علي رسول الربيعي طوّر يورغن هابرماس منهجًا شاملا ومثيرًا للإعجاب في الفلسفة والنظرية الاجتماعية. إن قليلا من المنظرين المعاصرين، قد درسوه بدقة، وبمثل هذا الاجتهاد والخيال، المشاكل المرتبطة بتبرير نزعة النقد الاجتماعي في سياق حديث. عمل هابرماس على إعادة صياغته للنظرية النقدية مبكرأً من خلال مراقبته  العديد من النزاعات العلمية والخلافات السياسية، الى مساهماته في الفكر المعاصر في الدفاع النقدي عن التنوير وأمله في التحرر القائم على العقل الإنساني.[1] آمل أن أكشف في هذه  الدراسة يمكن أن نجد في عمل هابرماس أكثر المصادر النظرية المثمرة المتاحة لنا في التعامل مع مشاكل التبرير التي تعتبر أساسية لمخاوفنا الفكرية والسياسية والأخلاقية.

 الجذور النظرية لأخلاق الخطاب

تمثل أخلاق خطاب هابرماس إجراءً تبريرًا للمبادئ الجوهرية للعدالة مبنيًا على مفهوم التجرد والموضوعية والنزاهة الحوارية. رغم أن هابرماس يشارك راولز في يمكن أن يكون تبرير إجراء نزيه بمثابة اختبار لمبادئ العدالة التنافسية، الا إنه  يرفض التفسير المُقيِد للتفكير الأخلاقي السياسي الذي يتمثل في الموقف الأصلي كما يطرحه راولز. فلاتكون المعايير صالحة، بالنسبة إلى هابرماس، ما لم يكن بإمكان جميع الأشخاص المتأثرين بها قبولها كمشاركين في خطاب حقيقي.[2] يجب النظر إلى الاختبار الخطابي على أنه مشروع تعاوني بين أعضاء المجتمع الذين يشاركون عمليًا في المداولات أو المشاورات. ترتكز المعايير الصحيحة على قناعة مشتركة يتم تحقيقها بشكل جماعي، وبالتالي تعبر هذه المعايير عن إرادة مشتركة. وعليه لا يمكن تبريرها من قبل مجموعة من الأفراد المنعزلين الذين يختارون المبادئ بمعزل عن بعضهم البعض في ظل ظروف وأوضاع مُعدة نظريًا.

يمكّن هذا التركيز الخطابي هابرماس من  فصل  الجوانب السياسية لأخلاقنا من التزاماتنا الأخلاقية الأكثر شمولاً قبل أن نتمكن من اعتبار التفكير المحايد محتملاً. والأهم من ذلك، أنه يسمح للمشاركين في الخطاب بالتقييم النقدي، ومراجعة حدسهم الأخلاقي، إذا لزم الأمر، في ضوء اللقاء والمواجهة مع الآخرين. يختلف المشاركون، ضمن إجراء التبرير هذا عن بعضهم البعض وتتضمن المرونة النقدية المطلوبة منهم وجود احتمال حقيقي بأنهم سيختبرون الخطاب على أنه لحظة من التحول أو التغيير الذاتي غير القسري. يصر هابرماس على أنه ليس من حق الفيلسوف أن يستنتج أو يبرر مبادئ العدالة الجوهرية.[3] يجب ترك هذا للمشاركين في خطابات حقيقية واقعية فعلية تُختبر في سياق النزاعات الحقيقية التي تنشأ في أي شكل من أشكال الحياة المشتركة. يمكن لهابرماس من خلال الحفاظ على المهمة الفلسفية المتمثلة تبرير وجهة نظر محايدة منفصلة تمامًا عن المهمة السياسية المتمثلة في تبرير مبادئ جوهرية للعدالة. يهتم هابرماس بتسويغ قواعد محددة للمحاججة تعمل كقيود إجرائية على النقاش والمداولة لتبرير المبادئ الجوهرية للعدالة ويكشف بهذه الطريقة عن الآثار التي تشوه  فيها السلطة  المداولات الديمقراطية.

المهمة الأولى لهذه الدراسة تقديم لمحة عامة عن دفاع هابرماس النقدي عن التنوير. وتفسير كيف يجب فهم نظرية الفعل التواصلي، جزئيًا على الأقل، كرد فعل هابرماس على النقاش مع غادامير. أسس هابرماس معاييره في التبرير لمبادئ العدالة بواسطة نظرية اللغة وفي الادعاء بأولوية الفعل التواصلي على الفعل الاستراتيجي. سنرى في هذه الدراسة لماذا يعتبر هذا الادعاء أساسيًا لدفاع هابرماس عن العقل والحداثة والتنوير وكيف يرتبط بنقل النموذج من فلسفة الوعي إلى فلسفة الفهم المشترك بين العقول.[4] يؤسس هذا الادعاء في أولوية الفعل التواصلي، كلاً من النظرية الاجتماعية النقدية لهابرماس، وأخلاق خطابه.

إن مهمة هذه الدراسة هي تمكيننا من وضع أخلاق الخطاب في سياق بحيث يمكن توضيح مزاياها من خلال تفسير نظرية العدالة. الحجة المركزية للدراسة هي أن أخلاق الخطاب تزودنا بالمصادر النظرية التي يمكن أن تسمح لنا بتقديم مقاربة للعدالة تأخذ على محمل الجد كل من تعدد المفاهيم الفردية للخير في كل مجتمع حديث، وتعددية شكلت مجتمعات سياسية مختلفة تاريخيًا.  حتى يفضي المفهوم الحواري للحيادية والنزاهة والتجرد فيما يتعلق بالعدالة إلى طريقة أفضل لكشف كيف يمكن للأختبار المحايد لمبادئ العدالة أن يحترم تعددية المفاهيم الفردية للخير.

تكشف أخلاق خطاب هابرماس،من خلال ترك تفسير المبادئ الجوهرية للعدالة للمشاركين في لقاءات حقيقية،عن حساسية تأويلية للسياق الذي يمكن أن يقدر تعددية المجتمعات السياسية التي لها خصوصية ومتفردة في تاريخها أيضًا. لكن بما أن أخلاق الخطاب تعبر عن تفسير للحياد القائم على مفهوم العقل العملي فقد عدلَ هابرماس من احترامه لسياقات مختلفة من منظور نظري يتحدى بشكل فعال الطرق التي يمكن أن تتداخل فيها التفسيرات السائدة للعدالة مع العمل الخفي للسلطة الاجتماعية.

يقدم هابرماس السمات المميزة لأخلاق الخطاب على أنها تعبرعن معرفة أخلاقية. وهذا يعني أن قواعد أو مبادئ العدالة التي تبرر أنها صالحة وفقًا لاختبارها الإجرائي لها وضع مماثل للحقيقة. يتم الدفاع عن هذا الادعاء ضد المتشككين في حجة معقدة آمل في توضيحها. أعتزم من أجل القيام بذلك أن أوضح كيف يمكن لهابرماس، في تصور وجهة نظر موضوعية ومحايدة من الناحية الحوارية، أن يقدم حالة أكثر إقناعًا لمشروع الحيادية بوصفه مبدا من مبادى العدالة. بمجرد الإشارة إلى مزايا هذه المقاربة أو النهج، لابد أن يصبح واضحًا بعد ذلك أن أخلاق الخطاب تتضمن رؤى أفضل للجماعاتية والنسوية.

نحتاج بادئ ذي بدء، إلى أن نوضح كيف يجعل عموم مشروع هابرماس المصادر النظرية متاحة لتفسير العدالة التي تضع اهتمامات ومخاوف الحياد في سياقات محددة. إن المناقشة التي تلي هنا، حول المطالبة بأولوية الفعل التواصلي، مدفوعة بحاجتنا إلى مفهوم محايد ومتجرد وموضوعي. وكما سنرى أصبح هذا ممكناً من خلال الطريقة التي بنى فيها هابرماس رؤيته عن التبرير أو التسويغ المعياري في نظرية اللغة.[5] كما أننا مدفوعون بحاجتنا لتجنب خطر التحيز الذي يقوض العديد من  تأويلات العدالة. سنرى كيف يوعد التوجه العالمي لنظرية هابرماس للفعل التواصلي بمقاربة للنزاعات حول العدالة ذات كفاءة نقدية، وحساسة بما فيه الكفاية للسياقات التاريخية المختلفة. نوجز بعض النقاط قبل أن نستكشف هذه  المصادر النظرية.

يأتي عمل هابرماس في سياق تقاليد النظرية الاجتماعية النقدية التي تطمح إلى ترسيخ آمالنا في مستقبل متحرر قائم على أساس حقيقي. يريد الناس أن يتحرروا مما يسبب لهم معاناة غير ضرورية، وهذا ليس مجرد  حقيقة طارئة، بالنسبة لهابرماس؛ بل إنها بالأحرى، وعلى حد تعبيره، متأصلة بعمق في بنية المجتمع البشري المندمج بشكل وثيق في إعادة إنتاج الحياة البشرية لدرجة أنه لا يعتقد أنه يمكن أن يعتبر مجرد موقف شخصي قد يوجه أو لا يوجه هذا أو ذاك بوصفه أمر يخص البحث العلمي فقط.[6]

فعلى  الرغم لا تظهر فكرة المصلحة المعرفية التحررية بشكل صريح في نظريته الاجتماعية، لكن لا يمكن أن يكون هناك شك في الموقف النقدي الذي يشكل السمة الغالبة لهابرماس كمنظّر.[7] لقد أرسى لنا في نظرية الفعل التواصلي أملأ في التحرر. وبشكل أكثر تحديدًا، يدعي في عمله أن الفعل التواصلي، هو نمط أصلي لاستخدام اللغة، يوفر لنا أساسًا نظريًا للنقد الاجتماعي الذي يمكن أن يساعد في الحفاظ على أملنا في مستقبل أفضل.

يُبنى كل من التشخيص الاجتماعي النظري للمجتمع الحديث وأخلاق الخطاب عند هابرماس، على نظرية الفعل التواصلي. وبينما تهدف نظريته الاجتماعية إلى تعريف وتفسير السمات القمعية للمجتمعات الرأسمالية المتقدمة من خلال الكشف عن الطرق التي يمكن أن يُشوه فيها التواصل من قبل السلطة، فإن نظريته الأخلاقية، أو أخلاق الخطاب، توضح المعايير التي يمكننا من خلالها التمييز بين المعايير الأخلاقية الباطلة والصالحة أو مبادئ العدالة. تسهل أخلاق الخطاب النقد الاجتماعي البنّاء من خلال توضيح معايير الشرعية، بينما تساعدنا النظرية الاجتماعية النقدية على تحقيق شروط تحقيق نظام اجتماعي مشروع.

سنقدم هنا في ماتبقى من الدراسة  مخطط عريض عن  مشروع هابرماس الشامل الذي سيساعدنا على فهم الجذور النظرية لأخلاق الخطاب كمقاربة للمنازعات حول العدالة. الهدف الرئيسي من مشروع هابرماس هو تقديم دفاع نقدي عن العقل والحداثة والتنوير.

الفلسفة وإعادة البناء العقلاني

يقبل هابرماس في نظريته الاجتماعية الكثير من النقد الذي قدمته النظرية التأويلي حول مزاعم الموضوعية غير المبررة للعلم الاجتماعي الوضعي. ومع ذلك، يهتم بتجنب النسبية الضمنية  للتأويلات الراديكالية في بناء إطار لنظرية نقدية.[8] فبينما يجب أن يُنظر الى دور المنظر الاجتماعي على أنه دور مؤول مشارك لا دور مراقب محايد، فإن الاستنتاج الذي مفاده أنه يجب علينا التخلي عن فكرة الموضوعية تمامًا غير مُلزم هنا بالضرورة. يمكننا التخلي عن صفة المراقب ومطالباتنا باستقلالية السياق بالتأكيد. ويمكننا أيضًا توسيع تحقيقاتنا واستفساراتنا إلى ما وراء ادعاءات الحقيقة المقترحة أو التي نفترضها لتشمل ادعاءات غير وصفية للصواب المعياري والتعبير الصادق عن الذات. ولكن لا يزال بإمكاننا استخلاص معايير موضوعية للنقد الاجتماعي من خلال رسم الافتراضات العقلانية الضمنية في جميع التأويلات الممكنة للأفعال والظواهر الاجتماعية وإعادة بنائها نظريًا.

الأمر المطروح هنا هو إمكانية توضيح شروط صلاحية التعبيرات والأفعال التي توجه بشكل بديهي جميع الفاعلين الاجتماعيين في تمييز الصالح من غير الصالح. إنها محاولة لإعطاء تفسير نظري للمعرفة البديهية التي نأخذها جميعًا كأمر مسلم به في التواصل اليومي. نظرًا لأن يُعتقد أن هذه المعرفة البديهية شاملة وعالمية، ولا تعتمد في وجودها على أي سياق معين، فمن الواضح أن هابرماس يرى ذلك وسيلة نظرية لتجاوز التأويلات. هذه هي الخطوة الأولى في توفير معايير العدالة التي يمكن أن تتجنب خطر التحيز.

ندرس هنا جهود هابرماس للحصول على الدعم لنظريته في الفعل التواصلي من خلال التحول إلى ما يسميه إعادة بناء البحث العلمي. تختلف الإجراءات العلمية لإعادة بناء البحث العلمي عن الإجراءات التحليلية التجريبية بأنها تحاول "إعادة بناء المعرفة الحدسية البديهية للمواضيع المؤهلة بشكل منهجي" بدلاً من السعي إلى "تطوير فرضيات أسمية حول مجالات الأحداث التي يمكن ملاحظتها".[9] تهتم عملية إعادة البناء العقلانية للفعل التواصلي بالبنية العميقة لواقع العالم الاجتماعي المُنظم رمزياً.[10] وهي تسعى إلى تفسير المعرفة العملية قبل النظرية لكيف تتواصل  جميع الذوات المؤهلة للتواصل. البنية العميقة التي يعيد بناؤها هي وعي القاعدة الضمنية الذي تكمن وراء إمكانية أن تولد الذوات المؤهلة تعبيرات ذات معنى في سياق البنية الظاهرة للغة. لم يعد هدف الفهم بالنسبة للعالم أو إعادة البناء لمضمون التعبير الرمزي أو ما يعنيه مؤلفون معينون في حالات معينة، بل الوعي بالقاعدة البديهية التي يمتلكها المتحدث بلغته الخاصة.[11] ما يهدف اليه هذا النوع من التحليل هو الكشف عن المعايير العالمية المفترضة للعقلانية التي يمكن اعتبارها شروطًا لصحة تعبيرات ذات معنى.[12]

تتجاوز إعادة البناء العقلاني بهذه الطريقة مخاوف النهج التأويلي الذي يقتصر على محاولة فهم مضمون العبارات في سياق البنية الظاهرة أوالسطحية للغة. يهتم هابرماس، على النقيض من ذلك، بالدفاع عن نظرية تعبر فيها  المعرفة التي أعيد بناؤها عن قدرة عالمية أو "كفاءة النوع" البشري.[13] ، يأمل هابرماس أن تؤمن نظرية الفعل التواصلي في توضيح الشروط العامة لصحة التعبير الرمزي موطئاً نقدياً فيما يتعلق بالعبارات غير الصالحة.

تؤكد النظرية أن الإدلاء ببيان يمكن فهمه ينطوي بالضرورة على المشاركة في عمليات التواصل حيث يتبنى جميع المشاركين (المتحدثون والمستمعون والمراقبون) موقفًا أدائيًا. يتيح هذا الموقف،"توجهاً متبادلاً نحو ادعاءات  الصحة والمصداقية... المصممة من أجل التقييم النقدي بحيث يمكن أن يكون الأعتراف بين الذاتين لمطلب معين بمثابة أساس لتوافق أو اجماع بدوافع عقلانية".[14] من المهم أن نلاحظ، قبل دراسة فكرة الفعل التواصلي بمزيد من التفصيل، أن هابرماس يرى إعادة البناء العقلاني كميزة رئيسية لدفاعه النقدي عن التنوير.

يرى هابرماس أنه يقع على الفلسفة في ضوء الانتقادات المعاصرة للابستيمولوجيا الأسسية مهمة أن تجد دوراً ووظيفة جديدةً لها.[15] ولتوضيح المعنى المقصود بألابستيمولوجيا الأسسية فيمكن القول عموماً إنها تيار العقلانية الفلسفية الذي يمتد ما بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر. وما هو مشترك بين هذا التيار هو تأكيد قدرة الانسان على كشف الحقيقة وبلوغ عمق الدلالة انطلاقاً من قدراته العقلية الذاتية ويكفي استحضار اليقظة الذهنية حتى يتم الكشف عن كل الدلالات النصية والوجودية والمعرفية. وهناك العديد من التيارات الفلسفية مثل التأويلية ومابعد البنيوية، بالإضافة إلى المقاربات الحديثة لتاريخ العلوم، التي تشارك في نقد الفلسفة الأسسية. ويعد الفيلسوف الأمريكي ريتشارد رورتي في كتابه "الفلسفة ومرآة الطبيعة"[16] واحد من أكثر الذين وجّهوا انتقادات قوية الى فكرة أن يكون هناك ثمة أساس نهائي لتبرير فلسفي لعقل مستقلٌ عن أحداث التاريخ والثقافة. فترفض اللاأسسية العقلانية المستقلة التي تميز أو تتصف فيها فلسفة الوعي كماهي ممثلة في ديكارت وكانط. فالذوات لاتشكل العالم ولكن بالأحرى أنها تتجسد داخل سياق عالم لغوي خاص.

 يرفض هابرماس الأسسية أيضاً ومعها أي أمكانية لمفهوم العقل المجرد. ويقول في كتابه: الخطاب الفلسفي للحداثة "ليس هناك عقل مجرد يمكن أن يرتدي اللغة لاحقاً".[17] وعلى كل حال فإن دفاع هابرماس عن مكانة العقل لايجعله يصل في نقده للأسسية الى حد تأييد اعتراض رورتي على المشروع الفلسفي برمته.

يرى هابرماس أنه يجب على الفلسفة أن تتقبل أنها لم تعد قادرة على لعب الدور الذي كان يأمل كانط أن تقوم به، وهو توضيح "أسس العلوم لمرة واحدة وإلى الأبد، وتحديد حدود ما يمكن وما لا يمكن تجربته".[18] ويؤكد أيضاً على أن هذه المحاولة للفلسفة لإرشاد العلوم إلى مكانها الصحيح لم تعد مقبولة.[19] والشئ نفسه يمكن أن يقال عن دور الفلسفة بوصفها أحكاما على جميع المسائل الثقافية مثل التفريق بين مجالات قيم العلوم والأخلاق والفن، وكذلك مطالبتها الضمنية بإضفاء الشرعية على هذه المجالات داخل الحدود الخاصة بكل منها. فمثل هذه المهمة لايمكن للفلسفة أن تقوم بها أو تحققها. والسبب في ذلك هو أن هذه البنى العقلانية لا تحتاج إلى أساس أو تبرير في السياقات الحديثة، ولأنها هي مايميز الحداثة نفسها. فمهمة إعطاء تسويغ فلسفي لمجالات القيم المتمايزة والمختلفة هي بكل بساطة زائدة ولا حاجة لها.[20]

 وعلى الرغم من أن الفلسفة لم يعد بإمكانها المطالبة بدور الفاتح لأبواب العلوم والحاكم عليها ولكن يمكنها أن تبقى تطالب بوظيفة الحارس للعقلانية.[21] وإذا كان لها أن تفعل ذلك، فعليها أن تقود مساراً بين تقليد الفلسفة الأسسية الذي لم موثوقاً فيه من جهة، وبين الهروب إلى ذلك النقد الشامل ضد العقلانية من جهة أخرى.[22] فيرى هابرماس أنه يمكن للفلسفة من أجل إعادة بناء العلوم أن تدخل في علاقة تعاونية مع مشاريع بحثية في العلوم الإنسانية من خلال لعب دور الممثل لنظريات العلوم التجريبية في المطالبات القوية بالصلاحية الشاملة.[23] وبعبارة أخرى، يمكن للفلسفة أن تقدم فرضيات إعادة بناءِ للعلوم الإنسانية تستخدم في البيئات التجريبية. وفي المقابل، قد يقدم البحث التجريبي تأكيداً غير مباشر لفرضية إعادة البناء هذه. أي يمكن للفلسفة أن تقدم فرضيات إعادة البناء التي تستخدم في الأطار التجريبي. وبالمقابل، قد يقدم البحث التجريبي تأكيدات غير مباشرة لإعادة بناء هذه الفرضيات. وسيتم استخدام الفرضيات في البحث التجريبي التي قد تسعى، على سبيل المثال، إلى شرح المعرفة البديهية للمواضيع المختصة، أيً "القواعد العالمية الشاملة المفترضة للتجربة العقلانية وللحكم، بالإضافة إلى التواصل اللغوي".[24] فيقع عمل هابرماس الفلسفي في سياق هذا التعاون من أجل اعادة بناء العلوم الإنسانية. 

يمكن للفلسفة أن تأخذ على عاتقها مهمة مساعدتنا في إيجاد توازن بين اللحظات المنفصلة من العقل في تواصل الحياة اليومية بعد أنها لم تعد قادرة على وضع نفسها كحاكم على مجالات وفضاءات قيم الثقافة. فيمكنها أن تكون الوسيط المفسّر بين مجالات العلم والأخلاق والفن، في وقت تُحترم فيه العقلانية الخاصة لكل مجال بحيث إنها لم تعد معزولة عن بعضها البعض. فرغم أن هذه المجالات متميزة عن بعضها من الناحية المفاهيمية لكنها تتداخل باستمرار. ولهذا السبب يرى هابرماس أن هناك ضرورة ملحة لنظرية عامة حول الفعل التواصلي يمكن أن تتعهد بمطالب الصحة والمشروعية  في كل من هذه المجالات، وتقوم في الوقت نفسه بدور المفسّر والمترجم نيابة عن عالم الحياة.[25]

 يفهم هابرماس هذه الأدوار الجديدة للفلسفة بوصفها سمة لنموذج تحول من فلسفة الوعي إلى فلسفة الفهم البيذاتي المشترك. سعت فلسفة الوعي لتأمين أسسها في ذات وحيدة، معزولة، مستقلة بذاتها، منفصلة بعقلانيته، وغير مجزأة، ومستقلة عن كل طوارئ تاريخية واجتماعية.[26] وعلى الرغم من أن هذه الأسس قد انهارت، إلا أننا لا يجب أن نصل الى مرحلة الشلل الفلسفي والقبول بمواقعنا العرضية والطارئة في سياقات تاريخية وثقافية حقيقية. يمكننا أن نتفادى مثل هذا الشلل برفضنا النظر الى العقل بوصفه عقل محض أو مجرد غير متجسد، والنظر اليه كما هو متعين تاريخياً في الممارسة التواصلية في الحياة اليومية.

إن مهمة مشروع هابرماس الفلسفي هي التوضيح والتفسير، مع الوعي بقابلية الخطأ، والافتراضات البراغماتية للعقلانية في السير اليومي للوصول إلى التفاهم، والافتراضات المسبقة التي تسلم بأنها عالمية وشاملة طالما أنه لا يمكن تجنبها. وإنه يسعى لتأكيد فرضياته بالتعاون مع النظريات التجريبية في كفاءتها الشاملة. وفي اطار هذا المشروع لايكون ذلك الشلل الفلسفي ولا الابتهاج بنقد الفلسفة اللا أسسية هي الاستجابة المناسبة لأنهيار الأسس النهائية لفلسفة الوعي. لا تقف وظيفة الفلسفة بوصفها حارس للعقلانية ولكنها تحولت أيضاً الى لعب دور التأقلم مع الجوانب العقلانية ومع المصير التأريخي للعقل الذي تم كبحه مرات ومرات وأسئ استخدامه وتشويهه آيديولوجياً، وواصلت رفع صوتها بعناد ضد كل ما يحول دون فعل التواصل الناجح.

أن ما يمكن ماتدعيه النظرية الفلسفية، من منظور هابرماس، هو أنه يمكنها أن تقدم  نظرية اجتماعية نقدية وإعادة بناء الافتراضات العملية البرغماتية للمحاولات اليومية لاستخدام اللغة كوسيلة من وسائل تحقيق التفاهم المتبادل.[27]

تأخذ الفلسفة، من وجهة نظر هابرماس، دورًا متواضعًا. فكل ما يدعيه هو أن ما يمكن تقدمه  النظرية الفلسفية للنظرية االجتماعية النقدية هو، في أحسن الأحوال، إعادة بناء الافتراضات الواقعية للمحاولات اليومية لاستخدام اللغة كوسيلة. ويمكن لإعادة البناء هذه، من أجل وتحقيق التفاهم المتبادل أن تقدم أساسًا نظريًا يمكننا من خلاله صياغة مفهوم الحياد. هذا هو الطريق الذي يسلكه هابرماس للتغلب على مخاطر تأويل العدالة من خلال إرساء اختبار صارم عالميًا لمبادئ العدالة المتنافسة.

تنبثق خلاقيات الخطاب من تحول النموذج إلى فلسفة الفهم المشترك. وبهذه الطريقة تزودنا الفلسفة  بمفهوم حيادي  للنزاهة يشكل، أو هكذا سأجادل ، أفضل دليل متاح لنا في البحث عن معايير التبرير لمبادئ العدالة. إن نظرية إعادة البناء للفعل التواصلي هي المصدر النظري الذي يسمح لهابرماس بتقديم صيغة مقنعة. يقدم هابرماس من خلال استخلاص مفهومه للحيادية من نظرية اللغة ، أساسًا استراتيجيًا لمعاييره في التبرير المعياري. علينا الآن أن نفحص عن كثب بعض السمات الرئيسية لنظرية العمل التواصلي.

الفعل التواصلي والأستراتيجي

تعطينا نظرية الفعل التواصلي تفسيرا للمعرفة النظرية المسبقة والأمر الحدسي لـ "أنظمة القواعد التي تقوم من خلالها الذوات المتنافسة بتوليد وتقييم التعبيرات والأداء الصحيح".[28] ما يميز مقاربة هابرماس عن تأويلات غادامير وفالزر، هو الادعاء بأنه عندما نسعى إلى التوصل إلى تفاهم ، يجب علينا أن نحتكم ضمنياً الى المعايير العالمية للعقلانية. لا يهتم بتفسير المعنى وشرحه فقط بل بالأحرى بقواعد استخدام اللغة المعروفة بدهيا أو حدسيا من قبل جميع االأشخاص أو الذوات المؤهلة للتواصل. ينتج تعين الشروط  العامة الشاملة للصلاحية التي هي هدف عملية إعادة البناء العقلاني معرفة نظرية للبنى العامة للتواصل الذي يتجاوز الأفق المحدد لتقليد معين.

أثيرت مطالبات  تتعلق بصحة  وشرعية الفعل التواصلي، التي يمكن انتقادها من حيث المبدأ. هفناك، حسب هابرماس، ثلاثة ادعاءات صحة منفصلة تتوافق مع ثلاثة علاقات مختلفة مع العالم؛ الادعاء بالحقيقة ويتعلق بحالة موجودة في العالم الموضوعي، الادعاء بالحق المعياري ويتعلق بتنظيم العلاقات بين الأشخاص في العالم الاجتماعي؛ أدعاء بالمصداقية التي تتصل  بتجربة المتكلم الحية في العالم الذاتي .[29] وبالتالي يمكن نقد  كل فعل من الكلام من ثلاث وجهات نظر مختلفة، على الرغم من أن "واحدة فقط من ادعاءات الصلاحية الثلاثة يمكن التأكيد عليها بشكل موضوعي في أي فعل كلامي ( كخطاب) محدد وجليً."[30]

ما يميز الفعل التواصلي هو الموقف الأدائي- الأنجازي الذي يتم تبنيه في أي محاولة للتوصل إلى تفاهم مع شخص آخر حول شيء ما في العالم. يمكن تحليل السمات البرغماتية والواقعية لهذا الموقف من حيث أفعال الكلام، فقد يقول أحد المشاركين شيئًا يسجيب له المشارك الآخر بنعم أو لا. هذا هو أبسط شكل من أشكال الفعل التواصلي ولكن لا يقتصر هذا الموقف على أفعال الكلام فيمكنه وصف العديد من أشكال الأفعال غير اللفظية في الممارسة التواصلية اليومية أيضًا.[31] أيً الفعل الذي لا يمكن إعطاؤه صيغة لفظية، مثل بعض الإيماءات التي قد يستخدمها الخطيب للتأكيد على نقطة معينة. إذا أردنا تحليل ما ينطوي عليه ذاتان أو أكثر للوصول إلى تفاهم متبادل، فيجب الرجوع إلى نموذج الكلام. لذلك يعيد هابرماس بناء الافتراضات المسبقة وفق القواعد الذرائعية- البرغماتية للفعل التواصلي من خلال تحليل أفعال الكلام.

لا يمكن تجنب بعض الافتراضات المسبقة الضرورية التي تنطوي عليها أفعال الكلام لدينا عندما ننخرط في الفعل التواصلي. إذا كان موقفي، في التواصل معك، موجهًا للوصول إلى تفاهم حول شيء ما فقط، فعندئذ يجب أن أفترض مسبقًا أنك ستكون متحمسًا لقبول ادعاءات الصدق والصلاحية التي أثيرها من خلال قوة فرض العقل. وبعبارة أخرى، أفترض مسبقًا أن الفهم الذي نسعى إليه سيكون بدافع عقًلاني. يمكن أن يتناقض ذلك مع مجرد اتفاق بحكم الواقع حيث يجب أن يقبل المشاركون أو يفترضوا مسبقًا أي اتفاق يتم التوصل إليه بطريقة تكون تواصلية وليس بالفرض.[32]

من الواضح لا يدعي هابرماس أن جميع التفاعلات التي تتم بوساطة اللغة هي فعل تواصلي. أنه يهتم بالتمييز بين الفعل التواصلي وما يدعوة الفعل الاستراتيجي.[33] وهو يمثل نوعين من التفاعل يمكن استخدامه في تنسيق خطط الفعل. من الصحيح بالطبع أننا ننخرط في كثير من الأحيان في الفعل الاجتماعي بموقف غير موجه للوصول إلى التفاهم بل بالأحرى بموقف موجه نحو العواقب، لنجاح أهدافنا الخاصة. بالنسبة لهابرماس، تشكل الأخيرة فعلاً استراتيجيًا. ينطوي الفعل الاستراتيجي بوساطة لغوية على استخدام أعمال الكلام لإثراء زملائنا المشاركين ونحن نسعى لتحقيق النجاح في أهدافنا الفردية.

وتجدر الإشارة إلى أن الفعل التواصلي غالبا ما يعمل على ربط خطط الفعل الآلية الغائية للأفراد المشاركين. ومع ذلك، فإن السمة المميزة للفعل التواصلي، كشكل من أشكال تنسيق التفاعل، لا يمكن اختزاله إلى فعل غائي لا يمكن تحليله إلا بالرجوع إلى نوايا وأهداف الفرد الفاعل. بالطبع، إن الفعل الموجه للوصول إلى التفاهم له هدف، ولكن سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن هذا يعني يجب أن ينهارالتمييز بين نموذجي الفعل بالضرورة. وذلك لأن "وسيط اللغة وغايات التواصل الوصول  للوصول إلى فهم النتاصل فيهما يشكلان بعضهما البعض بشكل متبادل. ليست العلاقة بينهما علاقة الوسائل بالغايات."[34] بينما يهدف الفعل الاستراتيجي إلى التدخل سببيًا في العالم ، فإن أهداف الفعل التواصلي تقع على مستوى مختلف. هذا المستوى هو عالم الحياة الُمشكًل لغوياً.

إن إهداف  الوصول إلى الفهم، المتأصل في البنى اللغوية، تجبر الفاعلين التواصليين على تغيير منظورهم؛ و يجد هذاالتعبير في ضرورة الانتقال من موقف الفعل الموجه نحو النجاح، والذي يسعى إلى التأثير على شيء ما في العالم، إلى الموقف الذي يسعى للتوصل إلى تفاهم مع شخص آخر حول شيء ما.[35]

إن الاتفاق الذي يتم  التوصل اليه بشكل تواصلي يسير دائمًا بشكل تعاوني "في إطار اللغة  التي تكشف عن العالم نفسه " ولاتكون "تحت تصرف طرف فردي للتفاعل."[36] تتشابك غاية الفعل التواصلي بشكل كبير مع شكل الحياة المشتركة مما يجعل كل التفاعل بوساطة لغوية ممكنًا بحيث لا يمكن التعامل معه على أنه غاية محتملة بل بالأحرى غاية لا يمكن تجاوزها.[37] لذلك يجب تحليل الفعل التواصلي بشكل مستقل عن نوايا وأهداف  الأفراد الفاعلين. وبما أنه أفعال الكلام لدينا في الفعل التواصلي موجهة للوصول الى التفاهم، فيجب أن يكون من الممكن توضيح بنية التواصل اللغوي بدون الرجوع الى بنى النشاط الهادف".[38] 39 هذه هي السمة المركزية للتحول من نموذج  فلسفة الوعي إلى فلسفة التفاهم بين الذوات أو فلسفة الفهم المشترك بالنسبة لهابرماس. أنه يأمل في محاولة اشتقاق الافتراضات البراغماتية ( الذرائعية) العامة للفعل التواصلي من بنى  عمليات الوصول إلى التفاهم، تقديم تفسير نظري لإعادة بناء  للمعرفة التمهيدية للمتحدثين الأكفاء، الذين يمكنهم تمييز المواقف التي يمارسون فيها تأثيرًا على الآخرين من تلك التي  يتوقون فيها  إلى التفاهم مع هؤلاء الآخرين، ويعرفون متى تفشل محاولاتهم.[39]

هناك العديد من القضايا المهمة التي يجب معالجتها في أي اعتبار جاد لمفهوم الفعل التواصلي، إلا أنها ستأخذنا بعيدًا جدًا عن موضع التركيز الرئيسي لهذه الدراسة.[40] نحتاج لأغراضنا  دراستنا، معالجة سؤال واحد فقط يتعلق مباشرة بتبرير أخلاق الخطاب كاختبار محايد لمبادئ العدالة.

إنتاج عالم الحياة والنظرية الاجتماعية النقدية

يمثل مصدرعالم الحياة "مخزونًا من الأنماط التفسيرية المنقولة ثقافياً والمنظمة لغوياً".[41] 55 هذا المخزون من الأنماط التفسيرية هو الأفق الذي يتحرك فيه الفاعلون التواصليون دائمًا.  إنه يمثل الافتراضات الخلفية المسلمة بها التي تشكل سياقات جميع عمليات الوصول إلى التفاهم. يساعد مفهوم عالم الحياة ، باعتباره المعرفة الخلفية المشتركة للمشاركين في الممارسات اليومية للتواصل على توضيح كيف يمكن ان يحصل  التفاعل الناجح. يعتمد المشاركون، في كل عمل من أعمال التواصل، على مصادر شكل من أشكال الحياة المعروفة سابقًا والتي لا يتحكمون فيه. يجدون أنفسهم دائمًا في أفق تفسيري مشترك ويُعتبر هذا أمرًا مسلمًا به. وبالتالي يتم تحقيق النجاح التفاعلي بشكل مستقل وبمعنى مؤهل.[42]

تقوم عمليات الوصول إلى التفاهم، بدورها في الحفاظ على  البنى الرمزية لعالم الحياة وتعيد تشكيلها ايضاً. فليس مصدرعالم الحياة موجه من خلال" الفعل التواصلي فقط ولكنه "محمل" بالإنجازات التفسيرية الفاعلين.[43]. وكما يقول هابرماس، "تتغذى شبكة الإجراءات التواصلية من مصادر عالم الحياة ، وهي في الوقت نفسه  الوسيط أوالوسيلة  التي يتم من خلالها إعادة أنتاج  الأشكال الملموسة للحياة."[44] وبالتالي فإن مفاهيم الفعل التواصلي وعالم الحياة متكاملان. يكمل هابرماس تحليله للفعل الموجه نحو الوصول إلى التفاهم بتحليله لعالم الحياة. يقف المشاركون، في الفعل التواصلي، في تقليد ثقافي يستخدمونه ويجددونه في نفس الوقت. ويتم أعادة أنتاج  البنى الرمزية لعالم الحياة من خلال ممارسات الفعل التواصلي.

يقوم الفعل التواصلي، في ظل الجانب الوظيفي من التفاهم المتبادل، بنقل وتجديد المعرفة الثقافية؛ ويخدم في إطار الفعل التنسيقي،التكامل الاجتماعي وإرساء التضامن؛ وأخيرًا، يخدم ،في إطار التنشئة الاجتماعية، تكوين الهويات الشخصية.[45] فتشكل عمليات اعادة الانتاج الثقافي والتكامل الاجتماعي والتنشئة الاجتماعية إعادة إنتاج البنى الرمزية لعالم الحياة والفعل التواصلي هو الوسيلة التي يتم من خلالها اعادة الانتاج او التوليد هذه.

توفر هذه العلاقة ذات الاتجاهين بين عالم الحياة والفعل التواصلي لهابرماس الأساس لتبرير خيار بديل من أجل أولوية الفعل التواصلي. لقد طور هذه الحجة ردا على الادعاء بأنه قد يكون من الممكن تجنب الموقف الأدائي الموجه للوصول إلى التفاهم تمامًا من خلال تبني الموقف الهادف الفاعل الاستراتيجي.[46] يدعي هابرماس أن هذا سيتطلب فك ارتباط الفرد عن عالم الحياة.[47] وكما رأينا، لا يمكن توليد أو إعادة أنتاج عالم الحياة إلا من خلال وسيلة الفعل التواصلي وليس بما يتفق مع النشاط الهادف العقلاني لأفراد معزولين. يمكن أن يشكل الفرد هويته الشخصية فقط في سياق شبكة من الاعتراف المتبادل والتفاهم بين الذوات التي يوفرها عالم الحياة.[48]

بقدر ما تعتمد الهوية الشخصية للفاعل على بنى عالم الحياة، فإن خيار الفعل الاستراتيجي الملائم متاح فقط بشكل مجرد في الحالات الفردية، و ليس كفك ارتباط طويل الأمد عن سياقات الفعل التواصلي. يؤكد هابرماس أن اختيار الانسحاب على المدى الطويل من سياقات الفعل الموجه للوصول إلى التفاهم، وبالتالي من مجالات الحياة المنظمة بطريقة تواصلية، يعني التراجع إلى العزلة الأحادية للفعل الاستراتيجي؛ وهذا على المدى الطويل مدمر للذات.[49]

يفترض الفعل الاستراتيجي هوية لذات يعتمد تكوينها على البنى الرمزية لعالم الحياة. وبالتالي لا يوجد بديل للفعل التواصلي من منظور عالم الحياة الذي ينتمي إليه الفرد والذي تعتمد عليه هويته. هناك ثمن باهظ يدفعه الفرد على المدى الطويل لانسحابه من هذا السياق سواء كان بالعزلة الذاتية المدمرة للفاعل الاستراتيجي القهري أو بالفصام أو الانتحار.[50] يوضح هذا المفهوم لعالم الحياة كيف أن الادعاء بأن الفعل التواصلي قبل الفعل الاستراتيجي مرتبط مباشرة بنموذج التحول من فلسفة الوعي إلى فلسفة التفاهم المشترك بين الذوات.

ولكن لا يزال من غير الواضح كيف ترتبط أولوية الفعل التواصلي بمجال السياسة. في حين أننا قد نقبل، على سبيل المثال، بما أن هويتنا الشخصية تعتمد على البنى الرمزية لعالم الحياة ويتم إعادة أنتاجها بطريقة تواصلية بالضرورة، فإن الفعل التواصلي له أولوية في مجال العلاقات الحميمة بالتأكيد، ولكن ماذا عن المسائل السياسة والإجتماعية؟ لماذا لا يكون الفعل الاستراتيجي وسيلة كافية او مناسبة لتنسيق الفعل في هذه المجالات السياسية والإجتماعية؟

لقد رأينا بالفعل أن إعادة إنتاج عالم الحياة لا يتألف فقط من التنشئة الاجتماعية للأفراد ولكن من خلال نقل وتجديد المعرفة الثقافية وعمليات الاندماج الاجتماعي وإرساء أشكال التضامن أيضًا. إن أعتماد تنظيم الفعل من خلال المؤسسات الاجتماعية والسياسية على عالم الحياة، ليس أقل من اعتماد التنشئة الاجتماعية للفرد  عالم الحياة. فبينما يلعب الفعل الاستراتيجي دورًا مهمًا في الحياة السياسية والاجتماعية، فيجب  أن تلعب مؤسساتنا السياسية والاجتماعية دورًا في خدمة الاندماج الاجتماعي وتكوين التضامن أيضًا. إلى هذا الحد لا يمكن فصل هذه المؤسسات عن مجالات الفعل المنظمة بطريقة تواصلية. إذا كانت ستبقى البنى  الرمزية لعالم الحياة على قيد الحياة من آثار تفتيت الفعل الاستراتيجي المنتشر وعقلانيته الأداتية، فيجب أن تكون الأولوية للفعل  التواصلي في عالم السياسة أيضًا.[51] 

يبدو واضحاً الآن كيف يمكن اعتبار نظرية هابرماس للفعل التواصلي إعادة صياغة للنظرية الاجتماعية النقدية. ويكون الغرض منه تسهيل كل من التفسير والتقييم النقدي للأنماط المؤسسية للمجتمعات الرأسمالية المتأخرة. إن ما يشكل أكبر تهديد للبنى التواصلية للعالم الحياتي ليس الفعل الاستراتيجي في حد ذاته، بل العقل الوظيفي  المعززللنظم الاجتماعية. يصبح الانتاج المادي لعالم الحياة في المجتمعات الحديثة المعقدة، منظمًا بشكل ممنهج من خلال تطوير الأسواق الاقتصادية والبيروقراطية الحكومية. لقد توغلت هذه الأنظمة ووسائط توجيهها غير اللغوية والمال والسلطة المناظرة لها في مجالات إعادة الأنتاج  الرمزي لعالم الحياة. فقد قمع العقل الوظيفي في شكل آليات نظامية العقل التواصلي في شكل تكامل اجتماعي.[52]

لقد كان من آثار عملية الترشيد العقلاني الأحادية الجانب هذه تعزيز هدف الفعل الاستراتيجي العقلاني وموقفه التشيؤي في مجالات الحياة الاجتماعية بحيث لا يمكن لهذا النوع من التفاعل أن يؤدي المهمة المطلوبة منه، وهي مهمة اعادة انتاج  عالم الحياة.[53] يأمل هابرماس من خلال نظريته في الفعل التواصلي في تفسير "لماذا لا يمكن أن تتماسك المجتمعات الحديثة  معاً بشكل حصري أو حتى من خلال المال والسلطة".[54]  ولنضعه بطريقة مختلفة قليلاً ، يظهر أن "المال والسلطة لا يستطيعان شراء التضامن والمعنى ولا فرضهما".[55]ويشكل قمع العمل التواصلي أزمة، أو مرضا لعالم الحياة، أزمة يمكن تشخيصها حيث استعمار  عالم الحياة بواسطة الأنظمة.[56]

تعيد فرضية الاستعمار عند هابرماس صياغة مفهوم التشيؤ. وتهتم نظريته الاجتماعية النقدية بالتعبير عن الشروط اللازمة لمجتمع عقلاني تواصلي. ويشير إلى أننا بحاجة إلى استعادة  الفضاء العمومي لسياستنا التي استعمرتها الضرورات النظامية.[57] تشكل أولوية الفعل التواصلي أساسًا لنظرية اجتماعية نقدية وتقدم لنا دليلًا معياريًا للاحتجاج السياسي ومقاومة هيمنة التكوين الحالي للسلطة. لقد جعل هابرماس الجوانب المعيارية لهذه النظرية  جليًة واضحة من خلال تبرير أخلاق الخطاب.

لقد رأينا كيف ترتبط حجة أولوية الفعل التواصلي بمهمة إعادة البناء العقلاني، ومفهوم عالم الحياة وصياغة نظرية اجتماعية نقدية . هذه هي السمات الرئيسية للتحول في النموذج الذي يدعي هابرماس أن عمله يمثله، من فلسفة الوعي إلى فلسفة الفهم المشترك. يعطي مفهوم هابرماس للنزاهة أساسًا شاملًا للهدف في تحليله للعمليات اليومية  للوصول إلى التفاهم المتبادل من خلال الفعل التواصلي. وهذا يعني أنه لا يتعين عليه تقييد موضوع العدالة قبل إجراء تقييم عام للمبادئ المتنافسة. علاوة على ذلك، نظرًا لأن تحليل الفعل التواصلي يتم تقديمه على أنه إعادة بناء عقلانية للقدرات العالمية، فإن تفسيره لأخلاقيات الخطاب يمكن أن يتجاوز حدود التأويل.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

....................................

[1] مثل كتاب " المعرفة والمصلحة" محاولة هابرماس الأولى لإعادة صياغة منهجية لنظرية نقدية. يبحث بلغ المشروع ذروته مع  كتاب من مجلدين " نظرية العمل التواصلي 1984" ثم " الخطاب الفلسفي للحداثة 1987). أثار هابرماس في عمله منذ ذلك الحين تفسيراً في شرح أخلاقيات الخطاب ، والتي يمكن اعتبارها روايةً للعدالة تستند إلى فهمه النقدي للحداثة. في الآونة الأخيرة ، كان يحلم بآثار نظرية الخطاب على فهم القانون والمبادئ الدستورية لدولة ديمقراطية. سوف أركز على أخلاقيات الخطاب كمفهوم حواري لوجهة نظر محايدة. تبقى أفضل مقدمة عن فلسفة هابرماس هي لمكارثي:

McCarthy, Thomas. The Critical Theory of Jurgen Habermas.  Cambridge: Polity Press, 1984.

[2] أنظر على سبيل المثال:

Habermas, Jurgen. Moral Consciousness and Communicative Action. Cambridge: Polity Press, 1990.

[3] انظر تعليقاته النقدية فيما يتعلق بمحاولة راولز لتبرير مبدأيه في:

  Habermas, Jurgen , Autonomy and Solidarity: Interviews with Jurgen Habermas, rev. ed., ed. Peter Dews. London: Verso, 1992.

[4] حول هذا التحول النموذجي أنظر:

Habermas, Jurgen. The Philosophical Discourse of Modernity. Cambridge: Polity Press,1987.

[5] Cooke, Maeve. "Habermas, Autonomy and the Identity of the Self." Philosophy and Social Criticism 18 (1992): 269-92.

[6] Habermas, Jurgen. Autonomy and Solidarity: Interviews with Jurgen Habermas, rev. ed., ed. Peter Dews. London: Verso, 1992.

[7] Bernstein, Richard J. (ed.), Habermas and Modernity. Cambridge: Polity Press,

1985. 1-3.

[8] أنظر : غادامير، هانز جورج،  الحقيقة والمنهج، ، ترجمة د. حسن ناظم وهلي حاكم دار اويا، بيروت، 2007.

وأنظر، ريتشارد رورتي، الفلسفة ومرىة الطبيعة ، ترجمة ،د. حيدر اسماعيل الحاج، المنظمة العربية للترجمة ن بيروت،2009.

[9] Habermas, Jurgen. Communication and the Evolution of Society. London: Heinemann, 1979.15-20.

[10] Kenneth, Baynes, Reationak Reconstruction and social Criticisim: Habermas’s Model of Interpretative Social Science in, Kelly, Michael (ed.). Hermeneutics’ and Critical Theory in Ethics and Politics. Cambridge, Mass.: MIT Press, 1990. 122-45.

[11] Habermas Jurgen, what is universal pragmatics?"  (1979). 12.

[12] Habermas. , Jurgen.  A Reply to My Critics." In John B. Thompson and David Held (eds.), Habermas: Critical Debates, 219-83.234.

[13] Habermas Jurgen, what is universal pragmatics?"  (1979).14

[14] Habermas, Jurgen. Interpretive Social Science vs. Hermeneuticism." In Norma Haan et al. (eds.), Social Science as Moral Inquiry, 251-69.

[15] Habermas, Jürgen, Philosophical Discourse of Modernity,233.

[16]Rorty, Richard. Philosophy and the Mirror of Nature. Princeton: Princeton University Press, 1979.

[17] Habermas, Jurgen. Autonomy and Solidarity: Interviews with Jurgen Habermas, 129-93. 

[18] Habermas, Jurgen. Moral Consciousness and Communicative Action. 2.

[19]  Habermas, Jurgen.Autonomy and Solidarity

[20] Habermas, Jurgen. Moral Consciousness and Communicative Action.17.

[21] م، ن ، 3 .

[22] أنظر:

Habermas, Jürgen, Philosophical Discourse of Modernity. 

[23] Habermas, Jurgen. Post metaphysical Thinking:  Philosophical Essays.  Cambridge:  Polity Press, 1992.38.

[24] Habermas, Jurgen. Post metaphysical Thinking: Philosophical Essays.38.

[25]  Habermas, Jurgen. Moral Consciousness and Communicative Action.19.

[26] Habermas, Jurgen. . Theory and Practice. London: Heinemann, 1974.142-69.

[27] Bernstein, Richard J. (ed.), Habermas and Modernity,1985.197.

[28] Habermas, Jurgen. Interpretive Social Science vs. Hermeneuticism." 260.

[29]

Honneth, Axel, and Hans Joas (eds.). Communicative Action: Essays on Jurgen Habermas's "The Theory of Communicative Action." Cambridge: Polity Press, 1991.36-48.

[30] Habermas, Jurgen. Post metaphysical Thinking:  Philosophical Essays.77. 

[31] Habermas, Jurgen. "A Reply."  In Axel Honneth and Hans Joas (eds.), Communicative Action, 214-64.

Habermas, Jurgen. The Theory of Communicative Action. Volume 1: Reason and the Rationalization of Society. Cambridge: Polity Press, 1984.287-88.

[32] Habermas, Jurgen. The Theory of Communicative Action. Volume 1: Reason and the Rationalization of Society.287

[33] Habermas, Jurgen, "A Reply."  In Axel Honneth and Hans Joas (eds.), Communicative Action, 214-64.

[34] Habermas, Jurgen,-- . "A Reply."  241>

[35] Habermas, Jurgen. Post metaphysical Thinking:  Philosophical Essays. 81.

[36] Habermas, Jurgen", Remarks on the Discussion."' Theory. Culture and Society 7 (1990): 127-32.131.

[37] Habermas, Jurgen. Moral Consciousness and Communicative Action.94-95.

[38] Habermas, Jurgen. The Theory of Communicative Action. Volume 1:293.

[39] Habermas, Jurgen.. The Theory of Communicative Action. Volume 1:286.

[40] أنظر على سبيل المثال:

Honneth, Axel, and Hans Joas (eds.). Communicative Action: Essays on Jurgen Habermas's "The Theory of Communicative Action."

[41] Habermas, Jurgen. The Theory of Communicative Action. Volume 2:124.

[42] Habermas, Jurgen. The Theory of Communicative Action. Volume 2:13035.

[43] Habermas, Jurgen. The Theory of Communicative Action. Volume 2:135. 

[44] Habermas, Jurgen. The Philosophical Discourse of Modernity. 361.

[45] Habermas, Jurgen. The Theory of Communicative Action. Volume 2:124.

[46] Thompson, John B., and David Held (eds.). Habermas: Critical Debates. London: Macmillan, 1982.21-41.

[47] Habermas, Jurgen. The Theory of Communicative Action. Volume 2:96-106.

[48] Habermas, Jurgen. Moral Consciousness and Communicative Action. 199.

[49] Habermas: Are play to my critics in Thompson, John B., and David Held (eds.). Habermas: Critical Debates.227.

[50]Habermas, Jurgen.Moral Consciousness and Communicative Action. 101-2.

[51] Smith, Tony. The Role of Ethics in Social Theory: Essays from a Habermasian Perspective. Albany: State University of New York Press, 1991.109-92.

[52] Misgeld, Dieter. "Critical Hermeneutics versus Neoparsonianism?" New Ger­man Critique 35 (1985): 55- 82.

Rasmussen, David. Reading Habermas.Cambridge, Mass.: Basil Blackwell, 1990.37-55.

[53] Habermas, Jurgen. "The New Obscurity: The Crisis of the Welfare State and the Exhaus­tion of Utopian Energies." Philosophy and Social Criticism  11  (1986): 1-18.

[54] Habermas, Jurgen. Autonomy and Solidarity: Interviews with Jurgen  Habermas,227.

[55] Habermas, Jurgen. The Philosophical Discourse of Modernity. 363.

[56] Bohman, James F. "Formal Pragmatics and Social Criticism: The Philosophy of Language and the Critique of Ideology in Habermas's Theory of Commu­ nicative Action." Philosophy and Social Criticism 11 (1985): 331-53.

[57] Landes, Joan B. "The Public and Private Sphere: A Feminist Reconsideration." In Johanna Meehan (ed.), Feminists Read Habennas: Gendering the Subject of Discourse, 91-116.

 

 

محمود محمد عليإن النقد الذي وجهه " تولمن " لتوماس كون بسبب تمسكه ببعض التشبيهات والمبالغات التي صورت سيطرة النموذج المقياسي علي العلماء بأنها أشبه بسيطرة العقيدة الدينية dogma علي رجال الدين، وذلك من خلال الدراسة التي كتبها " كون " عن " وظيفة العقيدة في البحث العلمي The Function of Dogma in Scientific Research"، وفيها اكد أن التعليم العلمي أشبه بالتعليم اللاهوتي، وكان من قبل قد أستنتج واتيكنز Watkins دلالة هذا التشبيه عندما قال " إنني أقترح إذن أن " كون " ينظر للمجتمع العلمي في إطار التناظر مع المجتمع الديني، وينظر إلي العلم علي أنه دين العلماء .

وتبدو هذه النتيجة صحيحة لولا أن " كون " يري أن العلماء ينتقدون نماذجهم المقياسية أثناء فترة الأزمة، وغالباً ما تفضي هذه الانتقادات إلي تغيير الأنموذج المقياسي . ولذلك نستطيع – بصورة أو بأخري – القول بأن السلطة التي يمارسها الأنموذج المقياسي علي أذهان العلماء تختلف عن السلطة التي تمارسها العقيدة علي رجال الدين . لكن أين يكمن ذلك الاختلاف وكيف نرسمه علي وجه الدقة ؟

ويبدو أنه من المستحيل أو من العسير جدا علي الأقل أن نجيب عن هذا التساؤل داخل إطار فلسفة " كون " . وقد حاول  "ستيفن تولمن" في مقالة له بعنوان في مقالة له بعنوان " هل التفرقة بين العلم السوي والعلم الثوري تحتمل النقد " وكذلك في كتابه " الفهم الإنساني " بصورة بارعة وعميقة، أن يوضح الغموض الذي يحيط بهذه المسألة . فهو يري أن التناظر الذي يرسمه كون بين النماذج المقياسية والمعتقدات يخلط بين التساؤلات والقضايا الفلسفية، والتساؤلات والقضايا السوسيولوجية .

ومن هنا يتساءل تولمن : " هل يشير استخدام كون لمصطلح الأنموذج المقياسي  إلي النمط العقلاني لصورة معينة من التفسير النظري، والذي يستمد سلطته الفكرية intellectual authority من مزاياه التفسيرية المثبتة ؟ أم أنه يشير بالأحرى إلي عرض مقياسي معين لتلك النظرية، في كتاب كلاسيكي أو دراسة علمية، يستمد سلطته من السلطة الشخصية للإنسان الذي قام بتأليفه ؟،  فلا بد في رأي تولمن كما يري بعض الباحثين، أن نميز بين السلطة الشخصية الملازمة لنظرية وطيدة وبين السلطة الوقورة التي يمارسها معلم فرد علي طلابه . وعنما نقوم بهذا التمييز، ستفقد المقارنة بين النماذج المقياسية وبين المعتقدات سحرها .

وعلي هذا يري تولمن أن توماس كون عندما وصف دور أفكار " نيوتن "  في القرن الثامن عشر، لم يميز بين نوعين من التأثير : النوع الأول هو " مبادئ " نيوتن التي مثلت الوثيقة الوطيدة للميكانيكا الكلاسيكية، والنوع الثاني هو " بصريات " نيوتن التي كان لها تأثير مهيمن علي التفكير الفيزيائي في القرن الثامن عشر .

بيد أننا نستطيع في رأي تولمن، استخدام المبادئ لكي نوضح نقطة فلسفية هي أن إحدي مهام قالب ما من المفاهيم تحديد أنماط النظريات المسموح بها والتساؤلات المشروعة ..الخ، بالنسبة لعالم فيزياء يعمل داخل التقليد النيوتوني للميكانيكا . وطالما أن نظرية نيوتن تحتفظ بسلطة فكرية فإن مبادئها تقوم بدور محكمة الاستئناف في الأمور الخلافية، ولهذا فهي أنموذجية . لكن تلك النقطة فلسفية ولا تؤيد الادعاء القائل بأن العقيدة تلعب أي دور في العلم . وأية هذا أن علماء الفيزياء – بين عامي 1700 وعام 1800 – تصرفوا بصورة غير دجماطيقية واعتبروا نظرية نيوتن مؤقته، ولكن من الجائز أن يتحدوا السلطة الفكرية لمفاهيم  نيوتن.

وفي حالة ما إذ إخذنا بصريات نيوتن، فإنها تبين لنا نقطة سوسيولوجية، وهي أن أتباع نيوتن في القرن الثامن عشر أخذو بنوع من التفكير يتسم بضيق الأفق، وسلموا بأن التساؤلات المشروعة والأنماط المقبولة من التفكير هي فقط التي تعتبر صحيحة من خلال الأمثلة التي يضربها أستاذهم الذي يدرسون علي يديه أو داخل مدرسته . وربما يكون تفكير هؤلاء الأتباع مفيدا مادام يمكن عالما بارزا مثل نيوتن من أن يمارس سلطته الوقورة علي العلماء الأقل منه . لكن تلك النقطة في رأي تولمن – سيوسيولوجية خالصة، وذلك لأن كتاب البصريات لنيوتن لم يكن له تأثير كبير قبل نهاية القرن الثامن عشر، وبحلول عام 1800 لم تمثل السلطة المستمرة لكتاب البصريات سوي هيمنه وقورة لأحد العقول العبقرية علي أذهان من هم أدني منه، وكانت الطريقة التي خضع بها العلماء لهذه السلطة بداية الوقوع في الدجماطيقية .

إن تولمن يعتقد أن فكرة بناء نظريات علمية علي نماذج قياسية لا تحتوي في ذاتها علي شئ دجماطيقي . فلا بد أن ندرك أن كتابي المبادئ والبصريات قاما كأنموذجين مقياسيين بمعنيين مختلفين، وبالتالي لا بد من أن نميز بين السلطة الحقيقية المرتبطة بقالب من المفاهيم وبين سلطة الأستاذ التي يمارسها أراد أو تمارسها مدرسة علمية . وهو يقول في هذا الصدد " إذا فعلنا ذلك فسنري أن أقتراح " كون " إذا أخذناه بمعناه الفلسفي باعتباره تحديدا للدور الفكري للأنموذج المقياسي في التصور العقلاني للنظرية العلمية – الذي يقول بأن العلماء يلتزمون بالضرورة بنماذجهم المقياسية بروح دجماطيقية لم سوي مبالغة بلاغية في أحسن الأحوال .

إن انتقادات تولمن تثبت أن هناك سلطة فكرية يمارسها الأنموذج المقياسي، ولكنها ليست دجماطيقية إذا أخذناها من منظور فلسفي بحت . ونري مع بعض الباحثين، أن " كون " قد يوافق علي هذا الرأي، هذا إذا أقمنا فصلاً تاماً بين الفلسفة والسوسيولوجيا، وليس من الواضح كيف يستطيع تولمن إقامة هذا الفصل إذا أخذنا في الاعتبار أن " كون " ينظر إلي المعرفة العلمية كنتاج للمجتمع العلمي لا للعالم الفرد . ويقتضي وجود هذا المجتمع واستمراره آليات للسيطرة الاجتماعية التي تتسم بالدجماطيقية إلي حد ما .

لكن انتقاد تولمن ما زال رغم ذلك صحيحاً، لأنه يمثل كما يري بعض الباحثين يمثل أحد مظاهر الشذوذ في نظرة كون للعلم النمطي، فهو ينظر إليه علي أنه نشاط غير نقدي علي خلاف بوبر – لكنه يرادف أو يطابق عدم النقد مع الدجماطيقية . ويتمثل خطأ هذا الرأي في أنه يغفل إمكان تباين مفهوم عدم النقد عند الأفراد الذين يؤلفون المجتمع العلمي . ونعتقد أن هذا التباين لا ينبغي تفسيره علي أنه من سمات الشخصية الفردية، بل ينبغي أن يشمل العلم النمطي ذاته علي بعض الخصائص التي تسمح بهذا التباين، طالما أن الاعتقاد في صحة الأنموذج المقياسي هو كل المطلوب من أجل عدم نقده .

وينتهي تولمن من نقده للعقلانيات السابقة عليه إلي إنكار كل ما يتعلق بالنزعة الصورية للعلم، لأن تلك الصورية لا تهدف إلي التغيير والتجديد، لذلك رأينا تولمن يؤكد أنه من الضرورية رفض رؤية هؤلاء الذين يستندون في النمو العلمي إلي البحث في الأنساق العلمية من منظور العلاقات المنطقية – هؤلاء الذين يحصرون الجديد في معاني الحدود المستخدمة داخل النظرية أو القانون . وتولمن هنا يقصد التجريبية المنطقية هؤلاء الذين حاولوا حل مشكلات فلسفة العلم بعيدا عن التغيير المفاهيمي بل وحذفت من الفلسفة كل شئ يتعلق بالمشكلات والتساؤلات المثارة حول معرفة وطبيعة هذا التغيير .

ومن هنا ينطلق تولمن يعلن تولمن أن العقلانية التي يدعوا إليها ترفض أية وصاية منهجية علي العقل نتيجة التغيرات الجذرية التي تجسدت بفعل ثورة العلم المعاصرة، تلك الثورة التي جعلت العقل يعيد النظر في أطره وأسسه ومبادئه، ولم يعد الأمر متعلق بتشييد أداة أنساق ومناهج ثابتة ومطلقة وكلية ، بل أصبح أداة نقد وتقويض لهذه الأسس نفسها التي يسعي فلاسفة القرن السابع عشر، وبالذات ديكارت وجون لوك دائما لتبريرها دائما لتبريرها، فأصبح العقل أكثر مرونة حين تخلي عن أكبر قدر ممكن من مبادئه الثابتة، وبدأ يتنازل عن الأفكار الجامدة والمناهج العلمية الثابتة . لذلك نجده في كتابه " البصيرة والفهم " يقول :" لا توجد هناك وصفة متفق عليها لكل علم ولكل العلماء، تماما بالنسبة لأكثر للكعكات وكل الطباخين . وهناك الكثير في العلم الذي لا يمكن أن يكون متمثلا طبقا لمجموع القواعد والمناهج الثابتة علي الإطلاق . و(كما سنري) حتي الطبيعة العامة للعلم ذاته هي شئ متمثل في حالة من التطور ؛ وفي فقرة أخري يقول تولمن :" يقول تولمن " إن أفكار العلم تعبر عن ماهية أجيال من العلماء، فهي تمر من جيل إلي جيل . يبدو أنها تتعدل وتتغير باستمرار إذا ما عاد الأمر إلي هذا التحول وهذا التعديل ... ولا شك في أنه في كل جيل من هذه الأجيال يمكننا ملاحظة أن تغيرات فكرية بدت في الأفق وتصبح مندمجة في هذا الخضم وهذا ما يمثل في رأي مؤرخ العلم التقدم في العلم، وعلي غرار ذلك يسير الفيلسوف العلم مؤكدا أن النظريات الجديدة بالنسبة له هي التي تستحق البقاء وعلي حساب تلك البادئة ؛ أي أن التقدم في العلم يكمن في تطبيقه رجال العلم لأفكارهم، لكن بصورة نقدية ".

ونلاحظ في هذا النص أن تولمن يري كما رأي " جاستون باشلار "، أن نمو العلم نمو متعرج لا يسير في خط مستقيم بل يحدث النمو من خلال صراع مستمر مع الخطأ . والحقيقة العلمية خطأ تم تصحيحه وليس ثمة قيمة كبيرة لتلك الحقيقة التي تظهر منذ البداية واضحة وساطعة ومتميزة عن كل ما عداها.

ومن هذا المنطلق راح تولمن يؤكد في كتابه " الفهم الإنساني " علي أن " عقلانية المرء لا تكون بالتزامه بأفكار ثابتة وإتباعه لإجراءات نمطية أو مفاهيم   لا تقبل التغيير، وإنما تكون بقدرته علي تغيير تلك الأفكار والإجراءات والمفاهيم

ولذلك يحذر تولمن من أن العالم الذي يفشل في نقد وتغيير مفاهيمه وأنساقه العلمية حيثما تتطلب غايات مشروعه العلمي، فإنه في واقع الأمر ينتهك أو يقف ضد واجبات موقفه العلمي . ومن ثم لا تتسق أنساقه بشئ من العقلانية، فالعقلاني لا يعي أنني اعتقد في أن للعقل البشري قوة كلية القدرة . إن العقلاني ليس أبداً من يحاول معارضوه من اللاعقلانيين أن يصوره شخصاً يسعي جاهداً كي يكون كائناً عقلانيا صرفا، ويود أن يحول غيره إلي كائنات عقلانية صرفه .

وبناء علي ذلك، فإن العقلانية التي يبغيها تولمن هي نفس عقلانية بوبر التي تؤكد بأننا علي الدوام في حاجة إلي أفكار جديدة . وهذا معناه أن العالم كما يراه تولمن من حيث المبدأ مادة للتغيير علي طول الزمن قادر علي أن يخلق فروضاً ومشكلات ومعايير جديدة أو علي الأقل التعديل فيها ؛ هذا من ناحية، ومن ناحية أخري فإن عقلانية تولمن تركز علي صيغة القضايا العامة والقوانين ومحاولة نقدها والتغيير فيها بدلاً من التركيز علي أفكار أخري، بحيث إذا قلت أن العلم متغير كنت بذلك تعبر بالفعل عن سمة أساسية من سمات العلم، وإذا اعتبرت هذا التغيير علامة نقص فإنك تخطئ بذلك خطأ فاحشاً : إذ نفترض عندئذ أن العلم كامل لا بد أن يكون ثابتاً، مع أن ثبات العلم في أي لحظة واعتقاده أنه وصل إلي حد الاكتمال لا يعني إلا نهايته، ومن ثم فإن الثبات في هذا المجال هو الذي ينبغي أن يعد علامة نقص . إن العلم حركة دائبة واستمرار حيويته، إنما هو مظهر من مظاهر حيوية الإنسان الذي أبدعه . ولن يتوقف هذا العلم إلا إذا توقفت حياة مبدعه . والتغيير الذي يأخذ شكل التقدم والتحسن المستمر هو دليل علي القوة لا الضعف، ومن المؤكد أن هذا هو طابع التغيير العلمي، بدليل أن النظرية الجديدة في كثير من الحالات تستوعب القديمة في داخلها وتتجاوزها وتفسر الظواهر علي نطاق أوسع منها ؛ أي أن النمو في العلم يتطلب من المشتغلين به الأخذ بمضامين فكرية جديدة والعمل بها . وبالطبع فإن الخوض في أرض جديدة يتحتم علينا أحيانا ليس فقط الأخذ بمضامين جديدة ولكن أيضاً تغيير التركيب الفكري ذاته – إذا أردنا فهم ما هو جديد.

لذلك فإن العقلانية عند تولمن لا تختلف كما يري بعض الباحثين في جوهرها عن رؤية عقلانية كارل بوبر التي تعول علي أننا باستمرار في حاجة إلي أفكار جديدة، هذا من جهة ومن جهة أخري أن نمو الأفكار تكمن في ضوء انتقادات موجهة إليها، انتقادات يستخدمها العلماء بغية التقدم .

الأمر الذي جعل تولمن يهتم بتاريخ العلم ويجعله أساس التقدم في هذه الأفكار أو تلك ؛ حيث يري أنه ينبغي علي الفيزيائيين أن تكون لديهم ثقافة علمية تدعوهم إلي التفكير في نظرياتهم بطريقة تجعلهم لا يتجاهلون أن هذه النظريات ذات نجاحات تنبؤية في ضوء تاريخ العلم أو داخل إطار محاولات ثقافية تاريخية في المجتمع . والسبب في ذلك أن العلم كائن تاريخي ونشاط اجتماعي . إن تاريخ العلم يبدو في غاية الأهمية بالنسبة لنظريات العلم،  فهو أولاً يركز علي نمو الأفكار العلمية داخل العلم، كما يهتم بالتداخل بين العلم ككل والمجتمع الذي يقتني هذا العلم ويندرج تحت كل ذلك القوة الاقتصادية والاجتماعية وأثرهما الفعال في نمو وتطور العلم . ثانيا، أن تاريخ العلم يساعد علي فهم وتشكيل العلم وطبقا لذلك فإن تولمن يعتقد تاريخ العلم لم يكن فقط محتوي لتغيرات العلم في فترة، بل وفي أهدافه ومناهجه التي تتغير أيضاً. وهنا ينصح تولمن فيقول في كتابه البصيرة والفهم  " أن يكون العالم علي وعي شديد بمسالة تاريخ العلم وأنه من الأشياء الضرورية بالنسبة لعمله أو بالنسبة لما يقوم به من دراسة".

ويرفض تولمن في قراءته لتاريخ العلم كافة الرؤي التي لا تهتم إلا بالعلم من الداخل أو منطق العلم فقط وتهمل العلم من الخارج أو سوسيولوجيا العلم، مؤكداً نفس الأتحاة الذي أكده "هنري بوانكارية" حين رأي أن التكامل بين الاتصالية والانفصالية يؤدي إلي فائدة قصوي للعلم، فالنمو إنما يتم علي شكل تغييرات بطيئة تحولات تدريجية تمهد للطفرة أو القفزة أو الثورة ولا إمكان لهذه بدون تلك . بل إن الأخيرة تصبح مستحيلة بدون الأولي . ولكن تلك التحولات التدريجية ستصبح مجرد تراكمات، وبالتالي عديمة الفائدة، إن لم يتم الارتقاء بها من كيفية إلي كيفية أخري . فالاتصالية من هذه الزاوية هي التحولات التدريجية الممهدة، وأن الانفصالية هي رؤية الطفرة والجديد ... من هذا المنظور نستطيع أن درك ما أضافه كل جيل ونحن مطمئنون إلي أنهم يأتوا بذلك من العدم، وأنهم غير قادرين علي أن يقدموا بعمل سابقهم أو يستغنوا عنه كيفما كانت قدرلتهم ... كما نستطيع أن نري إلي أي حد تمكنوا من ألا يكون مجرد عاله علي أولئك السابقين ومدي الإضافة ونوعها.

وقد انتقد  الدكتور " أ.ك.جارفي  I.C.Jarvie "، وهو باحث أمريكي متخصص في فلسفة العلم،  في مقالة له بعنوان " تولمن وعقلانية العلم Toulmin and The Rationality of Science"، ستيفن تولمن في تحامله الشديد علي النزعة الصورية واتهمه، بأن عقلانيته ضد المنطق بكافة أنواعه، مما جعله يسقط في النسبوية والأناوية، وكل الجوانب التي يسميها باللاعقلانية،  حتي أنه قال عنه تلك المقولة " وأخشي أن تولمن بتنحيته للمنطق جانباً، قد يؤدي إلي تقويض عقلانية العلم وعدم إمكانية تمييز العقلانية بشكل عام، مما قد يجعل للمنجمين والسحرة أن يدعوا إلي عقلانية مساوية للعلم" .

ومن ناحية أخري يصف جارفي إن المجلد الأول من كتاب  الفهم الإنساني ، هو نقد العقل الجمعي وجزء من إعادة التقييم الشاملة لأفكارنا العامة حول العقلانية، التي أصبحت ضرورية بسبب تركيز الفلسفة غير المتوازن علي الشكل المنطقي لا الوظيفة العقلانية أو التكيف الفكري . وليس واضحاً ما إذا كان تولمن يريد قطع علاقة الحب بين الفلسفة وبين الهندسة والفيزياء لكن المؤكد : في العلم والفلسفة علي حد سواء أن الاستغراق الاستثنائي في النسقية المنطقية كان مدمراً لكل من الفهم التاريخي والنقد العقلاني . فالإنسان يستعرض عقلانيته ليس بترتيب مفاهيمه ومعتقداته في بناء صوري منظم، لكن بالاستعداد للاستجابة لمواقف جديدة بعقول منفتحة – الاعتراف بمواطن القصور في المناهج السابقة والتحرك لما وراءها . والمفاهيم الأساسية هنا " التكيف" و " الطلب " وليس " الشكل " أو " الصحة " معلناً هدفه بوضوح أنه أكثر تاريخية وتجريبية وبرجماتية من أفلاطون، فتولمن يضيف خمسمائة صفحة نتعلم من خلالها عن البيئة الفكرية للإنسان . والعلم عند تولمن هو بناء من المفاهيم جماعية النشأة والثبات وهي توسع من نطاق تساؤلنا حول ماهية العالم وكيف يمكن أن نسيطر عليه .

ويري جارفي أن المناقشة تبدأ بطرح المشكلة الناتجة عن تنوع المعرفة البشرية وخطر النسبية الداهم . وتولمن ليس علي استعداد لرؤية العلم كمزاعم معرفية عند دول أوربية قليلة وورثتها، بغض النظر عن نظريات للسحر وتسطح الأرض والتناسخ في الثقافات الأخري . والعلم ليس هو المشروع الفكري العقلانية الوحيد في مجتمعنا فحسب، بل هو أيضاً الأبرز عبر الثقافات . لكن كيف يمكن الدفاع عن هذا الموقف ضد الهجوم التشكيكي ؟ إنه ينظر (يقصد تولمن) لحجج كولنجوود حول الافتراضات المطلقة وحجج توماس كون حول النماذج الإرشادية ويجد أنها ضعيفة أمام النسبية . فأي منهما لا تستطيع أن تقدم تصوراً مقنعاً للتغيرات الأساسية في مشروع العلم العقلاني . ويري تولمن أننا يجب أن تظهر عقلانيتنا في التغيير ومن ثم فنظرية العقلانية في العلم يجب أن تصبح نظرية التغير العلمي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو  مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

جوتيار تمرقد لايختلف اثنان على انه حين صك المفكر الفرنسي أنطوان دستوت دي تراسي (١٧٥٤–١٨٣٦) كلمة "أيديولوجية" في عام ١٧٩٤ تقريباً، لتصف ما كان يأمل أن يكون علماً جديداً للأفكار، لم يكن يدرك بأن الكلمة ستأخذ تلك المسارات التي اتخذتها في وقتنا الحاضر، بعبارة اخرى لم يكن يدرك ان التوظيفات السلبية ستعمل على سلب قيمة الكلمة ومفهومها منها، لاسيما ان البعض بدأ باستغلالها لتضليل الناس لفرض معتقداته، وفق مزج لامنطقي ولا علمي بين مفهوم اليوتوبيا التي سبقتها بوقت طويل، ومفهوم الايديولوجيا، حتى تناسل منهما مفهوم مربك متعدد التأويلات، فاليوتوبيا استخدمت في مقابل الايديولوجيا باعتبارها مقابلاً لها، وباعتبارها مرادفاً لها، فضلاً عن تشوهات اخرى ساهمت بعض الجهات الفوضوية في فرضها على معطيات الايديولوجيا، كمحاولة زجها في ميدان الابستمولوجيا، الامر الذي حال دون الوقوف على الحقائق العيانية الموضوعية للايديولوجيا كما يقول د.محمود اسماعيل.

يحاول اصحاب الحركات الاجتماعية والسياسية وغيرها استغلال المصطلح لفرض هيمنتها على الناس، من خلال تحفيزها على الانقياد لرؤاها التي تطرحها، ولأنها تدرك بأنه كما يقول لينين لاحركة ثورية بدون نظرية ثورية، فانهم يقومون بمزج غريب ورهيب بين طوبائية مفهوم اليوتوبيا وبين جبرية او حتمية مفهوم الايديولوجيا، وذلك للوصول الى اهدافهم سواء في بث الافكار التي تخدم مصالحها واجنداتها الفئوية، او اثارة الفوضى والغوغائية داخل المجتمعات الساعية لنيل حقوقها في الغالب، وفي المجتمعات التي تعاني الطبقية في احيان اخرى، وحتى في المجتمعات الشبه مستقرة فان الغوغائية تجد لها منافذ لاسيما في مفاهيم المساواة وفصل السياسة عن الدين وغيرها من الامور التي تثير حفيظة التيارات المتشددة وتتخذ منها سبيلاً لاثارة الفوضى.

ولعل تعدد المفاهيم التي تتخذها الايديولوجيا نفسها تساعد هولاء على تسخيرها لاغراضهم باعتبار انها نسق من المعتقدات التي من خلالها يتم تفسير الواقع بعد تبسيطه تبسيطاً ضرورياً كما يقول المفكر عبدالوهاب المسيري، ويضيف بان الايديولوجيا نسق يعكس الواقع، وفي الوقت نفسه هي نسق يفسر بعض جوانب الواقع بعد تبسيطه تبسيطاً مخلاً، فالايديولوجية بنظره تصلح احياناً كدليل للسلوك الانساني، ولكنها لاتصلح احياناً اخرى، ومن هنا تبرز معارضة الفكر الايديولوجي بالفكر الموضوعي والعلمي الابستمولوجي، ومع تشعب الاراء حول مفهوم الايديولوجيا فانها تصف في الغالب على انها علم الأفكار وأصبحت تطلق الآن على علم الاجتماع السياسي تحديداً.

مفهوم الإيديولوجيا مفهوم متعدد الاستخدامات والتعريفات، فمثلا يعرفه قاموس علم الاجتماع بمفهوم محايد باعتباره نسقا من المعتقدات والمفاهيم (واقعية ومعيارية) تسعى إلى تفسير ظواهر اجتماعية معقدة من خلال منطق يوجه ويبسط الاختيارات  السياسية او الاجتماعية للافراد والجماعات، وهي من منظار اخر نظام الافكار المتداخلة كالمعتقدات والاساطير  التي تؤمن بها جماعة معينة أو مجتمع ما وتعكس مصالحها واهتماماتها الاجتماعية و الأخلاقية و الدينية و السياسية و الاقتصادية وتبررها في نفس الوقت.

وبذلك فالايديولوجية: هي مجموعة من المعتقدات و الأفكار التي تؤثر على نظرتنا لـلعالم، ويمكن القول أنها مجموعة من القيم و المشاعر التي نتمسك بها بشكل كبير، تلك المعتقدات و الأفكار غالباً تكون قريبة جداً لنا لدرجة أننا لا نشعر بوجودها، و نحن نظن أن معتقداتنا و أفكارنا هي الشئ الطبيعي و الحقيقي بشكل واضح، حتى لو كانت تلك المعتقدات خاطئة، فإن العقل يجعلك تعتقد  أنها الحقيقة، لأنها جزء من مجموعة أفكار تؤمن بها" التعريف متوفر على الشبكة" .

في حين ان اليوتوبيا هو مفهوم فلسفي ابتكره الكاتب البريطاني السير توماس مور في كتابه اليوتوبيا الذي نشره في عام 1516، ويدل المفهوم على الحضارة او المكان المثالي وهو مشتق من اللغة الاغريقية الذي يعني حرفياً المكان الذي لاجود له، ويصف الكاتب ذلك بالدولة المثالية حيث يكون كل شيء فيها مثالياً للبشر، وتكون جميع شرور المجتمع كالفقر والظلم والاجرام غير موجودة، اضافة الى افكار يصعب تطبيقها نظرياً لبعدها عن الواقع، وتعتبر تلك المثالية هي السلاح ذو الوجهين الذي يستغله اصحاب المزج الايديولوجي اليوتوبي، فالفقر والظلم والتسلط السياسي تعتبر من اهم الركائز التي تعتمدها تلك الفيئات الغوغائية لفرض منطقها اللامنطقي البعيد عن كل البعد عن الاسس العلمية والموضوعية في طرح ارائهم، وافكارهم التي لاتنتمي الى الواقع الا لكونها تجد في نفوس البعض مكاناً بسبب مواقفها العدائية تجاه الحكومات، أو لاسباب شخصية ناجمة عن النزاعات القبلية والعشائرية، او حتى احقاد شخصية.

لذلك لايمكن فصل الايديولوجيا عن مسارات الحياة داخل المجتمعات بكل تصنيفاتها، لاسيما حين ينظر اليها  من منظور الساسة الذين بدورهم يوظفونها على انها اكتشاف نابع من الصراع السياسي، وبفهوم ادق واوضح، ان المجموعات الحاكمة يمكن ان تصبح في تفكيرها شديدة الاهتمام بمصلحتها في احد المواقف، لدرجة انها لم تعد تستطيع رؤية حقائق معينة من شأنها ان تقوض احساسها بالسيطرة، ويعكس مفهوم التفكير اليوتوبي الاكتشاف المقابل النابع من الصراع السياسي، وهو ان مجموعات مقهورة معينة مهتمة، بقوة، فكرياً بتغيير وضع معني بالمجتمع، حتى انهم عن جهل منهم لايرون في ذلك الوضع سوى العناصر السلبية فقط، فلايقدر تفكيرهم على التشخيص السليم للوضع الحالي للمجتمع،لكونهم غير معنيين على الاطلاق بما يوجد فعلياً على ارض الواقع، بل يسعون بالفعل في تفكيرهم الى تغيير الوضع الحالي، كما يقول :  لايمان تاور سارجنت ،في كتابه اليوتوبية: مقدمة قصيرة جداً.

هنا فقط يمكننا ان ندرك كيف يقوم بعض الغوغائية باستغلال الطروحات الموضوعية عن الايديولوجيا واليوتوبيا لاغراضهم غير الواضحة، ففكرة تغيير الواقع بقوة، تعني بالضرورة وجود نظرية ثورية على جميع الاصعدة لخلق حركة ثورية، فكرية سياسية اقتصادية اجتماعية، ولكن  حين لاتوجد لدى تلك الفيئات تلك النظرية الشمولية، انما تحاول استغلال اليوتوبيا من خلال رصد الحالة الاجتماعية السائدة من الفقر وعدم وجود سلطة موحدة تتحكم بالبلاد مثلاً، فانها تحول تلك الافكار الى سلاح فوضوي يهدم الكثير من القيم الاخلاقية ويزيد من التنافر والتباعد بين الفيئات الاجتماعية لاسيما تلك التي توالي السلطات وتلك التي تعيش حالة الانعدام والفقر والتي تنحاز للفيئات الفوضوية الغوغائية، وذلك ما يزيد من انقسام المجتمعات على بعضها البعض وتزيد الهوة بين القاعدة والقيادة، فيتحول ذلك الشرخ الى معضلة مزمنة لايمكن علاجها بالشعارات والاقوال فقط، انما تحتاج الى وقت طويل كي يتم علاجها بالافعال التي تتناسب وتلك الاراء الفوضوية المنبعثة من سوء فهم الايديولوجيا ومزجها باليوتوبيا والابستمولوجيا.

يقول بول تيليخ " يدرك المؤمن باليوتوبية ان افكاره ليست واقعية، لكنه يؤمن انها ستصبح امراً واقعاً، اما الشخص الذي لديه ايديولوجية، فعادة ما لايدرك ذلك.."، وذلك ما يشكل الفارق بين سرعة انتشار الفكر اليوتوبي والعوائق التي تواجه الايديولوجيا في انتشارها، فالقناعة هنا لاتكفي لفرض الايدولوجيا، لكنها تحتاج الى موضوعية الطرح والتناسب الفكري والادائي العملي، في حين ان اليوتوبيا تثير ملكة الخيال اللامنتهي عند الافراد المنعدمين، فتنتشر بينهم لكونهم الشريحة الاكثر انتشاراً في البلاد، وبذلك تكون اليوتوبيا لديها حضور كبير وواسع بين الفيئات المنعدمة والتي يستغلها التيارات الفوضوية والغوغائية لبث فوضاهم داخل المجتمعات، وفي المقابل وكما يقول: زهير توفيق في مقال له منشور بعنوان (الايديولوجيا واليوتوبيا)  في جريدة الرأي:  اكتسبت الايديولوجيا حضوراً طاغياً في السجال السياسي واصبح الصراع الايديولوجي بين الافكار المتعارضة امتداد للصراع الطبقي الشامل، واستعملت الايديولوجيا بدلالات متناقضة، فمرة هي منطومة فكرية عقائدية للتنظيمات الاصطناعية كالحزب والطبقة والدولة ودلالة وجودها وهويتها لتعريف ذاتها وغيرها بالسلب اي بمغايرة الاخر لتبرير الانقسام، واذكاء الصراع، وتعني كلمة الايديولوجيا علم الافكار، ورفع مستوى العلوم الاخلاقية والسياسية الى مرتبة العلوم الطبيعية، وفيما بعد اصبحت الايديولوجيا نقيض التجريد والمثالية بما يتناسب مع الفكر الوضعي التحليلي للثورة والتنوير، كما يفسر ذلك الباحث خليل احمد خليل في دراسة له بعنوان الإيديولوجيا في مساراتها (من الوهم إلى العلم).

انها الصورة التي تحاكي واقعنا الحالي في المجتمعات الشرقية بالاخص الشرق اوسطية، ومجتمعنا الكوردي يندرج ضمن دائرتها، فالايديولوجيا اصبحت خارجة عن مساراتها المنطقية، واصبحت رهينة الوهم النابع من سرعة انتشار اليوتوبيا الفوضوية بينها، فالفكر لم يعد يندمج مع العلم مثلما يندمج مع الوهم، حتى اصبحت ممارسات السلطة بعين الافراد الخاضعين لليوتوبيا كلها نابعة من فكر التسلط، والدكتاتورية، على ان الواقع والموضوعية تؤكد ان تلك الرؤية نسبية لأن الظروف الاقليمية والدولية والتجزأة الداخلية والتحزب الفوضوي هما من ركائز انعدام رؤية واضحة لاعمال السلطة، وذلك ما يؤكد ان الناس الراكبين لموجة اليوتوبيا الواهمة اختلطت عليهم المفاهيم والافكار حتى انهم باتوا لايفرقون بين الكثير من المفاهيم المتحكمة بجذور وجودهم، وبتفاصيل حياتهم التي يعيشونها، فالخلط بين تلك المفاهيم ساد كل المسالك والاصعدة، حتى انهم اصبحوا لايفرقون بين  نظام الحكم ، والنظام السياسي، باعتبار انهما نظامان مختلفان، يقول: د. مصطفى كامل السيد عن الفرق بين نظام الحكم والنظام السياسي: النظام السياسي هو طريقة ممارسة الشأن العام في المجتمع وهذا اوسع بكثير من نظام الحكم لان النظام السياسي يشمل هيئات اخرى لاتمارس سلطة الحكم، يسندها في النهاية خطة القهر في الدولة من خلال الشرطة والمحاكم والسجون، وجماعات الضغط داخل الدولة من المجموعات الاقتصادية والحزبية التي لاتشارك في الحكم، وحتى الرأي العام، انما هم يدخلون ضمن هيئات النظام السياسي داخل الدولة، وذلك ما يؤكد ان الفئات الغوغائية الفوضوية التي تستغل حالة الركود المنتشرة داخل صفوف شرائح المجتمع المتعددة تعد ركناً من اركان النظام السياسي العام،  اما نظام الحكم فهو يشير فقط الى مؤسسات الحكم الثلاث  السلطة التنفيذية التي تمثلها الحكومة بالمعنى الضيق، والسلطة التشريعية والتي يجب ان تكون منتخبة ويمثلها البرلمان والمجلس النيابي، والسلطة القضائية التي يدعوا اليها القضاة،ذلك هو نظام الحكم الذي يتأثر في الغالب بالمتغيرات الاقليمية والدولية والظروف الداخلية فضلاً عن الظروف العامة كالعلاقات الدولية ومترتبات المنظومة الدولية وحاجياتها، اما القواعد التي تخضع لها هذه الهيئات الثلاث، فهي التي تميز بين الدولة والحكومة، فالدولة أكثر اتساعا من الحكومة، حيث أن الدولة كيان شامل يتضمن جميع مؤسسات المجال العام وكل أعضاء المجتمع بوصفهم مواطنين، كما يقول: د. عدنان كايد في دراسة له بعنوان الدولة بين المدنية والحاكمية، وهو ما يعني أن الحكومة ليست إلا جزءاً من الدولة. أي أن الحكومة هي الوسيلة أو الآلية التي تؤدي من خلالها الدولة سلطتها وهي بمثابة عقل الدولة. إلا أن الدولة كيان أكثر ديمومة (استمرارية) مقارنة بالحكومة المؤقتة بطبيعتها: حيث يفترض أن تتعاقب الحكومات، وقد يتعرض نظام الحكم للتغيير أو التعديل، مع استمرار النظام السياسي الأوسع والأكثر استقراراً ودواماً الذي تمثله الدولة.

وهنا كما يتم الخلط بين الايديولوجيا واليوتوبيا، يتم الخلط بين النظام السياسي ونظام الحكم، كما يتم الخلط بين الحكومة والدولة، ولايسعنا في مثل هذه الحالات الا ان نركز على مقولة الوعي الزائف الذي يصفه الباحث محمد امين بن جيلالي في دراسة له بعنوان الايديولوجيا واليوتوبيا في فكر مانهايم تأصيلات نظرية في الممارسة السياسية على ان هذا المفهوم ظهر في أحدث أشكاله، بعد إلغاء العوامل المتعالية والدينية، وبداية البحث عن معيار للأمر الواقع في مجال الممارسة، خصوصاً الممارسة السياسية، في حالة تستدعي مذهب البراغماتية،لكن في المقابل إذا قورنت بصياغتها الحديثة، فينقصها الإحساس بما هو تاريخي. الفكر والوجود لا يزالان يمثّلان قطبين ثابتين منفصلين، يحمل كل منهما تجاه الآخر علاقة ستاتيكية في عالم لا يتغير. أما الآن فقد بدأ الإحساس الجديد بالتاريخ يتغلغل وأضحى ممكناً تصور مفهوم ديناميكي للإيديولوجيا والأمر الواقع عبر الاعتقاد بأن مقولة التاريخ يعيد نفسه من باب التكرار اصبح ليس بالمفهوم الشائع والسائد عنه، الذي يتخذ من سطحية الحدث كدليل على التكرار، اتما من خلال الاعتماد على ادارك ماهية الاسباب والمسببات " العلل والمعلولات" ومن ثم رداستها واسقاط نتائجها على الواقع بعقلية الحاضر والتنبأ بالمستقبل وليس من خلال مفهوم الاستسلام  لنفس العوامل والمسببات ،و انتظار نفس النتائج القديمة والخضوع لمنطق المظلومية السابقة.

ان الخلل الذي يفرضه المنطق الوجودي في المجتمعات الشرقية بصورة عامة، هو عندما يحاول البعض جعل الوجود المتعالي وحِدَّة الوعي الزائف في منزلة متساوية، وبذلك نجد الدول تختبئ وراء اقنعة شعاراتية زائفة ومعنونة تحت غطاء الايديولوجيا، وحين تنفك عُرى تلك الشعارات تستغلها اليوتوبيا الغوغائية لفرض واقع وهمي بعيد كل البعد عن المنطق السياسي بنظامه، والسلطوي بنظامه، والحكومي بمفاهيمه، وحتى الاستقلالي بمفهوم الدولة، حيث تختلط الامور وفق نمط فوضوي مثير للجدل، لاسيما ان الطبقات المنعدمة والشرائح الناقدة تجد في وهم اليوتوبيا الفوضوية فرصة للتعبير عن سخطها، وعدم رضاها فتجد التيارات الغوغائية فرصتها لركوب الموجة تلك والقيام باستغلال الاحداث للدعاية الحزبية وفي الكثير من الاحيان تجد تلك التيارات غارقة في مشاكلها الاقتصادية وحتى طروحاتها المعادية للقضية مع الحكومات، على ذلك نجد تلك القيم الفوضوية التي تطرحها الغوغائية المترصدة للحدث  تتهاوى في مسرح السيادة الفعلية أو سلوك الدولة، وبالتالي تغدو الإيديولوجية التي تتبناها زائفة في قيمها ومبادئها، وبعيدة كل البعد عن معايير الحقيقة التي تنشد واقع حياة سياسية خالية من الصراعات الطائفية والحروب الاهلية، إذا لم تُؤدِّ الإيديولوجيا وظيفة بناء واقع اجتماعي متوازن، فهي لا محالة تقوم بوظيفة تبرير ذلك الواقع لمصلحة طبقة أو طائفة أو نخبة معينة،وذلك ما يعني إن الواقع الزائف يولد من رحم الوعي الزائف، كما يقول محمد امين بن جيلالي.

لذا الايديولوجيا واليوتوبيا هي التي تميز في المجتمعات ما بين المعنى الجزئي والمعنى الكلي  للايديولوجيا، ويقصد بالاول التزييف والكذب المقصود وغير المقصود عند الفرد لاسباب شعورية ولا شعورية، اما المعنى الكلي فيقصد به الاطار الفكري العام لطبقة او لمرحلة فكرية معينة، وذلك ما يظهر بصورة جلية في المجتمعات الشرق اوسطية المقامة على بنى بدوقراطية، استبدادية، فردية، الحزب الواحد يحكم المتعدد بلاشراكة، والتي تخفي سحرها الإيديولوجي وراء أقنعة صراع الدول ، الشركات، ويتخذ سحرُها الإيديو تكنولوجي طابع الإغواء للشعوب المنسحرة بإيديولوجياتها الممزوجة باليوتوبيا بل اليوتوبيا التي تغلفها بالادلجة، فاستغلال حتى الاديان لفرض ايديولوجيا مبنية على اليوتوبيا الواهمة اصبحت ركناً من اركان صيرورة المجتمعات الشرق الاوسيطة بصورة عامة، فكيف بالفقر والمظالم والكوراث التي تحدث للامم والشعوب، وكما يقول الاعلامي فارس خشان :"عندما نطمح إلى مسألة ما نُصاب بداء الحصان، فنرى الأمور أكبر مما هي في الواقع. وعندما نملك ما نطمح إليه يُصاب نظرنا بداء النسر، فيصبح الأمر البعيد قريباً، وكأن متراً واحداً يفصله عنا، دائماً نخطئ في الرؤية، عندما نعظم من حجم شيء نخضع له، وعندما نستصغره ننقض عليه. وفي الحالتين، نُصاب بعوارض الأوهام. عوارض تحرم الجميع لذة الحياة. المواطن العادي يراك أكبر مما أنت عليه، زعيمك يراك أصغر مما أنت عليه، أنت ترى المواطن العادي أصغر مما هو عليه، وترى زعيمك أكبر مما هو عليه. أوهام الرؤية تسحب نفسها على كل المناصب"، وعلى تلك الشاكلة تتحول مجتماعتنا من قطيع يساق بمنطق الايديولوجيا المسيسية الى قطعان تساق باليوتوبيا الواهمة، وفي جميع الحالات تبقى الشعوب هي الاضاحي التي تقدم للارض كي يثبت السلطوي او الغوغائي كرسيه.

 

جوتيار تمر / كوردستان

 

زهير الخويلديبين ريكور ورولز وصين ووالزر

استهلال:

"العدل مساواة. لا أعني بذلك الوهم الذي قد يكون يومًا ما: أعني هذه العلاقة التي ينشئها أي تبادل عادل على الفور بين القوي والضعيف، بين المتعلم والجهل" - ألان

يحس الانسان في حياته الاجتماعية بالظلم السياسي والغبن الاقتصادي ويشعر بالازدراء الثقافي والتمييز العرقي ويطالب بالاعتراف والتقدير والاحترام والعدالة والدمج من حيث انتمائه مثل غيره الى الإنسانية.

من هذا المنطلق ظل مطلب تحقيق العدالة في المجتمع بين الانسان ونفسه وغيره والمجتمع الذي يمثله من المهام العويصة والمطالب المحرجة للسلطات السياسية والهيئات الاجتماعية والمؤسسات المدنية ويبقى مشكل التفاوت أمام القانون واللامساواة في المعاملة من الممارسات التي تتكرر على الصعيد العلائقي. ولقد حاولت الفلسفة منذ الاغريق تقديم التصور النظري للمنظومة الحقوقية العادلة وقامت بالمراجعات الضرورية في كل مرة تجابه بالاعتراضات والتحفظات حول المفاهيم والمعايير والمجالات والتبعات.

كانت العدالة في قلب النقاشات منذ فجر الفلسفة. لقد وضع أفلاطون بالفعل العدالة في قلب الجمهورية، وهو عمله الرئيسي. بشكل عام، تشير العدالة إلى الامتثال للقانون، والشعور بالإنصاف. يمكننا التمييز بين ثلاثة أنواع من العدالة: فكرة العدالة: تحدد معيار القانون، مفهوم واجب العدالة المستحق: إنها تحدد الفضيلة التي نحترم بها حقوق الناس لأنهم يعتبرون متساوين. ومؤسسة العدالة عند جميع المنظمات أو الأشخاص الذين يطبقون القانون. بالنسبة للفلاسفة، العدالة هي هدف كل السياسات، بقدر ما تهدف إلى إقامة مساواة حقيقية ومجهولة الهوية، والتي لا تأخذ في الاعتبار الوضع الاجتماعي أو شخصية الأفراد.

في هذا الصدد مثلت إشكالية العدالة مركز الثقل في المناقشات الكبرى التي جرت بين علماء الاجتماع وعلماء الاقتصاد وعلماء القانون والفلاسفة في الأزمنة المعاصرة وانتقل المبحث من دائرة الأيديولوجيا الى مجال المقاربة العلمية ومن الشعار السياسي الى الحقل التجريبي ومن دائرة الخطاب الى نطاق الفعل.

فماهي القاعدة الذهبية للعدالة؟ وكيف يمكن جعل العدالة من القناعات الأكثر أهمية في المجتمع السياسي؟ وماهو الوسيط الذي يجدر الاعتماد عليه في هذا الإجراء لبلوغ توازن معقول بخصوص نظرية العدالة؟ وكيف تطمح قاعدة العدالة إلى الجمع بين إخضاع التكافل للمنافسة وتحقيق التوازن بين المنافع المتنافسة؟ ألا تنزل القاعدة الذهبية للعدالة في حد ذاتها إلى مصاف القاعدة النفعية التي تحاول فلسفة ريكور تخطيها؟ أليس من المفروض أن يتم إعادة توجيه مسار السياسة العادلة عبر التضحية بالميولات النفعية وتفادي الوقوع في عملية الإضرار بالغير والمطالب الكارثية للنزعة النفعية وإبرام تعاضد بين المحبة والعدل؟

هل تمت مراجعة نظرية العدالة الأرسطية من طرف رولز؟ وماهي الاعتراضات التي قدمها الفلاسفة الذين جاؤوا بعد على غرار سين وصندال وتايلور ووالزر؟ وبأي معنى تطورت فكرة العدالة فلسفيا؟

أفق هذا المبحث لا يتوقف عند تحديد مفهوم العدالة عند بول ريكور وإنما يتعدى ذلك نحو امتحان شرعية هذا المطلب وصحة هذه الفضيلة السياسية والحاجة إليها في المجال القانوني وبالنسبة للجسم الاجتماعي.

1- نظرية العدالة عند جان رولز:

"يجب أن يكون المجتمع عادلاً قبل أن يكون متساوياً. حول هذه الأطروحة يتم تنظيم جميع المناقشات الاجتماعية والسياسية الحديثة حول توزيع الثروة."

إن نظرية العدالة لدى جان رولز [1] هي العمل الأكثر إثارة للفلسفة السياسية في القرن العشرين، حيث أثارت أدبًا من التعليقات المذهلة وكتب الرد التي الفها كل من والزار ونوزيك وصاندل ونوسباوم وأعادوا بها صياغة المشهد فلسفي بين الليبراليين والتحرريين والشيوعيين. يحدد جان رولز في نظريته عن العدالة المبادئ التي تحكم المجتمع العادل عبر التوفيق بين مبدأين غالبًا ما يتعارضان، ولكنهما في صميم المثل الديمقراطي: الحرية والمساواة. سيشرح رولز نظريته الفلسفية ويعدل ويعمق مبادئ العدالة التي صاغها في كتابه الشهير، والهدف هو إعادة التفكير في المبادئ التي تجعل المجتمع مجتمعًا عادلًا. لكن كيف يمكن التوفيق بين العدالة والحرية الفردية والمصالح الجماعية؟ أي ماهي المبادئ التي يقوم عليها المجتمع العادل؟ ولماذا حرص رولز على الربط بين العدالة التوزيعية ومفهوم الإنصاف؟ وما علاقة مبدأ الاختلاف بالحرية الشخصية؟ وألا يوجد تناقض بين فكرة العدالة الاجتماعية ومطلب المنفعة الفردية؟

تتمثل مبادئ العدالة حسب جان رولز في تأكيده على أن الأفراد الذين يرتدون حجاب الجهل سيختارون مبدأين للعدالة: مبدأ الحرية والمساواة: لكل شخص الحق المتساوي في الحريات الأكثر شمولاً المتوافقة مع حرية الآخرين. هذه النظرية في العدالة التي يدافع فيها رولز عن مجتمع قائم على إعادة التوزيع التي من شأنها أن تقلل من عدم المساواة والفوارق بين الفئات الميسورة والأقل حظ. من هذا المنطلق إن العدالة من حيث هي إنصاف في نظر رولز تفهم الخير على أنه مفهوم فردي. وبالتالي، يجب أن يسمح المجتمع العادل برؤى مختلفة عن الخير العام للتعايش المشترك. لكن اذا كانت الديمقراطيات الليبرالية تتمتع بامتياز احترام الحريات، أحيانًا على حساب المساواة، واذا كانت الأنظمة الاشتراكية قيدت الحريات باسم المساواة، فإن رولز يتصور حلاً لهذه المعضلة: يجب أن يسترشد المجتمع العادل بمبادئ تضمن الحرية والإنصاف. لهذا السبب ينتقد رولز فلسفة النفعية، التي تقوم على فكرة أن المجتمع العادل هو المجتمع الذي يضاعف الكل مرافق أعضائه. وبعبارة أخرى، بغض النظر عن توزيع السعادة، فإن ما يهم هو إجمالي عدد "وحدات السعادة" في المجتمع. ينتقد رولز هذا المنهج: بالنسبة له، يجب على المجتمع أن يحرص على تعظيم الاستفادة عند المحرومين. يعتمد جان رولز على فرضية "حجاب الجهل" في الوضع الأصلي الذي يكون عليه المتحاورين لكي يبرهن على مبدأي العدالة: بالنسبة لرولز، يجب أن يتخذ المشرع قراراته تحت "حجاب الجهل" وبعبارة أخرى، يجب أن يخفي المشرع منصبه الخاص في المجتمع وأن يتخذ قراراته كما لو أنه يمكن أن يشغل يومًا ما منصبًا اجتماعيًا آخر. وبذلك، سيكفل المشرع وضع القواعد الأقل حرمانًا على القواعد الأكثر حرمانًا، مدركًا أنه يمكن أن يجد نفسه في هذا المنصب. يعتقد رولز أنه بموجب "حجاب الجهل" هذا، سيتم تحديد مبدأين للعدالة، وبالتالي يجب أن تضمنهما المؤسسات:

مبدأ الحرية: يجب أن يحصل كل مواطن على نفس الحريات، ويجب أن تكون حرية كل فرد متوافقة مع حرية أفراد المجتمع الآخرين.

مبدأ الاختلاف: يمكن تحمل بعض الاختلافات في مجتمع عادل بشرطين:

أ - يجب أن تكون الوظائف التي تقدم المنافع متاحة بنفس الطريقة لجميع أفراد المجتمع. تكافؤ الفرص هو الأساس الضروري لمجتمع عادل ("يجب أن تكون غير مبالية أن تولد بهذه الخصائص بدلاً من غيرها").

ب - يتم تبرير عدم المساواة عندما تحسن وضع الأكثر حرمانا. تبرر هذا المبدأ المساعدة الممنوحة للفقراء، ولكن أيضًا بعض الفروق في الأجور ("سيكون للشخص الموهوب حق مشروع في الدخل الأعلى الذي ستجلبه موهبته إذا استفاد المجتمع أيضًا").

لقد قدم راولز مفهوم "الخيرات الأولية" في تفكيره وتغطي هذه الحريات والحقوق الأساسية (الدخل والثروة والسلطة والفرص والأسس الاجتماعية لاحترام الذات). تشكل هذه "الخيرات الأولية" أسس المجتمع العادل، ويجب إتاحتها للجميع. يقترح رولز في النهاية الصيغة التالية لمبادئ العدالة الخاصة به: لكل شخص حق متساوٍ في مجموعة ومخطط وكافٍ تمامًا للحريات والحقوق الأساسية المتساوية للجميع، والتي تتوافق مع نفس المجموعة للجميع، والتي يجب فيها ضمان الحريات السياسية المتساوية وفقط. قيمتها العادلة. يجب أن تستوفي التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية شرطين:1 لإلحاق أنفسهم بالوظائف والوظائف المتاحة للجميع وفقًا لفرص منصفة وعادلة ومتساوية، 2 درجة لأكبر ميزة للأعضاء الأكثر حرمانًا في المجتمع ". لاحظ أن الصياغة تختلف في عدة نقاط عن تلك الواردة في الفقرة 11 من نظرية العدالة. يتطلب المبدأ الأول وجود "نظام ملائم بالكامل" وليس "النظام الأكثر شمولاً" و "القيمة العادلة للحريات السياسية". يقدم المبدأ الثاني نظاماً معاكساً، تكافؤ الفرص يأتي قبل مبدأ الاختلاف. وهو يعرف الاختلافات المقبولة على أنها تلك التي تفضل "أكبر فائدة للمحرومين" وليس "مصلحة الجميع".

في الواقع، قبل فحص محتوى هذه المبادئ، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار موضوعها: هذه المبادئ تتعلق "بالبنية الأساسية للمجتمع"، وهي تتناولها من حيث توزيع "الخيرات الاجتماعية الأولية". والحق أن الصعوبة الخاصة بنظرية العدالة هي مستوى التبرير المزدوج. نحن نفهم هذا المستوى المزدوج بشكل أفضل في العدالة كإنصاف. يهدف المشروع إلى إيجاد مفهوم سياسي للعدالة خاص بمجتمع ديمقراطي. يمكننا تبرير هذين المبدأين من خلال النظر في المنطق الذي نشره أعضاء المجتمع الذين يشاركون في التفكير في العدالة من خلال وضع أنفسهم في حالة الجهل حول موقفهم الاجتماعي الخاص . ثم يمكننا تبرير اختيار "حجاب الجهل". بعد تنفيذ هذه المراحل المختلفة من التبرير، تناول رولز النقاط المؤسسية المناسبة لنظرية العدالة وبالتالي يمكن أن تركز على الأشكال المؤسسية المتوافقة مع مبدأي العدالة وعلى الاستقرار المتأصل للمؤسسات السياسية. من هذا المنطلق يقدم لنا رولز صورة للمجتمع العادل دون مرجع جوهري لنظرية المجتمع الحقيقي: نظرية يجب أن تكون بدون إشارة إلى نظرية الوجود الاجتماعي. إنها تشير بالتأكيد إلى مفهوم عام للمؤسسة الاجتماعية، يُفهم على أنه "اتفاق" على بعض قواعد التعاون. ويشدد على أن الاتفاقات السائدة في المجتمعات المعاصرة، والتي تحدد توقعات وأفعال الأفراد، هي جزء من علاقات السيطرة الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية وتسعى على وجه الدقة لصياغة الشروط الشرعية، أي المقبولة عالميًا، للفهم الاجتماعي. ولكن من دون استجواب حول طبيعة العلاقات الاجتماعية التي "تثير" القواعد السارية في المجتمع، ولا على آليات تكاثرها. إنه بالتأكيد يؤكد أن السوق الرأسمالية، إذا تركت لنفسها، تولد علاقات غير عادلة وتنتج تبادلات غير متكافئة. لكن هذه الملاحظة لعملية هيكلية تولد عدم المساواة لا يمكنها في حد ذاتها أن توفر السياق لفلسفة سياسية. فقط نظرية تهتم صراحة بطبيعة أو نظام المجتمعات الحديثة تسمح بتخيل العقبات التي تقف ضد إقامة العدالة. لقد ساهم رولز بشكل كبير في تطوير الفلسفة السياسية بحيث تمت ترجمة نظرية العدالة إلى الكثير من اللغات العالمية، ولا يزال لها تأثير كبير في الفلسفة والاقتصاد والعلوم السياسية والقانونية الى حد اليوم. غير أن مقترحات رولز أثارت العديد من المناقشات في الفلسفة السياسية المعاصرة. دعونا نذكر اثنين من أهمها. أولاً، لقد صُدم العديد من قراء نظرية العدالة بغياب واحد. لا يقول رولز شيئًا عن العدالة كفضيلة فردية إلا أن نقول أن الانسان العادل هو الذي يدعم المؤسسات العادلة. المجتمع ليس فقط لأنه يشجع البشر على العيش بشكل جيد، لأنه يزرع فيهم أعلى التطلعات، أو لأنه يعزز أفكارهم الأخلاقية، ولكن فقط لأنه يعامل مواطنيه بدون تحيز وإنصاف. بعبارة أخرى، السياسة ليس لديها ما تقوله عن الغايات البشرية. ليس من الضروري أن يحاكمهم ولكن فقط لتوفير شروط توافقهم ومعايشتهم المشروعة، من خلال استبعاد فقط تلك غير المعقولة، أي تلك التي ترفض الاعتراف بالتعددية المشروعة للتصورات الجيدة. لكن ألا تفقد السياسة كل معانيها عندما يتخلى المجتمع عن السعي من خلال وسائله إلى كيفية العيش؟ ماذا يحدث للمجتمع البشري إذا اختار الجميع ما يبدو جيدًا لهم ولم يهتموا بالآخرين إلا بطريقة سلبية ويتركونهم وحدهم؟ أليس هذا اللامبالاة المتبادلة شكلاً من أشكال ازدراء الآخرين؟ أليست الحرية فارغة إذا اختزلت إلى قوة غامضة للاختيار بدون مبدأ؟ ما يميز المجتمع البشري الأصيل، أليس تقاسم المثل الأخلاقية والتقاليد الأخلاقية التي تعطي الحياة معناها وسمكها ؟ فكيف يمكن بناء حياة سياسية على مبادئ اجرائية؟

وبالتالي فإن ليبرالية رولز متهمة بتأييد الصورة الحديثة لذات الهيكل العظمي التي اختزلت إلى إرادة نقية والتي لن يتم تحديدها من خلال المثل التي تحملها ولكن من خلال قوة الاختيار الخالصة. هذه الأسئلة، التي هي في صميم المفهوم "المجتمعي" للمجتمع، مع ذلك تظل غامضة للغاية. فهل يعني هذا أن الليبرالية تعطي صورة خاطئة عن المجتمع والإنسان لأن تقاسم التقاليد والأخلاق - حتى الدين - هو جوهر أي مجتمع وهذا الرجل ليست إرادة أو كيانًا مُختارًا، ولكن قبل كل شيء كائن ينعكس على الخير ويجد معنى في الحياة الجماعية فقط إذا شارك هذا التفكير مع الآخرين من خلال المؤسسات؟ أم نقصد، على العكس من ذلك، أن الليبرالية تعطي صورة حقيقية لما أصبحه الإنسان والمجتمع لسوء الحظ تحت تأثير الحداثة الذي هو أحد الأجزاء الأساسية فيه؟ أليس التخلي عن الليبرالية هو تخلي عن الحياة الحرة؟

في كلتا الحالتين، رد رولز واضح. مسألة الغرض من حياة الإنسان هي مسألة أساسية يجب أن تستمر والتي ستستمر في الظهور. إنه أيضًا سؤال يجب مناقشته، ويشكل البشر وسيشكلون مجتمعات حول الإجابات الشائعة التي يعطونها لهذه الأسئلة. لكن هذه المجتمعات ارادية، وتستند إلى إدانة أفرادها الذين يمكنهم دخولها أو تركها وفقًا لما إذا كانوا يشاركون المثل العليا الأخلاقية التي يعبرون عنها أم لا، وتعدد هذه المجتمعات والقناعات الأخلاقية الموجودة. الظاهرة هي حقيقة لا يمكن اختزالها في مجتمعات اليوم. علاوة على ذلك، فإن هذه التعددية معقولة، أي أنه لا يمكن التظاهر بأن أولئك الذين لا يشاركوننا مُثلنا ليسوا في ذهنهم الصحيح. لا يمكن لأي شخص يؤمن بالسماء أن يتهم أي شخص لا يؤمن بالسماء بأن لا يكون في عقله الصحيح، وأن ذلك سيكون أصل كل التعصب. وبالتالي لا يمكن للمؤسسات العامة أن تتبنى بعض القيم الأخلاقية النهائية دون قمع الآخرين، وهذا هو السبب في أنها لا تؤكد أي تصور للخير: إذا فعلت ذلك، فإنها ستكون بالضرورة استبدادية، لأن الحد من التعددية يفعل ممكن فقط عن طريق القوة. وبالتالي، فإن السياسة لا تقوم على حل وسط، بل على البحث عن فكرة أخلاقية تكون في حدها الأدنى أو مقبولة للكل، وتجدها في مفهوم الحياد، أي في التأكيد على أن الجميع الأغراض التي تقبل التعددية لها الحق في الاحترام المتساوي. إن صورة الإنسان التي تروج لها وتشجعها ليست مفهومًا ميتافيزيقيًا، ولا تحدد الليبرالية الإنسان على أنه كائن إرادة أو اختيار حر. إنه راضٍ عن القول بأن كل واحد منا يرغب في أن يحكمه مؤسسات عامة يتم تحريكها ودعمها بتمثيل الشخص البشري كشخص حر ومتساوي. الليبرالية لا تقول إن الإنسان هو الاختيار، ولكن كل مواطن يطمح إلى أن يحكمه مؤسسات تعتبره اختيارًا. إنه مفهوم سياسي وليس ميتافيزيقيا. أو مرة أخرى، هذا هو المفهوم الذي نود من خلاله مؤسساتنا التفكير فيما يمكن أن تفرضه أو تطلبه منا. لذا، فإن الطائفية مخطئة تمامًا في الادعاء بأن الليبرالية تنسى حقيقة القناعات الأخلاقية المشتركة والقوة الهيكلية للمثل الأخلاقية في بناء الشخصية. بل على العكس، لأنها تعرف أهميتها أن الليبرالية تريد عرقلة عمل المؤسسات السياسية القسرية التي تسعى لفرض إحداها على من لا يقبلها، وهي لأنه يعلم أن المثل التي فرضت تتوقف عن صدقه ويطالب بأن يقترب الجناح المسلح للدولة من علاقاته مع المواطنين من خلال تمثيلهم ككائنات يجب تركهم أحرارًا في اختيار الطريقة التي يريدون العيش بها. يطرحنا النقاش الثاني في أسئلة أكثر واقعية. في الواقع يعزل رولز في تحليله ما يسميه الموقف الأقل حظًا، ويعتقد أن أولئك في هذا المنصب يمكنهم الانضمام إلى المؤسسات الاجتماعية فقط إذا كانوا مقتنعين بأنهم مرتبون لزيادة حصتهم. المؤسسات العادلة هي تلك التي يكون فيها أدنى منصب مع ذلك أعلى من جميع المنظمات الاجتماعية الممكنة الأخرى التي تضمن نفس الحريات. بالنسبة لرولز، تجسد هذه الفكرة المثل الأعلى من المعاملة بالمثل. ولكن هل كل من هم في الوضع الأقل حظا مؤهلون لنفس المعاملة؟ ومن بينهم، يقع البعض بلا شك ضحايا لأصلهم الاجتماعي، أو لقلة الحظ والقدرات الطبيعية. لكن الآخرين قد يكونون مسؤولين عن مصيرهم بسبب خياراتهم أو تهورهم أو الجمود. تبدو فكرة المسؤولية هذه ضرورية في سياق العدالة، وتبدو متناقضة للنظر في المواقف فقط في هيكل التوزيع دون سؤال من يشغلها ولماذا. من المؤكد أن تنظيم المؤسسات بطريقة للتعويض عن النقص الذي يعاني منه ضحايا الصدفة، ولكن الخيارات التي يتخذها الأفراد يجب أن تبقى معهم. على الرغم من قوة إغراء هذه الفكرة التي لا يمكن إنكارها، يعتقد رولز أنه من المستحسن مقاومتها كثيرًا، يبدو من المستحيل فلسفيًا التمييز، في حالة الفرد، بين ما يتعلق بخياراته وما الذي يأتي في ظل الظروف التي يوضع فيها. هل فكرة الاختيار "الحر" هي ذات معنى، وإذا كان الأمر كذلك، فهل تعني الفعل المستقل تمامًا عن أي ظرف؟ يحق لنا أن نشك في هذه الأسئلة ونستنتج أن الأمر متروك للمجتمع السياسي لتنظيم "الأماكن" المختلفة التي يتألف منها بحيث يشكلون نسيجًا نسبيًا على الأقل المستمر، وأن علاقات التعاون بين الأشخاص الأحرار والمتساويين ممكنة بين أولئك الذين يشغلونها، أي أنه لا يمكن لأحد أن يشعر بأن التعاون يتحول إلى ضرر له وإلى المصلحة الحصرية للآخرين. لا تزال مفاهيم الجدارة والمسؤولية بعيدة المنال إلى حد بعيد، وأحد طموحات التفكير في العدالة التي أعطتها رولز دفعة قوية تتمثل في كسر صورة مبسطة تفترض أن الأفراد، مع خياراتهم، المواهب، وجدارتها، وطاقتها، ومساهمتها هي بيانات غير ملموسة يجب على المؤسسات مكافأتها بنسبة مناسبة لتكون عادلة. إن النظام الاجتماعي، والقوانين، والتعليم، والعادات، والتقاليد، والميراث، وجميع هذه الشخصيات في حياتنا الجماعية تشكل الأفراد كما هم من تشكيلهم بحيث، بدلاً من اسأل نفسك من يستحق ماذا، قد يكون من الأفضل الاقتراب من السؤال كما اقترح رولز أننا نفعل؟: تخيل أن النظام الاجتماعي هو عمل أسوأ أعدائك وأن الأخير سيعطيك المكان الذي سيعود إليك . بيد أن التفكير عند محاولة تبني وجهة نظر الشخص الأكثر إزعاجًا قد لا يكون أسوأ طريقة للتفكير في الإنصاف. هل يمكنك اعتبار هذا النظام السياسي الذي يبرر التفاوت والفوارق شرعيًا؟

2- العدالة المتعددة عند مايكل والزر:

" العدالة هو تصرف الروح الدائم في أن ينسب لكل فرد ما هو ملكه وفقًا للحق المدني"

- سبينوزا. رسالة في اللاهوت والسياسة.

كتاب مايكل والزر، مجالات العدالة. الدفاع عن التعددية والمساواة، [2] هو مرجع إلزامي، يسمح لنا من خلال نقاطه الغامضة للغاية لتحسين تفكيرنا النقدي في مشكلة العدالة. للحصول على عرض للمحاور الرئيسية لنظرية مايكل والزر، من بين المشاكل التي تواجهها أي نظرية للاعتراف، يجب على المرء أن يحسب بالتأكيد ما يتعلق بالحاجة إلى التمييز بين طلبات الاعتراف عندما تثبت أنها في أفضل حالاتها تنافسية، وفي أسوأ حالاتها متناقضة. هناك العديد من الحالات التي تؤدي فيها طلبات التعرف على وكلاء معينين بالضرورة إلى آثار الإهلاك أو الوصم بالنسبة للوكلاء الآخرين دون أن يضطر الأخير للرد على أي شيء بخلاف حاملي الهويات. تخفيض قيمتها الاجتماعية التي تعتبر بمثابة عملاء سلبيين. في صراعات الهوية هذه، قد يؤدي التعرف على الأفراد أو المجموعات الموصومة إلى تفسير ذاتي لقيمة الذات من جانب الفئة الأولى من العملاء. قد يشعر العنصريون أو الأزواج المسيئون أو أفراد الثقافة السائدة بأنهم مستهلكون إذا تم النظر إليهم ببساطة على أنهم متساوون مع من يوصمونهم. هذا النوع من الصراع، مثل كل تلك المتعلقة بالنزاعات المادية بين الأفراد والمجموعات الاجتماعية، هو موضوع المعالجة من قبل نظريات العدالة المعاصرة. يمكن للمرء أن يجد في رولز وكذلك في دوركين وأكسل هونيت ونانسي فرايزر إطارًا نظريًا مناسبًا لحل مثل هذه الصراعات. يُعتقد بشكل أقل عفوية أن يتم تضمين أعمال السيد والزر في مشكلة شائعة كما لو أن نظريته عن مجالات العدالة لم تكن تهدف أيضًا إلى تقديم الطلب وتوزيع الاعتراف بمعايير العدالة. نقترح في الصفحات التالية دراسة العلاقات بين العدالة والاعتراف في والز أثناء محاولة تقييم أصالة ونطاق واتساق النهج الذي يقترحه. يعيد القسم الأول من هذه المقالة انتقادات والز لنظرية رولز للعدالة. القسم الثاني يحدد مبادئ نظرية والزر للعدالة التعددية التي عبرت عنها مجالات العدالة المختلفة. أما القسم الثالث فيبحث المشكلات التي يجب أن يواجهها هذا المفهوم عندما تنتهك مبادئ العدالة التي تحكم التوزيع المحدد داخل كل مجال، أو عندما تتغير المفاهيم المشتركة التي تشكل أساس هذا التوزيع؛في حين يوضح في القسم الرابع كيف يأخذ الاعتراف المدني على وجه الخصوص هذه الصعوبة على حساب مشاكل التماسك النظري لنظرية المجالات.

بعد ذلك يحاول والزر في القسم الخامس إظهار كيف تشكل هذه النظرية حالة معينة لمفهوم أوسع للعلاقة بين الاعتراف والسيطرة. يمكن للمرء أن يجادل بأنه، في حين يدعي أن لديه مفهومًا تعدديًا للعدالة الباسكالية، جدد والزر، بطرق معينة، إيماءات التمزق فيما يتعلق ببعض المفاهيم السائدة للعدالة.

في الواقع، يشكل المشروع الذي دافع عنه والزر في مجالات العدالة نقدًا للخصائص الكونية والشكلية والتحليلية للنظريات المعاصرة الرئيسية للعدالة. إن حصة هذا النقد ليست منهجية فقط لأنها تهدف أيضًا، وفقًا له، إلى عدم قدرتها على التمييز، إلى جانب عدد قليل من السلع التي سيتم توزيعها في شكل حقوق أساسية، وتعدد الخيرات الموزعة في المجالات المختلفة للنشاط الاجتماعي من قبل وكلاء مختلفين وفقا لكل إجراءات محددة وغير قابلة للاختزال. الآن، لعدم إدراك هذا التعددية في ممارسات التوزيع، أليس من الضروري الامتناع عن تمييز تعدد علاقات الهيمنة التي يمكن أن تظهر من خلال التداخل بين منطق التوزيع في المجالات المختلفة؟ أليس هذا إذن مخاطرة بتجاهل الأشكال المتعددة التي يمكن أن تتخذها السلطة الاستبدادية، بما في ذلك في مجتمع يحكمه المبادئ الدستورية للعدالة؟ وفي هذه الحالة، كيف توصف نظرية العدالة التي لا تأخذ في الاعتبار مثل هذه التقارير؟ من ناحية أخرى، فإن مثل هذا الانتقاد الذي يفترض مسبقًا تقييم تعدد مجالات العدالة ويحدد تدخلها غير المشروع يجعل من الممكن تسليط الضوء على الخطر الذي يمكن أن يسببه هذا التدخل لأشكال مختلفة من الاعتراف. إنها علاقة بين تعدد مجالات العدالة وحالة الاعتراف التي تنوي هذه المقالة استكشافها. إن نقد والزر للنظريات الكونية للعدالة، وفي هذه الحالة تلك التي تنتقدها لرولز التي تمثلها، يستهدف ثلاثة مستويات من هذا البناء النظري: الأول هو عالمية المعايير التي تختار الأطراف المتعاقدة لصالحها في الموقف الأصلي الذي قدمه نظرية العدل. والثاني هو التمثيل الذي يُطلب من الأطراف المتعاقدة تقديمه لأنفسهم ومن بعضهم البعض، والثالث يتعلق بطبيعة البضائع لصالح التوزيع الذي يختارونه. ترتبط هذه المستويات الثلاثة ارتباطًا وثيقًا بنظرية رولز، وينطبق الشيء نفسه على نقد والزر: لذلك يجب استدعاء كل منها في نقد الآخرين. نظرية رولز، بحكم "أسلوبها" النظري، ما يسميه والزر المفهوم "المتدهور" للقانون، وهذا يعني مفهوم القانون، الذي يجب أن يتم تصور محتواه وتطبيقه في طوال الوقت وفي جميع الأماكن بنفس الطريقة مهما كانت، علاوة على ذلك، خصوصية الثقافات والفئات الاجتماعية التي نشير إليها. ويقترن هذا الإنكار لحالة الخصائص الثقافية والاجتماعية عمومًا بإدانة أخلاقية للانتقاص من كل أو جزء من محتواه لأنه لا توجد سوى طريقة واحدة لتصورها وتنفيذها. ومع ذلك، فإن مثل هذا المفهوم للقانون المتدهور يعاني من صعوبة عندما يتطلب، على سبيل المثال، كمبدأ للعدالة، ووجود وضمان الحريات الأساسية. وبالفعل، فإن طبيعة متطلباتها تجعلها تنتقص من محتوى ما تنص عليه، طالما أنها تنفي للمجموعات الاجتماعية المختلفة فيما يتعلق بالثقافات المختلفة كل الحرية في القدرة على تصور وصياغة وتنفيذ القانون نفسه مع فئاتهم وممارساتهم الخاصة. ومع ذلك، لا تزال صياغة هذه الصعوبة مقيدة للغاية بلا شك لأنها تفترض مسبقًا أنه يمكن أن يكون هناك هيكل مشترك للقانون يمكن لكل ثقافة تفسيره وفقًا لأحكامه الخاصة. ومع ذلك، وفقًا لما ذكره والزر، لا يمكن صياغته أكثر مما هو عليه في الواقع من خلال الثقافات المختلفة المفترض أن تتكيف مع وضعهم الخاص: نهجها الأنثروبولوجي والتاريخي يستبعد قابلية للطرق مثل الثقافات إن المعتقدات المشتركة التي تشكل "حسهم العام" تلزمهم بالخضوع لمعايير متغيرة يجب عليهم من خلالها أن يستخرجوا من أنفسهم ما هو مقبول في أعينهم. من أطروحة هذا "ثخانة" الثقافات المختلفة (التي لا ترتبط بأي حال من الأحوال الجمود)، يعتزم والزر تقديم منظور بديل لمنظور القانون المتدلي. هذا المنظور هو "القانون التكراري". وتتميز بحقيقة أن الثقافات المختلفة لا تتضمن معايير متطابقة، بل تميل ببساطة للسماح بتنفيذها "المحلي"، ولكنها تنتج معايير مختلفة تعبر عن مفهومها المحدد للحرية. قد يميل المرء إلى الاعتقاد بأن هذا الموقف يوصف بأنه شكل جذري بشكل خاص من النسبية ولن يرى والزر أي ضرر في المطالبة بمثل هذا التأهيل، شريطة أن يتم إزالة الصفة "الراديكالي". هذا الأخير له عيوب معاكسة لتلك المتراكمة للعالمية لأنه يظهر عمى معين فيما يتعلق بالمعتقدات التي يمكن تقاسمها من قبل الثقافات المختلفة. من الممكن حقًا، ولكن هذه المرة من الخارج ومن خلال "تدقيق شامل" قائم على مقارنات قائمة أو غير قائمة على التفاعلات بين الثقافات، لإظهار بعض التشابه بين المفاهيم المختلفة التي لديهم عن الحرية، أي تفسيرها من خلال التأكيد على ميزاتها المشتركة. يمكننا بالتالي أن نستنتج نوعًا من "الكونية التكرارية" ذات الطبيعة الاستقرائية التي لا يمكن أن تؤدي إلى أي وجهة نظر عالمية مميزة قادرة على تشكيل معيار جميع المفاهيم الأخرى، طالما أن التنوع هو أساسي وليس قابل للاختزال. ما الذي يمكن تجميعه من الشيكات المتشابهة على أساس مفاهيم مختلفة للعدالة؟

في الواقع، التجارب المتعلقة بإنتاج أخلاقي غالبًا ما تتعامل مع آليات القوة والعبودية والقمع والمقاومة. جلبت العديد من الثقافات المختلفة استجابات مختلفة لظاهرة الهيمنة وهذه الاستجابات تفي بمتطلبات الأخلاق، بمعنى أنه على الرغم من أنه من الممكن تمامًا أن الأخلاق الموجودة يمكن أن تسهم في علاقات القمع من خلال خدمة من التبرير لهذه المجموعة الاجتماعية أو تلك المهيمنة، لا يمكنهم فقط أن يخدموا هذا الاضطهاد. "لا يمكن خدمة أي مصلحة إنسانية معينة دون أن يفتح هذا الطريق لخدمة أوسع"، وهو ما يعني القول بأن المعيار الأخلاقي الذي صاغه الظالمون على سبيل المثال يمكن أن يأتي بنتائج عكسية: من المفترض أن والزر يفعل هنا إشارة إلى حقيقة، على سبيل المثال، أن المساواة السياسية التي يمنحها أعضاء المجموعة المهيمنة لأنفسهم يمكن أن تمتد إلى ما وراء أنفسهم أو أن الاعتراف الداخلي الذي يظهرون يمكن أن يمتد إلى مجالات اجتماعية أوسع، أو حتى أنه يمكن للآخرين أن يطالبوا بعدم السيطرة التي يحترمونها فيما بينهم. فلنأخذ بعد ذلك قضية أقوى ادعاء معاصر بأخلاق القانون المتدهور الذي بموجبه يحظى الرجال باحترام متساوٍ. اتضح أن هذه الإجابة أعطيت وتكررت في العديد من الثقافات المختلفة وبموارد مختلفة، وهو ما يفسر لماذا تحتوي فكرة الاحترام على العديد من التسميات: الشرف والكرامة والقيمة والوضع والاعتراف والتقدير، وما إلى ذلك، والتي لا تخلط بأي شكل من الأشكال مع المفهوم الأخلاقي القانوني للثقافة الغربية والتي لا تتداخل تمامًا في آثارها. لكن ما تقترحه مجموعة متنوعة من الردود هو أن المحتوى المتداخل للقانون التكراري يستند إلى أخذ فكرة رفض الهيمنة في كل مرة مختلفة: "هل يمتلك القانون أيضًا في الشكل التالي: يجب أن يعامل الناس حسب فكرة أنهم يصنعون أنفسهم بالطريقة التي يجب أن يعاملوا بها". في الواقع، يمكننا التعامل مع المعتقدات المشتركة بقدر ما يمكن أن تتلامس جهود مماثلة من خلال خصوصية صياغتها، ولكن هذا الاتصال المحدد هو فقط الذي يسمح بشكل استقرائي بصياغة قاعدة الاعتراف المتبادل. يمكن لمثالين تم تلخيصهما بسرعة توضيح هذا المفهوم للكونية التكرارية: الأول هو مفهوم الحرب والثاني هو التسامح. لا يمكن التعامل مع مسألة الحرب من خلال اللجوء إلى عالمية أخلاقية استنتاجية مجردة تهدف إلى توفير معايير أخلاقية متغيرة قادرة على تصنيف أي شكل من أشكال الصراع، ولكن بدءًا من البنية الحالية للكون الأخلاقي. ومع ذلك، من الناحية التخطيطية للغاية، فإن هذا، القائم على مثال عدم الهيمنة الناشئ عن المعتقدات المشتركة المتعلقة بالحرية والمساواة الحديثة، يمكن أن يكون له صدى مع تلك التي لدى القدماء، مع جوانب معينة من القانون العسكري في العصور الوسطى وغيرها تجارب أكثر حداثة. يتيح هذا الفحص المتقاطع عندئذٍ تحديد ملامح قانون حقبة الحرب وكذلك حقنة في الجرس التي يتم تنظيمها، بغض النظر عن تنوع الحالات، حول فكرة أنها تعتبر إجرامية تجبر غير المتحارب على الدخول في حرب، من الإجرامي من جانب الحكومات المعتدية أو المدافعة أن تشن الحرب دون موافقة المقاتلين، تمامًا كما يُعتبر ممارسة الحرب بخلاف القتال بين مقاتلين. أما فيما يتعلق بمسألة التسامح، فنحن نعلم أنها موضوع "مواقف" مختلفة محتملة (الاستقالة، الخير، القبول القانوني، الفضول، إلخ) والتي يمكن دمجها مع "أنظمة" مختلفة: إمبراطورية متعددة الجنسيات، اتحاد، المجتمع الدولي، الدولة القومية، مجتمع الهجرة. يسمح هذا المزيج لوالزر أن يجادل بأنه لا توجد قيمة عالمية للتسامح تتكون من "الاحترام المتبادل العالمي" للثقافات والأديان وأنماط الحياة، والتي يمكن بعد ذلك "رفضها" حسب الحقائق المختلفة. لا يوجد سوى أشكال مختلفة تمارسها الأنظمة المختلفة دون أن يستند أي منها، على سبيل المثال، إلى الحقوق الفردية، والقدرة على تجاوز الآخرين دون إمكانية عكسها. ومع ذلك، من خلال التحقق من هذه الممارسات المختلفة، يمكننا استخلاص مفهوم "متكرر" للتسامح يمكن أن يساعد المجتمعات المختلفة على عدم إخضاع نفسها لأحدهم، وترقيتها إلى مرتبة النموذج، ولكن لكي تصبح مدركًا لها الصعوبات وإمكانيات التحول. وهكذا يبدو أن مثل هذا المفهوم للعالمية التكرارية ليس له قيمة حاسمة فحسب، بل يوافق على استخلاص القيم المشتركة التي تسمح لفئات أو دول مختلفة بالاتفاق على الممارسات تقريبًا مشترك.

المستوى الثاني من الانتقاد لأطروحات العدالة الرسمية يتعلق بالتمثيل الذي تقدمه الأطراف المتعاقدة عن نفسها وعن بعضها البعض في مفهوم رولز وهو يعتمد على عكس ذلك مع الإشكالية الثقافية والتاريخية لوالزر. لذلك يمكن أن تأخذ الشكل المتوقع التالي فقط: يمكننا أن نمنح رولز أن الأفراد العقلانيين، الذين يوضعون في الوضع الأصلي ويخلو من أي معرفة بوضعهم الاجتماعي، ومفاهيمهم الثقافية وأوقافهم الطبيعية ربما يفضلون مبادئ رولز. ومع ذلك، بمجرد إجراء هذا الاختيار الافتراضي، فإن السؤال هو معرفة نوع التفاعل الذي يمكن تصوره بينه وبين خيار افتراضي منافس آخر يمكن للمرء صياغته على هذا النحو: ما الذي سيختاره الأفراد من يستطيع صياغة الخيارات فقط من خلال تمثيلات لثقافة حازمة ووفقًا للإمكانيات التي تمنحها كل الخيارات السابقة والتي حددت جزئيًا بنية عالمهم الاجتماعي؟ هل يمكنهم التعرف فقط على - وكيف؟ - الخيار الذي يفترض أنهم اتخذوه تحت ستار الجهل؟ وحتى إذا أدركوا ذلك، فما المساعدة التي يمكنهم تقديمها لهم فيما يتعلق بالخيارات المحددة التي يتعين عليهم اتخاذها في السياق المحدد الذي يجدون أنفسهم فيه؟ هل يقال أن الاختيار تحت حجاب الجهل يثبت أنه حاسم لأنه يحدد مجموعة من السلع الأولية التي سيتم توزيعها في شكل حقوق أساسية في الحرية والمساواة السياسية، تخصيص الحد الأدنى من الموارد، والانفتاح العادل للوصول إلى الرسوم والوظائف الاجتماعية وأن هذه الحقوق تتحكم في النظام المؤسسي بأكمله للمجتمع العادل؟ هل سيقال إن مثل هذا النظام هو أفضل ضمان لإمكانية اختيار واسع للغاية من الخيارات الخاصة والعامة؟ لا شك، ولكن - هذا هو الجانب الثالث من النقد - من ناحية، لا يدين هذا النظام المؤسسي بوجوده إلى خيار عقلاني افتراضي لأنه أولاً وقبل كل شيء نتاج تاريخي لمجموعة من الخيارات سياسات ملموسة وتداولية ومتضاربة لم تدعمها مثل هذه الافتراضات النظرية المسبقة. على العكس من ذلك، فإن هذه الخيارات هي التي تشكل الافتراضات المسبقة للفئات النظرية التي تستخدم لتبرير النظام السياسي. من ناحية أخرى، فإن السلع الأولية التي يفترض أن تجدها لها جانب مزدوج: أولاً، تشير إلى "المواقف الحدودية" على أنها حقوق أساسية وتحدد الحد الأدنى من شروط التماسك الاجتماعي والسياسي، مما يعني أن "يمكن للمرء أن يصفها تقريبًا من وجهة نظر سلبية. ثانيًا، لا تمثل هذه السلع سوى جزءًا مخفضًا من إجمالي السلع القابلة للتوزيع والتي يمكن أن تكون موضوعًا لنظرية العدالة ولا يمكن للمبادئ التي تحكم توزيعها أن تدعي تسوية جميع الحالات التي توجد فيها سلع لتوزيعها. ليس من السهل اللجوء إلى مبدأي العدالة اللذين يسودهما رولز فقط لتحديد كيفية توزيع "حق الدخول" إلى المجتمع السياسي على الأجانب. الاعتراف المهني لأولئك الذين يطلبونه؛ تسويق السلع والعمالة، وحتى العمل الشاق لمن هم غير مستعدين لقبوله؛ الرعاية وحب الأسرة. تشكل هذه الصعوبة في البداية، وفقًا لوالزر، إشارة إلى عدم كفاية النظرية الرسمية للعدالة لعلاج مجموعة من حالات التوزيع المختلفة. ومع ذلك، في خطوة ثانية، يقترح أنه لا يوجد نموذج، نابع من أي ممارسة توزيع على الإطلاق، يمكن أن يحكم جميع ممارسات التوزيع. هذا هو ما دفع والزر إلى صياغة أطروحته المتعلقة بتعددية ممارسات التوزيع المحددة في مجالات العدالة.

أول خاصية لهذا العدالة التعددية هي أن العدالة، كنشاط لتوزيع المنافع يغطي الخيرات الاجتماعية بأوسع معانيها ولا شيء ينجو من عملية التوزيع هذه، ولا حتى ظروف إنتاج السلع والخدمات التي سيتم توزيعها بقدر توزيع الوظائف نفسها. لذلك ليس من المستغرب أن تجد في والزر قائمة بالمجالات التي تشمل توزيع السلع مثل الانتماء والتبادل الاقتصادي والتعليم والمساعدة والاعتراف والحب الأبوي والممارسة الدينية، إلخ. الخاصية الثانية لهذا العدل هي أن تعدد السلع الاجتماعية التي سيتم توزيعها لا تتوافق مع وسيلة توزيع واحدة، ولكنها تتطلب تعدد الوسائل وبالتالي ممارسات التوزيع. ونتيجة لذلك، لا يوجد مركز واحد يقرر التوزيعات، وبالتالي لا توجد مجموعة واحدة من الوكلاء المسؤولين عن التوزيعات والتحكم فيها. وبالتالي، فإن تعدد الممارسات والوكلاء يعني أنه لا يوجد معيار واحد لتحديد التوزيعات. كل فرد يعمل في مجالات مختلفة كمواطن أو رائد أعمال أو والد أو طالب أو مدرس أو صديق أو حاكم، إلخ. سيتعين عليه أيضًا العمل في عدة عوالم في نفس الوقت وفقًا للقواعد المختلفة التي تحكم ممارساته.

الخاصية الثالثة هي أن هذه المنافع الاجتماعية الموزعة داخل كل مجال يتم توزيعها وفقًا لعلاقة العدالة، وأن ذلك يمتد إلى جميع السلع الاجتماعية القابلة للتوزيع، مما يعني أنه لا توجد فرار تقريبًا من الممارسة البشرية العدالة التي تصبح مترافقة مع جميع العلاقات الاجتماعية. ما الذي يعرف علاقة العدل؟ بالنسبة لوالزر، تعتمد علاقة الملاءمة بين البضائع الموزعة ومعيار توزيعها والوكيل الذي يوزعها والمستلمين على اتفاق بين أعضاء المجتمع. بعبارة أخرى، يرجع ذلك إلى وجود اتفاق بينهما في شكل فهم مشترك (فهم مشترك) حول المعنى الاجتماعي للسلع الموزعة التي يمكننا تحديدها الوكيل والمعيار ومستلم التوزيع. وهذا يرقى إلى الاحتفاظ بملكيته الأكثر رسمية للتعريف التقليدي للعدالة، والذي يتطلب تعريفه بإعطاء الجميع ما هو مستحق، مع جعل التوزيع يعتمد على الموافقة. ولأن المعتقدات الدينية للمجتمعات الغربية تتكون من روابط أخلاقية، فإن أشكال العبادة والاستغناء عن الخلاص لا تتوافق مع أي صفقة اقتصادية مع الإله. بالنسبة للحداثة، لأن المجال الاقتصادي يقوم على المعاملات التجارية التي لا يمكن للمرء أن يتسامح مع التمييز الجنسي أو القبول الطائفي هناك. لأن المكاتب العامة مرتبطة بالمفهوم الذي يتمتع به المواطنون المعاصرون من الصالح العام الذي لا يمكن إسنادهم من قبل العائلة أو السوق. يتعلق الأمر بعدم قابلية الحرية السياسية الحديثة للتصرف بحيث لا يمكن لأي شخص أن يكون موضوعًا لمعاملة اقتصادية من شأنها أن تكبحها. هذا شكل من أشكال الحشو، إن شئت، ولكن اهتمامه أقل في تأكيد الذات على ارتباط الراحة بين المفهوم المشترك للسلعة الاجتماعية وممارسة التوزيع التي تتوافق معها، فقط في تحديد ممارسات المجالات الأخرى المستثناة من تلك التي تصبح مستقلة.

في ظل هذه الظروف، يجب فهم العلاقة القانونية التي توحد الخير والقاعدة والموزع والمتلقي على أنها افتراضية ومشروطة: للإشارة إلى الظلم هو دائمًا التخلص من التناقض بين ممارسة ومفهومنا الاجتماعي لما يجب أن يكون عليه. ويترتب على ذلك أنه حتى السلع الأولية لرولز يجب أن تندرج تحت هذا التعريف: ليست أولوية المفهوم العقلاني هي التي تحدد عددها وليست أولوية الحسابات الاحترازية التي تجعلها لانتخاب، ولكن على نطاق أوسع وجود في المجتمعات الغربية الحديثة لفهم مشترك اجتماعيًا واتفاق لاختيارهم يمكن أن يتخذ العديد من الأشكال الأخرى. الملكية الرابعة: وهي تتبع مباشرة من الثالث وتفترض أن الأسبقية الممنوحة للفهم المشترك للمعاني الاجتماعية تعني بالضرورة أنها تختلف باختلاف الثقافات والأوضاع التاريخية التي تم النظر فيها وأن التحليل الأنثروبولوجي والتاريخي فقط هو الذي يمكنه إعادة التقاطها من خلال أخذ عليهم وجهة نظر الوكلاء. لذلك، يمكن أن تختلف طبيعة وكمية مجالات العدالة من ثقافة إلى أخرى: لا توجد المجالات كبيانات اجتماعية أساسية، حيث أن عدد وهيكل ومبدأ التوزيع الداخلي متأصلان بشكل طبيعي في أي هيكل اجتماعي. هناك بلا شك ممارسات مشتركة لأي شكل من أشكال المجتمع، سواء كانت اقتصادية أو دينية أو تعليمية أو مساعدة أو سياسية ... ولكن هذا لا يعلم أي شيء عن الطبيعة المحددة للمجالات وعددها لأن هذه الممارسات يمكن أن تكون مثالية تداخل دون صعوبة: يمكن إدخال السياسة في الدين دون أي استقلالية، يمكن أن تكون متضمنة في ممارسات المساعدة، يمكن أن تكون فقط امتدادًا لقوة الأسرة، يمكن أن تُدرج في ظل الاقتصاد (الأرستقراطية )؛ يمكن أن يمتص الدين الاقتصاد، تمامًا مثل التعليم؛ يمكن التحكم في أوقات الفراغ بالكامل عن طريق الدين أو السياسة، إلخ. ومع ذلك، قد نتعامل أيضًا مع حالات وسيطة متعددة تعكس الاختلافات التي بدأت. ما يميز المجتمعات المختلفة ليس ممارساتها بقدر ما هي عملية دستورها في المجالات وعدد هذه. هذا ما يجعل المجالات غير قابلة للتحويل والترجمة من مجتمع إلى آخر بسبب هذا التمايز: لا يوجد ما يعادل التعليم العام الحديث في المجتمع اليوناني القديم وكذلك في مجتمع الأزتك ؛ لا توجد مساعدة اجتماعية عامة أو شبه عامة مثل المجتمعات اليهودية في العصور الوسطى (والمجتمعات المعاصرة) بين اليونانيين القدماء ؛ لا يوجد حكم ذاتي سياسي حديث في مجتمعات العهد القديم؛ ولا يوجد استقلالية للسوق على الطريقة الغربية في البلدان الاشتراكية السابقة؛ على عكس المعاصرين، كانت الأسرة دولة صغيرة للكتاب المعاصرين الأوائل تمامًا كما تم تصور الدولة نفسها كعائلة كبيرة، إلخ. ثم يظهر التمايز كإنتاج مجموعة من ممارسات التخصص في الأنشطة (انظر مثال الأسرة الذي يختلف عن الاقتصادي والسياسي، انظر ظهور استقلالية المكاتب السياسية فيما يتعلق الثروة، وما إلى ذلك) المعرفة بمنطق أو مجموعة من قواعد التوزيع المحددة المرتبطة اجتماعيًا بأهدافها وتم إنشاؤها من أجلها. لا يمكن فهم كل مجال إلا في علاقة يتم التعبير عنها مع الآخرين: فهي تفعل ما لا تفعله والعكس صحيح. من الملكية الثالثة والرابعة، يترتب على ذلك أن عدم المساواة في السلع والموارد ممكن داخل كل مجال، بما في ذلك في شكل احتكاري بقدر ما لا يمنحون الوكلاء الذين يشغلون المناصب أعلى في هذا المجال أو ذاك، فإن القدرة على تحويل سلعتهم إلى الخير السائد في المجالات الأخرى، والتي ترقى إلى القول بأن عدم المساواة مقبول فقط إلى الحد الذي يتوافق مع الحفاظ على استقلالية كل منهم. إنها، بالنسبة لوالزر، الطريقة الوحيدة الممكنة للمضي قدماً في توزيع البضائع مع الحفاظ على تعددية المجالات التي تضمن وحدها عدم الهيمنة. مما لا شك فيه أنه ليس من السهل التحديد بدقة من أي حد يصبح عدم المساواة في العتبة سلعة سائدة. ولكن إذا لم يكن هناك معيار موضوعي، فسيكون الأمر متروكًا لأشكال المداولات الجماعية المدعومة بمفاهيم مشتركة اجتماعيًا لتحديد عتبة ملموسة في كل مرة. ومع ذلك، من الممكن تقديم الصيغة النظرية التي تعبر عن التوافق بين عدم المساواة الداخلية لكل مجال والحفاظ على استقلالية المجالات، فهي بالضبط صيغة المساواة المعقدة: "المساواة المعقدة يعني أن المنصب الذي يشغله مواطن في مجال ما فيما يتعلق بالسلعة الاجتماعية لا يمكن إعادة تقييمه من خلال موقعه داخل مجال آخر، فيما يتعلق بسلعة أخرى ". بعبارة أخرى، "على العكس، توزع التوزيعات نظام" المساواة المعقدة "، وهو ما يعني عدم المساواة المنتشرة بشكل جذري وغير المجمعة. سيكون الأفراد المختلفون غير متساوين بطرق مختلفة، لكن هذه التفاوتات لا تعمم عبر المجالات: ليست كل السلع الاجتماعية تنتهي في أيدي نفس الأشخاص. وينطبق الشيء نفسه إذا وضعنا في الاعتبار المجالات الأخرى، مثل الاعتراف والتعليم والدين، وما إلى ذلك. ومع ذلك، بشكل عام، يبدو من غير المحتمل للوهلة الأولى أن الأفراد سينجحون أيضًا في احتلال جميع المناصب المفيدة في جميع المجالات في نفس الوقت، على الأقل إذا كانوا "مقاومة للماء". ومع ذلك، بقدر ما يمكن أن يحدث تحويل غير مبرر وعندما لا يستطيع الوكلاء العاملون داخل المجال منعه، يجب عليهم اللجوء إلى وسيلة قادرة على منع هذه التحويلات. من وجهة النظر هذه، فإن الإمكانية الوحيدة للحفاظ على استقلاليتها هي الاعتماد على قوة كبيرة بما يكفي لتحقيق هذا الانسداد، والدولة فقط لديها القدرة على مراقبة وحراسة الحدود بين المجالات. لذا فإن المجال السياسي هو المسؤول عن ممارسة "فن الفصل" بينهم. ومع ذلك، يمكننا الآن أن نأتي إلى تحليل المشاكل التي يواجهها مفهوم ولزار لمجالات العدالة عندما لا نتعامل فقط مع انتهاك حدودها، ولكن مع تحول داخلي للمفاهيم المشتركة التي تحدد الهيكل الداخلي. لكن ماهو تصور علم الاقتصاد السياسي النقدي للعدالة الاجتماعية؟ وبأي معنى يمكن ابتكار منوال تنموي يعتمد على الحرية والكرامة ويطمح الى القضاء على آفة الفقر والعوز؟

3- معايير العدالة عند أمارتيا صن:

" "العدالة هي نتاج هذه القوة لكي يشعر المرء بكرامته في شخص زميله الإنسان وكذلك في نفسه: إنه الاحترام، الذي يتم اختباره تلقائيًا ومضمونًا بشكل متبادل، لكرامة الإنسان، في أي شخص وفي أي ظرف من الظروف" - برودون، العدالة في الثورة

العالم ليس منقسمًا بين الأغنياء والفقراء فقط. وهي اليوم منقسمة بين أولئك القلقين من ويلات الرأسمالية العالمية وأولئك الذين يخافون من إرهاب الدول التي تقيد الحرية الفردية والمبادرة الخاصة. كيف يمكننا ضمان أن الرخاء الاقتصادي يسمح للجميع بالعيش كما يحلو لهم؟ محاولة رائعة للتوفيق بين الاهتمام بالنمو والمتطلبات الإنسانية والأخلاقية. ان الفقراء في جميع أنحاء العالم ليس لديهم متحدث رسمي أكثر إلهامًا وإقناعًا. ولا تُقاس جودة حياتنا بثروتنا، بل من خلال حريتنا: لقد أحدثت هذه الفكرة بالفعل ثورة في النظرية الاقتصادية والممارسة. كتاب أمارتيا صن، نموذج اقتصادي جديد. التنمية والعدالة والحرية، [3] أعاد فيه التفكير في أشكال التفاوت واللامساواة؛ وهو مقاربة عميقة للمسألة من زاوية الاقتصاد الإنساني والأخلاقي وفيه نقد متأن لنظرية رولز، لأن تجاهل الفوارق بين الأفراد يمكن أن يتضح أنه غير متكافئ للغاية، بينما تتطلب المساواة الحقيقية تدابير واسعة ومعقدة بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بإحباط إرث ثقيل من عدم المساواة. سوف يذهب أمارتيا صن إلى أبعد من رولز في اعتبار أن الوصول إلى "الخيرات الأولية" ليس كافيًا لضمان عدالة المجتمع. بالنسبة لسين، من الضروري أيضًا الاهتمام بمساواة قدرات ("القدرات") للمواطنين للاستفادة من هذه السلع (الصحة، والتفكير، والعمر المتوقع الطويل، وما إلى ذلك). على هذا النحو يمكن دراسة الأسس الفلسفية التي يعطيها أمارتيا صن لنظريته عن القدرات. تم بناء مفهوم القدرة في معارضة النفعية في نظرية رولز. يستخدم صن مفهوم "النسبية فيما يتعلق بالحريف" للتغلب على أوجه القصور في مسألة التبعية، ولكنه يدعي إعادة دمج تقييم النتائج في التقييم الأخلاقي. لتجنب الذاتية الأخلاقية والسماح بإجراء مقارنات بين الأفراد، ينحرف سين عن فكرة "النسبية فيما يتعلق بالوكيل" لصياغة فكرة "الموضوعية الموضعية". لذا فإن الفكرة الأخيرة تهدف إلى إيجاد أخلاقيات عالمية قائمة على النسبية الوصفية. ومع ذلك، فإن الطبيعة المجردة للغاية لمفهوم "الموقف" إشكالية. لكن كيف يمكننا أن نكافح بشكل فعال ضد العودة - الهائلة - لعدم المساواة الاجتماعية، دون الوقوع مرة أخرى في شبق المساواة المجردة، التي أظهر تاريخ القرن بأكمله مخاطرها؟ هذا هو السؤال الذي طرحه أمارتيا صن. ووفقا له، هناك حاجة ملحة للتوفيق بين الالتزام الأخلاقي بالمساواة والعقلانية الاقتصادية. للقيام بذلك، يجب علينا بالضرورة إجراء "إعادة التفكير" في المفاهيم الأساسية التي يرتكز عليها تقديرنا للمساواة أو التنوع البشري أو "القدرة" أو الرفاه الاجتماعي. غني عن البيان أن الكتاب يتضمن مجموعة من الفصول بين نقد نظرية الرفاهية والنفعية ويتطرق في مستوى ثان الى النسبية فيما يتعلق بالوكيل ومشكلة النسبية وبعد ذلك النسبية فيما يتعلق بعامل وقدرات ونقد رولز، وينتقل من النسبية بالنسبة للعامل إلى الموضوعية الموضعية، وأهم سؤال مطروح فيه هو: هل تبرر الموضوعية الميدانية النسبية الثقافية؟

إن كتابات أمارتيا صن، الاقتصادي والفيلسوف الهندي، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد في عام 1998، معترف بها اليوم لمساهمتها الرئيسية في تحليل عدم المساواة والنظريات الفلسفية للعدالة وتقر بأنه يجب ألا نأخذ بعين الاعتبار فقط ما يمتلكه الأفراد، ولكن أيضًا قدرتهم، وحريتهم في استخدام سلعهم لاختيار طريقة حياتهم الخاصة. رفض المفهوم الآلي بقدر ما هو مفهوم رسمي بحت للحقوق والحرية، وانتقد انتقادات حاسمة ضد النفعية. المفاهيم الرئيسية لهذه النظرية هي تلك "أساليب التشغيل" (وظائف) و "القدرات" أو "القدرات" (القدرات). الأول هو ما يمكن للفرد تحقيقه بالنظر إلى السلع التي يمتلكها (ما يكفي من الطعام، وحرية الحركة، ومعرفة كيفية القراءة والكتابة) - وبالتالي يصف هذا حالته - في حين أن الثاني مختلف مجموعات ممكنة من السابق، للفرد. لذا تعد القدرة ناقلًا لأوضاع التشغيل التي تعبر عن حرية الفرد في الاختيار بين ظروف المعيشة المختلفة. وبالتالي فإن مفاهيم القدرة وأنماط التشغيل قريبة جدًا ولكنها متميزة. يمكن أيضًا تفسير القدرة على أنها طريقة معينة للعمل ("حرية اختيار نمط الحياة") والتي تعتبر أساسية وبالتالي يتم تقييمها فيما يتعلق بالآخرين. فماهي أهمية هذه المقاربة الاقتصادية؟

يكشف هذا التعريف المستويين اللذين يعمل عندهما نهج القدرة. على المستوى الوصفي أولاً: في هذا السياق، يُفهم الفقر على أنه حرمان من القدرات الأساسية وليس فقط على أنه دخل منخفض. ثم تعمل على المستوى المعياري من خلال اقتراح أساس جديد لمبادئ المساواة والعدالة. إن مساواة صن تطرح كمبدأ المساواة في القدرات الأساسية، وليس المساواة في المرافق كما في النفعية، أو المساواة في "الخيرات الأولية" (المنافع المفيدة مهما كان مشروع حياتنا العقلاني) كما هو الحال في نظرية رولز. والحق أنه تمت مناقشة هذا المفهوم على نطاق واسع، في الفلسفة كما هو الحال في الاقتصاد. وقد أثار العديد من الخلافات النظرية مع جون رولز، وخاصة العمل التجريبي على معالجة الفقر (لا سيما من خلال بناء مؤشر التنمية البشرية و في إطار جمعية التنمية البشرية والقدرات)؛ كما أنها ألهمت الأهداف الإنمائية للألفية للأمم المتحدة وعمل بعض المنظمات غير الحكومية مثل أوكسفام، التي يعتبر صن رئيسًا فخريًا لها. ومع ذلك، غالبًا ما يتم انتقاد نظرية القدرات بسبب عدم دقتها وصعوبة تطبيقها . ينتقده البعض بسبب إيمانه الشديد بحرية اختيار الأفراد، والبعض الآخر لعلاقته الغامضة بالنظرية الاقتصادية الكلاسيكية الجديدة، ولا يزال البعض الآخر لافتقاره للموضوعية، وعلى الرغم من الادعاءات العالمية التي أظهرها مؤلفها، فإن هناك ميلًا معينًا لنسبية القيم. ويستند هذا النقد الأخير إلى ملاحظتين: لم يفعل صن الكثير لتنظير ودحض النسبية الثقافية، وقبل كل شيء، لم يقدم قائمة شاملة بالقدرات الأساسية ، مبررين رفضه بحقيقة أن "هناك أسباب وجيهة للاعتقاد أن هناك مجموعة من الغايات والأهداف التي يمكن للبشر السعي وراءها". إذا كان هناك عدد غير محدود من القدرات وأن هذه يمكن أن تكون مختلفة وفقًا لقيم الأفراد، فإن اتهام النسبية أمر مفهوم وقد يبدو من الصعب اعتبارها أساسًا لنظرية العدالة. تهدف هذه المقالة إلى دراسة علاقة نظرية سين بالنسبية من خلال العودة إلى أسس أخلاقيات القدرات. سنوضح أنه لإثراء نقده للنفعية وتطوير نظريته المعيارية، يستخدم سين المفهوم الكلاسيكي، في الفلسفة الأخلاقية، "النسبية فيما يتعلق بالحريف" (النسبية الوكيل). ثم يقوم بتخصيص هذه الفكرة وإعادة صياغتها - لتجنب فخاخ النسبية الأخلاقية وعلى العكس من التظاهر بالموضوعية - حتى يصل إلى مفهوم "الموضوعية الموضعية" (الموضوعية الموضعية). انطلاقا من هذه الفكرة الجديدة، سيتحدى سين في نهاية المطاف النسبية الثقافية. ومع ذلك، لا يمكن اعتبار دفاعه ضد النسبية مرضيًا تمامًا ويكشف عن صعوبة استخدام مفهوم "الموقف" في الفلسفة الأخلاقية. بمجرد استدعاء فكرة "النسبية فيما يتعلق بالعميل"، تثير رحلة سين الفلسفية مشكلة تكوين نظرية معيارية مع ادعاء عالمي يبدأ من النسبية الوصفية (على أساس النسبية من قبل العلاقة بالوكيل)، أو بعبارة أخرى، إمكانية وجود نظرية معيارية لا تبني موضوعيتها على الثبات الأخلاقي ولكن على نسبية نتائج الفعل إلى سياق ومجموعة من القيم. الوقت، سنستعيد انتقاد سين لنظرية الرفاهية والنفعية من حيث أنها تسمح لنا بفهم أصل أخلاقيات القدرات واللجوء إلى مفهوم "النسبية فيما يتعلق العامل. "ثانيًا، سنقوم بتحليل مفاهيم النسبية والحياد فيما يتعلق بالوكيل من خلال التشكيك في صلتهما بمشكلة النسبية العامة. سنرى من هناك الأسباب التي ستدفع سين إلى صياغة نظرية تبعية واسعة (تبعية واسعة). ثالثًا، سنوضح كيف تحاول نظرية القدرات، في معارضتها لنظرية العدالة لجون رولز، تقييم نتائج الفعل بالنسبة للعامل. رابعاً، لطرح مسألة الانفصال النظري بين النسبية الوصفية والنسبية المعيارية، علينا أن نعيد الانتقال، الذي أجراه سين، من مفهوم "النسبية فيما يتعلق عامل "إلى" الموضوعية الموضعية ". وأخيرًا، سنتناول حجة سين لإظهار أن مفهوم الموضوعية الموضعية لا يبرر عدم قابلية القيم للقيم، ولكنه يدعو إلى تحليل دقيق وتجريبي للتفاوتات من أجل تحديد معايير العدالة. كان معظم عمل أمارتيا صن الاقتصادي والفلسفي في السبعينيات هو نقد نظرية الرفاهية (الرفاهية). وقد تم تحدي هذه النظرية المعيارية بالفعل بقوة في الفلسفة في ذلك الوقت، لكنها لا تزال تشكل مرجعًا أساسيًا للاقتصاديين. ويستند إلى مبدأين أساسيين: النفعية وعدم مقارنة المرافق الفردية . وفقًا لمبدأ النفعية، يُعتقد أن أحد المواقف يتفوق على الآخر إذا كان مجموع المنافع (رضا أو سعادة أن الفرد من عمل أو اختيار) الذي يستمده الأفراد منه متفوق. تفترض النفعية وجود أخلاقيات تبعية، أي أنه يتم الحكم على موقف أو فعل وفقًا للنتائج أو العواقب التي ينتجها. النفعية لا تعني بالضرورة أنه لا يمكن مقارنة منفعة الأفراد. من الممكن أن نتصور ترجيح مجموع الأدوات حسب معايير المساواة أو، على الأقل، السماح لأنفسنا بمقارنة حالتين بمبالغ متطابقة مع تفضيل المساواة. ولكن إمكانية تحديد مستوى المنفعة بالضبط الذي للأفراد الانسحاب من مواقف مختلفة تم انتقاده من قبل الاقتصاديين والفلاسفة المتأثرين بالوضعية. وفقًا لهذا الأخير، من المستحيل على المنظر أن يعرف بدقة عقل الإنسان وأن يحدد بدقة مستويات المنفعة. وبالتالي، فإن ما يسمى بالمنهج الأساسي قد أفسح المجال لنهج ترتيبي يصنف مرافق الفرد نفسه لحالات مختلفة فيما يتعلق ببعضها البعض. علاوة على ذلك، بما أن الأرقام لم تعد لها قيمة جوهرية، فإن معيار الحكم من حيث المجموع يجب أن يفسح المجال لمعيار الإجماع. هذا هو معيار باريتو: الحالة مثالية عندما لا يستطيع المرء تحسين فائدة الفرد (عن طريق تغيير الحالة) دون تقليل حالة أخرى. من الواضح أننا نرى أن معيار أمثلية باريتو يمكن أن يبرر المواقف غير المتكافئة تمامًا: الحد من فائدة الأغنياء لزيادة أفقر الناس لا يفي بالفعل بهذا المعيار. ولهذا السبب، ينتقد صن بشدة معيار باريتو ويضع نفسه هدف إعادة إدخال المقارنات بين الأشخاص، وهي الطريقة الوحيدة لإضفاء الطابع الرسمي على اعتبارات المساواة. والعدالة. وهذا يتطلب إدراج المزيد من العناصر الفردية في نظرية الاختيار الجماعي ("قاعدة المعلومات"، وفقًا للغة الانضباط). لا يشكل هذا التمديد لقاعدة المعلومات معيارًا معياريًا في حد ذاته ولكنه يهدف إلى توفير أساس أكثر ثراءً لبناء مثل هذا المعيار . في هذه النقطة، موقف سين واضح: المفهوم النفعي هي ضيقة وغير كافية، ونظرية الرفاهية الحديثة قد أفقرتها أكثر، وفرضت قيودًا أخرى، لا سيما رفض مقارنات المنفعة الشخصية. يمكننا التعويض عن هذا الفقر الإضافي من خلال العودة إلى مفهوم نفعي أكثر "نقية"، لكن هذا لن يعالج فقر الرؤية النفعية للشخص. لذلك فإن نقد معيار باريتو لا يمثل سوى جزء من الطريق. يعتبر سين أن النفعية نفسها فقيرة للغاية بحيث لا تشكل أساسًا متينًا لنظرية معيارية. يعتمد هذا التحدي على حجتين رئيسيتين. بادئ ذي بدء، في النفعية، الحرية لها قيمة مفيدة فقط. فقط النتيجة التي تحققت عندما يجب أن تولي النظرية المعيارية المزيد من الاهتمام للعمل. وبصورة أعم، فإن تقييم القرار حسب تبعاته (التبعية) لا يأخذ في الاعتبار من يقوم بالعمل وكيف يتم تنفيذه، وهذا النقد الأخير أساسي لأن التبعية هي أحد الأسس الأخلاق النفعية. النقاد الآخرون الذين يوجههم سين إلى النفعية يدينون بالتالي الفشل في مراعاة أبعاد العمل وضعف "قاعدة المعلومات". برنارد ويليامز، الذي تشير إليه أمارتيا صن، يصوغ ويحلل هذا العيب من النفعية على هذا النحو: بالنسبة لكل التبعية، فإن القيمة الأخلاقية النهائية تكمن في الحالة. في حالة النفعية، التي هي تبعية للرفاهية، تم العثور على هذه القيمة في الاختلافات في الرفاهية الواردة في الحالات. ويترتب على ذلك أن عمل النفعية هو ثانوي فقط: بصفتنا وكلاء، فإن علاقتنا الأخلاقية الأساسية مع العالم هي أن تكون السبب في الحالات المرغوبة أو غير المرغوب فيها. إن شاغلنا الأخلاقي الأساسي هو أن نضمن، بقدر ما نستطيع، أن هناك رفاهية أكثر وليس أقل في العالم وأن نعمل بأكثر الطرق فعالية لتحقيق ذلك. لذلك فإن هذا النوع من التقييم مستقل عن من يقوم بالعمل: علاوة على ذلك، نظرًا لأن علاقة الحالات المحتملة بالأفعال غير محددة، فإن المتطلبات لا حدود لها بمعنى أنه لا يوجد غالبًا ما لا توجد حدود واضحة بين ما هو متوقع مني أو ما هو متوقع من الآخرين. المشكلة التي أبرزها هنا برنارد ويليامز ضرورية. في النتيجة الأخلاقية، ما هو متوقع من الفرد لا يعتمد عليه حقًا، اسميًا. الهدف متطابق للجميع: تعظيم النتيجة، مجموع المرافق. خذ مثال على الإضراب. يمكن للفرد المشاركة فيه للحصول على نتائج، لزيادة اهتمام المجموعة إلى أقصى حد (هذا ما تفترضه النظرية النقابية القياسية، على سبيل المثال). ولكن يمكن أن تكون الأسباب مختلفة تمامًا: الشعور بالواجب، والوعي الطبقي، والشعور بالظلم ... في هذه الحالات المختلفة، فإن مبرر (سبب) الالتزام يشمل الفرد بشكل شخصي، فهو يصنع الفرق بين ما من المتوقع منه أو من الآخرين (حتى لو أراد أن يتصرف الآخرون بنفس الطريقة). يقدم ويليامز مثالاً أكثر راديكالية: إنه في الواقع، وفقًا للتفكير التبعي، فرد يقتل شخصًا ما بنفسه أو غير قادر على منع جريمة قتل يرتكبها شخص ثالث؛ في كلتا الحالتين، النتيجة هي القتل. يمكننا أن نفهم بوضوح، من خلال هذا المثال، ما يجعل التبعية غير كافية: حيادية النتيجة مقارنة بالفرد الذي ينطوي عليه هذا المذهب الأخلاقي ينتج عن نسيانه للعمل. على العكس من ذلك، تستخدم النظريات غير التبعية أسبابًا أو قيمًا تتعلق بالفرد الذي يقوم بالعمل. سين يتولى سين التمييز النسبية / الحياد فيما يتعلق بالوكيل - التمييز الكلاسيكي للفلسفة الأخلاقية الزاوية - الساكسونية -، حيث يجد هناك كل من الحجج ضد النفعية ووسيلة للتفكير الأخلاقي التي ستسمح له "إثراء" قاعدة المعلومات "بنظريتها المعيارية. لكن ما مشروعية عدالة الدمج؟

4- الحق في العدالة عند يورغن هابرماس:

"ما يتوافق مع القوانين الخارجية يسمى عادل، وما لا يتوافق يقال ظلم"

عمونيل كانط، ميتافيزيقا الشيم.

هابرماس أم راولز؟ من لوك إلى راولز ومن كانط إلى هابرماس، يجد تقليدان ديمقراطيان أهمية جديدة في المناقشة المباشرة . بالنسبة لـ "الليبرالية السياسية" التي ادعى جون راولز باسم المفهوم "العملي" للعدالة السياسية، يعارض يورغن هابرماس "الجمهورية الكانطية" التي لم تعد مرجعيتها المركزية هي الحرية السلبية للأفراد بل "التنظيم الذاتي" ديمقراطية "للمواطنين تشكل معًا إرادتهم السياسية. كلاهما يدعي أنهما يقومان على مبدأ كانط للدعاية أو "الاستخدام العام للعقل". محك اختلافهم الفلسفي ما هي مكانة هذا "العقل العام" اليوم. وظيفتها فيما يتعلق بالدستور والمصادقة على المعايير؟

بينما لم يعد العقل يحتل مكانه في التاريخ، كما يبرهن هابرماس، فإن عصرنا، حكم القانون، الذي كان يجب أن يكون تجسدًا له، يجد نفسه ممزقًا بين قواعده والحقائق، إلى الضرورات الاقتصادية والسياسية، وبالتالي إلى زيادة التجهيز الوظيفي. لا يمكن للحداثة الاستغناء عن سبب إجرائي، ولا سبب ينفذ نقدها. لذلك يعيد هابرماس صياغة فلسفة العقل، أي نقد الهيمنة ونظرية التحرر، ويطرح النشاط التواصلي باعتباره مكونًا أصلاً للمجتمع. يتيح هذا النشاط الفهم بين الذات الذي يتم بفضله تحديد الأعراف والقيم والأدوار الاجتماعية المحددة اللازمة لأي مجتمع؛ إنه ذلك الذي بدونه لن يكون هناك مجتمع ممكن. أصبحت مسألة القانون والديمقراطية مركزية، وأصبح مفهوم العدالة موضع تساؤل في المقام الأول بمعنى أنه يتعلق بالنظر في الفجوة القائمة بين النظريات الاجتماعية للقانون والنظريات الفلسفية للعدالة، وإعادة تعريف العلاقات بين الأخلاق والقانون، لتوضيح المفهوم المعياري للسياسة التداولية، لتأسيس نموذج جديد للقانون يتجاوز تلك الخاصة بالليبرالية ودولة الرفاهية. في الحق والديمقراطية (1992) [4]، شرع هابرماس في التفكير فيما يمكن أن يكون لسيادة القانون الديمقراطية راديكالية، حقيقة أنه لا يمكن التفكير في حكم القانون بدون ديمقراطية راديكالية [5]. يحلل المقال كيف يفكر هابرماس في العدالة في علاقتها بالقانون. كيف يتم التعبير عن الصحة والواقعية داخل العدالة نفسها؟ ما هو دور وشرعية العدالة الدستورية؟ خلال مناظرة العدالة السياسية، يتعمق المقال في طريقة تفكير هابرماس حول العدالة المرتبطة بالتشريع الذاتي الديمقراطي، قبل النظر في الأسئلة التالية: ما هو وضع ونطاق العقل العام في الدستور والتحقق من صحة المعايير؟ بقدر ما يتم الجدل بين هابرماس ورولز على مسافة وعلى مقربة من العدالة الإجرائية والعدالة الجوهرية، فكيف يتم التعبير عن الشرعية والعدالة والإجراءات والجوهر؟

في النقاش حول شرعية العدالة الدستورية، اقترح يورغن هابرماس مبررين لدور القضاة في إطار ديمقراطية تداولية: تسمح الرقابة القضائية بالسيطرة على الشروط الإجرائية التي تشكل شرعية ديمقراطية وستكون جزءًا من عملية تعلم تسمح بإعادة تعريف الدستور باستمرار. يظل هذا المفهوم الإجرائي للعدالة الدستورية عرضة للنقد من نظريات أخرى عن الإجراءات القانونية. بينما تتساءل البراغماتية السياقية عن مفهوم الحكم القانوني، وبشكل أكثر تحديدًا، حكم التطبيق على أساس نظرية هابرماس، تقدم نظرية النظم الإطار المفاهيمي الضروري لشرح عملية التعلم هذه ووظيفة المراجعة القضائية. الدستورية في النظام القانوني. وهكذا، فإن النظرية الإجرائية لهابرماس تمتد في اتجاه المفاهيم البديلة لإجرائية القانون [6]. يتم رسم الخط المستقيم باستخدام المسطرة. والقانون ليس في الواقع سوى مجموعة من القواعد. القاعدة يضعها الإنسان، الذي يؤسسها، يعلنها، يكتبها. وإذا فعل الإنسان ذلك، فذلك لأنه، بدونه، لا يعرف كيف يسير بشكل مستقيم ويميل منحرفًا، مرسومًا بالدافع، غريزة الانتقام أو المصلحة الأنانية. إنه يتعارض مع الحالة، لأنه، في الواقع، لا يوجد قانون، لكن الاختلافات في الجنس والحجم والقوة ولون البشرة. قال روسو إن "حق الأقوى" ليس سوى "حق" من المفارقات. القوي يسحق الأضعف. لذلك لا يكفي تثبيت القانون: يجب أن ننتقل إلى القانون. ولكن إذا كانت المساواة في الحقوق والمساواة أمام القانون توجه العلاقات الإنسانية نحو العدالة، فإنهم لا يحققونها على وجه اليقين. قد يكون من المشروع خرق القانون لدعم قانون أخلاقي، وقد لا يكون من العدل المطالبة بحقوق معينة، والحق الذي يؤسس المساواة يمكن أن يحد من الحريات، والحق الذي يضمن الحريات يمكن أن يزيد من قوس عدم المساواة ". كيف يمكن العثور على قاعدة، وقاعدة، وقانون يكون مناسبًا لكل فرد وفي نفس الوقت مناسب للجميع؟ كيف يمكن لمواطني المجتمع السياسي العيش معًا في ظروف من العدالة؟ حول هذه الأسئلة، هناك العديد من ينسب إلى نظرية العدل لجون رولز ميزة تحقيق قفزة حاسمة في الفكر المعاصر. وهذا على أي حال رأي يورغن هابرماس، الذي تتمتع نظرية الفعل التواصلي به بنفس القوة. تميزت بالفلسفة الحالية. ولكن إذا كان كتاب الحق والديمقراطية يزن أكثر، لأنه يضيف فلسفة في القانون لعمل هابرماس، فهو كذلك هو النقاش على العدالة الذي يجذب الاهتمام أولاً، ببساطة لأن جون رولز ويورغن هابرماس وقعاها معًا. كما يحتوي هذا النقاش حول العدالة على اعتراضات هابرماس على نظرية العدالة، وإجابة طويلة جدًا من قبل رولز الذي يحاول دحضها، وتدخل أخير لهابرماس الذي يفهرس العدالة السياسية بـ "التنظيم الذاتي الديمقراطي" وليس أكثر من ذلك، كما تفعل ليبرالية رولز السياسية، إلى "الحريات السلبية". من الواضح أن هابرماس يعرف نظريات رولز أفضل بكثير مما يعرفه رولز "عقيدة هابرماس الفلسفية القوية". لكن عدم التناسق هذا لا يمثل مشكلة: فهنا مشروع رولز الذي يخضع للتدقيق، وهو مشروع يعتبر هابرماس أن "أهم نتائجه صحيحة". من جانبه، يعترف رولز بأن انتقادات هابرماس تشكل "تحديًا خطيرًا"، مقبولاً كوسيلة لإعادة التفكير وإتقان مفهومه. "الشجار الأسري"، المناقشة لا تقل عنادًا، وتؤدي بلا شك إلى أوضح تطور لـ "نظرية العدالة كإنصاف"، والتي منذ نشر نظرية العدالة في عام 1971 (1987)، تكمله العدالة والديمقراطية ( 1993) والليبرالية السياسية (1995)، تعمل إلى حد كبير على تعبئة المجتمع الدولي لمنظري السياسة والأخلاق والقانون. اللقاء بين رولز وهابرماس هو أيضًا اجتماع تقاليد. ظهر هابرماس، مساعد الوقت لثيودور أدورنو، لأول مرة على أنه "وريث" مدرسة فرانكفورت. منذ الستينيات، في أعقاب أدورنو وهوركهايمر، درس العلاقات بين السياسة والعلوم و "المجال العام" في الرأسمالية المتقدمة، ليقترح نظرية نقدية للأيديولوجيا. إن "المنعطف اللغوي" للفلسفة المعاصرة ليس بعيدًا عن ولادة "هابرماس الثاني"، الذي يتخلى عن أي منظور من النوع الهيغلي أو الماركسي، ويسعى في توصيل النموذج الجديد للعقلانية. تقوم نظريته الضخمة عن الفعل التواصلي (1981) بتقييم هذا البحث وستكون أساس جميع الأعمال اللاحقة، حتى الحق والديمقراطية. إذا كان العمل الاستراتيجي يهدف إلى الكفاءة أو النجاح أو التأثير، فإن العمل الاتصالي يرى، من جانبه، التفاهم بين المتحدثين، والتفاهم المتبادل، وتوافق الآراء، إنها محادثة جادة بين أفراد حريصين على فهم بعضهم البعض (الأصالة / عدم الأصالة)، أو المشاريع العلمية (صواب / خطأ) أو قرارات سياسية (عادلة / غير عادلة). في الواقع، كما هو الحال في التواصل، من الممكن اتباع الإجراءات العقلانية التي تجعل من الممكن الوصول إلى اتفاق، وبالتالي معيار مقبول من قبل الجميع، في حين أن لكل محاور خيارات وجودية أو معتقدات دينية أو فلسفية، نماذج مختلفة من الحياة، لذلك لا ينبغي أن يكون من المستحيل، إذا انتقلنا إلى مستوى المجتمع، الوصول إلى إجماع ديمقراطي، والذي يترجم "تفكيك عالمي لوجهات النظر الفردية للمشاركين". وهذا يعني الاتفاق على معايير كونية، مع احترام "حقيقة التعددية". بعبارة أخرى، هناك أسئلة أخلاقية تنشأ عن الاختيارات التي يتم إجراؤها وفقًا لما يعتقده أو يعتقده كل فرد، والتي تكشف عن مفاهيم الخير، وكلها مختلفة وكلها شرعية على قدم المساواة. ولكن هناك أيضًا أسئلة أخلاقية، تنشأ من إجراء جدلي قادر على إبراز عالمية المعايير أو المبادئ الأخلاقية، أي مفهوم العدل الذي يمكن للجميع المشاركة فيه. في هذه اللحظة، إذا تجاهلنا المشكلات التي دفعته إلى المناقشة مع (أو ضد) هايدجر أو أوستن أو سيرل أو أبيل أو فوكو أو دريدا أو بورديو أو رورتي، فإن هابرماس "يلتقي" مع رولز. هذا يتعامل أيضًا مع العلاقة بين الخير والعادل. لكن انطلاقًا من أفق مختلف تمامًا، بدأ رولز، من "دخوله إلى الفلسفة"، في تطوير "نظرية للعدالة تمثل حلاً بديلاً للفكر النفعي بشكل عام". المذهب النفعي يساوي بشكل أو بآخر الصالح بالمفيد. وبالتالي، فإن العدالة تتمثل في إعطاء ما يعتبره كل فرد أكثر فائدة لسعادته الفردية. على المستوى الاجتماعي، سيكون الإسناد الصحيح هو الذي "يزيد صافي رصيد الرضا". التصميم غير قابل للتطبيق في عيون رولز. لا يرقى تعريف الإنصاف والظلم إلى قبول أو معارضة المؤسسات والمراسيم و "حزم الإجراءات" التي نأمل أن تستجيب (في) المصالح بشكل فعال. على نظرية العدالة المستوحاة من فلسفات العقد الاجتماعي (لوك، روسو، كانط) على العكس من ذلك أن تضع المبادئ الأخلاقية المقبولة من قبل الأفراد الذين، على هذه الأسس، سوف ينخرطون في التعاون الاجتماعي. بهذه الطريقة فقط، من "عدالة نسبية"، حساب تقنيًا لما يجب تقديمه وفقًا للتفضيلات، يمكننا الانتقال إلى "العدالة كإنصاف"، وتحديد القواعد الأخلاقية التي تحدد ما هو مطلوب. للقيام، مهما كانت التفضيلات ومع مراعاة علاقات المعاملة بالمثل بين الناس. لكن كيف نصلح هذه المبادئ؟ يتخيل رولز "موقفًا أصليًا" تتفق فيه الكائنات العقلانية، التي لديها إحساس بالعدالة، ولكنها موضوعة تحت "حجاب الجهل"، على مبادئ العدالة. الفكرة الكبرى هي "حجاب الجهل". في الواقع، يتم التفاوض على الاتفاقية من قبل أشخاص جاهلين بكل شيء، ومكانهم في المجتمع، ورتبتهم، وجنسهم، ومهنتهم، ومواهبهم الطبيعية، وثروتهم، وشبكات صداقاتهم، إلخ. لذلك لن يتمكن أي شخص من الاختيار وفقًا للمزايا (السلبية) التي يخافها أو يأمل فيها. هذا الاتفاق هو الأساس الذي سيتم على أساسه اختيار الدساتير والإجراءات القانونية: سيكون فعل العدالة أكثر عدلاً عندما يقترب من "مبادئ العدالة التي كانت موضوع الاتفاق الأولي. ". لذلك يمكن أن تبدأ المناقشة بين رولز وهابرماس. رولز، بعد أن حدد مبدأ الحرية، "منح جميع المواطنين حريات متساوية في العمل الذاتي"، ومبدأ المساواة "الذي ينظم المساواة في الوصول إلى الوظائف العامة وينص على عدم التسامح مع التفاوتات الاجتماعية أن الليبرالية السياسية، بقدر ما تكون لصالح الأكثر حرمانًا، تظهر كيف يمكن أن تستجيب "للتحدي الذي تمثله التعددية"، من خلال اقتراح مفهوم محايد بما فيه الكفاية للعدالة يمكن أن تتبلور حوله، من بين المواطنون ذوو المفاهيم الدينية والميتافيزيقية الأكثر تنوعًا، إجماع سياسي أساسي. مع هابرماس، يشارك رولز المبدأ الذي قاله كانط عن "الدعاية"! أي الاستخدام العام للعقل لإثبات صحة المعايير المقبولة للجميع. لكنه يود أن يؤدي هذا الاستخدام إلى عزل المفهوم السياسي البحت للعدالة، وترك مختلف "مفاهيم العالم" والاختلافات الدينية أو الفلسفية دون تغيير. في حين أن هابرماس يطبقها على العملية الديمقراطية "للتكوين المعقول للرأي والإرادة" التي أتاحتها أشكال نشاط الاتصال بين الأفراد الحقيقيين، من خلال التوفيق بين الحرية بالمعنى الأخلاقي والاستقلالية. قانوني، يمكن من خلاله "تصور المواطنين أنفسهم في أي وقت بصفتهم واضعي القانون الذي يخضعون له كمتلقين". لا يوجد سؤال "ملموس" واحد لا يؤدي إلى هذه "الخلفية" النظرية لهذه النماذج من الفلسفة السياسية. يكون المجتمع عادلاً إذا كفل الحرية والمساواة والتضامن. ولكن من أجل تحقيق هذه القيم، دون إيذاء أحدهما للآخر، من الضروري امتياز الحقوق الاجتماعية، التي تضمن الوصول إلى الصحة والتعليم والسكن، مساعدة العاطلين عن العمل والمعاقين وكبار السن؛ الحقوق المدنية، التي تضمن حرية التنقل، والطباعة، وتكوين الجمعيات، والحماية من الاضطهاد أو تعسف سلطة الدولة؛ الحقوق السياسية، التي تنطوي على المشاركة في الحياة الجماعية؛ الحقوق المعنوية، التي تحمي هوية الناس وصورتهم وحياتهم الخاصة "؟ هل ينبغي لنا، لكي نقرر، أن نرسي" مبادئ العدالة "الصالحة في جميع الأماكن وللجميع؟ هل نفضل" الأخلاق الإجرائية للمناقشة "؟ أسئلة صعبة وهي أثيرت أثناء نقاش رولز وهابرماس . [7]

جملة القول أن رولز يدافع على رؤية تأسيسية للحقوق والعدالة بينما يتم اعتبار هابرماس بوصفه المؤيد المعاصر للديمقراطية الراديكالية في شكلها التداولي والتي تكاد تقطع الروابط مع تراث التعاقدية الليبرالية. و إحدى أطروحاته الرئيسية في السنوات الأخيرة، إعادة التفكير في المواطنة بعد تزايد ظهور الأقليات الثقافية المتزايدة الأهمية في البلدان الأوروبية. يجب أن تكون سيادة القانون قادرة على أن تضمن للأقليات أقصى درجات الاحترام لهويتهم ولغتهم ودينهم، إلخ. وهذه بدورها يجب أن تلتزم بالدفاع عن هذه المؤسسات واحترامها. فماهو رأي بول ريكور من حيث هو فيلسوف معاصر لهما وبالخصوص أنه قد ألف عدة مباحث حول مسألة الحق والعدالة والمواطنة؟

5- معنى العدالة عند بول ريكور:

"يوفر المفهوم الإجرائي للعدالة في أحسن الأحوال إضفاء الطابع الرسمي على معنى العدالة لا يتوقف أبدًا عن افتراضه" [8].

من السهل اعتبار بول ريكور صاحب نظرية في العدالة بالانطلاق من الدراسات الكثيرة التي أجراها على هذا المبحث والمقالات العديدة التي كتبها حول هذا الموضوع وبالنظر إلى تأليف للكتابين يحملان عنوانين قريبين هما : كتاب العادل الذي يتكون من قسمين وكذلك كتاب الحب والعدالة الذي يتشكل من عدة بحوث.

غير أنه من العسير تحديد عناصر هذه النظرية الريكورية التي طافت حول مفهوم العدالة ويصعب كذلك السيطرة على المادة التي كتبها ريكور حول هذا الإشكال ويتعذر أيضا إدراجها ضمن نسق سياسي معين وذلك للمصادر المتنوعة التي عادها والمناظرات الفارقة التي جمعته بفلاسفة كبار مثل رولز وهابرماس.

بهذا المعنى يصطدم كل خطاب اجرائي حول العدالة بجملة من الممارسات الاجتماعية ومن الاكراهات السياسية التي تزعم حيازة الصفة العادلة ويواجه ضغوطات من طرف الرقابة في المجتمع الانضباطي.

على هذا الأساس يتبع ريكور خطة استراتيجية تنتقل من مفهوم العدالة إلى معنى العدالة وبعد ذلك إلى الفاعل العادل والقرار العادل ولكي يصل إلى لحظة الجدلية بين العدالة والاعتراف وبين العدالة والحب.

غير أن كل علاقة جدلية بين مصطلحين تندرج ضمن زوج مفهومي يعاني من الكثير من الضباب الميتافيزيقي والاستعمالات السياقية ويحتاج إلى وساطات عملية وليس مجرد وساطات هشة وعابرة.

غني عن البيان أن وضع قاعدة للعدالة هو من المهام الأساسي للفيلسوف المشرع و" لقد رأينا قاعدة العدالة تتأرجح بين المنفعة منزوعة العلاقة للشركاء المهمومين بتنمية امتيازاتهم بقدر ما تسمح به القاعدة المقبولة للتقاسم وشعور حقيقي بالتكافل يذهب الى حد الاعتراف المتبادل بأن كل طرف مدين للآخر" [9]

هكذا يقترح ريكور معالجة المسألة ضمن اللحظات المنطقية التالية:

-  تناول العدالة على مستوى الممارسة الاجتماعية حيث تتماهى المنظومة مع مؤسسات المجتمع.

- دراسة ماهية العدالة بتحليلها الى جملة من المستويات هي حالاتها ومناسباتها وقنواتها وحججها.

من هذا المنطلق يحاول ريكور تخطي التوصيف الشكلاني وتجاوز العدالة بوصفها ممارسة اجتماعية نحو ربطها بالنشاط التواصلي وإيجاد مثل أعلى للعدالة على مستوى توزيع متساو للحقوق والمنافع بما يرضي مصلحة كل واحد ضمن فكرة العدالة التوزيعية التي تكفل قيم الاعتراف والتكافل والاستدانة المتبادلة.

ينتقل بول ريكور من مفهوم العدالة بالمعنى الاجرائي الى معنى العدالة ويكشف عن اخفاق العدالة وأهمية الاستنجاد بقدرة العادل في مجال الحكم القضائي والسياسي، وبالرغم من هذا التأكيد وهذه الإرادة، يلاحظ أن نظرية رولز للعدالة ترتكز على مفهوم جوهري للصالح، في إطار الموقف الأصلي، فإن الفرضيات التي تميز سيكولوجية الممثلين (عدم الاهتمام المتبادل ...) ونوع المعلومات المتاحة لهم (التصفية بحجاب الجهل) تقود المشاركين بشكل ميكانيكي إلى تبنى مبدئي لمفهوم معين للعدالة يرتكز على المبادئ نفسها ترمز إلى مفهوم معين للإنصاف [10]. سيتم الإشارة أيضًا، بعد بول ريكور، إلى أن المواطنين تحت ستار الجهل في الواقع يبدو أنهم لا يملكون سوى الاختيار بين المفاهيم التي تم إنشاؤها بالفعل للعدالة، في الواقع بين مختلف أشكال النفعية و"مجموعة" المبدأين وترتيبهما المعجمي [11]. من هذا المنطلق يمكن بالطبع تفسير المعارضة التي يعبر عنها جون رولز فيما يتعلق بالنفعية - لأنها كذلك - على أنها مواجهة بين المفهوم الأخلاقي والمفهوم الغائي للعدالة. ومع ذلك، فإن القراءة الدقيقة للعرض المقترح لـ "النفعية الكلاسيكية" في الفقرة 5 من "نظرية العدالة" تكشف عن تفسير محتمل ثانٍ، ويبدأ جون رولز بشرح الفكرة المركزية للنفعية، وهي فكرة يمكن أن تنقل العقلانية القصوى للفرد إلى المستوى الاجتماعي. في الواقع، تمامًا كما يسعى كل فرد إلى زيادة منفعته إلى أقصى حد من خلال مقارنة المكاسب والخسائر المرتبطة بكل إجراء محتمل ومن خلال التحكيم بين المكاسب الحالية والمستقبلية والخسائر الحالية والمستقبلية، يمكن لكل مجتمع الموازنة بين وداخل الرضا الزمني وعدم الرضا من الأشخاص الذين يتكونون منه، بهدف الوصول إلى أعلى مستوى ممكن من الرصيد الصافي العام للرضا.

وبعبارة أخرى، إنها مسألة توسيع مبدأ الاختيار العقلاني للفرد إلى مجموعة بشرية. يبدو بالإضافة إلى المنطق السليم، فإن هذا التصميم يتمتع بجاذبية إضافية لربط الخير والعدل بطريقة أنيقة للغاية.

في الواقع، في البداية، يتم تعريف السلعة بشكل مستقل عن العادل (من حيث المنفعة)، ثم يتم تعريف العادل على أنه ما يزيد من السلعة إلى أقصى حد. تكمن النفعية حقيقة في أن "الطريقة التي يتم بها توزيع إجمالي الرضا بين الأفراد لا تحسب على الإطلاق، أكثر من الطريقة التي يوزع بها الرجل رضاه بمرور الوقت" [12]. ويضيف، بعد بضعة أسطر، أنه "لا يوجد سبب مبدئي لماذا لا تعوض مكاسب البعض عن خسائر الآخرين أو، والأهم من ذلك، لماذا انتهاك حرية "عدد صغير لا يمكن تبريره بمزيد من السعادة لعدد كبير" [13]. لا يمكن للمرء أن يكون أكثر وضوحا في وصف الآثار الضارة للنفعية. بالعودة في الفقرة التالية إلى هذا السؤال، ينتقد النفعية لعدم التمييز، من جهة، بين الادعاءات باسم الحرية وما هو عادل، ومن ناحية أخرى، تلك المتعلقة على زيادة الرفاهية. إدانة النفعية المتبعة في العملية: "في مجتمع عادل، تعتبر الحريات الأساسية لا رجعة فيها والحقوق التي يضمنها العدل لا تخضع للمساومة السياسية أو لحسابات المصالح الاجتماعية" [14] كما سيتم فهمه، ينتقد جون رولز النفعية على أساس حجة ذات طبيعة أخلاقية، وهي رفض نظام حيث يمكن التضحية برفاهية أفراد معينين على مذبح تعظيم رفاه الجميع. على أساس هذا الرفض، يتم شرح اللجوء إلى مبدأ الحد الأقصى، واللجوء إلى ما كتبه بول ريكور: "لا يمكننا المساعدة في التفكير في أن لدينا هنا حجة أخلاقية مقنعة كحجة فنية مستعارة لنظرية القرار في أبسط صورها: نظرية اللعبة، حيث يوجد فائزون وخاسرون يخلوون من أي قلق أخلاقي " [15]. لذلك يبدو أن المنظور الوارد في نظرية العدالة ليس إجرائيًا بحتًا كما يدعي مؤلفه. إنه يتطلب قبول جميع المفاهيم المعينة للخير، وهي ضرورة تظهر عدة مرات ... في نصوص جون رولز نفسه. في الليبرالية السياسية، على سبيل المثال، كتب أنه في "نظرية العدالة كمساواة، فإن أولوية العادل تعني أن مبادئ العدالة السياسية تفرض قيودًا على أشكال الحياة المقبولة؛ وبالتالي يدعي أن المواطنين يتقدمون باسم الغايات التي تتجاوز هذه الحدود ليس لها قيمة" [16]. حتى لو كانت نقطة تطبيق نظرية العدالة كمساواة هي البنية الأساسية للمجتمع، فإن جون رولز بالتالي لا يبالي بالمعتقدات، وبالتالي بالسلوك الخاص للمواطنين. هذه أيضًا ضرورة منطقية، لأنه ليس من الواضح كيف يمكن أن يتحمل نظام عادل اجتماعيًا إذا حاول الجميع التحايل على القانون أو خرقه. وبالتالي، على سبيل المثال، لا يمكن للمرء دون تناقض أن يدعو إلى إنشاء مبدأي رولز للعدالة وممارسة التهرب الضريبي. المتطلبات التي يفرضها رولز من حيث السلوك الفردي تظل محصورة في نطاق الواجبات المدنية . إن ترك هذه الدائرة سيشكل انتهاكًا للمشروع الأولي، وهو، كما رأينا، لاقتراح بنية مؤسسية تسمح بالتعايش بين مختلف المفاهيم المعقولة للحياة الجيدة. من الواضح أنه من السخف، في نهاية هذا العرض الموجز، الادعاء بأنه قادر على التوصل إلى أي استنتاج نهائي مهما كان على عمل واسع وعميق مثل عمل جون رولز، العمل فيما يتعلق بأي منصب، لمدة ثلاثة عقود حتى الآن، جميع أعمال الفلسفة السياسية. من المسلم به أن الكلمات ربما تكون، على حد تعبير أحد صور كارل ماركس، مجرد أزهار موضوعة على السلاسل. يجب على المرء أن يدرك معنى العدالة وأسسها الفلسفية. ولا يمكننا أن ندعي فهم فلسفة ريكور، كما نسمعها في الإرادة، وذلك باستخدام هذه العبارات حول الاثم والتناهي والشر. تتمثل الخطوة الهامة، لجعل المرء يستحق فلسفته، في استعارة مفرداته: العزلة، المعاملة بالمثل، منطق الحب، الألم والغفران، الإدانة، إلخ. كما يجب أن يصاحب الخطاب السياسي بأسلوب آخر خيالًا آخر أكثر جدارة بالديمقراطية. فالخطب المتعصبة تحافظ على مسألة الإرهاب عبر "تعارض التأويلات" الذي سيعقد في مكانه، لإرضائه وشفائه، يجب أن يرتكز في تاريخ الفلسفة، الذي لا يفتقر إلى المفاهيم اللازمة لوضع معايير للعدالة. فقط من خلال تقييم الحاضر في ضوء جراحات الماضي، سنعرف مدى إلحاح تمثيل الصور العنيفة. بالنسبة لريكور، هناك ظلم عندما يسيء الفرد الذي يسعى إلى إلحاق الضرر بكلية "الرجل القدير" من خلال ممارسة "السلطة على" فرد آخر، مما يخلق حالة عدم تناسق. هناك ظلم عندما ينتظر المرء سلامة الآخر. إن صيغة "نفسه كآخر" غير معقولة. الآخر والذات شخصيتان حصريتان. من أجل الوجود الذاتي، يجب أن يطرد الآخر. تنبع فكرة العدالة هذه من سوء فهم المعاملة بالمثل. نذكر أن المعاملة بالمثل مرادفة للمساواة. ما من شك في عكس منطق القوة. الانتقام لا يصلح الخطأ. إنها تتفوق. على العكس من ذلك، فإن الدور الأول للمؤسسة هو تفكيك هذا التخيل من عدم المساواة. وفي الواقع، فإن القانون الأخلاقي الفلسفي بامتياز هو القاعدة الذهبية: "لا تفعل للآخرين ما لا تريد منا أن نفعله لك". لا توجد صيغة تجسد بشكل أفضل التكافؤ الذي يحكم الأخلاق. كيف يتم، إذن، إصلاح الأضرار الناجمة عن اللقاء بالآخر دون الانتقام من الذات؟ هل يجوز تسليط عقوبة معقولة عليه؟

خاتمة:

" العدالة التوزيعية هي العدالة التي توزع الأوسمة والثروة وفقًا لمزايا أو احتياجات كل واحد منا"

خلاصة القول ان العدالة تتوزع بين حقول الأخلاق والقانون والسياسة وأنها كانت تعني عند الاغريق فضيلة كلية ومعمارية ومنبع كل الفضائل الأخرى وتمنحها التوازن المتبادل وخاصة العفة والحكمة، وفي هذا السياق اعتبرها أرسطو الفضيلة المدنية التي تحوز على خير مشترك وتقوم بتنظيم بقية الفضائل، بينما تعامل معها الرواقيون بوصفها الفضيلة الكونية التي تحقق الخير للبشرية والتوازن للكون. بيد أن اللاتين كان لهم فيها رأي فريد حيث عدوها المبدأ الأخلاقي الذي يدفع الى احترام ما يلزم تجاه كل واحد من البشر ويضمن احترام حقوق الأشخاص وتطبيق الانصاف وبرروا ذلك بأنها الطابع المتفق مع الحق الوضعي والمشروعية أو مع الحق الطبيعي واستحقاق الانصاف ولذلك ألحقوها بالسلطة القضائية وخاصة مجموعة مؤسسات الدولة التي تهتم بتطبيق القوانين وانفاذها بسلطة الالزام واحترام الحق الوضعي.

بعد ذلك حصل تطور مذهل في دلالة العدالة بمفعول الحداثة السياسية والثورة الاجتماعية وصارت تعني مبدا المساواة التي تنتجها وتحترما وتتمثل في ضمان الحق التام كل شخص بشكل كلي وبصورة دائمة واحترام الكرامة الإنسانية في كل كائن بشري في شخصيته التي تخصه وتميزه عن غير من المشابهين له.

اللافت للنظر هو التفريق الذي قام به جان رولز بالعودة لأرسطو بين العدالة التعويضية التي تنبني على قاعدة التبادل وفق المساواة العددية بين الأشخاص الذين تم اعتبارهم متساوين والعدالة التوزيعية التي تطبق أثناء توزيع الثروات والتسميات بين أفراد الجماعة السياسية بطريقة مرنة وشاملة ومنفتحة على الأقل حظا واعتباره العدالة هي المساواة في الحقوق والحريات بالنسبة للكل أمرا قطعيا ومبدئا لا يمكن أبدا استنقاصه وكذلك هي نمط في التوزيع المنصف للعائدات والخيرات وفق مبدأ الاختلاف في الكفاءة.

إذا كانت العدالة التعويضية تبلور مساواة عددية فإن العدالة التوزيعية ترنو الى تحقيق مساواة هندسية أي متناسبة مع مختلف فئات المجتمع في تنوعه وتعدد درجاته وتبان المستوى العلمي والعمري والمادي فيه.

إذا كان رولز يرى في أشكال التفاوت واللامساواة بين البشر على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي عادلة ومعقولة ويدعو أن يغطى توزيع العائدات جميع الشرائح غير المحظوظة وأكثر الفئات المحرومة والهشة فإن هابرماس يعتبر العدالة هي المعيار الأخلاقي والقانوني الذي يؤسس التواصل بين الجماعة السياسية. فهل تعوض العدالة التوزيعية في الديمقراطيات المعاصرة ما اصطلح على تسميته بالعدالة الاجتماعية؟ وكيف يمكن اصلاح التفاوت بين الأغنياء والفقراء؟ والى أي مدى يمكن أنسنة السياسات غير العادلة؟وهل يمكن اعتبار رولز قد تعلم من أمارتيا صن واكتفى في المقابل بالمناظرة مع هابرماس؟ ولماذ وجد ريكور نفسه في حاجة الى فلسفة والزار للرد على كل من رولز وهابرماس؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

..............................

الاحالات والهوامش:

[1] Rawls John, théorie de justice, traduit par Catherine Audard , édition seuil, Paris, 1987,672 pages.

[2] Michael Walzer, Sphères de justice, traduit par Pascal Engel, édition Seuil, Paris, 1997. 496 pages.

[3] Amartya Sen, un nouveau modèle économique, développement, justice, liberté, édition Odile Jacob, 2000,356 pages .

[4] Habermas, Jürgen, Droit et démocratie. Entre faits et normes, Paris, Gallimard, 1997, p. 311

[5] Habermas, Jürgen, L'intégration républicaine. Essais de théorie politique, Paris, Fayard, 1998 aux pp. 259–274

[6] Habermas, Jürgen, «Le paradoxe de l'État de droit démocratique» (2000)

[7] Robert Maggiori , Jürgen Habermas et John Rawls. Débat sur la justice politique. Traduit de l'américain (avec le concours de Catherine Audard) et de l'allemand par Rainer Rochlitz, Cerf, 190 pages. Jürgen Habermas. Droit et démocratie¬ Entre faits et normes. Traduit de l'allemand par Rainer Rochlitz et Christian Bouchindhomme, Gallimard, 560 pages.

[8] Paul Ricoeur, lectures 1, autour du politique, édition seuil, Paris, 1991, p208.

[9] ريكور بول، الحب والعدالة، ترجمة حسن الطالب، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، طبعة أولى، 2013، ص52.

[10] Paul Ricoeur, lectures 1, autour du politique, op.cit., p205.

[11] Paul Ricoeur, lectures 1, autour du politique, op.cit., p226.

[12] Rawls John, théorie de justice, op.cit., p51.

[13] Rawls John, théorie de justice, op.cit., p52.

[14] Rawls John, théorie de justice, op.cit., p54.

[15] Paul Ricoeur, lectures 1, autour du politique, op.cit., p210.

[16] Rawls John, libéralisme politique, édition PUF, Paris, 1995, p215.

المصادر والمراجع:

Habermas, Jürgen, Droit et démocratie. Entre faits et normes, édition Gallimard, Paris, 1997,

Habermas, Jürgen, L'intégration républicaine. Essais de théorie politique, Paris, Fayard, 1998

Paul Ricoeur, lectures 1, autour du politique, édition seuil, Paris, 1991,

Rawls John, théorie de justice, traduit par Catherine Audard , édition seuil, Paris, 1987,672 pages.

Rawls John, libéralisme politique, édition PUF, Paris, 1995,

Michael Walzer, Sphères de justice, traduit par Pascal Engel, édition Seuil, Paris, 1997. 496 pages.

Amartya Sen, un nouveau modèle économique, développement, justice, liberté, édition Odile Jacob, 2000,356 pages .

 

 

محمود محمد عليإن النقد الذي وجهه "تولمن" لـ "مبدأ الافتراضات المطلقة The Doctrine of absolute Presuppositions" عند "ر.ج .كولنجوود R.G.Collingood 1889-1943، وليسمح لي القارئ بأن نوضح بشئ من التفصيل هذا المبدأ قبل أن أنتقل لنقد تولمن له . فقد خرج هذا المبدأ من عقيدة كولنجوود في " النسبوية التاريخية " Historical Relativism، وفيها صرح "كولنجوود" قائلاً بأن: "القديس أوغسطين  Saint Augustine 354-430م"-  نظر للتاريخ الروماني من وجهة نظر المسيحيين القدامي، ونظر إليه تلمونت من وجهة نظر فرنسي عاش في القرن السابع عشر، كما نظر إليه "جيبون"  من وجهة نظر إنجليزي عاش في القرن الثامن عشر،أما  " مومسين " فقد نظر إليه من وجهة نظر ألماني عاش في القرن التاسع عشر . ويبدو ألا جدوي من وراء التساؤل عن أي تقدير من هذه التقديرات هو الصادق، إذ الواقع أن أحداً من هؤلاء ما كان ليستطيع غير هذا التقدير . وليس هناك أخطاء تاريخية لوجهات النظر المختلفة التي تبدو في موقف كثير من مؤرخي الماضي . وليس هناك محل للسؤال القائل، هل كان تفكير أحد المفكرين القدامى صحيحاً أو مخطئاً؟ كان معني هذا أن " السؤال الفلسفي "، لا يمكن أن يندرج تحت التاريخ، بل لا بد أن يصرف النظر عنه باعتباره سؤالا غير ذي موضوع . ذلك هو ما ذهب " كولنجوود "صراحة في عام (1939) حين قال إن التاريخ هو " النوع الوحيد من المعرفة" .

ثم استطرد "كولنجوود" بعد ذلك في تفسير ما أضافه إلي قوله هذا، من أن المنطق يستهدف العرض لأصول التفكير الصحيح، قياساً إلي العرف الذي يقره عالم المنطق في زمانا ما، وأن نظريات الأخلاق تختلف عن بعضها البعض ، ومن أجل ذلك لا يمكن القول عن واحد منها إنها خطأ ؛ إذ الواقع أن أية نظرية أخلاقية تعرض للون من ألوان الحياة خليق بالسعي إلي تحقيقه، ولذلك طالما أثير السؤال:" ومن ذا الذي يسعي إليه؟ " . أما العلوم الطبيعية فتختلف عن التاريخ، وهي علي النقيض من الفلسفة لا يمكن أن تندرج تحت التاريخ . ولكن السبب في هذا هو أن هذه العلوم تبتدئ ببعض افتراضات تستطرد في تفصيل نتائجها، وما دامت هذه الافتراضات لا يمكن أن توصف بالصدق أو الكذب، فإن التفكير فيها وفي نتائجها لا يمكن أن يعد من قبيل المعرفة والخطأ .

ثم يعلن "كولنجوود" في مقدمة كتابه "مقالة عن الميتافيزيقيا" قائلاً، ولقد ذهبت في هذا الكتاب إلي أن ضرباً من ضروب المعرفة، لا بد أن يستند بصفة قاطعة إلي التسليم "بسلسلة افتراضات مطلقة"، تأخذ نسقاً استنباطياً قائماً علي اللامعرفات والتعريفات والبديهيات والمسلمات وصولاً إلي المبرهنات، وهذه الافتراضات لا تقبل الجدل مثل ذلك الافتراض الذي يقول " بوجود الله "، وهو ضمن الافتراضات المطلقة" للعلم والمدنية " .

بيد أن الأسس التاريخية التي يستند إليها " كولنجووود " تضطرنا إلي التساؤل " علم من هذا ؟" و" مدينة من هذا ؟" ولن نستطيع الإجابة هنا بقولنا " العلم الحديث " أو " المدنية الجديدة " بدون أن نفترض أن كليهما من نوع الكيان المتماسك إلي الحد الذي يتعذر إدراكه علي التقدير التحليلي الدقيق لتاريخ الفكر . وهل نستطيع أن نذهب إلي أن " المدنية الغربية " إن هي إلا جو واحد بالنسبة لهؤلاء الذين يساهمون فيها ويعيشون تحت سمائها، أو أن كل هؤلاء الذين يشتغلون بالعلم الحديث لابد أن يعتقدون جميعاً في هذه الافتراضات المطلقة ؟

والواقع أن العلماء من طراز الرجال الذين قد يتأثر بحثهم العلمي بما لهم من مصالح خارج نطاق العلم، كما أن اختلافهم من حيث القومية والتعليم والتقاليد قد يتضمن أو علي الأقل قد يسمح بشئ من الاختلاف بينهم فيما يتعلق بمثل هذه الافتراضات العلمية التي يقوم عليها نشاطهم . إن المنطق الذي يقوم عليه تدليل كولنجوود ينتهي به في آخر الأمر إلي النزول عن المدلولات العامة كمثل قولنا " المدنية"  و " العلم" إلي " الفرد" ليقول بعد ذلك إن إنتاج المفكر، إنما يتشكل في صورته المطلقة إستناداً إلي سلسلة معينة من الافتراضات المطلقة استنها قياساً  لنفسه .

والآن ونحن بصدد سؤال جوهري يتعلق بالطريقة التي تنتهي بإنسان ما إلي سلسلة افتراضات يؤمن بها، وكيف يمكن (بمضي الوقت) أن يتخلي عن هذه الافتراضات ويؤثر علي غيرها، وهو سؤال لم يجب عليه " كولنجوود " في حاشية، لأن الفكرة علي ما يبدو لم تطرق تفكيره إلا في وقت متأخر، ثم هو يجيب عنه بقوله إن هذه الافتراضات المطلقة يؤمن بها صاحبها بصفة لا شعورية، كما أنها تتغير نتيجة لا فتراض قائم علي " تفكير لا شعوري " ويبدو أن هذه العبارة الغامضة – في السياق الذي وردت فيه – تتضمن أن هذه الافتراضات، بما تنطوي عليه من قبول ثم تغيير، لا بد أن تدخل في النطاق المشروع لعلم النفس علي النحو الذي يفهمه " كولنجوود " ما دامت تقع في منطقة اللاشعور .

فإذا ما أتينا إلي كتاب " مقالة عن الميتافيزيقيا" ألفينا تغييراً مهماً، فنجد أن الافتراضات المطلقة (هي في هذا السياق أسس العقيدة الدينية ومحتوياتها) ليست من قبيل المعرفة، وهي بوصفها افتراضات لا يمكن أن تخلع عليها صفة الصدق أو الكذب، ثم هي طبقاً لمنطق كولنجوود في السؤال والجواب، فإن كل مسألة تتضمن افتراضا ً، وهذا الافتراض ــ إما نسبي أو مطلق، والافتراض المطلق يقف نسبياً بالنسبة لكل المسائل التي يرتبط بها كافتراض وليس أبداً كإجابه . والسؤال الآن ما هو الافتراض المطلق؟

ويقدم كولنجوود نموذجين هامين في كتابه " مقالة عن الميتافيزيقيا "، وهما فكرة " الأله موجود" و " كل ما يحدث له سبب "، وهما إثنان من أكثر المبادئ الميتافيزيقية إثارة للخلاف والجدل . والآن وبمعني هام فإن هذين " الافتراضين المطلقين" هما إجابتان لسؤالين فلسفيين، " هل الأله موجود؟"، " وهل كل ما يحدث له سبب؟ " وإذا كان كولنجوود يعتقد أن هذه المسائل لا تقوم ولا تطرح، إذن فإن ما يدلي به بشكل فقير عن التراث الفلسفي هو من موقع الفلاسفة الوضعيين والواقعيين الذين طالما نقدهم . ومع ذلك فإن هناك أمراً واضحاً خاصاً بالمبادئ الميتافيزيقية، فإذا سألت مشرحا كيف تعرف أن كل شئ يحدث له سبب، فربما يلاحظ مثل كولنجوود، فتتأمل جيداً في وجهك، ولكن إذا ما حكم بعواطفه فإنه سيخبرك بأن هذا المبدأ شئ آخذ به كمسلمة في عملي، ولذا علينا ألا نسأله عنه ولا نحاول استيفاؤه . فهو ليس شيئاً يستكشفه أحد، مثل الميكروبات أو الدورة الدموية، ولكنه شئ نأخذه كمسلمة . وبالتالي فإن ما يخبرنا أن مبدأ السببية هو افتراض مطلق للعلم الذي نتحدث عنه .

إن الافتراض المطلق مهم بالنسبة للمشرح، إذ بدونه لا يستطيع المشرح الاستمرار في عمله بدون ذلك الافتراض، ومع ذلك يأخذه كمسلمة ولا يستطيع استيفاؤه أو البرهنة عليه ولا يستطيع بأي معني محدد تدعيمه بدليل تجريبي  ولا يستطيع التساؤل حوله أو التشكيك فيه .

وكولنجوود بذلك يتفق مع الوضعيين المناطقة في أنه ليس بالامكان استيفاء المبادئ الميتافيزيقية، إلا أنه من جهة أخري يعترض عليهم في أن الرغبة في الاستغناء عن هذه المبادئ لا تتوائم مع المنهج العلمي، وذلك لأنه يجب علي العلماء الطبيعيين أن يفترضوا أشياء لا يمكن إثباتها وربما إذن وبمعني من المعاني النظر إلي ادعاء كولنجوود بأن الافتراضات المطلقة ليست إجابات عن أسئلة، فليست هناك صلة مباشرة مبرهنة بين السؤال هل كل ما يحدث له سبب؟ وإجابته بأن كل شئ يحدث له سبب . والعلاقة بين السؤال وإجابته ليست هنا عينيه واقعية وذلك بالطريقة التي ينظر بها إلي الافتراضات . ومن ناحية أخري فإن كولنجوود ليس لديه مبررات منطقية كافية لبيان أن المبادئ الميتافيزيقية أو الافتراضات المطلقة لا يمكن اثباتها من حيث المبدأ .

وهنا  يذكر تولمن، أن الافتراضات المطلقة تشبه النماذج الإرشادية لتوماس كون، فالنماذج الارشادية والمناهج التي يجب أن تفسر العلم السائد مع الإشارة لتلك القضايا السائدة في مراحل مختلفة في تطور النظام الذي يجب إقامته ومقارنته. وعلي عكس نظرية كولنجوود برهن تولمن علي أنه إذا كانت القضية يمكن أن تقيم فقط فيما يتعلق بالمجموعة المتألقة من الافتراضات المطلقة، فإنه من المستحيل لنا أن نقيم عقلانياً معظم تصوراتنا ومبادئنا الأساسية .

وقد توصل تولمن إلي أن نظرية الافتراضات المطلقة تتضمن صورة غير ملائمة تماما للنسبوية التاريخية . ولذلك تولمن فسر نسبوية كولنجوود بأنها تمثل نوع ذاتي يهدد بحق السلوك العقلاني والفلسفي . وقد كتب تولمن قائلا " بدلاً من تنوع الأنساق المفاهيمية، إلا أن كولنجوود قد خضع لها كلية وترك محاولة الحكم بشكل غير منصف بين السياقات أو الحقب المختلفة وهدد مفهوم العقلانية لكونها ليست أكثر محلية وتطبيق مؤقت .

ومن ناحية أخري يؤكد تولمن أن كتاب " مقالة عن الميتافيزيقيا " لكولنجوود  يتضمن نظرية لتحليل ميتافيزيقي قائم علي منطق الافتراضات المطلقة التي يبدو أنها تتفق مع المنهج المنطقي الرياضي في التزامه بالنسقية . وهذا الالتزام برهن عليه تولمن في أنه أعاق وحرم علي كولنجوود التوصل لحكم عقلاني .

كما يري بعض الباحثين أن نقد تولمن لكولنجوود قائم علي الهجوم الموجه لنظرية الافتراضات المطلقة، حيث برهن تولمن علي أنه أحياناً ما التزم كولنجوود بهذا النمط  بالكفاية الذاتية المستثمرة والموظفة في نسق افتراضي . هذا من ناحية، ومن ناحية أخري فإن كولنجوود في نظر ألزم نفسه بالنسبوية التي لم يتراجع عنها . هذه النسبوية نتجت عن وصفه للنسق الافتراضي علي أنه يمثل هرم من العلاقات الداخلية أشبه ما يكون منطقي قائم علي علاقات استنباطية من النسق الاكسيوماتيكي، وتحليل كولنجوود للنسق الافتراضي يسمح لتساؤلات الصواب والخطأ طالما أنها فقط تنشأ من داخل مجال النسق المتاح. وأيضا داخل نسق سؤال العقلانية الذي يقيم أسباب لشئ ما، بمعني يتعلق بافتراضات النسق .

ومن جهة أخري يؤكد تولمن أن كولنجووود قد إنجرف في النسقية المنطقية كما إنجرف من قبل فريجه، فكلاهما لم يتحررا من التمسك بأهداب النسق المنطقي الرياضي في التعبير عن أفكارهما الفلسفية ؛ وبالتالي ظل كولنجوود بسبب تمسكه بنظرية الافتراضات المطلقة مقيداً بمبدأ العلية القائل بأن أي شئ لا يمكن أن يحدث دون علة، وهذه العلة دائما تؤدي إلي نفس المعلوم . وهذا يعني أن ما يحدث في الطبيعة يمكن أن ينحل إلي حوادث منفردة قد تتجمع أزواجاً أزواجاً علي صورة تكون عليها حوادث كل زوج متصلة بعلاقة العلة والمعلول . وهذه العلاقة العلية تتسم بالضرورة، هذه الضرورة التي تبرر لنا الاعتقاد بقوانين ثابتة صارمة تحكم العالم، وتعكس الألية السائدة في الكون . ولذلك يشبه تولمن تمسك كولنجوود بالعلية بأنه كان مؤيداً لما ذهب إليه كانط إلي القول بأن أي نظرية علمية لا تتضمن هذا المبدأ نظرية باطلة، في حين أن فيزياء أينشتين لا تؤيد ذلك، ولذلك طبقا لكانط " الحوادث مرتبطة بأسبابها "، في حين عند أينشتين " ليست الحوادث مرتبطة بالضرورة بأسبابها.

كما بقي كولنجوود في نظر تولمن حبيس العقلانية العلمية في القرن التاسع   عشر، والتي تؤيد النموذج العلمي في الفيزياء الكلاسيكية، والتي افترضت وجود مكان مطلق لتفسير حركة الأجسام استناداً إلي هندسة إقليدس ذات الأبعاد الثلاثة، بالإضافة إلي وجود زمان مطلق مستقل عن الأجسام .

ومن جهة أخري فقد أنتقد تولمن العقلانية العلمية عند " توماس كون  Thomas Khun "، وبالأخص فكرة النماذج المقياسية، فقد كان كون قد تساءل: هل ينمو العلم نمواً متصلاً متراكماً باستمرار أم  منفصلاً؟ والإجابة في نظره هي  أن العلم ليس متصلاً متراكماً، بل منفصلا ثورياً، وبالتالي فإن تاريخ العلم الحقيقي هو تاريخ الثورات العلمية، والمقصود بالثورات العلمية كما يري كون سلسلة الأحداث التطورية غير المتراكمة التي يستبدل بها نموذج ارشادي قديم كلياً أو جزئياً بنموذج مقياسي جديد متعارض معه . هذا يعني أن التحولات التي طرأت علي النموذج المقياسية تجعل العلماء بالفعل يرون العالم الخاص بموضوع بحثهم في صورة مغايرة . وطالما أن تعاملهم مع هذا العالم لا يكون إلا من خلال ما يرون ويفعلون . فقد تحدونا رغبة في القول بأن العلماء عقب كل ثورة يعملون في عالم مختلف . وكون هنا يقدم نظرية جديدة تعطي السلطة لنموذج متوافق بين علمين متناقضين، أحدهما سائد، والآخر ثوري . وهنا لا بد أن نخضع لسلطة النموذج الثوري .

بيد أن هذا الأمر لم يعجب تولمن، وهنا نجده ينتقد تفسير كون للثورة العلمية، وذلك فيما يلي:

" إن الثورة عند كون تتضمن تغييراً كاملاً لكل الحثيات الفكرية موضع التساؤل . وكأنها نظرية للتغيير الجذري للنموذج السائد . بصورة أدق : إن الثورات العلمية في رأي كون تميل لأن تحدث في فرع معين من العلوم مرة واحدة كل مائتي عام أو أكثر، وأنها ليست أكثر من نظرية للتغير المفاهيمي ككل، فإذا سلمنا بقول كون فيما يري تولمن من أن التناقضات النظرية التي يشغل نفسه بها الآن من الممكن أن تحدث في فترة أكثر تقارباً  . وبمقياس أقل يمكن أن تحدث في أغلب الأحيان وربما يجد كل جيل جديد من العلماء – لديه من الأفكار والرؤي الثاقبة نفسه عند نقاط معينة وفي أحوال معينة علي النقيض من الجيل الذي سبقه مباشرة بالنسبة للأهداف . وهنا نتساءل هل من الممكن لأي علم سائد له مكونات نظرية أن ينمو عن طريق سلسلة من التراكمات فقط إن حدوث ثورة علمية لم يعد يصل إلي درجة تعوق التعزيز المستمر العادي أو المألوف للعلم، ومن ثم فإنه قد ينظر للثورة العلمية علي أنها وحدة تنوع داخل العملية الفعلية للتغيير العلمي . فالثورات الصغرى الجديدة الآن أصبحت وحدات تغيير أثناء أو داخل العلم الثوري والسائد علي السواء .

والسبب في ذلك يرجع إلي أن الانتقال البحت الذي تشتمل عليه الثورة العلمية أمدنا بالمقياس الأصلي للتعرف علي حدوث أحدهما علي وجه الاطلاق . وبمجرد  أن نعرف أنه لا يوجد أي تغيير نظري مطلق في العلم، فإنه يبقي لنا سلسلة من التعديلات النظرية الكبرى أو الصغرى التي تختلف احدهما عن الأخرى في الدرجات وهكذا تحطم عنصر التمييز في نظرية كون ؛ أي أن محاولة فصل العلم السائد عن الثوري هي محاولة فاشلة . فنموذج الأفكار النظرية ينتقل من الأستاذ إلي الطالب .

خلاصة رأي تولمن أن التمييز الذي وضعه " كون " بين العلم السائد والعلم الثوري سينهار؛ بمعني أن الثورة العلمية إنما تتمثل علي شكل تغييرات بطيئة تهيئ الفرصة بدورها للثورة ولا تستغني هذه عن تلك، ومن ثم ليس هناك ما يطلق عليه بالثورة الجذرية أو المطلقة .

ويعطينا تولمن أبرز نقاط الضعف في العلم الثوري عند " توماس  كون " علي النحو التالي:

النقطة الأولي :  ما مدي الشمول الذي يجب أن تتصف به التناقضات النظرية بين أفكار أحد الأجيال العلمية وتلك التي توجد في الجيل التالي إذا كانت فترة الانتقال بينهما تكون ثورة علمية طبقا لرؤية كون ؟ في هذا الإطار يعتقد " تولمن " أن موقف كون غير كاف، ومن ثم فنحن في حاجة إلي مقياس كاف .

النقطة الثانية : إذا كان أي تغيير نظري بين النظريات بالنسبة للأجيال المتتابعة قادراً علي أن أن يسبب عدم الفهم بينهما ويمكن قبوله بوصفه ثورة، ألا نستطيع أن نطلب تفسيراً عاما للدور الذي تؤديه كل هذه التغيرات النظرية خلال تطور الفكر العلمي ؟ أليس لنا الحق في أية مرحلة أن نعامل الثورة الدقيقة بوصفها أجزاء، فإذا كان الحال هكذا،  ألسنا نتجاوز تماماً كل المعاني الأصلية للفظ ثورة ؟ بناء علي ذلك يري  " تولمن " أن الثورة العلمية كما وصفها "  كون " تؤدي إلي عدم التواصل بين تصور وآخر . والسبب في ذلك يرجع إلي أن كل جيل من العلماء ينظر إلي العالم من تليسكوبه الخاص، الأمر الذي يؤدي بهذا الجيل أو ذاك إلي أن يكون محكوما ليس فقط في ضوء ألاته، بل وأيضا في ضوء نموذجه النظري . والنتيجة هي الأفتقار إلي الفهم الصحيح بين الأجيال المتتابعة بسبب التغيير المطلق أو الكامل أو الجذري هذا .. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو  مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

حاتم حميد محسنالليبرالية الجديدة مصطلح واسع يشير الى تعزيز ودعم رأسمالية السوق الحر وهيمنة قيم السوق والخصخصة. معارضوها يقولون انها تؤدي الى استغلال العمال وتوسيع فجوة اللامساواة في الدخول. غير انه لا يوجد تعريف بسيط وواضح لليبرالية الجديدة طالما هناك الكثير من الخلاف حول معناها. في (تاريخ مختصر للّيبرالية الجديدة، 2005) يعرّف المفكر الماركسي ديفد هارفي الليبرالية الجديدة بكونها "نظرية في الممارسات الاقتصادية السياسية التي تفترض ان رفاهية الانسان يمكن تطويرها الى افضل وجه عبر تحرير حريات المبادرين الافراد والمهارات ضمن الاطار المؤسسي المتميز بحقوق ملكية خاصة قوية وأسواق حرة وحرية تجارة". طبقا لهارفي، الليبرالية الجديدة تكافح لتعزيز تراكم الثروة والنخب الاقتصادية من خلال خطاب الحرية. في التفكير الليبرالي الجديد، يصبح ديالكتيك هيجل الشهير "السادة والعبيد" ضبابيا نوعا ما، طالما الافراد ليسوا عمالا مسحوقين ومستغلين وانما مبادرون يسيطرون على وسائل انتاجهم. العامل هو حر بالعمل كما يرغب.

فوكو Foucault

هو اول فيلسوف فرنسي (1926-1984) حاول فهم الليبرالية الجديدة ليس فقط في مجال الاقتصاد ولكن كفلسفة للفرد والمجتمع. في سلسلة من المحاضرات في كلية de france في السبعينات من القرن الماضي، عرض فوكو تحليلا سياسيا اقتصاديا جديدا لنزعة السوق الحر. هو أدخل مفهومين اثنين هما، فكرة الفرد كذات مبادرة، وفكرة ان السوق يمكن ان يكون مؤكد للحقيقة. طبقا لفوكو، ان تأسيس الطريقة الليبرالية الجديدة في النظر الى العلاقات الاقتصادية تتطابق مع الاسلوب الجديد لإستغلال نشاطات الناس، والذي يسميه بـ الحكوماتية governmentality .

الحكوماتية بالنسبة لفوكو هي شكل من السيطرة الاجتماعية التي تعتمد على مؤسسات تأديبية كالشرطة ومحاكم القانون والمدارس وغيرها، وعلى خلق نوع من المعرفة تعزز استبطان خطابات معينة او طرق من التفكير من خلالها يحكم الافراد انفسهم طبقا لتفكير تلك المؤسسات.

في جميع كتابات فوكو والتي استُعملت في الفلسفة السياسية منذ ذلك الوقت نجد تغلغل فكرة السياسة الأحيائية biopolitics. انها تشير للتشابك بين الحياة والسياسة والتاريخ. وبشكل اوضح، تشير السياسة الأحيائية (البايولوجية) الى شكل من السياسة يهدف للسيطرة على الناس من خلال الطب (انظر كتاب فوكو، تاريخ الجنون، 1961) و تنظيم الجنس. السياسة الأحيائية هي نوع من السلطة تهدف من جهة للحفاظ على الحياة في وضعها الأمثل من الصحة، ومن جهة اخرى، تهدف الى خلق عادات تضمن استقرار نظام الانتاج والهيكل الاجتماعي القائم ونمطه الفكري. الحكوماتية هي فن الحكم الذي يستخدم تقنيات تتراوح من السيطرة الذاتية على الفرد الى السيطرة السياسية البايولوجية على السكان. بهذه الطريقة، فان مفهوم الحكوماتية وسّع فهمنا للسلطة لتتضمن شكلا من السيطرة المطبّقة بما يتجاوز الوسائل السياسية التقليدية (مثل القوة او السيطرة على الموارد المادية) وهو ما يجعلها تجسد ذاتها بطريقة اكثر براعة.

جادل فوكو ان استبطان خطاب السيطرة (كما في حالة شخص مُستَغل مقتنع ذهنيا بان السياسات الليبرالية الجديدة هي عادلة وصحيحة) هو مظهر مهم لهيمنة الليبرالية الجديدة. فوكو احتفظ بموقف ايجابي تجاه التكيف الذاتي المستمر self-optimization ضمن هذا النظام في تحقيق أغلب إمكانات الفرد. مع إدخال عبارة "تكنلوجيا الذات" في محاضرة بنفس الاسم عام 1982، بدأ فوكو الحديث عن الممارسات الطوعية والسلوكيات التي يؤديها الناس لتغيير انفسهم. هو جادل بان ما يقوم به الناس في محاولة الوصول الى السعادة والحكمة والكمال هي تعبيرات عن تقرير المصير والاستقلالية حتى ضمن الثقافات الليبرالية الجديدة. طبقا لفوكو، هذه الجهود توفر للفرد الاستقلالية بمقدار ما تتطلب خطة لتقرير المصير الذي يجعل الفرد اقل اعتمادا على الظروف الخارجية. انها ايضا تساعد في خلق طرقا للتفكير حول المرء والتي هي مصدر للسعادة.

ولكن هل يمكن للتكيف الذاتي المستمر ان يكون تعبيرا عن تقرير المصير في المجتمعات الليبرالية الجديدة؟ ان التكيف الذاتي مرتبط بالحاجة لإكتساب الشرعية ضمن المجتمع. انه يصبح حقيقيا فقط عندما يُعترف به من جانب الآخرين. بهذه الطريقة، ما يُعد مفضلا في حياة المرء يتأثر بقوة بالمعتقدات المتأسسة من جانب الاقوياء. نحن ننظر لهم ونشعر اننا ايضا يجب ان نكافح لأجل الثروة والشهرة والشعبية. بهذا المعنى، فان التكيف الذاتي بدلا من ان يكون فرصة للتأكيد الذاتي وتقرير المصير، فهو يبدو حالة اخرى للتطبيع نفرضها نحن على أنفسنا. انه شكل بارع وفعال من السيطرة.

هان Han

في كتابه السياسة السايكولوجية psychopolitics : الليبرالية الجديدة والتكنلوجيا الجديدة للسلطة (2017)، يضع الفيلسوف الكوري-الألماني Byung-Chul Han مفهوما جديدا اخرا لتحليل أشكال الهيمنة في مجتمعات الليبرالية الجديدة. السياسة السايكولوجية، مصطلح يشير الى نوع من السيطرة تمارسه المجتمعات من خلال استخدام المعلومات الشخصية. طبقا لهان، الويب، التواصل الاجتماعي، والبيانات الكبيرة هي وسائل رئيسية للّيبرالية الجديدة الحديثة، طالما هي تمكّن في ايجاد شكل من السيطرة اكثر فعالية واستقرارا. هذه السيطرة تُمارس بطريقة مختلفة جدا عن وسائل السلطوية التقليدية او التوتاليتارية في السيطرة، فهي بدلا من تقييد الاتصالات، تقوم بتحفيزها "مجتمع السيطرة الرقمية يستفيد بشكل هائل من الحرية، انه ممكن فقط بفضل الانكشاف الذاتي الطوعي والتعرية الذاتية .. فان كشف البيانات لايحدث بالاكراه وانما يستجيب لحاجة داخلية"(ص18). في هذا الشكل من الليبرالية الجديدة، تصبح التلفونات الذكية ليست فقط وسائل فعالة للمراقبة انما ايضا صناديق إعتراف متحركة. "الفيسبوك هي الكنيسة" (ص 22).

عبر الرغبة في التقاسم الطوعي للمعلومات، نحن نجعل الرقابة أسهل بكثير. البيانات الكبيرة(big data) مثلا هي اداة سياسية سايكولوجية قوية جدا تسمح بدخول الافكار الى ديناميكية الاتصالات الاجتماعية وأشكال السلوك الانساني، وبالتالي تطوير تقنيات السيطرة والتأثير. فمثلا، عبر الوصول الى أفكارنا ورغباتنا في الاون لاين، فان تكنلوجيا السيطرة تصبح لها المقدرة لدراسة استجاباتنا العاطفية واستغلالها. وبدلا من ان يكون الافراد مسيطر عليهم من خلال التأديب والعنف، هم يُسيطر عليهم بالإغراء الحسي و العاطفي اوالإدمان.

النظام الليبرالي الجديد يستفيد من تعبئة العواطف لأن العواطف تزيد من ردود الافعال السريعة، انها تسهّل التغيير السريع وتفتح حاجات جديدة ومجالات اخرى من الاستهلاك. العواطف يمكن اثارتها بسهولة ويمكن ان تخلق استجابات سريعة. من خلال التحفيز العاطفي يمكن للأفكار ايضا ان تجد طريقها الى ذاكرتنا بسهولة أكبر. كذلك، العواطف تثير ردود افعال فطرية نحن غير قادرين على فهمها والسيطرة عليها بوعي. نحن لسنا واعين بالأسباب التي تقف خلف الكثير مما نعمل او نختار، لكننا نقبل ونثق كليا بعواطفنا لترشد ردود أفعالنا. وكما يكتب هان: "العواطف هي آدائية بمعنى انها تحرض افعال معينة كالميول، انها تمثل الاساس النشط والحسي للفعل .. انها تشكل رد فعل تلقائي غير واعي ، مكان غريزي جسدي شبه واعي للفعل، فيه يكون المرء عادة غير واع تماما. السياسة السايكولوجية للّيبرالية الجديدة تستحوذ على العواطف لكي تؤثر على الافعال على مستوى الردود التلقائية غير الواعية. من خلال العواطف، تدس نفسها بعمق في الفرد وبالنتيجة تمثل وسيطا فعالا جدا للسيطرة على الفرد سايكوسياسيا" (psychopolitics، ص 59). ان السياسة السايكولوجية التطبيقية ايضا تخترع شكلا جديدا من السيطرة مثل التدريب الضخم لإدارتنا الذاتية ومختلف الفعاليات الاخرى التي يُفترض ان تزيد فاعليتنا. طبقا لـ (هان)، سيطرة الليبرالية الجديدة لا تستفيد فقط من الفرد اثناء ساعات عمله، وانما هي تحاول السيطرة على كل حياته لكي تضحي به من اجل تحقيق المزيد من قوة العمل المنتجة. والمواطنون بارتقائهم الذاتي الطوعي يحاولون باستمرار تطوير وظائفهم ضمن المجتمع. كل ضعف يحتاج لإزالة او شفاء. الشفاء في المجتمع الليبرالي الجديد يعني التعامل الناجح مع الاستنزاف وتجنّب الإرهاق الذي ينجم من الاستغلال الذاتي المستمر لجسم المرء وروحه لكي يكون منتجا. عملية الشفاء هذه هي ذاتها تُرى كشيء قّصد به زيادة الانتاجية، انها لم يُنظر اليها بالأساس كمظهر لحياة جيدة. التحسّن في الآداء هو الهدف الرئيسي.

في هذا النظام، يقود التفكير الايجابي التطوير الذاتي ، وبمعنى ما يسهّل الوهم بانه اذا انت تعمل بمشقة كافية فسوف يُضمن لك تحقيق حياة مقنعة. وضع هذا الافتراض امام تساؤل هو امر خطير، طالما هو يدمر الارتقاء الذاتي الهام، او بكلمة اخرى ، يقضي على واجب انجاز أعظم اداء. الايديولوجية الليبرالية الجديدة في التطوير الذاتي تمثل تقريبا نوعا جديدا من الدين:

"العمل اللامتناهي في الايغو(الانا) يشبه الاختبار الذاتي والملاحظة الذاتية في الدين البروتستانتي، وهما بدورهما يمثلان اسلوبا من السيطرة. بدلا من البحث عن الإثم، الآن الافكار السلبية هي التي يُبحث عنها، الايغو يكافح مع ذاته كما لو كان ضد عدو"(psychopolitics، ص41).

ان الشكل السايكوسياسي الجديد للسلطة هو اكثر كفاءة من الوسائل التقليدية للسيطرة لأنه يجعل التمرد مستحيلا. اولئك الذين يفشلون في النظام الليبرالي الجديد يعيشون فشلهم كمسؤولية فردية خاصة بهم، وفي أحسن الاحوال يوجّه احباطهم نحو زيادة انتاجيتهم (تصحيح تلقائي). وفي اسوأ الحالات يؤدي احباطهم وفشلهم في خلق الثروة او الشهرة لأنفسهم الى جعلهم في كآبة وتحطيم ذاتي لكنهم غير نقديين تجاه النظام الذي كرّس كل من الكآبة والتدمير الذاتيين .

ان السياسة السايكولوجية تأسست على مبدأ الحرية ، وهذا ما يجعلها فعالة جدا. الليبرالية الجديدة الحديثة تستغل كل ما يمكن استخدامه ضمن ممارسة الحرية، مثل العواطف، المسرحيات، الاتصالات. في النظام الليبرالي الجديد، الحرية التي حسب التعريف يجب ان تكون التحرر من القيود ، هي ذاتها تخلق قيودا. المأساة في السياسة السايكولوجية هي انها تخدع الانسان في جعله عبدا لذاته.

 

حاتم حميد محسن

.........................

Neoliberalism&Social control, philosophy Now ,Aug-Sep2020

 

 

محمود محمد عليبعد أن فرغ تولمن من معالجة قضية الابستمولوجيا والخرائط الجغرافية من منظور أداتي، أدرك بعد ذلك أنه من العقلانية أن ينقد العالم نظرياته ويغير دائماً فيها في ضوء رؤية إبداعية قائمة علي خيال العالم وبصيرته النفاذة وتداعيات أفكاره وقدراته الخلاقة وحدسه وأحلامه وإلهامه، وذلك كتابه "الفهم الإنساني" عام 1972، ثم في مقالة نشرها عن "العقلانية والكشف العلمي" عام 1973، وأيضاً في مقالة نشرها في نفس العام بعنوان " العقلانية والأهداف المتغيرة للبحث "، وأخيراً في كتابه " مكانة العقل في الأخلاق " عام 1986.

لكن ما المقصود بالعقلانية هنا؟ وكيف يغير وينقد العالم نظرياته؟

العقلانية كما قلنا موقف فلسفي، إلا أنها أخذت معاني كثيرة، فقد نجدها أبستمولوجياً، العقل في مقابل التجربة، ومنطقياً في قوانين الفكر، وعلمياً، التفكير العلمي ضد السحر والخرافة، وميتافيزيقياً في الأفكار الفطرية اليقينية عند " ديكارت" أو إنسانياً في المعرفة المقابلة للحدس الصوفي والمقابلة للقهر اللاهوتي.

فهل استجاب" تولمن " إلي نداء العقلانية بهذه المعاني السابقة ؛ وخصوصاً التي تعد العقل، هو المصدر الوحيد للمعرفة ؟ هل يعني تولمن بالعقلانية الثورة علي السلطة الدينية في العصور الوسطي ؟ هل يعني بها عقلانية ديكارت التي تمكننا من قراءة الطبيعة من خلال العقل؟ .

والإجابة ستكون بالنفي، فقد أنكر تولمن العقلانية الديكارتية التي تؤكد علي قدرة العقل القبلي علي فهم الحقائق الجوهرية عن العالم واعتبار العلم الطبيعي بمثابة مشروع قبلي في الأساس . ومن هنا تصور " ديكارت " أن العقل ملكة فطرية ونور طبيعي، وأن أحكامه مطلقة وضرورية وكلية ؛ كما حاولت الفلسفة الديكارتية بتأثير من التحول العلمي الجديد الذي تم علي يد "جاليليو" أن تقيم تصوراً عقلياً للكون يري أن هذا الأخير محكوم بواسطة القوانين الطبيعية الميكانيكية، وأنه نظام رياضي متوازن ينبغي تبنيه وراء الظواهر، ولذا كان المسار الذي اتخذته فلسفته مساراً عقلانيناً، لا يعير للعنصر التجريبي إلا قسطاً قليلاً من الاهتمام، ويعتبر الإدراك الحسي عاجزاً عن أن يكون طريقاً مأموناً للعلم، لأنه لا يرينا إلا كيفيات الأشياء وطبائعها، وأنه لأجل إقامة معرفة علمية يقينية لا بد من البحث عن أساسها في يقينيات العقل نفسه ؛ أي في تلك الأفكار التي بلغت حداً من الوضوح والبداهة، نعجز معها عن الشك في قيمتها وصحتها، وهذا يأتي بفحص العقل نفسه والبحث عما يحتويه من بديهيات، وعما يستطيع معرفته بالحدس وليس بالخبرة والاحساس، نستطيع اكتشاف البديهيات والحقائق البسيطة الواضحة . لهذا كان لديكارت أعظم الأثر في تأسيس الأتجاه العقلي في الفلسفة في النصف الأول من القرن السابع عشر حينما أعطي للعقل الدور الأساسي في كل معرفة.

وعلي الرغم من أن العقلانية الديكارتية، هي التي مكنت للعلم الحديث، وهي التي جعلت الإنسان قادراً علي نفض غبار الرقابة علي الفكر، علي الرغم من كل هذا، إلا أن العقلانية بالمفهوم الديكارتي لم تجد قبولاً من تولمن لأنها كما يقول "نموذج لفكرة خاطئة لا يعتد بها".

كما يري تولمن أنه لم تعد هناك فائدة لتلك الحقيقة التي تبدو جلية واضحة كما يعتقد "ديكارت"؛ الذي جعل من الوضوح والتمييز معياراً لصحة الأفكار، وكانت أرفع الحقائق في نظره، هي تلك التي تفرض نفسها علي الذهن، وتصدر عن الحدس علي نحو لا تملك معه إلا قبولها، في حين رأي " تولمن " أن العقلانية تكمن في تغيير المفاهيم العلمية ونموها ومن ثم نمو العلم .

لذلك رفض "تولمن" عقلانية "ديكارت" القائمة علي قواعد الوضوح وتجنب الغموض والأنسجام والأتساق، لكونها تشبه إلي حد كبير الشكل الذي نري فيه أن السلطة العقلية تنشأ فحسب في حدود نسق مثالي للمفاهيم التي تنبع من مشكاة فلسفة " أفلاطون".

كما ينتقد تولمن العقلانية التجريبية عند "جون لوك " John Locke (1632-1754)، وهذه العقلانية تزعم أن كل ما في العقل إنما يتولد من الحس والتجربة، وبالتالي يكون مصدر المعرفة هو التجربة الحسية وحدها . إلا أن العقلانية التجريبية لم تنكر "العقل" وأهميته في العملية المعرفية، وإنما أنكرت وجود أفكار فطرية وقبلية يولد الإنسان وهو مزود بها، فيؤكد " لوك " علي أن العقل يولد صفحة بيضاء والتجربة الحسية هي التي تخط سطورها علي هذه الصفحة البيضاء . ويؤكد علي عدم معرفة العقل بالأفكار الفطرية عن طريق أن الإنسان يمكنه العيش دون أن يدرك حقائق كثيرة رغم امتلاكه العقل القادر علي ذلك الإدراك . ومن هنا فإن الحقائق الواضحة في العلم هي التي يتم ادراكها عن طريق الحواس والخبرة الحسية .

وتولمن هنا يعلن انه سيقف موقفا وسطاً بين التجريبيين والعقليين، شانه شأن الكثير من فلاسفة الأداتية، عندما يعتبر المسلمات بصفة عامة متواضعات أو اتفاقات عرفنا بالتجربة أنها ملائمة، تفيد فى وضع الفروض التى تؤدى إلى التعميم والتنبؤ . فاعتقادنا بوحدة الطبيعة وبساطتها وانتظامها واطرادها يجعلنا نصحح نتائج التجارب التى تمثلها نقط مشتتة، فنحن نصل بينها بخط متصل لنعبر عن القانون العلمي الذى يسمح لنا بالتنبؤ، فإذا لم تكن الطبيعة واحدة وبسيطة ومنتظمة ومطردة، علينا أن نتصرف كما لو كانت كذلك، والذى لا يقوم بهذا التصحيح يصل حتماً إلى قوانين شديدة الغرابة .

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة، وهي رفض " تولمن " للنسق المثالي للتصورات الرياضية، والذي بناه المنطقي والرياضي "جوتلوب فريجه" Gottlob Frege (1848-1925)، والذي تبناه في كتابه " تدوين الأفكار: لغة صورية تحاكي لغة علم الحساب " الصادر في 1879، والذي يؤكد فيه " فريجه "،علي فكرة رد الرياضيات بما فيها علم الحساب إلي المنطق، وذلك من خلال بناء نظام منطقي شبيه بالأنظمة المعروفة في الرياضيات مستخدماً الرموز والعلامات، ليكون هذا النظام من جديد أساساً للعلوم الرياضية في العمليات البرهانية والاستدلالية ؛ مع ضرورة استحداث أفكار منطقية جديدة من خلال وضع مصطلح رمزي للمنطق يقترب به نحو مزيد من الصورية واليقين .

وقد كان " فريجه " قد استخدم التحليل كمدخل لصياغة نظريته المنطقية وتم له ذلك علي مراحل : تحليل اللغة العادية والتمييز بينها وبين لغة رمزية – نصوغ بها أسس الرياضيات – هي اللغة العلمية الدقيقة التي لا ترتبط بعواطف أو مشاعر، ثم يضع في مرحلة ثانية تعريفات للأفكار الأساسية لنسقه المنطقي في ضوء مجموعة من القواعد التي تحكم عمليات التعريف ذاتها، ثم يقترح مجموعة القوانين الأساسية أو البديهيات . بالإضافة إلي تحليله لكيفية التوصل للقوانين في ضوء العلاقات المنطقية الأساسية . وكان النسق المنطقي كما رآه صورة مثلي ومعيارية للحكم علي بقية الموضوعات المعرفية.

وهنا يري "تولمن" أن فريجه أول من صاغ الاتجاه الشكلاني وتفوق علي أصحاب الاتجاه النفساني في سوء فهم الرياضيات والمنطق، وأن الرموز التي استخدمها "فريجه" ما هي إلا أشكالاً جوفاء لا تشير إلي مضمون، وأن ما ينشأ بينها من علاقات لا يزيد عن كونه عمليات ألية ليست لها دلالة بعينها أو واقعاً محدداً .

كما يؤكد "تولمن" أن هذا الفهم الرمزي لفريجه يجعل منهجه ضئيل القيمة، والسبب في ذلك يرجع إلي أنه لم يكتف بتجاهل عمليات التغيير المفاهيمي، بل وأيضاً تجاهل التطبيق الخارجي للأنساق المفاهيمية أو الاستخدام العملي لها .

ومن جهة أخري، ينتقد "تولمن" النزعة الموضوعية التي حاول فريجه أن يثبتها من خلال نظريته في العدد، والتي يؤكد فيها أن " الأعداد ليست ملموسة ولا مرئية، كما أنها ليست واقعية ؛ بمعني أن تترك أثراً محسوساً، إنها لا تخضع للتغير، لأن مبرهنات علم الحساب بمثابة حقائق أبدية . يمكن القول إذن أن الأعداد تقع خارج نطاق الزمن، وينتج عن ذلك أنها ليست مدركات ذاتية أو أفكاراً، لأن هذه وتلك تتغير باستمرار بما يتسق مع القوانين السيكولوجية . إن قوانين علم الحساب لا تشكل جانباً من علم النفس . إنها لا تجيز أن يكون لكل فرد منا عدد خاص به – وليكن الواحد – يشكل جانباً من وعيه . الحقيقة أنه يوجد عدد وحيد بهذه التسمية، إنه واحد بالنسبة لكل الناس، وموضوعي بالنسبة لهم جميعاً " .

ويري " تولمن " أن " فريجه "، حين دافع عن فكرة الطابع الموضوعي للرياضيات، وجد نفسه مضطراً إلي التحدث بلغة الواقعية الأفلاطونية . وتفسير ذلك لدي فريجه أن الاعتقادات في وجود الماهيات الرياضية المفارفة الثابتة يعني خلافاً لدعوي المذهب الأسمى – أن الحقائق الرياضية ليست تعسفية، وأنه لا تعتمد علي مزاجنا الخاص، كما أنه يعني أنه ليست مجرد لعبة خطية، وأن الحقيقة الرياضية خلافاً لدعوي المذهب الحدسي مستقلة عن معرفتنا بالوقائع العرضية التي أحاطت باكتشافها، وأن القضية الرياضية وليست الرياضة نفسها من نتاج عقولنا . وأن النزعة الأفلاطونية التي تبناها فريجه كانت بدايتها عبارة عن رفض للمذهب الأسمي . وينتهي تولمن من استنتاجه من تفسير فلسفة فريجه الرياضية أن استقلال المعرفة الرياضية وموضوعيتها يرتبط بواقعيتها كمعرفة عقلية خالصة لا تستند إلي المعرفة الحسية .

كما ينتقد " تولمن " فكرة العوالم الثلاثة عند فريجه القائمة علي النزعة الأفلاطونية، والعوالم الثلاثة عند فريجه "، هي:

- عالم الموضوعات الفيزيائية بكافة مظاهرها .

- عالم الحالات النفسية والشعورية والذهنية.

- عالم الأفكار الخالصة وما ليس فيزيائياً أو ذهنياً. وأفكار هذا العالم بما فيها الأعداد لا نخلقها ولا نحدثها، فهي كيانات ثابتة لا زمن لها ولا تؤثر فيها الحادثات.

ويري" تولمن " أن القول بعالم مفارق للأفكار يتعالى علي الواقع المتغير مأخوذة من " أفلاطون " الذي يعد أول من قال بعالم مفارق للأفكار – نظرية المثل – له طابع إلهي تقطنه تصورات وماهيات كاملة وصادقة وثابتة وتتسم وقائع هذا العالم بأنها حقائق مجاوزة للإدراك والفهم الإنساني بوسائله العادية، وأنها مستقلة بذاتها سواء اكتشفنا وجودها أو لم نكتشفه .

ولذلك يرفض " تولمن " النزعة الأفلاطونية التي يتبناها فريجه لأنها تثمر عقلانية تجريدية تتصف بالصورية الخالصة أي الصحة الاستنباطية للحجة، ومن هنا كانت البراهين المنطقية كلية وضرورية ويمكن تحديدها وفق قواعد صورية، وبالتالي لم تبلغ الاعتبارات العملية. لذا بقيت العقلانية لديه جامدة لا تنشد أي تغيير في الطبيعة أو أي تقدم علمي .

ومن جهة أخري يري " تولمن " أن فريجه كان هو المسؤول عن انتشار النزعة الصورية لدي " التجريبية المنطقية "، التي غالت في تضخيم هذه النزعة التي اثمرت التجريد بأسمى معانيه، والتجريد في العلم يعتبره تولمن من أشد الأفكار معاداة للعلم نفسه وأخطرها، باعتبار أن التوصل للحقيقة لا يتم عن طريق التأمل، وإنما عن طريق البناء والخلق والإبداع . إن العقل يكتشف، بل ويصنع الحقيقة عن طريق التعديلات المستمرة والنقد المستمر والجدل الدائم .

ويرفض " تولمن" ما ذهبت إليه التجريبية المنطقية، حين عمدت إلي التحليل المنطقي لكافة المشكلات الفلسفية التقليدية لتدلل علي أنها ليست مشكلات بقدر ما هي إلا نتيجة استخدامات غير سليمة لألفاظ اللغة .

كما أنكر " تولمن " معيار التحقق مؤكداً علي المهمة الأدائية التي تؤديها القضايا في عملية البحث، ومثلها كمثل العدد والآلات لا توصف بكونها صادقة أو كاذبة، بل توصف بأنها صالحة أو غير صالحة . وعلي ذلك فالقضية عند تولمن حجة توصف بأنها مؤدية أو غير مؤدية .

ولم يكتف " تولمن " بذلك، بل نجده يرفض التبريرية والتراث التبريري، حيث يقول :" إذا لاحظت المشاكل الموجودة في كتب المنطق ... مثل الاستقراء، أو العلية، أو الاحتمال، أو إطراد الطبيعة، أو تراكم الحالات المؤيدة، ومناهج " جون ستيوارت مل " John Stuart Mill (1806-1873) في الاحتمال، وكنت ذا ألفة بالعلم الطبيعي ستكتشف عدم واقعية تلك المشاكل " .. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

سامي عبد العالماذا يعني الدينُ في المجال العام؟! هل يعني توظيفه على نطاق واسعٍ أم تأسيساً لقيم أخرى؟ سؤال لن يجد اجابةً واضحةً إلاَّ بفض الاشتباك الغامض بين طرفيه (الدين والمجال العام). لأنَّ معنى الدين كعقائد لا يتعين فيما هو معروف ولا يعطينا وضعاً جاهزاً لأية علاقةٍ. ربما على وجه التقريب يوفرُ العلاقة المتعالية رأسياً مع المقدس. أمَّا أفقياً، فالأفراد مسؤولون عن الإيمان به، كما أنَّه يعدُّ جوهراً نوعياً يتوقف على وجودهم الروحي. حيث تدور آفاق الدين مع هذا الوجود دوران العلة مع معلولها، فكلُّ تجربة دينيةٍ تفترضُ معرفة خاصة خارج المعايير المشتركة. وسيمتلئ المؤمنُ بمعان يصعب التعبير عنها إزاء الآخرين، لائذاً بالتأويلات التي يعيش في كنفها طوال الوقت.

وجه الاشكال

ثمة مسألة تحدد ما هو خارج الدين وداخله: هل تصّحُ كلمةُ "استعمالٍ" بصدد المُقدَّس؟ هل يخضع المقدس لحركة التداول بين الذوات؟! هنا لو أصبح الاستعمال دالاً على الوظيفة، فلن يكون كما نعهد فحواها بصدد الأشياء المادية. فعلى الاستعمالُ أنْ يتجنب تراكم (المقدس) تاريخياً وأَلَّا يفقأ عينَ أيَّة مفاجئات واردة (بحكم التجارب النوعية). وربما سيكون الجانبان (العام والخاص) للديانات محلَّ شدٍ وجذبٍ، لأنهما يقتضيان وجود سلطة خارج الأفراد تحكم المسألة. الأمرُ عندئذ سيرتهن بالمعتقد كنظامٍ رمزيٍّ؛ أي أنَّ قوة الدين تعطي نفسَّها (بنفسها) مبرراً للتدخل في الحياة الإنسانية، وتبرز علاماتها في أخص الأفعال والأحداث. وسيكون لدي أصحاب الديانات ذخيرتُّهم الخطابية لإثبات هذا الشأن، حيث ستُفرِز رؤى يخلعونها على الأشياء، وسيرونها يقينيةً إزاء أي وضع مغاير. في الوقت الذي تحكم المجال العام آلياتٌ أخرى تأخذ أحوال هؤلاء المختلفين بعين الاعتبار.

مما قد يرسم دوائر من التحريم الثقافي والمعرفي وحتى الإنساني إجمالاً، ولاسيما أنَّ رسالة الدين تمنحُ دوافعَ الممارسة لمعتنقيها، أي دوافع التخطي بلا حدودٍ، إنْ لم تحسم المواقف تجاه العالم والإنسان والحياة والموت. إذن يتجدد الاشكال على نحو ارتدادي: كيف لمعتقد كالدين تأتي أهميته من نفسه؟! حيث يستمد الدين مشروعيته من ذاته متفرداً بخلاف أي نشاطٍ آخر. ولكونه مؤسساً على الإيمانٍ، فمشروعيته ساريةٌ بقدر مبرراتها الخاصة. بل قد يتنازل المتدينون حتى عن قلُّوبهم ابتغاء تجسيدِّها في فعلٍ ماديٍّ، تنازُل هم يرونَّه عملاً مقدَّساً يستحيل تركُّه وتتوقف عليه أشياء أخرى.

لكن هناك استدراكاً فلسفياً كالتالي: أليس ذلك فخّاً أيديولوجياً لما هو ديني دون حذرٍ؟! ألاَ يسبب استعمال الدين ارباكاً وسط التنوع البشري؛ أي التهديد بتصفية المقدس لصالح أنظمة فكرية أخرى؟! لأن هناك مقدسات بصيغة الجمع لدى البشر، كما أنَّ التجارب الدينية تختلف باختلاف الأفراد والمجتمعات. وأنَّ نزول الدين مجال التداول معناه تحويله إلى أيديولوجيات (كحال الجماعات الدينية) وكحال أيَّة معتقدات وأفكار غير دينيةٍ بالمثل. والتحول ليس اختياراً، بل كلُّ معتقدٍ طالما يظل قيد الممارسات العمومية، سيحدث تغيرا في جوهره. لأنه سيتسع وسيضيع وسيضاف إليه وسيتحور وسيتعدل وسيتأوّل وسيكرر وسيعاد، أي سيجادل الواقع بحكم اختلافات الفهم. فالواقع يمثل تأويلاً غير مأمون النتائج والتحديدات.

لعلَّ الفكرة بهذا التوصيف ستصطدم بقضاياً كثيرةٍ. كيف لإيمان مكتفٍ بتجربته النسبية أنْ يصير مؤسسات عموميةً، وأنْ يتخلَّق كعلاقات وقيم وأفعال خارج الأفراد، وأنْ يكون – على سبيل المثال- جلباباً وطقساً ومنديلاً وشعاراً جامعاً كشعار" الإسلام هو الحل"؟!... هذا وقد حرصت كافة الأيديولوجيات والمذاهب الدينية على نشاطها المادي الملموس، أي شكلت تنظيمات ترتبط بمرجعيتها بحثاً عن الأهداف والمكاسب. وذلك هو السبب وراء التأثير الاجتماعي الذي تراه ضرورياً بواسطة التنظيم والعمل. وهو ما ينقلب بسهولة إلى أفعال عنيفة حين لا يكون التأثير مناسباً لما تتوقعه.

هنا لا يغدو الدين ديناً خالصاً بهذه الطريقة، بحكم كونَّه يخضع للفعل الإنساني، تاركاً قواه التَّصورية (تمدُ) جذورها عبر أشكال أكثر اتساعاً (كالأنشطة والطقوس والأحداث والظواهر الاجتماعية والسياسية). وبحكم التاريخ سيختلط المعتقد الديني بأشياء أخرى كالأعراف والموروثات والتقاليد والأفكار المتداولة، هو المزيج الذي يصعب فرز عناصره حينئذ. وهنا تظهر المفارقة التي تقول: حينما يدخل الدين فضاءً عمومياً متعددَ الجوانب، يتجنب الأعباء الأيديولوجية ليتواصل مع الآخر وفوق ذلك يظل مرتهناً بها. كلُّ تصور ديني محكومٌ بهذا البُعد المزدوج (مع كذا وضد كذا) طالما أنَّه أمام آخر حتى وإنْ كان مُؤمناً به. وإذا لم يُدرك المتشدِّدون (في الديانات قاطبة) ذلك، فهم يعتبرون الدين أداةَ إرهابٍ لا يَقصُد أفراداً فقط، بل المجتمع إجمالاً. النتيجة الأخطر: أنه ما لم يتجسد الايمانُ خلال بدائل مفتوحة إنسانياً وأبعد من الأهداف الضيقة، سيصبح الدين قناعاً برجماتياً pragmatic mask للمآربِ والمصالح. أي سيخضع الدين لنبرة عالية من التوظيف البرجماتي في الأنظمة السياسية والاجتماعية.

تحولات الدين

دأبت الجماعات الدينية (اسلامية ومسيحية ويهودية وغيرها) على إغراق الحس العام بالشعارات والرموز والنصوص الدينية. لم يدركوا أنَّ الاغراق هو نفسه اغراق للشعار في عملية تَمزُّق حيٌّ. لأنَّ المعتّقدَ شعارٌ ليس يبلغه جميع الناس بالأسلوب ذاته والأيديولوجيا نفسها. وهذا سر خوف جماعات كهذه من" رُهاب الواقع" (1)، بل يسعون لتعميته بأدخنة الخطابات وألعابها السياسية. فلئن كان الشعارُ والنص مقولتين لغويتين، فإنَّهما حجابٌ سيميائيٌّ لعمل شيء أعمق. يُعيدان كتابة الفعل السياسي على أكبر نطاق بفضل مخزونهما الرمزيِّ. هنا لا يبتعد التاريخ الدلالي للعلامة الدينية عن مكوثها كأبي الهول عبر الواقع. حيث يمثل الواقع ذاته رغبةً هي "الكتلة الفاعلة" (2) في الوجود الاجتماعي. ولذلك يصبح الظهور في المجتمع غاية لكل أيديولوجيا من هذا القبيل. والظهور هو السلطة التي تحدد توجهات النظر والقوى التي تنعد نفسها للسلطة.

لكَّم حاولت الجماعات الاسلامية مثلاً اقتناص الفرصة تماهياً مع هذه الرغبة. بل سعت- أثناء الربيع العربي وبعده - إلى مبادلة الرغبة البعيدة وقتئذ بكتل الحشود السياسية. فالتّيار الديني كان يرشقُ الشعارات في كلَّ تظاهرةٍ عامةٍ. ليس من باب أسلمة المجتمع كما يتم الزعم، هذه القشرة البرانية كقشرة الذهب المزيف، لكن لكّون المجتمع عصيَّاً على التواطُؤ الخاطف لمجرد رفع الشعار. فبناء الواقع عملية تاريخية ثقافية طويلة الأمد ولا تنتهي. وبما أنَّ التيار السابق لا يملك إلاَّ دفاتره التراثية القديمة، فماذا يعمل سوى تفتيشها بحثاً عن حلول سريعة أثناء الأزمات بطريقة جحا حين يُفلّس؟!

إذن استعمالُ الدين يعني تحويلهtransform it إلى قوةٍ مسيَّسة لتنشيط التصورات الخاملة. ولذلك تمثل نبرات الوعظ والدعوة محركاً غير ذاتي لإثارة التكاتف الجماعي وراء هذا الهدف. بينما القضية مختلفة تماماً وهي أنَّ الدين ليس مادةً ولا محتوى ولا وسيلة وإلاَ لأصبح شيئاً مغايراً لنفسه. وإذا كان ثمة دينٌ له جذور عميقة عند أصحابه، فإنَّه يأخُذ مظهراً شخصياً روحياً بالدرجة الأولى. ولن يتجلى بكامل عتاده الرمزي في أي محيطٍ عام. حتى في أنظمة حاكمة تتبنى لاهوتاً سياسياً يضمن هيمنتها (مثل ايران والفاتيكان والسعودية)، لا يطغى الدين إلاَّ كمرجعية مسكوتٍ عنها (صامتة) رغم الاعتراف البارز. ومن حيث زرعها في العقل الجمعي تختفي مع تراكم التطورات الحياتية، فتتوارى في سلوكيات وبرامج نظرية وشكلية، في عبادات وشعائر بدلالات فردية أكثر منها نمطاً مُوّحداً. بل عادة ما يُختَّبر الدين عندئذ اختباراً خطيراً، لأنَّه يجري تعريته تاريخياً لعيون فاحصة وسط جميع الأفعال والمستويات. وكأن السؤال يلح باستمرار: هل يمكن إدراج ممارسات دينية في حياة مفتوحةٍ؟! وبأية صيغة ستكون مقبولة ومبررة؟!

هكذا لا يمر الدينُ في المجال العام دونما شيءٍ ما يحدث في أبنيته الثقافية الصامدة. بذرةً مضادةً بأعمق مدى لمسيرته الروحية، وسيتعرض بكل قسوة للنقد والتحول نتيجة ما يتركه من رواسب أيديولوجية. لن يجري كما هو خالصاً من العوالق ولا مثلما يحاول معتنقوه الارتباط بتجاربه الأصلية. فلا يمكن تنحية الدين عن أسواق المذاهب ولا عن ساحات العرض كالسلع والبضائع (مثل عمليات الدعوة والتبشير والتنظيم العام)، وفي ذات الوقت يستحيل إمساك مقدساته بلا تأرُّخ وإعادة صياغة (3). الفكرة نفسها (أي الدين الخالصpure religion) هي فكرة بلا منطق إلاَّ إذا تأسست على الصرامة الوجودية، وذلك هو المستحيل لأنه ضد إيقاع الحياة الإنسانية الجارية.

هذا الأمر (أي وحدة الدين العام اعتقاداً وممارسة) له ثغراته المزدوجة، لأنَّها ستثبت عكسه:

أولاً: سيتم فرض الدينُ فرضاً بحكم الاعتراف به رسميَّاً، حتى وإنْ قبلته أطراف المجتمع قاطبةً. الفرضُ يعني وضعَ الدين على فوهة التساؤل اليومي: كيف يتم ذلك، ولماذا، وماذا بعد؟ لأنَّ المؤمنين بالديانات يتابعون بعضهم بعضاً مع الطقوس والشعائر. ناهينا عما يمثله المختلفون دينياً من علامات استفهام في أدق التفاصيل والمواقف.

ثانياً: سيبلغ الدين- بمعتقدات أصحابه– إمكانية مختلفة عما يقصدها، مختلفة التنوع في النظر إليه بما لا يُحدُّ، وإذا كان ذلك يجري على مستوى الدين الواحد فما بالنا بأديان عدّةٍ؟! لأن الواقع كملتقى الرغبات يحمل التشوه في داخله ويلحقه بأية معتقدات مهما تم الحرص عليها.

ثالثاً: ينبغي إيجاد نموذج خارج الأفراد يستثمر قوى الدين، أي لا مفر من تحويله إلى تجربة غير روحانية. والسياسة عادة هي الأقرب لهذا الاستثمار لكونها تعمل في بنيتها على منوال الديانات وتسعى لإخضاع البشر لتنظيمها العام.

رابعاً: يمتنع المؤمنون عن استباحة المغايرين، يظهرون مواقفهم المحتملة فقط إزاء الحياة. لكن يعدُّ الامتناع ملزماً ولا خيار لهم فيه. لأنَّ مجالاً عاماً بحكم نسبيته المتنوعة، يستحيل الهيمنة عليه. وإذا تم أخذه على حين غرة بقبضة دينيةٍ، سيكون مصيرها التفكُّك والتحلُّل. كما لا يمكن تصوره في الفكر الفلسفي المعاصر دون محمولاته الإنسانية والتواصلية.

المجال العام

في ضوء ما سبق، يمتص المجال العام قدرات الدين حاداً من سلطة المقدس فيه. على الأقل سيرجئ هذه السلطة في مرات ليست بالقليلة وسيعطل تأثيرها، لأن كل عناصر المجال العام بحكم تنوعها لا تخضع لهذه السلطة. فالتغير- كما قلت - حاضرٌ في تفاصيلها، كما أنَّ تبادل المواقع التأويلية hermeneutic positions أمرٌ لازم بالدرجة ذاتها. لأن الأفراد يأخذون مواقعهم بناء على فهم الآخرين ويتواصلون معهم على ذات المستوى. وتاريخياً حاولت فلسفةُ التنوير نزع الطابع الديني بإظهار تباين المقدس بتباين المجتمعات معرفياً وفكرياً (4).

إنَّ القداسةَ هي هذا المجال نفسه دونما مقدساتٍ ودونما آلهة ودونما سلطات أبدية بلغة المسيحية. حيث تغدو هذه الاشياء من متعلقات الأفراد ساعين معها بتجاربهم الشخصية. ويكتسب المجال صفة القداسة، لأنه مجال للاختلاف الذي يُقدّر ويحترم أمام الآخرين. ومن ثم جاءت الدولة الحديثة ميتافيزيقا سياسية دنيوية تستهلك المقدسات إلى الرمق الأخير. وبدلاً من عجن الإرادة العامة باللاهوت كما حدث في عصور سالفة (كالعصور الوسطى)، فإنَّها تعجنها بالحرية والديمقراطية وقيم التنوع والتسامح. ولا يمرّ ذلك التخلُق العام (أي الظهور وإمكانية الانبثاق والاستقلال للأفراد والحريات) اعتباطاً، لكنه جزء لا يتجزأ من بناء الحياة السياسية. ولئن حَمل الدينُ من تلقاء نفسه أسبابَ وجوده، فلم يعد منفرداً بذاته، لقد قفز خارج ذاته- أو هكذا يجب- عبر كياناتٍ (بدائل) متطورة تاريخياً للإرادة العامة. وهي لم تكن لتسلبه وجدود من الأساس، بل تطور من الفضاء الذي قد ينقلب خلاله إلى صراع لا يبقي ولا يذر.

في هذا الوضع لن يُفهم أيُ مبررٍ ديني إلاَّ بواسطة مبررات الآخرين، مبررات هؤلاء المؤمنين تحديداً. فهم باشتقاق اللفظ مؤتمنون على ما في قلوبهم حتى يبلغونه واقعاً (أو كما يُعرَّف الإيمان بأنَّه ما وقر في القلب وصدقه العمل). وهذا ما قد يُسمى بتطبيق تعاليم الدين أو بعبارة الجماعات الإسلامية تطبيق الشريعة. لكن هذا الوضع يُفشل أيضاً كلَّ محاولات امتلاك الآخر باسم الدين، ويعطل جعل الحياة مسوّغاً كلياً لهبوط الوحي في التجربة الإنسانية الراهنة، كما لو كان هبوطه من السماء قد حدث تواً لا سلفاً!! أي يصعب تصور تكرار التجربة الدينية الأولى في عصور لاحقة بالأصالة والماهية التي يبحث عنهما السلفيون وأصحاب التفكير الماضوي.

إنَّ ذلك " الجعْل" يتشابك فيه البُعد الروحيُّ مع البعدين السلوكي والاجتماعي، ويظل مميزاً بهيمنة الاعتقاد على الممارسة لاستعادتها كلما تفلَّتت منه. وهو ما يفسر إعطاء طبقة رجال الدين أهمية لكونهم حافظي المعتقدات وتبريرها. لكن هذا الحفظ نفسه يجعل الدين مهدداً في أعماقه، لأنهم يحصرون المعاني فيما يحددون ويريدون. وبالتالي يستحيل صبغ المجال العام بسمات دين بعينه دون فشل الاثنين معاً (5). والتجارب السياسية للحكم الديني أياً كان نبوياً أم بشرياً لم يحكم من غير قوى حركية من طبيعة المجال العام. إذن لم ولن يكون حُكماً بأمر فوقيٍّ قاهر لا رادَّ له، بل حكم ناجم عن استثمار تلك الطبيعة التي هي من جنس المجتمعات.

لأجل ذلك سيُفرض علينا تحديد معاني الدين بالنفي كعادة اللاهوت السالب (لا هذا.. ولا ذاك). فلم يعد الدين بتلك الأطر وعياً مفارقاً، إنما قد يتهيأ انبثاقه من باطن الأشياء على طريقة التصوف. الموضوعات المادية بإمكانها الرمز إليه، إذ تستحيل فجأة إلى شبكة دالةٍ على معتقداته. هكذا – على سبيل التوضيح - صُورت بعض أشكال الأجنة في أوضاع معينة كدلالة على مظهر ديني، أو بوصفها معبرةً عن آيات كونية. وللحقيقة فقد يمثل الانسان والكون من زاوية كهذه مجازاً بلاغياً لوجود الخالق. وبالمناسبة لا يتوقف ذلك على دين بعينه، بل إن كافة الأديان تشترك في تصوير دلالي كهذا (6)، إنْ لم تكن تلك السمة تقرب رؤى الدين (لا أقول الدين كما هو) في لاوعي أصحابه من الاستعارات الخيالية. استعارات كانت كفيلةً قديماً بملء الكون بالأرواح النورانية والكائنات الشريرة والكواكب والنجوم المؤثرة على مصائر البشر.

لكن رغم هذه الصور إلاَّ أنَّها لا تمس المجال العام بعمقٍ. ربما تبتعد بمنحاها الأسطوري عن التأثير في أحوال المجتمعات. ونحن نعتبرها غيرَ مرتبطة بها مباشرة ولا نحبذ أنْ تؤدي مهمةً في هذا الارتباط.

إزاء ذلك نميزُ بين ثلاثةِ جوانب في الدين.

مصدر الدين، وهو الله أو القوى العليا في جميع الديانات تقريباً. والمصدر متوفر حتى في الديانات الوضعية حين تحدد بعض الأسرار والأصول التي تختزل عناصر الدين فيها. وتدريجياً تصبح الأصول بعيدة التناول عن الأجيال اللاحقة، وستضاف إليها أسرار أخرى مع الزمن.

وجود هذا المصدر في مرجعية نصيةٍ، أي كتاب مقروء بقانون الدين نفسه أو كتاب منظور (الكون) بإسقاطه على الواقع. وهو ما يتيح للأصول الاحتكاك بالحياة وكأنها رسالة تحتاج تطبيقاً على المدى البعيد. ولنلاحظ أنَّ النصوص تتحول إلى طقوس للأصول وبزخمها حتى وإن كانت نصوصاً تالية وهامشية.

تتشكل هذه المرجعية عبر نظام أو أبنية قيمية ومعرفية وثقافيةٍ. أي تخرج إلى الممارسة ملخصة النقطتين السابقتين (المصدر + المرجعية).

النقطة الأخيرة هي التي تتجسد في المجال العام والتي تصبح فاعلة على سطح الأحداث. إذ تشكل المرجعيَّة القوام الفعلي للدين حتى يعود متجسدّاً بعد إنْ كان معتقَدَّاً. الفكرة بهذا المعنى تمثل نمطاً من الحياة وتؤكد عليه الطقوس والأفعال الرمزية. ونلاحظ أن الجوانب الثلاثة ليست واحدة. فالمطلوب من المؤمنين البحث عن تطابقها، بل لن يتم عمل ايماني دونما تطابق بين (المصدر- المرجعية- النظام).

وإنْ كان النظام غير مكتمل، فلأنَّه يحتاج إلى حقائق جديدة مع كل واقع. هو تجربة مبتكرة في ظهورها، غير أنَّ الثقافة الدينية (لا الدين) تحشوها بمادة تقليدية، وتجعل إيقاع الطقس الديني كأنَّه مواد حياتية ملموسة. وتدريجياً يستغرق الطقس ملكات أصحابه ومواردهم الذهنية حالاً محلَّ تفاصيل الحياة. فأيُ ثقافة مغلقة تطمس الإدهاش الأولِّي، الإثارة الغضة لتلك الموارد، تغدو عملية نقل لا تغيُر فيها. ويتعين على المؤمنين حفظ الأثر حذو الأثر والسلوك حذو السلوك والعقل حذو العقل، كقطع من القرميد المتراص تمسك سقف الفكر تحت إطار محكَّمٍ. وهذه إمكانية تجعل كلَّ تصور ديني قابلاً للانحراف رغم إحْكّامه الممتد عملاً بالمفارقة السابقة. ليس بطريقة الصواب والخطأcorrectness and error وهذا أمر مهم أيضاً، لكن التصور سيكون عرضة باستمرار إلى نزوع شكلي، فالشكل كمظهر مخاتل وغَوّاء هو مرآة العمل الديني العام. يقول كل شكل: أنظروا ها أنا متدين، ها أنا أقرب إلى السماء منكم..!!

طبعاً لا يكون هذا الوضع الشكلي بصدد المعتقد والايمان بوصفهما خاصين. فهذان الجانبان لهما جذورهما في أعماق المؤمنين ولا سبيل إلى كشفهما. كما أنَّ أي دين مكتمل بنفسه طالما يتمتع بوجود مبرراته الذاتية وطالما كان نسقه الرؤيوي شاملاً وغير بائن الثغرات. والأديان من تلك الجهة أديان تامة لدى المؤمنين وتعيش تجربة الاكتمال الخاصة في ذاتها. ليس هناك اختلاف بين الأحدث أو الأقدم منها، حتى ولو كانت أنماطاً أولية من المعتقدات. بينما جميع ذلك فقط يختلف داخل المجال العام ... لكن ما السبب وراء ذلك؟

 

د. سامي عبد العال

..........................

(1)- نظراً لعمل الجماعات الاسلامية تحت الأرض بأساليب سرية، فالواقع يمثل بالنسبة إليهم مصدراً للرعب الديني. والحقيقة ليس هذا السبب فقط، بل يعتبرونه كفراً بواحاً يواجهونه بكل عنف. بالتالي يعدُّ الواقع رُهاباً يتجنبونه بالعزل الشعوري والحياتي. قد يقال إنهم يحاولون الاستيلاء عليه... فكيف يعتبر رهاباً؟ هم يقابلون الرُهاب بالحشود البشرية التي تصارع القوى الأخرى. وفي المقابل يعد الواقع غامضاً غموض الجماعات برغم معرفة نشأتها وأفكارها. فلكم أساء الإخوان المسلمون مثلاً فهم وتحليل الثورة المصرية لا لشيء إلاَّ لأنَّ الوضع الاجتماعي- من وجهة نظرهم- وضعاً منحرفاً عن درب الإسلام. وكذا الوضع السياسي إذ يتجه نحو محاربة الدين دوماً. بالتالي لا تكفر الجماعات السياسيين بل يحاولون استئصالهم من الواقع. وأخيراً بعد خروج الإخوان من السلطة فاشلين فشلاً ذريعاً سيكون الواقع نكبة أكبر من نكبة الأندلس وفلسطين. وسيتحول الواقع إلى ذاكرة مظلمة، بحجم الرغبة في وجود الاسلام!!

(2) - الرغبة في الحياة العامة كتلة سائلة لدى الجماعات الدينية كما هي بمنطق الثقافة العربية ومنطق الجموع الغفيرة. إنها بلغة مادية تتجلط كالدماء من أجل التأثير في الواقع. فمن أجل تحريك الأحداث الثورية كانت الجماعات والأحزاب والنقابات تسهم في هذا التكتل العام كأنه مادة محتشدة سياسياً. ومن ثم تنشأ الأحزاب والجماعات دونما تأثير حقيقي. وهذه الرغبة ناتجة عن انعدام الاختلاف الفعلي في الثقافة العربية كما أنها ترتكز إلى رغبة القطيع في الاستنفار لإدامة الصراع. وبفضل غياب الديمقراطية والنقد وروح التسامح تأخذ شكلاً جمعياً من العداء العام المتدثر مرة بالدين وأخرى بالطائفة وغيرهما بالأيديولوجيا.. وهكذا. لهذا تلتهم الرغبة الجمعية كل بعدٍ فردي أو ليبرالي مستنير واضعةً له داخل ماكينة الكتلة ليخرج معدوماً مثل الفضلات!!

(3)- كل تصور ديني بمثابة إعادة لذاته وحذفها بالوقت نفسه، إعادة لجزء منه ولتراكمٍ ما عليه كما تتراكم الطبقات الجيرية على الأسنان. بكل قوى الدين (ميتافيزيقا- شريعة- طقوس- رأسمال رمزي) يتحدد في شكل بسيط ينفض عنه غباراً دائماً. هذا ناتج عن نقصان الإيمان الكافي لإتمام العمل الديني بما فيه الاعتقاد. كذلك لا يتعين الدين إلاَّ في أقنية التصور البشري ونحن نعرف أنَّ كل تحديد سلب. إذن يجري السلب بنائياً داخل أية موضوعات دينية. حتى أنَّ هناك مقولة تدل على كون القلب أتياً من التقلب فيواجهه الفقهاء بدعاء وقائي: "يا مُقلِّب القلوب ثبت قلبي على إيمانك".

(4) - اتجه فلاسفة النهضة (فولتير وهوبر وهيوم) ومن قبلهم بودن إلى نزع الأساطير والطابع الثيولوجي عن العالم. فنشأ الدين الطبيعي حتى يتركز النظر حول ماهية الأشياء في ذاتها. وهذا الأمر جعل الدين في حالة فعل غير مادي؛ أي تقرر سياق الدين دون خلعه على الكائنات. كما أنه وضع الأشياء في مجالها الطبيعي دونما أساطير وأسرار. فلقد كانت الأساطير تصنع من العالم كائنات ذات إمكانيات خارقة وبالتالي تخضع للتقديس. إذ ذاك كما في العصور القديمة يغدو التقديس طبقة ميتافيزيقية سميكة تخفي الطبيعة وتأسطرها. وصحيح أن الأساطير خملت وتراجعت، لكن الوظيفة الاستعارية والدينية لم تنته بعد. إنَّ استعمالاً للدين بهذا الشكل –حتى ولو في نطاق محدود- يخلع على الأشياء أردية مقدسة ليست لها ولن تكون. لعلنا نرى هذه القداسة التي يتعامل بها أعضاء الجماعات الدينية مع الشيوخ سلفاً وراهناً. إنه التعامل ذاته الذي يستعيد وظائف الديانات القديمة. ولهذا فالمجال العام يبطل مفعول هذه الوظيفة التي تتكرر كالفيروسات التي توجد منذ ملايين السنوات. والمجال العام حين يبني نفسه على العقلانية والديمقراطية والاستنارة إنما يأخذ القداسة. لكن بمنظور عدم المساس به لا تحويله إلى لاهوت سياسي ولا اجتماعي. إنَّه قداسة أرضية ناتجة عن عدم المساس بالآخر انساناً وإرادة.

(5) - مشكلة جماعات العنف الديني هي هذا الإصرار على اقحام الخطاب الأيديولوجي في المجتمع. لقد تناسوا طبيعة المجتمعات وكيف تتغير وأية ثقافة تواكب التطور المعرفي والفكري. فالخطاب ينضح بمشكلات ضاربة في القدم منذ العصور الاسلامية الأولى لم تعد لتساير الزمن الراهن. فلا هم يعنون أنفسهم بفهم المجتمع ولا هم يطورون من أساليبهم ولا طروحاتهم. وإذا كانت الديانات جميعاً قد بدأت بالدعوى تدريجياً فنشأ هؤلاء المحيطون بالأنبياء فإنَّ الخطاب المشار إلية يؤدلج المشكلات والتحولات بحسب المرجعية الصارمة لأزمنة سابقة. أزمنة لم تتعرض لنفس القضايا ولا لنفس الاختلاف المعرفي ولا لذات الضخ التكنولوجي ولا الانجازات الراهنة.

(6) - هناك وجه آخر لعدم تجسد الدين في أشكال عامة كأنَّه مادة ومحتوى. فنفي الصفات المادية عن الله كما في الشهادة وكما في الصفات حيث لا يحتويه مكانٌ ولا زمانٌ ولا جهةٌ إنما تمتد إلى الدين جميعه. فكل تصور ديني يسلب نفسه بنفسه كما يبرر ذاته بذاته. وهذا خطر محاولة فرضه كنمط سياسي أو اجتماعي. وهذا النفي له أكثر من دلالة: أولاً: لا يبلغ إنسان ولا جماعة الحقيقة الدينية من تلقاء ذاته. هي فقط صورة مجازية لنمط من الحياة قابلة للمناقشة والتغير. ثانياً: نفي النفي إيجاب، بمعنى إذا كان الدين لا يقر بنظام سياسي ولا اجتماعي واحدٍ، فإنَّ رفع هذا النفي يتم في مجال عام لا يتلون ولا يختلط بأي أيديولوجيا لاهوتية. إنّه الحقيقة القصوى لتواريخ من الصراعات الدينية والمذهبية. ثالثاً: لا توجد سلطة دينية ولا قدرة على التكتل باسمها في صورة الجماعات والمذاهب السياسية.

 

 

علي رسول الربيعيالتفكير في مسألة التعددية الدينية  له أهمية وراهنية. تأتي راهنيته للجماعات الدينية التي تعاني من الكراهيات والصراع وتفجر العنف. وبطبيعة الحال ينطبق هذا على الجماعات / الطوائف التي لم تصل بعد الى الأعتراف الكامل أحدهما بالأخرى، كما في الطوائف في العالم الإسلامي عموما ومنطقة الشرق الأوسط تخصيصاً. وتأتي من هذا الموقع اهمية النظر في التعددية التي طرح اللاهوت المسيحي المعاصر حولها نظريات ومقاربات. بالتأكيد استدعتها ظرفيات سياسية وأطر اجتماعية وسياقات تاريخية ، لكن لاتغلي هذه السياقية  قيمتها المعرفية والمنهجية ليستفيد منها بعض المفكرين المسلمين.

يعترف المؤمنون وغير المؤمنين بواقع التعددية الدينية في العالم على حد سواء. يطرح هذا الواقع بالنسبة للمؤمنين مشاكل عديدة أذ يبدو أن الأديان، أو على الأقل معظم الديانات الكبرى في العالم، تقدم رؤى متضاربة للحقيقة وتفسيرات متنافسة عن الطريقة المؤدية للخلاص. ما الذي يُمكًن المسيحي على سبيل المثال، في مواجهة روايات وتفسيرات مختلفة عن الله في اليهودية أو البوذية أو الإسلام أو الهندوسية، أن  يدعي أن  المعتقدات المسيحية عن الله هي الحقيقة؟ يتساءل جون هيك (John Hick )، عند التفكير في التشابه الهائل للعبادة في بعض التقاليد الدينية الكبيرة، عما إذا كان الناس في الكنيسة والكنيس والمسجد والغوردوارا والمعبد يعبدون آلهة مختلفة أم يعبدون الإله نفسه؟[1]

يرفض هيك إجابتين محتملتين عن هذا السؤال: أن هناك العديد من الآلهة، أو أن دينًا واحدًا، المسيحية على سبيل المثال، يعبد الله الحقيقي بينما تعبد كل الأديان الأخرى آلهة مزيفة لا توجد إلا في خيالات المؤمنين فيها. فكان رده المفضل هو تقديم تفسير للتعددية يعارض ادعاءات الحصرية والاستبداد الديني:

لايوجد الأً إله واحد هو الخالق وورب الجميع. أنه في كماله اللامتناهي وثرائه اللامحدود يفوق كل محاولاتنا البشرية للأمساك به في الفكر المجرد؛ وأن المتدينين في مختلف ديانات العالم الكبرى يعبدون في الواقع إلهًا واحدًا، ولكن من خلال مفاهيم مختلفة ومتداخلة أو صور ذهنية له.[2]

من المعتاد الآن التمييز بين الفكر المسيحي وثلاثة مقاربات رئيسة للأديان الأخرى. يتبنى آلان ريس (Alan Race) في "المسيحية والتعددية الدينية"[3] العناوين التي تؤكد على: التفرد، والشمولية والحصرية، حيث يرى أن المسيحية وحدها التي تملك الحقيقة وأنه لا يمكن أن توجد حقيقة أو خلاص خارجها.  يقوم رأيه على الأعتقاد أن الوحي المسيحي حقيقي ونهائي وأنه لا يوجد أي وحي آخر ممكن. من ناحية أخرى، تشير الشمولية إلى أن أديان العالم الكبرى الأخرى مثل الإسلام أو الهندوسية أو البوذية يمكن أن تقدم رؤى روحية مهمة للقداسة ولكنها ليست بدائل للرؤية المسيحية. إنها أديان مندرجة في المسيحية وتعبر عن مفاهيم جزئية وغير مكتملة للحقيقة الموجودة بالكامل في المسيحية. ومن وجهة النظر الشاملة، كما هو الحال مع التفرد، فأن المسيحية فقط هي طريق الخلاص حقًا.

هناك نهج ثالث وهو وجهة النظر التعددية. تدعي صيغة التعددية في معارضة الادعاءات المطلقة بالحصرية أو الشمولية، أوترى نه يمكن ان يكون لمضمون حقيقة الإيمان مجموعة متنوعة من المفاهيم  الصحيحة والتعبيرات المشروعة. لذا يجادل جافين دكوستا ( Gavin D'Costa)، على سبيل المثال، بأن "الأديان الأخرى هي طرق خلاصية الى الله على قدم المساواة مع المسيحية ويجب رفض ادعاء المسيحية بأنها الطريق الوحيد ... أو أنها تمام الطرق الأخرى".[4] لا يجب اعتبار وجهة النظر هذه  تعبر عن نسبية دينية – أيً الادعاء بأنه لا يوجد معتقد ديني صحيح تمامًا - أو الأدعاء بأنه يمكن أن تكون جميع  المعتقدات المتضاربة أو المتناقضة عن الله صحيحة. أنه يعتمد على افتراض أن هناك بعض الحقائق الدينية الأولية والأساسية التي يتم تقديمها في مجموعة متنوعة من الأشكال الثقافية في أنظمة المعتقدات الدينية المختلفة. وهكذا، على سبيل المثال، قد نعتقد أن محاولة رودولف أوتو ( Rudolf Otto) في كتابة " فكرة المقدس" لوصف ما يسميه "التجربة والمعتقدات والمشاعر" و"الحالة الذهنية المؤكدة"، تعني أن امتلاك صفة دينية أو روحية قوية تشير إلى وجود إله، وانه يكمن في قلب كل المتدينين والأنظمة الدينية من الأكثر بدائية إلى الأكثر تعقيدًا لاهوتيًا،[5] أنها محاولة لتوضيح أساس هذه التعددية الدينية. (تجدر الإشارة إلى أن أوتو لم يكن تعدديًا في من حيث هذا التعريف، لأنه كان يعتقد أن المسيحية كانت تتويجا وتحقيق لجميع التجارب الدينية الجزئية المضيئة.)

إذا كانت وجهة النظر هذه للتعددية الدينية هي الهروب من تهمة الانتقائية الدينية، فيجب أن تسعى إلى تجنب صعوبتين رئيسيتين. الأولى هي أن  اثبات "أساس ديني"، موجود في جميع الأديان من الأكثر بساطة إلى الأكثر تعقيدًا، ومن الأكثر بدائية إلى الأكثر تطوراً، أمر صعب للغاية. يحدد أوتو هذا الأمر بشكل غامض  في مايتعلق بعلاماته وميزاته والأشياء المرتبطة به. الاً أنه يحاول ان يفسره  بشكل أفضل عندما يتحدث عنه بوصفه حالة نفسية، وتاكيده  على الحالة الروحية  القوية التي  تشير إلى وجود إله من خلال الشعور به وعيش التجربة معه كشيء حاضر حيث" يتحول إليه أو نحوه العقل تلقائيًا".[6]. نلاحظ هنا عبارة كانطية معاد كتابتها عندما يتحدث أوتو عن "المقدس" كمقولة أولية.[7]  أيً مقولة تستند إلى الاستنتاج النظري بدلاً من الملاحظة التجريبية. لم ينجح مفكر ديني آخر، واقصد بول تيليش، كثيرًا في محاولته تأسيس "الاهتمام بالمطلق'' كعنصر ديني عالمي، يزعم أنه موجود عند جميع الناس (حيث إن الجميع لديهم اهتمام بالمطلق) وقابل للتحديد في مجموعة متنوعة من أشكال التعبير الثقافي.[8]

قدم أرنولد توينبي، على سبيل المثال، هذه التعددية كأساس للتسامح بين الأديان المختلفة. فيرى أنه من الممكن بالنسبة لنا، في الوقت الذي نعتقد فيه أن قناعاتنا الخاصة صحيحة وحقيقية، أن ندرك، إلى حد ما، أن جميع الأديان الكبرى العليًا هي أيضًا اكتشافات لما هو الحق والصحيح. إنها تأتي من الله أيضًا، وتعرض كل منها جانب من جوانب حقيقة الله.[9]

بذل جون هيك قصارى جهده لتطوير مفهوم التعددية الدينية هذا في معارضة الادعاءات المطلقة لأي دين، بما في ذلك المسيحية. ويجادل بأن كل من أديان العالم الكبرى تقدم لقاءات حقيقية مع الألوهية وأن كانت مختلفة. إنها تجسد "تصورات ومفاهيم مختلفة، واستجابات مختلفة ازاء ذلك الواقع الأقصى أو النهائي  من داخل الطرق الثقافية المتنوعة الرئيسة للإنسان''.[10] يحريص هيك على الجمع بين ادعاء الحقيقة وادعاء الخلاص في كل دين من الأديان الكبرى. وبالتالي، يجب أيضًا اعتبار التقاليد الدينية الكبرى بمثابة "مساحات"  خلاصية  (soteriological ) بديلة يمكن للرجال والنساء العثور من خلالها على الخلاص / التحرر".[11]

من السهل قبول هذا من حيث الأدعاءات الخلاصية للتقاليد الدينية مقارنة بقبول ادعاءاتها الحقيقة. فبعد كل شيء، "يمكننا أن نتخيل عددًا من التفسيرات المختلفة للخلاص، على الرغم من التنافس وحتى الحصري المتبادل، إلا أنها ليست بالضرورة من النوع الذي يتطلب إن نقول أن أحدهما صحيح والآخر خاطئ. فقد نقول يمكن أن تنتج البيئات الثقافية المختلفة تفسيرات مختلفة للخلاص الديني في الحياة.

يصعب قبول ادعاءات الحقيقة المتضاربة لمختلف التقاليد الدينية .فإذا افترضنا أن كل دين يقدم ادعاءات الحقيقة في نصوصه، وتعارض هذه الادعاءات في بعض الحالات أدعاءات الأديان الأخرى (على سبيل المثال، التوحيد ضد الروايات والتفسيرات الثنائية عن الله، أو التثليث على عكس المعتقدات غير التثليثية)، لن يتم حل مشكلة ادعاءات الحقيقة المتنافسة بالرجوع إلى "اصل حقيقي" رغم المواجهات المختلفة مع الإلهي.

يستعمل هيك فكرة كانط فيعتبر التقاليد الدينية ظاهرية ( phenomenal) وأن هناك نومين (  noumenon، الشئ في حد ذاته) إلهيً لايمكن معرفته في ذاته، لتقويض أي ادعاءات مطلقة أو شاملة من قبل أي دين معين. ويقدمها بوصفها دعامة فلسفية للتعددية الدينية. لكنها تعددية تتطلب إعادة فحص جذري لإدعاءات الحقيقة التقليدية التي قدمتها المسيحية. يعتمد الإدعاء المسيحي بالحقيقة الحصرية في جزء كبير منه على الزعم  أن وحي وأنكشاف الله في شخص المسيح صحيح تمامًا على اساس حقيقة التجسد، وأن المسيح هو في الحقيقة الله والإنسان. يتطلب تبني هيك للتعددية الدينية كما حددها وضع هذه العقيدة جانباً، أوعلى الأقل إعادة تعريفها كخرافة بدلاً من أعتبارها واقع أنطولوجي (وجودي) كما هو الحال في العقيدة التقليدية منذ زمن مجمع خلقيدونية. يسمي إعادة التعريف هذه - "ثورة كوبرنيكانية" لفهم الدين - تسمح له بالادعاء بأن  عالم الدنيا الديني يعتمد على الحقيقة الألهية. والمسيحية واحدة من عدد من عوالم الإيمان العديدة التي تدور حول هذه الحقيقة وتعبر عنها.[12]

تنشأ المشاكل من هذه الثورة الكوبرنيكية أو من هذا التحول " الكانطي". اذ يتضمن أحدهما إعادة تفسير للعقيدة المركزية للتجسد وبالتالي للجوهر المركزي للمعتقدات التي تحدد المسيحي على عكس أي تقليد ديني غير مسيحي. "لم نعد نتحدث عن تقاطع يحدث بين الإلهي والإنسان في حالة فريدة واحدة فقط، ولكن عن تقاطع يحدث، بطرق ودرجات مختلفة، في كل انفتاح واستجابة إنسانية للمبادرة الإلهية".[13] وهكذا فإن جميع التقاليد الدينية متساوية، وتقدم استجابات  وعبارات كافية إلى حد ما عن النومنين الإلهي. لكن لا يمكن اعتبارها  تعبر عن الحقيقة كما هي مفهومة تقليديًا، ولا يمكن القول بأن هذه العقيدة صادقة أو باطلة، صحيحة أو خاطئة. يشير الأحتكام إلى كانط إلى سرد التقاليد الدينية ذات الأصول البشرية والثقافية واللا أدرية حول الصلاحية النهائية للدافع الديني. وهنا يمكن أن يُنظر إليه على أنه يتحرك في اتجاه النسبية الدينية بدلاً من التعددية الدينية.

يرى هيك أن وصفه للتعددية الدينية يقوض الادعاء المطلق والحصري لعدد من التقاليد الدينية. يستند هذا الادعاء بأمتلاك الحقيقة، عند بعض الأديان، على الاعتقاد بأن نصوصهم المكتوبة هي كلمات من وحي الله. كتب هانز كونغ " لم يعد يظهر الحد الفاصل بين الحق والباطل، وحتى كما يراه المسيحيون، بين المسيحية والديانات الأخرى ولكن داخل كل من الأديان".[14] فيضيف اللجوء إلى النصوص المكتوبة كدليل على حقيقة بعض المعتقدات بعدًا  ضروريا لمناقشة التعددية.

لقد حصل هنا في بريطانيا جدال صاخب على اثر ما أعتبر صدمة للعديد من المفكرين الدينيين الليبراليين من قبل الحاخام الأكبر، جوناثان ساكس جراء هجومه القوي على مايعرف بحركة ماسورتي Masorti  داخل اليهودية. وقد كان  من بين أسباب هجومه أن هذه الحركة التي أسسها الحاخام الأكبر السابق، لويس جاكوبي، تنازع وتجادل بخصوص التأليف الإلهي للتوراة بأكملها - الكتب الخمسة الأولى لما يسميه المسيحيون العهد القديم. لقد أثار هجوم الدكتور ساكس إدانة من حاخام حركة ماسورتي في شمال لندن جوناثان ويتنبرغ قائلاً: لا يريد المرء بيئة يكون فيها شكل واحد من الأفكار مقبولاً فقط. يجب على المرء أن يكون حازمًا في الإصرار على أن هناك مكانًا في الحياة اليهودية للعديد من التيارات الفكرية.

إن ما يبدو على المحك في مثل هذا النزاع هو الرأي القائل بأن هناك مجموعة من المعتقدات الدينية التي يمكن الادعاء من قبل أصحابها بأنها صحيحة لأنها متضمنة في نص مكتوب، مثل التوراة، وأنها  وحي من الله.  تستند هذه الأطروحة، التي أطلق عليها الحاخام ساكس "شريعة من السماء" الى منظور للوحي يتضمن الأعتقاد بأن الله ألهم مؤلف (أو مؤلفي) النص بحيث يمكن القول أن الكلمات من الله. لذا، سواء كان المؤمن متمسكًا برؤية صارمة للتأليف الموسوي لهذه النصوص أو الكتب الفريدة من نوعها، أو أنه مستعد على اسس تفسيرية قبول أن مجموعة متنوعة من الكتاب والمحررين اللاحقيين قد ادمجو تقاليد في النص النهائي تعود الى زمن موسى؛ وتلزم وجهة نظر الوحي هذه المؤمن بالرأي القائل بأن هذه النصوص هي كلام الله وهي معيارية للإيمان الديني، وأن ما تخبرنا به هذه النصوص صحيح. ما رفضه الحاخام ساكس هو الرأي القائل بأن ليس كل عبارة في التوراة صحيحة، وأنها يمكن أن تحتوي على أخطاء، وأن على المؤمن أن يميز في النصوص المعنية تلك الأجزاء التي هي موحاة حقًا، و يرى أنه قد لا تكون هناك حقيقة واحدة فقط بل مجموعة وجهات نظر مقبولة ضمن التقاليد الدينية.

تثير الخلافات الداخلية داخل اليهودية أسئلة رئيسية حول الدين والتعددية. لقد نشأت في شكل خاص عندما تدعي الأديان المعنية أنها تمتلك الحقيقة المطلق بسبب وجود نصوص مكتوبة مستوحاة من الله. وبالتالي تمتلك هذه الديانات (التوحيدية) مثل اليهودية والإسلام والمسيحية - أديان الكتاب، كما يطلق عليها أحيانًا- مجموعة مماثلة من الخصائص وتثير مجموعة مماثلة من المشاكل للتعددية.

يعتمد ادعاء هذه الأديان بالحقيقة المطلقة على الأعتقاد بامتلاكها نصوص هي  "كلام الله". وتعتمد جميعها على نظرية الإلهام الإلهي لدعم هذا الادعاء. ويتمثل هذا في مايعرف بنظرية  "الأمر والإملاء" للإلهام، حيث يعتقد بعض اليهود الأرثوذكس أن التوراة قد الهمها وأملاها الله على موسى. وكذلك بالنسبة للعديد من علماء المسلمين، فإن القرآن في شكله ومضمونه وكلماته ولغته (العربية) مصدره حصريًا من الله، مع كون النبي محمد مجرد قناة ناقلة. لذلك يمكن التأكيد على أنه "عند تلاوة القرآن يكون الصوت صوت القارئ والكلام لله".[15] ولدى بعض المسيحيين فهم مماثل للإلهام. أو قد تكون نظرية الإلهام أكثر تعقيدًا في إسنادها النص إلى الله بينما تقبل في الوقت نفسه أن اللغة والشكل والأسلوب هي لغة المؤلف البشري.

قد يكون من المفيد أولاً التمييز بين مفهوم الإلهام ومفهوم الوحي. إن فكرة الحقيقة الموحاة هي أساسًا الحقائق التي كشفها الله والتي لا يستطيع أن يعرفها العقل البشري بطريقة أخرى. هكذا تتحدث مذاهب الثالوث أو التجسد في المسيحية التقليدية عن الحقائق الموحاة. يشير الإلهام، من ناحية أخرى، إلى الاعتقاد بأن الكتب المقدسة التي يعترف بها الدين مكتوبة بوحي من الله. تحتوي– طبقا لرايهم- على مجموعة متنوعة من المعلومات التي كشفت عن الحقائق بالمعنى الدقيق للكلمة. وهي تتضمن تعاليم أخلاقية، معلومات عن الواقع، وأحكام عن ماحدث في التاريخ، إلخ. هناك استنتاجان قويان يتبعان الإيمان بالإلهام: أن كل شيء موجود في مقطع أصيل من الكتاب المقدس هو كلمة الله، وأن كل شيء موجود في مقطع أصيل من الكتاب المقدس معصوم من الخطأ وصحيح تمامًا. هذا النوع من الاعتقاد هو الذي يكمن وراء هجوم الحاخام ساكس على ماسورتي وإدانات التعددية داخل ديانات معينة.

فيما يلي تعريف للإلهام وهو تفسير معياري كاثوليكي للعقيدة:

" الإلهام هو عمل الله الخارق للطبيعة على الكتاب المقدسين الذي تحركوا بموجب أمر الله الذي دفعهم للكتابة وساعدهم عليها، لتدوين الأشياء التي أمر بها، هؤلاء فقط هم من فهم أولاً وبحق قول الله، ثم أرادوا بإخلاص وأمانة أن يكتبوا، فعبروا بكلمات ملائمة عن حقيقة معصومة ...... جميع الكتب التي تتلقاها الكنيسة على أنها مقدسة وشريعة الهية مكتوبة كليًا وبكل أجزائها بإملاء الروح القدس. فمن غير الممكن أن يتعايش أي خطأ مع الإلهام، أن الإلهام ليس فقط غير قابل للخطأ في الأساس، بل يستبعد الخطا ويرفضه تمامًا وضرورةً لأنه من المستحيل أن أن ينطق الله نفسه، وبوصفه الحقيقة العليا، بما هو غير صحيح."[16]

تثير هذه الكلمات (للبابا ليون الثالث عشر) عددًا من القضايا الإشكالية. هناك أولاً قرار بقبول بعض الأعمال باعتبارها جزءًا أساسيًا قانونيًا من الشريعة المستلمة من الكتابات المقدسة  التي تم تلقيها- وبالتالي هي مُلهَمة أومصدرها إلهام. يحتوي كل من  الشريعة أو القانون اليهودي لكتابات العهد القديم، وشريعة أو قانون العهد الجديد على كتابات تم التنازع حولها بين وقت أو آخر، ليس بالضرورة بسبب مضمونها ولكن بسبب الشكوك حول تأليفها أو أصالتها أيضًا. فلا توجد "معايير داخلية" في النص. ثانيًا، هناك سؤال حول ما تعنيه مصطلحات "تحرك" و "دفعت" و"مساعدة" فيما يتعلق بمؤلفي الكتاب المقدس الموحى به. هل تشير ضمنًا إلى نظرية "الإملاء" للإلهام أم أنها تسمح بدور بشري منفصل في التأليف؟ وإذا كان من الممكن اعتبار النصوص الآن معصومة من الخطأ - فهل هذه العصمة لا تشمل المسائل العقائدية فقط ولكن القضايا التاريخية وحتى "العلمية" أيضًا؟ بالنسبة للمؤمن الديني الذي يقبل فكرة عصمة بعض النصوص الدينية من "النص المقدس" وليس جميعها، هل يمكن اعتبار أن هذه النصوص توفر إجابات نهائية للأسئلة التاريخية أو الأثرية حول فتح اليهود لأرض كنعان، على سبيل المثال، أو الأسئلة العلمية حول أصل الحياة البشرية في  الكون؟

يتطلب من فلاسفة الدين في هذه المرحلة إلى الألتفات إلى ثلاث خطوات يتم تشكيلها أو إجراؤها في الأديان الكبرى أو ذات التقاليد المتطورة لفهم  بشكل صحيح ما يُزعم أنه  حقيقة في خطاب ديني معين.

الأول هو ما يمكن تسميته بالهرطقة. فمن المؤكد يوجد في تلك الأديان التي تدعي الحقيقة المطلقة على اساس الكتابات المُوحى بها نزاعات أو خلافات داخلية حول معنى العبارات العقائدية. غالبًا ما يتم توصف عبارات بانها ذات مصداقية لاستبعاد أنواع معينة من الخطأ من خلال القول بأن هذه الطريقة في التحدث عن الله هي الصحيحة بدلاً من أخرى. فعلى سبيل المثال من المشهور والمعروف على نطاق واسع، حُسمت الخلافات ذات الآثار اللاهوتية الكبيرة في تشكيل الكنيسة المسيحية الأولى بتبني كلمة معينة. فقد عارض مجمع أفسس في عام 431 "البدعة" النسطورية بإعلانه أن كلمة ثيوتوكوس والدة الإله (التي حملت بالله) تم استخدامها بشكل صحيح لمريم (بدلاً من الحصر والتقييد النسطوري على كلمة كريستوتوكس – وهو الأسم الأغريقي لمريم). أو مجمع نيقية في 325 م الذي تبنى مصطلح ( Humo-ousias ) الجوهر الألهي كما يصف المسيح، لمعارضة "البدعة" الآريوسية. إن هذه الحركات اللاهوتية هي التي تفسر الكتب المقدسة المعصومة، وتبين التفسيرات الأرثوذكسية وتحرم التفسيرات غير التقليدية.

الخطوة الثانية هي تبني موقف أكثر تطوراً تجاه  الكتابات نفسها. بدلاً من مجرد قبول النصوص كمعطى، يتم إجراء مناقشة تفسيرية معقدة ليس فقط  عن اسس النصوص نفسها ولكن الغرض منها ومعناها. لذلك، على سبيل المثال، إذا أخذنا كتاب سفر التكوين، وبصورة خاصة تفسير الخلق، فمن الشائع تحديد ثلاثة مصادر وتفسيرات متميزة تم دمجها في رواية واحدة: تفسير الـ "J "، وهو الأكثر بدائية و يستخدم اسم يهوى كاسم لله.  تفسير " E "، حيث يُستخدم مصطلح إلوهيم للإشارة إلى الله، والتفسير "P "، وهو تفسير لاحق يعبر عن اهتمامات العنصر الكهنوتي داخل إسرائيل، مفتونًا برموز الأعداد وتتبع تفاصيل القانون والعبادة اليهودية إلى العصور القديمة. تعطينا معرفة هذا  الكتاب؛ بعد ذلك، تفسيرا مختلفًا تمامًا عن طريقة قراءته. كما يقول أحد المفسرين، "أيا كان ... "من يعتقد أن النية الأساسية للمؤلف في كتابه كانت سرد إخبار التاريخ، فإنه سيصل حتمًا إلى بعض الاستنتاجات الخاطئة حول معنى سفر التكوين".[17] '' وبالتالي، هناك بعض الاستنتاجات الخاطئة حول ما هو صحيح وما هو غير صحيح، وماهو خالي من الخطأ في الكتاب.

الخطوة الثالثة هي الإصرار على أن ما هو موحى به وبالتالي معصوم عن الخطأ ليس النص الفعلي أو الكلمات الفعلية بل ما قصده المؤلف أو المؤلفون على أنه معنى الكلمات والعمل نفسه. يصبح هذا أمرًا حاسمًا في تحديد نوع الشكل الأدبي الذي كان يستعمله الكاتب عندما كتب كتابًا مثل سفر أيوب. إذا كان من المفترض أن يكون أيوب تاريخيًا -أيً شخص  موجود فعليا في التاريخ-  فإن الجدل القائم اذن ماذا كان هذا تاريخ حقيقي لأنه موحى به. لكن إذا كان المقصود منها أن تكون قصة مجازية، كتبت في وقت متأخر جدًا من العصر اليهودي ولكن باستخدام حكاية خرافية بدائية مبكرة كإطار لإيجاد نقاش متطور حول مشكلة القدرة المطلقة والمعاناة الإنسانية، فأن هذا هو  المقصد الصحيح  والغاية من سفر أيوب.

كل هذا يمكن أن يجعل الأمر صعبًا للغاية بالنسبة للمؤمن وفيلسوف الدين في محاولة تحديد ما هو ادعاء الحقيقة، بكلمات أخرى ماذا تدعي الحقيقة. ونأخذ مثال على ذلك من العهد الجديد وهو أن العلماء حددوا المدراش كنوع من الأدوات الأدبية التي يستخدمها الكتاب الساميين، وهي قصة تبدو وكأنها سرد وقائعي أو تاريخي ولكنها في الواقع لم يتم تصميمها كتاريخ على الإطلاق بل المقصود بها لنقل رسالة دينية أو أخلاقية معينة. ولكن ما الذي يخبرنا ما إذا كانت قصة الثلاثة حكماء والنجم، في إنجيل متى يقصد بها حقيقة تاريخية أو قصة ميدراشية مصممة لتأكيد النطاق العالمي للتجسد؟ وإذا كان من الممكن تفسير بعض الأجزاء التي تبدو تاريخية أو واقعية من الكتب المقدسة بهذه الطريقة، فلماذا لا يتم تفسير كل أو معظم الادعاءات التاريخية التقليدية للمسيحية مثلا؟

توضح هذه التعقيدات اللاهوتية نقطتين حول التعددية والحقيقة في التقاليد الدينية. أحدهما هي أنه بحكم طبيعة تلك الأديان التي تلجأ الى تدوين مكتوب بوصفه كلمة الله الموحى بها والمعصومة من الخطأ، ستكون هناك عبارات ومذاهب يُزعم أنها صحيحة بينما يُزعم أن البعض الآخر خاطئة. وسيكون هناك عقيدة صحيحة وهناك ماهو هرطقة. والأخرى هي أنه ما لم يكن للتقاليد الدينية مصدر مقبول للتفسير النهائي للنصوص، أو ما لم يتم تبني نظرية شديدة التبسيط للمعنى الواضح للنصوص، فإن نطاق الاختلاف سيكون كبير.

هناك فكرة مثيرة للاهتمام في هذا السياق، طرحها أوغسطينوس، في كتابه " الاعترافات"، وهي أنه يمكن أن يكون هناك تعدد في معاني النصوص، وكلها صحيحة.

عندما يقول شخص ما، "(مؤلف أسفار موسى الخمسة مثلا) " أعتقد أن ما كان يقصده هو ... ويقول آخر، "لا، إن تفسيري هو الذي يمسك بالمعنى المقصود"، أعتقد أنني أستطيع أن أقول، ولماذا لا يكون كلاكما على حق، إذا كانت المعاني التي تقترحانها  صحيحة؟ وإذا كان لشخص آخر أن يقترح معنى ثالثًا أو رابعًا، أو حتى إذا وجد شخص ما حقيقة مختلفة تمامًا في هذه الكلمات، فلماذا لا يُعتقد أنه قد  ميز كل هذه المعاني، وقد استوعب من خلالها كلمات الله المقدسة المفهومة من قبل كثيرين نفسها؛ فمن سيجد أن هناك حقيقية وإن كانت المعاني متباينة؟[18]

لكن لم يقبل أوغسطين التعددية، فلم يوفر مجالًا كبيرًا للتعددية في نص هذه الفقرة، نظرًا للطريقة التي يهاجم بها أوغسطين الآراء الهرطقية واستخدامه الكتاب المقدس لإثبات آراءه.

تقع على فلاسفة الدين بشكل اساس مهمة  فحص العبارات الدينية، سعياً لإثبات حقيقة أو عدم صحة الادعاءات الدينية المقدمة. والأهتمام باثبات حقيقة تلك الأدعاءات أو زيفها، مثل أن هناك كائنًا أعلى، وأن الله يفعل في العالم، وأن النفس خالدة، وما إلى ذلك. وأفضل طريقة للقيام بذلك هي التحليل الدقيق لكلام وعبارات العقائد، وفهمها في سياق نظام المعتقدات المعني. لذلك يجب أن نشك في أي تفسيرات شاملة لمعنى الدوافع والتأكيدات الدينية التي من شأنها أن تجعل الفهم والتحليل التفصيلي للمعتقدات غير ضروريين وتتجاهل المجموعة الواسعة من أنواع العبارات الدينية التي تشكل نظام المعتقد الديني المعني على وجه الخصوص.

من ناحية، هناك نوع من الاختبار لمعنى ملأ المعنى المقترح للعبارات الدينية من قبل الدراسات ذات المنهجية والفلسفة الوضعية وخلفائها (التي ترى أن كل تأكيد مبرر عقلانيا يمكن التحقق منه علميًا أو قادر على إثابته منطقيا وبالتالي ترفض الميتافزيقا). ولكن أحد نقاط الضعف في هذا النهج هي أنه استوعب جميع المعتقدات الدينية في نوع واحد من العبارات ثم اقترح اختبارًا بسيطًا لمعنىيتها. لاحظ باسمور ( Passmore ) هذه المحاولة إزالة العبارات الدينية من اللغة وأعتبر أنه من غير المعقول الأشتراط على أن بعض الكلمات والجمل ليس لها الحق في أن تكون في اللغة. وعلى حد تعبيره، "يشاركون في الجمل ويحصلون على مكان في القواميس، وأن لم يستوفوا الحد الأدنى من متطلبات الدخول ليكون عبارات مفهومة".[19]

برزت حركتان أخريان مؤخرًا في فلسفة الدين. أحدهما الحركة الفيتجنشتاينية الجديدة، التي تبناها فلاسفة مثل دي زد فيليبس أو نارمان مالكولم ( D. Z. Phillips- Narman Malcolm) ، والتي تسعى إلى حماية النصوص الدينية من النقد الفلسفي على أساس أن معايير وضوح والقدرة على الفهم التأكيدات الدينية وحقيقتها حالة داخلية للدين نفسه ولا يمكن انتقادها من خارج "لعبة اللغة". بعبارة أخرى، ضمن ما يُعرف بإيمانية فيتجنشتاين (التي تقوم على العقيدة القائلة بمعرفة تعتمد على الإيمان أو الوحي) ، فإن الادعاء هو أنه نظرًا لأن معايير وضوح النصوص الدينية هي داخلية للدين، يمكن للمؤمنين، بالمعنى الحقيقي فقط فهم معنى المعتقدات الدينية المعنية.  ويلاحظ نينيان سمارت (Ninian Smart):

صحيح أنه يجب أن يكون لدينا خبرة واسعة إلى حد ما في الدين والأنشطة الدينية من أجل الحصول على فهم تقريبي لمعنى الكلام الديني.. ولكن لا يترتب على ذلك أنه لا ينبغي للمرء أن يؤمن بعقيدة ما وفي الوقت نفسه يفكر بطريقة فلسفية من أجل تقديم وصف دقيق إلى حد معقول لما ترقى إليه هذه العقيدة أو أن هذا الاعتقاد سيساعد الفيلسوف بالضرورة. تجعل قوة القناعة الفلسفة تبدو تافهة، في كثير من الأحيان، أو الأكثر خطورة أنها ستغري المرء باستبدال التحليلات  بالدفاع عن العقيدة.[20]

الخطوة الثانية هي إعادة تعريف مضمون العبارات الدينية المعنية. لقد كان من المغري لبعض الفلاسفة أن يستبدلوا التأكيد الديني بنوع مختلف تمامًا من العبارات. لذا فإن تحليل براثويت (Braithwaite) للتأكيدات الدينية كتعبيرات سرية عن نية الفعل وفقًا لنظام معين من المبادئ الأخلاقية التي تحكم "الحياة الداخلية" وكذلك السلوك الخارجي يحيل  عبارات العقائد الدينية إلى مجموعة من القصص التي يتلقاها  المؤمن بترحاب لكنه لا يدعي بأي شكل من الأشكال أنها تمثل الحقيقة.[21] تتمثل الخطوة الأكثر حداثة  ومعاصرة لبعض علماء اللاهوت في التركيز على السلوك بدلاً من العقيدة بحيث تكون السمة المميزة للمسيحي هي السلوك الصحيح–الأرثوذكسي" Orthopraxis''- بدلاً من الاعتقاد "الصحيح– الأرثوذكسي".

قد يكون من الصعب مواجهة عواقب تأكيد الحكم المطلق غير التعددي، واليقين العقائدي، وبالتالي الفعالية الخلاصية. قد يؤخذ البيان العقائدي الراسخ بأنه لا يوجد خلاص خارج الكنيسة - إذا تم تفسيره حرفيًا، لتأكيد أن كل أولئك الذين لا يلتزمون بالإيمان الكاثوليكي ملعونون. كان مجلس فلورنسا (1438-1445) مصرا على أن هذا هو الحال. فلا يمكن لايً شخص أن يبقي أحد خارج الكنيسة الكاثوليكية، ليس فقط الوثنيين، ولكن أيضًا اليهود أو الزنادقة أو المنشقين، يمكن أن يصبحوا شريكاء في الحياة الأبدية؛ أنهم سيذهبون إلى النار الأبدية التي أعدت للشيطان، إلا إذا انضموا قبل نهاية الحياة إلى الكنيسة.[22]

دفع ضغوط التسامح والمسكونية والفطرة السليمة اللاهوتيين إلى تعديل هذه الادعاءات وتغييرها. وهكذا، كانت هناك محاولات لإعادة تعريف أولئك الذين يمكن اعتبارهم ينتمون إلى الكنيسة. يتراوح هذا بين التفريق بين أولئك الذين يحملون إيمانًا كاثوليكيًا صريحًا من أولئك الذين يمكن اعتبارهم مؤمنين ضمنياً،  إلى الاعتقاد بأنه، على الرغم من أنه يمكن إنقاذ المعمدين فقط ، إلا أن "المعمودية بالرغبة" متاحة لأولئك الذين الذين يعيشون حياة خيرة من خلال نورهم الداخلي، الأً أنهم  ليسوا في وضع يسمح لهم بتلقي الرسالة المسيحية. كانت هناك جهود للتمييز بين الأنتماء الظاهر العلني للكنيسة وبين ذاك الكامن؛ كما يقترح كارل رانكر( Karl Rahncr)، لتحديد "المسيحيين المجهولين"؛ وكما يعلق جون هيك على هذا الأمر، "علينا أن نقول أن غير المسيحيين الأتقياء هم، في المعنى الميتافيزيقي، مسيحيين أو مسيحيين دون أن يعرفوا ذلك".[23]

أن تأخذ فلسفة الدين على محمل الجد أدعاءات الحقيقة المتضمنة في التأكيدات والمعتقدات الدينية، وتأخذ في الأعتبار فهم الإلهام وتعقيدات القراءة الصحيحة للنصوص التي يدعي المؤمنون أنها معصومة. تصبح مهمة صعبة على فيلسوف الدين معرفة نوع ادعاء الحقيقة الذي يقدمه الشخص المتدين: ما إذا كان المعتقد المسيحي المعين، على سبيل المثال، في القيامة، يلزم المؤمن ببعض المعتقدات الواقعية أو التاريخية، أو ما إذا كان من الأفضل تفسيره على أنه لا يتضمن مثل هذا الادعاء من النوع التجريبي، كما يؤكد جون هيك. فهناك تعدد في الأصوات حتى ضمن تقليد ديني واحد. ما هو الخيط المشترك الذي يمر عبرالعبارات أو  النصوص المسيحية عن الله مثل "يجب أن نستنتج أن هناك محركًا أول يسمي الله"،[24] "الله موجود بذاته و ... لا يمكن قول أي شيء آخر عن الله باعتباره الله[25] و"الله هو مجموع كل قيمنا، ويمثل لنا وحدتهم المثالية، وقوتهم الابداعية"؟[26] وإذا قمنا بتضمين هذه القائمة في مفهوم الله الذي تناوله المؤمنون "العاديون" او غير رفيعي المعرفة من الناحية اللاهوتية في صلواتهم الالتماسية من أجل الصحة أو الحماية من بعض الشرور، فإننا بالتأكيد نضيف إلى تلك الأصوات المتعددة.

يجب أن تُظهر فلسفة الدين حساسية تجاه سياق التأكيدات الإيمانية والفروق اللاهوتية المتعددة المحتملة في التفسير. إن المكانة المركزية التي تطالب بها العديد من الأديان في مزاعمها بامتلاك الحقيقة، والمتضامنة مع محاولة إثبات مثل هذه الادعاءات بالرجوع إلى نصوص مكتوبة ومُلهمة، تجعل من الصعب الحفاظ على التعددية الدينية. لا يجب أن يؤدي هذا بالضرورة إلى عدم التسامح ما لم يتم التأكيد على أن الخطأ ليس لا له حقوق وأنه يجب تحريمه فقط بل يجب اضطهاده. بالنسبة للمؤمنين الدينيين، لا سيما أولئك الذين ينتمون إلى التقاليد التي يتم فيها تقديم الادعاء بالحقيقة المطلقة، فإن إمكانية التفسيرات المختلفة لنص موحى وبالتالي الصيغ المختلفة والمحتملة بشكل متساوٍ عن العقيدة الأساسية يجب أن توقف أولئك المؤمنين الدينيين الذين يعارضون الذين يختلفون في المعتقدات وبالتالي يرفضون التعددية باسم العصمة.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

........................

[1] Hick, J. and Hebblethwaite, B. (eds.) 1980. Chritianity and Other Religions: Selected Readings. London: Fount paperbacks. p. 177.

[2] Hick, J. and Hebblethwaite, B. (eds.) 1980. Chritianity and Other Religions: Selected Readings.  p. 178.

[3] Race, Al. 1993. Christians and Religious Pluralism. London: SCM Press.

[4] D'Costa, G.1986.Theology and Religious Pluralism:The Challenge of Other Religions. Oxford: Blackwell. 22.

[5] Otto, R. 1958. The Idea of the Holy: an inquiry into the non-rational factor in the idea of the divine and its relation to the rational, trans. by John W. Harvey. Oxford: Oxford University Press. pp.  7, 18.

[6] م، ن، 11

[7] م، ن، 136

[8] Tillich, P. 1955.Ultimate Concern. London: SCM Press.

[9] Toynbee, A. 1953. Christianity among the Religion of the World. New York: Columbia University Press. p. 111.

[10] Hick, J. 1985. Problems of Religious Pluralism. London: Macmillan. 47.

[11] م،ن

[12] م، ن،53

[13] م، ن ، 63

[14] KUng, H. 1986. Christianity and World Religions: Paths of Dialogue with Islam, Hinduism and Buddhism. New York: Doubleday. p. xviii.

[15] Arberry, A. J. 1957. Revelation and Reason in Islam. London: Allen &Unwin., p. 26.

[16]Van, Noort, G. 1961. Dogmatic Theology, Volume 3. Cork: :Mrercia Press. p.70.

[17] Vawter, B. 1957. A Path through Genesis. London: Sheed and ward.  p. 20.

[18] Augustine. 1961. Confessions. Harmondsworth: Penguin., p. 257.

[19] Passmore, J. 1961. Philosophical Reasoning. 83.

[20] Smart, N. 1958. Reasons and Faiths, an investigatim1 of religious discourse, Christian and non-Christian. London: Routledge, Kegan and Paul. p. 17.

[21] Braithwaite, R. B. 1971. 'An Empiricist's View   of   the Nature of Religious Belief’, in B. Mitchell (ed.), The Philosophy of Religion. London: Oxford University Press.

[22] مقتبس من :

Hick, J. and Hebblethwaite, B. (eds.) 1980. Christianity and Other Religions: Selected Readings. London: Fount paperbacks. p. 178.

[23] م، ن .

[24] Aquinas, Thomas. 1952. The Summa Theologica of Saint Thomas Aquinas. 2 volumes, trans. Fathers of the English Dominican Province. Chicago: Encyclopaedia Britannica.p. 57.

[25] Tillich, P. 1951. Systematic Theology, Volume l. Chicago: University of Chicago Press. p. 239.

[26] Cupitt, D. 1984. The Sea of Faith. London: British Broadcasting Company. p. 269.

 

علي محمد اليوسفتقديم: (الفلسفة هي فن تشكيل وابداع صناعة المفاهيم ) جيل ديلوز

مامعنى التموضعية Positionnalite عند الانسان وفي اللغة؟ التموضعية هي تعبير اللغة عن المدركات خارج لغة التجريد بمعنى عدم انفصال الدال عن المدلول الشيئي في تموضع تعبير اللغة عن مواضيع وادراكات العقل كما هو في المعنى الدارج فلسفيا، حيث يكون كل مدرك شيئيء هو تجريد لغوي تعبيري عنه. بعبارة ثانية أن تموضع اللغة في مدركات التعبير عن الاشياء والموضوعات خارج الذهن يفقدها هويتها الخصائصية التجريدية وميزتها المؤنسنة بالنوع كنتاج لتفكيرعقلي يحوزه الانسان ويحتكره دون غيره، وبذلك تصبح موضعة اللغة بالاشياء جزءا من تكوينات تلك الاشياء المادية والموضوعات المفهومية التي تموضعت اللغة فيها من خلال تعبيرها التجريدي عنها. وتخرج اللغة بذلك عن قدرها المحتوم أنها مصادرة نوعية يحتكرها العقل الانساني فقط...وليس معنى هذا أن تموضع اللغة غير الانفصالية بالاشياء أن تلك الاشياء التي تموضعت اللغة بها أصبحت تمتلك خاصية التعبير باللغة عن نفسها كما ينفرد الانسان بهذه الخاصية. بل تموضع اللغة بالاشياء تكون خاصيتها اللغوية في الادراك العقلي لها فقط .

وبذلك فالتموضع الموضوعي يفقد اللغة خاصيتها التجريدية الدلالية عن الاشياء  في تعبيرها الادراكي الذي تنفصل اللغة التجريدية فيه عن الاشياء المدركة ماديا بتوصيفها الموجودات بعد التموضع فيها... ويكون تموضع اللغة متطابقا تماما في الموضعة والتجريد في تعبير اللغة عن مواضيع مفهومية لاشيئية لا ندركها حسيا مباشرا مثل الحب، الاخلاق، المعرفة، الضمير، الوجدان، العاطفة، وهكذا.

فاللغة في تعبيرها عن المفاهيم أي المواضيع غير الحسيّة، هنا تكون اللغة تجريدا تموضعيا تماما في معرفة وادراك تلك المفاهيم وليس تجريدا منفصلا تماما عنها كما هي اللغة في انفصالها التجريدي عن مدلولاتها الشيئية الحسيّة. كل تعبير لغوي عن مدرك شيئي أوموضوع تفكيري يكون تموضع اللغة فيه كمدرك وتجريد انفصالي تعبيري عنه كموضوع جرى التفكير به داخل الذهن لا خارجه..

والحقيقة أن تعبير اللغة التجريدي في كلتا الحالتين الموضعة داخل الشيء والتجريد الانفصالي عنه ليس تعبيرا لغويا تجريديا في حقيقته سواء في موضعة اللغة داخل الاشياء في العالم الخارجي كجزء منها أو في تعبيراللغة المنفصل عن تلك الاشياء في التعبيرعنها تجريدا بخاصية العقل الادراكية وليس بخاصية الموضوع كما هو تعبير اللغة عن المفاهيم غير الشيئية..

كل تعبير لغوي عن شيء هو تجريد متموضع غير منفصل عن موضوعه لا يحتكره العقل وحده في التوّحد به وخاصية متفردة له أوفي الانفصال عنه. بل الموضوع المدرك الحسي التي عبرت عنه اللغة تجريدا متموضعا فيه تصبح اللغة ليست خاصية الفكر التجريدي فقط بل خاصية الشيء الذي تموضعت اللغة فيه تكوينا مدركا ايضا.

بهذا المعنى التموضعي بتوسيط عقل الانسان للغة في فهمنا الاشياء والموجودات والمواضيع تجريدا، يصبح كل شيء في عالمنا الخارجي من اشياء مادية وموضوعات هي لغة تموضعية وليست لغة تجريد انفصالية عنها مصدرها العقل فقط.. فنحن لا نستطيع ادراك أي شيء من غير ادراكنا تعبيرات اللغة التموضعية فيه التي بها نفهمه تجريدا تواصليا .. ...وكل موجود او موضوع مدرك يحمل معه قابلية ادراكه باللغة المتموضعة فيه والتي يكتشفها العقل التفكيري به ولا يمنحها العقل له من خارجه .. فلغة العقل الخارجية لا تمنح الشيء المدرك خصائصه الصفاتية والماهوية الموجودة ماديا فيه قبل تعبير اللغة عنها. كون اللغة خاصية تجريدية متموضعة في الاشياء قبل تعبير لغة العقل تجريديا عن ادراكها...موضعة اللغة بالشيء يعني امكانية التعبير عنه وادراكه لغويا تجريديا.

فتفكير العقل اللغوي المجرد ذهنيا بالاشياء لا يمنحها تموضعها الواقعي باللغة بل يمنحها ادراكها التجريدي، اللغة في انفصالها التعبيري المتجرد عن العقل تخرج عن وصايته عليها في موضعتها الاشياء التي لا يدركها العقل من غير موضعة اللغة بالاشياء والموجودات. اللغة تكون في الشيءالمادي والمفهوم الشيئي ولا تكون آتية من خارجهما. ادراك العقل للاشياء لغويا لا يمنحها وجودها الانطولوجي، بل العكس اللغة المتموضعة في الاشياء تمنح العقل قابلية تعبيره اللغوي ادراكيا لها.

العقل ينتج الافكار واللغة ذهنيا عن موضوع اللغة المتموضعة في الاشياء قبل ادراك العقل لموضوع ادراكه ماديا. بمعنى فهم تموضع اللغة بالاشياء هو ادراكها عقليا بتموضعها كخاصية للشيء وليس كخاصية لغوية له وعنه، وتجريد العقل للغة لا يتم عن فراغ وجودي سابق على هذا التجريد...أي لا ادراك عقلي لموضوع بلا تموضع لغوي فيه ...تكون اللغة في الشيء تحولت قرائيا استقباليا كجزء يحتويها ليس تجريديا تواصليا وحسب بل اصبحت في الموضعة جزءا من تكوين شيئي او جزء من موضوع يحمل معه خاصيته اللغوية المتفردة التي يجري قراءتها وتاويلها وفهمها بما لاحصر له من مجموع المتلقين.

فتصبح اللغة المتموضعة بالاشياء جزءا اوليا متقدما مباشرا من تكوينات تلك المواضيع والاشياء التي يدركها العقل، ولا نستطيع ادراك تلك الاشياء من دون قراءتنا الاستدلالية لتموضع اللغة بها. والتموضع اللغوي لا يفقدها أي لا يفقد اللغة خاصيتها التجريدية في ادراكنا الاشياء التي تموضعت فيها.

فاللغة في جوهرها هي تجريد مدرك غير منفصل عن تموضعه بالشيء، وتكون بذات الوقت اللغة تجريدا غير متموضع منفصلا عن الشيء في ادراك العقل له. بمعنى تجريد اللغة في تعبيرها عن الشيء الحسي وفي نفس وقت تجريدها خصائصيا عن الموضوع الخيالي غير الحسي المستمد من الذهن الذي لا وجود خارجي انطولوجي له في عالم الموجودات التي هي موضوعات المفاهيم غير المادية الحسية.. اللغة المتموضعة في الاشياء المادية هي غيرها اللغة التي يدرك العقل بها تلك الاشياء في التعبير التجريدي عنها..

السائد منطقيا فلسفيا ومعرفيا أن لغة الادراك هي لغة معرفتنا في تعبير التجريد اللغوي عن الموجودات والاشياء المادية المدركة حسيا التي يجب أن يكون ذلك في انفصال تجريد اللغة عن موضوعات ادراكها، كون اللغة خصيصة العقل وليس خصيصة الاشياء والموضوعات قبل وبعد ادراكها، وتكون موضعة اللغة تكوينيا مدركا بالاشياء هي خاصية أدراكنا المفاهيم غير الحسية فقط مثل الاخلاق ،الضمير،العاطفة، الالم، السعادة وهكذا. فهذه المفاهيم هي لغة تجريد مفاهيمي غير حسي قبل أن تكون تعبيرا عن دلالات انطولوجية تتموضع فيها اللغة تجريدا انفصاليا عنها تماما.. فاللغة هنا في تموضعها بمفاهيم غير حسية  هو تعبير عن مدرك غير محدود انطولوجيا ولا يمكن التعبير عنه حسيّا لأنه (مفهوم) مطلق وليس موجودا ماديا محدودا تدركه حواس العقل انطولوجيا بابعاد وخواص المادة. كل شيء مادي يدركه العقل تجريدا لغويا، يختلف تماما في تعبير العقل لغويا عن المفاهيم غير الحسية المجردة انطولوجيا.

اين يكون الاختلاف وكيف؟

فنحن لا ندرك قول المخاطب لنا لفظة حزن أو لفظة حب، او كآبة، او سعادة بغير لغة تعبير عنها تجريدية ليس بمعنى الانفصال التام عنها ادراكيا بل تكون اللغة تجريدية ملازمة لكل مفهوم يتصوره العقل خياليا ولا يدركه حسيا بل يدركه مجردا بدلالة  تعبيراللغة عنه. والاختلاف بين الشيء الحسي في تعبير اللغة الادراكية عنه لا يشترط ملازمة اللغة الدائمية له، على العكس من المفهوم غير الحسي الذي يكون لغة تعبير خالصة لا تحتوي مضمونا حسيا مدركا بغير تعبير اللغة عنه.. فتصورنا الادراكي لكلمة كرسي لا يشبه تصورنا الادراكي للفظة حب مثلا أو ألم. اللفظة في احالتها التعبير عن كرسي تكون اللغة اصبحت من تكويناته المدركة في التعبير عنه والاحساس به، اما عندما نقول كلمة حب فهذا يحيلنا الى اننا لا نفهم ماذا تعني كلمة حب بالانفصال التجريدي عنها، فهي مفهوم لدلالة وليس شيئا عن دلالة كما في لفظة كرسي. اللغة تتموضع في المفاهيم العامة المطلقة اكثر من تموضعها التكويني الادراكي في موجودات الحس المادية.

بالحقيقة مفهومنا الراسخ تداوليا في فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات عن تجريد اللغة بأنها التعبير الانفصالي عن الشيء أو الموضوع المدرك في دلالة اللغة عليه، وما يتمّثله العقل هو صورة الموجودات وليس حقيقتها الانطولوجية في عالم الموجودات مقولة خاطئة اساسا من حيث اللغة في تعبيرها عن مدركات العقل تجريدا تصبح جزءا من موضوعات تلك المدركات وليست لغة تجريد تلازم تفكير الانسان فقط لا تنفصل عنه. اللغة الصادرة عن ادراك العقل لا تمنح الموجودات المستقلة في عالم الاشياء الخارجية وجودها الانطولوجي المتعيّن ادراكيا. بل على العكس العقل يستمد منها لغة التعبير عنها. نحن لا نفهم معرفة الشيء بادراكنا الحسي فقط بل بادراكنا اللغوي الصوري له... ولا توجد لغة تجريد أدراكي بغير هذا الفهم بغياب تموضع اللغة بموضوعها عندما ندرك معرفته بلغة التجريد وليس بادراكات الحواس عبر منظومة الجملة العصبية والدماغ.

من المهم في منحى تموضع اللغة تجريديا الانطلاق من أن التجريد اللغوي ليس خاصية انسانية فقط من حيث تعبير اللغة عن محتوى الاشياء والموضوعات وأنما تجريد اللغة هو خاصية تلازم معرفتنا كل موجود في الطبيعة وعالمنا الخارجي لا نستطيع ادراكه بغير لغة التجريد في حالتي تموضع اللغة به وبالاشياء عامة أو في التجريد المعبّر عنه بانفصالية عقلية عن الاشياء التي لا ندركها الا في لغة التجريد اللغوي التي لا يكون مصدرها العقل قبل مصدر وجود موضوع التفكيرالذي يحمل لغته معه..

خاصية الموضعة اللغوية

وبهذا المعنى يكون التجريد تموضعا لغويا جماعيا وليس خاصية انسان فرد بعينه دون غيره في تعبيره انفصال اللغة عن مدلولها الشيئي المراد ادراكه والتعريف به. تجريد اللغة يلازم كل شخص سوي بعينه منفردا في حين يكون استقبال وتلقي دلالة التجريد اللغوي يتم بتعدد قراءات الفهم الجمعي للاشياء بلا حدود وهي متموضعة لغويا في مدركات العقل لها، أو ادراك موضيع الخيال بتجريد لغوي تكون اللغة التجريدية متموضعة فيها بشكل تام بحيث لا يمكننا ادراك دلالة مفهوم مطللق غير متعيّن وجودا بغير لغة تجريد اعلى عن مستوى لغة تجريد ادراك الاشياء المحسوسة. ولا يتم هذا الا من خلال ادماج التجريد المتموضع بالاشياء مع تجريد العقل الانفصالي في التعبيرعنها..

تجريد اللغة لا يمكن أن يكون وعيا موجودا بلا موضوع مدرك أو شيء تكون اللغة متموضعة فيه قبل قراءة العقل للغة الخاصة به. بمعنى صادم غير مألوف أن اللغة وجود متموضع في اشيائه قبل أن تكون تجريدا لغويا في العقل. تموضع اللغة بالشيء تمنح العقل ادراكه تلك الاشياء ولا تمنح اللغة تلك الاشياء خاصيتها الموجودية..

كل شيء بالوجود ندركه لغويا تجريديا لا يكون الا من خلال تموضع اللغة فيه وليس في انفصال التعبير التجريدي عنه. فاللغة وجود انطولوجي في موضعة الشيء قبل تجريدها بالعقل. كل شيء موجود ندركه في عالمنا ويكون موضوعا لتفكيرنا به هو اولا واخيرا ليس لغة تجريد انفصالية بالعقل عن الموضوع أو الشيء، بل هي لغة تموضع في تلك الاشياء لا تنفصل عنها بلغة التجريد الذي في مفهومه المتداول الدارج هو انفصال لغة الدال عن الشيئي الحسي المدلول. بمعنى التموضع بالشيء لا يلغي تجريد اللغة ادراك موضوعها عقليا في كل الاحوال.

اللغة ليست تعبيرا تجريديا لمعان عديدة تسبح في فضاء لا يمتلك السيطرة عليه سوى وعي الانسان، بل اللغة خاصية لكل شيء ندركه بواسطة اللغة التي تكون متموضعة بالشيء كتكوين خاص به وليست كطاريء ادراكي خارجي عليه منفصلة عنه يتحدد وجوده وادراكنا له باللغة فقط.

ادراكنا للاشياء والمواضيع هو ادراكنا لموضعة اللغة فيها وليس فقط ادراكنا تجريد اللغة لها. والتجريد التعبيري باللغة كخاصية عقلية ادراكية لا يلغي أن اللغة تموضع انطولوجي يلازم جميع تلك الاشياء. حتى معرفتنا كينونة الانسان وذواتنا انطولوجيا لا تكون الا من خلال تموضع اللغة في تلك الكينونة وتعبيرها عنها. وكل هذا لا يلغي بديهية اننا ندرك الاشياء بتجريد اللغة في حالتي الموضعة وحالة انفصال اللغة (الوهمي) عن المدركات عقليا...كل موجود في الطبيعة يحمل موضعته اللغوية التي هي ليست اللغة التجريدية التي يبتدعها العقل عن تلك الموجودات في التعبير عنها.

أن تقول ادركت الشيء معنى أنك استطعت قراءة اللغة الكامنة فيه تموضعيا بلغة التجريد المنبعث عن الشيء وليس ادراكك ما يمليه العقل لغويا عليك مسبقا قبل وجود الشيء المستقل عن ادراك العقل له. وينبعث عنه في توصيف اللغة له تجريدا، وتبقى اللغة تجريدا متموضعا بالاشياء في وجودها الخارجي وتجريدا تعبيريا بالذهن داخليا في تفكير العقل بها.

تموضع الانسان الوهمي

يعتبر يورغن هابرماس هلموت بلينسر هو مؤسس انثروبولوجيا الفلسفة الحديثة في اللغة الالمانية انطلاقا من المستوى البيولوجي للحياة العضوية. وحسب هابرماس يحيل مفهوم التموضعية الى مسألة الجهاز العضوي بحدوده الخارجية ومحيطه، وفي الوقت الذي يكون فيه الانسان لا مركزيا بالاساس، أي أنه يعيش ذاته كمركز لتموضعه الجسدي فهو يتجاوزه ويبقى له أن يحدد بنفسه علاقته بمحيط يوجد فيه، لكنه يتباعد بالنسبة اليه في الوقت نفسه عبر موقف ديالكتيكي اساسا بما أن الانسان لا يعيش الا بقدر ما يسّير حياته، ويبقى الحيوان مركزيا بعدم المجانسة البيولوجية مع الانسان. (ص 62 يورغن هابرماس ، بعد ماركس ت:محمد ميلاد).

في محاولتنا توضيح ما مر بنا في مفهوم هابرماس للتموضعية الفلسفية عند الانسان بعيدا عن تموضع اللغة في المدركات العقلية، نجدها تموضعية بيولوجية تتواصل عضويا على صعيد علاقة الجسد بالاشياء وعلاقة الكينونة بالذات وليس في توسيط اللغة كتجريد دلالي معرفي،التموضع البيولوجي العضوي عند الانسان بالنسبة لحدود وجوده الداخلية والخارجية في مركزية الذات.

يكون التموضع الانساني بالاشياء تموضعا مشتتا لوحدة الهوية الذاتية عبر توسيط اللغة كخاصية تلازم الانسان لاغيره ليس على الصعيد البيولوجي وحده وأنما على صعيد الاغتراب النفسي ايضا في محاولة الخلاص من كينونة محدودية الجسد وتحرره الى ماوراءها وصولا الى التفاعل مع موضوعات العالم الخارجي ومحاولة معرفته والجدل الديالكتيكي الذي يداخله.

لا يفقد الانسان هويته الماهوية العضوية البيولوجية في تموضعه في ماوراء وجوده العضوي كذات نوعية مفكرة تمتلك اللغة. ويكون الانسان لا مركزيا في تشتيته ذاتيته المؤنسنة في موضوعات تموضعه الادراكية خارج حدود جسده وهويته البيولوجية غير المتجانسة مع موضوعات تموضعه بيولوجيا الذي لا يكون الا بوسيلة تجريد تموضع اللغة في ادراكه لذاته وفي ادراكه موجودات ومواضيع المحيط ..

الذات الانسانية لا تكون ولا تستطيع موضعتها بالاشياء والعالم من حولها بغير توسيط اللغة القيام بتلك المهمة، واللغة لا تعتبر في تموضعها الاشياء لغة تجريد انفصالي وصفي عن الاشياء في دلالاتها التعبيرية عنها ، بل التموضع هنا يكون بعلاقة جدلية في التاثير المتبادل بين الذات الانسانية وادراكاتها المواضيع والاشياء. اللغة تجريد تفكيري يتم داخل الذهن فقط، وتكون اللغة تموضعا بالاشياء كتجريد يلازم كل مدرك موجود خارجيا انطولوجيا.

التموضعية خارج حدود الجسد تكون لغوية في منحيين اولهما أن اللغة في تعبيرها عن المدركات المادية للعقل أنما تكون في موضعة اللغة لها، وبذا تفقد اللغة خاصية أن تكون ملكة تجريد ملازمة للعقل الانساني فقط لتكون جزءا تكوينيا من الاشياء التي تدخل معها اللغة بعلاقة تموضعية جدلية تفقد اللغة خاصيتها في تجريد العقل لها وتكون جزءا من الدلالة المتموضعة في شيء لا ندركه ولا نتعرف علية بغير دلالة اللغة المتموضعة به كخاصية له وليست خاصية فهم وتعبير العقل الانساني عنه فقط.. وكما يحمل الانسان خاصيته اللغوية معه، كذلك تحمل كل مدركاتنا من الاشياء والمواضيع لغة التموضع الخاصة بها في تعريفها كموجودات وأستكمال تمام ادراكنا لها...بمعنى أن ندرك الشيء هو أن نعرف قراءة اللغة الكامنة تموضعيا تجريديا فيه.

أما المنحى الثاني من الموضعة اللغوية في مواضيع الادراك الخيالية المستمدة من الذاكرة فيكون في فقدان الهوية الذاتية في خاصية اللغة ملازمتها الانسان قد تلاشت نهائيا في مواضيعها التي تموضعت فيها، والمواضيع الخيالية المعبرعنها لغويا تصبح لغة استدلالية معرفية ولا يكون هناك كينونة موضوعية خارج موضعة اللغة لها. كما يفقد الانسان لغة التموضع بالاشياء والمواضيع ولا تعود اللغة بعد الموضعة ملك الانسان بل خاصية الموضوع الذي تموضعت اللغة به.

وجميع موضوعات التفكير الخيالية هي موضعة لغوية بها و فيها وليست تجريدا تعريفيا باللغة عنها فقط...التعبير عن خيالات الانسان وعن المفاهيم المطلقة انما هو تعبير ادراكي لغوي قائم بذاته ،فتلك الخيالات والمفاهيم ليس لها وجود انطولوجي مستقل عن ادراك العقل التعبير عنه. وكل موضوع خيالي وكل مفهوم ميتافيزيقي لا يدرك حسيا لا وجود له بالواقع في عدم تعبير اللغة عنه. بخلافه وعكسه تماما يكون كل موجود مادي محدود انطولوجيا لا يتوقف وجوده من عدمه في ادراك العقل له ولا في تعبير اللغة عنه. فهو موجود باستقلالية تامة عنهما. ربما يتساءل البعض كيف نتاكد من وجود موجود مستقل عن ادراك العقل له وتعبير اللغة عنه؟ والجواب بمنتهى البساطة فما تدركه انت قد لا يدركه غيرك، وكذلك العكس ما لا تدركه انت كفرد فهو متاح ادراكه لالاف من الناس غيرك. اذن حقيقة وجود الشيء لا يتوقف لا على ادراكه عقليا ولا على تعبير اللغة عنه معرفيا. فوجود الشيء سابق على ادراكه وتعبير اللغة عنه.

موضعة الاشياء وادراكها هو لغة تعبير تصوري عنها كامن فيها يعود لها ولا يخلعها العقل عليها من خارجها أي من خارج مدركاته التعبيرية عنها كمحسوسات. اللغة لا يمتلكها الانسان كخاصية احتكارية في تجريدها التعبير عن مدركات العقل خارج تفكير الذهن، بل اللغة خاصية موجودة في كل شيء نحيط بادراكنا له.

تطابق المجانسة بين الذات وهوية الجسد العضوية عند الانسان لا يلغي أهمية أن يكون الانسان لامركزيا ذاتيا بالنسبة لمداخلته في تموضعاته لغويا بالاشياء والمحيط الخارجي. بينما تبقى مركزية الحيوان ممتنعة عن التموضع في الاشياء الاخرى وموجودات المحيط وتبقى محتفظة بعدم التشتيت الهووي الذاتي، فالحيوان لا يدرك عدم المجانسة العضوية بينه وبين موضوعات ادراكه لذا يكون الحيوان مركزيا ذاتيا في الابتعاد عن الموضعة بغيره من كائنات لا اراديا بحكم الطبيعة البيولوجية النوعية له في محدودية تفكيره الادراكي من جهة وفي اختلافه البيولوجي عن غيره من موجودات الطبيعة في النوع من جهة اخرى.. وهو ما لا ينطبق على الانسان الذي يعي جيدا عدم المجانسة العضوية البايولوجية بينه وبين كائنات الطبيعة الاخرى.. فالحيوان يبقى محتفظا بمركزيته غير المتموضعة في اشياء تحيط به كونه لا يجاري الانسان باللغة وهذا عامل نوعي هام جدا في التفريق بين لامركزية الانسان من جهة ومركزية الحيوان من جهة أخرى. فالتفريق يكون على مستوى تباين النوع في امتلاكه اللغة.

يتبع في ج2

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

احمد عمر النائليخبرتك الحياتية وتوجهاتك الأيدلوجية قد تكون في أغلب الأحيان طريقتك المثلى والوحيدة لتفسير ما يحيط بك من ظواهر، فهي قد تبدو تحصيلاً حاصلاً لا يمكن تجاوزه، رغم أنّها حالة إكراه منك لواقع مختلف، فلا يمكنك وكما يرى توماس كون في أطروحة البردايم The paradigm الخروج من صندوق أفكارك بسهولة، وهذا يذكرني في ذات الوقت بما قاله الدكتور نصر حامد أبوزيد في كتابه "نقد الخطاب الديني" عن رؤية الرأسماليين والشيوعيين للإسلام، حيث رأي الرأسماليون الإسلام رأسمالياً والشيوعيون شيوعياً، فالمقدمات الأيدلوجية قيدٌ محكم لا يمكن تجاوزه بسهولة، وهي تعبر عن حالة الرفض لقبول عدم وجود التفسير، فنحن مضطرون عقلياً ونفسياً لتبني إدراك وتفسير ما يحيط بنا من ظواهر، ومن ثمّ القبول بقالب أيدلوجي شامل يُكره الواقع مؤقتاً، في انتظار استبداله بقالب أيدلوجي آخر، فكل الأفكار والنظريات العلمية يبدو أنها تخضع لمبدأ القابلية للتكذيب Falsifiability كما طرحه الفيلسوف كارل بوبر، فزوالها المحتم في المستقبل يجعل قابليتها للتكذيب أقرب للتصديق .

ربما قد تنطبق هذا المقدمة على الفيلسوف وعالم الاجتماع والنفس السلوفيني سلافوي جيجك Slavoj Zizek، والذي يَعده البعضُ من أهم وأشهر الفلاسفة الأوربيين الحاليين ومن أفضل مائة مفكر في العالم وفق رأي مجلة الفورين بولسي Foreign Policyعام 2012، و صاحب التوجه الشيوعي اليساري المائل إلى المزواجة بين مثالية هيجل ومنهج التحليل النفسي لجاك لاكان، والذي يكِن عداءً للرأسمالية باعتبارها حالة استغلالية تقف ضد الإنسان في سبيل الربح رغم ما أصابها من إصلاحات صنعها الكفاح العمالي والأزمات الاقتصادية .

1749  سلافوي جيجكهو صاحب أول إصدار عالمي فكري حول تبعات أزمة كورونا، والمكون من مائة وعشرين صفحة، والذي أصدره قبل نهاية المائة يوم الأولى لشيوع هذه الجائحة، وتحديداً في الرابع والعشرين من شهر مارس الماضي، متضمناً مجموعة مقالات تتفق مع توجهه الأيدلوجي و الموسوم بعنوان : جائحة كورونا تهز العالم (Pandemic : COVID-19 Shakes the World )، والذي أشار فيه إلى الكثير من الآراء التي أحدثتها هذه الجائحة، والتي تتفق مع توجهه اليساري، والتي من أهمها ومن وجهة نظري أن العالم بعد فيروس كورونا ليس هو العالم قبله، فلقد خلقت هذه الجائحة عدواً مشتركاً للبشرية، يمارس القتل يومياً دون أن تكون لدينا نحن البشر قدرة على مواجهته، ويشبه العدو الفضائي الذي يأتي من خارج الأرض ويبتغي قتل سكانها، وهو ما يجعلهم متنازلين عن بعض حقوقهم وامتيازاتهم في سبيل القضاء عليه . . لقد جعلت جائحة كورونا العالم مضطراً إلى أن يكون متظافراً لمواجهة هذا الفيروس، فلا سبيل لذلك إلّا بهذا النهج، من خلال العمل الجماعي والذي اتضحت فيه طريقة إدارة الصين للازمة وفي تكليف الحكومة الأمريكية للشركات الأمريكية الخاصة بصناعة أجهزة التنفس الصناعي، وفي دفع رواتب العمال وهم نائمون في بيوتهم، وفي مساعدة الدول لبعضها، و توحيد الجهود الدولية في سبيل الوصول إلى لقاح يقي شر هذا المرض، لأن القضاء على المرض في المجتمع الغربي المتقدم وبقاءه في الدول المتخلفة لا يعني توقف متوالية الموت في المجتمعات المتقدمة . وفي هذا الإطار طرح سلافوي جيجك فكرة ظهور الشيوعية العالمية وبشكلها الجديد كبديل للرأسمالية العالمية والتي تمر بأزمة وفق قوله، فهي ضرورة تفرضها متطلبات البقاء وتقوم على مبدأ التعاون والتضامن بين سكان المعمورة لوجود خطر ومصلحة عامة عالمية للجميع، دون أن يكون هناك احتكار لطرف ضد الأخر، بل توحيد جهود الجميع لمواجهة هذا الخطر، حتى يشيع ويفيض السلام بين الجميع لوجود خطر وجودي يهددهم، وهي ليست الشيوعية السابقة بالمفهوم التقليدي، ولكنها حالة جديدة تزيد عوامل الثقة في الناس والعلم، وتزيد من دور تدخل الدولة، بل وقد تؤدي إلى تخلي الرأسمالية عن بعض آليات السوق، فهذه الجائحة خلقت حالة حرب إنسانية طبية ضد الفيروس، ربما ستؤدي إلى نشوء شبكة تضامن صحية عالمية، فلقد كشفت الكثير من عيوب النظم الرأسمالية في مواجهة مثل هذه الأخطار، مثل الفوضى التي حدثت في ايطاليا والتي زادت من حالات العدوى ومن ثمّ الموت، وفي الجهة الأخرى استطاعت الصين أن تفرض التباعد الإجباري ضد مواطنيها، دون أن تكون هناك نداءات شعبية تعتبر ذلك اعتداءً على حريات الناس لوجود حالة الذعر من الموت لديهم والتي تبرر كل شئ، فالتباعد مصلحة فردية ذاتية للنجاة من الموت، مما جعل الصين تتعافى بشكل سريع في ظل الضخامة والكثافة السكانية مقارنة بالدولة الامبريالية الرأسمالية الوحيدة في العالم "أمريكا" وصاحبة الاقتصاد الأول عالمياً، حيث الديمقراطية جعلت الناس يتظاهرون ضد الحبس الاجتماعي، فشهدت أعلى حالة من الوفيات وخاصة بعد فترات لاحقة من صدور هذا الكتاب، رغم أن سلافوي جيجك أشار إلى أن عدم وجود الديمقراطية في الصين أخفى الإعلان عن وجود المرض لفترة طويلة مما فاقم من تأثيره، ولكن مع ذلك استطاعت الصين أن تبرز كقوة بارزة تجيد الإدارة العامة للازمة، وفي هذا الصدد لا ننسى ما قاله حاكم ولاية نيويورك الأمريكية من أن كل شئ تحتاجه أمريكا في أزمة كورونا هو من صنع الصين، فماذا تصنع أعظم إمبراطورية حالياً، وهل هذه النتائج هي مؤشرات لبداية الأفول الأمريكي؟.

إن هذا الطرح وفق رؤية سلافوي جيجك ليس مؤقتاً ينتهي بانتهاء جائحة كورونا بل هو دائم، لأن الأزمات الكونية لن تنتهي، فهناك أزمة المناخ والتي ستبرز و ستؤدي إلى أضراراٍ بشرية كبيرة تستدعي التضامن العالمي، فنحن أمام شيوعية جديدة تصنعها الأزمات الدولية ستحد من الدولة القومية وستفضل مصلحة البشر على الرخاء الاقتصادي، وستزيد من قيود توحيد الجهود العامة والخاصة وتزيد من اهتمامها للعلم باعتباره طوق النجاة من هذه الكوارث، فعندما تقوم حكومة بريطانية محافظة بتأميم السكك الحديدية بشكل فعال، ستذوب الأرثوذكسية القديمة في الهواء كما يقول سلافوي جيجك، ولكن الأجمل أن هذه الشيوعية العالمية لا تعتمد على أنماط اليسار التقليدية حتى لا تُضطر إلى تبرير فشلها السابق، فهي من جانب انبثاق جدلي ديالكتيكي جديد يختلف عن الشيوعية القديمة والرأسمالية، ومن جانب أخر هي طرح يحمل رائحة اليسار القديم لأن المتون لم تتغير .

سلافوي جيجك هو الفيلسوف الشعبي الهزلي والناقد والكاتب السينمائي وصاحب النكات والدعابات السياسية (والتي جُمعت مؤخراً في كتاب) الموجّهة لفضح الدولة الرسمية البرجوازية المحصنة بالقوانين وتبرير ادعاء الحرية، لتكون أداة لتبيان هلامية المجتمع الرأسمالي، والساعي إلى إدراك الظاهرة الإنسانية سياسياً واجتماعياً واقتصادياً باعتبارها منظومة هيكلية واحدة، هو الفاعلية الفكرية التي لا تكتفي بالفكر بل تعمل على توطينه في الواقع وتؤمن بالديمقراطية البعيدة عن سطوة الرأسمالية، والتي شبّه مجتمعاتها في أحد نكاته أنه يوجد بها كل شئ ماعد الحبر الأحمر كناية عن عدم وجود شئ، رغم أن الظاهر العام يوحي عكس ذلك .

يرى سلافوي جيجك أن الربيع العربي قد فشل في بناء مجتمعات ديمقراطية نظراً لاختطافه من قبل المتطرفين الدينيين بالإضافة إلى الدخول في نهج التسويات السياسية بين مراكز القوى، كما أشار إلى بؤس الاتجاه الشعبوي القومي وتأثيره على العدالة في المجتمع رغم أنه أيّد دونالد ترامب في انتخابات عام 2016.

الخلاصة:

...... رغم أن سلافوي رجل أكاديمي في المجال الفلسفي والاجتماعي والنفسي والثقافي، وله أكثر من أطروحة وكتاب: أي أنه مُطّلع على التجربة الفكرية والسياسية للبشرية ولا ينطلق إلّا من خلال مقدمات مبررة، فهو رجل أيدلوجي فلسفي لايكتفي بإنتاج الكتب والمقالات بل يمارس الحضور الدائم في وسائل الإعلام والميادين المناهضة للرأسمالية بفاعلية وجسارة، إلّا أنه ومن وجهة نظري المتواضعة تسرّع كثيراً في طرح هذه المصادرة والتي تبدو وكأنها نتاج قانون تاريخي يُنتج إضطراداً للظاهرة، فلماذا كتب هذه الأطروحة قبل المائة يوم الأولى من أزمة كورونا، فهل استضاءت له هذه البارقة بكل وضوح منذ البداية ومن أول اختبار، أم هي شرارة فكرية تشبه البزوغ الحدسي القاهر و المُقنع والنابع من دليل ذاتي، أليست هذه الجائحة هي حالة استثنائية لا تصلح للتعميم ولن تتكرر دائماً بالتالي لاتخضع للاستقراء الناقص؟ فهي تبدو الاختبار الأول لازمة المناخ القادمة والتي بدأت شرارتها تلوح في الأفق .

هل أساليب التعاون الدولي الحالية تعكس النتيجة التي توصّل لها سلافوي؟، فكم هو حجم المساعدات الدولية المعلنة و التنازلات المغرية التي تمّ تقديمها من قبل الدول الغنية لصالح الدول الفقيرة والتي ستهتدي بنا إلى هذه النتيجة التي تم الوصول إليها، وهل ستتنازل الرأسمالية العالمية المتوحشة عن كل امتيازاتها في سبيل الشيوعية العالمية، فلقد تعلمنا أن الرأسمالية تتلاءم مع كل مشكل جديد ولكن لا يعني ذلك انتفاءها البتة وهذا ما سيحدث مع الوضع الحالي، وهل الشيفونية الوطنية والتي تبدو أنها حالة غرائزية بامتياز ستقبل بالشيفونية الإنسانية، لقد رأينا إيقافاً للدعم المالي من قبل الولايات المتحدة الأمريكية لمنظمة الصحة العالمية وإقفالا للحدود وانطلاقاً لحرب التصريحات ضد الصين، إلى درجة أن الرئيس دونالد ترامب استخدم مرادف الفيروس الصيني بديلاً عن فيروس كوفيد19، وهذا يؤكد أن جائحة كورونا لم توقف الحرب الباردة بينهما بل تمّ استثمارها من قبل أمريكا عند انطلاق الجائحة، ربما يتحدث سلافوي عن أمنياته ورغباته الشيوعية القديمة القابعة في اللاوعي، أو أنه يبحث عن إصدار جديد مُعدل ومُطور عن الماركسية القديمة المرتبطة برأسمالية الحزب الواحد وظروف المجتمع الصناعي وسيطرة طبقة العمال، إلى شيوعية تحترم الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان وتتوافق مع تطلعات المجتمعات الإنسانية باعتبارها قيم مطلقة تُنهي استغلال الأقوياء الذين يقعون تحت وطأة تأثير الرغبة الجامحة في الربح ويصممون على بناء مجتمع دولي يتفق مع هذا النهج، ، إنّ سلافوي يعترف أن اليسار يناضل منذ زمن ليس باليسير ضد الرأسمالية دون وجود طرح فكري جديد بديلاً لها، والتي تُعد أفضل الممكن وفق رؤية فوكوياما البالية والتي تتعارض مع تاريخ تطور الأفكار .

إن استمرار غريزة الاستحواذ والقتل عبر التاريخ وعدم قبول الأخر والتي نراها في المعمورة كسلوك تمارسه المجتمعات المتقدمة قبل المتخلفة منذ القدم، يؤكد أنها سلوك يتوازى مع وجود الإنسان ولن ينتهي مع تقدمه، فهي تخضع لقانون التطور الدائري وليس الطولي، وهذا بالطبع سيمنع أي استدامة لفكرة الشيوعية العالمية إلّا وقت الأزمات العالمية الخانقة التي لا تدوم بالطبع، فحالة الاستغراق في الذاتية وتفضيلها عن الأخر وتقاطع المصالح سيكون واضحاً لدى البشر في أعتى الأزمات، والغريب في الأمر أنه ورغم الازدياد والتطور المذهل لوسائل الاتصال إلا أن العلاقة مع الآخر ليست في تطور نحو الأفضل، فمازال الشعور العنصري متعمق في الذهنية البشرية، بل صارت وسائل الإعلام عارضاً لما هو موجود وليست فاعلاً في تغييره، فمعرفة الأخر ليست كفيلة بتقبله، فسيظل الأخر ليس نحن، فهو المختلف الذي قد يتحول إلى النقيض الذي لا يمكن أن نتفق معه، وهنا لا ننكر قدرة وسائل الاتصال كافة على خلق صورة ذهنية ايجابية عن الأخر بالتالي إمكانية تقبله بسهولة ولكن ذلك هو اليسير ....

 

بقلم / أحمد عمر النائلي

 

 

حاتم حميد محسنمن الصعب معرفة بالضبط ماهي الميتافيزيقا، فهذا ربما ليس السؤال الاول الذي يحتاج للاجابة، خاصة اذا كنا في بداية الدراسة لهذا الحقل، لكن هذا سيكون أشبه بإرسال مستكشف ليرى كيف هو الطريق امامنا.

حب الاستطلاع الطبيعي يدفعنا للتفكير حول ما اذا كان العالم هو مايبدو لنا. في اللحظات القليلة التي نكون بها متحررين من عبء القضايا الدنيوية يأتي هذا السؤال بإلحاح لأذهاننا لمعرفة هل ان العالم هو ما يبدو لنا؟

نحن نعرف ان الاشياء احيانا تكشف عن ذاتها بطريقة ليست كما تبدو لنا، وان هناك اوهام، والاحاسيس ربما تخدعنا. العالم يبدو تشكّل من اشياء مادية ذات استمرارية معينة. ايضا، عندما نلاحظ أي حدث، هذا دائما له سبب آخر، نحن نرى الاشياء لا تختفي الى لا شيء وانها لا تأتي من لا شيء ابدا. العالم يبدو في هذه الطريقة، ولكن هل هذا هو حقا؟ هل العالم نوع من الوهم؟ ماذا يوجد حقا؟ ماهي الحقيقة؟

هذه بعض الأسئلة التي تسعى الميتافيزيقا للاجابة عليها، ماذا يوجد، ماهي طبيعته، ماذا هناك، وكيف يتم ذلك. ماهي السمة الكلية للعالم؟ اسم ميتافيزيقا (ما بعد الطبيعة) جاء في الأصل من تصنيف مكتبي. ارسطو اطلق اسم ميتافيزيقا على النصوص التي جاء موقعها على الرف بعد النصوص المتعلقة بالطبيعة، ارسطو ذاته سمى هذه النصوص بالفلسفة الاولى التي تعطينا فكرة عن كيفية التعامل مع المفاهيم الاساسية للفلسفة.

لو اردنا تلخيص معنى الميتافيزيقا بسؤال واحد سيكون: لماذا هناك شيء بدلا من لا شيء؟ كل الاسئلة في الفلسفة تتجه نحو هذا السؤال كالأنهار التي تتجه نحو المحيط. من الواضح، كما يقول هايدجر "هذه ام جميع الاسئلة". واضح ايضا ان الغالبية من الناس نادرا ما يسألون انفسهم هذا السؤال. في معظم الاوقات التي يجيب بها الناس على هذا السؤال يشيرون به الى القصص الكبرى التي جاءت بها بعض الاديان، اذ يقول الثيولوجي المسيحي، ان الله خلق العالم من لا شيء. وخلافا للدين والثيولوجيا اللذان يؤسسان كل شيء على العقيدة، فان الميتافيزيقا تحاول الاجابة على الاسئلة الاساسية لتضع الاساس لكل ما نعرفه من الاشياء بيقين. في الدين او الثيولوجي يكون السؤال: ماذا اعتقد؟ على عكس ذلك في الميتافيزيقا، السؤال الاساسي يكون ماذا يمكن ان أعرف حول العالم بشكل معقول ومتحرر من الشك. الميتافيزيقا يمكن إعتبارها علما، لكنها تختلف جذريا عن أي علم حديث. نحن نستطيع رؤية الجواب لو نسأل انفسنا عن طبيعة المعرفة العلمية. هل هي حقا معرفة؟ لو قمنا بتحليل مفصل وعلمي لأي ظاهرة معينة، كالصوت مثلا، والذي توضحه الفيزياء كإهتزاز في جزيئات الهواء. كيف ننتقل من ذلك التوضيح الى تجربة الصوت بذاتها؟ معظم ما يعطينا اياه العلم هو فقط وصف دقيق اكثر تفصيلا، لكن كل الظواهر تبدو غامضة كما لو كانت تنتمي للعصر البرونزي. في الظاهر، هدف العلم هو صياغة نظريات بطريقة اقتصادية. هذا يعني ان نصف اكبر ما يمكن من الظواهر بأقل مقدار ممكن من المبادئ. الطريقة الاقتصادية تشبه مبدأ (اوكهام ريزر) القائل ان أبسط توضيح هو الاكثر احتمالا. متى تكون النظرية العلمية صحيحة؟ او ما هي معايير الحقيقة العلمية؟ الجواب هو ان النظرية تكون صحيحة عندما تمكّننا من عمل تنبؤات كمية دقيقة حول العالم. من الواضح ان كوننا قادرين على عمل تنبؤات كمية يعطينا قوة معينة على العالم. نحن نرى في العلم هناك مساواة بين الحقيقة والقوة، او ان الحقيقة هي قوة. النظرية العلمية يمكن النظر اليها كإنموذج للعالم يعطينا امكانية لعمل تنبؤات عنه، وليس من الضروري ان يمثل الإنموذج الوجودات القائمة. يبدو ان اهتمام العلم يتركز على خلق مزيد من السيطرة او القوة على العالم بدلا من المعرفة عنه. لذا لو اردنا امتلاك معرفة حول العالم اين يجب ان ننظر؟ الجواب ربما نجده في الميتافيزيقا . تاريخيا كانت الميتافيزيقا قصد بها توفير اساس لكل العلوم، لكن هدفها الرئيسي هو ان تعطي معرفة حقيقية. بالمعرفة الحقيقية نقصد تقرير ما موجود، ما طبيعته، وجواب لسؤال ماهي الحقيقة؟ الميتافيزيقا تختلف جذريا عن العلم الحديث لكن في اصلها تاتي من نفس المصدر. في بداياتهما الفكر الميتافيزيقي والعلمي لم يكونا مختلفين، وكلاهما انبثقا من الرغبة في توضيح طبيعة العالم وفق مبدأ اساسي او مجموعة مفاهيم اعتُبرت اساسية. هذا كان احد الاهداف للفلاسفة الاوائل والذين ايضا كانوا اول المفكرين العلميين. هم سعوا لتوضيح العالم بطريقة غير اسطورية، ليس كخلق للالهة المجسمة وانما وفق المبدأ الاول او عنصر أساسي. كان من الشائع ان طاليس (624-546 ق.م) هو اول فيلسوف في الفكر الغربي (وهو اول ميتافيزيقي وعلمي لأن هذه الحقول لم تكن منفصلة عن الفلسفة). هو قال ان المبدأ الأساسي لكل شيء هو الماء، او ان كل الأشياء في النهاية تُصنع من الماء. هذا التأكيد الذي بدا لأول وهلة غير واقعي يحتوي على فكرة هامة وهي، ان التعددية في الأشياء هي ظاهرية فقط وان هناك وحدة في كل شيء. في نظرية طاليس للماء كمبدأ أساسي نجد في شكل جنيني فكرتين اساسيتين في تاريخ العلوم والميتافيزيقا: واحدة عن الاختلاف بين ما يبدو وما هو عليه الشيء، والاخرى توضيح العالم على اساس الجوهر وخصائصه. هذه الفكرة في الجوهر كشيء لا يتغير، والذي هو الماء بالنسبة لطاليس، هي شائعة لدى جميع المفكرين ما قبل سقراط. هل لدى مفكري ما قبل سقراط سنجد بداية جميع الأفكار الفلسفية اللاحقة، وايضا الاسس والافتراضات المسبقة للعلم الحديث؟.

مفهوم الطاقة في الفيزياء الحديثة يبدو صدى لهذه الفكرة الاساسية للجوهر. يمكننا القول تقريبا ان كل مفاهيم العلوم الاساسية والميتافيزيقية هي بطريقة ما تتجسد في وسيط جنيني في التفكير الماقبل سقراط. نحن نجد ليس فقط بداية المفاهيم الميتافيزيقية وانما ايضا بداية الطريقة الميتافيزيقية والعلمية. حرفيا، كلمة طريقة تعني الذهاب الى ما بعد، او الطريق الذي يأخذنا لجهتنا المقصودة. نحن نستطيع ان نسأل ما الجهة المقصودة للفكر الميتافيزيقي، او ما هو هدف الدراسة؟ انها لا يمكن ان تكون شيء او صنف من الأشياء لأنها في تلك الحالة ستقع تحت حقل دراسة احد العلوم، وطريقتها ستكون الطريقة العلمية او التجريبية. اذا لم يكن موضوع دراسة الميتافيزيقا شيئا او صنفا من اشياء، فيجب ان يكون ما هو مشترك والذي هو حقيقة وجود تلك الاشياء . الوجود اذاً هو موضوع الميتافيزيقا ولكن ما هي الطريقة التي تأخذنا للاعتقاد بالوجود؟ هذا السؤال حاول المفكر بارمنديس ما قبل سقراط (في القرن الخامس قبل الميلاد) الاجابة عليه في قصيدته الفلسفية حول الطبيعة التي وصف بها طريقتين او مسارين للتحقيق، واحدة طريقة الرأي او المظهر وهي الأكثر شيوعا وحيث تأخذنا الاحاسيس . اما الطريقة الاخرى هي طريقة الحقيقة، حيث نستطيع فقط الذهاب بوسائل استعمال العقل او المنطق. هو يقسم طريقة الحقيقة الى اثنين، واحدة ممكنة :ما هو الموجود، والثانية غير ممكنة: ما هو الغير موجود. بارمنديس يرى الاحاسيس تعطينا فقط معرفة ظاهرة او مضللة. في طريقة الحقيقة هو يستنتج كل شيء من مبدأ تيتولوجي: الوجود ما هو كائن اما اللاوجود فهو ما ليس بكائن . في هذه القصيدة يعبّر بارمنديس في اول عبارة بان "الوجود هو ما هو كائن" اما "اللاوجود فليس كذلك". في نفس الوقت هو يستخدم طريقة في التفكير يمكن تسميتها بـ العقلانية الأصلية، فيها يبدأ من مبادئ بديهية ومن خلال عملية منطقية يستنتج عدد من الافتراضات الميتافيزيقية يعبّر فيها بان ما موجود هو ضروري ومتفرد وبدون بداية وبلازمن وثابت لايتغير.

تفكير بارمنديس كان له تاثر عميق في تطور الميتافيزيقا عبر ادخاله سؤال الوجود والذي يمكن النظر اليه بثلاث طرق: واحدة كحركة ديالكتيكية تعبر عما يبدو المضاد لهرقليطس، اذا كان هرقليطس يقول بان كل شيء في تدفق مستمر، بارمنديس قال ان التغيير هو في الظاهر فقط، وان ما يوجد هو ثابت. الطريقة الثانية هي النية في تحذيرنا من الطبيعة الوهمية للمعرفة التي تعطيها الحواس، وان المعرفة الحقيقية هي فقط التي نحصل عليها باستخدام عقلنا مبتدئين من مبادئ بديهية. الطريقة الثالثة في تفكير بارمنديس هي انكار شيء ما واضح كالحركة، هو يحذرنا من الاشكال الاخرى للوهم مثل وهم العقل. هذه تبدأ من مقدمات صحيحة في الظاهر، ومن خلال العقل نصل الى استنتاجات زائفة بشكل واضح . فلسفة بارمنديس هي نقطة البدء في سؤال الوجود وان جميع الميتافيزيقا اللاحقة هي تاريخ لهذا السؤال. بارمنديس يستخدم ايضا في التفكير الميتافيزيقي مفهوم يمكن تسميته بالعالمين الاثنين، العالم المفاهيمي والذي يُدرك فقط بالعقل والمنطق، والعالم المحسوس والذي يُدرك بالحواس. ان طريقة بارمنديس الثنائية في فهم الواقع اثّرت على افلاطون ونظريته بوجود عالمين، العالم المثالي وهو عالم الحقيقة، والعالم المحسوس وهو عالم الظلال.

في ميتافيزيقا افلاطون، وجود الاشياء هو فكرة الأشكال، هذا يعني ان وجود الموجودات هو شكلها. يرى افلاطون ان العلم المثالي والنموذج للفلسفة هو الهندسة او علم الاشكال. الهندسة هي العلم الذي له قوة ظاهرة يبدأ فيها من فرضيات هندسية بديهية واضحة وبسيطة، تسمى مسلمات، جميع الفرضيات الاخرى تُستنتج منطقيا.

ان محاولة جعل الميتافيزيقا علما له صلابة وطريقة الهندسة كان طموح بعض الفلاسفة مثل ديكارت الذي كان هو ذاته هندسيا ورياضيا . اتخاذ الهندسة كنموذج للميتافيزيقا سيكون مساويا لإيجاد مسلمات ميتافيزيقية اساسية واضحة، ثم الاستنتاج منها منطقيا كل الافتراضات الميتافيزيقية الاخرى.

هذا ما حاول ديكارت عمله في (حديث عن الطريقة)، حيث صاغ مسلمته الميتافيزيقية "انا افكر اذاً انا موجود"وهي الفرضية التي يستحيل معها الشك. فرضية ان شيء ما موجود والذي هو مؤكد هي فكرة ديكارت بان الميتافيزيقا يجب ان تكون علم استنتاجي يبدأ من مبادئ قبلية واضحة. المبادئ القبلية الصالحة هي المبادئ التي لا نحصل عليها من التجربة. الميتافيزيقا لا يمكن ان تكون فقط علم تجريبي لأننا من خلال التجربة نحصل فقط على معرفة عرضة للخطأ والتي لا ترقى الى مرتبة الصلاحية العالمية.

ربما احدى أهم الافتراضات الواضحة والاساسية التي نضعها عن العالم هي ان شيء ما موجود. حالما نعرف ان شيء ما موجود، فان الاهداف الرئيسية للميتافيزيقا هي ان تقرر طبيعته. مع فلسفة افلاطون التي فيها العالم الحقيقي هو العالم المفاهيمي او عالم الافكار، يمكن القول ان ذلك كان بداية النقاش الذي استمر الى يومنا هذا .

نحن نعرف ان العلم الحديث مثل الفيزياء يؤسس كل شيء على مفاهيم مثل المكان والزمان. احدى الاسئلة الميتافيزيقية الرئيسية هي معرفة ما اذا كان الزمان والمكان لهما وجود بذاتهما ام يوجدان فقط في اذهاننا، حيث يكون الوجود عندئذ فقط طريقة لأذهاننا لتنظيم وإعطاء تماسك للمعلومات الحسية. اذا كان المكان والزمان كينونتان غير موجودتان، فان احدى النتائج ستكون ان جميع العلوم تُختزل الى مجرد نموذج للواقع .

الميتافيزيقا على عكس العلوم تحتاج للكفاح لأجل وجودها لأن هناك بعض الاتجاهات الفلسفية مثل الوضعية المنطقية تنكر اي معنى للفرضيات الميتافيزيقية. بالنسبة للوضعية المنطقية، فقط الفرضيات التي تضع تنبؤات عن العالم يكون لها معنى. السؤال هو، هل ان الفرضيات بذاتها تعمل بعض التنبؤات عن العالم.

حتى عندما تُنكر امكاناتها، تبقى الميتافيزيقا هي الحقل الوحيد الذي يستطيع إعطاء رؤية موحدة حول العالم ككل. في زمن الوفرة المفرطة للمعلومات، والنزعة المتزايدة نحو التخصص، اذا كانت الميتافيزيقا ليس لديها اجوبة فهي على الاقل توفر طريقة للتفكير الذاتي النقدي حول ما نستطيع معرفته، ماذا نعرف، وما هي الحقيقة .

 

حاتم حميد محسن

.....................

What is metaphysics?, philosophyessays.org

 

 

زهير الخويلدياستهلال: "نحن كائنات غير معصومة، بالتأكيد في العالم الحي، ليس لدينا في الواقع طريقة أخرى ممكنة للتأكد من حقيقة ما هو حقيقي، الا مناقشة منطقية ومنفتحة على المستقبل"

يورغن هابرماس (مواليد 1929) هو جزء من ذلك الجيل الذي أُجبر في ألمانيا على النشأة في ظل النازية، والذي لم يكن يعرف شيئًا، وقت انهيارها عام 1945، سوى أيديولوجيتها ونظامها. للهيمنة. في بلد مدمر، كان السؤال الملح لهذا الجيل الشاب، في فجر العشرينات من عمره، هو كيفية إعادة بناء مجتمع وسياسة على أسس غير تلك القائمة على الإكراه والعنف والهيمنة - التي كانت في قلب البربرية النازية. يُعد فكر يورغن هابرماس، المعروف من بين عقول أخرى لمفاهيمه عن "الفضاء العام"، و"الفعل التواصلي"، و"العقل الجمهوري"، و "الديمقراطية التداولية"، أحد المساهمات الرئيسية في النظرية الاجتماعية والسياسية المعاصرة وكذلك في نظرية ايتيقا النقاش والتواصل. وبالمثل، فإنه يغذي بشكل حاسم تيار النظرية النقدية (لمدرسة فرانكفورت)، التي بدأت في عشرينيات القرن الماضي من قبل مجموعة من الباحثين المجتمعين حول معهد البحوث الاجتماعية - بما في ذلك ماكس هوركهايمر، وثيودور و. أدورنو، والتر بنجامين، وهربرت ماركوز، ليو لوفينثال، سيغفريد كراكور. منذ كتاباته الأولى، أعطى يورغن هابرماس مكانة مركزية لمفهوم العقل، مؤكداً على مكوناته، الأخلاقية والسياسية على حد سواء، وكذلك البعد الاجتماعي والتاريخي. واعتبر أن تطوراته النظرية هي جزء من فكر يقع على مفترق طرق التخصصات المتنوعة مثل الفلسفة الاجتماعية والسياسية وعلم الاجتماع وعلوم الاخبار والاتصال والاعلام والإعلامية والتقنية وعلم اللغة ونظرية المعرفة والقانون ونظرية الدولة والتحليل النفسي، علم النفس التنموي، إلخ.

تم نشر فكر يورغن هابرماس منذ خمسينيات القرن الماضي حتى اليوم، على مدى أكثر من ستة عقود، في شكل مساهمات نظرية بالإضافة إلى تدخلات عامة في الفضاء العام السياسي والإعلامي الأوروبي والأمريكي. وإذا كان من الصعب تلخيص فكره في عدد من الأفكار، فمن الممكن - من زاوية سؤال الجمهور - تحديد الفترات الرئيسية، التي تتميز بها أعمالها الثلاثة الرئيسية: الفضاء العمومي (1962)، نظرية الفعل التواصلي (1981 أ، 1981 ب) والحق والديمقراطية (1992). تتميز الفترة الأولى بتطوير نظرية عن الفضاء العمومي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمفهوم الكانطي للعقل، والذي يتتبع يورغن هابرماس، كعالم اجتماع ومؤرخ، المصير التاريخي والاجتماعي. تتميز الفترة الثانية بامتداد هذه التطورات في مجال نظرية اللغة والتواصل الاجتماعي، وأساس نظرية العقل بين الذات الراسخة في فهم اللغة ومبدأ المناقشة. على هذه الأسس، طورت الفترة الثالثة نظرية حول حكم القانون و"الديمقراطية التداولية"، وكان محورها هو الوسيط القانوني. على هذا النحو تعبر أفكار الجمهور والفضاء العام والسياسة التداولية، كشرط لتشكيل جماعي للإرادة الديمقراطية، هذه الفترات الثلاث، وتقدم نفسها كمفاهيم أساسية لنظرية هابرماس.

1-  الفضاء العمومي:

"يظهر جزء من الفضاء العمومي في كل محادثة يجتمع فيها الأفراد معًا لتشكيل جمهور. يتصرف المواطنون بصفتهم العامة عندما يتداولون في المسائل ذات الاهتمام العام دون قيود - مع ضمان حرية التجمع وتكوين الجمعيات وحرية التعبير عن آرائهم ونشرها. يتطلب هذا النوع من الاتصال، لدى جمهور كبير، وسائل لنقل المعلومات والتأثير على من يتلقونها. اليوم، الصحف والمجلات والإذاعة والتلفزيون هي وسائل إعلام المجال العام ".

بهذه الكيفية تميز فكر يورغن هابرماس جذريا عن هذه التجربة البربرية النازية وافترق عن غيره بهذا المطلب الأخلاقي والسياسي لإعادة البناء الاجتماعي. كان هناك القليل من الشك في عينيه في أن ملامح إعادة الإعمار هذه يجب أن تكون سمات الديمقراطية ومشاركة المواطنين والحريات المدنية. لم تقض البربرية النازية فقط على الحريات المدنية، وأزالت شروط ممارسة الاستقلالية الفردية، بل قضت أيضًا على فكرة الثقافة المفتوحة والفضاء الخطابي غير الخاضعين للسلطة الشمولية. إنها عودة حاسمة إلى المبادئ المعيارية للحداثة البرجوازية الناشئة والليبرالية السياسية التي يعمل بها يورغن هابرماس، من منظور مادي ونقدي على حد سواء، من خلال الاعتماد على حدس معين موجود بين زملائه في مدرسة فرانكفورت (ثيودور دبليو أدورنو، ماكس هوركهايمر، هربرت ماركوز). في هذا السياق، اكتسب المفهوم الكانطي للعقل النقدي والدعاية التنويرية أهمية حاسمة في تفكيره. طور إيمانويل كانط فكرة "الاستخدام العام للعقل" ردًا على السؤال "ما هو التنوير؟ »(كانط، 1784). تصور إيمانويل كانط منطق الأفراد العاديين الذين يتجمعون في جمهور، حيث يفكر الجميع بطريقة ما بصوت عالٍ ويتوصلون إلى اتفاق من خلال اللغة، كعملية ضرورية لتشكيل مجتمع عادل ومصير مشترك. يتيح مبدأ العقل، الذي يقع في صميم هذه الفلسفة، إمكانية توحيد الوعي في الفهم، والتعبير عن الأخلاق والسياسة، والربط بين الخاص والجمهور، وتصور تحول جماعي وفقا للعقل. وفقًا لهذا المبدأ، يجب أن يخضع قانون الدولة لاختبار العقل العملي، ولكي يكون القانون عادلاً، يجب أن تتم الموافقة عليه علنًا. وبالتالي، فإن ممارسة السرية، التي بنت عليها الدول المطلقة هيمنتها، قد تحطمت. يجب أن تقوم السلطة السياسية والتشريعية على إرادة الشعب، التي أساسها إجماع بين الناس لاستخدام عقلهم علانية. وفقًا لإيمانويل كانط، فإن العدالة و"الأغراض العامة للجمهور" لا تنفصل عن الدعاية. ومع ذلك، لا يمكن تحقيق مبدأ تقرير المصير هذا إلا إذا استخدم المشاركون بالفعل منطقهم في المناقشات العامة، والتي تعمل في نفس الوقت على التحكم العملي في خدمة الحقيقة والعدالة.

باختصار، يفترض المبدأ الكانطي للعقل أولاً أن الأشخاص مستقلين، وأنهم يشكلون بحرية ودون قيود حكمًا على مسائل المصلحة العامة؛ بعد ذلك، أن يشكل الأشخاص أنفسهم علانية من أجل صياغة بيانات وأحكام تدعو إلى تقييد السلطة السياسية؛ وأخيراً، أن تكون قرارات الأخيرة في شكل قوانين خاضعة للنقاش والموافقة من قبل هذا الجمهور، مما يضمن شرعيتها. إن مبدأ العقل النقدي والدعاية التنويرية هذا هو أساس مفهوم هابرماس للفضاء العمومي. إنه يرى الذات البشرية كحيوان سياسي - وفقًا لصيغة أرسطو - أي كائن يتشكل ويتحقق فقط في "ثقافة عامة، مشتركة بين الذات مع نظرائها، والتي لا تطور مهاراتها. السماح للشخص بأن يصبح شخصًا فقط بفضل اندماجه الأصلي في شبكة عامة من العلاقات الاجتماعية. نحن البشر نتعلم من بعضنا البعض، يؤكد يورغن هابرماس. وهذا ممكن فقط في الفضاء العام الذي تنتجه بيئة محفزة ثقافيًا. هذا الإصرار على البعد الاجتماعي يبعد يورغن هابرماس عن النظريات الليبرالية والفردية. إن تركيزه على الجمهور كعملية من التكوين الذاتي والعملي يبعده عن نظريات المجتمع. في هذا التراث يجب أن يُدرج مفهومه عن الجماهير. ومع ذلك، مع مبدأ العقل النقدي والدعاية التنويرية، نحن بعيدون عن فكرة "الفضاء" بالمعنى المكاني، كما توحي الترجمة الفرنسية للمصطلح. لأن تعبير "الفضاء العمومي" غالبًا ما يستخدم بالفرنسية للإشارة إلى الأشكال الملموسة للمساحات غير الخاصة (الشارع، السوق، المباني العامة، إلخ). على العكس من ذلك، يعطي يورغن هابرماس هذه الفكرة المعنى الكانطي لعملية تؤثر على "أن تصبح عموميا"، حيث يتم تجاهل المصالح الخاصة أو الشخصية للذات. على عكس المعنى المكاني، يشير مصطلح قبل كل شيء إلى حركة "النشر" والدعاية، وهي عملية "أن تصبح عمومية"، وهي ديناميكية مشتركة للفهم يحكمها العقل. هذا هو المبدأ الذي يتبناه المفكر لنفسه في عمله . هناك، أسس مفهومًا معياريًا للتنظيم الذاتي الديمقراطي للمجتمع، من خلال بناء جماهير نقدية قادرة على الحكم والخطاب السياسي والعقل التداولي.

إلى جانب عمله في الفضاء العمومي منذ منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، شارك يورغن هابرماس كباحث شاب في استطلاعات الرأي في فرانكفورت. ركز عمله التجريبي في ذلك الوقت على عملية نزع النازية وإعادة البناء الديمقراطي في ألمانيا. على وجه الخصوص، كان الباحثون يدرسون احتمالات إعادة نشر المشاركة السياسية والمدنية ضمن حكم القانون الديمقراطي المعاد بناؤه، وتجريده من جوانبه الاستبدادية. وصل هذا البحث أيضًا إلى طرح سؤال حول دستور الموضوعات الديمقراطية، القادر على تنشيط الرأي العام السياسي دون الاستبداد - وتطهير بقايا الأيديولوجية النازية - لإيجاد مسار النقاش الديمقراطي والتعددية و المشاركة السياسية والتكوين الديمقراطي للإرادة الجماعية. في هذا السياق، مع ظهور جيل جديد، لا تنازل عن النازية ولا مسؤول عنها، يُظهر يورغن هابرماس ثقة معينة في قدرته على المساهمة في إعادة بناء مجتمع ديمقراطي.، في ضوء المبادئ الأخلاقية القائمة على المشاركة السياسية لجمهور فاعل. هذا لا يمنعه من أن يرى في العمل، في هذا السياق الجديد، آليات قوية للمصادرة السياسية تتميز بميول لسرقة الأسئلة العملية للمجال العام لصالح دولة تكنوقراطية تتجاوز الجميع. مشاركة المواطنين، حتى معادية لهذه الأخيرة. هذا الاهتمام بأشكال مصادرة "التكوين الجماعي للإرادة" من قبل سلطة سلطوية يتخلل كل أعماله. في ستينيات القرن الماضي، قدمت تعهدات ضد تقليص التكنوقراطية في النشاط السياسي، محولة الأسئلة العملية والسياسية إلى أسئلة تقنية. في السبعينيات، كانت الدافع وراء عملها على أزمة الشرعية في مجتمعات "الرأسمالية المتقدمة" وكذلك الميول نحو "استعمار العالم الحي" من خلال أنظمة الاقتصاد والسلطة. في الثمانينيات، كانوا موضوع بحث متعمق حول دور القانون كوسيط بين "النظام" و "العالم الحي" داخل "المجتمعات المعقدة" المرتبطة بعملية الشرعية من خلال الممارسات الاتصالية الفضاء العام. لقد نشأت هذه الأسئلة في الفضاء العام من خلال تحليله لانحدار المجال العام البرجوازي و "إعادة الإقطاع". في ضوء المبدأ المعياري للإعلان، يصنع يورغن هابرماس علم الاجتماع التاريخي عنها من خلال وصف عملية تكوين المجال العام البرجوازي من ناحية، وعملية تحللها من ناحية أخرى. وفقًا لتحليله، تم تشكيل هذا الأخير بفضل مشاركة الموضوعات المستقلة في فضاء من النقاش حيث يتم دفع الجميع إلى صياغة أحكام من خلال مناقشة الأسئلة المهمة. تفترض مثل هذه العملية تصورًا عقلانيًا ونقديًا للثقافة، بالإضافة إلى وسائل اتصال غير متلاعبة تسمح بتكوين الجماهير من خلال "الاستخدام العمومي للعقل". لأنه، يؤكد المؤلف. وبالتالي، فإن الفضاء العام يعني "مجال الحياة العامة للنشاط الاجتماعي المضمون لجميع المواطنين، والذي يمكن من خلاله تكوين رأي عام". في الفضاء العام، يتابع يورغن هابرماس مشروع استعادة المصير التاريخي للفئة الكانطية للعقل التنويري، من التكوين التاريخي للمجال العام البرجوازي حتى تراجعها خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. في رأيه، فإن تخريب مبدأ الدعاية النقدية لصالح الإعلان المتلاعبة يشير إلى ذبول مبدأ الإعلان وتراجع الفضاء العام البرجوازي. وبينما توقعت علاقات التبادل بين الملاك الأفراد الذين كان من المفترض أن يكونوا متساوين، أدى النموذج الليبرالي إلى تركيز غير مسبوق للقوة الاقتصادية والاجتماعية في أيدي قلة. أدى ذلك إلى خلق روابط التبعية والهيمنة التي أصبحت في وقت من الأوقات غير محتملة بالنسبة للمجتمع . تحت تأثير تناقضاته الخاصة، انهار النموذج الليبرالي، تاركًا فراغًا تم ملؤه من خلال تدخل الدولة المتزايد، من النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ثم انهار الفصل بين الملكين الخاص والملك العام، الذي كان مكونًا للنموذج الليبرالي للمجال العام البرجوازي. قبل كل شيء، تآكلت الوظيفة الحاسمة للإعلان، بمعنى الاستخدام العام للمنطق، لصالح "إظهار" القوة المتزايد، بحثًا عن "التزكية" الجماعية وليس المناقشات النقدية. عندئذ يصبح الجمهور الناقد والمتأمل جمهوراً "تابعاً" وغير مبالي. في حين أن الإعلان "كان يعني في السابق إزالة الغموض عن البعد السياسي في المحكمة من أجل الاستخدام العام للعقل؛ الإعلان اليوم هو المحتوى لتراكم سلوكيات الاستجابة التي تمليها الموافقة السلبية. يضاعف المبادرون المؤثرون استراتيجيات التمثيل والمكانة لكسب دعم "العملاء"، بدلاً من تقديم الحجج التي تستهدف الجمهور الناقد باستخدام العقل. إن "ثقافة الشمولية" هذه تُخضع الفرد للالتزام الطائش. في عملية "إعادة الإقطاع" في المجال العام، تلعب وسائل الإعلام دورًا رئيسيًا - في شكل وسائل الإعلام، لأنها تشجع الأفراد على التمسك بالعلاقات الاجتماعية القائمة، دون الخوض في ممارسة التفكير النقدي.

2-  الفعل التواصلي:

في عمله عام 1962، جاء المؤلف لملاحظة تصفية الجمهور مستغلًا أسبابها لصالح "إعادة تشكيل" الفضاء العام، وفقًا لمخطط ديالكتيكي للتحلل التاريخي للفضاء العام. الفضاء العام. هذا النموذج يتبعه نموذج آخر في كتاباته في نهاية الستينيات، حيث لم تعد المراحل التاريخية هي التي تعارض (الجمهور النقدي مقابل الجمهور التابع)، ولكن منطق الفعل وأشكال التبرير. وهكذا يميز يورغن هابرماس عملية "عقلنة رمزية" تؤثر على المعايير واللغة حيث يترك عالم التقاليد (السحر والأساطير والدين وما إلى ذلك) بعده المقدس مصنفة حسب الفعل اللغوي، في شكل استجواب منهجي. يحرر هذا التبرير مساحات جديدة، مفتوحة الآن للغة والتفسير، مما يساهم في ظهور جماهير نشطة وناقدة تتحدث عن تعريفات العالم والمعايير التي يقوم عليها. على العكس من ذلك، هناك شكل آخر من أشكال التبرير يتكشف، ذا طبيعة تقنية هذه المرة، والذي يعمل في عالم الاقتصاد والقوة. يتضمن ذلك حساب وسائل وغايات الإجراء من خلال البحث عن أفضل خيار بموجب معايير الأداء. إذا كان الترشيد الرمزي يساهم في توسيع نطاق الجمهور والمهام اللغوية التي تقع على عاتقه (التعريف التواصلي للمعايير والمواقف)، فإن تفجير احتياجات فهم اللغة، والعقلنة التقنية، تقصير الدوائر اللجوء إلى اللغة من خلال عملياتها المنهجية للحساب ومعيارها للكفاءة الآلية، وبالتالي تقليل أي مساحة للتنسيق إلى استراتيجية وأداء فعالين. بالنسبة لهذين الشكلين من العقلانية، يعارض يورغن هابرماس أيضًا شكلين من أشكال التمثيل، والذي يصفه بأنه تواصلي عندما يتعلق الأمر بمعايير ورموز فهم اللغة، والأداتية عندما يتعلق الأمر على الأشياء والعلاقات وفقًا للاستراتيجيات ومعايير الأداء الوظيفية. يُظهر الفيلسوف كذلك أن المجتمعات الحديثة تُنظم بواسطة شكلين مختلفين من التنسيق بين الموضوعات الاجتماعية، اعتمادًا على ما إذا كانت تندرج تحت "النظام" (الاقتصاد والسلطة) أو "العالم الحي" . العمل وفقًا للغة يعني الاتفاق على المعايير التي تحكم عالم العمل، والتنسيق عن طريق تعبئة الرموز التي يتم استنساخها في نفس الوقت من خلال هذا التنشيط. للعمل وفقًا لأشكال منهجية للتنسيق، فإنه يعني الاستغناء عن اللغة والحاجة إلى التوافق عن طريق وسائل الاتصال، والتي تتعلق بتعريف العالم الذي تعيش فيه الموضوعات وكذلك التوجهات المعيارية التي تبنيها. البعد الرمزي والاجتماعي. إذا كان النشاط العادي يحدث على المستوى المنهجي بقدر ما يحدث على مستوى التواصلية، فإننا نشهد "استعمارًا للعالم الحي" من قبل النظام، عندما يتعدى الأخير على النشاط اللغوي والتنسيق، حتى جعلها غير ضرورية . يشير هذا إلى اختفاء الجماهير التي يستخدم أعضاؤها اللغة في الاتفاق والحجة على حد سواء، لتحديد الاتجاهات المرغوبة للعمل. منذ ذلك الحين، أصبح العالم الاجتماعي كونًا باردًا وغير مبالٍ، يسكنه عمليات مجمدة في الأوتوماتيكية التي تتشكل بفضل أداء النظام وحده. سيكون التواصل اللغوي فقيرًا لدرجة أن "إعادة الإنتاج الرمزي" للمجتمع ستكون مهددة . وهنا يكمن السيناريو الكارثي لتصفية الجمهور والتشكيل الجماعي للسلطة السياسية، لصالح عالم موحَّد تحت تأثير مقتضيات "النظام"، والسلطة الإدارية، والاقتصاد.

3- ايتيقا النقاش:

في مواجهة هذه الصورة المجنونة لاختفاء الفضاء العام تحت تأثير "النظام"، تابع يورغن هابرماس - منذ الثمانينيات - تفكيره في القانون كوسيط تنظيمي بين "النظام" و "العالم الحي". ". وفقًا لهذا المفهوم، ينبثق القانون من العمليات المتعارضة وعمليات الفهم الناشئة عن العالم المعاش، لتأسيس نفسه في مجموعة النصوص القانونية والقوانين المستقرة نسبيًا. على هذا النحو، فإنه يعرض خصائص "العالم الحي" وخصائص "النظام". وبهذا المعنى، فهو أوجد فئة وسيطة لتنظيم الحياة الاجتماعية والحد من سيطرة النظام على العالم الحي. في 1992، طور المؤلف تحليلًا للعلاقة بين الجمهور المنظم في شكل مجتمع مدني والنظام السياسي المحصور في ساحات السياسة التمثيلية. التأكيد مرة أخرى على الدور الرئيسي للفضاء العام، والذي لا يراه كمؤسسة ولا كمنظمة، ولكن باعتباره "ظاهرة اجتماعية" ذات "آفاق مفتوحة ومتنقلة تسمح بالاتصال المحتويات والمواقف ومن ثم الآراء، اعتبر أن الارتباط بين المساحات العامة غير المنظمة للنقاش الحالي، يؤدي إلى تدفقات كثيفة من الاتصالات التلقائية، والمجالات المؤسسية الممنوحة سلطة اتخاذ القرار. يتمثل التحدي الذي يواجه المجتمع الديمقراطي في النجاح في ضمان وجود تعددية للأماكن العامة، متباينة ومتعددة، مع التمكن من إيصال هذا التنوع في الأصوات إلى الفضاء السياسي المؤسسي والضغط على "السلطة الإدارية". تعتمد شرعية القرارات التي تتخذها السلطة السياسية وحيوية الديمقراطية على التفاعلات بين هذه المساحات. وتستند هذه الشرعية إلى إجراء تم نشره داخل المجال السياسي العام، يجمع الآراء المعبر عنها في مختلف الساحات. يعتمد على هذا الإجراء شرعية النظام السياسي الديمقراطي. مع فكرة "السيادة الإجرائية" هذه، أعيدت صياغة نظرية الفضاء العام في إطار "المجتمعات المعقدة" وسيادة القانون، وترسيخ نفسها في إمكانية العقلانية المكرسة في ممارسات اللغة العادية. وفقًا للنظرية المعيارية للمؤلف حول الديمقراطية التداولية، يجب أن تكون الأسئلة التي تتم مناقشتها وموضوعها في الفضاء العام (خاصة من قبل الحركات الاجتماعية) قابلة للترجمة إلى تعبيرات ومقترحات ضمن المجالات السياسية الخاصة بالنظام الديمقراطي، لتحقيق إعادة تشكيل الحق إذا لزم الأمر. ولكن للقيام بذلك، يجب أن تضمن السلطة السياسية شفافية معينة في مناقشاتها وقراراتها، من خلال السماح للجمهور بالتعرف على الأسئلة التي تطرحها السلطة، والتعبير عن آرائهم. كما يجب أن تكون الجماهير المنظمة ودينامياتها الخطابية قادرة على تكوين "قوة تواصلية" كما يؤكد يورغن هابرماس، مما يجعل من الممكن التأثير وتعديل الأحكام القانونية المتعلقة بمشكلة تم تحديدها وإنشاؤها داخل الأماكن العامة المعنية. يظهر الفضاء العام على أنه "لوحة سبر" قادرة على تمرير المشاكل الناتجة عن ضغط أنظمة الاقتصاد والسلطة الإدارية على وجود المواطنين - مشاكل تسبب الإحباط والمعاناة، وميزة الاتصال الجماهيري هي توليهم المسؤولية والتعامل معهم. وهكذا يضع المفكر موضوعًا، من خلال استلهام مفهوم حنة أرنت للسلطة، على "القوة القائمة على التواصل"، التي تستند إلى "حريات الاتصال للمواطنين" وعلى "الاعتراف" بين موضوعات ادعاءات الصحة "، في أفعال الكلام التي تتم صياغتها في الأماكن العامة غير الرسمية. تُمارس هذه السلطة الاتصالية في مواجهة السلطة المُدارة من أجل "تأكيد ضروراتها" وتحويل نفسها إلى سلطة صنع القرار السياسي. في دولة القانون، تستجيب هذه السلطة لمطلب ربط النظام الإداري بالسلطة التشريعية القائمة على التواصل، مع حمايته من القوة الغاشمة لـ "القوة الاجتماعية لتدخل المصالح المتميزة.

4-  دور وسائل الإعلام العمومية:

لذا فإن نموذج "الديمقراطية التداولية" يعني وجود جماهير قادرة على النقد والحكم والتداول. كما يتضمن مفهومًا معياريًا لوسائل الإعلام والصحافة، من المفترض أن يضمن دور المعلومات والمعرفة، مما يجبر من هم في السلطة والهياكل الإدارية على أن يكونوا مسؤولين ويبررون أنفسهم في الفضاء العام، تصور يورغن هابرماس الصحافة على أنها "مؤسسة بامتياز" للمجال العام: كانت المنظمات الصحفية الأولى امتدادًا لمناقشات منطقية داخل المجال العام البرجوازي، أي حفز الوسطاء المناقشة العامة. في طليعة النضال من أجل حرية الرأي العام والدفاع عن مبدأ الدعاية، في مقابل الرقابة وممارسة السرية، ترتبط وسائل الإعلام ارتباطًا وثيقًا بديناميات الفضاء العام. ويتمثل دورهم في ضمان الظروف لتكوين جماهير مستنيرة ومستنيرة، قادرة على التعرف على الموضوعات والقضايا التي تهمهم، ومن ثم تشجيع التشكيل الديمقراطي للإرادة الجماعية. لذلك فإن وسائل الإعلام لها دور في المعلومات والثقافة وتدريب الجمهور القادر على ممارسة عقله النقدي، وبالتالي أيضًا إعادة تشكيل القواعد المعيارية للسلطة السياسية. ولا يمكن لوسائل الإعلام أن تؤدي هذا الدور إلا إذا تم تأطيرها بواسطة أنظمة قوية من القواعد والمبادئ المعيارية، مما يجعل من الممكن وقف عملية تسليع المحتوى والحد من مخاطر رؤية إنشاء "قوة إعلامية". تحت الضغط الاقتصادي، يميل مجال المعلومات إلى تحويل نفسه إلى ترفيه، حيث يسود منطق "الصناعة الثقافية" كما أوضح ثيودور دبليو أدورنو وزملاؤه. يؤكد يورغن هابرماس بثبات، منذ كتاباته الأولى حتى خطاباته الأخيرة، أن الطابع التجاري والخاص لشركات الصحافة، وتركيزها الاقتصادي، يمثل "تهديدًا للمجال العام"، على الرغم من أنه كان كذلك في الأصل. تتابعه الذي لا غنى عنه. "بينما كان بإمكان الصحافة في الماضي أن تقتصر على لعب دور الوسيط والمحفز في استخدام الأشخاص العاديين الذين يشكلون الجمهور لعقلهم، فإن الإعلام الآن هو الذي يشترط ذلك المنطق "أكد في الفضاء العام. هذا الشك فيما يتعلق بوسائل الاتصال، والتأكيد على "غموضها" مع الإصرار على مساهماتها الأساسية في المجتمعات الديمقراطية، موجود في تحليلاته للصحافة الكلاسيكية، ووسائل الإعلام في القرن العشرين، وكذلك في تحليلاته للتقنيات الحديثة. المعلومات والاتصالات. إن التطورات في أنظمة المعلومات والاتصالات، وخاصة الإنترنت، تخضع في الواقع لنفس المنطق. إنها بالطبع تغير قواعد اللعبة من خلال عملية الأفقية ومضاعفة فضاءات المناقشة. مع "ثورة وسائل الإعلام"، يتم تسريع وتكثيف التدفقات التواصلية، مما يسمح بالتبادلات غير المنظمة بين شركاء الاتصال ويعزز كلاً من توسيع شبكات الاتصال وزيادة التمايز بين الجماهير. وهكذا، يميل الاتصال عبر الإنترنت إلى "إعادة التوازن إلى نقاط ضعف الطابع المجهول وغير المتكافئ للاتصال الجماهيري"، من خلال إحياء "الشخصية التاريخية للجمهور المتساوي من المحاورين الذين يقرؤون ويكتبون والمراسلين بالحرف".

على الرغم من مساهمات هذه التحولات في الاتصال، بفضل تقنيات وسائل الإعلام، يؤكد يورغن هابرماس أنه "من غير الممكن إزالة الشك الذي لدينا للوهلة الأولى حول المساهمة المحتملة للاتصال الجماهيري في النهوض بالسياسة التداولية. إذا كانت البنية التحتية التقنية التي هي الويب تعزز الاتصالات الأكثر كثافة وأسرع والأكثر احتقارًا، فإنها تشجع أيضًا عمليات التجزئة التي تخفف من قوى الطرد المركزي اللازمة لتحويل ديناميكيات الفضاء العام إلى إرادة سياسية. لأن "المعادلات الوظيفية لهياكل الأماكن العامة التي تجمع الرسائل اللامركزية وتختارها وتوليفها" . كما تفتقر إلى فضاء الاتصال الرقمي. وهكذا يلاحظ يورغن هابرماس أن، "في الأماكن العامة الوطنية، يبدو أن الاتصال السياسي قادر مؤقتًا فقط على الاستفادة من المناقشات عبر الإنترنت، عندما ترتبط المجموعات النشطة على الويب بعمليات حقيقية مثل الحملات الانتخابية أو الخلافات المستمرة، من أجل حشد اهتمام ودعم المؤيدين. ظهور الملايين من غرف المحادثات المنتشرة في جميع أنحاء العالم والقضايا العامة من المجموعات التي تتجمع حول سؤال، والتي تكون مترابطة، تفضل بدلاً من ذلك تفكك هذه الجماهير الكبيرة، ومع ذلك تتمحور "في نفس الوقت على نفس الأسئلة في الأماكن العامة السياسية" (المرجع نفسه). لذلك، في الفضاء الرقمي، ينقسم هذا الجمهور إلى عدد كبير من المجموعات العشوائية المجزأة التي تجمعها اهتمامات محددة. وبهذه الطريقة، يبدو أن المساحات العامة الوطنية الحالية تتقوض تدريجياً.

خاتمة:

يمارس هابرمس النقد البنائي، اذ على الرغم من هذا النوع من التحفظ الذي تمت صياغته عدة مرات في كتاباته، غالبًا ما يتم انتقاد نظرية يورغن هابرماس للتواصل والفضاء العام لإضفاء المثالية على عمليات الاتصال التي يفترض أن يقوم بها الكارتل، والتي تعتبر مفرطة. بين الموضوعية والفهم المتبادل، التواصل غير المقيد، بناء الإجماع التداولي. في الواقع، يعتمد عمله بشكل أقل مباشرة على فحص الأشكال الخطابية المفصلة بالسلطة، كما في ميشيل فوكو، والتبادلات اللغوية غير المتكافئة، أو حتى الأشكال الرمزية للعنف والسيطرة - التي وصفها علم اجتماع بيير بورديو. إنه لا يحاول تسليط الضوء على استحالة الاتصال بسبب التفاوتات الهيكلية والمهارات غير المتكافئة والاختلافات في الوضع وأنماط الهيمنة. ومع ذلك، تلعب "تشوهات الاتصال"، أو "أمراض الاتصال" دورًا سيئ السمعة في يورجن هابرماس، وترقى نظريته النقدية إلى منح نفسه الوسائل لتسليط الضوء عليها وتقديمها. للنقد. قبل كل شيء من منظور إعادة البناء للمعايير العملية للفهم الاتصالي يتم إبرازها. لا يسعى الفيلسوف إلى تفكيك ممارسات الفهم بين الذات والتواصل الاجتماعي، بل لإعادة بناء ممارسات الفهم بين الذاتيين والتواصل الاجتماعي - والمعايير الفعالة لـ "أخلاقيات المناقشة" المرتبطة بالبحث الجماعي عن "أفضل حجة". إن نظرية المعرفة البنائية هذه هي أساس نظريته، وتتألف من وصف العالم "الذي يجب أن يكون" على أساس العالم "كما هو"، في فحص ما يمكن أن يكون جوهريًا في الممارسات موضع التساؤل حول الخطة المعيارية. انطلاقًا من القيد، يطرح هابرماس بالتالي مسألة حدود المجتمع العادل الذي ينظمه العقل، بدءًا من المعيارية العملية للفهم بين الذات بواسطة اللغة . إن مداخلاته العامة هي تعبيرات عن هذا الموقف النقدي، إلى جانب الرغبة في تجديد "تشخيصه للحاضر" باستمرار، والتي تتوافق مع المساهمات المشتركة لعلم الاجتماع والفلسفة .

 هذا البعد المزدوج، الاجتماعي والمعياري، لا ينفصل عن النظرية النقدية ليورغن هابرماس، وتصوره للجمهور مرتبط بها بشدة. فألى أي مدى تسمح هذه الايتيقا التواصلية من انقاذ العالم من أزمة اللاتواصل؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

............................

المصادر:

Habermas J., 1962, L’Espace public. Archéologie de la publicité comme dimension constitutive de la société bourgeoise, trad. de l’allemand par M. B. de Launay, Paris, Payot, 1978.

Habermas J., 1968a, La Technique et la science comme « idéologie », trad. de l’allemand par J.-R. Ladmiral, Paris, Gallimard, 1973.

Habermas J., 1968b, Connaissance et intérêt, trad. De l’allemand par G. Clémençon, Paris, Gallimard, 1976.

Habermas J., 1981a, Théorie de l’agir communicationnel. Tome 1, trad. De l’allemand par J.-M. Ferry, Paris, Fayard, 1987.

Habermas J., 1981b, Théorie de l’agir communicationnel. Tome 2, trad. De l’allemand par J.-L. Schlegel, Paris, Fayard, 1987.

Habermas J., 1981c, « La modernité : un projet inachevé », trad. De l’allemand par G. Raulet, Critique, 413, pp. 950-969.

Habermas J., 1989a, « La souveraineté populaire comme procédure. Un concept normatif d’espace public », trad. De l’allemand par M. Hunyadi, Lignes, 7, pp. 29-58.

Habermas J., 1989b, « Médias de communication et espaces publics », trad. De l’allemand par L. Quéré, Réseaux, 34, pp. 81-94.

Habermas J., 1990, « Préface à l’édition de 1990 », pp. I-XXXV, in : Habermas J., L’Espace public, Paris, Payot, 1993.

Habermas J., 1991, De l’éthique de la discussion, trad. De l’allemand par M. Hunyadi, Paris, Éd. Le Cerf, 1992.

Habermas J., 1992, Droit et démocratie. Entre faits et normes, trad. De l’allemand par Ch. Bouchindhomme, Paris, Gallimard, 1997.

Habermas J., 2006, « La démocratie a-t-elle encore une dimension épistémique ? Recherche empirique et théorie normative », trad. De l’allemand par I. Aubert et K. Genel, Participations, 5 (1), pp. 163-175.

Habermas J., 2015, « Espace public et sphère publique politique. Les racines biographiques de deux thèmes de pensée », Esprit, 8, pp. 12-25.

 

 

علي محمد اليوسففي تعبير ارسطو الخاطيء الذي تجاوزه عصرنا الفلسفي الحاضر ذهب الى ماهية الانسان ليس بوصفه حيوانا عاقلا، فهذه ماهية مخادعة اسمية للانسان ولا تمثل ماهيته الحقيقية. ويمكننا الاضافة اكثر من أجتهادنا أن ماهية الانسان النوعية ليست ايضا في امتلاكه خاصية اللغة المتفردة عن جميع الكائنات في الطبيعة.

اذن بماذا تختلف ماهية الانسان عن ماهية غيره من الكائنات باستثناء حيازته العقل الذكي واللغة التعبيرية الناطقة التواصلية في تجريدات ادراكات العقل للاشياء والموجودات في الطبيعة؟ الماهية عند الانسان وعند غيره من المخلوقات هي بنية فيزيائية بيولوجية كجوهر، والفارق الاولي بينهما ايضا والذي هو ليس فرقا نوعيا بين ماهية الانسان باختلافها عن ماهيات الكائنات الاخرى هي في خاصية ماهية الثبات عند الحيوان و خاصية ماهية التغييرالمتحول كصيرورة عند الانسان.

ماهية الانسان جوهر غير ثابت متغيرتطاله الاضافات الكمية والنوعية له، وماهية الانسان كجوهر ماهوي دفين لا معلن ولا مدرك متعين بما يميز الانسان عن غيره من كائنات، أن في تعبير ارسطو الماهية ليست في تفرد امتلاك الانسان العقل الذكي، ولا هي بامتلاكه اللغة، انما كان في تعبيره عن صفات خارجية ممكن ومتاح لنا ادراكها بسهولة وهي صفات ثابتة لاتتغير الا في حصول اختلالات استثنائية عند بعض الناس الذين يحملون عوقا بيولوجيا أو مرضيا عقليا. وهاتان الصفتان الذكاء واللغة هما من الممكن اعتبارهما خصائص ماهوية بنفس وقت أعتبارنا أنهما خصائص صفاتية عضوية بايولوجية خارجية مدركة للانسان بالنوع. وهذا لا يعني تطابق الماهية والصفات في دلالة معنى الجوهر الواحد عند الانسان. بينما نجد مثل هذا التطابق ملحوظا لدى الحيوان. الماهية الانسانية هي ازدواجية الذات كجوهر مع الصفات كعرض خارجي صفاتي.

بهذا المعنى ننقاد التسليم الى أن ماهية الانسان لا تتسم بالثبات كما هي الماهية الثابتة عند الحيوان. الثبات الماهوي عند الحيوان هو معطى بيولوجي جاهز يحوزه الحيوان في تداخل صفاته الخارجية مع ماهيته، وهو ما لا ينطبق على الانسان أن ماهيته هي بنية تشكيلية بنائية قائمة بذاتها كجوهر غير مدرك يكتسبها من مؤثرات مجتمعية ولا يحوزها جاهزة ثابتة كما هي عند الحيوان. وماهية الانسان ليست هي مجموع صفاته الخارجية كما نجده عند الحيوان والكائنات الاخرى..كما لا تكون الماهية الانسانية فطرية تماما.

على افضل الافتراضات أن الحيوان يكتسب ماهيته الثابتة التي تبني هي نفسها ذاتيا من غير ارادة قصدية موجودة في ذهن الحيوان وتفكيره الانقيادي للطبيعة في أهمية ان يوجد لياكل ويعيش.، فالحيوان لا ذاتي أي لا يدرك ذاتيته على خلاف الانسان خاصيته هي ادراكه لذاته وموضوعاته. لذا ليس من المحال بناء جوهر ماهوي خاص بالانسان وحده غير مدرك كموضوع لغيره. ماهية مغايرة لماهيات غيره من انواع الكائنات الحيّة الاخرى. والماهية ليست صفة جاهزة معطاة لتمييز الكائنات عن بعضها، وبخاصة هي عند الانسان (بنية) تكوينية يبنيها الانسان وينشؤها بارادة ذاتية مسبقة تعي نفسها. الحيوان بخلاف الانسان لا يعي صفاته ولا يدرك ماهيته كما لا يعي علاقته القصدية بغيره من المخلوقات والكائنات المحيطة به في الطبيعة.

جون لوك والماهية

يرى جون لوك أن كل الاشياء بالوجود وكائنات الطبيعة من مخلوقات هي دائبة الحركة والتبدل والتغيير بالصفات والماهية، ما عدا الله خالقها فهو ثابت لا يتغير.أن حقيقة ادراكنا التغييرات والتحولات والسيرورات الدائمية فيما يحيط بنا في الحياة والطبيعة لا يحتاج كبير عناء لمعرفتها وادراكها، اما استثناء جون لوك الخالق من هذه الاحكام التي نتعامل بها فهو نابع من عدم سريان ما يتحكم بالطبيعة من قوانين عامة ثابتة لا تسري على الخالق الذي اوجدها.

هذا الحكم والتفسير هو افتراضي ميتافيزيقي غير برهاني يقيني بحكم محدودية قدرتنا الادراكية التي نتعامل بها مع فهمنا الحياة والطبيعة من حولنا على وفق قوانين عامة ثابتة اكتشفها الانسان أو بعضها، ولا يعرف مدى امكانية انطباقها بالحكم على صفات وماهية الخالق التي هي في نطاق الغيب الميتافيزيقي الذي لا يدركه الانسان. وفي التعالق مع ما ذهبنا له فأن محدودية الادراك العقلي الانساني لا يمكنه التمييز بين ما هو صفات للخالق وما هو ماهوي فيه. وكل ماوردنا هو حول صفات الخالق هي ما يسبغه اللاهوت الديني وادبيات الاديان العديدة من صفات مدركة يفهمها الانسان ويتعامل معها بيقين ايماني ثابت لانها منه واليه، صانعها ومقدسها ولم يكلف الخالق أحدا نقل صفاته الماهوية ولا الصفات الخارجية لادراك وايمان الناس بها...ما عدا امكانية الانبياء خلق المعجزات التي أصبحت اليوم محل تشكيك أيماني بها. فهي تناقض ادراكات العقل وتخرق تلك الادراكات المحكومة بقوانين الطبيعة.

دليل ذلك اننا عندما نرى الاعجاز التنظيمي المذهل في نظام الاشياء بالطبيعة والقوانين العامة الثابتة التي تحكمها بعناية وتقدير محكم، فبالتاكيد سيكون حكمنا عليها أعجازيا الهيا لا يستطيع تقليده بشر. وهذا الحكم ينبع من مرجعية كيف تم خلق قوانين الطبيعة الثابتة التي تحكم الطبيعة ولا يستطيع الانسان تفسيرها الاستيعابي سببيا لها..

أن الشيء المؤكد اليوم أن الطبيعة لم تنشيء قوانينها الذاتية وتخلقها بنفسها في هذا النظام من الاحكام والاتقان. كما أن القوانين هذه ليست قدرات مكتسبة في التقادم الزمني الذي يؤكد ثباتها وعدم امكانية تغييرها برغبة انسانية قاصرة توازيها عجز رغبة الطبيعة كذلك فهي على عكس الانسان لا تدرك القوانين التي تحكمها وتحكم الوجود الانساني دونما ادراك واع لهذا التحكم والمحكومية. الانسان عاجز عن اختراع قوانين ثابتة تحكم الطبيعة مثل القوانين المعطاة لها التي تمتلكها ولا تدرك اهميتها للانسان ولا لنفسها هي.

وعندما أكد جون لوك أن كل شيء ندركه في الطبيعة من كائنات وموجودات واشياء هو في حركة دائبة من التطور وارتقاء متنوع الذي يكون ارتقاءا  نوعيا في بعض الاحيان، فهو- اي جون لوك -  لم يدرك انه وضع اللبنات الاساسية في القرن الثامن عشر امام توصل ابحاث داروين بعد قرن حول التطور الارتقائي البيولوجي بين الانواع في تداخل البقاء للاصلح المتمثل في النوع الانساني واندثار الذي فقد التكيف الذكي مع الطبيعة كما في الحيوان والتكيف الانصياعي القطيعي مع الطبيعة التي كانت ظروف البيئة هي التي تقرر بقاء هذا النوع واندثار آخر.

تداخل الصفات والماهية الانسانية

والصفات عند الانسان قد تكون مشتركات في النوع الواحد يمكن تعميمها بينما الماهية هي تفرّد متمايز يختلف من شخص لآخرلا يمكن تعميمه..وهو ما لانجده لدى هوسرل وأشياعه بأستثناء سارترالذي يخالفهم الرأي الذي يرى الماهية عند الانسان هي بنية تراكمية نوعية متداخلة يصنعها الفرد بنفسه وليست معطى انطولوجي جاهز موجودة في طبيعته البيولوجية..

ومن المهم التنبيه أن كانط يفرق بين الماهية والصفات على العكس من هوسرل الذي أراد الرد على كانط معتبرا الصفات هي تجليّات الماهية ولا فرق بين الاثنين من حيث المحتوى والمعنى.. والغريب الاكثر بهذه النظرية الفلسفية أن هذا الفهم في نفي أن تكون صفات الشيء لا تمثل ماهيته المنفصلة عنها، هو فهم فلسفي متفق عليه في ادبيات الماركسية والوجودية معا رغم اختلافاتهما الكبيرة، ومشتركا بينهما في تبنيهما هذا المعنى التفسيري في تلازم مداخلة الماهية مع الصفات ولا يوجد هناك جوهرا ماهويا منفصلا عن مجمل صفاته التكوينية له.... وهذا ما تعتمده وتأخذ به جميع الفلسفات المادية ..أنه يكفي لمعرفة الشيء ادراك مايمكن ادراكه من صفات خارجية ومن العبث السعي وراء التفتيش عن ماهيات متخفية.

ونحن نرجّح فهم كلا من كانط ومن بعده سارترمع الفرق الكبير بينهما، أن الماهية تكوين ذاتي مدّخر في الانسان وليست جوهر الماهية تمثله صفاته الخارجية المدركة...وبهذا الفهم الفينامينالوجي تعتبر الماهية وجود بذاته (نومين)..وأوضح تعبير بهذا المعنى قول كانط: أن كل ما نستطيع معرفته هو عالم الظاهر الذي لا يشبه عالم الشيء في ذاته، فالله وحده يستطيع أن يرى ذلك – يقصد العالم بذاته -  لأنه غير مقيد بالزمان والمكان ولا بقوانين الطبيعة وقصور العقل البشري ايضا..

وتعبير كانط هذا يعتبر الارضية الصحيحة التي أقام سارتر عليها فلسفته البنائية عن الماهية الانسانية كبنية تكوينية يقوم الانسان بنائها طيلة حياته العمرية. ومن الامور الهامة جدا التي تنبه لها سارتر ولم يخلط بينها هو أنه يمّيز بين ماهية الانسان عن ماهية الموجودات في الطبيعة بما في ذلك الحيوان والنبات.ولا يخلط بين ماهية الانسان كجوهر وبين صفاته الخارجية كعرض ايضا.

والفهم لماهية الانسان عند هوسرل كصفات مشتركة تجمع بين النوع الواحد أفقيا وبين الصفات والماهية عموديا في النوع الواحد أيضا الذي هو الانسان.. ويختلف هذا كليّا عن فهم سارتر بأعتبار هذا الاخير يفهم الماهية أنها ليست كينونة ناجزة أو جوهرا مكتملا متداخلا مع وجود الفرد يحمله معه على الدوام كموضوع قابلا للادراك في معاملته عقليا، فالماهية ليست موضوعا للادراك. بل يفهم سارتر الماهية عملية بنائية تكوينية تطورية ذاتية ينشؤها ويبنيها الانسان بنفسه طيلة سني حياته،وليست ماهيته معطى وجوديا يمتلكه الانسان بالفطرة كجوهرذاتي يلازمه متكاملا بمعزل عن صفاته الخارجية وحتى بالتكامل مع تلك الصفات.. حتى الحيوان والنبات لا يمتلكان ماهية جاهزة كمعطى بيولوجي بل الماهية الحيوانية والنباتية هي ايضا تصنيع ذاتي داخل النوع في استقلالية تامة. بفرق أن الطبيعة هي التي تبني ماهية الحيوان دونما ارادة ولا ادراك منه، بخلاف الانسان الذي ينشيء ماهيته تكوينا تراكميا- نوعيا في سبق وعي وارادة واختيار قصدي.

وأختصارا ربما يغنينا عن الاستطراد نقول ماهية كل شيء أو موجود في الطبيعة تتميز بخاصيتين:

الاولى أن الماهية لا تمثل موضوعا للادراك العقلي لأنها خاصية محتجبة خلف الصفات الخارجية البائنة للمواضيع المدركة أو المواضيع الخيالية التي يبتدعها العقل من الذاكرة..

والخاصية الثانية أن الماهية فردية شخصية لا يمكننا تعميمها حتى داخل النوع الواحد من جنسه الذي هو الانسان..فماهية كل فرد لا تشابه ماهيات آخرين غيره..الانسان كنوع يتشابه بالصفات البيولوجية المدركة ويختلف بالماهيات.

الماهية والزمن

تعبير هوسرل أن الماهية (زمنية) هي حقيقة لا غبار عليها لكن ليس بالفهم الذي أشار له هوسرل بأعتباره الماهية منجزا كموضوع يمكن التعامل معه أدراكيا كشيء مادي أو موضوع متعيّن.. ويمكن لتأثير الزمان عليه تغييره كمدرك خارجي (موضوعا) في حين يكون الفهم الصحيح أن الزمن عامل تكوين وأنشاء للماهية عبر المراحل العمرية للانسان وليس عامل تقويض لها كما يحذر هوسرل منه....فالزمان الذي هو عامل تغيير للاشياء والمواضيع في وجودها الادراكي الحسي أو الخيالي أنما يطال الصفات ولا يطال الماهيات كونها ليست مواضيع مدركة لا عقليا ولا زمانيا.. وماهية الانسان من صنعه وليست من صنع الطبيعة. وعندما نقول عن شيء لازماني بمعنى أن الزمن لا يدركه العقل كموضوع وأنما يدركه في ملازمة الزمن جميع مدركات العقل.

الماهية بهذا المعنى المختلف عن منهج هوسرل الظاهراتي هي أنها سيرورة دائمية في الزمن وليست صفات مكتملة كموضوع أدراكي في تداخلها العقلي مع الزمن والمكان حسب هوسرل..ولا تتماشى هذه النظرة مع فهم هوسرل أن تكون الماهية هي مجموع صفات الشيء المدرك كموضوع وهذا ما لا ينطبق على الماهية لأنها ليست موضوعا للادراك ألا في حالات أستثنائية جدا تشمل غير الانسان من موجودات تكون معرفتها من أختصاصات التجارب العلمية وليس من مباحث منطق الفلسفة الظاهراتية الفينامينالوجية على وجه الخصوص..أو أن الماهية مدرك من الله فقط حسبما ذهب له جون لوك.

الماهية والادراك

وفي متابعتنا آراء هوسرل حول الماهية عند الانسان بمنهجه الظاهراتي (الفينامينالوجي) نجده يقول "الماهية ليست مدركة ولا متخيلة لأن كل معطيات التجربة الحسية أو المتخيلة تتحدد بزمان ومكان " ثمة ملاحظات توضيحية مفهومية نرى أهمية تثبيتها بضوء عبارتي هوسرل السابقتين :

- قول هوسرل الماهية ليست مدركة ولا متخيلة كموضوع لأن كل معطيات التجربة الحسّية أو المتخيلة تتحدد بزمان ومكان أدراكي عقلي لها.. هو أعتراف صحيح جاء متأخرا بما كنا سعينا توضيحه بسطور سابقة..وهذا يجنبنا الخلط بين أدراك العقل للاشياء كموجودات مادية من ضمنها الانسان..وبين الماهية التي هي صفات دفينة غير مدركة ولا واضحة تخص كل موجود لوحده في الطبيعة بذاته..لذا فالماهية ليست موضوعا لأدراك العقل يحدّه الزمان والمكان..وهذا ما يؤكده كانط بالضبط مؤكدا العقل لا يدرك الماهية بل يدرك الخواص فقط. وكذلك جون لوك بصيغة متماهية مع كانط.

- الماهية ليست موضوعا مدركا لا في الانسان ولا في باقي الاشياء المادية الطبيعية غير العاقلة كموجودات خارجية..كما أن الماهية هي أيضا ليست موضوعا متخيّلا يكون مصدره الذاكرة..وأنما الماهية تكوين أنشائي متطورعلى الدوام بالأضافات الكمية والنوعية غير المنظورة ولا متاح أدراكها بسهولة من قبل الاخرين ما عدا الشخص ذاته منفردا لذا من المتعذر أن تكون ماهية أنسان موضوعا لأدراك غيره من أفراد ..ولا تكون بالضرورة موضوعا مدركا ألا من قبل كل شخص منفردا بذاته تلازمه ماهيته كصيرورة حياتية يصنعها هو بنفسه بمرور الزمن..فالماهية هي وعي الوجود الشخصي المتمّيز لكل انسان منفردا لوحده ..الماهية تشبه الضمير والنفس والزمن والوعي والسلوك الاخلاقي وغيرها، مقولات نمارسها وندرك مؤثراتها علينا وعلى المحيط من حولنا ولكن لا ندركها ماهويا.

- كل ماهو غير موضوع للادراك يكون متحررا من سطوة الزمان والمكان في تحديده وتعيينه كموجود..لذا تكون الماهية التي هي ليست موضوعا للادراك بعيدة عن سطوة الزمان عليها في أنحلالها وتقويضها المحال عند الانسان، بل العكس الزمان غير المنظور تأثيره المباشر على ماهية الانسان يكون عاملا ضروريا في تشكيل ونمو وسيرورة ماهية الشخص المتكوّنة بأطراد مستمرداخليا بمرور الزمن..فالماهية جوهر حصيلة بناء عمر الانسان لكينونته بالحياة.

- تحصيل حاصل لا حاجة التأكيد عليه قول هوسرل الماهية ليست تجريدا ذهنيا وألا أصبحت نتاجا يخلقها الفكر، لا نتصور غاب عن تفكير هوسرل حقيقة  أن كل ماهو غير موضوع مدرك حسيا أو خياليا لا يمكن أن يكون نتاجا تجريديا بالذهن.. والماهية عند الانسان لا تكون موضوعا مدركا من غير صاحبها حاملها التي يستشعرها مثلما يستشعر سريان الحياة في اعضاء جسمه،،والماهية جوهر تبنيه الحياة ولا تخلقه الافكارالمجردة..لأنها جوهر وجودي مادي يلازم وجود الانسان وليست أفكارا متخيلة مجردة بالذهن مستمدة من الذاكرة..

الفلسفة الذرائعية الامريكية والوعي الماهوي

دعونا ننظر في مفهوم الوعي الملتبس عند الفلاسفة الاميركان من المهتمين في مباحث فلسفة العقل وفلسفة اللغة ونظرية المعنى ومحاولتهم توظيف هذه القضايا بمجملها من أجل أستعادة الفلسفة الذرائعية الاميركية أمجادها الماضية الآفلة وتلميع صورتها الفاقعة، فنجدهم يطرحون مفهوم الوعي في أشكالية أختزالية تقوم على دعامتين أثنتين هما :

اولا: أن الوعي ليس جوهرا بل هو وظيفة.

ونناقش هذا التوصيف بمنهج نقدي بعجالة تعريفية دأبت على ممارستها في كتاباتي الفلسفية التي أنأى بها عن العروض لمواضيع فلسفية أستهلكت نفسها بالتكرار الممل لحرفيتها في النقل والترجمة والاستنساخ والعرض الذي يتحاشى النقد، ورغم أني طرقت مبحث الوعي ومناقشة الافكار والنظريات حوله في أكثر من مقال منشورلي على مواقع الانترنيت العربية وكذا في مؤلفاتي ..فالوعي على خلاف مقولة البراجماتيين الاميركان الجدد هو جوهر ووظيفة معا، شأنه شأن علاقة الوعي باللغة فهما جوهران وظيفتهما الادراك. فالوعي واللغة هما جوهران في منظومة العقل الادراكية ووسيلتان معا تحتويان الوعي والذهن أيضا كجوهرين لهما وظيفة وسيلية واحدة مجتمعة متكاملة مع بعضها هي توفير أمكانية العقل التعبير عن مدركاته الاشياء والعالم الخارجي من حولنا بالفكر واللغة.اما ان يكون الوعي جوهرا غير مدرك فهو تعبير سليم ودقيق جدا ولا اجد جدوى مناقشته.

ومن غير مجموع الاحساسات التي تنقلها الحواس ومن غير الوعي ومنظومة الجهاز العصبي والذهن لا يستطيع العقل الادراكي عمل شيء على الاطلاق. ونفس الشيء مع الاحاسيس التي تكون مصدرها ليس الحواس في ادراكنا العالم الخارجي، فالاحاسيس التي منشأها بواعث استبطانية يستلمها الذهن عن طريق الجهاز العصبي مصدرها أجهزة الانسان البيولوجية داخل تكوين اعضاء الجسم والتي في غالبيتها تكون تلبية اشعارات الدماغ ومنظومة الجملة العصبية في أشباع حاجة الانسان لها كضرورات غريزية بيولوجية يحتاج الانسان اشباعها وكحاجات نفسية ايضا مثل حاجة الانسان لشرب الماء وتناول الاكل وأشباع غريزة الجنس والاحساس بالسعادة ونبذ القلق وغيرها العديد من اشباعات يستمد العقل استشعاراتها من داخل اجهزة الانسان الموزعة مثل الجهاز العصبي والجهاز التناسلي والجهاز الهضمي والجهاز البولي وهكذا.

- ثانيا: أو الفكرة الثانية للذرائعية الامريكية تقول الوعي تجربة صرفة لا يمكن تجزئتها الى افكار واشياء والوعي ليس تجربة طبيعية ولا تجربة عقلية.!! أذن الوعي ماذا يكون خارج هذه الفرضيات الاستبعادية في عدم تحديد معنى الوعي؟

تعقيبنا النقدي على هذه الفقرة غيرالصحيحة في جوانبها الثلاث، فأولا الوعي ليس تجربة صرفة، بل تجربة جزئية وسائلية وظيفية داخل منظومة العقل الادراكية ليست منعزلة كمدرك لوحدها، وليس هناك من جوهر منفصل قائم بذاته كتجربة صرف تسمى الوعي، كما أن القول لا يمكننا تجزئة الوعي الى افكار واشياء، فهذا خطأ أذ أن الوعي بلا مضمون فكري تعبيري لغوي لا معنى له ولا ممكن التحقق منه كجوهر.. الوعي ليس وحدة شعورية متماسكة تفقد جوهرها في تجزئتها، انما الوعي هي تفريعات ما لا يمكن حصره من استشعارات يستلمها الدماغ داخليا وخارجيا ويعمل على اشباعها كما ذكرنا قبل اسطر.

- أما ثالثة الاثافي أن الوعي ليس تجربة عقلية ولا طبيعية فهي خاطئة تماما، فالوعي كما ذكرنا سابقا هو حلقة ضرورية لا يمكن الاستغناء عنها كعنصر جوهري في منظومة الادراك العقلية. ويكون بهذا المعنى تجربة عقلية، فالعقل لا يعقل وعيه الموجودات ولا مواضيع ادراكه من دون نقل الوعي للاحساسات الصادرة عن الحواس أو الاحاسيس الصادرة عن ايعازات بيولوجيا الجسم الداخلية عبر الجهاز العصبي المرتبط بالدماغ ضرورة اشباع غرائز الاكل والشرب والجماع الجنسي وأحاسيس النفس من عواطف وانفعالات ووجدانات ومن ثم نقل ردود أفعال تفكير العقل بواسطة الاستشعارات الواردة عن هذه الاشياء للجهاز العصبي والعقل في وجوب أشباع هذه الاستشعارات. لذا يكون الوعي وظيفة وليس جوهرا منعزلا لاقيمة له.

 

علي محمد اليوسف / الموصل

 

زهير الخويلدي"تعني الإنسانية أن الإنسان ضروري لحقيقة الوجود"

غالبًا ما يُعتبر مارتن هيدجر الفيلسوف الرئيسي في القرن العشرين. إنه تقني للغاية، وغالبًا ما يتم اختزاله أيضًا في موقف سياسي (النازية)، وهو أمر مشكوك فيه للغاية لأنه لا يوجد شيء ينعكس مباشرة في عمله. إنه يجسد توليفة هائلة بين جميع التيارات الفلسفية، من أفلاطون إلى هوسرل، عبر هيجل وكانط، ويغطي جميع الموضوعات (الذاتية، الميتافيزيقيا، الأنطولوجيا، الجماليات، الأخلاق، نظرية المعرفة، إلخ.)

يقدم مارتن هيدجر الفلسفة كأنطولوجيا فينومينولوجية، بدءًا من تأويلات الكينونة (التي تعني الوجود أو الواقع البشري). الدازاين مصطلح يستخدمه هايدجر للإشارة إلى الكائن الذي يفهم كيانه. يكون الدازاين واعيًا. كما يؤكد أن للوجود أولوية مزدوجة، وجودية وجودية، على الأنواع الأخرى من الوجود. فالدازين هو كائن يستطيع أن يفهم وجود كائنات أخرى غيره. وهكذا، فإن البنية الوجودية والأنطولوجية للكينونة هي أساس كل أنواع الوجود الأخرى. في حين أن الدازاين هو إسقاط، احتمالية، هو نفسه يحدد وجوده. من ناحية أخرى، يمكن أن يكون الدازاين أصيلًا أو غير أصيل، اعتمادًا على ما إذا كان احتماله يعود إليه أم لا. يكشف الدازاين عن نفسه بالأصالة أو يخفي نفسه بعدم الأصالة. الأصالة تعني العيش في نمط "أنا"، وليس في نمط "نحن"، هذا الأسلوب غير الشخصي في الحياة الذي يضيع فيه الفرد في كتلة المجموع البشري أو الهُم الآخرين.

لقد ترك مارتن هيدجر مجموعة من الأعمال والدروس والمحاضرات على غرار الوجود والزمان (1927) وما هي الميتافيزيقيا؟ (1929) وفي ماهية الحقيقة (1943) ودروب تائهة (1950) ومسألة التقنية (1953).

يُظهر مارتن هيدجر، الفيلسوف الألماني المعاصر، أن "الكائن البشري" غالبًا ما يضيع في الحياة الزائفة و"التفاهة اليومية" و"اللغو الفارغ" والثرثرة اللغوية". لكنها يمكن أن تجد نفسها أيضًا في أصالتها وبالتالي تنفتح على السر وعلى الوجود، مصدر كل الأشياء. فلماذا كان موقف هيدجر من التفاهة اليومية صارما؟ وبأي معنى عمدت الميتافيزقا الفلسفية من الاغريق الى الغرب مرورا بالرومان على نسيان قضية الوجود؟

المراهنة هنا على انتشال الانسان من الضياع في العالم التقني واسترجاعه لمعنى وجوده وحريته المفقودة.

1- هيدجر وميتافيزيقا جديدة للوجود:

"الأنطولوجيا هي فهم الوجود"

يميز هايدجر أشياء العالم بطريقتين: المقولات والكائنات. الأولى هي أشياء من العالم في متناول اليد أو الأشياء الموجودة. تظهر في الدازاين في الأوضاع التالية: القدرة على المناورة، الوجود، الحدة، العناد، الشيئية، المسافة. التحديدات الفئوية هي: الزمنية، المكانية، الوجود في العالم، الدنيوية، القرب، الوحي، الفهم، التفسير، المعنى، الكلام، اللغة، الثرثرة، الفضول والغموض والإهمال.

لا يزال الدازاين موجودًا في العالم. العالم هو أيضًا المجال الذي يوجد فيه الكينونة. العالم هو العامل المكون للدازين. العالم مكون هيكلي للوجود في العالم. إن وجود الدازاين في العالم هو أمر زمني ومكاني. في الواقع، الدازاين هو نمط من الوجود يعيد الكائنات إلى نفسها في الفضاء. وبالتالي فإن الدازاين هو قرب وليس مسافة.

يُفهم الدازاين، الذي يُلقى في العالم، على شكل الكرب، الذي ينشأ من فهم العدم. القلق هو الخوف من لا شيء، والخوف، حسب هايدجر، هو الخوف من شيء ما. يدفع هذا الألم الدازاين إلى العيش بطريقة أصيلة. ولكن لأن الدازاين مشروع مجاني، فيمكنه إخفاءه عن نفسه وبالتالي العيش في وضع غير أصيل. القلق إذن هو سمة إيجابية للدازين، شرط لفهمه. الدازاين هو الاهتمام: بالنفس، وبعبارة أخرى عن إمكانات المرء، والكائنات الأخرى لأن العالم عالم مشترك. التواجد مع الآخرين هو أحد مكونات الوجود في عالم الدازاين.

وفقًا لهيدجر، القرار هو الوضع الذي يتم من خلاله الكشف عن الدازاين لنفسه كإرادة للتصرف وفقًا لوعيه. القرار هو رغبة الدازاين في عرض نفسه في مواقف لا يشعر فيها بالذنب لعدم اهتمامه بالأشياء، وتجربة الكرب: الوجود الأصيل يتم حله. بفضل هذا القرار، يتوقع الدازاين نفسه، يعرض نفسه. ان الدازاين هو أيضًا كائن مؤقت. في هذا، هو كائن من أجل الموت: موته هو أول احتمال وجودي له. الوقت عامل بنيوي للدازين. الزمنية تجعل تاريخية الدازاين ممكنة. يوحد الدازاين الماضي والحاضر والمستقبل: يتأرجح الكازاين بلا انقطاع بين ليس بعد، وما هو زائد بالفعل والآن. . يخرج الإنسان من نفسه نحو العالم، ولكن أيضًا في الوقت المناسب: "يخطط" للمستقبل، و "يعود" إلى الماضي، و "يتقدم" إلى الحاضر ؛ هو باستمرار "خارج نفسه". إن الماضي والحاضر والمستقبل هي النشوات الثلاث للزمنية حسب هايدغر. يقوم الدازاين بتأجيل نفسه من خلال وجوده في العالم. وفقًا لهيدجر، في الدازاين، طالما أنه موجود، فإن الشيء الذي يمكن أن يكون وسيظل دائمًا في فائض. الآن ينتمي إلى هذا الفائض "الغاية" نفسها. "نهاية" الوجود في العالم هي الموت. تنتمي هذه النهاية إلى القدرة على الوجود، أي إلى الوجود، وتحدد وتحدِّد مجمل الدازاين قدر الإمكان. ومع ذلك، فإن الوجود في نهاية الدازاين في الموت ومعه، لا يمكن تضمين كل هذا الكائن إلا بطريقة مناسبة ظاهريًا في توضيح كل وجوده الممكن إذا مفهوم كاف وجوديًا، أي وجودي، عن الموت.

2- هيدجر وابتذال الحياة اليومية:

-"الآخرون هم الذين لا نتميز عنهم في معظم الأوقات"

يصف هايدجر في كتابه "الوجود والزمن" (1927) حالة الدازاين، ذلك الكينونة الخاصة التي بواسطتها يمتلك الوجود القدرة على أن يكون هناك.

- الكائن البشري الحالي، المُلقى في العالم وتركه لنفسه (ما يسميه هايدجر إهمالنا)، هو واقع يجب أن تكون طبيعته مصدر قلق جوهريًا: مما يعني أنه يتم طرحه باستمرار للأمام من نفسها، أنها تتوقع نفسها، وأنها لا تتوافق أبدًا مع جوهرها.

إليك طريقة لوجود الموجود يمكن أن تؤدي إلى القلق. ولكن ما يريده "الكائن البشري" تحديدًا هو الهروب من نفسه، ونسيان نفسه، وإخفاء كيانه الحقيقي عن نفسه.

- هذا التستر له اسم: الزيف.

- أن تكون غير أصيل يعني بالتحديد أن نتجنب ما نحن عليه.

- ماذا نحن؟ "قلق"، ترقب لأنفسنا تجاه المستقبل، كائن أُلقي في العالم ليموت هناك.

لذا فإن الدازاين يلجأ إلى خضم "الابتذال اليومي"، عالم سهل حيث ينتصر "أون"، وعدم الكشف عن هويته دون أصالة، وتفكك فردي وبسيط.

- في هذا التفاهة، يهرب من الألم، وهو تصرف عاطفي أساسي يضعنا أمام العدم وموتنا، الذي يُنظر إليه على أنه شكل الحياة البشرية ذاته، الذي يُنظر إليه في نهايته.

- بعيدًا عن كونه، في الواقع، حدثًا عاديًا، فإن الموت يحدد إمكانيتنا النهائية، جوهر وجودنا.

لكن الدازاين هو أيضًا "هناك" للوجود ("da" تعني "هناك" باللغة الألمانية): لذا فإن التحويل ممكن دائمًا.

"وهكذا فإن الواحد يفرغ الدازاين في كل مرة في حياته اليومية. ولكن لا يزال هناك المزيد: مع هذا التفريغ، يسعد المرء في الدازاين بقدر ما يوجد فيه الميل إلى الخفة وإلى بسهولة، ولأن الشخص هكذا يرضي الدازاين باستمرار فإنه يحافظ على هيمنته العنيدة ويعززها. كل واحد هو الآخر وليس أحد هو نفسه. الشخص الذي يجيب على سؤال من الدازاين هو الشخص الذي سلمه الدازاين نفسه في كل مرة لكونه واحدًا من بين الآخرين".

2- هيدجر ونسيان الوجود:

" يتجلى القلق في الدازاين ليكون من أجل القدرة على الوجود، أي التحرر من حرية الاختيار والاستيلاء على الذات"

تتركز فلسفة هيدجر، في الواقع، على الاختلاف بين الوجود والوجود، الأمر الذي يبعدها عن النزعة الإنسانية الكلاسيكية. يجري، ماذا يعني هذا؟ يشير هذا المصطلح عند هيدجر إلى المصدر "الروحي" الأساسي لكل الأشياء، الذي ينيرها وينيرها بطريقة مبهمة. على العكس من ذلك، فإن الكائنات هي الحقائق الخاصة المختلفة:

- الوجود، الفاعل المضارع للفعل ليكون يعني: الملموس، الموجود.

- الآن، من بين "الكائنات" المختلفة (طاولة، أداة، حيوان، كتاب، إلخ)، هناك شخص يمثل وجوده تحديداً تساؤلاً حول الكينونة: الدازاين، دعم مسألة الكينونة والانفتاح على ذلك الكائن.

في الواقع، إن الانفتاح على الوجود هو الذي يتألف من الإنسان والذي يميزه.

ومع ذلك، فإن هذا الانفتاح محجوب، وما هو أكثر من ذلك، مهدد باستمرار:

يقوم الإنسان بقمع أو نسيان الوجود، مفضلاً وجهات نظره أو وجهات نظره التجريبية، كل يوم ومطمئن أكثر.

هذا التهديد يعمل حتى في الميتافيزيقا، هذه الدراسة لما وراء الظواهر التي، منذ أفلاطون وأرسطو، تتحدث عن كونها في بُعد النسيان فقط.

لكن نسيان الوجود،  والابتعاد عن الانفتاح الروحي الحقيقي، يميزان ثقافاتنا المعاصرة إلى أعلى درجة.

على وجه الخصوص، فإن أسلوب عصرنا (الذي يحدد في هيدجر تجهيز الكينونة بأكملها والمعرفة نفسها، طريقة معينة للوجود فيما يتعلق بالحقيقة) تعبر عن الفراغ الأنطولوجي الأكثر تامة.

التكنولوجيا، بعيدًا عن تحديد قطاعات الإنتاج والمعدات المختلفة بالآلات فقط، تشمل العديد من المجالات الأخرى. تشمل التكنولوجيا جميع مجالات الوجود: الطبيعة الموضوعية، والثقافة المستمرة، والسياسة الموجهة، والمثل العليا المبالغ فيها. اكتملت التقنية الميتافيزيقية.

في العالم التقني، ينسى الإنسان "راعي الوجود" جوهره الحقيقي ومصيره الروحي.  لكن فيما وراء المواقف الزائفة، هل يمكن العودة إلى التساؤل عن الوجود والروحي؟

"لكن الحياة اليومية المتواضعة للكينونة لا ينبغي أن تؤخذ على أنها مجرد" جانب ". حتى في ذلك، وحتى في نمط الأصالة، هناك بداهة بنية الوجودية. حتى في داخلها، هناك ذهاب من أجل وجود الدازاين، وفقًا لطريقة محددة، والذي يرتبط به في نمط الحياة اليومية المتواضعة، حتى لو كان فقط في حالة الهروب من هذا الكائن ونسيانه. "

- هذه العودة، يصفها هايدجر بأنها الطريق الوحيد الذي يمكن للإنسان أن ينشر فيه حريته مرة أخرى.

- بهذه الطريقة يتم رسم الأصالة كإمكانية للواقع البشري لتحرير نفسه من أوهام "الفرد" والوصول إلى الشخصية الحقيقية.

- فيما يتعلق بالوجود يجب علينا إعادة التفكير في أنفسنا وإعادة التفكير في وضعنا في العالم.

انتمى هايدجر إلى الحزب الاشتراكي الوطني وتعاون معه بنشاط حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. يجب أن يؤخذ هذا في الاعتبار عند قراءة العمل، لكننا نعتبر أيضًا أنه يجب علينا فصل عمل الإنسان. لكن كيف يصرف الهُم في غالب الآحيان الدازاين عن التفكير بالوجود؟

خاتمة:

-"لا تكون أصالة الدازاين الا إذا تحررت الحرية من الهُم "

بعد نشر كتاب "الوجود والزمان"، كان مشروع هايدجر هو نقد الإنسانية الكلاسيكية من خلال سارتر، بناءً على ميتافيزيقا الموضوع. سيحاول إعادة التفكير، لإعادة تأسيس الإنسانية بدءًا من الوجود، وليس من الوجود بعد الآن. السؤال الأول هو: كيف نفكر في الوجود؟ وفقًا لفلسفة هايدجر، لم يتم التفكير بشكل صحيح في مسألة الوجود، ليس الكينونة فقط، بل كينونة الكائنات، طبيعة الوجود على هذا النحو. لقد فاتت الفلسفة الكلاسيكية الأساس الأنطولوجي للوجود لأنها لم تفهم بشكل كافٍ ما هو المقصود بـ "الفكر". بالنسبة إلى هايدجر، فإن مصطلح "تفكير" (دينكن) يعني شيئًا يختلف اختلافًا جوهريًا عن فهمنا اليومي لهذا المصطلح. التفكير بالنسبة لهايدجر هو نوع من العمل، لكنه مع ذلك فعل يتجاوز كل الممارسات. بالنسبة إلى هايدجر، لا يمكن اختزال الفكر بالمعنى الأسمى إلى التقنية: الفكر هو توقع "مجيء الوجود، الوجود كمجيء" (275). الفكر نوع من الوساطة بين الإنسان والكينونة. وبعبارة أخرى، فإن الأسئلة "ما هو التفكير؟ وهل بالضرورة مرتبطة بالسؤال ما هو الانسان؟ ". إن الوجود يعطي نفسه للإنسان (مفهوم "يوجد") وبالتالي يصبح الإنسان "راعي الوجود". ما هي أهمية هذا المصير للإنسان بصفته أختًا، وصيًا على الكائن الذي يسكن فيه؟ سوف يجادل هايدجر بأن الفكر نفسه هو شكل من أشكال الفعل، "يعمل الفكر إلى الحد الذي يعتقد" أن تعريف الفكر هذا يتعارض مع التفسير التقني للفكر، الموجه نحو التكنولوجيا، التطبيق العملي، الاداء. يعود هذا التقليد إلى أفلاطون وأرسطو، الذين يتم التفكير من أجلهم. لأن الفلسفة الغربية أرادت أن تصبح علمًا، فقد تخلت عن جوهر الفكر: يصبح الفكر وسيلة. بالنسبة لهايدجر، الحداثة هي حالة تجوال، يفقد فيها الإنسان ملجأه، وجوده، وبالتالي يصبح غريبًا على فكره، عن نفسه. يجب أن يفسح نسيان الوجود المجال لمجموعة من الوجود. على عكس الحيوانات أو الأحجار، فإن الإنسان هو الوحيد المقدر له أن يفكر في جوهر كيانه. لذلك يكمن جوهر الإنسان في كفاءته. لا تشترك الحيوانات والحجارة في هذه الطريقة مع الإنسان.

وهكذا تظهر الإنسانية عند هيدجر على أنها لائقة للإنسان وعودة إلى فكر الكينونة، وهو الجوهر الحقيقي للإنسان. بدون وجود، يكون الإنسان مجرد إنسان (لوطي)، وليس إنسانًا (إنسانيًا). لكن هذا النقد للإنسانية الغربية ليس بالطبع دفاعًا عن اللاإنسانية، وليس تأييدًا للهمجية أو الوحشية. بدلاً من ذلك، يسعى هايدجر إلى تصحيح سوء تفسير مفهوم الإنسان. كما يؤدي التحليل الأنطولوجي للوجود على شكل دازاين بالضرورة إلى تغيير في طريقة تفكيرنا في جوهر الإنسان. لا تسعى "رسالة حول الإنسانية" إلى إلغاء الميتافيزيقيا، بل إلى تصحيح وإكمال النزعة الإنسانية للميتافيزيقا وإعادة تأسيس النزعة الإنسانية. في نهاية المطاف تصبح الإنسانية في هايدجر تأملًا واهتمامًا بالكينونة. بالنسبة لسارتر، تتمثل الإنسانية في تأكيد الفرد ووضعه كأساس للقيمة. يجب أن تتجاوز النزعة الإنسانية الهيدجرية الميتافيزيقيا التقليدية للخروج من المفهوم التقني للوجود والإنسان. لأنه في الأساس، ينتقد هايدجر النزعة الإنسانية الكلاسيكية لعدم التفكير في الإنسان بشكل كافٍ: يجب فهم الإنسان على أنه إنساني وليس كحيوان عقلاني. لكن ما هو الوجود إن لم يكن هو الله ولا أساس العالم. وكان هو الأقرب الى الكائن البشري؟

 

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

.....................

المصادر:

فرانسواز داستور، هيدجر والسؤال عن الزمان، ترجمة سامي أدهم، طبعة أولى عن مجد 1993.

M. Heidegger, Être et Temps, trad par f.Vesin, éditions, Gallimard, Paris, 1986

M. Heidegger, Qu’est-ce que la métaphysique, question1, Gallimard, 1968

M. Heidegger, concepts fondamentaux de la phénoménologie, traduction ,par J.f. Courtine, Gallimard , Paris,1985

Michel Haar, Heidegger et l’essence de l’homme, Editions Jérome Millon,2002

 

 

علي محمد اليوسفهل الوعي يمتلك خواص المادة مثل الحركة والامتداد والابعاد؟ وهل تمتلك المادة خاصية التفكير الواعي منفردة على خلاف خاصية تفكير الوعي في تعبير اللغة عن مدركات العقل المادية ؟ هل المادة عقل مفكر ذاتيا يعي تفكيره؟ وهل الفكر جوهر مادي مستقل عن منظومة العقل المتعالقة بادرك الموجودات؟ وبأي وسيلة تعبير تمتلك المادة الافصاح الاستدلالي عن وجودها الانطولوجي دونما ادراك الوعي العقلي لها في غيردلالة اللغة؟.نقصد بالمادة هنا كل موجود غير عاقل يمتلك صفات وماهية المادة كمتعين انطولوجيا يدركه العقل ولا يدرك هو العقل.

لقد "وضع هوبز النزعة الآلية في الامتداد، واضاف جوهرا آخر للمادة هو التفكير لكي يفسح في المجال لوعي الانسان الذاتي، وجعل من هذين الجوهرين – يقصد المادة والوعي -  يعتمدان على الله "1

هذا الاجتزاء الذي اوردناه يحيلنا الى عديد من التساؤلات المتناقضة:

- الوعي ليس مادة بالمعنى الحسي المتعين انطولوجيا، وصفات الامتداد والحركة الآلية في المادة لا غبار عليها،والوعي لا يمتلك خواص المادة ولا صفاتها باستقلالية عن منظومة العقل الادراكية من ضمنها اللغة، ولكي يكون الوعي متعينا مدركا أنما يكون في امتلاكه قابلية التحول من موضوع لافيزيائي الى لغة تعبيرفيزيائي في التفكير بشيء مادي أو بموضوع خيالي.والا اصبح الوعي من افصاحات النفس تجريدا التي هي ليست موضوعا مدركا باستقلالية عن العقل.بل مفهوما بتعبير العقل لغة عنه.

بمعنى لكي يكون الوعي موضوعا مدركا عقليا علينا ربطه باللغة في موضعتهما الاشياء التي يعبرّان عنها. وبغير تلازم الوعي مع لغة التعبير لا يبقى وجود له في عالم الموجودات الخارجية في التعبير اللغوي المتموضع معه الوعي في كل شيء يدركه العقل بوعيه فيه وتعبير اللغة عنه. وبغير هذا التلازم بين الوعي واللغة وبين الوعي والعقل  يكون الوعي صمتا تفكيريا بالذهن داخليا فقط.

بعبارة ثانية الوعي هو تموضع لغوي صامت في التعبيرخارجيا عن مدركات العقل، واللغة تموضع افصاحي عن مواضيع ادراك الوعي لها. الوعي حلقة ضرورية داخل منظومة الادراك العقلي لا يمتاز بخصائص المادة ولا يمتلك خاصية أن يكون موضوعا تجريديا يدركه العقل.

- الوعي حلقة تجريد يمتاز بها العقل ويمارسها وسيلة معرفية شأنه شأن اللغة، وليس الوعي جوهرا ماديا مستقلا ذاتيا ايضا. فكلاهما الوعي واللغة حلقتان تجريديتان في منظومة العقل الادراكية. وكما لا يستطيع العقل جعل اللغة موضوعا مستقلا في ادراكه لها، كذلك يعجز العقل أن يجعل من الوعي موضوعا يدركه باستقلالية لوحده خارج منظومة الادراك.

ولا يكون الوعي موضوعا مستقلا لادراك العقل له، فالوعي شأنه شأن الزمن ليس موضوعا لادراك العقل بل وسيلة ادراكه لمواضيعه، كذلك اللغة هي تجريد تعبيري للعقل لكنها ليست موضوعا مستقلا في امكانية ادراكه لها، وعندما نفكر بشيء ما أو موضوع ما فنحن نفكر به لغويا تجريديا –  وتموضعياماديا، أي بمقدار ما تكون اللغة تجريدا في تعبيرها الفكري عن الاشياء بمقدار ما تكون جزءا متموضعا ماديا في التعبير عن تلك الاشياء كموجودات تحمل لغة افصاحاتها معها.... اللغة ليست خاصية الفكر التجريدي في التعبير بل هي لغة تمثل جزءا متموضعا في كل شيء يدركه العقل. اللغة ليست ادراكا تجريديا فقط وانما هي صفة ملازمة للاشياء التي يدركها العقل ليس بلغته بل في اكتشافه تموضع اللغة بها ويقرأها العقل وعيا تجريديا لغويا.(لنا موضوع قادم يبين توضيح موضعة اللغة).

وحينما يدرك الوعي المادة كتجريد لغوي فهو يكتسب خصائص الموضوع المادي المدرك المنفرد بلغة الذهن الصامت. بمعنى الوعي لا يكون ماديا حسّيا في تعبيره اللغوي عن الاشياء وأنما يبقى الوعي تجسيدا لغويا تجريديا في التعبير عن مدركات العقل. الوعي أكثر تجريدا صامتا من تجريد اللغة الصامتة والافصاحية معا، كون الوعي فهم معرفي صامت وليس تعبيرا ادراكيا تصوريا مثل اللغة يمكن معرفته من خلال تعبيره عن موضوعه الذي يجري التفكير فيه ويعيه العقل..

وحينما يعي الوعي ذاته بمعنى حينما يعي الانسان وعيه  لذاته فهذا لايخرج عن اصل التعبير في معنى مرادف هو ادراك العقل لذاته كموضوع الذي هو ماهية الانسان الفردية التي لايدركها سوى صاحبها، في مطابقة الوعي المجرد مع كينونة العقل الفيزيائية التجريدية لغويا في تعبيره عن مدركاته وفي تعبيره الواعي عن كينونته الذاتية.

وفي كلتا الحالتين لا يكون الوعي موضوعا منفصلا لادراك العقل بل وسيلة استدلالية له في معرفته الاشياء. الوعي لغة عقلية صامتة واللغة وعي ناطق في تعبيرات العقل عن مدركاته.

- ليس هناك من علاقة ادراكية حسية ولا حتى علاقة تخييلية ميتافيزيقية، ترتبط بهما (المادة والوعي) في أمتلاكهما خاصية الحركة والامتداد والابعاد . فالمادة والوعي جوهرين متكاملين في وظيفة الادراك العقلي لكنهما جوهرين منفصلين كموضوعين في ادراك العقل لهما. ولا يمتلكان(المادة والوعي) الاستقلالية التاهيلية الانفصالية أحدهما عن الاخر ليدخلا في علاقة معرفية وادراكية مع الله كما ذهب له هوبز. اختلاف المادة عن الوعي انها تمتلك صفاتها الانطولوجية كمتعين مادي يدركه العقل ، وهذا ما لا ينطبق على الوعي كونه غير مادة لذا فهو ليس موضوعا مستقلا في ادراك العقل له.

فأينما وجدت المادة وجد الوعي الملازم لها في أمكانية ادراكها. وهناك فرق جوهري كبير بينهما سبق لنا ذكره هو أن المادة تكون موضوعا للعقل بينما لا يكون الوعي موضوعا مدركا للعقل، لذا فالحركة والامتداد والابعاد هي صفات للمادة فقط ولا تكون صفات ماهوية أو خصائصية للوعي الذي هو تجريد لا مادي حاله حال اللغة والزمن.

- التفكير ليس آلية خاصية تمتلكها المادة أية مادة، فالمادة لا تفكر نتيجة الوعي الادراكي العقلي لها الذي هو جوهر لغوي تجريدي لا مادي ، بل الوعي ينوب عن لغة تفكيرالعقل في موضعته الاشياء المادية ويبقى ادراك اللغة المتموضعة بالشيء تجريدا تفكيريا للعقل وتبقى المادة وجودا انطولوجيا في ذلك الادراك مستقلة وجودا. بمعنى لا توجد خصائص معينة تجمع المادة بالوعي على أنهما جوهرين منفصلين وليسا جوهرين متداخلين داخل منظومة العقل الادراكية الواحدة.

- صفتا الحركة والامتداد اللتان تمتلكهما المادة كجوهر، لا يمتلكهما الوعي كتفكير مجرد في تعبير اللغة عن مدركات العقل الا فقط بارتباط الوعي بموضوعه المادي ويكتسب منه الحركة والامتداد بتجريد منفصل عنه.. وهنا يكون الوعي الملازم لادراك الشيئ في مجمل تحولاته وتغييراته هو (زمن) ادراكي ملازم للشيء بفارق أن الوعي زمن مفارق لموضوعه بعد الادراك العقلي له بخلاف الزمن الذي يلازم الموجودات ولا ينفصل عنها الا بوسيلة واحدة حينما يكف العقل عن ادراك شيء يكون استغنائه عن زمن ادراك ذلك الشيء قائما بالانفصال عن العقل وليس بالانفصال الزمني عن الموجودات المادية، الزمن ملازم دائم للاشياء فكل مدرك مكانا هو مدرك زمانا وبغير هذا التعالق الزمكاني لا يقوم العقل بوظيفة ادراكه الاشياء، ولا يكون الزمن ملازما العقل الا وقت حاجته ادراك الاشياء، لذا فالانسان يكون متحررا من سطوة الزمن الادراكي عليه في حالة اللاشعور وفي اثناء النوم.

وعندما نؤشر على وجود شيء أنما يكون تاشيرنا مرادفا متعالقا مع زمن ادراكه، في حضور الوعي معه زمنيا ادراكيا. الوعي بالشيء مرتهن بملازمة زمن الادراك لذلك الشيء،  والزمن  يلازم العقل في حضوره الادراكي فقط ويلازم الشيء مكانا في كل الحالات وجميع الانتقالات والسيرورة والحركات. وجود الشيء هو زمن وجوده الانطولوجي، بينما وجود الوعي تعبير لغوي صامت لا علاقة مركزية دائمية تربطه بالتبعية بالشيء المدرك خارج تبعيته منظومة العقل الادراكية..

أما أن يكون الوعي منفردا باستقلالية  كجوهر ميزته حركة أمتدادية في الاشياء فهذا ما لا يقبله علم وظائف وفسلجة الاعضاء كون الوعي هو حلقة غير منظورة ولا محسوسة ولا تمتلك استقلالية تفكيرية دونما ارتباطها بمنظومة العقل الادراكية في معرفة الاشياء والتعبير لغويا تجريديا عنها.. فالوعي يبقى حلقة تجريدية تفكيرية لا مادية يتوسط الحواس والذهن ولا يمتلك الاستقلالية ولا قابلية أن يكون موضوعا مدركا انطولوجيا متعينا بابعاد مثل الحجم والكتلة والارتفاع والطول والعرض الصلابة وحالات اليولة والغازية وغيرها من خصائص مادية ممكن ادراكها بالحواس.

- والوعي الذاتي هو وعي العقل لكينونته البشرية المرتبطة بفيزياء الجسم وليس الوعي المرتبط بموضوعه المادي خارجيا في تجريده اللغوي الذي هو خاصية الوعي المجرد وليس خاصية المادة كموجود انطولوجي شيئي. وعي الذات يختلف جوهريا عن وعي الاشياء والموجودات الخارجية والمحيط.

- الوعي الذاتي هو جزء ادراكي في لغة تفكير العقل فهو يعي ذاته والمواضيع الخارجية لكنه لا يكون موضوعا لذاته الذي هو تفكير العقل، أي لا يكون الوعي موضوعا مستقلا لتفكير العقل به، الا في ارتباطه كحلقة في منظومة الادراك العقلي، أي الوعي جوهر مجرد لامادي ويكتسب ماديته الخصائصية غير الجوهرية من المادة التي يعيها في تعبير اللغة عنها... فالوعي جوهر تفكيري صامت ويكون فكرا لغويا تعبيريا عن ذاتيته وعن مدركات العقل المادية بتعبير اللغة عن الاشياء خارجيا. الوعي هو تفكير العقل اللغوي الصامت.

- قام سبينوزا كي ينسجم مع فلسفته في وحدة الوجود بشخصنة ذات الخالق ماهية وصفات بوحدة موجوداته الموزعة على الطبيعة والانسان والكائنات وكل ما يقع تحت طائلة الادراك العقلي، معتبرا كل هذه الاشياء تفقد فرادتها "كونها تمثل جوهرا واحدا هو الله. الذي يكون الفكر والامتداد مجرد صفتين له."2

في تعبير سبينوزا السابق نجده يشخصن الله ماديا طبيعيا في وحدة موجوداته الموزعة في الطبيعة والانسان والكائنات وكل الموجودات التي يطالها العقل بالادراك، وهذه الشخصنة عند سبينوزا مادية وليست روحانية كما نجده  عند الصوفية الدينية شخصنتها الذات الالهية روحانيا ميتافيزيقيا على عكس من شخصنة سبينوزا الذات الالهية ماديا طبيعيا، وبذلك جعل الله يتحكم في موجوداته المخلوقة بقوانين الطبيعة التي ندركها نحن ولا يمتلك هو- الله -  قوانينه الخاصة به في قدرته تجاوز كل قوانين الطبيعة وكل معجزات الانبياء وهذا خطأ مريع في أن يكون ما هو خارج قوانين الطبيعة لا يمثّل القدرة الالهية المعجزة في أعتبار قوانين الطبيعة والموجودات ومعجزات الانبياء لا تقف عند حدود الاعجاز الالهي مثلما يقف امامها عجز الادراك الانساني لها.

ولم يكن سبينوزا موفقا في تعبيراته شخصنة ذات الخالق في امتلاكه صفتين هما (الفكر والامتداد) اللتين هما صفتين ماديتين تحكم الموجودات الطبيعية في قابلية الحركة باستثناء الانسان الذي يمتلك الفكر الذي لا تمتلكه بقية الكائنات.

من الخطأ تصنيف مذهب وحدة الوجود عند سبينوزا في تشييئه الذات الالهية يلتقي الصوفية الدينية التي تقوم ايضا على تذويت الذات الالهية وشخصنتها باستقلالية عابرة للطبيعة وقوانينها الثابتة المحكومة بها من ضمنها الانسان.

سبينوزا فيلسوف ليس صوفيا ماديا ولا صوفيا دينيا ميتافيزيقيا. ومذهب وحدة الوجود لا يبيح للصوفية الدينية تذويت الخالق بمخلوقاته في الطبيعة . سبينوزا في مذهب وحدة الوجود اراد تخليص اللاهوت المسيحي واليهودي على السواء من تذويت الخالق ميتافيزيقيا غيبيا بالانصراف الى تذويته ماديا من خلال الاحساس المباشر بأعجاز مخلوقاته في الطبيعة وهذا ما لا تقر به الصوفية الدينية التي لا تعمل بمذهب وحدة الوجود من منطلق تذويت الذات الالهية من خلال الماديات والاشياء والظواهر الموزعة بالطبيعة. بل من خلال تذويت الذات الالهية بروحانية نورانية لا علاقة لأي شيء مادي محسوس بها.

بمعنى لا تمتلك المادة خاصية الفكر باستثناء أمتلاك عقل الانسان قابلية التفكير اذا ما أعتبرنا العقل تكوينا فيزيائيا يرتبط في جسم الانسان جزءا عضويا منه ويمتلك ملكة التعبير اللغوي تجريديا عن مدركات العقل.. الفكر ملكة خاصيتها تعبير اللغة وبغير هذا التعبير يفقد الفكر حضوره الادراكي. ولا نجد في ربط خاصيتي المادة في الفكر والامتداد موفقا مقبولا، فالامتداد صفة حركية للمادة انطولوجيا بخلاف الفكر الذي هو ليس مادة مستقلة كجوهر انطولوجي قائم بذاته فكيف يتسم بصفة الامتداد والحركة المادية وهو ليس مادة؟ نجد عند عديد الفلاسفة الغربيين عندما يريدون التوفيق تلفيقيا بين المتضادات يستعينون بمرجعية الخالق التي تتوازى ميتافيزيقا الطرح الفلسفي مع منطق العقل ماديا ولا يلتقيان في تمرير تلك المتناقضات بمنطق التلفيق الافتعالي للخروج من المازق أو المعضلة التي وصلت الطريق المسدود فلسفيا.

يتبع في موضوع لاحق

 

علي محمد اليوسف /الموصل

...................................

الهوامش

1- ص 136، 2. ص137، تاريخ الفلسفة الحديثة، وليم رايت ،ت محمود سيد احمد، مراجعة امام فتاح امام.

 

سامي عبد العال"عندما لا ندري ما هي الحياة، كيف يمكننا معرفة ما هو الموت"... (كونفوشيوس)

"الشجاعة تقودُ إلى النجوم... والخوف يقودُ إلى الموتِ"... (لوكيوس سينيكا)

" المرْحُوم" كلمةٌ تُطلق على منْ ماتَ، أي انتهى أَجلُّه وأَفِلَّتْ حياتُه. هي " نحتٌ لاهوتي تاريخي" يبث أملاً في رحمة السماء لمن سقطَ بالموت. أحياناً استعمال الكلمات يروض الأقدار لصالح آمالنا المنتظّرة. ويَبْرِز معناها كنوعٍ من الوعد، العهد، الميثاق بين إله خالص الرحمة وبين مخلوقاته. كأن الدلالة تنجز الأمل من قبل رغم أنه لم ينته بعد، ويظل متكرراً مع توديع الموتى. لأنَّ كلمة المرحُوم تأتي بصيغة المفعول به تحت ضمان فاعل قادر (أي الله).

فاعلٌّ يُفهم تلقائيَّاً بمنطوق الكلمة طالما قررنا الاعتقاد خلفها، وهذا هو الإيمان الذي يحرك ما يصبو إليه المؤمن طبقاً لما يعتقد. ودلالة المرحُوم بها أثر من الانجاز يبقى سارياً مع عملية التكرار. مؤدَّاهٌ: أنَّ هناك سنداً في الدلالة يترجم المستوى المنطقي لما يتعلق بها (أي تمت الرحمة). فلو كانت للمرحوم ذكرى معينةٌ أو مواقف ما، فإنَّه يترك آثاراً من قبيلها عبر الكلام الشائع (كانت صفة الميت كذا وكذا: الله يرحمه).

غير أنَّ انجاز المعنى (ثقافياً) مختلفٌ بالكلية ويناقض ذلك تماماً. حيث يُظْهِر بلوغ الميت مرحلة السكون النشط في اللغة (هكذا هي مفارقته). فالميت – بصيغة الغياب لأنَّه لم يعد حياً- كامنٌ في اللغة، ولكن تستدعيه الذاكرة أثناء الحياة من وقتٍ لآخر. هو عندئذ إنسانٌ في صورة الغائب وفي صورة الحاضر معاً. وقد تُنسب إليه عبارات لم تذكر إلاَّ تواً، ذلك كونِّه ميتاً منذ فترة قصرت أو طالت، وأيضاً أصبحت مكانتُه قيدَ التواتر بين الناس. أي أنَّه غدا ميتاً معتَّقاً له قيمته التي ربما لم تُعرف أثناء حياته.

ومعنى المرحُوم يبلغ في مناوشة للاوعينا الجمعي درجةً بعيدة، حتى أنَّه يُسائل الحياة، حياتنا وحياة الآخرين. لأنَّه سيمثل معياراً norm لما ينبغي فعله، حاملاً معه ماذا سيكون موضوع التفكير وكيف سنفكر وإلى أي مدى سنرتبط بالزمن الماضي دون سواه. لأنه صار موضوعاً ثقافياً مهماً لمن يعيش الثقافة ويمارس المفقود منها.

على سبيل التوضيح، حين يموت "مثقف" يصبح خلال فضاءات الثقافة – كالفضاء العربي الإسلامي- أيقونةً بعدما كان مُهملاً. قُلْ ذلك حول الساسة والفقهاء والشيوخ وأصحاب المناصب ورجال العلم ورموز الأوطان وأبطال القصص والأشعار. وربما تلاصقهم ايحاءات وإشارات لم تكن لترد عنهم وهم أحياء فوق الأرض. ولربما تذهب صورتهم إلى خيال يعطى الأفراد أبعاداً أخرى للواقع والأشياء. ورغم انسحاب الفكرة على ما يحدث وراء دلالة الموت بحكم الذاكرة والحنين إلى الماضي، إلاَّ أنها ضمن حدود الثقافة السائدة تعدُّ آليةَ حياةٍ وذهنيةَ تفكيرٍ في المجتمعات الشرقية عرباً وغير عربٍ (الثقافة الصينية والهندية واليابانية).

إنَّ هناك قداسةً خاصة للآباء والأجداد في الثقافة الصينية، لدرجة أنَّ خرائط الأنساب والنسل في الصين تحفظ عن ظهر قلب وتورث من جيل إلى آخر، تحفظ بواسطة مدونات سردية لهذه الأغراض وتدوَّن بجوارها الحِكم والمأثورات والقصص وسير الحياة والخطب والنصائح والمواعظ. أي يدبج الناس كتيبات وأوراق كصحائف تنقش عليها الأعمال والإحداث الشخصية (كتاب الأعمال بالنسبة للأفراد). وقد اعتبر الصينيون أنَّ النسل (سلفاً وخلفاً) يحدد الولاء لأقدار الطبيعة داخل الإنسان، ويلحقها بقيم العائلة والطاعة والانتماء والخلاص والتراتب والرأسمال الاجتماعي.

والفكرة ذاتها متغلغلة في ثقافتنا الشعبية التقليدية، فهناك خرائط الانساب وحفاظها واشجار العائلات التي تتفرع منها رأسمالية النسب لدى العرب، لأنَّها معتمدة على القداسة والشرف والفضائل وخلوص المصاهرة وبذور السلف الصالح. وقد لعبت القبيلة والعشيرة والأسرة دوراً في دفن هذا الوضع المتراتب ضمن حفريات الثقافة واعادة انتاجها. وقد دخلت الفكرة كمعيار في التنقيب عن تاريخ الأشخاص وافعالهم وماذا سيؤولون إليه تبعاً لشجرة العائلة. ورغم أن الأجيال هم ثمار اشجار النسب إلاَّ أن جذورها وبذورها لا يمتلكونها ولا فضل لهم في زرع فسائل جديدة. والخلط لا يعوزه الشرح بين نسب أشخاص خارج ارادتهم وبين الاعمال والمسؤولية الموكلة إليهم إزاء المستقبل، حيث لا تفيد حتى غابة من النسب والأصول!!

إلى تلك النقطة: هل يمكن أنْ تحول الثقافة أحياءَها إلى مجرد سرديات " قبور" لندرك أهميتهم؟ وهل تزداد قيمة المثقف (مفكراً، أديباً، كاتباً) بعد مماته رغم أنَّه كان حياً؟ ماذا يُضاف إلى الإنسان حين يموت ليستعيد مكانته؟ لماذا كلمات الرحمة على الأموات تتعلق بمعان ترتبط بالأصالة والقيمة والخيال؟! وهل يمثل ذلك قضية مهمةً على خريطة الأفكار والعقل؟!

بؤرة الإشكال أنَّ هذا المرحوم" مقولة مسيَّسة" في الثقافة العربية الاسلامية إزاء مجالات الفكر والإبداع والكتابة. وتكاد تمثل منزلة ليس بين المنزلتين على طريقة المعتزلة في مرتكب الكبيرة، إنما تدخل في كل المنازل لدينا. فقد تخطى المرحوم حاجز الحياة والوعي الغُفل. الطريف أن المرحوم تصبح له نكهة خاصة وأكثر دلالة بمجرد أن يقطن القبر. مع أنه عندما كان حيا ًلم يلتفت إليه أحدٌ، وكم أكله الاهمال وكان طي الظلال لا يكاد يطفو.

ومن جراء التقديس، يقال كان المثقف المرحوم (فلان) يتحدث في كذا وكذا، كان الأديب (فلان) الذي اسهم هنا أو هناك، كان المناضل (فلان) له مواقف من الجرأة والحماسة ما تراه الاجيال اللاحقة جديراً بالاعتبار. رغم أن هؤلاء المثقفين سواء أكانوا أدباء أم مفكرين أم مناضلين لم يعرهم أحدٌ أيَّة عناية، وكانوا مادة متواصلة للسخرية واستهزاء الأنظمة الاجتماعية والسياسية. كيف تتجاهل ثقافة الحياة بينما تعطي أهمية لمن يغادرها؟!

" قبور الثقافة" عبارة عن تحول بعض المساحات الثقافية إلى قبر ضخم (حفرة رمزية وسلطوية) للإنسان حياً وميتاً. الفارق أنَّ دلالة الحياة بالنسبة لهذه الثقافة تُغيِّب قيمة الأحياء لصالح الأموات. حتى إذا كان الإنسان حيَّاً، فلا يحظى بالمكانة والتأثير والفاعلية كما يجب. ويظل كائناً مقصيَّاً على هامش المجتمع، فإنْ مات صارت له صبغة التقديس. والثقافة العربية باسم آخر قد تحول القدرات الحية للأشخاص والرموز والأفعال إلى أرصدة لسلفٍ يجب أن تمر عليهم دهورٌ حتى ينالوا مكانةً في اللاوعي الجمعي.

أي أن هناك في المجتمعات العربية الاسلامية مجالاً لتقديس الأموات وتنصيب الغابرين كأسلاف أفذاذ في الفكر والدين والاعتقاد والحياة ذاتها. حتى قيل " ليس في الإمكان أبدع مما كان". وهذا النوع من الحياة يقلل من شأن الإنسان ويكتب سيراً ذاتية للأفراد والعلاقات والجماعات بصيغة الموت ويعطي الحياة المعيشة مرتبة أدنى باستمرار. وهو ما ينعكس على رؤيتنا لأنفسنا ولتطور الحضارة والاسهام في مسيرة الإنسانية وبأي معنى نعيش عصرنا الراهن وكيف نحيا داخل الزمن و أية مواضع لأقدامنا من العالم والثقافات الأخرى. بالإجمال إنه موقف يلغي وجود الاجيال الجديدة ويجعل من المستقبل تبغاً فارغاً للقدماء.

هل سيظل المثقفون العرب ينتظرون حتى يموتوا لنيل مكانتهم في الحياة؟ اللعبة التاريخية أن قبور الثقافة (أو موت ثقافة) تعيش بأفرادها الحياة لإلقاء الأهمية على الموت دون مبرر إلاَّ من ميراث طويل يمجد الماضي ويحتقر الحاضر، يضفي هالات النورانية والخلود على الموتى، يركز عنايته صوب الأطلال والآثار وصور العابرين وأئمة السلف وكبراء القوم والرموز الماضية دون التفات إلى صناعة الحياة. حتى سميت الحياة - في شرقنا العربي الإسلامي- بالحياة الدُّنيا كدلالة على الازدراء والحط من قدر الأحياء الزائلين. وإذا كانت التسمية مأخوذة من الدين، فالسرديات الدينية تستعاد مع ثقافة الأموات على نحو يحمل نكاية وتشفي بلغة الموت في الأحياء حتى وهم على قيد الحياة.

الوضع مقلوب رأساً على عقب، فالموت يغدُو كأنَّه شرط لممارسة الحياة. تقول الثقافة في هذا الشرط: عليكم أن تموتوا كي تستطيعون أن تعيشوا في ذاكرة المجتمعات، بل حتى تكونوا مؤثرين يجب لكم الموت كمداً. وهذا أحد الأمور الغريبة التي لا توجد إلاَّ في ثقافات شرقية تهتم بعبادة الأجداد وتعتبرهم الأحياء الحقيقيين وأنَّهم من يحكم تصورات أبنائهم وعلاقاتهم من القبور. والأخطر أنْ الدعوة مفتوحة للموت في شكل اهمال أو ديكتاتورية أو فساد أو تفاهة أو سيادة أنماط التخلف. لأنَّ الحياة والأحياء لا اعتبار لهم ولن يؤثروا بالمنطق ذاته في الحياة الاجتماعية.

ولكم رأينا في ثقافتنا العربية مفكرين ماتوا وهم أحياء بينما نالوا من الشهرة بعد موتهم ما نالوا، وكم رأينا سياسيين نفقوا نتيجة مواقفهم التي لم تذكر إلاَّ حين اغتيلوا أو تلاعبت بهم الأقدار. وكم رأينا العلماء والباحثين الذين دهستهم الحياة وأكلهم الفقر دون مُنقذ، وكم عرفنا عن أدباء أدمنوا التشرد والصعلكة حتى سقطت مهابتهم بلا طائل، وكم عرفنا مناضلين تلاشت سيرهم وهم أحياء يصارعون الصمت، وكم ذابت حقائق ومواقف وأحداث كأنها شيء لم يكن نتيجة النسيان. وأنا وأنت وهم وهؤلاء والمجهول سواء بسواء على المصير نفسه. كان نجيب محفوظ يردد" إنَّ آفة حارتنا النسيان"، يقصد آفة المجتمعات العربية (ومصر خاصة) هو السقوط في الزمن من أول وهلةٍ. وكأن الزمن ليس إلا مادة سحرية تذيب أية فاعلية انسانية في الحياة. ولا يحملنا على التعلم والتطور إلا لماماً وراء الأشباح والصور الباهتة.

وربما يرجع هذا الإشكال إلى:

ثقافة الموت:

يعود تبجيل صور الأموات ورمزيتهم إلى ثقافة الموت الشائعة في مجتمعات العرب. الثقافة العربية تعطي مركزية للموت على حساب الحياة ولو كانت أكثر تطوراً وتقدماً. ووسط أمور الحاضر والراهن العاصف نجد إطلاق الزفرات على ماضٍ لم يعد ممكناً. كأنَّ الماضي لن يأتي حاضرُه- ولا أي حاضر آخر- أكثر ازدهاراً واختلافاً عنه. وسنجد أن اشخاص الماضي أفضل دائماً، وأنَّ من عاشوا في الزمن الغابر أكثر ثقة وأكثر يقينا مقارنة بأناس حاضرنا. وهذا جرَّ شكوكاً لانهاية لها باستمرار على أي عمل إنساني.

إن هذه الثقافة هي ثقافة استلاب لوجود الإنسان الحي، ثقافة شكل يغتال الجديد لا ثقافة تحديث. تجعل الفرد عنصرا فارغاً وتافهاً يمجد الحقب الغابرة ويعيش في أضابير قديمة تعلوها الأتربة. فبالرغم من كون الشخص اليوم شخصاً كونياً، إلاَّ أن الثقافة ترده إلى الخلف عكس مسار التاريخ. ومهما كانت حياة المجتمعات الراهنة، ففي عرف تلك الثقافة لن تساوي شيئاً، لأن ثقل الحقيقة في الخلف وليس إلى الأمام، هي تعود إلى الوراء دون توقف. ولذلك كلمات مثل" ليت الشباب يعود يوماً" ليست مجرد ندم فردي نتيجة نسغ الحياة الذي نضب، لكنها آلية حياة ونمط عيش تغذيهما الثقافة إجمالاً مما يخلق أبنية فكرية تخيم على المناخ السائد في كافة القطاعات.

" ثقافة الموت" ثقافة لا تقيم اعتباراً لحياة الإنسان، تستبيح وجوده وتنتهك خصوصياته في مغامرات لاإنسانية تبتاع السياسة وتقتات على الدماء والجثث مثل : إقامة "الدولة الإسلامية" واستعادة "الخلافة" أو استنساخ "الهياكل القومية" وتنشيط النعرات المذهبية والشعوبية لتوحد الأمم نحو مواجهة الغرب. ولنلاحظ أنها مغامرات جمعية تغزل الأوهام في خيوط الحياة بصيغة الموت. لكونها أساطير حية تلتهم ما تبقى للإنسان من إرادة المستقبل والتطور.

و" ثقافة الموت" ثقافة تدمر الحياة والأحياء، تعادي خطط التطور وتجلب المصائب للمجتمعات، وتزرع الأوهام في عقول الأفراد. هي ثقافة تطلق عنان للكآبة والبؤس وتعبئ النفوس بالكراهية تجاه العالم وثقافاته، حتى تصبح الحياة مكاناً غير محتمل، وتمسي "الأوطان" سجنوناً خانقة، ويؤجج الصراع "المجتمعات" و"الدول" كأعداء، ليكون الأفراد أمام اتجاهين: إما الانغماس في التسطيح والتفاهة أو طلب الثأر عبر تفجير الجسد.

عبادة الاموات:

تشير ثقافة الموت إلى أنَّ أصحابها يعبدون الأموات ليس أكثر. والعبادة نزوع مقدس وسط هالات الماضي السحيق. وهي ناتجة عن شيئين. أولا: الخوف الذي يغلف الحياة الانسانية من المهد إلى اللحد ويذهب الإنسان المقهور إلى ما يعرف في شكل الأسلاف. ثانياً: نمط العيش القائم على التقاليد واجترار المأثورات ومحاولة الحياة في أخيلة ماضوية.

حينئذ يكون الإنسان حاضراً بجسده في العالم، لكنه بالحقيقة لا يعاصره، فهو هنالك حيث يحيا أسلافه. ينفخ فيهم الحياة ويجعلهم شخوصاً من لحم ودم بالرتم نفسه وبالأزياء التي كانوا يسيرون فيها ويمارسون حياتهم. ليس الأمر سلفية محافظة، فالحياة السلفية تعيد تجديد تفاصيلها، الأفكار الرؤى والهياكل والسياسات. وبالتالي تصبح الحياة بنينها في الوقت الراهن بينما رأسها، دماغها المفكرة في أزمنة سالفة. والمدهش أن تلك الحالة أفرزت نماذج من التفكير كانت رجعية إلى حد السخرية.

فالدعوة إلى احياء سياسات الدولة الدينية هي دعوة لمعانقة الأسلاف قدماً بقدم ويداً بيد. وهناك من يعتقد في ممارسات السلف أكثر من ايمانه بوجوده هو نفسه في الوقت الحاضر. وإذا كان اليوم أربعاً وعشرين ساعة، فهي سويعات يعيشها السلفي لحياته ومأكله ومشربه والباقي ينغمس في استعادة الماضي ومضغ أخيلته (كالقات اليمني). وقد رأينا بعد ان انفكت ترسانة الدولة العربية عقب احداث الربيع السياسي، كيف ظهر "اللاوعي السلفي" إذا أجيز التعبير؟ فظهرت الصراعات حول ماهية المجتمع وطبيعة الدولة وتطبيق الشريعة وقوة الانتماء إلى الجماعات المؤمنة الأولى واستعادة التاريخ وفرض النقاب والحجاب وانتشار جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السياسي.

ذلك على النقيض من الفكر الغربي، لأنَّ الغربيين يعيدون قراءة التراث، نقده، اختباره وكسر قيوده لا استحضاره. يتحدثون عن أفلاطون وأرسطو وديكارت لا لإحالة الحياة برمتها لتكون نسخة مشوهة مما قالوا، بل ليعيشوا الزمن الراهن بآليات وأفكار الحاضر. بينما الثقافة العربية تطرح العكس تلقي بالحاضر في جبة الماضي لإجراء المقايسة والفرز والغربلة بناء على معايير سلفية. إنَّ السلفية تتجاوز نطاق الدين لتصبح أيديولوجيا متخفية في كل المجالات. أنت مقبول ولك المكانة الاجتماعية والفكرية والسياسية بمقدار ما تكون سلفياً.

مومياء الهوية:

خطورة ما سبق أنه يستند إلى هوية كاملة الانجاز مرة واحدة وانتهت (محنطة). كأنها بذرة غير قابلة للنمو وتوجد في مكان تاريخي مقدس. وهي أكثر افرازاً لوجودنا قبل أن نوجد وقبل وجود أية أجيال. وبعبارة أخرى كأن الهوية ثقب أسود يمتص جميع الأزمنة التي تقابله، وهو ثقب يتسع دوماً ولا مجال لإيقافه ولا الهروب من مصيرنا إزاءه. وتمثل في رمزيتها مومياء يمكن الاندهاش لها دون الاقتراب منها.

الهوية بهذا البعد هي المسافة التي تفصلنا عن الواقع وتحول بيننا وبين أن نحيا عصرنا بكل زخمه. ونظراً لكون الثقافة حجاباً بالمفهوم المذكور، فإنها تأخذ معالم الهوية وتفسح مجالاً لظلام فكري دامس. وربما تعبير الهويات القاتلة عند الأديب البناني أمين معلوف أقرب ما تكون من هذا المعنى لكونها تصدر الموتى (المرحوم) إلى قبور الثقافة وتعيدها إلى ايقاع الأصل، غير أننا لم نصل إلى تلك المرتبة. فالهوية القاتلة قد تعني أنها فاعلة بينما الهويات الميتة هي مومياوات فرعونية تقف في المعابد حيث ندور حولها ونعيش في أسمالها. نبقى طوال الحياة حاملين لها كالنعوش التي تقبل الفرجة ولا تتطور.

إن الهوية ليست ملجأ لأيتام البشر حين يموت آباؤهم بفعل الزمن. الهوية صناعة تاريخية لا تثبت إلا تمهيداً للتحول. وهي تضرب بجذورها في الخيال أكثر من الواقع، لكونها ليست مسرحية تنتقل من فصل إلى فصل آخر على خشبة الحياة وسط تصفيق المنتمين إليها، لكنها أقرب إلى ملحمة علينا الانغمار في ابداع احداثها وفقاً لذُرى العصر ومواكبة تطوراته.

زوال الحياة:

إلحاق الأحياء بالأموات يدلِّل على انعدام قيمة الحياة. رغم كون التاريخ يكذب هذا المعنى. فجميع المتعلقين بالموتى هم كانوا أحياء أولاً وإلاَّ ما كانوا ليقولوا ذلك. وهذا كان يتطلب منهم دائما كيف يتصرفون في حياتهم وكيف يجودُّون نوعيتها ويعطون أملاً للأجيال اللاحقة.

ولذلك هم وقعوا في خطأ منطقي قاتل: أنهم يحكمون على أنفسهم بالفناء ويلغون وجودهم قبل أي شيء. فالمجتمعات التي تسود فيها فكرة الحياة الزائلة بمعناها الثقافي إنما تكرس للركود والتعفن واستمرار الأوضاع المزرية سياسياً واجتماعياً. إلى الثقافات الأقل تطوراً ابتكرت بين نفسها حيلة هروب إلى الماضي خوفاً من صناعة المستقبل. ونرى الجماعات الدينية تكرر زوال الحياة وأنه يجب العبور إلى الآخرة ولو على جثث الضحايا والكفار.

وهذا أمر خطير حتى بالنسبة للدين وماهيته. فكل أفعال الدين وتصوراته تقوم على الحياة وتكتسب القيمة منها. وكما يقال الحياة مزرعة الأخرة ... إذن كيف يكون نبات قائم على ماء الموت، كيف يتغذى في تربة فاسدة استهلكت مواردها وسمادها؟! كيف سيظل التاريخ عائداً إلى الخلف؟ هل الزمن وجد مكتملاً ويبدا الانسان والثقافات تباعاً ارجاعه إلى الأول؟

يجب أن نعيد فهم مقولات الموت بوصفها حياة إلى الأمام لا إلى الخلف. وأن المستقبل سيتشبث بنا بمقدار ما نغذي آفاقه الحرة ونرعى امكانياته القابلة للتخيل والابداع والتحقق، وأن ما سيأتي – بعد ملئ الحياة نضالاً وتطوراً وحراكاً- سيكون دوماً أبدع مما كان، بل لا وجه للمقارنة إطلاقاً. وأن بكائيات الدين والسياسة وأطلال المجتمعات العربية ليست إلاَّ حيلاً متنكرة، صحيح هي جارية في أفكار مقبولة وشائعة غير أنها تحكم كونياً بنهاية الحياة والعيش. كل فكرة أفضل لم تأتِ بعد، كل سياسة أفضل لم توجد بعد، كل حياة متقدمة ومدهشة لم تولد بعد، وأن الثقافة ما لم تنفتح بلا شروط للمستقبل لن تخرج من قبور وهمية صنعتها المناخات الفكرية السائدة.

إذن لا ينبغي اعتبار الثقافة " أضرحة" أقرب إلى طقوس الموت منها إلى انطلاق الحياة، فالأضرحة تطلب ساكنيها أمواتاً أو نياماً وتجمد ساعة الزمن عند عقارب السلف. وإذا لم نعلِّم عقولنا ووجداننا وعواطفنا استحالة عودة الماضي كاستحالة العيش فيه، فلن تكون هناك حياة ممتلئة من أي نوع. إنه الخروج من غسق التاريخ العربي ولو كان "مزاراً مقدساً" لنفوس تائهة لا تتوقف عن الركض خلف الأشباح.

 

سامي عبد العال

 

عبد الحسين شعبانحين يراد إخضاع الفلسفة للسياسة

استدار الكثير من الماركسيين والقوميين والإسلاميين نحو الليبرالية، بل تسابقوا في الهرولة باتجاهاتها، باعتبارها خشبة خلاص أو طوق نجاة بعد انهيار التجربة الاشتراكية الكونية في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية والعديد مما أطلقنا عليه بلدان " التحرر الوطني"، بل إن الكثير منهم اندفع في "طلاق بائن" بينه وبين الماضي، سواء كان الأمر على نحو معلن لدرجة المبالغة والمغالاة أم على نحو مستتر وغير معلن بالتساوق مع مشاريع خارجية بزعم أهمية ودور " العامل الدولي" في قضية "التغيير والتحوّل الديمقراطي"، ولعلّ أوساطاً عديدة حين تتساوق مع الليبرالية الجديدة  ومشاريعها السياسية تبرّر ذلك بمفاهيم قديمة حول الليبرالية الكلاسيكية، في حين ثمة اختلافات وفروق شديدة بينهما.

I

إذا الدعوة إلى الحريات وإعلاء قيمة الإنسان التي مثلتها الليبرالية الكلاسيكية قد استهوت نخبة وطنية في بلداننا، فإن أطروحات الليبرالية الجديدة، وشعاراتها بدت متعارضة مع شعوب وتطلعات بلدان المنطقة الهادفة إلى التحرر من ربقة الاستبداد الخارجي ومن صدمة الاستعمار التي ما تزال تأثيراتها مستمرة، فضلاً عن الرغبة في تحقيق التنمية البشرية المستدامة بجميع الميادين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والتربوية والقانونية، وبما يؤمن لها السير في طريق التقدم والرفاه؛

وعلى الرغم من أن الليبرالية الجديدة لم تخفِ وجهها المتوحش منذ البداية، إلّا أنها كانت أكثر سفوراً وهمجية بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية الإجرامية التي حصلت في الولايات المتحدة بتفجير برجي التجارة العالميين في نيويورك والتي من نتائجها احتلال أفغانستان العام 2001 والعراق العام 2003، وكان من تعبيرات الليبرالية الجديدة إزاء منطقتنا طائفة من المشاريع الاستعمارية مثل "الشرق الأوسط الكبير" و"الشرق الأوسط الجديد"، فضلاً عن دعم "إسرائيل" في استراتيجيتها التوسعية الاستيطانية الإجلائية، بما فيها اعتبار القدس عاصمة "أبدية" لها، وإهدائها الجولان السورية تحت عنوان "الأمر الواقع"، بل وتأييدها في محاولة ضم غور الأردن وشمال البحر الميت، في إطار ما يسمى بصفقة القرن؛

ومع ذلك فهناك من الشيوعيين والقوميين القدامى الذين ملأوا الأرض صراخاً ضد  "الامبريالية العالمية" و"الرأسمالية الاستغلالية" البشعة، إلّا أنهم اليوم يحوّلون رحيلهم نحوها باعتبارها "منقذاً" لا يمكن التخلّص من هيمنة "الإسلاميين"، على الحكم دون دعمها. أما الإسلاميون فقد تناسوا الحديث عن "الشيطان الأكبر"، وأصبحت واشنطن حليفاً وصديقاً استراتيجياً طالما أوصلتهم إلى منصّات الحكم ولذلك، استحقت الشكر على  "تضحية" جنودها الذين اختلطت دماؤهم بدماء العراقيين (خلال غزوها) وهو ما ورد على لسان أرفع مسؤول عراقي حينها خلال زيارته إلى مقبرة إرلينغتون في واشنطن (مدفن جنود الاحتلال الأمريكي في العراق ووضعه اكيلاً من الزهور على أرواحهم (14 كانون الأول/ديسمبر/2011 عشية الانسحاب من العراق، وهو ما دعا الرئيس أوباما للقول أننا ننسحب ونحن مرفوعو الرأس) وهو أمر يحتوي على دلالات قانونية قد تلزم الحكومة العراقية في المستقبل بدفع تعويضات عن مقتل أو إعاقة هؤلاء الجنود.

وكان عدد من النواب الأمريكان قد أطلقوا حملة طالبوا فيها دفع تعويضات لعوائل الجنود الأمريكان، في حين صدرت أصوات وطنية عراقية مطالبة بتعويض واشنطن لبغداد بسبب الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بالعراق جرّاء الاحتلال بما يخالف قواعد القانون الدولي وما يسمّى بالشرعية الدولية، ناهيك عن المزاعم التي روّجت لها واشنطن بصدد أسلحة الدمار الشامل والعلاقة بالإرهاب الدولي وثبت عدم صحتها، حتى أن الرئيس جورج دبليو بوش الذي شن الحرب على العراق وبحماسة من رئيس وزراء بريطانيا توني بلير، اضطرّ إلى الاعتراف بذلك وهو ما فعله توني بلير لاحقاً.

فما الفرق بين الليبرالية والليبرالية الجديدة فلسفياً وأخلاقياً واقتصادياً وسياسة وثقافة؟

II

ارتفعت الموجة الليبرالية الجديدة بعد انهيار نظام القطبية الثنائية وتحلّل النظام الاشتراكي العالمي وحدوث تغييرات في نظام العلاقات الدولية، بتسيّد وهيمنة  الولايات المتحدة كلاعب أساس في العلاقات الدولية، واحتدم النقاش والجدل حول سؤال مركزي ارتبط مع الهبّة المطالبة بالحريات في منطقتنا، والتي سعت الولايات المتحدة إلى تخصيص مبالغ وإقامة مؤسسات لدعمها والتربية عليها، وذلك تحت عنوان  الليبرالية والتحوّل الديمقراطي، هل هناك علاقة بين الليبرالية الكلاسيكية وبين الليبرالية الجديدة أم ثمة تعاكس وتعارض بينهما؟

لقد نشأت الليبرالية في أوروبا وفي عصر التنوير وصولاً للثورة الصناعية (1750-1850) في صراع مع النظام الإقطاعي ومع هيمنة الكنيسة، وتمكّنت بعد انتصار البرجوازية ونجاح ثوراتها من إقامة الدولة - الأمة State- Nation  استناداً إلى قاعدة الحريات الفردية على المستوى الفلسفي، باعتبارها جزءًا من القانون الطبيعي والحرّيات الاقتصادية على المستوى الاقتصادي، وفقاً للقاعدة الشهيرة التي روّجت لها " الثورة الفرنسية" 1789 " دعه يعمل ... دعه يمر"، أي حرّية العمل والإنتاج والسوق، والحرّيات السياسية المدنية على المستوى السياسي مثل: حرّية التعبير وحق الاعتقاد وحق تشكيل الجمعيات والمشاركة في الحياة العامة والحق في تولي الوظائف العليا دون تمييز .

وقد نجحت الليبرالية في إقامة نظام برلماني يستند إلى المبادئ الديمقراطية وتشجيع الإبداع العلمي والثقافي والفني والأدبي، في مواجهة سطوة الفكر الخرافي والشعوذات التي امتازت بها القرون الوسطى، والتأكيد على العقلانية والعلم وأولية حرية الفرد [1].

باختصار بالليبرالية من حيث الجوهر تعتبر الحرّية والفردانية الباعث والهدف من حياة الإنسان لتحقيق سعادته ورفاهه في حاضره ومستقبله وفي تفجير طاقاته ومواهبه، وتلك نقطة جوهرية في جميع المدارس الليبرالية، فضلاً عن ذلك فهي تقوم على منظومة أخلاقية أساسها الانحياز للفرد وحرّيته بجميع أركانها في مواجهة الدولة [2].

ومن أبرز المفكرين الليبرالين جون ستيوارت ميل[3] الذي يعتقد لكي ينمو رصيد الحرية عند الأفراد فلا بد أن تتوقّف الدولة عند حدود معينة لا تتجاوزها، لأن ذلك سيؤدي إلى الاستبداد ويقول ميل إن القسم الأكبر من الإنسانية لا يملك تاريخاً بالمعنى الحقيقي لأنه يئن تحت وطأة الاستبداد.

أما جون لوك [4] فيعتبر من أوائل الفلاسفة الليبراليين حيث دعا إلى "العقد الاجتماعي" بالضد من نظرية " الحق الإلهي" التي تدعو إليها الكنيسة،  وتحدّث عن حقوق الفرد الطبيعية في الحياة والحرّية والتملك، وقد ألهمت أفكاره ثورة الحركة الجارتية في إنجلترا 1688 والثورة الأمريكية 1776، وقد سبقه إلى ذلك هوبز[5] وبيكون  [6] حيث تعمّق الأخير بالمذهب الحسّي واعتبر زعيمه وهو أحد روّاد الليبرالية الأوائل.

أما آدم سميث [7] فيعتبر المنظّر الأساسي للمذهب الاقتصادي الفردي بدعوته إلى عدم تقييد المال وإشاعة الحرّية المطلقة في مواجهة الدولة، ويعدّ بحق "أبو الليبرالية " الذي ساهم في بلورة أفكارها التي تقضي بإزالة العوائق وإطلاق حرّية المنافسة من كل قيد وإبعاد الدولة من التدخل في النشاط الاقتصادي وحفظ مسؤوليتها في حماية الأمن الداخلي والخارجي؛ وحين يسعى الفرد لتحقيق طموحه الشخصي ومصلحته فإنه يحقق بصورة ضمنية مصلحة المجتمع وهو ما أسماه آدم سميث اليد الخفية Invisible Hand  .

لقد تواكب صعود الرأسمالية مع ظهور الحداثة وتطوّرا معاً فالعلاقات الإنتاجية كانت تعني مبدئين رئيسين هما: 1- الحق في الملكية الخاصة باعتباره حقاً "مقدساً"، 2- حرية الوصول إلى السوق، لكن هذه الحداثة تظلّ ملتبسة بشأن العلاقة بين السلطة والثروة فهي في الواقع تقوم على الفصل في مجالين، كما يقول المفكر اليساري سمير أمين: الأول- الحياة الاجتماعية وهو مجال إدارة الاقتصاد المتعلق بتراكم رأس المال والثاني- مجال إدارة سلطة الدولة بالممارسة الديمقراطية عن طريق المؤسسات وحقوق المواطن والتعددية الحزبية وهذا الفصل يفرّغ الإمكانية التحريرية التي تدعيها الحداثة [8] .

III

الليبرالية الجديدة لا يمكنها اليوم كونياً تجاهل المطالب الشعبية مثل الحد من البطالة وتأمين مستلزمات الصحة والتعليم وقضايا التقاعد والضمان الاجتماعي، كل تلك التي تتطلّب تدخل الدولة أحياناً، وهو ما واجهته الولايات المتحدة بشكل خاص والبلدان الرأسمالية الغربية بشكل عام  في الأزمة الاقتصادية والمالية التي ضربت العالم في أواخر العام 2008 وبداية العام 2009 وما زالت تأثيراتها مستمرة، تلك التي فرضت شكلاً من أشكال "تدخل الدولة" إزاء انهيار مصارف كبرى وشركات تأمين عملاقة بالضد من الليبرالية الكلاسيكية الأولى التي كانت تريد المزيد من الحرّيات بوجه تغوّل الدولة، في حين تصبح بعض هذه القضايا ملحّة وراهنة، بل لا غنى عنها، على الرغم من أن الجدل قائم بشأنها فحين أصدر الرئيس أوباما قانون التأمين الصحي Obama Care جاء الرئيس دونالد ترامب ليقوم بإلغائه، والأمر له علاقة بتخصيصات التعليم والضمان الاجتماعي وغيرها.

ويزداد تدخّل الدولة بقضايا العلاقات الاقتصادية والتجارية الدولية، وقد برز الأمر على نحو أشد في الصراع الأمريكي - الصيني الذي زاده حدّة تفشي وباء كورونا (كوفيد -19) في مطلع العام الجاري، والذي انعكس تأثيره الكبير على الحياة الاقتصادية والإنتاجية وقطاعات العمل المختلفة، والذي قاد إلى تعميق أزمة النظام الرأسمالي النيوليبرالي  بتوجهاته الشعبوية ذات النزعة العنصرية الاستقلالية المعادية للأجانب بشكل عام وللعرب والمسلمين بشكل خاص.

لم يكن بناء النظام الليبرالي قد تم دفعة واحدة، بل احتاج الأمر إلى عدّة عقود أو حقب زمنية كاملة، ورغم التقدّم الذي أحرزته الفكرة الليبرالية إلّا أن مع مطلع القرن العشرين واجهت مأزقاً جديداً باشتداد ساعد الحركات الثورية والشيوعية بعد قيام ثورة أكتوبر الاشتراكية البلشفية عام 1917، حيث انشطر النظام الدولي إلى قسمين بما ترك تأثيراته على مستقبله، خصوصاً الإستقطابات الحادة، الأيديولوجية والسياسية.

ثمة وجه آخر للصورة فبعد الحرب العالمية الثانية (1939-1945) وهزيمة الفاشية والنازية اللتان نشأتا في رحم النظام الليبرالي وشكلتا قطيعة معه، تأسست أنظمة عديدة للتحرر الوطني في بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وخصوصاً في ستينيات القرن الماضي، لم تكن على توافق مع الفكرة الليبرالية.

IV

يمكن القول إن الرأسمالية دخلت مرحلة جديدة في الخمسينات والستينات كان أهم ملامحها "الحد من الليبرالية المطلقة" وتحديد الدور الذي تلعبه الدولة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي استناداً إلى نظرية الاقتصادي الشهير كينز [9] حول النقود، الذي تنبأ باستحالة تجنّب الرأسمالية كنظام من الوقوع في الأزمات الاقتصادية على غرار أزمة الكساد 1929-1933، إلّا إذا لعبت الدولة دور الموازن الموضوعي بين قوى الطلب والعرض، وهو ما عرف "بدولة الرفاه" ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى مطلع السبعينات، حين اندلعت أزمة جديدة .[10]

لكن النظام الرأسمالي ومن خلال آليات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تمكن من مواجهة أزماته من خلال محورين:

الأول - داخلي بإتباع سياسة ليبرالية جديدة تراهن على إضعاف دور الدولة في النشاط الاقتصادي وتسعى إلى تغيير أشكال علاقاتها بالقطاع الخاص بما يعني التراجع عن النظرية الكينزية،

الثاني - يسعى إلى ضخ الأموال الفائضة على البلدان النامية بضمانات كافية بالتخفيف من حدة التضخم الركودي وإعادة احتواء البلدان النامية والسيطرة على أوضاعها الاقتصادية . وهكذا وبعد انتهاء الحرب الباردة جرت عودة إلى "الليبرالية" بمنهج ورؤية جديدين ووجه مختلف تم التعبير عنه بسياسة المحافظين اليمينيين في الولايات المتحدة والعديد من البلدان الغربية تلك التي عرفت  بالشعبوية [11].

وبعد مرور أكثر من قرنين من الزمان ترافق الحديث عن الليبرالية الجديدة بصعود رونالد ريغن في الولايات المتحدة ومارغريت تاتشر في بريطانيا في عقد الثمانينات بتعميق الفوارق الطبقية وازدياد نسبة الفقر؛ وعشية انهيار الكتلة الاشتراكية طرح فرانسيس فوكوياما نظريته التي بلورها لاحقاً بعنوان "نهاية التاريخ والرجل الأخير" [12] الذي ركّز على ظفر الليبرالية " الجديدة" على جميع الصعد باعتبارها النظام الأوحد القادر على دخول عالم ما بعد التاريخ، وعلى من يريد أن يدخل التاريخ فعليه التخلي عن أيديولوجيته وعقيدته ويفككها ليتسنى له اعتناق الليبرالية التي تقوم على التعددية وحرية السوق واحترام حقوق الإنسان، وقد اعتبر فوكوياما إن ما حصل من عمل إجرامي يوم 11 سبتمبر (أيلول) 2001 جاء ليؤكد ما ذهب إليه سابقاً من أن الليبرالية هي الخيار الإنساني الوحيد والشكل البشري الأخير من أشكال إدارة المجتمع مؤكداً إننا لا نشهد نهاية للحرب الباردة أو مرحلة من مراحل التاريخ، بل "نهاية للتاريخ" [13] ويعتبر ذلك حتمية تاريخية .

أما صموئيل هنتنغتون فقد  ركّز على " صراع الحضارات" واعتبره أمراً محتوماً باستهداف الإسلام بقيمه وتراثه كونه العدو الجاهز الذي يقف بوجه انتصار الليبرالية على المستويين السياسي والاقتصادي، ليس هذا فحسب بل اعتبر البوذية والكونفوشيوسية في مواجهة أيضاً مع الحضارة المسيحية الغربية، لأن الفروقات من وجهة نظره ليست حقيقية، بل هي فروق أساسية أيضاً، فالحضارات تتمايز الواحدة عن الأخرى بالتاريخ واللغة والثقافة والتقاليد والدين، مشيراً أن تاريخ الإسلام خلال 14 قرناً يؤكد بأنه خطر على أية حضارة واجهها خصوصاً المسيحية [14] .

V

لقد عرفنا أشكالاً من الإرهاصات الأولية الليبرالية الكلاسيكية في العديد من بلداننا العربية مثل مصر وسوريا والعراق ولبنان، وخصوصاً في الثلاثينات من القرن الماضي وحتى نهاية الخمسينات، وقد اقترنت تلك الأشكال بالدعوة لإعلاء قيم  الحرية والحقوق السياسية والمدنية وبالتطور المستقل، لكن الموجة الجديدة من الليبرالية في التسعينات والتي اقترنت بسيادة نمط واحد متسيّد على العلاقات الدولية اختلفت عن دعوات الرواد في عالمنا العربي فقد كان هؤلاء مخلصون للقيم الليبرالية الحقيقية في حين أن دعاة الليبرالية الجديدة لا علاقة لهم بالقيم الليبرالية، بل إن ليبراليتهم لا تأخذ بنظر الاعتبار المصالح الوطنية العليا فكيف تكون ليبرالياً حقيقياً وتوافق على احتلال بلدك أو على ربطه بمعاهدات واتفاقيات مذلة ومجحفة وغير متكافئة، فقد كان الليبراليون الكلاسيكيون العرب دعاة تحرر ورفض للاستتباع وحسبنا هنا في العراق أن نستذكر مواقف كامل الجادرجي وحسين جميل ومحمد حديد وغيرهم، لكن جزع أو يأس أو عدم قدرة على التغيير اضطرت دعاة الليبرالية الجديدة الاستعانة بقوى خارجية على أوطانهم تحت تبريرات سياسية في جوهرها خارج دائرة الأطروحات الفلسفية والأخلاقية لليبرالية الكلاسيكية.

وإذا كان حال بلداننا يحتاج إلى تغيير جذري يأخذ بنظر الاعتبار القيم الليبرالية الكلاسيكية تلك التي تعلي من شأن الفرد والحرّية السياسية والمدنية واحترام حقوق الإنسان، إضافة إلى الحرّية الاقتصادية دون أن ننسى دور الدولة كضامن في العالم الثالث لتسريع التطور والتغيير، وتلك واحدة من خصائص التغيير الذي تنشده شعوب هذه المنطقة، وهو ما ذهب إليه قرار للأمم المتحدة لعام 2000 [15] الذي نصّ على أن قضية الديمقراطية على المستوى العالمي هي ذات طبيعة استراتيجية وتستند إلى ثلاثة أسس:

الأول - لا وجود لنموذج عالمي واحد للديمقراطية ؛

والثاني - التنوّع والطبيعة الغنية للشعوب وتجاربها؛

والثالث - المشترك الإنساني في التجربة البشرية بمعنى أنها نتاج تفاعل التجربة الإنسانية بحضاراتها المختلفة والمتنوّعة.

وأكّدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة العالمية 2015 أن "الديمقراطية قيمة عالمية تستند إلى إرادة الشعوب المعبّر عنها بحرية في تحديد نظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وإلى مشاركتها الكاملة في جميع نواحي حياتها"[16].

وكان زعماء العالم قد أعلنوا في إعلان الألفية الثالثة بألّا يدّخروا وسعاً لتعزيز الديمقراطية وتوطيد سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية وهو ما أكّدته في العام 2015 بتحويل عالمنا للتنمية المستدامة (جدول أعمال 2030).

وأستطيع القول أن الجيل الليبرالي العربي الأول يتمثل بـ: أمين الريحاني وطه حسين وأحمد لطفي السيد وسلامة موسى ويعقوب صروف وقاسم أمين وعبد الفتاح ابراهيم وكامل الجاردجي وحسين جميل ومحمد حديد وهاشم الأتاسي وفارس الخوري وخالد العظم وفرح انطوان وشبلي شميل، ويمكن اعتبار محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ورفعت الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني وآخرين جزء من التيار الليبرالي العام وهؤلاء  لا يربطون رابط مع تيار النيوليبرالية، خصوصاً وأن هؤلاء جميعاً أو غالبيتهم الساحقة كانوا دعاة تحرر من ربقة الاستعمار والاستبداد ودعاة حرية  .[17]

إن إخضاع الفلسفة للسياسة وهو منهج  الليبراليين الجدد  أفقد الفلسفة الليبرالية أي بعد فلسفي لدرجة لم يعد مفهوم الليبرالية الذي يدعون له على علاقة بالليبرالية الكلاسيكية، والأمر سيّان سواء الليبرالية الجديدة الأمريكية والغربية اليمينية، الشعبوية العنصرية، أم دعاة الليبرالية الجديدة في مجتمعاتنا حتى وإن تغلّفت بمهمة الوقوف ضد الاستبداد، فمثل هذه المهمة النبيلة لا ينبغي أن تتساوق مع الاستتباع وقبول الطغيان الخارجي بزعم التخلص من الاستبداد الداخلي، فأية ليبرالية رثة تلك التي تقبل بذلك؟  وللأسف لا يميّز البعض بين القواعد الديمقراطية والبعد الفلسفي لليبرالية  من جهة وبين الليبرالية الجديدة ذات الوجه العنصري الاستعلائي، والتي اتخذت منحى شعبوياً في الغرب لا علاقة له بالاتجاه الليبرالي الكلاسيكي،  ويزداد الأمر غرابة حين يتخذ الاصطفاف الطائفي والمذهبي والإثني  في بلداننا من العباءة الليبرالية وسيلة لمشروعه السياسي، الذي لا علاقة له بالمنظومة الفلسفية الليبرالية.

ولعلّ النقد الأساسي  الذي يواجهه الليبراليون الجدد، ولاسيّما في بلداننا  هو عدم الربط بين الحرّية وضرورة التحرر، وبين الممارسة الديمقراطية والتنمية للارتقاء بحاجات المجتمع وخصوصاً من الفقراء والمعدمين ، فضلاً عن ذلك إن استمرار الولاءات العشائرية والقبلية والطائفية والدينية، أي ما قبل الدولة وما دونها، تقف حائلاً أمام الفكرة الليبرالية بمعناها الكلاسيكي، بسبب غياب ثقافة مدنية وحقوقية تستند إلى المواطنة، وهو الأمر الذي يصطدم مع الحداثة، لاسيّما بسيطرة الثقافة التقليدية والنزعة المركزية المتأصلة في الواقع العربي والدور الخارجي المتحكّم باقتصاديات بلداننا والذي أدى إلى إضعاف مبادئ السيادة لصالح العولمة .

 

عبد الحسين شعبان

.............................

[1] -انظر: شعبان، عبد الحسين- جذور التيار الديمقراطي في العراق، هل انقطع نسل الليبرالية العراقية؟، دار بيسان، بيروت،  2007، ص 16 وما بعدها.

[2] -Gerald Gaus/Tulane University,  Shane D. Courtland/ Tulane University, Stanford

Encyclopedia of philosophy,2003

[3] - جون ستيوارت ميل (1806-1873) ويعتبر كتابه On Liberty  مرشداً للفكر الليبرالي .

[4] - جون لوك ( 1632-1704)

[5] - توماس هوبز( 1588 - 1679)

[6] - فرانسيس بيكون(1561 -  1626)

[7] - آدم سميث  (1723 -  1790) مؤسس علم الاقتصاد الكلاسيكي ومن أشهر كتبه " ثروة الأمم".

[8] - انظر: د.سمير أمين- الفيروس الليبرالي، الحرب الدائمة وأمركة العالم، مركز البحوث العربية الافريقية (كراسات18) ترجمة سعد الطويل، القاهرة، 2004، ص 42.

[9] - جون ماينارد كينز،(1883 - 1946)

[10] - انظر: زكي رمزي - الليبرالية المتوحشة، الهيئة المصري للكتاب، القاهرة 2007،  ص 20 و21 .

قارن كذلك: نيلسون ارووجودي سوزا، انهيار الليبرالية الجديدة، بيت الحكمة، ترجمة جعفر علي السوداني، بغداد، ط1، 1999، ص 24 و25.

[11] - انظر: Shaban, Hussain, 2020 - The heavy Burden of Democracy: where is salvation? Democracy Between Perspective and Prihibited.SAGE Journal of Philosophy and Social Criticism, vol, 46, no 5 , May 2020, pp, 523- 538.

[12] - في البداية نشر مقالة في مجلة الشؤون الخارجية Foreign affaires  ثم أصدر كتابه المذكور واعتمد كجزء من الاستراتيجية الأمريكية التي تعززت في عهد الرئيس جورج دبليو بوش الأب ومن بعده كلينتون وكان طغيانها في عهد الرئيس جورج دبليو بوش.

[13] - انظر: Fukuyama,  Francis -  The End of History and the Last Man, Free Press  1992

[14] - انظر: Huntington- Samuel- Aclash Of Civilization, Foreign Affaires, Summer 1993

Huntington, Samuel- The Clash Of Civilization And Remarking of world order, London

Simon and Schuster,1997

قارن كذلك: شعبان، عبد الحسين - الإسلام والإرهاب الدولي، - ثلاثية الثلاثاء الدامي، الدين - القانون - السياسة، دار الحكمة،ط1، لندن، ايلول (سبتمبر) 2002، (ط2/ دار ورد، عمان، 2008).

[15] - انظر: القرار رقم 47 لعام 2000 الذي أوصى بمجموعة من التدابير التشريعية والمؤسسية والعملية كدعم الديمقراطية.

[16] -انظر الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة العالمية، أيلول/سبتمبر/2005 حين أعلنت القمة عن تجديد التزام الحكومات بتأييد الديمقراطية وترحيبها بإنشاء صندوق الديمقراطية في الأمم المتحدة لدعم المجتمع المدني وكانت في 8 أيلول /سبتمبر/العام 2007 قد أعلنت الجمعية العامة أن 15 أيلول /سبتمبر/ من كل عام يعتبر يوماً عالمياً للديمقراطية ودعت إلى الاحتفال به، وذلك على الرغم من أن كلمة الديمقراطية لم يأت ميثاق الأمم المتحدة الذي أبرم في العام 1945 على ذكرها.

[17] -انظر:  شعبان، عبد الحسين- جذور التيار الديمقراطي في العراق، مصدر سابق، ص 49.

 

علي محمد اليوسفتقديم: يجمع العديد من مؤرخي تاريخ الفلسفة على أن الفيلسوف الالماني جوتفريد لايبنتيز 1646- 1716، كان معتدلا في افكاره الفلسفية يتحاشى الاصطدام المباشر بالفكر المغاير، ويطرح افكاره الفلسفية واضعا نصب اهتماماته الفكرية مصلحة المانيا سياسيا قبل كل شيء، وعلى صعيد الفلسفة ينسب له أنه احرز تقدما فلسفيا تجاوز فيه كل من ديكارت في تطويره النزعة العلمية واعلاء قيمة العقل وتمجيد الذات التي مهدت لمرحلتي النهضة والانوار وصولا الى الحداثة التي بلغت اوجها في القرن العشرين. (اذ اعتبر مؤرخو الفلسفة لايبنتيز اكبر فلاسفة عصر النهضة التي مهدت أفكاره لمرحلة التنوير ايضا)(1) وقد عارض لايبنتيز طروحات جون لوك حول الافكار الفطرية في كتابه (مقالات جديدة).

كما لا أجد شخصيا أن لايبنتيز تجاوز سبينوزا في مفهوم ميتافيزيقا الايمان وقدرة الخالق اللامحدودة كما يذهب له بعض مؤرخي تاريخ الفلسفة. وسنعرض سريعا هذا الاختلاف بينهما على صعيد التفلسف اللاهوتي المتباين في تصورهما الله والايمان. كما نشير لمداخلات فيورباخ حول تعالق الانسان والطبيعة في نشأة الاديان لما لافكار فيورباخ في فلسفة الدين من أهمية بالغة.

وسيرة حياة لايبنتيز جعلته عبقريا بالفطرة الطبيعية قبل تمكنه من فرادة قدراته الفلسفية المبكرة في اكثر من مجال التي تحصّل عليها اكاديميا حيث حجبت عنه جامعة لايبزج شهادة الدكتوراه لصغر سنه عشرين عاما، في حين منحتها له جامعة (التدروف) وزادت في تكريمها له عرضها عليه أن يشغل كرسي استاذ محاضر في الجامعة لكنه رفض ذلك تحسبا من نيل الوظيفة الجامعية استقلاليته الفكرية وتشتيت تكريس وقته للفلسفة. اذ كان متعدد الاهتمامات العلمية والرياضية مثل توصله الى نظرية التكامل والتفاضل في استقلالية عن نيوتن نال شهرة واسعة عليها كما صنع حاسبة رياضية لعمليات الحساب الاربعة وغير ذلك من انشطة.(2)

كما أستطاع لايبنتيز على الصعيد السياسي بمنطقه الفلسفي الرصين دعم وجهة النظر الالمانية في ورقة كتبها حول مشروعية ضم عرش بولندا لها، وأخفق في هذا المسعى كون المنطق الفلسفي لا يغيّر حقائق الارض في أحترام سيادة وكرامة شعوب تلك الدول ذاك الوقت والى اليوم، وحين توّجس لايبنتيز أخطار أطماع لويس الرابع عشر في ضم المانيا وتجنيبها حرب الثلاثين عاما الاوربية نصح الملك الفرنسي تغيير وجهة نظره صوب المشرق وأحتلال مصر بدلا من التوغل وراء الاطماع الفرنسية في اوربا وهو ما جرى فعلا... حيث لاقت دعوة لايبنتيز التقدير الكبير والاهتمام الفرنسي ما جعل بلاط باريس يوجه له الدعوة لزيارة باريس التي مكث فيها فترة قبل سفره الى بريطانيا تراوده نفس الاحساسات السياسية على صعيدي الاصلاح الداخلي وصعيد الطموحات الخارجية التي زرع بعضها في كل دولة زارها تراودها نزعة التوسع الاستعماري....

ولم يحقق مقترح لايبنتيز الملك الفرنسي لويس الرابع عشر بل حققه له نابليون بونابرت في غزوه لمصر وبلاد الشام في (1798- 1801). وكانت تلك حملة السيطرة الاستعمارية الاولى التي فتحت الباب على مصراعيه في قضم واستقطاع مستعمرات الامبراطورية العثمانية الشائخة بما عرف عنه تاريخيا الاستعمار القديم الذي تقاسمته فرنسا مع بريطانيا وايطاليا في الهيمنة على كامل الوطن العربي وانتزاعها من براثن سلطة الخلافة العثمانية التي انهارت تماما عام 1924 على يد علمانية كمال اتاتورك.

ايمان لايبنتيز الديني

أيمان لايبنتيز الديني الذي تضمنه كتابه (الثيوديسيا) هو ايمان فلسفي لاهوتي يقوم على ميتافيزيقا القدرة الالهية والامكان اللامحدودتين للخالق، وفي مرجعيته الفلسفية المهادنة التي تعتبر حسب قوله اننا نعيش افضل العوالم، يربط لايبنتيز القدرة الالهية اللامحدودة بألفهم الدوغمائي الديني محاولا تقريب فهم الايمان الانساني لاهوتيا بمطلق المشيئة الالهية حين يقول (الله قادر على كل شيء بمعنى أنه يستطيع خلق كل شيء ممكن، لكن عندما يفعل ذلك فلا بد أن يختار بين بدائل يطرد بعضها بعضا بالتبادل التي ليست ممكنة التحقق معا.) (3)،ولنا التعقيب التوضيحي التالي:

- في عبارات لايبنتيز السابقة  يربط  القدرة الالهية بالامكان الممكن تحققه وفق قوانين الطبيعة التي تدركها عقولنا المحدودة بضمنها المعجزات الدينية على ايدي الرسل والانبياء... وليس تحقق الامكان التخليقي من عدم بالمعنى الاعجازي الالهي غير المحدود بالقدرة والامكان في ما يريد الخالق ايجاده وخلقه والتسليم به واذعان المؤمن له.

القدرة الالهية بالفهم اللاهوتي الميتافيزيقي غير المحدودة لا يمنع فعل الامكان (المستحيل) عائقا امام الخالق الذي من الممكن أن يكون هذا المستحيل بتصوراتنا العقلية الدينية متمثلا في معجزات الانبياء وليس في قدرات الخالق العابرة لتلك المعجزات التي هي بالحتم كانت تخترق قوانين الطبيعة في تعاليها عند الانبياء الا أن امكانية استيعابها البشري كشيء معجز الهي ممكن تصديقه ميتافيزيقيا..وليس من المستحيلات خلق كل شيء في قدرة الخالق غير المشروطة كما يفترضها لايبنتيز (لابد للخالق أن يختار بين بدائل يطرد بعضها بعضا بالتبادل التي ليست ممكنة التحقق معا).. هذا التعبير يحاول مواءمة ما يخلقه الخالق مع مدركاتنا المحدودة في الاستيعاب والتصديق بما هو وارد الينا من  المعجزات الخارقة للمعقول.

وليس معجزات الله الصادرة مباشرة عنه بما لا قدرة على مداركنا العقلية استيعابها وفهمها سببيا. كما أن الاشياء والموجودات التي يرغبها الخالق لا تقف امامها استحالة امكانية تحقيقها دفعة واحدة كما اشار له لايبنتيز في تعّذر الخالق تحقيقه الا وفق اسبقية الجديد على القديم.

أعتقد من السذاجة تصورنا أن ممكنات قدرة الله في خلقه الاشياء والعالم والموجودات والطبيعة والانسان نفسه جاء أو يجيء برغبة الانسان المسبقة أن يخلق الله له ما يرغبه ويحتاجه الانسان بالحياة. (الله قادر على خلق كل شيء ممكن) كما في تعبير لايبنتيز. وهل يوجد شيء عصي على الله خلقه وايجاده من عدم؟ كي يكون هناك اشياء غير ممكن خلقها الهيا؟..

- الايمان بالقدرات الالهية الاعجازية هو الايمان القلبي الميتافيزيقي الحدسي وليس الايمان العقلي بالتصديق البرهاني الحسي بقدرات كلية وخاصيّات مدركة غير مصدّقة عقليا لكن واجب التسليم الايماني بها، وهي قدرات أعجازية لا يمكننا الاحاطة العقلية الادراكية لها في خرقها قوانين الطبيعة وخرمها جزئيا أو كليا تلك المخلوقات مخالفة ايجادها قوانين الطبيعة ما يحتم أن يكون التسليم بالمعجزات على انها قدرة وامكانية ربانية غير منظورة ولا محدودة ولا نهائية.

والمعجزات ليست خاصية الانبياء على الدوام وامتداد العصور التي لا تخضع لقوانين العقل والطبيعة بل هي معجزات الايمان القلبي الروحاني برغبة الخالق أن تكون فتكون، حيث دائما ما نجد اللاهوت الديني يؤكد أن القدرة الالهية هي امكانية خارقة لقوانين الطبيعة في أمكانية الخلق من العدم، والخلق خارج قدرات العقل البشري الادراكية في انعدام التعالق السببي بين الاشياء في فهم آلية حدوثها وتطورها خارج قوانين فيزياء الموجودات أيضا بما يعجز العقل تفسيرها..

بمعنى حسب المصطلح اللاهوتي الحديث المتفق عليه الايمان الديني ميتافيزيقيا هو أيمان قلبي وجداني ضميري أخلاقيا لا يمكن مقايسته المقارنة بالقبول والرفض عقليا منطقيا بالنسبة للفرد ولا الجماعة وهو رأي ساري المفعول الى يومنا أن الايمان الديني لا يحاكم بمنطق العقل العلمي ولا بالمنطق الطبيعي سببيا في ادراكنا الموجودات.

-  نظام الاشياء من حولنا هو نظام محكوم بقوانين طبيعية ثابتة اوجدها الله حسب اجماع اللاهوت الديني، وليس في وارد الارادة الالهية القدرة الخالقة للاشياء لما هو جديد في استيعابنا المعرفي المحدود احلالها بدل القديم أن يكون حاضرا بالتبادل في ازاحة المبدل عنه وتنحيته الا وفق أحكام تلك القوانين الطبيعية التي ندركها نحن والتي لايعمل بموجبها الخالق بتحقيق رغائبنا، وهذا ما لا ينطبق جملة وتفصيلا على معيارية المقايسة المقارنة بين حصول تبادل الاشياء بقدرة الامكان الالهي اللامتناهي الاعجازي وبين تلك التحولات المدركة فيزيائيا عقليا في نظام العالم الطبيعي من حولنا.

ما يدركه العبد المخلوق من قدرات يستطيع ادراكها ايمانيا على شكل معجزات وافعال خوارق للطبيعة هي لاشيء يذكر بمقياس لا محدودية القدرة الالهية الامكانية للخالق في خلقه لما يشاء التي تعتبر معجزات الانبياء نقطة في بحر المقارنة مع القدرة الامكانية الالهية. بخلقه لما يريد هو لا ما يريده الانسان خلقه .

- أختيار الخالق للبدائل تحت حكم وجوب أن يطرد بعضها البعض الاخر في انتهاء صلاحية للاقدم البقاء واشغالها حيّز الوجود على وفق مشيئة الهية مستقلة تماما عن احكام قوانين الطبيعة في محدودية القدرة الادراكية لدينا، أنما يقوم على مبدأ ايماني ميتافيزيقي لا يحتاج براهين عقلية، ولا يمكن لعقولنا معاملة الاخذ بها قناعة متجردة في عدم امتلاك الحرية وقدرة الاختيار، فما يخلقه الله لا يحتاج تبريره بقوانين عقلية محدودة تفهمها عقولنا سببيا كما نفهم نظام بعض قوانين الطبيعة . فالله يخلق ما يشاء بلا حساب ولا مساءلة ويصبح ما يخلقه من مسلمات الايمان البدهي الميتافيزيقي بالتصديق الذي لا يطاله النقاش القاصر من لدن مخلوقاته التي لا تدرك الغاية الموجبة المتوخاة بخلق كل شيء أو هذا الشيء دون غيره. هذا مجمل ماتتفق عليه الاديان الربوبية والتوحيدية على السواء.

الايمان الديني بين سبينوزا ولايبتنيز

نجد من المهم المقارنة بين فهم الايمان الديني عند سبينوزا السابق عصره لايبنتيز واختلافه عنه بماذا؟، سبينوزا كما هو مفهوم عنه لا يرى امكانية التحقق من الخالق في المعجزات المنسوبة للانبياء الخارقة لقوانين الطبيعة وتنسب لمشيئة الخالق تنفيذ الانبياء لها، الذي هو كيان غير متعين ولا مدرك على صعيد مفهوم ميتافيزيقا الوجود، ويمكن القول أن سبينوزا لايفهم الخالق فهما لاهوتيا ميتافيزيقيا مشخصنا ذلك الوجود بصفات وقدرات الهية لامحدودة ولا نهائية متعالية الوجود على الطبيعة والانسان، كما تنص عليه مقدسات الكتب الدينية دليل قول سبينوزا (لا أحد في العالم كله يستطيع أن يسن قوانين الدولة الدينية المقدسة، وغاية الدولة الحقيقية للحكومة هي الحرية)(4)، حرية الاختيار لنمط التديّن الذي يرتضيه الفرد وليس الذي يفرض قدسيته الايمانية رجال الدين التسليم به قسرا على الناس.

وهذا استقراء ذكي وتنبؤي غير مسبوق اشار له سبينوزا منذ القرن السابع عشر في أجتناب مخاطر تسييس الدين وجعله مطيّة تحقيق منافع وامتيازات رجالات السلطة والحكم في أشباع ملذاتهم الدنيوية وأمتيازاتهم الارضية وليس تحقيق عدالة الارض وحقوق العباد التي يوصي بها الخالق ونجد تنفيذها الظالم المجحف الخرافي المسخ من قبل سلطة الحاكم الاستبدادية في الارض بوساطة رجال الدين المؤدلجين سياسيا بما يرضي رغائب الحاكم وتركيع كل شيء امام قدميه في تحقيق ما يريده.

كان من المفروض أن يستفيد لايبنتيز من مفهوم سبينوزا التديني المتقدم كثيرا على افكار لايبنتيز الغارقة في فلسفة دينية ميتافيزيقية قام بها في قفزة مناوئة رجعية لم  يستطع فيها لايبنتيز فهم ما حققه سبينوزا في الايمان الديني المتقدم والبناء عليه، وشخصنة لايبنتيز للذات الالهية وقدراتها أرجعت الحس النقدي الديني الذي ارساه سبينوزا للوراء الى مرحلة العصور الوسطى في تحاشي وأهمال جديد ما حققه سبينوزا في عدم أخذ الايمان الديني من مصدر الهي مشخصن ذاتيا غيبيا ميتافيزيقيا ولا من كتب لاهوتية مشكوك بصدقيتها المليئة بمعجزات الانبياء وسيرهم الذاتية المكتوبة الملفقة التي تصادر حرية التفكيرالعقلي في التديّن، الذي اشار لرفضه ومارسه فلسفيا سبينوزا بشجاعة تحسب له وفي ظروف صعبة كادت تودي بحياته.

بوجيز العبارة كان سبينوزا راديكاليا عنيدا في تفسيره اللاهوت والمعجزات بالمقارنة بميوعة ومهادنة وترضية ممارسات لايبنتيز التلفيقية التوفيقية في محاولته ارضاء جميع النخب الدينية على حساب أعادة ضلالة الشعوب وحصدها المآسي التي أثخنتها العصور الاوربية الوسيطة بجروح لم تندمل الا وقتما وضع العلم سطوته المهيمنة على اللاهوت الديني ونحّاه جانبا من طريقه.

سبينوزا يتقدم ويختلف مع لايبنتيز بأنه لا يؤمن بخالق مشخصن ميتافيزيقيا بل يؤمن بصفات الهية موزعة بقدرات عجيبة مذهلة للعقل موجودة في الطبيعة والانسان، وهو مذهب ديني لم يعتمده متصوفي وحدة الوجود كما فهمه سبينوزا فهما قائما على انتزاع الايمان بقدرات فردية تدرك عجائب الخالق بمخلوقاته. وليس في محاولة المتصوفة التماهي التذويتي الاتحادي بالخالق ميتافيزيقيا مع كيان من الممكن الافتراضي للمتصوف الوصول حافات ذلك الكيان النوراني والاتحاد به كما يدعون.

الصوفية مارسوا مذهب وحدة الوجود في غير طبيعته الانسانوية القائمة على انسنة موجودات الطبيعة في علاقة قائمة على فهم الانسان الفطري في تفسيره ظواهر الطبيعة على أنها دلالات توضيحية تحيطنا بالحياة لا نستمدها من اللاهوت الديني الوضعي ولا في المعجزات كما حذّر منه سبينوزا، حيث تعاملت المذاهب  الصوفية العديدة مع الخالق كنور مشخصن من المتاح الممكن الاتصال الروحاني به والحلول بذاته في استقلالية ماهوية لا يمكن عبور جدارها المانع أو تخطي صفات كينونة الاله النورانية بمصطلحهم الصوفي في محاولة تلفيق أمكانية تحقق الاتحاد بين ماهيتين متباعدتين لا يلتقيان لا بالجوهر ولا بالصفات ويجعلوا من التجربة الصوفية اعجازا خارج محكومية قوانين الطبيعة كما يمارسه الانبياء في معجزاتهم...

لايبنتيز  يفهم القدرة الالهية كما تفهمه الصوفية العرفانية الحلولية باختلاف شكلي بسيط عنهم هو شخصنة الله كينونة مدركة من خلال صفاتها ومعجزاتها بما يقوم به الانبياء والوحي الالهي عوضا عنه، وهو ما تدركه عقولنا كخرق اعجازي لا يستطيعه الا البشرمن الانبياء خارقي القدرة وبتكليف من الخالق والتوصية به.، وهذه القدرة الالهية تقوم على مرتكز اساس هو التدخل المباشرفي نظام الاشياء وقوانين الطبيعة عندما يختل توازنها الطبيعي أو حين يصل عدم الايمان بالخالق طريقا مسدودا امام النبي المرسل ما يضطره القيام بخوارق معجزة بغية اعادة الايمان المفقود لدى العامة من الناس، بينما سبينوزا على العكس من لايبنتيز يرى الخالق موزعا كقدرات خارقة في كليّات موجودات الاشياء المدركة في الطبيعة كجواهر وأعراض وفي دواخل الانسان ذاته كما أخذ به فيورباخ من بعد سبينوزا الذي دعا الى معرفة الخالق في ادراك الانسان الطبيعة وتخليقه لمعبوده ذاتيا وليس في شخصنته انفصاليا متعاليا على الطبيعة والانسان والوجود كما يدعو له اللاهوت الديني في الاذعان والتسليم بلا تساؤل وبلا تشكيك يناقش.

ذهب فيورباخ بقفزة دينية أبعد مما دعا له سبينوزا، بأعتباره الانسان والطبيعة والاله هما دلالة واحدة في التعبير المتجسد في شيء واحد هو اختراع الدين الذي ابتدعه الانسان لا غيره على مراحل انثروبولوجية من خلال علاقته بالطبيعة... ولم يتطرق فيورباخ الى فلسفة لايبنتيز في الشخصنة الالهية الميتافيزيقية متمثلة بالقدرات الاعجازية للخالق، بل أعتمد افكار سبينوزا في فلسفة مادية صوفية على طريقته الخاصة في خلعه الالوهية على الطبيعة والذات المؤنسنة بها، فيورباخ ركزأهتمامه على معرفة كيف نشأت الاديان عند الانسان انثروبولوجيا وليس معرفة ما ينسب للانبياء من  معجزات  وما يخلقه الله من موجودات خارقة لقوانين الطبيعة وهل هي صادقة أم لا؟. فيورباخ لا يؤمن بشيء ديني لا يخلقه الانسان بنفسه ذاتيا سواء أكان ماديا أم روحانيا، واذا اراد الانسان التفتيش عن ذاته فليعرفها في الهه الذي أخترعه وأسبغ عليه جميع الصفات الاعجازية التي لا يقدر الانسان على تحقيق الجزء اليسير منها كموجود في الطبيعة متمايز عنها بالصفات والماهية. بل يكون في تصديقها المطلق  وتقديسها والعمل بطاعتها والابتعاد عن نواهيها.

عشق فيورباخ الطبيعة ومجدّها الهيا بشكل لا يصدق معتبرا الدين هومنتج الطبيعة الذي استولده الانسان من احشائها اذ كتب لاحد اصدقائه اني أكاد أضم الطبيعة بقلبي. وهو المنحى الذي أعتمده في نشأة الدين باستخلاصه من مكمنه الانثروبولوجي، وقد استفادت الفلسفة البنيوية لدى شتراوس في اقتباسها هذه العبارة (الفكرة) واسقاطا تعديليا مفاده أن معرفة نشأة اللغة لا تكون من غير مرجعية الاستناد على تطور الانثروبولوجيا....ومن المعلوم أن اللغة تتقدم الدين في النشأة وكليهما ناتجان عن الانثروبولوجيا التاريخية للمسيرة التطورية للانسان.

حتى النظرة الموضوعية الطبيعية ماديا التي أعتمدها سبينوزا في عدم شخصنته الله ميتافيزيقيا وتصديق معجزات الانبياء بل الاهم كان عنده النظر في صفاته الاعجازية الموزعة بنظام الطبيعة وموجوداتها الانسان من ضمنها فقط ولا يوجد هناك ذات الهية مشخصنة ميتافيزيقيا.. والتفت فيورباخ لهذه الموضوعية الطبيعية الاسبينوزية في تقديسه الطبيعة الهيا كونها المصدر الوحيد في معرفة واستقصاءات نشأة الدين.. مؤكدا لا وجود لدين لا يستولده الانسان من الطبيعة ذاتها ومن تفكيره العقلي الجدلي معها.

متغاضيا عن ادانة ماركس لهذا التمجيد للطبيعة كمصدر تخليقي للدين، بدلا من مركزية العامل الاقتصادي والتفاوت الطبقي في تقدم التاريخ وفهم جدل المادية التاريخية، كما أدان ماركس ايضا أهتمام فيورباخ تقديسه الطبيعة لابتعادها عن المنهج المادي الذي يتعامل هو به، داعيا أهمية الابتعاد عن شخصنة الذات الالهية في قدراتها خلق كل شيء في استقلالية منفردة متعالية على الطبيعة والانسان... طبعا كان هذا في تلبية توكيد نزعة الالحاد لدى ماركس وفيورباخ معا.. وليس في التماهي مع منطلقات سبينوزا الايمانية أن الله الخالق موجود في كل شيء يدركه الانسان في محيطه وعالمه الخارجي.

ورغم استماتة سبينوزا في نبذه ميتافيزيقا التدين خارج علاقة فهم معجزات الطبيعة مع الانسان الذي رسخّه لاهوت القرون الوسطى، وعدم شخصنة الخالق ميتافيزيقيا خارج قوانين وموجودات الطبيعة، وما أعقب ما حققه سبينوزا في دعوته نبذ اللاهوت الوضعي والمعجزات، قام لايبنتيز بردة دينية رجعية في تاكيده اصل الدين هو ميتافيزيقا خلق كل شيء والانسان مخلوق ميتافيزيقي تلازمه نزعة التدين أولا واخيرا، فالاثنان كليهما سبينوزا ولايبنتيز لم يقتربا من المنهج المادي الذي أنبثق التعامل الفلسفي به المضاد للدين مع  بدايات هيجل ونهايات ماركس وانجلز في انجازهما البيان الشيوعي وبعده كتاب راس المال في تطويرهما المادية التاريخية والمادية الديالكتيكية على صعيد المادة وظواهر الطبيعة والحياة..

لذا حين ظهرت أفكار فيورباخ المادية الراديكالية التي شكلت خروجا مارقا على تعاليم مثالية هيجل في القرن الثامن عشر وانشقاق الشبان اليساريين عن هيجل كما فعل فيورباخ وماركس، ظهرت بوادر ماركسية جديدة في كيفية الجمع بين ديالكتيك هيجل المثالي الذي يرى مجال الجدل هوالتفكير العقلي المتعالي والمجرد عن الواقع، مع مادية فيورباخ الانثروبولوجية الصوفية التي لاتعترف بالجدل المثالي الهيجلي في انحرافها القول بأن العامل الديني هو المحرك المتقدم للتاريخ. ما أثار حفيظة ماركس في أعتماده مركزية العامل الاقتصادي هو المحرك الاول للتقدم التاريخي في حتمية ملزمة تطورية ما جعله يشن هجوما لاذعا بالضد من فيورباخ. ضمنه كتابه (اطروحات حول فيورباخ). ولم ينكر ماركس وصفه لكل من هيجل وفيورباخ انهما فيلسوفان عظيمان ولولاهما لما انجز العديد من اعماله بتعاونه مع انجلز وبخاصة اسهامهما في تطور المادية التاريخية.

وصمة صوفية افكار فيورباخ في فلسفة التدين عنده في كتابيه اصل الدين وكتاب جوهر المسيحية رغم الحاده الصريح الذي وصفه ماكس شتيرنر وهو احد الشبان اليساريين الذين انشقوا عن هيجل ايضا وصف الحاد فيورباخ الحادا غير متسق..،  وأعتمد ماركس مادية فيورباخ بعد تخليصه لها من صوفيتها الدينية رغم راديكالية فيورباخ في التماهي مع سبينوزا حول أهمية العودة الى عبادة الطبيعة وليس مركزية الدوران حول تشييء الذات الالهية ميتافيزيقيا.. كي يجد الانسان الهه في الطبيعة وفي تماهيه الذاتي معها، كما دعا فيورباخ أهمية فصل الدين عن الفلسفة كي ياخذ الفيلسوف حريته الكاملة في التعبير عن افكاره وما يؤمن به حقا..

وسبب تلك الوصمة الصوفية الدينية المدانة التي لحقت فيورباخ الملحد انه لم يسترشد بمنهج الديالكتيك المثالي الذي جاء به هيغل وانكره عليه العديد من الشبان اليساريين المنشقين عن هيجل في مقدمتهم فيورباخ وماركس وانجلزوشتيرنر، وتم على يد ماركس تخليص ذلك الديالكتيك الهيجلي من المثالية الجدلية التي ترى في تطور المادة والظاهرات والتقدم التطوري التاريخي انما يتم على صعيد الفكر وليس على صعيد ما يعتمل في الواقع من تناقض وجدل طبقي مرتكزه الاساس العامل الاقتصادي في وجوب التخلص من واقع التعامل المجحف في اللامساواة والعدل بين الفقراء والاغنياء المالكين لكل شيء والمحروم منها الفقراء حتى قوة عملهم الذي يبيعونه للمالك كفائض قيمة....

سبينوزا والمرجعية المسيحية

الايمان الديني عند سبينوزا يكون في كل الامور جوهره الذي يجد الانسان في معبوده رقيبا يلازمه ماثلا لمساعدته ورحمته وليس الانتقام منه والوعيد له بالعذاب في آخرته، ومرجعيته بهذه النظرة الانسانية مستمدة من المسيحية في تداولها أن الانسان لم يخلق للتعذيب المهول يوم القيامة فقد حمل المسيح خطايا الانسان على الارض وضحّى من اجل تخليص الانسان من الحساب يوم القيامة، بما اطلق على مذهب سبينوزا أله وحدة الوجود والله موجود في كل شيء مخلوق ومدرك.

والتحريف المتكرر الذي وصم سبينوزا بالهرطقة والتجديف قبل فيورباخ أنه لم يكن متصوفا دينيا بمعنى مفهوم الحلول والاتحاد خارج صفات الخالق في الطبيعة وموجوداتها من ضمنها الانسان،بمعنى سبينوزا لم يشخصن الخالق كموجود متعين بابعاد فيزيائية أو متعين بدلالات ايمانية غيبية ميتافيزقية نورانية روحانية يعجز العقل الانساني ادراكها. بل هو دعى الى الاهتمام بالطبيعة في ادراك الخالق في تذويته الطبيعي في الاشياء والعالم الخارجي.

في حين يؤمن لايبنتيز بوجود خالق مشخصن ميتافيزيقيا بالقدرة الممكنة اللانهائية له رغم أنه غير مدرك عقليا لكنه يتدخل في نظام الاشياء الطبيعية بما يكسر حاجز القوانين الفيزيائية المتحكمة بها والتي يدركها الانسان بمنطقه الايماني وليس بفهمه العقلي..

وعلى عكس من سبينوزا لم يقترب لايبنتيز من أدانة اللاهوت الوضعي الذي يستمد قدسيته الالهية من وجود خالق يكلم بعض الانبياء وينزل على بعضهم الاخر الوحي في الانابة عنه وصنع المعجزات كما هو في مدونات كتب اللاهوت وادبيات الاديان التوحيدية وغير التوحيدية التي تستمد قدسية تعاليمها من تعاليم الارض الانتفاعية المكتوبة بأيديهم وليس من تعاليم السماء المثالية الزاهدة بمباهج الحياة الفانية.. هذه الدعوة التي تغض النظر عن حقيقة ليس كل الناس انبياء في تصديقهم معجزات الارض، وليسوا كلهم انبياء ايضا في تصديقهم معجزات السماء المفقودة بلا وساطة انبياء ورسل مختارين من الله يقومون بتلك المعجزات مؤقتا.

من المفروغ منه أن سبينوزا الذي سبق لايبنتيز وضع الانسان وايمانه تحت منطق تحرير الفهم الايماني الميتافيزيقي من وجود الخالق المدّبر لكل شيء في الحياة الارضية الى الايمان بالطبيعة ونظام الاشياء وذات الانسان ونزوعه الروحاني الفردي ولم يشخصن سبينوزا الخالق لاهوتيا ميتافيزيقيا كما فعل لايبنتيز بانفصال الخالق المتعالي على الانسان والطبيعة، ونادى سبينوزا أهمية أن يكون الايمان الديني هو مجرد عقد روحاني غير معلن بين الله وعباده وهذا العقد لا تحتويه الكتب المقدسة في فرض رجال الدين عقدا أجتماعيا وضعيا بديلا عوضا عنه  بما يحقق تطلعاتهم الدنيوية بأسم الايمان بالخالق في وصايتهم على تدين وايمان الناس على الارض.

لايبنتيز وتوحيد لاهوت المسيحية

كان سبينوزا معاديا لا يلين في محاربته رجال الدين في اليهودية وفي المسيحية على السواء، المنتدبين من تلقاء انفسهم تمثيلهم الوصاية على الدين من الالف الى الياء، وشكك كثيرا في اللاهوت الديني الوضعي الذي كان يمركز الوعي الايماني الجمعي بالمعجزات التي أعتبرها خروقات فاضحة خرافية لايقبلها العقل السوي، وعلى العكس من سبينوزا وضع لايبنتيز ثقته المطلقة في امكانية تحقيق الاصلاح الديني من خلال اصلاح رجال الدين، فقد حاول التوفيق بين الكاثوليك والبروتستانت، وبين تعاليم لوثر وتعاليم كالفن Calvin، في محاولته الوصول الى حل توفيقي بينهم، معتبرا الحل يكمن في تغليب نزعة (التسامح) في تذويب اختلافات المذاهب المسيحية الدينية بغية تحقيق الهدف السامي في وحدة اللاهوت الديني وانقاذه من التشظي والمحاور المتعددة في التاويلات والاجتهادات الطارئة عليه في تعميقها الاختلافات المذهبية. ومن الجدير ذكره أن سبينوزا كان ذهب أبعد من ذلك في دعوته ازالة الاختلاف التاريخي الديني المفتعل ما بين اليهودية والمسيحية كدين واحد وطالب في وجوب عودتهما دينا موحدا واحدا كون اختلافات الديانتين ليست حقيقية ومن الممكن تسويتها بقليل من التوافقات.

هذه الدعوة رغم سمو نواياها الاصلاحية العاطفية الدينية الصادقة اوقعت فيلسوفنا لايبنتيز في مطب سعيه الذي ذهب ادراج الرياح في تحقيق اصلاح رجالات الدين وخلافاتهم التي رأى في حلها تضع الدين المسسيحي على سكة الاصلاح الحقيقي، مغضيا الطرف أن شرعنة اللاهوت الارضي لم يكن اساسا حول الاختلاف في تفسير والتزام تعاليم المسيح ولا تعاليم غيره من الانبياء والرسل. أنما الاختلاف الذي لاينفع معه التسامح الاصلاحي هو مدونات كتب الاديان وادبيات المذاهب المنشقة في تعميق خلافات انشقاقات تلك المذاهب الدينية على اموردنيوية ليست من صميم تعاليم المسيحية الانسانية الحقة..لذا كان اصلاح رجال الدين دعوة عقيمة لم يفلح بها الفلاسفة لكنهم طبقوها بصمت في حياتهم.

 

علي محمد اليوسف /الموصل.

.....................

الهوامش:

1- وليم رايت /تاريخ الفلسفة الحديثة/ ترجمة محمود سيد احمد/ تقديم ومراجعة امام عبد الفتاح امام ص 130

2- نفسه ص 132

3- نفسه ص 133

4- نفسه ص 132

 

 

سامي عبد العال"الأم هي الحياة حين يختفي كلُّ شيء.."

" كانت الفلسفةُ أُمّاً للعلوم ورغم ذلك تجاهلت وضع الأم كسؤالٍّ بلا إجابةٍ"


ماذا لو طرحنا سؤال الأم بصراحةٍ فلسفيةٍ؟ هل تكشف الأم عن شيء جديد للتفلسف؟ كيف يتم التفكير فيها وما أهم القضايا التي تفرزها؟.. لم يناقش الفلاسفة " مقولة الأم" بشكلٍّ بارزٍ رغم الاهتمام الفلسفي بقضايا أخرى. وهذا الغياب يفسر غَمْط مكانة المرأة كقضية فلسفية جديرة بالمناقشة والحوار. ربما لكونِّ الأم علامة استفهامٍ أكثر من كونِّها موضوعاً. وربما لأنَّها ذات حضور بدهي يسكننا من الداخل دون التفكير فيه. ورغم أنَّ البداهة تلقائية ولا تحتاج تأملاً معقداً، إلاَّ أنَّ تسليماً بحضورها الحميم لا يخلوا من دلالة فلسفية عميقةٍ.

ولماذا نذهب بعيداً، فلم يكن ليوجد أي فيلسوف دون أمٍ بطبيعة الحال، لكن الأكثر أهمية أن وجودها في أفكاره لا تخطئه العين. وكم شكلت الخلفية الإنسانية والكونية من واقع التربية والمجتمع، لأنَّ لحظات تربية الابن لا تفصل الثقافة عن الأم الرؤوم التي توفر رحماً رمزياً لتكوينه وانضاج توجهاته. فلئن تخلَّق الابن جنيناً داخل رحم بيولوجي حمله شُهوراً، فقد نزل إلى حاضنة عامة لا يجانب تأثيرها العميق عليه. كما هو الحال لدى كانط عندما تأثر بأمه ريجينا رويتر(1697-1737) تأثيراً كبيراً. ولا سيما من جهة نزعتها اللاهوتية التقوية Pietism التي عايشها منذ الطفولة.

التقوية حركة بروتستانتية تؤكد على الورع والزهد والبساطة وقبول المرء لحاله في الحياة. وفي نفس الوقت عدم الاكتراث بالطقوس والشعائر وعدم التعصب لها والتواضع مع الناس. مما أورث كانط مقتاً لشكليات السلوك والمعتقدات. لدرجة أنَّه امتنع - حينما نضجَ شاباً- عن حضور الصلوات العامة في الكنيسة. حيث اعتبر أنَّها تُرسخ التدين المزيف. وأنَّ هناك شيئاً أعمق من ذلك ليس أقله من أن يتدين الشخص بأخلاق كونيه لا تميز بين فرد وآخر. هذا الخيط الذي ظل ممتداً في كتابات كانط وصولاً إلى جميع الأفكار.

من ثمَّ ظل كانط يبغضُ غلبة الجانب الديني الظاهري على الجانب العقلي في تعليمه. فهو يكره التعليم بأساليب الجدل الذى لا يتوقف، والمراسم الشكلية، والساعات الطوال في تعليم الشعائر والطقوس المتصلة بها. لدرجة أنه مال إلى التأمل العميق وأن يعيش كونياً أكثر من وجوده في سياق ما. وبهذا دفعته أمه مبكراً لطرح أسئلة حول الاخلاق والمسؤولية. لأنَّ الأخلاق هي الصدى البعيد للشعور الأمومي في شخصيتنا الإنسانية. وهي ما أولاها كانط جُلَّ اهتمامه في شكل الواجب المبذول لأي إنسان مهما يكُّن. الواجب هنا- من جهة كليته وبذله- به جانب أمومي لا يخفى على القارئ[1].

من غير ألقاب أو مساحيق تأتي الأم ُكياناً مكتملاً. هي لا تنتظر شيئاً خاصاً من أحدٍ. كلُّ إنسانٍ ليست له إلاَّ أمُ واحدةٌ فقط. بينما قد يكون له أكثر من أبٍ. حيث يقوم النظام الاجتماعي بتلك المهمة لو غاب الأب المادي. فهنالك الأب البيولوجي والأب الروحي والأب المهني والأب العلمي والأب الحمى بالمصاهرة. وحتى كلمة الأم تصبح مشوشة إذا أُضيفت إليها كلمات أو عبارات سواها. لأنَّ الأم كمعنى دوماً فائقة الوصف ineffable، خارج المقارنة، بعيدة عن التماثل. كما لو كانت كياناً روحياً يصعب على اللغة احتواءه[2]. وإذا حملت بعض السمات أيا كانت، فليس أقل من مضمونها الإنساني وحسب.

طبيعة الأم دلالياً تنتمي إلى مستوى آخر من التعبير. ليس هو الكلام الاعتيادي إنما أشبه بنص كوني حياتي. إذ تفتح قوس التطلع نحو آفاق الماضي والمستقبل إلى أقصى إمكانية. لأنَّها تمثل الحنين إلى "الرحم البدئي" لكياننا الجنيني الأول. كذلك تمثل اللقاء الدائم بالسكينة طوال الزمن الآتي. فالعودة هنا تأتي من القادم. وليس إلى الماضي فقط على ما تدل كلمة العودة. فدلالتها ليست مجرد لغة أو اشتقاق ألفاظ، إنما تثير العواطف الحانية ومشاعر الانتماء إلى جذور ما.

إنَّ صرخة الطفل خروجاً من الرحم هي شق الوجود نحو الحياة. ولكنها بمثابة الصرخة المعبرة عن أمانٍ ما كان ليدركُه حتى يفقده إجمالاً. وإذا كان الإنسانُ قد خرج من "رحم بيولوجي" إلى "رحم ثقافي" مثلما نوهت، فالأخير يقوم على الصراع والعنف. بينما الرحم الأمومي هو الملاذ الأول، الحنين، الحلم، الذاكرة الحميمة، الماضي السعيد، الجنة الموعودة. ولذلك يوجد في الرحم الأمومي شيءٌ من الحياة الأبدية التي يتطلع إليها الإنسان في شكل يوتوبيا مؤجلَّة. قد تكون علاقةً مع معشوقة يراها على صورة أمه أو تتسع لتشمل مدينة فاضلة يعيش فيها الحملان بجوار الذئاب ولا خوف. وقد تبدو على صورة الجنة التي ينعم الإنسان فيها بكل الملذات الحميمة.

الرحم الأمومي هو تجرية الحياة الأصلية. فهذا التكوين الجنيني له علاقة بالنوم الهانئ السعيد. كنوع من التوحد الكامل مع مصدر الاشباع المتواصل لدى الإنسان. حيث كان يغتذي الطفل من الحبل السري دونما عناء. وحيث لن يجد مكاناً سواه يحمله برعاية مطلقة. وهو المدد الذي سيطلبه تباعاً من الإله والقوى فوق الطبيعية. إذ هناك خلال بعض الحضارات القديمة، وجدت عمليات دفن كانت تتم بتكوير جسد الميت على هيئة الأجنة البشرية. في دلالة بكون الارض يجب (أو هكذا أمل) أن تكون أماً حانية على ابنها الميت، وقد تكون إشارة إلى كونه سيخرج إلى حياة أخرى كما تخرج الفسائل من جوف الأرض.

وهذه إجمالاً دلالة تُماثل وضعيةَ التكوين في الرحم الأول. على أساس أنَّ الإنسان القديم – في مجتمعات الهلال الخصيب مثلاً - لدية ميل لاعتبار الدفن أشبه بوضع الإنسان في الارحام البيولوجية. وبذات الوقت سيتم ذلك عند الموت بأمل خروج الأموات من الأرض مثلما خرجوا من الرحم الأنثوي. وهو ما يُناظر أيضاً بين الأرض وبين الأم على امتداد المعنى. فالاثنتان تعودان إلى الطبيعة في كمونها الخلاق والمبدع. كما أنَّ مدار العودة يجري بأمل الانبات مرة ثانيةً كما تنبت الأشجار والأزهار. وهذا التصور كان لدى أغلب الحضارات التي تعتقد بالحياة الأخرى بعد الموت. وربما تعلَّم الإنسانُ منه  الزراعة والبذر والفلاحة. فالبذور أجنة الأرض التي تنبت من التربة نباتات وارفة الظلال.

والرحم من هنا يشكل جميع مستويات الحياة. وصحيح يخرج الانسانُ مقذوفاً منه إلى الواقع المعيش، لكنه يعتبر نموذجاً يتبلور داخله العالم والكون. فلو تصورنا الأشياء موجودةً عبر رحم كوني كبير لكانت تعدُ بالمزيد من الامكانيات. فكلَّ جديد يأتي من رحمٍ ما، من مخاضٍ ما في وجوده الإنساني الكوني.

وحدها الأم تنفرد بالمخاض دون سواها وكأنَّها تنفرد بسمة الخلق الأساسي للكون. لأنَّها لا تُسمى بهذا الاسم إلاَّ من خلال تلك العملية العصيبة، إنها نقطة انطلاق لميلاد مختلف. نقطة بداية لتفتح الكائنات البشرية. ولهذا ارتبطت الأم بالمجتمع ارتباطاً وثيقاً. لأن المخاض يضعها في أولوية العلاقات الاجتماعية. هناك احتفاء كبير بالأم بدءً من الزواج والجنس والحمل والولادة وليس انتهاء بالتربية والمستقبل. هذا على الرغم من المكانة المتدنية للمرأة في المجتمعات على اختلافها. فهي المنسية دوماً وسط صخب الأحداث والمطروحة كمقابل صفري في أية معادلة تجمعها بالآخرين.

وفي المرحلة المبكرة- مرحلة المرآة mirror stage عند جاك لاكان[3]- مع انقذاف الطفل يشعر بالاغتراب معوضاً ذلك برحم الأوهام البديلة. فلكي يعوض احساسه بالتشظي والتفكك يعتني بصورته في المرآة. حيث يتماهى مع كيانها المتخيل. فهي تشكل له قوس الوحدة الجسدية المتكاملة مما يعطيه احساساً بالكمال والنرجسية. ونتيجة شعوره الدائم بفقدان الكيان المتماسك، يجعل الصورة نموذجاً مثالياً ساعياً للتماهي معها. مما يحدد أبعاد الهوية والآخر وعلاقاته بالغير، لأن انفصالاً عن الأم يجر معه اغتراباً عن الأصل.

وذلك يتحول الانفصال من مجرد علاقة أولية إلى هوة سحيقة بين الطفل وصورة ذاته. وتوطئةً للإلتحام الرمزي بكيان المجتمع سيظل هذا الانفصام مصاحباً لعلاقاته المستقبلية. حيث سيسعي للانخراط في نظام أكثر شمولاً وتنوعاً. وهو نظام اللغة إذ تتكون لديه أخيلة وأبنية وهمية تجاه الأشياء والواقع الحقيقي. وتبقى اللغة موطناً لكل التداعيات الناتجة عن هذه العملية.

ومع تشكل صورة الإنسان لا تكتمل إلاَّ في وجود الآخر. لكنه اكتمال نحو النقصان الجذري القابع فيها. وبذلك يستحيل للطفل أنْ يعود إلى أناه الكامل، لأنَّ الآخر يخترقه تماماً. ومن هنا يعتبر الطفل الصور دلالات للأنا المفقود. وعليه يدخل الأنا في كافة الأنشطة والعلاقات لردم الهوة دون جدوى. إنَّ سعياً إلى بناء عام لصورة الجسد ربما من بقايا الرحم الأمومي، لأنَّ الموروث البيولوجي يصطدم في الغالب بالموروثات الثقافية.

من جانب أوسع ترجع أهمية الأم إلى راسب الالوهية الكامن في الأمومة. لقد كانت الأم إلهاً ووطناً ووجوداً وحباً مفقوداً. ومن جذوتها الإنسانية كانت هناك ربات الفنون والجمال والأشعار والأمثال. الأنوثة أصل الطبيعة إدهاشاً بالجديد والمثير والطريف والخصيب والمتناسل. ومازالت بعض  جذور المجتمعات تنتسب إلى الأم. حيث تبجل الثقافة الجارية الأمومة فوق مما يُتوقع. وتصبح الأم نبعاً ثقافياً صافياً إليه يرجع الفضلُّ في تماسك الأفراد وعلاقاتهم الاجتماعية.

في صورتها الحية، تشكل الأم كتلة من الأعصاب النابضة بالمشاعر. ليس لها أن تتحدد بل هي في سرها مأخوذة بالعطاء المطلق. يشير أحد الأمثلة الانجليزية:  لا تقول الأم هل تريد: بل تعطي!! هي معجونة بالعطاء دونما انتظار. لأنها كائن ليس لنفسه على الخصوص بل لغيره على العموم. وتبدو كما لو كانت " ربة العطاء" هكذا دون أي شيء آخر. إنَّ أماً - سواء لديها أطفالٌّ أم لا- تهب الحياة لسواها بلا حدود. ولو تصورنا الحياة نتاجاً انسانياً، فالأم مركزها الحيوي.

يؤكد كانط المشار إليه سلفاً ضمن رسالته (تأملات في التربية): أنَّ الإنسان بخلاف الحيوانات له إمكانية أن يتكون من هذا المنظور الوالدي. باعتباره المخلوق الوحيد القابل للرعاية والتعهد والتعليم المرتبط بالتكوين bildung. ومن تلك الزاوية يكون: رضيعاً، تلميذا، طالباً.... وفي إطار الانضباط يتحول الإنسان من حالة الطبيعة إلى جانب الانسانية. لأنَّه يخضع في سن مبكرة إلى القوانين داخل الاسرة. ولا يصير كذلك إلاَّ بالتربية. فهو ليس  سوى ما تصنع به التربية. والتربية حين تكون سليمة تمثل الينبوع الخالص الذي ينبثق منه كل خير في هذا العالم[4].

ربما العطاء الأمومي أصدق أنواع العطاء، لأنه يجري دون مقابل وحتى من غير انتظار الاعتراف به. وأي عطاء لا يخضع لهذين( المقابل والانتظار) يصبح مطلقاً. فالثقافة تتسع إلى دلالتها، لأن الثقافة قد تغدو أُماً رمزية هي الأخرى. وبالتالي يحق التساؤل إلى أي مدى تحاكي ثقافة الفرد ثقافة الانسانية عبر اجيالها المختلفة؟ يرى كانط أنه بفضل العطاء الأمومي يكون الطفل صافي القلب وتكون نظراته مشرقة كالشمس. وذلك وعد منذ الطفولة لأن تكون إنسانيتنا على قدر التوقعات المأمولة.

عطاء الأم متاحٌ في أي وقت شاء الإنسان. فالأبناء لم يقدموا للأم شيئاً بينما هي تمنحهم الوجود والرعاية والمستقبل. ومع كامل المعاناة التي تلاقيها تصبح مبتهجة بهذا الصنيع. إذن تشاركهم الوجود في نفسها. وتقتسم كيانها معهم جزءاً بجزء وحرفاً بحرف فكرة بفكرة. في الحقيقة هي تفضل – مع جزيل المنح- أبناءها بالمقدمة. يعبر جبران خليل جبران: الأم هي كل شيء في الحياة. هي التعزية في الحزن، الرجاء في اليأس، والقوة في الضعف.

العطاء الأمومي مطابق لذاته. كلمة العطاء نفسها تحتاج إلى تعديل جوهري بناء على ما تقدمه الأم. فالعطاء يضمر داخله إمكانية الرد. بينما افعال الأم تنفي ذلك تماماً. تخلخل مفاهيم الحياة الاجتماعية عندما تربط أفعالها باستحالة الرد. ليس لدى الأمهات مقايضة. إنها بطبيعتها ضد اقتصاد الأخذ والرد في شكل المُقابل المادي. والمرأة من جهة العواطف تستطيع الإغداق إلى أقصى مدى. لكنها في الوقت نفسه بإمكانها تدبير الماديات.

عطاء الأم لا يحتاج إلى تبرير. أي أنَّها ضد منطق الحِجاج القائم على التبادل بين أطراف. وفلسفياً ستكون الأم صدمة لإمكانية البرهنة على الأصل وحسب. لأنها أكبر من مجرد أصل لشخص آخر ولو كان ابناً. فالأصل ارتباط وانبثاق، لكن الأم تزيد عن ذلك كقدرة وتاريخ وتجاوز أيضاً.

يرى ابراهام لنكولن" أنَّ أعظم كتاب قرأه هو أمه...". ليست تلك مبالغة، لأنَّ الأم تلخص تاريخاً من الحيوات الثرية. كما أنَّها الأبجدية التي يتعرف من خلالها الإنسان على العوالم المختلفة.  وربما تعتبر بهذا المضمون أقدم ابجدية في التاريخ الإنساني. فالأم هي السطور التي لا تنتهي. وهي نافذة الأحاسيس والمشاعر التي تختلف عن أية مشاعر سواها تماماً. وهي عيون أبنائها على العالم منها يستمدون رؤيتهم وكيف يتعرفون على الأشياء.

يتجاوز العطاء الأمومي فكرة الضيافة. لأن المضيِّف ليس هو من يعطي بل من ينفتح على الآخر. الأم تبدع في هذا، هي قلب بمساحة الحياة[5]. لذلك قال جان جاك روسو" لو كان العالم في كفة وأمي في كفة ... لاخترت أمي".

تبطل دلالة الأم معنىَ السلطة. فإذا كانت الأخيرة بأبرز وجوهها قوةً، فالأم حب بلا عنف. إنَّها قوة الحب الذي يجتذب إليه الإنسان تلقائياً. فأساسه الأمان الذي لا يقف وراء أية سلطة بالمفهوم الجاري. وفي هذا يشير سقراط:" لم أكن لأطمئن إلاَّ وأنا في حِجر أمي". وبخاصة أنَّ كل سلطة تقام على الخوف، الرهبة. لكن حضور الأم يحتضن وجودنا بشكل طفولي بريء. لأنَّ سقراطاً وهو الفيلسوف الأكبر( أب الأثينيين كما كان يلقبه افلاطون) يفضل النوم على مهاده الأول في الحياة. الأب المعلم في تاريخ الفلاسفة يعودُ طفلاً بين أحضان أمه.

العطاء يتجسد أمومياً في مضمون القلب. ففي بعض المواقف الإنسانية تجاه الأبناء نلتمس الأعذار للام قائلين: إنه " قلب الأم". يقول بلزاك: " قلب الأم هوة عميقة ستجد المغفرةً دائماً في قاعها.. ". الأم كيان حي داخل قلب يتسع للجميع. وليس العكس "قلب داخل هيكل إنسان". فهي تراقب العالم بالعواطف بخلاف الرجل الذي يستحضر طاقة العقل والأدوات والحركة. إن العقل جهاز ذكوري ماكر على الأصالة.

العطاء الأمومي مصير مفتوح، لأنه لا غاية تقع بالخارج منه، لا شيء سواه بإمكانه أنْ يملأ فراغه. وأي خارج عنه غير مسموح به في تلك الحالة. يراه مارسيل بروست- صاحب رواية البحث عن الزمن المفقود- كنزاً حقيقياً: " كنزي الحقيقي هو أمي". وبالطبع قد يكون الرصيد الفعلي للطفل مجرد ابتسامة، ولكنها ابتسامة تفعل العجائب وتحيل العالم جنة، إذ ذاك يدرك وجودها الرمزي الغني. على غرار قول فرجيل" يعرف الطفل أمه من ابتسامتها".

اسم الأم مزيج من المعاني والأحاسيس والوجود. ليس مدلولاً لكنه فعل مرغوب لدرجة الهوية. استعمل محمود درويش عبارة مهمة واصفاً الأم والكون: "لن أسميكِ امرأةً، سأسميك كل شيء..". الاسم هنا معجم مفهرس بحاشية الأشياء جميعاً. هكذا يكون اسم الأم كلياً رغم إفراده في سياق ما.

الأم ترتبط بالمستقبل. لأنها ترعى أبناءها، ليس لنفسها بل لما هو قادم. إذ تضعهم على طريق الأمل في الغد. لذلك يؤكد شكسبير: " الأم شمعة مقدسة تضيء ليل الحياة بتواضع ورقةٍ...".

والقداسة فيها هو كل شيء، فكرتها وتكوينها وكذلك ارتباطها بمفاهيم الحياة أكثر من أي كائن آخر. ولو لم تكن الأم مقدسة ما كانت لتوجد جميع الكائنات، لأنها تضمن  ظهور العالم في صمت الزمن. ومن هنا كانت أشبه بالشمعة التي تذوب لأجل الإضاءة. لن تربح شيئاً، بل كيانها يقول ذلك. وفوق هذا وذاك هي تحتمي في رأي شكسبير بالرقة التي لا نهاية لها.

إذا أرادت الفلسفة إفساح المجال للأم، فهناك جوانب عدة دائماً، ويبدو أم التفلسف وقع في فخ الذكورية( فلسفة القوة)، ورغم نقد النزعة الذكورية على يد بيير بورديو وجون ستيوارت مل وسيمون دي بوفوار وجوديث بتلر غير أنها استدارت لتقصي الأم عن مائدة الفلاسفة. ولكنها حظيت بحفاوة الشعراء والروائيين.  وإذا كانت للفلسفة أن تحيي تراثها، فهي أكثر من يعرف عقوق الأبناء بخلاف سواها، لأن الفلسفة كانت يوماً ما أمَّ العلوم! وليس يعرف لوعة انحراف الأبناء غير الأم بالنسبة للأم. فهل بعاطفة أمومية كانت للفلسفة أن تعيد الاعتبار لأمهات الفلاسفة في شخصية الأم إجمالاً؟!!

 

د. سامي عبدالعال

......................

[1]- أشار كانط إلى أنَّ الطبيعة البشرية لابد أنْ تسعى إلى الخير الأسمى. ولكن هذا الهدف قد يتم على غرار (زوجة الأب لأولاده) نظراً لمعوقات المعرفة والتفكير. معنى ذلك أن علاقة الأمومة علاقة طبيعية وبإمكانها أن ترشدنا إلى مصادر الخير والعمل وفقها لها. وأنَّ الاحساس بها من حيث الأم الأصل أو الأم البديل سيكون له تأثير.

امانويل كنت، نقد العقل العملي، ترجمة غانم هنا(المنظمة العربية للترجمة)، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى 2008. ص 2008.

[2] - André Kukla, Ineffability and Philosophy, Routldege, London New york, 2005. P 17.

[3]-Dylan Evans, An Introductory Dictionary of Lacanian Psychoanalysis, New York, 1993. Pp 25-27.

 

[4]- ايمانويل كانط، ثلاثة نصوص: تأملات في التربية، ما هي الأنوار؟ ما التوجه في التفكير؟، تعريب وتعليق محمود بن جماعة، دار محمد على للنشر، صفاقس- تونس، الطبعة الأولى 2005. ص ص 11، 19.

[5]- لقد أجاد ماكسيم جوركي في رسم صورة الأم المعطاءة التي تحب الحياة. ومن هذا المنطلق كرهت الاضطهاد ونتائجه المدمرة. كما كرهت هؤلاء المتسببين في الظلم. ولم يختلف عن ذلك حبها للعدالة والايمان بالآخر.

ماكسيم غوركي، الأم، ترجمة فؤاد أيوب وسهيل أيوب، دار الفارابي، بيروت- لبنان، الطبعة الثانية 2007.