عبد الحسين شعبانحين يراد إخضاع الفلسفة للسياسة

استدار الكثير من الماركسيين والقوميين والإسلاميين نحو الليبرالية، بل تسابقوا في الهرولة باتجاهاتها، باعتبارها خشبة خلاص أو طوق نجاة بعد انهيار التجربة الاشتراكية الكونية في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية والعديد مما أطلقنا عليه بلدان " التحرر الوطني"، بل إن الكثير منهم اندفع في "طلاق بائن" بينه وبين الماضي، سواء كان الأمر على نحو معلن لدرجة المبالغة والمغالاة أم على نحو مستتر وغير معلن بالتساوق مع مشاريع خارجية بزعم أهمية ودور " العامل الدولي" في قضية "التغيير والتحوّل الديمقراطي"، ولعلّ أوساطاً عديدة حين تتساوق مع الليبرالية الجديدة  ومشاريعها السياسية تبرّر ذلك بمفاهيم قديمة حول الليبرالية الكلاسيكية، في حين ثمة اختلافات وفروق شديدة بينهما.

I

إذا الدعوة إلى الحريات وإعلاء قيمة الإنسان التي مثلتها الليبرالية الكلاسيكية قد استهوت نخبة وطنية في بلداننا، فإن أطروحات الليبرالية الجديدة، وشعاراتها بدت متعارضة مع شعوب وتطلعات بلدان المنطقة الهادفة إلى التحرر من ربقة الاستبداد الخارجي ومن صدمة الاستعمار التي ما تزال تأثيراتها مستمرة، فضلاً عن الرغبة في تحقيق التنمية البشرية المستدامة بجميع الميادين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والتربوية والقانونية، وبما يؤمن لها السير في طريق التقدم والرفاه؛

وعلى الرغم من أن الليبرالية الجديدة لم تخفِ وجهها المتوحش منذ البداية، إلّا أنها كانت أكثر سفوراً وهمجية بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية الإجرامية التي حصلت في الولايات المتحدة بتفجير برجي التجارة العالميين في نيويورك والتي من نتائجها احتلال أفغانستان العام 2001 والعراق العام 2003، وكان من تعبيرات الليبرالية الجديدة إزاء منطقتنا طائفة من المشاريع الاستعمارية مثل "الشرق الأوسط الكبير" و"الشرق الأوسط الجديد"، فضلاً عن دعم "إسرائيل" في استراتيجيتها التوسعية الاستيطانية الإجلائية، بما فيها اعتبار القدس عاصمة "أبدية" لها، وإهدائها الجولان السورية تحت عنوان "الأمر الواقع"، بل وتأييدها في محاولة ضم غور الأردن وشمال البحر الميت، في إطار ما يسمى بصفقة القرن؛

ومع ذلك فهناك من الشيوعيين والقوميين القدامى الذين ملأوا الأرض صراخاً ضد  "الامبريالية العالمية" و"الرأسمالية الاستغلالية" البشعة، إلّا أنهم اليوم يحوّلون رحيلهم نحوها باعتبارها "منقذاً" لا يمكن التخلّص من هيمنة "الإسلاميين"، على الحكم دون دعمها. أما الإسلاميون فقد تناسوا الحديث عن "الشيطان الأكبر"، وأصبحت واشنطن حليفاً وصديقاً استراتيجياً طالما أوصلتهم إلى منصّات الحكم ولذلك، استحقت الشكر على  "تضحية" جنودها الذين اختلطت دماؤهم بدماء العراقيين (خلال غزوها) وهو ما ورد على لسان أرفع مسؤول عراقي حينها خلال زيارته إلى مقبرة إرلينغتون في واشنطن (مدفن جنود الاحتلال الأمريكي في العراق ووضعه اكيلاً من الزهور على أرواحهم (14 كانون الأول/ديسمبر/2011 عشية الانسحاب من العراق، وهو ما دعا الرئيس أوباما للقول أننا ننسحب ونحن مرفوعو الرأس) وهو أمر يحتوي على دلالات قانونية قد تلزم الحكومة العراقية في المستقبل بدفع تعويضات عن مقتل أو إعاقة هؤلاء الجنود.

وكان عدد من النواب الأمريكان قد أطلقوا حملة طالبوا فيها دفع تعويضات لعوائل الجنود الأمريكان، في حين صدرت أصوات وطنية عراقية مطالبة بتعويض واشنطن لبغداد بسبب الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بالعراق جرّاء الاحتلال بما يخالف قواعد القانون الدولي وما يسمّى بالشرعية الدولية، ناهيك عن المزاعم التي روّجت لها واشنطن بصدد أسلحة الدمار الشامل والعلاقة بالإرهاب الدولي وثبت عدم صحتها، حتى أن الرئيس جورج دبليو بوش الذي شن الحرب على العراق وبحماسة من رئيس وزراء بريطانيا توني بلير، اضطرّ إلى الاعتراف بذلك وهو ما فعله توني بلير لاحقاً.

فما الفرق بين الليبرالية والليبرالية الجديدة فلسفياً وأخلاقياً واقتصادياً وسياسة وثقافة؟

II

ارتفعت الموجة الليبرالية الجديدة بعد انهيار نظام القطبية الثنائية وتحلّل النظام الاشتراكي العالمي وحدوث تغييرات في نظام العلاقات الدولية، بتسيّد وهيمنة  الولايات المتحدة كلاعب أساس في العلاقات الدولية، واحتدم النقاش والجدل حول سؤال مركزي ارتبط مع الهبّة المطالبة بالحريات في منطقتنا، والتي سعت الولايات المتحدة إلى تخصيص مبالغ وإقامة مؤسسات لدعمها والتربية عليها، وذلك تحت عنوان  الليبرالية والتحوّل الديمقراطي، هل هناك علاقة بين الليبرالية الكلاسيكية وبين الليبرالية الجديدة أم ثمة تعاكس وتعارض بينهما؟

لقد نشأت الليبرالية في أوروبا وفي عصر التنوير وصولاً للثورة الصناعية (1750-1850) في صراع مع النظام الإقطاعي ومع هيمنة الكنيسة، وتمكّنت بعد انتصار البرجوازية ونجاح ثوراتها من إقامة الدولة - الأمة State- Nation  استناداً إلى قاعدة الحريات الفردية على المستوى الفلسفي، باعتبارها جزءًا من القانون الطبيعي والحرّيات الاقتصادية على المستوى الاقتصادي، وفقاً للقاعدة الشهيرة التي روّجت لها " الثورة الفرنسية" 1789 " دعه يعمل ... دعه يمر"، أي حرّية العمل والإنتاج والسوق، والحرّيات السياسية المدنية على المستوى السياسي مثل: حرّية التعبير وحق الاعتقاد وحق تشكيل الجمعيات والمشاركة في الحياة العامة والحق في تولي الوظائف العليا دون تمييز .

وقد نجحت الليبرالية في إقامة نظام برلماني يستند إلى المبادئ الديمقراطية وتشجيع الإبداع العلمي والثقافي والفني والأدبي، في مواجهة سطوة الفكر الخرافي والشعوذات التي امتازت بها القرون الوسطى، والتأكيد على العقلانية والعلم وأولية حرية الفرد [1].

باختصار بالليبرالية من حيث الجوهر تعتبر الحرّية والفردانية الباعث والهدف من حياة الإنسان لتحقيق سعادته ورفاهه في حاضره ومستقبله وفي تفجير طاقاته ومواهبه، وتلك نقطة جوهرية في جميع المدارس الليبرالية، فضلاً عن ذلك فهي تقوم على منظومة أخلاقية أساسها الانحياز للفرد وحرّيته بجميع أركانها في مواجهة الدولة [2].

ومن أبرز المفكرين الليبرالين جون ستيوارت ميل[3] الذي يعتقد لكي ينمو رصيد الحرية عند الأفراد فلا بد أن تتوقّف الدولة عند حدود معينة لا تتجاوزها، لأن ذلك سيؤدي إلى الاستبداد ويقول ميل إن القسم الأكبر من الإنسانية لا يملك تاريخاً بالمعنى الحقيقي لأنه يئن تحت وطأة الاستبداد.

أما جون لوك [4] فيعتبر من أوائل الفلاسفة الليبراليين حيث دعا إلى "العقد الاجتماعي" بالضد من نظرية " الحق الإلهي" التي تدعو إليها الكنيسة،  وتحدّث عن حقوق الفرد الطبيعية في الحياة والحرّية والتملك، وقد ألهمت أفكاره ثورة الحركة الجارتية في إنجلترا 1688 والثورة الأمريكية 1776، وقد سبقه إلى ذلك هوبز[5] وبيكون  [6] حيث تعمّق الأخير بالمذهب الحسّي واعتبر زعيمه وهو أحد روّاد الليبرالية الأوائل.

أما آدم سميث [7] فيعتبر المنظّر الأساسي للمذهب الاقتصادي الفردي بدعوته إلى عدم تقييد المال وإشاعة الحرّية المطلقة في مواجهة الدولة، ويعدّ بحق "أبو الليبرالية " الذي ساهم في بلورة أفكارها التي تقضي بإزالة العوائق وإطلاق حرّية المنافسة من كل قيد وإبعاد الدولة من التدخل في النشاط الاقتصادي وحفظ مسؤوليتها في حماية الأمن الداخلي والخارجي؛ وحين يسعى الفرد لتحقيق طموحه الشخصي ومصلحته فإنه يحقق بصورة ضمنية مصلحة المجتمع وهو ما أسماه آدم سميث اليد الخفية Invisible Hand  .

لقد تواكب صعود الرأسمالية مع ظهور الحداثة وتطوّرا معاً فالعلاقات الإنتاجية كانت تعني مبدئين رئيسين هما: 1- الحق في الملكية الخاصة باعتباره حقاً "مقدساً"، 2- حرية الوصول إلى السوق، لكن هذه الحداثة تظلّ ملتبسة بشأن العلاقة بين السلطة والثروة فهي في الواقع تقوم على الفصل في مجالين، كما يقول المفكر اليساري سمير أمين: الأول- الحياة الاجتماعية وهو مجال إدارة الاقتصاد المتعلق بتراكم رأس المال والثاني- مجال إدارة سلطة الدولة بالممارسة الديمقراطية عن طريق المؤسسات وحقوق المواطن والتعددية الحزبية وهذا الفصل يفرّغ الإمكانية التحريرية التي تدعيها الحداثة [8] .

III

الليبرالية الجديدة لا يمكنها اليوم كونياً تجاهل المطالب الشعبية مثل الحد من البطالة وتأمين مستلزمات الصحة والتعليم وقضايا التقاعد والضمان الاجتماعي، كل تلك التي تتطلّب تدخل الدولة أحياناً، وهو ما واجهته الولايات المتحدة بشكل خاص والبلدان الرأسمالية الغربية بشكل عام  في الأزمة الاقتصادية والمالية التي ضربت العالم في أواخر العام 2008 وبداية العام 2009 وما زالت تأثيراتها مستمرة، تلك التي فرضت شكلاً من أشكال "تدخل الدولة" إزاء انهيار مصارف كبرى وشركات تأمين عملاقة بالضد من الليبرالية الكلاسيكية الأولى التي كانت تريد المزيد من الحرّيات بوجه تغوّل الدولة، في حين تصبح بعض هذه القضايا ملحّة وراهنة، بل لا غنى عنها، على الرغم من أن الجدل قائم بشأنها فحين أصدر الرئيس أوباما قانون التأمين الصحي Obama Care جاء الرئيس دونالد ترامب ليقوم بإلغائه، والأمر له علاقة بتخصيصات التعليم والضمان الاجتماعي وغيرها.

ويزداد تدخّل الدولة بقضايا العلاقات الاقتصادية والتجارية الدولية، وقد برز الأمر على نحو أشد في الصراع الأمريكي - الصيني الذي زاده حدّة تفشي وباء كورونا (كوفيد -19) في مطلع العام الجاري، والذي انعكس تأثيره الكبير على الحياة الاقتصادية والإنتاجية وقطاعات العمل المختلفة، والذي قاد إلى تعميق أزمة النظام الرأسمالي النيوليبرالي  بتوجهاته الشعبوية ذات النزعة العنصرية الاستقلالية المعادية للأجانب بشكل عام وللعرب والمسلمين بشكل خاص.

لم يكن بناء النظام الليبرالي قد تم دفعة واحدة، بل احتاج الأمر إلى عدّة عقود أو حقب زمنية كاملة، ورغم التقدّم الذي أحرزته الفكرة الليبرالية إلّا أن مع مطلع القرن العشرين واجهت مأزقاً جديداً باشتداد ساعد الحركات الثورية والشيوعية بعد قيام ثورة أكتوبر الاشتراكية البلشفية عام 1917، حيث انشطر النظام الدولي إلى قسمين بما ترك تأثيراته على مستقبله، خصوصاً الإستقطابات الحادة، الأيديولوجية والسياسية.

ثمة وجه آخر للصورة فبعد الحرب العالمية الثانية (1939-1945) وهزيمة الفاشية والنازية اللتان نشأتا في رحم النظام الليبرالي وشكلتا قطيعة معه، تأسست أنظمة عديدة للتحرر الوطني في بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وخصوصاً في ستينيات القرن الماضي، لم تكن على توافق مع الفكرة الليبرالية.

IV

يمكن القول إن الرأسمالية دخلت مرحلة جديدة في الخمسينات والستينات كان أهم ملامحها "الحد من الليبرالية المطلقة" وتحديد الدور الذي تلعبه الدولة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي استناداً إلى نظرية الاقتصادي الشهير كينز [9] حول النقود، الذي تنبأ باستحالة تجنّب الرأسمالية كنظام من الوقوع في الأزمات الاقتصادية على غرار أزمة الكساد 1929-1933، إلّا إذا لعبت الدولة دور الموازن الموضوعي بين قوى الطلب والعرض، وهو ما عرف "بدولة الرفاه" ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى مطلع السبعينات، حين اندلعت أزمة جديدة .[10]

لكن النظام الرأسمالي ومن خلال آليات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تمكن من مواجهة أزماته من خلال محورين:

الأول - داخلي بإتباع سياسة ليبرالية جديدة تراهن على إضعاف دور الدولة في النشاط الاقتصادي وتسعى إلى تغيير أشكال علاقاتها بالقطاع الخاص بما يعني التراجع عن النظرية الكينزية،

الثاني - يسعى إلى ضخ الأموال الفائضة على البلدان النامية بضمانات كافية بالتخفيف من حدة التضخم الركودي وإعادة احتواء البلدان النامية والسيطرة على أوضاعها الاقتصادية . وهكذا وبعد انتهاء الحرب الباردة جرت عودة إلى "الليبرالية" بمنهج ورؤية جديدين ووجه مختلف تم التعبير عنه بسياسة المحافظين اليمينيين في الولايات المتحدة والعديد من البلدان الغربية تلك التي عرفت  بالشعبوية [11].

وبعد مرور أكثر من قرنين من الزمان ترافق الحديث عن الليبرالية الجديدة بصعود رونالد ريغن في الولايات المتحدة ومارغريت تاتشر في بريطانيا في عقد الثمانينات بتعميق الفوارق الطبقية وازدياد نسبة الفقر؛ وعشية انهيار الكتلة الاشتراكية طرح فرانسيس فوكوياما نظريته التي بلورها لاحقاً بعنوان "نهاية التاريخ والرجل الأخير" [12] الذي ركّز على ظفر الليبرالية " الجديدة" على جميع الصعد باعتبارها النظام الأوحد القادر على دخول عالم ما بعد التاريخ، وعلى من يريد أن يدخل التاريخ فعليه التخلي عن أيديولوجيته وعقيدته ويفككها ليتسنى له اعتناق الليبرالية التي تقوم على التعددية وحرية السوق واحترام حقوق الإنسان، وقد اعتبر فوكوياما إن ما حصل من عمل إجرامي يوم 11 سبتمبر (أيلول) 2001 جاء ليؤكد ما ذهب إليه سابقاً من أن الليبرالية هي الخيار الإنساني الوحيد والشكل البشري الأخير من أشكال إدارة المجتمع مؤكداً إننا لا نشهد نهاية للحرب الباردة أو مرحلة من مراحل التاريخ، بل "نهاية للتاريخ" [13] ويعتبر ذلك حتمية تاريخية .

أما صموئيل هنتنغتون فقد  ركّز على " صراع الحضارات" واعتبره أمراً محتوماً باستهداف الإسلام بقيمه وتراثه كونه العدو الجاهز الذي يقف بوجه انتصار الليبرالية على المستويين السياسي والاقتصادي، ليس هذا فحسب بل اعتبر البوذية والكونفوشيوسية في مواجهة أيضاً مع الحضارة المسيحية الغربية، لأن الفروقات من وجهة نظره ليست حقيقية، بل هي فروق أساسية أيضاً، فالحضارات تتمايز الواحدة عن الأخرى بالتاريخ واللغة والثقافة والتقاليد والدين، مشيراً أن تاريخ الإسلام خلال 14 قرناً يؤكد بأنه خطر على أية حضارة واجهها خصوصاً المسيحية [14] .

V

لقد عرفنا أشكالاً من الإرهاصات الأولية الليبرالية الكلاسيكية في العديد من بلداننا العربية مثل مصر وسوريا والعراق ولبنان، وخصوصاً في الثلاثينات من القرن الماضي وحتى نهاية الخمسينات، وقد اقترنت تلك الأشكال بالدعوة لإعلاء قيم  الحرية والحقوق السياسية والمدنية وبالتطور المستقل، لكن الموجة الجديدة من الليبرالية في التسعينات والتي اقترنت بسيادة نمط واحد متسيّد على العلاقات الدولية اختلفت عن دعوات الرواد في عالمنا العربي فقد كان هؤلاء مخلصون للقيم الليبرالية الحقيقية في حين أن دعاة الليبرالية الجديدة لا علاقة لهم بالقيم الليبرالية، بل إن ليبراليتهم لا تأخذ بنظر الاعتبار المصالح الوطنية العليا فكيف تكون ليبرالياً حقيقياً وتوافق على احتلال بلدك أو على ربطه بمعاهدات واتفاقيات مذلة ومجحفة وغير متكافئة، فقد كان الليبراليون الكلاسيكيون العرب دعاة تحرر ورفض للاستتباع وحسبنا هنا في العراق أن نستذكر مواقف كامل الجادرجي وحسين جميل ومحمد حديد وغيرهم، لكن جزع أو يأس أو عدم قدرة على التغيير اضطرت دعاة الليبرالية الجديدة الاستعانة بقوى خارجية على أوطانهم تحت تبريرات سياسية في جوهرها خارج دائرة الأطروحات الفلسفية والأخلاقية لليبرالية الكلاسيكية.

وإذا كان حال بلداننا يحتاج إلى تغيير جذري يأخذ بنظر الاعتبار القيم الليبرالية الكلاسيكية تلك التي تعلي من شأن الفرد والحرّية السياسية والمدنية واحترام حقوق الإنسان، إضافة إلى الحرّية الاقتصادية دون أن ننسى دور الدولة كضامن في العالم الثالث لتسريع التطور والتغيير، وتلك واحدة من خصائص التغيير الذي تنشده شعوب هذه المنطقة، وهو ما ذهب إليه قرار للأمم المتحدة لعام 2000 [15] الذي نصّ على أن قضية الديمقراطية على المستوى العالمي هي ذات طبيعة استراتيجية وتستند إلى ثلاثة أسس:

الأول - لا وجود لنموذج عالمي واحد للديمقراطية ؛

والثاني - التنوّع والطبيعة الغنية للشعوب وتجاربها؛

والثالث - المشترك الإنساني في التجربة البشرية بمعنى أنها نتاج تفاعل التجربة الإنسانية بحضاراتها المختلفة والمتنوّعة.

وأكّدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة العالمية 2015 أن "الديمقراطية قيمة عالمية تستند إلى إرادة الشعوب المعبّر عنها بحرية في تحديد نظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وإلى مشاركتها الكاملة في جميع نواحي حياتها"[16].

وكان زعماء العالم قد أعلنوا في إعلان الألفية الثالثة بألّا يدّخروا وسعاً لتعزيز الديمقراطية وتوطيد سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية وهو ما أكّدته في العام 2015 بتحويل عالمنا للتنمية المستدامة (جدول أعمال 2030).

وأستطيع القول أن الجيل الليبرالي العربي الأول يتمثل بـ: أمين الريحاني وطه حسين وأحمد لطفي السيد وسلامة موسى ويعقوب صروف وقاسم أمين وعبد الفتاح ابراهيم وكامل الجاردجي وحسين جميل ومحمد حديد وهاشم الأتاسي وفارس الخوري وخالد العظم وفرح انطوان وشبلي شميل، ويمكن اعتبار محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ورفعت الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني وآخرين جزء من التيار الليبرالي العام وهؤلاء  لا يربطون رابط مع تيار النيوليبرالية، خصوصاً وأن هؤلاء جميعاً أو غالبيتهم الساحقة كانوا دعاة تحرر من ربقة الاستعمار والاستبداد ودعاة حرية  .[17]

إن إخضاع الفلسفة للسياسة وهو منهج  الليبراليين الجدد  أفقد الفلسفة الليبرالية أي بعد فلسفي لدرجة لم يعد مفهوم الليبرالية الذي يدعون له على علاقة بالليبرالية الكلاسيكية، والأمر سيّان سواء الليبرالية الجديدة الأمريكية والغربية اليمينية، الشعبوية العنصرية، أم دعاة الليبرالية الجديدة في مجتمعاتنا حتى وإن تغلّفت بمهمة الوقوف ضد الاستبداد، فمثل هذه المهمة النبيلة لا ينبغي أن تتساوق مع الاستتباع وقبول الطغيان الخارجي بزعم التخلص من الاستبداد الداخلي، فأية ليبرالية رثة تلك التي تقبل بذلك؟  وللأسف لا يميّز البعض بين القواعد الديمقراطية والبعد الفلسفي لليبرالية  من جهة وبين الليبرالية الجديدة ذات الوجه العنصري الاستعلائي، والتي اتخذت منحى شعبوياً في الغرب لا علاقة له بالاتجاه الليبرالي الكلاسيكي،  ويزداد الأمر غرابة حين يتخذ الاصطفاف الطائفي والمذهبي والإثني  في بلداننا من العباءة الليبرالية وسيلة لمشروعه السياسي، الذي لا علاقة له بالمنظومة الفلسفية الليبرالية.

ولعلّ النقد الأساسي  الذي يواجهه الليبراليون الجدد، ولاسيّما في بلداننا  هو عدم الربط بين الحرّية وضرورة التحرر، وبين الممارسة الديمقراطية والتنمية للارتقاء بحاجات المجتمع وخصوصاً من الفقراء والمعدمين ، فضلاً عن ذلك إن استمرار الولاءات العشائرية والقبلية والطائفية والدينية، أي ما قبل الدولة وما دونها، تقف حائلاً أمام الفكرة الليبرالية بمعناها الكلاسيكي، بسبب غياب ثقافة مدنية وحقوقية تستند إلى المواطنة، وهو الأمر الذي يصطدم مع الحداثة، لاسيّما بسيطرة الثقافة التقليدية والنزعة المركزية المتأصلة في الواقع العربي والدور الخارجي المتحكّم باقتصاديات بلداننا والذي أدى إلى إضعاف مبادئ السيادة لصالح العولمة .

 

عبد الحسين شعبان

.............................

[1] -انظر: شعبان، عبد الحسين- جذور التيار الديمقراطي في العراق، هل انقطع نسل الليبرالية العراقية؟، دار بيسان، بيروت،  2007، ص 16 وما بعدها.

[2] -Gerald Gaus/Tulane University,  Shane D. Courtland/ Tulane University, Stanford

Encyclopedia of philosophy,2003

[3] - جون ستيوارت ميل (1806-1873) ويعتبر كتابه On Liberty  مرشداً للفكر الليبرالي .

[4] - جون لوك ( 1632-1704)

[5] - توماس هوبز( 1588 - 1679)

[6] - فرانسيس بيكون(1561 -  1626)

[7] - آدم سميث  (1723 -  1790) مؤسس علم الاقتصاد الكلاسيكي ومن أشهر كتبه " ثروة الأمم".

[8] - انظر: د.سمير أمين- الفيروس الليبرالي، الحرب الدائمة وأمركة العالم، مركز البحوث العربية الافريقية (كراسات18) ترجمة سعد الطويل، القاهرة، 2004، ص 42.

[9] - جون ماينارد كينز،(1883 - 1946)

[10] - انظر: زكي رمزي - الليبرالية المتوحشة، الهيئة المصري للكتاب، القاهرة 2007،  ص 20 و21 .

قارن كذلك: نيلسون ارووجودي سوزا، انهيار الليبرالية الجديدة، بيت الحكمة، ترجمة جعفر علي السوداني، بغداد، ط1، 1999، ص 24 و25.

[11] - انظر: Shaban, Hussain, 2020 - The heavy Burden of Democracy: where is salvation? Democracy Between Perspective and Prihibited.SAGE Journal of Philosophy and Social Criticism, vol, 46, no 5 , May 2020, pp, 523- 538.

[12] - في البداية نشر مقالة في مجلة الشؤون الخارجية Foreign affaires  ثم أصدر كتابه المذكور واعتمد كجزء من الاستراتيجية الأمريكية التي تعززت في عهد الرئيس جورج دبليو بوش الأب ومن بعده كلينتون وكان طغيانها في عهد الرئيس جورج دبليو بوش.

[13] - انظر: Fukuyama,  Francis -  The End of History and the Last Man, Free Press  1992

[14] - انظر: Huntington- Samuel- Aclash Of Civilization, Foreign Affaires, Summer 1993

Huntington, Samuel- The Clash Of Civilization And Remarking of world order, London

Simon and Schuster,1997

قارن كذلك: شعبان، عبد الحسين - الإسلام والإرهاب الدولي، - ثلاثية الثلاثاء الدامي، الدين - القانون - السياسة، دار الحكمة،ط1، لندن، ايلول (سبتمبر) 2002، (ط2/ دار ورد، عمان، 2008).

[15] - انظر: القرار رقم 47 لعام 2000 الذي أوصى بمجموعة من التدابير التشريعية والمؤسسية والعملية كدعم الديمقراطية.

[16] -انظر الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة العالمية، أيلول/سبتمبر/2005 حين أعلنت القمة عن تجديد التزام الحكومات بتأييد الديمقراطية وترحيبها بإنشاء صندوق الديمقراطية في الأمم المتحدة لدعم المجتمع المدني وكانت في 8 أيلول /سبتمبر/العام 2007 قد أعلنت الجمعية العامة أن 15 أيلول /سبتمبر/ من كل عام يعتبر يوماً عالمياً للديمقراطية ودعت إلى الاحتفال به، وذلك على الرغم من أن كلمة الديمقراطية لم يأت ميثاق الأمم المتحدة الذي أبرم في العام 1945 على ذكرها.

[17] -انظر:  شعبان، عبد الحسين- جذور التيار الديمقراطي في العراق، مصدر سابق، ص 49.

 

علي محمد اليوسفتقديم: يجمع العديد من مؤرخي تاريخ الفلسفة على أن الفيلسوف الالماني جوتفريد لايبنتيز 1646- 1716، كان معتدلا في افكاره الفلسفية يتحاشى الاصطدام المباشر بالفكر المغاير، ويطرح افكاره الفلسفية واضعا نصب اهتماماته الفكرية مصلحة المانيا سياسيا قبل كل شيء، وعلى صعيد الفلسفة ينسب له أنه احرز تقدما فلسفيا تجاوز فيه كل من ديكارت في تطويره النزعة العلمية واعلاء قيمة العقل وتمجيد الذات التي مهدت لمرحلتي النهضة والانوار وصولا الى الحداثة التي بلغت اوجها في القرن العشرين. (اذ اعتبر مؤرخو الفلسفة لايبنتيز اكبر فلاسفة عصر النهضة التي مهدت أفكاره لمرحلة التنوير ايضا)(1) وقد عارض لايبنتيز طروحات جون لوك حول الافكار الفطرية في كتابه (مقالات جديدة).

كما لا أجد شخصيا أن لايبنتيز تجاوز سبينوزا في مفهوم ميتافيزيقا الايمان وقدرة الخالق اللامحدودة كما يذهب له بعض مؤرخي تاريخ الفلسفة. وسنعرض سريعا هذا الاختلاف بينهما على صعيد التفلسف اللاهوتي المتباين في تصورهما الله والايمان. كما نشير لمداخلات فيورباخ حول تعالق الانسان والطبيعة في نشأة الاديان لما لافكار فيورباخ في فلسفة الدين من أهمية بالغة.

وسيرة حياة لايبنتيز جعلته عبقريا بالفطرة الطبيعية قبل تمكنه من فرادة قدراته الفلسفية المبكرة في اكثر من مجال التي تحصّل عليها اكاديميا حيث حجبت عنه جامعة لايبزج شهادة الدكتوراه لصغر سنه عشرين عاما، في حين منحتها له جامعة (التدروف) وزادت في تكريمها له عرضها عليه أن يشغل كرسي استاذ محاضر في الجامعة لكنه رفض ذلك تحسبا من نيل الوظيفة الجامعية استقلاليته الفكرية وتشتيت تكريس وقته للفلسفة. اذ كان متعدد الاهتمامات العلمية والرياضية مثل توصله الى نظرية التكامل والتفاضل في استقلالية عن نيوتن نال شهرة واسعة عليها كما صنع حاسبة رياضية لعمليات الحساب الاربعة وغير ذلك من انشطة.(2)

كما أستطاع لايبنتيز على الصعيد السياسي بمنطقه الفلسفي الرصين دعم وجهة النظر الالمانية في ورقة كتبها حول مشروعية ضم عرش بولندا لها، وأخفق في هذا المسعى كون المنطق الفلسفي لا يغيّر حقائق الارض في أحترام سيادة وكرامة شعوب تلك الدول ذاك الوقت والى اليوم، وحين توّجس لايبنتيز أخطار أطماع لويس الرابع عشر في ضم المانيا وتجنيبها حرب الثلاثين عاما الاوربية نصح الملك الفرنسي تغيير وجهة نظره صوب المشرق وأحتلال مصر بدلا من التوغل وراء الاطماع الفرنسية في اوربا وهو ما جرى فعلا... حيث لاقت دعوة لايبنتيز التقدير الكبير والاهتمام الفرنسي ما جعل بلاط باريس يوجه له الدعوة لزيارة باريس التي مكث فيها فترة قبل سفره الى بريطانيا تراوده نفس الاحساسات السياسية على صعيدي الاصلاح الداخلي وصعيد الطموحات الخارجية التي زرع بعضها في كل دولة زارها تراودها نزعة التوسع الاستعماري....

ولم يحقق مقترح لايبنتيز الملك الفرنسي لويس الرابع عشر بل حققه له نابليون بونابرت في غزوه لمصر وبلاد الشام في (1798- 1801). وكانت تلك حملة السيطرة الاستعمارية الاولى التي فتحت الباب على مصراعيه في قضم واستقطاع مستعمرات الامبراطورية العثمانية الشائخة بما عرف عنه تاريخيا الاستعمار القديم الذي تقاسمته فرنسا مع بريطانيا وايطاليا في الهيمنة على كامل الوطن العربي وانتزاعها من براثن سلطة الخلافة العثمانية التي انهارت تماما عام 1924 على يد علمانية كمال اتاتورك.

ايمان لايبنتيز الديني

أيمان لايبنتيز الديني الذي تضمنه كتابه (الثيوديسيا) هو ايمان فلسفي لاهوتي يقوم على ميتافيزيقا القدرة الالهية والامكان اللامحدودتين للخالق، وفي مرجعيته الفلسفية المهادنة التي تعتبر حسب قوله اننا نعيش افضل العوالم، يربط لايبنتيز القدرة الالهية اللامحدودة بألفهم الدوغمائي الديني محاولا تقريب فهم الايمان الانساني لاهوتيا بمطلق المشيئة الالهية حين يقول (الله قادر على كل شيء بمعنى أنه يستطيع خلق كل شيء ممكن، لكن عندما يفعل ذلك فلا بد أن يختار بين بدائل يطرد بعضها بعضا بالتبادل التي ليست ممكنة التحقق معا.) (3)،ولنا التعقيب التوضيحي التالي:

- في عبارات لايبنتيز السابقة  يربط  القدرة الالهية بالامكان الممكن تحققه وفق قوانين الطبيعة التي تدركها عقولنا المحدودة بضمنها المعجزات الدينية على ايدي الرسل والانبياء... وليس تحقق الامكان التخليقي من عدم بالمعنى الاعجازي الالهي غير المحدود بالقدرة والامكان في ما يريد الخالق ايجاده وخلقه والتسليم به واذعان المؤمن له.

القدرة الالهية بالفهم اللاهوتي الميتافيزيقي غير المحدودة لا يمنع فعل الامكان (المستحيل) عائقا امام الخالق الذي من الممكن أن يكون هذا المستحيل بتصوراتنا العقلية الدينية متمثلا في معجزات الانبياء وليس في قدرات الخالق العابرة لتلك المعجزات التي هي بالحتم كانت تخترق قوانين الطبيعة في تعاليها عند الانبياء الا أن امكانية استيعابها البشري كشيء معجز الهي ممكن تصديقه ميتافيزيقيا..وليس من المستحيلات خلق كل شيء في قدرة الخالق غير المشروطة كما يفترضها لايبنتيز (لابد للخالق أن يختار بين بدائل يطرد بعضها بعضا بالتبادل التي ليست ممكنة التحقق معا).. هذا التعبير يحاول مواءمة ما يخلقه الخالق مع مدركاتنا المحدودة في الاستيعاب والتصديق بما هو وارد الينا من  المعجزات الخارقة للمعقول.

وليس معجزات الله الصادرة مباشرة عنه بما لا قدرة على مداركنا العقلية استيعابها وفهمها سببيا. كما أن الاشياء والموجودات التي يرغبها الخالق لا تقف امامها استحالة امكانية تحقيقها دفعة واحدة كما اشار له لايبنتيز في تعّذر الخالق تحقيقه الا وفق اسبقية الجديد على القديم.

أعتقد من السذاجة تصورنا أن ممكنات قدرة الله في خلقه الاشياء والعالم والموجودات والطبيعة والانسان نفسه جاء أو يجيء برغبة الانسان المسبقة أن يخلق الله له ما يرغبه ويحتاجه الانسان بالحياة. (الله قادر على خلق كل شيء ممكن) كما في تعبير لايبنتيز. وهل يوجد شيء عصي على الله خلقه وايجاده من عدم؟ كي يكون هناك اشياء غير ممكن خلقها الهيا؟..

- الايمان بالقدرات الالهية الاعجازية هو الايمان القلبي الميتافيزيقي الحدسي وليس الايمان العقلي بالتصديق البرهاني الحسي بقدرات كلية وخاصيّات مدركة غير مصدّقة عقليا لكن واجب التسليم الايماني بها، وهي قدرات أعجازية لا يمكننا الاحاطة العقلية الادراكية لها في خرقها قوانين الطبيعة وخرمها جزئيا أو كليا تلك المخلوقات مخالفة ايجادها قوانين الطبيعة ما يحتم أن يكون التسليم بالمعجزات على انها قدرة وامكانية ربانية غير منظورة ولا محدودة ولا نهائية.

والمعجزات ليست خاصية الانبياء على الدوام وامتداد العصور التي لا تخضع لقوانين العقل والطبيعة بل هي معجزات الايمان القلبي الروحاني برغبة الخالق أن تكون فتكون، حيث دائما ما نجد اللاهوت الديني يؤكد أن القدرة الالهية هي امكانية خارقة لقوانين الطبيعة في أمكانية الخلق من العدم، والخلق خارج قدرات العقل البشري الادراكية في انعدام التعالق السببي بين الاشياء في فهم آلية حدوثها وتطورها خارج قوانين فيزياء الموجودات أيضا بما يعجز العقل تفسيرها..

بمعنى حسب المصطلح اللاهوتي الحديث المتفق عليه الايمان الديني ميتافيزيقيا هو أيمان قلبي وجداني ضميري أخلاقيا لا يمكن مقايسته المقارنة بالقبول والرفض عقليا منطقيا بالنسبة للفرد ولا الجماعة وهو رأي ساري المفعول الى يومنا أن الايمان الديني لا يحاكم بمنطق العقل العلمي ولا بالمنطق الطبيعي سببيا في ادراكنا الموجودات.

-  نظام الاشياء من حولنا هو نظام محكوم بقوانين طبيعية ثابتة اوجدها الله حسب اجماع اللاهوت الديني، وليس في وارد الارادة الالهية القدرة الخالقة للاشياء لما هو جديد في استيعابنا المعرفي المحدود احلالها بدل القديم أن يكون حاضرا بالتبادل في ازاحة المبدل عنه وتنحيته الا وفق أحكام تلك القوانين الطبيعية التي ندركها نحن والتي لايعمل بموجبها الخالق بتحقيق رغائبنا، وهذا ما لا ينطبق جملة وتفصيلا على معيارية المقايسة المقارنة بين حصول تبادل الاشياء بقدرة الامكان الالهي اللامتناهي الاعجازي وبين تلك التحولات المدركة فيزيائيا عقليا في نظام العالم الطبيعي من حولنا.

ما يدركه العبد المخلوق من قدرات يستطيع ادراكها ايمانيا على شكل معجزات وافعال خوارق للطبيعة هي لاشيء يذكر بمقياس لا محدودية القدرة الالهية الامكانية للخالق في خلقه لما يشاء التي تعتبر معجزات الانبياء نقطة في بحر المقارنة مع القدرة الامكانية الالهية. بخلقه لما يريد هو لا ما يريده الانسان خلقه .

- أختيار الخالق للبدائل تحت حكم وجوب أن يطرد بعضها البعض الاخر في انتهاء صلاحية للاقدم البقاء واشغالها حيّز الوجود على وفق مشيئة الهية مستقلة تماما عن احكام قوانين الطبيعة في محدودية القدرة الادراكية لدينا، أنما يقوم على مبدأ ايماني ميتافيزيقي لا يحتاج براهين عقلية، ولا يمكن لعقولنا معاملة الاخذ بها قناعة متجردة في عدم امتلاك الحرية وقدرة الاختيار، فما يخلقه الله لا يحتاج تبريره بقوانين عقلية محدودة تفهمها عقولنا سببيا كما نفهم نظام بعض قوانين الطبيعة . فالله يخلق ما يشاء بلا حساب ولا مساءلة ويصبح ما يخلقه من مسلمات الايمان البدهي الميتافيزيقي بالتصديق الذي لا يطاله النقاش القاصر من لدن مخلوقاته التي لا تدرك الغاية الموجبة المتوخاة بخلق كل شيء أو هذا الشيء دون غيره. هذا مجمل ماتتفق عليه الاديان الربوبية والتوحيدية على السواء.

الايمان الديني بين سبينوزا ولايبتنيز

نجد من المهم المقارنة بين فهم الايمان الديني عند سبينوزا السابق عصره لايبنتيز واختلافه عنه بماذا؟، سبينوزا كما هو مفهوم عنه لا يرى امكانية التحقق من الخالق في المعجزات المنسوبة للانبياء الخارقة لقوانين الطبيعة وتنسب لمشيئة الخالق تنفيذ الانبياء لها، الذي هو كيان غير متعين ولا مدرك على صعيد مفهوم ميتافيزيقا الوجود، ويمكن القول أن سبينوزا لايفهم الخالق فهما لاهوتيا ميتافيزيقيا مشخصنا ذلك الوجود بصفات وقدرات الهية لامحدودة ولا نهائية متعالية الوجود على الطبيعة والانسان، كما تنص عليه مقدسات الكتب الدينية دليل قول سبينوزا (لا أحد في العالم كله يستطيع أن يسن قوانين الدولة الدينية المقدسة، وغاية الدولة الحقيقية للحكومة هي الحرية)(4)، حرية الاختيار لنمط التديّن الذي يرتضيه الفرد وليس الذي يفرض قدسيته الايمانية رجال الدين التسليم به قسرا على الناس.

وهذا استقراء ذكي وتنبؤي غير مسبوق اشار له سبينوزا منذ القرن السابع عشر في أجتناب مخاطر تسييس الدين وجعله مطيّة تحقيق منافع وامتيازات رجالات السلطة والحكم في أشباع ملذاتهم الدنيوية وأمتيازاتهم الارضية وليس تحقيق عدالة الارض وحقوق العباد التي يوصي بها الخالق ونجد تنفيذها الظالم المجحف الخرافي المسخ من قبل سلطة الحاكم الاستبدادية في الارض بوساطة رجال الدين المؤدلجين سياسيا بما يرضي رغائب الحاكم وتركيع كل شيء امام قدميه في تحقيق ما يريده.

كان من المفروض أن يستفيد لايبنتيز من مفهوم سبينوزا التديني المتقدم كثيرا على افكار لايبنتيز الغارقة في فلسفة دينية ميتافيزيقية قام بها في قفزة مناوئة رجعية لم  يستطع فيها لايبنتيز فهم ما حققه سبينوزا في الايمان الديني المتقدم والبناء عليه، وشخصنة لايبنتيز للذات الالهية وقدراتها أرجعت الحس النقدي الديني الذي ارساه سبينوزا للوراء الى مرحلة العصور الوسطى في تحاشي وأهمال جديد ما حققه سبينوزا في عدم أخذ الايمان الديني من مصدر الهي مشخصن ذاتيا غيبيا ميتافيزيقيا ولا من كتب لاهوتية مشكوك بصدقيتها المليئة بمعجزات الانبياء وسيرهم الذاتية المكتوبة الملفقة التي تصادر حرية التفكيرالعقلي في التديّن، الذي اشار لرفضه ومارسه فلسفيا سبينوزا بشجاعة تحسب له وفي ظروف صعبة كادت تودي بحياته.

بوجيز العبارة كان سبينوزا راديكاليا عنيدا في تفسيره اللاهوت والمعجزات بالمقارنة بميوعة ومهادنة وترضية ممارسات لايبنتيز التلفيقية التوفيقية في محاولته ارضاء جميع النخب الدينية على حساب أعادة ضلالة الشعوب وحصدها المآسي التي أثخنتها العصور الاوربية الوسيطة بجروح لم تندمل الا وقتما وضع العلم سطوته المهيمنة على اللاهوت الديني ونحّاه جانبا من طريقه.

سبينوزا يتقدم ويختلف مع لايبنتيز بأنه لا يؤمن بخالق مشخصن ميتافيزيقيا بل يؤمن بصفات الهية موزعة بقدرات عجيبة مذهلة للعقل موجودة في الطبيعة والانسان، وهو مذهب ديني لم يعتمده متصوفي وحدة الوجود كما فهمه سبينوزا فهما قائما على انتزاع الايمان بقدرات فردية تدرك عجائب الخالق بمخلوقاته. وليس في محاولة المتصوفة التماهي التذويتي الاتحادي بالخالق ميتافيزيقيا مع كيان من الممكن الافتراضي للمتصوف الوصول حافات ذلك الكيان النوراني والاتحاد به كما يدعون.

الصوفية مارسوا مذهب وحدة الوجود في غير طبيعته الانسانوية القائمة على انسنة موجودات الطبيعة في علاقة قائمة على فهم الانسان الفطري في تفسيره ظواهر الطبيعة على أنها دلالات توضيحية تحيطنا بالحياة لا نستمدها من اللاهوت الديني الوضعي ولا في المعجزات كما حذّر منه سبينوزا، حيث تعاملت المذاهب  الصوفية العديدة مع الخالق كنور مشخصن من المتاح الممكن الاتصال الروحاني به والحلول بذاته في استقلالية ماهوية لا يمكن عبور جدارها المانع أو تخطي صفات كينونة الاله النورانية بمصطلحهم الصوفي في محاولة تلفيق أمكانية تحقق الاتحاد بين ماهيتين متباعدتين لا يلتقيان لا بالجوهر ولا بالصفات ويجعلوا من التجربة الصوفية اعجازا خارج محكومية قوانين الطبيعة كما يمارسه الانبياء في معجزاتهم...

لايبنتيز  يفهم القدرة الالهية كما تفهمه الصوفية العرفانية الحلولية باختلاف شكلي بسيط عنهم هو شخصنة الله كينونة مدركة من خلال صفاتها ومعجزاتها بما يقوم به الانبياء والوحي الالهي عوضا عنه، وهو ما تدركه عقولنا كخرق اعجازي لا يستطيعه الا البشرمن الانبياء خارقي القدرة وبتكليف من الخالق والتوصية به.، وهذه القدرة الالهية تقوم على مرتكز اساس هو التدخل المباشرفي نظام الاشياء وقوانين الطبيعة عندما يختل توازنها الطبيعي أو حين يصل عدم الايمان بالخالق طريقا مسدودا امام النبي المرسل ما يضطره القيام بخوارق معجزة بغية اعادة الايمان المفقود لدى العامة من الناس، بينما سبينوزا على العكس من لايبنتيز يرى الخالق موزعا كقدرات خارقة في كليّات موجودات الاشياء المدركة في الطبيعة كجواهر وأعراض وفي دواخل الانسان ذاته كما أخذ به فيورباخ من بعد سبينوزا الذي دعا الى معرفة الخالق في ادراك الانسان الطبيعة وتخليقه لمعبوده ذاتيا وليس في شخصنته انفصاليا متعاليا على الطبيعة والانسان والوجود كما يدعو له اللاهوت الديني في الاذعان والتسليم بلا تساؤل وبلا تشكيك يناقش.

ذهب فيورباخ بقفزة دينية أبعد مما دعا له سبينوزا، بأعتباره الانسان والطبيعة والاله هما دلالة واحدة في التعبير المتجسد في شيء واحد هو اختراع الدين الذي ابتدعه الانسان لا غيره على مراحل انثروبولوجية من خلال علاقته بالطبيعة... ولم يتطرق فيورباخ الى فلسفة لايبنتيز في الشخصنة الالهية الميتافيزيقية متمثلة بالقدرات الاعجازية للخالق، بل أعتمد افكار سبينوزا في فلسفة مادية صوفية على طريقته الخاصة في خلعه الالوهية على الطبيعة والذات المؤنسنة بها، فيورباخ ركزأهتمامه على معرفة كيف نشأت الاديان عند الانسان انثروبولوجيا وليس معرفة ما ينسب للانبياء من  معجزات  وما يخلقه الله من موجودات خارقة لقوانين الطبيعة وهل هي صادقة أم لا؟. فيورباخ لا يؤمن بشيء ديني لا يخلقه الانسان بنفسه ذاتيا سواء أكان ماديا أم روحانيا، واذا اراد الانسان التفتيش عن ذاته فليعرفها في الهه الذي أخترعه وأسبغ عليه جميع الصفات الاعجازية التي لا يقدر الانسان على تحقيق الجزء اليسير منها كموجود في الطبيعة متمايز عنها بالصفات والماهية. بل يكون في تصديقها المطلق  وتقديسها والعمل بطاعتها والابتعاد عن نواهيها.

عشق فيورباخ الطبيعة ومجدّها الهيا بشكل لا يصدق معتبرا الدين هومنتج الطبيعة الذي استولده الانسان من احشائها اذ كتب لاحد اصدقائه اني أكاد أضم الطبيعة بقلبي. وهو المنحى الذي أعتمده في نشأة الدين باستخلاصه من مكمنه الانثروبولوجي، وقد استفادت الفلسفة البنيوية لدى شتراوس في اقتباسها هذه العبارة (الفكرة) واسقاطا تعديليا مفاده أن معرفة نشأة اللغة لا تكون من غير مرجعية الاستناد على تطور الانثروبولوجيا....ومن المعلوم أن اللغة تتقدم الدين في النشأة وكليهما ناتجان عن الانثروبولوجيا التاريخية للمسيرة التطورية للانسان.

حتى النظرة الموضوعية الطبيعية ماديا التي أعتمدها سبينوزا في عدم شخصنته الله ميتافيزيقيا وتصديق معجزات الانبياء بل الاهم كان عنده النظر في صفاته الاعجازية الموزعة بنظام الطبيعة وموجوداتها الانسان من ضمنها فقط ولا يوجد هناك ذات الهية مشخصنة ميتافيزيقيا.. والتفت فيورباخ لهذه الموضوعية الطبيعية الاسبينوزية في تقديسه الطبيعة الهيا كونها المصدر الوحيد في معرفة واستقصاءات نشأة الدين.. مؤكدا لا وجود لدين لا يستولده الانسان من الطبيعة ذاتها ومن تفكيره العقلي الجدلي معها.

متغاضيا عن ادانة ماركس لهذا التمجيد للطبيعة كمصدر تخليقي للدين، بدلا من مركزية العامل الاقتصادي والتفاوت الطبقي في تقدم التاريخ وفهم جدل المادية التاريخية، كما أدان ماركس ايضا أهتمام فيورباخ تقديسه الطبيعة لابتعادها عن المنهج المادي الذي يتعامل هو به، داعيا أهمية الابتعاد عن شخصنة الذات الالهية في قدراتها خلق كل شيء في استقلالية منفردة متعالية على الطبيعة والانسان... طبعا كان هذا في تلبية توكيد نزعة الالحاد لدى ماركس وفيورباخ معا.. وليس في التماهي مع منطلقات سبينوزا الايمانية أن الله الخالق موجود في كل شيء يدركه الانسان في محيطه وعالمه الخارجي.

ورغم استماتة سبينوزا في نبذه ميتافيزيقا التدين خارج علاقة فهم معجزات الطبيعة مع الانسان الذي رسخّه لاهوت القرون الوسطى، وعدم شخصنة الخالق ميتافيزيقيا خارج قوانين وموجودات الطبيعة، وما أعقب ما حققه سبينوزا في دعوته نبذ اللاهوت الوضعي والمعجزات، قام لايبنتيز بردة دينية رجعية في تاكيده اصل الدين هو ميتافيزيقا خلق كل شيء والانسان مخلوق ميتافيزيقي تلازمه نزعة التدين أولا واخيرا، فالاثنان كليهما سبينوزا ولايبنتيز لم يقتربا من المنهج المادي الذي أنبثق التعامل الفلسفي به المضاد للدين مع  بدايات هيجل ونهايات ماركس وانجلز في انجازهما البيان الشيوعي وبعده كتاب راس المال في تطويرهما المادية التاريخية والمادية الديالكتيكية على صعيد المادة وظواهر الطبيعة والحياة..

لذا حين ظهرت أفكار فيورباخ المادية الراديكالية التي شكلت خروجا مارقا على تعاليم مثالية هيجل في القرن الثامن عشر وانشقاق الشبان اليساريين عن هيجل كما فعل فيورباخ وماركس، ظهرت بوادر ماركسية جديدة في كيفية الجمع بين ديالكتيك هيجل المثالي الذي يرى مجال الجدل هوالتفكير العقلي المتعالي والمجرد عن الواقع، مع مادية فيورباخ الانثروبولوجية الصوفية التي لاتعترف بالجدل المثالي الهيجلي في انحرافها القول بأن العامل الديني هو المحرك المتقدم للتاريخ. ما أثار حفيظة ماركس في أعتماده مركزية العامل الاقتصادي هو المحرك الاول للتقدم التاريخي في حتمية ملزمة تطورية ما جعله يشن هجوما لاذعا بالضد من فيورباخ. ضمنه كتابه (اطروحات حول فيورباخ). ولم ينكر ماركس وصفه لكل من هيجل وفيورباخ انهما فيلسوفان عظيمان ولولاهما لما انجز العديد من اعماله بتعاونه مع انجلز وبخاصة اسهامهما في تطور المادية التاريخية.

وصمة صوفية افكار فيورباخ في فلسفة التدين عنده في كتابيه اصل الدين وكتاب جوهر المسيحية رغم الحاده الصريح الذي وصفه ماكس شتيرنر وهو احد الشبان اليساريين الذين انشقوا عن هيجل ايضا وصف الحاد فيورباخ الحادا غير متسق..،  وأعتمد ماركس مادية فيورباخ بعد تخليصه لها من صوفيتها الدينية رغم راديكالية فيورباخ في التماهي مع سبينوزا حول أهمية العودة الى عبادة الطبيعة وليس مركزية الدوران حول تشييء الذات الالهية ميتافيزيقيا.. كي يجد الانسان الهه في الطبيعة وفي تماهيه الذاتي معها، كما دعا فيورباخ أهمية فصل الدين عن الفلسفة كي ياخذ الفيلسوف حريته الكاملة في التعبير عن افكاره وما يؤمن به حقا..

وسبب تلك الوصمة الصوفية الدينية المدانة التي لحقت فيورباخ الملحد انه لم يسترشد بمنهج الديالكتيك المثالي الذي جاء به هيغل وانكره عليه العديد من الشبان اليساريين المنشقين عن هيجل في مقدمتهم فيورباخ وماركس وانجلزوشتيرنر، وتم على يد ماركس تخليص ذلك الديالكتيك الهيجلي من المثالية الجدلية التي ترى في تطور المادة والظاهرات والتقدم التطوري التاريخي انما يتم على صعيد الفكر وليس على صعيد ما يعتمل في الواقع من تناقض وجدل طبقي مرتكزه الاساس العامل الاقتصادي في وجوب التخلص من واقع التعامل المجحف في اللامساواة والعدل بين الفقراء والاغنياء المالكين لكل شيء والمحروم منها الفقراء حتى قوة عملهم الذي يبيعونه للمالك كفائض قيمة....

سبينوزا والمرجعية المسيحية

الايمان الديني عند سبينوزا يكون في كل الامور جوهره الذي يجد الانسان في معبوده رقيبا يلازمه ماثلا لمساعدته ورحمته وليس الانتقام منه والوعيد له بالعذاب في آخرته، ومرجعيته بهذه النظرة الانسانية مستمدة من المسيحية في تداولها أن الانسان لم يخلق للتعذيب المهول يوم القيامة فقد حمل المسيح خطايا الانسان على الارض وضحّى من اجل تخليص الانسان من الحساب يوم القيامة، بما اطلق على مذهب سبينوزا أله وحدة الوجود والله موجود في كل شيء مخلوق ومدرك.

والتحريف المتكرر الذي وصم سبينوزا بالهرطقة والتجديف قبل فيورباخ أنه لم يكن متصوفا دينيا بمعنى مفهوم الحلول والاتحاد خارج صفات الخالق في الطبيعة وموجوداتها من ضمنها الانسان،بمعنى سبينوزا لم يشخصن الخالق كموجود متعين بابعاد فيزيائية أو متعين بدلالات ايمانية غيبية ميتافيزقية نورانية روحانية يعجز العقل الانساني ادراكها. بل هو دعى الى الاهتمام بالطبيعة في ادراك الخالق في تذويته الطبيعي في الاشياء والعالم الخارجي.

في حين يؤمن لايبنتيز بوجود خالق مشخصن ميتافيزيقيا بالقدرة الممكنة اللانهائية له رغم أنه غير مدرك عقليا لكنه يتدخل في نظام الاشياء الطبيعية بما يكسر حاجز القوانين الفيزيائية المتحكمة بها والتي يدركها الانسان بمنطقه الايماني وليس بفهمه العقلي..

وعلى عكس من سبينوزا لم يقترب لايبنتيز من أدانة اللاهوت الوضعي الذي يستمد قدسيته الالهية من وجود خالق يكلم بعض الانبياء وينزل على بعضهم الاخر الوحي في الانابة عنه وصنع المعجزات كما هو في مدونات كتب اللاهوت وادبيات الاديان التوحيدية وغير التوحيدية التي تستمد قدسية تعاليمها من تعاليم الارض الانتفاعية المكتوبة بأيديهم وليس من تعاليم السماء المثالية الزاهدة بمباهج الحياة الفانية.. هذه الدعوة التي تغض النظر عن حقيقة ليس كل الناس انبياء في تصديقهم معجزات الارض، وليسوا كلهم انبياء ايضا في تصديقهم معجزات السماء المفقودة بلا وساطة انبياء ورسل مختارين من الله يقومون بتلك المعجزات مؤقتا.

من المفروغ منه أن سبينوزا الذي سبق لايبنتيز وضع الانسان وايمانه تحت منطق تحرير الفهم الايماني الميتافيزيقي من وجود الخالق المدّبر لكل شيء في الحياة الارضية الى الايمان بالطبيعة ونظام الاشياء وذات الانسان ونزوعه الروحاني الفردي ولم يشخصن سبينوزا الخالق لاهوتيا ميتافيزيقيا كما فعل لايبنتيز بانفصال الخالق المتعالي على الانسان والطبيعة، ونادى سبينوزا أهمية أن يكون الايمان الديني هو مجرد عقد روحاني غير معلن بين الله وعباده وهذا العقد لا تحتويه الكتب المقدسة في فرض رجال الدين عقدا أجتماعيا وضعيا بديلا عوضا عنه  بما يحقق تطلعاتهم الدنيوية بأسم الايمان بالخالق في وصايتهم على تدين وايمان الناس على الارض.

لايبنتيز وتوحيد لاهوت المسيحية

كان سبينوزا معاديا لا يلين في محاربته رجال الدين في اليهودية وفي المسيحية على السواء، المنتدبين من تلقاء انفسهم تمثيلهم الوصاية على الدين من الالف الى الياء، وشكك كثيرا في اللاهوت الديني الوضعي الذي كان يمركز الوعي الايماني الجمعي بالمعجزات التي أعتبرها خروقات فاضحة خرافية لايقبلها العقل السوي، وعلى العكس من سبينوزا وضع لايبنتيز ثقته المطلقة في امكانية تحقيق الاصلاح الديني من خلال اصلاح رجال الدين، فقد حاول التوفيق بين الكاثوليك والبروتستانت، وبين تعاليم لوثر وتعاليم كالفن Calvin، في محاولته الوصول الى حل توفيقي بينهم، معتبرا الحل يكمن في تغليب نزعة (التسامح) في تذويب اختلافات المذاهب المسيحية الدينية بغية تحقيق الهدف السامي في وحدة اللاهوت الديني وانقاذه من التشظي والمحاور المتعددة في التاويلات والاجتهادات الطارئة عليه في تعميقها الاختلافات المذهبية. ومن الجدير ذكره أن سبينوزا كان ذهب أبعد من ذلك في دعوته ازالة الاختلاف التاريخي الديني المفتعل ما بين اليهودية والمسيحية كدين واحد وطالب في وجوب عودتهما دينا موحدا واحدا كون اختلافات الديانتين ليست حقيقية ومن الممكن تسويتها بقليل من التوافقات.

هذه الدعوة رغم سمو نواياها الاصلاحية العاطفية الدينية الصادقة اوقعت فيلسوفنا لايبنتيز في مطب سعيه الذي ذهب ادراج الرياح في تحقيق اصلاح رجالات الدين وخلافاتهم التي رأى في حلها تضع الدين المسسيحي على سكة الاصلاح الحقيقي، مغضيا الطرف أن شرعنة اللاهوت الارضي لم يكن اساسا حول الاختلاف في تفسير والتزام تعاليم المسيح ولا تعاليم غيره من الانبياء والرسل. أنما الاختلاف الذي لاينفع معه التسامح الاصلاحي هو مدونات كتب الاديان وادبيات المذاهب المنشقة في تعميق خلافات انشقاقات تلك المذاهب الدينية على اموردنيوية ليست من صميم تعاليم المسيحية الانسانية الحقة..لذا كان اصلاح رجال الدين دعوة عقيمة لم يفلح بها الفلاسفة لكنهم طبقوها بصمت في حياتهم.

 

علي محمد اليوسف /الموصل.

.....................

الهوامش:

1- وليم رايت /تاريخ الفلسفة الحديثة/ ترجمة محمود سيد احمد/ تقديم ومراجعة امام عبد الفتاح امام ص 130

2- نفسه ص 132

3- نفسه ص 133

4- نفسه ص 132

 

 

سامي عبد العال"الأم هي الحياة حين يختفي كلُّ شيء.."

" كانت الفلسفةُ أُمّاً للعلوم ورغم ذلك تجاهلت وضع الأم كسؤالٍّ بلا إجابةٍ"


ماذا لو طرحنا سؤال الأم بصراحةٍ فلسفيةٍ؟ هل تكشف الأم عن شيء جديد للتفلسف؟ كيف يتم التفكير فيها وما أهم القضايا التي تفرزها؟.. لم يناقش الفلاسفة " مقولة الأم" بشكلٍّ بارزٍ رغم الاهتمام الفلسفي بقضايا أخرى. وهذا الغياب يفسر غَمْط مكانة المرأة كقضية فلسفية جديرة بالمناقشة والحوار. ربما لكونِّ الأم علامة استفهامٍ أكثر من كونِّها موضوعاً. وربما لأنَّها ذات حضور بدهي يسكننا من الداخل دون التفكير فيه. ورغم أنَّ البداهة تلقائية ولا تحتاج تأملاً معقداً، إلاَّ أنَّ تسليماً بحضورها الحميم لا يخلوا من دلالة فلسفية عميقةٍ.

ولماذا نذهب بعيداً، فلم يكن ليوجد أي فيلسوف دون أمٍ بطبيعة الحال، لكن الأكثر أهمية أن وجودها في أفكاره لا تخطئه العين. وكم شكلت الخلفية الإنسانية والكونية من واقع التربية والمجتمع، لأنَّ لحظات تربية الابن لا تفصل الثقافة عن الأم الرؤوم التي توفر رحماً رمزياً لتكوينه وانضاج توجهاته. فلئن تخلَّق الابن جنيناً داخل رحم بيولوجي حمله شُهوراً، فقد نزل إلى حاضنة عامة لا يجانب تأثيرها العميق عليه. كما هو الحال لدى كانط عندما تأثر بأمه ريجينا رويتر(1697-1737) تأثيراً كبيراً. ولا سيما من جهة نزعتها اللاهوتية التقوية Pietism التي عايشها منذ الطفولة.

التقوية حركة بروتستانتية تؤكد على الورع والزهد والبساطة وقبول المرء لحاله في الحياة. وفي نفس الوقت عدم الاكتراث بالطقوس والشعائر وعدم التعصب لها والتواضع مع الناس. مما أورث كانط مقتاً لشكليات السلوك والمعتقدات. لدرجة أنَّه امتنع - حينما نضجَ شاباً- عن حضور الصلوات العامة في الكنيسة. حيث اعتبر أنَّها تُرسخ التدين المزيف. وأنَّ هناك شيئاً أعمق من ذلك ليس أقله من أن يتدين الشخص بأخلاق كونيه لا تميز بين فرد وآخر. هذا الخيط الذي ظل ممتداً في كتابات كانط وصولاً إلى جميع الأفكار.

من ثمَّ ظل كانط يبغضُ غلبة الجانب الديني الظاهري على الجانب العقلي في تعليمه. فهو يكره التعليم بأساليب الجدل الذى لا يتوقف، والمراسم الشكلية، والساعات الطوال في تعليم الشعائر والطقوس المتصلة بها. لدرجة أنه مال إلى التأمل العميق وأن يعيش كونياً أكثر من وجوده في سياق ما. وبهذا دفعته أمه مبكراً لطرح أسئلة حول الاخلاق والمسؤولية. لأنَّ الأخلاق هي الصدى البعيد للشعور الأمومي في شخصيتنا الإنسانية. وهي ما أولاها كانط جُلَّ اهتمامه في شكل الواجب المبذول لأي إنسان مهما يكُّن. الواجب هنا- من جهة كليته وبذله- به جانب أمومي لا يخفى على القارئ[1].

من غير ألقاب أو مساحيق تأتي الأم ُكياناً مكتملاً. هي لا تنتظر شيئاً خاصاً من أحدٍ. كلُّ إنسانٍ ليست له إلاَّ أمُ واحدةٌ فقط. بينما قد يكون له أكثر من أبٍ. حيث يقوم النظام الاجتماعي بتلك المهمة لو غاب الأب المادي. فهنالك الأب البيولوجي والأب الروحي والأب المهني والأب العلمي والأب الحمى بالمصاهرة. وحتى كلمة الأم تصبح مشوشة إذا أُضيفت إليها كلمات أو عبارات سواها. لأنَّ الأم كمعنى دوماً فائقة الوصف ineffable، خارج المقارنة، بعيدة عن التماثل. كما لو كانت كياناً روحياً يصعب على اللغة احتواءه[2]. وإذا حملت بعض السمات أيا كانت، فليس أقل من مضمونها الإنساني وحسب.

طبيعة الأم دلالياً تنتمي إلى مستوى آخر من التعبير. ليس هو الكلام الاعتيادي إنما أشبه بنص كوني حياتي. إذ تفتح قوس التطلع نحو آفاق الماضي والمستقبل إلى أقصى إمكانية. لأنَّها تمثل الحنين إلى "الرحم البدئي" لكياننا الجنيني الأول. كذلك تمثل اللقاء الدائم بالسكينة طوال الزمن الآتي. فالعودة هنا تأتي من القادم. وليس إلى الماضي فقط على ما تدل كلمة العودة. فدلالتها ليست مجرد لغة أو اشتقاق ألفاظ، إنما تثير العواطف الحانية ومشاعر الانتماء إلى جذور ما.

إنَّ صرخة الطفل خروجاً من الرحم هي شق الوجود نحو الحياة. ولكنها بمثابة الصرخة المعبرة عن أمانٍ ما كان ليدركُه حتى يفقده إجمالاً. وإذا كان الإنسانُ قد خرج من "رحم بيولوجي" إلى "رحم ثقافي" مثلما نوهت، فالأخير يقوم على الصراع والعنف. بينما الرحم الأمومي هو الملاذ الأول، الحنين، الحلم، الذاكرة الحميمة، الماضي السعيد، الجنة الموعودة. ولذلك يوجد في الرحم الأمومي شيءٌ من الحياة الأبدية التي يتطلع إليها الإنسان في شكل يوتوبيا مؤجلَّة. قد تكون علاقةً مع معشوقة يراها على صورة أمه أو تتسع لتشمل مدينة فاضلة يعيش فيها الحملان بجوار الذئاب ولا خوف. وقد تبدو على صورة الجنة التي ينعم الإنسان فيها بكل الملذات الحميمة.

الرحم الأمومي هو تجرية الحياة الأصلية. فهذا التكوين الجنيني له علاقة بالنوم الهانئ السعيد. كنوع من التوحد الكامل مع مصدر الاشباع المتواصل لدى الإنسان. حيث كان يغتذي الطفل من الحبل السري دونما عناء. وحيث لن يجد مكاناً سواه يحمله برعاية مطلقة. وهو المدد الذي سيطلبه تباعاً من الإله والقوى فوق الطبيعية. إذ هناك خلال بعض الحضارات القديمة، وجدت عمليات دفن كانت تتم بتكوير جسد الميت على هيئة الأجنة البشرية. في دلالة بكون الارض يجب (أو هكذا أمل) أن تكون أماً حانية على ابنها الميت، وقد تكون إشارة إلى كونه سيخرج إلى حياة أخرى كما تخرج الفسائل من جوف الأرض.

وهذه إجمالاً دلالة تُماثل وضعيةَ التكوين في الرحم الأول. على أساس أنَّ الإنسان القديم – في مجتمعات الهلال الخصيب مثلاً - لدية ميل لاعتبار الدفن أشبه بوضع الإنسان في الارحام البيولوجية. وبذات الوقت سيتم ذلك عند الموت بأمل خروج الأموات من الأرض مثلما خرجوا من الرحم الأنثوي. وهو ما يُناظر أيضاً بين الأرض وبين الأم على امتداد المعنى. فالاثنتان تعودان إلى الطبيعة في كمونها الخلاق والمبدع. كما أنَّ مدار العودة يجري بأمل الانبات مرة ثانيةً كما تنبت الأشجار والأزهار. وهذا التصور كان لدى أغلب الحضارات التي تعتقد بالحياة الأخرى بعد الموت. وربما تعلَّم الإنسانُ منه  الزراعة والبذر والفلاحة. فالبذور أجنة الأرض التي تنبت من التربة نباتات وارفة الظلال.

والرحم من هنا يشكل جميع مستويات الحياة. وصحيح يخرج الانسانُ مقذوفاً منه إلى الواقع المعيش، لكنه يعتبر نموذجاً يتبلور داخله العالم والكون. فلو تصورنا الأشياء موجودةً عبر رحم كوني كبير لكانت تعدُ بالمزيد من الامكانيات. فكلَّ جديد يأتي من رحمٍ ما، من مخاضٍ ما في وجوده الإنساني الكوني.

وحدها الأم تنفرد بالمخاض دون سواها وكأنَّها تنفرد بسمة الخلق الأساسي للكون. لأنَّها لا تُسمى بهذا الاسم إلاَّ من خلال تلك العملية العصيبة، إنها نقطة انطلاق لميلاد مختلف. نقطة بداية لتفتح الكائنات البشرية. ولهذا ارتبطت الأم بالمجتمع ارتباطاً وثيقاً. لأن المخاض يضعها في أولوية العلاقات الاجتماعية. هناك احتفاء كبير بالأم بدءً من الزواج والجنس والحمل والولادة وليس انتهاء بالتربية والمستقبل. هذا على الرغم من المكانة المتدنية للمرأة في المجتمعات على اختلافها. فهي المنسية دوماً وسط صخب الأحداث والمطروحة كمقابل صفري في أية معادلة تجمعها بالآخرين.

وفي المرحلة المبكرة- مرحلة المرآة mirror stage عند جاك لاكان[3]- مع انقذاف الطفل يشعر بالاغتراب معوضاً ذلك برحم الأوهام البديلة. فلكي يعوض احساسه بالتشظي والتفكك يعتني بصورته في المرآة. حيث يتماهى مع كيانها المتخيل. فهي تشكل له قوس الوحدة الجسدية المتكاملة مما يعطيه احساساً بالكمال والنرجسية. ونتيجة شعوره الدائم بفقدان الكيان المتماسك، يجعل الصورة نموذجاً مثالياً ساعياً للتماهي معها. مما يحدد أبعاد الهوية والآخر وعلاقاته بالغير، لأن انفصالاً عن الأم يجر معه اغتراباً عن الأصل.

وذلك يتحول الانفصال من مجرد علاقة أولية إلى هوة سحيقة بين الطفل وصورة ذاته. وتوطئةً للإلتحام الرمزي بكيان المجتمع سيظل هذا الانفصام مصاحباً لعلاقاته المستقبلية. حيث سيسعي للانخراط في نظام أكثر شمولاً وتنوعاً. وهو نظام اللغة إذ تتكون لديه أخيلة وأبنية وهمية تجاه الأشياء والواقع الحقيقي. وتبقى اللغة موطناً لكل التداعيات الناتجة عن هذه العملية.

ومع تشكل صورة الإنسان لا تكتمل إلاَّ في وجود الآخر. لكنه اكتمال نحو النقصان الجذري القابع فيها. وبذلك يستحيل للطفل أنْ يعود إلى أناه الكامل، لأنَّ الآخر يخترقه تماماً. ومن هنا يعتبر الطفل الصور دلالات للأنا المفقود. وعليه يدخل الأنا في كافة الأنشطة والعلاقات لردم الهوة دون جدوى. إنَّ سعياً إلى بناء عام لصورة الجسد ربما من بقايا الرحم الأمومي، لأنَّ الموروث البيولوجي يصطدم في الغالب بالموروثات الثقافية.

من جانب أوسع ترجع أهمية الأم إلى راسب الالوهية الكامن في الأمومة. لقد كانت الأم إلهاً ووطناً ووجوداً وحباً مفقوداً. ومن جذوتها الإنسانية كانت هناك ربات الفنون والجمال والأشعار والأمثال. الأنوثة أصل الطبيعة إدهاشاً بالجديد والمثير والطريف والخصيب والمتناسل. ومازالت بعض  جذور المجتمعات تنتسب إلى الأم. حيث تبجل الثقافة الجارية الأمومة فوق مما يُتوقع. وتصبح الأم نبعاً ثقافياً صافياً إليه يرجع الفضلُّ في تماسك الأفراد وعلاقاتهم الاجتماعية.

في صورتها الحية، تشكل الأم كتلة من الأعصاب النابضة بالمشاعر. ليس لها أن تتحدد بل هي في سرها مأخوذة بالعطاء المطلق. يشير أحد الأمثلة الانجليزية:  لا تقول الأم هل تريد: بل تعطي!! هي معجونة بالعطاء دونما انتظار. لأنها كائن ليس لنفسه على الخصوص بل لغيره على العموم. وتبدو كما لو كانت " ربة العطاء" هكذا دون أي شيء آخر. إنَّ أماً - سواء لديها أطفالٌّ أم لا- تهب الحياة لسواها بلا حدود. ولو تصورنا الحياة نتاجاً انسانياً، فالأم مركزها الحيوي.

يؤكد كانط المشار إليه سلفاً ضمن رسالته (تأملات في التربية): أنَّ الإنسان بخلاف الحيوانات له إمكانية أن يتكون من هذا المنظور الوالدي. باعتباره المخلوق الوحيد القابل للرعاية والتعهد والتعليم المرتبط بالتكوين bildung. ومن تلك الزاوية يكون: رضيعاً، تلميذا، طالباً.... وفي إطار الانضباط يتحول الإنسان من حالة الطبيعة إلى جانب الانسانية. لأنَّه يخضع في سن مبكرة إلى القوانين داخل الاسرة. ولا يصير كذلك إلاَّ بالتربية. فهو ليس  سوى ما تصنع به التربية. والتربية حين تكون سليمة تمثل الينبوع الخالص الذي ينبثق منه كل خير في هذا العالم[4].

ربما العطاء الأمومي أصدق أنواع العطاء، لأنه يجري دون مقابل وحتى من غير انتظار الاعتراف به. وأي عطاء لا يخضع لهذين( المقابل والانتظار) يصبح مطلقاً. فالثقافة تتسع إلى دلالتها، لأن الثقافة قد تغدو أُماً رمزية هي الأخرى. وبالتالي يحق التساؤل إلى أي مدى تحاكي ثقافة الفرد ثقافة الانسانية عبر اجيالها المختلفة؟ يرى كانط أنه بفضل العطاء الأمومي يكون الطفل صافي القلب وتكون نظراته مشرقة كالشمس. وذلك وعد منذ الطفولة لأن تكون إنسانيتنا على قدر التوقعات المأمولة.

عطاء الأم متاحٌ في أي وقت شاء الإنسان. فالأبناء لم يقدموا للأم شيئاً بينما هي تمنحهم الوجود والرعاية والمستقبل. ومع كامل المعاناة التي تلاقيها تصبح مبتهجة بهذا الصنيع. إذن تشاركهم الوجود في نفسها. وتقتسم كيانها معهم جزءاً بجزء وحرفاً بحرف فكرة بفكرة. في الحقيقة هي تفضل – مع جزيل المنح- أبناءها بالمقدمة. يعبر جبران خليل جبران: الأم هي كل شيء في الحياة. هي التعزية في الحزن، الرجاء في اليأس، والقوة في الضعف.

العطاء الأمومي مطابق لذاته. كلمة العطاء نفسها تحتاج إلى تعديل جوهري بناء على ما تقدمه الأم. فالعطاء يضمر داخله إمكانية الرد. بينما افعال الأم تنفي ذلك تماماً. تخلخل مفاهيم الحياة الاجتماعية عندما تربط أفعالها باستحالة الرد. ليس لدى الأمهات مقايضة. إنها بطبيعتها ضد اقتصاد الأخذ والرد في شكل المُقابل المادي. والمرأة من جهة العواطف تستطيع الإغداق إلى أقصى مدى. لكنها في الوقت نفسه بإمكانها تدبير الماديات.

عطاء الأم لا يحتاج إلى تبرير. أي أنَّها ضد منطق الحِجاج القائم على التبادل بين أطراف. وفلسفياً ستكون الأم صدمة لإمكانية البرهنة على الأصل وحسب. لأنها أكبر من مجرد أصل لشخص آخر ولو كان ابناً. فالأصل ارتباط وانبثاق، لكن الأم تزيد عن ذلك كقدرة وتاريخ وتجاوز أيضاً.

يرى ابراهام لنكولن" أنَّ أعظم كتاب قرأه هو أمه...". ليست تلك مبالغة، لأنَّ الأم تلخص تاريخاً من الحيوات الثرية. كما أنَّها الأبجدية التي يتعرف من خلالها الإنسان على العوالم المختلفة.  وربما تعتبر بهذا المضمون أقدم ابجدية في التاريخ الإنساني. فالأم هي السطور التي لا تنتهي. وهي نافذة الأحاسيس والمشاعر التي تختلف عن أية مشاعر سواها تماماً. وهي عيون أبنائها على العالم منها يستمدون رؤيتهم وكيف يتعرفون على الأشياء.

يتجاوز العطاء الأمومي فكرة الضيافة. لأن المضيِّف ليس هو من يعطي بل من ينفتح على الآخر. الأم تبدع في هذا، هي قلب بمساحة الحياة[5]. لذلك قال جان جاك روسو" لو كان العالم في كفة وأمي في كفة ... لاخترت أمي".

تبطل دلالة الأم معنىَ السلطة. فإذا كانت الأخيرة بأبرز وجوهها قوةً، فالأم حب بلا عنف. إنَّها قوة الحب الذي يجتذب إليه الإنسان تلقائياً. فأساسه الأمان الذي لا يقف وراء أية سلطة بالمفهوم الجاري. وفي هذا يشير سقراط:" لم أكن لأطمئن إلاَّ وأنا في حِجر أمي". وبخاصة أنَّ كل سلطة تقام على الخوف، الرهبة. لكن حضور الأم يحتضن وجودنا بشكل طفولي بريء. لأنَّ سقراطاً وهو الفيلسوف الأكبر( أب الأثينيين كما كان يلقبه افلاطون) يفضل النوم على مهاده الأول في الحياة. الأب المعلم في تاريخ الفلاسفة يعودُ طفلاً بين أحضان أمه.

العطاء يتجسد أمومياً في مضمون القلب. ففي بعض المواقف الإنسانية تجاه الأبناء نلتمس الأعذار للام قائلين: إنه " قلب الأم". يقول بلزاك: " قلب الأم هوة عميقة ستجد المغفرةً دائماً في قاعها.. ". الأم كيان حي داخل قلب يتسع للجميع. وليس العكس "قلب داخل هيكل إنسان". فهي تراقب العالم بالعواطف بخلاف الرجل الذي يستحضر طاقة العقل والأدوات والحركة. إن العقل جهاز ذكوري ماكر على الأصالة.

العطاء الأمومي مصير مفتوح، لأنه لا غاية تقع بالخارج منه، لا شيء سواه بإمكانه أنْ يملأ فراغه. وأي خارج عنه غير مسموح به في تلك الحالة. يراه مارسيل بروست- صاحب رواية البحث عن الزمن المفقود- كنزاً حقيقياً: " كنزي الحقيقي هو أمي". وبالطبع قد يكون الرصيد الفعلي للطفل مجرد ابتسامة، ولكنها ابتسامة تفعل العجائب وتحيل العالم جنة، إذ ذاك يدرك وجودها الرمزي الغني. على غرار قول فرجيل" يعرف الطفل أمه من ابتسامتها".

اسم الأم مزيج من المعاني والأحاسيس والوجود. ليس مدلولاً لكنه فعل مرغوب لدرجة الهوية. استعمل محمود درويش عبارة مهمة واصفاً الأم والكون: "لن أسميكِ امرأةً، سأسميك كل شيء..". الاسم هنا معجم مفهرس بحاشية الأشياء جميعاً. هكذا يكون اسم الأم كلياً رغم إفراده في سياق ما.

الأم ترتبط بالمستقبل. لأنها ترعى أبناءها، ليس لنفسها بل لما هو قادم. إذ تضعهم على طريق الأمل في الغد. لذلك يؤكد شكسبير: " الأم شمعة مقدسة تضيء ليل الحياة بتواضع ورقةٍ...".

والقداسة فيها هو كل شيء، فكرتها وتكوينها وكذلك ارتباطها بمفاهيم الحياة أكثر من أي كائن آخر. ولو لم تكن الأم مقدسة ما كانت لتوجد جميع الكائنات، لأنها تضمن  ظهور العالم في صمت الزمن. ومن هنا كانت أشبه بالشمعة التي تذوب لأجل الإضاءة. لن تربح شيئاً، بل كيانها يقول ذلك. وفوق هذا وذاك هي تحتمي في رأي شكسبير بالرقة التي لا نهاية لها.

إذا أرادت الفلسفة إفساح المجال للأم، فهناك جوانب عدة دائماً، ويبدو أم التفلسف وقع في فخ الذكورية( فلسفة القوة)، ورغم نقد النزعة الذكورية على يد بيير بورديو وجون ستيوارت مل وسيمون دي بوفوار وجوديث بتلر غير أنها استدارت لتقصي الأم عن مائدة الفلاسفة. ولكنها حظيت بحفاوة الشعراء والروائيين.  وإذا كانت للفلسفة أن تحيي تراثها، فهي أكثر من يعرف عقوق الأبناء بخلاف سواها، لأن الفلسفة كانت يوماً ما أمَّ العلوم! وليس يعرف لوعة انحراف الأبناء غير الأم بالنسبة للأم. فهل بعاطفة أمومية كانت للفلسفة أن تعيد الاعتبار لأمهات الفلاسفة في شخصية الأم إجمالاً؟!!

 

د. سامي عبدالعال

......................

[1]- أشار كانط إلى أنَّ الطبيعة البشرية لابد أنْ تسعى إلى الخير الأسمى. ولكن هذا الهدف قد يتم على غرار (زوجة الأب لأولاده) نظراً لمعوقات المعرفة والتفكير. معنى ذلك أن علاقة الأمومة علاقة طبيعية وبإمكانها أن ترشدنا إلى مصادر الخير والعمل وفقها لها. وأنَّ الاحساس بها من حيث الأم الأصل أو الأم البديل سيكون له تأثير.

امانويل كنت، نقد العقل العملي، ترجمة غانم هنا(المنظمة العربية للترجمة)، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى 2008. ص 2008.

[2] - André Kukla, Ineffability and Philosophy, Routldege, London New york, 2005. P 17.

[3]-Dylan Evans, An Introductory Dictionary of Lacanian Psychoanalysis, New York, 1993. Pp 25-27.

 

[4]- ايمانويل كانط، ثلاثة نصوص: تأملات في التربية، ما هي الأنوار؟ ما التوجه في التفكير؟، تعريب وتعليق محمود بن جماعة، دار محمد على للنشر، صفاقس- تونس، الطبعة الأولى 2005. ص ص 11، 19.

[5]- لقد أجاد ماكسيم جوركي في رسم صورة الأم المعطاءة التي تحب الحياة. ومن هذا المنطلق كرهت الاضطهاد ونتائجه المدمرة. كما كرهت هؤلاء المتسببين في الظلم. ولم يختلف عن ذلك حبها للعدالة والايمان بالآخر.

ماكسيم غوركي، الأم، ترجمة فؤاد أيوب وسهيل أيوب، دار الفارابي، بيروت- لبنان، الطبعة الثانية 2007.

 

حاتم حميد محسنان تحليلات هيجل الديالكتيكية للتنوير والثورة الفرنسية شكلت الاساس لنظرية ماركس في المادية التاريخية. لقد اشاد هيجل بالثورة الفرنسية كحدث "تاريخي للعالم"لارتباطها بمصلحة الانسان بصرف النظر عن الدين او القومية. ماركس وانجلس في زمانهما أيّدا تماما هذه الرؤية.

كان هيجل الشاب قد احتضن ايضا وبحماس مُثل الثورة الفرنسية. ان ميول كل من هيجل وهولدرن كانت نحو ربط الثورة بما فيها من تجدد روحي واخلاقي بمستقبل الحرية والجمال معتمدين جزئيا على انخراطهما المتزامن في بدايات عام 1790 في السبينوزية ونصوص المفكر الالماني الكبير سبينوزا.

لماذا هيجل؟

فينومينولوجيا الروح لهيجل (1807) تعرض واحدة من أعظم الرؤى النقدية للتنوير. الفيلسوف الالماني هيجل كتب عمله العظيم في وسط فترة حروب نابليون وكان حبر مخطوطة الفينومينولوجي لم يجف بعد عندما فر هيجل معها اثناء معركة جينا (1806). وحتى عند الاحتلال الفرنسي لالمانيا، نظر هيجل لنابليون كـ"روح العالم" ممتطيا حصانه وأيّد تصدير الثورة الفرنسية للدساتير الليبرالية في جميع اوربا. كان هيجل يعني بالروح تطور الفعالية الانسانية او العملية التاريخية للانعتاق، كتب هيجل الفينومينولوجي كملحمة فلسفية للحرية الانسانية. لسوء الحظ، مع ان جاناثان اسرائيل خصص مكانا لمناقشة الرؤى السياسية لهيجل لكنه فشل في معالجة انخراط الفينومينولوجي بمشروع التنوير بالاضافة الى تأثيراته على الثورة الفرنسية وما تلاها.

فلسفة هيجل اكتسبت سمعة كونها صعبة الفهم، والمقاطع في الفينومينولوجي التي تتعامل مع التنوير كانت شاقة. نحن نحتاج الى توضيح دقيق لتحليلات هيجل طالما هي مصدر نظري حاسم لفهم ماركس للتنوير. وكما بالنسبة لماركس، انتقادات هيجل لم يكن القصد منها رفض او تجاهل ارث التنوير. هيجل كرائد للتفكير الديالكتيكي يرى التنوير الاوربي كظاهرة متناقضة ذات مظاهر ايجابية وسلبية معا. وبينما هو يرفض التاثيرات المدمرة لليبرالية، هو يعترف بان المساهمات الايجابية للتنوير هي جاءت لتبقى. هذه تتضمن الحريات العالمية وحكم القانون والغاء الامتيازات الارستقراطية وتطور القوى المنتجة. وبشكل اعم، كانت انجازات الثورة الفرنسية مكسب دائم للبشرية، وهكذا، بالنسبة لهيجل، كان التنوير مرحلة ضرورية في تاريخ العالم بدونه سوف لن توجد حريات حديثة.

في ظلال الثورة الفرنسية

الشاب الهيجلي برونو باور اشار الى ان فينومينولوجيا الروح لهيجل لم تترك ابدا روح الثورة الفرنسية. الكتاب يُقرأ كبيان سياسي مليء بالحماس الثوري. عندما قرأ ماركس الفينومينولوجي عام 1844 هو أعاد صياغة تعبيرات هيجل الفلسفية بشكل اكثر مادية. ما سماه هيجل الصراع بين التنوير والايمان كان قناعا ايديولوجيا ارتدته الثورات البرجوازية. بينما هيجل يعبّر عن هذه الصراعات بقناع مثالي، كمعركة بين مختلف اشكال الروح الانسانية، لكن هذه المعارك الشبحية لها اساس واقعي في قوى الطبقة المادية. ولكن لكي نعطي هيجل حقه، نحن لا نستطيع ان نتجاهل ان التناقضات المادية جرى تحدّيها في عالم الوعي او في عوالم الابنية الفوقية الثقافية والسياسية. تعليقات هيجل هي مثالية بالقدر الذي تأخذ به عناصر البناء الفوقي الأسبقية. ولذلك، فان مهمتنا هي ان نضع هيجل على قدميه، او للانتقال من مثالية هيجل الى المادية التاريخية. هذا يعني الانتقال من الشعر المثالي الفينومينولوجي الى الصراع الطبقي الواقعي المادي. بكلمة اخرى، في العمل من خلال هيجل، نحن نسير اقرب الى ماركس. كرائد للمادية التاريخية، فلسفة هيجل تبيّن ان انتصار التنوير البرجوازي على الاقطاعية كان ضرورة تاريخية، لكنه ليس نصرا تاما للحرية الانسانية. كما بالنسبة لهونر دي بلزك وشارلس فورير، كان هيجل ناقدا مبكرا لمظاهر الانحطاط الانساني للمجتمع البرجوازي، سماها "مملكة الحيوان الروحية". ما يشير له هيجل في فصل "الحرية المطلقة والرعب" كان فشل اليعقوبيين، الذين هم من اكثر الاحزاب الراديكالية للثورة الفرنسية، في تجاوز تناقضات الرأسمالية الناشئة .هيجل ذاته لم يستطع ايجاد طريقة لهذه المعظلة ولام أي جهد ثوري للتغلب على اللامساواة البرجوازية باعتباره عملا طوباويا.

استمر ماركس وانجلس في هذا التحليل للتنوير والرعب اليعقوبي متخذين هيجل اساسا لهما، مبيّنين ان الوعود الاصلية للحرية والمساواة كانت غير منسجمة مع المجتمع الطبقي. طالما ان شعارات الثورة الفرنسية ترافقت مع واقعية الرأسمالية، فان تجريدات التنوير اصبحت لاعقلانية ملموسة. في تعبيراتهما المجردة، اصبحت "الحرية" حرية استغلال الطبقة العاملة، بينما "المساواة" اصبحت خدعة قانونية تخفي العلاقات غير المتكافئة بين العمال الجائعين ورؤسائهم الاغنياء. ومثلما علّق الروائي الفرنسي انتولي فرانس مرة، ان القوانين، في "مساواتها العظيمة" منعت الاغنياء والفقراء ايضا من النوم تحت الجسر او التسول في الطرقات او سرقة الخبز. ان ماركس وانجلس ولأجل التغلب على المجتمع البرجوازي وضعا الفرد ضمن الطبقة العاملة. بينما البرجوازية في مواجهتها مع البروتاليرية المتمردة خانت انجازاتها، وفضلت الدكتاتورية العسكرية على الديمقراطية، فقط العمال يستطيعون الاستمرار قدما في ما كان تقدما في ثقافة وفكر البرجوازية. لنعيد تعبير انجلس، البروليتارية هي وريث للتنوير.

في احدى قاعات مدرسة اللاهوت Tubingen Stift، كان هيجل الشاب وزملائه منهمكين في الثورة الفرنسية وامكاناتها في الاطاحة بالسياسات والدين المحافظ . هؤلاء الطلاب لم يكونوا بروتستانت اصليين، هم اتبعوا باهتمام آخِر طراز فكري للثقافة الفرنسية بما فيها كتابات روسو. قبل تصاعد الرعب، شارك هيجل في نادي احد الطلاب (اليعاقبة) وغرس لوحا ثوريا من النباتات مع زميليه هولدرلن وشيلنغ. هيجل فهم كيف ان الكراهية الطبقية واللامساواة قادا الجماهير الفرنسية نحو الثورة. مع ذلك، هو ذاته لم يكن يعقوبيا، عواطفه كانت اكثر ميلا لغيروندن . في رسائل هيجل الى شيلنغ عام 1794، نرى نفورا من المقصلة وحزب روبسبير. هيجل ادرك ان كل احداث وافكار الثورة الفرنسية استلزمت واحدة اخرى. طبقا لمقدمته، ان مهمة الفينومينولوجي هي بيان الارتباط بين الافكار و"ضرورتها الخارجية"، او الكيفية التي تبدو بها في التاريخ. المرحلة اليعقوبية، بقدر ما هو كرهها شخصيا، لكنها كانت محصلة لا غنى عنها للصراع لأجل التنوير في فرنسا، الرعب كان عنصرا ضروريا للثورة. لماذا التنوير الفرنسي كان عنيفا جدا مقارنة بالتنوير الالماني كان طبقا لهيجل بسبب اختلاف الثقافة الدينية. عدم تسامح الانظمة القديمة اثار استجابات دموية عنيدة، بينما بفضل الثقافة البروتستانتية، كان التنوير الالماني نسبيا مسالما. ولكن كما اوضح هيجل، ان هذا السلام الظاهر والهدوء اشار ليس لتفوق الثقافة الالمانية وانما لرجعيتها. فلسفة عمانوئيل كانط في العقل التطبيقي لم تستطع تحقيق ذاتها في ظروف المانيا، بينما مذهب روبسبير في الفضيلة حطم كامل الثقافة للاقطاعية الفرنسية. احد اشهر طلاب هيجل هنرش هين أعلن بان كانط كفيلسوف تبنّى فقط قتل الاله، بينما دانتون وروبسبير كثوريين تبنّيا قتل الملك.

ديالكتيك هيجل في التنوير

في فينومولوجيا الروح، يبدأ هيجل تحليله للتنوير كصراع بين "الفهم الخالص" pure insight مقابل "الايمان". الفهم الخالص يمثل قوى النقد المجرد، هذه هي قوى عقل ذو جانب واحد حرر نفسه من الميتافيزيقا. انها شكل من العقل الايجابي الذي يتأرجح بين قطبين مختلفين: اما ان يأخذ موقع التجريبية، مفضلا الحقائق الملموسة على القوانين العالمية، او ان يأخذ موقع الشكلانية، مفضلا قوانين غير مرنة على الحقائق الملموسة. بكلمة اخرى، اما ان الحقائق لاتساير تماما المفاهيم المجردة، او ان المفاهيم لاتستوعب الحقائق بما يكفي.

مع ذلك، يدّعي هيجل ان التجريبية البسيطة لها مزاياها. في فلسفة التاريخ، هو يكتب انها من "الاهمية الكبيرة جدا بان الاشياء المعقدة المتعددة الاشكال يجب ان تُختزل الى أبسط الظروف، وتُجلب الى شكل من العالمية. الفهم الخالص هو ما يسميه هيجل الفهم، الذي يضم اصنافا تستوعب اشياءً محدودة وعلاقات ثابتة. مقابل ما يسميه هيجل العقل الديالكتيكي، حيث الحقيقة هي الكل، فان الفهم لا يمكنه ابدا الاستيعاب الكامل للواقع في جميع وجوده المادي وتطوره. لنكون واضحين، عندما ينتقد هيجل الفهم، فهو ليس بسبب ان الفهم "عقلاني"، وانما لانه ذو جانب واحد، وليس عقلاني بما يكفي. الفهم، اما تجريبية او شكلانية منطقية، لايستطيع استيعاب تعقيدية الكل whole، او ما يسميه الماركسيون الهيجليون مثل جورج لاكاس بالكلية tatality. الفهم الخالص ايضا يتضمن فهما مزدوجا للعلاقات الاجتماعية، التي بها يُرى الناس اما كمستهلكين خاصين منعزلين، او كمواطنين متساوين امام القانون دون اشارة للطبقة. وعليه، وبقدر ما لا يستطيع هذا الشكل من التنوير ان يتغلب على تناقضاته الفلسفية الخاصة به، فان هذه القيود الابستيمولوجية لها نتائج سياسية. وكما اشار هيجل، ان هذا التنوير لايزال يحتاج الى مزيد من التنوير.

الفهم الخالص يخالف سلسلة الوجود الشائعة في القرون الوسطى التي ترى الاشياء جزء من سلسلة عظيمة من الوجود او هيراركي من العلاقات مع الله. في تضاد مع الفهم الخالص ولكن مشابه له، يتمسك موقف الايمان بيقينه المطلق بالله. الايمان، مع ذلك، لا يستطيع عقلانيا اظهار يقينه بالدين . هيجل يؤكد على هذا التناقض بين الفهم الخالص والايمان : "الفهم الخالص لهذا السبب ليس له محتوى بذاته لانه وجود سلبي لذاته وللايمان. من جهة اخرى، هناك محتوى ولكن بدون فهم. الفهم الخالص هو شكل من النقد العقلاني ولكن بدون اي محتوى ثابت بذاته. بهذه الطريقة، هو سلب خالص. ومن جهة اخرى، الايمان هو عقيدة بسيطة، لكنه ينقصه اي تبرير عقلاني لعقيدته بالله.

هيجل يقارن انتشار التنوير بالفايرس الذي يصيب بدون قصد دعاة الايمان عندما يحاولون معارضة الفهم الخالص بالحجج. كلما جوبه الفهم الخالص بالدين كلما زاد انتشارا، حتى يصبح الوقت متأخرا والفايرس يصيب كامل الثقافة:

"بدلا من ان يكون التنوير الآن غير مرئي وروح غير مُدركة، انه يتوغل في الاجزاء النبيلة شيئا فشيئا وحالا يستحوذ بالكامل على جميع الاجزاء الحيوية والمعبودات غير الواعية، عندئذ وفي صباح جميل سيعطي دفعة لرفاقه ويسقطهم ارضا".

في توصيف التنوير كركل للخرافات ارضا، هيجل يقتبس من دينس ديدروت. ديدروت في حواره الساخر يعرض تفكك الوعي في الثقافة الفرنسية التي يتحول بها النبيل الى ما هو مضاد مبتذل وقذر . ان قوة نقد التنوير تكشف ان صرح الاقطاعية هو فاسد ومترنح ويستحق الفناء. العاطفة الاقطاعية والارستقراطية اصبحت قديمة الطراز في ضوء العلاقات الجديدة للمجتمع المدني البرجوازي. وبشكل اوضح، النقود هي من يحكم والفضيلة ليست المكافأة لها. نحن لا نعرف ان كانت هناك مكافأة بالسماء لكن بالتأكيد ليست هنا على الارض.

بعد تحطم جميع الاصنام المقدسة، لم ينقذ نقد التنوير الا النقاد انفسهم. النقاد يواجهون غرور ما يسميه هيجل "روح المملكة الحيوانية" للمصلحة الذاتية للبرجوازية. كل من هيجل وماركس اشادا بديدروت كمثال لامع للنقد الاجتماعي وكديالكتيكي . الديالكتيك الاجتماعي لديدروت يكشف كيف ان نعمة المجتمع المدني الفرنسي تتحول الى المضاد المنافق لها، حيث ان وراء المظهر الزائف للنبل يختفي الكثير من الغرور والجشع المقموع. هيجل يرحب بتخلص التنوير من الماضي بما فيه العواطف الارستقراطية وانهاء تمجيد النبلاء. في ديالكتيكية التنوير هذه يبرز كسبا ايجابيا في تطور الروح. الكسب الايجابي هو مفهوم التنوير للمنفعة. بعد هزيمة الفهم الخالص للايمان، لاشيء يمنع الفهم الخالص من التعامل مع كل العالم كمفيد لذاته. كل شيء يصبح مفيدا لايغو الفرد، وحتى الايمان وُجد له فوائده ايضا. بالنسبة لهيجل، المنفعة ليست دائما سيئة، في المنفعة يحقق"الفهم الخالص" ادراكه .وهكذا، المنفعة لها محتوى ايجابي. انها ليست فقط نفي للاقطاع، انها شكل من العقل يمكّن الانسانية من اعادة تشكيل العالم طبقا لحاجاته المادية.

حقيقة التنوير

في ترجمة هيجل ماديا، نحن نستطيع القول ان "حقيقة" التنوير هي تحقق المجتمع البرجوازي. طبقا للوكاس، "هيجل يصف العلاقات بين الناس في الرأسمالية مبينا انها الشكل الاكثر تقدما للتطور الانساني والشكل الاكثر تكيفا مع الروح ". في ظل الراسمالية، على الاقل في هذه المرحلة من التاريخ، الناس يستطيعون المحافظة على انفسهم اجتماعيا بينما ظاهريا "يتابعون بانسجام مصالحهم الفردية الضيقة" . كذلك، يرى لاكاس ان ما يقصده هيجل بـ فائدة الاشياء (منفعتها) هو التعبير المثالي لما يسميه ماركس لاحقا بـ علاقات السلعة.

السلعة لها خاصيتان هما قيمة استعمالية وقيمة استبدالية. القيمة الاستعمالية هي كيف ان الشيء يشبع حاجات الانسان ماديا. اما القيمة الاستبدالية هي الجزء الكمي الذي به تُستبدل السلعة. الاقتصادي الماركسي ارنست مانديل يقول ان السلع "ربما تُنتج للاستبدال في السوق لغرض بيعها، بدلا من الاستهلاك المباشر لها من جانب المنتجين او من جانب الطبقات الثرية".

بينما هيجل يقول ان الفهم الخالص وجد عالما مفيدا لذاته، لكنه لم يفهم "تناقضات" المنفعة، وبشكل خاص الطبيعة المتناقضة لشكل السلعة. ما يشير اليه هيكل في الاختزال الانساني هو ان المنفعة تختزل الكائن الانساني الى مجرد اشياء مفيدة ايضا وهو ما اطلق عليه ماركس بالاغتراب. طالما لا تستطيع الرأسمالية فصل القيمة الاستعمالية عن القيمة الاستبدالية، فهي لاتستطيع ان تشبع بالكامل حاجات الانسان. بهذا فان امتلاك المنفعة يعني امتلاك الاغتراب البرجوازي. وبتعبير اوضح، في ظل الرأسمالية، الربح هو الذي يحكم الناس. حتى الان، كانت الراسمالية الاكثر تقدما، مع ذلك هي شكل الحضارة الانسانية الاكثر اغترابا . التنوير في سعيه للتغلب على الاغتراب انتقل الى ما يسميه هيجل بالحرية المطلقة. الذات المتنورة تواجه العالم ذاته في الخارج كشيء غير حقيقي، وانها تريد الغاء ذلك العالم لمصلحة الحرية الخالصة للذات. في هذا التحول، المحتوى الايجابي للمنفعة او لحاجة الانسان يُضحى به لأجل الرغبة الخالصة التي لا تعرف اي شيء عدى واقعيتها. هذا تطور مقلق لهيجل، بالقدر الذي تحرر فيه الحرية المطلقة ذاتها من اي شيء مادي ملموس كعائق امام رغبتها . انها طوعية مطلقة تتصرف دون معرفة . مع ذلك، عندما تستأصل الحرية المطلقة "في غضبها المدمر" كل آثار الثقافة الاقطاعية، فانها تكون لحظة دموية لكنها ضرورية لتطور الروح. بهذه الكيفية فهم هيجل الرعب حيث اليعقوبية ليست انحرافا عن التنوير الفرنسي وانما نتيجة لا يمكن تجنبها في الصراع ضد الاقطاعية.

الحرية المطلقة تكشف عن ذاتها كرغبة موحدة لاتقبل التسوية. تاريخيا، الحرية المطلقة كانت مساوية للرغبة الحرة لروسو. هذه الرغبة الحرة مريبة لكل شخص يعارضها. ولهذا فان الحرية المطلقة تصبح ارهابا . هنا، هيجل يعزل مظاهر الرغبة الحرة لروسو واتباعه اليعاقبة الذين يؤيدون الفضيلة السياسية، بصرف النظر عن الظروف الخاصة. مشروع اليعاقبة كان بالنهاية طوباويا كونه لم يستطع التغلب على المظاهر الاغترابية للمجتمع البرجوازي بالرغبة السياسية وحدها. ان محاولة الرجوع الى جمهورية اسبارطية واخلاقية اصلية انما تتعارض مع حاجات المنفعة.

هيجل واليعاقبة

يعترف هيجل بفضل روبسبير وسانت جست في وضع الاسس لدولة سياسية جديدة ذات "سيطرة مخيفة وخالصة". هو يقارن روبسبير بغيره كبطل تاريخي ويحدد ضرورته الاستبدادية كشبيه لله. ولكن بينما اتبع اليعاقبة برنامجا سلبيا في تحطيم الثقافة القديمة، فهم لم يتمكنوا من خلق جمهورية الفضيلة. الرعب او الرغبة السياسية التي تزعم نفسها في تحدّي الضرورة المادية لا يستطيعان خلق اي شيء قابل للاستمرار، ولكن يستطيعان فقط زيادة تراكم الجثث. يقول فيكتور هيغو "المقصلة هي عذراء امزون، تبيد فقط، هي لا تعطي ولادة". هيجل يعترف بان اليعاقبة خدموا هدفهم السلبي جيدا لكنهم لم يستطيعوا اقامة اي مؤسسات برجوازية مستقرة تتغلب على التناقضات الاجتماعية في زمانها.وكما يذكر روبسبير "الثورة المضادة في كل اجزاء الاقتصاد السياسي". القرن التاسع عشر للرأسمالية وصل اخيرا مستعملا روبسبير كوسيلته المتاحة. حالما تركت الضرورة روبسبير، كان الوقت مناسبا له ليخرج من المرحلة التاريخية، حتى اُعدم هو ذاته.

في هذه النقطة من الفينومينولوجي، تعترف الروح بان الحرية المطلقة عاجزة وغير قادرة على إحداث التحول الفعال للعالم. الروح المتأثرة برعب روبسبير تنسحب الى ذاتها، مستبدلة عالم السياسة بعالم الذهن. الروح اصيبت بالصدمة بهزيمتها عبر نهر الراين، وصخب الحرية الفرنسية تحول الى اخلاق آلمانية متواضعة تحترم القانون. الثورة اصبحت تافهة والبرجوازية الآن تقنع ذاتها نفاقاً بانها خالصة الروح، متحررة من الدنيوية. ولكن كلما دعمت نقاءها المتجاوز كلما تركت مصالحها البرجوازية سليمة. السياسات الثورية تُركت، والرغبة الحرة لروسو ستتحول الى صيغتها المنقحة في أخلاق كانط المطلقة. ما يقوله هيجل متأملا، يوضحه ماركس ماديا.

طبقا لهيجل اختلف الفرنسيون عن الالمان في حاجتهم الفلسفية لإعادة تشكيل العالم السياسي، غير ان الخلل لديهم كان في محاولتهم تعريض عالمهم للعقل. مهما كان نقد هيجل من حيث سمته المطلقة في حقوق الانسان، هو لم يرفضها ابدا كما فعل بورك ومازتر. هذه الحقوق كانت مطلقة لكنها لم تكن خيالا، انها اعطت تعبيرا لحاجات الانسان الحقيقي. هيجل اشاد ايضا بايمان الفرنسيين الديني وتلك التيارات من التنوير الراديكالي التي تمتلك "شعورا عميقا ومتمردا بالضد من الفرضيات والافتراضات للدين الايجابي الخالية من المعنى". في الحقيقة، كان الفلاسفة الفرنسيون ينهضون ضد اللااخلاق. هؤلاء الرجال الشجعان كافحوا بعبقرية رائعة وروح دافئة، وقاتلوا لأجل الحقوق الكبرى للبشرية ".

في مقابل جانثان اسرائيل، كان هيجل امتدح حتى روبسبير طالما"تجسدت معه مبادئ الفضيلة كأعلى مبادئ، وربما يقال ان الفضيلة مع هذا الرجل كانت شيئا جادا". في رسالته الاخيرة حول مشروع اصلاح نظام التصويت الانجليزي، اعترف هيجل بان الدستور اليعقوبي لعام 1793 كان الاكثر ديمقراطية حتى وان كان يستحيل تطبيقه. وعليه، فان حكمه على الفلسفة الفرنسية والثورة الفرنسية لم يكن اخلاقيا وانما ديالكتيكيا. هو لم يدن اليعاقبة كسلطويين فقط، وانما يراهم كمرحلة ضرورية في التنوير. بدون اليعاقبة لكانت استسلمت مكاسب التنوير، وما كان تقدميا في الثقافة البرجوازية للايديولوجية الملكية في فرنسا. هذا التقدير النقدي للتنوير ومرحلته اليعقوبية هو ما بدأ به ماركس وانجلس.

 

حاتم حميد محسن

........................

المصدر:صوت اليسار Left Voice، هيجل، التنوير، الثورة، July 2020

 

علي اسعد وطفةالمرأة لغز مفتاحه كلمه واحده.. الحب

فريديريك نيتشة

مقدمة:

في الحب بين المرأة والرجل تكمن خصوبة الوجود الإنساني وتتجذر أصالته. والحب بالتعريف عاطفة مشبوبة تتجلى في حالة من التجاذب الوجداني العميق الذي تتعانق فيه مشاعر المرأة بمشاعر الرجل وترتسم في صيغة تكامل وجداني وجودي خلاق.

والحب عند فروم Fromm "سلوك يتضمن الميل إلى شخص آخر والتماهي به"(1). ويعرفه في مساق أخر بأنه "قهر الانفصال الإنساني والاشتياق إلى الوحدة والاتحاد"(2). وإذا كان الحب اتحاد وتماهي بين الرجل والمرأة، فهو على حد تعبير فروم "نفاذ إلى عمق المحبوب بحثا عن الهوية والانتماء الوجداني الأعمق في الإنسان . يقول فروم: " في فعل النفاذ إلى الشخص الأخر أجد نفسي اكتشف الإنسان(3). فالحب كما يصوره فروم هنا هو اكتشاف الذات، إنه حالة انتماء يتجاوز الإنسان فيه اغترابه وتجزؤه. انه رؤية شمولية انقلابية تجاه الكون والعالم (4). ولكنه مع ذلك ليس قوة عليا تهبط على الإنسان(5). بل قوة حيّة تولد في إطار تجربة الإنسان وتسعى إلى تحقيق اتصاله مع العالم الخارجي، بل هو موقف إزاء العالم والكون يتيح للإنسان أن يخرج من حالته الجزئية إلى حالته الكلية ليعانق العالم كله ويتحد معه في صورة مثاليه متكاملة .

يأخذ الحب في صورته الواقعية هيئة اتحاد جسدي ونفسي بين كائنين إنسانيين (6)، وهو كما ترى سيمون دوبوفوار طاقة تجمع بين العناصر المختلفة للعلاقة بين الرجل والمرأة وتهبها معناها ودلالتها(7). ففي الحب يرتد العاشق إلى ذاته وكينونته الواحدة ليخاطب ذاته عن طريق الأخر ومن خلاله، والمعشوق في هذه الحالة هو الصورة المثالية التي يعكسها العاشق عن ذاته ليرى فيها ذاته باكتمالها(8).

الحب الصوفي:

يقدم الأدب الإغريقي صورة عن الحب ويرسمه في لوحة فنية يفيض جمالها. فأدبيات أفلاطون في الحب ما زالت تشع ضياء عبر المراحل التاريخية المتدافعة، ويتجلى تناوله لمفهوم الحب في محاورات: في المأدبة Banque، وفدرس Phedrs، وهي محاوراته في الجمال والشباب. وقد شكلت مقولات أفلاطون في الديالكتيك الصاعد Dialectique Ascendante ينبوع المفهوم الفرويدي في الحب الإنساني والتسامي Sublimation. فالإنسان في جدله الصاعد ينتقل من حب موضوعات الجمال إلى حب الجمال ذاته وإلى حب الحقائق الكونية وذلك بتأثير حركة خلاقة تبرهن على وحدة الحب وحيويته (9).

وقد استعار أهل التصوف (فلسفة التصوف) أيضا من الحب العذري موضوعه ودوافعه ونماذجه، فضلا عن صورة الشعرية، ووظفوه في التقديس الروحي المتعالي بوصفه جوهر الصلة بين الناس والله. من هنا تعلن مارغريت دونافار Meirguerite de Navare أن الله يسمو بالحب ويتوسم في خلقه الارتقاء إلى الحب لمطلق له للكون الذي يتربع على عرشه (10) .

وعلى هذه الصورة بنى المتصوفون مجد الحب القدسي واسسوا له. وفي هذا الحب الصوفي ينتسب قول الحلاج:

أنا مَن أهوى ومَن أهوى أنا ــــ نحن روحان حللنا بدنا

فإذا أبصرتَني أبصرتَه  ــــــ وإذا أبصرتَه أبصرتَنا

ثم قوله الرائع في هذا التماهي الروحي بين المحبين:

مُزِجَتْ روحُك في روحي كما ــــ تُمزَجُ الخمرةُ بالماءِ الزُّلال

فإذا مسَّكَ شيءٌ مسَّني ـــــ فإذا أنتَ أنا في كلِّ حال

ومن المناسب في هذا السياق هنا أن نعرض أجمل صورة شعرية ممثلة للحب الصوفي القدسي الذي تجلى في أدب الفيلسوف العربي الكبير محي الدين ابن عربي إذ يقول:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي ---- إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

لقد صار قلبي قابلاً كل صورة ---- فمرعى لغزلان وديرٌ لرهبان

أدين بدين الحبِّ أنّى توجهت---- ركائبه فالحبُّ ديني وإيماني

الحب حاجة إنسانية أصيلة:

تقول الحكمة القديمة: "بالحب يحيا الإنسان". والإنسان يمكنه الاستغناء عن الضوء والأكسجين ولكنه لا يمكنه أبدا الاستغناء عن الحب"(11). فالحاجة إلى الحب أصيلة تضرب جذورها في لاشعور المرء ووجدانه، وهو بذلك يأخذ صيغة نشاط نفسي أصيل في أعماق النفس الإنسانية(12). وهنا وتبرز الحاجة إلى الحب المتبادل بين الجنسين كحاجة داخلية أصيلة، وفي هذا الصدد يقول ماركس في " العائلة المقدسة " إن العلاقة الأكثر مباشرة وطبيعية وضرورية وإنساني بين كائن إنساني وآخر هي العلاقة بين الرجل والمرأة"(13).

وإذا كان الحب حاجة دفينة أصيلة في نفس الإنسان " فإنه لا يمكن للإنسان أن يعيش من غير الحب أو أن يتوقف عنه " على حد تعبير نيتشه (14). إذا " لا يوجد شيء من غير الحب إذا كنت أريد الحياة فإنني أريد أن أعيش مع المحبوب "(15).

ويمكن أن نستشرف أبعاد هذه الحاجة إلى الحب في شعر جميل وضاح حيث يقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود في الحب (16):

شَقَقْتُ القلبَ ثم ذررتُ فيه

تغلغلَ حبُّ عَثمَةَ في فؤادي

تغلغلَ حيث لم يبلغ شرابٌ

هواك فليمَ والتأم الفُطورُ

فباديه مع الخافي يسيرُ

ولا حزنٌ، ولم يبلغ سرورُ

الحب الخلاق:

الحب عند أفلاطون " عامل خلق وإبداع، بل هو عامل تربية وتهذيب، والتربية ليست شيئا آخر غير الحضور المستمر للحب " (17). ويستطيع الحب كما يقول كاردان: أن يطور الكائنات الإنسانية وأن يجمع بينها. والإنسان الكامل هو الذي يعيش في دائرة الحب محبا ومحبوبا، يغدق الحب ويرشف من شفتيه. والإنسان كما يرى هذا الفيلسوف " لن يستطيع أن يصل إلى مستوى نضجه الروحي من غير تأثير مشاعر قادرة على إثارة ذكائه وإزكاء طاقته وهي مشاعر تمتثل مبدئيا في طاقات الحب لديه "(18).

فالحب يأخذ الإنسان إلى الشعور بالانتماء والوحدة، وهو من أشد تجارب الحياة بعثا للبهجة والإثارة(19)، وبالتالي فإن الانفصال يعني السقوط في عبودية الأشياء وفقدان القدرة على الفعل والإثمار(20). فالحب ليس حالة سلبية بل "حالة إيجابية تتفتق بالعطاء وليس بمجرد الأخذ والتلقي"(21). وهو،أي: الحب: " ينبع من الحاجة إلى تجاوز الانفصال ليثمر صورة الوحدة والتوحد في النفس الإنسانية " (22).

الحب والجنس:

يتداخل مفهوما الحب والجنس وتضيع الحدود الفاصلة بينهما. فالحديث عن أحدهما يقتضي الحديث عن الآخر، وذلك لما بينهما من علاقات جوهرية عميقة. ومع ذلك فإن الفصل بين المفهومين أمر ممكن إذا أردنا إدراك صيغة العلاقة بينهما. فالجنس حالة عضوية بيولوجية بالدرجة الأولى، أما الحب فيأخذ هيئته النفسية وصيغته الاجتماعية بالدرجة الأولى. وإذا كان الجنس اتحاد بين جسدين، فإن الحب اتحاد بين نفسين أي بين المشاعر والعواطف الإنسانية النبيلة. ومع ذلك كله فإن الاتحاد الكامل بين شخصيين هو اتحاد النفس والجسد،لأن الروح كما يقول نيتشه "تداعب الجسد في حالة الحب الحقيقية".(23)

إذا كان فرويد يفسر السلوك الإنساني من خلال مبدأ الجنسية، فإن علم العادات Éthologie أظهر وجود دوافع التعلق العاطفي والحاجة إلى الحب عند بعض العصافير والثدييات(24). لذلك فإن علماء السلوك الإنساني يؤكدون على أسبقية الحياة العاطفية وأوليتها على الحياة الجنسية ويتبدى ذلك في تصرفات الحيوانات العليا التي تظهر أهمية التعلق العاطفي وتبادل الحب والجنس(25).

فالجنس حاجة أساسية كالحاجة إلى الطعام والشراب أما الحب فهو عاطفة تعبر في أحد جوانبها عن هذه الحاجة. إذا كان الحب حالة روحية خالصة فإنه لا يمكن أن يكون جوهريا إلا في إطار علاقته الحيوية بالواقع الجنسي عندما يكون هناك حب بين الرجل والمرأة. إن الفصل بين الحب والجنس غير ممكن كما ترى دونافار فالحب هو الذي يجمع بين الرجل والمرأة ويهب هذه العلاقة، أي: العلاقة الجنسية معناها ودلالتها(26). وفي هذا السياق يقول سانت أوغسطين " إن الحب شهواني حتى داخل الروح وروحي حتى في عمق الشهوة"(27). والجنس عند المرأة أحد أهم موانئ النفس الإنسانية على حد تعبير ميشوليه (28).

يرتبط الحب إذا بالدافع الجنسي، ولكن للحب أهمية وحضوره وخصوصيته التي تجعله أكثر سموا وعظمة وأصالة من الجنسانية .لأن الجنس تعبير عن غريزة بيولوجية بالدرجة الأولى بينما يعبر الحب عن صيغته الإنسانية وعن دلالته الاجتماعية.

فالحب عند الإنسان وفقا للتصورات الفرويدية ظاهرة نفسية اكثر منها عضوية وذلك ينسحب حتى على المراحل الأولوية الأكثر حيوية أي عند التقارب الجسدي كما يقول روستاند Restand في هذا الصدد: " إن التقارب بين جسدين لا يتم دون حضور سيكولوجي اجتماعي "(29). وهنا تتبدى لنا درجة الصعوبة والتعقيد في الحب الإنساني(30).

إن الحب بالنسبة للجنس هو كالتعطش إلى الماء وهو مؤشر وقد يكون مؤشرا على الحرمان الجنسي للفرد أو الإنسان (31)، وهو يعبر عن الحياة الإنسانية للفرد في سياق تكاملها وتوازنها فيأخذها إلى تجاوز الأطر الذاتية الأنانية ويخرجها من حالة التوحد والانكفاء الذاتي إلى مجال التفاعل الإنساني الأرحب مع الآخر ومع الحياة بما تنضح فيه من حق وخير وجمال . وبالمقارنة بين الحب والجنس نجد أن الأول ي|أخذ طابعا إنسانيا بينما يأخذ الثاني طابع شهويا شبقيا، ولذلك فان ثورة الدافع الجنسي تهدأ بعد الإشباع بينما يظهر الحب ويملأ حياة الإنسان ويكبر ما أن ينطلق ويتحقق(32).

خاتمة:

لا يتم اكتمال الأنا في شخصية متوازنة منسجمة مع نفسها ومع الآخرين إلا بوجود النضج العاطفي والاجتماعي(33). فالحب يرتبط بالجنس وهذا يرتبط ب "التابو" والمقدس ويؤدي ذلك كله إلى حالة كبت عميق على المستوى العاطفي الجنسي(34).

إن أكثرية المشكلات الانفعالية تنجم عن إخفاق المراهق في تكوين علاقة حب متوازية مع أفراد الجنس الآخر (35). فالصداقة مع الجنس الآخر هي الطريق إلى إثبات الذات والشعور بالهوية .لقد بينت أكثرية الدراسات التي أجريت على الشباب أن المشاكل الجنسية والعاطفية تحتل مكان الصادرة والأولوية بين مشكلاتهم .

والمجتمعات الإنسانية تعاني اليوم من أزمة حب وأزمة جنس في آن واحد، وهي أزمة ناتجة عن التقنين المتشدد للجنس. وتجد هذه الأزمة منفذها في النقيضين: الطهرية الصوفية من جهة، ثم الإسراف في الجنس أو الشهوانية من جهة أخرى(36).

فللشباب عاطفة مشبوبة متى تشوهت تمزقت ذواتهم وانقلبت موازين حاضرهم ومستقبلهم"(37)، لأن عواطفهم ومشاعرهم العاطفية تمثل جانبا مصيريا في حياتهم ووجودهم "(38). ولا يمكن للحب أن ينشأ في فراغ اجتماعي، فهو وليد ذلك التفاعل الاجتماعي الذي يحقق التواصل بين الأنوثة والذكورة ممثلتين في أشخاص أفراد المجتمع. فالحياة الاجتماعية هي الجسور الحقيقية لذلك التواصل. وتبين الدراسات الجارية العصر بين الجنسين في مراحل الطفولة والشباب تترك آثارها السلبية في مواقف الجنسين أحدهما من الآخر على نحو دائم(39). فالحب عاطفة إنسانية نبيلة. إن الجميع يقدسون الحب ويرجمونه بالحجارة في آن واحد. إننا نريد الحب أن يعمق إنسانيتنا وأن يوثق ارتباطنا بالحياة ومن هنا فإن علاقات المرأة الإيجابية المتوازنة مع الرجل تشكل المناخ الإيجابي في تغيير نظرة الفتاة إلى نفسها واكتسابها ثقة أعلى بقدراتها واستعداداتها في مجالات الحياة المختلفة.

 

أ.د.علي أسعد وطفة

جامعة الكويت

......................

(1) - خلدون الحكيم، الشباب وتجديد الهوية: ندوة مشكلات الشباب إلى أين، اتحاد شبيبة الثورة، دمشق 1980. ص 202.

(2) - أيريك فروم، فن الحب، المرجع السابق، ص 37.

(3) - أيريك فروم، فن الحب، المرجع السابق، ص 37.

(4) - مجاهد عبد المنعم مجاهد، الإنسان والاغتراب،، سعد الدين للطباعة والنشر، دمشق، 1985. ص 88.

(5) - Pierre Burney, L'amour، que sais je، P.U.F، Paris، 1981. P23.

(6) - Pierre Burney, même source .P27.

(7) - Pierre Burney, L'amour، que sais je، P.U.F، Paris، 1981. P 28.

(8) - بو علي ياسين، أزمة المرأة في المجتمع الذكوري العربي، دار الحوار اللاذقية، 1992. ص88.

(9) - عبد الوهاب بوحديبة، الإسلام والجنس، ترجمة هالة لعوري، مكتبة مدبولي، القاهرة، .1987

(10) - Pierre Burney, L'amour، ibid .p 6.

(11) - مجاهد عبد المنعم مجاهد، الإنسان والاغتراب، سعد الدين للطباعة والنشر، دمشق، 1985. ص 124.

(12) - مجاهد عبد المنعم مجاهد، الإنسان والاغتراب، المرجع السابق، ص 64.

(13) - عبد اللطيف معاليقي، مشكلة التعلق العاطفي، الفكر العربي المعاصر، عدد(11)، نيسان، 1981 .(صص 118-127) ص 125.

(14) - عبد اللطيف معاليقي، المرجع السابق، ص 20.

(15) - عبد اللطيف معاليقي، المرجع السابق، ص 18.

(16) - عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود من وجوه الفقهاء وكبار رواة الحديث وهو أحد سبعة من أهل المدينة كانوا متقدمين في الفقه والنسك والعبادة وكان عبد الله بن عباس يقدمه ويؤثره، وكان عمر بن عبد العزبز يقول: ليت لي مجلسا من عبيد الله بن عبد الله بن عتبة.

(17) - عبد اللطيف معاليقي، المرجع السابق، ص 21.

(18) - عبد اللطيف معاليقي، المرجع السابق، ص 25.

(19) - مجاهد عبد المنعم مجاهد، الإنسان والاغتراب،مرجع سابق، ص 87.

(20) - مجاهد عبد المنعم مجاهد، الإنسان والاغتراب، مرجع سابق، ص 87.

(21) - مجاهد عبد المنعم مجاهد، الإنسان والاغتراب، مرجع سابق، ص 23.

(22) - مجاهد عبد المنعم مجاهد، المرجع السابق، ص 25.

(23) - Pierre Burney, L'amour، que sais je، P.U.F، Paris، 1981 .p28.

(24) - عبد اللطيف معاليقي، الإنسان والاغتراب، مرجع سابق، ص 25.

(25) - عبد اللطيف معاليقي، الإنسان والاغتراب، مرجع سابق، ص 24.

(26) - Pierre Burney,ibid,p 15.

(27) - Pierre Burney, ibid, p 29.

(28) - Pierre Burney , ibid, p 29.

(29) - Pierre Burney, ibid, p 27.

(30) - Pierre Burney, ibid, p 27.

(31) - بو على ياسين، الحب والجنس في حكايات شهرزاد، دراسات عربية، عدد 4، شباط 1983.(صص 27-55). ص 23.

(32) - مكتب اليونسكو الإقليمي، التربية السكانية: المراهقة، كتاب مرجعي، عمان، .1987، ص 28.

(33) - خلدون الحكيم، الشباب وتجديد الهوية، مرجع سابق، ص 201.

(34) - خلدون الحكيم، الشباب وتجديد الهوية، مرجع سابق، ص 201.

(35) - صالحة ستقر، التربية وقضايا الشباب، ندوة قضايا الشباب ومشكلاتهم، اتحاد شبيبة الثورة، ندوة رقم (3) 1983.(ص 313-295 ). ص 313 .

(36) - بو على ياسين، الحب والجنس في حكايات شهرزاد، مرجع سابق، ص 44.

(37) - عبد المجيد كركوتلي، المشكلات العاطفية، مرجع سابق، ص 62.

(38) - عبد المجيد كركوتلي، المشكلات العاطفية، مرجع سابق، ص 64.

(39) - قيس النوري، مشكلات الشباب إلى أين؟ الفكر العربي، عدد 19، 1981.

 

 

حيدر جواد السهلانيروجيه كايوا: سيرة وفكر

ولد روجيه كايوا(1913- 1978) في مدينة رايس الفرنسية، ونال شهادته في قواعد اللغة، وقد اشتهر كايوا كعالم اجتماع وشاعر وفيلسوف وأنثروبولوجي ومترجم وناقد، أسس عام 1938 بمعية كل من جورج باطاي (1897- 1962، فيلسوف فرنسي)، وميشال ليريس (1901- 1990، كاتب سريالي فرنسي) معهد علم الاجتماع، المخصص لدراسة مظاهر المقدس في الحياة الاجتماعية، في ظروف صعبة وإمكانيات لا تكاد تذكر، قبل الحرب العالمية الثانية، مما اضطره هو واصدقائه لمغادرة فرنسا والبقاء في أمريكا الجنوبية من عام1940 إلى عام 1945، وهناك تعرف على عادات مختلفة وطرائق عيش واساليب تفكير مباينة لما عهدوه، وعلى مسالك أخرى في التعاطي مع الحياة ومقاربتها، فشرعت نظرتهم المقبلة في التكون، وزادتهم إمعاناً في جدوى مقاربة العالم بلون منهجي وموضوع جديد، ثم عاد بعد  الحرب وأختص بترجمة الأدب اللاتيني، وترأس قسم الآداب عام 1948، ثم قسم التطوير الثقافي باليونسكو، حيث أصدر مجلة ديوجين ثم انتخب في الاكاديمية عام 1971، نال قبيل وفاته 1978، ثلاث جوائز هي على التوالي، جائزة الآداب الوطنية الكبرى، وجائزة مارسيل بروست، وجائزة الاوروبية للأبحاث. من مؤلفاته: الاسطورة والإنسان 1938، الإنسان والمقدس 1939، الألعاب والبشر 1957، الجماليات المعممة 1962.(1)

المقدمة:

المقدس هو المقولة التي يبنى عليها السلوك الديني، والمقدس ليس صفة تملكها الأشياء في حد ذاتها، بل هو عطية سرية فاضت على الأشياء أو الكائنات وأسبغت عليها تلك الصفة، ويعتقد البعض أن المقدس والدين في علاقة جدلية، فلا وجود لأحدهما من دون الآخر، ويحتل المقدس موقعاً جوهرياً بالنسبة إلى الدين، بل هو عماده الأساسية، ذلك أن المؤمن يوليه كل مظاهر المحبة والخوف والرهبة، ويعتقد البعض الآخر أن المقدس لم يعد محصوراً بجوهر الدين أو بالعلاقة مع الله(جل جلاله)، إذ اقتحمت مظاهر الدنيوي هذا العالم القدسي، واحتلت موقعاً أساسياً فيه فقد اتسعت دائرة المقدس بشكل كبير، وطالت مسائل وقضايا لا صلة لها بالدين ولا بالمقدس، ونعتقد أن المقدس هو صناعة دينية وقبلية وثقافية وحضارية وحتى أسرية، فقد تمثل المقدس على مر التاريخ بكثير من الشعائر والطقوس، وقد ارتبط المقدس ليس فقط في الديانات السماوية من خلال الأنبياء والرسل والأوصياء أو الديانات الوضعية من خلال الرجل الحكيم أو طوطم القبيلة، فقد ارتبط بقانون الدولة وشعارها أو علم الدولة، وبذلك أن نشوء فكرة المقدس في بادئ الأمر هي فكرة دينية خارقة للطبيعة، ثم اتخذت أشكالاً عدة إلى وقتنا الحاضر، ونعتقد أنه لا يمكن للمجتمعات أن تعيش بدون فكرة المقدس، حتى في المجتمعات الأشد ألحاداً، أذ يوجد لديهم بعض المقدسات هي من تجمع المجتمع.

مرسيا الياد  1907- 1986، فيلسوف وروائي روماني:

يعتقد مرسيا الياد أن المقدس يتجلى دوماً على أنه واقع من نظام آخر غير نظام الوقائع الطبيعية، فالمقدس يظهر دائماً كحقيقة من نظام آخر غير الحقائق الطبيعية، وتستطيع اللغة أن تعبر عن المقدس من ميدان طبيعي أو الحياة الروحية للإنسان، وأن إدراك الإنسان المقدس باعتباره واقعاً موضوعياً ومتعالياً من خلال تجربة عقلية أو انفعالية شعرية أو رمزية، ومن جهة أخرى يعبر الإنسان عن هذا الواقع ويجعله أمراً محايثاً للإنسان، وأن كل معرفة بالمقدس هي تجربة تتناول قدرة أعلى من نظام الأشياء الطبيعية، وهذه القدرة تحول كل ما تتجلى فيه الإنسان الحيوان الشيء وتحدد حيال ذاتها مواقف إنسانية خاصة من حب وخوف ورغبة وامتلاك، وأول وظيفة من وظائفه هي الشعائر، وهي من مبتكرات إنسانية، وهي تود استرضاء المقدس (هذا الكلام ينطبق على الديانات الوضعية، أما الديانات السماوية فقد ذكرت في الكتب السماوية بإداء الشعائر) ويرى مرسيا أن الأشياء المقدسة هي التي تحميها النواهي وتعزلها، والأشياء العادية هي التي تنطبق عليها هذه النواهي، والتي ينبغي عليها أن تبقى على مبعدة من الأولى، ولذا يعرف الدين بأنه جملة متكافلة من العقائد والشعائر المتصلة بالأمور المقدسة.(2)

رينيه جيرار 1923- 2015، فيلسوف فرنسي:

يذهب جيرار إلى أن المقدس يوحد في ذاته التناقضات كلها، لا لأنه يختلف عن العنف، بل لأن العنف يختلف عن ذاته فتارة يستعيد الإجماع حوله لينتقد البشر ويبني الحضارة وطوراً يندفع مدمراً كل ما سبق له تشييده، لذا كان البشر لا يعبدون العنف بحد ذاته، ولا يمارسون عبادة العنف بالمعنى السائد في الحضارة المعاصرة، بل يعبدون العنف بصفه يسبغ عليهم السلام الوحيد الذي كانوا وما زالوا ينعمون به، وعليه أن ما يرمي إليه العابدون من خلال العنف المروع هو اللاعنف الذي يبدو وكأنه هبة العنف المجانية، وجل ما يمكنهم فعله في مجال اللاعنف هو الإجماع ناقصاً واحداً اسمه الضحية الفدائية، وبذلك يعتقد جيرار أن المقدس نشئ من داخل سيرورة العنف، لكن لأجل إيقافه، لا بد من البحث عن كبش فداء وتعلق عليه كل النتائج، وكبش الفداء هو الضحية التي ستحمل لعنة إبقاء فتيل العنف، وهو ما سيبجل ويقدس بحكم كونه من له إمكانية إيقاف مسلسل العنف المدمر، فالتضحية حسب جيرار ليست فعلاً دينياً يستهدف إرضاء الآلهة، بل أنه فعل إنساني، وهو من أوائل الطقوس التي تبعها الإنسان، وأن الذبيحة لا تكون مقدسة مالم تقتل، وهي تمثل أوائل اللجوء إلى المقدس.(3)

فهمي جدعان 1940- ؟، مفكر أردني:

يرى فهمي جدعان أن المقدس هو ما يحيل إلى الموجود المفارق المتعالي أو العلي السامي الطاهر، المبارك الذي يحظى بالاحترام والتبجيل بالإطلاق ولا يجوز تدنيسه وهتكه والاعتداء عليه وخرق حدوده وأحكامه، والمقدس وجه جوهري للدين وعماد أساس من أعمدته، والمؤمن يتمثل هذا المعنى تمثلاً دقيقاً شاملاً، ويخضع على وجه التبجيل والاحترام والمحبة والخوف والرهبة والطاعة والتسليم، وأن أحكام المقدس ومنطقه أنه يتعين احترامه بإطلاق والانحصار عن مساءلته أو مناقشته أو الدخول معه في سجال، والمقدس ما زال ماثلاً في الوجود الإنساني، ومن شأن كل مجتمع إنساني أن ينصب بحركتيه ذاتها مقدساً جديداً يدعم اعماله ويبررها تماماً بقدر ما يمثل هذا المقدس الجديد عالم الإنسان ذاته.(4)

علي مبروك 1958- 2016، مفكر مصري:

يعتقد علي مبروك أنه رغم أن مفهوم المقدس ينصرف إلى الموجود بعينه متعال ومفارق وتكون قداسته من نفسه، ثم تتنزل إلى ما يصدر عنه ويرتبط به، من كتب ووصايا ووعود وهياكل وأماكن وبيوت، بل وحتى أزمان وأيام، فإنه يلاحظ أن الثقافات لم تتوقف، على مدى تاريخ طويل عن ممارسة التقديس وإنتاج ضروب من المقدس تخضع لها وبها البشر وتلزمهم بعدم انتهاكها أو حتى مجرد التفكير فيه، وذلك عبر التعالي بضروب من الأفكار والنصوص، بل حتى الأشياء والأشخاص، ليقدسها البشر ويضعونها خارج حدود القابل للتفكير والفهم ناهيك عن المساءلة والنقد، ويتميز المقدس بسمتين متعارضتين، إنه مخيف ولذلك يستدعي الحذر، وهو مرغوب فيه وبسبب ذلك يستدعي الجسارة، أما الطقوس فهي تكشف الكيفية التي يشرف بها نظام العالم على توزيع وإدارة المقدس، تلك الكيفية التي تظهر غموض وإبهامية المقدس من جهة وانحصاره إلى مقدس احترام، ومقدس انتهاك، ومقدس الاحترام مرتبط بالوضوح الاجتماعي، وبفضل المحرمات تضمن وتصان كل القواعد والترابطات والممنوعات، بينما مقدس الانتهاك فإنه مقدس لا يراعي ذلك. ويتشكل المقدس كما يرى علي مبروك، بفضل عمليات التخيل الرمزي، تلك العمليات التي تمثل مقدرة الكائن الإنساني على تفكير وتمثيل الأشياء المحيطة به، ليس فقط عبر اللغة الطبيعية المهتمة بالأشياء كما هي، بل أيضاً عبر تحويل الواقع المادي إلى رمز، وأن عملية التحويل هذه يكشفها الرمز بما هي مقدرة على منح الشكل لما لا شكل له، وقدرة على استحضار الغائب والغريب والعجيب في واضحة النهار، لهذا السبب يعتبر باحثون كثر الرمز لغة المقدس المفضلة وبامتياز، وهي لغته القادرة على تجسيد غموضه وابهامه، وكذا تحويل تعبيراته وتجلياته إلى تعبيرات وتجليات كونية، وتعتمد لغة المقدس الرمزية في إنشاء عوالمها المتخيلة والرمزية على مبدأين، وهما مبدأ المطابقة والمشابهة التكرارية، ومبدأ المشاركة، فبفضل مبدأ المشابهة والتكرارية تتشكل الطقوس والشعائر والأشكال المقدسة بوصفها أشكالاً ومشاهد تكرارية، أما مبدأ المشاركة فيجعل من لغة المقدس الرمزية فضاء لتحويل الكائن إلى فاعل مشارك ومؤثر وضاغط في الفعل الخارق، في هذا السياق تشكل الطقوس الفضاء الأمثل لتجسيد هذا المبدأ، أي مبدأ الانتقال والعبور من الدنيوي إلى القدسي، ومن ثم ممارسة الفعل المؤثر الناتج عن مبدأ الانخراط والمشاركة. ويظهر المقدس في الثقافة العربية الإسلامية في شكلين متعارضين هما الطاهر(الطيب) والدنس(الخبيث)، ويكون المقدس أشمل من الحرام، بما تحمله اللفظة من ازدواج وغموض داخل الثقافة العربية الإسلامية، بمعنى آخر أن انتهاك المقدس يكون جريمة كبرى قياساً بفعل المحرمات، والمحرومات معروفة وكثيرة، وأن مفهوم المقدس في الثقافة العربية الإسلامية ليس مفارقاً، بل هو متراتب وحاضر في الزمان والمكان والذوات، وتراتبيته العمودية لا تجعله متعارضاً مع أو متناقضاً للدنيوي، بل أن الدنيوي يشغل موقعاً داخل الفضاء المتراتب للمقدس، وأن المقدس الإسلامي ليس متوازياً أو مضاداً للدنيوي، بل هناك حركة بينهما تجعل في كثير من الأحيان والحالات عملية رسم الحدود بينهما مستحيلة، هذه الحركة انتجت ما نعتناه بالدنيوي المقدس بوصفه أحدى سمات التصور الثقافي الإسلامي للعلاقات الشائكة والمعقدة والمتداخلة بين المقدس بجميع تجلياته ومستوياته والدنيوية بجميع مراتبه ومقاماته، ولهذا يرى بعض الباحثين أنه بدلاً من الكلام على المقدس وحدوده قد يكون من الأفضل الحديث عن طريق المقدس.(5)

رفيق حبيب 1959- ؟، مفكر مصري:

يعتقد رفيق حبيب أن المقدسات تولد من رحم الأمة وتعيش فيها وبها، وتنتقل من جيل إلى جيل، دون أن تكون محل تساؤل وبحث، لأنها وليدة الفعل الإيماني التلقائي للأمة، ولكن دخول روح العصر عن طريق وكلاء الغرب المحليين، وأيضاً بسبب انبهارنا بما حققه الغرب، أدت إلى التباس، فكل رؤية حضارية تبدأ ببديهيات لا تقبل الجدل، ومسلمات يفترض صحتها، ولا يتم التشكيك فيها، هذه النقاط المرجعية هي المقدس، حتى وأن كانت أفكار مادية وغير إنسانية، وبالتالي تتصور أن المقدس ضرورة، لأنه الغاية النهائية الكامنة في أي رؤية والتي تحدد تماسك الرؤية واستمرارها وقدرتها على إعادة انتاج أفعالها، والمقدس بهذا المعنى ليس فكرة يتم اختبارها علمياً، أو يمكن ترجيح مقدس على آخر علمياً، ولكنها اختيار إيماني، يسود بين شعب من الشعوب، ويتولد تلقائياً داخل كل افعاله، وبالتالي فإذا كان المقدس معلناً أو ضمنياً، فهو موجود، بمعنى أن هناك مسلمات وبديهيات يقبلها الجميع، من هنا يؤكد رفيق حبيب ضرورة أن  يكون المقدس هو الضمير، أو يكون العقل الحر النفعي، فالتصور العلماني يفرض علناً مقدساته، تحت شعار تحرير العقل من قيود المقدسات، وبالتالي فما نواجه الآن هو صراع بين مقدس وآخر أي بين قبول الرؤية المادية كمقدس، أو إعادة افعال مقدساتنا والتي تنتمي للضمير والدين والأخلاق، ويرى رفيق حبيب أن المقدس لدينا يعادي الاستهلاكية والنفعية والاستغلالية، كما يعادي أن تكون الحياة المتجهة نحو إشباع غريزة اللذة، وبالتالي يصبح العقل والعلم وتطبيقاته، وظيفة اخرى تحقق ضرورات الحياة وترتيباتها وتلبي الاحتياجات المتغيرة والمتطورة، وتصبح منظومة العمل، بشقيه العقلي والتطبيقي، موجهة نحو تحقيق المعنى من خلال أدوات العقل والفعل، والمعنى هنا لا يعادي التفكير أو البحث العلمي أو التطبيقي الفني، ولكنها يجعل منها جميعاً طرائق لغايات مختلفة، فقداسة المادة تجعل الاستهلاك هو الوظيفة النهائية، أما قداسة المعنى فتجعل العمران هو الوظيفة النهائية، حيث أن العمران، هو إعمار الأرض وما فيها وإثراؤها بما يضيف لها، ولا ينتقص منها، وبالتالي أن المقدس ضروري لحياتنا، وأن المعنى لدينا مقدس، والقداسة ضمير ودين وهو غير معطل لعمل العقل ولا لفعل العلم وتطبيقاته، بل مغيرة لوظيفة تلك الاعمال ومقدسة لها قدر تحقيقها للمعنى.(6)

المقدس عند كايوا:

يرى كايوا بضرورة أن يكون المقدس في المجتمع فاعلاً وله تفسير علمي، ويسميه هنا المقدس الفاعل، ويساهم هنا في ربط المجتمع، فالمقدس يتمتع بضرورة جذب سحرية وقمة بالأغراء وبنفس الوقت هو مرهوب ويهيب بمن يحاذيه إلى الروية والحذر، ويستفاد مما تقدم أن المقدس يشكل طاقة خطرة خفيه على الفهم عصية على الترويض وشديدة الفاعلية، لذا كانت المشكلة التي تواجه من قرر اللجوء إليه تكمن في استمالة هذه الطاقة واستخدامها لمصلحته مع اتقاء الأخطار الملازمة باستعمال قوة يصعب إحكام السيطرة عليها إلى هذا الحد علماً أنه بقدر ما يكون الهدف لذى يسعى إليه الطالب تتضاعف ضرورة تدخلها ويصبح استخدامها محفوفاً بالمخاطر، إنها قوة لا تقبل التدجين ولا التحلل ولا التجزئة، قوة لا تجوز فيها القسمة حيثما وجدت. والمقدس يظهر في الحياة العادية من خلال المحظورات بصورة شبه حصرية، حتى ليمكن تحديده بأنه ال مخصص وال مفصول، بمعنى أنه موضوع خارج الاستعمال المشترك، تحيط به المحرمات، لذى يبدو في جوهره سلبياً، تلك هي في الواقع إحدى الميزات الجوهرية التي غالباً ما يوصف بها التحريم الطقسي. ويعتقد كايوا أن المقدس هو ما يعلق عليه الإنسان سلوكه بالكامل سواء كان شيئاً أم فكرة، أنه كل ما لا يقبل الإنسان أن يطرحه على بساطة البحث، وما يرفض رؤيته وما لا ينكره ولا يخونه مهما كان الثمن، إنه بالنسبة إلى العاشق، المرأة التي يحب، وإلى الفنان والعالم، العمل الذي يزاولانه، وهو الثورة بالنسبة إلى الثائر.(7)

المقدس والدنيوي:

يعتقد كايوا أن الصفة الوحيدة التي يصح إثباتها للمقدس بشكل عام، إلا وهي تعارضه مع الدنيوي، وأن أي تصور للعالم يفترض التمييز بين المقدس، والدنيوي على قاعدة التعارض القائم بين عالم يتفرغ فيه المؤمن لأعماله بحريه ويمارس نشاطاً لا تأثير ، فالإنسان المتدين هو من يعتقد قبل كل شيء بوجود وسطين متكاملين، واحد يستطيع الإنسان أن يتحرك فيه بعيداً عن كل قلق، وآخر يضبط فيه كل ميل من ميوله ويحتويه ويوجهه بالتبعية. وبذلك يرى كايوا ضرورة حماية المقدس من كل اعتداء دنيوي، إذ من شأن هذا الاعتداء أن يفسد كينونة المقدس ويفقد ميزته النوعية ويجرده دفعة واحدة من قدرته العاتية والخاطفة، وبذلك ضرورة ابعاد كل دنيوي عن المكان المقدس، ويعطي مثال في الأماكن المقدسة لا يجوز الدخول إلى المكان المقدس غير الكاهن، ولابد من وجود حواجز بين المقدس والدنيوي، لأن أي اتصال بينهما يعود على كليهما بالشؤم، وقد كتب دوركهايم في هذا الصدد وهو يستحيل على هذين النوعين أن يتقاربا ويحتفظ كل منهما بطبيعته الخاص، وأن يكن كلاهما ضرورياً لتطور الحياة، فأحدهما بصفته الوسط الذي تنمو فيه الحياة وآخر بصفته الينبوع أو المصدر الذي يصونها ويجددها باستمرار، وعلى ذلك يؤكد كايوا على ضرورة أن تنظم العلاقة بين الدنيوي والمقدس، ويكون التنظيم بمنتهى الدقة والصرامة، تلك هي وظيفة الطقوس التي يميز فيها كايوا بين نوعين، أحدهما إيجابي يتولى مهمة تحويل طبيعة كل من الدنيوي والمقدس، بحسب حاجات كل مجتمع، والثاني، سلبي يهدف إلى إبقاء كل منهما ضمن نطاق كينونته الخاصة مخافة أن ينشأ بينهما احتكاك غير مناسب يؤول بهما إلى التلاشي، ويقارن كايوا بين المقدس والدنيوي ويعتقد أن مجال الدنيوي هو مجال الشائع والمألوف مجال التصرفات التي لا نوجب أي احتياط، بل تبقى ضمن الهامش المتروك للإنسان كي يمارس فيه نشاطه بحرية، أما عالم المقدس هو عالم الخطر أو الممنوع إذ ليس يسع الفرد الاقتراب منه دون أن يستنفر قوى لا سلطان له عليها، قوى يشعر أنه عاجز عن مقاومتها، لأنها مصدر كل جبروت وكل نجاح وحظوة. وبذلك يفترض كايوا أن يصان المقدس من مطامع الدنيوي الذي يهدد بإفساده وتقويضه نظيراً ما تفسده الحشرة الثمرة. ومن صفات المقدس الازدواج الذي يشهد عليه ارتماسه في الوجدان من خلال مقولتي الطاهر والنجس، هاتان المقولتان لا تدلان على تضاد خلقي بل على قطبية دينية، وهما بمثابة الخير والشر في العالم الدنيوي.(8)

العيد:

يعتقد كايوا أن مفهوم العيد يتم فيه اللجوء إلى المقدس فالذبائح والتبذير كلها عبارة عن اللجوء للمقدس، ويشكل العيد أوج الحياة وينسلخ كلياً عن انشغالات الحياة اليومية، فالاحتفالات الدينية التي تقام بمناسبة الأعياد تثير البلبلة في نفوس المؤمنين، وأيضاً يشكل العيد زمن للفرح والقلق والالتزام بالصوم والعبادة وأداء المناسك الخاصة بهذا اليوم وهي كلها عبارة عن تقديس للمقدس، لذلك يجعل من هذا اليوم هو يوم استثنائياً، فيوم العيد هو يوم يفرض فيه الامتناع عن العمل والانصراف إلى الراحة والمتعة، أما المجتمعات التي لا تتوزع فيها الأعياد غلى مدار الأيام يتم جمعها في موسم أعياد حقيقي، ويمكننا أن نرى بوضوح إلى أي مدى يشكل العيد حقاً فترة تألق المقدس. ويعتقد كايوا أن الأعياد فقدت بريقها منذ خطوات الحضارة ومع بداية تقسيم العمل وتوزيعه ونشوء الدولة الحديثة، حيث بدأت الأعياد تأخذ بالتدرج بالضمور، مظهره طابعاً أقل اتساعاً من الذي كان عليه في السابق.(9)

 

حيدر جواد السهلاني

......................

الهوامش:

1- ينظر روجيه كايوا: الإنسان والمقدس، ترجمة سميرة ريشا، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ص21.

2- ينظر مرسيا الياد: المقدس والعادي، ترجمة عادل العوا، دار التنوير، بيروت، ص21- 37- 38- 39- 50.

3- ينظر رينيه جيرار: العنف والمقدس، ترجمة سميرة ريشا، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ص73- 156- 435.

4- ينظر فهمي جدعان: المقدس والحرية(وابحاث ومقالات أخرى من أطياف الحداثة ومقاصد التحديث)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ص22- 23.

5- ينظر علي مبروك: السلطة والمقدس(جدل السياسي والثقافي في الإسلام)، مركز الأنماء الحضاري، ص13- 44- 45- 49- 51- 52- 58- 76- 77.

6- ينظر رفيق حبيب: المقدس والحرية، دار الشروق، القاهرة، ص11- 12- 13-

7- ينظر روجيه كايوا: الإنسان والمقدس، ص28- 39- 40- 145- 188- 189- 192- 193.

8- ينظر المصدر نفسه، ص10- 11- 12- 35- 38- 39- 41- 43.

9- ينظر المصدر نفسه، 142- 144- 188.

 

 

علي اسعد وطفةإن النصر الناتج عن العنف هو مساو للهزيمة، إذ أنه سريع الانقضاء (غاندي)

"… إن ما يميز العنف المعاصر عن أشكال العنف التي عرفها التاريخ، هو التدخل المزدوج للتكنولوجيا والعقلنة في إنتاجه".  إيف ميشو .... ويدرك بالرفق ما لا يدرك بالعنف ألا ترى أن الماء على لينه يقطع الحجر على شدته.

مقدمة:

منذ اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 التي استهدفت مباني التجارة العالمية في نيويورك، انطلقت رحلة البحث السوسيولوجي للكشف عن ملابسات التطرف الديني بوصفه ظاهرة اجتماعية فعكف عدد كبير من الباحثين على تناول هذه الظاهرة بالدراسة والبحث والتحليل.  فالعنف يسجل حضوره الصارخ في سلوك الجماعات الدينية، ومع ذلك فإن علماء الاجتماع لا يجمعون على القول بأن الدين عنيف بطبيعته أو أن العنف يصدر عن الدين صدورا طبيعيا. وعلى خلاف علماء الاجتماع فإن هذه الصورة السلبية للدين بوصفه مصدرا للعنف تترك انطباعاتها القوية في تصورات وقناعات الصحفيين والسياسيين.

والسؤال الذي يرتسم في العقل هو: هل يعبر هذا التصور السلبي للدين بوصفه مصدرا للعنف عن هيمنة إعلامية؟ أم أن ذلك نتاج لحقيقة واقعية أمبيرقية ملموسة؟ وبعبارة أخرى هل هناك من علاقة فعلية وجوهرية بين الدين في جوهره والعنف الديني الممارس من قبل الجماعات الدينية؟ أو هل يمكن للعلاقة بين الدين والعنف أن تكون مجرد إسقاطات إعلامية وفكرية ساذجة وغير موضوعية؟ والإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة إن لم تكن معقدة أو شديدة التعقيد.

فالدين يشكل ظاهرة اجتماعية وهو ينزع إلى التطور تدريجيا والانتقال من طبيعته المؤسساتية ليرتسم في صورة شخصية وفردية في راهن هذا العصر، فلم يعد الدين مجرد تصورات تفرضها الكنيسة أو المؤسسات الدينية بل تحول إلى موقف شخصي ورؤية ذاتية للفرد كما تبين الكثير من الدراسات الجارية في هذا الميدان في المجتمعات الغربية في أفضل الأحوال. فكل شخص يمتلك اليوم رأيا خاصا وموقفا شخصيا من الوجود والدين والله والعالم الآخر، وبالتالي فإن علاقة الفرد بالمؤسسات الدينية تأخذ طابعا يتسم بالغموض والضبابية. فالكنائس الكبرى التقليدية تشهد تراجعا كبيرا في هيمنتها وسلطتها الدينية حيث يكون الولاء اليوم وبدرجة أكبر ولاء أنويا (نسبة إلى الأنا) وهو نوع من الولاء الذي تفرضه معايير الحداثة المتقدمة ومقتضيات العيش في رحابها.

وعلى الرغم من هذا التصور الأنوي الفردي للدين والإيمان، فإن العصر يشهد ولادة جماعات دينية صغيرة ولكن روابطها قوية جدا، كما يشهد ولادة جماعات دينية كبرى على صورة حركات اجتماعية بروابط اجتماعية أقل عمقا وتماسكا. ومن الواضح أن هذه الجماعات الطائفية الدينية تتبنى العنف منهجا وطريقة.

ضد العلمانية sécularisation:

تتميز الجماعات الدينية المغلقة برغبتها الكبيرة في مقاومة المجتمع العلماني، ومع ذلك فإن هذه الجماعات الدينية المتزمتة ليست واحدة بل تتنوع في اتجاهاتها وأيديولوجياتها وغاياتها، وعلى الرغم من هذا التباين فإنها تتفق في أمر واحد هو إعلان الحرب ضد النزعة الإنسانية العلمانية بكل ما تنضوي عليه من قيم ديمقراطية وإنسانية. وتحت تأثير هذه العداوة المشتركة للعلمانية، فإن الجماعات المتزمتة والمتصلبة تتحالف فيما بينها وتعمل على تكوين شبكات قادرة على ممارسة التأثير السياسي والاجتماعي في داخل المجتمعات التي تتواجد فيها، وإعلان الحرب ضد مختلف التجليات المدنية والعلمانية والديمقراطية القائمة في هذه المجتمعات. وهي في سياق هذا الصراع ضد العلمانية تقوم بممارسة العنف وتأجيج الصراع، وتعمل على تحقيق استمرارية الصراع والعداء ضد المجتمع المدني وذلك من أجل بناء وتشكيل الهويات الدينية الأصولية[1].

هناك من يعتقد اليوم بأن العنف الإرهابي لا يعبر عن أيديولوجيا أصولية بقدر ما هو انعكاس متضافر لعوامل جيوبولتيكية علمانية. وهناك من يرى بأن الشعور الديني للأصوليين هو نوع من الأيديولوجيا المتمردة الناجمة عن غياب العدالة الاجتماعية. ومع ذلك كله تشهد هذه الجماعات الإرهابية الدينية تزايدا كبيرا حيث تضاعف عددها من 26 جماعة في عام 1994 إلى 49 جماعة بعد مرور عام واحد فقط، وهذا يؤشر على تنامي كبير للعنف المؤسس على الدين.

وهناك من يعتقد اليوم في الغرب بأن العنف الديني المتنامي ولاسيما الإسلامي يأتي تعبيرا وبديلا للإخفاق الماركسي في العالم. كما يأتي ردة فعل واسعة ضد الاحتلال الأمريكي الذي يأخذ صورة جديدة للحروب الصليبية ضد المسلمين والإسلام. وقد أدى التركيز المعاصر على العنف الإسلامي إلى تغطية الصعود الكبير للأصولية الدينية في الولايات المتحدة الأمريكية والتقليل من شأنه وتبريره في الوقت نفسه حيث يعتقد كثير من الأمريكيين بأن حربهم ضد الأصوليات الإسلامية عادلة بالمعنى الديني والحضاري للكلمة، وقد أسس هذا التصور للعنف السياسي الذي تمارسه الدولة الاستبدادية والدول الديمقراطية أيضا حيث يمكن الإشارة في هذا الخصوص إلى سجن غوانتاناما Guantanamo أو إلى عمليات التضييق على الحريات المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية.

لقد ساد في الآونة الأخيرة نوع من الإرهاب الذي يُفسر بشكل واسع بأسباب جيوبوليتيكية، وعلى خلاف ذلك غالبا ما يفسر هذا العنف بطبيعته الرمزية، فالعنف الديني يأخذ طابعا رمزيا أكثر منه عسكريا. ومن الواضح هنا بأن الإرهاب يعمل على نشر الخوف وبث الرعب وبناء أجواء هستيرية مخيفة في وسط الناس والعامة، وهذا الخوف الذي تثيره الجماعات الإرهابية يقوم على أساس التهديد الرمزي بالدرجة الأولى، وذلك لأن الجماعات الإرهابية الدينية لا تملك إمكانيات كافية من أجل مواصلة حروب عسكرية واسعة وشاملة، ولذلك فهي تلجأ إلى حروبها الرمزية فتعمل على تدمير الرموز المعادية، حيث يتم استهداف المساجد والمباني والكنائس والمراكز الرمزية من أي نوع كانت. ومن الواضح أيضا أن العنف الرمزي الديني يباشر تأثيره الكبير في عملية الضبط الاجتماعي للأفراد والجماعات ولا يمكن أو ليس من الحكمة أبدا التقليل من أهميته أو الاستهانة به ولاسيما عندما يكون هذا العنف دينيا[2].

يقدم عالم الاجتماع الأمريكي سكوت Scott R. Appleby رؤية أكثر وضوحا للعنف الأصولي والديني، فالمقدس بالنسبة إليه غالبا ما يكون محايدا بوصفه مقدسا ولكن تفسير المقدس ليس كذلك لأن هذا المقدس يأخذ دلالات أيديولوجية عندما يتعلق الأمر بالوظيفة والتفسير. فالمجتمعات الدينية غالبا ما تلجأ  إلى الدين لتفسير وقائع الحياة والتجارب الإنسانية التي تعيشها، والكاتب يفند النظرية التي تفسر العنف الديني بعوامل جغرافية سياسية (جيوبوليتيكية). فقدرة الدين على تحقيق النشوة الدينية، وإخراج المؤمن من ضغط الحياة اليومية وإكراهاتها تشكل منطلق كل عنف ديني. ففي مختلف الأديان يقود التدين الزهدي إلى نشوة التضحية بالنفس أو بالآخر، وهذه سمة مشتركة بين جميع الأديان.

فعندما تقوم الدين بإضفاء طابع القدسية على عملية النضال من أجل الاستقلال السياسي -أي عندما تريد لجماعات الدينية أن تحقق استقلالا سياسيا على أساس المعتقد الديني - فإن الحركات العرقية والقومية الأخرى تجد مبررها المشروع لتمارس العنف بدورها ضد الجماعات العرقية والقومية الأخرى. فالهوية الدينية تؤدي في نهاية الأمر إلى تعزيز وتوسيع دائرة الكراهية والأحقاد العرقية والقبلية في المجتمع.

فالمتطرفون الدينيون يقومون بتوظيف الدين من أجل تبرير العنف والتمييز بين الجماعات العرقية أو بين الجماعات اللغوية المختلفة. ولكن كيف يمكن تفسير انتشار العنف الأصولي وانتشار مؤيديه بين أفراد عرفوا بما يتمتعون به من نبل أخلاقي؟ في سياق الإجابة عن يمكن القول بأن الأمية الدينية تشكل عاملا حيويا وبنيويا في عملية تنامي وتصاعد العنف الديني، ولاسيما في وضعيات الضغط والتأزم. وما يميز هذه الأمية أنها نتاج مستمر لانخفاض كبير في مستوى التفكير النقدي وانخفاض مستوى الثقافة الدينية الحقيقية نفسها. وهو الأمر الذي حدا ببعض الدول الغربية إلى تأهيل رجال الدين والعاملين في المؤسسات الدينية من علماء وفقهاء وقساوسة تأهيلا فكريا وثقافيا جديدا.

يعلن أبليبي عن أهمية الدور الكبير للدين في تشكيل الهوية الفردية وتغذيتها بإمكانية العنف، ولكنه يرفض في الوقت نفسه أن يصف التيارات الأصولية الأمريكية بالتطرف، حيث يعتقد بأن هذه الجماعات الأصولية منفتحة على التكوينات الاجتماعية والثقافية للمجتمعات الغربية، ولأن العنف الذي تمارسه هذه الجماعات الأصولية في الغرب هو عنف سياسي ورمزي ضد قيم المجتمع العلماني، ويمكن حيث يمكن لهذا العنف أن يكون مؤثرا جدا كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية. ومهما يكن رأي أبيلبي فإن هذه الحركات الأصولية الغربية متطرفة أيضا، حيث تشكل الجماعات الأصولية في الغرب منطلقا حيويا لمختلف الاتجاهات الراديكالية المتطرفة ولاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية، كما تشكل في الوقت نفسه موّلدا حيويا للجماعات الطائفية المتطرفة في مختلف أرجاء المعمورة

لقد وجدت الحضارات عبر التاريخ ولم تكن هذه الحضارات في حالة تصادم بل في حالة تخاصب وتفاعل حضاري وثقافي وهذا الواقع يخالف ما يذهب إليه هنتغتون في كتابه عن صدام الحضارات. ومع ذلك يمكن القول بأن هذه الحضارات القديمة قد عرفت بدورها وجود جماعات وحركات أصولية سلفية حاولت أن تترجم وجودها الاصطفائي الطهري (صفاء الأصل) بطريقة أيتوبية وراديكالية. ولكن لم يكن في وسع أية ثقافة أو حضارة أن تبقى في أبراجها العاجية أو أن تكون خارج نطاق التأثير بالحضارات الإنسانية القائمة. فالصفاء العرقي أو الديني أو الحضاري ليس ممكنا أبدا ولم يكن ذلك ممكنا عبر التاريخ، بل كان التفاعل والتواصل بين الكيانات الثقافية قائما وحتميا في رحاب الزمن. وفي المقابل يجب أن نعلم بأن بعض الجماعات العرقية والثقافية حافظت وما زالت تحافظ على معالم هوياتها العرقية والثقافية وتصارع ضد عملية الذوبان والتلاشي، وهذا ما نراه في أمريكا حيث لم تستطع الثقافة الأمريكية الجبارة أن تذّوب الثقافات الإثنية والعرقية في بوتقة واحدة. لقد قاومت بعض الجماعات العرقية إكراهات التذويب الثقافي والحضاري وحافظت على معالم وجودها وهوياتها المميزة، وتلك هي حالة الجماعات المكسيكية التي حافظت على كاثوليكيتها ولغتها وأصولها الإسبانية.

الدين والعنف الرمزي:

مهما يكن العنف الديني ومهما تكن الصيغة التي يرتسم فيها فإنه منطلقاته الأولى تأخذ طابعا اجتماعيا رمزيا . لقد بين كل من ويلمان Wellman وتوكينو Tokuno بأن تدمير الحواجز الرمزية يشكل منطلق الصراع بين الأفراد والجماعات [3]. ومن الطبيعي بالنسبة لجماعة دينية ما أن تشكل هويتها عبر الصراع والنزاع مع الجماعات الأخرى ومع المجتمع العلماني وبالتالي فإن نجاح هذه الجماعات يعتمد على عملية تفجير هذا الصراع وإدارته، والمحافظة على التوتر العدواني واستمراره ضد الجماعات الأخرى وبينها وبين المجتمع المدني ككل. فالعنف الديني ليس ظاهرة معاصرة بل ظاهرة قديمة قدم التاريخ. وهذا الرأي يأخذ أهميته لكونه يركز على الدين بوصفه مشكلا للهوية الاجتماعية والفردية، ومن ثم فهو لا يقلل من أهمية الدور الذي يمارسه العنف الرمزي في عمق العنف الديني. وهذا الاتجاه يجد تعزيزا له في رأي كونيسا Conesa الذي يذهب إلى ما هو أبعد في التأكيد على مركزية العنف الرمزي في التكوين الأساسي للإرهاب الديني، وهو نوع من العنف يأخذ فيه الرمز أهمية أكبر من الهدف الاستراتيجي للعنف[4]: فالعنف هنا يمارس بوصفه نوعا من التطهير، حيث يصعب تدمير العدو كليا في حرب شاملة، فتكون الحرب الإرهابية نوعا من العدوانية الرمزية الخالصة، وهدفها لا يكون مهما جدا من الناحية العسكرية. فالممارسة الإرهابية تمارس نوعا من الحرب الأخلاقية (الفوقية الروحية لمناضليها) والنفسية (تبين ضعف العدو وجبنه) ودينية (وعد بالجنة والعالم الآخر) ويلاحظ في هذا السياق أن الزمن الذي تمارس فيه هذه الحركات نشاطها الإرهابي غالبا ما يتم اختياره وفقا لمعايير رمزية تتوافق مع أجندات دينية وتواريخ مشبعة بالرموز الدينية الإستراتيجية [5].

ولا يخفى اليوم على العارفين بأن العودة إلى عقيدة التضحية بالذات من أجل التطهير القدسي كان وما زال مظهرا من مظاهر الحياة الدينية وطقسا من أهم طقوسها في جميع الأديان، وهذه التضحية تتم غالبا تحت متطلبات الضرورة الدينية التي تفرض الانخراط في حرب كونية مزعومة بين الشر والخير، بين الأنا والآخر، بين الدين والدنيا، بين الله والشيطان دون توقف حتى النهاية. وهذا يشكل اليوم جانبا جديدا من العنف الديني الذي يعزى إلى ثقافات دينية في سياق عولمة التبادل الاقتصادي والثقافي والاجتماعي.

يحدد كونيسا ثلاثة أشكال من العنف الديني: الانتحار الجماعي، والعمليات الانتحارية، والإرهاب الجماهيري. وهذه الصيغ الثلاثة للعنف تكشف عن صيغ أخرى للعنف أكثر رهافة ودقة وخطورة، وهي تتمثل في العنف السيكولوجي والجنسي واللفظي والاقتصادي، وهي الأشكال التي يمارسها الدين نفسه على مريديه وعلى المنتسبين إليه، وليس خافيا أيضا أن هذه الصيغ من العنف تكون دائما سابقة ومؤسسة للعنف الفيزيائي ( التفجير والقتل ) الذي غالبا ما يشار إليه في تعريف العنف الديني كلاسيكيا. ومن الضرورة بمكان هنا الإشارة إلى أن هذه الصيغ الثلاثية للعنف تمارس تحت عنوان الضبط الاجتماعي الرمزي الذي يستهدف الأفراد أعضاء الجماعة الدينية نفسها. وكما يعتقد كونيسا فإن هذه الجماعات المتصلبة تستند في عقائدها إلى نسق من الأصول الدينية التيولوجية الأسطورية التي ليست في أصل الأديان السماوية نفسها. لقد تطورت بعض الأساطير وشهدت توظيفات جديدة في ممارسة الجماعات الأصولية المتشددة. ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن بعض هذه الأساطير وظفت وما زالت توظف بصورة مشتركة بين الجماعات الدينية المتضاربة والمتصارعة نفسها. فالميثولوجيا، التي توظفها جماعات "اللوبي " اليهودية الإرهابية والتي تعمل على مراقبة وضبط التحويلات المالية عبر العالم ( بروتكول حكماء صهيون المشهور )، هي نفسها التي نجدها لدى الجماعات الدينية الأصولية الكاثوليكية والإسلامية كما هو الحال بالنسبة إلى بعض الجماعات البروتستانتية.

وهناك أيضا نظرية المؤامرة Théorie du complot وهذه النظرية نجدها لدى الأصوليين الكاثوليك في الكوبك بكندا لدى تنظيم القبعات البيضاء Bérets Blancs كما نجدها لدى الجماعات الدينية الأمريكية المسيحية المتطرفة في الولايات المتحدة الأمريكية. ومهما يكن الأمر سواء بالنسبة إلى المؤمنين أو المتصلبين أو الملحدين أو الإنسانين العلمانيين أو بالنسبة للشيوعيين، فإن العنف هنا يصدر تحت عنوان الدفاع عن الهوية الدينية المهددة. فلماذا إذن تشعر الجماعات الدينية والمتطرفة بأن الزواج المثلي يهددها ؟ برأينا لأن ذلك يأخذ طابعا رمزيا وذلك لأن "الهوموسيكسويل" ليسوا معنيين أو مهتمين بالمؤسسة الزواجية التي تحظى باحترام ديني ورمزي كبير من قبل هذه الجماعات على اختلافها. ومن الواضح أن هذه المسألة تأخذ طابعا رمزيا واضح الدلالة والاتجاه. وهنا وفي هذا السياق فإن قبول المجتمع العلماني للزواج المثلي يعزز عقيدة الأصوليين والمتطرفين بأن هذا المجتمع شرير في أعمق تكويناته ومنحرف في أكثر تجلياته ومن هنا يجب إعلان الحرب المقدسة ضد تكويناته الشيطانية.

ويمكن الإشارة في هذا المضمار إلى ثلاثة من ردود الأفعال التي تمارسها الجماعات الدينية المتشددة في مواجهة العالم العلماني: يمكن الانسحاب من الحياة الاجتماعية وقطع العلاقات كليا مع المجتمع العلماني ويأخذ هذا الشكل صورة ( الجماعات الصوفية الدينية )، أو يمكن التغلغل في مختلف المراكز الاجتماعية من أجل الوصول إلى مواقع السلطة والنفوذ فيه من أجل تغيير الواقع والتأثير فيه مثل التحالف المسيحي اليميني في الولايات المتحدة الأمريكية Christian Coalition aux USA، أو يمكن مهاجمة المجتمع مباشرة والتركيز على الأصول والمرتكزات العلمانية للمجتمع المدني (القاعدة والثورة الإسلامية الإيرانية).

خاتمة:

لقد أضاءت معالجتنا لمسألة العنف الديني في سياق الحداثة المتقدمة والعولمة الزاحفة صورة تصاعد الجماعات الإرهابية الدينية في العالم، وتصاعد هائل في ممارسة العنف، وقد تبين عبر هذا التداول للمسألة أن العنف الديني كان دائما وما زال موجودا وقائما وسيكون، وقد اتضح لنا أيضا بأن هذا العنف يأخذ اليوم صورة الدفاع عن الهوية الدينية وصونها، ومن البيّن أيضا أن هذا العنف يتشح بالطابع الرمزي في أكثر صوره فعالية وتأثيرا. لقد تمّ توظيف الرمز كقوة ما فوق طبيعية للتأثير في عقائد واتجاهات المنتسبين إلى هذه الجماعات الدينية لدفعهم إلى ممارسة العنف ضد الآخر بمختلف الصيغ والأدوات الممكنة، ومن الواضح بأن السلوك الديني المتشدد يمكنه أن يجري وفقا لصيغ متعددة من العنف الرمزي والسيكولوجي والاقتصادي والسياسي والفيزيائي. فالعنف كان موجودا دائما ولكننا اليوم على موعد مع عولمة العنف أو عنف العولمة حيث تلعب وسائل الميديا والاتصال دورا كبيرا في تدوير العنف وتعزيز حضوره[6]. والدليل على ذلك ردود الفعل الإسلامي ضد الجنود به الأمريكيون في سجن غواتينامو الذين قاموا بتدنيس القرآن الكريم إذ سرعان ما انتشرت هذه المعلومة في مختلف أنحاء العالم فأثارت ردود فعل عنيفة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. ومن الواضح هنا أن الأصوليين والمتطرفين يستفيدون بشكل جيد من وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلوماتية ويوظفون أدوات العولمة ذاتها في بث العنف ونشر ثقافة الخوف والموت في مختلف أنحاء المعمورة. فصدام الحضارات سلاح يمكن توظيفه بوجهين حيث يجب الاعتماد على عملية التفاعل والحوار بين الأديان والثقافات من أجل مواجهة التطرف الديني الذي ينتشر في الأرض. وهذا يعني أنه يمكن الحديث في واقع الأمر عن نموذج جديد للحماية الدينية التي تضرب خيامها في أرض الواقع في مواجهة العنف والتطرف والإرهاب. ومثل هذه الحماية التي تكسر حدة التطرف وتعيد للدين وجهه الصحيح تمثل في حقيقة الأمر نتاجا لعملية الحداثة المتقدمة في زمن العولمة بوصفها نقلة حداثية جديدة في تاريخ التقدم الإنساني.

 

أ. د. علي أسعد وطفة

جامعة الكويت

.....................

[1] - Geoffroy Martin “Le nouveau paradigme de la violence religieuse comme forme de résistance et de contrôle social dans le contexte de la modernité avancée”, revue Religiologiques, no. 31, Printemps 2005, Montréal, UQÀM, 27-36.

[2] - انظر - بيير بورديو: الرمز والسلطة ، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي ، دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء ، 1990.

[3] - Wellman Jr., K.J. & K. Kukono, 2004, « Is Religious Violence Inevitable ? », Journal for the Scientific Study of Religion, vol. 43, no 3, p. 291-296.

[4] - regarde: Pierre Bourdieu: Capitale sympolique et Classes sociales , dans L’ARC, N72,2e Trimestre ,1978

[5] - Conesa, P., 2005, « La violence au nom de Dieu », La Revue internationale et stratégique, no 57, Printemps, p. 73-81.

[6] -انظر -  بيير بورديو: العنف الرمزي ، بحث في أصول علم الاجتماع التربوي ، ترجمة نظير جاهل ، المركز الثقافي العربي ، بيروت ، 1994..

 

 

سامي عبد العالحين يتساءل الأطفالُ لا ينتجون معرفةً، لكنهم يضعون ما نعرفه قيدَ الانكشاف والمفاجأة. هم كائنات انسانية مُذهلةٌ، بالغةُ الإحساسِ، دائمةُ الشغفِ. فالمواقف تُظهر الطفلَ موجوداً مختلفاً وإنْ كُنتَ أباه. وربما يأخذك إلى المراجعة الجذرية لما تعتنق من أفكارٍ. أنتَ عندئذ لستَ إلاَّ " لاصقاً ثقافياً " فاقد الصلاحية لاحتمال التَّغيُر. وبصحبة طفلِك لن تُجدي معايير الأمور كما تدركها، لأنَّ نمطَ سلوكه يصْعُب التحكُّم فيه. إنهم يعيشون الحياة كما لو كانوا يتابعوا حلماً ممتداً لا خروج منه، لا حاجز بين النوم واليقظة، كل شيء ممكن وإن كان مستحيلاً.

الطفلُّ اعلان وجودي عن صخب الحياة التي لا تهدأ في إيقاظِ ما هو راكد. يراقبُ كلَّ تغير حوله، يُعابث الأشياء، أدنى حركة تجعله منتبهاً لما يسمع ويرى. الطفولةُ ليست مرحلةً يُلقيها الزمنُ في جرابه اليومي بلا عودةٍ، وليست نزقاً خارجَ المألوف وحسب، إنَّها كذلك طاقة حُرَّة وممارسة تلقائية للإنسان الحي. الطُفولة هي البذرة التي تنمو في سرية تامةٍ رغم ثقل خطوات الحياة. وحينما يشعر الإنسان بعدم قدرته على أنْ يكون طفلاً، سيظهر الأثر السلبي لعطالة الأفعال.

هل ذلك يعني أنَّ ثمة أُناساً موتى وهم أحياء؟ هل ثمة كائنات إنسانية تقمع طفولتها تحت وطأة الحياة القاصرة عن الأمل؟ وبالتوازي: ألَاَ يُوجد أُناس يداعبون أطفالاً داخلهم بتلقائية وإنْ تأخر بهم العمر؟ لماذا يدفع الطفل بالمفاجئات لمن حوله؟ لماذا تأخذه الأسئلة دوماً إلى حيث الاندهاش؟

الروح الطفُولي

يجب التفرقة بين جثث بشرية متحركةٍ تقتل طفلاً داخلها، وبين هؤلاء الحاملين لروح طُفولي يتساءل باستمرار. ففي الإنسان كطفلٍّ (أو الطفل كإنسان)، قد تأتي أفكارُه تساؤلاً، انحناءاته تساؤلاً، صمته تساؤلاً، وعيه تساؤلاً، أحلامه تساؤلاً. إنَّ حال إنسان كهذا ليس ادعاءً مفتعلاً، لكنه يرى الأشياء من منظورٍ مختلفٍ، يراها تحمل قدرات نحو التحول والإثارة. وذلك بحكم أنَّه يتعرف على تفاصيل الحياة بكل حماس ونهم.

حتى أنَّ الطفل هو ابن التساؤل بامتياز وجودي إزاء العالم والأحداث. ليس يُوجد حالٌ ولا فعل دون أنْ يطرحه للاستفهام مُلِّحاً على معرفته. فالطفل لا يملك من أدوات فكريةٍ ولا معرفية سوى خاصية التساؤل المحير. وهذا فحواه أنَّ التساؤلات بمثابة ذخيرة الكائن الإنساني في مقتبل حياته وطوال مسيرتها. الطفولة هي عملية تَّحرُر نحو الانفكاك من قيود الواقع وإكراهاته.

إنَّ مشكلة المجتمعات العربية كونِّها تُعجِّل باستواء الطفل على عوده انتزاعاً للأنثى أو للرجل الذي سيكونه لاحقاً. هي تعطيه لقب الرجولة (الأنوثة) قبل الأوان، فلا هو يعيش زمنه متشبعاً بالمغامرة ولا يلاحق الكبار فيما هم فيه. إنَّه يقف حائراً مقموعاً ليرتدي ثياباً من الوجود المفارق لذاته. إنَّ أطفالاً لا يحيون حياتهم كما هي سائلة ومتعجبة، لكنهم يلعبون أدواراً غريبة لا ينتمون إليها. وبالتالي تصبح النتيجة هي تقليص مساحة الفعل في الحياة.

الرجولة (الأنوثة) ليست مقولة فلسفية دقيقةً، إنما هي مقولة ثقافية تمس طبيعة المجتمعات بالمقام الأول. هي نوع من السباق الاجتماعي المغموس بالصراع حول أمور تمس التكوين الجندري، حتى غدت الرجولة (الأنوثة) ممارسة عنيفة في كافة قطاعات الحياة. ودينياً باتت الرجولة (الأنوثة) موطئ قدم في الآخرة يترقبها المجتمع مُبالَّغةً في حسم المشكلات اليومية. وفتحت مجالاً لمد أصابع الدين والسياسة لإدارة الاختلافات وحسم المواقف وتدعيم التقاليد وتعليق الطاقة النزقة داخل المجتمعات الإنسانية.

كأنَّ الدين ينفرد بالرجولة كمفتاح خاصٍ لإقامة شعائره واسناد مستقبله للذكور بخلاف النساء والأطفال. والطفل في إهاب الرجولة هو الكائن المؤجل والممنوع من ممارسة إرادته. هو الموضوع داخل سلسة من الوصايات يمارسها فاعل ثقافي أبوي لا تنتهي بدائله. وبحسب نمط التربية الشائع يتجمد الطفلُّ على هيئة متلقٍ لا قدره له إلاَّ طاعة الأوامر. وهاهنا لا يعاني فقط من التلقين التعليمي، بل من السمع والطاعة في كلِّ شيء. ليكشف الوضع أن التلقين والاجترار ليسا عملين معرفيين إنما هما آليتان ثقافيتان.

على حين أنَّ الطفل ينتمي إلينا بموجب كونِّه (وكوننا) إنساناً متفتحاً للآتي داخل مرمى الحياة. الإنسان يوّد طوال حياته أنْ يعود طفلاً ليتأرجح مع الزمن ويعابث الحقائق على خطورتها. لأنَّ الطفل في الحقيقة كائن هش، تلقائي، دينامي، قريب وبعيد من الزمن، حائر، مستقبلي،.. وهذه السمات تجعل كيانَّه مسرحاً لكم من المفاجآت فوق الحصر. الأمر الذي يُضفي على الحياة طابع الإمتاع والمغامرة.

جدير بالذكر أنَّه كطفل يفاجئ والديه بصيغ استفهامية غريبة: لماذا تزوجتماً بعضكما حصراً دون سواكما؟! كيف أنجبتماني ولم تنجبا ابن الجيران؟! بل من ذا الذي دعاكما للالتقاء من مكانين مختلفين؟! هل أنتما تحبانني بلا مقابل حقاً؟! لماذاً أنت أبي ولم تكن أخي؟ من الذي أعطاك الوجود ومازلتَ ؟ كيف تحيا وتعمل مع الآخرين؟ لماذا نعيش في تلك البقعة من العالم ولم نعش في بقعة أخرى ؟

البراءة

من جانبها الفلسفي، تتميز أسئلةُ الطفل بالبراءة المخاتلة. صحيح هي تُطرح تلقائياً بمعنى "البحث عن"، غير أنَّ البراءة بمثابة الحدوث المباشر لفعل التفكير. سيكون ذلك بمقياس هذا الكائن العجيب تجاه معطيات الواقع. فلو حاولنا ايجاد تبرير لما يستفهم عنه السؤالُّ، لكان التبرير هو وجود موضوع الاستفهام دون زيادةٍ. بكلمات أوضح أنَّ البراءة تتعامل مع الحدوث بما هو كذلك دون تغطية.

وحتى لو كان موضوع الاستفهام مسكُوتاً عنه، فلا يجد الطفلُّ حرجاً من طرحه والإلحاح عليه، بل هو لا يشعر بالقيود أساساً. عندما يتساءل الطفلُّ: إذا كان الله هو من خلق الناس، فلماذا يعذبهم في النار؟، لكانت الإجابة طويلة بما لا يحتمل الموقف. وبخاصة أنَّ سؤالاً كهذا يأتي بريئاً إلاَّ من تداعي المواقف ونتيجة سماع الأطفال لتبريرات دينية تتعلق بالجنة والنار!!

وهو ما يعني أنَّ التربية اللاهوتية المختلطة بجوانب الثقافة العربية تدمر براءة الأطفال. وتجعل منهم حطباً اجتماعياً مبكراً لجماعات العنف، بينما البراءة هي أهم ميزة تدعونا للاستغراق في حياتنا. لأنها هي النسغ المغذي لوجود الإنسان بعيداً عن أية رواسب نفسية. الطفل برئ لكونه كثير اليقظة لما يرغب بشفافية كما أنه يذهب حيثما يريد طالباً التعبير عن نفسه.

تغدو الأسئلة بريئةً عندما تنطلق بلا وجلٍّ ولا حدود، أي يجب أن تُعطى قوة دافعة كامنة في صميمها كمواقف وجودية. ولا بد من الالتفات إلى الآثار التي تلقي بفاعليتها هنا أو هناك. فالسؤال يتولد من البراءة الحرَّة لوعي الإنسان الراغب واليقظ والناقد والمغامر الذي ينغمر بحياته. وحينما تضيع البراءة، فالتكلُّف الممض يلتهم طاقات أي  سؤالٍّ حيوي نافذ.

البراءة كذلك لا تعني السذاجةَ، لكنها الانفتاح البسيط في أوج تداعياته الأولية. البساطة هي أعمق ما تتوافر عليه البراءة من أثرٍ لا ينتهي بسهولةٍ. لذلك كلما كان السؤالُ بسيطاً، استطاع النفاذ وأصبح أكثر قرباً من التعقيد الخصب الذي يضمن له الفاعلية.

الدهشة

الأطفال كائنات مدهشة بصورة مزدوجةٍ، فهم مصدر للدهشة وكذلك هم في حالة اندهاش مما يجري حولهم. السبب أنَّهم يمارسون البراءة ضمن كلِّ لحظة دون تصنُّع. وإذ يتعرفون على تفاصيل العالم لأول وهلةٍ، فلا مكان لتكرار النظرة التقليدية وبالتالي لم يتم قولبتهم بعد. بل تبدو صلابةُ هشاشتهم غير قابلة للاعتياد على نحوٍ مبدئي.

الطفل عندما يندهش لا يأخذ الدهشة كحالٍّ خارج ذاته، لكنه معجون بها. إنَّه تجسيدها العضوي بمجمل كيانه الحي. وهو نفسه معين لا ينضب للدهشة، أحواله، طريقة تعبيره، ابتساماته، ومواقفه المرحة تجاه الحياة. فالكبار لا يستطيعون أن يكونوه في مواقف بعينها وهنا تبدو المفارقة في صور أخرى من الدلالة. ويحاول هؤلاء الكبار تقريب ما يرونه أو ما يراه الطفل.

إنَّ الدهشة الوليدة هي التي تجدد الفكر باستمرار. فمن هذا الكائن الصغير (الطفل) من وجهة نظر المحيطين به؟ لماذا يتمتع بأصالة الحياة خيالاً ودائباً على أنْ يعبر عن نفسه؟ إجابة أسئلة كهذه توضح أصالة الدهشة الطفولية من زاوية تفاعلها مع المواقف التي يمر بها الإنسان.

وأبرز معالم الدهشة الطفولية أنَّها لغة معبرة دائماً عن استفهام. فالطفل لا يستنكف عن ابداء كل العلامات التي تميزه كائناً متسائلاً. وهذا يجعل ما يقوله أو ما لا يقوله لافتاً للنظر. لأنَّ الدهشة انغمار في حالة من عدم الالتئام مع أمور الحياة العادية.

والطفل من تلك الجهة لا ينتظر الحياة حتى تُلقي إليه بما هو مدهش بل يصنعها بنفسه، كردود أفعاله على الكبار أو رؤيته البكر للصور أو ممارسته التلقائية للرغبات والغرائر بشكلٍّ مباشرٍ. الكبار ينتظرون بكلِّ ترقب ويتحينون الفرص مما يحول دون أصالة المعنى وغرابته ويدفع الثقافة إلى التوسط قبل الفعل. الدهشة ليست ثقافية بالمقام الأول. إنَّ كلَّ توسُطٍ بين الدهشة وأسئلتها ليس إلاَّ إفشالاً لإمكانيات أخرى، ما لم يكن المقصود افساح المجال للعُمق المفترض.

ويبدو أنَّ الطبيعة تدع الأطفال علامات حيةً على التكوين المذهل والإحساس غير المحدود. وإذا كان الطفلُ مازال كاليرقة التي تأخذ في التطور، فإنَّه موجود بالقوة والفعل معاً. ليس مقياساً وضع الأطفال في مقارنة بالكبار، علينا أنْ نتوقع اختلافاً ضرورياً. لكونهم يمتلكون الحياة من خلال العالم، أي هم كائنات لها وجودها النوعي غير القابل للمقارنة.

البساطة

عمق الطفولة في رصيد البساطة الحية التي تمتلكها. وليست البساطة بمعنى السذاجة ولا التفاهة، هي أبعد ما تكون عن ذلك. لأنَّها العمق الفذ فيما هو تلقائي. إذا أراد الطفل شيئاً، يعلن رغبته في هذا الشيء صراحةً، لا يلف ولا يلتوي حتى يبدى مظاهر ذلك.

البساطة تعبير عن أعقد المسائل بأقرب الصيغ الممكنة. حينما يقول طفل لوالده: من الذي يمسك السحاب؟ من الذي يجعله ممطراً؟ من ذا الذي يمسك السماء؟ فإنه يناقش قضية من أعقد القضايا بين العلم والدين والحياة.

الطفل لم يقصد تبسيطاً لقضية الوجود الإلهي، لكنه أشار ضمنياً إلى دلالة من هذا القبيل وإن لم يكن ليناقشها على مستوها المعرفي. هو يتحسس مصير الأشياء والعالم في أدق التفاصيل ويشعر بنبض ما هو أساسي عبر توافه الأمور. فالبساطة تعني هنا صدقاً مرغوباً فيما هو ظاهر للوعي المباشر.

مع أنَّ تفسير الوضع بالنسبة للطفل يتطلب تعقيد المسألة مرةً أخرى وهذه معادلة مختلفة. فالطفل لا يقول ذلك اعتباطاً، لأنَّ الحياة لا تتجلى على نحو بسيطٍ أيضاً، إنما توجد بتكوينها المعقد في أدق التفاصيل. وأنَّ احساس الطفل بالسؤال إحساس وجودي بالمقام الأول. أي أنه يتساءل ليس لاحتياج نظري هو في غنى عنه ولا يدرك أبعاده، لكن الطفل يتساءل لأنَّ السُؤال جزء عضوي من حياته. السؤال هو الرغبة في بساطتها المركبة (المفارقة) حين تمتد بجذورها إلى قوانين الوجود الإنساني والحياة.

وهذا دليل على الأساس الذي ينهض عليه كل سؤال أصيل. من حيث كونه استفهاماً للحياة من خلالنا، هو وليد إنسانيتنا القابلة للمعرفة في جوهرها. الأسئلة ليست عملية صورية بحت لكنها موقف أنطولوجي، وضع حيوي مثل أي شيء مرئي ويمكن مراقبة تأثيره واحداثياته.

اللاحدود

ربما لا يشعر الطفل بالحدود ولا يهتم بها. الوجود لديه منطوٍ على إرادة كلية يظن أنها طوع قدرته على التخيل. فقد يذهب لنهش القمر في سقف السماء، وقد يحاول مد ذراعيه للإمساك بالشمس معتقداً أنه يفعل ما يشاء. وقد لا يدرك أبعاد المسألة من جهة قصوره الوجودي على هذا الفعل.

ولا يعني ذلك انعدام القدرة وهي كذلك بالفعل لدى الأطفال، بل يدل على قوة الخيال والرغبة في الوجود. وهو ما يحدد المشكلة في إدراك العالم من جانبهم. إدراك أنَّ الواقع امتداد لكيانهم الهش. وحين لا يستطيعون السيطرةَ على الواقع، إنما يكون تركيزهم على المغامرة. إنَّ طفلاً يصعُب عليه بلوغ ما يريد يستعيض عن عجزه بالتخيل الذي يخترق كل الحدود.

وليس إلاَّ الاستيهام النافذ الذي يجسد الأمور بشكلٍّ مرغوب فيه. ونظراً لكون الطفل يتمتع بخيال خلاق، فهو يعيد تشكيل العالم من حين لآخر. وربما يسير بحسب ما يجري لديه لا بحسب ما يتحقق بالفعل. الاندفاع وراء ما يريد، يحدو الطفل إلى شغف في امتلاك رغبته. وهي لا تتحقق إلاَّ نسبياً، ولذلك يواصل تجاهل أيَّة حدود ممكنة وغير ممكنة ليتعامل مع موضوعاته بشكلٍّ مباشرٍ.

لا يعبأ الأطفال بما يسمى بالأخطار، فالاندفاع يجعلهم في وسط المشهد حتى وإن أدى إلى أضرار. فلو وجد طفل جمراً مشتعلاً، لأمسكه بأصابعه الغضة. وبالتأكيد لا يشعر بخطورة ما يفعل سوى بالاحتراق والألم.

إنَّ الشغف والمغامرة هما أكبر مساحة لدى الطفل من الإحجام والخوف، لأن الرغبة في الاكتشاف هي التي تحيل الواقع إلى وسيط ليس أكثر. وكل سؤال يجب أن ينطوي على رغبة في الاختراع والمغامرة بشكل لا يتوقف. وما لم يكن السؤال مبنياً على ذلك لمن يكون سوى ضرب من التماثل السلبي.

والسؤال الأصيل هو الاستفهام الذي يحمل في دلالته تلك القدرة على اختراع مغامرة جديدة. أنَّه نزق طفولي عميق في أي موقف حتى أننا نشعر بما هو مختلف. الطفل يتساءل بشكل جذري على سبيل المثال: لماذا نموت؟ هل الموت جزء من الحياة طالما أننا نموت داخلها وليس خارجها؟

هاهنا لا تكفي أكثر من إجابة – إنْ وجدت- لإقناع الطفل المتسائل. كما أنَّ السؤال يتضمن داخله أعقد الموضوعات في الدين والحياة والمصير والقيم والمجتمع والتاريخ. الموت غير قابل للمساءلة لكونه مفاجئاً وضرورياً ولا وقت للمراجعة. دوماً نعرف الموت من آثاره التي تأتي سابقة وليست متأخرة كما يظن البعض. والموت على اتصال وثيق بطبيعة الحياة. فلأنَّ الطفل يدرك بغرائزه وكيانه جوهر الحياة، فهو لا يتصور انقطاعاً عنها. إذن من الطبيعي أن يجئ أيُّ تصور لا ينتمي إليها موضوعاً للاستفهام مهما بعُد!!

وبالنسبة للكبار لا يتم مُساءلة الموت عادةً عن وجوده وأفعاله، فهناك حال من التكرار لهذه القضية. ويبلغ الموت من الرتابة في حدوثة درجة ملحوظة، رغم أنَّه غير تقليدي في موضوعاته (الأموات) وفي ظروفه (السياق).

المجهول

ينشغل الطفل طوال يومه بالمجهول بقدر شغفه بالحياة. فالحياة بالنسبة إليه بكر كما أنَّه عبارة عن جهاز بيولوجي حساس تجاه واقعه. وبالتالي ليس متطلعاً إلى ما هو مستزيد منه بل إلى ما ليس متاحاً. وهذا جزءٌ من المواقف الاستفهامية التي يطرحها أمام متابعيه.

إنَّ المجهول ليس هو غياب الموجودات غياباً مادياً. هو يشمل جميع الأشياء ولو كانت ضمن محيطه المباشر. حتى أنَّ الطفل يأخذ في صياغة السؤال تلو السؤال من أجل البحث عن حقيقتها.

هناك عدة أفعال طفولية تخص المجهول: الاهتمام، العبث، التجريب والفوضى. الاهتمام يبدو في تعلق الطفل بالأشياء ومحاولة الاستحواذ عليها. أمَّا ملامستها، فلا تخلو من رغبة طفولية قادرة على الادراك المستمر. ويبدو الاهتمام بلا شيءٍ في الوقت نفسه لكنه استغراق تام فيما هو فيه. والطفل لا يكف عن محاولاته نحو ما يجذب انتباهه مبدياً العناية نفسها في كل مرة.

العبث هو اقتحام الطفل للأشياء دون حذر، وقد يمسك بها على نحو مدهش. وفي هذا يبذلُّ كماً من الرغبات  محاولاً التملك الخاص لها. فعندما يلتقط الطفل شيئاً كقطعة من أثاث المنزل مثلاً يناله الابتهاج بما حصل عليه. وهو يعبر عن ضرورة اشباع وجوده في إطار الرموز التي تملأ حياته.

في العادة لا يستمع الأطفال لتحذيرات الكبار أيا كانت، من ثمَّ فإنَّهم يجربون بأنفسهم الأفعال والمواقف والأحداث. وقد يقال إنَّ ذلك قلة خبرة وعدم نضج مناسبين للمجتمع. لكن الأمر أعمق من ذلك بكثير، فالتجريب الطفولي اليومي نوع من الخيال الجامح والرغبة في الاندماج بالحياة. ولهذا يكون تعبير الأطفال قوياً لدرجة الوقوع في الأخطار. وتلك هي سمة كلِّ سؤال قوي في موقفه وبشأن الأساس الذي يُبنى عليه.

أمَّا الفوضى فهي مقترنة بالأطفال من جانب المحيطين بهم. والفكرة المبدئية أنَّهم لا يدركون تقاليد الكبار في الحفاظ على نظامهم العام. ويرتبط ذلك من جهة أخرى بالإزعاج المؤثر الذي يتسببون فيه. وهذه الأوصاف لا تقيِّم ما لدى الأطفال من رغبة في التمرد المتواصلين. ولذلك هم مصدر الأمر الآتي الذي يخلخل أركان الحاضر، هم لسان حال أوضاع لم تأتِ بعد وتحتاج إزعاجاً يقض مضجع الأشياء التي تغط في نوم عميق.

الفوضى هنا طريقة في ممارسة الحياة وليست ضد النظام الذي تحدث فيه. هي ما كانت لتُسمَّ فوضى إلاَّ مقارنةً برتابة مملة لا تقبل المزيد من التحرر. ولذلك فإنَّ حكمة وجود الأطفال كونهم نوافذ حية على المجهول الذي يحدث شيئاً مختلفاً، حيث يعيد الزمن المتوقف عند درجات التحول القابل للممارسة.

طاقة اللعب

لدى الأطفال طاقة لا تنفد على اللعب والاستفهام، على مداعبة الأخيلة والوقوف مع مستواها غير المنطقي. واللعب ليس رغبة مضافة إلى العالم لكنه بمثابة العالم نفسه، لدرجة أنَّ ما هو خارج اللعب بالنسبة للأطفال قد يكون لا قيمة له. وهم في تلك المرحلة لا يملكون غير مداعبة العالم بما يجود خيالهم من التلهي والانهماك في الألعاب البسيطة.

اللعب نمط حياة يعطى الأطفال طاقات تساؤلية متجددة، لأنَّه غذاء وجودي يقتاتون عليه في رؤية الآخرين والعالم. أي أنَّه المجال الأوسع لنمو قدراتهم الخيالية والجسدية والوجدانية. وهو كلعب يمتدُ إلى وضع الآخر في مواقف حرجة، لأنَّه لا يستطيع غالباً تفهم هذا التداعي الجسدي والخيالي لمن يلعب ويستفهم.

هكذا فإنَّ كل استفهام ينطوي على طاقة من اللعب الضمني بحثاً عن دلالة مغايرة. وإذا كان الأطفال ينهمكون في حالة لعب مباشر، فأنَّهم يجسدون الأسئلة عملياً بهذه الصورة. عندما يداعب طفلٌّ شخصاً يكبره، يضع هذا الشخص تحت التعجب. فالطفل أكثر مرونة وقابلية للاستجابة. وعبر هذا الإطار يبث اللعب طاقة ايجابية تذيب الثوابت وتجعل لقوى الخيال دوراً في المشهد.

وبالتالي ريثما يتعامل المجتمع مع الأطفال في سياق تقاليده وانظمته الحياتية، فالأطفال يتلاعبون بها عن طريق الألعاب البسيطة لأنها تكسر التقاليد. ويبعثون روحاً جديداً في الجوانب الرمزية للواقع. فهم " تعبير تأويلي " عن حياة لم تأتِ بعد وليس هذا شيئاً هيناً بل يتجلى تدريجياً ضمن الزمن. المستقبل هو ما يتسلل عبر هذه الكائنات الطفولية المحيرة، إنَّه لا يكف عن انتظارهم في الخفاء ... هنالك حيث ينتظرونه أيضاً.

 

سامي عبد العال

زهير الخويلدي"الحرية هي الصراع من أجل انتزاع الاعتراف" - كتاب العقل في التاريخ

يبدو أن منزلة الحرية في فلسفة هيجل النسقية هي منزلة إشكالية بامتياز بالنظر الى كونه المساحة الكبيرة في هذه الفلسفة يحتلتها الضرورة التاريخية وما يتبقى منها يكتسحها العقل الكلي والروح المطلق والفكرة الشاملة وبالنظر أيضا الى التمجيد الكبير للدولة والقانون والمطالبة بأن يضحي الفراد بحرياتهم من أجل الصالح العام، ومن هذا المنظور لن يتبقى للحرية أي مجال يمكن أن تحتله وتعبر فيه عن ذاتيتها المتفردة. فكيف يمكن انقاذ الحرية ضمن النظرية الهيجلية ذاتها؟ وبأي معنى يمكن التطرق الى التحرر من الطبيعة؟ وما علاقة التحرر الإنساني بالوعي بالضرورة؟

الحرية والوعي بالذات:

عندما يميل الفكر اتجاه مركزه الخاص، فإنه يميل في اتجاه اكتمال حريته، فالأشياء الطبيعية لا توجد من أجل ذاتها فهي ليست حرة بينما الفكر ينتج ذاته ويثبتها حسب معرفته بذاته. هكذا كل شيء مرده الى الوعي بالذات الذي يقوم به الفكر، وعندما يعرف الفكر أنه حر يكون أفضل من عدم معرفته بذلك فالعبد الراضي بعبوديته لا يعلم ان العبودية تتناقض مع طبيعته ولكي يصبح حرا يجب أن يعي الحرية بشكل ذاتي . "وحدها تجربة الحرية هي التي تحرر الفكر سواء كان ذلك في ذاته أو من أجل ذاته، فإنه يبقى دائما حرا". تنبثق فلسفة هيجل للحرية عن فشل الكنيسة الكانطية. كيف يمكننا، في الواقع، التغلب على الانقسامات (التناقضات) التي تغلق فيها فلسفة الحرية الكانطية؟ للإجابة على هذا السؤال، في الوقت نفسه، نعترف بالطبيعة الحقيقية للخطاب الذي هو وحده المناسب لهذا المستوى الثاني من مشكلة الحرية. بالنسبة إلى هيجل، يمكن أن يكون هذا الخطاب جدليًا فقط، بمعنى أنه سيتعين عليه استخدام هذا الفن للتغلب على التناقضات عن طريق الوساطة والتوليفات أكثر فأكثر والمرور باللحظات الجدلية نحو الاستيعاب والتجاوز في الوعي المطلق. لم يتعامل هيجل بشكل مباشر مع الحرية السياسية. لذلك سيتعين علينا أن ننظر إلى نصوصه بطريقة غير عادية، ونفحصها بعناية حتى تكشف حقيقة غير متوقعة. في عمل هيجل، هناك وفرة في مصطلح "الحرية". الحرية هي طريق وجود الروح، وهذا بالطبع هو ملك الحرية. فلسفة الروح هي فلسفة الحرية. ومع ذلك، فإننا نشعر بالقلق من هذه الحرية المنتشرة في كل مكان. لكن هل الحرية هي طبيعتي، إرادتي هي التي يتم احترامها؟

على العكس من ذلك، فإن حرية الروح هذه ستثبت أنها قيد بالنسبة لي، وستكون خاضعة للمبدأ العام الذي تخضع له الكائنات. حتى الخلاص روحي وضع جانبا. الحرية العقلية ليست موضع تساؤل، بل هي الحرية الناتجة عن الكرب المرتبط بالخطيئة والدنس. الألم هو دوار الحرية. هيجل لا يعرف شيئا عن الحرية الوجودية. إنه يتحدث ببراعة عن حرية الروح الخارقة التي يمكن للإنسان أن يشارك فيها. بالمشاركة فيه، يتغلب الإنسان على نفسه، ويصعد في سحابة المطلق. ان الإنسان روح لذلك فهو حر. لكنه لا يعرف. لأنه ليس روحًا نقيًا، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالطبيعة. يجب أن يدرك حريته، وذلك بطريقتين: نظريًا عن طريق الفكر، من خلال فهم الحاجة - وعمليًا عن طريق الدولة. يمكن أن يظهر الفهم النظري، بمعزل عن الآخرين، كموافقة على الحقائق الأولية، كتغيير للواقع. فكيف تناول ظاهرة الحرية السياسية؟

من الحرية التعسفية إلى الحرية في المجال السياسي:

يضع هيجل على الفور المستوى الثاني من المشكلة: "مجال القانون هو الروحي بشكل عام. على هذا المعنى، الأساس الصحيح، نقطة انطلاقه هي الإرادة الحرة ؛ بحيث تشكل الحرية جوهرها ومقصدها ونظام الحرية يتحقق، فإن عالم الروح ينتج كطبيعة ثانية من نفسه (كتاب مبادئ فلسفة الحق، الفقرة 4) " . يتحدث هذا النص عن الحرية المحققة وإمبراطوريتها، والتي يسميها نظام الحق ؛ تعني كلمة هيجل جميع المؤسسات - القانونية والأخلاقية والاقتصادية والسياسية - التي من خلالها تتوقف الحرية عن الشعور الداخلي، والشعور بالقدرة على القيام أو عدم القيام به، لتصبح حقيقة واقعة، عملاً، والذي يطلق عليه هيجل تسمية "الطبيعة الثانية".في التحليل السابق، بالتالي، لم يستنفد مشكلة الحرية ؛ الفعل المتعمد، الذي تم تحديد حرية التصرف فيه، قد يكون سخيفًا أو منطقيًا ؛ يمكن أن يلجأ في نفسه أو إنتاج أعمال ومؤسسات في الخارج. هكذا يشكل الحق والنظام الأخلاقي والدولة الواقع الايجابي الوحيد للحرية. لكن ما الذي يجب أن نضيفه إلى التحليل السابق لتغيير المستوى الاول والوصول إلى مستوى الحرية المعقولة؟

- السمة الأولى: من الضروري إدخال مواجهة الاطروحتين. إنها لحقيقة أن مفاهيم النية، والمشروع، والدافع، والارادي، والمسؤولية، لا تتعلق إلا بموضوع مجاني للجسد، ومن حوله، بوضعه العام. يوضح المثال القانوني لـ "العقد" الذي يبدأ به هيجل فلسفته في الحق، بشكل ممتاز أن الحرية التعسفية تصبح حرية عقلانية عندما تتصادم الاطروحتان على أشياء، على سبيل المثال لتلائمهما، وتتبادل مواقفهما، وتعترف ببعضها البعض متبادل وتوليد إرادة مشتركة. من خلال الانخراط بهذه الطريقة، واحدة فيما يتعلق بالآخر، ترتبط الإرادات وتصبح حرة، بمعنى جديد، لم يعد القدرة على فعل أي شيء، ولكن القدرة على أن تكون مستقلة عن رغبات الفرد وقبول قواعد التبادل.

- السمة الثانية: فشل التحليل السابق في النظر في قاعدة أو قاعدة أو قيمة، باختصار، مبدأ النظام يعطي طابعًا موضوعيًا للحرية حتى الآن تخوض وجهة نظره الذاتية.

- السمة الثالثة: أول عمل مضاعف، ثم عمل طبيعي، ما زال العمل الحر يجعله يبدو بعدًا للعقل الذي أطلق عليه التقليد الفلسفي العقل العملي ؛ نعني بذلك سببًا له تأثيرات في العالم، وهو عقل ينطبق على إنتاج حقيقة وفقًا للحرية. الآن، الحرية التي مرت بمشكلة العقد وإضفاء الطابع العالمي على القانون تصل إلى مشروع تحقيق أو إدراك حجمه أكبر بكثير من جسمه: مسرحه هو ثقافة العالم ؛ إنها في الأعمال، وليس فقط في الحركات، وحتى في الإيماءات والسلوكيات التي تريد هذه الحرية "الجديدة" أن تكون جزءًا منها ؛ إنها قصة البشر الذين يريدون التأثير عليهم، باختصار، إنها تريد "تغيير العالم".

هذه المفاهيم الثلاثة الجديدة ترسم بالفعل مجالًا جديدًا للحديث الثاني للحرية ؛ دعونا نضيف ميزة أخيرة: إنها في مجال هذه الإشكالية المتمثلة في العمل العقلاني الذي يمكن نشر فلسفة سياسية فيه. تختلف هذه الفلسفة عن العلوم السياسية، حيث إنها كمبدأ توجيهي لأعمال الحرية. من ناحية أخرى تعتمد نظرية الدولة على نظرية الحرية، إلى المدى الذي يتم فيه توضيح العلاقة بين الإرادة، علاقة التعسف في الحكم، علاقة النية في العمل. . بالإضافة إلى ذلك، هناك تقرير جديد يقدم نفسه أولاً كمسألة: "كيف يمكن الاعتراف بحرية الفرد ليس فقط في حرية فريدة من نوعها مثل حريته، ولكن في صنع القرار على مستوى المجتمع بأكمله؟ هذا السؤال هو أن روسو في العقد الاجتماعي. كيف تنتقل من الحرية الوحشية للمرء وحده إلى الحرية المدنية للمرء في المدينة؟ هذا السؤال، أطلق عليها روسو "متاهة السياسة". في الواقع، فإن سلطة الدولة، وبشكل عام، المجتمع تبدو متعال في البداية، أجنبية، وحتى معادية عندما تتجسد في شخصية الطاغية. من هذا المنطلق ان فلسفة الحرية، المفهومة بمعنى الفعل المنطقي، لا تنتهي إلا إذا أمكنها أن تدمج، في مجال العقل العملي، مجال أعمال الحرية، ولادة السلطة السياسية. هكذا تبدو المواقف الجدلية متضمنة في خطاب حول الفعل المنطقي: يمكن تلخيص هذه المواقف الجدلية باتباع تقدم الديالكتيك الهيغلي من خلال المستويات المحددة في موسوعة العلوم الفلسفية الخاصة بها. تكمن الحالة الجدلية الأولى في أن إرادة الإنسان هي انتقال بين رغبة الحيوان والعقلانية. لقد عرفه أرسطو على أنه "رغبة متعمدة" ؛ هذا التعبير بالذات يعني أن الواقع الطبيعي، المعبر عنه بكلمة "الرغبة"، قد تم إنكاره ومع ذلك تم الإبقاء عليه في واقع أعلى رتبة يشبه العقلانية. يتطلب القرار بالتالي تصورًا جدليًا للواقع، وفقًا لجذر الرغبة في تسخير طاقة القرار. من المعلوم أن هذا هو أول موقف جدلي يتخذه هيجل. بعد ذلك تتمثل في الموسوعة الهيغلية، من خلال الانتقال من فلسفة الطبيعة إلى فلسفة العقل. أما الموقف الديالكتيكي الثاني فيتصور الحرية الديكارتية للحكم على أنها تفاعل بين ملكتين، الذهن والإرادة الحرة ؛ ولكن يتم التعبير عن هذا التفاعل بلغة السببية المتبادلة: ذهن"يحرك" الإرادة والإرادة "تحرك" الذهن. هنا يمكننا أن نرى التعبير قبل الجدلي لعلاقة أكثر جوهرية التي تحكم الترويج المتبادل للعقل النظري والعقل العملي. لم يختف هذا الوضع الجدلي مع سيكولوجية الملكات، ولا مع علم الكونيات الذي دعمه: كما أن التمييز الكانطي بين العقل النظري والعقل العملي لا يعطي سوى تعبيرًا جديدًا لهذه المشكلة القديمة. يشكل هذا الموقف الجدلي الثاني جوهر فلسفة العقل الذاتي في الموسوعة الهيغلية. أما الحالة الجدلية الثالثة فإنها تتوافق مع تحول الإرادة الذاتية كما تم وصفها في الخطاب الأول حول الحرية، إلى الإرادة الموضوعية، والتي هي موضوع التصميم الأخلاقي السياسي في فلسفة أرسطو وفي فلسفة كانط . يضيع هذا البعد في سيكولوجية اتخاذ القرار البسيطة، حيث تؤخذ الحرية الفردية بعين الاعتبار فقط، في حين أن البعد السياسي يهاجر خارج مجال فلسفة الحرية ويشكل قلب فلسفة سياسية بموجبه عنوان نظرية القوة والسيادة. وهكذا تضيع الوحدة الجدلية بين الحرية الفردية والجماعية وبين الحرية النفسية والسياسية.

هذه الديالكتيك الثالثة هي مركز ما يسميه هيجل فلسفة العقل الموضوعي التي تحتوي على فلسفة الحرية الأصيلة على مستوى خطاب الفعل المنطقي. هنا يجب أن نصر على الحد الثالث لأعمال الحرية في إطار العقل الموضوعي. إن إدراك الحرية الفردية، عندما يتعلق الأمر بوضعه في إطار الأسرة والمجتمع المدني، أي في الحياة الاقتصادية وأخيراً في الدولة، يدرك المشروع الأرسطي فلسفة فردية من شأنها أن تكون في الوقت نفسه فلسفة سياسية: لقد تم تبرير روسو وكانط مرة أخرى. لا دولة ولا فلسفة سياسية بدون هذه المعادلة بين سيادة الدولة وقوة الحرية الفردية. الدولة التي ليست هدفًا ستظل إرادة أجنبية وعدائية. كانت هذه مشكلة روسو: هيجل يحلها بموارد أخرى غير العقد، الذي ينتمي فقط إلى طبقة مجردة من الإرادة الحرة. إن القول بأن الخطاب المعقول يصل إلى نهايته في نظرية سياسية، يعني أن للمرء واجبات ملموسة، وفضائل ملموسة فقط عندما يكون قادرًا على وضع نفسه داخل المجتمعات التاريخية، في ذات الوقت الذي يعترف معنى وجوده. يمكن للمرء أن يكون حاسما كما يريد فيما يتعلق باعتذار الدولة عند هيغل ؛ تبقى المشكلة التي يطرحها: هل هناك وساطة معقولة بين السلطة الفردية التي نسميها الاختيار الحر أو الإرادة الحرة، والقوة السياسية التي نسميها السيادة السياسية؟

إذا كانت الحياة السياسية هي هذه الوساطة، فإن الجدلية بين الحرية الفردية وقوة الدولة هي لب مشكلة الحرية ؛ هذه الوساطة هي التي تسيطر في النهاية على كل الخطاب حول العمل المعقول.

الهيجلية باعتبارها العتبة الثالثة لظهور الذاتية كحليف للحرية:

من خلال الدخول في مشهد فكرة الذاتية، ينصب اهتمامنا على التركيز على حقيقة أن المادة التي تشير إليها مفاهيم العمل والحركة والنشاط هي تاريخ عميق. يبدو أن هذا لا يمكن اختزاله إلى تغيير محض في النظرية، والذي سيرتبط بحد ذاته ببعض التغيير الإيديولوجي ؛ إنه، بطريقة معينة، تاريخ أنماط الوجود ذاته، مظاهر الوجود ؛ لا يؤثر فقط على الحلول، ولكن يؤثر على الموقف ؛ يظهر على سطح تاريخ الفلسفة في شكل طرق جديدة للاستجواب. إن ظهور الذاتية في مقدمة الفلسفة الغربية هو أحد تلك الزلازل التي تظهر في أعماق فكر "الوجود". وهكذا فإن التاريخ الميتافيزيقي لمفهوم الحرية هو، في جوهره، قصة تحالفه مع الذاتية. إنه ينطوي على سلسلة من العتبات التي لا تتطابق بالضرورة مع التقدم في وصف الظواهر، أو حتى مع التعبير المنطقي على المستويين الأخلاقي والسياسي.

لقد منحت ثلاثة عتبات لظهور الذاتية أهمية لتاريخ الحرية العميق.

- العتبة الأولى للظهور: تحول الحرية، الذي يصبح ذاتيًا، بالمعنى القوي للكلمة، يجب أن يُصوَّر على أنه غير محدود: يشدد هيجل باستمرار على هذا الارتباط بين التفكير واللانهاية. الآن، لا يعرف أرسطو هذا اللامتناهي، الذي لا تكون صلاحية اختياره فعالة إلا في مجال محدود من المداولات في خضم المواقف المحدودة ؛ المداولات تدور حول الوسائل وليس الغايات ؛ الفضيلة نفسها، كوسيط بين طرفين، تحدد قواعد العمل المحدود. لقد حدثت ثورة عكست العلاقة بين اللانهائي والمحدود.

- العتبة الثانية للظهور: الأثر في زمن هذا الانعكاس الذي، كما يقول هيجل، في فلسفة الحق يمثل نقطة تحول العالم من العالم اليوناني إلى العالم المسيحي. "حق الخصوصية في الرضا، أو، ما هو الشيء نفسه، الحق في الحرية الذاتية، يشكل النقطة الحاسمة والمركزية بين العصور القديمة والعصر الحديث. يتم التعبير عن هذا الحق، في ما لا نهاية، في المسيحية ويصبح المبدأ العالمي الحقيقي لشكل جديد من العالم. من الآن فصاعدا الميتافيزيقا من العمل المحدود ينجح الميتافيزيقيا من رغبة الله.

- العتبة الثالثة للظهور: اللحظة المناسبة التي اغتنمتها الفلسفة الهيغلية للتغلب، على التوالي، على معارضة الطبيعة والروح، وفي عالم الثقافة والدولة، الروح العقل الذاتي والموضوعي. لقد قيل أعلاه ما هو الجزء الذي يلعب به نشاط التوسط في العقل. ولكن على مستوى التاريخ العميق، الذي نحن عليه الآن، ما يجب أن نشكك فيه هو فكرة "الروح" التي تشكلت هذه الجدلية منها. إنه الفكر الجدلي، والحرية جدلية مثل الفكر. نظرًا لكونه الافتراض المسبق، والذي يمكن من خلاله التفكير في جميع وساطات العمل الحر، فرضت الفكر المجرد، بسبب افتقارها إلى الوسائل التي تمكنها من التشكيك فيه على المستوى الأخلاقي والسياسي، نفسها في النهاية.

خاتمة:

في نهاية المطاف يطور هيجل نظريته في الحرية بين صفحات كتابه حول علم المنطق وصفحات المسار الذي يقطعه التحرر في حقول العقل الذاتي والعقل الموضوعي الى حد بلوغ العقل المطلق.

نجد هيجل يرى في العقل المطلق كمصالحة للذات والموضوع ويعتبر تاريخ الفلسفة برمته بأثر رجعي من وجهة نظر الفكر الهيجلي، صراعًا بين وجهة النظر الجوهرية، كما أوضحه أرسطو وسبينوزا، ووجهة نظر الموضوع الحر، كما يتضح من ديكارت وكانت. يريد العقل المطلق أن يكون التوفيق بين المادة والموضوع، وإخضاع المادة فيه، والجوهر هو الذات. كل التوفيقات الجزئية بين الرغبة والعقلانية، بين التمثيل والإرادة، بين الإرادة الموضوعية والإرادة الذاتية، بين الحرية الفردية والدولة تقف في حدود هذه المصالحة الكبرى بين الجوهرية والذاتية. لقد قام هيجل باستجواب الروح. ان العتبة الثالثة من الظهور التي تم تخطيها، تظل المشكلة كاملة لمعرفة ما إذا كانت فلسفة هيجل، على الرغم من ذرائعها المغلّفة، لا تنتمي إلى زمن ما، لا تشترك في حدّة طريقة الوجود، أن الذاتية. في هذا ستكمل الفلسفة الغربية. إنها ستكملها بمعنى أنها تحتفظ، من وجهة نظر العقل المطلق، ليس فقط بالتناقضات الكانطية، بل بجميع التناقضات للفلسفة الغربية ككل. على مستوى التاريخ العميق، يبدو أن فلسفة هيجل تتبنى وجهة نظر محدودة. إن ظهور نمط جديد من الوجود، مع كيركيغارد وماركس ونيتشه، سيجعل هيجلين جيست تبدو محدودة ومغلقة. طالما بقي أحد فيه، يبدو أن كل ما يلخصه موجود بالفعل. لكن العديد من الفلاسفة توقفوا عن الوقوف فيه. بعد ذلك، في الواقع، يبدو أنه تخفيض آخر لأساس "الوجود"، ويعني ذلك بمصطلح "المثالية". فكيف نقل ماركس ميدان التحرر الإنساني من المثالية العقلانية الى ميدان التاريخ المادي للشعوب؟ وبأي معنى تحول رهان التحرر من الفكر المطلق الى البراكسيس الإنساني؟

 

د زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.......................

المصادر:

Eric Gaziou, la liberté chez Hegel, in Revue Théologique de louvain, année 2004, n◦3-35 , pp316-342.

- هيجل، العقل في التاريخ، المجلد الأول من محاضرات في فلسفة التاريخ،، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، مكتبة مدبولي، طبعة أولى، القاهرة،1970. 196 صفحة.

- هيجل، أصول فلسفة الحق، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، مكتبة مدبولي، طبعة أولى، القاهرة، 1997.

 

 

حاتم حميد محسنعُرف عن سورين كيركيجارد (1813-1855) قوله مع اننا نستطيع ان نفهم الحياة فقط بالنظر الى الخلف، لكننا نستطيع ان نعيشها فقط نحو الامام. اذا كان الامر كذلك، سيكون من المستحيل فهم حياة المرء طالما لن تكون هناك ابداً أي نقطة للراحة، حيث نندفع دائما نحو المستقبل حتى نصل نقطة الموت، وحينها سنكون وصلنا متأخرين . ما الفكرة من فهم حياة انسان آخر؟ معظم كتّاب السير يعملون من موقع الموضوعية، يتبنّون رؤية شخص ما من الخارج بالنظر اليه ورؤية الحياة ككل مكتمل. في سيرتها لكير كيجارد تتبنّى كلير كارلسل Clare Carlisle (1) بدلا من ذلك اتجاها ذاتيا، تسأل ما شعورك ان تكون ككيركيجارد؟ انها محاولة لتكون في الداخل قبل النظر الى الخارج. انها تأخذنا عبر الأحداث الرئيسية في حياة كيركيجارد وبالقدر الذي ينظر هو به في عينيه. هذا قد يكون مثيرا للالتباس لمن ليس لديهم معرفة سابقة بكيركيجارد، لأنهم ربما يرون سيراً اخرى مباشرة مثل سيرة كيركيجارد لستيفن باكهاوس (2016) قد تكون مدخلا اكثر سهولة. لكن طريقة كارلسل تجلب معها ميزة الاحساس بالحياة كما تُعاش من حيث الحيوية والمباشرة. كان يُنظر الى كيركيجارد كشخصية منعزلة بعيدة عن زمانها، نالت التقدير فقط بعد وفاته بوقت طويل. هنا نحن نراه في كوبنهاكن في زمانه في سياق من السكك الحديدية، حدائق تيفولي وفي الوسط الثقافي الدانماركي وحيث فلسفة هيجل التي كانت ذائعة الصيت. وفي الحقيقة، وجد كيجارد قرّاءً متحمسين في زمانه كان العديد منهم، كما تقول كارلايسل، من النساء اللواتي وجدن كيجارد يتعامل معهن بشكل متميز من القلب والى القلب. كارلايسل ذاتها تكرس هذا الكتاب لاستاذها جورج باتسون الذي عمل الكثير ليضع كيركيجارد في سياقه التاريخي خصيصا الدانماركي، وليذكّرنا في كل شهاداته الوجودية، انه بالاساس مفكر مسيحي .

نظرة تاريخية

تعرض كارلايسل كيجارد في ثلاث محطات هامة في حياته. تبدأ من عام 1843، عندما دخل لتوه في الثلاثينات من العمر، ينظر من شباك القطار في طريق عودته الى كوبنهاكن من زيارته الثانية الى برلين متأملاً مدى اهمية انقطاع علاقته مع محبوبته ريجين اولسن.

القسم الثاني يبدأ بعد خمس سنوات كمؤلف مكتمل النضج يقف عند شباك في بيت العائلة القديم الذي بيع مؤخرا، ينظر الى الاسفل نحو الساحة متذكرا ابيه وطفولته وشبابه الذي أمضاه في ذلك البيت.

في القسم الثالث نحن في عام 1849 حيث يتأمل كيجارد مرة اخرى الهدف من كتاباته. امامه سنوات العذاب الكبير عندما تعرّض للنقد العنيف من الصحافة البذيئة في كوبنهاكن، وهجومه على المسيحية المعاصرة. توفي عام 1855 بعد مرضه وبقائه شهرا في المستشفى. ان حياة كيجارد المختصرة نسبيا تميزت بالمقدرة على التفكير اكثر من كونها مجموعة متنوعة من الأحداث. ابوه كرجل أعمال ناجح كان قرويا. يرعى الاغنام حين كان شابا، في سنواته الاخيرة هو كان قارئ عظيم للثيولوجي وكمجادل قوي سواء مع قسه او مع ابنائه الاذكياء الذين اصبح احدهم اسقفا. كيجارد ذاته سجل نفسه كطالب ثيولوجي في جامعة كوبنهاكن لكن دراسته المتأنية استغرقت عشر سنوات ليحصل على درجة التخرج. كان كيجارد الشاب جميل المظهر . كارليسل تعكسه في مظهر غير مألوف من الحماس الرومانسي للطبيعة، يزور الريف في شمال زيلاند، متخيلاً غاباته وبحيراته المنعزلة في روح من الشعر الوجودي الرومانسي المعاصر. هذه المرحلة لم تستمر. عندما مات ابوه ورث ثروة لابأس بها، حيث اصبح نوعا من انسان المدينة، وانشغل مع ريجين المسلية له. هذا الانشغال انقطع فجأة . حياته بعد ذلك اصبحت مقتصرة على التفكير والكتابة.

عاش كيركيجارد في عدة أشكال متعاقبة من السكن في كوبنهاكن، بدأت فخمة ولكن عندما نفدت نقوده، راح يسكن في سكن أقل فخامة . وعندما مات في عام 1855 كانت جميع نقوده صُرفت وكان بيته لم يتعد حجمه غرفة اي طالب. رؤيته لكوبنهاكن ذاتها كانت متغيرة . في مرحلة ما ربما أحب العاصمة ومكان الاقامة، في اوقات اخرى نظر للعاصمة كمكان ضيق وأرض للهراء.

رومانسيا، كان كيركيجارد باردا غير عاطفي. لا توجد هناك امرأة في حياته عدى ريجين. لكن علاقته بها شكلت موضوعا في الكثير من كتاباته بشكل مباشر او غير مباشر. هو يشعر بالحاجة لتبرير نفسه: "انا انهيت العلاقة لأجلها" كما ذكر. وفي مكان آخر هو يصرح لو انه امتلك الايمان لكان تزوجها، ولكن لو قام بهذا "فسوف لن يصبح ابدا ذاته" – ما كان يمكنه التأليف. في الوقت الذي تدهورت فيه العلاقة هو يخبر نفسه "انا اشعر بقوة اكبر من أي وقت مضى بالحاجة لحريتي"، كيركيجارد يحتاج الحرية في العلاقة مع الله. هو يرى في المسيحية الحب الملائم، هناك دائما ثلاثة اطراف. الطرف الوسيط هو الله. في (أعمال الحب، 1847)، هو يخبرنا ان حب بنت شابة سيكون عائقا للعلاقة مع الله. وبشكل أعم، الصداقة والحب الاغرائي "فقط يعززان ويزيدان حب الذات". مع ذلك هو يستمر ليعترف بان "الحب المغري هو بدون شك الاكثر سعادة في الحياة وان الصداقة هي أعظم خير دنيوي".

صديق لكيركيجارد، يُطمئن ريجين بعد انتهاء علاقتهما، بيّن لها ان روح كيجارد كانت "منهمكة باستمرار مع ذاتها". يومياته الضخمة تشهد على هاجسه الذاتي، واحيانا على غروره الذاتي الهائل. في أعماله المنشورة هو يمارس ما يسميه "الاتصالات غير المباشرة"، يعني انه يتحدث من خلال اسماء مستعارة متنوعة قد لا تمثل بالضرورة رؤيته الخاصة. كارلسل تلاحظ ان استعماله للاسم المستعار فشل حتى في زمانه في إخفاء هويته، لكنه فعلا ساعد في اخفاء رغبته بالاعتراف.

هناك حتما شيء ما من العمل المسرحي .عندما تعرّض للنقد في صفحات من (القرصان) – كانت صور الكارتون تصفه بسخرية كشخص يرتدي بنطالا فيه احدى ساقيه أطول من الاخرى – هو فكّر فيها بعبارات من المعاناة الدينية. هو يصرح في مذكراته "ان مثل هذا العذاب يعني انه يجب ان يكون اختير ليكون ضحية". المذكرات هي سجل خاص كُتبت للأجيال القادمة، وهي يمكن ان تكون محيرة وغير واضحة. فمثلا، هو يشير عدة مرات الى "شوكة في الجسد"تمنعه من التمتع بعلاقات طبيعية، لكنه لم يحدد بالضبط ما هي. اذا كان القرّاء لا يجدونه شخصا محبوبا، فلاشك انه جعل نفسه شخصا مثيرا للاهتمام .

موقفه من الكنيسة

تاثير كيركيجارد كان واضحا. رغم ان آخرين قبله مثل بلاز باسكال رأوا ان حياة معظم الناس كانت "غير منسجمة ومزعجة وقلقة"، لكن لا احد آخر وضع الفرد في الصدارة بنفس الطريقة، او سأل بهذه الكثافة والاستمرارية عن الكيفية التي يعيش بها الكائن الانساني في هذا العالم . في حالة كيركيجارد كان هذا ليس لغرض جعل الحياة أسهل، وانما (كما يقول) لجعلها اكثر صعوبة. اتباع كيركيجارد الوجوديون مثل هايدجر وسارتر اكّدوا بان مواجهة وعمل الخيارات كان ضروريا اذا اريد العيش بأصالة، ولكن بالنسبة لهم الأصالة اصبحت علاقة مع الذات، الاله لم يعد شيئا مهما، كيركيجارد رأى نفسه كمفكر مسيحي، مهمته في إعادة تعريف المسيحية للمسيحيين الذين اختزلوها الى مسألة تملّق ومداهنة وإمتثال اجتماعي. كنيسة الدولة الدانماركية رآها تمارس لعبة، هي فقط تلعب بـ المسيحية" تماما كالطفل الذي يلعب ممارسا دور الجندي" – أي، عبر إزالة الخطر.

الفلاسفة السابقون "عقلنوا" الدين. لوك عرض المسيحية مجردة الى أدنى حد من الايمان المطلوب، كانط اختزلها الى ما اعتبره اساس في الاخلاق، هيجل رأى الافكار الدينية مجرد مراحل نحو الحقيقة التي يجب ان تُستكمل بالفلسفة. اما كيركيجارد، فانه يرى ان الدين المسيحي كان ذاته هو الحقيقة، لكنها حقيقة تحتاج الى اهتمام الفرد بها من "باطنه". هذا جوهر صيغته بان "الحقيقة هي ذاتية". الدين ليس فقط مجرد عقيدة، وانما يُعاش بعاطفة. الايمان هو مسألة "تبنّي المخاطرة" وكلما كانت المخاطرة اكبر كلما كان الايمان اكبر حسب كيركيجارد. لكنه، مقابل المحاولات لجعل المسيحية معقوله هو جعلها أقل معقولية بالتأكيد على الطبيعة المتناقضة للانسان – الله، يسوع المسيح. في عصر الانتحاريين المتدينين، بعض صياغات كيركيجارد تبدو عرضة للمسائلة. كارليسل تقول انه يمكن ان يكون "نموذجا خطيرا".

في واحدة من بين أشهر أعماله، الخوف والارتجاف (1843)، هو يناقش مطولا القصة الانجيلية لابراهيم واسحق. البعض يرون ان اوامر الله لابراهيم بذبح ابنه اسحق كان اختبارا لطاعة ابراهيم، لكن الامر بارتكاب القتل هو مخالفة صريحة للاخلاق الانسانية. ولكن لو كان بالإمكان للأوامر الآلهية ان تأخذ الأسبقية على اخلاق الانسان، عندئذ فان الايمان يكون أعلى من الاخلاق. ان تضحية ابراهيم بأغلى ما لديه هو ما يسميه كير كيجارد "بطولة الايمان"، حتى وان كان بلغة علمانية يجب ان يُلام كمجرم. هل يمكن ان نسمي كيركيجارد متطرفا بالمصطلح الحاضر؟ في آخر كتاباته مهاجما المسيحية، هو يصف المجتمع الفاسد والمنحط والمعارض لقوانين الله، كما الاسلاميين اليوم يرون الغرب والدول الاسلامية. بالطبع، كيجارد كان يكتب بسياق يختلف عن سياقنا نحن. هناك ايضا احساس في اخذه الاشياء الى حافة التطرف عندما ينصحنا ان لا نمتلك اطفالا وان لا ننتج "الكثير من الارواح الضائعة" طالما حسب رأيه ان هناك الكثير منها موجود سلفا. ليس من الصعب العثور على مقاطع في كتاباته تجعل المرء يشك انه بدرجة ما غير متوازن. وهذا ما يجعل منه مرشدا غير موثوق به للحياة. من الصحيح القول انه امتلك لحظات صامتة عندما لم يعد كرجل اطفاء يقرع الجرس، كما يصف نفسه، عندما يعطي صوتا للافكار المضادة. في آخر نص، للاختبار الذاتي (1851)، هو مستعد للاعتراف ليس كل الطرق الصعبة تقود الى السماء وان المعاناة الشديدة يمكن ان تكون ايضا مسألة حب أعمى ووهم ذاتي.

 

حاتم حميد محسن

...................

الهوامش

(1) كتاب فيلسوف القلب: الحياة القلقة لكيركيجارد، للكاتبة كلير كارلسل صدر في 4 ابريل 2019 عن دار Allen Lane في 288 صفحة.

 

 

خديجة ناصريمع مطلع القرن العشرين انبثقت قاعدة ابستيمولوجية جديدة هيمن على إثرها الإنسان كموضوع معرفي جديد على حساب الخطاب الذي كان يمثل موضوع علوم العصر الكلاسيكي، فالإنسان الذي كان العلم السابق يجهله ككيان ناشط ومنتج وذات واعية مستقلة في وجودها، أصبح يتصدر مواضيع المعرفة الجديدة. وهذا ما أكد عليه "ميشال فوكو" في قوله، "الإنسان اختراع حديث العهد، صورة لا يتجاوز عمرها مئتي سنة". وكل محاولة لفتح ملف الإنسان يجر بنا للتركيز على سؤال شكل إحدى المداخل الإشكالية الأساسية في الفكر الفلسفي الغربي المعاصر يتلخص في التساؤل عما إذا كان الإنسان في جوهره شرير وفاسد، أم أنّه خير وصالح؟ والمتأمل في السياق الفلسفي العام الذي تبلور على اثره عديد الآراء يمثل امامه زخم من الافكار التي هوجم من خلالها الإنسان بالتشكيك في جل القيم التي بثها فينا فلاسفة الانوار، فبعد أن صور لنا الفكر الحداثي التنويري الإنسان على أنّه ذات واعية وفاعلة وإرادة حرة وعاقلة، له القدرة على الإبداع والخلق، وما صاحب ذلك من شعارات التسامح والإخاء ونشر السلام والاتحاد بين أبناء المعمورة ظهر ما عرف بالنزعة الإنسانية المعادية التي حاولت إبراز الخيوط والوشائج الخفية التي تغلف هذه الصورة اللامعة للإنسان بوصفه سيد الطبيعة وأشرف المخلوقات رفعة وسموا، فمع الإفلاس الأخلاقي الذي آل إليه إنسان هذا العصر ظهرت دعوات تنتقد وتنتقص من قيمة كل ما يتأسس على الذات الإنسانية، وأخذت معالم صورة الانسان تتلاشى وهويته تتشظى وسط ما يشهده العالم من دمار وخراب، مما أدى إلى إذابة مفهوم الإنسان بعد أن اخترقته سهام النقد، ونجد في هذا السياق الفيلسوف "إريك فروم" الذي خص الإنسان بالدراسة والتحليل يقول: "نحن نرى انعدام إنسانية الإنسان اتجاه إخوته في كل مكان: في الحرب والوحشية، في القتل والاغتصاب، في الاستغلال الوحشي للضعيف من قبل القوي، وفي حقيقة أنّ أنّات المعذبين وآهاتهم لم تعد تلقى إلاّ أذانا صماء و قلوب قاسية". فما هو ماثل على الساحة العالمية من جرائم و كوارث يفقد الإنسان صفة الإنسانية من حيث كونه يزرع مشاعر الظلم والقسوة والتجبر ويركض خلف شهواته وغرائزه فروحه تشيطنت ونفسه اعتلها الكبر والغرور انغماسه في مظاهر الحياة المترفة جعله عبدا لرغباته فاستحال عضوية فاقدة للقيم سلطانها المادة قانونها العنف شعارها اللذة والمنفعة وهذا ما اوضحه "إريك فروم" بالقول: "إذا مات الإنسان نفسيا على الرغم من أنّه يحيا جسديا، فإنّه يقاد إلى السقوط ويصبح خطيرا على نفسه وعلى الآخرين"، ومن هنا ظهرت مقولة موت الإنسان التي تحيل إلى معاني كثيرة غير المعنى الظاهر، وقد وجدت منبعها الأول عند "نيتشه" الذي أعلن أنّ موت الإله لا يعني بزوغ عصر الإنسان بل أفوله، كما ظهرت مع "هيدغر" ومن بعده "لفي ستروس" ثم تلقف هذه الدعوى "مشال فوكو" الذي اقتفى أثر نيتشه وهيدغر في سبيل التقويض الجذري لأسس النزعة الإنسانية، فالإنسان عند "فوكو" ليس أكثر من حدث معرفي مؤقت، عملت على ظهوره مجموعة من الشروط والأولويات التي صنعت ثقافة القرن التاسع عشر. ومحكوم عليه بالاندثار عندما تبدأ أسس تلك الثقافة في التصدع، وهو ليس أكثر من ومضة عابرة على سطح المعرفة.

 ولم يكن المفكر العربي في منأى عن هذا السجال الدائر على الساحة الفلسفية بخصوص وضعية الإنسان في الفكر المعاصر فنجد "زكريا إبراهيم" في كتابه "مشكلة الإنسان"، يرى أنّ الإقدام على تقديم تعريف للإنسان ليس بالشيء المتيسر والمتاح ذلك لأنّ الإنسان موجود زئبقي نعت بالعديد من الأوصاف التي جعلت منه أحيانا سيداً للطبيعة وأشرف مخلوقات الله، وأحيانا أخرى فهو أرذل الخلق وأكثرهم قبحاً وحقداً وأقدرهم على ارتكاب الشرور والمفاسد وكل ما يطالعنا به الواقع من جرائم وحشية لخير دليل على مرض الذات الإنسانية بداء الكراهية والحقد والضغينة.

 وقد كان "علي حرب" منضوي تحت هذا التيار الذي شن هجوما عنيفا على الإنسان وهو ينظر إليه على أنّه كائن تسكنه الرغبة في السيطرة والتجبر بحيث لم يعد له المقدرة لحل المشكلات بقدر ما أصبح مفتعل للخلافات والأزمات والنزاعات، ويرى "أنّ تنقيب الإنسان عن نفسه قد أدى إلى أن يجد فيه كل ما ليس بإنساني، أو ما ظن أنّه كذلك، أي أن يجد المرضي واللاسوي والطبيعي والحيواني والطفلي والبدائي، وإذن كل الأوجه التي كان يستبعدها من ذاته". فالإنسان الذي نصب نفسه سيدا للطبيعة لا يعدو سوى رتبة بين الموجودات، وفرع من شجرة الحياة الكبرى، يسقط ويتحرك كجسم، وينمو ويتحلل كنبتة، ويتصرف ويتناسل كحيوان. ف"علي حرب" يرى أنّ الإنسان أضحى يتساوى مرتبة مع البهائم إن لم يكن أقل مستوى من ذلك لأنّ ذوات البشر اعتلت بالضغينة والكراهية، يقول في ذلك: «نحن لسنا أخيارا وبررة بالقدر الذي نظن، فالميول الهدامة تعشش في صدورنا، ورؤوسنا مفخخة بالنوايا الشريرة، والعدوان في طباعنا، والظلم شيمنا، والفحشاء ما تحث به نفوسنا". وبهذا تشوهت صورة الإنسان وتم الاستخفاف به والعمل على إقصائه وخلع الأقنعة التي كان يتستر خلفها فهو لم يعد ذلك الكائن الواعي المسؤول، والمالك لزمام أمره والفاعل في تاريخه والخالق لمصيره، فعلى الرغم مما أنجز من تقدم علمي هائل وما تحقق من معجزات تقنية فانّ البشرية لا تحصد سوى عنفا متزايد كماً ونوعاً، مما يعني تبخر الآمال والوعود ببناء عالم مستقر تسوده قيم السلام والتضامن والعدالة، أو على الأقل بالعيش في معمورة تكون أقل اضطرابا وعنفا وتمزقا.

 

  ناصري خديجة – الجزائر

............................

المصادر والمراجع

1- ميشال فوكو، الكلمات و الأشياء، ترجمة مطاع صفدي و آخرون، مركز الإنماء القومي، لبنان 1990م، ص319.

2- إريك فروم، جوهر الإنسان، ترجمة سلام خير بيك، دار الحوار للنشر و التوزيع، الطبعة الأولى، سوريا 2011م، ص14

3- إريك فروم، الإنسان المستلب و آفاق تحرره، ترجمة حميد لشهب، الرباط شركة نداكوم للطباعة و النشر، الرباط 2003م، ص47.

4- زكريا إبراهيم، مشكلة الإنسان، دار مصر للطباعة

5 –علي حرب، التأويل و الحقيقة: قراءات تأويلية في الثقافة العربية، دار التنوير للطباعة و النشر و التوزيع، الطبعة الثانية، بيروت 2007م،ص 63.

 

زهير الخويلديتمهيد:

"إن ظهور الألم يذكرنا بجسديتنا بسرعة كبيرة"

في نص موجز وأساسي تم تسليمه ونشره في عام 1992 شكك بول ريكور في تجربة المعاناة في قلب الوجود البشري وكشف آفاقها فيما يتعلق بالذات والآخر وانتقل بالتحليل من الألم الجسدي إلى المعاناة الأخلاقية وقام بالتفريق بين العذاب الجسماني والألم النفسي. لقد عزم على إعادة قراءة هذا النص الرئيسي لفهمه وللتأمل في الأنثروبولوجيا الفلسفية وأخلاقيات الرعاية التي يتضمنها. كما قدم هذا العمل فكرة جديدة بعنوان "المعاناة ليست الألم" والذي كان في الأصل ورقة ضمن تجارب التحليل النفسي وأثراها بالقراءة الفلسفية والاجتماعية والطبية التي تكشف قوة المبادئ التوجيهية التي تجعل من الممكن التشكيك مرة أخرى في العلاقة مع الانسان الذي يعاني سواء في سياق علاقة طبية أو في منظور الأنثروبولوجيا الفلسفية وتطرح مسألة "فهم المعاناة" الممكن وكيف يمكننا إعادة التفكير فيه في إطار التفكير في الأخلاقيات الطبية وبشكل أعم حول تحديات الرعاية اليوم، لذا يعد هذا النص الذي يقدم لنا عمقه وأهميته نقاط تحليل قيمة أكثر ضرورة من أي وقت مضى.

ترجمة:

"اسمحوا لي بادئ ذي بدء أن أشكر رئيسكم جان جاك كريس على دعوته لإطلاع صباح هذا اليوم على المناقشة. تختلف مساهمتي عنه في أنه لا يعتمد على الخبرة السريرية، وبالتالي على تصنيف الاضطرابات النفسية، ولكنه يستخدم فقط أكثر التجارب الإنسانية شيوعًا وكونية. . بالإضافة إلى ذلك، ليس المقصود من مساهمتي توجيه الفعل العلاجي، ولكن فقط لإلقاء الضوء على فهمنا للإنسان، باعتباره القدرة على تحمل المعاناة الدائمة. . إن افتراضي المسبق هو أن العيادة والفنومينولوجيا تتقاطع في علم السيميولوجيا في فهم علامات المعاناة. الأول يوجه الثاني من خلال كفاءته، والثاني يوجه الأول من خلال فهم المعاناة التي يبدو أنها تكمن وراء العلاقة العلاجية نفسها. سنناقش بلا شك هذه التعليمات المتبادلة والمتداخلة لاحقًا. أذهب مباشرة إلى صعوبات الموضوع. سوف أتخطى الأول بسرعة كبيرة. يتعلق بالحد بين الألم والمعاناة. الانسان في العيادة لديه محامله، أي الصلة بين الاضطرابات النفسية والظواهر النفسية، التي تعتبر "مكان" هذه الاضطرابات؛ ولكن ماذا يعني "المكان" الطبوغرافيا المثال وما إلى ذلك وماذا تعني النفس من الداخل؟

 من أجل العلامات، ومن ثم  السيميولوجيا فإن الطب النفسي والفنومينولوجيا يتحدان معاً لتبرير استخدامهما المنفصل لمصطلحي الألم والمعاناة ؛ لذلك سوف نتفق على الاحتفاظ بمصطلح الألم للتأثيرات المحسوسة على أنها موضعية في أعضاء معينة من الجسم أو في الجسم كله ومصطلح المعاناة للتأثيرات المنفتحة على التفكرية اللغة العلاقة بالذات، العلاقة بالآخرين العلاقة بالمعنى للتساؤل - عن كل الأشياء التي سنأخذها بعين الاعتبار في لحظة معينة..."

تعقيب:

 "عندما نعاني لم يعد بإمكاننا أن نرقى إلى مستوى أنفسنا ومثلنا الأعلى"

لقد حاول العديد من الفلاسفة فهم الألم أو التعرض له أو قبوله أو فصل نفسك عنه لأن المعاناة هي الوجود فأنا أعاني جزءًا من الحياة وبول ريكور يفترض التمييز بين الألم والمعاناة مما يجعل من الممكن ربط الألم بالجسد والمعاناة التفكرية أو اللغة أو العلاقة مع الذات وبذلك تصبح المعاناة هي ما يعرفه المرء عن نفسه ويعرف الآخر عنه. لقد تم تعريف الألم من علم النفس بوصفه تجربة حسية وعاطفية غير سارة، مرتبطة بتلف فعلي أو محتمل في الأنسجة، أو تم وصفه من حيث هذا الضرر وهكذا إذا كان الألم هو بالفعل إحساس حقيقي إنه أيضًا عاطفة مثل جميع العواطف يظل بارزا ومرتبط بظروف حدوثه.

أما معنى الألم فهو ليس مجرد مسألة تتعلق بالجهاز العصبي. كان ديكارت بحثًا عن أفكار واضحة ومميزة قد فهم هذا بالفعل عندما كتب أنه إذا كان الشخص الذي يعاني يمكن أن يكون لديه فكرة واضحة عن ألمه فإن هذه الفكرة ليست لجميع تلك المتميزة "عندما يشعر بألم لاذع والمعرفة التي لديه عن هذا الألم واضحة له وبالتالي لا تختلف دائمًا لأنه عادة ما يخلطها مع f في الأحكام التي يصدرها حول طبيعة ما "يعتقد أنه في الجزء المصاب أنه يعتقد أنه مشابه للفكرة أو الشعور بالألم الذي هو في فكره على الرغم من أنه لا يدرك شيئًا سوى الشعور أو الفكر المشوش الذي ينطوي عليه".  أقرب إلى المنزل في القرن العشرين كان بوسع جورج كانغيلهيم أن يؤكد بشكل مشروع أن الألم له معنى فقط على مستوى الفردانية البشرية الملموسة لأن "الإنسان يتسبب في آلامه أثناء مرضه أو كما يفعل. حدادا بدلا من استقبالها أو تحملها. إنني تجربة إنسانية عالمية وعالمية والألم هو أيضًا الأكثر تفردًا والأكثر حميمية من بين جميع تجاربنا. إذا كان الألم في حالة نوبة مرضية مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بتجربة المريض فإن هذه التجربة تعتمد أيضًا جزئيًا أيضًا على فكرة أن الشخص الذي يعاني منها. الرعاية التمثيل الذي ينقله المجتمع والمفهوم الذي يقدمه العلم (علم الأعصاب اليوم). في مواجهة الألم هناك العديد من المواقف (من الناحية النظرية) التي يمكن أن تخضع لها وتدعمها وتتباهى بها وتثور وتستمتع بها وتسليمها وتنفصل عنها وتقبلها وتساميها. وهكذا اعتقد الرواقيون وأولهم العبد الذي أحضر إلى روما في القرن الأول الميلادي أن الألم يمكن تدجينه عندما يتعلق الأمر بالجسم والأمر متروك لك لا يهمه ليس الروح بعد أن أمضى طفولته في خدمة سيد قاسي كان سيكسر ساقيه عمداً أبيكتيت كان من الممكن أن يحذر سيده بقوله "الساق سوف تنكسر" دون شكوى أخرى وبمجرد حدوث المصيبة لكان قد انتهى بـ <لقد حذرتك> بالتأكيد وجهة نظر الرواقيين لا تخلو من الفائدة. الذين اعتقدوا أن معاناتنا تأتي ببساطة من خلاف بين رغباتنا وقوانين العالم لكن نصائحهم تبدو لرجل اليوم بعيدة المنال أنا الذي سيكون قادرًا حقًا في مجتمعنا على مطابقة إرادته بهذه الطريقة للحد من رغباته والعيش "وفقًا الطبيعة "؟ ومع ذلك تحت حكم الفلاسفة العظماء تثير العديد من الشهادات المذهلة هذه الإمكانية للتحكم حتى في السيطرة على البسطاء بأي ألم. على سبيل المثال عانى مونتين لسنوات عديدة من نوبات رهيبة للمغص الكلوي الذي كان يسمى في وقته "الحصى" أو "مرض الحجر". يخفي ألمه في العديد من صفحات مقالاته: "أنا أتصارع مع أسوأ الأمراض والأرانب الأكثر مفاجأة والأكثر إيلاما. أرانب مميتة وغير قابلة للعلاج. لقد اختبرت بالفعل خمسة أو ستة نوبات طويلة ومؤلمة للغاية: ومع ذلك فإما أن أتملق نفسي أو أن هاي ما زال لديه الوسائل في هذه الحالة للتمسك بثبات لأولئك الذين لديهم الروح المحررة من الخوف من الموت و تحرر من التهديدات والجمل والعواقب التي يملأ الطب رؤوسنا. لكن واقع الألم نفسه ليس مؤلمًا ولاذعًا لدرجة أن الرجل المتوازن يجب أن يغرق بسببه. في الغضب واليأس ". أنا أقرب إلينا. فريدريك نيتشه الذي كان يعاني من صداع متكرر ومؤلم بشكل خاص كان على علاقة خاصة للألم. يكتب في المعرفة المرحة: "الألم وحده ألم كبير هذا الألم الطويل والبطيء الذي يستغرق وقته ويجعلنا نطبخ مثل الخشب الأخضر يجبرنا الفلاسفة على النزول إلى آخر جزء من أعماقنا أن يرفض كل هذه الثقة، البونومي، الحجاب، الحلويات ومصطلحات متوسطة ربما وضعنا إنسانيتنا فيها حتى ذلك الحين. أشك كثيرًا في أن هذا الألم سيجعلنا "أفضل" لكنني أعلم أنه يجعلنا أعمق ".

هناك شكل من الألوان المسيحية، كان باسكال مثالاً لها والذي وجدناه في قلم الفيلسوف سيمون ويل في القرن العشرين في الجاذبية والنعمة، في عام 1943 في وقت سابق للموت حرفيا من الجوع في المنفى في إنجلترا كتب: "إن العظمة القصوى للمسيحية تأتي من حقيقة أنها لا تسعى إلى علاج خارق للمعاناة بل استخدام خارق للمعاناة". وأضافت في كتاب آخر بعنوان "توقع الله": "يجب ألا أحب معاناتي لأنها مفيدة ولكن لأنها".

السؤال بالنسبة لهؤلاء الفلاسفة هو أقل من الألم من المعنى الذي كانوا قادرين على إعطائه. كاختبار يمكنه أحيانًا أن يعلمنا شيئًا عن أنفسنا. من خلال ترك علامة في تاريخ الشخص الذي عانى فإنه يعدلها بشكل دائم لأنه كما أشار جورج كانغيلهيم "لم يعد أي غونسون إلى البراءة البيولوجية. من وجهة نظر تقليدية يقع في قلب العديد من طقوس المرور. يوجد لذلك استخدام اجتماعي وثقافي للتجربة المؤلمة. هذه هي الرسالة التي دافع عنها ديفيد لو بريتون في كتابه بعنوان أنثروبولوجيا الخبز. ومع ذلك في سياق المرض الجسدي أو العقلي غالبًا ما يبدو الألم بلا معنى ؛ يعزل المرضى ويضيف فقط التعاسة إلى التعاسة. بينما يغزو الجسم يصبح الألم معاناة عالمية. من الضروري والتمييز غير الكافي  في هذا الصدد نحن ندرك جيدًا أن الفطرة السليمة تحدث فرقًا بين الألم والمعاناة. سعى بول ريكور في مداخلة في الندوة التي نظمتها جمعية الطب النفسي الفرنسية في بريست في عام 19921 إلى توضيح هذا التمييز بقوله: "لذلك سنوافق على الاحتفاظ بمصطلح الألم للتأثيرات المحسوسة على أنها موضعية في أعضاء معينة من الجسم. أو في الجسم كله ومصطلح المعاناة للتأثير مفتوح على التفكرية واللغة والعلاقة بالذات والعلاقة بالآخرين والعلاقة بالمعنى والتشكيك. " ان التمييز الذي تحدثه اللغة الألمانية وتناوله أب الفنومينولوجيا إدموند هوسرل بين Korper ("الجسم العضوي" أي أن الجسم البشري كشيء) و Leib ( يمكن أن يساعدنا "الجسد الخاص" الذي يختبره الشخص من الداخل) على فهم أفضل لكيفية تحويل الألم عند لمس Korper إلى معاناة تغزو Leib. ومع ذلك في هذا التدخل نفسه أدرك بول ريكور أن هذا الاختلاف هو في الواقع أكثر نظريًا من الجانب العملي لأن: "الألم النقي الجسدي البحت يبقى حالة خطية كما هو الحال مع المعاناة النفسية البحتة المفترضة والتي تذهب نادرا ما دون درجة من الجسدنة. يفسر هذا التداخل تردد اللغة العادية حيث نتحدث عن الألم بمناسبة فقدان صديق لكننا نقول أننا نتألم عند وجع الأسنان. وبالتالي يفضل بول ريكور الحديث عن "معاناة" يمكن تقسيمها على محورين: المحور الذاتي الآخر الذي يتم التعبير عنه كتغيير للعلاقة مع الذات كما هو الحال مع الآخرين و محور معاناة التمثيل حيث تتكون "المعاناة" بشكل أساسي من تقليل القدرة على الفعل. محور "الذات الذاتية" على محور الذات الأخرى مع الألم يتضح إدراك جسدي. في مواجهة السؤال الفلسفي "هل أنا" أو "هل أنا جسد " فلا شك ممكن: أنا بالفعل جسد. إنه خام. إذا كانت الحياة الصحية هي صمت الأعضاء كما أكد رينيه لينش فإن الألم على العكس من ذلك صاخب وأحيانًا يصم الآذان وفي جميع الأحوال فإن حدوثه يذكرنا جيدًا بسرعة لجسديتنا. كما كتب الفيلسوف إيمانويل ليفيناس: "في طريق مسدود من الألم الجسدي ألا يختبر المريض بساطة كيانه التي لا تنقسم عندما يستدير في فراشه من المعاناة ليجد موقف السلام؟ . يجب أن نتذكر أن الجسد المتألم يصبح مكان الحياة المريضة مكان نقش في الزمن يتغير الشخص الذي يعاني في الجسد والروح. من المثير للاهتمام أن نلاحظ أن كلمة المعاناة تأتي من المعاناة اللاتينية من الفري الذي يعني حمل عبء ويحتوي على إحساس بالجهد. لذلك فإن المعاناة هي التحمل. تتحول المعاناة إلى حبس وشكل من أشكال الإدانة على الذات. في كتاب "الكلية واللانهاية" يمكن أن يكتب إيمانويل ليفيناس: "إن حدة المعاناة ترجع إلى استحالة الفرار منها وحماية النفس. في نفسه ضد نفسه. ومع ذلك يتذكر: "من خلال التأكيد على أن الإرادة البشرية ليست بطولية فإننا لم نختار الجبن البشري ولكننا أظهرنا هشاشة الشجاعة التي هي على وشك فشلها" . لذلك من الأسهل فهم لماذا يرفض بعض المرضى الذين يعانون من المسكنات لأنهم يعانون بشكل أساسي أن يظلوا على قيد الحياة. على أي حال يكفي أن تختبر المعاناة لتعرف أنها تعزل وتفصل. ومع ذلك كما لوحظ بحسب بول ريكور بحسب شدة "المعاناة" تعرف العزلة عدة مراحل: "على أدنى مستوى التجربة الحية ضرورية لتذكيرنا بما لا يمكن استبداله. غير المصاب هو جسديتنا الفريدة. في الخطوة التالية تم رسم التجربة المعيشة للمعدمين. الآخر لا يستطيع أن يفهمني ويساعدني ؛ هناك عائق بيني وبينه لا يمكن التغلب على الحاجز: وحدة المعاناة المكثفة يعلن الآخر عن نفسه على أنه عدوي الشخص الذي يجعلني أعاني (الإهانات الغيبة ...). جرح المعاناة  وأخيرًا عند أعلى درجة من الضراوة يتم إطلاق العنان للشعور الخيالي باختيارهم للمعاناة. هذا هو السؤال الذي يطرح السؤال لماذا أنا؟ لماذا طفلي في جحيم المعاناة؟  وبالمثل ترى حنة أرندت أن الألم هو فرد عظيم. وفقا لها "الألم فقط يتحرك بشكل جذري بعيدا عن العالم المشترك"، وبالتالي تمحو العالم باعتباره أفق التمثيل. يبدو أن العالم غير قابل للسكن حرفيا. لذا فإن المعاناة تحول علاقتنا إلى الذات ولكن أيضًا للآخرين والعالم. لأنه وهذا هو المحور الثاني الذي حدده بول ريكور الألم هو الوقاية أيضًا من حيث هو محور "الفعل معاناة" على محور معاناة الفعل يتذكر أنه " لا يتم تعريف المعاناة فقط من خلال الألم الجسدي ولا حتى من خلال الألم العقلي ولكن من خلال الحد حتى تدمير القدرة على الفعل من القدرة على القيام به والتي يتم الشعور بها كهجوم على سلامة الذات ". أنا فقط من أولئك النشطاء يمكن أن يعانوا كما يؤكد بول ريكور. هكذا يتم العثور على علامات هذا الانخفاض في سجلات الكلام أو الفعل نفسه أو القصة أو احترام الذات (عدم القدرة على القول والارتباط وتحمل مسؤوليات المرء).

على أي حال يبدو أن المعاناة تطغى على قدرات الاستجابة وتدمر استقرار المعايير فاللغة نفسها تفقد معناها. هناك نوع من الصدع الذي ينفتح بين "الرغبة في القول" و "العجز عن القول". ما هو غير موجود موجود ولكنه غير قادر على العمل. عندما نعاني لم يعد بإمكاننا أن نرقى إلى مستوى أنفسنا ومثلنا الأعلى. لذلك نجد "المعاناة" عند تقاطع هذين المحورين وتغيير علاقته بالذات والآخرين وفقدان أكثر أو أقل أهمية من قدراتها. على هذا المنظور يلخص بول ريكور تفكيره على النحو التالي: "ما نلاحظه أولاً وقبل كل شيء هو مضاعفة السلبية للموضوع الذي ألقي على نفسه بفقدان السلطة على ...". ما هو الرد المحتمل؟ ألا يساعد الذات في تحويل معاناتها إلى كلمات وبالتالي عملية الرعاية؟

يمكن إجراء هذه المساعدة عن طريق الأدوية ولكن ليس فقط. ألا يعني القيام بكل ما هو ممكن لتقديم ملجأ لمساعدة أولئك الذين يعانون للعثور على مكانهم في المجتمع؟

إن الذي يبدو أنه متناقض في تجربة الألم هو أن اللقاء الحقيقي ممكن فقط في ذلك الوقت لأنه وفقًا لإيمانويل ليفيناس: "فقط الكائن يصل إلى توتر وحدته من خلال المعاناة والعلاقة مع الموت يضع نفسه على أرض تصبح فيها العلاقة مع الآخر ممكنة". هذه "السلبية" التي تتحول إلى معاناة إلى ضعف هي بالتحديد مصدر العلاقة الأخلاقية. كما يلاحظ لازار بنارويو في عمل إيمانويل ليفيناس فإن جسم المعاناة هو صاحب الغموض البدائي: في حين أن التجربة الجسدية للمعاناة تسلسل الموضوع لنفسه فإن الضعف يؤكد أن الموضوع غامر خارجه في حالة الانفتاح على الآخرين ". ما يسمح للقاء ليس سوى تجربة "المعاناة" الفردية والمشتركة.  في ظل هذه الظروف في مواجهة المعاناة المعزولة لا يمكننا أن نعتقد أنه لا يزال هناك على الرغم من كل شيء بين الآخرين وأنا شيء يبقى من يجمعنا؟ ماذا يمكن أن تكون هذه النقطة المشتركة هذا الوزن الذي يثقل كاهلنا إن لم يكن هذا الضعف العام الذي سيجعلنا نشبه أنفسنا (ويوحدنا)؟ ما سيجمعنا هو النتيجة المتناقضة لعدم فهمنا المتبادل ومعاناتنا المشتركة. في هذا المعنى ألا يمكننا أن نعترف أنه إذا شعرت بالعزلة تجاه زملائي عندما يعاني فذلك ليس لأنه زملائي وأنه يعاني ولكن بدلا من ذلك أن معاناته تجعلني مثلي؟ إلى جانب ذلك المعاناة جزء لا يتجزأ من الحياة. ما معنى اختفاءه التام؟ سيكون وجود بدون معاناة لا تزال بشرية؟ أليست هي التي تعطيني الشجاعة لألزم نفسي للآخر لهذا الرجل الذي مثلي يمكن أن تخضع لها؟ ومن المفارقات أليس معنى المعاناة موجودًا في رفضه؟ أكثر من ذلك لأنه من الضروري دون التخلي عن كل ذلك الاعتراف بأن هناك معاناة لا تقتصر على الطب فحسب بل تتجاوز الرعاية أيضًا. هذه الملاحظة حتى الآن لإسقاطنا يجب أن يجعلنا ببساطة متواضعين. هكذا كتب ألبرت كامو في نهاية الانسان المتمرد هذه الخطوط القوية: "يمكن للإنسان أن يتقن في نفسه كل ما يجب أن يكون. يجب عليه إصلاح كل ما يمكن إصلاحه في الخلق. بعد ذلك سيموت الأطفال بشكل غير عادل كما كان دائمًا حتى في المجتمعات المثالية لا يمكن للإنسان أن يقترح إلا لتخفيف آلام العالم بطريقة غير مشروعة. لكن الظلم والمعاناة ستبقى، ومهما كانت محدودة فلن تتوقف عن الفضيحة ". فمتى تتوقف الفلسفة عن طلب الحقيقة وتزيل الآلام؟

 

د. زهير الخويلدي

.......................

الرابط الأول:

https ://doi.org/10.3917/puf.marin.2013.01.0013

الرابط الثاني:

https://editions-metailie.com/pdf/psychiatrie1892012.pdf

المصدر:

صفحة 13 و 14• المعاناة والألم. حول بول ريكور

  بتوجيه من كلير مارين ناتالي زاكاي رينرز، سنة 2013

 مجموعة: أسئلة العناية،  النشر الجامعي بفرنسا

 

علي محمد اليوسفتوطئة: يشي عنوان المقال الى تنويعات من المخاتلة اللغوية بين تطابق دلالة الكلمة مع مدلولها الشيئي أو المعنوي غير الحسي التي رافقت فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات، كما في مصطلح مخاتلة اللغة في ادخارها فائض المعنى الملازم لها في تعدد القراءات للنص المدون المكتوب، فمدلول المعنى لا يطابق الفاظ الدلالة لها، وفي الخلاف المستدام فلسفيا ايهما يمتلك الاسبقية الكلام الشفاهي ام الكتابة (خلاف البنيوية مع التفكيكية) وما يتعالق  بهما من فوارق تجعل المساءلة هل تعبير الكلام هو ذاته في حمولته اللغوية الصوتية الناطقة لسانا تطابق دلالته الكتابية في المعنى حين يصبح نصا مدونا مقروءا، أم أن الكتابة ليست ترجمانا نقليا ميكانيكيا لصوت الكلام وليس للغة الفكر الاستبطاني، وحسب تمييز ارسطو أن الاصوات التي ينطقها الانسان أنما هي رموز لحالات نفسية، بما يعني أن الكلام لا يخضع للغة تفكير العقل الصارمة.

وأن الكتابة تخليق لغوي جديد في شكل اللغة مع مضمون مضاف له لما عجز الكلام الصوتي التعبير عنه؟ ومن المسؤول عن هذا التطابق أو التفاوت بين لغة الصوت وصمت اللغة عند نقلهما كتابة؟ هل آلية نقل ما هو غير مكتوب من كلام وتفكير صامت لا يشترط أن يكون هو الكلام الشفاهي كاصوات بل هو صمت الفكر كمعنى مضموني أدخاري متطاول في البقاء زمنيا أطول من بقاء الكلام المندثروقتيا، الذي يجري تخليقه بالعقل قبل تحويله الى لغة مكتوبة.

الفكر في لغة الصمت هو غيره الفكر في لغة الكلام.هل من الممكن عند نقل الكلام الشفاهي المنطوق، أوالكلام الفكري الصامت الى لغة الكتابة يكونان وفق آلية حرفية واحدة لا تضيف الكتابة شيئا لما تقوم بنقله من تجريد تعبيري لغوي في الكلام والفكر بعد تحويلهما الى واقع مادي في الكتابة؟ بمعنى هل من الممكن تصور تطابق ما هو لغة لفظية أو لغة فكر صامتة غير مكتوبة تطابقهما في المعنى الحرفي الدقيق لما قامت بترجمته ونقله الكتابة من لغة تعبيرية لم تكن مكتوبة سابقا؟ وهذه الحالة تختلف عن نقل وترجمة لغة مكتوبة لشعب ما الى لغة مكتوبة جديدة لشعب آخر. وهل الكتابة آلية مخاتلة مراوغة في عدم دقتها نقل ما هو لفظي صوتي كلاما أو ما هو لفظي فكري غير مكتوب؟ وهل تضيف الكتابة شيئا من المعنى غير موجود في نقلها الشفاهي أو الفكري الصامت؟

كتابة الصوت والفكر

ثمة رأي ليس من السهولة مصادرة صدقيته من عدمها قبل مناقشته يذهب الى (ان انتاج الكلام يمثل شيئا مختلفا عن مجرد الحركات الصوتية، اي هو كلام حي، لكن هذا الكلام الصوتي هو ما تقوم الكتابة بنقله وحده فقط). (1) في هذه العبارة حمولة خمس تساؤلات ما بين السطور يجب الوقوف عندها:

-  انتاجية الكلام للغة كتعبير صوتي هو فعالية ذهنية يصفها بعض علماء اللغة أعتباطية عشوائية. وهي ليست أصواتا خالية من حمولة المضمون الفكري الذي يتجاوز الصوت في أفصاح عملية الكتابة له.بمعنى أن الكتابة ليست عملية كتابة دلالة الصوت من دون دلالة الفكر ولا الفكر من دون دلالته الصوتية في كلمات وتعابير اللغة.

- الكتابة تنقل كل ماهو لغوي لفظي منطوق وكل ما هو لغوي صامت في الذهن بآلية من الكتابة النقلية واحدة، فهي تنقل الكتابة الكلام الشفاهي مثلما تنقل الكلام التفكيري الصامت الى فكر صوتي مكتوب.. لكن الا يوجد فرق بين تفكير الكلام عن تفكير الفكر الصامت بلا صوت؟

- كيف نستطيع تمييز ما تنقله الكتابة صوتيا أنه هو الكلام الحي الحرفي او الكلام غير الحي بمعنى الزائل وقتيا من التعبير. والحي هنا (محتوى الكلام) الذي نجده في حمولة الفكر الصامت وليس في حمولة الكلام الشفاهي العابر.؟ ما يكتبه تفكير العقل هو غير ما يكتبه تفكير الكلام الشفاهي العابر تحاوريا في ملازمة الصوت له.

- هل من الممكن تصور الحركة الصوتية هي غير الفكر الذي تحتويه المنقول كتابة؟ وهل من المتاح فصل ماهو صوتي بالكلام الى ماهو فكري فيه بالكلمات؟

- هناك تناقض واضح في العبارة حيث تقول أن الكتابة ليس تدوين الصوت لتعود التاكيد أن الكتابة تنقل الصوت فقط يعني كتابة بلا مضمون هو حمولة الصوت اللغوي حيث لا يوجد صوت تعبيري خال من حمولة دلالة فكرية حتى لو كانت بسيطة.

الكتابة ليست وسيلة تمييز ما تكتبه خارج تفكير العقل.بمعنى الكتابة تفكير مزدوج، في امكانية نقل كل لغة كتابة حرفية وامكانية أن تكون الكتابة تتضمن اضافة مضمونية جديدة لما تم نقله لغة صوتية، وهذه لا يتوقف على الكتابة من حيث هي آلية يتحكم بها شخص دون غيره يقوم بنقل ما هو غير مكتوب الى كتابة. الكتابة هي آلية انتقالية يقوم بها فرد وليس مجموعة أفراد في تزمين واحد، ويمتلك ثقافة بهذا المستوى أو ذاك ما يجعل ماينقله كتابة يتوقف معناه الحقيقي عليه وليس على المادة المنقولة التي يتحكم بها كتابة. مثله مثل المترجم الذي ينقل لغة كتابة نص الى لغة أخرى كتابة ايضا.اذ تكون الترجمة الحرفية تختلف عن الترجمة المضمونية التي يتحكم بها الكاتب وليس النص.

والكتابة لا تمتلك ذاتية تعبيرية منفردة مستقلة أن تكون هي من يحدد تمييز الفكر الصادر عن المخيلة الذهنية في تدوينها الآلي لما هو كلاما شفاهيا أو فكرا صامتا، وهذا لا يعني أن الكلام الشفاهي خلو من المعنى الفكري وبلا حمولة مضمونية  تتعدى الصوتية اللغوية، كما أن امتلاك أي كلام شفاهي قدرا من الافكار لكنه بالنتيجة لا يرقى لافكار مضمونية انتاجية الذهن الفكر الصامت.

الكتابة تقوم بالتاكيد فرز ما هو كلام شفاهي عابر عما هو فكر بدلالة عميقة لا تصلح أن تكون حوارية كما في الكلام. والكتابة كآلية فنية ليس بمقدورها ذاتيا أن تمنح الكلام قيمة معرفية ليست فيه ولا تستطيع الكتابة تجريد الفكر الصامت بعد كتابته من حمولته المعرفية، والا تكتب ماذا في هذه الحالة كون الفكر الصامت بلا حمولة صوتية ترافقه، واذا قلنا الكتابة نقل ما هو صوتي فقط الى الكتابة نكون وقعنا في اشكال من التعبير حيث لا صوت بلا مضمون فكري دال.

فالفكر كحمولة يحتويها التعبيرين اللغويين الكلام والفكر الصامت ليس بذات الاهمية الذي يلغي التمايز المعرفي بينهما في نقلهما كتابة. وتضيف الكتابة لما هو شفاهي لكنها ليست الاضافة لما هو فكر صامت أخذ حيز تنفيذه كتابة دونما المرور بالمرحلة الصوتية كما في الكلام العابر.

نقد مفهوم الكتابة الام

جاء على لسان ثلاثة من باحثي القضايا الفلسفية في مؤلفهم كتابهم المشترك (فلسفة اللغة) حول خرافة مفهوم دريدا عن الكتابة الام ما يلي:( دريدا لا يمتلك رؤية متماسكة تجاه معظم مفاهيم التفكيكية مهما كان الترويج لها مثل مفهوم الاخ – ت – لاف. اراد دريدا تسويق مفهوم الكتابة الام دونما رؤية تاريخية في تعقب تطورات الكتابة، كما لا يمتلك دلالة برهانية صحيحة ترجح اسبقية الكتابة على الكلام.)2

دريدا في أبتداعه مصطلح الكتابة الام اراد التفلسف خارج انثربولوجيا تاريخ التطور البشري من جهة، وطرحه مفهوم متناقض حول اسبقية الكتابة على الكلام خارج منطق التفلسف الصحيح عبر تاريخ الفلسفة من جهة اخرى. فاذا كانت الفلسفة فضاءات من التنوع البحثي لا يمكن تحديدها فهذا لايعطي ضمانة طرح كل متناقض أجتهادي يرفضه بناء التاريخ الفلسفي على أسس منطقية لا يمكن تجاوزها. ولا يمكن قراءة تاريخ الفلسفة خارج وبمعزل عن انثروبولجيا تطور الوجود الانساني تارخيا عبر العصور. فاللغة وجود انطولوجي وليست أصواتا ودلالات تجريدية خارج فهم الوجود الانساني كنوع.

 

علي محمد اليوسف/الموصل

.........................

الهوامش: فلسفة اللغة/ سيلفان اورو، جاك ديشان ترجمة بسام بركة، الصفحتان 138، 139.

 

حاتم حميد محسنلو امتلك الانسان كل ما أراد من أشياء لكن حياته بقيت بلا معنى، فهل يستحق الحياة؟ بالنسبة للكاتب الروسي الكبير ليو تولستوي (1828 - 1910)، كاتب الحرب والسلام، وانا كارنينا، لم يعد هذا مجرد سؤال نظري، بل هو مسألة حياة او موت. تولستوي سأل نفسه "لماذا يجب ان أعيش؟ ... ما هو الجوهر الواقعي الدائم الذي سيأتي من حياتي الوهمية القابلة للتدمير؟". في سيرته الشخصية، إعترافاتي (1882)، كتب بانه طالما هو غير قادر على ايجاد جواب مقنع للسؤال عن المعنى، فان"أحسن شيء يمكن عمله هو ان يشنق نفسه". ما الذي يجعل سؤالا مثل "ما معنى الحياة؟" سؤالا مؤثرا جدا لدرجة قد يدفع المرء الى حافة الانتحار ان لم يجد جوابا مقنعا له؟.

يقول الباحث في فلسفة المعنى (Frank Martela)عندما بدأ التحقيق في تاريخ السؤال، وجد من المدهش ان السؤال كان حديثا . نحن عادة نظن انه سؤال أبدي طُرح منذ فجر البشرية، ولكن في الحقيقة اول استعمال سُجل لعبارة "معنى الحياة" في الانجليزية كان عام 1834، في الرواية الشهيرة لثوماس كارليل (sartor resartus): "حياتنا محاطة بالضرورة، ولكن مع ذلك فان معنى الحياة ذاتها ليس سوى الحرية".

قبل طرح السؤال، ذهب تولستوي من خلال الخطوات الكلاسيكية للأزمة الوجودية. اولا، جاء فاقدا للايمان الديني: "الشك ازداد ليصبح عدم ايمان.. عتمة بعد عتمة شكّلت قتامة في الروح .. هل لا يوجد اله، اذاً؟". بدون اله، سيصبح الكون باردا وصامتا: "بالنسبة لي الكون كان كله خال من الحياة، من الهدف، من الارادة: انه محرك بخاري هائل، ميت، لايمكن قياسه، يتحرك باستمرار، ليمزقني اربا اربا". في عالم ميكانيكي خال من أي قيم متسامية، لايبدو اي شيء مهما 

بالنسبة لتولستوي، تميزت مرحلة الأزمة الوجودية بكونه باستمرار يتعذب بالسؤال "لماذا؟" هو تعامل مع ممتلكاته. ولكن لماذا؟ لأن حقوله ستنتج المزيد من المحصول. ولكن لماذا هو يجب ان يهتم؟ مهما فعل، مهما أنجز، آجلا ام عاجلا، كل شيء سيُنسى. آجلا ام عاجلا، سيموت هو وكل شخص عزيز عليه وسوف "لايبقى شيء سوى الرائحة النتنة والديدان". طالما كل شيء سيتلاشى ويُنسى، ما الفائدة من الكفاح؟

استيعاب المعنى وهو في حالة انزلاق

يبدو هناك شيء في القرن التاسع عشر جعل سؤال المعنى بارزا جدا يستحق عبارته الخاصة. يبدو ان الرومانسية الألمانية في مطلع القرن التاسع عشر وصلت هناك اولا، مع فردريك شليغل و نوفاليس وهما يستخدمان عبارة (der sinn des lebens) في الالمانية لتعني معنى الحياة . هما كانا العنصر الهام ليس فقط في كارليل وانما ايضا في سورن كيجارد وآرثر شوبنهاور الذي أثّر بدوره على فردريك نيتشة جميعهم لعبوا دورا رئيسيا في تحويل هذا التعبير النخبوي الى عبارة شائعة للوجودي – نوع الاسئلة السائدة اليوم.

شهد القرن التاسع عشر العديد من التحولات في المجتمعات الغربية بدأت بالثورة الصناعية . لكن بالنسبة لتولستوي كانت القوة الرئيسية التي تكمن خلف الأزمة الوجودية لكارليل، وآخرين هي ظهور الرؤية الإلحادية المتحفزة بالعلم. العيش في ما سماه كارليل "القرن الملحد"، جعله يفقد الاتصال بالايمان الكالفيني الصارم الذي تمتّع به ابواه. هو شعر بالحزن وهو يرى كيف ان "شعلة العلم" تحرق الآن بعنف لدرجة "حتى الزوايا الصغيرة المظلمة او اماكن ايواء الكلاب في الطبيعة او الفن تبقى غير مضاءة". نفس الشيء، بالنسبة لتولستوي، ليس من قبيل الصدفة فقط قبل عدة اشهر قبل الكتابه في يومياته ان "الحياة على الارض ليس فيها شيئا تعطيه" بينما تُغرق الرأس في أزمة وجودية، ان تولستوي كان يقرأ حول الفيزياء، يتأمل مفاهيم الجاذبية والحرارة وكيف ان "عمود من الهواء يخلق ضغطا". في فهمه الكثير حول قوانين الطبيعة الباردة، هو فقد ايمانه بالمتجاوز. هو لاحظ كيف انه "سعى في جميع العلوم" لكن "بعيدا عن العثور على ما اراد، اصبح مقتنعا ان الجميع الذين مثله سعوا لمعرفة معنى الحياة ولم يجدوا شيئا". في عالم محكوم بقوانين الطبيعة الميكانيكية، لم يعد هناك مكانا للهدف.

بعد اكثر من قرن من وفاة كارليل وتولستوي، تغلغلت وبدرجة اكبر الرؤية الالحادية في طريقتنا برؤية العالم . ولكن هل لدينا جواب للسؤال عن المعنى الذين سعوا اليه بيأس؟ ربما لم نصل لذلك الجواب.

 في الحقيقة، تبيّن البحوث ان مواطني الدول المتطورة الغنية يصارعون لإيجاد المعنى. في عام 2013 الاستاذان شيغيرو اوشي و اد دينر كتبا تحليلا لإستبيان متميز أجرته غالوب لمجلة العلوم السايكولوجية تضمّن 142 الف مشارك من 132 دولة حول العالم. كان أوسع إستبيان حول رفاهية وسعادة الانسان. اول الاستنتاجات لم تكن مدهشة : ان الناس في الدول الغنية بالمتوسط كانوا اكثر قناعة بحياتهم. غير ان في تحقيقهما للعلاقة بين الثروة والمعنى المتصور للحياة، وجد الباحثان اوشي و دينر عكس ذلك بالضبط،، حيث ان الناس في الدول الغنية كانوا اكثر ميلا للقول ان حياتهم ينقصها الهدف الهام للحياة. في الحقيقة، كانت الامم الغنية مثل فرنسا وبريطانيا واليابان من بين الدول التي فيها اقل عدد من الناس ذكروا ان حياتهم لها هدف هام، بينما الدول الفقيرة مثل توغو والسنغال وسيراليون كانت في قمة القائمة فيما يتعلق بالمعنى. نقص المعنى جرى ربطه لدى العديد من الباحثين بزيادة الافكار حول الانتحار. اوشي و دينر وجدا ان نقص العقيدة الدينية يقود الى نقص في المعنى، وهو السبب الرئيسي لزيادة الانتحار في الدول الغنية.هذا يجعل الاجابة على هذا السؤال قضية ساخنة. كيف يمكن ان نجد معنى للحياة في مجتمع علماني؟

عنصران للمعنى

من حسن الحظ، تزايدت البحوث الفلسفية والسايكولوجية في موضوع المعنى في العقود الاخيرة، وبدأ يبرز هناك جواب. اولا يجب ان نفصل بين قضيتين: معنى الحياة والمعنى في الحياة. الأول حول الحياة بشكل عام او ككل، ينعكس في اسئلة مثل "لماذا يوجد الكون؟" او "هل الانسانية لها هدف؟"هذا النوع من الاسئلة فقد جوابه نتيجة الطبيعية العلمية. في كون علماني، في كون بلا اله محكوم بالقوانين الطبيعية، لا يوجد هناك اي مكان للمعنى.

ولكن عندما نسأل بدلا من ذلك عن المعنى في الحياة، فنحن نسأل عن ما الذي يجعل حياتنا ذات معنى لنا. أين أجد هدفا يرشد حياتي؟ هذا السؤال ليس حول القيم الكونية وانما يحدد اي الاشياء والاهداف انا اجدها شخصيا ذات قيمة. بكلمة اخرى، ما الذي يجعلني أشعر ان حياتي تستحق العيش؟

كل شخص يجيب على هذا السؤال بطريقة مختلفة. الناس والأماكن التي هي ذات معنى لفرد معين قد لا تعني شيئا لآخر. بقعة معينة في غابة قريبة من مكان الطفولة ربما هي مقدسة لي. لكنها بالنسبة لأي شخص آخر، هي فقط اشجار، وطحلب، وصخور. ولكن عندما بدأنا بالحصول على معرفة اكثر حول السايكولوجية الانسانية وعناصر التحفيز الانساني، جرى تحديد فكرتين عامتين تميلان لتعزيز الهدفية لكل شخص.

اولاً، عندما يكون المرء قادرا على المساهمة بشيء أكبر منه، هذا يخلق شعورا عميقا بالمغزى. حياة المرء عندئذ تكون ذات قيمة ليس فقط له وانما مرتبطة بشيء أكبر. انظر في نلسون مانديلا او مارتن لوثر كنك او مهاتما غاندي. الذي يوحّدهم هو انهم كافحوا لسبب أكبر بكثير من حياتهم الشخصية.

البحوث السايكولوجية تدعم هذه الفكرة. فمثلا، في بحث، اُجري على مجموعتين من الناس يمارسون لعبة كومبيوتر . المجموعة الاولى كانت فقط تلعب اللعبة، المجموعة الاخرى قيل لها ان حصيلة اللعب ستكون جمع نقود لبرنامج الغذاء العالمي التابع للامم المتحدة . من المدهش، ان المجموعة الاخيرة وجدت اللعبة ذات مغزى اكبر. المساهمات اوضحت ايضا انها تلعب دورا رئيسيا في توضيح ما يجعل العمل ذو معنى. عندما نقول "نحن نستمتع بعملنا الحالي، ولكن نحب ان نعمل شيء اكثر هدفية"، فان ما نطمح له هو ان نمتلك تأثير إيجابي من خلال عملنا. لذا فان المعنى في الحياة هو حول ان يجعل الفرد نفسه ذو مغزى للناس الآخرين. من المقالات التي كُتبت حول المعنى في الخمسين سنة الاخيرة، مقال معنى الحياة (1970) للفيلسوف ريتشارد تايلور يتحدث عن "الهدفية الغريبة" المتصلة بكوننا قادرين على عمل اشياء يكمن فيها اهتمامنا، وبهذا نُشبع "الإكراه الداخلي لإنجاز فقط ما جئنا هنا للقيام به"

تصوّر لو كنت طبيب جراح بالقلب تؤدي عمليات جراحية معقدة وتنقذ حياة الناس يوميا. يبدو انه عمل ذو هدفية عالية، ؟. السايكولوجي وليم دامون يقول كيف انه قابل طبيب القلب الذي كان تعيسا جدا لدرجة لا ينهض من السرير صباحا. هو شعر ان الجراحة ليست ما يريده، انه كان يقوم بها فقط لإرضاء الناس. هو احتاج الى ايجاد وظيفة تجعله سعيدا بدلا من ان تجعل والديه سعيدين. المسألة هي، ان الهدفية ليست فقط حول الارتباط بالناس الآخرين. انها تعني تماما نفس المقدار من الارتباط بالمرء. المرء يجب ان يشعر انه قادر على اتّباع قيمه الخاصة، يتابع اهتماماته الشخصية، يعبّر عن ماهيته الحقيقية. العيش الهادف يتطلب منك اتّباع قلبك بدلا من الإمتثال للتوقعات الخارجية .

هناك بحث سايكولوجي يدعم هذه الفكرة ايضا. فمثلا، في بحث أجرته البروفيسور ريبيكا شليغل مع زملائها أظهر ان المصدر الرئيسي للهدفية هو التعبير الأصيل عن الذات . عندما سأل الباحثون الناس ليكتبوا "ذاتهم الحقيقة"، فان طول هذه القصص (التي تعمل كاشارة للكيفية التي يتصل بها الناس بذواتهم الأصلية) تشير الى مدى الهدفية التي وجد فيها اولئك الناس حياتهم . نفس الشيء لم يكن حقيقيا عندما طُلب الى الناس ان يكتبوا عن "ذواتهم العادية" او كيف يتصرفون بوجود الآخرين. لم تكن حياتهم الاجتماعية مرتبطة بالمغزى بقوة .

كيف يجعل المرء حياته ذات معنى؟

لذا فان المسار الأكثر ثقة الذي من خلاله تُمارس الهدفية يبدو من خلال التعبير عن النفس والمساهمة في رفاهية الآخرين. لاتنهمك بالنجاح او حتى السعادة. كلاهما يميلان ليجعلاك تشعر بالفراغ. بدلا من ذلك، فكّر بالفعاليات والأدوار التي فيها تكون قادرا على ان تكون أصيلا، ثم فكّر في الكيفية التي يمكن فيها استخدام هذه الفعالية المعبّرة عن الذات او الدور للمساهمة لأجل الآخرين . هذه وصفة للوجود الهادف. بعد ايجاد وصفتنا الخاصة، نستطيع السماح بحدوث النجاح او السعادة كشيء جانبي لهذا المسعى الوجودي الأكثر صحة.

بالطبع، الكيفية التي يتم بها إشباع هذين العنصرين تعتمد على اهتمامات الفرد وقيمه ومهاراته والموقف في الحياة. ربما فرد معين يستعمل مواهبه للحديث امام الجمهور (تعبير ذاتي) ليكافح لسبب قريب من قلبه (مساهمة). آخر قد يعزف الغيثار (تعبير ذاتي) وهو يشعر بالمتعة التي يجلبها للمشاهدين (مساهمة). وبالنسبة للعديد من الناس، تربية الاطفال هي قناة لكل من التعبير الذاتي والمساهمة. نفس الشيء ينطبق على العديد من الهوايات وخاصة العمل التطوعي. وهكذا، كل شخص عليه ان يجد طريقته للتعبير عن نفسه والمساهمة التي تتناسب بشكل أفضل معه ومع موقفه في الحياة. حتى تولستوي. في وسط أزمته الوجودية، هو شعر ان آخر"قطرتان من العسل" اللتان جعلتاه ثابتا في هذا العالم كانتا "حبُه للعائلة والكتابة". بكلمة اخرى، المساهمة والتعبير الذاتي.

 

حاتم حميد محسن

 

حاتم حميد محسنفي الاطروحات الدينية الكبرى كاليهودية والمسيحية والاسلام، اعتُبر الله مانحا للقوانين كونه وضع القواعد التي يجب علينا طاعتها. هو لم يجبرنا على الطاعة. نحن خُلقنا كأفراد احرار يمكننا الاختيار بين القبول او رفض تلك الوصايا. ولكن اذا اردنا العيش كما يجب، فلابد من اتّباع قوانين الله. هذا التصور بحثه الثيولوجيون بالتفصيل في نظرية حول طبيعة الصواب والخطأ والتي عُرفت بنظرية الأوامر الآلهية.

نظرية الأوامر الآلهية

 اساسا،  هذه النظرية تؤكد  ان الصواب الأخلاقي هو الذي أمر به  الله وان الخطأ الاخلاقي هو الذي منعه  الله. هذه النظرية لها عدد من الخصائص المفيدة، فهي تحل مباشرة المشكلة القديمة المتعلقة بموضوعية الاخلاق. الاخلاق هي ليست مجرد شعور فردي او عادة اجتماعية. بل ان صوابية او عدم صوابية الشيء هي مسألة موضوعية تماما: الشيء صحيح اذا أمر به الله، وخاطئ اذا منعه الله. كذلك، تقترح نظرية الأوامر الالهية جوابا للسؤال القديم والمستمر عن سبب القلق من موضوع الاخلاق . لماذا لا ننسى الاخلاق وننظر للذات فقط؟ اذا كانت اللاّاخلاق في تضاد مع اوامر الله فهناك جواب سهل وهو اننا  في يوم الحساب سنكون مسؤولين عن انفسنا.

المأزق

هناك مشاكل خطيرة في نظرية الأوامر الالهية، بالطبع الملحدون لن يقبلوا بهذه النظرية لأنهم لا يؤمنون بوجود الله، لكن هناك صعوبات في قبولها حتى عند المؤمنين بالله. المشكلة الرئيسية أول ما لاحظها افلاطون الفيلسوف اليوناني الذي عاش قبل المسيح بـ 400 سنة. كتابات افلاطون كانت على شكل حوار بين سقراط وأحد محاوريه. في حوار (ايوثيفرو) هناك نقاش يتعلق بالصواب وهل ان الله هو من يأمر به. سقراط يشك في هذا ويسأل: هل السلوك الصحيح هو بسبب ان الله يأمر به، ام ان الله يأمر به لأنه صواب؟هذا السؤال كان من الاسئلة الشهيرة في تاريخ الفلسفة.

المسألة هي اننا لو قبلنا التصور الثيولوجي للصواب والخطأ (القائم على ان الله هو من يحدد الصحيح والخطأ)، فنحن سنقع في مأزق. سقراط يطلب منا ان نوضح ماذا نعني بهذا. هناك خياران كلاهما يقودان الى مشكلة.

الخيار الاول

ان السلوك او الشيء الصحيح هو صحيح لأن الله أمر به، فمثلا، طبقا لسفر الخروج 20:16، ان الله أمرنا ان نكون صادقين. في هذا الخيار، السبب في وجوب ان نكون صادقين هو ببساطة ان الله يطلب ذلك. بعيدا عن الامر الالهي، فان  قول الحقيقة لا هو جيد ولا هو سيء،  ان اوامر الله هي التي تجعل الصدق صوابا. ولكن هذا يقود الى مشكلة لأنه يجعل اوامر الله تبدو عشوائية. انه يعني ان الله يصدر لنا مختلف الاوامر بنفس السهولة. هو كان بامكانه ان يأمرنا بالكذب، وعندئذ سيكون الكذب هو الصواب وليس الصدق(قد يقول البعض ان الله لايمكن ان يأمرنا بالكذب. لكن لماذا لا؟ اذا هو أجاز الكذب، فهو سوف لن يأمرنا ان نفعل الخطأ لأن أوامره ستجعل الفعل صحيحا). لنتذكر هنا وفق هذه الرؤية ان الصدق لم يكن صائبا قبل ان يأمرنا به الله. لذلك، فان اوامر الله ليس فيها اسباب للأمر بشيء اكثر من الاسباب المضادة له، وبهذا فان الأوامر تكون عشوائية.

مشكلة اخرى هي ان خيرية الله اُختزلت الى لامعنى. من المهم للمؤمن بالدين ان يكون الله ليس فقط القوي العارف، وانما هو ايضا الخيّر، ولكن لو قبلنا فكرة ان الجيد والسيء يُعرّفان بالاشارة الى رغبة الله،  فان هذه الفكرة ستجرد االجيد والسيء من المعنى. ماذا يعني القول ان اوامر الله جيدة؟، اذا كان الفعل (س) جيدا لأن الله أمر به،  عندئذ فان القول بان اوامر الله جيدة ستعني فقط انها جاءت بأمر من الله، وهي ليست اكثر من بديهة بلا مضمون . في عام 1686 لاحظ ليبنز في كتابه (حديث حول الميتافيزيقا):

(في قولنا ان الاشياء ليست جيدة دون اي قاعدة من الخيرية وانما فقط بمحض ارادة الله، يبدو اننا سنحطم دون ادراك كل الحب والتقديس لله. لماذا نمجد الله على ما يقوم به من فعل اذا كان يستحق الشكر وبنفس المقدار على فعل مضاد تماما؟). وهكذا لو اخترنا الخيار الاول من خيارات سقراط فسنقع في مأزق تكون فيه النتيجة غير مقبولة حتى لدى اكثر الناس تدينا.

الخيار الثاني

هناك طريقة لتجنب هذه الورطة . نستطيع اعتماد خيار سقراط الثاني . نحن لا نحتاج للقول ان الفعل الصحيح هو صحيح لأن الله امر به وانما نقول ان الله يأمرنا بأشياء معينة لأنها صحيحة. الله الحكيم يدرك ان الصدق افضل من الخداع، لذا هو يأمرنا لنكون صادقين، هو يرى القتل أمر خاطئ، لذا يأمرنا ان لا نقتل احدا، وهكذا في جميع القواعد الاخلاقية. لو اخذنا بهذا الخيار سنتجنب النتيجة السيئة للخيار الاول. أوامر الله ليست عشوائية، بل هي نتيجة لحكمته في معرفة الأحسن. عندما نقول ان اوامر الله خيّرة ذلك يعني انه يأمر فقط  بما هو أحسن وفق حكمته التامة.

لسوء الحظ هذا الخيار الثاني يقودنا ايضا الى مشكلة من نوع ثاني وهي مزعجة ايضا. لو اخذنا هذا الخيار، نكون أسقطنا التصور الثيولوجي عن الصحيح والخطأ، عندما نقول ان الله يأمرنا لنكون صادقين بسبب ان الصدق هو الصواب، انما نحن نعترف بمعيار للصح والخطأ مستقل عن رغبة الله. الصوابية توجد مستقلة وسابقة لأوامر الله وهي السبب في الأوامر. وهكذا لو اردنا معرفة لماذا يجب ان نكون صادقين  وكان الجواب لأن  الله يأمر بذلك، هذا الجواب لا يقول لنا شيئا في الحقيقة، لأننا لانزال نسأل لماذا يأمر الله بذلك؟ والجواب لذلك السؤال يجب ان يوضح سببا اساسيا لماذا الصدق شيء جيد.

كل ما سبق يمكن تلخيصه بالخطوات التالية:

1- افرض ان الله يأمرنا للقيام بما هو صحيح. عندئذ نحن امام خيارين:اما ان نتبع الخيار(س) وهو ان الفعل صحيح  لأن الله يأمرنا به،  او نتبع الخيار(ص) ان الله يأمرنا بذلك الفعل لأنه صحيح.

2- لو أخذنا الخيار(س)، فان اوامر الله، من الزاوية الاخلاقية، ستكون عشوائية، وان الاعتقاد بخيرية الله سيصبح بلا معنى.

3- اما لو اخذنا بالخيار(ص)، عندئذ نحن سوف نعترف بوجود معيار للصح والخطأ مستقل عن رغبة الله. نحن بالنتيجة سوف نتخلى عن التصور الثيولوجي للصح والخطأ.

4- لذلك، نحن يجب اما ان نعتبر اوامر الله عشوائية ونتخلى عن الاعتقاد بخيرية الله، او نعترف بان هناك معيار للصح والخطأ مستقل عن رغبة الله، ونتخلى عن التصور الثيولوجي للصحيح والخطأ.

5- من وجهة النظر الدينية، من غير المقبول اعتبار اوامر الله عشوائية او التخلي عن الاعتقاد بخيرية الله.

6- لذلك، حتى من وجهة النظر الدينية، لابد من قبول معيار للصح والخطأ مستقل عن رغبة الله .

في الحقيقة، ان كبار الثيولوجيين مثل القس توما الاكويني (1225-1274) رفض نظرية الاوامر الالهية لهذه الاسباب، وبدلا من ذلك ربط الاخلاق بنظرية اخرى مختلفة.

نظرية القانون الطبيعي

في تاريخ الفكر المسيحي، كانت النظرية المسيطرة في الاخلاق ليست نظرية الاوامر الالهية وانما نظرية القانون الطبيعي. هذه النظرية لها ثلاثة جوانب.

الجانب الاول

ان نظرية القانون الطبيعي تعتمد على رؤية معينة حول العالم. وفق هذه الرؤية، فان العالم هو نظام عقلاني من القيم والأهداف التي صُممت كجزء من طبيعته. هذا التصور جاء من اليونانيين، الذين سيطرت طريقتهم في فهم العالم على التفكير الغربي لقرابة 1700 سنة. جوهر هذا التصور هو الفكرة بأن لكل شيء في الطبيعة هدف محدد. ارسطو أدخل هذه الفكرة في نظامه الفكري سنة 350 قبل الميلاد. هو قال،  لكي نفهم اي شيء، يجب طرح أربعة اسئلة: ما هو الشيء؟ مما صُنع؟ كيف جاء الى الوجود؟ و ما الغاية منه؟(الاجوبة تكون : هذه السكين، صُنعت من المعدن،  وصنعها حرفي، وتُستعمل للقطع). ارسطو افترض ان السؤال الاخير حول الغاية من الشيء، يمكن ان يُطرح حول اي شيء مهما كان. هو قال ان الطبيعة تنتمي لصنف من الأسباب التي تعمل لأجل شيء ما.

من الواضح ان الأشياء المصنوعة مثل السكين لها هدف معين لأن الحرفي كان في ذهنه هدف عندما صنعها. ولكن ماذا عن الاشياء الطبيعية التي لا تُصنع؟ اعتقد ارسطو انها ايضا لها هدف. احد الامثلة لديه هو الأسنان التي نمتلكها لغرض المضغ. هذه الامثلة البايولوجية مقنعة جدا، كل جزء من أجسامنا له هدف. العيون للنظر، والقلب لضخ الدم وهكذا. لكن ادّعاء ارسطو لم يكن مقتصرا على الكائنات العضوية. هو يرى ان كل شيء له هدف. هو عرض مثالا آخرا عن المطر الذي يسقط لكي تنمو النباتات. ولذلك فان العالم نظام عقلاني منظّم،  كل شيء فيه له مكانه الملائم ويخدم هدفه الخاص. حيث هناك ترتيب أنيق : المطر يوجد لأجل النباتات، النباتات توجد لأجل الحيوان،  والحيوان يوجد لأجل الناس الذين رفاهيتهم هي الغاية من كامل النظام.

ان القول بان الطبيعة خلقت كل الاشياء لأجل الانسان يبدو كأنه تبرير لمركزية الانسان.جميع المفكرين استمتعوا بمثل هذه الفكرة، الانسان هو كائن معجب بنفسه.

المفكرون المسيحيون الذي جاءوا لاحقا وجدوا هذه الرؤية عن العالم ملائمة تماما. شيء واحد مفقود فيها وهو الله الذي كانوا بحاجة  له لتكتمل الصورة. (ارسطو انكر ان الله جزء ضروري من الصورة. بالنسبة له ان الرؤية الكلية ليست دينية، انها مجرد وصف لما تكون عليه الاشياء). وهكذا قال المفكرون المسيحيون ان المطر يسقط لمساعدة النباتات لأن هذا ما قصده الخالق، والحيوانات لإستعمال الانسان لأن الله صنعها لتلك الغاية. ولذلك فان القيم والأهداف،  جرى تصورها كجزء جوهري من طبيعة الاشياء لأن العالم حسب اعتقادهم خُلق طبقا لخطة الله.

الجانب الثاني

النتيجة المباشرة لهذه الطريقة من التفكير هي ان قوانين الطبيعة لا تصف فقط الاشياء، وانما تحدد ايضا ما ينبغي ان تكون عليه تلك الاشياء. الاشياء ينبغي ان تكون عندما تخدم اهدافها الطبيعية. عندما لا تقوم بذلك، او لا تستطيع خدمة تلك الاهداف، فان الاشياء تذهب في الاتجاه الخاطئ. العيون التي لا ترى هي معيبة، والجفاف هو شر طبيعي، كلا الحالتين من السوء تتضحان بالاشارة الى القانون الطبيعي.

لو اخذنا مثالا عن وجوب الاحسان. نحن مطلوب منا اخلاقيا ان نهتم بجيراننا كما نهتم بانفسنا لماذا؟ طبقا لنظرية القانون الطبيعي ان الاحسان طبيعي لنا. نحن بفعل طبيعتنا ككائنات اجتماعية نريد ونحتاج لصحبة الآخرين من الناس. انه ايضا جزء من طبيعتنا ان نهتم بالآخرين. البعض من لا يهتم ابدا بالآخرين الذين لايهتمون بدورهم يُنظر اليهم كمختلين نفسيا حسب مصطلح علم النفس الحديث.الشخصية الخبيثة هي معيبة تماما كالعين المعيبة التي لا ترى. هذا صحيح لأنها خُلقت من جانب الله بطبيعة انسانية معينة كجزء من خطته الشاملة للعالم. نظرية القانون الطبيعي ايضا اُستعملت لدعم الرؤى الاخلاقية المثيرة للإشكال. المفكرون الدينيون تقليديا رفضوا الممارسات الجنسية المنحرفة، اذا كان لكل شيء غرض فما غرض الجنس؟الجواب الواضح هو الانجاب. النشاط الجنسي الغير مرتبط بانجاب الاطفال يُنظر اليه كشيء غير طبيعي. هذه الطريقة من التفكير حول الجنس تعود الى القديس اوغستين في القرن الرابع وهي تتضح ايضا في كتابات توما الاكويني. الثيولوجيا الاخلاقية للكنيسة الكاثوليكية ترتكز على نظرية القانون الطبيعي. اما خارج الكنيسة الكاثوليكية لم يعد هناك الكثير من المؤيدين لها اليوم. انها عموما جوبهت بالرفض لسببين:

السبب الاول

 انها تبدو تخلط بين ما هو كائن وما ينبغي ان يكون. في القرن الثامن عشر أشار ديفد هيوم الى ان ما هو كائن وما ينبغي ان يكون هما فكرتان مختلفتان ولايمكن استنتاج  احداهما من الاخرى. نحن نستطيع القول ان الناس بطبعهم يميلون للاحسان، ولكن لا يتبع ذلك انهم يجب ان يكونوا محسنين. الحقائق شيء والقيم شيء آخر. نظرية القانون الطبيعي يبدو انها تجمع بين الاثنين.

السبب الثاني

 ان نظرية القانون الطبيعي اصبحت خارج الموضة لأن الرؤية للعالم وفقا لها لا تنسجم مع العلم الحديث. العالم كما وصفه غاليلو ونيوتن ودارون لا مكان فيه للحقائق حول الصح والخطأ. توضيحاتهم للظواهر الطبيعية لا تشير الى القيم او الأهداف. ما يحدث انما يحدث فقط وفق سلسلة قوانين السبب والنتيجة. اذا كان المطر ينفع الزرع، ذلك فقط بسبب ان الزرع تطور وفق قوانين الاختيار الطبيعي في مناخ مطير. وهكذا فان العلوم الحديثة تعطينا صورة للعالم كعالم من الحقائق، فيه فقط القوانين الطبيعية للفيزياء والكيمياء والبايولوجي تعمل بعماء وبدون هدف. ومهما كانت القيم فهي ليست جزءا من النظام الطبيعي. هذا يجعل نظرية القانون الطبيعي موضع شك، ويجدر التذكير ان النظرية ليست من انتاج الفكر الحديث وانما من القرون الوسطى.

الجانب الثالث

 وهذا الجانب من النظرية يعالج سؤال المعرفة الأخلاقية. كيف يمكن لنا تقرير ما هو الصحيح وما هو الخطأ؟ نظرية الاوامر الالهية تقول اننا يجب ان نستشير وصايا الاله. نظرية القانون الطبيعي تعطي جوابا مختلفا. القوانين الطبيعية التي تحدد ما يجب علينا فعله هي قوانين العقل التي نستطيع استيعابها لأن الله الذي هو خالق القانون الطبيعي جعلنا كائنات عقلانية لدينا القوة لفهم ذلك النظام. لذلك، فان نظرية القانون الطبيعي تؤيد الفكرة المألوفة بان الشيء الصحيح للفعل يمتلك افضل الاسباب الى جانبه. الأحكام الاخلاقية هي أوامر العقل. القديس توما الاكويني اكبر منظّري القانون الطبيعي  كتب في الخلاصة اللاهوتية ان الاستخفاف بأوامر العقل هو مساوي للوم اوامر الله. هذا يعني ان المؤمن بالدين ليس لديه طريق خاص للوصول للحقائق الاخلاقية. المؤمن وغير المؤمن هم في نفس الموقف. الله اعطى كلاهما نفس القوة من التفكير، ولذا فان المؤمن وغير المؤمن يستمعون للعقل ويتبعون توجيهاته. هم يعملون كاشخاص اخلاقين بنفس الطريقة، حتى عندما يفتقر غير المؤمن للايمان الذي يمنعه من ادراك ان الله هو صانع النظام العقلاني .

هذا يجعل الأخلاق مستقلة عن الدين. العقيدة الدينية لا تؤثر في معرفة ما هو أحسن، وان نتائج التحقيق الاخلاقي هي محايدة دينيا. بهذه الطريقة، المؤمن وغير المؤمن حتى عندما  لا يتفقان حول الدين، فهما يشغلان نفس العالم الاخلاقي.

نستنتج ان الصح والخطأ لا يُعرّفان وفق رغبة الله، الأخلاق هي مسألة عقل وضمير، وليس ايمان ديني، وفي كل الاحوال، فان الاعتبارات الدينية لاتعطي حلولا محددة للمشاكل الاخلاقية المعينة التي تواجهنا.الأخلاق والدين شيئان مختلفان. يجب التنويه ان الحجج اعلاه لاتفترض زيف المسيحية او اي نظام ديني، هذه الحجج تبيّن فقط ان الأخلاق تبقى مسألة مستقلة حتى لو كانت تلك الانظمة الدينية حقيقية.

 

حاتم حميد محسن

...................

المصدر: Does morality Depend on Religion?، من الفصل الرابع من كتاب الفيلسوف الامريكي James Rachels، عناصر الاخلاق، الطبعة الرابعة، 1986.

 

 

علي محمد اليوسفبداية: بين الفلسفتين البنيوية والتفكيكية كما عند فلاسفة عديدين خلاف حول اسبقية تراتيبية الكلام الشفاهي على أختراع الكتابة وبالعكس، أذ تذهب البنيوية كما هو معلوم الى تغليب أبتداع الانسان كلام المشافهة التخاطبي قبل توصله أختراع الكتابة الصوتية الابجدية، وهو أستقراء طبيعي تعتمده معظم نظريات تأصيل نشأة الكتابة في مجاراة هذا المنحى الذي ترجع أصوله التاريخية أعتماد اركيولوجيا التاريخ القديم وتنقيبات اثنولوجيا (لا تاريخ) ألاقوام البدائية كما دعى شتراوس له بدايات القرن العشرين. الا أن جاك دريدا أراد قلب هذه النظرية التراتيبية التحقيبية التاريخية بين الكلام الشفاهي اللغوي والكتابة الابجدية في تغليبه أولوية وأسبقية الكتابة على التخاطب الشفهي كما في أدبيات الفلسفة التفكيكية. ولم يوضح دريدا أي نوع من الكتابة يقصد أسبقيتها على الكلام الشفهي...وما جدوى هذا التعسف المفتعل حول قضية لا مجال التحقق من صدقيتها وسط عالمنا اليوم الذي يمور بصخب قضايا الانسان المصيرية التي يهدد بعضها البشرية بالانقراض.علما أن دريدا لا يقصد بالكتابة المدونة الابجدية للافكار وأنما هي الكتابة (الام) التي لم تعد موجودة وأنما يتوجب علينا أبتداعها.

دريدا وأختلاف النشأة

يذهب دريدا في كتابه (في علم الكتابة) الصادر عام 1967م رفضه النظرية البنيوية التي ترجّح أسبقية الكلام على الكتابة قوله (أن اشتقاق الكتابة المزعوم من الشفاهة مهما كان حقيقيا، ومهما كان عظيما، لم يكن ممكنا الا بشرط واحد هو أن اللغة الاصلية الطبيعية لم توجد بتاتا، أو لم تمسها الكتابة ولم تلمسها وأنها كانت كتابة في حد ذاتها، وهي الكتابة الام التي نريد أن نبين ضرورتها ونحدد مفهومها.)1

دريدا رغم قناعته الضمنية الاقرار غير المعلن حقيقة أنه لا يمكن الحديث عن الكتابة بمعزل عن مرجعية أسبقية الكلام عليها، يحاول القفز من فوق حقيقة تلازم الكلام الشفوي التخاطبي مع الكتابة بدءا من النقوش على جدران الكهوف التي لم تكن عند تلك الاقوام البدائية تعتمد الصوت الدلالي للرمز المرسوم كما لا تعتمد نوعا من الابجدية ولا حتى المقطعية المقترنة بدلالة صوتية لغوية لها بل تعتمد الشيئية لما يحيط به من اشياء. تلك قضية مفروغ منها في علوم اللسانيات والانثروبولوجيا أن تلك الرسومات الكهفية لم تكن كتابة لغوية بل علامات مرسومة للتعبيرعن الحيوان وأدوات الصيد المصنوعة من الحجارة.

دريدا بعباراته المقنّعة في ترجيحه أن الكتابة التي أطلق عليها اللغة الام ولم يستطع تعريف ماهي؟ ومم تتكون؟، وكيف انبثقت؟ وما هو أصل نشاتها؟، وكيف الوصول لها لدراستها، وما هي الحقبة التاريخية التي ظهرت بها تحديدا؟ وأين ظهرت؟ وهل هي لغة ماض أم لغة مستقبل يريد أبتداعها دريدا؟ وغير ذلك من اسئلة صادرها دريدا في بحثه الافتراضي عن لغة أصلية (أم) لم تلمسها الكتابة ولا تمت الكتابة بقرابة لها بحسب تعبيره. وهذه اللغة الاصلية في منظوره لم توجد بتاتا، فلا نعرف بأي نوع من الكتابة الميتافيزيقية ألّف دريدا كتبه مطبوعة؟  وهل من المتاح أمامنا فصل لغة الكتابة عن لغة الافكار ولغة الكلام الشفهي؟ وما هي ابجدية تلك الكتابة وكيف نعتمدها وما هي مقوماتها النحوية لنعرفها.

دريدا من خلال قراءتنا عبارته السابقة يقصد باللغة الام التي تسبق لغتي الكلام والكتابة المعروفتين هما غيراللغة (الام) الذي يقصده بالمعنى الميتافيزيقي للمصطلح في البحث عن كيفية برهنة وجود لغة ليست تاريخية بالمعنى الدقيق في التعبيرعن التحقيب الزمني الانثروبولوجي، ولم يعلن دريدا عنها صراحة فعلا بل تلميحا تنظيريا فلسفيا مجردا.. كيف نبحث مع دعوة دريدا عن اللغة الام التي نريد بيان ضرورتها ونحدد مفهومها وهي لم تكن موجودة بتاتا على حد تعبيره؟ وهي أي الكتابة الام لا تمت بأدنى صلة لانثروبولوجيا نشأة اللغة.

مفهوم دريدا لغة الكتابة يسوّقه بتغافله عن لغة الكلام التي لم تولد جاهزة حسب تاكيد علماء اللغة من فلاسفة البنيوية ومن فلاسفة غير بنيويين وعلماء اللغة فقد مرت لغة المشافهة الصوتية بمراحل تاريخية طويلة من التطورالصوتي الذي لم يكن ظهر فيه أي نوع من لغة الكتابة التصويرية سابقة على لغة الصوت الابجدية الذي جاءت متأخرة من تارخ الانسان في المراحل الحجرية وما تلاها، ولم تتحول هذه اللغة الصوتية الشفاهية الى نوع من كتابة صورية غير أبجدية الا مع بداية بلوغ الانسان العصر الزراعي بما يتميز به من الاستقرار القبائلي البسيط قرب الانهر والمياه وتدجين الحيوانات والرعي وأدخار الغذاء وتخزين الحبوب والمحاصيل الزراعية وقد كان تحقيب هذه الفترة التاريخية حسب علماء الانثروبولوجيا هو في 7500 عاما قبل الميلاد ولم تكن الكتابة معروفة في ذلك الوقت حيث كانت اللغة التخاطبية لغة حوار شفاهي بسيط جدا تساعدها حركات اليدين و ترافقها أشارات بعض أجزاء من الجسم وكذلك تعابير الوجه والتي بقيت موجودة طيلة تلك الاحقاب التاريخية حتى وصلتنا في مرحلة تاريخية متأخرة حوالي ثلاثة الاف سنة قبل الميلاد، وهذه اللغات التصويرية المكتوبة في ابجدية صوتية بسيطة ، وعنما نقول عنها كتابة غير أبجدية نعني أن تلك اللغات آنذاك كانت رسومات تعبيرية مقطعية وليست حروفا منطوقة ولا مقاطع يقترن الصوت فيها الدال لكل حرف أو علامة أو رمز كما نجده في اللغات المكتوبة واللهجات الشفاهية اليوم..

مرحلة العصر الزراعي لم تتطور الى معرفة الكتابة الا بعد مرور فترة تاريخية طويلة في بروز أقدم كتابة عرفها الجنس البشري هي اللغة المسمارية في بلاد الرافدين ثلاثة الاف سنة قبل الميلاد في تزامن تاريخي متقارب لا يتعدى القرن في ظهور الكتابة الهيروغليفية في مصر الفرعونية وظهور انواع من الكتابة في الهند والصين وغيرهما من بلدان العالم في تلك الاحقاب التاريخية والعصور المتقاربة، والى وقت متأخر ظهرت الكتابات باللغات اللاتينية في اليونان واللغات السامية والارامية في الجزيرة العربية واليمن، والسريانية في العراق وبلاد الشام وجميعها تعتمد رسم الحرف تلازمه الدلالة الصوتية له. والمرحلة التاريخية الممتدة بدءا من العصر الزراعي المتقدم قبل الاقطاع ثلاثة الاف سنة قبل الميلاد الى سبعمائة سنة قبل الميلاد كانت هذه الفترة التاريخية هي ميلاد الحضارة الانسانية الاولى التي رافقتها الكتابة والتدوين وبروز الاديان الوثنية والكهانة، وبدايات السحر والشعوذة والخرافات في العبادات الطوطمية وصولا الى تعدد الالهة في حضارة اليونان التي أنجبت الاساطير والميثالوجيا وفي بلاد الرافدين أنجبت وثنية تعدد الالهة اسطورة كلكامش وغيرها من اساطير.

كل هذا التطور التاريخي الموثق رغم تعاقب اكتشافات جديدة أهملها دريدا معتبرا أن الكتابة قفزة في مستقبل نوع مجهول من كتابة بلا هوية نسعى خلقها لم تمسّها الكتابة، هي متحقق معطى جاهز دفعة واحدة ولم تمر الكتابة المستقبلية الميتافيزيقية التي يطلق عليها دريدا اللغة الام حالها حال اللغة الشفاهية بمراحل تطورية يتلازم فيها كلام المشافهة مع الكتابة التدوينية. وهذه الكتابة الام هو ما يرغب دريدا ايجادها بالفلسفة التجريدية التي لم تمسّها الكتابة من غير سند تاريخي موثق يجعل من تصورات دريدا الفلسفية الميتافيزيقية واقعا يفرض أهميته في ابتداعه لغة جديدة بلا مقومات ساندة توثيقية تعتمدها.

دريدا ومصطلح الكتابة الام

دريدا أبتدع مصطلح الكتابة الام في اسبقيتها على لغة الكلام المنطوقة وكل شكل من اشكال الكتابة القديمة والمعاصرة أعتسافا دونما  يقصد بالمعنى اولا ما نعنيه عادة بهذا المصطلح الذي هل هو تدوين كل كلام شفاهي وكل فكرصامت بحروف ومقاطع وكلمات مكتوبة؟، ويقصد باللغة الكتابة ثانيا ظاهرة غامضة لا وجود حقيقي لها تقع علينا مهمة استحضارها هي (الكتابة الام) ويجري تفريق هاتين الفرضيتين كالتالي حسب فلسفة دريدا:

1- تندرج الكتابة الام في طبيعة اللغة حتى قبل أن تتحقق في لغة المشافهة.هذا رأي دريدا بمعنى هي اللغة التي سبقت تاريخ الكتابة، وتمثل مستقبلها الذي نسعى حضوره في ميتافيزيقا لغوية لا نمتلك ملامحها ولا نشاتها ولا ماهي؟.

2- في مجال اللغة تلتصق الميتافيزيقا بمركزية اللغة،2 وهذا الحكم المسبق يقضي أسبقية الكلام على الكتابة، ويؤكد صوتية الكتابة على رسم الحرف بدلالة صوتيته. وهو رأي أجماع علماء اللغة واللسانيات ما عدا دريدا.

على خلفية هذا التفريق (الدريدي) يجب علينا مناقشة ما تعنيه الكتابة في معناها التاريخي كخاصية اخترعها الانسان منذ احقاب طويلة ومارسها في حياته. حيث يتأكد معنا أن الكتابة هي لغة صوتية شفاهية أكتسبت صفة الفكر المدّون بالكلمات، بمعنى لا يمكننا تصور لغة صوتية صورية نتعامل معها كلاما لا يستتبعها بالضرورة المتعالقة بها تدوينيا كتابيا في امكانية تحويل الصوت اللساني للمتكلم الى رمز كتابي دال على معنى ما يقصده ويقوله. وهذا يقودنا استنتاج أن المشافهة التخاطبية أو الكلام هي بالاصل لغة كتابة لم تكتسب التدوين الابجدي الحروفي لها لكنها تفتقد التأصيل الموجودي كلغة مكتوبة . وكل صوت لغوي لم يكتسب التدوين كتابة فهو بحكم العدم والزوال لا يمكننا تاكيده ولا يمكننا أسترجاعه لا من الماضي ولا في حاضره. والكتابة الام لدى دريدا بمعنى المصطلح الميتافيزيقي أنها لغة كلام شفهي غير مدون كمصطلح كتابة حسب دريدا وهي ليست لغة اصوات مجردة عن تعالقها مع الكتابة أو يمكننا فهمها بمعزل عن امكانية ترجمتها الى رموز وعلامات كتابية دالة. اللغة الشفاهية في تداخلها المتأخر مع الكتابة التدوينية لا تولد برغبة يتفق عليها شخص أو بضعة اشخاص ويتم أستيلادها أختراعا من فراغ تاريخي لا وجود طبيعي انساني لها.

والنزوع اللاارادي نحو مركزية اللغة اليوم يقضي أسبقية الكلام على الكتابة من حيث اللغة أصبحت اليوم، كتابة مركبة من تعبير شفاهي مع تدوين كتابي، أي اللغة في حياتنا أصبحت اليوم علامات ورموز واشارات ودلالات تعبيرية متلازمة مع أمكانية ترجمة الصوت الذي تحمله الى دلالة تدوينية ابجدية ترسمها الكتابة، وأصبح علينا من الصعب فهم تجريد اللغة عن الدلالة الصوتية الشفاهية أو المكتوبة في التعبير وفهمنا الواقع من حولنا، فاللغة بلا تجريد صوتي ملازم للكتابة لا يمكنه التعبير عن دلالة قصدية مفهومة تواصليا. وعندما نقول اليوم لغة فأنما المقصود بها أنها لغة كلام وكتابة معا في تداخل عضوي لا يمكننا أفتكاكه وفصله واقعيا...بما ينهي مباراة مناظرات الاجتهادات الفلسفية حول الاسبقية بين الكلام والكتابة أذ لم يعد هذا التفريق يخدم قضايا اللغة والفلسفة بشيء جديد يستحق الاهتمام به في عصرنا الحالي حتى على مستوى مناقشته فلسفيا تجريدا.

دريدا ومصطلح المركزية اللغوية

في فرضية لمصطلح ابتدعه دريدا أيضا في التفكيكية أطلق عليه المركزية اللغوية في الغرب وأرتأى تقسيمه الى تعريفين متوازيين بمعنى انعدام أمكانية التوفيق في التقائهما علما أن التعريفين هما متلازمين ومتداخلين في معنى واحد وهما:

1- تقضي المركزية اللغوية الاعتقاد أن الكتابة ثانوية بالنسبة للكلام الشفاهي الذي تكون الكتابة تمثيلا له.3 وهذا رأي فلاسفة البنيوية وعلماء اللسانيات الذي ليس بحاجة لتاكيده من ناحية أسبقية تاريخية وليس من ناحية الاهمية المعرفية، أذ بالتاكيد حينها تكون غلبة الكتابة المعرفية على الكلام أكثر جدوى مقبولية ولكن ليس بالمعنى الذي أورده دريدا في مساواته بين ميكانيكية نقل الكلام الشفاهي كتابة التي هي ذاتها ميكانيكية آلية نقل الفكر كتابة، فالكلام العادي لا يوازي دلالة الفكر في المعادلة المعرفية وهذا لا يمنع آلية ترجمتهما الاثنين الفكر والكلام بعملية الكتابة في آلية لا نمتلك غيرها.

2-  تعتقد المركزية اللغوية حسب دريدا أن الكتابة هي مجرد نسخ للكلام الشفاهي بمعنى هي صورة لا تضيف شيئا الى القدرات المعرفية.4 وهذا الرأي لدريدا الفلسفي الذي سنناقشه أيضا.

علينا هنا التفريق بين الكتابة التي هي ليست كما يذهب دريدا عملية وآلية نسخ الكلام الشفاهي فقط دونما أضافة معرفية من الكتابة على ماهو شفاهي، فالكتابة تفكير لغوي قبل أن يكون ترجمة كتابية حرفية سواء أكان كلاما شفاهيا أو كتابة أبجدية مقروءة. الكتابة تفكيرتجريدي مدوّن وليست رسما علاماتيا شكليا ميكانيكيا عابرا لكلام تخاطبي.

أن الانسان كائن مفكر وكائن ناطق لغويا، والحقيقة أن الذي يغّير مسار الانسانية أنما هو الفكر المدوّن حسب تعبيربوشنسكي. بمعنى أن الفكر الذي يسبق تعبير اللغة هو الذي يحدد أمكانية الاضافة المعرفية التي نكتسبها بالكتابة التدوينية للفكر وليس تدوينية النسخ في كتابة الكلام الشفاهي ميكانيكيا. أن التاكيد هنا على فاعلية الفكر كمضمون عقلي تخليقي هو الذي يقوم بتغيير القدرات المعرفية وليست اللغة كشكل تأطيري تعبيري لمضمون التفكير العقلي،فالفكر مضمون عقلي واللغة تأطير شكلي له. والفكر نظرية متأملة، والموجودات وقائع تحملها الصدف الادراكية بها أوالوعي القصدي لمعرفتها. عليه نؤكد أن ترجمة نقل الكلام كتابة ليس هو نفسه ترجمة نقل الفكر كتابة ليس من الناحية الالية في الترجمة النقلية بل من ناحية التفريق بينهما بالترجمة المعرفية في الدلالة...فالكلام سواء أكان شفاهيا أو مكتوبا فهو لا يحمل قيمة معرفية كما يحملها الفكر المكتوب.وجود الاشياء في نوع علاقتها مع التفكير العقلي لها، تسبق الفكر واللغة المعبّرة عنها لاحقا. فالعقل يستبق الفكر واللغة في تلازمهما وادراكهما للوجود الخارجي ، وهذا يخالف مثاليو فلاسفة نظرية المعرفة في تزمتّهم القول (ان فعل  المعرفة لا يقوم في عملية ادراك الموضوع،بل في فعل خلق الموضوع، وأن الوجود لا يوجد في ذاته، انما الفكر هو الذي ينشؤه).

ببساطة متناهية الفكرالتجريدي لا ينشيء وجودا ماديا من فراغ وجودي سابق عليه، بل من موجود او موضوع مدرك له سابق عليه، لكنه (الفكر) يضطلع بمهمة تغيير وتبديل الاشياء والموجودات كمواضيع يدركها العقل ويعمل على تخليقها في جدلية من الصيرورة الدائمة غير المنتهية بين الموجودات ولغة الفكر المعبّر عنها. نخلص من هذا أن الفكر لا يمثل الكلام الشفاهي رغم أن التعبيرين هما لغة واحدة من حيث المصدر لكنهما مختلفين في المعنى المضموني أحدهما عن الاخر، ولا يعني هذا أن الكلام لا يحمل تفكيرا مسبقا  قبل تعبير اللغة عنه أو ترجمته ونقله كتابة.

في هامش ص 138 من مصدر هذه المقالة كتاب (فلسفة اللغة) وقعت على هذه العبارة في معرض محاججة دريدا حول أسبقية الكلام على الكتابة لمؤلفي الكتاب (عندما نمّثل آلية أنتاج الكلام نمثل شيئا مختلفا عن مجرد نقل ترجمة الحركة الصوتية، أي الكلام الحي الذي تهدف الكتابة نقله وحده فقط).ص 38

نرى أن الكلام والكتابة هما ناتج عملية ادراكية واحدة، فالفكر في الكلام الشفاهي لا يختلف عن الفكر الصامت المتأمل من حيث آلية ترجمتهما في الكتابة في نقل التفكيرين الى تصويرات وتصورات أبجدية، لكن يبقى السؤال عالقا هل آلية انتاجية الكلام لسانيا هي نفسها آلية آنتاج الفكرالصامت عقليا الذي هو تخليق ذهني ناضج وليس كلاما سطحيا عابرا؟، في حين الكلام الشفاهي تلعب به تعابير اللغة الارتجالية أكثر من تركيز الذهن المفكر الذي يكتب كتابة. عليه لا تكون ترجمة الكلام الشفاهي كتابة هي ذاتها نقل كتابة الافكارالصامتة. علما أن الفعاليتين مصدرهما الذهن واستيعابهما في الترجمة النقلية هما كتابة واحدة من حيث الشكل لكنهما في الجوهر المضموني مختلفين ولا يمكن مساواة الكلام مع الفكر معرفيا وكلاهما تعبير لغوي لكنه مختلف فمثلا هل يمكننا كتابة كلام شفهي تحاوري بنفس أهمية كتابة محاضرة بالتاريخ أو الفلسفة؟ وكلاهما قبل الكتابة كانا كلاما شفهيا مسموعا. لكن في الكلام تكون الغلبة للسان اللغوي الناطق قبل التفكيرالعقلي اللغوي الناضج بالكتابة. الكتابة ليست عملية ميكانيكية من حيث آلية تحويل الفكر اللغوي الصامت هي نفسها الية تحويل الكلام المنطوق وأن اللسان الناطق شفاهيا يكون مختلفا في تعبيرالفكر في كتابة اللغة الشفاهية والصامتة بلغة واحدة لا تختلف في ترجمة الكلام الناطق عن ترجمة الفكر الصامت كتابة. لكن تبقى حقيقة أن الفكر ليس هو الكلام الشفاهي حقيقة لا يمكن القفز من فوقها.الكلام الشفهي لا يحتاج لغة تعبيرمضمونها فكري صامت، بل يحتاج لغة تعبير ارتجالية تحاورية زائلة سواء ترجمت كتابة أم لم تترجم، عكس الفكر الذهني التخليقي فهو معرفة لغوية ثابتة باقية تحمل المطاولة والامتداد بخلاف مشافهة الكلام ....

 

علي محمد اليوسف /الموصل

...............................

الهامش: فلسفة اللغة /سيلفان اورو،جاك ويشان،جمال كولوغلي/ت بسام بركة صفحات 113، 138،132، 136

 

 

 

احمد عمر النائليهل الوجود الحالي هو تكرار مستمر لوجود سابق؟ وأن هذا الوجود يتغير ولكن بشكل متشابه، فهو تكرار لأنماط وجودية محددة سابقة، وأن التكوين المادي والأحداث التي يمر بها الوجود تتكرر بصيرورة لا تنتهي؟، هذه فكرة قديمة تعود إلى المعتقدات القديمة للإنسان في أسيا ومصر، وهي تشبه فكرة التناسخ الهندوسية Reincarnation والتي تفترض أن الإنسان سيولد من جديد بذات النفس ولكن في جسد آخر، فهذه الفكرة ومع هامش الاختلاف تُسمى وفق طرح فريدريك نيتشه بفكرة " العود الأبدي Eternal return " أو التكرار الأبدي، وهي موجودة منذ القدم، ولقد تحدّث عنها الإغريق مثل الفيلسوف أناكسيماندر 610)ق.م، 546 ق.م) الذي آمن بوجود عدد لا متناهٍ من العوالم، وهرقليطس (540ق.م 480 ق.م) الذي تصور أن النار ستلتهم العالم أكثر من مرة، وسيعود العالم بعد ذلك عوداً أخضراً يافعاً مثلما كان، كذلك اعتقد أنبادوقليس (483 ق.م 442 ق.م) بتتابع أبدي لعوالم وجودية متتالية تتكون ثم تفسد، وكأني به هنا يتحدث عن فكرة تعدد الأكوان الحديثة والتي تفترض وجود أكوان متعددة، لكل كون منها قوانينه الفيزيائية والكيميائية الخاصة ؛ نظراً لأن الانفجار العظيم لم يحدث ويتسع بشكل متساوي قبل 13.8 مليار سنة، ناهيك عن حديث الرواقيين حول هذه الفكرة والمستقاة من سابقيهم .

هذا التصور الذهني للوجود المتمثل في فكرة " العود الأبدي Eternal return تضاءل إلى درجة الاختفاء مع ظهور المسيحية، ابتداءً مع تبني الإمبراطورية الرومانية لها وبشكل واضح بعد مجمع نيقيا عام 325م، لرفض أباء الكنيسة لها، نظراً لأن المسيحية والديانات الإبراهيمية قدّمت تفسيراً آخر للوجود يتمثل في نوعين هما : الحياة الدنيا والحياة الآخرة، رغم أن بعض رجال الدين المسيحيين تحدثوا عنها مثل كاليمنت السكندري (150م – 215م) وغيره، ولكن وبعد ظهور زمن الأنوار في أوروبا عادت هذه الفكرة من جديد، وربما يكون أحد أوائل المتحدثين عنها هو الشاعر الألماني هاينريش هاينه (1797- 1856م (والذي تأثر به الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، ويقال أن الأخير تعرف من خلاله على فكرة " العود الأبدي Eternal return "، رغم أن نيتشه يُقر أنه صاحب هذه الفكرة، والتي تحدّث عنها في كتابيه هكذا تحدث زاردشت Thus Spoke Zarathustra وكتاب العلم المرحScience Fun، ولقد وجدت شذرات حول هذه الفكرة لدى هايني وليوس بلانكي وهولدرلين وجويو وسبنسر وبايرون، ولكن يظل نيتشه هو الذي قدّمها بشكل علمي مفترضاً وجودها علمياً لا باعتبارها شيئا ممكناً بل حقيقياً، ولقد حاول أن يقدم برهانه حولها من خلال جهده العلمي ولكنه لم يستطع أن يُقدم دليلاً حاسماً أو الأكثر حسماً حولها .

وتقوم فكرة " العود الأبدي " على فرضية أن الوجود صيرورة دائمة ليس له نهاية، وأنّ معامل حجم مادة الوجود ثابت ومتناهٍ ومحدود رغم ضخامته، وفي ذات الوقت فإنها تفترض عدم محدودية الزمن فهو في ازدياد باستمرار وأنه ممتد إلى ما لانهاية، وهنا يتبين لنا أن تشكّل وتمظهر هذه المادة سيظل محدوداً مهما كان عدده، لأن حجم ونوع هذه المادة ثابت لا يزيد ولا ينقص، حيث سيظل الوجود يتغير إلى عدد محدد يَستنفذ في النهاية الأشكال الممكن تكوّنها، ويصل إلى السنة العظمى The perfect year الفاصلة بين وجودين، يتم من خلالها استكمال كل الأشكال الممكنة، لننتقل بعدها إلى وجود مكرر نُعيد من خلاله الوجود السابق، أي أن حياتنا ووجودنا ومحيطنا سيعود مثلما ظهر في المرة الأولى وسيتكرر هذا الوجود إلى ما لانهاية، فسنموت ونعيش نفس الحياة إلى ما لانهاية دون أن تكون حياتنا مختلفة، وهذا الطرح يذكرني بفكرة لعبة النرد في درس إحصاء الاحتمالات، أي أن الاحتمالات الممكنة لعودتنا إلى الحياة وبذات الوضع الحالي ومع وجود زمن ممتد إلى ما لانهاية ووجود حجم ثابت للمادة سيكون إلى مالا نهاية هو الأخر، ولو كان الزمن محدداً لكانت الأشكال الممكنة محددة تتوافق مع الزمن، وتشبه هذه الفكرة صورة الخباز الذي يملك كمية محددة من العجين، ففي هذه الحالة سيقوم بتشكيل عدد محدد من الأشكال سيضطر في النهاية إلى تكرار هذه الأشكال ؛ لأن نوع وحجم العجين ثابت.

ولدعم افتراضه الفيزيائي النظري القاضي بثبات حجم المادة في الوجود يرفض نيتشه فرضيتين اثنتين، فهو يرفض فرضية ازدياد حجم كتلة الوجود لأن ذلك يُعتبر غير منطقي ويحتاج إلى معجزة وهو أمر ميتافيزيقي، بالتالي فهو مستحيل بالنسبة له، فمن أين ستأتي هذه القيمة المضافة للوجود والمادة لا تفنى ولا تُستحدث من العدم كما يقول قانون لافوازييه، كما يرفض في ذات الوقت فرضية تناقص حجم كتلة الوجود، لأن صحة هذه الفرضية تقتضي فناء الوجود، لأن ماضي هذا الوجود غير متناه في القدم، بالتالي استمرار هذا التناقص منذ الأزل سيجعلنا حالياً في حالة العدم .

هذا الاستنتاج الذي توصل له نيتشه ينطلق من تفكير استنباطي يقترب من نهج الدليل الافتراضي ألإبعادي Abduction، لعدم وجود أدلة حاسمة فهو أحد الفروض المتاحة وليس بأفضلها، وهي فكرة ليست بغريبة على نيتشه أن يطرحها من جديد، انطلاقاً من ممارسة فلسفية يمكن أن نسميها فلسفة المطرقة والتي تقوم بهدم كل فكر مألوف اعتادت عليه المنظومة الفكرية البشرية، وتقوم بإعادة بنائه وفق رؤية تنطلق من تبني مقدمات جديدة، كهذه الفكرة التي تجعل الوجود خاضع لصيرورة دائرية، وهنا بالإمكان أن نعقد محاكاة تشابه مع فرضية الانفجار العظيم التي من المفترض أنها حدثت قبل 13.8 مليار سنة، والتي تقضي بحدوث انفجار عظيم أدى إلى تكون الكون والاستمرار في اتساعه، هذا الاتساع لن يكون إلى مالا نهاية بل سيصل إلى حالة معاكسة وهي الانحسار العظيم ومن ثم العودة إلى حدوث الانفجار العظيم من جديد وهكذا دواليك، مع إمكانية توافر فرضية أخرى وهي ثبات الكون في النهاية بدون حركة التوسع والانحسار باعتبارها مبرر لتعدد الأكوان والتي تكونت نتيجة أن التوسع الكوني لم يكن موحداً، هذا التشابه مع فرضية التوسع والانحسار يشبه فكرة العود الأبدي، وهي موت الوجود وقيامته من جديد .

ولتحليل هذا الطرح النيتشوي فسنجده متساوق مع فكره بصفة عامة، فهو يحاول أن يؤكد ضرورة تحويل البوصلة من سلطة الإله إلى سلطة آلة الطبيعة العمياء، والتي تخضع لقانون العلة والمعلول الذي يرفضه عندما يتحدث عن إرادة الإنسان الأعلى الذي يجب أن يتحدى علة ظروفه السيئة ليكون صانع إرادة القوة، وهو يقدم طمأنينة بديلاً عن الطمأنينة التي تقدمها الأديان، تمنح ضمان العودة إلى الحياة بشكل لا نهائي وروتيني مكرر، محاولاً تقديم إطار كامل لفكره، بل ستجعل الإنسان يسعى إلى تحسين ظروفه حتى يتمكن من العودة للحياة وبذات الظروف الحسنة إذا استطاع إيجادها، ولكن كيف سَيحسّن ظروفه وهو نتاجُ حدوث حيوات سابقة .

إن نيتشه مارس إكراه تجاه الوجود المادي يُحب أن يراه، فالظاهرة الوجودية مازالت سراً غامضاً، ولا يستقيم فهمها بهذا اليسر، فالمقدمات التي انطلق منها هي أحدى الافتراضات وليست كلها، وهي تنطلق من فكرة موت الإله لديه، بالتالي سيبحث عن نظام آلي يعطيه تفسيراً لصيرورة الحياة، فهو يحاول أن يحطم مفهوم وشعور الفناء، حتى يُسبغ على الحياة غاية ومحبة العيش فيها لذاتها، رغم أن تكرار نشوء الوجود لا يضمن ظهور الإنسان بذات الوعي والإدراك، فلما لا يكون وجودنا الحالي هو الوجود رقم ترليون وثلاثمائة مليار ونحن لا نشعر به، لأن جهاز الذاكرة لم يتكرر، ومن قال أن وجودنا الحالي هو الوجود رقم واحد، وفكرة تكرار الاحتمالات بصفة عامة تحتاج إلى توافر ذات الشروط لكل الاحتمالات حتى تتكرر ولو كانت بنسب مختلفة، وكيف سيثبت نيتشه أن آلة الطبيعة العمياء ستعمل بهذا الاطراد المنظم بين الفناء والوجود، أليست كل الاحتمالات ممكنة في حالة عدم معرفة الظروف .

إن عدم وجود وتوفر ما يسميه الابستمولوجيون " بالتجربة الحاسمة " أو الدليل المنطقي المكتمل سيجعل من هذه الفكرة خيالاً علمياً، لا يرتقي إلى أن يتم قبوله، والدليل انتفاؤها مع ازدهار المنهج التجريبي والذي بدأ مع جاليليو كما يرى أستاذنا الفاضل محمد عابد الجابري رغم قيام سابقه كوبرينيكوس بأهم قطيعة معرفية معروفة وقيام كابلر باكتشاف المدار الإهليجي .

فالانطلاق من خبرتنا الحالية ومقدماتنا العقلية وآلية تفكيرنا المحدودة لمقاربة ظاهرة وجودية هائلة أزلية، سيكون مغامرة غير محمودة العواقب، فالإنسان لم يصلْ بعد إلى معرفة الجزء اليسير من هذا الوجود المتنامي في الاتساع، ناهيك أن الكون الذي نعيش فيه قد يملك قوانين فيزيائية وكيميائية تختلف عن الأكوان الأخرى في حالة وجودها، أو أن الأماكن التي تبعد عنّا تريليونات السنوات الضوئية في ذات الكون، قد تكون فيها سرعة الضوء غير ثابتة أو أن أشكال المادة ليست ثلاثة، فتحرير الإنسان من الأوهام وأخلاق العبيد لا يستلزم توظيف قوانين الوجود التي لا نعرفها، حتى توافق ما نريد، فالظاهرة هي السيّد الأول الذي يُملي علينا قوانينه، فقد تتحول المعارف والمناهج العلمية إلى وهم نطمئن إليه، لنكتشف كما أكتشف كوبرينيكوس بعد أربعة عشر قرناً أن ما قاله بطليموس من أن الأرض هي مركز الكون هو محض هراء، رغم أن خطاب الفلسفة المدرسية الأوربية والفلسفة الإسلامية يؤكد ذلك، فقد تتحول النظريات إلى ايدليوجيا نحاول أن ندافع عن نواتها الصلبة كما يرى المجري إمري لوكاتس Imre Lakatos في برامجه العلمية، محاولين ترميمها حتى تستطيل عبر الزمن فيطول البرادايم paradigm إلى أجل غير مسمى، لقد حان الوقت إلى أن نخرج من ديدن قيد مقدمات الخبرة البشرية السابقة وآلياتنا العقلية الحالية إلى أفق أرحب لجميع الأفكار، فنحن نعيش في وجود معلومات فيزيائية وكيميائية ضئيلة عن مجمل الوجود، لذلك ليس أمامنا إلّا أن نسبح في بحر كل الفرضيات الممكنة، محاولين تفحصها ومناقشتها، فمن رحم ما نعتقد أنه ميتافيزيقيا ستولد المعارف المبررة، فقط أن لا نثق وبشكل حاسم دوغمائي في معرفتنا الحالية، فالوجود غامض وفكرة اللانهاية على سبيل المثال لا نجد لها تفسيراً سوى القبول الرياضي المؤقت ؛ حتى تستقيم المعادلات الرياضية والتي هي مقدمات أكسيومية نفترضها وليست الظاهرة في وضعها الحقيقي.

وأخيراً قد يأتي يوم يقبل فيه المجتمع العلمي دون تردد فكرة العود الأبدي سالفة الذكر أو أية فكرة أخرى مستحيلة التطبيق حالياً، ولكن استحالة إدراك الوجود فيزيائيا وبشكل شامل سيقودنا إلى طريق تبني الإيمان وما تطرحه الأديان ؛ لأنه يقدم تفسيراً يخضع للاقتصاد الفكري ويُجيب على أسئلة الوجود، التي تطمئن لها القلوب الرافضة لحالة الطبيعة العمياء المرفوضة من قبل الآلية العقلية الحالية و يستحيل على العلم أن يجيب عليها، فالإيمان يقوم على تبني فرضية وجود القدرة القادرة على انجاز المستحيل والتي لا تخضع لبديهيات عقولنا، فالله هو العلة الأولى للوجود وهو الذي لا يخضع لقوانينه، فالصانع لا يخضع لقوانين المصنوع، فهو الأول الذي ليس له بداية وهو الأخِر الذي ليس نهاية، وهو الذي ليس كمثله شئ، وهو القادر على كل شئ .

 

أحمد عمر النائلي - إعلامي ومحاضر جامعي ليبي

 

زهير الخويلدي"إن فن الحياة يدور حول حياة كل واحد "[1]

هل يمكن أن تهتم الفلسفة بالعناية بالذات؟ ولماذا تشترط توفر أخلاقيات الرعاية السياسية بالذات النفسية؟

المجلد الثالث والأخير في تاريخ الجنسانية هو مكرس لتدريب الفرد كما تم تطويره من خلال النصوص التي غالباً ما يتم تحليلها قليلاً، ولكنها حاسمة في إنشاء غرض ثقافي عام تتوج بظهور شخصية فريدة قادرة على الاستفادة المثلى من جسدها وروحها المتعلمة بشكل متناغم لجعلها قادرة على تولي الوظائف السياسية التي يقصد بها على الفور. الرعاية الذاتية ليست أنانية ضيقة، ولكن البحث عن الحياة وفقًا لترتيب يضمن استدامة المدينة، والذي نسعى إلى استنتاجه من الطبيعة كما نفهم قوانينها. وهكذا يكشف فوكو عن نفسه بحثًا عن إعادة إنشاء روابط معينة، تكسرها الحداثة، بتقليد قديم كلاسيكي يجعلنا نعيد اكتشافه. وبالتالي يبدو الاهتمام بالذات وفقًا للقراءة التي يقدمها فوكو، من خلال التأكيد على عملية العمل التي يقودها كل شخص لنفسه وللمدينة، على الرغم من المشاكل التي تبدأ من أماكن بعيدة على ما يبدو، يمكن مقارنته بمفهوم الرعاية الذي طورته فلسفة الصحة. الرعاية، في الواقع، تفترض أيضًا عملية عمل مبنية على علاقة مع الآخرين من حيث القرب والسياق. في المستوى الثاني، تفترض الرعاية الذاتية، مثل الرعاية من حيث هي علاقة اعتناء بالمدينة مسبقًا، وبعبارة أخرى علاقة أخلاقية بالسياسة.

النقطة المهمة هي أن الذات ليست هنا بداهة، حيث علمتنا الميتافيزيقيا المدرسية النظر فيها، واستيعابها في جوهر. بدلا من ذلك، تأثير هذه الممارسات، التي تسمى بحق التحول الذاتي. وهذا بالضبط ما يدور حوله مفهوم الرعاية الذاتية الذي أعاد فوكو اكتشافه. كان عليه أن يحررها، كما سنرى، من طبقاتها الفلسفية، التي شكلتها قرون من سوء الفهم والحجب، قبل رؤيتها في العمل في علاقة الذات بالحقيقة.

ربما يكون الاهتمام بالذات في وقت مبكر وأكثر أهمية من المشهور الذي يعرفه الجميع حول الاغريق، والذي هو في بعض الأحيان الأساس السقراطي. الآن يظهر فوكو أنك تعرف نفسك، فأنت في الواقع خاضع للرعاية الذاتية. في مطالبته للبحث عن الحقيقة، وجه سقراط هذا النقد أيضًا للمواطنين الأثينيين:

"ماذا! صديقي العزيز، أنت أثيني، مواطن في مدينة كبيرة، وأكثر شهرة من أي دولة أخرى لعلمها وقوتها، ولا تتورع في إعطائك الرعاية  لثروتك لتزيدها قدر الإمكان، وكذلك سمعتك وتكريمك ؛ ولكن بالنسبة إلى عقلك، فيما يتعلق بالحقيقة وروحك، والتي هي مسألة تحسين مستمر، فأنت لا تهتم، حتى أنك لا تفكر في ذلك." هكذا تحدث أفلاطون في محاورة الدفاع عن سقراط مشيرا الى البُعد عن الرعاية الذاتية بوضوح نتيجة البُعد عن الحقيقة، والحقيقة حول الذات بقدر ما تشير إلى الحقيقة بشكل عام.

في هذا الاتجاه يميز فوكو ثلاثة أبعاد أساسية في الرعاية الذاتية كان قد ذكرها في دروسه عن هرمينوطيقا الذات [2]في علاقة بالذات والعالم والآخر، حول موضوع الموقف العام من الذات لذاتها، و طريقتها المعينة للنظر إلى الأشياء، وحول مسألة المكوث في العالم، للقيام بأعمال معينة، ولإقامة علاقات مع الآخرين.

"- أولاً، موضوع الموقف العام، وطريقة معينة للنظر إلى الأشياء، والتواجد في العالم، والقيام بأعمال، وإقامة علاقات مع الآخرين. هو موقف: تجاه الذات، تجاه الآخرين، تجاه العالم ؛

- ثانياً، العناية بنفسك تعني أنك تحوّل نظراتك، وأنك تنقلها من الخارج إلى ... كنت سأقول "بالداخل". دعونا نترك هذه الكلمة (التي تعتقد أنها تطرح الكثير من المشاكل) جانباً، ودعونا نقول فقط أننا يجب أن نغير نظرتنا، من الخارج، ومن الآخرين، من العالم، وما إلى ذلك، نحو : "نفسك". تتضمن الرعاية الذاتية طريقة معينة لمشاهدة ما تفكر فيه وما يحدث في الفكر. علاقة كلمة التمرين بالتأمل. (...).

- ثالثًا، الإجراءات التي يمارسها المرء على نفسه، الإجراءات التي يتولى المرء بواسطتها مسؤولية نفسه، والتي يعدل المرء من خلالها نفسه، والتي ينقي المرء من خلالها نفسه ويحول من خلالها المرء نفسه. ويقوم بتشكيلها. ومن هناك، سلسلة كاملة من الممارسات التي، في معظمها، مثل العديد من التمارين التي سيكون لها (في تاريخ الثقافة والفلسفة والأخلاق والروحانية الغربية) مصير طويل جدًا. على سبيل المثال، هذه تقنيات التأمل. هذه هي تقنيات حفظ الهوية؛ هذه هي تقنيات الفحص الذاتي."

على هذا الأساس يدعو ميشيل فوكو الى العناية بالذات بأن"يصبح المكان المعطى لمعرفة الذات أكثر أهمية: مهمة اختبار نفسك، فحص ذاتك، التحكم في نفسك في سلسلة من التمارين المحددة جيدًا تثير سؤال الحقيقة - حقيقة ما نحن عليه وما نحن قادرون على القيام به - في صميم تكوين الذات الأخلاقية "[3]

يعتبر ميشيل فوكو بالفعل الرعاية الذاتية بمثابة تقنية ذاتية، وهو فن لا يمكن، على هذا النحو، اختزاله إلى السجل الوحيد للمعرفة، ولكنه يشمل ممارسات الكتابة أو التأمل بالإضافة إلى الإثارة الجنسية أو الممارسة السياسية. لم تعد مسألة صنع عمل معرفي بل جعل حياة المرء أثرا مصنوعا، يصرح حول هذا الأمر: "بالكاد نمتلك ذكرى هذه الفكرة في مجتمعنا، وهي فكرة يتم بموجبها رعاية العمل الفني الرئيسي، المجال الرئيسي الذي يتعين عليك فيه تطبيق القيم الجمالية هو نفسك وحياتك ووجودك"[4]. لكن أليس الاعتناء بالذات هو علامة حرية؟ وألا تمثل أخلاقيات الرعاية الذاتية ممارسة للحرية؟ وكيف يقتضي الاعتناء بالذات ممارسة الاعتراف بالتحريض على خطاب التجربة المثيرة التي تتعلق بالرغبة[5] ؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...............................................

[1] Epictète, Entretiens, I, 15, 2, cité par Hadot (P.), Exercices spirituels et philosophie antique, Paris, Albin Michel, 2002 (2e édition), p. 23.

[2] Foucault (M.), L’herméneutique du sujet, Cours au Collège de France 1981-1982, Paris, Seuil/Gallimard, 2001.

[3]  ميشيل فوكو، تاريخ الجنساية، العناية بالذات، الجزء الثالث، لقد تفاديت الترجمتين العربيتين للكتاب وهما: الانشغال بالذات والانهمام بالذات، تاكيدا على الفاعلية الانسانية في رعاية الذات والعالم والآخر.

 

حاتم حميد محسنهناك ست فلسفات أخلاقية كبرى يمكن ويجب ان تُستعمل في تحليل أي موقف. هذه النظريات هي: القاعدة الذهبية، الإعتدال او الوسط، الاخلاق المطلقة، النفعية، مذهب المتعة، وقناع الجهل. هذه النظريات الرئيسية هي التي بقيت طوال 2500 سنة من تاريخ الفلسفة الاخلاقية الغربية. انها مألوفة لكل من عاش في الولايات المتحدة او أي من البلدان المتأثرة بالثقافة الاوربية. مظاهر هذه النظريات تتضح في السياسات العامة والقوانين والأعراف الاجتماعية.

1 - القاعدة الذهبية:

 او قاعدة الاخلاق المتبادلة، وهي تعلّم الناس "ان يحبّوا جيرانهم كما يحبوا لأنفسهم". هذه النظرية تعود في جذورها الى فلاسفة اليونان القدماء مثل بيتاكوس (توفي في 568 قبل الميلاد)، واُعتبر أحد الحكماء السبعة في اليونان، واشتهر بقوله "لا تفعل لجارك ما كنت ستمرض منه"، كذلك طاليس الذي توفي عام 546 ق.م هو حكيم يوناني آخر قال "تجنّب عمل ما ستلوم الآخرين على فعله"، وايضا الفيلسوف الرواقي ابيكتاتوس الذي توفي عام 135 ميلادي، والذي كتب "ما تتجنبه لنفسك حاول ان لا تفرضه على الآخرين." في الحقيقة، ان جميع الأديان الكبرى لديها بعض مظاهر القاعدة الذهبية كجزء من تعاليمها وكتبها المقدسة. هذه الفلسفة تؤمن بان الفرد يجب ان يكون انسانا قدر الإمكان وان لا يؤذي ابداً الآخرين بأفعال تفتقر للشعور.

2- مذهب المتعة Hedonism:

 وهو مشتق من الكلمة اليونانية المتعة او pleasure، ويرتبط مذهب المتعة بقوة بفلسفة العدمية والنرجسية. تلميذ سقراط اريستيبوس (مات عام 366ق.م) أسّس هذه الفلسفة الأخلاقية على اساس المتعة. اريستيبوس اعتقد ان الناس يجب "ان يعملوا لتعظيم المتعة الآن وان لا يقلقوا على المستقبل". غير ان اريستيبوس أشار الى متعة الذهن – متعة التفكير وليس المتعة الحسية. هو اعتقد ان الناس يجب ان يشغلوا وقتهم بالجهود الفكرية واستعمال الحكم الجيد في علاقاتهم الشخصية. عبارته تلخّص فلسفة المتعة : "انا امتلك الأشياء، لا الاشياء تمتلكني". لسوء الحظ نرى ان الإستعمال الحديث للفلسفة يتجاهل نوايا اريستيبوس الأصلية. الكاتب المسرحي والشاعر بن جونسون كتب مرة أحسن تلخيص لفلسفة المتعة، "اشرب اليوم، واترك كل الحزن، انت ربما لن تستطيع ذلك غدا، عندما تمتلكه، لا تستمع للآخرين، لن يكون هناك شرب بعد الموت".(1) عبارات مثل "عش ليومك" و "لا تقلق، وكن سعيدا" حاليا تعبّر عن فلسفة المتعة. اذا كانت الفكرة او الفعل يرتكز كليا على الحافز الشخصي من نقود، وشهرة، وعلاقات، وما شابه – فان التفسير الحديث لفلسفة المتعة يكون هو السائد.

3- الإعتدال او الوسط :Golden mean

 الفيلسوف اليوناني ارسطو الذي ولد قرب مدينة سالونيك عام 384 قبل الميلاد. كونه من عائلة ثرية درس في اكاديمية اثينا تحت اشراف الفيلسوف افلاطون. بعد التعليم والتعلم في الاكاديمية لمدة 20 سنة، سافر ارسطو في انحاء المنطقة لدراسة البايولوجي والنبات. بالنهاية عمل معلما للاسكندر الاكبر ولاثنين من ملوك اليونان وهم بطليموس وcassander. عندما كان في عمر الخمسين عاد الى اثينا وبدأ في تأسيس مؤسسته التعليمية Lyceum، حيث كتب عددا هاما من الكتب في مختلف المواضيع التي احدثت نقلة كبيرة في العلوم والاتصالات والسياسة والبلاغة والاخلاق. ورغم ان مبدأ الإعتدال او الوسط كان في الأصل مفهوم كونفوشيوسي جديد صاغه أول مرة Zisi حفيد الفيلسوف الصيني كونفوشيوس، لكن آرسطو فصّله بدقة للقرّاء الغربيين في كتابه (الاخلاق النيقوماخية) الذي أهداه الى ابنه نيقوماخس. فلسفة الاعتدال تشير الى ايجاد ارض وسطية او تسوية بين حدّين من وجهات النظر او الأفعال. الطريقة الوسطى لا تستلزم متوسط رياضي دقيق وانما هي فعل يتناسب تقريبا مع ذلك الموقف في المكان والزمان. عند استعمال الوسط الذهبي ، انت يجب اولا ان تفكر في اثنين من الامثلة المتطرفة. بالنسبة الى عنف معين او صورة خبرية مثيرة للجدل او فيديو ، هناك خياران متطرفان. الاول هو ان تأخذ ومن ثم تستعمل صورة كبيرة وملونة تضعها في الصفحة الأمامية للصحيفة او لغلاف المجلة او في صدارة أخبار الاذاعة. الخيار المتطرف الآخر هو ان لا تستعمل الصورة الرمزية او الايمج ابداً . تسوية او طريقة وسط يمكن ان تستخدم صورة صغيرة في ابيض واسود، صغير، على صفحة داخلية، كفيديو منقح قصير او ويبسايت حيث يتم تنبيه المستعملين قبل الضغط على الرابط . عموما، معظم المآزق الاخلاقية تُحل بطريقة الحل الوسط.

4- الاخلاق المطلقة categorical imperative:

وُلد عمانوئيل كانط في كونغسبيرغ، عاصمة بروسيا (حاليا كالينينغراد في روسيا) عام 1724. كان الرابع من بين 11 طفل وفي عمر مبكر جسّد موهبة فكرية فذة وهرب من بيت اهله المزدحم ليحضر مدرسة خاصة. في عمر الـ 16 تخرج من جامعة كونغسبيرغ حيث بقي يتعلم ويدرّس حتى وفاته. كانط لم يتزوج ولم يسافر ابداً أبعد من 100 ميل من بيته اثناء حياته. قبل وفاته بـ 13 سنة اي في عام 1804 نشر كتابه (نقد العقل الخالص) والذي اُعتبر من أهم الأعمال الفلسفية في التاريخ. كانط اسّس مبدأ الاخلاق الضرورية او المطلقة . حيث ان categorical تعني غير مشروط ، و imperative تعني ان المفهوم يجب ان يُستخدم بدون اي سؤال او استثناءات او ظروف مخففة. الصحيح هو صحيح ويجب ان يتم حتى في أقسى الظروف. الاتساق والاستمرارية هما عامل رئيسي في فلسفة الضرورة الاخلاقية. حالما تتأسس القاعدة لفعل مقترح او فكرة، فان السلوك او الآراء يجب ان يُطبّقا دائما وباستمرار طبقا لها. بالنسبة لكانط، الفعل الصحيح يجب ان يكون له تأثير ايجابي وان لا يسبب الأذى غير المبرر او الشر. مع ذلك، فان مبدأ الاخلاق المطلقة هو أمر يصعب العيش معه.

5- النفعية:

هذه الفلسفة تضم في العادة عمل المفكرين البريطانيين جرمي بنثام وجون ستيوارت مل. الباحث والقانوني والفيلسوف جرمي بنثام طوّر نظريته في المنفعة، او مبدأ أعظم سعادة مستفيدا من عمل جوزيف بريستلي Joseph Priestley، الذي اُعتبر من ابرز الفلاسفة والعلماء في القرن الثامن عشر. بنثام اعترف بـ برايستلي باعتباره مهندس فكرة "ان أعظم سعادة لأعظم عدد من الناس هي اساس الاخلاق والتشريع".جون ستيوارت مل كان ابن الفيلسوف الاسكتلندي جيمس مل وكان تعلّم لفترة على يد بنثام. عندما كان في سن الثالثة تعلّم قراءة اليونانية ، وعندما كان في عمر العاشرة قرأ أعمال افلاطون بسهولة. وبمساعدة زوجته هاريت تايلور هو طوّر فلسفة النفعية التي عبّر عنها في كتابه (حول الحرية) عام 1859، والنفعية (1863). هو شكر تايلور على دورها في إعداد الكتاب لكنه كما جرت العادة آنذاك لم يمنحها حق التأليف المشترك . توسّع مل في فكرة بريستلي و بنثام عن النفعية وذلك عبر تجزئة مختلف انواع السعادة . بالنسبة لمل، فان السعادة الفكرية هي اكثر اهمية من السعادة الحسية. هو ايضا اعتقد ان هناك فرق بين السعادة والقناعة، التي عبّر عنها بقوله "من الافضل للانسان ان يكون غير مقتنع بدلا من ان يكون خنزير مقتنع، من الافضل ان يكون سقراط غير مقتنع بدلا من ان يكون سخيف مقتنع". في كتاب النفعية، جرى تصوّر مختلف النتائج للفعل ، وان المحصلة التي تساعد معظم الناس هي عادة احسن خيار في ظل الظروف السائدة. غير ان مل شخّص بأن أخلاق كل فرد وحقوقه القانونية يجب ان تُلبّى قبل تطبيق حسابات النفعية. طبقا لمل، من غير المقبول ان يتسبب اذى كبير لقلة من الافراد لكي تتتحقق منفعة قليلة لعدد من الناس. غير انه ، لو عومل كل شخص بعدالة عندئذ من المقبول ان تقوم بشيء ما يوفر فائدة كبيرة للجماعة ككل.

المحررون ومديرو الاخبار باستمرار يستخدمون ويسيئون استخدام النفعية لتبرير كتابة مشاهد لأحداث مقلقة في صحفهم ومجلاتهم وفي التلفزيون وعلى المواقع الالكترونية. رغم ان الصورة الرمزية قد تسيء للبعض بسب محتواها المروع ، لكنها ربما تقنع الآخرين ليسوقوا مركباتهم بعناية اكبر. ذلك الفعل هو مقبول في ظل النفعية لأن الناس ليس لهم الحق الاخلاقي بالحماية من الاخبار الحزينة احيانا. العديد من الناس، يرون ان الوظيفة التعليمية لأخبار الميديا انما يتم التعبيرعنها دائما في الفلسفة النفعية.

6- قناع الجهل:

صاغها الفيلسوف الامريكي جون رولز في كتابه نظرية العدالة عام 1971، قناع الجهل يرى كل الناس متساوون كما لو ان كل واحد كان يرتدي قناعا لكي تصبح صفات مثل العمر او الجنس او القومية لا دور لها في القرار. لا طبقة لأي شخص مؤهلة لمزايا على الآخرين. تصوّر لو ان شخص ما بدون معرفة في المواقع التي يجلبها الفرد الى الموقف سيؤدي الى موقف من الاحترام لكل المشتركين. عبارة (سر ميلا في حذاء شخص ما" (وتعني يجب ان تفهم المقابل قبل الحكم عليه) هي تكييف مألوف لفلسفة قناع الجهل. انها اُعتبرت جوابا ضد التحيز والتمييز. رولز درّس في جامعة هارفرد لما يقرب من 40 عاما . في عام 1999 تسلّم المدالية الوطنية للانسانيات من الرئيس كلنتون الذي قال "ساعد جيلا كاملا من الامريكيين المتعلمين لإحياء ايمانهم بالديمقراطية ذاتها".

 

حاتم حميد محسن

..........................

الهوامش

(1) كذلك يتجسد مذهب المتعة بجانبه الحسي في الثقافة العربية والاسلامية ولطالما تغنّى به الفلاسفة والشعراء مثل الشاعر الذي يقول:

الا فاغنم العيش ما دام رغداً  فسوف تُبدّل الفرش لحدا

وتمسي تراباً ببطن التراب   فلا صوت يشجى ولا خمر تندى

 

سامي عبد العال"الأوهام وسائد وثيرة تأخذ عقولَّنا إلى نوم عميقٍ"

"حتى لو كُّنا نحن زارعيها، ليست اللغة إلاَّ أرضاً تنبت الغرائب حدَّ الإدهاش"

في عبارته النافذةٍ فلسفياً، يقول أوسكار وايلد:" الأنا هو مَوضِّع لأوصافِ الآخر واختلافاته، وكذلك هو لوحةٌ لنقراتِ أفكاره، حتى أنَّ العواطف- التي هي أخص ما يَمْلُك الأنا- مقتبسةٌ من الآخر". إذن لا يَمْثُل الأنا داخل نفسه إلاَّ تمهيداً لمعرفة ماذا يكون، لتنشأ مفارقة أنَّه لا يُوجد وحده، بل الوحدة المفترضة لكل أنا هي مقولة تمُر مروراً خادعاً. ففي كل وحدة مفترضة يكمن الشيطان، يظل برأسه الماكر.

وإذا كان الأمر بهذه الطريقة، هل يمكننا تنشيط العبارة لتطال مسائل الفكر والوجود؟! ماذا لو أننا نسكن اللغة ليس إلاَّ (اللغة صورة الحياة)؟! كيف تخفف اللغةُ حدة حضورنا العنيف إزاء الآخرين؟ ومن ثم: بأي منطقٍ نفض انغلاقاً على الذات (بأشكاله الدينية، المعرفية، الاجتماعية)؟!

خاصةً أنَّ الأدب كان إيقاعاً قديماً لرتم الذات والفكر والأشياء، لأنَّه التعبير الاستعاري عن الوجود وأشكاله. والاستعارات هي الشكل الأولي لبدء التفكير في قضايا العالم والحياة. ومنها خرج التفكير العقلاني بطريقة الكل (اللوغوس logos). تاريخياً كان الأدب رئةً أخرى للتفلسف حيث ثراء الدلالة وخصوبة العاطفة وتنوع الأخيلة، هو كنصوص ابداعية بمثابة الدرجة القصوى لاستعمال اللغة. وأيُّ تعبير يعدُّ وسيطاً لغوياً لا يخلو من معالم أدبيةٍ، ذلك باعتباره تقنية رمزية لتجسيد المعنى.

وبغض النظر عن تصنيف التعبيرات (بحقول المعرفة والتفكير)، فإنِّها تنطوي على وسائل إيضاح وصور استعارية مطموسة وبارزة وصيغ متلونه بتلون المعاني. ولو تخيلنا ساحراً يلمسُ الأشياءَ فتتجمد أو تذوب كنتف الثلجِ، فاللغة كمجازات بلاغيةٍ تُموْضِّع الأنا وتُطلقه بهذا النحو. هي تدعه يمخر عبابَ المجهول، تمنحه معنّاه كإمكانيةٍ يقتفي آثارها. وحين يسير، يمتطي الأنا الكلمات كأوتار مشدودةٍ فوق فراغ مفتوحٍ، ولا يحُول دون سقوطه المُدوي.

هناك شكلان لعلاقة الأنا باللغة...

أولاً: الأنا يُوجد فقط داخل اللغة حين يوجد أمام آخر وحين يتواصل معه وحين يدَّعي شيئاً. فلا يقول الأنا أنا إلاَّ إزاء شخص ما ضمناً أو صراحة. وسلخه عن هذا الوجود يعني اعطاءه وضعاً انطولوجياً ليس له. وضع قد جعلَّه نقطة متضخمة( غليظة) في تاريخ الفلسفة بحجم ميتافيزيقا العلة والإله والاستبداد والسبب والحقيقة والذات العارفة.

ثانياً: يترك الأنا في اللغة آثاراً هي جوهره الناقل لحقيقته. والأنا بذلك هو الشكل المؤول (كالخط والعلامة والصورة والنقطة)، أي أنَّه يتحول ولا يقف صامداً في وجه التلقي. بكلمات واضحة: الأنا بصمة لغوية تتحرك على خطوط تواصلية وتُفهم في سياق أبعد مما يزعم ويقول. إنه المقول بطريقةٍ ما مرمياً في فضاء اللغة دون توقف.

لأجل ذلك ستنطلق البداية لنبذ أوهام العنف والتعصب من الأنا، من صورته عن ذاته بوصفها امتثالاً يجمده ويعطيه قواماً هشاً. وليست بداية الموضوع من نقد الدعاية السياسية ولا من كشف الترويج لأيديولوجيات شمولية. بمجرد وجود الأنا داخل اللغة غارقاً عبر التعبيرات، لا يستطيع الهيمنة على حضوره، يبقى مرهوناً بقدرات اللغة ليس أكثر. اللغة حينئذ صورة الأنا ونقض مركزيتها، هي القيد والانفكاك، هي الصيغ الثابتة والمتلاشية. لأنَّها تُعدِّد الأنا بالوقت الذي يقبض فيه على ذاته. ولن تتراكم أية أوهام سوى كضباب عابرٍ تحملها رياح اللغة حيث لا تكون.

وهذا بؤكد أنَّ التعصب للدجما الفكرية العنيفة غير ممكن أصلاً، فإذا كان الأنا لا يملك تأثيراً ثابتاً في اللغة، فكيف يزجي ما يعتقده للآخرين، بل اللغة تسدد إليه المحاولة  في هيئة أسئلة جديد: من يكون هو ابتداء؟! كيف يعدُّ نفسه متماسكاً؟! هل هو مفرد أم متعدد؟ فالأسئلة ليست هامشية، لكنهاً واقعة في صلب اللغة وماهيتها، كما أنها في صلب الأنا وماهيته. كلُّ أنا يطلق أحكاماً من شأنها معاقرة الوهم بالاستحواذ والتماثل، سيكون مصيره التيه في متاهات لغوية.

علاقةٌ مُريبة

علاقةُ الإنسان بــ" الأنا "- أو ما يُسمى كذلك-علاقةٌ مُريبة. إذ تكفيه (أي الأنا) اشارةٌ ليسقطُ صريعاً في فخِ الكائن الموصوف. لأنَّه في حالة استحضار دائم لمعنى وجودي يريد أنْ يكونه. وفي هذا لا يجد سوى الوصف لذاته كمادة شمعيةٍ سُرعان ما تسيل أمام حرارة الآخرين. إنَّ متاحف الشمع لا تمنع هجير الواقع، ولا تنبض روحاً داخل أي كائن رغم سماته البارزة على أعتاب الحياة.

خلال مواقف كثيرة يتكلم الأنا عادةً: أنا كذا... ولست كذا. أنا قوي... ولست ضعيفاً، أنا ذكي... ولست غبياً، أنا سيد... ولست عبداً، أنا حاكم... ولست محكوماً، أنا ثري... ولست فقيراً. إذ بجانب وجوده العيني، يصف الأنا شيئاً داخله موافِقاً لحالٍّ يراه حدَ التصديق. حيث يختزل الأنا كعدسةٍ لاقطةٍ أزمنةً متباينةً ذهاباً وعودة وذاكرة.

وبالمقابل فإنَّ الأنا كإنسان موصوفٍ يحدده الآخرُ في وضعية لغوية قيد التواصل: أيا هذا ... أَلَاَ تسمعني، ها أنا بدوري أتحدث إليك؟!  فلتكن على مستوى اختلافي عنك وأنت لست بمنأى عما أقوله لك. ولا تحسبن أنَّ قولي يمرق بجوار سمعك فقط، إنه يستقر في اعماقك، هو قرين اللغة التي هي أصل وجودك مهما ابتعدت. والافتراض الحي أن لغتنا ليست انعكاساً بطريقة المرآة، لكنها وجودك المختلف حيث أنت. لا تحاول أن تقف داخلها كما هي، لن تعطيك أية فرصة لذلك. وكلما أردت تدعيما لما تعتقد وترى، لن تمارس ما تريد، بل هناك ممارسات لغوية أخرى خارج إمكانية السيطرة عليها.

على سبيل الإيضاح أثناء دروسه الفلسفية، أشار أرسطو لأحد تلامذته: تحدث حتى أراك؟! فأنت أيا هذا غارق في اللاوجود بالنسبة إلىَّ، عيناي بعيدتان لا تراك، وكلماتي لا تطالك، والغياب على مقربة خطوات، انت تثير ظهوراً من نوعٍ ما. إذن اللغة تجعل الإنسان موضُوعاً مؤوَّلاً ومختلفاً عبر رؤيتنا المشتركة. اللغة تنبش هنالك حيث وجود الأنا باستمرار: ماذا عنك؟ ماذا لو أنّك كنت هكذا...؟ تتذكره جيداً وإنْ نسي نفسه، تُبْقِيه فائضاً دلالياً داخل العبارات وتفاعلها مع المواقف والأحداث.

هكذا ينقسم الأنا مراراً داخل اللغة: هو الواصف والموصوف ونقيض الوصف، هو النفي والإثبات والتردد، هو القرب والبعد والنأي، هو الداخل والخارج والبين بين، هو الكيان والمعنى والخيال، هو الحال والمآل والتأجيل، هو أناي ولا أناي والأنتنا، هو الآخر واللاآخر والغير، هو التملُّك والفقد والضياع، هو الوجود والعدم والتلاشي، هو الماضي والحاضر والمستقبل، هو الكلام والتلقي والتواصل، هو العبارة والإشارة والتأويل ... جميعها تقع كأطياف في أعماق الأنا، الصور الكامنة فيما أكُّون داخل ذاتي.

حتى أنَّ فعل الكينونة (هو- is) يلخص الاختلاف الوجودي. إنَّ الهو معبرٌ عن الغياب بحد اللفظ (ضمير الغائب: هو)، فلا يطلق عادةً إلاَّ عن ضمير مقصود لإنسان غائب. الشخص متى يغيب هو فلان الذي ليس هنا وليس الآن. ومنطقياً يمثل الهو( is (الرابطة التي تجمع بين موضوع ومحمول. فحيث يظن الأنا حضوراً ثابتاً مع حاله، يمثل غياباً بالتوازي، الغياب من واقع اللغة وإن كانت حاملة لمعانيه. كذلك يشير فعل الكينونة إلى الهوية التي ليست هوية، إنها نقيض مركزها، نقيض أصولها، تُفرق بمقدار ما تُجمِّع، تبذّر، تسرف كلما ادَّخرت، تغيض كلما تفيض.

ولذلك قد ينزع الآخرُ ما يملك الأنا من صفاتٍ تبعاً لرؤيته وأناه هو الآخر. أي باللحظة التي يظن فيها الإنسان أنَّ وصفاً معيناً لصيقٌ بكيانه يُوجد داخله آخر بشكلٍّ ما. وكأنَّ صلاحية الأنا إزاء نفسه وصلاحية الآخر داخله لا تمران عبثاً، لكنهما تخضعان لعلاقة منقسمة على ذاتها. والطبيعي أنْ تنال العلاقة قبولاً لديه حيث يتفاعل والمعاني التي تفرزها بمحددات سواه الذي هو. من أنت أيا هذا؟! أنت هو بالنسبة لي..

إذن تنهض اللغة باعتبارها رغبة  في التواصل إلى درجة التجاوز. رغبة مزدوجة على ما يتسق الأمر في أفعال الكلام والحوارات والخطاب. كلَّ أنا مسكون بتجسير الهوة بين ضفتي الازدواج الذي يشغل مظاهر الحياة. فلا لغة إلاَّ وهي حاملة لتنوع المتكلمين دون نهاية وهي تفترض ذلك افتراضاً. الأصوات والأصداء والآثار والهوامش التي تتردد في جنبات الكلام غير قابلة للحصر. وعلى مستوى الفهم يصعب أخذ الجُمل دون اعتبارٍ جدي لما يعتمل بجوفها من أطياف. ليس شرطاً أنْ يكون المتكلم والمتلقي هما المحددان للسياق، هناك تواريخ اللغة والمعجم والتأويل. فوجود المعاني عملية معقدة وهي حالة تحددها عوامل عدة ليس أبرزها الطفو على سطح الوعي من مقاصد المتكلم والمتلقي.

جسم هلامي

حين نشعر بـ"الأنا" ربما نقف على شيءٍ ما، شيءٌ مثل جسمٍ هلامي يحجب ثقوب الرؤيةَ أثناء دراما الحياة. بتلك الطريقة يقوم الأنا بوظيفته غير المباشرة، أي يؤدي دُورَ البطل الذي يمثِلّ كل حياة في أعماقنا آتياً من وراء المشاهد. ومن زاويةٍ أخرى ربما يضيع ذلك الشعور الدرامي هباءً. وقد يغفله المرءُ بل يجهل: ما حقيقته، ما طبيعته، من أين يأتي وإلى أين يذهب؟

وبالأساس هذه آفاق تخص كل إنسان ليست موضعَ سؤالٍ بحكم أنَّها تلقائية. لكنها تصادف أُناساً كثيرين من وقتٍ لآخر، حيث ينشغلون بإجابتها عبر أعمالٍ وعلاقاتٍ وأنماط للتفكير. إنَّ ثمة تشبثاً بمآرب يريد هؤلاء أو أولئك تحقيقها وينفقون جهداً دون واقعٍ إلاَّ من تأكيدٍ محمومٍ لديهم. الأنا بؤرة لتكثيف الاستحواذ بلا طائل. وإذا كان هو عدسة مُجَمِعّة إزاء الآخرين، فبالإمكان تحويلها إلى طاقة حارقةٍ.

هنا المعنى مهمٌ في مجالات الفكر... فمن أين يأتي الكلام القاْطِع عندما يتحدث أحدُنا عن رأيٍ أو يدافع عن قضيةٍ؟! فإذا كُنا لا نملك" أنا" فكيف بالادعاء المتواصل بصدد ما يقول!!

هذا العمل أشبه بإرجاع اللغة إلى مرحلة أسطورية في تاريخ الإنسان. مرحلة خلق الأشياء بالكلمات. لعلنا نلاحظ أنَّ كلَّ نزوع تعصُبي، كلَّ خطاب أيديولوجي يزعم ذلك المنحى الأسطوري. فاللغة مسكونةً بالوظيفة الأنطولوجية للأنا منذ القدم. لأنَّها حاملة لمشكلة فيها، أنها أي اللغة: " تُشيّئ المعاني وتُروحِنْ الأشياء". والأنا يستغل خاصيةً كهذه في عبارات التمركز حول نفسه egocentrism. ويتحرش بالمختلفين لطردهم من ساحته كما يقول بسكال. لا يعني ذلك اهمال اللغة، فحتى مع عصر التقنيات الالكترونية وعصر الخيال الافتراضي باتت العبارات أشد تأثيراً. مجرد ضغطة زر أشبه بعبارة على بابا "افتح يا سمسم" فإذا بكهوف العالم تنفتح على لآلئ وكوارث أيضاً.

التعبير العنيف هو الوهم بتضخم الأنا حاجباً ما سواه. وهو ما يجري استعماله خلال الخطاب السياسي والديني وضوحاً لا حصراً. فالأنا كدالٍ في العربية يحمل وقْعَ التأكيد النفسي الوجودي لما يعتقد، نبرةَ التشديد من جهةِ الحضور الذاتي. ويحمل من جهةٍ أخرى الآنية أو دلالة الدازاين Dasein بمصطلح هيدجر. هذا الزمن الآني للإنسان لكونه مؤكِّداً لذاتهِ ومتآنياً عبر حالٍ يظنه كذلك. ولهذا ليس في عصور الاستبداد من أهمية للتطور لأن الحياة متوقفة داخل الإنسان.

ينفلِّت الأنا في السياسة مع السلطة والاستبداد. وينشط اجتماعياً ضمن تراتب القيم والهوس الجمعي بالظهور العام. الأنا يتسلق كما يتسلق حيوان من القوارض سريع الحركة ومزعج الأثر. يأتي للإنسان زاحفاً فوق جلده كأنَّ هناك شيئاً يلْعق أنفه. ففي الثقافة البدوية الأنف رمز الشمم دالاً على خُيلاء الأنا. كما عبر ابن الأعرابي مفاخراً بقومه: "بِيضُ الْوُجُوهِ كَرِيمةٌ أحْسَابُهُم.. في كُّلِّ نائبةٍ عِزازُ الْآنُفِ". المعنى ذاته قاله حسان بن ثابت:" بِيضُ الْوُجُوه كَرِيمةٌ أحْسَابُهُم.. شُمُّ الأُنُوف من الطِّرازِ الأَوَّلِ".

والأنف أيضاً هو مصدر اخلاقي لألم الأنا. هناك تعبير يدمغ المعنى فيبرزه إزاء شخصٍ لم يستطع التعبير عن نفسه وتحقيق ما يريد: الموضوع مرّ "رغم أنفه". تهشمت إرادته ولم يقو على مجابهة التحديات ورضخ للأمر الواقع. أما التعبير الحاد: تمرَّغ أنفُه في التراب، وهو كنايةٌ عن اسقاط مهابته أرضاً، فأصبح علامةً على الحط من قدْره. وذات الأنف هو ما ينال حَكْاً بالأُصبع مع المواقف الحرجة.

وعلى أهميته بهذا المجاز، يعدُّ الأنا وهماً اذا بحثنا عنه. هو في الصيغ اللغوية يعطينا إحساساً بوجود محتوى. غير أنّه ليس إلا "صوت الاحتواء" ذاته، حيث يتعين علينا الانغماس في التوهم والتّجَسُد. وكم ارتبطت الكلمات تاريخياً بفعل الإيجاد. "في البدء كان الكلمة" كما تقول الأناجيل المسيحية. ومن منظور التوراة كان الناسُ شخصاً(أنا) واحداً يتكلم لغة واحدةً. لكن عندما غضب الرّبُ عليهم، بلبل ألسنتهم ثم كان تفرقُهم وشتاتُهم في الأرض.

بئرٌ من فخارٍ

تاريخياً كانت اللغة لُّحمة مجازيةً لهذا الأنا المُصاب بالشتات في شخص الإنسان. هي حين لم تستطع جمع فوضاه توافرت على خطابه الدال إذ تعطيه بُعداً غير محسوم من نوعٍ ما. الشبه هنا قريب جداً من رجلٍ يمد رأسه عميقاً داخل بئر من فخار ويتسمّع أصداءً سحيقةً. وربما يصدر صوتاً مكتوماً، فيأتيه الصوت أقوى تردداً وأضخم تجسيداً. عندئذ سيحتوي الصوت - صادراً وآتياً- على أكثر من نغمةٍ. هناك تقطُع، نقرات كعناصر صوتية منفصلة، وهناك نغمة متصلةٌ غير بارزة لكنها في الخلفية، وهناك أصوات جانبية، رنين، تراجع وارتطام الصوت بالأصداء المنعكسة. هذا إجمالاً عُمق الأنا إذا تمكننا من بلوغه في اللغة التي تنقله للآخرين. بالتالي: لا يكون الأنا أنا إلاَّ حيث لا يكون!! أي حيث نفشل في بلورة كيانه رغم توافر معناه.

هل سنعثر على الأنا لاحقاً؟ بالطبع المحاولة دون جدوى. لأنَّ الأنا سيتسرب من الوعي إذا عرف أنه تحت المراقبة. ماذا نفهم لو قال شخص" أنا"؟ أهو الجسد، أهو المعنى، أهو الكائن بالأمس أم المفترض غداً؟! السبب الوجيه: أنَّه في تلك اللحظة هو ما يبحث عن نفسه. فكيف لمن يبحث عن نفسه أنْ يجدَّه؟! وتلك هي مشكلة المتصوفة ... أنَّهم لا يعثرون على أناهم مهما استغرقوا قليلاً أو كثيراً في ترحالهم الروحي. الأنا لديهم غير متوافر، ضائع. لقد تلاشى أمام الحقيقة الإلهية كما تتلاشى قطرةُ ماءٍ داخل البحر. لأنَّهم لا يرون ما سوى الله إلا فيه. يقول الحلاج: "نحن روحان حللنا بدنا فإذا ابصرتني أبصرته وإذا أبصرته أبصرتني". أنا المتصوف ملق على بساط الألوهية بلا حدود. لقد قذفه دون استعادةٍ محتمياً بالخالق ومنسياً في جلالِّه.

من ثمَّ يتأرجح الأنا داخلنا كإحساس غائرٍ بالمصير، كرقاصٍ لساعة  قديمةٍ. حينئذ يساوى حجم "الرغبة في". ولنضع خلف الــ "في"... كل موضوعات الرغبة وآثارها. الرغبة في الوجود، الرغبة في الحياة، الرغبة في القداسة، الرغبة في السعادة، الرغبة في الآخر. جميعها تتشكل من أثر اللغة وتخمُرها. أوقات غير قليلةٍ نأخذ بالبحث هنا أوهناك عن شيء مثل القلم بينما نحن ممسكون به بين أصابعنا. هل نسينا القلم، هذا الذي على اتصال مباشر بذاكرة الكتابة. إنَّه مثل الأنا مُلق ببداهة اللحظة. فأثناء استغراقنا فكراً نفقد شيئاً منا. فإذا أردنا تذكرّه، سيحتاج إلى مساحة للاتصال بالواقع. مساحةٌ تساوي فضاءَ الأنا، هي صداه حين يعود عارفاً- مجرد المعرفة- بكيانه. وهي لحظة هشاشة حقيقية كما نستعيد حلماً ذائباً مع لاوعينا الشارد.

لا يتوقف الأنا عن هذا الامتلاء الفارغ. وعبارة الكوجيتوcogito الديكارتي "أنا أُفكر إذن أنا موجُود" واردة في هذا السياق. إنَّها ليست يقيناً إلاَّ من جهة الإيمان بشيء فاعلٍ الآن. أَطلقَ ديكارت عليه التفكير. بيد أنَّه ممارسةٌ للوجودِ المقلوب بصورةٍ ما. واليقين عندئذ امتلاء بصوت داخلي يترك صداه خارجاً. الأنا ذلك "البئر الفخار" الذي أشرت إليه. أخذ ديكارت بملئه بالتفكير تبعاً لإيمان أعم. لعلنا سنلاحظ في هذا الادعاء مستوى غير عقلاني بالمرة. أقصد مستوى تقديسي رغم تصريح العبارة بغير ذلك. على الأقل تقول العبارة: أفكر في شيءٍ ما، فأنا بناء عليه سأُوجد، ها أنا سأوجد. حتى يصل إلى السؤال...هل أوجد حقاً وذلك بمحاولة إثبات ذاته. لهذا يعتبر الله ضامناً للأنا عند صاحب الكوجيتو.

في هذا الصدد لن يعتبر "الأنا يفكر" هو نفسه "الأنا يوجد". صحيح رَبطَ بينهما ديكارت بالثابت المنطقي" إذا...إذن" كنوع من فعل الشرط وجواب الشرط. بالصيغة التالية: إذا كنت أُفكر إذن أنا موجود. وانصهرت نبرة الزمن الماضي بواسطة "كنت" لتصبح في الزمن المضارع، أي تفيد حضوراً بمعني الاستمرارية. لكنه لكي يتم المرور من الأنا أفكر إلى الأنا أُوجد، فإننا نحتاج عمليةَ خلقٍ، نحتاج إيماناً خفياً. فديكارت تغاضى عن غياب أنا بهذا القوام الذي يتملَّك المرء حين يقول أنا. بينما أعطاه كامل الصلاحية للوجود هنا. بالتالي الأنا الأول ليس مساوياً للأنا الثاني. إنَّ فعل الشرط غير كافٍ لإحداث جواب الشرط. لهذا ستكون فكرةُ اليقين لدى ديكارت (معلقة) على البداهة. وسيكون الشك بنسبيتِّه الظاهرة مرتبطاً بما سيأتي المرء من أهواء وعواطفٍ.

إله اللغة

مع الأهواء جاء الأنا في القرآن- أحد عائلة النصوص الإبراهيمية- لصيقاً بخطاب الطواغيت كفرعون والنمرود وقارون. فرعون:(أنا- السياسة والسلطة) والنمرود:( أنا– الإله) وقارون: (أنا– راعي الاقتصاد). وهم الثلاثة يشكلون الأخطر الأكبر في تاريخ الدين على فكرة الألوهية. فالحُكم يترصده الفرعون من أعلى وعملية الخلق يتنازعها النمرود مع الإله والمال ادعاء لا يبقي ولا يذر. استنطاقاً لذلك، دوماً يربط القرآن الأنا بادعاءٍ خطابي حاشد أمام الآخرين. قال الفرعون لقومه "ما علمت لكم من إله غيري" (القصص/ 38). هذه دلالة الأنا عندما يسمع الحاكم صداه مع صولجان الحكم وسلطة اللغة. غير أنَّ الصدى صدى رغبة سحيقة في القداسة التي هي قضية الوجود الأولى. بينما هذا الإنسان المتألِّه صورةً لا أصلاً بعبارة ابن خلدون.

وصحيح إنَّ الأنا نسخة مقلدة، لكنها تفرز لعباً سياسياً متبادلاً: "استخف قومه فأطاعوه".  لعبة "الاستخفاف والطاعة" ... تلك المباراة التمثيلية بين الحاكم والمحكوم. فكان الفرعون نموذجاً للوقوف على الوهم الداخلي بكيان غير موجود أصلاً. وهو إثبات استحالة امساك هذا الوهم إلاَّ في وضع كارثي كهذا. إنَّه المخدِّر الإنساني منذ خروج آدم من الجنة وقد مثل حلماً يراود البشر مع الجلوس على كرسي السلطة.

مخدِّر يفرز أثرُه سريعاً في مراحل الحياة. مثل استبعادنا الدائم لموت الأنا. هل تصور حاكم أو غيره موتاً لأناه؟ هناك استحالة تصور الموت مقترباً منه ولو كان على مسافة خطوات وكأننا في بروج مشيدة بحسب تعبير القرآن. تعبير يقع معناه بإمكانية استدراك الأنا لمصيره إذا ظن الهروب من النهاية المحتومة. وقول القرآن "كل من عليها فانٍ" إنما يقصد فناء الأناوات مقارنة بالله. وعلية سيبقى وجه الرب ذو الجلال والإكرام في عملية استعلاء وجودي لقانون الخلق والخالق. الوجه هو ما يميز الأنا وينسب إليه مباشرة. فالإنسان كائن ذو وجه بالدرجة الأولى، بينما الحيوان لا وجه له إلاَّ هو. غرائزه هي الوجه الطافح بالحياة. أما لدى الإنسان فالوجه يعبر عن جوانب النفس والمعنى. وإذا كان الإله والإنسان تفرقاً بفكرتي السمع والطاعة، فإنهما يلتقيان بالمصير، النهاية تترك بصماتها على الوجوه.

هناك علامات النضارة، التجاعيد، التجهم، العُبُوس، الزوال. إنِّه أيضاً مرآة تدل على النرجسية( نرسيس في الأساطير اليونانية الذي مات نتيجة رؤية وجهه في الماء ومحاولة التوحد به). وهو تباعاً ينقل الرغبة الدفينة في الخلود حيث الماء أصل الحياة واستمرار الوجه. وليس وقوفُ الإنسان يومياً أمام المرآة إلا لرؤية شيءٍ أكثر من الوجه. الوجه معتاد، بينما هناك الوجه الآخر الذي هو  كم من نكران المصير، من اختراق الصورة.

على الصعيد العام تأخذنا عبارات الإطراء إلى آفاق الخُيلاء. لا نغفل في هذا حركة ثقافتنا السياسية اليومية. فخطاب الأعمال المتداولة يصوغ جُملاً للمناشدة والتزلف تجاه السلطة بأصنافها. لذلك ما لم نحرر علاقتنا باللغة العربية سنظل نجتر استخفاف الفرعون من عصرٍ إلى عصرٍ. لأنَّه أحد المؤلفين السريين للمعجم السياسي العربي. الفرعون قابع في الحاكم، الفرعون في الوزير، الفرعون في رجال البرلمان، الفرعون في عناصر الأمن، الفرعون في الكاتب السياسي، الفرعون في الشارع!!.

إلى أنْ قال الفرعون " أنا ربكم الأعلى"( النازعات/ 23). ادعاءٌ جعل الأنا السياسي غطاءً لغوياً كلياً إزاء أي ادعاء آخر. ولهذا فإنِّ اللغة، أي فعل القول العام، عنصر مشترك في الآيتين السابقتين. كانت قولاً صريحاً بخروج الإنسان إلى حال اللا كائن. ففرعون وقف بجانبه خطابٌ سياسي انطولوجي زاعماً ألوهيته. أي يقول أنا المقدس هنا والآن. وتكمن في عبارته اشارةٌ قرآنية حساسةٌ باعتبار الأنا لو تحدد فقد تألَّه. وفرعون لم يوارِ هذا الشيء إنما ذكر نتيجته مباشرة (ربكم الأعلى). فلو تمكن من اثبات علو أناه، فقد خرق قانون فناء الأنا وتلاشيه.

الأغرب أننا كثيراً ما نتلاعب باللغة سياسياً للتخلص من الفرعون القابع فيها. فلم يكد الرجل العربي يتحدث عن نفسه حتى يتمتم" أعُوذ بالله من كلمة أنا". وهو لا يدري لماذا ذلك الترديد؟ أصبحت الكلمةُ لازمة تواصليةً بين الناس كأسلوب للتستر وراء القول. لأنَّها تذكير ضمني بانتشار جينات الفرعون في جسم الخطاب الاجتماعي السياسي. هكذا أصبح معنى الفرعون فيروساً لغوياً لاهوتياً، حركته اللغة اليومية بهذا التوالد البيولوجي. لقد طُرحته الثقافة العربية كنمط مهيمن يخترق وسائط التعبير مبيناً انحرافها تجاه المُطلق السياسي.

ليس مصادفة أنْ يوثِّق ذلك أحد الشعراء القدامى: "أنا سَيْفُ العَشيرةِ فاعْرِفُونِي جَمِيعاً قَدْ تذريت السَّنامَا". فالعشيرةُ انتاج بيولوجي ثقافي. والسيف يجمع بين القوةٍ والعصبية. ثم يأتي الشعر كرأس حربة رمزي أثناء المعارك الاجتماعية إذا حمي الوطيس. واستمرت اللغة في حياتنا العامة سيفاً للأنا بين أصابع العشيرة. سواء أكانت الأخيرةُ بنية اجتماعية أم مؤسسة سياسية أم سلطة حاكمةٍ.

لو كان لنا أن نتعلّم من هذا "البئر الفخار" لكنا أهملنا التعصب المقْيت. ولبحثنا طوال عمرنا الجمعي عن التروي في فهم ماذا تقول اللغة. يقال إنَّ معجزة الثقافة العربية في شعرها وقرآنها. ومع هذا ما أعجزنا عن مواكبة عمل اللغة التي مازالت تتردد بيننا. إن الإنصات إلى لغة الشعر والقرآن، أقصد الانصات إلى طابعهما الإنساني، لهو أمر في غاية الأهمية. فالطابع الإنساني للغة لا ينفي أيَّةَ معجزةٍ، لكنه يكشف عن كيفية احتضانها وغرسها في تربة الثقافة. وتلك عملية تفترض انتظاراً لما هو قادم بصيغة المستقبل الماضي. وما لم نلتفت إلى تلك الصيغة لن نستطيع التحرر من القديم. فالسؤال المبدئي: كيف نتجاوز الأنا؟ سؤال رغم بساطته كما يبدو إلاَّ أنَّه يساوي حجم وجودنا الثقافي وتاريخه.

 

سامي عبد العال