أي حال عند تخوم الموت.

ختاما، وكامتداد لنظريتنا الافتراضية حول ماهية النشوة الجنسية، ثمة سؤال يطرح إجابة افتراضية كذلك؛ أفلا يمكننا القول، بأن ثمة عوامل قد تؤدي إلى ملامسة أزلية الحياة في أنفسنا، مما يُسبب بدوره رغبة جامحة للجنس، من دون أن يكون لتلك العوامل علاقة مباشرة بالجنس، ولكنها قد تؤدي مع ذلك إلى إثارة جنسية مُفاجئة وغريبة أحيانا؟ كما يحدث عند نشوة الإنسان بشرب الخمر مثلا. أفلا يمكن أن تكون تلك النشوة الناتجة عن الخمر، معلولة لدغدغة أزلية الحياة في داخلنا، عبر استنهاض الحياة النائمة فينا، أو عبر مُمَاحكة أطياف أسلافنا وإيقاظهم في داخلنا، ليستنهضوا بالتوازي، رغبتنا في النشوة الجنسية، المتشابهة افتراضيا، في ماهيتها وعلّتها مع نشوة الخمر، ولو بشكل نسبي؟ فمن المنتشي في كلا النشوتين: نحن، أم من يتوارى في عروقنا من أسلافنا؟ ولكن هل نحن حقا، شيء آخر سواهم؟

 

أحمد دلول

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك.

........................

[1] - هذا البحث مُستوحى؛ بفحواه وباقتباسات لبعض نصوصه، من رواية "فلسفية" لكاتبهِ، بعنوان "الحجُّ إلى الحياة".

[2] - بيير داكو، "الانتصارات المذهلة لعلم النفس الحديث"، ترجمة: وجيه أسعد، مؤسسة الرسالة، دمشق، الطبعة الثانية، ص 575.

[3] - يقول سيغموند فرويد في كتابه "الطوطم والتابو": "يتبين للمرء لدى التحليل الدوافعي للعصابات، أن القوى الدوافعية ذات المنشأ الجنسي، تُمارس تأثيرا حاسما فيها" ص 96. كما يرى في "عُقدة أوديب" - ذات الدافع الجنسي أصلا - بأنها "العُقدة النواة لعموم العصابات" ص 155. أو "نواة جميع العصابات" ص 184/ سيغموند فرويد، "الطوطم والتابو"، ترجمهُ عن الألمانية: بوعلي ياسين، دار الحوار للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1983، سوريا، اللاذقية.

[4] - جيرالد هوتر، "الرجل والمرأة أيهما الجنس الأضعف؟ الفروق الفيسيولوجية والنفسية والتربوية" ترجمة: د. عُلا عادل، العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى 2011، ص 172، حيث يتطرق الكاتب لشرح الآلية الڤيزيولوجية لحدوث الشهوة الجنسية.

[5] - كارل غوستاڤ يونغ، "التنقيب في أغوار النفس"، ترجمة: نهاد خياطة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى 1996، ص 47.

[6] - سيغموند فرويد، "علم نفس الجماهير"، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 2006. أنظر مقدمة المُترجم الصفحة 5 والصفحة 18، وكذلك اقتباس "فرويد" لكلام "غوستاڤ لوبون" حول مفهوم "علم نفس الجماهير" في الصفحة 27. تمَّ النقل بتصرُّف.

[7] - المصدر نفسه، الصفحة 28  والصفحة 108 بتصرُّف.

[8] - سيغموند فرويد، "الطوطم والتابو"، مصدر سابق، ص  185بتصرُّف.

[9] - كارل غوستاڤ يونغ، "التنقيب في أغوار النفس"، مصدر سابق، ص 81 بتصرُّف.

[10] - كارل غوستاڤ يونغ، "البنية النفسية عند الإنسان"، ترجمة نهاد خياطة، دار الحوار للنشر والتوزيع، سوريا، اللاذقية، الطبعة الأولى 1994. فصل "مفهوم الخافية الجامعة أو اللاشعور الجمعي" ص 75-87.

[11] - أنظر مثلا، كتاب سيغموند فرويد، "الطوطم والتابو"، مصدر سابق، ص 89. أنظر كذلك كتاب "الإنتصارات المذهلة لعلم النفس الحديث"، مصدر سابق، حاشية الصفحة 184.

[12] - أنظر مثلا كتاب "الانتصارات المُذهلة لعلم النفس الحديث"، مصدر سابق، ص 316 حول دور "التأسُّل" في تثبيت الشعور بالدونية لدى النساء مثلا.

[13] - أنظر مثلا كتاب"البنية النفسية عند الإنسان"، مصدر سابق، ص 70-73 وكذلك ص 85-86.

[14] - نتائج تحليل الحمض النووي، تُعيد الأطفال الشقر إلى العائلات الغجرية، كما يظهر في الرابطين أدناه:

Mystery girl Maria's parents found in Bulgaria by DNA / bbc news

غجر الرومان في عين العاصفة.. بعد قضية الطفلة الشقراء في اليونان/ جريدة الشرق الأوسط.

[15] - باستعمالنا لمُصطلح "الأزل" لا يعني بالضرورة أننا ننفي وجود نقطة بداية للحياة، وإنما هو مُجرَّد إشارة، إلى أن بدء الحياة يمتدُّ إلى أزمان سحيقة، كما يرد في الحاشية التالية.

[16] - "يعتقد العلم الحديث أن الحياة بدأت على الأرض قبل ثلاثة أو أربعة بلايين عام، وجميع أنواع الحياة على الأرض لها العمر نفسه تماما؛ فيمكن القول أن فيلا، أو إنسانا، هو في الحقيقة مستعمرة ملتحمة من كائنات وحيدة الخلية، لأن كل خلية في جسمنا تحمل المادة الوراثية نفسها. فالصيغة الكاملة لما نحن، تختبئ في كل خلية صغيرة" / نقلا عن: جوستاين غاردر. "عالم صوفي" (رواية حول تاريخ الفلسفة) ترجمة: حياة الحويك عطية، دار المنى، استوكهولم 2012، ص 445-446.

[17] - سيغموند فرويد، "ما فوق مبدأ اللذة"، ترجمة: د. إسحق رمزي، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الخامسة 1996، ص 97.

 

عدنان عويدإذا كان الإطلاق في المواقف الفكرية، يعني الثبات والجمود أو الموت، وبالتالي عدم القبول بالمراجعة أو التعديل أو التغيير ولو قيد أنملة بالموقف المتخذ، فهذا يعني ايضاً عدم القبول بالرأي الأخر، وغالباً ما يتوقف على هذا التمترس بالرأي تكفير الآخر وزندقته وتخوينه، وربما يصل الآمر إلى حد سجن المختلف وتعذيبه أو حتى تصفيته جسديا، من باب الحفاظ على ما تَحَوَلَ من مواقف فكرية عند الإطلاقين إلى مقدس لا يمكن المساس به أو انتقاده أو تغييره أو مراجعته كما أشرنا قبل قليل، بغض النظر هنا عن دوافع الإطلاق بالرأي، دينية كانت أو سياسية أو ذات مصالح أنانية ضيقة.

إن رفض الآخر تحكمه بالضرورة دوافع مصلحية يريد حواملها الاجتماعين من وراء هذا الرفض، إما التفرد بغنائم ما اجتماعية او سياسية او اقتصادية من جهة، أو نتيجة لدرجة الوعي المتخلف التي وصل إليها الحوامل الاجتماعية للرأي المطلق، أو نتيجة إجراء مسح عقول لهم مورست عليهم بفعل تصور أيديولوجي مغلق يدعي بأنه هو من يمتلك الحقيقة المطلقة وغيره لا. وفي كل الحالات يأتي النفي لمن يقف ضد الحقيقة المطلقة وأصحابها.

أما القول بالنسبية. فهذا موقف عقلاني نقدي من قبل المتحاورين تجاه الظواهر أو المسائل المتحاور حولها. على اعتبار أن النسبية هي موقف منهجي يؤمن بنسبية الحقيقة شكلا ومضمونا. ومن يؤمن بالنسبية يؤمن بالرأي والرأي الآخر، ولديه القدرة على مراجعة أفكاره دائما والعمل على خلق توازن بين حركة الواقع وتطوره وتبدله، وبين البنية الفكرية التي يحملها أو يقبل بها، لذلك تظل أفكاره قابلة للنقاش والتعديل والمراجعة. وعلى هذا الأساس دعونا نتعرف على هذه النسبية:

النسبية في جوهرها تعني الحركة والتطور والتبدل في الظواهر، اجتماعية كانت أو سياسية او اقتصادية أو ثقافية. والنسبية تقوم على أساسين هما:

أولاً: النسبية المطلقة: وهي نسبية تقر بأن أي ظاهرة في الطبيعة أو المجتمع، هي ظاهرة تقوم على الحركة، أو تسكنها الحركة، والحركة تولد داخلها تناقضات بين مكوناتها ستؤدي إلى تجاوز ما اتلفه التغير أو الحركة ذاتها من داخل الظاهرة أومن خارجها، على كون الظاهرة ليست بنية معزولة عن عالمها الخارجي، بل هي بنية لها محيطها الذي تؤثر فيه ويؤثر فيها.

ثانيا: النسبية النسبية: وهي من حيث المبدأ لا تخرج عن جوهر النسبية المطلقة من حيث تحكم الحركة في الظاهرة، ولكن الفرق بين النسبيتين برأيي، أن النسبية المطلقة تتعلق بالوجود المادي (الأنطولوجي) للظاهرة، أما النسبية النسبية فتتعلق بالوجود المعرفي (الابستمولوجي) الذي يتعامل مع الظاهرة. فالحقيقة (الظاهرة) وفق هذا الوجود المعرفي تقوم على معرفة ناقصة، والمعرفة الناقصة تتوقف على درجة ثقافة المتحاور واهتماماته والتوجه الأيديولوجي الذي يتبناه ومصالحه، فهذه عوامل كلها تلعبا دوراً في تقويم الظواهر عند المتحاورين. ولنعطي مثالاً على ذلك:

لو اجتمع مجموعة أفراد ذوي اهتمامات مختلفة في غرفة عند صديق ووجدت أمامهم مزهرية جميلة، لنظر كل منهم إليها من حيث اهتماماته بالضرورة. فالفنان سينظر إليها من حيث رؤيته الفنية، الوانها وامبلاجها وترتيب الزهو داخلها.. الخ. وتاجر البلور سينظر إلى نوع بلورها وجودته وعن سعرها ومصدر توريدها.. الخ. والإنسان العادي ستحقق عنده حالة الإدهاش الفني المجرد من أي قيمة فنية اكاديمية أو قيمة سلعية. هذا ونستطيع القول من جهة اخرى: إن كل منهم سيراها بصورة تختلف عن الآخر من حيث موقعه في الجلسة وزاوية نظره.

هكذا نرى إذن أن النسبية في شكليها المادي والفكري، سترفض الإطلاق ومحاربة الرأي الأخر والاستهانة به أو العمل على اقصائه وتهميشه.

النسبية في المحصلة منهج حياة يسعى إلى التعامل مع الظواهر بعقلانية، أهم ما تجسده هذه العقلانية، هو الايمان بالآخر وأن الحقيقة ملك للجميع طالما أن الهدف الأساس من البحث عنها هو مصلحة الجميع ومن أجل الجميع حاضراً ومستقبلاً.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

 

علي محمد اليوسفتقديم: لعل تنسيب المنهج بمفهومه الفلسفي على وجه التحديد لديكارت هو ما إعتبره مؤرخو الفلسفة بداية وضع عدد من التجديدات ألإضافية غير المسبوقة  فلسفيا منها على سبيل المثال، إدخال النزعة العلمية في مباحث الفلسفة كمنهج، الشك بأعتباره مهماز الإهتمام بوجوب الوصول الى يقينية المعارف التي ندركها، الدعوة الى المنهج الذي يقوم على محددات وقواعد وأحكام تجعل من هدف البحث يقوم على ثيمات قصدية يروم تحقيقها إعتماد المنهج، الإبتعاد عن كل تشتيت ذهني بالتفكير لا يقود الى أهداف محددة سلفا، الحقيقة الفلسفية العقلية التي لا تقاطع المهيمن اللاهوتي الديني ولا المنهج التجريبي العلمي، ألإهتمام باليقينيات البديهية القائمة على الوضوح التام الخالي من الأرتياب والشّك بها قبل التسليم بتلك البديهيات التي إعتبرها ديكارت تحمل برهانها اليقيني معها في وجودها الحدسي الظاهر لا من خارجها البرهاني وجودا الذي لا تحتاجه. وغير ذلك من تفاصيل فلسفية ظهرت دعوة الإهتمام الفلسفي بها مع إنبثاق المنهج التفكيري الذي ضمّنه ديكارت كتابه المعروف (مقال في المنهج ). وهذه الورقة تتعرض بإقتضاب الى مناقشة بعضا من هذه التفاصيل التي ذكرناها متعالقة بالمنهج الديكارتي...

ماذا أراد ديكارت في المنهج؟

يعتبر كتاب ديكارت مقال في المنهج إنعطافة مفصلية على صعيد تخليص الفلسفة من هيمنة اللاهوت الديني الذي ساد القرون الوسطى عن كل من الفلسفة والعلم على حد سواء. وقد إعتمد ديكارت أسلوب الممانعة الناعمة على صعيد إتبّاع أسلوب ألمهادنة غير ألتصادمية بين دعوته وجوب خلق توليفة فلسفية تتقبل المنهج العام القائم على ألشك الموصل لحقيقة اليقين، كما تتقبل المنهج التجريبي العقلي القائم على ألتجربة والتطبيق العملي بالحياة، كما تتقّبل اللاهوت في مرتكزه القائم على الإعتراف بوجود الله خالق كل شيء ومنبع كل وجود الضامن لكل حقيقة. دليل ذلك تعبير ديكارت " الفكر هو المدرك – بكسر الراء – لذاته والذي هو في ذاته مدرك الموجود الكامل الله. منبع كل وجود والضامن لكل حقيقة."1 .

طبيعي لا يكون هذا التعبير الفلسفي لم يسبق به أحد من الفلاسفة ديكارت، لكن جديد ديكارت في طرحه هو في دعوة التوافق المنهجي الذي تتعايش فيه المتناقضات الثلاث (الفلسفة والعلم والدين) دونما إختلافات تصل الى حد ممارسة ألعداء المسّتحكم والدموي في أغلب الاحيان بينهم بكل السبل المتاحة المشروعة وغير المشروعة في القرن السابع عشر الذي عاشه ديكارت بكل مهيمناته القروسطية. مثال ذلك تصادم اللاهوت الديني الكنسي بالضد من العلم الفلكي والفيزياء وتصفية رموزه العلمية وتحجيم دورهم. برونو، غاليلو، كوبرنيكوس، نيوتن.كبلر.

مطالبة ديكارت أن يكون كل شيء ضمن حدود الوضوح التام كفيل بوضع كل شيء على محك الشّك الذي يعقبه اليقين العقلي في الصدق أو زيفه. الذي يعتبره ديكارت إدراكا لا يقاطع وعي الذات لحقيقتها الوجودية على صعيدي الأنطولوجيا والميتافيزيقا معا. ورغم تأكيد هذه الخصيصة الإنفرادية للذات، التي من خلالها جرى تمجيد وأعلاء نزعة العقل فقد رسم ديكارت هذه الميزة في تعاليها الذي يضمن للانسان إعتلائه الطبيعة، وفي ملازمة هذا التعالي الإقرار اليقيني الإيماني القاطع بوجود الله الذي هو منبع كل وجود والضامن لكل حقيقة.

من جنبة أخرى نجد منهج ديكارت بمقدار تأكيده النزعة العلمية التجريبية وهيمنة العقل وتعالي الذات كجوهر مركزي أكدّه في الكوجيتو أنا أفكر إذن أنا موجود. بمقدار ما جعل هذا التناقض في المنهج القائم على أولوية الشك بكل شيء يسبق  اليقين. فهو متناقض تماما من حيث أهمية التطبيق العملي الذي دعى له، تاركا الإهتمام المفروض في عدم إنسجام ومجانسة جمعه هذه الأقانيم ألمتناطحة الثلاثة ( الله، العقل، والفلسفة) في نسق منهجي معرفي نظري محال تطبيقه الواقعي. بل وألأكثر إستحالة إعتماد دلالة أحد هذه الأقانيم في معرفة أحدهما الآخروعدم التقاطع والإصطدام معه. وهي أقانيم لكل منها خصوصية لا تلتقي ولا تتجانس مع غيرها.

دعوة ديكارت أهمية الوضوح اللغوي في كل شيء يجري التعبير عنه كمدرك عقلي رغم إعتمادها بدأب فلسفي مثابر ثيمة بعد ثلاثة قرون من عصر ديكارت، في الإهتمام الإستثنائي من قبل عمالقة فلسفة اللغة التحليلية الانجليزية وعلى وجه التحديد جورج مور، نجد ديكارت يلجأ تحت رغبة تحقيقه التبسيط الواضح هاجسه الفلسفي البحثي الى مثل هذا التعبير الإفتعالي السطحي قوله " لفظ الفلسفة هذا معناه دراسة الحكمة، وليس معنى الحكمة قاصرا على الحيطة والتبصّر بالأمور، بل تفيد أيضا في معرفة جميع الأشياء التي يستطيع الانسان معرفتها إمّا لتحقيق الهداية في حياته أو المحافظة على صحته أو لاختراع جميع الفنون" 2

هذه العبارات الانشائية لا حاجة الإشارة الى تفككها الإفتعالي غير المترابط بما تحتويه من قفزات كنغرية من معنى لمعنى آخر لا علاقة ترابطية بينهما في جمع دلالة الحكمة الفلسفية في الحيطة والتبصّر، مع أهمية المحافظة على الصحة، وأخيرا أختراع جميع انواع الفنون.!! لم يضع ديكارت في عبارته مقوّمات وإشتغالات وإختلافات هذه القضايا الجوهرية الإستثنائية التي يقوم عليها جوهر الوجود الانساني التي جمعها في توليفة توفيقية تلفيقية تعسّفية لا يمكنها إلغاء التفاوت الكبير بينها في توزيع مهام الفلسفة على أمور جانبية لا يجمعها جامع بمباحث الفلسفة المهّمة الكبرى.

ديكارت والرياضيات

رغم محاولة ديكارت ربط الرياضيات بالفلسفة التي تعود أصولها الى عصرافلاطون، إلا أن منهج ديكارت دعوته إحياء مبحث الرياضيات في إعتباره مفتاح معرفة كل العلوم، وأنه لا فائدة ترجى من المنطق وحده فهو لا يضيف شيئا للعلم. معتبرا أسس المنهج تقوم على دعامتين إثنتين "جميع الأفعال الذهنية التي لا نستطيع بها أن نصل الى معرفة الأشياء دون أن نخشى الزلل عبارة عن فعلين إثنين هما الحدس والإستنباط."3 ويرى ديكارت" بالحدس أنه ليس شهادة الحواس الكاذبة، ولا الحكم الخادع حكم الخيال، وإنما الحدس هو الفكرة التي تقوم في ذهن خالص يصدر عن نور العقل وحده." 4

تجريد الحدس عن شهادة الحواس المضللة المرفوضة، وإبعاده الحدس عن حكم الخيال الخادع،يتطلب ذهنا خالصا يصدر عن نور العقل كما يدعو ديكارت له. كلام أيضا غير مترابط فلسفيا لا يهدف تحقيق نسق تعبيري منّظم يقودنا الى يقينيات لا شك يعتورها ويتداخلها، وكيف نحصل على ذهن صاف يستمد حيويته التوليدية للأفكار من نور العقل في تعبير صوفي ميتافيزيقي ظاهره علمي عندما نعتبر نور العقل هو التجربة العلمية التطبيقية بالحياة.. وليس نور العقل وفق المنطق الصوفي الميتافيزيقي.

لا نجد في مثل هذه التعابير تعالقا معرفيا يقوم على حقائق العلم والإستنباط الفلسفي المبني على تحليل العقل الذي يجب تتويج يقينياته العلمية الواضحة بالتطبيق العملاني لها بالحياة كما أراد ديكارت تحقيقه نظريا فقط... الوضوح بالتعبير لايعني تمرير المجازات اللغوية في حمولاتها المتعددة الوجوه في القراءة التأويلية التي تبحث عن تطابق تام بين اللغة ومدلولاتها الوجودية. ثم الوضوح المطلوب لوصول قناعات يقينية لا يتم إلا في إعطاء كل مفهوم دلالته الحقيقية ومجال إشتغاله من غير دعوة الى ربط تعسّفي محال تطبيقه خارج التنظير الفلسفي. فلا تستطيع الفلسفة التوفيق التلفيقي بين نزعة العقل العلمية التجريبية مع ميتافيزيقا وجود الله الذي إعتبره ديكارت ضمانة معرفة كل حقيقة فلسفية وأفرد لذلك كتابه (التاملات).

ديكارت ومناوئيه من الفلاسفة

ثم أن ديكارت ذهب ألى التسليم ب(الأفكار الفطرية) التي أورثها لكانط من بعده، الذي هو الآخر قال بوجود أفكار (قبلية) فطرية مركوزة بالذهن والعقل، وهي مباديء سابقة على كل تجربة علمية. وبالخصوص حين ذهب كانط في كتابه نقد العقل الخالص، إن خاصية الإدراك الجوهرية للانسان تقوم على ركيزتي ما أسماه قالبي الزمان والمكان بإعتبارهما جوهري الإدراك وهما قالبان مركوزان كمعطى فطري عقلي في ملازمتهما الوعي الإدراكي وبغيرهما لا يمكن العقل ألقيام بمهمته الإدراكية . وأنكر كلا من جون لوك وديفيد هيوم مقولة الأفكار الفطرية القبلية، مؤكدين على أن كل إدراك عقلي يقوم على التجربة الحسّية المستمّدة من الواقع وفاعلية العقل التوليدية للأفكار، وما لا تعبّر عنه الافكار يتعّذّر إدراكه العقلي وغير موجود في عالم الاشياء..

لم يكن ديكارت على مقدرة إستشرافية واضحة أن طروحاته الفلسفية ستجد لها معارضة ومداخلات لم يعمل لها حسابا، فقد طالب السايكولوجيين تطابق العقل مع النفس ليس بالمعنى الذي عبّر عنه ديكارت إعتباره العقل والنفس جوهرين منفصلين غير متطابقين، لكنهما جوهران متلازمان في وحدتهما التي تجمعهما صفة الخلود لكليهما، في حين إعتبر السايكولوجيون " العقل هو الجوهر المتعالي فوق المشاعر والارادة "5 وهو تعبير علمي دقيق. من جنبة ثانية قام فلاسفة الأخلاق نفي الطابع العقلي عنها، وأنكروا أن يكون للاخلاق ومعاييرها أصل تجريبي، ونفوا أن يكون للأخلاق قاعدة سيسيولوجية مجتمعية تسري بين الناس، وهذا الطرح على غرابته كان كانط من أقوى الداعمين له....

ومع كل الثغرات التي شابت طروحات ديكارت الفلسفية المنهجية العقلية فقد أعتبره مؤرخي الفلسفة، أنه فيلسوف إستطاع تحقيق ما عجز عنه غيره فهو "قوّض هيمنة فلسفة ارسطو – التي دام تأثيرها على أوربا الفي عام هي العصور الوسطى الاوربية – وقضى ديكارت حسب مناصريه على خرافات العلوم الفلكية التي سبقت علوم كوبرنيكوس وبرونو وغاليلو في نسفهم إصرار الكنيسة القول أن الارض مركز الكون وهي ثابتة لا تتحرك وهو ما قال به ارسطو. وأخيرا أرسى ديكارت سلطان تحكيم العقل بكل شيء قبل التسليم بصحته. ومنهم من أعتبر ديكارت فيلسوف الثورة الفرنسية ومفتاح دخول أوربا عصر الأنوار، وبعضا من أفكاره بقيت في مطاولتها الزمنية التاريخية الى مرحلة ما بعد الحداثة الأوربية. وسنوّضح لاحقا بعض هذا التداخل الفلسفي.

معركة الذات مع ديكارت

من المعلوم أن الكوجيتو الديكارتي ألشهير أنا أفكر إذن أنا موجود فتح بابا واسعا أمام الفلاسفة من بعده، وجرت تحليلات لمقولة ديكارت لها أول ولم يكن لها آخر. أبرز الإنتقادات كانت في تأكيد وعي الذات في ربطه بالتفكير المجرد عن موضوعه الذي هو في جوهره تعبير إنفرادي سلبي في إثبات الوجود. وعندما يقول ديكارت "أن مهمة الفلسفة يدخل فيها علم الله، وعلم الطبيعة، وعلم الانسان، لكن دعامة الفلسفة هي في الفكر الذي يعي ذاته، والذي هو ذاته مدرك من غيره "6

وإذا ما عدنا الى هذه الإرهاصات المؤثرة التي تركها ديكارت في الفلسفات الاوربية التي رافقت الحداثة وما بعد الحداثة، نجد أن تلك الطروحات كانت مناسبة لعصرها في القرن السابع عشر، وليس من مهام هذه الورقة إستعراض كل التفاصيل التي طرأت طيلة مدة ثلاثة قرون على أفكار ديكارت من قبل فلسفات متعددة مارست النقد الهادف تماما لأفكار ديكارت وكانت صائبة تماما. فعلى صعيد وعي الذات فقط نجد ردود الأفعال على تقديس ديكارت للذات كتحصيل وعي إنفرادي يقوم على أهمية الفكر السابق على وعي الذات، نجد فلاسفة الوجودية كلا من كيركارد، وبرينتانو، وهوسرل، وسارتر، وهيدجر، وجبرييل جميعهم وقفوا بألضد من فهم كوجيتو ديكارت لكن بفروقات فلسفية ليست جامعة لهم.

معلوم جيدا أن الوجودية الحديثة إعتبرت مركزية الذات جوهر فلسفي راكز في محورية مباحثها، ولم تنكر على ديكارت إهتمامه الإستثنائي بالوعي الذاتي، لكنها أنكرت عليه مسألتين الاولى ليس وعي الذات ناتجا عن الفكر بمعزل عن الوجود في -  عالم على حد تعبير هيدجر. والثانية أن الذات المدركة لوجودها الفعلي ضمن عالم هي ليس لغاية إعتلاء الذات الانسانية ظهر الطبيعة والسيطرة التامة عليها كما أراد وعبّر عنه ديكارت، بل وعي الذات الحقيقي المتسم بالقصدية سلفا ليس معزولا عن مجتمع بشري كما طرحه فلاسفة الوجودية لفهم الحياة.

كما شنّت البنيوية هجوما لاذعا شديدا في إنكارها تمجيد العقل وأعلاء ذاتية الانسان المحورية في مباحث الفلسفة الى ماقبل عصر ظهورالفلسفة الوجودية، وحاربت الميتافيزيقا التي أوصلت الكنيسة مكرهة رفع يدها عن هيمنة اللاهوت الديني على الحياة بمجمل مناحيها وفي المقدمة رفع وصايتها أمام نهضة وفتوحات العلوم بمختلف المجالات. وفي مرحلة متقدمة لاحقة لطروحات البنيوية في تمجيدها عصر الأنوار والحداثة، قامت البنيوية بردّة فعل إنقلابية تماهي ما بعد الحداثة في الخروج على ثوابت العقل ومركزية الانسان والذات وحتى التشكيك بالعلم ومنجزاته التكنولوجية الباهرة، وأعتبرتها مرتكزات ميتافيزيقية لا قيمة حقيقية إيجابية لها.  ماجعل جاك دريدا متمّسكا متطرفا في مقولته بإستراتيجية التفكيك تحت عنوان لا شيء خارج النص. وأتبعت البنيوية بكافة تياراتها منهجا جديدا قيامه ومرتكزه على فلسفة اللغة والعقل والقراءة الجديدة والتحول اللغوي ونظرية فائض المعنى وبذلك أخرجت البنيوية الفلسفة من نفق التيه الضائع في معالجة قضايا فلسفية زائفة طيلة قرون تاريخية من عمر تاريخ الفلسفة كانت مثار إهتمام الفلاسفة بهوس كبير. تاركة الباب في مجال فلسفة اللغة مفتوحا على مصراعيه أمام الفلاسفة الفرنسيين والاميركان والانكليز إختراعهم فلسفات عديدة تقوم على فلسفة العقل ألنقدي والتحوّل اللغوي بعد مغادرة فلاسفة البنيوية لهذا المبحث وإتجاههم نحو معالجات فلسفية جديدة مثل نقد السرديات الكبرى قاطبة في مقدمتها نقد ألماركسية قبل إنهيار الإتحاد ألسوفييتي القديم، وكذلك فعلت مع التاريخ في الإهتمام بالانثربولوجيا عند الاقوام البدائية كما فعل شتراوس، ونقد علم النفس الفرويدي كما قام به لاكان وفوكو ونقد الماركسية بضراوة من جانب شتراوس والتوسير وغير ذلك من مباحث فلسفية عديدة.

ديكارت والشّك

ما نذكره مقاربة لتفسير أبرز ما أراده ديكارت في عرضه موضوعة الشّك في تعالقها مع المنهج، علما أن العديد من فلاسفة اليونان كانوا يتعاطون مذهب الشك بالفلسفة  وأنكروا على العقل مصداقيته اليقينية المطلقة، ومعنى الحقيقة في معارف عصرهم، وفي الفلسفة الغربية الحديثة برز كلا من مونتاني وشارون وديفيد هيوم، لكن تطرف هؤلاء في مذهب الشّك لم يصل حدود  الشك في قدرة العقل وقيمته المعرفية. وهذا إختلاف جوهري كبير بين الشك الديكارتي وهؤلاء الفلاسفة الشّكاك. نفهم من طروحات ديكارت الشّكية التي تستوقفنا كوسيلة منهجية في إكتساب المعرفة أبرزها :

- "ألبحث عن الحقيقة يحتاج الإنسان مرة في حياته أن يضع جميع الاشياء موضع الشك قدر الامكان"7

- "ألهجوم الشاك على كل المباديء التي كان يعتمدها الباحث الفلسفي، سواء أكتسب تلك المباديء عن طريق التعلم، أو عن طريق إدراكها بالحواس"8

إذا رجعنا قليلا الى أفكار ديكارت حول أهمية المنهج في معرفة الحقيقة وفهم الوجود فهما سليما نجده ينطلق من مسلمة كل ما هو بديهي حدسي يمكن أن يكون يقينا قطعيا يمكننا الإستدلال به على غيره من معارف لم تكتسب مصداقيتها. ربط ديكارت الحدسي والبديهي على أنهما ليسا بحاجة الى برهان يؤكد معرفتهما اليقينية الإستنباطية في إعتمادها دلالة معيارية واحدة في معرفة غيرها. كما نجد في الشك الديكارتي لا قيمة صادقة يمكن الوثوق بها حول ألخبرات ألمكتسبة عن طريق العقل والحواس فكلاهما ليسا وسائل إستنباط معرفي، فلا الحواس غير خادعة ولا مدركات الذهن العقلية لها قيمة قبل تصفير مدارك الذهن من كل خبرة سابقة ومعارف قبلية، وأعتبار الشّك ملازما لها قبل التأكد من يقينيته كما أن الدعوة الديكارتية في تصفير الذهن والعقل من مدركاته القبلية كافة يعدم قيمة العقل أن يكون مرجعية معيارية لفهم ما هو بديهي صادق لا يحتاج البرهنة عليه عن ما هو زائف لا يمتلك الثقة به.. شك الانسان بمدركاته ألمكتسبة هي أولى مراتب الشك اللاحق الذي يطال كل المدركات البعدية في موجودات وظواهر العالم الخارجي. كون الشك جزء هام من منهج التحقق عن ألاشياء في صدقيتها وفي زيفها معا.

ديكارت وخداع الحواس

في هجوم ديكارت على المعارف القبلية المكتسبة على أنها زائفة إكتسبناها تلقينا ببغاويا عن طريق تعليمنا في مقاعد الدراسة أو عن طريق الحواس الخادعة ولم تكن تتوفر لدينا القدرة على تمحيصها جيدا قبل تسليمنا بصحتها أو إكتشافنا زيفها.

إن عدم التفريق بين خداع الحواس الواضح في العديد من المجالات التي ندرك زيفها، وبين إدراكات الحواس في نقلها عبر الجهاز العصبي الى الذهن بعد فلترة العقل لها ومنحها جواز مرورها الى ألذهن التي لا تكون زائفة تماما بل تكون مدركات حسّية تحتاج كلمة العقل الفصل بشأنها.فمثلا في تأكيده زيف الحواس بتشكيل مدركاتنا، يعتمد تفسيرا خاصا به يقوم على علاقة الشعور باليقظة والوعي الإدراكي الحسّي بعالم الموجودات من حولنا، ويعتبر هذا النوع من الإدراك لا يختلف عن علاقة اللاشعور في تداعياته الصورية التي لا يحدّها زمان ولا مكان كما في إدراكنا الأشياء في حالة اليقظة. إدراك الشعور لموجودات العالم الخارجي لا تكون زائفة وعشوائية بإقترانها حسب تعبير ديكارت بالحواس الكاذبة دائما والمفاهيم القبلية المكتسبة من المحيط عبر التجربة المتراكمة في مخزون الذهن الواجب التحرر الكامل منها.. ويصل ديكارت قوله نصا " إننا نعتقد في النوم أمورا ونتخّيل أحوالا ونحسب لها ثباتا وإستقرارا ثم نستيقظ فنعلم أن ما رأيناه أثناء النوم كانت خيالات لا حاصل لها، كما ليس هناك إمارات يقينية يمكن أن نمّيز بها اليقظة من النوم بوضوح ." 9

طبعا يتوجب علينا التفريق بين تداعيات اللاشعور أثناء النوم على أنها خيالات لا يمكننا السيطرة عليها إدراكيا كما نحن نتعامل مع مدركاتنا في حال اليقظة، وهذه التداعيات الخيالية في اللاشعور أثناء النوم لا سلطان للعقل عليها. ولا يترتّب على هذا إرباكنا في عدم إمكانية فرز زيف الإدراكين في اللاشعور أثناء النوم عن إختلافه في الشعور أثناء اليقظة. ولا يمكننا التسليم أننا لا نستطيع تمييز حقيقة الواقع الحسّي المدرك عقليا شعوريا، عن واقع تداعيات الخيال والذاكرة المتقافزة بلا نظام في ذهن النائم. ولا بأس أن نصف كلا الإدراكين زائفين من حيث الإحتكام لمرجعية العقل لكن لا نعجز قطعا عن عدم إمكانيتنا من التحقق اليقيني أن ما نعيشه في عالم اليقظة هو العالم الحقيقي الذي نتعامل معه بمدركات العقل ألمنظمّة زمكانيا، بإختلافه عن عالم اللاشعور الذي ندرك لا واقعيته وليس زيفه فقط حال إستيقاظنا من النوم.

- الشعور كوعي قصدي عقلي هو وسيلتنا الوحيدة في إدراكنا عالم الموجودات الخارجية من حولنا. بخلاف مدركات اللاشعور التي ندركها أثناء النوم في عدم إنتظامها لا يمكن مشابهتها بنفس الإدراك في حال اليقظة، والتي يعتبرهما ديكارت كلا الإدراكين في الحالتين تعبّران عن الزيف المربك لنا عندما نعجز التفريق بين صدقية مدركاتنا الشعورية باليقظة عن صدقية مدركاتنا اللاشعورية بالمنام. ولا يمكن تمرير الخلط بين إدراك الشعور هو نفسه إدراك اللاشعور في إشتراكهما بخاصية الزيف. بل يكون التفريق بينهما بخاصية (الواقعية) الأنطولوجية التي يدركها العقل الشعوري الواعي بين عالم  نعيشه ضمن مجتمع تحكمه علاقات منوعة ومختلفة، وبين عالم حلمي لاشعوري تتقافز فيه صور ألأشياء التي يدركها العقل بعشوائية لا نظامية لا يمكن السيطرة الشعورية عليها.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

....................................

الهوامش

1- د امل مبروك /الفلسفة الحديثة/ ص69

2- نفسه ص 70

3- نفسه ص 77

4- نفسه ص 77

5- نفسه ص70

6- نفسه ص 82

7- نفسه ص 83

8- نفسه ص 83

9 - نفسه ص 84

 

حاتم حميد محسنفي مقال له بعنوان (مقال في الانطولوجيا الظواهيرية) يعرض سارتر الوجود والعدم كأعظم تعبير عن فلسفته الوجودية. هذه الفلسفة اساسا، هي دراسة لوعي الوجود. الانطولوجيا تعني دراسة الوجود، اما الظواهيرية تتصل بالوعي الادراكي. في هذا المدخل للوجود والعدم يعلن سارتر بالتفصيل رفضه لمفهوم كانط في "الشيء في ذاته" او noumenon. كانط كان مثاليا، يعتقد ان ليس لدينا طريقة مباشرة لإدراك العالم الخارجي وان كل ما نستطيع الوصول له هو افكارنا عن العالم، بما في ذلك ما تخبرنا احاسيسنا به. كانط يميز بين الظاهرة phenomena والتي هي تصوراتنا للاشياء او ما تبدو لنا عليه الاشياء، والشيء في ذاته، الذي ليس لنا معرفة به لأنه مستقل عن وعينا(1). وبالضد من كانط يجادل سارتر ان مظهر الظاهرة هو خالص ومطلق. الشيء في ذاته يتعذر ادراكه، هو ببساطة ليس هناك. الظهور هو الحقيقة الوحيدة. ومن نقطة البدء هذه، يجادل سارتر بان العالم يمكن رؤيته كسلسلة لامتناهية من المظاهر المتناهية. هذه الرؤية تزيل عدة ثنائيات ولاسيما الثنائية التي تقارن بين الداخل وخارج الشيء. مانراه هو ما نحصل عليه (او ان ما يبدو هو ما نعرف).

وبعد التخلص من مفهوم الشيء في ذاته، يطرح سارتر التمييز المزدوج الذي يسيطر على بقية نظريته (الوجود والعدم)، وهو التمييز بين الوجود غير الواعي (الوجود في ذاته) والوجود الواعي (الوجود لذاته).(2) الوجود في ذاته هو مادي، يفتقر للقدرة على التغيير وهو غير واع بذاته. اما الوجود لذاته هو واع بوعيه لكنه ايضا غير تام. سارتر يرى ان هذه الطبيعة غير المحددة هي التي تعرّف الانسان. طالما الوجود لأجل ذاته (مثل الانسان) يفتقر للجوهر المقرر سلفا، فهو مجبر على ان يخلق ذاته من العدم. العدم،  وفقا لسارتر هو الخصائص المعرّفة للوجود لأجل ذاته. الشجرة هي شجرة وتفتقر للمقدرة لتغيير او خلق وجودها. الانسان، من جهة اخرى، يصنع نفسه من خلال الفعل في العالم. بدلا من مجرد وجود، كما يفعل الشيء في ذاته، فان الانسان، كشيء لأجل ذاته، يجب ان يحرّك وجوده.

بعد ذلك يعرض سارتر الحقيقة ذات الصلة وهي ان الوجود لأجل ذاته يمتلك معنى فقط من خلال اندفاعه الأبدي نحو المستقبل المجهول. بكلمة اخرى، الانسان ليس بالضرورة ما يصفه المرء كما الآن. فمثلا، اذا كان هو مدرس، فهو ليس مدرس بنفس الطريقة التي تكون بها الصخرة كوجود في ذاته،  صخرة. في الحقيقة، الانسان ليس جوهر ابدا، لايهم كم هو يكافح في الجوهرية الذاتية. الطريقة التي يفسر بها ماضيه ويتوقع بها مستقبله هي ذاتها سلسلة من الخيارات. وكما يوضح سارتر، حتى لو أمكن القول ان الفرد لديه طبيعة مادية معينة، كما في الكرسي "الذي هو 2 قدم طول، بينما طوله هو ستة أقدام"، فان الفرد مع ذلك يجسد نفسه بإضفاء معنى او أخذ معنى من خصائصه المادية وبهذا ينفيها. المفارقة هنا كبيرة. الوجود لأجل ذاته يرغب في ان يصبح وجود ضمن الوجود في ذاته، يفرض ذاتيته على موضوعية الآخرين. الوجود لأجل ذاته هو وعي،  وبهذا تتأكد الفجوة غير القابلة للتسوية بين الوجود في ذاته والوجود لأجل ذاته .

يوضح سارتر انه كوجود واعي، الوجود لأجل ذاته يعترف بما هو مناف لذلك: انه ليس وجود في ذاته. من خلال الوعي بما هو ليس كذلك، يصبح الوجود لأجل ذاته ما هو عليه: العدم، متحرر بالكامل في العالم، في لوحة فارغة يخلق عليها وجوده. هو يستنتج ان الوجود لأجل ذاته هو الوجود الذي يدخل من خلاله العدم والنقص الى العالم، وبالنتيجة، الوجود لأجل ذاته هو ذاته نقص. ان الغياب الذي يشير له هو غياب المركب (الوجود لأجل ذاته والوجود في ذاته) غير القابل للاكتساب. الوجود لأجل ذاته يُعرّف من خلال معرفته بكونه ليس في ذاته . الانسان لايعرف ابدا وجودا كما هو حقيقة، لأنه لكي يقوم بذلك،  لابد للمرء ان يكون الشيء ذاته. لكي نعرف الصخرة، نحن يجب ان نكون الصخرة ذاتها (وبالطبع، الصخرة كوجود في ذاته، تفتقر للوعي). غير ان الوجود لأجل ذاته يرى ويحدس العالم من خلال ما هو ليس حاضر. بهذه الطريقة، يكون الوجود لأجل ذاته هو سلفا حر بالكامل،  ويحوز ايضا على قوة التصور. حتى لو ان الجمال المطلق (لدى سارتر الاتحاد المطلق للوجود والوعي) لايمكن فهمه، فان معرفته من خلال غيابه، كما في حالة المرء الذي يشعر بالفراغ الحاصل اثر رحيل محبوبه، هي حقيقته الخاصة به.

عند الخوض في الطرق التي يتصل بها الوجود لأجل ذاته بوجود آخر، يجادل سارتر اننا ككائنات بشرية يمكن ان نصبح واعين بانفسنا فقط عندما نُواجه بنظرة الآخر. نظرة الآخر هي تشيؤ بمعنى انه عندما يرى المرء فردا آخر يبني بيتا، هو يرى ان الفرد مجرد بنّاء للبيت. يكتب سارتر اننا نتصور أنفسنا كوننا متصورين ونأتي لتجسيد أنفسنا بنفس الطريقة التي نتشيأ بها. وهكذا، نظرة الآخر تسلبنا من حريتنا المتأصلة وتجعلنا نحرم أنفسنا من وجودنا كوجود لأجل ذاته وبدلا من ذلك نتعلم تزييف الهوية الذاتية كوجود في ذاته.

 

حاتم حميد محسن

........................

الهوامش

(1) طبقا لكانط، من المهم دائما التمييز بين عالمي الظواهر والشيء في ذاته. الظاهرة هي ما يبدو لنا والذي يشكل تجربتنا، اما الشيء في ذاته هو الاشياء المفترضة ذاتها والتي تشكل الواقع. جميع أحكامنا القبلية التركيبية تنطبق فقط على عالم الظواهر وليس على عالم الأشياء في ذاتها. (فقط عند هذا المستوى بشأن ما نستطيع اختباره، يكون لدينا تبرير في فرض هيكل من المفاهيم على موضوعات معرفتنا). طالما الشيء في ذاته هو حسب التعريف مستقل تماما عن تجاربنا، لذا نحن  جاهلون تماما في عالم الشيء في ذاته. وهكذا، حسب رؤية كانط، القوانين الاساسية في الطبيعة مثل حقائق الرياضيات يمكن معرفتها فقط لأنها لا تبذل جهدا لوصف العالم كما هو حقا وانما بدلا من ذلك تصف هيكل العالم كما نلاحظه. عبر تطبيق الأشكال الخالصة للحدس المعقول والمفاهيم الخالصة للفهم، نحن ننجز رؤية منهجية للعالم الظواهري ولكن لا نتعلم أي شيء عن عالم الشيء في ذاته. الرياضيات والعلوم هي بالتأكيد ظواهرية حقيقية، لكن الميتافيزيقا فقط هي التي تبلغنا عن الوجود في ذاته.

(2) الوجود في ذاته يشير الى الأشياء في العالم الخارجي،  هو شكل من الوجود غير الواعي، فهو لا فاعل ولاسلبي، ولايحمل أي إمكانية للتعالي. هذا الشكل من الوجود يلائم الجمادات وليس الانسان الذي يقول عنه سارتر يجب ان يتخذ خيارات. اما الوجود لذاته فهو شكل من الوجود الواعي له فعاليته وطبيعته الهادفة. الوجود في ذاته هو مجرد شيء. في أي لحظة نحن وجود في ذاته، بعد ذلك وفي اللحظة القادمة،  نحن وجود في ذاته مختلف. اما الوجود لذاته فهو رحيل دائم من الوجود في ذاته نحو وجود آخر في ذاته. الوجود لذاته هو العدمية او الفراغ بين كل وجود في ذاته  كنّا فيه ولازلنا فيه حتى الآن، انه الوعي بكوننا وجود له إمكانية ان يصبح وجودا آخر. الوجود الذي نصبح فيه هو الاختيار الذي نقوم به اثناء الرحلة من الوجود في ذاته الذي كنّا فيه تواً نحو وجود في ذاته نحاول ان نصبح فيه. ان العلاقة بين هذين الوجودين(الوجود في ذاته والوجود لذاته) هي علاقة ارتباط وابتعاد في آن واحد، فالوعي حينما يدرك الاشياء هو يختلف عنها لكنه ليس منفصلا عنها لأن الاشياء تقع ضمن مجال الفهم.

 

عمرون علي نحن الاثنان في السجن انا داخل الجدران وانت خارجها

وأسوء من ذلك ان نحمل السجن في نفوسنا

ناظم حكمت – حرية حزينة-

مدخل عام

كثيرا ما نجد أنفسنا أمام خيارات متعاكسة وفي وضعيات تبدو لنا في الواقع متشابهة وامام نتائج هي في الظاهر متساوية ومتماثلة، هذا التناقض يضعنا فلسفيا امام مفارقة (paradox). نفقد فيها ومن خلالها حرية الاختيار ونعجز عن اتخاذ القرار، والسبب في ذلك انه عندما تتساوى الاحتمالات وتتعارض الغايات مع الوسائل نتردد ونشعر بالحيرة ونتوقف عن التفكير، وقد نجد لذة في تأجيل القرار والهروب الى الأمام، وذلك بممارسة بعض المغالطات تحت تأثير دوافع لاشعورية في الأكثر . هي لحظة قاسية ومؤلمة في بعدها الوجودي والأخلاقي لحظة تعطل الإرادة والتعايش مع وهم الحرية .وقد قيل:" وهم الحرية أخطر بكثير، من أي زنزانة أو أقفاص ضيقة "

صحيح ان جميع الكائنات الحية تمتلك قابلية التكيف مع بيئتها، والتوافق والانسجام مع عالمها ووسطها الخارجي، غير ان الانسان السوي ينفرد هنا بقدرته على حسن توظيف معارفه وتعديلها وتجديدها، بشكل يسمح له ببناء استجابة تكيفية ناجحة، وهي العلامة الحقيقية على النضج والتوازن المعرفي وأيضا على قوة الإرادة وقدرة الاختيار، وعلم النفس تفطن الى هذه الحقيقة وتحدث عن اللاتوازن، الذي هو حالة يفقد فيها العقل قدرته على ترتيب الأولويات وتحديد المسار الصحيح، حيث يفقد الانسان تفكيره المنطقي ويتحول الى حمار عنيد، يدفعه الكبرياء الحميري الى التصرف وفق مبدأ اللامبالاة، يرفض الحركة مفضلا السكون وقد يميل الى النوم تماما ككلب بافلوف عندما فقد القدرة على الاستجابة للمنبهات، لقد لاحظ إيفان بتروفيتش بافلوف وفق منهج استقرائي، أنه إذا تم وضع كلب امام نوعين من ردود الفعل المشروطة، في نفس الوقت وبنفس الكيفية، فإن الكلب يبقى ساكنا عاجزا عن القيام بأي شيء. ومن ثم النوم ضمن متاهة التردد. فهل قدرنا اليوم ان نتأرجح بين حرية حزينة ولامبالاة قاتلة؟ وهل من الممكن ان نتحرر من حيرتنا ونقرر ما نريد؟ أم أن التجهيل والاستبداد – كما قال عبد الرحيم العطري - فعل فعلته فينا ولن يكون قدرنا أحسن من مآل حمار بوريدان؟ وهل أصبحنا اليوم نتحرك ونتصرف مثل كلاب بافلوف؟

مفارقة حمار بوريدان

(تفلسف الحمار فمات جوعا)

جوهر كل مفارقة هو التناقض والتعارض في المنطلقات والمواقف، وهي تتقاطع مع شبكة من المفاهيم المركزية في التفكير الفلسفي : كالمعضلة والمآزق والدهشة والمغالطة والاحراج و مفارقة حمار بوريدان

ترتبط بفكرة جان بوريدان (1300-1358) ومفادها انه لا يمكن اتخاذ القرار عندما تكون الأسباب متساوية وذات معاني متناقضة سواء كانت الخيارات جيدة او سيئة، هذه المفارقة اقحم فيها حمار بوريدان، كان جائعا عطشا وكان يقف على مسافة من دلو الماء وكومة الطعام لم يعرف الى أي طريق يسير ظل المسكين مترددا حائرا دون اختيار في حالة من اللاتأمل دون تصور او مداولة ودون قدرة على اتخاذ القرار ...لقد تفلسف الحمار فمات جوعا* . ولذلك قيل من الناحية المنطقية ان التفضيل بدون اختيار مستحيل. خاصة إذا كانت الدوافع متساوية و الاختيارات متشابهة فان حال الانسان كحال الحمار كلاهما يبقى عالقا، وفي مواجهة حيرة الاختيار يموت الحمار ونفقد الانسان.

الواقع ان الحمير- كحال بعض الناس - عنيدة رغم تواضعها، معروفة بقدرتها على التحمل تستطيع العمل لمدة عشر ساعات في اليوم دون انقطاع وقد تحمل في بعض الحالات حتى 110% من وزنها. لكن معدل عمرها في البلاد العربية لا يتجاوز سبع سنوات انهم يموتون نتيجة سوء التغذية وسوء المعاملة. وهذا ما يحدث لنا للأسف عندما تتعطل عندنا إرادة الاختيار تتحول الحرية المزعومة الى سراب، و نعيش وهم الحرية نفكر ونتصرف وفق مبدا اللامبالاة، . في رسالته إلى شولر، رفض وندد سبينوزا بما سماه وهم الإرادة الحرة . حيث “يتوهم الناس انهم أحرار لجهلهم الحتميات التي يخضعون لها .فلو كان للحجر شعور لقال إني اسقط بحرية ..! ” صحيح ان الرجال كما قال سبينوزا يتفاخرون بانهم احرار لان الرغبة في ان تكون حرا متأصلة في الطبيعة البشرية تلك الطبيعة التي تحركها الانانية والمجد والفخر والكبرياء وبما أن هذا التحيز فطري لدى جميع الرجال، فلا يمكن إطلاق سراحهم بسهولة“.

هذا الوهم هو الذي جعلنا في الواقع عبيدا في الوقت الذي نعتقد فيه اننا نمتلك الحرية . والوهْمُ يرتبط في نظر فرويد بالرغبات اللاشعورية، لكن حسب نيتشه، هو كلُّ ما أنتجَه الإنسانُ من معارفَ. لأنها ناتجةٌ عن رغبة لاشعورية في البقاء. حيث تقدِّم الأوهامُ نفسَها على أنها "حقائق". ومَصْدر الأوهام، بحسب نيتشه، الفكر أولاً، حيث يلجأ إلى الكذب والتضليل وإخفاء الحقيقة التي يتوهَّم أنها خطِرة على وجودِه فيخفيها تحت غلاف المنطق، واللغةُ ثانيًا، لأنها أداة الفكر، وهي تشبيهات واستعاراتٌ صنعَها الفكرُ. ويرى نيتشه بأنَّ التخلُّصَ من الوهم صعبٌ إنْ لم يكنْ مستحيلاً. لكنَّ الأوهامَ قد تكون نافعةً. وقد نحتاج إليها لنعيش. [1]

يمكن ان نتفق ونحن في بداية مقالنا مع أستاذة فلسفة العلوم ومناهج البحث الدكتورة يمنى طريف الخولي في ان مشكلة الحرية فضفاضة، بل هلامية مترامية الأطراف، ضائعة الحدود، لا مبتدأ لها ولامنتهى، فهي تبدو منذرة بالتشتت والضياع [2]، أولا لأنها مشروطة بقدرة اختيار امر ممكن من عدة أمور ممكنة دون ان تكون نتيجة الاختيار معروفة مسبقا وثانيا هي تتطلب تجاوز مختلف الحتميات مع وعي الأسباب الدافعة الى ذلك وثالثا الحرية هي المقولة الوحيدة التي تتداخل فيها شتى كليات وجزئيات التجربة الإنسانية وسائر جوانب عالمه المعاش وأيضا عقله الفعال ومن ثم يمكن جعلها مضافا لأي مضاف اليه شئنا : الميتافيزيقا، اللاهوت، الاخلاق، السياسة، الاقتصاد، الاجتماع، الدين العلم، الشخصية...." ولذلك اشعيا برلين كتب بنبرة اليائس انه :" لن يناقش اكثر من مائتي تعريفا للحرية " [3]

الحقيقة اننا لن ندخل في متاهة تعدد مفاهيم الحرية وتنوع وتناقض نظريات الاختيار بل الذي يعيننا هنا تحديدا هو الحديث عن وضعية الرهينة وعن وضع تمت فيه مصادرة الحرية دون وعي منا، ففي كل القضايا الصعبة التي اصطدمنا بها يبدو اننا لم نتخذ القرار الصحيح يل كنا سجناء لحالة الارتياب واللاتعين، وفي النهاية الطريق ابتعدنا عن الخيار الصحيح عالقين في متاهة اريان نتعايش مع الواقع وما يحمله من أوهام، نساير سوء الاختيار.وبالعودة الى عالم النفس البولندي كورت ليفين (1947-1890) (مؤسس نظرية المجال في علم النفس)، نجده في إحدى كتاباته، بعد الإشارة إلى قصة حمار جان بوريدان يصف هذا النوع من الصراع على انه صراع غير مستقر. يتكون عندما يترك شخص ما، بسبب عوامل عرضية، نقطة التوازن ويتحرك نحو إحدى المناطق المستهدفة، حيث تزداد القوة التي يدركها في هذه المنطقة، لذلك يتحرك بعيدًا عن نقطة التوازن. حيث قوة الانجذاب للمنطقة المستهدفة تزداد تدريجيًا مع انخفاض المسافة بين الشخص والهدف.

حين يكون الخيار بين أمرين غير متناقضين بل متشابهين تماماً إلى حد التطابق، يعْطَى للعقل تقريراً واحدًا لا يستطيع فيه عمل الترتيب المنطقي أو لنقل ترتيب للأولويات فيصعب عليه الوصول للخيار .الصحيح وعندما يترك لنا الخيار، نشعر بالعجز مثل الحمار...كل شيء يبدو فجأة مربحا ومع القلق من فقدانه والخوف من اختيار خاطئ، لا نختار رغم أننا في نهاية المطاف قد نُطوق لكلا الأمرين ونجد في وضع وقت إضافي للتفكير، مخرجاً مؤقتاً ونستمر في ذلك حتى نفاذ الوقت كله دون خيار، ونسلم العصا لشخص آخر ليختار لأننا خائفون من أن نصبح حمار بوريدان.*

وهم الحرية يتمظهر في مستويات عديدة وسنشير حسب عدد من المقالات والبحوث الى أهمها:

01- الدولة الحقيقة هي التي تصل فيها الحرية الى اعلى مراتبها هذه القاعدة التي وضعها هيجل كمقياس لكمال الدولة من الناحية الفلسفية، والدولة في نظر سبينوزا وجدت في الأصل لتحرير الانسان من الخوف، لكنها اليوم تعمل على عزل الناس وإجبارهم على التصرف بشكل غريزي وليس بوعي. بل و تخويف الناس من خلال خلق تصور بأن وجودهم البيولوجي في خطر لأنهم يعرفون أن الأشخاص الخائفين، خاصة إذا وصل هذا الخوف إلى مستوى الذعر، سيتصرفون بغرائزهم، وليس بوعي وستمنعهم غريزة الحماية الفردية من أن يكون كائنًات اجتماعيًة حرة. يقول نعوم تشومسكي: "الأكثرية تتعوّد على استهلاك الخيال، فأوهام الثروة تباع للفقراء، وأوهام الحرية للمضطهدين، وأحلام النصر للمهزومين، وأحلام القوة للضعفاء" وهذا ما ذهب اليه أيضا فرانز كافكا حيث كتب قائلا :" إن الحرية بين البشر غالبا ما تكون وهما كبيرا . وبما أن الحرية تعد من أسمى المشاعر، فإن الوهم الناتج عنها هو أيضا من أسمى الأوهام"

02- مصادرة الحرية من خلال غرس وهم المعرفة ونشر ثقافة الجهل والخوف وقد تنبه الكواكبي الى هذا الامر وأشار الى ان المستبد لايخشى علوم اللغة، تلك العلوم التي بعضها يقوم اللسان وأكثرها هزل وهذيان يضيع به الزمان.. وكذلك لا يخاف المستبد من العلوم الدينية المتعلقة بالمعاد المختصة ما بين الانسان وربه، لاعتقاده انها لا ترفع غباوة ولا تزيل غشاوة .. اذا نبغ منهم البعض ونالوا حرمة بين العوام، لا يعدم المستبد وسيلة لاستخدامهم في تأييد امره، ومجاراة هواه في مقابل انه يضحك عليهم بشيء من التعظيم، ويسد افواههم بلقيمات من فتات مائدة الاستبداد.. ترتعد فرائص المستبد من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع والسياسة المدنية ..ونحو ذلك من العلوم التي تكبر النفوس وتوسع العقول وتعرف الانسان ماهي حقوقه وكم هو مغبون فيها، وكيف الطلب، وكيف النوال ...والحاصل ان العوام يذبحون انفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل والغباوة[4]

03- تم تقييد الحريات في جميع أنحاء العالم بشدة بذريعة تفشي فيروس Covid-19. تم تدمير العديد من الحريات بالكامل. حظر التجول، وحظر السفر، والحجر الصحي الكامل للمدن، ومنع الاجتماعات والمظاهرات وقد صرح وزير الصحة الفرنسي أوليفييه فيران لصحيفة "لو باريزيان" الأحد 24/01/2021 انه يفترض أن يتم "تقييم آثار حظر التجول" (من الساعة 18,00 حتى السادسة) خلال الأسبوع.وأضاف محذرا "إذا لم ينخفض (حجم العدوى) وإذا بدأت النسخ المتحورة تنتشر في كل مكان" فستقوم الحكومة "باتخاذ إجراءات إضافية"، موضحا أن "هذا يسمى احتواء (...) إذا رأينا أن الفيروس يبدأ في التقدم بقوة فسنغلق".يقول ميشال فوكو في كتابه " المراقبة والعقاب" :" "إن المدينة المنكوبة التي يصيبها وباء الطاعون هي النموذج الأمثل الذي تحلم به السلطة لتوسيع هيمنتها. وإذا كان أهل الحقوق والقانون يحلمون بالحالة الطبيعية والمنطقية لاحترام القانون، فإن أهل السلطة يحلمون بقدوم وباء الطاعون لفرض السلطة التامة على الناس"

04- في مقال المسرح التونسي: أوهام الحرية.. والقمع أيضا، الكاتب التونسي شوقي بن حسن تحدث عن ندوة "أوهام الحرية في واقع منفصم ورقابة متخفية" المنعقدة في قاعة "مربّع الفن" في تونس العاصمة وأشار الى تشبيه الباحث بن إبراهيم الحريات في المرحلة الأخيرة بانتشار الباعة المتجوّلين حيث يمكن أن تكون الحرية مُربحة ولكنها مُضرّة مثل بضائع السوق السوداء.

05- الاشتغال على ورقة الإرهاب وفزاعة التدخل الأجنبي وإرهاب المجتمع. والعمل على رفع هذا الشعور إلى درجة الرعب والذعر، حيث يشعر الفرد بالضعف وعدم الحماية والعجز .وخلق فوبيا الخوف من الزحام و من الأماكن المكشوفة. الخوف يضعف الناس خصائص وجودهم الاجتماعي، ويزداد قلقهم الفردي وأنانيتهم، وكلما زاد تفتيت الناس، زادت سهولة التحكم بهم واستلاب حريتهم.

06- هناك أكثر من 200 مليون كاميرا تراقب الشوارع والشوارع 24/7.في الصين حيث يمكن لبرامج التعرف على الوجه بالذكاء الاصطناعي المدمجة في نظام الكاميرا واكتشاف الأشخاص بسرعة ومزاجهم ومع من هم على اتصال.

07- وهم الحرية في مجال الصحة هذا الوهم يتغذى من حاجات الانسان المختلفة فهناك هرمًا يبدأ من الاحتياجات الفسيولوجية الأساسية ويصعد نحو الاحتياجات الاجتماعية والروحية والثقافية الأعلى. ومن المعلوم علميا ان من أهم العوامل التي تحدد السلوك البشري غريزة حماية الوجود المادي، أي سلامة الحياة أو البقاء على قيد الحياة. وهنا وقعنا في الفخ يجب اغلاق الأبواب أمام الجميع. وثانيًا، التضحية بحرياتنا "مؤقتًا" من أجل صحة كل منا! وضع الناس في مثل هذه المعضلة يعني جعلهم يتنازلون طواعية عن حريتهم، لأنه من الواضح أن الغالبية ستختار الصحة.

08- هناك تجربة اجتماعية أجراها أستاذان. حول وهم الحرية في المجال الاقتصادي ؛ حيث تم وضع جناحين مختلفين مقابل بعضهما البعض في احد المتاجر الكبيرة، تم وضع 6 أنواع مختلفة من المربى على الحامل المقابل لـ 24 نوعًا مختلفًا من المربى في حامل واحد.، لوحظ أن الغالبية العظمى من المتسوقين توقفوا عند المنصة حيث عرض 24 نوعًا مختلفًا من المربى. و 3٪ فقط من الذين زاروا الجناح مع 24 مربى مختلفة اشتروا المربى. والسبب هو عدم القدرة على الاختيار .

وماذا عن كلاب بافلوف؟

جعل بافلوف يجري الاختبارات على الحيوانات ويبحث هو اتباعه في نشاط الانعكاسات وموقعها من السلوك . وبذلك حصل على معلومات قيمة . واستطاع بتنشيط بعض الانعكاسات على بعضها الاخر وضع الكلب في حالات من النوم والتنويم والنورستانيا . اطلق بافلوف على نظريته النيوريزم أي التنظيم العصبي للسلوك او هيمنة الجهاز العصبي على كل مظاهر السلوك واكد ان الفعل هو اللبنة الأولى للسلوك الحيواني والإنساني حيث دراسة السلوك مفتاح فهم حقيقة الانسان وكان منهجه هو منهج الفعل المنعكس الشرطي وطبق نظريته في دراسة أنماط الجهاز العصبي لدى الكلاب.وهذه النظرية تطبق علينا اليوم .

لقد اتضح له ان الكلاب ليست على نوع واحد وكذلك البشر في الاستجابة وهذا واضح في موضوع الارتباط بين عمليتي الاثارة والكف واليقظة والنوم وحدد بافلوف نوعين من الامراض النيورستانيا والهستيريا وخصائص الأولى هي غلبة الاثارة وضعف الكف والثانية عكس الأولى يقول بافلوف: " تقوم نظرية النشاط الانعكاسي على ثلاثة مبادئ أساسية من البحث العلمي الدقيق: أولا مبدا الحتمية، أي كل فعل او حدث معين له دفع ما او حافز او علة . وثانيا مبدا التحليل والتركيب .. وثالثا مبدا التوافق بين الحركة والتكوين " [6]

يقول الشاعر نصار عبد الله في قصائد الى بافلوف

كلبك يا "بافلوف" جن

انت ادرت اعين الزمن ....في وجهي المرتاب

انت قلبت صفحة المجن .....للص والسيد والكلاب

حين أرى الدائرة البيضاء تقصر او تطول ....حين يدق جرس الإنذار ساعة الإفطار

وحيت تصعقني دائرة التيار ....سوف أقول ما تقول سوف اشاء ما تشاء

هأنذا أشحذ من حدائق السماء

فاكهة الرحمة لا اعطي ولا أرد

هأنذا اواجه القضاة فوق الأرض

لا مبرؤ ولا مدان

انقطعت يداي ياسؤالي العقيم

واحترق اللسان .

كيف يمكن التغلب على متلازمة حمار جان بوريدان وكلب بافلوف؟

اقترح مجتبى شيخ علي ثلاث طرق:

01- تحديد النقاط السلبية وإزالة الخيارات

الحل الأول لمشكلة اتخاذ القرار هذه، هو سرد الجوانب السلبية للخيارات المختلفة واختيار الخيار الذي يحتوي على أقل سلبيات.

02- أهداف محددة في الحياة

الشخص الذي لديه هدف محدد في حياته ويعرف منظور حياته، يتخذ القرارات بسهولة أكبر. تساعدنا الأهداف المحددة على اتخاذ القرارات التي ستقودنا إلى هدفنا في وقت أقرب.

03- الخطوط الحمراء واضحة

هذه المسألة قابلة للتطبيق أكثر في المفاوضات، لكنها تعميم على أجزاء مختلفة من الحياة. الشخص الذي يكون خطه الأحمر واضحًا في الحياة والعمل والتفاوض لن يكون مهووسًا بالاختيار.

الخلاصة

كتخريج عام نقول ان الانسان اذا فقد حرية الاختيار اصبح دون الحمار ففي قصة قصيرة للجزائري محمد دلومي بعنوان عندما كنت حمارا استهل قصته بهذا القول: " ما أروعك وأنت حمار حر وما أتعس الانسان وهو عبد" وتساءل بعمق: إن كان هو أنا فمن تراه يكون الحمار؟ وفي مقال اقزام الثقافة والحمار القصير للكاتب الجزائري محمد خريف أشار الى هذا الصنف من الناس بأسلوب تهكمي قائلا : الحمار الثقافي في نظر البعض سهل الامتطاء ..في متناول كل قزم يطمح الى الرفعة والصعود ...هذا الحمار مسالم يعاني من غباوة راكبيه وهذيانهم المتواصل.. انه يصبر على الأذى ...ويجابه أحيانا بالنهيق والصغور. وللخروج من هذا الوضع المخزي لابد من النضال والثورة على كل ماهو سطحي وتافه في الحياة وذلك من اجل التحرر، بغرس إرادة الاختيار في النفوس فكرا وسلوكا و التأكيد على انه لا يمكن التنازل عن الحرية تحت أي اكراه فلا يوجد ألم اشد من حالة سيزيف فقد حكمت الآلهة عليه بأن يدحرج بلا انقطاع إلى قمة الجبل صخرة تعود لتهوي إلى الأسفل بسبب ثقلها. فقد ظنوا، ولسبب معقول، أنه ليس هناك عقاب أبشع من العمل التافه والذي لا أمل منه. وغياب الحرية يفتح ولاشك أبواب التفاهة ومن ثم موت الانسان. *

 

عمرون علي - أستاذ الفلسفة

المسيلة – الجزائر

...........................

المراجع المعتمدة

[1]- يمكن العودة الى مقال -مصادر الوهم-

محمد علي عبد الجليل

http://www.maaber.org/issue_october10/editorial.htm

* كان جان بوريدان (1358-1300) فيلسوفًا فرنسيًا مؤثرًا وعالم لاهوت من العصور الوسطى عاش في القرن الرابع عشر. كان من أتباع ويليام أكامي. قام بالتدريس في جامعة باريس وكان في عصره أعظم مدرس للفلسفة والمنطق. كان مهتمًّا بدراسة سلوك الإنسان، ومسألة الدوافع التي تحرك الكائن الحي، وتدفعه لما يقوم به من أفعال، وتحدد ما يفضله من اختيارات. "معضلة الحمار" أو" مفارقة بوريدان" "Buridan's Paradox" كما يطلق عليها نسبة للفرنسي جان بوريدان وهي من المفارقات المثيرة التي نسبت ل بوريدان

[2]- الحرية الإنسانية والعلم، يمنى طريف الخولي، دار «نيو بوك» للنشر والتوزيع القاهرة، ص:85.

[3]- الحرية الإنسانية والعلم، يمنى طريف الخولي، دار «نيو بوك» للنشر والتوزيع القاهرة، ص:85.

[4]- طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، عبد الرحمن الكواكبي، دار الكتاب المصري، ص : 65

*هذا ما أشار اليه أحد المفكرين الاتراك في مقال له عن حمار بوريدان

[5]- المسرح التونسي: أوهام الحرية.. والقمع أيضاً، العربي الجديد، عدد 28مارس 2017

[6]- بافلوف ابحاثه في الجهاز العصبي والتعلم والتدريب وظواهر اخرى، عبد المجيد كركوتلي، الطبعة الثالثة 1986، مطبعة الهلال، ص : 39

* موت الانسان حالة وصفها المفكر علي شريعتي في عبارة موجزة: كسروا الأقلام .. كمموا الأفواه.. الأفكار مشلولة ... العقول مخدرة.. الأوفياء يعيشون الوحدة .. الشباب يائس ومنحرف ... هذه سمات هذا العصر.

 

 

 

حاتم حميد محسنكلنا نعرف اشياءً عن الاخلاق، مثل ان حياة الانسان ثمينة وهامة، وان الناس لهم الحق في اتخاذ مساراتهم الخاصة في الحياة. اننا نعرف ايضا انه من غير الأخلاقي انتهاك تلك الحقوق وان علينا التزامات تجاه عوائلنا واصدقائنا والانسانية عموما. هذا النوع من المعرفة هو هام لكنه نوع عادي. السؤال هو ليس ما اذا كنا نمتلك او لم نمتلك تلك المعرفة، وانما السؤال هو أي نوع من المعرفة تلك.

التداخل بين الرياضيات والأخلاق

هناك اتجاه يرى ان المعرفة الأخلاقية هي ليست معرفة تجريبية عادية وانما هي معرفة تجريبية استثنائية. هذا الاتجاه يؤمن برؤية خاصة للرياضيات. وفق هذه الرؤية، كل من الرياضيات والاخلاق تستلزمان نوعا من الادراك الاستثنائي. افلاطون تأمّل في المعرفة الرياضية المتعلقة بالهندسة، معلّقا في مدخل اكاديميته شعار "لا يُسمح بالدخول لمن لايعرف الهندسة". تتعلق الهندسة بمفهوم المثلثات التامة. مدرّس مادة الهندسة في المدرسة الثانوية ربما هو افلاطونيا وفق هذه الطريقة. حين يرسم المدرس مثلثا على اللوحة، بالطبع، هذا ليس مثلث حقيقي، لأن له خطوط سميكة والخطوط ليست ذات استقامة تامة . ما نتحدث عنه هو المثلث المثالي الذي يمثّلهُ الشكل المرسوم على اللوحة". ولكن كيف نعرف عن ذلك المثلث التام المثالي اذا لم نتمكن من رسمه، واذا لم يوجد في أي مكان على الارض؟

نظرية افلاطون تقوم على اننا نرى المثلثات التامة وفق الصورة التي في أذهاننا. وفق هذا الاتجاه تكون المعرفة الرياضية، لمحة او تصوّر لعالم الأشكال الخالصة التي يوجد من ضمنها المثلث الخالص. طبقا لافلاطون، ان المعرفة الاخلاقية هي مشابهة لعالم المثلثات، انها تأتي ليس من خلال النظر الى العالم المادي، وانما عبر تصوّر شكل الخير في العالم الآخر، او عالم المُثل.

الاستماع الى الضمير – المعرفة الأخلاقية

وهناك رؤية اخرى مألوفة وهي فكرة اننا نعرف القيمة الأخلاقية للصح والخطأ عبر الاستماع الى صوت الضمير الموجود فينا. ان الصوت الهادئ في الداخل هو الذي يخبرنا ما اذا كان شيء ما صحيح ام خطأ. لكن المشكلة مع نظرية افلاطون هي انها تتأمل شكلا من التصور – تصور عالم الأشكال التامة – الذي ليس لدينا دليل عليه ابدا. لا أحد وجد ذاكرة تصوّرية مدفونة عميقا في الدماغ، وانه من غير الواضح كيف ستكون حتى عندما تكون موجودة فعلا . هذا التوضيح لا يشبه التوضيح العادي للنوع العادي للمعرفة. انه يشبه توضيح اسطوري يعتمد على نوع اسطوري للتفكير.

النظريات التي تؤكد على اننا نفهم الصح من الخطأ عبر الاستماع الى ضميرنا هي نظريات شائكة ايضا. المشكلة ليست عدم وجود واقعية سايكولوجية، لأنه في الموقف الافلاطوني، تبدو فكرة الصوت االداخلي الهادئ فعلا فيها نوع من الحقيقة السايكولوجية. المشكلة هي في محاولة الإعتقاد انه نوع من المرشد المعصوم من الخطأ.

في مغامرات Huckleberry Finn (1)، يستخدم توين (كاتب الرواية) الاضطراب الداخلي لهاك (القاص) حول قراره في الابلاغ عن الولد (جم) للشرطة، كطريقة في كشف افكار هامة حول الأخلاق والضمير.

لكن السؤال هو من أين يحصل الضمير على المعلومات حول ما هو الصحيح والخطأ؟ كيف نعرف ان الصوت الداخلي الهادئ يخبرنا الحقيقة حول الصح والخطأ؟ مارك توين يجادل ببراعة في مغامرات هاكليبري. ضمير هاك يخبره انه يجب ان يسلّم جم للشرطة. في النهاية، جيم هو عبد. ولذلك، هو يعود لشخص آخر. هاك يلوم نفسه لأنه ساعده ليصبح حرا. ضميره يخبره ان ذلك كان خطأ – عبر مساعدة جيم في التحرر، هو حرم الآنسة واتسون(مالكة العبد) من ملكيتها. ضمير هاك جعله يشعر بالانزعاج من ذلك.

ما نعرفه وما يثق به توين حول معرفتنا هو ان ضمير هاك ليس فطريا وليس معصوما من الخطأ. ذلك الصوت الهادئ في الداخل هو مجرد صدى لثقافته، منسجما مع نظام العبودية السائد في ذلك الزمان والمكان . في النهاية، هاك يتحدى ضميره ويقرر ان لا يسلّم جيم للشرطة.

هل الأخلاق شيء بديهي؟

هناك رؤية اخرى للمعرفة الاخلاقية مرتبطة برؤية مختلفة عن الرياضيات. بديهية اقليدس في الهندسة كُتبت عام 300 قبل الميلاد، وبعد وفاة افلاطون بخمسين سنة، اصبحت نموذجا لما يجب ان تكون عليه المعرفة لما يقارب 2000 سنة. ولكن لدى اقليدس، ليس كل سؤال رياضي يُجاب عليه بتوجيه الذهن نحو الداخل، والبحث عن الأشكال، كما فعل افلاطون. في هندسة اقليدس، انت تبدأ بعدد محدود من المبادئ الاساسية التي تؤخذ كمسلمات. ثم تستنتج اشياءً اخرى من تلك المبادئ عبر خطوات صغيرة ذات صلاحية بديهية. انت تستطيع في هذه الطريقة اكتشاف اشياءً مدهشة، وكذلك كل الحقائق المدهشة للهندسة. النتائج ربما تكون مدهشة لكنها تسير عبر خطوات بديهية من مبادئك البديهية. فهل المعرفة الاخلاقية تشبه ذلك؟

توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، يقول، "نحن نأخذ هذه الحقائق كمسلمات، ان كل الناس خُلقوا متساوين، وهم مُنحوا من جانب خالقهم حقوق معينة غير قابلة للتصرف، من بينها الحياة، الحرية، البحث عن السعادة. جيفرسون يصوغ بيان الاستقلال كما لو انه يضع مسلمات بديهية ويستنتج منها ان المستوطنات لها الحق في التحرر والاستقلال. انها لاتزال رؤية تصورية للاخلاق، تتطلب نوعا من العين الداخلية المنسجمة مع الكون الاخلاقي.

لسوء الحظ، مختلف الناس ربما يدّعون ان مختلف الحقائق هي بديهية. جورج الثالث لم يعتقد ان المستعمرات يجب ان تتحرر من الانجليز انطلاقا من حقائق بديهية. حقائقه البديهية كانت شيئا ما مختلفا، هي كانت عقائد تشبه الحق الديني للملوك. مختلف الناس يبدو يأخذون اشياءً مختلفة جدا لتكون بديهية، وذلك يجعلنا مرة اخرى نشك في بديهية الأخلاق كطريقة للتصور الداخلي المعصوم من الخطأ . اذا كانت المعرفة الاخلاقية ليست نوعا من التصور التجريبي في العالم، المشابه للمعرفة العلمية، واذا كانت لا تستلزم نوعا من التصور الداخلي لأي من هذه النماذج الرياضية، فما نوع المعرفة اذاً؟

لكي نعالج هذا السؤال نرى ان جزءاً كبيرا من السؤال هو خاطيء. لا المعرفة العلمية ولا المعرفة الرياضية هي حقا ما نميل لوصفهما. عندما يكون لدينا تقدير أفضل لشكل الانواع الاخرى للمعرفة، فان المعرفة الاخلاقية ستبدو تشبه تلك الانواع الاخرى للمعرفة. المعرفة الاخلاقية هي أقل اختلافا وغرابة .

خلاصة

الاخلاق تُعرّف كقواعد للسلوك كما وُضعت وجرى اتّباعها من جانب الناس. هناك ثلاثة انواع من الاخلاق: الاخلاق المعيارية (قواعد تحكم السلوك)، وما بعد الاخلاق metaethics (دراسة الاخلاق ذاتها)، والاخلاق التطبيقية (استخدام عملي للاخلاق في المهن والحياة اليومية). من الأمثلة على الاخلاق، سلوك العاملين ضمن شركة او جماعة. كذلك تتضمن الاخلاق الوصايا العشر او المُثل الاساسية لقوانين مسؤولية التقصير في الادارات المحلية والبلديات. هناك اربعة مبادئ اساسية للاخلاق وهي عدم الايذاء والعدالة والإحسان وإحترام الاستقلالية.

 

حاتم حميد محسن

....................

الهوامش

(1) مغامرات (هاكليبري فن) هي رواية كتبها مارك توين، تتحدث عن هروب فتى من العبودية عبر عبور نهر المسسبي. الكتاب الذي نُشر عام 1885 يكشف عن المواجهات المدمرة للعبودية والعنصرية. هو يبقى احد أهم الكتب في التاريخ الامريكي. يعرض هاك رؤيتين رئيسيتين للحرية في استكشاف اسئلة عن الحرية وثمنها، لو كان الفرد متحرر حقا. كل من هاك و جم يبحثان عن الحرية، مع انهما لديهما افكار مختلفة حول ما تعنيه الحرية. هاك، مثلا، يرغب جدا للتحرر من المجتمع المتحضر. هو يشعر بالاختناق من القيود المفروضة عبر الملابس الثقيلة التي يرتديها والتعليم الرسمي والحياة المدنية (العيش في منزل، والنوم في سرير)، بينما بالمقابل، جم يرغب جدا للتحرر من وضعه كعبد للانسة واتسون. وبالرغم من الاختلاف في الطبقة والخلفية العرقية، لكن هاك وجم كلاهما يواجهان تهديدا مباشرا يزيد من رغبتهما بالهروب.في القصة يقرر هاك الابلاغ عن جم للشرطة، ولكن بدلا من الذهاب الى المدينة للابلاغ ضد جم واراحة ضميره، يقوم هك بتقديم الحماية لجم عندما يدخل المدينة.