احمد عمر النائليهل الوجود الحالي هو تكرار مستمر لوجود سابق؟ وأن هذا الوجود يتغير ولكن بشكل متشابه، فهو تكرار لأنماط وجودية محددة سابقة، وأن التكوين المادي والأحداث التي يمر بها الوجود تتكرر بصيرورة لا تنتهي؟، هذه فكرة قديمة تعود إلى المعتقدات القديمة للإنسان في أسيا ومصر، وهي تشبه فكرة التناسخ الهندوسية Reincarnation والتي تفترض أن الإنسان سيولد من جديد بذات النفس ولكن في جسد آخر، فهذه الفكرة ومع هامش الاختلاف تُسمى وفق طرح فريدريك نيتشه بفكرة " العود الأبدي Eternal return " أو التكرار الأبدي، وهي موجودة منذ القدم، ولقد تحدّث عنها الإغريق مثل الفيلسوف أناكسيماندر 610)ق.م، 546 ق.م) الذي آمن بوجود عدد لا متناهٍ من العوالم، وهرقليطس (540ق.م 480 ق.م) الذي تصور أن النار ستلتهم العالم أكثر من مرة، وسيعود العالم بعد ذلك عوداً أخضراً يافعاً مثلما كان، كذلك اعتقد أنبادوقليس (483 ق.م 442 ق.م) بتتابع أبدي لعوالم وجودية متتالية تتكون ثم تفسد، وكأني به هنا يتحدث عن فكرة تعدد الأكوان الحديثة والتي تفترض وجود أكوان متعددة، لكل كون منها قوانينه الفيزيائية والكيميائية الخاصة ؛ نظراً لأن الانفجار العظيم لم يحدث ويتسع بشكل متساوي قبل 13.8 مليار سنة، ناهيك عن حديث الرواقيين حول هذه الفكرة والمستقاة من سابقيهم .

هذا التصور الذهني للوجود المتمثل في فكرة " العود الأبدي Eternal return تضاءل إلى درجة الاختفاء مع ظهور المسيحية، ابتداءً مع تبني الإمبراطورية الرومانية لها وبشكل واضح بعد مجمع نيقيا عام 325م، لرفض أباء الكنيسة لها، نظراً لأن المسيحية والديانات الإبراهيمية قدّمت تفسيراً آخر للوجود يتمثل في نوعين هما : الحياة الدنيا والحياة الآخرة، رغم أن بعض رجال الدين المسيحيين تحدثوا عنها مثل كاليمنت السكندري (150م – 215م) وغيره، ولكن وبعد ظهور زمن الأنوار في أوروبا عادت هذه الفكرة من جديد، وربما يكون أحد أوائل المتحدثين عنها هو الشاعر الألماني هاينريش هاينه (1797- 1856م (والذي تأثر به الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، ويقال أن الأخير تعرف من خلاله على فكرة " العود الأبدي Eternal return "، رغم أن نيتشه يُقر أنه صاحب هذه الفكرة، والتي تحدّث عنها في كتابيه هكذا تحدث زاردشت Thus Spoke Zarathustra وكتاب العلم المرحScience Fun، ولقد وجدت شذرات حول هذه الفكرة لدى هايني وليوس بلانكي وهولدرلين وجويو وسبنسر وبايرون، ولكن يظل نيتشه هو الذي قدّمها بشكل علمي مفترضاً وجودها علمياً لا باعتبارها شيئا ممكناً بل حقيقياً، ولقد حاول أن يقدم برهانه حولها من خلال جهده العلمي ولكنه لم يستطع أن يُقدم دليلاً حاسماً أو الأكثر حسماً حولها .

وتقوم فكرة " العود الأبدي " على فرضية أن الوجود صيرورة دائمة ليس له نهاية، وأنّ معامل حجم مادة الوجود ثابت ومتناهٍ ومحدود رغم ضخامته، وفي ذات الوقت فإنها تفترض عدم محدودية الزمن فهو في ازدياد باستمرار وأنه ممتد إلى ما لانهاية، وهنا يتبين لنا أن تشكّل وتمظهر هذه المادة سيظل محدوداً مهما كان عدده، لأن حجم ونوع هذه المادة ثابت لا يزيد ولا ينقص، حيث سيظل الوجود يتغير إلى عدد محدد يَستنفذ في النهاية الأشكال الممكن تكوّنها، ويصل إلى السنة العظمى The perfect year الفاصلة بين وجودين، يتم من خلالها استكمال كل الأشكال الممكنة، لننتقل بعدها إلى وجود مكرر نُعيد من خلاله الوجود السابق، أي أن حياتنا ووجودنا ومحيطنا سيعود مثلما ظهر في المرة الأولى وسيتكرر هذا الوجود إلى ما لانهاية، فسنموت ونعيش نفس الحياة إلى ما لانهاية دون أن تكون حياتنا مختلفة، وهذا الطرح يذكرني بفكرة لعبة النرد في درس إحصاء الاحتمالات، أي أن الاحتمالات الممكنة لعودتنا إلى الحياة وبذات الوضع الحالي ومع وجود زمن ممتد إلى ما لانهاية ووجود حجم ثابت للمادة سيكون إلى مالا نهاية هو الأخر، ولو كان الزمن محدداً لكانت الأشكال الممكنة محددة تتوافق مع الزمن، وتشبه هذه الفكرة صورة الخباز الذي يملك كمية محددة من العجين، ففي هذه الحالة سيقوم بتشكيل عدد محدد من الأشكال سيضطر في النهاية إلى تكرار هذه الأشكال ؛ لأن نوع وحجم العجين ثابت.

ولدعم افتراضه الفيزيائي النظري القاضي بثبات حجم المادة في الوجود يرفض نيتشه فرضيتين اثنتين، فهو يرفض فرضية ازدياد حجم كتلة الوجود لأن ذلك يُعتبر غير منطقي ويحتاج إلى معجزة وهو أمر ميتافيزيقي، بالتالي فهو مستحيل بالنسبة له، فمن أين ستأتي هذه القيمة المضافة للوجود والمادة لا تفنى ولا تُستحدث من العدم كما يقول قانون لافوازييه، كما يرفض في ذات الوقت فرضية تناقص حجم كتلة الوجود، لأن صحة هذه الفرضية تقتضي فناء الوجود، لأن ماضي هذا الوجود غير متناه في القدم، بالتالي استمرار هذا التناقص منذ الأزل سيجعلنا حالياً في حالة العدم .

هذا الاستنتاج الذي توصل له نيتشه ينطلق من تفكير استنباطي يقترب من نهج الدليل الافتراضي ألإبعادي Abduction، لعدم وجود أدلة حاسمة فهو أحد الفروض المتاحة وليس بأفضلها، وهي فكرة ليست بغريبة على نيتشه أن يطرحها من جديد، انطلاقاً من ممارسة فلسفية يمكن أن نسميها فلسفة المطرقة والتي تقوم بهدم كل فكر مألوف اعتادت عليه المنظومة الفكرية البشرية، وتقوم بإعادة بنائه وفق رؤية تنطلق من تبني مقدمات جديدة، كهذه الفكرة التي تجعل الوجود خاضع لصيرورة دائرية، وهنا بالإمكان أن نعقد محاكاة تشابه مع فرضية الانفجار العظيم التي من المفترض أنها حدثت قبل 13.8 مليار سنة، والتي تقضي بحدوث انفجار عظيم أدى إلى تكون الكون والاستمرار في اتساعه، هذا الاتساع لن يكون إلى مالا نهاية بل سيصل إلى حالة معاكسة وهي الانحسار العظيم ومن ثم العودة إلى حدوث الانفجار العظيم من جديد وهكذا دواليك، مع إمكانية توافر فرضية أخرى وهي ثبات الكون في النهاية بدون حركة التوسع والانحسار باعتبارها مبرر لتعدد الأكوان والتي تكونت نتيجة أن التوسع الكوني لم يكن موحداً، هذا التشابه مع فرضية التوسع والانحسار يشبه فكرة العود الأبدي، وهي موت الوجود وقيامته من جديد .

ولتحليل هذا الطرح النيتشوي فسنجده متساوق مع فكره بصفة عامة، فهو يحاول أن يؤكد ضرورة تحويل البوصلة من سلطة الإله إلى سلطة آلة الطبيعة العمياء، والتي تخضع لقانون العلة والمعلول الذي يرفضه عندما يتحدث عن إرادة الإنسان الأعلى الذي يجب أن يتحدى علة ظروفه السيئة ليكون صانع إرادة القوة، وهو يقدم طمأنينة بديلاً عن الطمأنينة التي تقدمها الأديان، تمنح ضمان العودة إلى الحياة بشكل لا نهائي وروتيني مكرر، محاولاً تقديم إطار كامل لفكره، بل ستجعل الإنسان يسعى إلى تحسين ظروفه حتى يتمكن من العودة للحياة وبذات الظروف الحسنة إذا استطاع إيجادها، ولكن كيف سَيحسّن ظروفه وهو نتاجُ حدوث حيوات سابقة .

إن نيتشه مارس إكراه تجاه الوجود المادي يُحب أن يراه، فالظاهرة الوجودية مازالت سراً غامضاً، ولا يستقيم فهمها بهذا اليسر، فالمقدمات التي انطلق منها هي أحدى الافتراضات وليست كلها، وهي تنطلق من فكرة موت الإله لديه، بالتالي سيبحث عن نظام آلي يعطيه تفسيراً لصيرورة الحياة، فهو يحاول أن يحطم مفهوم وشعور الفناء، حتى يُسبغ على الحياة غاية ومحبة العيش فيها لذاتها، رغم أن تكرار نشوء الوجود لا يضمن ظهور الإنسان بذات الوعي والإدراك، فلما لا يكون وجودنا الحالي هو الوجود رقم ترليون وثلاثمائة مليار ونحن لا نشعر به، لأن جهاز الذاكرة لم يتكرر، ومن قال أن وجودنا الحالي هو الوجود رقم واحد، وفكرة تكرار الاحتمالات بصفة عامة تحتاج إلى توافر ذات الشروط لكل الاحتمالات حتى تتكرر ولو كانت بنسب مختلفة، وكيف سيثبت نيتشه أن آلة الطبيعة العمياء ستعمل بهذا الاطراد المنظم بين الفناء والوجود، أليست كل الاحتمالات ممكنة في حالة عدم معرفة الظروف .

إن عدم وجود وتوفر ما يسميه الابستمولوجيون " بالتجربة الحاسمة " أو الدليل المنطقي المكتمل سيجعل من هذه الفكرة خيالاً علمياً، لا يرتقي إلى أن يتم قبوله، والدليل انتفاؤها مع ازدهار المنهج التجريبي والذي بدأ مع جاليليو كما يرى أستاذنا الفاضل محمد عابد الجابري رغم قيام سابقه كوبرينيكوس بأهم قطيعة معرفية معروفة وقيام كابلر باكتشاف المدار الإهليجي .

فالانطلاق من خبرتنا الحالية ومقدماتنا العقلية وآلية تفكيرنا المحدودة لمقاربة ظاهرة وجودية هائلة أزلية، سيكون مغامرة غير محمودة العواقب، فالإنسان لم يصلْ بعد إلى معرفة الجزء اليسير من هذا الوجود المتنامي في الاتساع، ناهيك أن الكون الذي نعيش فيه قد يملك قوانين فيزيائية وكيميائية تختلف عن الأكوان الأخرى في حالة وجودها، أو أن الأماكن التي تبعد عنّا تريليونات السنوات الضوئية في ذات الكون، قد تكون فيها سرعة الضوء غير ثابتة أو أن أشكال المادة ليست ثلاثة، فتحرير الإنسان من الأوهام وأخلاق العبيد لا يستلزم توظيف قوانين الوجود التي لا نعرفها، حتى توافق ما نريد، فالظاهرة هي السيّد الأول الذي يُملي علينا قوانينه، فقد تتحول المعارف والمناهج العلمية إلى وهم نطمئن إليه، لنكتشف كما أكتشف كوبرينيكوس بعد أربعة عشر قرناً أن ما قاله بطليموس من أن الأرض هي مركز الكون هو محض هراء، رغم أن خطاب الفلسفة المدرسية الأوربية والفلسفة الإسلامية يؤكد ذلك، فقد تتحول النظريات إلى ايدليوجيا نحاول أن ندافع عن نواتها الصلبة كما يرى المجري إمري لوكاتس Imre Lakatos في برامجه العلمية، محاولين ترميمها حتى تستطيل عبر الزمن فيطول البرادايم paradigm إلى أجل غير مسمى، لقد حان الوقت إلى أن نخرج من ديدن قيد مقدمات الخبرة البشرية السابقة وآلياتنا العقلية الحالية إلى أفق أرحب لجميع الأفكار، فنحن نعيش في وجود معلومات فيزيائية وكيميائية ضئيلة عن مجمل الوجود، لذلك ليس أمامنا إلّا أن نسبح في بحر كل الفرضيات الممكنة، محاولين تفحصها ومناقشتها، فمن رحم ما نعتقد أنه ميتافيزيقيا ستولد المعارف المبررة، فقط أن لا نثق وبشكل حاسم دوغمائي في معرفتنا الحالية، فالوجود غامض وفكرة اللانهاية على سبيل المثال لا نجد لها تفسيراً سوى القبول الرياضي المؤقت ؛ حتى تستقيم المعادلات الرياضية والتي هي مقدمات أكسيومية نفترضها وليست الظاهرة في وضعها الحقيقي.

وأخيراً قد يأتي يوم يقبل فيه المجتمع العلمي دون تردد فكرة العود الأبدي سالفة الذكر أو أية فكرة أخرى مستحيلة التطبيق حالياً، ولكن استحالة إدراك الوجود فيزيائيا وبشكل شامل سيقودنا إلى طريق تبني الإيمان وما تطرحه الأديان ؛ لأنه يقدم تفسيراً يخضع للاقتصاد الفكري ويُجيب على أسئلة الوجود، التي تطمئن لها القلوب الرافضة لحالة الطبيعة العمياء المرفوضة من قبل الآلية العقلية الحالية و يستحيل على العلم أن يجيب عليها، فالإيمان يقوم على تبني فرضية وجود القدرة القادرة على انجاز المستحيل والتي لا تخضع لبديهيات عقولنا، فالله هو العلة الأولى للوجود وهو الذي لا يخضع لقوانينه، فالصانع لا يخضع لقوانين المصنوع، فهو الأول الذي ليس له بداية وهو الأخِر الذي ليس نهاية، وهو الذي ليس كمثله شئ، وهو القادر على كل شئ .

 

أحمد عمر النائلي - إعلامي ومحاضر جامعي ليبي

 

زهير الخويلدي"إن فن الحياة يدور حول حياة كل واحد "[1]

هل يمكن أن تهتم الفلسفة بالعناية بالذات؟ ولماذا تشترط توفر أخلاقيات الرعاية السياسية بالذات النفسية؟

المجلد الثالث والأخير في تاريخ الجنسانية هو مكرس لتدريب الفرد كما تم تطويره من خلال النصوص التي غالباً ما يتم تحليلها قليلاً، ولكنها حاسمة في إنشاء غرض ثقافي عام تتوج بظهور شخصية فريدة قادرة على الاستفادة المثلى من جسدها وروحها المتعلمة بشكل متناغم لجعلها قادرة على تولي الوظائف السياسية التي يقصد بها على الفور. الرعاية الذاتية ليست أنانية ضيقة، ولكن البحث عن الحياة وفقًا لترتيب يضمن استدامة المدينة، والذي نسعى إلى استنتاجه من الطبيعة كما نفهم قوانينها. وهكذا يكشف فوكو عن نفسه بحثًا عن إعادة إنشاء روابط معينة، تكسرها الحداثة، بتقليد قديم كلاسيكي يجعلنا نعيد اكتشافه. وبالتالي يبدو الاهتمام بالذات وفقًا للقراءة التي يقدمها فوكو، من خلال التأكيد على عملية العمل التي يقودها كل شخص لنفسه وللمدينة، على الرغم من المشاكل التي تبدأ من أماكن بعيدة على ما يبدو، يمكن مقارنته بمفهوم الرعاية الذي طورته فلسفة الصحة. الرعاية، في الواقع، تفترض أيضًا عملية عمل مبنية على علاقة مع الآخرين من حيث القرب والسياق. في المستوى الثاني، تفترض الرعاية الذاتية، مثل الرعاية من حيث هي علاقة اعتناء بالمدينة مسبقًا، وبعبارة أخرى علاقة أخلاقية بالسياسة.

النقطة المهمة هي أن الذات ليست هنا بداهة، حيث علمتنا الميتافيزيقيا المدرسية النظر فيها، واستيعابها في جوهر. بدلا من ذلك، تأثير هذه الممارسات، التي تسمى بحق التحول الذاتي. وهذا بالضبط ما يدور حوله مفهوم الرعاية الذاتية الذي أعاد فوكو اكتشافه. كان عليه أن يحررها، كما سنرى، من طبقاتها الفلسفية، التي شكلتها قرون من سوء الفهم والحجب، قبل رؤيتها في العمل في علاقة الذات بالحقيقة.

ربما يكون الاهتمام بالذات في وقت مبكر وأكثر أهمية من المشهور الذي يعرفه الجميع حول الاغريق، والذي هو في بعض الأحيان الأساس السقراطي. الآن يظهر فوكو أنك تعرف نفسك، فأنت في الواقع خاضع للرعاية الذاتية. في مطالبته للبحث عن الحقيقة، وجه سقراط هذا النقد أيضًا للمواطنين الأثينيين:

"ماذا! صديقي العزيز، أنت أثيني، مواطن في مدينة كبيرة، وأكثر شهرة من أي دولة أخرى لعلمها وقوتها، ولا تتورع في إعطائك الرعاية  لثروتك لتزيدها قدر الإمكان، وكذلك سمعتك وتكريمك ؛ ولكن بالنسبة إلى عقلك، فيما يتعلق بالحقيقة وروحك، والتي هي مسألة تحسين مستمر، فأنت لا تهتم، حتى أنك لا تفكر في ذلك." هكذا تحدث أفلاطون في محاورة الدفاع عن سقراط مشيرا الى البُعد عن الرعاية الذاتية بوضوح نتيجة البُعد عن الحقيقة، والحقيقة حول الذات بقدر ما تشير إلى الحقيقة بشكل عام.

في هذا الاتجاه يميز فوكو ثلاثة أبعاد أساسية في الرعاية الذاتية كان قد ذكرها في دروسه عن هرمينوطيقا الذات [2]في علاقة بالذات والعالم والآخر، حول موضوع الموقف العام من الذات لذاتها، و طريقتها المعينة للنظر إلى الأشياء، وحول مسألة المكوث في العالم، للقيام بأعمال معينة، ولإقامة علاقات مع الآخرين.

"- أولاً، موضوع الموقف العام، وطريقة معينة للنظر إلى الأشياء، والتواجد في العالم، والقيام بأعمال، وإقامة علاقات مع الآخرين. هو موقف: تجاه الذات، تجاه الآخرين، تجاه العالم ؛

- ثانياً، العناية بنفسك تعني أنك تحوّل نظراتك، وأنك تنقلها من الخارج إلى ... كنت سأقول "بالداخل". دعونا نترك هذه الكلمة (التي تعتقد أنها تطرح الكثير من المشاكل) جانباً، ودعونا نقول فقط أننا يجب أن نغير نظرتنا، من الخارج، ومن الآخرين، من العالم، وما إلى ذلك، نحو : "نفسك". تتضمن الرعاية الذاتية طريقة معينة لمشاهدة ما تفكر فيه وما يحدث في الفكر. علاقة كلمة التمرين بالتأمل. (...).

- ثالثًا، الإجراءات التي يمارسها المرء على نفسه، الإجراءات التي يتولى المرء بواسطتها مسؤولية نفسه، والتي يعدل المرء من خلالها نفسه، والتي ينقي المرء من خلالها نفسه ويحول من خلالها المرء نفسه. ويقوم بتشكيلها. ومن هناك، سلسلة كاملة من الممارسات التي، في معظمها، مثل العديد من التمارين التي سيكون لها (في تاريخ الثقافة والفلسفة والأخلاق والروحانية الغربية) مصير طويل جدًا. على سبيل المثال، هذه تقنيات التأمل. هذه هي تقنيات حفظ الهوية؛ هذه هي تقنيات الفحص الذاتي."

على هذا الأساس يدعو ميشيل فوكو الى العناية بالذات بأن"يصبح المكان المعطى لمعرفة الذات أكثر أهمية: مهمة اختبار نفسك، فحص ذاتك، التحكم في نفسك في سلسلة من التمارين المحددة جيدًا تثير سؤال الحقيقة - حقيقة ما نحن عليه وما نحن قادرون على القيام به - في صميم تكوين الذات الأخلاقية "[3]

يعتبر ميشيل فوكو بالفعل الرعاية الذاتية بمثابة تقنية ذاتية، وهو فن لا يمكن، على هذا النحو، اختزاله إلى السجل الوحيد للمعرفة، ولكنه يشمل ممارسات الكتابة أو التأمل بالإضافة إلى الإثارة الجنسية أو الممارسة السياسية. لم تعد مسألة صنع عمل معرفي بل جعل حياة المرء أثرا مصنوعا، يصرح حول هذا الأمر: "بالكاد نمتلك ذكرى هذه الفكرة في مجتمعنا، وهي فكرة يتم بموجبها رعاية العمل الفني الرئيسي، المجال الرئيسي الذي يتعين عليك فيه تطبيق القيم الجمالية هو نفسك وحياتك ووجودك"[4]. لكن أليس الاعتناء بالذات هو علامة حرية؟ وألا تمثل أخلاقيات الرعاية الذاتية ممارسة للحرية؟ وكيف يقتضي الاعتناء بالذات ممارسة الاعتراف بالتحريض على خطاب التجربة المثيرة التي تتعلق بالرغبة[5] ؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...............................................

[1] Epictète, Entretiens, I, 15, 2, cité par Hadot (P.), Exercices spirituels et philosophie antique, Paris, Albin Michel, 2002 (2e édition), p. 23.

[2] Foucault (M.), L’herméneutique du sujet, Cours au Collège de France 1981-1982, Paris, Seuil/Gallimard, 2001.

[3]  ميشيل فوكو، تاريخ الجنساية، العناية بالذات، الجزء الثالث، لقد تفاديت الترجمتين العربيتين للكتاب وهما: الانشغال بالذات والانهمام بالذات، تاكيدا على الفاعلية الانسانية في رعاية الذات والعالم والآخر.

 

حاتم حميد محسنهناك ست فلسفات أخلاقية كبرى يمكن ويجب ان تُستعمل في تحليل أي موقف. هذه النظريات هي: القاعدة الذهبية، الإعتدال او الوسط، الاخلاق المطلقة، النفعية، مذهب المتعة، وقناع الجهل. هذه النظريات الرئيسية هي التي بقيت طوال 2500 سنة من تاريخ الفلسفة الاخلاقية الغربية. انها مألوفة لكل من عاش في الولايات المتحدة او أي من البلدان المتأثرة بالثقافة الاوربية. مظاهر هذه النظريات تتضح في السياسات العامة والقوانين والأعراف الاجتماعية.

1 - القاعدة الذهبية:

 او قاعدة الاخلاق المتبادلة، وهي تعلّم الناس "ان يحبّوا جيرانهم كما يحبوا لأنفسهم". هذه النظرية تعود في جذورها الى فلاسفة اليونان القدماء مثل بيتاكوس (توفي في 568 قبل الميلاد)، واُعتبر أحد الحكماء السبعة في اليونان، واشتهر بقوله "لا تفعل لجارك ما كنت ستمرض منه"، كذلك طاليس الذي توفي عام 546 ق.م هو حكيم يوناني آخر قال "تجنّب عمل ما ستلوم الآخرين على فعله"، وايضا الفيلسوف الرواقي ابيكتاتوس الذي توفي عام 135 ميلادي، والذي كتب "ما تتجنبه لنفسك حاول ان لا تفرضه على الآخرين." في الحقيقة، ان جميع الأديان الكبرى لديها بعض مظاهر القاعدة الذهبية كجزء من تعاليمها وكتبها المقدسة. هذه الفلسفة تؤمن بان الفرد يجب ان يكون انسانا قدر الإمكان وان لا يؤذي ابداً الآخرين بأفعال تفتقر للشعور.

2- مذهب المتعة Hedonism:

 وهو مشتق من الكلمة اليونانية المتعة او pleasure، ويرتبط مذهب المتعة بقوة بفلسفة العدمية والنرجسية. تلميذ سقراط اريستيبوس (مات عام 366ق.م) أسّس هذه الفلسفة الأخلاقية على اساس المتعة. اريستيبوس اعتقد ان الناس يجب "ان يعملوا لتعظيم المتعة الآن وان لا يقلقوا على المستقبل". غير ان اريستيبوس أشار الى متعة الذهن – متعة التفكير وليس المتعة الحسية. هو اعتقد ان الناس يجب ان يشغلوا وقتهم بالجهود الفكرية واستعمال الحكم الجيد في علاقاتهم الشخصية. عبارته تلخّص فلسفة المتعة : "انا امتلك الأشياء، لا الاشياء تمتلكني". لسوء الحظ نرى ان الإستعمال الحديث للفلسفة يتجاهل نوايا اريستيبوس الأصلية. الكاتب المسرحي والشاعر بن جونسون كتب مرة أحسن تلخيص لفلسفة المتعة، "اشرب اليوم، واترك كل الحزن، انت ربما لن تستطيع ذلك غدا، عندما تمتلكه، لا تستمع للآخرين، لن يكون هناك شرب بعد الموت".(1) عبارات مثل "عش ليومك" و "لا تقلق، وكن سعيدا" حاليا تعبّر عن فلسفة المتعة. اذا كانت الفكرة او الفعل يرتكز كليا على الحافز الشخصي من نقود، وشهرة، وعلاقات، وما شابه – فان التفسير الحديث لفلسفة المتعة يكون هو السائد.

3- الإعتدال او الوسط :Golden mean

 الفيلسوف اليوناني ارسطو الذي ولد قرب مدينة سالونيك عام 384 قبل الميلاد. كونه من عائلة ثرية درس في اكاديمية اثينا تحت اشراف الفيلسوف افلاطون. بعد التعليم والتعلم في الاكاديمية لمدة 20 سنة، سافر ارسطو في انحاء المنطقة لدراسة البايولوجي والنبات. بالنهاية عمل معلما للاسكندر الاكبر ولاثنين من ملوك اليونان وهم بطليموس وcassander. عندما كان في عمر الخمسين عاد الى اثينا وبدأ في تأسيس مؤسسته التعليمية Lyceum، حيث كتب عددا هاما من الكتب في مختلف المواضيع التي احدثت نقلة كبيرة في العلوم والاتصالات والسياسة والبلاغة والاخلاق. ورغم ان مبدأ الإعتدال او الوسط كان في الأصل مفهوم كونفوشيوسي جديد صاغه أول مرة Zisi حفيد الفيلسوف الصيني كونفوشيوس، لكن آرسطو فصّله بدقة للقرّاء الغربيين في كتابه (الاخلاق النيقوماخية) الذي أهداه الى ابنه نيقوماخس. فلسفة الاعتدال تشير الى ايجاد ارض وسطية او تسوية بين حدّين من وجهات النظر او الأفعال. الطريقة الوسطى لا تستلزم متوسط رياضي دقيق وانما هي فعل يتناسب تقريبا مع ذلك الموقف في المكان والزمان. عند استعمال الوسط الذهبي ، انت يجب اولا ان تفكر في اثنين من الامثلة المتطرفة. بالنسبة الى عنف معين او صورة خبرية مثيرة للجدل او فيديو ، هناك خياران متطرفان. الاول هو ان تأخذ ومن ثم تستعمل صورة كبيرة وملونة تضعها في الصفحة الأمامية للصحيفة او لغلاف المجلة او في صدارة أخبار الاذاعة. الخيار المتطرف الآخر هو ان لا تستعمل الصورة الرمزية او الايمج ابداً . تسوية او طريقة وسط يمكن ان تستخدم صورة صغيرة في ابيض واسود، صغير، على صفحة داخلية، كفيديو منقح قصير او ويبسايت حيث يتم تنبيه المستعملين قبل الضغط على الرابط . عموما، معظم المآزق الاخلاقية تُحل بطريقة الحل الوسط.

4- الاخلاق المطلقة categorical imperative:

وُلد عمانوئيل كانط في كونغسبيرغ، عاصمة بروسيا (حاليا كالينينغراد في روسيا) عام 1724. كان الرابع من بين 11 طفل وفي عمر مبكر جسّد موهبة فكرية فذة وهرب من بيت اهله المزدحم ليحضر مدرسة خاصة. في عمر الـ 16 تخرج من جامعة كونغسبيرغ حيث بقي يتعلم ويدرّس حتى وفاته. كانط لم يتزوج ولم يسافر ابداً أبعد من 100 ميل من بيته اثناء حياته. قبل وفاته بـ 13 سنة اي في عام 1804 نشر كتابه (نقد العقل الخالص) والذي اُعتبر من أهم الأعمال الفلسفية في التاريخ. كانط اسّس مبدأ الاخلاق الضرورية او المطلقة . حيث ان categorical تعني غير مشروط ، و imperative تعني ان المفهوم يجب ان يُستخدم بدون اي سؤال او استثناءات او ظروف مخففة. الصحيح هو صحيح ويجب ان يتم حتى في أقسى الظروف. الاتساق والاستمرارية هما عامل رئيسي في فلسفة الضرورة الاخلاقية. حالما تتأسس القاعدة لفعل مقترح او فكرة، فان السلوك او الآراء يجب ان يُطبّقا دائما وباستمرار طبقا لها. بالنسبة لكانط، الفعل الصحيح يجب ان يكون له تأثير ايجابي وان لا يسبب الأذى غير المبرر او الشر. مع ذلك، فان مبدأ الاخلاق المطلقة هو أمر يصعب العيش معه.

5- النفعية:

هذه الفلسفة تضم في العادة عمل المفكرين البريطانيين جرمي بنثام وجون ستيوارت مل. الباحث والقانوني والفيلسوف جرمي بنثام طوّر نظريته في المنفعة، او مبدأ أعظم سعادة مستفيدا من عمل جوزيف بريستلي Joseph Priestley، الذي اُعتبر من ابرز الفلاسفة والعلماء في القرن الثامن عشر. بنثام اعترف بـ برايستلي باعتباره مهندس فكرة "ان أعظم سعادة لأعظم عدد من الناس هي اساس الاخلاق والتشريع".جون ستيوارت مل كان ابن الفيلسوف الاسكتلندي جيمس مل وكان تعلّم لفترة على يد بنثام. عندما كان في سن الثالثة تعلّم قراءة اليونانية ، وعندما كان في عمر العاشرة قرأ أعمال افلاطون بسهولة. وبمساعدة زوجته هاريت تايلور هو طوّر فلسفة النفعية التي عبّر عنها في كتابه (حول الحرية) عام 1859، والنفعية (1863). هو شكر تايلور على دورها في إعداد الكتاب لكنه كما جرت العادة آنذاك لم يمنحها حق التأليف المشترك . توسّع مل في فكرة بريستلي و بنثام عن النفعية وذلك عبر تجزئة مختلف انواع السعادة . بالنسبة لمل، فان السعادة الفكرية هي اكثر اهمية من السعادة الحسية. هو ايضا اعتقد ان هناك فرق بين السعادة والقناعة، التي عبّر عنها بقوله "من الافضل للانسان ان يكون غير مقتنع بدلا من ان يكون خنزير مقتنع، من الافضل ان يكون سقراط غير مقتنع بدلا من ان يكون سخيف مقتنع". في كتاب النفعية، جرى تصوّر مختلف النتائج للفعل ، وان المحصلة التي تساعد معظم الناس هي عادة احسن خيار في ظل الظروف السائدة. غير ان مل شخّص بأن أخلاق كل فرد وحقوقه القانونية يجب ان تُلبّى قبل تطبيق حسابات النفعية. طبقا لمل، من غير المقبول ان يتسبب اذى كبير لقلة من الافراد لكي تتتحقق منفعة قليلة لعدد من الناس. غير انه ، لو عومل كل شخص بعدالة عندئذ من المقبول ان تقوم بشيء ما يوفر فائدة كبيرة للجماعة ككل.

المحررون ومديرو الاخبار باستمرار يستخدمون ويسيئون استخدام النفعية لتبرير كتابة مشاهد لأحداث مقلقة في صحفهم ومجلاتهم وفي التلفزيون وعلى المواقع الالكترونية. رغم ان الصورة الرمزية قد تسيء للبعض بسب محتواها المروع ، لكنها ربما تقنع الآخرين ليسوقوا مركباتهم بعناية اكبر. ذلك الفعل هو مقبول في ظل النفعية لأن الناس ليس لهم الحق الاخلاقي بالحماية من الاخبار الحزينة احيانا. العديد من الناس، يرون ان الوظيفة التعليمية لأخبار الميديا انما يتم التعبيرعنها دائما في الفلسفة النفعية.

6- قناع الجهل:

صاغها الفيلسوف الامريكي جون رولز في كتابه نظرية العدالة عام 1971، قناع الجهل يرى كل الناس متساوون كما لو ان كل واحد كان يرتدي قناعا لكي تصبح صفات مثل العمر او الجنس او القومية لا دور لها في القرار. لا طبقة لأي شخص مؤهلة لمزايا على الآخرين. تصوّر لو ان شخص ما بدون معرفة في المواقع التي يجلبها الفرد الى الموقف سيؤدي الى موقف من الاحترام لكل المشتركين. عبارة (سر ميلا في حذاء شخص ما" (وتعني يجب ان تفهم المقابل قبل الحكم عليه) هي تكييف مألوف لفلسفة قناع الجهل. انها اُعتبرت جوابا ضد التحيز والتمييز. رولز درّس في جامعة هارفرد لما يقرب من 40 عاما . في عام 1999 تسلّم المدالية الوطنية للانسانيات من الرئيس كلنتون الذي قال "ساعد جيلا كاملا من الامريكيين المتعلمين لإحياء ايمانهم بالديمقراطية ذاتها".

 

حاتم حميد محسن

..........................

الهوامش

(1) كذلك يتجسد مذهب المتعة بجانبه الحسي في الثقافة العربية والاسلامية ولطالما تغنّى به الفلاسفة والشعراء مثل الشاعر الذي يقول:

الا فاغنم العيش ما دام رغداً  فسوف تُبدّل الفرش لحدا

وتمسي تراباً ببطن التراب   فلا صوت يشجى ولا خمر تندى

 

سامي عبد العال"الأوهام وسائد وثيرة تأخذ عقولَّنا إلى نوم عميقٍ"

"حتى لو كُّنا نحن زارعيها، ليست اللغة إلاَّ أرضاً تنبت الغرائب حدَّ الإدهاش"

في عبارته النافذةٍ فلسفياً، يقول أوسكار وايلد:" الأنا هو مَوضِّع لأوصافِ الآخر واختلافاته، وكذلك هو لوحةٌ لنقراتِ أفكاره، حتى أنَّ العواطف- التي هي أخص ما يَمْلُك الأنا- مقتبسةٌ من الآخر". إذن لا يَمْثُل الأنا داخل نفسه إلاَّ تمهيداً لمعرفة ماذا يكون، لتنشأ مفارقة أنَّه لا يُوجد وحده، بل الوحدة المفترضة لكل أنا هي مقولة تمُر مروراً خادعاً. ففي كل وحدة مفترضة يكمن الشيطان، يظل برأسه الماكر.

وإذا كان الأمر بهذه الطريقة، هل يمكننا تنشيط العبارة لتطال مسائل الفكر والوجود؟! ماذا لو أننا نسكن اللغة ليس إلاَّ (اللغة صورة الحياة)؟! كيف تخفف اللغةُ حدة حضورنا العنيف إزاء الآخرين؟ ومن ثم: بأي منطقٍ نفض انغلاقاً على الذات (بأشكاله الدينية، المعرفية، الاجتماعية)؟!

خاصةً أنَّ الأدب كان إيقاعاً قديماً لرتم الذات والفكر والأشياء، لأنَّه التعبير الاستعاري عن الوجود وأشكاله. والاستعارات هي الشكل الأولي لبدء التفكير في قضايا العالم والحياة. ومنها خرج التفكير العقلاني بطريقة الكل (اللوغوس logos). تاريخياً كان الأدب رئةً أخرى للتفلسف حيث ثراء الدلالة وخصوبة العاطفة وتنوع الأخيلة، هو كنصوص ابداعية بمثابة الدرجة القصوى لاستعمال اللغة. وأيُّ تعبير يعدُّ وسيطاً لغوياً لا يخلو من معالم أدبيةٍ، ذلك باعتباره تقنية رمزية لتجسيد المعنى.

وبغض النظر عن تصنيف التعبيرات (بحقول المعرفة والتفكير)، فإنِّها تنطوي على وسائل إيضاح وصور استعارية مطموسة وبارزة وصيغ متلونه بتلون المعاني. ولو تخيلنا ساحراً يلمسُ الأشياءَ فتتجمد أو تذوب كنتف الثلجِ، فاللغة كمجازات بلاغيةٍ تُموْضِّع الأنا وتُطلقه بهذا النحو. هي تدعه يمخر عبابَ المجهول، تمنحه معنّاه كإمكانيةٍ يقتفي آثارها. وحين يسير، يمتطي الأنا الكلمات كأوتار مشدودةٍ فوق فراغ مفتوحٍ، ولا يحُول دون سقوطه المُدوي.

هناك شكلان لعلاقة الأنا باللغة...

أولاً: الأنا يُوجد فقط داخل اللغة حين يوجد أمام آخر وحين يتواصل معه وحين يدَّعي شيئاً. فلا يقول الأنا أنا إلاَّ إزاء شخص ما ضمناً أو صراحة. وسلخه عن هذا الوجود يعني اعطاءه وضعاً انطولوجياً ليس له. وضع قد جعلَّه نقطة متضخمة( غليظة) في تاريخ الفلسفة بحجم ميتافيزيقا العلة والإله والاستبداد والسبب والحقيقة والذات العارفة.

ثانياً: يترك الأنا في اللغة آثاراً هي جوهره الناقل لحقيقته. والأنا بذلك هو الشكل المؤول (كالخط والعلامة والصورة والنقطة)، أي أنَّه يتحول ولا يقف صامداً في وجه التلقي. بكلمات واضحة: الأنا بصمة لغوية تتحرك على خطوط تواصلية وتُفهم في سياق أبعد مما يزعم ويقول. إنه المقول بطريقةٍ ما مرمياً في فضاء اللغة دون توقف.

لأجل ذلك ستنطلق البداية لنبذ أوهام العنف والتعصب من الأنا، من صورته عن ذاته بوصفها امتثالاً يجمده ويعطيه قواماً هشاً. وليست بداية الموضوع من نقد الدعاية السياسية ولا من كشف الترويج لأيديولوجيات شمولية. بمجرد وجود الأنا داخل اللغة غارقاً عبر التعبيرات، لا يستطيع الهيمنة على حضوره، يبقى مرهوناً بقدرات اللغة ليس أكثر. اللغة حينئذ صورة الأنا ونقض مركزيتها، هي القيد والانفكاك، هي الصيغ الثابتة والمتلاشية. لأنَّها تُعدِّد الأنا بالوقت الذي يقبض فيه على ذاته. ولن تتراكم أية أوهام سوى كضباب عابرٍ تحملها رياح اللغة حيث لا تكون.

وهذا بؤكد أنَّ التعصب للدجما الفكرية العنيفة غير ممكن أصلاً، فإذا كان الأنا لا يملك تأثيراً ثابتاً في اللغة، فكيف يزجي ما يعتقده للآخرين، بل اللغة تسدد إليه المحاولة  في هيئة أسئلة جديد: من يكون هو ابتداء؟! كيف يعدُّ نفسه متماسكاً؟! هل هو مفرد أم متعدد؟ فالأسئلة ليست هامشية، لكنهاً واقعة في صلب اللغة وماهيتها، كما أنها في صلب الأنا وماهيته. كلُّ أنا يطلق أحكاماً من شأنها معاقرة الوهم بالاستحواذ والتماثل، سيكون مصيره التيه في متاهات لغوية.

علاقةٌ مُريبة

علاقةُ الإنسان بــ" الأنا "- أو ما يُسمى كذلك-علاقةٌ مُريبة. إذ تكفيه (أي الأنا) اشارةٌ ليسقطُ صريعاً في فخِ الكائن الموصوف. لأنَّه في حالة استحضار دائم لمعنى وجودي يريد أنْ يكونه. وفي هذا لا يجد سوى الوصف لذاته كمادة شمعيةٍ سُرعان ما تسيل أمام حرارة الآخرين. إنَّ متاحف الشمع لا تمنع هجير الواقع، ولا تنبض روحاً داخل أي كائن رغم سماته البارزة على أعتاب الحياة.

خلال مواقف كثيرة يتكلم الأنا عادةً: أنا كذا... ولست كذا. أنا قوي... ولست ضعيفاً، أنا ذكي... ولست غبياً، أنا سيد... ولست عبداً، أنا حاكم... ولست محكوماً، أنا ثري... ولست فقيراً. إذ بجانب وجوده العيني، يصف الأنا شيئاً داخله موافِقاً لحالٍّ يراه حدَ التصديق. حيث يختزل الأنا كعدسةٍ لاقطةٍ أزمنةً متباينةً ذهاباً وعودة وذاكرة.

وبالمقابل فإنَّ الأنا كإنسان موصوفٍ يحدده الآخرُ في وضعية لغوية قيد التواصل: أيا هذا ... أَلَاَ تسمعني، ها أنا بدوري أتحدث إليك؟!  فلتكن على مستوى اختلافي عنك وأنت لست بمنأى عما أقوله لك. ولا تحسبن أنَّ قولي يمرق بجوار سمعك فقط، إنه يستقر في اعماقك، هو قرين اللغة التي هي أصل وجودك مهما ابتعدت. والافتراض الحي أن لغتنا ليست انعكاساً بطريقة المرآة، لكنها وجودك المختلف حيث أنت. لا تحاول أن تقف داخلها كما هي، لن تعطيك أية فرصة لذلك. وكلما أردت تدعيما لما تعتقد وترى، لن تمارس ما تريد، بل هناك ممارسات لغوية أخرى خارج إمكانية السيطرة عليها.

على سبيل الإيضاح أثناء دروسه الفلسفية، أشار أرسطو لأحد تلامذته: تحدث حتى أراك؟! فأنت أيا هذا غارق في اللاوجود بالنسبة إلىَّ، عيناي بعيدتان لا تراك، وكلماتي لا تطالك، والغياب على مقربة خطوات، انت تثير ظهوراً من نوعٍ ما. إذن اللغة تجعل الإنسان موضُوعاً مؤوَّلاً ومختلفاً عبر رؤيتنا المشتركة. اللغة تنبش هنالك حيث وجود الأنا باستمرار: ماذا عنك؟ ماذا لو أنّك كنت هكذا...؟ تتذكره جيداً وإنْ نسي نفسه، تُبْقِيه فائضاً دلالياً داخل العبارات وتفاعلها مع المواقف والأحداث.

هكذا ينقسم الأنا مراراً داخل اللغة: هو الواصف والموصوف ونقيض الوصف، هو النفي والإثبات والتردد، هو القرب والبعد والنأي، هو الداخل والخارج والبين بين، هو الكيان والمعنى والخيال، هو الحال والمآل والتأجيل، هو أناي ولا أناي والأنتنا، هو الآخر واللاآخر والغير، هو التملُّك والفقد والضياع، هو الوجود والعدم والتلاشي، هو الماضي والحاضر والمستقبل، هو الكلام والتلقي والتواصل، هو العبارة والإشارة والتأويل ... جميعها تقع كأطياف في أعماق الأنا، الصور الكامنة فيما أكُّون داخل ذاتي.

حتى أنَّ فعل الكينونة (هو- is) يلخص الاختلاف الوجودي. إنَّ الهو معبرٌ عن الغياب بحد اللفظ (ضمير الغائب: هو)، فلا يطلق عادةً إلاَّ عن ضمير مقصود لإنسان غائب. الشخص متى يغيب هو فلان الذي ليس هنا وليس الآن. ومنطقياً يمثل الهو( is (الرابطة التي تجمع بين موضوع ومحمول. فحيث يظن الأنا حضوراً ثابتاً مع حاله، يمثل غياباً بالتوازي، الغياب من واقع اللغة وإن كانت حاملة لمعانيه. كذلك يشير فعل الكينونة إلى الهوية التي ليست هوية، إنها نقيض مركزها، نقيض أصولها، تُفرق بمقدار ما تُجمِّع، تبذّر، تسرف كلما ادَّخرت، تغيض كلما تفيض.

ولذلك قد ينزع الآخرُ ما يملك الأنا من صفاتٍ تبعاً لرؤيته وأناه هو الآخر. أي باللحظة التي يظن فيها الإنسان أنَّ وصفاً معيناً لصيقٌ بكيانه يُوجد داخله آخر بشكلٍّ ما. وكأنَّ صلاحية الأنا إزاء نفسه وصلاحية الآخر داخله لا تمران عبثاً، لكنهما تخضعان لعلاقة منقسمة على ذاتها. والطبيعي أنْ تنال العلاقة قبولاً لديه حيث يتفاعل والمعاني التي تفرزها بمحددات سواه الذي هو. من أنت أيا هذا؟! أنت هو بالنسبة لي..

إذن تنهض اللغة باعتبارها رغبة  في التواصل إلى درجة التجاوز. رغبة مزدوجة على ما يتسق الأمر في أفعال الكلام والحوارات والخطاب. كلَّ أنا مسكون بتجسير الهوة بين ضفتي الازدواج الذي يشغل مظاهر الحياة. فلا لغة إلاَّ وهي حاملة لتنوع المتكلمين دون نهاية وهي تفترض ذلك افتراضاً. الأصوات والأصداء والآثار والهوامش التي تتردد في جنبات الكلام غير قابلة للحصر. وعلى مستوى الفهم يصعب أخذ الجُمل دون اعتبارٍ جدي لما يعتمل بجوفها من أطياف. ليس شرطاً أنْ يكون المتكلم والمتلقي هما المحددان للسياق، هناك تواريخ اللغة والمعجم والتأويل. فوجود المعاني عملية معقدة وهي حالة تحددها عوامل عدة ليس أبرزها الطفو على سطح الوعي من مقاصد المتكلم والمتلقي.

جسم هلامي

حين نشعر بـ"الأنا" ربما نقف على شيءٍ ما، شيءٌ مثل جسمٍ هلامي يحجب ثقوب الرؤيةَ أثناء دراما الحياة. بتلك الطريقة يقوم الأنا بوظيفته غير المباشرة، أي يؤدي دُورَ البطل الذي يمثِلّ كل حياة في أعماقنا آتياً من وراء المشاهد. ومن زاويةٍ أخرى ربما يضيع ذلك الشعور الدرامي هباءً. وقد يغفله المرءُ بل يجهل: ما حقيقته، ما طبيعته، من أين يأتي وإلى أين يذهب؟

وبالأساس هذه آفاق تخص كل إنسان ليست موضعَ سؤالٍ بحكم أنَّها تلقائية. لكنها تصادف أُناساً كثيرين من وقتٍ لآخر، حيث ينشغلون بإجابتها عبر أعمالٍ وعلاقاتٍ وأنماط للتفكير. إنَّ ثمة تشبثاً بمآرب يريد هؤلاء أو أولئك تحقيقها وينفقون جهداً دون واقعٍ إلاَّ من تأكيدٍ محمومٍ لديهم. الأنا بؤرة لتكثيف الاستحواذ بلا طائل. وإذا كان هو عدسة مُجَمِعّة إزاء الآخرين، فبالإمكان تحويلها إلى طاقة حارقةٍ.

هنا المعنى مهمٌ في مجالات الفكر... فمن أين يأتي الكلام القاْطِع عندما يتحدث أحدُنا عن رأيٍ أو يدافع عن قضيةٍ؟! فإذا كُنا لا نملك" أنا" فكيف بالادعاء المتواصل بصدد ما يقول!!

هذا العمل أشبه بإرجاع اللغة إلى مرحلة أسطورية في تاريخ الإنسان. مرحلة خلق الأشياء بالكلمات. لعلنا نلاحظ أنَّ كلَّ نزوع تعصُبي، كلَّ خطاب أيديولوجي يزعم ذلك المنحى الأسطوري. فاللغة مسكونةً بالوظيفة الأنطولوجية للأنا منذ القدم. لأنَّها حاملة لمشكلة فيها، أنها أي اللغة: " تُشيّئ المعاني وتُروحِنْ الأشياء". والأنا يستغل خاصيةً كهذه في عبارات التمركز حول نفسه egocentrism. ويتحرش بالمختلفين لطردهم من ساحته كما يقول بسكال. لا يعني ذلك اهمال اللغة، فحتى مع عصر التقنيات الالكترونية وعصر الخيال الافتراضي باتت العبارات أشد تأثيراً. مجرد ضغطة زر أشبه بعبارة على بابا "افتح يا سمسم" فإذا بكهوف العالم تنفتح على لآلئ وكوارث أيضاً.

التعبير العنيف هو الوهم بتضخم الأنا حاجباً ما سواه. وهو ما يجري استعماله خلال الخطاب السياسي والديني وضوحاً لا حصراً. فالأنا كدالٍ في العربية يحمل وقْعَ التأكيد النفسي الوجودي لما يعتقد، نبرةَ التشديد من جهةِ الحضور الذاتي. ويحمل من جهةٍ أخرى الآنية أو دلالة الدازاين Dasein بمصطلح هيدجر. هذا الزمن الآني للإنسان لكونه مؤكِّداً لذاتهِ ومتآنياً عبر حالٍ يظنه كذلك. ولهذا ليس في عصور الاستبداد من أهمية للتطور لأن الحياة متوقفة داخل الإنسان.

ينفلِّت الأنا في السياسة مع السلطة والاستبداد. وينشط اجتماعياً ضمن تراتب القيم والهوس الجمعي بالظهور العام. الأنا يتسلق كما يتسلق حيوان من القوارض سريع الحركة ومزعج الأثر. يأتي للإنسان زاحفاً فوق جلده كأنَّ هناك شيئاً يلْعق أنفه. ففي الثقافة البدوية الأنف رمز الشمم دالاً على خُيلاء الأنا. كما عبر ابن الأعرابي مفاخراً بقومه: "بِيضُ الْوُجُوهِ كَرِيمةٌ أحْسَابُهُم.. في كُّلِّ نائبةٍ عِزازُ الْآنُفِ". المعنى ذاته قاله حسان بن ثابت:" بِيضُ الْوُجُوه كَرِيمةٌ أحْسَابُهُم.. شُمُّ الأُنُوف من الطِّرازِ الأَوَّلِ".

والأنف أيضاً هو مصدر اخلاقي لألم الأنا. هناك تعبير يدمغ المعنى فيبرزه إزاء شخصٍ لم يستطع التعبير عن نفسه وتحقيق ما يريد: الموضوع مرّ "رغم أنفه". تهشمت إرادته ولم يقو على مجابهة التحديات ورضخ للأمر الواقع. أما التعبير الحاد: تمرَّغ أنفُه في التراب، وهو كنايةٌ عن اسقاط مهابته أرضاً، فأصبح علامةً على الحط من قدْره. وذات الأنف هو ما ينال حَكْاً بالأُصبع مع المواقف الحرجة.

وعلى أهميته بهذا المجاز، يعدُّ الأنا وهماً اذا بحثنا عنه. هو في الصيغ اللغوية يعطينا إحساساً بوجود محتوى. غير أنّه ليس إلا "صوت الاحتواء" ذاته، حيث يتعين علينا الانغماس في التوهم والتّجَسُد. وكم ارتبطت الكلمات تاريخياً بفعل الإيجاد. "في البدء كان الكلمة" كما تقول الأناجيل المسيحية. ومن منظور التوراة كان الناسُ شخصاً(أنا) واحداً يتكلم لغة واحدةً. لكن عندما غضب الرّبُ عليهم، بلبل ألسنتهم ثم كان تفرقُهم وشتاتُهم في الأرض.

بئرٌ من فخارٍ

تاريخياً كانت اللغة لُّحمة مجازيةً لهذا الأنا المُصاب بالشتات في شخص الإنسان. هي حين لم تستطع جمع فوضاه توافرت على خطابه الدال إذ تعطيه بُعداً غير محسوم من نوعٍ ما. الشبه هنا قريب جداً من رجلٍ يمد رأسه عميقاً داخل بئر من فخار ويتسمّع أصداءً سحيقةً. وربما يصدر صوتاً مكتوماً، فيأتيه الصوت أقوى تردداً وأضخم تجسيداً. عندئذ سيحتوي الصوت - صادراً وآتياً- على أكثر من نغمةٍ. هناك تقطُع، نقرات كعناصر صوتية منفصلة، وهناك نغمة متصلةٌ غير بارزة لكنها في الخلفية، وهناك أصوات جانبية، رنين، تراجع وارتطام الصوت بالأصداء المنعكسة. هذا إجمالاً عُمق الأنا إذا تمكننا من بلوغه في اللغة التي تنقله للآخرين. بالتالي: لا يكون الأنا أنا إلاَّ حيث لا يكون!! أي حيث نفشل في بلورة كيانه رغم توافر معناه.

هل سنعثر على الأنا لاحقاً؟ بالطبع المحاولة دون جدوى. لأنَّ الأنا سيتسرب من الوعي إذا عرف أنه تحت المراقبة. ماذا نفهم لو قال شخص" أنا"؟ أهو الجسد، أهو المعنى، أهو الكائن بالأمس أم المفترض غداً؟! السبب الوجيه: أنَّه في تلك اللحظة هو ما يبحث عن نفسه. فكيف لمن يبحث عن نفسه أنْ يجدَّه؟! وتلك هي مشكلة المتصوفة ... أنَّهم لا يعثرون على أناهم مهما استغرقوا قليلاً أو كثيراً في ترحالهم الروحي. الأنا لديهم غير متوافر، ضائع. لقد تلاشى أمام الحقيقة الإلهية كما تتلاشى قطرةُ ماءٍ داخل البحر. لأنَّهم لا يرون ما سوى الله إلا فيه. يقول الحلاج: "نحن روحان حللنا بدنا فإذا ابصرتني أبصرته وإذا أبصرته أبصرتني". أنا المتصوف ملق على بساط الألوهية بلا حدود. لقد قذفه دون استعادةٍ محتمياً بالخالق ومنسياً في جلالِّه.

من ثمَّ يتأرجح الأنا داخلنا كإحساس غائرٍ بالمصير، كرقاصٍ لساعة  قديمةٍ. حينئذ يساوى حجم "الرغبة في". ولنضع خلف الــ "في"... كل موضوعات الرغبة وآثارها. الرغبة في الوجود، الرغبة في الحياة، الرغبة في القداسة، الرغبة في السعادة، الرغبة في الآخر. جميعها تتشكل من أثر اللغة وتخمُرها. أوقات غير قليلةٍ نأخذ بالبحث هنا أوهناك عن شيء مثل القلم بينما نحن ممسكون به بين أصابعنا. هل نسينا القلم، هذا الذي على اتصال مباشر بذاكرة الكتابة. إنَّه مثل الأنا مُلق ببداهة اللحظة. فأثناء استغراقنا فكراً نفقد شيئاً منا. فإذا أردنا تذكرّه، سيحتاج إلى مساحة للاتصال بالواقع. مساحةٌ تساوي فضاءَ الأنا، هي صداه حين يعود عارفاً- مجرد المعرفة- بكيانه. وهي لحظة هشاشة حقيقية كما نستعيد حلماً ذائباً مع لاوعينا الشارد.

لا يتوقف الأنا عن هذا الامتلاء الفارغ. وعبارة الكوجيتوcogito الديكارتي "أنا أُفكر إذن أنا موجُود" واردة في هذا السياق. إنَّها ليست يقيناً إلاَّ من جهة الإيمان بشيء فاعلٍ الآن. أَطلقَ ديكارت عليه التفكير. بيد أنَّه ممارسةٌ للوجودِ المقلوب بصورةٍ ما. واليقين عندئذ امتلاء بصوت داخلي يترك صداه خارجاً. الأنا ذلك "البئر الفخار" الذي أشرت إليه. أخذ ديكارت بملئه بالتفكير تبعاً لإيمان أعم. لعلنا سنلاحظ في هذا الادعاء مستوى غير عقلاني بالمرة. أقصد مستوى تقديسي رغم تصريح العبارة بغير ذلك. على الأقل تقول العبارة: أفكر في شيءٍ ما، فأنا بناء عليه سأُوجد، ها أنا سأوجد. حتى يصل إلى السؤال...هل أوجد حقاً وذلك بمحاولة إثبات ذاته. لهذا يعتبر الله ضامناً للأنا عند صاحب الكوجيتو.

في هذا الصدد لن يعتبر "الأنا يفكر" هو نفسه "الأنا يوجد". صحيح رَبطَ بينهما ديكارت بالثابت المنطقي" إذا...إذن" كنوع من فعل الشرط وجواب الشرط. بالصيغة التالية: إذا كنت أُفكر إذن أنا موجود. وانصهرت نبرة الزمن الماضي بواسطة "كنت" لتصبح في الزمن المضارع، أي تفيد حضوراً بمعني الاستمرارية. لكنه لكي يتم المرور من الأنا أفكر إلى الأنا أُوجد، فإننا نحتاج عمليةَ خلقٍ، نحتاج إيماناً خفياً. فديكارت تغاضى عن غياب أنا بهذا القوام الذي يتملَّك المرء حين يقول أنا. بينما أعطاه كامل الصلاحية للوجود هنا. بالتالي الأنا الأول ليس مساوياً للأنا الثاني. إنَّ فعل الشرط غير كافٍ لإحداث جواب الشرط. لهذا ستكون فكرةُ اليقين لدى ديكارت (معلقة) على البداهة. وسيكون الشك بنسبيتِّه الظاهرة مرتبطاً بما سيأتي المرء من أهواء وعواطفٍ.

إله اللغة

مع الأهواء جاء الأنا في القرآن- أحد عائلة النصوص الإبراهيمية- لصيقاً بخطاب الطواغيت كفرعون والنمرود وقارون. فرعون:(أنا- السياسة والسلطة) والنمرود:( أنا– الإله) وقارون: (أنا– راعي الاقتصاد). وهم الثلاثة يشكلون الأخطر الأكبر في تاريخ الدين على فكرة الألوهية. فالحُكم يترصده الفرعون من أعلى وعملية الخلق يتنازعها النمرود مع الإله والمال ادعاء لا يبقي ولا يذر. استنطاقاً لذلك، دوماً يربط القرآن الأنا بادعاءٍ خطابي حاشد أمام الآخرين. قال الفرعون لقومه "ما علمت لكم من إله غيري" (القصص/ 38). هذه دلالة الأنا عندما يسمع الحاكم صداه مع صولجان الحكم وسلطة اللغة. غير أنَّ الصدى صدى رغبة سحيقة في القداسة التي هي قضية الوجود الأولى. بينما هذا الإنسان المتألِّه صورةً لا أصلاً بعبارة ابن خلدون.

وصحيح إنَّ الأنا نسخة مقلدة، لكنها تفرز لعباً سياسياً متبادلاً: "استخف قومه فأطاعوه".  لعبة "الاستخفاف والطاعة" ... تلك المباراة التمثيلية بين الحاكم والمحكوم. فكان الفرعون نموذجاً للوقوف على الوهم الداخلي بكيان غير موجود أصلاً. وهو إثبات استحالة امساك هذا الوهم إلاَّ في وضع كارثي كهذا. إنَّه المخدِّر الإنساني منذ خروج آدم من الجنة وقد مثل حلماً يراود البشر مع الجلوس على كرسي السلطة.

مخدِّر يفرز أثرُه سريعاً في مراحل الحياة. مثل استبعادنا الدائم لموت الأنا. هل تصور حاكم أو غيره موتاً لأناه؟ هناك استحالة تصور الموت مقترباً منه ولو كان على مسافة خطوات وكأننا في بروج مشيدة بحسب تعبير القرآن. تعبير يقع معناه بإمكانية استدراك الأنا لمصيره إذا ظن الهروب من النهاية المحتومة. وقول القرآن "كل من عليها فانٍ" إنما يقصد فناء الأناوات مقارنة بالله. وعلية سيبقى وجه الرب ذو الجلال والإكرام في عملية استعلاء وجودي لقانون الخلق والخالق. الوجه هو ما يميز الأنا وينسب إليه مباشرة. فالإنسان كائن ذو وجه بالدرجة الأولى، بينما الحيوان لا وجه له إلاَّ هو. غرائزه هي الوجه الطافح بالحياة. أما لدى الإنسان فالوجه يعبر عن جوانب النفس والمعنى. وإذا كان الإله والإنسان تفرقاً بفكرتي السمع والطاعة، فإنهما يلتقيان بالمصير، النهاية تترك بصماتها على الوجوه.

هناك علامات النضارة، التجاعيد، التجهم، العُبُوس، الزوال. إنِّه أيضاً مرآة تدل على النرجسية( نرسيس في الأساطير اليونانية الذي مات نتيجة رؤية وجهه في الماء ومحاولة التوحد به). وهو تباعاً ينقل الرغبة الدفينة في الخلود حيث الماء أصل الحياة واستمرار الوجه. وليس وقوفُ الإنسان يومياً أمام المرآة إلا لرؤية شيءٍ أكثر من الوجه. الوجه معتاد، بينما هناك الوجه الآخر الذي هو  كم من نكران المصير، من اختراق الصورة.

على الصعيد العام تأخذنا عبارات الإطراء إلى آفاق الخُيلاء. لا نغفل في هذا حركة ثقافتنا السياسية اليومية. فخطاب الأعمال المتداولة يصوغ جُملاً للمناشدة والتزلف تجاه السلطة بأصنافها. لذلك ما لم نحرر علاقتنا باللغة العربية سنظل نجتر استخفاف الفرعون من عصرٍ إلى عصرٍ. لأنَّه أحد المؤلفين السريين للمعجم السياسي العربي. الفرعون قابع في الحاكم، الفرعون في الوزير، الفرعون في رجال البرلمان، الفرعون في عناصر الأمن، الفرعون في الكاتب السياسي، الفرعون في الشارع!!.

إلى أنْ قال الفرعون " أنا ربكم الأعلى"( النازعات/ 23). ادعاءٌ جعل الأنا السياسي غطاءً لغوياً كلياً إزاء أي ادعاء آخر. ولهذا فإنِّ اللغة، أي فعل القول العام، عنصر مشترك في الآيتين السابقتين. كانت قولاً صريحاً بخروج الإنسان إلى حال اللا كائن. ففرعون وقف بجانبه خطابٌ سياسي انطولوجي زاعماً ألوهيته. أي يقول أنا المقدس هنا والآن. وتكمن في عبارته اشارةٌ قرآنية حساسةٌ باعتبار الأنا لو تحدد فقد تألَّه. وفرعون لم يوارِ هذا الشيء إنما ذكر نتيجته مباشرة (ربكم الأعلى). فلو تمكن من اثبات علو أناه، فقد خرق قانون فناء الأنا وتلاشيه.

الأغرب أننا كثيراً ما نتلاعب باللغة سياسياً للتخلص من الفرعون القابع فيها. فلم يكد الرجل العربي يتحدث عن نفسه حتى يتمتم" أعُوذ بالله من كلمة أنا". وهو لا يدري لماذا ذلك الترديد؟ أصبحت الكلمةُ لازمة تواصليةً بين الناس كأسلوب للتستر وراء القول. لأنَّها تذكير ضمني بانتشار جينات الفرعون في جسم الخطاب الاجتماعي السياسي. هكذا أصبح معنى الفرعون فيروساً لغوياً لاهوتياً، حركته اللغة اليومية بهذا التوالد البيولوجي. لقد طُرحته الثقافة العربية كنمط مهيمن يخترق وسائط التعبير مبيناً انحرافها تجاه المُطلق السياسي.

ليس مصادفة أنْ يوثِّق ذلك أحد الشعراء القدامى: "أنا سَيْفُ العَشيرةِ فاعْرِفُونِي جَمِيعاً قَدْ تذريت السَّنامَا". فالعشيرةُ انتاج بيولوجي ثقافي. والسيف يجمع بين القوةٍ والعصبية. ثم يأتي الشعر كرأس حربة رمزي أثناء المعارك الاجتماعية إذا حمي الوطيس. واستمرت اللغة في حياتنا العامة سيفاً للأنا بين أصابع العشيرة. سواء أكانت الأخيرةُ بنية اجتماعية أم مؤسسة سياسية أم سلطة حاكمةٍ.

لو كان لنا أن نتعلّم من هذا "البئر الفخار" لكنا أهملنا التعصب المقْيت. ولبحثنا طوال عمرنا الجمعي عن التروي في فهم ماذا تقول اللغة. يقال إنَّ معجزة الثقافة العربية في شعرها وقرآنها. ومع هذا ما أعجزنا عن مواكبة عمل اللغة التي مازالت تتردد بيننا. إن الإنصات إلى لغة الشعر والقرآن، أقصد الانصات إلى طابعهما الإنساني، لهو أمر في غاية الأهمية. فالطابع الإنساني للغة لا ينفي أيَّةَ معجزةٍ، لكنه يكشف عن كيفية احتضانها وغرسها في تربة الثقافة. وتلك عملية تفترض انتظاراً لما هو قادم بصيغة المستقبل الماضي. وما لم نلتفت إلى تلك الصيغة لن نستطيع التحرر من القديم. فالسؤال المبدئي: كيف نتجاوز الأنا؟ سؤال رغم بساطته كما يبدو إلاَّ أنَّه يساوي حجم وجودنا الثقافي وتاريخه.

 

سامي عبد العال

 

علي محمد اليوسفالفكر يكتسب هويته وماهيته بعلاقته بالوجود المادي المتبادل المتخارج معه جدليا، وليس باللغة التي تعّبر عن الوجود في ملازمة الفكر التجريدي لها. فالفكر يكسب الموجودات صفاتها البائنة، ويكتسب هو أي الفكر المتموضع بالموجودات المدركة هويته وصفاته ماديا أو مثاليا بحسب منهجية التعبير والفهم. الفكر منهج عقلي بالتفكير لا يمكنه غير توصيف ما يرغبه متحققا في الاشياء ومواضيع الادراك لكنه لا يقوم بخلقها تفكيرا تجريديا. الفكر هو تعبير لغوي صادر عن ملكة تفكير العقل.

والفكر واللغة في تلازمهما معا لا يستطيعان خلق وجود شيء مادي وأعطائه صفاته وعلّة وجوده في علاقة تعبيرهما عنه كوجود صوري مجرّد في الذهن فقط، وأنما الوجود يكتسب صفاته وماهيته في تعالقه مع الادراك العقلي الواقعي له، قبل الفكر المعبّر عنه في تعالقه مع تعبير اللغة...بمعنى ادراك العقل للموجود أو الشيء يسبق دلالة الفكر واللغة التعبير عنه.

وجود الاشياء في نوع علاقتها مع التفكير العقلي لها، تسبق الفكر واللغة المعبّرة عنها لاحقا. فالعقل يستبق الفكر واللغة في تلازمهما وادراكهما الوجود الخارجي كوسائل بينما يكون الادراك العقلي لها غاية وهدف قصدي، وهذا يخالف مثاليو فلاسفة نظرية المعرفة في تزمتّهم القول ( أن فعل  المعرفة لا يقوم في عملية ادراك الموضوع، بل في فعل خلق الموضوع، وأن الوجود لا يوجد في ذاته، أنما الفكر هو الذي ينشؤه).

ببساطة متناهية الفكر لا ينشيء وجودا شيئيا من فراغ وجودي سابق عليه، بل من موجود مادي مستقل أو موضوع مدرك خياليا سابقين عليه، الموجودات والموضوعات والاشياء في استقلالية تامة عن الادراك العقلي والفكر واللغة.. بدون توفر وعي قصدي يتناولهما معرفيا. لكنه (الفكر) يضطلع بمهمة تغيير وتبديل الاشياء والموجودات كمواضيع يدركها العقل ويعمل على تخليقها في جدلية من الصيرورة الدائمة غير المنتهية بين الموجودات ولغة الفكر المعبّر عنها...اللغة تخلق مواضيعها التصورية بالفكر ولا تخلق موجوداتها المادية بالواقع... فالموجود المادي سابق في وجوده الادراك العقلي وتعبير اللغة عنه.

فهل يسبق الفكر أو اللغة أحدهما تراتيبيا في تعبيرهما عن الوظيفة الادراكية التخليقية العقلية التناوبية للموضوع،؟ وفي تعبيرهما عن وجود المادي في أختلافه عن التفسير المثالي على مستوى أفصاح اللغة في علاقتها بالاثنين كوجودين غير مختلفين المادي والمثالي في وظيفة اللغة التعبير عن كل منهما بمواصفاته الخاصة به. واقع الموجودات المستقل في عالمنا الخارجي لا يعيّن نوعية التفكير بها، بل اختلافات مناهج الفكرفي تفسيرها الموجودات والاشياء تعطيها الصفة المادية بالفكرالتصوري المجرد فقط ولا يعطي الفكر الصفة المادية حسّيا واقعيا للموجودات السابقة عليه. فالمادية جوهر دفين بالموجودات لا يقوى الفكر خلقها بل توصيفها اذا كان ذلك متاحا ممكنا.

أننا في هذه الحالة نفهم أن الفكر المادي في تمايزه عن المثالي هو في أسبقية الفكر على اللغة على صعيد الادراك الوجودي للاشياء في الواقع عقليا (صمتا) تفكيريا تخليقيا داخليا من دون الافصاح عنه باللغة تعبيريا شفهيا أو كتابة.

بمعنى أن تخليق وأعادة انتاجية الشيء المفكر به (جوّانيا) من قبل العقل الذي نقلته  الحواس كموضوع لتفكير العقل به، يكون حضور الفكر سابق على عطالة اللغة في فعالية التفكيربالموضوع صمتا عقليا، وتنقلب المعادلة في الاسبقية حين يتم توظيف العقل لغة التعبير عن الشيء في وجوده الخارجي وبأدراكه المتعيّن من جديد. فاللغة هنا في تعبيرها عن مدركات العقل الخارجية تسبق الفكر.فأدراك الشيء عقليا في العالم الخارجي يكون في أسبقية اللغة التي تكون هي الفكر في ذات الوقت ونفس المهمة تربطهما في تعيين وجود الشيء المدرك حسيا أو حدسيا وحتى خياليا.

وأن بدت(اللغة والفكر) كلتيهما متلازمتين لا يمكن التفريق بين الفكرة واللغة المعبّرة عنها ادراكا أو حدسا، كما من المتعذّر أعطاء أسبقية لاحداهما على الاخرى في التعبير المختلف عن الوجود ماديا أم مثاليا بشكل مفارق في تمييز أحدهما عن الاخر. لا يحدد الفكر جوهر الاشياء المادية بل يحدد الصفات المادية المدركة ظاهريا للاشياء فقط. مادية الشيء أو مثاليته في التعبير عنه لا يحدده وجوده كموجود بل يحدده تعبير اللغة عنه (منهجيا) في تجريدها الصوري... منهج التفكير هو الذي يتم به تفريق ما هو مادي عن ماهو مثالي.

هذا لا ينطبق على ميتافيزيقا البحث الفلسفي،فالمنهج الفلسفي المعرفي سواء أكان ماديا أو مثاليا فهو عاجز عن معرفة ما هو ميتافيزيقي. وأنما المنهج يعالج مدركات الواقع العياني باختلاف مادي منهجي عن ما هو مثالي..فمنهج التفكير هو المسؤول الاول عن التعبير عن حقيقة الاشياء والتصورات والادراكات العقلية.

اللغة والمنهج

اللغة قرينة الفكر في عدم امكانية التفريق بينهما في تعبيرهما عن الاشياء الموجودة في العالم الخارجي. والفكر يتعالق مع اللغة في فهم الاشياء وادراكها. واللغة لا وجود حقيقي لها في مفارقتها التعبير عن الفكر وكذا لا أهمية للفكر في الوجود خارج العقل في تعبير اللغة المتعذّرعنه. فاللغة لا تعبّرعن موجودات خالية من المعنى المضموني الفكري غير المدرك عقليا بل وفي هذا تفقد اللغة أسمى خاصية لها أنها وسيلة العقل في التعبير عن الموجودات والاشياء في العالم الخارجي.

عليه يكون التمييز بين الفكر المادي عن الفكر المثالي لا يتم بمنطق تعبير اللغة المجردة أو المفصحة عنهما كموضوعين مختلفين في التعبير اللغوي فقط من دون نظرة منهجية ونظرية علمية يهتدي كلا من الفكر واللغة بهما، كما فعل هيجل بخلاف ماركس في أعتباره الجدل أو الديالكتيك المثالي يتم بالفكرالمجرد وحده وليس في تعالقه المتخارج مع الواقع او الوجود الحقيقي المادي للاشياء من أجل تغييره.

أن العقل وحده له الأسبقية في تحديد الوجود والفكرالمتعالق معه أن يكون ماديا أم مثاليا في تعبير اللغة عنه منهجيا. واللغة تكون في هذه الحالة وعاء الفكر في تحديد نوع الوجود المادي أو المثالي المفصح عنه بتعبير اللغة.فالفكر نتاج عقلي لا يعمل بغياب موضوع تفكيره، بل والفكرقوة مادية يكتسب ماديته من الجدل المتخارج مع موضوعه.. والفكر من غير موضوع مدرك له غير موجود في نظام ومنظومة العقل التراتيبية في وعيه الاشياء، أي لا يعي الفكر أدراك ومعرفة الموجودات،لأن غياب موضوع الادراك يعني غياب وجوده المادي أو المتخيّل الذي يعطي الافكار نظامها الادراكي المقبول المتسق بين موضوع الادراك ومدرك الانسان العقلي له ..

الحقيقة الثانية في أشتراط توفرها في الفكر لكي يكون فاعلا منتجا، أنه لا وجود لشيء مدرك بظواهره الخارجية وماهيته الداخلية أي متعيّن في شكل ومحتوى مادي يدركه الانسان في الطبيعة وعالم الاشياء لا يتمتع بنوع من القوانين التي تحكم علاقته الذاتية الخاصة به كجوهر وصفات، مع العلاقة الادراكية بالانسان كفعالية فكرية تنّظم وجود الاشياء وتعمل التعريف بها وأكسابها تخليقا وجوديا مستحدثا على الدوام، وأن ما يخلعه الفكرالانساني من معارف في تعديله تلك القوانين في عالم الاشياء أنما هي قوانين أدراكية فكرية لم تكن موجودة مدركة قبل ملازمة الاشياء للفكر لها الذي يريد فهمها وتفسيرها وتنظيمها،.. وليست قابلية الفكر الانساني أنشاء قوانين تخليقية بغية أيجاده كائنا أو شيئا آخرجديدا لم يكن موجودا ينشؤه الفكر كما يرّوج له فلاسفة المثالية...الفكر لا ينتج عوالم الاشياء ماديا في وجودها الطبيعي من لا شيء متعيّن يسبق وجوده تفكيرالانسان المنظّم به....وعالم الاشياء والموجودات في الطبيعة هو عالم مادي رغم أن وسيلة تخليقه وبنائه المعرفي تقوم بالفكر واللغة التعبيرية المجردة عنه التي تعتبربمثابة المنهج والدليل الذي يقود الانسان الاهتداء به كنظريات وقوانين في تغيير عوالم الاشياء وفي مدركات الطبيعة معا..

أن نظام العالم الطبيعي الخام ونظام العالم الانساني المخترع المصنوع كيفيا متمايزا ومبتكرا في قوانينه في تلازمهما معا عرف بهما الانسان كيف ينظّم أفكار أدراكاته بما يفيده منها في عالم تفاعله الادراكي مع عوالم الاشياء من حوله، كما أن الانسان في تخليقه لعالمه الانساني المتطور علميا ومعرفيا وعلى مختلف الصعد والنواحي وفي كافة المجالات لم يستمد تقدمه الا بمفارقته  (وهم) فرضية أن قوانين الفكر التي يبتكرها ويخترعها الانسان تسعى في حقيقتها المطابقة مع قوانين الاشياء بما يقعد تطور وتبديل وجود الاشياء المحكومة بقوانين ذاتية وموضوعية ثابتة قبل محاولة الانسان تغييرها من جهة، كما أن مطابقة الافكار لموجودات الاشياء والقوانين التي تحكمها ليس رغبة الاكتفاء بمعرفتها دون أرادة تغييرها وتبديلها،وبغير ذلك يجعل من الفكر مثاليا أبتذاليا ساكنا في علاقته بواقع الاشياء في وجودها المادي الساكن أيضا في الطبيعة، وبذلك لا يتم تبديل الواقع بالفكر، ولا تطوير الفكر بعلاقته الجدلية بتغيرات وتحولات الواقع....قوانين الاشياء المستقلة يكتشفها الانسان ليس في مطابقة تفكيره معها بل بهدف محاولته الاستفادة منها.

الفكر الذي يعمل على تطوير واقع الاشياء أنما هو الآخر يتطور في مجاراته تطورات الواقع ومجاوزته لتلك التطورات في تعاليه عليها باستمرار... وفي الفرضية الخاطئة التي تقود الى نتيجة خطأ أيضا هو في أعتبار عملية أدراك الانسان الاشياء هو في سعيه مطابقة قوانينه المستحدثة وضعيا مع قوانين الاشياء في وجودها الطبيعي قبل أدراكها وهو أفتراض وهمي غير حقيقي ولا يمكن الانسان فهم وتنظيم عوالمه الحياتية بهذا التنميط من التفكيرالسلبي مع أدراكاته لعوالم الاشياء في وجودها الطبيعي..الفكر حين يكتشف قوانين الاشياء فهو لا يخلقها ولا يحاول مطابقة تفكيره معها من أجل المطابقة الواقعية لها بل من أجل محاولة تسخيره تلك القوانين كهدف له بالحياة وحصوله على الافضل دائما.

الهدف أن تدخل الاشياء المدركة مع الفكر في جدل ثنائي متبادل يكسبهما كلاهما التغيير والتطور وبغير هذا الفهم معناه نفي أن يكون هناك فائدة من وعي الانسان لموجودات الطبيعة وأستحداث رؤيته وقوانينه لها..ألنتيجة التي يحرزها الفكر بالنهاية من هذه العملية هو أن تكون قوانين الفكر هي قوانين الاشياء في الواقع... بمعنى أصبح ما نمتلكه عن الاشياء من أفكار نتيجة مدركاتنا لها  هو وحده الذي يعطي وجودها الحضوري الواقعي في حياتنا ليست كقوانين لذاتها بل قوانين يكتشفها الانسان من أجل تطوير حياته...

كيف تكون اللغة هي الفكر المعبّر عنه؟

التساؤل الآن كيف تكون اللغة هي الفكرحسب ما تذهب له جميع نظريات علم اللغة واللسانيات المعاصرة، ولماذا يعجز ادراك العقل للاشياء التفريق بينهما أي بين الفكر واللغة في الاسبقية الادراكية.اذا كانا يحملان مدلولين متباينين مختلفين في تعبيرهما عن الموضوع الواحد بأكثر من ادراك وتأويل واحد؟.

هنا اللغة والفكر الملازم لها في التعبيرليس بمقدورهما تفسير وجود الاشياء بمعزل أحدهما عن الاخر أي بمعزل اللغة عن الفكر، أو الفكر عن اللغة لأنه يكون في ذلك أستحالة ادراكية تعجيزية للعقل.في أمتناع الفكر واللغة التعبير عما يرغب العقل التعبير عنه وجودا مدركا.

أن في عجز الفلسفة الخروج عن نظرياتها المفترضة شبه الثابتة أن الفكر هو اللغة المعبّرة عنه، أو أن اللغة هي وعاء الفكر، أو أن اللغة هي بيت الوجود.وأن اللغة مبتدأ ومنتهى ادراك وجود الاشياء في العالم الخارجي.جميع هذه التعبيرات الفلسفية تفهم اللغة على انها فعالية ادراكية عقلية في تحديد الفكرة أو الموضوع في تموضعهما خارجيا كي يتم ادراك الشيء ومعرفته من قبل الآخرين من الذوات العقلية المدركة وهو صحيح الى حد كبيرولا يتوفر مجال أدحاضه في الاحتكام للعقل في أدراكه الوجود الطبيعي.

في هذه الحالة حين تكون اللغة هي تعبير عن فكرة متموضعة داخل او خارج العقل،يستحيل الفصل بين اللغة والفكرة أو الموضوع المعّبرعنه بهما. فبهما(الفكر واللغة) أصبح التفكير الذهني العقلي موضوعا ومتعيّنا وجودا في العالم الخارجي بعد تخليقه عقليا، وفي هذا يكون تفكير العقل خارجيا أو بالاحرى من أجل فهم الوجود الخارجي للاشياء المستقلة.حين يكون تعبير اللغة داخليا فهو يقوم على الفهم الصامت، وتعبير اللغة خارجيا يكون في التعبير عن المدرك بالنطق الصوتي كما يذهب له جومسكي.

صمت اللغة في اشكالية الفصل بين اللغة والفكر

حين نقول تفكير العقل الداخلي الاستبطاني المقصود به هو التفكير الصامت، أما تفكير العقل خارجيا فهو عندما يجري تعبير اللغة عن موضوع تفكيرالعقل واقعيا ماديا.وبالواقع أن هذا التفريق في تفكير العقل داخليا صمتا فكريا وخارجيا بوسيلة اللغة تعبيريا، انما هما في الاصل تفكيرلعملية واحدة للعقل في موضوع محدد مشترك يتميّز به بمعزل عن كل موجود مادي او متخيل آخر.أي أن العقل واللغة والفكر يجمعهم (وحدة الموضوع ) المدرك في زمن واحد.وهكذا هي الحال في تناول أي موضوع أو شيء من العالم الخارجي.أن ادراك العقل للاشياء الواردة له عن طريق الحواس بما لا يحصى في تنوعها وتوقيتاتها الزمنية المتباعدة والمختلفة في نوعيتها،لايعقلها العقل دفعة واحدة، ويعطي الدماغ ردود الافعال الانعكاسية الارادية وغير الارادية لها بعشوائية من دون تراتيبية يعتمدها العقل.

ذهبنا الى استحالة فصل اللغة عن الفكر في حالة افصاح العقل عن فهمه وتعّينه لموجود أو شيء ما في العالم الخارجي.وليس في التفكير الصامت داخليا للعقل. نذّكر ان علم اللغة واللسانيات تعتبر اللغة والفكر هما وجهين لعملة واحدة ولا تفريق بينهما كما ذكرنا سابقا، فاللغة هي الفكر المعبّر عنه حسب ريكور وفنجشتين ودي سوسيروجومسكي وجميع فلاسفة وعلماء اللغة.باعتبار ان اللغة هي فعالية العقل في تعيين ادركاته للموجودات والاشياء الخارجية.

لكننا نجازف بالمباشرقولنا انه يمكننا فصل الفكر عن اللغة عندما يكون تفكير العقل صمتا داخليا في التفكيربوجود شيء مادي او خيالي لا يحتاج لغة التعبير عنه بل يحتاج الفكر وحده لانه وسيلة تفكير العقل المعقدة الوحيدة في تخليقه لموضوعه بوسيلة الفكر لوحدها دونما اللغة، ويكون صمتا داخليا متخيّلا ايضا في تفكير العقل لموضوعه كوجود غير مادي، اي وجود خيالي لا يرتبط وغير ملزم التعبير اللغوي عنه بعد تخليق العقل له.

للتوضيح اكثر فالتفكيرالمادي الصامت هو في معالجته موضوع واقعي او شيء ما بالتفكير المجرد كمتعيّن موجود في العالم الخارجي، اما في تفكير الصمت (الخيالي) غير المعبّر عنه باللغة فهو الهام تخييلي في انتاج العقل موضوعا يدرك خارجيا بلغة جمالية خاصة في حالة من الكمون خلف فهم الوجود الجمالي، لم يكن ادراكه متيّسرا قبل افصاح العقل له وتخليقه جماليا، كما في خيال انتاج لوحة فنية او قطعة نحتية أو أي ضرب من ضروب التشكيل ومعالجات علم الجمال الذي من المتاح الممكن التعبير عنه بغير لغة الكلام او لغة الكتابة.

نأتي الآن الى معالجة اصل امكانية فصل الفكر عن اللغة، على انها استحالة ادراكية في فهم الاشياء والمواضيع في حال وجودها في العالم الخارجي في استقلالية عن الانسان سواء كانت مواضيع تناولها العقل بالادراك واعادها باللغة والفكر ثانية الى عالم الواقع من جديد بعد تخليقها، أو لم يدركها في وجودها المستقل التي ايضا تستطيع الحواس و اللغة التعبير عنها.

يبقى عندنا أن التفكير العقلي الصامت ماديا او خياليا فأن آلية العقل في التفكير تستطيع فصل اللغة عن الفكر طالما هما حاضران ذهنيا في لحظات زمنية واثناء التفكيربموضوع ما متعينا ادراكيا،أي حينما يفكر العقل صمتا فهويفكّربالفكرذاته كوسيط بموضوع الفكرالذي نقلته الحواس المدركة للاشياء او في موضوع ابتدعه الخيال ايضا يحتاج العقل الفكر كوسيط في تخليقه واعادته الى عالم الاشياء باللغة المعّبرة عنه. وليس باللغة خارج موضوعه في التفكير الصامت. اللغة في تفكير العقل الصامت لا اهمية ولا وجود لها يتاح ادراكه من غير الشخص الذي يفكربموضوعه عقليا ويبقى الفكر وحده وسيلة العقل في التفكير وتخليقه مواضيع الخيال العقلية.

وطالما كانت اللغة والتفكير معطّلان كوظيفة نقل ما يقترحه العقل عليهما نقله الى العالم الخارجي، اي بقاء العقل يفكر ذاتيا صمتا بمعزل عن نقل ما يفكر به لغويا، فان العقل وسيلة تفكيره الفكر ذاته فقط ولا يحتاج اللغة الا على انها جزء من الفكر وملازمة له خارج الدماغ او العقل في وجود الاشياء، وتفكير العقل وتخليقه لموضوعه، فلا يدرك خارجيا من غيره الا بواسطة اللغة فقط الناقلة للفكر من داخل العقل(الدماغ) الى واقع الوجود في عالم الاشياء.

وعندما يتجسد ويتعين الموضوع في عالم الاشياء الخارجي بالتعبير عنه لغويا او بأية وسيلة تعبير غير اللغة الصوتية او المكتوبة، فهنا لا يصبح فصل الفكرعن اللغة ذات أهمية كبيرة في اتمام عملية الادراك، ولكن تبقى اللغة في اثناء عملية تفكير العقل (صمتا) في مرتبة ثانوية بعد الفكر في مقارنتها باولويتها في التعبير عن الوجودات الخارجية في العالم الخارجي والطبيعة خارج هيمنة ادراك الحس والعقل لها بعد تخليقها لموضوعها، عندما تكون اللغة جزءا لا ينفصل عن موضوعها الذي عبّرت عنه في عالم الاشياء والموجودات.

بمعنى توضيحي ان اللغة لا تستمد فعاليتها داخل تفكيرالعقل الصامت جوّانيا بموضوعه مع ذاته المستقليّن كليهما عن العالم الخارجي، وانما تستمد اللغة اقصى فاعليتها في التعبير عن الاشياء في وجودها الخارجي المستقل خارج وعي العقل لها في زمنية محددة تلزم عقلا مفكرا واحدا في موضوع واحد، هو غير مدرك وجودا لغويا لدى غيره من عقول تختلف في ادراكها وتفكيرها والتعبير ربما في نفس الموضوع. وحتى في هذه الحالة فالفكر وتعبير اللغة يبقيان قاصرين عن التعبير عن الموجودات المستقلة من دون ادراك العقل لها وتحديده نوعية الفكر ونوعية اللغة المعبّرةعنها. ويكون وعي الذات هي كينونة متشّكلة من الوجود المدرك، بالمحسوسات، ومن والعقل، وايضا من الفكر واللغة. لذا عندما يكون تفكير العقل صمتا جوّانيا، يصبح التفكير بالشيء سابق على لغة التعبير عنه خارجيا. فالموضوع المفكّر به صمتا غيرلغوي يبقى حبيس ووصاية العقل في التفكير به قبل اهمية انشغال العقل في التعبير اللغوي خارجيا عنه.اللغة اثناء زمنية تفكير العقل بموضوعه صمتا داخليا، تكون ملازمة لعملية تفكير العقل ذاتيا، لكنها لا تتقدم تفكير العقل. فليس كل تفكير داخل العقل صمتا يلزم حضور اللغة معه لكنه يلزم حضور التفكير الصوري لغويا. فالعقل بلا تفكير لا قيمة له، لكن العقل بتفكيره بمقدوره تفعيل حضوره بلا لغة تعبير غير ملزمة لنقل تفكير العقل الى مدركاته الشيئية.

أن من المهم في ختام هذا المبحث الاشارة الى فرق اللغة في التعبير عنها بالكتابة، عن لغة الكلام المنطوق، فطبيعة اللغة كلاما تحاوريا بين مصدر ومتلقي هو انها لغة منطوقة صوتيا، مفردات من الاحرف والمقاطع والكلمات ذات دلالة صوتية في التعبيرعن موضوع أو عدة مواضيع، لكن الاصوات لوحدها لا تشكل لغة شفاهية مفهومة مالم تكون لتلك الاصوات دلالة معرفية قصدية عن أشياء بعينها دون غيرها.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

زهير الخويلدي"الاعتقاد هو العملية الذهنية المجربة من شخص يصدق أطروحة أو فرضية، حتى يعتبرها حقيقة، بغض النظر عن تأكيدها أو دحضها من طرف الوقائع . في الغالب تكون المعتقدات يقينية دون دليل"

يظل الانسان في حياته اليومية حائرا بين تصديق الخرافة والشعوذة والمعارف المشتركة واتباع النور الفطري وصوت الضمير وبين الرجوع الى العلوم الثقافية والتربية الجمالية وقيادة نفسه بالحكمة العقلية.

من اليسير على الانسان الوقوع في الاعتقاد سواء تعلق الأمر بالمعتقدات الغيبية أو بفرضية وجود عالم آخر في الكون ولكن من الصعب ممارسة التفكير في هذه الاعتقادات لظنه أنها حقائق ثابتة من منظور الحس المشترك ولكونها من مسلمات العقل الميتافيزيقي الذي قدم بشأنها الكثير من الحجج الكوسمولوجية والنفسية والأنطولوجية وربما التشكيك فيها قد يؤدي الى انهيار النسق القيمي وتفكك المرجعية الروحانية.

عند الانسان العامي لا يمثل الاعتقاد مشكلة فهو كثيرا ما يستسلم للعلوم النقلية ويخضع لسلطان الرأي وينقاد للأحكام المسبقة ويطمئن للبديهيات والمسلمات الجاهزة ويعول على الأقوال الموروثة في الحياة اليومية وفي المقابل يقتصر على التفكير في ايجاد حلول للحاجات المباشرة وإشباع ضرورات الحياة ويجد مشقة كبيرة عند ممارسة التفكير بشكل نقدي حر ولما يُعمِلُ العقل بصفة شخصية وقد يقاد اليه بالإكراه.

تتشكل هذه العلاقة البديهية بين الانسان العامي والاعتقاد بحكم التقليد والميراث وبسبب الخضوع لسلطة الماضي والاحتكام الى معايير الأصول والخوف من الابحار في المجهول والجزع من التحرك في الفراغ ونتيجة الوقوع في شخصنة الأفكار وتقديس الشخصيات واستحواذ ثنائية التمنع والتكليف على ذهنية البشر والجهل بالأسباب الحقيقية التي تتحكم في افعال المرء والقوانين العلمية التي تتحكم في الظواهر الطبيعية.

لكن ماهي الأشكال المختلفة للاعتقاد؟ كيف تحدد الفلسفة مفهوم الاعتقاد؟ ألا يوجد بعد نفسي في الاعتقاد؟ وما العلاقة بين الاعتقاد والتفكير؟ هل يمنع الاعتقاد الراسخ ممارسة المرء للتفكير النقدي الحر؟ والى أي مدى يشتغل التفكير العلمي الموضوعي على تفكيك شبكة المعتقدات وإلغاء الارتباط النفسي للبشر بحبالها؟

يمكن تمييز ثلاث أنواع من المعتقدات: المعتقدات الواقعية (أحكام الواقع)، المعتقدات الإلزامية (القيم الأخلاقية) والمعتقدات المختلطة أو الغامضة (الأحكام القيمة، والمعتقدات الدينية و الفلسفية وما إلى ذلك).

الإعتقاد في الفلسفة هو حقيقة الإيمان، أي أخذ شيء ما حقيقيًا أو واقعيًا، أو التصديق أو الاقتناع التام بأنه صحيح أو أنه موجود. ثمة أمثلة كثيرة من الاعتقادات الفلسفية: مستقبل أكثر إشراقا، تقدم غير محدد.

الاعتقاد في الدين هو التصديق بما جاء في النص من تصورات ووقائع وأوامر ونواهي وأحكام ووصايا والإيمان بحقيقة رؤية القيامة والثقة في المروي من التقاليد المتبعة وقبول الخضوع لكل جزء من التعاليم.

إذا كان الإيمان هو تلقي الحقيقة التي كشف عنها الله الأول والثالث، فإن الإعتقاد على العكس من ذلك هو تجربة دينية لا تزال تبحث عن الحقيقة المطلقة وبالتالي محرومة من الموافقة على ما وقع الكشف عنه.

الاعتقاد هو الذي الشعور النفسي الذي يجعلنا نصدق بأن ما نراه هو الحقيقة ونوافق على ما يرتبط بذلك وإعطاء الفضل لكل ما يترتب عنه دون اثبات أو تحقق ودون حتى الاعتراف بمنطق المحاولة والتريث.

لماذا يحتاج الناس إلى الإيمان بشيء ما؟ والى أي مدى يظل الاعتقاد أمرا ضروريا في الحياة الانسانية؟

نحن بحاجة إلى الاعتقاد حتى لا نلتزم بما هو نسبي، ولنرى ما وراء حدود ما هو معروف، ومثبت، ومفترض. لذلك من الضروري ألا يؤمن المرء بالفضول الفكري الذي لا فائدة منه في مغامرة المعرفة.

لكن هل يوجد من لا يعتقد في أي شيء؟ الا يجوز الاعتقاد في اللااعتقاد؟ ولما ثمة من لا يؤمن بأي شيء؟

هناك فرق بين الريبيين الذين يعلقون الحكم دون نفي أو اثبات حول الحقيقة والوجود ويعتبرون الانسان هو مقياس الأشياء والدهريين الذين ينكرون الوصول الى الحقيقة وبلوغ معنى الوجود وتعريف القيمة .

لا يمكن اكتشاف "معنى" الاعتقاد الشائع إلا عن طريق ممارسة التفكير من أجل معرفة تعاقب تسلسلها واستبدلناها أيضًا في تسلسل ضمن السياق الذي يشكل الثقافة التي تم استخراجه منها، أي جملة الرموز.

في السياق تقف وراء العزوف عن التفكير والاستسلام للتقاليد والوقوع في آفة الاعتقاد جملة من العوامل:

- الجهل المركب ونقص المعرفة

- الخوف من العالم الخارجي

- القصور الذاتي والعجز الهيكلي

- الوصاية للغير والتبعية للسلطة

- الاستبداد السياسي والقهر الاجتماعي

ما المقصود بالتفكير؟ ما الفرق بين التفكير العامي والتفكير المشترك؟ ومتي يصير التفكير الشخصي تفكيرا فلسفيا؟ وكيف يستطيع التفكير الحد من سلطة الاعتقاد على المعرفة؟ وهل يمكن للمرء ممارسة التفكير دون الوقوع في المسلمات؟ ولماذا يتوجه العقل الى ما يسبق التفكير وغير المفكر فيه واللامفكر؟

التفكير ينطوي على جهد حقيقي ويحتاج إلى قوة التركيز والمثابرة والرياضة الروحية والتمارين الذهنية والتسلح بالجرأة والجسارة والإرادة ؛ اذ لا يمكن لعقلنا المفكر أن يفعل أي شيء آخر في نفس الوقت.

من البديهي أن اجراء التفكير هو التوقف عند شيء معين بغية التأمل فيه وتقليبه على جميع جوانب وجوده وفحصه بالتفصيل والتنقيب داخل مغاوره والتعمق في جوهره والإحاطة بتضاريسه ومعرفة تغير أحواله.

لا يكون التفكير الابداعي ممكنا للإنسان إلا اذا احتفظ بملاحظاته وتأملاته حيث قد يحتاج اليها ويخوض تجربة الحوار العقلاني مع الذوات المفكرة الأخرى ويستثمر طاقة الخيال الخلاق وقدرته على التوقع.

ان التفكير الذاتي هو التأمل الشخصي المنطقي الذي يُبني على مشكلة ويعلن عن خطة في المقدمة ويتم تنظيم الأسئلة وفقًا لمخطط حجاجي معلوم وانجاز تحليل بواسطة جملة من النصوص وبعض المرجعيات.

من هذا المنطلق تتوفر جملة من الشروط المساعدة على التفكير:

- ممارسة الدهشة التساؤلية واستثمار الاستغراب وحالة التعجب أم عظمة الوجود

- الشك في كل شيء والتغريد خارج السرب ومخالفة السائد والسير ضد المالوف

- الانخراط في تجربة النقد المزدوج في مجالات الثقافة والفن والمجتمع والسياسة

- الالتزام بالقيم الكونية والتسلح بالشجاعة الوجودية والمغامرة والتضحية والايثار.

أما التأمل الفلسفي فهو انعكاس نقدي لمبادئ المعرفة ومقولات الذهن في بنية العقل لإضفاء المعنى على الوجود بشكل عام. بينما التفكير النقدي هو مفهوم يستخدم في الفلسفة وعلم التربية لتعيين موقف نقدي تجاه أي بيان أو معلومات بالإضافة إلى القدرة الفكرية التي تسمح للمرء أن يفكر بشكل صحيح، لاستخلاص استنتاجات غير سابقة لأوانها. ان القدرة على التفكير هي أفضل ما يميز الإنسان عن البقية، وهي التي تسمح لحضارتنا أن تتطور وللإنسانية بأن تتمكن من التمييز بين الحقائق والأوهام وبين الخير وللشر.

على هذا النحو الهدف من الفلسفة هو التوضيح المنطقي للفكر. فالفلسفة ليست عقيدة بل نشاط وتهدف إلى جعل الأفكار واضحة ومحددة بشكل صارم، إذا جاز التعبير، فهي ليس أنساق غامضة بل تزيل كل التباس وتكمن أهمية التفكير الفلسفي في الحياة في كون الفلسفة تشكل الإطار الذي يمكن للإنسان من خلاله فهم العالم والعمل على حياته وتوفر له أدوات اكتشاف الحقيقة وتشجعه على استخدام عقله لتحسين وجوده.

خلاصة القول أن الفلسفة لها العديد من النقاط المشتركة مع الأنشطة البشرية الأخرى التي، مثلها، تقدم تأملات أو تصقل مفاهيم عامة تؤثر على وجودنا وأفعالنا، ووجود العالم والمعنى الذي يمكننا إعطاؤه.

لقد ميز كانط بين الاعتقاد والمعرفة ورأى بأن الإعتقاد هو الفعل الشخصي المتمثل في اعتباره حقيقة ؛ إذا كان لأسباب موضوعية، يطلق عليه الاقتناع ؛ لأسباب ذاتية فقط، الإقناع. لذا فإن محك الإيمان موجود في الشيء الذي يوافق عليه الجميع. يمكن فقط الاقتناع بالحق الذييجب أن تحتفظ به لنفسك . الاقتناع له ثلاث درجات: الرأي، الإيمان، المعرفة. يدرك الرأي العام قصوره الذاتي والموضوعي ؛ الإيمان يدرك أنه حازم ذاتيًا، ولكنه غير كافٍ من الناحية الموضوعية ؛ المعرفة تدرك أنها ذاتية وموضوعية. في الرياضيات، ليس هناك مجال للرأي ولا للإيمان. في الميتافيزيقيا، ليس هناك سوى مكان للإيمان، وهو شكل من أشكال التواضع للعقل، وكذلك الثقة الحميمة المطلقة. لا يستخدم الاعتقاد لإثبات وجود كائنات الميتافيزيقيا ؛ لكن أشياء الميتافيزيقا يمكن أن تلجأ إلى الاعتقاد، وتفشل في أن تكون جزءًا من المعرفة. في حين الأخلاق، من ناحية أخرى، تجبر الجميع على الاعتقاد بجملة من المسلمات وتتمثل في الحياة المستقبلية وفي وجود إله وبأنفسهم الباقية بعد الفناء الجمي، وبأنهم أحرار عند طاعتهم للواجب. لكن من يقدر على الفعل في الحياة دون ممارسة التفكير؟ وهل يستقيم التفكير دون المرور المثمر بالفلسفة؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

علي رسول الربيعيهل يمكن فرض الوحدة من خلال منعطف تفسيري؟

سوف نناقش في هذه الدراسة أطروحة رونالد دوركين الشهيرة في تأكيده الثابت على أن هناك إجابة صحيحة واحدة للحالات الصعبة التي تتحدى حلًا منطقيًا أو تفسيرًا واضحًا يبدأ من الواحد والكثير في وقت واحد ويسعى إلى إقامة روابط قوية بينهما من خلال التفسيرات القانونية. تستمد الوحدة، بالنسبة إلى دوركين، من الصلاحية الشاملة لمبدأ المساواة في الاهتمام والاحترام المتساوي، وسنفصلهما لاحقا . مقابل هذا، تنبثق التعددية من القرارات المتنافسة المتعددة التي تظهر عادة في سياق الحالات الصعبة.

كما سوف نناقش، تقع أطروحة دوركين ومقاربته أونهجه التفسيري للتوفيق بين واحد والكثير أو المتعدد داخل المعسكر الليبرالي الذين هم أحاديون في طبيعتهم في النهاية. علاوة على ذلك، سواء وافق أو لم يوافق المرء:  تفشل أطروحة دوركين في تحقيق مبتغاها في النهاية فيما يتعلق بشروطها الخاصة، فمن الواضح تمامًا، كما سنرى، أنها تفشل من وجهة نظر التعددية الشاملة. ومع ذلك، فإن نهج  دوركين مهم ومفيد لأغراض تحديد نطاق وقيود البحث عن إمكانية التوفيق بين الواحد والكثير.

1- أطروحة دوركين ومبدأ القانون الواحد:

أصر دوركين وعلى مدار عدة عقود، على وجود إجابة واحدة صحيحة لكل الحالات الصعبة.[1] لقد اتخذ هذا الموقف على الرغم من العديد من النقد والاعتراضات، وعلى الرغم من اعترافه بأن الديمقراطيات الدستورية المعاصرة التعددية عادة ما شهدت خلافات واسعة النطاق فيما يتعلق بالأخلاقيات والسياسة.[2] يبدو أن استنتاج دوركين متعارضًا، ومعاكسا لما هو بدهي هنا نظرًا لأنه لا يعتبر التفسير القانوني مجرد ميكانيكي أو قياسي، ولكنه يعتبره تفسيريًا شبيهًا بالتفسير الأدبي.[3]

يجب تقييم أطروحة دوركين التي تتعلق بالإجابة الصحيحة في ضوء جهوده المنهجية لإعادة بناء السمات أو الخصائص الأساسية للأنظمة القانونية المتقدمة والمعقدة، بشكل عام، وممارسة أصدار الحكم القضائي داخال هذه الأنظمة، بشكل خاص. علاوة على ذلك، يتعارض مسعى  دوركين  في إعادة البناء مع نظريات معينة في القانون والحكم القضائي، والوضعية اساساً، والواقعية القانونية والنظرية القانونية النقدية اللاحقة لها، ونهج القانون والاقتصاد التي طرحها ريتشارد بوزنر[4] وترتكز على فلسفة سياسية  تفترض أن جميع الأشخاص لهم الحق في الاهتمام والاحترام على قدم المساواة[5] وهي تقترب  جدا مع موقف جون راولز في  المساواة الليبرالية.[6] أخيرًا، لايقتنع دوركين بقصر إعادة البناء التي يقوم فيها على مجال النظريات المجردة، ولكنه يسعى إلى التوفيق بين المبادئ المجردة والممارسات الملموسة ودمجها في كيان متماسك. وعلى وجه التحديد، على الرغم من أنه يشبه التفسير القانوني بالتفسير الأدبي، إلا أنه يراعي الفروق بين التفسير الدستوري للأمور والتفسير القانوني وتفسير القانون العام، مصراً على أنها متوافقة مع التفسير الأحادي جميعًا.[7] وهذا على الرغم من حقيقة قد يكون التفسير القانوني قابلاً للتعديل وللأستدلال أو القياس المنطقي أحيانًا، الأ أن تفسير القانون المشترك العام يتطلب نهجًا استقرائيًا غالبًا ما ينتج عنه أكثر من إجابة واحدة معقولة.

يجعل دوركين، من خلال وضع نفسه ضد نظريات معينة عن القانون واعتناق فلسفة سياسية خاصة وموقف أخلاقي معين، من الصعب للغاية دحض أطروحته عن الإجابة الصحيحة الواحدة من قبل أي شخص يشاركه في فرضيات المساواة الليبرالية. من ناحية أخرى، يدع دوركين إثبات أطروحته أكثر صعوبة وتحديًا، من خلال اللجوء إلى Hermeneutics (التأويل) ومحاولة تفسير التعقيد الكامل لقانون عام  قائم على نظام تشريعي يحده دستور مكتوب (قانون الولايات المتحدة مثالاً). لا شك في أن دوركين على علم بهذا التحدي الذي سعى إلى مواجهته من خلال إعادة بناء موقف معاكس للواقع (أيً واقع متخيًل كما  الموقع الصلي وحجاب الجهل الذي يستعمله راولز  بقصد أجرائي). يعترف دوركين أنه بالنظر إلى التعقيدات التي ينطوي عليها السعي إلى التوفيق بين الدستور والقوانين والمعايير ذات الصلة الصادرة من القانون العام، قد لا يتمكن القضاة العاديون من اكتشاف الإجابة الصحيحة في كثير من الأحيان، وبالتالي قد يتم ابعاد هذه الاجابة الصحيحة من بين عدة إجابات أخرى قد يختلف حولها القضاة المعقولون. لكن دوركين يصر بحق على أن هذا لا يعني أنه لا توجد إجابة صحيحة واحدة، ولإثبات وجهة نظره، يلجأ إلى الاستدلال المتمثل في تخيل قاضي خارق، يسميه هرقل، قادرًا على فهم جميع أسئلة التفسير القانوني بكل تعقيداتها وانعكاساتها.[8] يدعي دوركين أن هرقل يمكن أن يأتي بإجابة واحدة صحيحة لكل الحالات الصعبة. ولإثبات ذلك، ينخرط دوركين  في مهمة شاقة لإعادة بناء مضادة للواقع. تتوج هذه المهمة بإعادة صياغة القانون كنظام موحد قائم على مبدأ يتماشى مع رؤية دوركين الأخلاقية والسياسية – وهو ما يمكن أن نشير إليه باختصار بـ "مبدأ القانون الواحد".

وعليه، تصل أطروحة دوركين إلى أنه : إذا قام القاضي هرقل بإعادة صياغة القوانين وفقًا لمبدأ القانون الواحد، فهناك إجابة واحدة صحيحة لكل سؤال قانوني يتطلب التفسير القضائي. لكني سوف أسعى لإثبات أنه حتى لو نظر المرء في أطروحة دورين في سياقها الصحيح، ويشاطره قناعاته فيما يتعلق بأهمية مبدأ المساواة في الاهتمام والاحترام لكل شخص، ويتبنى فضائل إعادة البناء المضادة  للواقع، يجب على المرء رفض أطروحته على اساس التعددية. بمعنى آخر، إذا أخذ المرء التعددية على محمل الجد بأبعادها الواقعية والمعيارية، فيجب على المرء أن يرفض مبدأ القانون الواحد وأطروحة الإجابة الصحيحة الواحدة. باختصار، إذا، كما يؤكد دوركين، لا يمكن فصل القانون عن الأخلاق أو الخير، وإذا كان هناك، مفاهيم مختلفة للخير في المجتمعات التعددية المعقدة مثل تلك الموجودة في مختلف الديمقراطيات الدستورية الغربية، إلى الحد الذي يؤدي فيه تفسير القانون نفسه في ضوء المفاهيم المختلفة للصالح العام (بما يتوافق مع مبدأ المساواة في الاهتمام والاحترام) إلى إجابات مختلفة في بعض الحالات الصعبة، فأذن لا يمكن أن يكون هناك إجابة واحدة صحيحة في مثل هذه الحالات.[9]

لتقديم وصف وتفسير أكثر شمولًا لأطروحة دوركين وتأثيراتها على التعامل التعددي للعلاقة بين الواحد والكثير، سأضع نظرية دوركين  في القسم 2 في سياق مقارن، من خلال مقارنتها بالنظريات المتنافسة ومن خلال فحص الفارق أو الأختلاف النقدي الذي يرسمه بين المبدأ والسياسة. وساقيًم في القسم 3 دور إعادة بناء الواقع المضاد في سياق نظرية التفسير عند دوركين. واقدم  في القسم 4 تحليلاً نقديًا لإعادة بناء دوركين للواقع المضاد لنظام قانوني معقد يتوافق مع مبدأ القانون الواحد، مع التركيز بشكل خاص على تمييزه بين المفهوم والتصور، وعلى اعتماده على مبدأ النزاهة لتبرير شرعية التفسير القضائي. أخيرًا، يصف القسم 5  تضمن التعددية لمبدأ المساواة في الاهتمام والاحترام  بما يتناقض مع نهج دوركين  تجاه التعددية الشاملة في السعي لتحقيق المصالحة بين الفرد والكثير.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

......................................

[1] Dworkin, Ronald. 1978. Taking rights seriously. Cambridge: Harvard University Press.ch. 4.

Dworkin, Ronald.2003. Response to overseas commentators. International fournal of Constitutional Law (I.CON) 1: 660-2.

[2] Dworkin, Ronald. 1978. Taking rights seriously :123-30.

[3] Dworkin, Ronald.1986. Law's empire. Cambridge: Belknap Press.ch. 7.

[4] Posner, Richard. 2002. Economic analysis of the law. New York: Aspen Publishers.

[5] Dworkin, Ronald. 1978. Taking rights seriously :180-3.

[6] Rawls, John. 1971. A theory of iustice. Cambridge, MA: Belknap Press.

[7] Dworkin, Ronald. 1978. Taking rights seriously 1978: ch. 4.

[8] Dworkin, Ronald.1986. Law's empire: 239, 264-5.

[9]

 

 

علي محمد اليوسفاسئلة مفتاحية

هل مبحث نشأة اللغة مقتصرا على اثنولوجيا (تاريخ) الاقوام البدائية فقط؟ هل أعتمدت علوم اللسانيات اركيولوجيا التنقيبات الاثارية الاحفورية والتاريخية الانثروبولوجية في تأصيل نشأة اللغة تدوينا تصويريا قبل ظهور أختراع اللغة المنطوقة والمكتوبة بالحروف الابجدية الصوتية الخاصة بكل لغة لوحدها؟ هل كان فلاسفة البنيوية على صواب ومحقين حين أعتبروا نشأة اللغة مبحثا لا يمكن معاملته تأصيليا على وفق استقصاءات علمية غير انثروبولوجية وسايكولوجية كما ذهب له شتراوس؟ وهل اللغة هبة الهية أم اختراع بشري؟ وهناك عشرات من تساؤلات أخرى حول تأصيل نشأة اللغة غير التي ذكرناها.. وثمة آراء متباينة مختلفة بل متناقضة حول أهمية تاصيل نظرية نشأة اللغة قبل أختراعها كنظام صوتي دلالي في التعبير عن المقصودات من الاشياء والظواهر الطبيعية تقوم على أبجدية الحروف واصواتها الدلالية في التعبير اللغوي عن شيئية الموجودات بالاشارة الى مدلولاتها في الواقع. وكذلك التعبير عن معاني مفاهيم ومصطلحات تجريدية ليس لها وجود شيئي متعين في الواقع مثل كلمات، شجاعة، اخلاق، ضمير، خوف، مروءة، حب وهكذا..

بعض نظريات أصل اللغة

يرى علماء اللغة ان اللغة ليست حكرا على الانسان دون غيره من كائنات الطبيعة وخاصة عند الحيوانات التي تمتلك لغة تحاورية مع نوعها من الحيوان مثل لغة التحذير من الخطر،ولغة الغضب، ولغة التعبير عن رغبة الجماع، ولغة التعبيرعن حاجات التواصل واللقاء، وكانت بدايات أختراع الانسان للغة هي محاكاة لاصوات الحيوانات التي حاول تقليدها على أختلافها، ويرى العلماء أن بدايات اللغة الصوتية عند الانسان في محاكاته تقليد اصوات الحيوانات رافقه تطور بيولوجي نوعي مختلف عن الحيوان في حنجرته ساعدته نطق أصوات خاصة بنوعه.

كما أن القول من جنبة أخرى اللغة هبة فطرية الهية فلا سند تاريخي علمي انثربولوجي يثبت ذلك ويدعمه تصويبا، ماعدا ما تقوله ادبيات الاديان التوحيدية المعاصرة، والنظريات التي تذهب أن اللغة هي أختراع متطور تدريجيا لملكة توليدية  فطرية عند الانسان هي أكثر النظريات شيوعا ترجيحيا. ولعل أبرز من التقى مع فطرية ملكة اللغة عند الانسان كأستعداد هو عالم اللغة الفيلسوف جومسكي في مفهوم توليدية اللغة، لكنه أنكر أن تكون فطرية اللغة عند الانسان تعود الى هبة الهية في أقراره أن اللغة ملكة فطرية نوعية مشّفرة وأستعدادا وراثيا وبداياتها الاولى كانت من أختراع الانسان لغته المنطوقة والمكتوبة ككائن نوعي متفرد...كما وأنكر جومسكي أن يكون تطور اللغة عند الطفل هو بتاثير الاسرة والمجتمع فقط من غير استعداد فطري يمتلكه الطفل في تعلم اللغة. جومسكي يتعامل مع العامل الفطري اللغوي من منطلق أنه موروث جيني مشّفر خاص يحمله الطفل بالولادة. ويرى هيردر أن أبتداع اللغة وأختراعها هو من خصائص الوعي البشري، وكان رأيه تفنيدا أدحاضيا لما جاء به كوندياك في نظريته أبتداع اللغة كان تلبية اشباع حاجات بيولوجية راودت مخيلة الانسان، أو هي أستجابة لهوى نفسي ونزوة عشوائية عفوية لم يكن الانسان في وارد تفكيره أختراعها كما يذهب له كل من روسو وفيكو...أي نشأة اللغة ناتج عرضي للانسنة الاجتماعية غير مقصدود بذاته. ولهذه النظريات اتباع معاصرين كما سيتضح معنا لاحقا. ومن النظريات التي لها مقبولية هي نظرية الفرنسي (نويرة) التي تذهب الى أن بدايات اللغة كانت مقاطع صوتية انشادية ينشدها الانسان بمرافقة عمله للتهوين من المشقة والتعب ولا زالت هذه العادة مترسبة في أعماق وجود الانسان يرددها العمال في اماكن عملهم الى يومنا هذا.

أما أقرب النظريات التي تحمل التكامل اللغوي فهي النظرية العفوية التي كان أشار لها روسو، والتي أعتمدها شتراوس تقريبا. تلك أن اللغة طفرة نوعية عفوية تلقائية تعتمد اربعة مراحل هي:

- مرحلة الاصوات الانبعاثية الساذجة التي تشترط اكتمال تطور الحنجرة عند الانسان.

- مرحلة مقاطع صوتية في تقليد ومحاكاة الحيوانات.

- مرحلة الاصوات المعبرة عن رغبات مصحوبة باشارات من الوجه واليدين.

- مرحلة تكوين كلمات من مقاطع صوتية وهي المرحلة الحقيقية في نشوء اللغة. (نقلا عن ويكيبيديا الموسوعة)

كما يرى شتراوس أنه رغم الكثير الذي قيل عن نشأة اللغة، فاللغة لم تولد الا دفعة واحدة ومرجعية تأكيد وتصويب هذا الرأي نجده عنده في دراسة نشأة اللغة في الانثروبولوجيا واثنولوجيا دراسة الاقوام البدائية، وعلم النفس تحديدا وليس فيما يقوله العلم الطبيعي،، مؤكدا شتراوس أن تكون نشأة اللغة مرت بمراحل مترابطة في سلسلة من البناءات التراكمية العمودية التي هي مجمل أشكال متطورة عن بدايات صيحات صوتية عفوية عشوائية تلازمها تعابير الوجه واليدين والاشارات والايماءات الحركية للجسم، هذه كانت بدايات مهدت لما بعدها في أختراع اللغة كاصوات لحروف تحمل معها دلالة عن معنى مفهومي غير حسي أو دلالة عن شيء معين كموجود،.....

بدايات اللغة

الرسومات التصويرية الكهفية للعصور الحجرية الاولى لم تكن لا هي لغة شفاهية تواصلية بالمعنى الدقيق تماما ولا هي لغة كتابة تدوينية للكلام المنطوق في التعبير عنه برسومات تصويرية للدلالة عن اشياء بعينها. أذ كانت تلك الرسومات البدائية هي لحيوانات وادوات يصنعها الانسان دفاعا عن النفس، وهي خالية تماما من أية دلالة صوتية ترافق تلك الرسومات البدائية فالرسم البدائي كان تشييئا لمعنى محسوس لا كما هو المفروض أن تكون عليه بدايات اللغة رموز يؤدي قراءتها  نطقا صوتيا شفاهيا. كون الصوت الدلالي يلازم الحرف أو المقطع أو الكلمة المنطوقة أي أن اللغة هي بالمقام الاول أبجدية حروف صوتية بالدرجة الاساس وليست رسومات علاماتية تشييئية صامتة. وفي مراحل تاريخية طويلة لاحقة أنحرفت تلك الرسومات البدائية عن قصديتها الشيئية في دلالة معنى التعبيرلتدخل تلك الرسومات فضاءا اوسع هو مرحلة التوظيف الخرافي السحري والطوطمي لها  في عبادة وتقديس شكل الحيوان أو تمثاله البدائي المصنوع من الحجر، وفي مراحل متقدمة أخرى دخلت عبادة الرسومات والمنحوتات ميدان الاسطورة والميثالوجيا في مزاوجة أعضاء من جسم الانسان رأس الملك مثلا أو الاله مع أجزاء من جسم حيوان كما هو في الاساطير البابلية والاشورية في بلاد الرافدين كتمثال الثور المجنّح الذي يكون الرأس أنسيا يشير الى الملك اشوربانيبال أو غيره من الملوك والجسم على هياة جسم ثور مجنّح له أجنحة طيوروقوائم اربعة، وبالمناسبة هذا التمثال الذي لا يقدّر بثمن سرقت النسخة الاصلية منه في الموصل التي كانت تسمى نينوى عاصمة الاشوريين، أثر توالي موجات الاستعمار القديم وموجات الاستشراق والتنقيبات الاثرية، وحتى النسخ غير الاصلية مع غيرها من نفائس اثارية نادرة ثمينة تم تهديمها وتجريفها بالكامل في مناطق أثرية عديدة من الموصل ونينوى على أيدي الدواعش أبان سيطرتهم على مدينة الموصل عام 2014 وأجزاء من العراق تقدر بثلث مساحة العراق قبل طردهم واندحارهم في حرب تحريرية عام 2017م...

 

اللغة والكتابة

الكتابة المسمارية السومرية والاكدية في وادي الرافدين والكتابة الهيروغليفية في مصر الفرعونية، والسنسكريتية في الهند ، ولغات البوذية الصينية، واللغة اللاتينية المأخوذة عن الفينيقية في اليونان، والسامية في الجزيرة العربية واليمن ألمأخوذة عن الارامية والنبطية والسبأية، لم تظهرارهاصات هذه اللغات كلغات شفاهية ومكتوبة في التاريخ البشري الا مع بدايات ظهور عصر الزراعة سبعة الاف سنة قبل الميلاد ، وتدجين الحيوانات وتربيتها وخزن الحبوب وبناء المجمّعات القبائلية كقرى صغيرة متناثرة على حافات الانهر والمياه في فترة متقاربة نسبيا من التاريخ جمعت هذه اللغات في معرفة الكتابة والتدوين رغم بعدها الجغرافي الشاسع فيما بينها وفي مرحلة تاريخية طويلة تمتد بدءا من ثلاثة الاف سنة قبل الميلاد الى سبعمائة سنة قبل الميلاد هو تاريخ ظهور اللغة كتابة أي معرفة تدوين اللغة كأبجدية تصويرية. وتعتبر تلك المراحل التاريخية بداية صنع الانسان للحضارة في معرفته التدوين والكتابة ونشوء القبائل في موازاة ظهور الاشكال الدينية الوثنية بين تلك الاقوام وبناء المعابد الفخمة وبداية نفوذ وهيمنة طبقة الكهنة ورجال الاديان الوثنية.

بموجز التعبير أن تنوع أختراع اللغات لم يكن نتيجة تواصل ثقافي بين هذه الامم بقدر ما كانت كل أمة تنشيء لغتها البدئية من الصفرضمن خصائص بيئتها الاجتماعية واسلوب معيشتها وطقوس عباداتها... لكن هذا لا ينفي التثاقف اللغوي المتداخل بين هذه اللغات البدئية نتيجة التواصل بين تلك الجماعات والاقوام في تبادل المعارف البسيطة والسلع والنساء والمتاجرة والافادة من تجارب تطعيم اللغات واللهجات بعضها مع البعض الاخر. وأصبحت معظم هذه اللغات بمرور العصور لهجات هجينة غير أصيلة في دخول مفردات لغوية غريبة عليها.

أي من هذه النظريات يحدد نشاة اللغة؟

يبدو للمتمّعن في تباين الرؤى المتنوعة التي أوردناها باجتزاءات قصيرة حول البدايات الاولية لنشأة اللغة أنها في حقيقتها الظاهرة لنا اليوم تبدو متناقضة، ولا صحة لأحدها الا في بطلان وجهات النظر الاخرى، لكن الحقيقة تشير عكس ذلك تماما أن هذا الاختلاف في وجهات النظر هو في محصلته تداخل يصب في منبع واحد ويلتقي مع صواب تكامل هذه التقديرات النظرية الافتراضية على أختلاف تنوعاتها والتقائها في حقيقة واحدة هي لم تكن نشأة اللغة نتيجة سبب واحد فقط وأنما منشأ اللغة هو في تكامل تلك الرؤى والنظريات مجتمعة مهما بدا لنا تقديرها على أنها وجهات نظر وأجتهادات متضادة لا يمكن التوفيق بينها.

فعندما نذهب مع هيردر أن اللغة وعي بشري نوعي، فهو يمثل وجهة نظربدئية صحيحة في تدعيم ماذهب له شتراوس بأننا يتوجب علينا البحث في الانثروبولوجيا وعلم النفس عن نشاة اللغة ولا فائدة من مرجعية ما يقوله العلم الطبيعي. وعندما نقول أن الوعي في نشأة اللغة بمعناها الشفاهي كلاما تواصليا بدئيا بسيطا، هو وعي كيفي (ذكي) يفتقده غير الانسان من الكائنات، وهذا الوعي النوعي الذكي هو رغبة الانسان الدائبة في أكتشاف أو أختراع ما يديم تواصل بقائه كمجموعات صغيرة  في درء خوف الموت وافتراس الحيوانات والانقراض، فكل شيء توصّل الانسان أختراعه انما كان يمثل (حاجة) ماسّة ضرورية بحياته يدرك أهميتها. وليس اللغة هنا استثناءا من تلك الحاجات ما يدعم نظرية كوندياك أن اختراع اللغة هو لاشباع حاجة ضرورية لادامة تواصله لغويا مع نوعه. لكن ذلك لا يمثل السبب الوحيد أو الاكثر ترجيحا دون غيره من وجهات نظر متعددة ونظريات مختلفة.

كما أن عفوية أختراع الكلام التخاطبي سّهلت عليه كثيرا حاجته التواصلية في الاستفادة الجماعية في أمور عديدة صعبة جدا واجهت مسيرة تلك الاقوام في تلك العصور السحيقة. التواصل اللغوي الاشاري البسيط بين المجموعات البشرية جاءت في مساعدة أعتماد اشارات وحركات اليدين وتعبيرات الوجه والايماءات الاشارية والصيحات لدرء الخوف الذي يعتري انسان ذلك العصر وتعبيره عن حاجات أخرى يحتاجها في تواصله مع الاخرين من نوعه. كل هذه التعابير التواصلية المرافقة للكلام الشفاهي التخاطبي لم تفقد الى اليوم تاثيراتها كلغة عند المتكلم عندما تظهرعلامات الفرح أو الغضب أو الاكتئاب والحزن والرقص والغناء وغيرها على تعابير الوجه وحركات الايدي وبعض اعضاء من الجسم ولا زالت الايماءات وحركات اليدين والجسم تلعب دورا تواصليا في فعاليات نجدها معاصرة سواء في الكلام التحاوري أو في كلام الخطابة على شاشة التلفزيون والمسرح والسينما وبعض الطقوس الدينية وخطب المناسبات وغيرها مما يقوم به الانسان من حركات تعبيرية تساعده في كلامه الشفاهي باليدين والجسم وتعابير الوجه بغية توصيل ما يرغبه الى المتلقي الحاضرأمامه أو الغائب على السواء وكأنما لغة اللسان الناطقة غير كافية للتعبير.

من الجدير الاشارة له أن ليفي شتراوس وفلاسفة البنيوية كانوا على صواب تماما حين أكدوا على مرجعية علمي الانثروبولوجيا وعلم النفس ولا غيرهما يمكن أعتماده في تاصيل نشأة اللغة. الحقيقة التي يبدو بعض علماء اللغة واللسانيات يتحفظون عليها هو أن اللغة سرد صوتي تحاوري في تعبير شفاهي انثروبولوجي متطور من تاريخ الوجود الانساني أكثر منه علما يقوم على دعائم تستبعد تاريخ الاناسة كدعامة وركيزة أساسية في البحث عن حل لغز تأصيل نشأة اللغة بشكل تقديري أفتراضي تصل صدقية صوابه أحيانا مديات بعيدة لا بديل أفضل مقبولية عنها في حال رفضنا لها.

النظرية اللسانية الصحيحة أفتراضا أستقرائيا التي تذهب الى تعيين مراحل تطور اللغة تبدأ في أختراع اللغة بابسط اشكالها البدائية التصويرية في رسم شكل الشيء المراد التعبير عنه لتليها مرحلة أخرى اكثر تجريدا في الوصول الى أبجدية الحروف ودلالاتها الصوتية ثم المقاطع فالكلمات فالعبارة...وتطور اللغة في قبيلة أو في مجتمع معيّن يمكن أن يكون للتبادل التجاري والثقافي دورا مهما حتى في أبسط اشكاله نعثر عليه في تداخل مؤثرات لغة على أخرى أو أكثر نتيجة الاختلاط التجاري والمصاهرة والنزاعات والحروب والتحالفات بين القبائل والترحال الدائم هي نظرية لا يتوفر ما يدحضها في خطوطها العامة العريضة التي تتقبل الرؤى الجديدة عليها والاضافات والادحاضات الجزئية كلما تقدمت اركيولوجيا حفريات معرفة تاريخ الحياة الانسانية عبر تطوراتها التاريخية الصعبة الضاربة عميقا في جذور التاريخ.

الكتابة والتحول النوعي باللغة

تعتبر الكتابة في ابسط تعبير عنها أنها عملية تدوين الافكار اللغوية ونقلها من حالة الكلام الشفاهي الصامت المخزون بالذهن والكلام المنطوق لسانيا صوتيا الى حالة الكتابة العقلية الفكرية الفردية الصامتة لسانا الصوتية قراءة. وبتعبير ارسطو ان اللغة مجرد ترجمة لفكرة توجد قبلها، والكتابة هي مجرد ترجمة للغة الشفاهية.

والكتابة طفرة نوعية عظيمة في مسار اللغة ترقى في أهميتها أختراع لغة الكلام التخاطبي الشفاهي. ويجمع علماء اللغة على أن الكتابة مرحلة انتقالية نوعية في العقل اللغوي التوليدي، كما عبر (غودي) عن ذلك قوله (الكتابة ارتقاء الى شكل جديد من اشكال التقنيات الفكرية، وبالتالي هي انتقالة الى شكل جديد من العقلية)1 بمعنى أن الكتابة نقلت التفكير العقلي من صورته الكلامية في التواصل والتخاطب الحواري الى مرحلة هي نوع من عقلية تدوين الافكاركتابة التي تكون في تدوينها المكتوب أكثر قيمة في الاهمية من الكلام الشفاهي المعرّض الى التلاشي السريع والزوال.. بهذا المعنى تكون الكتابة هي أس بدء الحضارة الانسانية كونها تدوينا تاريخيا وليس كلاما عابرا زائلا غير متوفرلما بعده ولا موجود له أثر يشيراليه.الكتابة بهذا المعنى أخرجت لغة الكلام اللسانية من المشافهة التحاورية في نطاقها التداولي الحواري المحدود المؤقت الزائل الى فضاء التلقي الجماعي القار في انتقالات بعضه عبر الاجيال والعصور الذي لم تدمره الحروب والحرائق والاتلاف العمد عبر التاريخ. وبالكتابة التدوينية للافكار أصبحت اللغة من أهم الركائز التي قامت عليها حضارات الشعوب المتنوعة،(كما يبين لنا التاريخ بطريقة لا ريب فيها أنه في الحضارات التي ظهرت فيها معرفة لغوية، فأن هذه المعرفة بدون أدنى شك وجدت بعد أن تمت السيطرة تماما على تقنية الكتابة)2 .

أنه بات من المفروغ منه أن بداية نشوء أي نوع من الحضارة الانسانية البدئية القديمة أنما كان يرافق أشادتها وبنائها ملازمتها أختراع تقنية الكتابة والتدوين في ذلك العصر. فالكتابة اللغوية هي تدوينات لمعارف في مختلف مجالات الحياة من حصة أجيال متعاقبة لا تندثر معطياتها الكبيرة في جيل دون أجيال متعاقبة لاحقة . على خلاف أضاعة الكلام الصوتي الشفاهي وزواله قبل أختراع الكتابة معلومات تاريخية هامة جدا في مختلف نواحي الحياة على مر العصور بسبب أن الكلام الشفاهي عرضة للاندثار والتلاشي بفترة زمنية محدودة ما لم يجر تدوينه وحفظه كتابة في أي شكل من الاشكال التي أستخدمها الانسان في تدوينه الكتابة عليها مثل الواح الطين والاحجار وجلود الحيوانات والبردي وغيرها من وسائل أخترعها الانسان لتدوين كتابة ما يرغبه عليها عبر العصور...بهذا المعنى يمكن القول أن لغة الكلام الشفاهي هو كل ما لم يتمكن الانسان حفظه والمحافظة عليه بأحدى وسيلتين متاحتين لنا الان التدوين الكتابي على الورق أو غيره، أو التدوين الآلي في حفظ الكلام الشفاهي من الضياع في تسجيل كل منطوق لساني لغوي شفاهي أو تفكير لغوي على آلة تسجيل وما اكثرها اليوم التي أبتدعتها تكنولوجيا العلوم والصناعة بما يحفظ الكتابة مقروءة أو مدونة (مقروءة مسموعة) معا لا تندثر في تقادم الزمن عليها.

مصطلح ما فوق اللغة

ثمة ظاهرة وصفها علماء اللغة بمصطلح معرفة ما فوق لغوية، وهو أمتلاك بعض الاشخاص وحتى بعض الامم والاقوام تجربة تقنية لغوية خاصة يمكن تسميتها (فطرية ما فوق اللغة) دونما أن تمر تلك التجربة اللغوية بدراسة نحو وقواعد ونظام اللغة التي يتكلمونها ويستخدمونها كتابة، وهي نظرية صحيحة مثبوتة في علوم اللسانيات، فمثلا عندنا في لغتنا العربية نجد تجربة مصطلح ما فوق اللغة كان في أمتلاك شعراء العصر الجاهلي عصر ما قبل الاسلام وعصر صدر الاسلام ايضا هذه الخاصية المافوق لغوية، أي أمتلاك شعراء ما قبل الاسلام وصدره (ملكة)  قابلية نظم الشعر الموزون المقفى على السليقة بالفطرة اللغوية ولم يكن يعرفون في عصرهم أن لهذا النظم الشعري الذي يقوله شعراؤهم ويتناقلوه الرواة شفاهيا أو مكتوبا بين القبائل، له قواعد عروضية تصل حوالي ستة عشر بحرا بما يسمى بحور الشعر التي وضع قواعدها عبقري اللغة العربية الخليل بن احمد الفراهيدي الذي توفي عام 170 هجرية الموافق 786 ميلادية، بمعنى بعد مضي قرون طويلة تقارب اربعمائة عاما على نظم وتداول الشعر العربي الجاهلي على السليقة الفطرية وصولا الى تاريخ صدر الاسلام لقرنين هجريين تقريبا قبل وضع الفراهيدي عروض الشعر زمن الدولة الاموية في خلافة عبد الملك بن مروان، ولم يكن واحدا من اؤلئك الشعراء قبل ذلك ولا من متلقيه من عوام القبائل لهم معرفة مسبقة أن قواعد النظم الشعري المّقفى الموزون يقوم على قواعد لسانية لغوية نحوية في التزام ضوابط البحور في قول الشعر الموزون المقفى التي أجملها الفراهيدي كما قلنا في 16 بحرا أكثر أو أقل حسب التطورات الفنية التي طرأت على الشعر العربي عبر العصور والتاريخ... والاكثر أدهاشا أن العرب تناقلت منظوم الشعرالموزون المقفى شفاها ومكتوبا ولم يخطر ببال أحد لا من الشعراء ولا من العامة التشكيك أن هذا القول الشعري يختلف تماما عن النثر السردي بالكلام العادي الشفاهي كما لم يشكك أحد في اختلاف الشعر تماما عن لغة القران الكريم الذي يحتوي الآيات الكثيرة التي فيها السجع النثري في وحدة قافية الروي لكن تلك الآيات المسجوعة بقافية موحدة لا يشابه السجع فيها موزون القافية عروضيا كما في الشعر...وكانت للذائقة العربية الفطرية في تلقي انشاد الشعر منظوما ومقفى هو نوع من ملكة ما أطلق عليه علماء اللغة تعبير ما فوق اللغة. فالعرب كقبائل ايضا كانوا متلقين للشعر يقدسونه ويفاخرون به وهم لا يعرفون أن لهذا القول الشعري ضوابط وقواعد عروضية سيضعها عبقري اللغة العربية الفراهيدي بعد قرنين من ظهور الاسلام أي بعد مضي مائة وسبعين سنة على مجيء الاسلام تحديدا. ومارس الشعراء النظم الشعري العمودي صدرا وعجزا موزونا مقفّى فطريا على السليقة...ويؤكد علماء اللغة هذه الحقيقة قولهم (لا يوجد علم لغة الا اذا كان هناك علم ماوراء لغوي، أي عندما تكون لدينا لغة ماورائية (ماوراء اللغة) لتمثيل لغة أخرى اللغة الموضوع التي تعني أن فنون اللغة تنشا قبل علوم اللغة).3

هذا تاكيد ماسبق لنا ذكره أنه لا يشترط في أبداع اللغة ضرورة أتقان قواعد نحو تلك اللغة قبل الكلام فيها والكتابة بها وهو ما يذهب له جومسكي في نظريته التوليدية التي تقوم على ملكة فطرية مستقلة عن قواعد أتقان نحو اللغة والقواعد التقنية الفنية المتعالقة بها. لكنما يبقى هذا الامر من وجهة نظرنا نسبيا في التسليم بصحته ولا يمكن تعميمه على بعض اللغات منها على سبيل المثال لغتنا العربية، كان على المتكلم أو الخطيب في اللغة العربية في عصري الجاهلية وصدر الاسلام من المعيب والمخجل أن (يلحن) أي أن يخطأ في كلامه أعرابا نحويا، في عدم تفريقه بين المرفوع والمنصوب والمجرور، وكانت تكتب اللغة العربية منذ العصر الجاهلي الى عصر الخليفة الامام علي بن ابي طالب، كما تكتب لغة القرآن بلا تنقيط وبلا حركات على الحروف وكان العرب يتخاطبون ويكتبون لغتهم بلا أخطاء نحوية أو بلاغية مربكة للمتلقي وبقيت تلك الحال سارية عبر العصور، علما أن عرب الجاهلية وعرب صدر الاسلام كانوا يتكلمون العربية بلهجات متعددة مختلفة عن عربية لغة القران الفصحى التي نقرأها ونكتب بها اليوم، ولم تجمع تلك اللهجات المتنوعة والمختلفة سوى لغة القران المكتوبة بعد جمعه وتدوينه وتنقيطه التي أدخلت هذه اللهجات العربية اللغوية المختلفة هي الاخرى قراءات متعددة لآيات القران (القراءات السبع) ما جعل أهمية وضرورة ضبط نحو كتابة وتلاوة القران الكريم تقوم على لهجات لغوية موحدة في القراءة بمرجعية أعتماد مدونة كتابة القرآن بالعربية الفصحى.. وبقيت الحال كما هي الى أن وضع الفراهيدي 100- 170 هجرية أيضا ضرورة تنقيط المصحف لدرء الالتباس الحاصل في اللغة فوضع الحركات الاربع على حروف الكلمات التي هي (الكسرة والضمة والفتحة والسكون) كما وضع الشدّة والتنوين أيضا، فأصبح بعدها (اللحن) أي الخطأ في نحواللغة العربية وقواعدها شفاها أو كتابة من الامور المعيبة المخجلة للعربي وأنتقاص من مهابة وحرمة اللغة العربية وجمالها الموسيقي المتناغم، وليس معنى هذا أن الاخطاء النحوية قبل أنجاز الفراهيدي قواعد ضبط نحو اللغة العربية كانت تمر بسهولة قبل أن يضبط الفراهيدي التنقيط ويضع الحركات الاربع على حروف الافعال والاسماء ويخترع ايضا التنوين والشدّة لتمييز لفظ الحروف أو الكلمة بنحو لغوي سليم بعيدا عن اللحن اللغوي... فقد كانت السليقة الفطرية الجمعية في تلقي اللغة العربية الفصحى بفطرة مافوق اللغة يقظة تماما تجاه أي خرق معيب في النحو والغريب أن هذه الذائقة السماعية لدى متلقي الكلام أو الخطاب كانت فطرية تماما أي أنها كانت ملتزمة بمصطلح ما فوق اللغة بالسليقة. حيث توجد رواية تقول أن عرب الجاهلية أي عرب ماقبل الاسلام كانوا يلفظون الكلمات مشّكلة في علامات الاعراب شفاهيا قبل وضع الفراهيدي لها كتابة وتركوها كتابة أي تركوا وضع الحركات التي كانوا يلفظونها ولا يكتبونها بعد مجيء الاسلام وكتابة القران غير منقّط ولا مشكّل نحويا.

ملحق** مسألة تنقيط القرآن وأن كان هذا ليس موضوعنا أن القرآن كان يتلى قراءة مكتوبة وكلاما شفاهيا في عهدي الرسول محمد (ص) والصحابة ولم يكن منقوطا ولا مشكّلا بالحركات الاربع والشدّة والتنوين التي وضعها الفراهيدي لاحقا. وتوجد في مسألة تنقيط القران أكثر من رواية واحدة منها أن الخليفة علي بن ابي طالب(ع) حين وجد اللحن في تلاوة القرآن مستشريا بين المسلمين طلب من ابي الاسود الدؤلي وكان عالما مشهودا له الامانة والصلاح في تدينه واسلامه واتقانه نحو اللغة العربية مهمة القيام بتنقيط القرآن ليخلفه أثنان من تلامذته من بعده هما نصر بن عاصم الليثي ويحيى بن يعمر أكمال المهمة التي لم تكتمل بشكلها النهائي القويم الا بجهود الفراهيدي في القرن الثاني الهجري، ورواية أخرى تقول أن الخليل بن احمد الفراهيدي قام بأتمام مهمة تنقيط القران وتشكيله بالحركات وضبط قواعد النحو فيه بطلب من الحجاج بن يوسف الثقفي في عصر الدولة الاموية تنفيذا لتوصية من عبد الملك بن مروان، وبالتاكيد يوجد من هم أختصاص ضليعين في مسائل دراسة اللغة العربية يعرفون الصحيح من هذه الروايات ويتركون المنحول منها التي ليس لها سند توثيقي تاريخي..وبالتاكيد يوجد رواية صادقة ثابتة واحدة تنهي الاشكال المفتعل بهذا الموضوع لاغراض سياسية تكمن وراءه.. وهذا ليس من مهامنا في هذا المقال.

 

علي محمد اليوسف/الموصل

..............................

الهوامش: فلسفة اللغة/سيلفان اورو،جاك دريشان،جمال كولوغلي/ترجمة د.بسام بركة /1 ص 114/2 ص 116/ 3 ص 117

 

 

سامي عبد العال

في حوارهِ الأخير عام 1966 مع مجلة دير شبيجل speigel Der الألمانية والذي نُشِر بعد موتهِ بناء على رغيته، قال مارتن هيدجر: "وحدُه إلهٌ فقط باستطاعته انقاذنا. وفيما أعتقد ليس لنا إلاَّ الفكر والشعر لتهيئة ظهوره appearance أو اختفائه في حالة سقوطنا decline: ذلك أننا سنهلك بلا معنى meaningless في غياب الله"(1) . توقيت إجراء الحوار مهم وهو قبل رحيل هيدجر بعشر سنوات (مات 26 مايو1976)، حيث كان من ألمع العقول التي أثرت في الفلسفات والمعارف الانسانية المعاصرة. والسنوات العشر الأخيرة من الحياة كافية لتمرين القارئ على التفكير بأقصى درجة في المسائل الكبرى، كما أنَّ بلوغ الفيلسوف من الكبر عتياً يجعله شاباً فلسفياً لا العكس. وربما ذلك أبرز معالم التفلسف الخصب، حين لا يشيخ التفكير بينما يتوكأ صاحبة على تأرجح المصير. زخم الفلسفة التي تطرح ذاتها في مراحل الغسق إذ تفقد الإنسانية كل شيء، فالتفلسف مراهنة، مقامرة فكرية على استعادة حياتنا مرة ثانية في أشكال متجددة.

ورغم اختصار فقرة هيدجر بصدد تأثير الفلسفة في أحوال العالم ومآلاته، حيث لم يعطِ صاحبُها تفصيلاً واسعاً، غير أنَّ معناها الذي تدفعه للقارئ واضحٌ، معنى أنَّ فكرة الإله كإبداع انساني تنقذ العالم من السقوط: السقوط في المجهول، السقوط في العدم، السقوط في الصراع، السقوط في لعبة النهايات التي اجتاحت الفكر ما بعد الحداثي. جميع تلك التنويعات على شأفة النهاية تستحضر اللامعنى كغسق للإنسانية، لأنَّ ما يميز الأخيرة هو وجود المعاني فيما نفعل أو لا نفعل.

المعنى المنتظر

كأنَّ هيدجر يحدد انتظاراً ما، ليس له غير أفق متعالٍ. ولا يبدو المعنى قائماً بأعمال التاريخ، بل هو الحدث تاريخي ذاته. وبخاصة أنَّ موقعاً للإله في ذهنيات البشر يثير المجهول وبالوقت نفسه يترك علامات لمعانٍ كُبرى. فليس من إنسان يطرح معاني الإله في تفاصيل صغيرة، دوماً هناك من الأحداث ما تستدعي نظيرتها على ذات المستوى.

صيغة (وَحدُهُ إله) مثالٌ لدلالة أبعد مما يتوقعها القارئ الغربي. الكلمات تؤكد: ذهبت الإنسانية بعيداً وليس من معجزةٍ لرجوعها إلاَّ بحدثٍ استثنائي. فإذا كان الوضع مأساوياً، فليكن الالهُ هو من يتكفل بذلك، حتى عند نقطة الصفر حيث لا أمل سواه. وتشبه مقولة (وحده إله) اعتراضاً يأتي في اللحظة الأخيرة. لقد جربت الإنسانية كل الحيل وقد اعيتها على شفير النهاية.

ضمن الموقع المُفارق، المُتعال للإله، يصبح تنوع معاني الإله ممكناً لا اعتقاداً مسبقاً. ولكي يترك هيدجر مساحةً لتخيُل ما يحدُث، تركَ للفكر والشعر المهمة فيما يشبه عمل اللغة التي هي أصالة الأشياء.

الانقاذ فعل تهيئة وابداع وحركةٌ للفكر والشعر بوصفهما طاقتي خلْق. والدلالة أنَّ ارادة الفكر جزءٌ من إرادة كلية لا تلاصقها إلاَّ الاشعار الأصيلة كفعل كوني.

مفهوم الشعر بالنسبة لهيدجر هو مفهومه اليوناني، كلام الآلهة، الخبز الرمزي الذي يجنب البشر المخاطر، حِكّم وشذرات الأساطير كلها شعرية. ويقف من الوجود موقف التأسيس والتجلي.

الله معنى داخل آفاقنا المحدودة، هو معنى المعنى، فنظراً لاستحالة إدراكه، فهو بالنسبة لكل البشر معانٍ إنسانية ما.

السقوط هو فقدان المعنى، وفي حالة كهذه تلجأ الإنسانية إلى ما يُضْفي على حياتها شيئاً منه، ووجود المعاني يوازي الحياة وثرائها.

يبرز معنى الإله سمات التسامح، الحرية، الأصالة، القوة. وهذا يجسده الشعر والفكر كأبرز ما يكون. وعليه فالإرهاب نوعٌ من اللامعنى، العنف غسقُ المعنى، الايديولوجيات موت المعنى. لأن هذه الاشياء تجسد حالات السقوط المُريع كأنها العدم الذي يترصدنا.

لم يكُن هيدجر ليحدد اعتقاداً لاهوتياً، إنما يرى (معنى) الله كرافعة تاريخية أثناء الازمات الكبرى، حين يصبح الإنسان مُعلّقاً على حافة المصير وقد خاب كل مسعاه. ربما الفلسفة لن تسعف نظراً لتعثرها الجدلي والخطابي، وكذلك العلم له مجاله في تاريخ الإنسانية، لكن الخلاص بأدواته ومعارفه يكاد ينعدم.. عجزت رافعة الفلسفة والعلم والتقنية، وبقي الإنسانُ في انتظار شيء آخر. والخلاص ليس بظلاله المسيحية وإنْ حضرت من بعيدٍ (القائلة بالصلب والفداء)، إنَّ ما يتهدد الإنسانية برأي هيدجر ليس نتاج الخطيئة ولا الآثام. فالمعاني والآمال الكبرى لدى الإنسان تقع موقع التأويل لا بحشوها ولا بحرفها القاتل كما قال القديس أوريليوس أمبرواز لتلميذه القديس أوغسطين: (يا بني لا تعبدَ الحرفَ.. فإنّ الحرف يقتُل) .

لعلَّ الخلاصَ بأنواعهِ (غير اللاهوتية) يشكل تاريخ الحضور الإلهي في ذاكرة البشر، خلاصٌ هو النجاة إزاء الشرور والكوارث والأوبئة المرعبة(إزاء الإنسان) . زفرات المجهُول حيث يتوارى كل شيء عن الظهور، وحيث يتشبث الغارق بموقع الإله والبدء في طور آخر من الوجود. ومثلما كان الفكرُ والشعر صيغتين لتجلي الوجود بالنسبة لهيدجر، فقد يتمكنان من استقبالُه ثانيةً، فهما موقعا التأسيس الأقصى لأي أفقٍ بشري. لغة الفكر والشعر ليست وسيلةً خطابيةً بما يُقال، بل علامات أصالة تجاه ما يمثل جوهرَ الإنسانية.

عندئذ يعجز أيُّ قيدٍ عن أنْ يربط وجودنا بما يحُول دون تحطيمه، لأنَّ نمطاً من التعالي trancendentality توفره دلالة الله ليس من جنس المعرفة ولا الدين فقط، لكنه نمط إنساني نتيجة رغبتنا الوجودية في الامتلاء بالمستحيل. هكذا تبرز مقولة هيدجر الزخم الفلسفي لهذه الدلالة المفتوحة open significance للكلمات والنصوص باصطلاح أمبرتو إيكو. إنه يجب نزع فكرة الإله من أيدي اللاهوتيين والإيديولوجيين والراكضين خلف صكوك الغفران كأمراء العقائد والارهاب. أي علينا مناقشتها على أسسٍ إنسانيةٍ في حضور الفكر والشعر وأي انفتاح آخر.

المعنى المتحرر

قراءة المعنى فلسفياً هكذا: هل الله كمعنى يطرحُ تحرُراً من نوعٍ ما؟ ليس نوعاً دينياً، بل وجودياً هيدجرياً بصيغته المطروحة. وعليه سيوازي الخلاصُ الوجودي (الذي يأمله البشر) إمكانيةَ معنى الإله ذاته سلباً وايجاباً. إنَّ فكرة الإله- لكونها تفتح آفاقاً مختلفة- لم تستطع أية فكرة أخرى ملء دلالتها. فالخلاص المصيري سيأتي من جنس الحدث المنتظر، الاثنان يحتاجان شيئاً نافذاً يستدعيه معنى الإله (أي اللقاء الميتافيزيقي، الوجه الأعلى بكلمات إيمانويل ليفيناس) . مما يعني وجود الإيمان الفلسفي بالخارق داخل الفكر نفسه، أي التعلق بالمقدس أو الجليل بلغة كانط.

واللافت للنظر: أنَّ ضياع الحرية يساوي (=) equal ضياعاً لفكرة الله. المعادلة الرياضية المترتبة على كلام هيدجر بصدد أنَّ الإله يوازي شيئاً منتظراً لدى البشر، فالضياع موضوع تأسيسيٌّ لا مجرد عَرَض بالمصادفة. ولاسيما أنَّ الله ضربٌ من الأسرار الإنسانية التي يستحيل نيل حقائقها اكراهاً. فالخلاص المتنكر في عبارات الفلاسفة هو حياة للإنسان طالما تتشبث بدلالة الإله. إذن الوجود الإلهي من عدمِه- بتلك الحالة- ليس قضيةً على محك الاختيار اليومي (الإثبات أو الانكار: الإيمان أو الإلحاد) . لقد انتقل معانيه إلى ابداع الفكر والشعر، حيث يأتي معنى الإله (أصيلاً) من الأساس!!

صحيح أنَّ الحرية هي لُب أفعالنا، لكنها لا تستقيم بدون معنى متعالٍ، لأنَّ البشرَ سيتطلعون إليها طوال الوقت. كلُّ حريةٍ تقتضي إفساح مسارها إلى مالا نهاية حيث الانعتاق من أية قيود. وحتى فكرة الـ" مالا نهاية" infinity تعدُّ قيداً إلاَّ بإمكانية أعلى تفسحُ لها الطريق. هذا رأي هيدجر حين اعتبر الموت إمكانية قصوى تبلغها الكائنات الإنسانية. الموت نوع من الخلاص أيضاً مثله مثل التحرر، وسينتهي كذلك بفكرتي المجهول والغموض، الحرية لا تُعطى مباشرةً، بل تتطلب تطلعاً إلى شيءٍ أبعد.

لكن كيف لوجود متعالٍّ أنْ يُحرِّر الإنسان؟ إنَّ الأفعال ذات البُعد الديني وحتى المناوئة له تأخذ جانباً مؤولّاً للإله، أي أنها لا تّمر من مرحلةٍ إلى غيرها سوى بالتوكؤ على تأويل الله كمعانٍ في متناول اللغة. إذ يجب التعبير عنه بالضرورة الإنسانية (مثل قول هيدجر)، وتفترضه في آفاق الحياة البشرية كاللوغوس الراعي للأعمال والأحداث. إن معنى الإله متنوع الوجوه وإن جاء الشيطان إزاءه لينال اللعنات كما في التراث الديني، حتى ولو ارتدت الحريةُ بهذا صراعاً داخل ثنائية الله والشيطان، لتصبح مفاهيم الإله لاهوتاً مشبعاً بالكراهية الاجتماعية والسياسية بين الناس، رغم أنَّ دلالته بإشارة هيدجر تعني أفقاً مفتوحاً(2) .

وضع الكراهية يظهرُ حين نضل طريقنا الذاتي نحو التحرر؛ أي يقفز معنى الإله اللاهوتي الغالب تجاه كلِّ أنواع التحرر. ولن ندرك ذلك الطريق ثقافياً طالما نترقبه في المكان التفسيري الخطأ، أي خارج ذواتنا. لأنَّ ما يربطنا بمعاني الله ليست العبوديةَ كما يظن الفقهاءُ، ولا أصحابُ المذاهب الدينية حين ينصبون ورشةَ عاطلةً لفتاوى العنف. فالارتباط بمعاني الله يغدُّو صلباً متى أُسِّسَ على اللا رابط؛ أي إذا استندت إلى فعل الانعتاق من أنماطه السائدة ومن كلِّ ما سواه و لو كان رفضاً لفكرته الثابتة إنسانياً، لعل هذا النمط للإله أو ذاك بمثابة الوثن السياسي والاجتماعي لتكلس الوعي والروح. حرية رفض الأشكال هي جوهر الإيمان، لدرجة أنَّ الانعتاق والتحرر يحملان كافةَ التكاليف الشرعية، وتُقام عليهما جميع مفاهيم الدين(3) .

لقد يتجسد التحررُ من الإله كشكلٍّ بمفارقة الإيمان (المتناقض ذاتياً وأنطولوجياً)، لأن الايمان اعتقادٌ فيما لا يوجد عادةً ولن يكون معتاداً يوما ما. وبالتالي يحمل جوهر الإيمان بذرةَ النسف الداخلي لترسبات أي شكل ثابت. فأنْ يؤمن الإنسان، فذلك الأمر يتم دون أنْ يرى موضوع الإيمان، فضلاً عن اعتباره حقيقةً مع أنه لا يملك دليلاً قاطعاً عليه. إن كلُّ إيمان ليس به هذا التَّفجُر لن يغدو سوى عبوديةٍ فارغة المضمون. الإيمانُ طاقة حُب وانفتاح لتطهير ذاته دون شكلٍّ، فعلٌّ، خارج حدود التَّحكُم الكمي والكيفي. وأي إيمان إنْ لم يجدِّد نفسه، سيحيل الإنسانَ إلى ترسانة كراهيةٍ بلا نهاية.

النفي والاثبات

الانسان الذي يستطيع التَّحرر بإمكانه معرفة الله نفياً واثباتاً، مجهولاً ميتافيزيقياً وراءه رغبة سحيقة في الوجود. وعلى النقيض لكي يقتل الانسان إلهه(نمط اعتقاده) على غرار نيتشه، فهو من يؤمن به ايماناً شوفونياً(وثنياً) داخل الذات(4) . هذا التعبير السياسي مقصود، فالذات فعلٌّ جيو سياسي يحقق الكيان والعلاقة بالآخرين مثل الدول. إنَّ فعل التحرر فعل قتل أصيل لما نملك من أشكالٍّ ولا ينال من معنى (الإله) إلاَّ ويطالُ كلَّ آخر غيره. لهذا كان الله دوماً يقع حيث ينتفي أيُّ إله غيره. ولو لم ينتف لما وُجِد على صعيد الاثبات المنفي كما في عبارة التوحيد(الشهادة والاعتقاد) .

إنَّ كلُّ اختيار إلهي نقصده أو ننحرف عنه يفترض نقيضه وإلاَّ ما كنَّا لنُؤْمر به ونُنْهي عن المغاير له. ووجود النقيض ينسف ثبات التَّوجُه القسري لو ظننا أنَّ له جانباً وحيداً. وهنا تتأتى قيمة المقدس كمركز في أفق الحياة دون فقدانه لوجاهته الإنسانية؛ أي دون فقدان قدرتنا على الرفض والقبول. فهذا مبدأ لإيمانٍ حُر يعتبرُ فردياً حتى النخاع ولو جسّد طقساً جماعياً. ومن يمكنه الشعور بالحرية حقيقةً يستطيع معرفةَ الله. وهذا رأي كانط: أننا كائنات أخلاقية بالمقام الأول ومن حيث كوننا كذلك نستطيع التَّدين لا العكس، معتبراً كون الإله ممكناً بشكل أخلاقي عملي practical لا برهاني ميتافيزيقي(5) . لذلك، فالواجب الأخلاقي يتجاوز كلَّ موقف وينتهك أيَّ مبدأ. لو كان معنى الإله داخلنا لا يتأسس على تلك القاعدة الحرة لأصبح صُندوقاً أيديولوجياً أشبه بجراب الحاوي.

الحرية بالنسبة للمعتقد الديني شرطٌ مُسبق وليست عملاً كسُولاً تابعاً. مشاركة الله فينا من باطننا ومشاركتنا في وجوده المتعال بالمثل. الاثنان يقفان أحدُهما في إحالة مستمرة إلى الآخر بلا انتهاء. فالحرية تقف إزاء الايمان الديني وداخله كماهيةٍ. أليست هي مناطَ الدين وغذاءً لاستمرارية التدين؟ إنها لا تندرج في خانة الشروط التابعة سوى بهذا التجلي. فإذا خضعت الحرية للتجربة سرعان ما تفترض اسبقيتها. لأنَّ كلَّ حريةٍ لمعتقد تزيحُ أيَّ تراكم ضاغط بمجرد انفراد الإنسان بنفسه. حين يؤكد" أنا أؤمن" لا يجد بُدَّاً من نزع الأقنعة الزائفة(6) . وليس منطقياً أن يكذب على ذاته.

إذن سيكون تأمل الحرية هذه المرة من داخل معاني الله لا من خارجها، والمسألة سكِّتَ عنها تاريخ الاعتقاد طويلاً، لأنها كانت هدماً لأيَّة جماعة تتحدث باسمه. بسبب انتشار التصورات المشوهة (ايماناً ورفضاً) لتلك الفكرة. لقد تم تجنب التفكير إنسانياً من ذروةٍ متجاوزة لكلِّ تصورٍ هو محدود بالماهية. وقد يجري ذلك باعتبار الإله معلقاً في عالم ميتافيزيقي ليس له إلاَّ عقابنا أو إثابتنا فقط!!

المسألة تبرز هذا(النأي، الاتساع، الجُود الإلهي بلغة ابن عربي: لولا الجود لما كان الوجود) اللانهائي لمعنى الله ليس غير. ومن تلك الذروة ربما لن يتصور المرء مناقشة أية قضية لا تنتمي إلى مجالها مثل قضايا المعرفة أو التفكير، بينما معاني الله هي الاستثناء الوحيد. فالإله معنى يوجد وينتشر في كل شيء تقريباً على ذات المستوى. إنَّ تفكيراً كهذا أزاح الجانب الإنساني لوجودنا النسبي بصيغة المطلق على صعيد التأويل. ونحن نعرف ككائنات فانية أنه لم ولن يكون الانسان إلهاً، إذن عليه التحليق من موقعه المفترض إلى درجة التعالي الحُر.

الاسم والمسخ

ما الذي جعل البشر يمسخون مفهوم الله إلى مفهوم عبودية؟! حيث قد تمَّ ذلك في تاريخ الديانات والعقائد بالاسم دون المسمى، بالشكل الوثني دون المدلول. فباسم الله يحكم الحاكم المستبد، باسم الله يأمرنا راعي المعبد والكنيسة والكهنوت والمسجد، باسم الله تطيع الزوجةُ زوجها معلِّقاً إرادتّها في سترته كتميمّةٍ اجتماعية. وباسم الله يأمرنا أهل الحل والعقد كأنَّهم يملكون مفاتيح الجنة والنار، وباسم الله يتسلط الأسياد على العبيد، وباسم الله ننحت أدمغتنا في قوالب تربوية وجدنا عليها أسلافنا. إنَّه هوس ترجمة معاني الله إلى شكل جمعي من غير أي تماس روحي فعالٍ. لماذا يغدو الله شركة مساهمة اجتماعية أو سياسية؟ كيف كان الله صكاً اقتصادياً في بورصة اللاهوت الاجتماعي؟

إنَّه ما لم تتحرر الأفعال من طغيان عبوديتها للاسم لن تُسمى الحرية حريةً، ستستحق أيَّ شيء آخر مدجّن إلاَّ هذا المعنى. فأصالتها المُعطاة للأفعال لا تتأتى من مصدر خارجي، كما أنَّ الايمان لا يأتي بنفس الاصالة من المصدر ذاته. إضافةً إلى كون معنى الله يغرس فينا عمق هذه الاصالة دون وسائط. أشار بول ريكور إلى عبقرية الكوجيتوCogito الديكارتي لكونِّه حمل نفسه إلى أقصى حدود يعود فيها "الأنا أفكر" إلى ذاته. إذ يحدد في ذاته صورة جسده وصورة الآخر. بالتالي تغدو النفس قادرة على التحرر متمركزة عبر ما يسميه الرواقيون دائرية الروح(7) circularity of soul .

إذا كان ذلك يوازي فعل الإيمان، فقد تجنب الفلاسفة معنى الله في ذاته بمغزاه السابق. لأنَّ المعنى– من هذا القبيل- ينحرف إلى أشكال لا ماهيات. فمفارقة المعنى عبر الكائن الأعلى كونه مستحيلاً في عينه فيصير صوراً لغيره. والأخيرة (أي صور الأغيار) تعدُّ بديلاً منافياً للمعنى لا اتساقاً مع أبعاده. هي بدائل قد تتَعيّن في سلطةٍ ما: قضية، نص، وظيفة، حقيقة، تنظيم، لاهوت، دين مشخّص، قوة مقدسة. فالله ضمن المسيحية كان إنساناً- إلهاً. وأقانيم الآب والابن والروح القدس تطرح الحرية كصيغةٍ تركيب. ثم يأتي الإيمان بالأسرار ليجعل التركيب بعيداً عن التحديد. وبالديمقراطية في مضمار السياسة أضحت الصيغة المسيحية تجربة سياسية اجتماعية عبر كل إنسان آخر (المجتمعات الغربية) .

إذن معنى الله لم يمسسه تفكيرٌ في ذاته، نظراً لسبب كانطيٍّ شهيرٍ أنَّه لا يتسنى إدراكه بالعقل. فعالم الأشياء في ذاتها noumena يعجز العقل عن اكتشاف أسراره. هنا اشكالية قد تصبح أفقاً لطرح مختلف: أنَّ لانهائية معناه (أي الله) تُدخلنا إلى ساحته القصوى، بموجب فشل القدرة على تعيينه أيا كان (أي تحديده في شكل ووظيفة) . وتلك قضية الحرية، فهي مستوى النفاذ المفتوح عبر ما يستعصي على الإدراك والاحتواء. لأنَّها فعل كُلي إلى درجة الإطلاق رغم محدوديته التاريخية بتجارب المجتمعات والأفراد. وهي انفتاح لن يُملأ بسهولةٍ عبر كيان إنساني معجُون بالرفض والتمرد.

فمن يمتلك معاني الله حتى يستعبدنا باسمه؟! السؤال ليس ساذجاً، لكنه مطروح إزاء أدعياء التحدث بالاسم كما مرَّ منذ قليل. إنَّهم يلعبون لعبة الاستملاك، الاستقواء، اطلاق الاسماء كالقذائف العشوائية. فإذا كان الله يستحيل امتلاكه، سيقولون بلسان الحال نحن نمتلكه بقوة الغلبة. ولا يتوانون عن نهب الفرصة تلو الفرصة لذلك. وعلى المتضرر بلغة القانون والمنطق اللجوء إلى اثبات العكس. المغزى أنَّهم ناجحون في هذا طالما هم الأقوى، فيظن المستعبَدُّ أنَّ مفهوم الله في جعبتهم. وهو اثبات القضية مقلوبةً؛ أي قضية التحرر عن طريق الله بالشكل المزيف لحضوره. ذلك نظراً لاستحالة الاستحواذ عليه لا معنى ولا كلاماً ولا ماهية ولا ايماناً ولا طرفاً في أية ثنائية. إذن ماذا يبقي من الادعاء غير تأكيد عكس الاستعْباد. وطالما لا نستطيع القيام بالتأكيد، فإنَّهم يستندون إلى هيمنةٍ دون أساسٍ. حينئذ فهم أيضاً لا يستطيعون تأكيد هيمنتهم دون فعل إكراهٍ(8) .

تلك القضية تتقرر بالنقض دائماً، لأنَّ هؤلاء الأسيّاد لن يتركوا معاني الله لغيرهم مهما كان الثمن. فالطرفان (العبودية والحرية) لا يثبتان منطقياً بطريقة المقدمات والنتائج إنَّما يُمارسان في أفعال. ولهذا فالتعادل الذي يبدو فيهما بريئاً هو تعادل زائف، لأنَّه لا تعادل دونما التّحرر في كلتا الجهتين. فالمتحرر هو من يشعر بالقيد، والمتحرر كذلك هو من يعرف قيمةَ الحرية دون نهاية. أما لو اطمأن لحظة إلى حريته فقد سقط في العبودية. وتلك هي فكرة الله من أقصر الطرق. فالله يحرر البشر من نفسه، من أخيلتِّهم عنه، من طبيعته المتصورة إنْ ظنوها كذلك.

الحرية قدرٌ إلهيٌّ كونيٌّ حتى على معاني الله ذاته. لأنَّه لا يتجسد في عبودية الصورة والفكرة والنمط والشكل والاعتقاد، ولم يعطِّ الله أحداً مبرراً للتحدث بلسانه كأنَّه هو، مثلما لا يوجد إله بلا إرادة كاملة. بالتالي ليس لله إلاَّ أن يكون حراً خالقاً وموجوداً لدرجة اللاوجود. ولن يعرفه معرفة حقيقية إلاَّ من يدركُ التحرر المتواصل نحوه. من ثمَّ نحن كمخلوقاتٍ علينا أن نمتلك حريتنا- غير منقوصة- حتى نعي محض كلمة الله. فالحرية لا تدرك إلاَّ بحرية بإطلاقها لا بنسبيتها، ولا كمصدر تام الانجاز إنما كدّأب متواصل. والعبد أيضاً عكس ادعاء الفقهاء لن يدرك معنى الله، كيف لمستعبد حساً وخيالاً إدراك جوهر الحرية؟ كيف يتحرر من هو غير متحرر أصلاً؟ كيف يمارس طقوساً يقال له إنها من صميم الإيمان بينما هو لا يدرك جوهر الحرية؟!

لعلَّ ذلك وراء أنّ معاني الله بدون وثن أو نموذج صنمي كما يقول جان لوك ماريون، ففكرة الله لا تتعين ماهوياً ضمن أية مفاهيم، هي ليست مجهزةً بأيِّ إطارٍ شكلي يقول إليكُّم ما أحوي. إنَّها الصمت الأزلي إلى درجة الخفاء الفاعل في كل تجربة دينية ودنيوية. وأن الأصنام كأشكال للمعنى قد أفرغه من أي محتوى سوى عبودية ساخرة، كمن يريد أن يبلغ المستحيل بتوافِه الإمكان.

 

سامي عبد العال

....................................

(1)-Martin Heidegger, Der Spiegel Interview with Martin Heidegger (by Rudolf Augstein and Georg Wolff) 23 September 1966, p 11.

(2)- في التجارب الصوفية تتضح هذه الدلالة بصورة أكثر بروزاً. فالله ليس كائناً لكنه وجوداً روحياً خالصاً. ولا يبتعد عن هذا الموجود البشري المحدود، بل لا يتحدث عنه المتصوفة سوى داخل وجودِّهم، داخل أجسادهم وأحوالهم الذوقية. بالتالي تمثل اشكالية التصوف: كيف يكون الوجود الإلهي متجسداً في التجربة الروحية؟ واللغة التي يستعملها المتصوفة لغة خاصة بهذه التوحد الروحي. إنها التعبير الأكثر شفافية للتحرر بالله وداخله. وانطلاقاً من هذا المعنى المفتوح كان المتصوف قادراً على رؤية الله في كل ما سواه. لأنَّ التحرر الروحي يجعل الذات تتماهى كما الحب داخل كل آفاق ممكنة.

(3)- لا توجد فكرة دينية غير معتمدة افتراضاً على الحرية. فطالما أنَّ الايمان - وهو بدء الدين وذروته- مؤسس عليها فكل شيء لاحق يسير في نفس الطريق. ولأنَّ الوجود الإلهي يتأرجح معها قبولاً ورفضاً فلعلَّها أبعد أثراً من طقوس الدين وأنماطه. فالحرية فعل إيمان أيضاً بل تشكل جوهر كل اعتقاد يتجه نحو الغيب. بالإمكان السيطرة على إنسان وشكل حركته لكن لا نستطيع الهيمنة على إيمانه إلاَّ مع ثقافة القهر والقمع. الحرية هنا قد تفهم على عدة مستويات:

أولاً: علاقة الإنسان بالله وهي علاقة داخل- خارج الفرد بوصفه كائناً حراً. ثانياً: علاقة الله بالإنسان في حالة الديانات التوحيدية وغيرها. والارتباط هنا يرجع إلى تقبل الفرد من عدمه. ثالثاً علاقة الإنسان بالمجتمع وهي تلك التي ترجع إلى تحرر العلاقتين السابقتين. وطالما أنهما كذلك كان للفرد قدرة على التحرر الثقافي وإن كان يأخذ مجهوداً مضاعفاً.

(4)- الإله هو اقصى موقع يمتلئ بالإيمان والقيمة الرمزية لإحلال شيء محل آخر. وهنا إشارة نيتشه حيوية لأنه لا يقصد الإله كما هو شائع لكن الإله بوصفه هذا الاعتقاد الذي تعمد فيه الاخلاق وتغتصب أيضاً تحت عنوانين لاهوتية و سياسية واجتماعية. ومثلة مثل: الغاية والعلة والأصل والعقل والبرهان والحقيقة، جميعها مفاهيم ميتافيزيقية كانت وجوهاً للقهر واستلاب الواقع. أشار نيتشه أنه تعلم مبكراً الفصل بين التحيز اللاهوتي theological prejudice وبين التحيز الاخلاقي باحثاً عن أصول الشر فيما وراء العالم....وبناء على ذلك ميز بين العصور والبشر وحتى بين الأفراد".

Friedrich Nietzsche, On Genealogy of Morals, Translated by Walter Kaufman and R.J. Hollingdale, Vintage Books, New York 1967, P.17.

(5)- Eric Watkins, Kant On the Hiddenness of God, In: Benjamin J. Bruxvoort Lipscomb, James Krueger(eds) , Kant: Moral Metaphysics, God, Freedom and Immortality, De Cruyter, Berlin- New York, 2010.p. 256.

(6)- رغم أن الشخصية تمسرِّح الوجه إزاء الآخرين، سوى أنَّ الإيمان قدرة على التمثيل بخلفية نموذج باطني. نموذج يحاول التوحد مع ذاته. ولهذا ستكون الشخصية قناعاً في إخفاء الوجه الحقيقي. كل وجه ليس حقيقياً هو أحد أشكال الشخصية المتحولة. فيصبح الوجه شاشة عرض تنعكس على صفحتها توترات وحالات نفسية. إنَّه مرآة التواصل مع العالم الخارجي.

(7)-Paul Ricoeur, Freedom and Nature: the Voluntary and the Involuntary, Translated, With an Introduction by Erazim V. Kohak, Northwestern University Press, 1966, P.14.

(8)- الله هو التصور الأعلى الذي لا يستطيع انسانٌ أخذ مكانته ولو كان رمزياً. ونظراً لاختلافه عن كل كائن آخر فسيكون مستوى حياًديا داخل البشر. ولهذا يمثل نمط من الوسع والامتلاء بغياب آخر. غياب لا يساوي اللاوجود لكنه عمل الوجود في نشاطه الضمني، في سريته الكونية. ولهذا يأخذ موقع الإله دلالات التوع والاختلاف.

 

 

حيدر جواد السهلانيسلافوي جيجيك: سيرة وفكر

ولد جيجيك (Slavo Zizek) في 21 مارس 1949 بمدينة ليوبيانا بسلوفينيا، لأب بوجيه كان خبيراً اقتصادياً وموظف مدني، وأم فينا كانت تعمل محاسبة في مؤسسة تابعة للدولة وكان والديه ملحدان، وهو ايضاً ملحد ونشر مقال في صحيفة نيويورك تايمز حيث يرى أن الإلحاد إرث عظيم لأوروبا وأعرب عن تأييده لنشر الإلحاد في القارة الأوروبية. تزوج جيجيك ثلاث مرات، في المرة الأولى تزوج ريناتا ساليك وهي فيلسوفة سلوفينية، وزوجته الثانية عارضة الأزياء آناليا هولي أبنة محلل نفسي أرجنتيني، أما الزواج الثالث كان من الصحيفة جيلا كريجيتش أبنة المؤرخ المعماري بيتر كريجيتش ويوجد لدى جيجيك أبن واحد. تم اختيار جيجيك كواحد من افضل 100 مفكر عالمي من قبل مجلة (Foreign Policy magazine) عام 2012، ويتحدث اللغة السلوفينية والصربية والكرواتية والفرنسية والالمانية والانجليزية وأيضاً ملم بالإسبانية. حصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة بلاده، ثم انتقل إلى باريس ودرس التحليل النفسي على يد جاك ألان ميلر صهر جاك لاكان وتلميذه، يعمل حالياً استاذاً بجامعة ليوبيانا ويقضي معظم أوقات السنة زائراً يحاضر في أكبر وأعرق الجامعات الغربية، وقد كان جيجيك عضو في الحزب الشيوعي السلوفيني، حتى قدم استقالته في عام 1988، لينخرط بعد ذلك في عدد من تجمعات وحركات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان، وما لبث أن رشح نفسه إلى انتخابات رئاسة الجمهورية في العام 1990، في أول انتخابات ديمقراطية تشهدها سلوفينيا بعد تفكك يوغسلافيا، مرشحاً عن الحزب الديمقراطي الليبرالي، وفي العام 2009، وصف نفسه بأنه شيوعي مؤمن بالمادية الديالكتيكية، ولكن على الرغم من أن جيجيك يقول عن نفسه أنه ماركسي ويحب لفظة الشيوعية، لكن يعترف أن الشيوعية ارتكبت جرائم في القرن العشرين وكانت كارثة بالمعاني كلها، بدأ جيجيك اشتغاله الفلسفي خلال الثمانينات حينما قام بتحرير وترجمة اعمال فرويد وألتوسير وجاك لاكان، ثم ركز اهتمامه على لاكان بشكل خاص، حيث استعمل منهجه في التحليل النفسي في تأويل ونقد الفلسفتين الهيجلية والماركسية، وقد كان الشارح الأبرز للمنهج اللاكاني، حيث قام بتطبيق هذه الأفكار على أمثلة ثقافية وأدبية وسينمائية وشعبية في عدد من الكتب، وجيجيك يكتب بجميع الحقول الثقافية تقريباً، من النقد الثقافي والتنظير السياسي مروراً بالسينما والأوبرا وصولاً للتحليل النفسي. أما مشروع جيجيك هو المشروع المتمثل في ربط الصلة بين التحليل النفسي في صيغته عند لاكان وتراث المثالية الألمانية، وأراد صياغة نظرية عن الذاتية ملائمة للأزمنة المعاصرة، وقد تأثر كثير بهيجل فيقول لو قدر لي يوماً أن اختار من بين المفكرين واحداً فقط لا غير، لما ترددت في أن اصطفي هيجل وأجعله منه فيلسوفي المفضل. أما اسلوب جيجيك في الكتابة فعند قراءته تظنه يخبرك بشيء، لكنك سرعان ما تتفاجأ بانقلاب الشيء إلى ضده، وهذه النقلة المفاجأة من إطار إلى آخر، ومن فكرة إلى أخرى نقيض لها، غالباً ما تجعل الامساك بالبنية التحتية لحجج جيجيك واستدلالاته صعبة للغاية، لهذا السبب ينبغي للقارئ وهو يقرأ قصص جيجيك أن يلتفت وينظر في الكيفية التي يروي بها تلك القصص حتى لا يطمئن ثم يفاجأ لاحقاً بانقلاب الشيء إلى ضده، وبذلك أن من يقرأ جيجيك يحس وكأنه قد وضع على عينيه نظارات تمكنه من أن يرى ما لم يكن يراه بالعين المجردة، فالأشياء كلها تكتسي عنده عمقاً لافتاً، ليس هناك أشياء تافهة واخرى رصينة، أو اشياء تستحق من أن تفكر ونعمل النظر فيها، وأخرى ينبغي لنا أن نضرب صفحاً عنها، وميزة جيجيك أنه يتوسل في كتاباته الدعابة والنكتة ويذكر حكايات ويريد بذلك من خلال النكت أن يحدث تماس كهربائي بين النص والقارئ، وهذه الاستراتيجية يتبعها جيجيك بالتفكير والكتابة. وقد عرف جيجيك بكثرة التأليف وهو يواكب مختلف المتغيرات التي تحدث في العالم، حتى وصف بأنه اخطر الفلاسفة المعاصرين في الغرب، فكتب عن احداث 11سبتمبر والاحتلال الأمريكي للعراق والانهيار العالمي المالي عام 2008، وقد اتهم تركيا بدعم داعش وعلاج مقاتليها وتسهيل مرور النفط الذي يسيطر عليه داعش إلى داخل الاراضي التركية، بل لمح أيضاً إلى أن تركيا اسقطت الطائرة الحربية الروسية، لأن هذه الأخيرة كانت تقوم بقصف أهداف داعش داخل الاراضي السورية، وابدا انزعاجه من موقف الاتحاد الأوروبي بدفع مبلغ ثلاثة مليار يورو لتركيا لمساعدة اللاجئين السوريين. واخر ما كتب عن كورونا، ويعتقد جيجيك أن أزمة كورونا ستعطي معنى جديد للمجتمع، وسوف تتسبب بشيوعية جديدة، وهي بعيدة كل البعد عن تلك الشيوعية التاريخية، ويعتقد أن الحاجة والتضامن العالمي على الأزمة الصحية بمثابة اكتشاف مبتذل، لكنه ثوري في الوقت ذاته،  وتبين لدى جيجيك أن الحكومات غير مستعدة، ولم يعد هناك مكان لأمريكا أولاً ولمثل هذه الشعارات، وأننا بحاجة إلى نظام عالمي جديد للصحة العامة ووكالات دولية وقادة على العمل بإجراءات متفق عليها. ويعتبر أن فكرته عن الشيوعية ليست مجرد حلم مثقف، معتبراً أن انتشار الجائحة ستعطي قوة دفع لتضامن جديد عالمياً ومحلياً، وسيكون اختبارنا هو في بناء طريقة جديدة للحياة، لكن على الاشخاص أن يستعدوا، فالأمور بأيدينا الآن ولا ينبغي أن ننتظر حتى انتهاء الأزمة. ويعتقد جيجيك أن التكلفة النفسية ستكون باهظة الثمن، كما تخلق العزلة أيضاً أشكالاً جديدة من جنون الارتياب تتجلى في العديد من نظريات المؤامرة على شبكات التواصل التي لا تتوقف عن تكرار أن دولة مثل أمريكا والصين هي اصل الفايروس، ويرى جيجيك، لابد من تضامن عالمي في هذه المرحلة فالجهد الوطني غير كافي، فالتضامن العالمي هو السبيل الوحيد العقلاني للمضي قدماً، وانتقد ترامب وأنصاره الذين يزعمون بأن الجائحة ما هي ألا مؤامرة. ويواصل جيجيك ويرى أن جائحة كورونا لا تكشف عجز العولمة السوق فحسب، وإنما أيضاً عجز الشعبوية القومية، معتبراً أن شعار أمريكا أولاً انتهى إذ لا يمكن إنقاذ أي بلد إلا من خلال التنسيق والتعاون الدولي الذي يحقق بقاءنا وبقاء الجميع. ويمكن لأزمة كورونا أن تكون فرصة للتحرر والديمقراطية ومناهضة الاستهلاك، وممكن أن تكون ضربة للرأسمالية ويمكن أن تعيد اختراع الشيوعية. ويرى جيجيك أن أزمة كورونا أدت إلى انتشار واسع من الفايروسات الأيديولوجية التي كانت راكدة في المجتمع وبدأت في الانتشار وعلى رأسها تناقل الاخبار المزيفة، ونظريات المؤامرة وانفجارات العنصرية ومظاهر الطبقية بأبشع صورها. ويرى البعض أن جيجيك على الرغم من شهرته التي كونتها طروحاتها الفكرية الجريئة وافكاره الساخرة الاستفزازية، فأنه ما زال في نظر بعض الكتاب والدارسين مجرد ناقد ثقافي أو ايديولوجي، أو مثقف متعال ليس له سوى طرح الأسئلة، لكن مع ذلك يمثل جيجيك ظاهرة فلسفية فريدة في القرن الحادي والعشرين فهو تركيبه معقدة من عناصر متعددة من الجدل الهيجيلي والتحليل النفسي اللاكاني والماركسية وما بعد الحداثة، وسبب شهرته الواسعة هو ظهوره في الكثير من البرامج التلفزيونية وحضوره عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ولقب بنجم الروك الاكاديمي، ويوصف بأنه الفيلسوف المتعولم، وتتسم احاديثه بالسخرية، ولا يعتمد على الكتابة على الورق فقط، بل على تقنيات التواصل الحديثة أيضاً لنشر افكاره الفلسفية، ويرى اهمية خاصة في العودة إلى التحليل الديكارتي والايديولوجية الألمانية والروح الثورية لدى ماركس ولينين والتحليل النفسي اللاكاني في تحليل الاوضاع السياسية والاجتماعية. ومن مؤلفاته: الهدف السامي للايديولوجيا 1989، لأجل ما يعرفونه لا ما يفعلونه 1991، كانت وهيجل ونقد الايديولوجيا 1993، أهلاً وسهلاً في صحراء الواقع 2002، مساءلة الواقع 2005، الرؤية مختلفة المنظر 2006، دفاعاً عن القضايا الخاسرة 2008، العنف تأملات في وجوهه الستة 2008، هيجل وظل المادية الديالكتيكية 2012،سنة الاحلام الخطيرة 2013، بداية كمأساة وأخرى كمهزلة، طلب المستحيل، هل قلتم التوليتاريا.(1)

من جملة افكار جيجيك:

الفلسفة، يعتقد جيجيك أن الفلسفة ليست حوار وغير قابلة للنقاش، ونحن نتفق مع جيجيك بهذا الرأي فالفلسفة هي مجموعة من الفرضيات وصعبة الفهم، وذلك لأنها ليست لديها اساسيات ومجموعة مصطلحات موحدة، فكل فيلسوف يناقش موضوع، وكل فيلسوف لديه منظومة مصطلحات، وأن كانت بعض المصطلحات شائعة عند الفلاسفة، لكنها مع ذلك لا تعم على الكل، مثلاً مفهوم أو مصطلح الميتافيزيقا عند المفكرين العرب كثيراً ما يذكرونه بأنه علم الالهيات أو الغيبيات أو الوجود الذهني الخ...، من المصطلحات، فالفلسفة لا يوجد اتفاق فيها وهي مجموعة من الفرضيات، ونعتقد أن المصطلح الوحيد في الفلسفة متفق عليه من قبل الفلاسفة هو مصطلح " الفلسفة"

الايديولوجيا، يمقت جيجيك الايديولوجيا لأنها، أولاً تجعلنا مجبرين على خيارتنا من دون أن نملك حق التصرف. ثانياً أنها تسيرنا على طريقة المثل( لا تتكلم.... افعل) حتى صارت مشكلتنا أننا فعلنا كثيراً، فتدخلنا في الطبيعة ودمرنا البيئة وربما حان الوقت للتراجع ونقول الشيء المناسب.

الاشتراكية، يعتقد جيجيك أن النظام الاشتراكي نافع للرأسمالية، وذلك من باب جعل نظام البنوك اشتراكياً أمر مقبول يخدم إنقاذ الرأسمالية، فالاشتراكية لا تعد سيئة عندما تخدم استقرار الرأسمالية، وقد لاحظ أنه في الصين يستعملون الرأسمالية لفرض والسيطرة على النظام الاشتراكي.

السياسة، يرى جيجيك أن غياب فلسفة الدولة يعني بالإساس غياب فلسفة السياسة ذاتها، وهذا الغياب الفلسفي يعكس ضعف القدرة على تحرير النظرية السياسية من مهيمنات الايديولوجيا بوصفها وعياً زائفاً، وأن ضعف الآراء السياسية يؤدي إلى ضعف الممارسة الاجتماعية ونشوء التيارات الاصولية وعجز في الوظائف الوطنية وهيمنة الطوباوية وهشاشة القوى الفاعلة، لاسيما الطبقة الوسطى والقوى المتعلمة وتراكم الانهيارات السياسية والاجتماعية والثقافية، وكثرة الانقلابات العسكرية وصعود ظاهرة الجنرال القائد المستبد، وظهور الحروب الأهلية وتراكم العجز والفقر.

العنف، يعرف العنف هو كل فعل خشن يلجأ إليه الفرد أو الجماعة أو المؤسسة عن حق أو باطل، بهدف إرغام الآخرين على أمر يريده الفرد أو ترغب فيه الجماعة أو تفرضه مؤسسة الدولة، وأن مفهوم العنف ليس فقط في الارهاب والتفجيرات أو جملة تلك العواقب الكارثية الناجمة عن سوء الإدارة السياسية والاقتصادية، بل العنف هو ما موجود ذاتياً، أي خلف كل هذه الاعمال ولا بد من إدراك خصائصه الخلفية التي تولد مثل هذا العنف، ويعرف جيجيك العنف "أنه عملية قتل حتى لو لم تحقق هدفها، كما لا تنحصر في القضية المادية بل تتجاوز ذلك ولا يختزل العنف في الصراع، بل كل ما يؤدي إلى نفي الآخر". ويحاول جيجيك فهم العنف من خلال فتح عتبات اخرى بالنظر والتركيز على العنف الموضوعي المترسخ في النظام الاجتماعي والاقتصادي، ويتناول جيجيك العنف من سته وجوه:

1- عنف الشيوعيين الليبراليين، ويطرح هنا جيجيك العنف الذاتي والموضوعي، وينتقد الموقف الليبرالي الذي يصب اهتمامه على العنف الذاتي المادي المباشر كالإرهاب والعنف العقائدي الايديولوجي. ويمارس العنف الذاتي ضد خلفية مستوى صفري من اللاعنف الذي ينظر إليه على أنه إزعاج واضطراب الوضع الطبيعي السلمي للأمور، أما العنف الموضوعي فهو بالتحديد ذلك العنف الكامن في صلب هذا الوضع الطبيعي للأشياء وهو غير مرئي، لأنه يديم معيار المستوى الصفري بالذات الذي تدرك في ضوئه أن شيئاً ما عنيف ذاتياً.

2- عنف اللغة، يعتقد جيجيك أن اللغة ممكن تصبح وسيلة فاعلة للعنف، ويعطي عدة أمثلة على وقوع حروب ودمار بسبب عنف اللغة، ويمكن أن تكون وسيلة للتسامح، وهنا نتذكر قول الإمام علي (ع) " لسانك حصانك إن صنته صانك وإن هنته هانك" ويعتبر جيجيك أن عنف اللغة عنف خطير لكل عنف بشري، فإن عمل اللغة بوصفها منظومة رموز ومواقف وحمولة ثقافية، لها قدرة على أن تحمل  العداء أو التصالح والتسامح.

3- عنف اللامساواة، وهذا العنف ينتج نتيجة هشاشة النظام الاجتماعي، وحين تغيب ادوات النظام العام، وينتج اشكال مختلفة من العنف من شغب ونهب، وهذا العنف مرتبط كثيراً بالسياسة، فيعتقد جيجيك أن السياسة الخاطئة هي التي تثير اعمال العنف، ولكن بالمقابل يبادر السياسيين بأدوات القمع كما يسميها جيجيك واظهار نفسها هي على حق وتريد الحفاظ على النظام وأمن الوطن، وهذا ما يحصل بالفعل في الوطن العربي، أذ كثير من الدول تتبع سياسة التجويع وعندما تقوم مظاهرات تطالب بأبسط حقوقها، تقابل بالقمع واقسى القمع بحجة الحفاظ على النظام، وهنا يذكر جيجيك قصة طريفة، وهي أن رجل عاد إلى بيته مبكراً فوجد زوجته مع رجل آخر على الفراش فبادرت هي بسؤاله لماذا عدت مبكراً، وصرخ هو غاضباً من هذا، فقالت له لا تتهرب من السؤال، أنا بادرت بالسؤال أولاً، وهذا هو حال السياسيين هم من يبادرون بتجويع الشعب، وعندما الشعب يطالب بحقوقه يرون أنهم يدافعون عن حقوق الشعب.

4- العنف الديني الإلحادي، ويعتقد جيجيك هنا بأن الدين قد يؤدي إلى عنف كبير، ويذكر هنا حادثة الرسوم الكاريكاتير على النبي محمد(ص)، أذ في وقتها اثارت موجة غضب ومظاهرات كبيرة، فهذه الرسوم تعكس عدم احترام الشعوب الأخرى، وأيضاً يرى أن العنف لابد من أسلمته والتعامل يجب أن يكون وفق معادلة الخير من أجل الخير، وكذلك تفكيك العنف من دون توجيه الإدانة إلى معتقد ما.

5- عنف الكونية، وهنا تفعل الكونية الليبرالية بمنح الامتياز الثقافي للثقافة الرأسمالية دون غيرها، وتؤدي إلى انتاج العنف بسبب الاضطراب العنيف للتوازن الطبيعي، وللخروج من هذا المأزق يمكن الاسترشاد بخروج الكونية الشاملة من رحم عالم الحياة الخاصة، وأيضاً الخروج وجعل مفهوم التسامح إشكالياً، وجعل العنف الذي يديمه واضحاً ملموساً، وليس كونياً شاملاً بالفعل وعديم الثقافة.

6- العنف السماوي، ويعني به العنف الذي يقع من خلال الكوارث الطبيعية، ولا يقصد به العنف الارهابي المرتكب من قبل الاصوليين الدينيين الذي يعتقدون أنهم أدوات المشيئة الإلهية، والعنف السماوي هو غطاء أو معنى عميق لما يقع من عنف وكوارث تاريخية.

 

حيدر جواد السهلاني

..................

الهوامش:

1-ينظر مصطفى الحداد: سلافوي جيجيك، ضمن موسوعة الفلسفة الغربية المعاصرة، إشراف علي عبود المحمداوي،ج2، منشورات الاختلاف، الجزائر،  ص1561-1563-1567-1574-1580-1586. وينظر أيضاً آلان باديو وسلافوي جيجيك، الفلسفة في الحاضر، ترجمة يزن الحاج، دار التنوير، بيروت، ص8-9.

2-ينظر سلافوي جيجيك: العنف تأملات في وجوهه الستة، ترجمة فاضل جتكر، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطر، ص7-8-65. 

 

 

  

حاتم حميد محسنماهو الصحيح وما هو الزائف؟ هذا السؤال الملتبس أربك الفكر الغربي منذ اليونان القديمة.

اثناء العصور الوسطى، بقيت المشتركات بين مختلف الدول ذات الانظمة الملكية تعتمد على العقيدة الجمعية لتلك الشعوب القائمة على الايمان بالله كخالق للكون وان الخلاص يكمن في الايمان به. ايمان الناس بأنهم على صواب وكل العقائد الاخرى على خطأ قاد الى اراقة المزيد من الدماء في مختلف الاصقاع وهو ما ادّى الى الشك في الأديان الرسمية.

الملكيات التي كانت هي الحاكمة في القرون الوسطى تحالفت مع الكنيسة الكاثوليكية التي منحت للملوك الحق الديني. مفكرون مثل جون لوك ومونتسكيو وروسو بدأوا بمسائلة الملكيات والأشكال السلطوية الاخرى واختاروا صياغة نظام جديد مبني على فكرة القانون الطبيعي والعقلانية والتقدم والعقل، وهو ما عُرف بالتنوير.

التنوير طبقا لكانط هو نهاية الطفولة وبداية بلوغ الانسانية، الأحلام والفنتازيا حلّت محلها المعرفة.

فلاسفة التنوير استبدلوا اله الانجيل المتجاوز للطبيعة بالقانون الطبيعي الذي اتخذ دور السبب الاول للكون. آدم سمث طبّق مبادئ التنوير على الاقتصاد، وجادل بان حرية التجارة تفيد كلا الطرفين المستورد والمصدّر. خطأ الحكومات يقود الى نتائج غير مقصودة والناس سوف يكونون افضل لو اتّبعوا مصلحتهم الذاتية الرشيدة.

تعاليم سمث ادّت الى تراكم الثروة وتقدّم علمي واصلاحات سياسية وصلت ذروتها في ما سمي بالحداثة . الانظمة الملكية سقطت لتحل محلها الديمقراطيات، التي رفعت اصوات العديد من الجماعات . غير ان العديد من تعاليم سمث اصبحت شاذة وقادت الى لامساواة اجتماعية حين حلّت الملكية الخاصة للنخب محل المالكين الاقطاعيين في القرون الوسطى .

كارل ماركس حاول ان يحل هذه المشكلة من بين مشاكل اخرى، بالابتعاد عن مبادئ التنوير بحثا عن افكار تقود الى ازالة اللامساواة التي أوجدتها تلك المبادئ. غير ان عدم القناعة بالتنوير تعمقت بعد الحربين العالميتين الاولى والثانية عندما ادّت المعجزة التكنلوجية التي أوجدها العلم الى ابادة الملايين.

السوسيولوجي Christian Smith، صاحب كتاب (moral Believing Animals) أطلق على مختلف الحركات في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بـ "التنوير" الذي سعى لوضع اساس ملزم للمعرفة خارج يقينيات الكنيسة. مفكرو التنوير بتمزيقهم حجاب الدين كانوا يتوقعون الوصول الى الحقيقة العالمية غير القابلة للتفنيد.

وبهذا ، طبقا لسمث، هم فشلوا تماما. كامل المشروع التنويري كان معيبا وبشكل خطير: "كل هذه المحاولات في اكتشاف اساس عالمي للمعرفة قد فشلت وسوف تفشل بالضرورة". ويضيف سمث " ان معرفة التنوير (المعرفة التي لايعرفها الا الله) هي ذاتها حلم وفنتازيا".

طبقا لهذه الرؤية، نحن نتميز بالمحدوديات. يجب لكل واحد منا ان تكون له رؤيته الخاصة. لذلك فان كل المعرفة تكون مختصرة وجزئية وذات تقييم ذاتي ونسبي. هذا ينطبق على المعرفة بالسلوك الانساني من أخلاق وتاريخ وسايكولوجي وسوسيولوجي، وكذلك ينطبق ايضا على العلوم الصرفة.

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بدأت الشكوك تتزايد بافكار التنوير، الذي أضفى الصفة المطلقة على العقل والعلوم. هذا الفراغ قاد الى ما بعد الحداثة، وهي مجموعة من الافكار صُممت لنقد المعتقدات السائدة. مابعد الحداثويون يعلنون ان لا وجود للحقيقة الموضوعية، وان الحقيقة تتأسس فقط بواسطة المجتمع. جميع افكار الاخلاق هي انما يضعها الناس وليست واقعية. وبالانسجام مع المذهب المابعد حداثوي جاء الايمان بان مؤسسات مثل العلوم واللغة هي مؤسسات قمعية . الكلمات تؤسس المعنى من خلال السياق التاريخي والهيمنة الاجتماعية لثقافة معينة. فمثلا، الرقم 13 في الثقافة الغربية يشي بالسلبية، بينما في الصين، يشير الرقم 13 الى "لمعان مليء بالحياة"، وهكذا يبرز امامنا السؤال أين الصواب وأين الخطأ؟

اذا كان التنوير وما بعد الحداثة كلاهما يكافحان لتحليل ما هو صحيح وما هو زائف، فهما يفشلان في التمييز الكافي بين الصحيح والخطأ. ما بعد الحداثة تعالج بشكل صحيح الدور الذي يلعبه المجتمع في صياغة افكار الناس وتصوراتهم عن العالم. بهذا المعنى، تكون افكار ما بعد الحداثة صائبة في تحليل الحقيقة كتفسير فردي. الناس يرغبون كثيرا بقبول المعلومات التي تنسجم مع رؤاهم بدلا من قبول المعلومات التي تتحدى تلك الرؤى.

غير ان ما بعد الحداثة فقدت زخمها في افتراضاتها القائلة بعدم وجود حقيقة عالمية وراء منظورنا الفردي. صحيح ان تصوراتنا وتجاربنا تصوغ بالفعل رؤيتنا العامة، لكنها تتقاطع مع الموضوعية والحقيقة الكامنة وراء قدراتنا الادراكية.

فلسفة مابعد الحداثة تقول ان الليبراليين والمحافظين كلاهما على صواب طالما ان الحقيقة لديهم ترتكز على العقيدة السائدة بينهم. غير انهما كلاهما على خطأ لأنهما يصوغان استنتاجات مبنية على حقائق غير كاملة جاء بها كل جانب على حده . اذا كان كلا الجانبين صائبين وخاطئين، الا يثبت ذلك صحة رؤية المابعد حداثويون بان الحقيقة هي نتاج لتفسير الفرد؟ الجواب كلا. ارسطو حلّ هذه المشكلة الفلسفية في اليونان القديمة عندما اقترح بان الحقيقة والسلوك الاخلاقي يشغلان المسافة بين أقصى حدّين وهو ما أطلق عليه بـ "الوسط الذهبي". طالما كلا الجانبين يعرض الحقيقة والزيف في ضوء رفضهما لرؤية الجانب الاخر، عندئذ من المعقول ان الاتجاه الوسط هو الاتجاه الصحيح لأنه يصوغ حلا مرتكزا على معلومات كاملة.

للاجابة على اكبر سؤال للبشرية حول الحقيقة هو ان نجد الوسط بين التنوير وفلسفة ما بعد الحداثة. إختيار احدهما دون الآخر يعني النظر للعالم بمنظار ناقص وغير تام. علينا ان نكافح للوصول الى اتجاه معقول نحو التقدم الانساني بينما نعترف في نفس الوقت بميولنا الفردية ونعطي مكان لأولئك اصحاب العقائد المخالفة.

 

حاتم حميد محسن

 

 

علي محمد اليوسفتقديم: المقال تعقيب نقدي على مبحث الشعور الفلسفي عند بول ريكور في كتابه (فلسفة الارادة /الانسان الخطاء)، تناول فيه الشعور من جنبة فلسفية صرفة تقوم على ربطه – الشعور – بكل من الوعي القصدي في نشدان السعادة من جهة، وتعالي الشعور على كل من العقل والفكر في جموحه أشباع تحقيق اللذة بمعزل عن جميع المؤثرات والعوامل الموضوعية من جهة اخرى. وليس القصد من عرضنا النقدي أن بول ريكور تعامل مع الشعور النفسي السلوكي القصدي نحو تحقيق السعادة بنوع من الاستباحة الفوضوية التي يصادر فيها الشعور العقل والوعي، بل ستكون مناقشة موضوعة الشعور بمنطق فلسفي يتعالق مع منظور علم النفس الفرويدي والسلوكي الحديث وليس على مستوى التجريد ألتأويلي اللغوي.

الابيقورية ونشدان السعادة

يرى بول ريكور أن الشعور هو مصدر التحقق الذاتي المشخصن، وأنه الوسيلة والغاية في الوصول الى السعادة. ما يلفت الانتباه أن تاويلية ريكور الفلسفية حول الشعور أبتعدت جدا عن أي من منطلقات ابيقور الفلسفية كميراث عالج أهمية اشباع اللذائذ الغريزية عند الانسان بحكمة العقل ومن غير أبتذال أخلاقي. الابيقورية قامت على ركائز ثمانية وردت في تعاليم ابيقور الفلسفية 341- 270 ق. م، صاحب الشذرات الفلسفية البليغة مثل : عندما أوجد لا يوجد الموت، وعندما يوجد الموت لن أكون موجودا / ولا شيء خلق من لا شيء بفعل قدرة الهية/. وأن الكون مؤلف من جسم وفراغ ومكان/... أضافة الى مرتكزات ابيقور وتعاليمه الفلسفية الثمان في بلوغ السعادة وهي: لا تخف من الالهة، لا تخف من الموت، لا تخف من الالم، عش ببساطة، أبحث عن المتعة بحكمة، أبحث عن الصداقة الحقّة، كن مخلصا بعملك وحياتك، أبتعد عن الشهرة والطموح السياسي. هذه التعاليم الابيقورية جميعها لم تستثر أنتباه ريكور الاشارة لواحدة منها على الاقل.رغم أنها لا تبتعد عن طموح الانسان الاستمتاع بالحياة الآمنة السعيدة عمليا...

يربط ريكور بين الشعورالنفسي وسيلة تحقق الحياة السعيدة، باعتباره وسيلة زائفة ومخاتلة في قصديتها المعلنة التي تخفي في الكامن فيها القصدية الحقيقية التي يتوجب علينا فك رموزها كي نتعرف أصالة الشعورفيها من الزيف، وأعتمد أفكار كانط في تجاهله الابيقورية التي كانت واضحة في توصياتها المتماسكة أشد ما يكون الوضوح قبل أغراق ريكور تأويليته الفلسفية في مبحث الشعور بميتافيزيقا الفهم الاستعصائي الفلسفي الذي كان هو الاخر- الشعور - مبحثا كلاسيكيا في علم النفس الفرويدي ومن سبقة أو جايله أو جاء من بعده.

من المفروغ منه أن الشعور القصدي في فلسفة ريكور هو المرادف لمعنى الوعي المتعالي في مصادرة العقل الاخلاقي كضمير. وهذا التعالي المفتعل لا يضيف شيئا أمام رغبة توضيح كيفية الحصول عن السعادة بوسيلة الشعور. تعاليم أبيقور تنطلق من مبدأ تحقيق اللذة والسعادة بحكمة العقل الأخلاقية من غير أبتذال مسرف وسلوك منحرف لا يقوم على التزامات أخلاقية نظيفة في السلوك الانفرادي والجمعي على السواء.. ولم تعتمد الابيقورية الشعور النفسي وسيلة تحقق واشباع النزوع الفطري الغرائزي عند الانسان كما ذهب له ريكور... نحن في مناقشتنا أطروحة ريكور الفلسفية حول الشعور لا نحتكم الى مرجعية الابيقورية كنموذج قدوة رغم أنها كانت أنضج وأكثر وضوحا عملاتيا تطبيقيا أخلاقيا من فلسفة ريكور المغرقة في التجريد الفلسفي الغامض.

أكتفى ريكور بأسلوبه الفلسفي المعقد وفي منهجه التاويلي الميتافيزيقي الذي لم يكن يخلو من متناقضات بائنة ينسف ما بعدها ما قبلها، بمعالجة مبحث الشعور نحو قصدية تحقيق السعادة بعيدا عن كل المفاهيم الابيقورية القديمة وعن مفاهيم علم النفس السلوكي الحديث والمعاصر.. حيث جعل ريكور من الشعور النفسي وسيلة ادراكية ميتافيزيقية متقدمة تمتلك الارادة القصدية في سعيها تحقيق السعادة والعيش الخالي من الالم والكبت والحرمان في بلوغ الامتلاء النفسي والاكتفاء الذاتي وتحقيق عوالم من اللذة المتتالية التي هي سلسلة مترابطة لانهائية من اللذائذ المتصاعدة التي ينشدها الشعور في ملازمته الانسان كوعي ذاتي حقيقي أصيل غير زائف... ريكور يشكك في أفصاحات الشعور التعبير عن نفسه بصدق كما سنورده لاحقا. شأنه شأن اللغة في مخاتلتها التعبير عن المعنى بوضوح.

تداخل مفهوم الوعي مع الشعور في فلسفة ريكور

مبحث بول ريكور في الشعور أتخذ من بعض فقرات كانط مسندا يعتمده في معرض الاستشهاد بأفكاره في أجتزاءات من كتابيه (اسس ميتافيزيقا الاخلاق) وكتاب (نقد العقل العملي) حول الشعورالقصدي في نشدانه السعادة ويورد ريكور مايلي: (الذات كشخص تعطى أولا في القصد، عند طرح الشخص كغاية موجودة. فأن الوعي يعي ذاته، والوعي مشروع الذات، ووعي الذات هو كوعي الشيء، وعي قصدي) 1.. هنا نجد ريكور يتعامل مع الشعور من منطلق المرادفة في تطابق الشعور مع مفهوم الوعي القصدي كدلالة لمعنى واحد، متجاهلا أن الشعور يتعالق برابطة قوية بالمنظومة العقلية للادراك النفسي غير المحسوس، وتكون مرجعية الشعور هو النفس والسلوك الانفرادي في نشدانه تحقيق السعادة ومجتمع خال من الحزن والالم والخوف والاكتئاب. فالترادف المتطابق بين الوعي والشعور في تفلسف ريكور مقصود متعسف في معاملة الشعور كبنية منفردة متعالية على العقل وعن كل ماعداها ليس لعدم درايته الفرق بينهما وأنما كي يخلع ريكور على الشعور صفات التعالي في مصادرة منظومة العقل الادراكية بضمنها الوعي القصدي الذي يعوّضه ريكور بالشعور الذي هو عنده تمام الوعي..

وعي الذات في كل الحالات الادراكية هو وعي الكليّة الشمولية لوجود الشخص كينونة تعي استقلاليتها المشروطة أنسنتها مجتمعيا، في أمتلاكها الوعي القصدي وحرية الارادة في التفكير والسلوك المسؤول أخلاقيا. وبغير ذلك لا يعي الشخص وجوده الحقيقي كذات انسانية وليست ذاتا سلبية منعزلة انانية متحررة من قيود التفكير بالآخر بحقه الطبيعي في أشباع غرائزه المكبوتة المحروم منها بتواضعات المجتمع الاخلاقية والسلوكية العامة التي تقاطعها...

وعندما يعي الوعي ذاته فهو بشكل وآخر يعي قصدية كينونته كمشروع أنساني متطور في صنع الحياة على أسس أخلاقية محكمة لا تدور حول مركزية الذات المنغلقة بسلبية وجودية... وعي الذات بهذا المعنى المؤنسن أخلاقيا ليس حالة عرضية للشعور تختلف عن قصدية وعي الذات للاشياء في العالم الخارجي وتعامله معها بحس وشعور المسؤولية والالتزام، والوعي لا يكون وعيا شغّالا ألا عندما يكون وعيا ضمن عالم بشري مؤثر في الوعي القصدي الذاتي وأعطائه معناه الحقيقي حسب هيدجر.

وعي الذات عند بول ريكور هو (وعي قصدي عملي) كما يقول... أي بمعنى هو مشروع علاقة انسانوية مسؤولة جدليا تتحقق فيها قصدية وعي الذات في تداخلها مع قصدية وعي العالم الخارجي بموجوداته وتكويناته من ضمنها كليانية المجتمع، وبذلك لا يكون وعي الذات سلبيا عندما يكون وعيا يجعل من الشخص كائنا منفردا معزولا عن الاخرين. فيكون الوعي بهذه الحالة الانفرادية هو نوع من الانفصام المرضي العقلي أكثر منه وسيلة اشباع غرائزي شعوري يحتكم للاخلاق الطبيعية في نشدانه تحقيق اللذة والسلام والطمأنينة بالحياة في مجتمع يسوده السلام.

طبعا مفهوم المرجعية الاخلاقية المجتمعية بنية نسبية رغم أمتدادها الشمولي الكليّاني لا يمكن الاحتكام لها في نزوع الانسان أشباع رغائبه الغريزية بحكمة الواعز الاخلاقي الانفرادي لأنها أي مرجعية الاخلاق مفهوم غائم ممتد يحمل تاويلات ووجهات نظر متباينة مختلفة لا حصر لها تقاطع رغبة اشباع الحاجات البيولوجية الفطرية والمكتسبة للفرد والمجتمع في مقدمتها (تابو) محرمات التدّين. وفيتو أختلاف الامم والشعوب في نظرتها المبدأية لمفهوم الاخلاق.

يؤكد كانط (أعمل بطريقة هي أن تعامل الانسانية في شخصك، كما هي في الشخص الآخر، وبنفس الوقت كغاية وليست وسيلة) 2 هذا تعبير يستند الى مرجعية موعظة أخلاقية ليست عملانية بل هي دعوة طوباوية تعارض التكوين الانفرادي النرجسي للانسان، فالانسان الاناني بالفطرة ليس من السهولة دعوته التخلي عما يعتبره حقا مشروعا مكتسبا يجب على السلطة والمجتمع توفيره للفرد وليس العكس توفيره للمجتمع على حسابه كفرد. لكننا نجد أنه لا فكاك ولا خلاص من اللجوء الى الدعوة الطوباوية الاخلاقية في شرط كينونة الانسان الاصيلة تحقيق وجودها الحقيقي في أن يكون وعي الذات هو غاية ووسيلة متداخلتين معا بحكم الضرورة النفعية التبادلية مع حرية ومصالح الاخرين.

أنه عقد اجتماعي ملزم يفرضه الوعي الذاتي الاصيل على نفسه كالتزام طوعي متحررالارادة بمسؤولية أخلاقية لا تنفصل عن سعادة وحرية المجتمع، والانسان في حال أحساسه أنه وسيلة لتحقيق مصالح غيره على حساب غمط مصالحه فهو يفقد ذاتيته في وجوده الحرالاصيل الذي يمتلك الارادة والحرية في السلوك والاختيار. وأمتثالا لقوانين الاخلاق الوضعية مجتمعيا مطالبة الانسان السوّي أن يكون هو قيمة عليا من وعي الذات النوعي في أن يكون وسيلة مركبّة مع قصدية عامة كغاية لبناء الذوات المجتمعية انسانويا في سعيه تحقيق ذاتيته بتعالقها معيشيا مجتمعيا بما يجعله يشعر بمساهمته في تحقق ما يجده متحققا بذاته من اشباعات أنه يمثل في نفس الوقت مايصبو تحقيقه الاخرون أشباعا لحاجات. وتبقى محصلة لا جدوى موعظة الافكارقائمة في اللاعملانية التطبيقية في الحياة، كون الاخلاق مبحثا تركيبيا يدخل فيه العقل والضمير الاخلاقي والعرف الاجتماعي وقانون العقد الاجتماعي مع السلطة في محاولتهم تحقيقه كل من وجهة نظره التي يجدها صائبة بالمطلق.

فردانية الانسان المتمايزة عن غيرها في وجود أصيل لا تكتمل ولا قيمة لها أن لم تكن متكاملة أيجابيا في سعيها تحقيق وجود الاخرين المتعايشين بسلام كما هو سعي الشخص بناء شخصيته الفردية في عالم تسوده العدالة والنظام في تحقيق الامن والسعادة والسلام. وكل هذه الدعوة هي معايير أخلاقية مجتمعية تفرض نفسها بقوانين العقد الاجتماعي الوضعي الذي تحكم به السلطة فوضوية السلوك الانفرادي من الجنوح في تخريب العلاقات المجتمعية الاخلاقية السليمة في تنظيم الحياة.

الخيال المتعالي

يشير أفلاطون الانتقال الحي من البيوس الى اللوغوس، بمعنى الانتقال من الحياة الى العقل. كما يشير بول ريكور (الخيال المتعالي هو عقلي وحسّي في آن واحد. غير أن الخيال المتعالي وهو النقطة العمياء للمعرفة، كان تخّطى ذاته قصديا في مقابلة الشيء)3.

أفلاطون في عبارته الانتقال من الحياة الى العقل أراد الافصاح أن الخيال قرين العقل المفكر وأحدى خصائصه الجوهرية ولا يلتقي ولا يشابه شعور ما هو مدرك حّسي بالحياة، بخلاف ريكور الذي أراد بصريح عبارته أفقاد وتجريد العقل من ميزته الخيالية كخاصية عقلية لا تلزم الواقع المادي بالتبعية لها وفق منهج ريكور التاويلي في أعتباره الخيال هو عقلي وحسي معا، العقل لا يتعامل مع أدراكه الواقع بمنهج الخيال المتعالي عليه المجرد من غير جدل تخارجي بينهما، والخيال العقلي لا يلتقي مع مواضيع الادراك الحسي للاشياء، فما يدركه العقل حسّيا لا يطاله الخيال أدراكا خياليا. فمواضيع الخيال العقلي تفكير صوري لا ينتج عنه بالضرورة ما هو حسّي مادي يدركه العقل واقعيا، وأنما خيال العقل ينتج ما يمكن أن يتاح له أن يكون تفكيرا واقعيا معيوشا في الحياة. تموضع الخيال المتعالي كوعي ذاتي في موضوعه يتخطى ذاتيته قصديا في مقابلته الاشياء ولا يكون النقطة العمياء للمعرفة كما ذهب له ريكور.

يكون خيال العقل متعاليا كوعي يعي ذاته من جنبتين هما اولا أنه ادراك عقلي تجريدي بالتفكير بمحسوسات مادية موزعة متنوعة كموجودات، وثانيا يكون هذا الخيال المتعالي هو التفكير بمواضيع غير مدركة حسّيا تمليها الذاكرة التي تستحث الخيال على الابداع في نوع من التفكير غير المألوف كما في خلق عوالم الادب والفن في تصنيع عوالم متخيّلة لكنها من الممكن أن تكون عوالم يمكن تحقيقها واقعا معيوشا في الحياة، وبعض تلك الاعمال الادبية والفنية في عوالمها هي نوع من التداعيات التشكيلية الخيالية التي يمتزج فيها الشعور باللاشعور في تداعيات من الافكار والتعابير التي لاعلاقة حقيقية تربطها بالمألوف اليومي. لكنها في المحصلة هي نتاج خليط من مشاعر نفسية تقوم على رؤى غير منظورة من الوعي الخصب كما هي في ضروب الاجناس الادبية في مقدمتها الشعر، وكذلك في ضروب الاجناس الفنية في الفنون التشكيلية يتقدمها الرسم.

هذا التعالي العقلي الخيالي تفكيريا بموضوعيه الاثنين الحسي والخيالي هو في حقيقته فعالية ذهنية واحدة متكاملة لا يمكن الفصل بينهما فالعقل يدرك الموضوع الحسّي كما يدرك الموضوع الخيالي في لغة تجريد صورية منطقية واحدة. ولا يكون الخيال المتعالي نقطة عمياء في المعرفة حسب تعبيربول ريكور، ألا فقط عندما يكون الخيال المتعالي لا يخضع لتجربة التحقق منه بما ينقذه من تعاليه المجرد تفكيريا فوق منظومة العقل الملازمة لكل مدركاته من موجودات ومواضيع باستثناء الشعورالقصدي كما يراد له.

وكل تعالي خيالي للعقل التفكيري المجرد سواء كان تفكيرا بموضوع خيالي أو بموضوع مادي حسي فهو بالالزام الضروري يكون مشروطا بعاملين، هما التفكير بموضوع معيّن مدرك اولا، وتوفر الرغبة القصدية في الاختيار لموضوع تفكير العقل المتعالي ثانيا...أي لماذا أختار العقل هذا الموضوع لادراكه التفكيري دون غيره من الموضوعات.

الشعور واللذة

نجد في فلسفة بول ريكور خلاصة معمّقة لمعنى الشعور بوصفه وسيلة العقل في الوصول الى اللذة والسعادة، ولما كانت مفاهيم مثل اللذة والسعادة هي مفاهيم شمولية كليّانية منفتحة لا تحدها حدود في لا تناهيها الامتدادي بحياة الانسان، يصبح الشعور عند ريكور هو بنية نسقية فكرية كليّانية تتجاوز العقل يصفها بقوله (العقل كانفتاح على الكليانية فهو الذي يولد الشعور بما هو أنفتاح على السعادة – هنا يأتي مصطلح الشعور عند ريكور أعتباره الشعور قصديا في رغبة السعي نحو تحقق اللذائذ المتتالية المحرومة المحرّمة في الحياة التي توصل للسعادة والمكبوتة في اللاشعور - كما يعتبر ريكور الشعور يظهر ما هو عقلي الذي به أمتلك عقلي.)4، وبلغة كانط المستعارة من قبل ريكور (فالعقل هو تعيّني ومصيري القصدي، الذي به أستطيع متابعة وجودي، فالشعور يظهر تطابق الوجود والعقل ويشخصن العقل.)5،

يلاحظ الاتفاق التكاملي الفلسفي غير المعلن بين كانط وريكور في أضفائهما التعالي الشعوري فوق خصائص منظومة العقل الادراكية في تعبيرها عن الواقع، فريكور يعتبر الشعور يظهر ما هو عقلي الذي يمتلك به عقله، ونجد تماهي ريكور مع هذا الفهم حين يعتبر الشعورهو تطابق الوجود والعقل الذي يشخصن العقل كما عبّر عنه كانط... والصحيح أن العقل خلاف ذلك هو الذي يشخصن الشعور ولا قدرة للشعور شخصنة العقل.الوعي القصدي لا يكون عمليا حسب رغبة ريكور في امتلاك الشعور الذاتي قصدية متحررة بعيدا عن وصاية وتوجيه العقل.

الشعورالنفسي رغم كونه نابعا معبّرا عن دواخل النفس فهو بالمحصلة والنهاية منتج صادر عن العقل في الوصاية عليه وتنظيمه كعاطفة سيكولوجية هادفة قصديا لا يمكن فصلها عن أرادة العقل رغم ارتباطها بالنفس التي هي نوع من نزعة الميتافيزيقا التي تأبى معاملتها بالمنهج المادي بيولوجيا لكنها لا تخرج عن وصاية العقل عليها... ويبقى الشعور واللاشعور كليهما نتاج سايكولوجي – عقلي مشترك رغم التباين بينهما من وجهة نظر علم النفس. بعبارة أخرى العقل والنفس جوهران متعالقان غير منفصلين الا بعد فناء الانسان بالموت. العقل كيان مادي فيزيائي والنفس جوهرروحي ميتافيزيقي.

أن محاولتنا رد أعتبار أسبقية تراتيبية العقل في أولويته وأسبقيته المهمة على الشعور والنفسية والسلوك تكون عقيمة حين يكون الشعور هو الرغبة الكليّانية المجردة عن وصاية العقل في الوصول الى اللذة والسعادة تعويضا عما يعجز عن تلبيته قصورالعقل الذي يستوعبه الشعور وليس العكس في منظور ريكور، رغم حقيقة العقل دائما ما نجده يمثل الكليانية الشعورية النفسية والسلوكية لادراك الافضل بالوجود والسعي الحثيث لتحققه. وبهذا المعنى يعقل العقل ما هو قصدي في أختياره الارادة الحرة بالقرارالصائب، وشخصنة العقل للاشياء تتم بوسائل عديدة منها تشيييء الشعور في موضعته بقصدياته المتحققة بالحياة، والقصدية التي أشار لها كانط كمنهج ابستمولوجي يعلو فوق الوعي والعقل، هو ما عبّر عنه في تطابق الوجود والعقل.

بالتاكيد نذهب بالخطأ أذا أعتبرنا التطابق بين الوجود والعقل هو قصدية مطلوبة بذاتها لفهم العالم من حولنا، بل هي قصدية تتجاوز التطابق لما هو أسمى منه في تحقيق السعادة واللذة والسلام بالحياة. الحياة لا يكفي أن نفهمها بل أن نعيشها.

ما نحاول ترديده أن التطابق المنشود المتحقق بين الوجود والعقل ليس هو التكامل الساكن الثابت بينهما بل هو العلاقة الجدلية الحركية المتخارجة بينهما. وهذا ما يجعل الوجود يرتهن العقل ويصادره حسب ريكور عكس المطلوب الحقيقي في أرتهان العقل للوجود.أي وصاية العقل القصدية في وعيه الوجود ضمن نظام معرفي نسقي منظّم... العقل لا يطابق الوجود كغاية له بل كوسيلة لمعرفته وتفسيره.

(الشعور حسب تعبير كانط يشخصن العقل)، ولا يشخصن العقل الشعور، والشعور هو شخصنة العقل للذات والوعي بها، ونفهم من كانط أن شخصنة الشعور للعقل هو في أكتسابه الفرادة الاستقلالية دون وصاية العقل عليه، والثانية أن الشخصنة هي أمتلاك الذات الواقع والرغبات المكبوتة في تفعيل الارادة المتحررة نشدانها تحقيق السعادة واللذة في متوالية متناسلة لا تنتهي من الرغائب واللذات المتعاقبة التي تستحدثها الحياة بلا توقف وباستمرار دائم.

يذهب ريكور الى (أن الشعور لا يكون نفسه كليّانيا الا بوعي الكينونة الشخصانية، والشعور هو أكثر من هوية الوجود والعقل في الشخص، هو أنتماء الوجود نفسه الى الكائن الذي يكون فيه العقل هو الفكر).6 يمكننا استخلاص عدة نقاط بضوء التعبيرات التي مررنا بها لدى كل من كانط وريكور منها حسب عبارتيهما السابقتين ولا يعني هذا الاقرار بصحة هذه الاستنتاجات التي لنا عليها ملاحظات نتناولها لاحقا وهذا تلخيص لفكرة كانط وريكور عن الشعور:

- الشعور أسمى مرتبة من الوعي في الاهمية المتعالية على العقل، بدليل أن الشعور في نشدانه اللذة لا ينتظر ترخيص العقل له في شموليته الكليانية الاستيعابية التي من ضمنها تجاوز الشعورللوعي.

- الشعور بنية فكرية كليانية تتجاوز العقل في شخصنتها الوعي الفردي.

- الشعور هو سلوك العقل في الواقع بدليل أن الشعور أكثر أهمية من هوية الوجود والعقل حسب تعبير ريكور.

- الشعور يعلو على العقل بوصفه فكرا حسب تعبير ريكور.،

هنا بدءا علينا تأكيد وجهة نظرنا أن الشعور تكيّف سلوكي يقوده الفكر عقليا. ولا يعلو الفكر على العقل في كل الاحوال لأنه أي الفكر نتاج عقلي ولا أمكانية للوعي أو للشعور مصادرة العقل في استقلاليتهما الموهومة المنفصلة عن العقل كموضوعين ندرك بهما معنى السعادة بالحياة..

أعطاء بول ريكورالشعور في تنقيباته الفلسفية أهمية استثنائية متعالية راديكالية تجاه تجاوزه العقل في أعتباره الشعور هو المتحقق الوجداني في حصول اللذة والسعادة بما يركن العقل والوجود في الظل. يقودنا الى توكيد نزعة ايروسية فرويدية ترى في مركزية اللذة في الشعور الذي يقود العقل ولا ينقاد له في التحليل النفسي بأعتبار مبدأ اللذة هو اللامتناهي غير المحدود وغير المتحقق بأكتفاء ذاتي يتوقف في مرحلة عمرية معينة دون مرحلة لاحقة بعدها تليها في السعي لاشباع متوالية لا نهائية من اللذات المتعاقبة على طريق السعادة...ولا يغفل تحليل علم النفس الفرويدي أن اللاشعور أيضا هو مكمن السعي الدائمي نحو تحصيل اللذة وأشباع غريزة الجنس وكل لذّة مكبوتة لا يتاح للشعور أشباعها وصولا للسعادة الحكيمة غير الفوضوية بالفهم الابيقوري. بل ذهاب علم النفس مع اللاشعور أنه مكمن ومستودع الكبت الغرائزي الجنسي وغير الغرائزي كحاجات بيولوجية الذي في تحرر اللاشعور من كبتهما لاسباب موضوعية تقاطع تطلعات النفس المتحررة، يجعل من تحقيق السعادة والسلام للفرد غاية يمكن أدراكها وتحصيلها من خلال السعي عمليا اليها.

الشعور والمخاتلة المزدوجة

يثير بول ريكور في مبحثه ازدواجية الشعور(على أنه في سايكولوجيا الاعماق، يرد الشعور المعاش ما يعطي معنى ظاهري فقط للحياة، مما يتوجب حل رموز الشعور بتأويل خاص، فالمعنى الكامن هو المعنى الحقيقي الذي لا يكون معناه الظاهر بالنهاية سوى العرض، فالشعور موضوع كل الاقنعة، كل الاخفاقات وكل المخاتلات) 7 ربما يجوز لنا القول بضوء هذه الازدواجية للشعور، أنه نسخة مكررة بالعودة الى التحليل الفرويدي كمرجعية جاهزة في الفهم التقليدي المباشر بأعتبار اللاشعور وليس الشعور هو مكمن الرغبات المكبوتة والتوترات الدائمية في عدم التوافق والاختلاف مع المحيط الخارجي والمعيوش بالحياة وهو ما لم يأخذ ريكور به. والشعور هو القرين الواقعي لتفكير العقل بخلاف اللاشعور الذي تكون مدياته القصدية المكبوتة غير المتحققة أكثر شمولية وكليّانية تتجاوز مخاتلة عجز الشعور التعبير عنها..

مخاتلة الشعور التي يراها ريكور أنما هي انفصامية مخاتلة غير معلنة بالسلوك في تحرره الافتراضي المتعسف عن وصاية وهيمنة العقل، ومن المتعذر معرفة الشعور الحقيقي عن الشعور غير الحقيقي من خلال وصف الثاني بأنه أفصاح لأعراض هامشية لا قيمة حقيقية لها، بالقياس لما هو غير بائن ولا مفصح عنه مدّخر في مخاتلات كامنة غير معلنة خفية في الشعور يجب الوقوف عندها وتحليلها حسب ريكور للوقوف على صدقيتها من عدمه. وهذا الكمون الازدواجي غير الافصاحي للشعور هو في حقيقته لا يكون سوى في اللاشعور وليس في الشعور الذي هو قرين العقل لا كما يرغب ريكور تصوير الشعور المخاتل الذي لا يبيح لنا معرفة حقائقه في عرضه ما لا قيمة له من أخفاءات يعتمد الشعور أخفاءها وعدم البوح بها. الشعور قرين العقل بالتبعية واللاشعور قرين النفس غير العملية في التبعية.

من المتعذّر علينا أقرار أزدواجية الشعور المخاتلة خارج المنظومة الادراكية المتناغمة للعقل في أستقلالية الشعور عنه. ولما كان الشعور بهذه الازدواجية التي أشار لها ريكور أنما هو في حقيقته نزوع أستبطاني انفرادي مكبوت لا ندركه بغير تحققه في قصدية السلوك التي هي ممارسة المعيوش واقعيا، وهذا الفهم يحيلنا الى بقاء الشعور لغزا ميتافيزيقيا تتقاذفه المخاتلة المزدوجة بلا حل حقيقي طالما نحن نتعامل معه وفق ما يمليه علينا الشعور بما هو فكر يحمل قصدية سلوكية غير معلنة مكبوتة لا نعرفها بالعرضي من الافصاحات الشعورية الكاذبة.

فلماذا لا يكون أهتمامنا فرويديا باللاشعور أنه مستودع كبت الرغبات الغرائزية الفطرية منها والمكتسبة. وهي حقيقة علمية قارة تعيد مكانة الشعور المرتبط بالعقل الى وضعه الطبيعي فتكون الازدواجية في تعبيرات اللاشعور وليس في أفصاحات الشعور الزائفة التي يتوجب علينا أفتكاكها تحليليا... قد يكون قولنا الشعور لا يمكن أن يكون مخاتلا مخادعا خارج وصاية العقل عليه مقارنة باللاشعور الذي هو تداعيات كل المكبوتات المحرمة الغامضة التي تحتاج الكثير من التفسير والتحليل في بلوغ حياة سعيدة.علما أن اللاشعور لا وصاية للعقل عليه في تنظيم رغائبه الغرائزية واشباعها،فالعقل يقاطع اللاشعور في كبت ومنع رغائبه من الاشباع. كون العقل السوي ضمير اخلاقي يقاطع رغبات اللاشعور الجنسية وغير الجنسية المنحرفة بوصاية أخلاقيات المجتمع على أخلاقيات الفرد.

أن في تشكيكنا بعدم صدقية الشعور يحيلنا بالتعاقب الضروري المتلازم معه الى لا حقيقة القصدية التي ينشدها، وهو ما يقاطع ما سبق لنا الاقرار به هو أن حقيقة الشعور تكمن في قصديته تحقيق ما هو غير محزن ولا مؤلم ولا كئيب ولا كاذب ولا متوتر بالحياة التي يتوجب أن تكون خالية تماما من منغصات المعيوش لبلوغ السعادة.

كان الحرّي بريكور وضع التضاد الجدلي بين الشعور واللاشعور على بساط مناقشة أمكانية تحقق اللذة والسعادة بدلا من أعتباره الازدواجية أنما تقوم في مخاتلة وازدواجية الشعور فقط في تضليلنا عن لا أهمية اللاشعور في تفكير الانسان أشباع رغائبه المكبوتة كما يذهب له علم النفس علميا.

هذا التناقض الذي أثاره ريكور في ازدواجية الشعور نجده يتراجع عنه بعد أسطر قليلة قائلا: (أن المعنى الكامن غير المعلن عنه في الشعور، لا يمكن أن يكون سوى تاويل للمعنى الظاهري كالبحث عن أفضل مفهوم يتحرك في داخله الشعور من المعنى الاقل دلالة باتجاه المعنى الاكثر دلالة)8 واضح هنا الاقرار بأن ما يخبؤه الشعورحسب ريكور نستدل به على مقاربة معرفية في البحث عن الكامن فيه في تحليلنا ما يظهره الشعور من أفصاحات غير موثوقة هي بالتاكيد يجب أن تكون غاية التحليل في الوصول لافضل تعبير مفهومي(كاذب من قبلنا) الاكثر دلالة أمام عجزنا معرفة حقيقة الشعور المخاتلة... .

وبهذا المعنى المتقاطع في تحديد ازدواجية الشعور غير المشخصّة وفي وجوب فبركتنا أفضل المعاني كي ننقذ الشعور من ورطته في انقسامه المخاتل على نفسه، علينا التسليم أن ما يظهره الشعور من متناقضات هي مجمل الاخفاءات والتوترات التي يحملها الشعور والتي تحتم علينا البحث والتفتيش في ماواء هذه الافصاحات الشعورية الخادعة السطحية التي هي بتعبير ريكور عنها التفتيش عن ( تأويل المعنى الكامن للشعور لا يمكن أن يكون سوى تأويل المعنى الظاهري فقط الذي يمثل البحث عن أفضل مفهوم للامعنى أو المعنى الاخرق ).9

بهذا المعنى التأويلي الذي يرشدنا ريكور اتباعه نصل محطة وقوف حرجة هو أن الشعور بمجمله هو نوع من الزيف الافصاحي الذي يتوجب علينا التسليم به في معالجتنا لازدواجيته الخفيّة، وفي أحالة تاويلنا التحليلي لهذه الازدواجية في وجوب خلعنا أفضل معاني تسويق اللامعنى الكاذب بأفضل ما نمتلكه من تخريجات وتصورات انفصامية في تسويقنا الاخرق من صفات الشعور الكاذب الذي لا يقودنا الى تحقيق سعادة من أي نوع كان يرغبها الشعور...

 

علي محمد اليوسف /الموصل

..........................

الهوامش:

1- بول ريكور فلسفة الارادة، الانسان الخطاء، ترجمة عدنان نجيب الدين/ المركز الثقافي العربي ص 120

2- نفسه ص 121

3- نفسه ص 123

4- نفسه ص 160

5- نفسه نفس الصفحة

6- نفسه نفس الصفحة

7- نفسه ص 140

8- نفسه ص 145

9- نفسه ص 160

 

 

 

حاتم حميد محسنالفلسفة هي دراسة منهجية ونقدية للأسئلة الأساسية التي تبرز في كل من الحياة اليومية وفي تطبيقات الحقول الاخرى. بعض هذه الاسئلة يتعلق بطبيعة الواقع : هل هناك عالم خارجي؟ ما هي العلاقة بين المادي والذهني؟ هل الله موجود؟ البعض الاخر من الاسئلة يتعلق بطبيعتنا ككائنات عاقلة وهادفة واجتماعية: هل نحن نتصرف بحرية؟ من أين تأتي التزاماتنا الاخلاقية؟ كيف نبني دولة سياسية عادلة؟ هناك اسئلة اخرى تتعلق بطبيعة ومدى معرفتنا: ماذا يعني ان نعرف شيء ما بدلا من مجرد الاعتقاد به؟ هل كل معرفتنا تأتي من التجربة الحسية؟ هل هناك حدود لمعرفتنا؟ هناك لاتزال اسئلة اخرى تتعلق بأسس ومضامين مجالات اخرى: ما هو التوضيح العلمي؟ ما نوع المعرفة التي يوفرها العلم بالعالم؟ هل النظريات العلمية مثل نظرية التطور او ميكانيكا الكوانتم تجبرنا على تعديل فهمنا الفلسفي الأساسي،  وتجعلنا اكثر قربا من الواقع؟ مالذي يجعل الشيء عملا  فنيا؟ هل أحكام القيم الجمالية موضوعية؟ .

ان هدف الفلسفة ليس الاستيعاب التام لمجموعة من الحقائق بقدر ما هو التفكير الواضح والجاد في أي مجموعة من الحقائق. نحو تلك الغاية، يتدرب طلاب الفلسفة على القراءة النقدية، يحللون ويقيّمون الأحكام، يدركون الافتراضات المختبئة، يبنون حججا منطقية ويعبّرون عن أنفسهم بوضوح وبدقة في كل من الكلام والكتابة.

هذه أوصاف لبعض المجالات الأساسية في الفلسفة:

ايبستيمولوجي

وهي دراسة الأسئلة المتعلقة بالمعرفة والإيمان العقلاني .الاسئلة التقليدية تتضمن التالي: كيف نعرف ان الاشياء المادية العادية حولنا هي حقيقية (ليست من وحي الأحلام، او من تصورات الاضطراب الذهني)؟ ماهي العوامل التي تقرر ما اذا كانت العقيدة عقلانية ام غير عقلانية؟ ماهو الفرق بين معرفة شيء ما وبين مجرد الايمان به؟ (جزء من الجواب هو انك يمكن ان تحصل على ايمان زائف، لكن معرفة الاشياء تحصل فقط عندما تكون حقيقية. كذلك ربما تعتقد ان شيء ما حقيقي على اساس من التخمين الجيد،  وهو ما لم يكن معرفة) بعض الاسئلة الاخرى التي كانت مؤخرا عرضة لنقاش حاد في الابستيمولوجي تتضمن: هل يمكن لشخصين لديهما نفس الدليل ان يكونا عقلانيين تماما في الايمان بعقيدة مضادة؟ هل يمكن لي عقلانيا ان احتفظ بعقيدة موثوقة حول مسألة أعلم عنها ان هناك اخرين مثلي من حيث الذكاء وعدم التحيز، توصلوا الى استنتاج مضاد؟

الميتافيزيقيا

الميتافيزيقا هي دراسة ماذا يشبه العالم او ممّا يتألف الواقع. الاسئلة الميتافيزيقية يمكن ان تتخذ عدة اشكال حول الوجود (اسئلة الانطولوجي)، انها يمكن ان تكون اسئلة تتعلق بما هو أساسي (كمضاد للاشتقاقي)، وانها يمكن ان تكون اسئلة تتعلق  بما هو صفة موضوعية للعالم (كمضاد لمجرد  نتيجة الطريقة التي تتفاعل بها المخلوقات مع العالم). الاسئلة المركزية لدراسة الميتافيزيقا تتضمن اسئلة حول طبيعة الاشياء، الافراد، الزمن، المكان، السببية، قوانين الطبيعة. الدراسة الصارمة لهذه الاسئلة  قادت الميتافيزيقيون لعمل ادّعاءات مدهشة. افلاطون اعتقد انه بجانب العالم المادي المُلاحظ،  هناك عالم الخلود،  عالم الكينونات غير المتغيرة كالخير والجمال والعدالة.

ليبنز ادّعى ان العالم مركب من ارواح صغيرة لاتقبل القسمة تسمى (monads). حتى الميتافيزيقيين المعاصرين شككوا بوجود  الاشياء العادية، وانكروا امكانية الرغبة الحرة، وجادلوا ان عالمنا هو مجرد عالم من عوالم متعددة.

المنطق

وهو دراسة صلاحية أشكال الاستدلال. هو ليس فرعا من السايكولوجي: انه لايهتم بالكيفية التي يفكر بها الناس حقا او اي نوع من التفكير يجدونه مقنعا بالبداهة. بل، يهتم المنطق بالسؤال عندما يُدعم الادّعاء   وبشكل حاسم  بادّعاءات اخرى. فمثلا، الاستدلال من الادّعاءات "انها تمطر" و "اذا كانت تمطر عندئذ الشوارع رطبة" الى الادّعاء "الشارع ندي" هي صالحة منطقيا – المقدمات تدعم بقوة الاستنتاج. ان صلاحية هذا الاستدلال المحدد، والاستدلالات الاخرى من نفس الشكل، ترتبط بطبيعة المفهوم "اذا .. عندئذ". وبعمومية أكبر، ان فكرة الصلاحية المنطقية مرتبطة بإحكام بطبيعة المفاهيم مثل "و"،  "او"، "ليس"، "لو .. عندئذ"، "كل"،  "بعض". عند دراسة فكرة الصلاحية المنطقية، طوّر المنطقيون لغات رمزية. هذه تمككّننا من إعلان الادّعاءات بوضوح وبدقة، وان نحقق في نفس البناء من الجدال. هذه اللغات الرمزية ثبت انها مفيدة في الفلسفة والحقول الاخرى بما فيها الرياضيات وعلوم الكومبيوتر. بعض الاسئلة حول المنطق التي تمّت دراستها من قبل أعضاء في قسم الفلسفة تتضمن: كيف يمكن لنا امتلاك معرفة بالحقائق المنطقية الاساسية باعتبار ان المنطق ليس علما تجريبيا؟ ما هو الربط بين المنطق والعقلانية؟ هل يمكن اختزال الرياضيات بالمنطق؟ هل يجب علينا تعديل المنطق للتخفيف من غموض وعدم دقة اللغة؟ هل يجب علينا تعديل المنطق للاجابة على المفارقة الكاذبة liar paradox والمفارقات الاخرى المتصلة بالحقيقة؟(1)

الفلسفة السياسية

وهي الدراسة الفلسفية للمفاهيم والقيم المتصلة بالمسائل السياسية. مثال على ذلك، هل هناك أي التزامات اخلاقية لتنفيذ ما تقول به القوانين فقط بسبب ان القوانين تقول هكذا، واذا كان الامر هكذا فعلى أي أساس؟ العديد من الناس يوافقون على الطاعة . هل انت تقبل بطاعة القوانين؟ هل يمكن لأحد الموافقة على طاعة القوانين بدون ادراكها؟

هل هناك اسس اخرى للالتزام بطاعة القانون؟ سؤال مركزي آخر هو ما الذي يُعتبر كتوزيع عادل لكل الثروات والفرص الممكنة للعيش في جماعة سياسية؟ هل اللامساواة في الثروة او الدخل هي غير عادلة؟ الكثير من اللامساواة الاقتصادية السائدة هي نتيجة اختلاف المواهب، اختلاف فرص الطفولة، اختلاف الجنس، اختلاف المواقع الجغرافية. ما الذي يبرر اللامساواة التي تعود ببساطة للحظ السيء؟ البعض يقول ان اللامساواة يمكن ان توفر حوافز لإنتاج او ابتكار المزيد، والذي ربما يفيد الجميع. آخرون يقولون  ان العديد من الخيرات تعود الى الافراد قبل دخول القانون في العملية، وان الناس ربما يستبدلونها عندما هم يستفيدون منها حتى عندما تؤدي الى ان يمتلك البعض الكثير قياسا بالآخرين. لذا، فان (السؤال الثالث)، ماذا يعني ان شيئا ما لك، وما الذي يجعله لك؟

فلسفة اللغة

فلسفة اللغة تتعلق بدراسة الاسئلة المتعلقة بالمعنى والاتصال.  هذه الاسئلة تتراوح من تلك التي تتفاعل بقوة مع النظرية اللغوية الى الاسئلة التي هي مجرد اكثر قربا لتلك الاسئلة البارزة في دراسة الادب. عدد كبير من الاسئلة تتضمن: ما هو المعنى اللغوي؟ كيف يكون معنى الآداء اللغوي مشابها او مختلفا عن معاني مثل الاشارات؟ ما هي العلاقة بين اللغة والفكر؟ هل الفكر اكثر جوهرية من اللغة؟ ام هل هناك معنى تستطيع فيه المخلوقات الناطقة فقط التفكير؟ الى اي مدى تؤثر البيئة الاجتماعية على المعنى واستعمال اللغة؟ اسئلة اخرى تركز على المظهر الاتصالي للّغة، مثل : ماذا يعني ان نفهم ما قاله شخص آخر؟ ماذا يعني ان تزعم شيئا؟ كيف يرتبط الزعم بالمعرفة والعقيدة؟ وكيف نستطيع الحصول على معرفة من الآخرين من خلال اللغة؟ مع ذلك، هناك اسئلة اخرى تركز على خصائص معينة للّغة مثل، ماذا يعني ان يكون هناك اسم لشيء معين؟ ما هي العلاقة بين معاني الكلمات ومعاني الجمل؟ هل هناك اختلاف هام بين الاستعمالات الحرفية والاستعمالات المجازية للّغة؟ ماهي الاستعارة؟وكيف تعمل؟

الفلسفة الاخلاقية

الاخلاق هي دراسة ما يجب ان نقوم به وأي نوع من الناس يجب ان نكون نحن. الاخلاق تنظّر  في ما يجعل الافعال صحيحة او خاطئة وما الذي يجعل المحصلات جيدة ام سيئة، وايضا حول اي الحوافز وسمات الشخصية نعجب بها والتي يجب تربيتها. بعض الاسئلة الاخرى التي يسعى الاخلاقيون الاجابة عليها ترتبط بقوة بالاسئلة المركزية. انها تتضمن: ماذا يعني التصرف الحر؟ تحت أي ظروف نحن مسؤولون عن افعالنا الجيدة والسيئة؟هل الادّعاءات الاخلاقية صحيحة وزائفة في آن واحد، مثل الادّعاءات العادية الوصفية حول عالمنا، واذا كانت كذلك فما الذي يجعلها هكذا؟

تاريخ الفلسفة

يلعب تاريخ الفلسفة دورا خاصا في دراسة الفلسفة. الفلسفة مثل أي حقل فكري آخر،  لها تاريخ. ولكن،  في حالة الفلسفة فان فهم تاريخها – من العصر القديم الى القرون الوسطى مرورا بالفترة الحديثة ومن ثم الى الاكثر حداثة – تشكل جزءا حيويا في مشروع الفلسفة سواء في الميتافيزيقا او الابستيمولوجي او الاخلاق والجماليات والفلسفة السياسية. لكي ندرس الأعمال الفلسفية الكبرى للماضي هي ان نتعلم حول الاصول والافتراضات المسبقة للعديد من المشاكل التي تشغل الفلسفة اليوم. انها ايضا ان نكتشف ونقدّر مختلف الطرق في التعامل مع هذه المشاكل، مختلف التصورات عن المشاكل الجوهرية للفلسفة. وانها ايضا دراسة أعمال الفلاسفة – من افلاطون وارسطو مرورا بكانط و مل حتى الكتّاب الآخرين – التي طبعت معظم الثقافة الغربية في ما وراء الفلسفة الاكاديمية. العديد من اعمال الفلاسفة المبدعين اليوم كُتبت ايضا حول مختلف المواضيع في تاريخ الفلسفة ووجدت إلهامها في الرموز الكبيرة للماضي.

لماذا ندرس الفلسفة؟

هذا السؤال ربما يُفهم بطريقتين: لماذا ينشغل المرء في نشاطات فكرية معينة من التحقيق الفلسفي؟وكيف ان دراسة الفلسفة  تؤثر على المستقبل المهني للدارسين؟

1- الفلسفة كفعالية فكرية لها عدد من المحفزات:

ا- الفضول الفكري: الفلسفة هي تحقيق نقدي فكري يتحفز بالاحساس بـ "الدهشة الفكرية". ماذا يشبه العالم؟ لماذا هو بهذه الطريقة بدلا من غيرها؟ منْ انا؟ لماذا انا هنا؟

ب - الاهتمام بالثقافة وبالتاريخ الثقافي: الفلسفة كحقل تولي اهتماما كبيرا لتاريخها، وللسياق الفكري والثقافي الأوسع الذي يتكشف فيه هذا التاريخ.

ج- صقل المهارات الفكرية: ان دراسة الفلسفة تتناسب خصيصا مع تطوير مختلف المهارات الفكرية المنخرطة في تحليل المفاهيم ونقد الافكار، وفي سلوك التفكير السليم  والمحاججة، من المهم التأكيد على ان التحقيق الفلسفي يعزز ايضا الابداعية الفكرية (يطور مفاهيم جديدة او اتجاهات جديدة للمشاكل، مشخصا مشاكل جديدة وهكذا).

د- صقل المهارات الكتابية: الكتابة في الفلسفة هي بالذات شائكة بمقدار ما تتطلب من مستوى عالي من الوضوح والدقة والتنظيم.

2- تأثير الفلسفة على مستقبل العمل المهني :

بعض االمهتمين في الفلسفة يستمرون في العمل في المدارس الفلسفية ليتعلموا الـ PhD في الفلسفة. معظ هؤلاء يصبحون اساتذة في الفلسفة، والذي يعني ان حياتهم المهنية تُخصص للبحوث والتعليم في الفلسفة.

3- التركيز غير المحدود للفلسفة : في الحقيقة، ان المهارات التي يطورها الطلاب هي قابلة للنقل الى عدد واسع من الفعاليات المهنية مثل تطبيق التحليل والمحاججة على ممارسة القانون، امثلة اخرى قليلة تتضمن تطبيق التحليل والمهارات النقدية في مجال الصحافة وبنوك الاستثمار والكتابة، كذلك يمكن استخدام التعليم الفلسفي للعمل في مبادرات الأعمال، النشاط الاجتماعي والسياسي وحتى الفنون الابداعية.

 

حاتم حميد محسن

................

الهوامش

(1) مفارقة الكذب هي مفارقة منطقية تنتج عن النظر بادّعاء مثل "هذا القول كاذب". اذا كان هذا الادّعاء صحيحا، معنى ذلك هو كاذب، اما اذا كان كاذبا فذلك يعني انه صحيح.

 

 

 

علي رسول الربيعيلم يلعب الدين أي دور مهم في منظور فيرولي الجمهوري السابق. ولاتأخذ جمهورية فيرولي[1]  الدين في نظر الأعتبار، وتقاطع فيرولي في كتابات أخرى مع ما يقوله بعض المفكرين الجمهوريين حول العلاقة بين الدين والجمهوريّة. لكن يعبر فيرولي، في عمله الأحدث، عن منظور يعتمد على أحد الفلاسفة الجمهوريين التقليديين الذين يعبرون في الغالب عن رؤية مفيدة حول الدين أقصد: نيكولو مكيافيلي. مهد تطوير فيرولي لنوع معين من الجمهورية الطريق لتركيزه على الدين كعنصر رئيس لإحياء التقليد الجمهوري. فبينما يشترك الجمهوريين مثل بيتيت مع راول  الذي  يلتزم بمركزية العقل العمومي في السياسة، يؤكد دفاع فيرولي عن الجمهورية على مركزية العواطف وحب الوطن والخطاب، يهتم فيرولي، كرد فعل على  ما يعاني العقل العمومي كما الليبرالية من  ضعف الولاء السياسي، على أهمية "حب الوطن" والفصل بين صيغة تعددية للوطنية باعتبارها خلاصة الفضيلة المدنية وبين التعصب والاستبعاد القومي.[2] ويصبح مكيافيلي طبقا لتفسير فيرولي له  ليس ذاك الذي يفكر وفق حسابات  العقل البارد  بطريقة آليًة  ويصبح  عنده خبيراً في السياسة الواقعية، وشخصية مدفوعة كثيراً بعاطفة حب الوطن (more della patria). لا تحتاج الوطنية والحرية إلى تجانس اجتماعي أو ثقافي أو ديني أو عرقي. إذا كان الوطن أقل من جمهورية بالمعنى الكلاسيكي ، فلا يمكن للمواطنين أن يكونوا فاضلين: لا يمكنهم أن يحبوا دولة تعاملهم ظلما (على الرغم من أنهم يفعلون ذلك في بعض الأحيان). إذا كان الوطن جمهورية جيدة خيرة ربما تصل الفضيلة المدنية إلى أقصى حد. ولكن قد، قد يتدهور المواطنين أيضًا إلى حب متعصب للوحدة، وليس حب المواطن السياسي. هذا يعني أنه لكي نرى النوع الصحيح من الوطنية ينمو، لا نحتاج إلى تعزيز التجانس والوحدة ولكننا نعمل على تعزيز ممارسة وثقافة المواطنة.[3]

يستمر التركيز على الدين كمركز للعواطف والخيال في عمل فيرولي حول الجمهورية الوطنية: فيمكن أن يكون حب الله وحب الحرية وحب الوطن متداعمين. يضيف فيرولي الدين إلى تفسيره السابق لـ مكيافيلي الذي يركز على حب الوطن.  فيجادل بأن لم يكن مكيافيلي ضد الدور العام للدين المسيحي أبدًا، حيث فسره على أنه دين الفضيلة العامة والمشاركة من أجل خير البلاد.[4] وحجته هي أن مكيافيلي لا يؤكد فقط أن الحرية الجمهورية تحتاج إلى دين يغرس ويدعم الإخلاص للصالح العام ولكن أيضًا أن الدين المسيحي ، إذا تم تفسيره بشكل صحيح ، مناسب لخدمة هذه المهمة المدنية. ليس الدين، طبقاً هذا التفسير، أداة مفيدة للمؤسسات السياسية القائمة فقط، ولكن  السعي إلى الدفاع عن الحرية السياسية جزء لا يتجزأ من الغايات الدينية في المقام الأول. وهكذا يلعب الدين دورًا تأسيسيًا من خلال التعريف الداخلي للروح الجمهورية: فدعا مكيافيلي إلى دين جوهري لروح الشعب، "من شأنه أن يترجم إلى شعور بالواجب المدني وحسن الروح الحقيقية: ليس أداة للمملكة، بل أداة للحرية. الدين، أذن ، كما هو وسيلة هو غاية.[5]

يجادل فيرولي بأن ورثة هوبز والتقليد الليبرالي قد قاموا بتهميش دور بلاغة الخطاب والفضيلة في السياسة  مما أدى الى تلاشي الشعور بالمواطنة وبقيم الجمهورية. يجب على الدين المدني المعاصر أن يبتعد عن المسيحية المذهبية ليُفسر مرة أخرى على أنه دين الحرية، المتميز عن تجسيداته المؤسسية المحددة أو التي حصلت في التاريخ. إن موضوع هذا الدين هو المواطن الجمهوري: فيعترف فيرولي بأهمية تجديد مفهوم بيتيت للحرية، بأعتبار أن عدم الهيمنة يعبر بشكل فعال عن السمة الأساسية للحرية كما تظهر في التقليد الجمهوري. لكن ضعف نهج بيتيت الجمهوري هو التركيز الحصري على مثال سلبي للحرية لا يفسر كيف يمكن أن يصبح عدم الهيمنة في الواقع عاملاً يقدم شكلًا إيجابيًا للمواطنين. إن فرض عدم الهيمنة ممكن في المجتمعات المعاصرة ، كما كان الحال في المجتمعات القديمة، فقط كثمرة للالتزام الفاضل للمواطنين بدلاً من كونه نتاجًا للتصميم المؤسسي والسياسات المستنيرة.  وليس الأخلاق المجردة للحقوق والواجبات كافية أيضًا. فيحتاج نوع التفاني العام والخطاب السياسي الذي يحرك القلوب والعقول بدلاً من ذلك إلى أن يكون مستوحى من البلاغة العامة وروح الشعب الحقيقية التي هي نموذج للأديان، بنفس الطريقة "كما لو كان الله موجودًا".[6]

تؤكد جمهورية فيرولي على (i) دور الفضيلة المدنية كشرط  بنيوي لتجنب انحطاط الديمقراطية إلى الشعبوية والديماغوجية. ويتطلب هذا حماية الحرية الجمهورية من المواطنين (ii) التزاماً أخلاقيأً شاملاً بالحرية يتجاوز الاحترام المتبادل، ليشمل بعدًا من اليقظة وضبط النفس والشهادة أشبه بأشكال التفاني الديني أكثر من مبادى الأخلاق العامة.

حتى إذا كان تشخيص فيرولي لقصور الخطاب السياسي المعاصر مقنعًا، فإن منهجه يعاني من مشاكل عملية ومعيارية. ثم إن التركيز على الفضيلة المدنية المتبعة كدين للحرية أمر شاق للغاية والاعتماد الشديد على رؤية مكيافيلي السياسية يسلط الضوء على بعدنا عن سياقه التاريخي أكثر مما يضيء سياقتنا. يعتبر تبني السمات الدينية والأخلاقية للمسيحية في القرن الخامس عشر والسادس عشر إشكالية معيارية لكل من المتدينين وغير المتدينين. يعترض المتدينون على استعمال المفاهيم والقيم الدينية المجردة من  جوهرها الديني الأصيل: أنها شكل من أشكال الدين المدني بدون دين. من ناحية أخرى، سيرى غير المتدينين  فيها خطر الهيمنة. الاعتماد الكبير على شكل جوهري من الخطاب الأخلاقي، من خلال تعزيز بعض الفضائل والعواطف، سينتهي به المطاف إلى التدخل في الحرية المدنية - بافتراض أن هذا الشكل من الأخلاق يخدم مصلحة الجميع.

يقدم نوربرتو بوبيو في حوار نقدي مع فيرولي[7] توضيحًا  لهذه النقاط بالقول (i) من الأفضل أن تُفهم السياسية بوصفها مسألة قوة وإكراه ، كما ادعى هوبز. اوأن لسلطة السياسية ضرورية لأن معظم المواطنين ليسوا فاضلين على الإطلاق. إن نقطة البداية للترتيبات السياسية ليست الفضيلة، بل الافتقار إليها وما يترتب على ذلك من تبرير للاستخدام المشروع للسلطة. (ii) أن دور الأديان مهم اجتماعياً، ولكن يجب عدم تسييسه حتى لا يقوض الحرية المدنية. لا يمكن تجنب احتواء التأثيرات المهيمنة للدين عن طريق استبداله ببعض البدائل العلمانية، لأن الأوجه المثيرة للإعجاب والخطيرة للدين متشابكة للغاية. يجادل بوبيو بأن  الأحسان  والمحبة في الكاثوليكية تحفز الناس على التضحية بأنفسهم من أجل قضية أولئك الذين تبدو آفاقهم في الحياة الجيدة غير متوفرة تقريبًا كما في الطريقة التي قد تقلدها وتحاكيها الأيديولوجيات العلمانية. لا يلعب الإيمان اللاهوتي والمعتقدات الأخروية دورًا عرضيًا هنا، بل دورًا جوهريًا، نظرًا لأنها توفر منظورًا متفائلًا حيث لا توفره النظرة العلمانية.

يشكك هذا الاعتراض الثاني في قابلية تحويل اللغات والطقوس والدوافع الدينية إلى أشكال مؤسسية غير دينية. لا يمكن اختزال الدين بسهولة إلى مجرد جزء من الأجزاء التي يمكن عزلها وأخذها واستخدامها لأغراض سياسية. حتى بافتراض أن تفسير فيرولي لوجهة نظر مكيافيلي بشأن الدين هو أمر سليم، 51 فأن تجسد الدين المسيحي في فلورنسا تاريخياً في ممارساته ومعتقداته التي نظمت حياتة الناس الخاصة والعامة لا يمكن تكراراها في الديمقراطيات  في الزمن الحاضر. إن تفكيك الدين وإعادة تفسيره للأغراض المدنية في القرن الحادي والعشرين هي مهمة تنطوي على تفكيك عناصر من الدين لم تكن ضرورية لمكيافيلي. عندما يدعو فيرولي إلى إعادة تمثيل الدور المدني للدين من خلال أشكال جديدة من الالتزام العلماني العميق بالحرية الجمهورية، فهو لا يقترح تفسيرًا مختلفًا للكاثوليكية أو البروتستانتية فقط ، بل بالأحرى عملية هندسة عكسية  للدين المسيحي. تشبه هذه الخطوة بعضًا من شرط ترجمة هابرماس ( أيً تحويل اللغة الدينية الى لغة علمانية لتكون مقبولة للجميع): يهدف فيرولي إلى الحفاظ على السمات التحفيزية والخطابية للدين، بينما يركز هابرماس على المصادر المعرفية المتضمنة أو المترسخة في المعتقدات الدينية. يفترض كلاهما أنه يمكن الحفاظ على بعض مكونات الدين أثناء علمنة الآخرين، مثل الخلفية الميتافيزيقية لجوهرللمعتقدات أو قلبها، أو اللجوء إلى سلطة الكتاب المقدس، أو العلاقة التأويلية بين المعتقد الديني والممارسة الدينية داخل المجتمع. يهدف اللجوء الأداتي للدين والمقاربة التحويلية إلى إنقاذ سماته المفيدة سياسياً فقط لكنها تتجاهل طريقة عيش الدين وممارسته من قبل المتدينين. المراجع الدينية ذات أهمية سياسية طالما أنها على غرار النموذج الذي تفترضه هذه المفاهيم في الأديان التي يمارسها المواطنون فعلا. يعتمد الدين المدني على المحتوى والخطاب والمصادر التحفيزية للتقاليد الدينية. إن اللجوء لوجهة نظر شاملة واحدة حصريا غير مناسب لبناء الحياة السياسية في البيئات التعددية. ومع ذلك، فإن إنتقاء بعض العناصر الأخلاقية والخطابية من وجهات نظر متعددة لخلق روح جمهورية ملفقة لا يحل هذه الصعوبة ، لأنه يؤدي إلى مجموعة مختلطة غريبة عن المتدينين وغير المتدينين على حد سواء. يسعى المواطنون، من خلال الإجراءات الديمقراطية، إلى ترتيب سياسي متوافق، أو على الأقل ليس على خلاف، مع تفسيراتهم الشخصية للأخلاق والخلاص. إن الأحتكام الى  نجاح هذه التفسيرات من خلال الرموز والأشكال المألوفة للكلام يتطلب مصادر تحفيزية قوية، وبالقدر نفسه القطيعة عن المحاولات الفاشلة.

قد تفرض المؤسسة الجمهورية إطارًا رمزيًا وخطابيًا شاملاً باعتبارها العمود الفقري لولاء المواطنين يكون عقبة أمام اندماج الأقليات. يجب التعبير عن طقوس ورموز الولاء السياسي بطرق متنوعة تستوعب الطبيعة التعددية للمجتمعات الديمقراطية، مع الاستمرار في التعبير عن التزام أخلاقي معترف به.  كما في الدور الذي يؤديه أداء قسم المنصب الذي يدل، في هذا المعنى على وظيفة طقسية مهمة. وإن الأحتكام الى بعض السلطات الدينية أو الأخلاقية الملزمة التي تتجاوز سلطة أولئك المسؤولين هي قيمة رمزية مهمة: فالأشكال الدينية والعلمانية تعبر عن هذا الأحتكام  أو هذه التأكيدات باشكال مختلفة. علاوة على ذلك، يمكن الوصول إلى الفكرة المعيارية الأساسية في كلتا الحالتين. علاوة على ذلك ، يُسمح للمسؤولين المنتمين إلى الأقليات الدينية بأداء القسم على نصوصهم المقدسة. تخضع الطقوس والرموز السياسية في منظور عدم الهيمنة لحق الطعن  كلما رأت مجموعة أو فرد أنها تعبير عن مؤسسات مهيمنة أيضًا.

يمكن أن يقدم الدين مساهمة  تتصل بالتعبير العملي والتمثيلي للمفاهيم الأساسية للحرية والتضامن والسمو والرفعة. وإلى أي مدى يمكن إضفاء الطابع المؤسسي على هذه المساهمة من خلال الطقوس والخطابات التي تشير إلى المجال الديني للمعاني. إنه  يعتمد على عوامل تاريخية واجتماعية متباينة. كما أن تخفيف  من المراجع الدينية لجعلها متوافقة مع المجال العام المتوتر بشكل متزايد ينتهي به الأمر إلى جعل مساهمتها أقل أهمية. من المرجح أن تحترم الاستراتيجيات المختلفة للخطاب الديني أصالة التفسيرات والآراء الدينية وأهميتها أكثر من اللجوء الى الأشكال العامة من الأخلاق وإضفاء الطابع المؤسسي على الدين المدني المخفف.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.........................

[1] Viroli, M. (2001) Republicanism.

[2] Nussbaum, M. (1997) Cultivating Humanity: A Classical Defence of Refom1 in Liberal Education,

Cambridge, MA: Harvard University Press.

[3] Viroli, M. (1995) For Love of Country. An Essay on Patriotism and Nationalism. Oxford: Oxford

University Press.

[4] Viroli, M. (2010) Machiavelli's God.148.

[5]. م، ن،ص 5-6

[6] Viroli, M. (2012) As if God Existed: Religion and Liberty in the History of Italy. Princeton, NJ: Princeton University Press.

[7] Bobbio, N. and Viroli, M. (2003) The Idea of the Republic. Cambridge, UK: Polity Press.

 

 

حاتم حميد محسنمقدمة: نظرية العدالة لجون رولز (1971) هي من أهم الأعمال التي كُتبت في الاخلاق والفلسفة السياسية في القرن العشرين. هذه النظرية هي محاولة من جون رولز لصياغة فلسفة للعدالة وبرنامج نظري لبناء هياكل سياسية مصممة للحفاظ على العدالة الاجتماعية والحرية الفردية. كتب رولز نظريته كرد فعل للنظرية االسائدة آنذاك وهي النظرية النفعية، التي تؤكد بان العدالة هي التي تتوفر بها اكبر المكاسب المرغوبة لأكبر عدد من الناس. يفترض رولز وجود شخص نظري مختبئ وراء حجاب من الجهل، يجب ان يصمم مجتمعا عادلا بدون معرفة سابقة بمكانته في ذلك المجتمع. يعلن رولز بانه انطلاقا من هذه الرؤية الموضوعية التي يسميها (الوضع الأصلي)، فان الفرد سوف يختار نظام للعدالة يوفر ما يكفي لاولئك الذين يقعون في أسفل سلّم المجتمع. الفرد سيقوم بهذا لأنه ربما ينتهي به الامر بمثل هذا الموقف السيء و يريد ان يتوفر له ما يكفي لسد حاجاته. يسير رولز على خطى النظريات المبكرة للفلسفة السياسية. حيث يعرض عقدا اجتماعيا بواسطته يوافق الافراد ضمنيا على القوانين التي يُحكمون بها في أي مجتمع. يستنتج رولز ان مثل هكذا عقد اجتماعي، صيغ من منظور الوضع الأصلي، سوف يضمن مجتمعا عادلا بدون التضحية بسعادة وحرية أي فرد آخر. يعالج رولز قضايا الحرية والمساواة الاجتماعية والديمقراطية وصراع المصالح بين الفرد والمجتمع.

 نقد النفعية Utiliterianism

طوال القرن العشرين، كانت النفعية هي النظرية الفلسفية السائدة للسعادة في الغرب. النفعية طُوّرت اولا في القرن التاسع عشر من قبل النفعيين الكبار امثال ديفد هيوم وآدم سمث و جيرمي بنثام وجون ستيوارت مل. تؤكد النفعية اساسا على ان المجتمع العادل هو المجتمع المرتكز على تحقيق أعظم الخير او السعادة لأكبر عدد من الناس. غير ان العديد من المنظّرين وجدوا هذا المبدأ غير مقنع لأنه ينطوي على ان سعادة الأقلية من الناس سيتم التضحية بها من أجل ضمان سعادة الاكثرية.

انتقاد رولز الرئيسي لنظرية المنفعة هي انها لا تميّز بين سعادة اي فرد والمجموع الكلي للسعادة في المجتمع ككل. هو يستنتج: "المنفعة لا تأخذ بشكل جاد الاختلافات بين الافراد".(1)

نقد البداهة Intuitionism

المدرسة الاخرى المهيمنة في النظرية الاخلاقية في القرن العشرين كانت نظرية البداهة، وهي طبقا لرولز ايضا غير مقنعة. البداهة طُوّرت اولا في القرن الثامن عشر، وتؤكد ان الناس يحوزون على احساس فطري بديهي في العدالة والاخلاق. رولز وفي نظريته العدالة كإنصاف يعترف بأن المرء لايمكنه ابدا التحرر كليا من مقدار معين من البداهة . غير انه، يقترح عدة وسائل تجريبية لتقليل درجة البداهة الداخلة في العملية. اساسا، هو يعالج ما يسميه مشكلة الأفضلية، التي بواسطتها تفشل البداهة في تأسيس وسيلة لتقييم الاهمية النسبية لأي مبدأ أخلاقي تجاه الآخر. رولز يقترح كعلاج لمشكلة الافضلية ان مبادئ معينة للعدالة يتم ترتيبها في سلّم وفقا للأهمية، لكي يمكن للأول ان يأخذ أسبقية على الثاني وهكذا.

العدالة كإنصاف

في (نظرية العدالة)، يبدأ رولز بالقول " ان العدالة هي أول فضيلة للمؤسسة الاجتماعية"، يعني ان المجتمع الجيد هو ذلك المجتمع الذي يُبنى طبقا لمبادئ العدالة. يزعم رولز ان النظريات السائدة للعدالة التي برزت في حقل الفلسفة، هي ليست كافية:"الهدف المرشد لي هو ان أعمل نظرية في العدالة تكون بديلا حيويا لتلك المذاهب التي سيطرت طويلا على تقاليدنا الفلسفية". هو يسمّي نظريته التي – تهدف الى صياغة تصوّر للبناء الاساسي للمجتمع طبقا للعدالة الاجتماعية – بـ العدالة كإنصاف. يبدأ رولز بتقرير المبادئ الأساسية للعدالة التي يرتكز عليها المجتمع الجيد. هو يوضح أهمية مبادئ العدالة لغرضين:

اولا، لتوفير طريقة لتعيين الحقوق والواجبات في المؤسسات الأساسية في المجتمع.

ثانيا، لتحديد التوزيع الملائم للفوائد والأعباء في المجتمع. هو يلاحظ ان المجتمعات المنظمة جيدا هي نادرة بسبب حقيقة ان "ما هو عادل وغير عادل هو عادة في خلاف". هو يلاحظ ايضا ان المجتمع العادل والمنظم جيدا يجب ان يُصاغ بطريقة تعالج مشاكل "الفاعلية والتنسيق والاستقرار".

يعتقد التعاقديون ان الحقوق يجب ان تتأسس وفق اتفاق متبادل او عقد اجتماعي بين الأطراف. العقد الاجتماعي هو ليس وثيقة حقيقية متفق عليها، مثل عقد مسؤولية الضرر ، وانما هو افتراض نظري. الموضوع هنا هو ليس ماتتفق عليه الاطراف في العقد وانما ما ستتفق عليه في موقف افتراضي. جون رولز طوّر أهم نظام تعاقد اجتماعي للعدالة.

الوضع الأصلي

لكي يصنع نظاما يرتكز عليه المجتمع العادل، يفترض رولز انسانا افتراضيا يضع اختياراته في ظل وجود قناع من الجهل. رولز يتصور انسانا يجب ان يصمم مجتمعا لا يعرف فيه سلفا ما لديه من مكانة اقتصادية او اجتماعية. من منظور هذا القناع من الجهل بمصيره، رولز يجادل بان المرء يمكنه ان يسعى فقط لخلق مجتمع بواسطته تتوفر للأقل حظا وسائل كافية من السعادة طالما قد يجد المرء ذاته بالضبط في ذلك الموقف. يشير رولز لهذا المنظور الافتراضي بالوضع الأصلي. هو يشير الى ان الفرد الافتراضي في الوضع الأصلي يجب ان يكون مفكرا عقلانيا.

االمشكلة التي تواجهها أي نظرية تعاقدية هي كيف تجعل الاطراف المتعاقدة تضع أفضليات لتصورات العدالة بطريقة موضوعية و غير منحازة. لهذه الغاية، رولز يجعلنا نتصور الاطراف المتعاقدة تختبئ وراء "حجاب من الجهل"، جُردّوا فيه من أي معرفة بالاشياء الخاصة حول انفسهم. اي ان الاطراف المتعاقدة لايعرفون من أي عرق هم ، أي دين، او ما اذا كانوا ولدوا في عائلة فقيرة ام غنية، او مع إعاقة بدنية او ذهنية وهكذا. من ظروف الجهل هذه ، تتفق الاطراف على مبادئ العدالة.

الغاية من الوقوف وراء حجاب هي لمنع الافراد من محاولة الحصول على مكاسب غير عادلة لأنفسهم. اذا كنت لا تعرف منْ يملك رأس المال، عندئذ يكون من الصعب معرفة ماذا سيخلق من استحقاق للفرد. وكما يشير رولز .. يبدو من المعقول والمقبول عموما ان لا أحد يجب ان يكون محظوظا او محروما بفعل نصيبه الطبيعي او بفعل الظروف الاجتماعية في اختيار المبادئ .. حيث يتم استبعاد المعرفة بتلك الحالات الطارئة والخاصة التي تضع الناس في شذوذ وتسمح لهم ليسترشدوا بأحكامهم المسبقة. بهذا الاسلوب، يتم الوصول الى حجاب الجهل بطريقة طبيعية (ص 18-19). حالما تُسلب المعرفة بالحالات الطارئة، فان الافراد المتبقين يسميهم رولز "شخصيات اخلاقية"، افضلياتهم غير متحيزة بمثل هذه الخصوصيات وبالتالي لن تكون لهم سلطة. بكلمة اخرى، في الوضع الاصلي هناك مساواة اخلاقية اساسية بين الافراد. لا فرد ولا افضليات فرد تُعامل كمتفوقة فطريا على اي فرد آخر. بما ان الاطراف المتعاقدة انسلخت كثيرا في تفكيرها، فان رولز يحتاج ان يعطي تلك الاطراف شيئا للتفكير به. لهذا هو يضيف الشروط التالية للإجراء التفاوضي في الوضع الاصلي. الاطراف المتعاقدة تعلم ان "ظروف العدالة"سوف تُطبّق في دولتهم وهكذا هم يحتاجون الى تصوّر عن العدالة. ايضا، هم يعرفون ستكون هناك ندرة في الموارد، لذا سنحتاج الى مبادئ للفصل بقضايا المنافسة على الموارد النادرة.

اخيرا، بينما الاطراف في الوضع الاصلي لا يمتلكون معرفة بالمحتوى المعين لرغباتهم او لتصورهم عن الخير، لكنهم يعرفون حقا شيئا ما عن رغباتهم. هم يعرفون انهم يريدون قدر الامكان ضمان الحصول على ما يسميه رولز "الحريات الرئيسية". هذه الحريات تتضمن الحقوق والحريات والفرص والسلطة واحترام الذات. نستطيع الاستدلال ان كل الاطراف ستكون لها هذه الحقوق لأنها شروط ضرورية لإنجاز اي تصور عن الخير. اي انه ، لا يهم كيف ينتهي بنا الامر بعد رفع الحجاب ، يجب على المرء ان يمتلك كمية معينة كحد أدنى من الحقوق الاساسية لكي يمكنه ممارسة حياة تعكس تلك القيم. وعندما يضع كل تلك الامور مجتمعة، يعتقد رولز اننا سنصل الى مبدآين اساسيين في العدالة:

 مبدآن للعدالة

1- "كل فرد يجب ان يمتلك حقا متساويا بالحرية الواسعة منسجمة مع حرية مشابهة للآخرين"(ص60)

2- "اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية يجب ان تُرتّب لكي تكون اولا، متوقعة بشكل معقول لمصلحة كل فرد وخاصة مصلحة من هم أقل حظا، و ثانيا، ان ترتبط بوظائف ومناصب مفتوحة للجميع"(ص60).وفق هذا المبدأ يعترف رولز بوجود مكان للامساواة الاقتصادية والاجتماعية، باعتبار ان اولئك الذين في أسفل السلّم سينالون على الأقل المساعدة الضرورية.

ان الفكرة الاساسية هنا هي ان الناس يجب ان لا يُحرموا من الحقوق الاساسية او من امكانية متابعتهم لتصوّر الخير بسبب وجود عوامل غير ملائمة اخلاقيا.

يعترف رولز ان الحقيقة الاساسية لظروف الانسان هي ان هناك لامساواة في المواهب الطبيعية . وبدلا من محاولة مساواتها – والتي تتم فقط عبر اسقاط المواهب الطبيعية، يجب ان نحاول استعمال تلك اللامساواة لمنفعة الجميع. هذه الفروقات يجب ان لاتُزال، هناك طريقة اخرى للتعامل معها وهي ان الهيكل الاساسي يمكن ترتيبه لكي تعمل هذه الاختلافات لمصلحة من هم أقل حظا.

لابد من التاكيد على ان المبادئ التي تأتي من هذا الاجراء تعمل كقيود على نظام العدالة ذاته، انها لا تحدد اي نظام معين للعدالة، ولا تحدد بدقة كيفية صياغة قوانين الضرائب ، قوانين الأفعال الضارة، قوانين الادارة او القوانين الجنائية وما شابه. ما توفره هذه المبادئ هو نوع من الحماية من الرغبة بديمقراطية الأغلبية او الحكومات اللاديمقراطية. حين يحدد المرء نظام العدالة، يجب ان لايتعارض مع المبادئ الاصلية التي تأتي من الوضع الأصلي .

 

حاتم حميد محسن

..........................

الهوامش

(1) هناك انتقادات اخرى للنظرية النفعية تتمثل بالتالي:

أ – انها تميل لخلق شكل للاخلاق اما أسود او ابيض، لا توجد منطقة رمادية، الشيء اما ان يكون صحيحا او خاطئا.

ب – النفعية لا تستطيع التنبؤ بشكل مؤكد حول ما اذا كانت نتائج افعالنا جيدة او سيئة، لأن نتائج الفعل تحدث في المستقل.

ج – النفعية قد تقود الى حسابات مروعة في القيم كالعدالة والحقوق الفردية، مثلا، لو ان مستشفى فيه اربعة مرضى تعتمد حياتهم على زراعة اعضاء بشرية وهي : القلب، الكبد، الكلية، الرئتين. اذا كان هناك شخص سليم في المستشفى ويتم استئصال اعضائه الاربعة، ستكون النتيجة انقاذ حياة الاشخاص الاربعة على حساب حياة الشخص الاخير. هذا يقود الى اكبر خير لأكبر عدد ممكن من الناس، لكنه لا يُعد عملا اخلاقيا.

 

 

علي رسول الربيعيهناك حاجة مستمرة للتفكير في الفلسفة أوإعادة التفكير فيها، اي التفكير في السياق التماثلي (الداخلي) في الفكر الفلسفي مثلما هي تفكر في سياقات لامتماثلة وتدوس أرض جديدة فستحضر للتفكير ما لامفكر فيه، ولكن لماذا إعادة التفكير في الفلسفة؟ إنه يفترض مسبقاً الوعي بوجود مشكلة، أي أن هناك تعارضات تؤدي إلى الاستفسار وإلى معرفة جديدة غالبًا. ما هي المشاكل التي تجعل من الضروري إعادة التفكير في الفلسفة، في السياق التماثلي ؟ يمكننا من ذكر مجموعة متنوعة من المشكلات النظرية والعملية.

أريد أن اشير ابتداء الى مقال كنت كتبته منذ زمن طويل (كورقة قدمت في مؤتمر عن الاسلام والسياسة والحداثة ثم نشر في صحيفة الشاهد الصادرة في لندن في التسعينيات لاحقاً)1، وهو يتعلق بـ "الحداثة" و "ما بعد الحداثة"، وقد قمت بصياغة هذه الحاجة على النحو التالي ربما لا نحتاج إلى الدفاع عن الحداثة أو رفضها بأي معنى وبايً حال من الأحوال، ولا للدفاع عن التحديث أو رفضه، وبأيً حال من الأحوال أيضًا؛ نحتاج إلى معرفة فلسفية جديدة: إبستيمولوجيا تتجاوز المعرفة التي رسمت حدودها الوضعية المنطقية، التي لا تميز أو تفصل بين العلم والميتافيزيقيا فقط، ولكن تميًز بين المعرفة والمنتجات الأخرى للعقل البشري؛ الأنطولوجيا التي تغلبت على "الأختزال الكبير" للوجود في أحد أنواعه أو اجناسه- أنطولوجيا تتجاوز ثنائية المادية والميتافيزيقية؛ أنثروبولوجيا لا تتعامل مع صور أو مفاهيم للإنسان، ولكن مع خصائصه التي تشمل إمكانياته أيضًا؛ والأخلاق التي ليست معيارية ولا ميتا-أخلاقية فقط، تتجاوز هذه المقاربات وهذا النهج تبرر وتعرف فينومينولوجيا الإنسان الأخلاقية المجردة بشكل ملموس....

من أجل أن يكون للمعرفة الفلسفية تأثير إنساني على الحياة، ومن أجل التعامل مع المشاكل العالمية دون إغفال جوانبها الأخلاقية، علينا التفكير وإعادة التفكير في المقاربات السائدة في جميع مجالات الفلسفة هذه.

سأقصر نفسي هنا على أن أقدم نتيجة إعادة تفكيري - خلال السنوات الماضية - لبعض المسائل الفلسفية- المعرفية، والتي كان عليً أن أعيد التفكير فيها أثناء البحث والتعامل مع المشكلات في الفلسفة السياسية والأخلاقية والحقوقية. نرى، في جذر كل هذه القضايا والمسائل، مشاكل تتعلق بما أسميه "فقدان هدف المعرفة". "يرتبط عدد من هذه القضايا المعرفية بطبيعة التشخيص الصحيح وتفسير المواقف والأوضاع المطلوب. إنها المشكلات التي نواجهها في تسمية أووصف وضع اجتماعي أو سياسي وتلك التي نواجهها في محاولات تفسيرها. نلاحظ نقاط انطلاق نظرية أو عملية مختلفة: افتراضات أو مقاربات مختلفة، فعن سبيل المثال، تؤدي النظريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المختلفة، ولا عجب، إلى "تشخيصات" مختلفة، أي تسميات مختلفة للموقف نفسه، وكذلك لتفسير مختلف، أي تعزى أسباب مختلفة الى الموقف الموضوعي نفسه.

يدرك المجتمع الدولي هذا المأزق بما فيه الكفاية الآن. ومع ذلك، أخشى أنه ليس على دراية كافية بالمشاكل المعرفية الكامنة وراء هذا المأزق. عن سبيل المثال، يستدعون تلك التسميات أوالأوصاف بشكل علامات مختلفة وتفسيرات متعددة للمواقف نفسها، ايً "النظر من وجهات نظر مختلفة" والترويج لها، على افتراض أنه يمكن من تجنب الدوغمائية.

من الغريب أن يكون ذلك، على الرغم من أن الانضباط الفلسفي الأكثر تطوراً في القرن الواحد والعشرين، في حقل الأبستيمولوجيا (نظرية المعرفة)، وأن الأدوات المعرفية التي توفرها وجهات النظر التي كانت سائد في القرن العشرين السائدة، (لو أن هناك أفتتاحات مهمة مؤخرا في البستيمولوجيا الإجتماعية) لا تساعدنا كثيرًا في مواجهة الصعوبات التي نواجهها فيما يتعلق بتشخيص وتفسير الحالات التي يتعين علينا مواجهتها راهناً.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

..............................

ورقة قدمت الى مؤتمر حول الفكر الاسلامي والحداثة عقد برعاية مؤسسة الخوئي الخيرية في لندن، نظم المؤتمر وأداره ليث كبه في عام 1997

 

 

علي محمد اليوسفالتفكير وتعبير اللغة

يعتبر فينجشتين الكلام والفكر هما شيء واحد، والشيء الواحد عنده اصبح واضحا له اليوم على حد تعبيره، بأن الفكر هو نوع من اللغة. لا نعتقد هذه الحقيقة العلمية في علم اللسانيات وفلسفة اللغة تحتاج اكتشاف التنويه لها كمعلومة لم تكن معروفة قبل استنتاج فينجشتين لها، فالفكر تعبير أفصاحي عن لغة العقل...واللغة وعاء الفكر عند دي سوسير مسألة مفروغ منها.

هذه الحقيقة الفلسفية الفكر هو لغة تستند الى أن التعبير عن الموجودات الخارجية يسمى (لغة) بالمعنى التواصلي مع الآخروفي فهم المحيط والموجودات، والفكر لغة ايضا في تفكير العقل صمتا داخليا، والفكر ليس ملكة فطرية عقلية خالصة أهميتها معرفة موجودات المحيط الخارجي بوعي منفرد لا علاقة له بالمجتمع، ولا في التعبير عنه لغويا..

الشيء الاهم أن كل فعاليات الانسان الفكرية اللغوية هي نتاج تخليقي توليدي للعقل الانفرادي مع تعالقه بالتوليد الجمعي اللغوي الذي يتفاعل معه بأكتساب الفرد والمجتمع لغة مشتركة لم يستطع الفرد تخليقها توليديا انفراديا، فاللغة ظاهرة أجتماعية رغم امتلاكها خاصية الانفرادية الانسانوية كاستعداد فطري ومنطوق لغوي لتصبح مكتسبا لغويا مجتمعيا في كلام منطوق أو لغة مكتوبة.

ولا يمكن حصول تطور في اللغة الانفرادية الخاصة بالشخص الا في محيط أجتماعي يحتويها ويتعامل معها بفهم جمعي مشترك. اللغة فهم سيسيولوجي مشترك بقدرات واسهامات فردية متنوعة ومختلفة تساهم بخلقها وتطويرها.

والشيء البديهي الذي لا يحتاج تأكيد فلسفي أيضا أن العقل ومنذ افلاطون ومن بعده ديكارت أعتبروا العقل جوهرا غير فيزيائي ماهيته الفكر في توليده (اللغة)، من حيث اللغة لا تصدر عن غير مصدرالعقل الذي ماهيته التفكير بوسيلة اللغة، والا كان تفكير العقل خارج خاصّية انتاجية اللغة كنظام للمدركات والاشياء في الحياة يصبح هذاءا صوتيا يطلقه الفرد من غيرنسق لغوي منّظم ذي مضمون فكري واضح متجانس تعبيريا عن الاشياء، بل اللغة غير المنتظمة التي لا يكون مصدرها العقل الانساني السوي هي أصوات لامعنى لها وليست لغة تحتوي فكرا،. اللغة هي نظام الاشياء وليس التعبير عنها كموجودات بعشوائية غير منتظمة كما في هذاءات الانفصامي المريض الذي لا يرى النظام في موجودات المحيط من حوله.

تعبير اللغة تمنح الوعي العقلي نظامه النسقي المقبول مجتمعيا في تبادل واكتساب المعرفة. وبغير تفكير العقل في انتاجيته اللغة كمنظومة سيسيولوجية يصبح عقلا مشابها لعقل الحيوان تماما. وأختلاف لغة الانسان عن لغة الحيوان تتعدى الذكاء اللامحدود عند الانسان الذي يفقده الحيوان ويتعدى قابلية النطق الصوتية المرتبطة بتطور حنجرة الانسان عن الحيوان ايضا ، وأنما الاختلاف في خصائص أخرى أن لغة الانسان التعبيرية عن الاشياء لغة نظام وتنظيم المدركات العقلية في العالم الخارجي، فاللغة عند الانسان هي القوانين الوضعية التي تحكم الموجودات والاشياء في الطبيعة. بأختلاف لغة الحيوان التي تكون دوما عشوائية لا تستطيع جعل اللغة نظاما لحياتها في ادراكها المحدود لمحيطها. عشوائية الصمت اللغوي الحيواني نابع وصادر من عدم أحساس الحيوان بزمانية التفكير المعدومة عنده. فنسق اللغة التنظيمي لمدركات العقل الانساني مصدره الاحساس بالزمن.

نعم يمتلك الحيوان لغة صوتية من نوع خاص ووعيا لغويا صامتا مختلفان عما يمتلكهما الانسان، لكن هذا النوع من اللغة الصوتية المسموعة والصامتة عند الحيوان ليست كما هي عند الانسان معقدة ومتطورة نوعيا، فاللغة لدى الحيوان هي في التعبير عن احساسه المباشر بالخطر أو رغبة الجماع الجنسي وبعض العواطف البسيطة كالحزن والفرح والنزعة الوحشية في الدفاع عن النفس وغيرها من تجليّات الوعي عنده لكنها جميعها يبقى الافصاح عنها لغة حيوانية محدودة بعدم امتلاكها ذكاءا تنظيميا متجانسا مع المحيط من حيث الاحساس بالزمن وتنظيم مدركاته من الاشياء..فقدان الزمن بلغة الحيوان هو الذي يصيبها بالاعتباطية والعشوائية في عدم امتلاك قابلية التنظيم التعبيري المتجانس..

لا جديد في القول أن الفكر الداخلي الاستبطاني الصامت للعقل هو نوع من تعبيراللغة غير المفصح عنه صوتا فكريا ولا لغويا. وقد تطرقت لشرح هذه المسألة تكرارا في كتاباتي السابقة المنشورة قبل أطلاعي على مقولة فينجشتين بهذا المعنى. وما هو مفروغ التسليم به أن تفكير العقل سواء كان داخليا صمتا أو خارجيا كلاما مسموعا ولغة مكتوبة لا يتم بغير توسيلية تمثّلات اللغة الصورية لمدركات العقل، ونستطيع الجزم أن العقل لا يفكر جوّانيا استبطانيا بغير صورية العلامات اللغوية التي يتعامل التعبير بها نفسها عن الاشياء والموجودات الخارجية على السواء بنفس صورية اللغة المكتسبة عن المحيط عنده في تعبيره عن مدركاته الخارجية. بمعنى تفكير العقل صمتا وتفكيره تعبيريا عن الاشياء الخارجية تكون في كلتا الحالتين هي لغة صورية تمّثلية تجريدية لمدركات العقل الاشياء.

ويستثنى من ذلك تفكير الخيال العقلي في أستحداثه لغة غير مألوفة منطقيا في تصوير خيال الاديب أو الفنان عوالم لا يعبّر عنها بلغة تواصلية مباشرة تقوم على أبجدية الحرف والكلمة ودلالتهما الصوتية وموقعهما في العبارة أو الجملة في تداولية تبادل الحوار اليومي المستمدة من الواقع.

فالانسان العاقل لا يستطيع التفكير صمتا استبطانيا داخليا بغير تصور لغوي هي نفسها لغة تعبيره عن الموجودات في عالمه الخارجي الذي يعيشه.لذا يكون تفكير العقل صمتا وتفكيره خارجيا هي نفس اللغة المعبّرة عن مدركات العقل للاشياء.

ولو كان الانسان العاقل يعيش منفردا في غابة مع قبيلته ولم يسبق له العيش بحياة المدينة لما كنا وجدناه يتكلم عن لغة تخص حياة المدينة ويعرف معنى الطائرة والحاسوب والسيارة واستعمالات التكنولوجيا في حياة الانسان، ولا يفهم ويعي صخب المدينة التي تسودها الحركة الدائبة والضوضاء و تعامل الافراد بمفردات استهلاك ما لا حصر له من التكنولوجيا في حياة المدينة؟ وبالتاكيد سيكون تفكيره اللغوي لا يتعدى واقعه الذي يعيشه في مجتمع الغابة فقط الذي يجهل معنى المدينة.

من الواضح أن تفكير العقل الانساني يكون بواسطة تعبير لغوي تجريدي في حالتي التفكير الاستبطاني الصامت أوحالة التعبير الخارجي المعبر عن الاشياء والموجودات كلاما منطوقا أومكتوبا، وكلا التعبيرين هما  نتاج تفكير عقلي واحد ومتشابه يدعى لغة العقل. ولغة العقل هذه مستمدة من تواضع مجتمعي عليها، أي لا يخترعها العقل الانفرادي دونما مرجعية الحياة الاجتماعية لناس يسكنون مدينة او دولة نظامها اللغوي متميز معروف لديها في تفاهمهم اليومي وقد لا يفهمه من لا يعرف لغة تلك الاقوام المختلفة اللغات واللهجات.

السؤال هل لغة العقل التفكيرية الاستبطانية هي غيرها لغة التعبير عن موجودات محيط خارجي معين لقوم بعينه دون غيره؟ الجواب كما قلناه سابقا هو نفس اللغة الابجدية الصوتية التجريدية المنطوقة والصامتة في الحالتين. فالتفكير التجريدي الذهني هو انعكاس الواقع المعيش والمتخيّل.

والا كان يصح في حال افتراضنا أختلاف تفكير العقل الصامت بلغة خاصة عنها في تفكيره الخارجي بلغة عاقلة مغايرة لتفكير لغة الصمت لكان لو حدث مثل هذا الاختلاف فهو يمّثل نوعا من الانفصام المرضي الذي يعتبر واقع الخيال الذي يفكر به هو الواقع ولاعلاقة تربطه مع واقع مدركاته الخارجية في محيطه ليس من حيث أختلاف الفكر وحسب بل في اختلاف لغة التعبير عن المجالين وهو ما نجده جليّا في هذاءات المريض الانفصامي البعيد عن الواقع الحقيقي.. في وقت نجد أن حقيقة تفكير العقل السوي هو في المزج المتخارج بين عالم الخيال الداخلي مع عالم المدركات الخارجية المادية في سيطرة الشعوراليقظ.

التفكير السوي هو لغة العقل في ادراك وتفسير مفاهيم الواقع وقوانينه المتواضع مجتمعيا عليها، والتفكير العقلي الخيالي لا يفارق الميزة الواقعية في التعبير عن الواقع بطرق واساليب ربما تكون أحيانا لا واقعية مألوفة كما نجده في ادب الرواية مثلا والشعر احيانا في خلق عوالم من الفنتازيا أو الخيال العلمي لا يتعامل بها الانسان ولم يعتدها بعالمه اليومي..

اللغة الفطرية واللغة المكتسبة

من المعلوم أن أبرز عالم لغات وفيلسوف لغة معاصر نعوم جومسكي ذهب في نظريته التوليدية الى فطرية اللغة كأستعداد وراثي خاص بالنوع الانساني بما عرف بالنظريته التوليدية اللغوية ، وأبرز المناوئين لها هم فلاسفة السلوكية اللغوية السيسيولوجية من الامريكان وغير الاميركان رايل، رورتي، سيرل، سيلارز وغيرهم الذين قالوا بنظرية اللغة سلوك مجتمعي نفسي.

ونناقش هنا في المقال الاختلاف بين الفطري والمكتسب في اللغة ليس بالانحياز لأحد الطرفين وأنما من وجهة نظر خاصة نطرحها تمزج بين المنحيين أستجابة لما يقوله العلم الطبيعي غير الفلسفي أن حقيقة اللغة هي استعداد فطري ذاتي وممارسة مجتمعية مكتسبة معا. اللغة تولد استعدادا فطريا وتنضج سلوكا مجتمعيا. وتعّلم اللغة وتعليمها لا تورث بالفطرة بل تكتسب بالتجربة الحياتية.

أكتشف العلماء وجود مناطق في القشرة الدماغية للانسان يطلق عليها (اللمبي) هي المسؤولة عن تزويد الوليد الطفل باستعداد فطري موروث في تعلمه اللغة وتجاوبه في الانتاجية المشتركة لها مع غيره من أفراد أسرته في أكتسابه اللغة التواصلية.

هذه المنطقة الفطرية في التكوين البايولوجي لوظائف الدماغ المكتشفة لا يمكن تفعيلها بمرور العمر كملكة لغوية وكلام حواري يحوزهما الانسان بفطرة توليدية ومجتمعية مشتركة وليست ملكة فطرية خالصة تتطور انفراديا، بغير تعلم الانسان تبادل لغة مكتسبة من المجتمع والمحيط تصقل وتطور ملكة الاستعداد الفطري لديه، وتأكيد هذا المعنى أن الاستعداد الفطري اللغوي يتطور مجتمعيا نجده في مثال أن احد علماء اللغة والانثروبولوجيا الفرنسيين يدعى (ايتار) وجد في أحدى الغابات الفرنسية في منطقة الافيرون طفلا متوحشا منتصب القامة مكتمل الجمجمة منفردا لا يعرف اللغة وكان عمره وقت العثور عليه لم يصل سن البلوغ، وجرت محاولات طويلة عريضة صعبة معه لتعليمه اللغة فلم يفلحوا بمهمتهم، والسبب أرجعه العلماء الى أن منطقة الاستعداد الفطري اللغوي الموجودة في قشرة دماغ كل انسان (اللمبي) قد ماتت عنده لتقدمه بالعمر وفقد بذلك الاستعداد الفطري في تعلمه اكتساب اللغة طفلا وليدا بالممارسة الحياتية، ولم يبق لتلك المنطقة الدماغية دور عنده في تعلم اللغة واكتسابها نتيجة انقطاعه عن تبادل هذا الاستعداد الفطري الانفرادي مع أمثاله من جنسه كبشر بما يحفزها على تعلم وأكتساب اللغة بمرور سني العمر باندماجه في بيئة اجتماعية.** (يلاحظ التعليق عن هذه المعلومة نهاية المقال).

هذا المثال يؤكد أن فطرة اللغة التوليدية الانفرادية لا تتطور ذاتيا الا بتخارجها مع محيط أجتماعي متجانس ومتواضع على نوع من الاصوات الرمزية والكلمات ذات الدلالة المشتركة جماعيا بما يبعث ويحفز النزعة الفطرية التوليدية الموروثة جينيا عند الفرد لتعلمه اللغة في تبادل مكتسب لغوي من المحيط رغم ما يمتلكه من نزعة فطرية وأستعداد وراثي في قابليته تعلم اللغة وأكتسابها لكن هذه الخاصية النوعية الانفرادية ليست كافية للنمو وحدها في وسط لا يتوفر فيه أختلاط بشري من نفس النوع.علما أن هناك حقيقة علمية تذهب الى أن كل طفل يملك أمكانية اكتساب تعلم أية لغة كانت.

اللغة في الصمت والكلام

أن الانسان العاقل يفكر ذهنيا وهو صامت، ويفكر صامتا وهو نائم، ويفكرصامتا وهو حالم، والصمت لغة حوار العقل مع ذاته داخليا في موضوع أو اكثر، فالعقل لا يفكر في فراغ – سنوضح هذا لاحقا – ويكون تفكير الصمت بالفكر المجرد بلا لغة كتعبير تواصلي أفصاحي أيحائي لا يشترط توسله اللغة غير ممكنا وجودا، فالصمت هو تفكير في موجودات مادية واقعية تكون صيغة التفكير الصامت صورية تجريدية هي ذاتها اللغة المعبّر بها عن الاشياء الخارجية، بمعنى تفكير العقل لغويا هو صيغة من تعبير اللغة واحدة في الصمت وفي الافصاح ولا فرق بين لغة الصمت في التفكير بموضوع عنها في لغة الافصاح التعبيري عن نفس الموضوع كلاما منطوقا أو لغة مكتوبة.

أو أذا كانت مواضيع التفكير الصامت خيالية لا وجود لها ماديا متعينا في الواقع، ويتناولها العقل بالتفكيرالذهني المجرد فيكون هذا النوع من التفكير اللغوي أما ابداعيا ادبيا او تشكيليا فنيا، وأما يكون تفكيرا انفصاميا مرضيا، والصمت السليم الذي يفكر بموضوعه لا يلغي دور العقل أو لايستطيع الاستغناء عن الوظيفة العقلية في الوعي والتفكير بالاشياء.فالصمت في اللوحة التشكيلية هي لغة صورية تخاطبية أيحائية، ورقص الباليه، والمسرح الصامت، واليوغا، وغيرها هي تعبيرات لغوية لا تتوسل لغة التواصل المباشرة المعروفة كأبجدية صوتية. لكن تبقى اللغة في هذه التعبيرات فكرا لغويا غير منطوق يأخذ اللغة تعبيرا شكليا صوريا غير مقيّد باللغة أبجدية اصوات وتعبيرات كلمات وعبارات.

أن وظيفة العقل في التفكير الخيالي بالمجردات الذهنية أرقى درجة وأهمية منها التفكير في الموضوعات المادية التي يعقلها العقل كواقعات مادية ويدركها ظاهراتيا أو ماهويا بمباشرة لغوية تواصلية...فالعقل في ملازمته الخيال ورقابته على اللاشعور وتداعيات التصورات الذهنية تكون مهمته أصعب من مهمة العقل في تناوله الماديات والموجودات والاشياء في الطبيعة بمباشرة ادراكية حسيّة ميسرّة، لكي لا ينتج عن التفكير الخيالي الذهني المجرد أصوات وهذاءات تعبيرية لا تعطي المفكّر به من موضوعات مادية  أو مجردة أستحقاقها الوعوي الادراكي كما لاتعطي الهذاءات غير العقلية وعي الذات مصداقيتها الذكيّة في نظام الاشياء المطلوب في التفكير غير المرضي الطبيعي السوّي.

الصمت لغة تواصلية

الانسان في جنبة محورية جوهرية من كينونته الطبيعية هو أنه وجود عقلي لغوي ناطق. فالانسان يفكر وهو يتكلم ويفّكر وهوصامت ويفّكر لا شعوريا وهو نائم، ويفكر وهو في حلم اليقظة، ويفكر وهو ماشيا لوحده أو مع مجموع. وفي كل حالات الصمت يحتاج الانسان التعبير اللغوي أو الكلامي عن بعض الاشياء والموضوعات، ويكتم أو يستعصي عليه التعبير عن بعضها، أو يتعذّر عليه الافصاح التواصلي في بعضها الاخر. أذن الانسان وجود مفكر في صمته وفي الافصاح عن بعض تفكيره الصامت في الكلام أو اللغة أو الكتابة.والانسان كينونة عقلية أدراكية تفكيرية، ولغوية ناطقة،وخيالية تجريدية، تحتويها كل خصائص الانسان المادية وجودا.

يقول ميرلوبونتي (أذا كانت اللغة كيان باطن، فأن هذا الباطن ليس فكرا مغلقا على ذاته وواعيا بها).(4) أنه لمن المهم أدراكنا أن اللغة في التفكير الباطني العقلي أي الصامت، هي وسيلة العقل أن يعقل نفسه ووسيلة العقل في وعي الاشياء المادية وغير المادية ذهنيا...كما أن العقل هو الوسيلة الوحيدة في أدراك وفهم الوجود الخارجي والاحساس الاستبطاني ولا بديل عنه.

أما اذا بقي هذا الادراك العقلي منغلقا على العالم الخارجي، في عدم ادراك تواصله الجدلي مع الاشياء والموضوعات،فهنا يصبح الانسان كيان لغوي حواري داخلي صامت فقط مفارقا لجوهر انسانيته في انتفاء طبيعته السيسيولوجية، وهو محال أن يكون وضعه هذا دائميا بالنسبة لانسان سوي مجتمعيا عاقل وناطق ايضا سواء يعيش منعزلا أو يحتويه مجتمع...ومحال ايضا أن يكون الانسان خارج طبيعته بخصائصها الانسانية،أن لا يوجد ويكون جزءا من الطبيعة متفاعلا مع مظاهرها، لا أن يكون كيانا مفكرا بذاته فقط ولذاته ايضا ، منعزلا عن واقعه ومحيطه الاجتماعي. ولا في تعطيله لغة الحوار التواصلي مع الاخر.

الصمت الانساني هو حوار لغوي داخلي يعمل في الذهن البشري المفّكر بمسؤولية، بينما يكون صمت الحيوان (لامعنى) له غير متعين لا عقليا ولا ذهنيا لا تفكيرا منطقيا ولا تعبيرا لغويا. فهو صمت يغيب عنه الوعي العقلي بخلاف الانسان.

في عجزالحيوان الصامت أن يكون صمته تفكيرا خياليا محكوما بوعي زماني ومكاني، كما عند الانسان حيث يقوم العقل ومن ثم اللغة على تنظيم ذلك التفكير الخيالي في وعيهما الزمن...في هذا تكون علاقة الانسان بالطبيعة أثراءا لوجوده، وبقيت علاقة الحيوان بالطبيعة أفقارا لوجوده لولا تدخل ما يسمى محميات الحفاظ على التنوع البيئي والحيواني والنباتي من الافقار التدريجي الذي يقود الى أختلال بيولوجي مفزع في الطبيعة يقود الى أنقراض العديد من الكائنات الحيوانية والنباتية، ومن هنا كان الانسان كائنا وجوديا مستقبليا، أي يفكر بالمستقبل زمانيا بما لايتوفر للحيوان ذلك الا مع تدّخل الانسان بالطبيعة في جعل الذئب يرعى مع الغنم عندما تنتفي الحاجة الى القتل والافتراس الحيواني لاسكات الجوع في محميات الحفاظ على التنوع البيئي الطبيعي.كما تنتفي مقولة هوبز الانسان وجود يلازمه القضاء على أخيه الانسان من نوعه منذ بدء الخليقة والى يومنا هذا.

الزمن واللغة

اشرنا سابقا لغة التعبير الفني مثلا في النحت والرسم وفي جميع جماليات الفنون التشكيلية، هي ايضا لغة حوار داخلي صامت معبّرا عنه بوسائط توصيل هي غير لغة الكلام أو الكتابة المقترنة بزمن.وتكون لغة الحوار التواصلي في حالة كمون يستنطقها الانسان المتلقي للفن والجمال ويفهمها حسب ثقافته وتكوينه النفسي والجمالي في ضروب الفنون التشكيلية.

واللغة الصامتة بالفن منتج عقلي للفكر وتداعيات اللاشعور...أما لغة التعبير الانساني الكلام أو اللغة المكتوبة فهي منتج مصنع الحيوية العقلية الانسانية المتفردة خياليا أو فكريا تواصليا، وبذلك يصبح الانسان كائنا لغويا يفكر وهوصامت وفي مخياله حضور ووعي الزمن الماضي والحاضر والمستقبل. وهذا النوع من الادراك بالزمن والمستقبل لا يتوفر عليه الحيوان...فالحيوان لايعي الزمن مثل الانسان، حتى وأن كان هذا الوعي الزمني(أفتراضيا) كما يمارسه الانسان أفتراضا وجوديا لا غنى عنه عندما يتعامل مع الزمن ادراكيا ويجهل ماهيته معرفيا .

 

علي محمد اليوسف /الموصل

........................

الهوامش

1- ميرلوبونتي،نقلا عن عبد الوهاب جعفر، الفلسفة واللغة ، ص 58

2- نفس المصدر السابق ص 106

*** نفس هذه الرواية الفرنسية في حال حدوثها حقيقة تنطبق على حي بن يقظان في مؤلف ابن الطفيل الفلسفي، ولا تنطبق على شخصية بطل رواية روبنسون كروزو...لماذا؟ حي بن يقظان حسب المدونة نشأ رضيعا بين الحيوانات في غابة، وكان لديه استعدادا فطريا طفوليا في تعلمه اللغة ولم يجد مجتمعا بشريا يشاركه تعلمها فبقي يقلد اصوات الحيوانات، وحسب رواية ابن طفيل فهذا الصبي تعلم اللغة لاحقا وهو شاب ناضج على يد شخص آخر يدعى أبسال قدم من مدينة بالقرب من الجزيرة النائية التي جمعته الصدفة الترحالية بحي بن يقظان في الجزيرة وحديهما. وعلم ابسال اللغة لحي بن يقظان بخلاف رواية روبنسون كروزو الذي كان بطلها يافعا يعرف الانكليزية التي حاول تعليمها لفرايدي خادمه الاسود الذي كان لا يتكلم الانكليزية وتعلمها بالاكتساب وهو بعمر الشباب؟ فأي من الروايتين صحيحا، بالقياس الى رواية علماء اللغة الفرنسيين بين مفترق طريقين هل اللغة استعداد فطري ينتهي بنهاية فترة عمر المراهقة؟ كما ذهب له علماء الانثروبولوجيا الفرنسيين؟ أم اللغة يمكن أكتسابها في جميع المراحل العمرية كما هو شان أتقان الشخص المتعلم البالغ اليوم لاكثر من أربع الى عشر لغات أو أكثر وهو في سن الستين.. وهو ما يؤكد غلبة سيسيولوجيا اللغة على انفراديتها التوليدية التطورية.

أبن طفيل في مدونته الرائعة حي بن يقظان كان يبحث امكانية الاستدلال العقلي لوجود الخالق بدلا من الايمان القلبي به فقط، والبرهنة على امكانية الجمع بين الاستدلالين القلبي الفطري الايماني والاستدلال العقلي البرهاني منطقيا في الوصول لغاية واحدة معا هو وجود الخالق. ولم تكن المدونة تعالج ثيمة تعلم اللغة واكتسابها كون علوم اللسانيات وفلسفة اللغة انبثقت بداياتها مطلع القرن العشرين. (الكاتب)

 

علي رسول الربيعيإن الوعي بموضوع المعرفة له آثار ليس فقط للتعامل مع المشاكل في مختلف تخصصات الفلسفة، ولكن أيضًا لحياتنا. لهذا السبب في عصر "يسير فيه كل شيء" بسرعة، سيكون من المفيد التفكير أو إعادة التفكير دائما، فيما يتعلق بموضوع المعرفة وهدفها، في تدريس الفلسفة والتعليم الفلسفي بشكل عام. يمكن أن توضح لنا عدد من الحوارات الأفلاطونية كيف يمكن أن يكون موضوعاً ما يرغب المرء معرفته.

عندما يفشل محاور سقراط، في هذه الحوارات،  في الإجابة عن سؤاله حول ماهية شيء ما (ما هي الفضيلة، ما هي المعرفة وما إلى ذلك)، غالبًا يسأل سقراط محاوره عما هو يبحث عنه عندما يجيب على سؤاله. بعبارة أخرى يحاول أن يريه أنه لم يكن قادرًا على استيعاب موضوع المعرفة المعنية وأنه لا يجيب عن سؤاله، بل يجيب عن سؤال آخر. يعطي سقراط في محاورة مينوMeno، حيث يحاول تعريف الفضائل فيها، مثالا واضحا جدا لكيفية تجسيدها. ما يطلبه سقراط من مينو أن يجد الـ eidos، فكرة الشكل أو الهيئة. ثم يمكن لمينو اتباع الطريقة نفسها، وربما الإجابة من تفسيره الخاص عن السؤال عن ما هي الفضيلة. بعبارة أخرى: يحاول سقراط مساعدة مينو في العثور على ما يبحث عنه، والعثورعلى موضوع المعرفة الذي يهدف اليه استفساره، والنظر الى هذا الهدف او الموضوع  للإجابة عن السؤال ما هي الفضيلة. هذا الموضوع هو ما هو متطابق مع كل تلك الأشياء التي نسميها الفضائل - في الشجاعة، والعدالة، في الاعتدال، وما إلى ذلك. لم يتمكن مينو من أنجازه وهذا ما سينجح به أرسطو لاحقاً.

إن الأسلوب السقراطي في الاستقصاء هو نوع من التفكير ليس تحريضًا، كما يفترض البعض، ولكن نوع خاص من التشيئ (التعبير عن شيء مجرد في شكل ملموس)- أيً تجسيد لشئ ما، أو لنوع من المعرفة. إنها محاولة لمعرفة ليس أي خاصية مشتركة، ولكن فقط ما هو أساسي في كل تلك الأشياء الفردية والذي يجعل من الممكن استدعاءهم  أو تسميتها جميعًا بالاسم نفسه.

وهو يختلف أيضًا عن الاختزال الظاهراتي ( phenomenological reduction ) الذي يهدف إلى اكتساب النوع نفسه من المعرفة والذي يشبه كثيرا التجريد الديكارتي. يتم الترويج لما يسمى التعليم التفاعلي في جميع أنحاء العالم في الوقت الحاضر، كما هو معروف. ومع ذلك، فإن معظم المعلمين ليسوا مدربين تدريباً كافياً على استخدام الأسلوب السقراطي في التعليم، وهو أفضل مثال على التعليم الذي يساعد المتدرب على طرح الأسئلة والإجابة عليها بنفسه، من خلال النظر أو البحث في موضوع المعرفة. وبالتالي يمكن تدريبه على ما يسمى "التفكير النقدي" الذي يجب أن يُفهم على أنه القدرة على العودة إلى موضوع ادعاءات معينة، وليس مجرد مواجهة أو تجميع وجهات نظر مختلفة حول قضية معينة.

نرى في عصر "أي شيء" يسير  بسرعة، ومنها  باسم الحرية والتعددية، مشاكل عالمية جديدة  ظهرت نتيجة لحلول قُدمت في وقت سابق من أجل معالجة مشاكل الأخرى، نحتاج إلى الفلسفة كمجال للمعرفة (ليس كوجهة نظر للعالم not as a world view). لهذا، من الضروري في أي محاولة للتفكير وإنتاج المعرفة أن لا نغفل عن موضوع وهدف معرفتنا. هذه أيضًا نقطة يجب أن تؤخذ في الاعتبار بجدية في التربية الفلسفية. إن الجدل ضد التيار، عندما تقتضيه كرامة الإنسان، هو مهمة فلسفية بامتياز.

إنه في الصراع بين الممكن والمستحيل نوسع إمكانياتنا الخاصة كما يُقال.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

زهير الخويلدي"اننا نرى الجوهر الوحيد للتجريبية: لأن الطبيعة البشرية في مبادئها تتجاوز الفكر، فإنه لاشيء في الفكر يتجاوز الطبيعة البشرية"1[1]

يعتبر جيل دولوز الفيلسوف الأبرز الذي اشتغل على مفهوم الاختلاف ولكنه ويا للغرابة وضعه الى جانب مفهوم التكرار أو المعاودة وهو ما يعني تأجيل الفرق وتعذر المباينة والوقوع في اعادة انتاج المماثل والمطابق. بيد أن دولوز هو فيلسوف المفهوم بامتياز وقد منحه هذا الاختصاص امكانية تنويع التجارب وتجريب المفاهيم والمصطلحات والدوال على الحقول التي يشتغل عليها في حله ترحاله الجذموري.

بالنسبة لجيل دولوز، الفلسفة هي خلق مفاهيم. على عكس هذا التعريف، فإن معظم المعلقين راضون إما لتكرار كلمات الفيلسوف بتعميمها ومن ثم إعطائها نطاقًا كونيا، أو لتطبيق المفاهيم التي اخترعها على أي ظاهرة تأتي في متناول اليد، والتي تدين الفلسفة بشكل لا يمكن إصلاحه لكونها مجرد مؤسسة مجردة عندما أرادها دولوز أن لا يمكن أن تكون أكثر واقعية. إن مصدر هذا التفسير الخاطئ بسيط للغاية: فهم لا يأخذون بعين الاعتبار المكان الأساسي الذي تشغله التجريبية في عملها ويعتقدون في تعويل دولوز على الفكر وحده. وبالتالي، من خلال عدم إيلاء أي اهتمام خاص لهذا الموقف الفلسفي الذي يفضل الخبرة، فإنهم يقللون من دور الأخير في ممارستها، وبالتالي يفصلون إبداعات المفاهيم عن الحالات التي يستمدون منها ضرورتها. . على عكس الروح التي تحرك الدراسات الرئيسية حول فلسفة دولوز، فإن هذه الأطروحة تهدف إلى إثبات أنه فقط من خلال مراعاة التجارب الفردية التي أثارتها المفاهيم التي صاغها هذا المفكر أصبحت لها معنى، تماماً كما في هذا السياق فقط يمكن فهم انتقاداته لمختلف المواقف الفلسفية التأملية. في نهاية كل رحلة فكرية يشقها الفيلسوف، ستظهر هذه الأخيرة دائمًا جزئية ومرتبطة لتجربة فكرية أجبرت هذا الاستجواب بحيث يصبح ما كان غير مفهوم في البداية من منظور معين متاحًا فجأة عندما يصبح مفهوم جديد أنشئ بغية تفسيرها أو تبريرها. لتحقيق هذه الغاية، يمكن تقسيم التصور الدولوزي الى قسمين. يتعلق الأول بمفهوم دولوز للتجربة. من خلال دراسة محاولتين لتجديد التجريبية في القرن العشرين، وهما البرجسونية والفنومينولوجيا، تم الكشف عن موقف دولوز في هذا السؤال باعتباره امتدادًا للمسار الذي فتحه بيرغسون في مقابل ذلك الذي حدده هوسرل، وفي تتمة له، سارتر. ولكن بعد انفصالها عن مخاوف البرغسونية الأنطولوجية، تظهر بعد ذلك تجربة دولوز التجاوزية كبحث عن التفرد المحتمل لظاهرة ما على حساب البحث عن شكل مشترك لجميع التجارب وابداع المختلف.     الجزء الثاني، من جانبه، يركز على أربع تجارب فكرية ويظهر في كل مرة الارتباط الذي لا ينفصل الذي يوحد خلق المفاهيم والتساؤل الذي يصاحب ذلك. سواء كان ذلك مع نقد فلسفة التمثيل التي تنبع من مفهوم الإحساس المصاغ بالتعامل مع أعمال الرسام فرانسيس بيكون، سواء كان ذلك مع التساؤل المزدوج للفنومينولوجيا كأثر لخلق مفاهيم محبة للصورة وزمن للصورة من بيرسونا بقلم إنجمار بيرجمان وهيروشيما بقلـم آلان ريسنايس، سواء من خلال نقد الفرضيات اللغوية المستمدة من مفهوم الأدب الصغير الذي تم اختراعه لمحاسبة المحاكمة عند كافكا . في كل هذه الحالات، يتم تسليط الضوء على الدور الأساسي للخبرة في الممارسة الفلسفية لجيل دولوز2[2]. في هذا السياق يذكر دولوز حول علاقة الانسان بانفعاله أن المسالة التي يعالجها هيوم في تجريبيته الريبية هي: كيف يصبح الفكر طبيعة بشرية؟

يرفض دولوز أن تكون العادة هي التجربة ولكنه يرى بأن التجربة تفترض وجود العادة، بعد ذلك يرى أن تكرار حالات متشابهة هو الذي يجعلنا نعتقد بوجود مبدأ السببية ولكنه يتدارك بأن يشرع للعقل أخذ المبدأ الذي يفسر به من مجال مغاير للتجربة لكي يقدر أن يحكم به ويعلل قضايا وأفكار تتجاوز التجربة.

في هذا السياق يصرح: "ان العادة بحد ذاتها هي مبدأ غير التجربة، ليست وحدة التجربة والعادة معطاة. ان العادة بذاتها، يمكن أن تختلف، وتتذرع بتجربة زائفة وتنتج الاعتقاد بتكرار لا ينبثق من التجربة"3[3].

لكن كيف يرفض جيل دولوز مفهوم التجربة بالمعنى الفنومينولوجي من جهة ويدعو الى توقيع تجربة الاختلاف والتفرد من حيث هي فعل ابداعي يشبه الخلق الفني ويربطها بتجربة الجسد بلحمه وعظمه من جهة أخرى؟ هل تمكن دولوز من يتجاوز الفكر التجربة عبر الاعتقاد في أشياء ماوراء الزمان والمكان؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...................

المصدر:

1- جيل دولوز، التجريبية والذاتية، بحث في الطبيعة البشرية عند هيوم، ترجمة أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع، مجد، بيروت، طبعة أولى، 1999، ص12.

Bolduc Charles ,le rôle de l’expérience dans la pratique philosophique de Gilles Deleuze, université Laval, 2013 ,

3- جيل دولوز، التجريبية والذاتية، بحث في الطبيعة البشرية عند هيوم، مصدر مذكور، ص98.

 

صالح الرزوقروشيل ليلى تيرمان*

ترجمة: صالح الرزوق


انفجرت البحوث المتعلقة بالمرأة والجنس في العالم الإسلامي في العقود القليلة الماضية. فالمجال متعدد التخصصات إلى حد كبير، ويغطيه بشكل أساسي علماء الأنثروبولوجيا والمؤرخون والدراسات التطبيقية المحلية. ولكن، على الرغم من تنوع المناهج والموضوعات، هناك أرض مشتركة بينها: وهي  نقد الاستشراق وزعزعة تصويره لفكرة المرأة المسلمة المستضعفة. وقد حفز هذا الاتجاه مجموعة كبيرة من المنح الدراسية التي ركزت على نظريات جديدة، منها:

-  نظرية الاختلاف والتحول في المجتمعات الإسلامية،

- اكتشاف المؤسسة النسائية بفضاء نشاطها الواسع،

- متابعة الآليات العابرة للحدود الوطنية والتي أعادت تشكيل علاقات الجنوسة في العالم الإسلامي. 

ولحينه لم ترفد هذه المحاور أية مقاربة سياسية. ويمكن القول إن البحوث السياسية المقارنة عن الجنوسة في الإسلام قليلة، مما يعكس إهمالاً عميقا  للموضوع. كما أن البحوث المنشورة في مجلات العلوم السياسية بعيدة كل البعد عن الاستشراق. وهذا أمر مؤسف لأنه، كما سأبين لاحقا، يقود للتعامل مع الأدبيات النقدية من جهتين متعارضتين: فهو يزيد من أهمية المقارنات، ويصيبها بالإحباط أيضا. إن بحوث المقارنة مؤهلة بشكل فريد لتفسير الجنوسة وفهمها  من منظور إسلامي وبطرق  فشلت في التوصل إليها بقية المدارس. عموما فيما يلي مراجعة غير شاملة للأدبيات التي تناولت المرأة في العالم الإسلامي،  لاستكمال البحوث السابقة التي غطت مساحات لا بأس بها من نفس الموضوع.  وسأركز على جانب واحد وهو نقد الاستشراق - ما أشير إليه باسم "الأدبيات النقدية" - والطرق التي يمكن للمقارنة أن تستفيد بها من هذه الروح النقدية بشكل مثمر أثناء البحث التطبيقي. وأولاً سأشرح ما الذي دفع العلماء إلى تحدي مفهوم الجنوسة والمرأة في الاستشراق الإسلامي. ثم سأتابع مع ثلاث مقاربات نظرية نابعة من هذا النقد، وأناقش أهميتها في المقارنة. وسأنتهي  إلى متابعة بعض القيود التي تحد من  فعالية أساليب نقد الجنوسة في سياقها الإسلامي، وكيف يمكن للمقارنات أن تساهم في هذا المجال و تقدم لنا حلولا عملية.

أولاً - تحدي الاستشراق وإرثه

يؤسس نقد الاستشراق وما خلفه لنا من أدبيات مقاربة متعددة الزوايا لمشكلة المرأة والجنوسة في الإسلام. لكن يربط معظم الناس مصطلح الاستشراق بإدوارد سعيد، الذي استخدمه في الأوساط العلمية والثقافية والسياسية في أوروبا كي يصف التمثيلات التاريخية لـ "الشرق" (الذي يتضمن كل الشرق الأوسط وما بعده من بلدان إسلامية) . وكانت هذه التمثيلات ترتكز على فئات أساسية وثنائية تفصل "الغرب" (الحديث، العقلاني، التحرري) عن "الشرق" (التقليدي، غير العقلاني، القمعي). وهكذا، لم يقتصر الاستشراق على تنظيم المعرفة عن الشرق الأوسط، بل قام أيضاً ببناء "الغرب" باعتباره متفوقاً في الثقافة والسياسة، مما أضفى شرعية على الهيمنة الأوروبية. وفي حين أن الاستشراق لم يكرس همه للتفكير بالجنوسة، لكنه تابع الأبعاد الجنسانية للخطاب الاستشراقي (أبولغد 2001؛  يغنوغلو، 1998). وهناك مقولة يتداولها المفكرون ومفادها: أن  مفتاح التفكير الاستشراقي هو في وضع المرأة المسلمة المستلبة والمقهورة،  والتي تخضع لحضارة أبوية عريقة. ويشير قدر كبير من البحوث التاريخية إلى مركزية الجنوسة في المشروع الاستعماري، فقد استُخدم اضطهاد المرأة لتبرير الاستعمار وإضفاء الشرعية عليه  (أحمد،  1992 Alloula, 1986; Chaterjee, 1989; الأزرق 1994).  ومن الأهمية بمكان أن يُنظر إلى إخضاع المرأة على أنه مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمراض الأخرى التي تعاني منها المنطقة، بما في ذلك التخلف الاقتصادي، والخلل السياسي، والتخلف الثقافي. وقد تضاعف الاهتمام بالجنوسة الشرقية  بعد 11 سبتمبر، عندما لاحظ العلماء منطقًا مماثلا يتم إعادة تمثيله في الحرب على الإرهاب. وقد أظهرت الحاجة المزعومة إلى "إنقاذ" النساء الأفغانيات والعراقيات بالتدخل العسكري حجم التفكير الاستشراقي في مجال السياسة. وحتى مع تضاؤل الحماس الشعبي لهذه الحروب، لا يزال الخطاب العام بما يتعلق بالإسلاميات مع فكرة أن المرأة المسلمة مضطهدة وأن الذكور متحيزون ضدها. ومرد ذلك (وفق تعويم هذا الخطاب) إلى الطبيعة الأصولية والبطريركية للإسلام.  وكثيراً ما يتم تسويق هذه الأفكار جنباً إلى جنب مع ارتفاع منسوب الإسلاموفوبيا، ودعم السياسات التي تحاصر المسلمين في الداخل والخارج (وهو موضوع دراستي القادمة). وبقدر ما أصبح الاستشراق الجنساني خطيراً بشكل خاص في السنوات الأخيرة، فإن الحاجة إلى تحديه أصبحت ضرورة ملحة ودائمة. وفي محاولة لزعزعة القوالب النمطية للاستشراق، ظهرت مؤلفات مستفيضة عن الجنوسة والمرأة المسلمة. ومعظمها يتحدى الافتراض السائد: أن الإسلام هو السبب الحقيقي في قهر المرأة. ولذلك هي تحاول  اكتشاف الحقائق المعقدة التي تتحكم بالعلاقات بين الجنسين في الإسلام. وقد أسفرت هذه الجهود عن عدد من الاتجاهات وسأركز على ثلاث منها:

1-  التنوع في  تفسير التقاليد الإسلامية، و2- اكتشاف مؤسسة المرأة ووسائطها، و3- تحليل الآليات والظواهر الجيوسياسية العابرة للحدود الوطنية والتي تحدد العلاقات بين الجنسين في العالم الإسلامي.

ثانيا- التنوع في 'الثقافات الإسلامية

تشكّك الأدبيات النقدية بشكل أساسي أن  "الإسلام" أو "الثقافة الإسلامية" عمدا لقمع النساء بشكل متشابه في كل الأطوار وكل الأمكنة. ولهذا الشك عدة مكونات. أولاً، هو يتحدى المنظور غير التاريخي الذي ينظر إلى الإسلام على أنه مجموعة من أوامر قانونية وعقيدية لا تتغير، وتتصف بالجمود مهما تعاقبت الأطوار والمراحل. وقد أعاد بعض المهتمين النظر في تاريخ الحضارة الإسلامية باستعمال عدسة جنسانية، وتتبعوا وضع المرأة واستجابتها لمختلف التطورات في السياسة والمجتمع. وبالمثل، شكك الكثيرون في أن "الثقافة الإسلامية/ المسلمين" كيان متجانس أو فريد، نظراً للكم المذهل من التنوع الذي تمثله الجماعات الدينية  والممتدة من أوروبا الشرقية إلى الجنوب الأفريقي إلى الشرق الأقصى. وعلى الرغم من أن هذه الجماعات تشترك  بالكتب المقدسة، فإن تفسير التعاليم والممارسات الإسلامية – بما في ذلك تلك التي تحكم العلاقات بين الجنسين – تختلف بشكل كبير من جماعة لجماعة. وبالتأكيد على هذه الظواهر المعقدة والمتنوعة والمتغيرة، تحاول الأدبيات النقدية تحدي أساسيات أو مرتكزات التفكير الاستشراقي، وأي نموذج يرى الدين منفصلا عن السياسة أو الاقتصاد أو المجتمع. وتثير هذه الانتقادات أسئلة شائكة للمهتمين بدراسات الجنوسة المقارنة. وغني عن القول أن الفكر السياسي يتهم الإسلام بارتكاب جناية ضد المرأة، ويصر أن هذا الدين سبب جذري في القهر الذي تشكو منه. ولهذه الدراسات جذور عميقة تربطها مع فلسفة الحداثة و/أو "صراع الحضارات".  فهي تلوم النظام الأبوي على تطويع المرأة، وتعتقد  أن النساء أنفسهن نتاج ثقافة وتربية  أبوية و/أو دينية منتشرة في المجتمع الإسلامي (فش، 2002، 2011؛ إنغلهارت ونوريس، 2003أ).

 ويلخص إنغلهارت ونوريس هذه المشكلة بقولهما: "إن التراث الديني الإسلامي هو أحد أقوى الحواجز أمام المد المتصاعد للمساواة بين الجنسين" (إنغلهارت ونوريس، 2003ب، 49). ولكن برأيي إن اضطهاد المرأة المسلمة تعرض للنقد والتفكيك من داخل نظام الفكر الإسلامي، وباتباع مشاهدات عملية. ولدينا ملاحظات تؤكد أن العرب “معروفين بالتبخيس من قدر المرأة” أكثر من بقية المسلمين غير العرب (دونو وروسيت، 2004؛ 2004، ريزو وعبد اللطيف وماير، 2007). وهذا لا يلغي وجود توافق على أن التقاليد الثقافية والدينية تضر بالمساواة بين الجنسين، وأن الحداثة تحسن من حياة المرأة بواسطة العلمانية والعولمة والتنمية الاقتصادية - مع تراجع في مقدار التزمت الديني (ألكسندر وويلزيل 2011؛  بيث وكريستيا وإنيكولوبوف، 2013). وفي كل هذه الدراسات كان يتم النظر للإسلام على أنه محكوم بمنطق ثقافي ينشط في كل "المجتمعات الإسلامية": ويتصف أنه  مستقر وسائد، ويعادي الحداثة، ويتصف بطبيعة أبوية. وقد يكون جزء من المشكلة في المنهج التجريبي المتبع، الذي يدعو إلى دراسة العلاقة المتبلادلة بين الإسلام من طرف والمساواة بين الجنسين (والديمقراطية أو التنمية) من طرف آخر، هو اتباع أساليب غير مخصصة وطنيا (بمعنى أنها تلغي قيمة الحدود الوطنية وتقفز من فوقها). وعلى الرغم من اختلاف العلماء حول دقة هذه العلاقات التجريبية، هناك ميول تختزل الإسلام في متغير متبدل  أو مستمر يفترض أنه يتسبب بآثار موحدة، بدلاً من متابعة الاختلاف الداخلي الذي تنتجه المؤسسات الإسلامية وأساليبها. وبالمثل، فإن "حقوق المرأة" أو "المساواة بين الجنسين" يتم العمل عليها ومتابعتها بشكل عام من خلال سلسلة من المؤشرات القابلة للتبادل تقريبا، مما يحجب رؤيتنا لتأثير مؤسسات معينة تحرك مختلف جوانب حياة المرأة. فعلى سبيل المثال، لا يكون محو الأمية بالضرورة متقاطعا مع مشاركتها في قوة العمل أو موقفها من المساواة، وهذه الظواهر ليست مرادفة لـ "الحقوق" أو "التمكين".

إن مدى ترابط المؤشرات المختلفة،  في الأساس، مسألة إمبريقية، وهو ما يتم إهماله كثيراً في النموذج. والإجراء الأكثر شيوعاً هو اختصار مختلف جوانب وضع المرأة ضمن عنوان ضيق ينظر لواحد من اثنين: "القمع" أو "التمكين".

وقد حاول بعض علماء السياسة تجاوز النظرة الضيقة للإسلام من خلال الإشارة إلى أن العوامل الاقتصادية والبنيوية، وليس الدين والثقافة، هي المسؤولة عن تبعية المرأة. على سبيل المثال يقدم مايكل روس دليلاً دامغاً على أن نظام إنتاج النفط ــ وليس الإسلام ــ  يشجع على عدم المساواة بين الجنسين، أولاً في المجال الاقتصادي ثم في المجالات الاجتماعية والسياسية (روس، 2008). ولكن في حين أن مثل هذه النتائج تسهم بحل جزء مهم من اللغز، إلا أنه سيكون مؤسفا أن تمضي قدماً كما لو كانت الثقافة والدين غير ذات صلة بالعلاقات بين الجنسين في البلدان المسلمة (أو في أي مكان آخر). والأهم من ذلك، أن الانقسام الصارم بين التفسيرات "الثقافية/الدينية" و"الاقتصادية/البنيوية" يحجب حقيقة أن المؤسسات الدينية والمواقف الثقافية والضغوط الاجتماعية والاقتصادية تتقاطع وتحدد بعضها بعضا.

وربما يفيدنا هنا دراسة مؤسسات إسلامية معينة كمتغيرات وسيطة، تشكلها سيرورة السياسة والاقتصاد، وفي الوقت نفسه تؤثر على العلاقات بين الجنسين في مجتمع معين. وهكذا يمكن للباحثين أن يبنوا على رؤى مستمدة من دراسات محلية ومن علم الاجتماع لتفسير الأساليب التي كانت بها حقوق المرأة متشابكة تاريخياً مع الصراعات السياسية المحلية. على سبيل المثال، يمكن أن نبحث مستقبلا عن الطرق التي يتم بها التفاوض على السياسات الجنسانية في البلدان ذات الأغلبية المسلمة وذلك خلال نزاعات النخبة وبناء التحالفات. كيف تصبح القضايا الجنسانية مسيسة وإلى أي مدى يتم تسييسها بشكل مختلف عبر البلدان؟. وكيف تؤثر إدارة الدولة على المكونات الدينية وتتعاون معها لتطوير قانون الأحوال الشخصية أو المؤسسات الأخرى التي تؤثر على حياة المرأة؟. تبدأ هذه الأسئلة من الافتراض المسبق بأن "الإسلام" تحدده، جزئياً على الأقل، العمليات السياسية التي تختلف عبر الزمان والمكان. وهكذا  في حين أن البعض قد يرى في التنوع الإسلامي الهائل ما يحبط توحيد الأساليب، أرى أنه فرصة للمقارنة ومتابعة الاختلافات.

 ثالثاً - بالإضافة إلى التأكيد على تنوع الإسلام، تحدّت الأدبيات النقدية الصورة النمطية للمرأة المسلمة وأنها ضحية سلبية، وأكدت على دورها السياسي المؤثر.  وتغطي البحوث المتعلقة بالمؤسسة النسائية نطاقا واسعا من المشاهدات،  ابتداء من مغامراتها الإبداعية في الفن والأدب،  إلى إدارتها  البراغماتية للأسرة والمجتمع. وهنا أود تسليط الضوء على النشاط السياسي للمرأة، وخاصة مشاركتها في الأطر والمؤسسات الدينية.

هناك اتجاه يحاول استعادة الحركة النسوية من داخل التقاليد الإسلامية،  ويرفض الرأي القائل بأن الإسلام هو في الأساس بطريركي، أو أن حقوق المرأة أو الحركة النسائية فيه تحكمها مفاهيم مستوردة من الغرب. وبدلاً من ذلك، يستلهم النصوص الإسلامية المقدسة والفقه الليبرالي والأحداث التاريخية السابقة وينظر لها  كدليل على أن الحركة النسوية تتعايش مع الإسلام، بل إن الإسلام (يفوضها هذه المهمة ويرى أنها أمانة بين يديها).  (أحمد، 1992؛ بارلاس، 2002؛ وإدوارد، 1999). ومن خلال المطالبة بحقوق المرأة، في إطار ديني، يوفر هذا المنظور الأساس لحركة اجتماعية وأكاديمية تعرف باسم "النسوية الإسلامية" أو "الاتجاه الإسلامي في تفسير المرأة".  وقد ازدهرت هذه الحركة في أجزاء كثيرة من العالم (بدران، 2013؛ مير حسيني،  2006. مقدم 2002). وهناك مجموعة أخرى من البحوث التي تتابع مسألة المرأة في سياق الحركات الدين - سياسية (أبولغد، 2013، براك، 2008؛ محمود، 2011؛ شيتريت، 2015). ويركز خطابها على كتلة من الأسئلة: لماذا تشارك المرأة في المنظمات والمؤسسات والهياكل التي يبدو أنها تحد من حريتها ومن تساويها مع الذكور، وما هي عواقب هذه المشاركة؟. وحتى في الساحات التي هي أبوية بحكم تصميمها، وضعت المرأة استراتيجياتها بطرق مبتكرة لتعزيز مصالحها، مما يزعزع في كثير من الأحيان المعايير الجنسانية التقليدية. ففي إيران، على سبيل المثال، كان للحجاب الإلزامي والفصل بين الجنسين الذي فُرض بعد الثورة الإسلامية أثر متناقض في جذب النساء إلى المجال العام. وتلاحظ ذلك بشكل خاص عند النساء التقيات والإسلاميات اللواتي وجدن في هذه الحدود الدينية الصارمة الجديدة فرصة للانضمام إلى الجامعات والقوة العاملة ومؤسسات المجتمع الأخرى.  وعندما اكتسبت المرأة الإسلامية درجة من استقلالية الذات ومنافذ مفتوحة للتحرك، استخدمت سلطتها الجديدة لدفع النظام نحو سياسات تقدمية نسبيا، وحرصت على المساهمة في حركة الإصلاح الشاملة (عفري، 2009؛ و2009. هودفار وساديغي، 2009؛ مير حسيني، 1999). وهكذا، فإن البيئات التي تهدف إلى فرض التسلسل الهرمي للجنسين يمكن أن تكون مصدرا لتمكين المرأة. في حين أن البحث المذكور أعلاه يناقش إلى حد كبير دور المرأة المسلمة في تخريب المعايير الأبوية، فإن بعض البحوث تتحدى هذا الخلط الواضح بين معنى المؤسسة والمقاومة. وتقول سابا محمود في دراستها المؤثرة عن دور المساجد في مصر إن النساء التقيات تعبرن عن الولاء من خلال قبول الأعراف الأبوية، والتآلف معها، وتوطيدها، ومنها الحياء والفصل بين الجنسين (محمود، 2011). وتقول: إن الإخلاص لمثل هذه المعايير لا يمكن أن يُرفض على أساس أنه "وعيً زائفً" أو إيديولوجيا عمياء، بل هو ممارسة عملية تقوم بها المؤسسة الأخلاقية للمرأة. ومن الأمور الشائعة أن تجد أن النساء قد لا ترغبن دائماً في التحرر من القيود الدينية، وفي كثير من الأحيان تتطوعن للعمل في ظل هذه القيود - مهما كانت أبوية - لتعزيز مصالحهن الخاصة وفق رؤيتهن لها. حتى أن كلمة "قيود" قد تكون مضللة، حيث أن البيئات الدينية توفر الموارد والفرص المتاحة في البدائل العلمانية. والواقع أن الحركات السياسية الإسلامية غالباً ما تتفوق على نظيراتها الأكثر ليبرالية وتوفر دعما استثنائيا للمرأة، وتقدم لنا سبباً آخر لإعادة النظر في نظريات التحديث/العلمنة التي تربط الدين باضطهاد المرأة. وليس المقصود تجاهل أو تقليل التفاوت بين الجنسين في العالم الإسلامي. لكن التركيز على إخضاع المرأة يمكن أن يحجب جوانب واقعية أخرى ومدعاة للتفاؤل. وبالإضافة إلى استنتاج نظريات مهمة، تثير المؤلفات التي تناولت مؤسسة المرأة في العالم الإسلامي عدداً من الأسئلة العملية التي تتطلب توظيف الدراسة المقارنة. فعلى سبيل المثال، هناك حاجة إلى إجراء مزيد من البحوث لمعالجة أثر مختلف الاستراتيجيات المستخدمة في الحركات النسائية.

وتصر العديد من الدراسات حول النسوية الإسلامية على أن الخطاب الديني أكثر فعالية من الحجج الليبرالية ، ولكن الأدلة المنهجية التي تؤيد هذا الرأي محدودة. في مثال ممتاز عن المشاركة الكاملة يتناول مسعود وجمال ونوغنت (2016) هذه المسألة بعد إجراء مسح واسع النطاق في مصر. وبنتيجته يظهر أن الإجابات تدعم بالأكثرية إعطاء المرأة دورا سياسيا وقياديا . وينطلقون من القرآن لتبرير رأيهم وليس من مبررات غير دينية،  وبالتالي يقدمون دعما واضحا للنظرية الإسلامية في تأنيث الحياة والمجتمع.  ويلحون أن المستقبل هو الكفيل بإثبات نجاعة تكتيكات وفعالية مختلف المنظمات النسائية في البلدان المسلمة (مقدم وغيتانشي، 2010). وعلى نحو مماثل إن المقارنة بين النشاط العلماني والنشاط الديني قد تقود لنظرة جديدة عن ديناميكية الحركات النسائية، وتحررها من القوالب  النمطية المتعصبة والقمعية  التي يضعها النشاط الديني في طريقها، أو تحررها من النشاط العلماني “الغربي” (وبالتالي غير الأصيل والنظيف).

ويمكننا أيضا أن نتعرف على المزيد عن مشاركة المرأة في الحركات الدينية - السياسية الأوسع نطاقا. ويلاحظ العديد من المراقبين وجود زيادة كبيرة في مشاركة المرأة وتمثيلها في الأحزاب السياسية الإسلامية، والتي يصاحبها في بعض الحالات  تحول إيديولوجي نحو مواقف جنسانية أكثر تقدمية داخل هذه الأحزاب. ويُنسب العمل المقارن الأخير إلى المناورة الاستراتيجية والتعبئة التي قامت بها المرأة من أجل زيادة حصتها في القيادة داخل المجتمعات المسلمة (Arat, 2012; كلارك وشفدلر، 2003؛ تاجالي، 2015). ومع ذلك، ليس من الواضح ما هو التأثيرالممكن الذي قد تبدل به النساء من واقع هذه الأحزاب بعد المشاركة فيها. وما هي الظروف التي يمكن أن تضمن للمرأة المسلمة فعليا حقوقها؟. في محاولة للإجابة يجب أن نقاوم أي محاولة لاختزال المشكلة إلى مستوى معركة بين المرأة ونظام الأبوة. وكما ذكرت محمود في دراستها: إن النساء هن الأدوات الوسيطة التي تفرض معايير أبوية.  وأخيرا، لا يُعرف الكثير عن سبب اختيار المرأة لشكل دون سواه من أشكال المشاركة السياسية. وتكشف بعض الدراسات المقارنة عن دور الضغوط والحوافز الاقتصادية - لا سيما التي تحيط بالزواج - والتي تدفع النساء إلى تبني نظم قيم محافظة (بلايدز ولينزر 2008; هودفار، 1997). ويمكن أن يوسع العمل في المستقبل هذا الخط من البحوث والتحقيقات بواسطة دراسة الظروف التي تشكل فيها الطبقة (أو العرق والانتماء الديني، وما إلى ذلك) الهويات السياسية للمرأة.

ثالثا - المنظور الجنساني والإسلام في رؤية عابرة للحدود الوطنية

أخيراً، تبرز الأدبيات النقدية أهمية النظرة الكونية لدراسة الجنوسة في المجتمعات الإسلامية. وقد ذكر إدوارد سعيد إن الاستشراق لم يكن ببساطة مجرد “سوء” تمثيل للـ “شرق” ؛ بل قام بدور نشيط في بناء "الغرب" وتحديد علاقته بأراضي المسلمين. وهذه الارتباطات بدورها تشكل هدف المجتمعات الإسلامية نفسها. والواقع أن عمليات الاستعمار وبناء الدولة عبر الوطنية كان لها آثار عميقة على المجتمع الإسلامي بمختلف نماذجه. وإن ما يسمى بالممارسات "الأصلية" أو "المحلية" كانت نتاج هذه العلاقة مع آليات العمل الكونية العابرة للحدود والهويات. وأحد الآثار المترتبة على ذلك أن فهمنا للجنوسة في المجتمعات الإسلامية غير كامل أساساً، ونحن حتى الآن  نتعامل مع هذه المجتمعات على أنها قائمة بذاتها ومنفصلة بشكل مطلق عن ما هو عابر للحدود الوطنية.

على سبيل المثال، تفترض البحوث الحديثة (الأطروحات المرقونة في جامعات وعمل عليها موفدون) أن قانون الأحوال الشخصية الإسلامي الحديث أو قانون الأسرة له جذور تعود لفترة الحكم الاستعماري، الذي شكل المؤسسات الدينية من أجل تلبية متطلبات الدولة الحديثة التابعة للقالب الأوروبي. وفي مقارنة بين ماليزيا ومصر والهند، تُظهر إيزا حسين كيف تم إنتاج وتقنين قطاع "الشريعة الإسلامية" من خلال سلسلة من اللقاءات بين الحكام الاستعماريين والنخب المحلية، وهي عملية تمركزت حول "الشريعة الإسلامية" في مجال الأسرة والميراث وغيرها من المسائل "الخاصة" (حسين، 2016). ويسلط عمل آخر الضوء على أهمية الحركات القومية، المناهضة للاستعمار، في تشكيل المقاربات الجنسانية المعاصرة. ولأن المرأة كانت محورا هاما في الخطابات والسياسات الاستعمارية، فقد تم استعادتها مرة أخرى في الخطاب المناهض للاستعمار، وأصبحت علامة تدل على الهوية الوطنية. والواقع أن الهيئات النسائية كانت في كثير من الأحيان نقطة صراع سياسي على نطاق أوسع، فضلا عن كونها الحامل لأي نسخة من نسخ الحداثة وتحقيق الأمة وإنجاز شعار السيادة  حسب معايير تلك الآونة (يوفال دايفيس، 1997). في إيران، على سبيل المثال، أدى نزع الحجاب قسريا في فترة الشاه إلى أسطرة العباءة  حتى أصبحت بعد الثورة الإسلامية زيا موحدا يدل بامتياز على معاداة الإمبريالية (نجم آبادي، 1991). وبالمثل، اكتسب الحجاب في الجزائر بعد حملة فرنسا الرامية للتخلص من النقاب أهمية سياسية وأصبح رمزا للمقاومة ضد الاستعمار  (لزرق، 1994).

إن تطور المعايير الجنسانية "الأصيلة" أو "الأصلية" التي تخالف المعايير الغربية لا تزال بصعود مستمر في العصر الراهن، خاصة منذ النهضة الإسلامية التي بدأت في السبعينات والثمانينات. وتكشف السرديات الأخيرة أن المرأة تميل لارتداء الحجاب وللعودة إلى التقوى،  وهذا هو الأسلوب المرغوب والسائد للتأسيس لحداثة بديلة متميزة تختلف عن النماذج العلمانية الغربية (غول، 1996). وهكذا، فإن ما يبدو للوهلة الأولى أنه عودة لكيانات الجنسين بالمعنى التقليدي هو في الواقع نتيجة لعمليات تحديث واضح، وإن لم تكن متوقعة تماما في نظريات الحداثة. وتتمثل الرؤية الرئيسية في أن العلاقات بين الجنسين في المجتمعات الإسلامية لا تتحدد حصراً بعوامل داخلية في تلك المجتمعات،  وأن التأثيرات الخارجية غالباً ما تكون لها عواقب متناقضة وغير مقصودة تؤثر بحياة المرأة. وهكذا، لكي نفهم تماما الممارسات الجنسانية أو دور المؤسسة النسائية، نحتاج إلى جهاز نظري يولي اهتماما وثيقا للاتصالات العابرة للحدود الوطنية. وبالنسبة لعلماء السياسة العاملين في مجال السياسة المقارنة والعلاقات الدولية، تثير هذه الملاحظة أسئلة مثيرة للاهتمام وتتطرق للديناميات الجنسانية المعاصرة في العالم الإسلامي. وهنا سوف أقارب موضوعين فقط.

1- لاحظ العديد من الباحثين أن النقاش حول حقوق المرأة في البلدان العربية يتشكل من خلال معاداة الولايات المتحدة ومعاداة الغرب (بوش وجمال، 2015؛ بوش، 2015؛ ريزو وعبد اللطيف وماير، 2007).  وينظر الكثير من العرب إلى معايير حقوق المرأة على أنها شكل من أشكال الإمبريالية الثقافية، وبالتالي لا بد من مقاومة هذه المعايير لتحقيق السيادة وتماسك الأمة. ولكن هل هذه الملاحظة موجودة في جميع أنحاء العالم الإسلامي؟. وإذا لم يكن الأمر كذلك، فما الذي يفسر الاختلاف في تصور العلاقة بين حقوق المرأة وبين الهيمنة الأمريكية أو الإمبريالية الثقافية؟. قد يكمن أحد الأدلة في بحوث بلايدس ولينزر (2012)، اللذين يؤكدان أن جذور معاداة الولايات المتحدة ناجمة عن التنافس ين الأحزاب الدينية والعلمانية في الشرق الأوسط. وتشير النتائج التي تم التوصل إليها إلى أن معايير حقوق المرأة محملة أيضا بمعاداة الولايات المتحدة، وهذا شرط إيديولوجي مسبق في كل المجتمعات، كما أنه شرط استراتيجي للنخب  التي تراهن على نشر هذه المعتقدات الأيديولوجية لتحقيق مكاسب سياسية. ومع ذلك، من الضروري إجراء المزيد من البحوث لفهم هذه الاستراتيجيات بشكل كامل، ولتفسير طرق انتشار الإيديولوجيات الجنسانية "غير الغربية" أو "المعادية للغرب" والتي تجتاح أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي.

2- نحن بحاجة ماسة إلى فهم أفضل لتأثير التدخل العسكري الأجنبي والحروب المستمرة على حياة المرأة في الشرق الأوسط وأماكن أخرى من العالم. ومن المرجح أن يتحدى الواقع الاستنتاجات المعيارية السهلة. فمن ناحية، ربما تكون السلطة الحاكمة بمساعدة من الغرب قد أتاحت فرصاً جديدة للنساء في التعليم، والقوى العاملة، والقطاع المدني. ومن ناحية أخرى، يتفق علماء السياسة والنقاد على أن المحاولات الغربية لغرس الديمقراطية والحرية في الخارج كثيراً ما تؤدي إلى عواقب غير مقصودة تفضي إلى تفاقم النزعة غير الليبرالية التي كان من المفترض أن تدمرها. وفي مواجهة هذا التعقيد، فإن البحوث المقارنة هي أداة حاسمة لتحديد الأنماط العامة والعلاقات السببية.

خامساً - الاستنتاجات:  ما بعد الاستشراق؟

أن أدعي أن البحوث المقارنة  يمكن أن تتعلم بشكل مثمر من نقد الاستشراق، لا يعني أنني أقول إن الأدبيات الناقدة تخلو من العيوب أو بعض القصور. إن مركزية الاستشراق تفرض عدداً من القيود على هذا المجال، بما في ذلك:

-  خفض قيمة العلاقات الاجتماعية لصالح تحليل التمثيلات.

-  والابتعاد عن المؤسسات الأبوية المحلية التي لا تستمد مغزاها من الصور الغربية.

- والخلط بين إدانة التمييز بين الجنسين في العالم الإسلامي وبين فكرة الاستشراق ( تيرمان، 2016).

في ضوء أوجه القصور هذه، يقدم أتباع الدراسات المقارنة مهارات وأساليب ورؤى فريدة لدراسة الجنوسة وأحوال المرأة المسلمة. والواقع أن الأدبيات النقدية غالباً ما تستخدم مزاعم عملية تستمدها من العمل التطبيقي لا يتم التحقق منها . والأسوأ من ذلك أنه يتم الاعتماد عليها وكأنها عقيدة مقدسة. وينبغي على أتباع البحوث المقارنة أن يتولوا مهمة اختبار مثل هذه الادعاءات ومقارنتها مع البيانات المتاحة، الأمر الذي من شأنه بالتأكيد أن يغني النقاش النظري ويدفعه لتجاوز الركود الذي لحق بنظرية الاستشراق.

وسيستمر الباحثون الذين يقومون بأعمال تجريبية في مواجهة عدد من الصعوبات، ولا سيما الافتقار إلى البيانات المتاحة بالإضافة إلى التحديات المنهجية المحيطة بإجراء الاختبارات. ولكن من خلال إشراك نقد الاستشراق في أساليب عملنا، من المرجح أن يقدم أنصار البحوث المقارنة نظرة أكثر موضوعية تفسر العلاقات بين الجنسين في المجتمعات الإسلامية. وعليه  يجب أن نتجنب الميول للتعميم وافتراض أن جميع النساء لديهن رغبات متماثلة في كل مكان. وفي الوقت نفسه، يجب أن نقاوم إغراء تهميش المرأة المسلمة وكأنها نوع بشري منفصل. وأن نقاوم أيضا الظاهرة التوأم للتهميش، والتي تفترض أن عالم النساء الاجتماعي يتحرك من فوق النظريات الإنسانية العامة التي تحكم مجالات الجنوسة والتسييس. وغني عن الذكر أن أنصار البحوث المقارنة يبنون معارفهم عن الجنوسة في محيطها الإسلامي، ثم يعيدون التفكير بها وتفكيكها في بيئة مغايرة  (لتكن الولايات المتحدة)،  وإلى حد كبير باستعمال رموز سياسية تتطرق  للمعرفة التي نكتسبها عن الجنوسة بسياق إسلامي، ثم يعملون على توظيفها في سياق آخر (وسوف يستخدمونها لإعادة التفكير حول فهمنا للجنوسة في أماكن أخرى بما في ذلك في الولايات المتحدة). وفي إطار الجهود الرامية إلى "تعميم" الجنوسة في العلوم السياسية، لن يكون الهدف الحقيقي هو زيادة كم النشاط المتعلق بدراسة الجنوسة وإنما قدرته على الوصول لزوايا حساسة من هذا الموضوع.

 

............................

* روشيل ليلى تيرمان Rochelle Layla Terman باحثة وأكاديمية أمريكية. تعمل بمرتبة أستاذ مساعد في قسم العلوم السياسية بجامعة شيكاغو.