خديجة ناصريمع مطلع القرن العشرين انبثقت قاعدة ابستيمولوجية جديدة هيمن على إثرها الإنسان كموضوع معرفي جديد على حساب الخطاب الذي كان يمثل موضوع علوم العصر الكلاسيكي، فالإنسان الذي كان العلم السابق يجهله ككيان ناشط ومنتج وذات واعية مستقلة في وجودها، أصبح يتصدر مواضيع المعرفة الجديدة. وهذا ما أكد عليه "ميشال فوكو" في قوله، "الإنسان اختراع حديث العهد، صورة لا يتجاوز عمرها مئتي سنة". وكل محاولة لفتح ملف الإنسان يجر بنا للتركيز على سؤال شكل إحدى المداخل الإشكالية الأساسية في الفكر الفلسفي الغربي المعاصر يتلخص في التساؤل عما إذا كان الإنسان في جوهره شرير وفاسد، أم أنّه خير وصالح؟ والمتأمل في السياق الفلسفي العام الذي تبلور على اثره عديد الآراء يمثل امامه زخم من الافكار التي هوجم من خلالها الإنسان بالتشكيك في جل القيم التي بثها فينا فلاسفة الانوار، فبعد أن صور لنا الفكر الحداثي التنويري الإنسان على أنّه ذات واعية وفاعلة وإرادة حرة وعاقلة، له القدرة على الإبداع والخلق، وما صاحب ذلك من شعارات التسامح والإخاء ونشر السلام والاتحاد بين أبناء المعمورة ظهر ما عرف بالنزعة الإنسانية المعادية التي حاولت إبراز الخيوط والوشائج الخفية التي تغلف هذه الصورة اللامعة للإنسان بوصفه سيد الطبيعة وأشرف المخلوقات رفعة وسموا، فمع الإفلاس الأخلاقي الذي آل إليه إنسان هذا العصر ظهرت دعوات تنتقد وتنتقص من قيمة كل ما يتأسس على الذات الإنسانية، وأخذت معالم صورة الانسان تتلاشى وهويته تتشظى وسط ما يشهده العالم من دمار وخراب، مما أدى إلى إذابة مفهوم الإنسان بعد أن اخترقته سهام النقد، ونجد في هذا السياق الفيلسوف "إريك فروم" الذي خص الإنسان بالدراسة والتحليل يقول: "نحن نرى انعدام إنسانية الإنسان اتجاه إخوته في كل مكان: في الحرب والوحشية، في القتل والاغتصاب، في الاستغلال الوحشي للضعيف من قبل القوي، وفي حقيقة أنّ أنّات المعذبين وآهاتهم لم تعد تلقى إلاّ أذانا صماء و قلوب قاسية". فما هو ماثل على الساحة العالمية من جرائم و كوارث يفقد الإنسان صفة الإنسانية من حيث كونه يزرع مشاعر الظلم والقسوة والتجبر ويركض خلف شهواته وغرائزه فروحه تشيطنت ونفسه اعتلها الكبر والغرور انغماسه في مظاهر الحياة المترفة جعله عبدا لرغباته فاستحال عضوية فاقدة للقيم سلطانها المادة قانونها العنف شعارها اللذة والمنفعة وهذا ما اوضحه "إريك فروم" بالقول: "إذا مات الإنسان نفسيا على الرغم من أنّه يحيا جسديا، فإنّه يقاد إلى السقوط ويصبح خطيرا على نفسه وعلى الآخرين"، ومن هنا ظهرت مقولة موت الإنسان التي تحيل إلى معاني كثيرة غير المعنى الظاهر، وقد وجدت منبعها الأول عند "نيتشه" الذي أعلن أنّ موت الإله لا يعني بزوغ عصر الإنسان بل أفوله، كما ظهرت مع "هيدغر" ومن بعده "لفي ستروس" ثم تلقف هذه الدعوى "مشال فوكو" الذي اقتفى أثر نيتشه وهيدغر في سبيل التقويض الجذري لأسس النزعة الإنسانية، فالإنسان عند "فوكو" ليس أكثر من حدث معرفي مؤقت، عملت على ظهوره مجموعة من الشروط والأولويات التي صنعت ثقافة القرن التاسع عشر. ومحكوم عليه بالاندثار عندما تبدأ أسس تلك الثقافة في التصدع، وهو ليس أكثر من ومضة عابرة على سطح المعرفة.

 ولم يكن المفكر العربي في منأى عن هذا السجال الدائر على الساحة الفلسفية بخصوص وضعية الإنسان في الفكر المعاصر فنجد "زكريا إبراهيم" في كتابه "مشكلة الإنسان"، يرى أنّ الإقدام على تقديم تعريف للإنسان ليس بالشيء المتيسر والمتاح ذلك لأنّ الإنسان موجود زئبقي نعت بالعديد من الأوصاف التي جعلت منه أحيانا سيداً للطبيعة وأشرف مخلوقات الله، وأحيانا أخرى فهو أرذل الخلق وأكثرهم قبحاً وحقداً وأقدرهم على ارتكاب الشرور والمفاسد وكل ما يطالعنا به الواقع من جرائم وحشية لخير دليل على مرض الذات الإنسانية بداء الكراهية والحقد والضغينة.

 وقد كان "علي حرب" منضوي تحت هذا التيار الذي شن هجوما عنيفا على الإنسان وهو ينظر إليه على أنّه كائن تسكنه الرغبة في السيطرة والتجبر بحيث لم يعد له المقدرة لحل المشكلات بقدر ما أصبح مفتعل للخلافات والأزمات والنزاعات، ويرى "أنّ تنقيب الإنسان عن نفسه قد أدى إلى أن يجد فيه كل ما ليس بإنساني، أو ما ظن أنّه كذلك، أي أن يجد المرضي واللاسوي والطبيعي والحيواني والطفلي والبدائي، وإذن كل الأوجه التي كان يستبعدها من ذاته". فالإنسان الذي نصب نفسه سيدا للطبيعة لا يعدو سوى رتبة بين الموجودات، وفرع من شجرة الحياة الكبرى، يسقط ويتحرك كجسم، وينمو ويتحلل كنبتة، ويتصرف ويتناسل كحيوان. ف"علي حرب" يرى أنّ الإنسان أضحى يتساوى مرتبة مع البهائم إن لم يكن أقل مستوى من ذلك لأنّ ذوات البشر اعتلت بالضغينة والكراهية، يقول في ذلك: «نحن لسنا أخيارا وبررة بالقدر الذي نظن، فالميول الهدامة تعشش في صدورنا، ورؤوسنا مفخخة بالنوايا الشريرة، والعدوان في طباعنا، والظلم شيمنا، والفحشاء ما تحث به نفوسنا". وبهذا تشوهت صورة الإنسان وتم الاستخفاف به والعمل على إقصائه وخلع الأقنعة التي كان يتستر خلفها فهو لم يعد ذلك الكائن الواعي المسؤول، والمالك لزمام أمره والفاعل في تاريخه والخالق لمصيره، فعلى الرغم مما أنجز من تقدم علمي هائل وما تحقق من معجزات تقنية فانّ البشرية لا تحصد سوى عنفا متزايد كماً ونوعاً، مما يعني تبخر الآمال والوعود ببناء عالم مستقر تسوده قيم السلام والتضامن والعدالة، أو على الأقل بالعيش في معمورة تكون أقل اضطرابا وعنفا وتمزقا.

 

  ناصري خديجة – الجزائر

............................

المصادر والمراجع

1- ميشال فوكو، الكلمات و الأشياء، ترجمة مطاع صفدي و آخرون، مركز الإنماء القومي، لبنان 1990م، ص319.

2- إريك فروم، جوهر الإنسان، ترجمة سلام خير بيك، دار الحوار للنشر و التوزيع، الطبعة الأولى، سوريا 2011م، ص14

3- إريك فروم، الإنسان المستلب و آفاق تحرره، ترجمة حميد لشهب، الرباط شركة نداكوم للطباعة و النشر، الرباط 2003م، ص47.

4- زكريا إبراهيم، مشكلة الإنسان، دار مصر للطباعة

5 –علي حرب، التأويل و الحقيقة: قراءات تأويلية في الثقافة العربية، دار التنوير للطباعة و النشر و التوزيع، الطبعة الثانية، بيروت 2007م،ص 63.

 

زهير الخويلديتمهيد:

"إن ظهور الألم يذكرنا بجسديتنا بسرعة كبيرة"

في نص موجز وأساسي تم تسليمه ونشره في عام 1992 شكك بول ريكور في تجربة المعاناة في قلب الوجود البشري وكشف آفاقها فيما يتعلق بالذات والآخر وانتقل بالتحليل من الألم الجسدي إلى المعاناة الأخلاقية وقام بالتفريق بين العذاب الجسماني والألم النفسي. لقد عزم على إعادة قراءة هذا النص الرئيسي لفهمه وللتأمل في الأنثروبولوجيا الفلسفية وأخلاقيات الرعاية التي يتضمنها. كما قدم هذا العمل فكرة جديدة بعنوان "المعاناة ليست الألم" والذي كان في الأصل ورقة ضمن تجارب التحليل النفسي وأثراها بالقراءة الفلسفية والاجتماعية والطبية التي تكشف قوة المبادئ التوجيهية التي تجعل من الممكن التشكيك مرة أخرى في العلاقة مع الانسان الذي يعاني سواء في سياق علاقة طبية أو في منظور الأنثروبولوجيا الفلسفية وتطرح مسألة "فهم المعاناة" الممكن وكيف يمكننا إعادة التفكير فيه في إطار التفكير في الأخلاقيات الطبية وبشكل أعم حول تحديات الرعاية اليوم، لذا يعد هذا النص الذي يقدم لنا عمقه وأهميته نقاط تحليل قيمة أكثر ضرورة من أي وقت مضى.

ترجمة:

"اسمحوا لي بادئ ذي بدء أن أشكر رئيسكم جان جاك كريس على دعوته لإطلاع صباح هذا اليوم على المناقشة. تختلف مساهمتي عنه في أنه لا يعتمد على الخبرة السريرية، وبالتالي على تصنيف الاضطرابات النفسية، ولكنه يستخدم فقط أكثر التجارب الإنسانية شيوعًا وكونية. . بالإضافة إلى ذلك، ليس المقصود من مساهمتي توجيه الفعل العلاجي، ولكن فقط لإلقاء الضوء على فهمنا للإنسان، باعتباره القدرة على تحمل المعاناة الدائمة. . إن افتراضي المسبق هو أن العيادة والفنومينولوجيا تتقاطع في علم السيميولوجيا في فهم علامات المعاناة. الأول يوجه الثاني من خلال كفاءته، والثاني يوجه الأول من خلال فهم المعاناة التي يبدو أنها تكمن وراء العلاقة العلاجية نفسها. سنناقش بلا شك هذه التعليمات المتبادلة والمتداخلة لاحقًا. أذهب مباشرة إلى صعوبات الموضوع. سوف أتخطى الأول بسرعة كبيرة. يتعلق بالحد بين الألم والمعاناة. الانسان في العيادة لديه محامله، أي الصلة بين الاضطرابات النفسية والظواهر النفسية، التي تعتبر "مكان" هذه الاضطرابات؛ ولكن ماذا يعني "المكان" الطبوغرافيا المثال وما إلى ذلك وماذا تعني النفس من الداخل؟

 من أجل العلامات، ومن ثم  السيميولوجيا فإن الطب النفسي والفنومينولوجيا يتحدان معاً لتبرير استخدامهما المنفصل لمصطلحي الألم والمعاناة ؛ لذلك سوف نتفق على الاحتفاظ بمصطلح الألم للتأثيرات المحسوسة على أنها موضعية في أعضاء معينة من الجسم أو في الجسم كله ومصطلح المعاناة للتأثيرات المنفتحة على التفكرية اللغة العلاقة بالذات، العلاقة بالآخرين العلاقة بالمعنى للتساؤل - عن كل الأشياء التي سنأخذها بعين الاعتبار في لحظة معينة..."

تعقيب:

 "عندما نعاني لم يعد بإمكاننا أن نرقى إلى مستوى أنفسنا ومثلنا الأعلى"

لقد حاول العديد من الفلاسفة فهم الألم أو التعرض له أو قبوله أو فصل نفسك عنه لأن المعاناة هي الوجود فأنا أعاني جزءًا من الحياة وبول ريكور يفترض التمييز بين الألم والمعاناة مما يجعل من الممكن ربط الألم بالجسد والمعاناة التفكرية أو اللغة أو العلاقة مع الذات وبذلك تصبح المعاناة هي ما يعرفه المرء عن نفسه ويعرف الآخر عنه. لقد تم تعريف الألم من علم النفس بوصفه تجربة حسية وعاطفية غير سارة، مرتبطة بتلف فعلي أو محتمل في الأنسجة، أو تم وصفه من حيث هذا الضرر وهكذا إذا كان الألم هو بالفعل إحساس حقيقي إنه أيضًا عاطفة مثل جميع العواطف يظل بارزا ومرتبط بظروف حدوثه.

أما معنى الألم فهو ليس مجرد مسألة تتعلق بالجهاز العصبي. كان ديكارت بحثًا عن أفكار واضحة ومميزة قد فهم هذا بالفعل عندما كتب أنه إذا كان الشخص الذي يعاني يمكن أن يكون لديه فكرة واضحة عن ألمه فإن هذه الفكرة ليست لجميع تلك المتميزة "عندما يشعر بألم لاذع والمعرفة التي لديه عن هذا الألم واضحة له وبالتالي لا تختلف دائمًا لأنه عادة ما يخلطها مع f في الأحكام التي يصدرها حول طبيعة ما "يعتقد أنه في الجزء المصاب أنه يعتقد أنه مشابه للفكرة أو الشعور بالألم الذي هو في فكره على الرغم من أنه لا يدرك شيئًا سوى الشعور أو الفكر المشوش الذي ينطوي عليه".  أقرب إلى المنزل في القرن العشرين كان بوسع جورج كانغيلهيم أن يؤكد بشكل مشروع أن الألم له معنى فقط على مستوى الفردانية البشرية الملموسة لأن "الإنسان يتسبب في آلامه أثناء مرضه أو كما يفعل. حدادا بدلا من استقبالها أو تحملها. إنني تجربة إنسانية عالمية وعالمية والألم هو أيضًا الأكثر تفردًا والأكثر حميمية من بين جميع تجاربنا. إذا كان الألم في حالة نوبة مرضية مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بتجربة المريض فإن هذه التجربة تعتمد أيضًا جزئيًا أيضًا على فكرة أن الشخص الذي يعاني منها. الرعاية التمثيل الذي ينقله المجتمع والمفهوم الذي يقدمه العلم (علم الأعصاب اليوم). في مواجهة الألم هناك العديد من المواقف (من الناحية النظرية) التي يمكن أن تخضع لها وتدعمها وتتباهى بها وتثور وتستمتع بها وتسليمها وتنفصل عنها وتقبلها وتساميها. وهكذا اعتقد الرواقيون وأولهم العبد الذي أحضر إلى روما في القرن الأول الميلادي أن الألم يمكن تدجينه عندما يتعلق الأمر بالجسم والأمر متروك لك لا يهمه ليس الروح بعد أن أمضى طفولته في خدمة سيد قاسي كان سيكسر ساقيه عمداً أبيكتيت كان من الممكن أن يحذر سيده بقوله "الساق سوف تنكسر" دون شكوى أخرى وبمجرد حدوث المصيبة لكان قد انتهى بـ <لقد حذرتك> بالتأكيد وجهة نظر الرواقيين لا تخلو من الفائدة. الذين اعتقدوا أن معاناتنا تأتي ببساطة من خلاف بين رغباتنا وقوانين العالم لكن نصائحهم تبدو لرجل اليوم بعيدة المنال أنا الذي سيكون قادرًا حقًا في مجتمعنا على مطابقة إرادته بهذه الطريقة للحد من رغباته والعيش "وفقًا الطبيعة "؟ ومع ذلك تحت حكم الفلاسفة العظماء تثير العديد من الشهادات المذهلة هذه الإمكانية للتحكم حتى في السيطرة على البسطاء بأي ألم. على سبيل المثال عانى مونتين لسنوات عديدة من نوبات رهيبة للمغص الكلوي الذي كان يسمى في وقته "الحصى" أو "مرض الحجر". يخفي ألمه في العديد من صفحات مقالاته: "أنا أتصارع مع أسوأ الأمراض والأرانب الأكثر مفاجأة والأكثر إيلاما. أرانب مميتة وغير قابلة للعلاج. لقد اختبرت بالفعل خمسة أو ستة نوبات طويلة ومؤلمة للغاية: ومع ذلك فإما أن أتملق نفسي أو أن هاي ما زال لديه الوسائل في هذه الحالة للتمسك بثبات لأولئك الذين لديهم الروح المحررة من الخوف من الموت و تحرر من التهديدات والجمل والعواقب التي يملأ الطب رؤوسنا. لكن واقع الألم نفسه ليس مؤلمًا ولاذعًا لدرجة أن الرجل المتوازن يجب أن يغرق بسببه. في الغضب واليأس ". أنا أقرب إلينا. فريدريك نيتشه الذي كان يعاني من صداع متكرر ومؤلم بشكل خاص كان على علاقة خاصة للألم. يكتب في المعرفة المرحة: "الألم وحده ألم كبير هذا الألم الطويل والبطيء الذي يستغرق وقته ويجعلنا نطبخ مثل الخشب الأخضر يجبرنا الفلاسفة على النزول إلى آخر جزء من أعماقنا أن يرفض كل هذه الثقة، البونومي، الحجاب، الحلويات ومصطلحات متوسطة ربما وضعنا إنسانيتنا فيها حتى ذلك الحين. أشك كثيرًا في أن هذا الألم سيجعلنا "أفضل" لكنني أعلم أنه يجعلنا أعمق ".

هناك شكل من الألوان المسيحية، كان باسكال مثالاً لها والذي وجدناه في قلم الفيلسوف سيمون ويل في القرن العشرين في الجاذبية والنعمة، في عام 1943 في وقت سابق للموت حرفيا من الجوع في المنفى في إنجلترا كتب: "إن العظمة القصوى للمسيحية تأتي من حقيقة أنها لا تسعى إلى علاج خارق للمعاناة بل استخدام خارق للمعاناة". وأضافت في كتاب آخر بعنوان "توقع الله": "يجب ألا أحب معاناتي لأنها مفيدة ولكن لأنها".

السؤال بالنسبة لهؤلاء الفلاسفة هو أقل من الألم من المعنى الذي كانوا قادرين على إعطائه. كاختبار يمكنه أحيانًا أن يعلمنا شيئًا عن أنفسنا. من خلال ترك علامة في تاريخ الشخص الذي عانى فإنه يعدلها بشكل دائم لأنه كما أشار جورج كانغيلهيم "لم يعد أي غونسون إلى البراءة البيولوجية. من وجهة نظر تقليدية يقع في قلب العديد من طقوس المرور. يوجد لذلك استخدام اجتماعي وثقافي للتجربة المؤلمة. هذه هي الرسالة التي دافع عنها ديفيد لو بريتون في كتابه بعنوان أنثروبولوجيا الخبز. ومع ذلك في سياق المرض الجسدي أو العقلي غالبًا ما يبدو الألم بلا معنى ؛ يعزل المرضى ويضيف فقط التعاسة إلى التعاسة. بينما يغزو الجسم يصبح الألم معاناة عالمية. من الضروري والتمييز غير الكافي  في هذا الصدد نحن ندرك جيدًا أن الفطرة السليمة تحدث فرقًا بين الألم والمعاناة. سعى بول ريكور في مداخلة في الندوة التي نظمتها جمعية الطب النفسي الفرنسية في بريست في عام 19921 إلى توضيح هذا التمييز بقوله: "لذلك سنوافق على الاحتفاظ بمصطلح الألم للتأثيرات المحسوسة على أنها موضعية في أعضاء معينة من الجسم. أو في الجسم كله ومصطلح المعاناة للتأثير مفتوح على التفكرية واللغة والعلاقة بالذات والعلاقة بالآخرين والعلاقة بالمعنى والتشكيك. " ان التمييز الذي تحدثه اللغة الألمانية وتناوله أب الفنومينولوجيا إدموند هوسرل بين Korper ("الجسم العضوي" أي أن الجسم البشري كشيء) و Leib ( يمكن أن يساعدنا "الجسد الخاص" الذي يختبره الشخص من الداخل) على فهم أفضل لكيفية تحويل الألم عند لمس Korper إلى معاناة تغزو Leib. ومع ذلك في هذا التدخل نفسه أدرك بول ريكور أن هذا الاختلاف هو في الواقع أكثر نظريًا من الجانب العملي لأن: "الألم النقي الجسدي البحت يبقى حالة خطية كما هو الحال مع المعاناة النفسية البحتة المفترضة والتي تذهب نادرا ما دون درجة من الجسدنة. يفسر هذا التداخل تردد اللغة العادية حيث نتحدث عن الألم بمناسبة فقدان صديق لكننا نقول أننا نتألم عند وجع الأسنان. وبالتالي يفضل بول ريكور الحديث عن "معاناة" يمكن تقسيمها على محورين: المحور الذاتي الآخر الذي يتم التعبير عنه كتغيير للعلاقة مع الذات كما هو الحال مع الآخرين و محور معاناة التمثيل حيث تتكون "المعاناة" بشكل أساسي من تقليل القدرة على الفعل. محور "الذات الذاتية" على محور الذات الأخرى مع الألم يتضح إدراك جسدي. في مواجهة السؤال الفلسفي "هل أنا" أو "هل أنا جسد " فلا شك ممكن: أنا بالفعل جسد. إنه خام. إذا كانت الحياة الصحية هي صمت الأعضاء كما أكد رينيه لينش فإن الألم على العكس من ذلك صاخب وأحيانًا يصم الآذان وفي جميع الأحوال فإن حدوثه يذكرنا جيدًا بسرعة لجسديتنا. كما كتب الفيلسوف إيمانويل ليفيناس: "في طريق مسدود من الألم الجسدي ألا يختبر المريض بساطة كيانه التي لا تنقسم عندما يستدير في فراشه من المعاناة ليجد موقف السلام؟ . يجب أن نتذكر أن الجسد المتألم يصبح مكان الحياة المريضة مكان نقش في الزمن يتغير الشخص الذي يعاني في الجسد والروح. من المثير للاهتمام أن نلاحظ أن كلمة المعاناة تأتي من المعاناة اللاتينية من الفري الذي يعني حمل عبء ويحتوي على إحساس بالجهد. لذلك فإن المعاناة هي التحمل. تتحول المعاناة إلى حبس وشكل من أشكال الإدانة على الذات. في كتاب "الكلية واللانهاية" يمكن أن يكتب إيمانويل ليفيناس: "إن حدة المعاناة ترجع إلى استحالة الفرار منها وحماية النفس. في نفسه ضد نفسه. ومع ذلك يتذكر: "من خلال التأكيد على أن الإرادة البشرية ليست بطولية فإننا لم نختار الجبن البشري ولكننا أظهرنا هشاشة الشجاعة التي هي على وشك فشلها" . لذلك من الأسهل فهم لماذا يرفض بعض المرضى الذين يعانون من المسكنات لأنهم يعانون بشكل أساسي أن يظلوا على قيد الحياة. على أي حال يكفي أن تختبر المعاناة لتعرف أنها تعزل وتفصل. ومع ذلك كما لوحظ بحسب بول ريكور بحسب شدة "المعاناة" تعرف العزلة عدة مراحل: "على أدنى مستوى التجربة الحية ضرورية لتذكيرنا بما لا يمكن استبداله. غير المصاب هو جسديتنا الفريدة. في الخطوة التالية تم رسم التجربة المعيشة للمعدمين. الآخر لا يستطيع أن يفهمني ويساعدني ؛ هناك عائق بيني وبينه لا يمكن التغلب على الحاجز: وحدة المعاناة المكثفة يعلن الآخر عن نفسه على أنه عدوي الشخص الذي يجعلني أعاني (الإهانات الغيبة ...). جرح المعاناة  وأخيرًا عند أعلى درجة من الضراوة يتم إطلاق العنان للشعور الخيالي باختيارهم للمعاناة. هذا هو السؤال الذي يطرح السؤال لماذا أنا؟ لماذا طفلي في جحيم المعاناة؟  وبالمثل ترى حنة أرندت أن الألم هو فرد عظيم. وفقا لها "الألم فقط يتحرك بشكل جذري بعيدا عن العالم المشترك"، وبالتالي تمحو العالم باعتباره أفق التمثيل. يبدو أن العالم غير قابل للسكن حرفيا. لذا فإن المعاناة تحول علاقتنا إلى الذات ولكن أيضًا للآخرين والعالم. لأنه وهذا هو المحور الثاني الذي حدده بول ريكور الألم هو الوقاية أيضًا من حيث هو محور "الفعل معاناة" على محور معاناة الفعل يتذكر أنه " لا يتم تعريف المعاناة فقط من خلال الألم الجسدي ولا حتى من خلال الألم العقلي ولكن من خلال الحد حتى تدمير القدرة على الفعل من القدرة على القيام به والتي يتم الشعور بها كهجوم على سلامة الذات ". أنا فقط من أولئك النشطاء يمكن أن يعانوا كما يؤكد بول ريكور. هكذا يتم العثور على علامات هذا الانخفاض في سجلات الكلام أو الفعل نفسه أو القصة أو احترام الذات (عدم القدرة على القول والارتباط وتحمل مسؤوليات المرء).

على أي حال يبدو أن المعاناة تطغى على قدرات الاستجابة وتدمر استقرار المعايير فاللغة نفسها تفقد معناها. هناك نوع من الصدع الذي ينفتح بين "الرغبة في القول" و "العجز عن القول". ما هو غير موجود موجود ولكنه غير قادر على العمل. عندما نعاني لم يعد بإمكاننا أن نرقى إلى مستوى أنفسنا ومثلنا الأعلى. لذلك نجد "المعاناة" عند تقاطع هذين المحورين وتغيير علاقته بالذات والآخرين وفقدان أكثر أو أقل أهمية من قدراتها. على هذا المنظور يلخص بول ريكور تفكيره على النحو التالي: "ما نلاحظه أولاً وقبل كل شيء هو مضاعفة السلبية للموضوع الذي ألقي على نفسه بفقدان السلطة على ...". ما هو الرد المحتمل؟ ألا يساعد الذات في تحويل معاناتها إلى كلمات وبالتالي عملية الرعاية؟

يمكن إجراء هذه المساعدة عن طريق الأدوية ولكن ليس فقط. ألا يعني القيام بكل ما هو ممكن لتقديم ملجأ لمساعدة أولئك الذين يعانون للعثور على مكانهم في المجتمع؟

إن الذي يبدو أنه متناقض في تجربة الألم هو أن اللقاء الحقيقي ممكن فقط في ذلك الوقت لأنه وفقًا لإيمانويل ليفيناس: "فقط الكائن يصل إلى توتر وحدته من خلال المعاناة والعلاقة مع الموت يضع نفسه على أرض تصبح فيها العلاقة مع الآخر ممكنة". هذه "السلبية" التي تتحول إلى معاناة إلى ضعف هي بالتحديد مصدر العلاقة الأخلاقية. كما يلاحظ لازار بنارويو في عمل إيمانويل ليفيناس فإن جسم المعاناة هو صاحب الغموض البدائي: في حين أن التجربة الجسدية للمعاناة تسلسل الموضوع لنفسه فإن الضعف يؤكد أن الموضوع غامر خارجه في حالة الانفتاح على الآخرين ". ما يسمح للقاء ليس سوى تجربة "المعاناة" الفردية والمشتركة.  في ظل هذه الظروف في مواجهة المعاناة المعزولة لا يمكننا أن نعتقد أنه لا يزال هناك على الرغم من كل شيء بين الآخرين وأنا شيء يبقى من يجمعنا؟ ماذا يمكن أن تكون هذه النقطة المشتركة هذا الوزن الذي يثقل كاهلنا إن لم يكن هذا الضعف العام الذي سيجعلنا نشبه أنفسنا (ويوحدنا)؟ ما سيجمعنا هو النتيجة المتناقضة لعدم فهمنا المتبادل ومعاناتنا المشتركة. في هذا المعنى ألا يمكننا أن نعترف أنه إذا شعرت بالعزلة تجاه زملائي عندما يعاني فذلك ليس لأنه زملائي وأنه يعاني ولكن بدلا من ذلك أن معاناته تجعلني مثلي؟ إلى جانب ذلك المعاناة جزء لا يتجزأ من الحياة. ما معنى اختفاءه التام؟ سيكون وجود بدون معاناة لا تزال بشرية؟ أليست هي التي تعطيني الشجاعة لألزم نفسي للآخر لهذا الرجل الذي مثلي يمكن أن تخضع لها؟ ومن المفارقات أليس معنى المعاناة موجودًا في رفضه؟ أكثر من ذلك لأنه من الضروري دون التخلي عن كل ذلك الاعتراف بأن هناك معاناة لا تقتصر على الطب فحسب بل تتجاوز الرعاية أيضًا. هذه الملاحظة حتى الآن لإسقاطنا يجب أن يجعلنا ببساطة متواضعين. هكذا كتب ألبرت كامو في نهاية الانسان المتمرد هذه الخطوط القوية: "يمكن للإنسان أن يتقن في نفسه كل ما يجب أن يكون. يجب عليه إصلاح كل ما يمكن إصلاحه في الخلق. بعد ذلك سيموت الأطفال بشكل غير عادل كما كان دائمًا حتى في المجتمعات المثالية لا يمكن للإنسان أن يقترح إلا لتخفيف آلام العالم بطريقة غير مشروعة. لكن الظلم والمعاناة ستبقى، ومهما كانت محدودة فلن تتوقف عن الفضيحة ". فمتى تتوقف الفلسفة عن طلب الحقيقة وتزيل الآلام؟

 

د. زهير الخويلدي

.......................

الرابط الأول:

https ://doi.org/10.3917/puf.marin.2013.01.0013

الرابط الثاني:

https://editions-metailie.com/pdf/psychiatrie1892012.pdf

المصدر:

صفحة 13 و 14• المعاناة والألم. حول بول ريكور

  بتوجيه من كلير مارين ناتالي زاكاي رينرز، سنة 2013

 مجموعة: أسئلة العناية،  النشر الجامعي بفرنسا

 

علي محمد اليوسفتوطئة: يشي عنوان المقال الى تنويعات من المخاتلة اللغوية بين تطابق دلالة الكلمة مع مدلولها الشيئي أو المعنوي غير الحسي التي رافقت فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات، كما في مصطلح مخاتلة اللغة في ادخارها فائض المعنى الملازم لها في تعدد القراءات للنص المدون المكتوب، فمدلول المعنى لا يطابق الفاظ الدلالة لها، وفي الخلاف المستدام فلسفيا ايهما يمتلك الاسبقية الكلام الشفاهي ام الكتابة (خلاف البنيوية مع التفكيكية) وما يتعالق  بهما من فوارق تجعل المساءلة هل تعبير الكلام هو ذاته في حمولته اللغوية الصوتية الناطقة لسانا تطابق دلالته الكتابية في المعنى حين يصبح نصا مدونا مقروءا، أم أن الكتابة ليست ترجمانا نقليا ميكانيكيا لصوت الكلام وليس للغة الفكر الاستبطاني، وحسب تمييز ارسطو أن الاصوات التي ينطقها الانسان أنما هي رموز لحالات نفسية، بما يعني أن الكلام لا يخضع للغة تفكير العقل الصارمة.

وأن الكتابة تخليق لغوي جديد في شكل اللغة مع مضمون مضاف له لما عجز الكلام الصوتي التعبير عنه؟ ومن المسؤول عن هذا التطابق أو التفاوت بين لغة الصوت وصمت اللغة عند نقلهما كتابة؟ هل آلية نقل ما هو غير مكتوب من كلام وتفكير صامت لا يشترط أن يكون هو الكلام الشفاهي كاصوات بل هو صمت الفكر كمعنى مضموني أدخاري متطاول في البقاء زمنيا أطول من بقاء الكلام المندثروقتيا، الذي يجري تخليقه بالعقل قبل تحويله الى لغة مكتوبة.

الفكر في لغة الصمت هو غيره الفكر في لغة الكلام.هل من الممكن عند نقل الكلام الشفاهي المنطوق، أوالكلام الفكري الصامت الى لغة الكتابة يكونان وفق آلية حرفية واحدة لا تضيف الكتابة شيئا لما تقوم بنقله من تجريد تعبيري لغوي في الكلام والفكر بعد تحويلهما الى واقع مادي في الكتابة؟ بمعنى هل من الممكن تصور تطابق ما هو لغة لفظية أو لغة فكر صامتة غير مكتوبة تطابقهما في المعنى الحرفي الدقيق لما قامت بترجمته ونقله الكتابة من لغة تعبيرية لم تكن مكتوبة سابقا؟ وهذه الحالة تختلف عن نقل وترجمة لغة مكتوبة لشعب ما الى لغة مكتوبة جديدة لشعب آخر. وهل الكتابة آلية مخاتلة مراوغة في عدم دقتها نقل ما هو لفظي صوتي كلاما أو ما هو لفظي فكري غير مكتوب؟ وهل تضيف الكتابة شيئا من المعنى غير موجود في نقلها الشفاهي أو الفكري الصامت؟

كتابة الصوت والفكر

ثمة رأي ليس من السهولة مصادرة صدقيته من عدمها قبل مناقشته يذهب الى (ان انتاج الكلام يمثل شيئا مختلفا عن مجرد الحركات الصوتية، اي هو كلام حي، لكن هذا الكلام الصوتي هو ما تقوم الكتابة بنقله وحده فقط). (1) في هذه العبارة حمولة خمس تساؤلات ما بين السطور يجب الوقوف عندها:

-  انتاجية الكلام للغة كتعبير صوتي هو فعالية ذهنية يصفها بعض علماء اللغة أعتباطية عشوائية. وهي ليست أصواتا خالية من حمولة المضمون الفكري الذي يتجاوز الصوت في أفصاح عملية الكتابة له.بمعنى أن الكتابة ليست عملية كتابة دلالة الصوت من دون دلالة الفكر ولا الفكر من دون دلالته الصوتية في كلمات وتعابير اللغة.

- الكتابة تنقل كل ماهو لغوي لفظي منطوق وكل ما هو لغوي صامت في الذهن بآلية من الكتابة النقلية واحدة، فهي تنقل الكتابة الكلام الشفاهي مثلما تنقل الكلام التفكيري الصامت الى فكر صوتي مكتوب.. لكن الا يوجد فرق بين تفكير الكلام عن تفكير الفكر الصامت بلا صوت؟

- كيف نستطيع تمييز ما تنقله الكتابة صوتيا أنه هو الكلام الحي الحرفي او الكلام غير الحي بمعنى الزائل وقتيا من التعبير. والحي هنا (محتوى الكلام) الذي نجده في حمولة الفكر الصامت وليس في حمولة الكلام الشفاهي العابر.؟ ما يكتبه تفكير العقل هو غير ما يكتبه تفكير الكلام الشفاهي العابر تحاوريا في ملازمة الصوت له.

- هل من الممكن تصور الحركة الصوتية هي غير الفكر الذي تحتويه المنقول كتابة؟ وهل من المتاح فصل ماهو صوتي بالكلام الى ماهو فكري فيه بالكلمات؟

- هناك تناقض واضح في العبارة حيث تقول أن الكتابة ليس تدوين الصوت لتعود التاكيد أن الكتابة تنقل الصوت فقط يعني كتابة بلا مضمون هو حمولة الصوت اللغوي حيث لا يوجد صوت تعبيري خال من حمولة دلالة فكرية حتى لو كانت بسيطة.

الكتابة ليست وسيلة تمييز ما تكتبه خارج تفكير العقل.بمعنى الكتابة تفكير مزدوج، في امكانية نقل كل لغة كتابة حرفية وامكانية أن تكون الكتابة تتضمن اضافة مضمونية جديدة لما تم نقله لغة صوتية، وهذه لا يتوقف على الكتابة من حيث هي آلية يتحكم بها شخص دون غيره يقوم بنقل ما هو غير مكتوب الى كتابة. الكتابة هي آلية انتقالية يقوم بها فرد وليس مجموعة أفراد في تزمين واحد، ويمتلك ثقافة بهذا المستوى أو ذاك ما يجعل ماينقله كتابة يتوقف معناه الحقيقي عليه وليس على المادة المنقولة التي يتحكم بها كتابة. مثله مثل المترجم الذي ينقل لغة كتابة نص الى لغة أخرى كتابة ايضا.اذ تكون الترجمة الحرفية تختلف عن الترجمة المضمونية التي يتحكم بها الكاتب وليس النص.

والكتابة لا تمتلك ذاتية تعبيرية منفردة مستقلة أن تكون هي من يحدد تمييز الفكر الصادر عن المخيلة الذهنية في تدوينها الآلي لما هو كلاما شفاهيا أو فكرا صامتا، وهذا لا يعني أن الكلام الشفاهي خلو من المعنى الفكري وبلا حمولة مضمونية  تتعدى الصوتية اللغوية، كما أن امتلاك أي كلام شفاهي قدرا من الافكار لكنه بالنتيجة لا يرقى لافكار مضمونية انتاجية الذهن الفكر الصامت.

الكتابة تقوم بالتاكيد فرز ما هو كلام شفاهي عابر عما هو فكر بدلالة عميقة لا تصلح أن تكون حوارية كما في الكلام. والكتابة كآلية فنية ليس بمقدورها ذاتيا أن تمنح الكلام قيمة معرفية ليست فيه ولا تستطيع الكتابة تجريد الفكر الصامت بعد كتابته من حمولته المعرفية، والا تكتب ماذا في هذه الحالة كون الفكر الصامت بلا حمولة صوتية ترافقه، واذا قلنا الكتابة نقل ما هو صوتي فقط الى الكتابة نكون وقعنا في اشكال من التعبير حيث لا صوت بلا مضمون فكري دال.

فالفكر كحمولة يحتويها التعبيرين اللغويين الكلام والفكر الصامت ليس بذات الاهمية الذي يلغي التمايز المعرفي بينهما في نقلهما كتابة. وتضيف الكتابة لما هو شفاهي لكنها ليست الاضافة لما هو فكر صامت أخذ حيز تنفيذه كتابة دونما المرور بالمرحلة الصوتية كما في الكلام العابر.

نقد مفهوم الكتابة الام

جاء على لسان ثلاثة من باحثي القضايا الفلسفية في مؤلفهم كتابهم المشترك (فلسفة اللغة) حول خرافة مفهوم دريدا عن الكتابة الام ما يلي:( دريدا لا يمتلك رؤية متماسكة تجاه معظم مفاهيم التفكيكية مهما كان الترويج لها مثل مفهوم الاخ – ت – لاف. اراد دريدا تسويق مفهوم الكتابة الام دونما رؤية تاريخية في تعقب تطورات الكتابة، كما لا يمتلك دلالة برهانية صحيحة ترجح اسبقية الكتابة على الكلام.)2

دريدا في أبتداعه مصطلح الكتابة الام اراد التفلسف خارج انثربولوجيا تاريخ التطور البشري من جهة، وطرحه مفهوم متناقض حول اسبقية الكتابة على الكلام خارج منطق التفلسف الصحيح عبر تاريخ الفلسفة من جهة اخرى. فاذا كانت الفلسفة فضاءات من التنوع البحثي لا يمكن تحديدها فهذا لايعطي ضمانة طرح كل متناقض أجتهادي يرفضه بناء التاريخ الفلسفي على أسس منطقية لا يمكن تجاوزها. ولا يمكن قراءة تاريخ الفلسفة خارج وبمعزل عن انثروبولجيا تطور الوجود الانساني تارخيا عبر العصور. فاللغة وجود انطولوجي وليست أصواتا ودلالات تجريدية خارج فهم الوجود الانساني كنوع.

 

علي محمد اليوسف/الموصل

.........................

الهوامش: فلسفة اللغة/ سيلفان اورو، جاك ديشان ترجمة بسام بركة، الصفحتان 138، 139.

 

حاتم حميد محسنلو امتلك الانسان كل ما أراد من أشياء لكن حياته بقيت بلا معنى، فهل يستحق الحياة؟ بالنسبة للكاتب الروسي الكبير ليو تولستوي (1828 - 1910)، كاتب الحرب والسلام، وانا كارنينا، لم يعد هذا مجرد سؤال نظري، بل هو مسألة حياة او موت. تولستوي سأل نفسه "لماذا يجب ان أعيش؟ ... ما هو الجوهر الواقعي الدائم الذي سيأتي من حياتي الوهمية القابلة للتدمير؟". في سيرته الشخصية، إعترافاتي (1882)، كتب بانه طالما هو غير قادر على ايجاد جواب مقنع للسؤال عن المعنى، فان"أحسن شيء يمكن عمله هو ان يشنق نفسه". ما الذي يجعل سؤالا مثل "ما معنى الحياة؟" سؤالا مؤثرا جدا لدرجة قد يدفع المرء الى حافة الانتحار ان لم يجد جوابا مقنعا له؟.

يقول الباحث في فلسفة المعنى (Frank Martela)عندما بدأ التحقيق في تاريخ السؤال، وجد من المدهش ان السؤال كان حديثا . نحن عادة نظن انه سؤال أبدي طُرح منذ فجر البشرية، ولكن في الحقيقة اول استعمال سُجل لعبارة "معنى الحياة" في الانجليزية كان عام 1834، في الرواية الشهيرة لثوماس كارليل (sartor resartus): "حياتنا محاطة بالضرورة، ولكن مع ذلك فان معنى الحياة ذاتها ليس سوى الحرية".

قبل طرح السؤال، ذهب تولستوي من خلال الخطوات الكلاسيكية للأزمة الوجودية. اولا، جاء فاقدا للايمان الديني: "الشك ازداد ليصبح عدم ايمان.. عتمة بعد عتمة شكّلت قتامة في الروح .. هل لا يوجد اله، اذاً؟". بدون اله، سيصبح الكون باردا وصامتا: "بالنسبة لي الكون كان كله خال من الحياة، من الهدف، من الارادة: انه محرك بخاري هائل، ميت، لايمكن قياسه، يتحرك باستمرار، ليمزقني اربا اربا". في عالم ميكانيكي خال من أي قيم متسامية، لايبدو اي شيء مهما 

بالنسبة لتولستوي، تميزت مرحلة الأزمة الوجودية بكونه باستمرار يتعذب بالسؤال "لماذا؟" هو تعامل مع ممتلكاته. ولكن لماذا؟ لأن حقوله ستنتج المزيد من المحصول. ولكن لماذا هو يجب ان يهتم؟ مهما فعل، مهما أنجز، آجلا ام عاجلا، كل شيء سيُنسى. آجلا ام عاجلا، سيموت هو وكل شخص عزيز عليه وسوف "لايبقى شيء سوى الرائحة النتنة والديدان". طالما كل شيء سيتلاشى ويُنسى، ما الفائدة من الكفاح؟

استيعاب المعنى وهو في حالة انزلاق

يبدو هناك شيء في القرن التاسع عشر جعل سؤال المعنى بارزا جدا يستحق عبارته الخاصة. يبدو ان الرومانسية الألمانية في مطلع القرن التاسع عشر وصلت هناك اولا، مع فردريك شليغل و نوفاليس وهما يستخدمان عبارة (der sinn des lebens) في الالمانية لتعني معنى الحياة . هما كانا العنصر الهام ليس فقط في كارليل وانما ايضا في سورن كيجارد وآرثر شوبنهاور الذي أثّر بدوره على فردريك نيتشة جميعهم لعبوا دورا رئيسيا في تحويل هذا التعبير النخبوي الى عبارة شائعة للوجودي – نوع الاسئلة السائدة اليوم.

شهد القرن التاسع عشر العديد من التحولات في المجتمعات الغربية بدأت بالثورة الصناعية . لكن بالنسبة لتولستوي كانت القوة الرئيسية التي تكمن خلف الأزمة الوجودية لكارليل، وآخرين هي ظهور الرؤية الإلحادية المتحفزة بالعلم. العيش في ما سماه كارليل "القرن الملحد"، جعله يفقد الاتصال بالايمان الكالفيني الصارم الذي تمتّع به ابواه. هو شعر بالحزن وهو يرى كيف ان "شعلة العلم" تحرق الآن بعنف لدرجة "حتى الزوايا الصغيرة المظلمة او اماكن ايواء الكلاب في الطبيعة او الفن تبقى غير مضاءة". نفس الشيء، بالنسبة لتولستوي، ليس من قبيل الصدفة فقط قبل عدة اشهر قبل الكتابه في يومياته ان "الحياة على الارض ليس فيها شيئا تعطيه" بينما تُغرق الرأس في أزمة وجودية، ان تولستوي كان يقرأ حول الفيزياء، يتأمل مفاهيم الجاذبية والحرارة وكيف ان "عمود من الهواء يخلق ضغطا". في فهمه الكثير حول قوانين الطبيعة الباردة، هو فقد ايمانه بالمتجاوز. هو لاحظ كيف انه "سعى في جميع العلوم" لكن "بعيدا عن العثور على ما اراد، اصبح مقتنعا ان الجميع الذين مثله سعوا لمعرفة معنى الحياة ولم يجدوا شيئا". في عالم محكوم بقوانين الطبيعة الميكانيكية، لم يعد هناك مكانا للهدف.

بعد اكثر من قرن من وفاة كارليل وتولستوي، تغلغلت وبدرجة اكبر الرؤية الالحادية في طريقتنا برؤية العالم . ولكن هل لدينا جواب للسؤال عن المعنى الذين سعوا اليه بيأس؟ ربما لم نصل لذلك الجواب.

 في الحقيقة، تبيّن البحوث ان مواطني الدول المتطورة الغنية يصارعون لإيجاد المعنى. في عام 2013 الاستاذان شيغيرو اوشي و اد دينر كتبا تحليلا لإستبيان متميز أجرته غالوب لمجلة العلوم السايكولوجية تضمّن 142 الف مشارك من 132 دولة حول العالم. كان أوسع إستبيان حول رفاهية وسعادة الانسان. اول الاستنتاجات لم تكن مدهشة : ان الناس في الدول الغنية بالمتوسط كانوا اكثر قناعة بحياتهم. غير ان في تحقيقهما للعلاقة بين الثروة والمعنى المتصور للحياة، وجد الباحثان اوشي و دينر عكس ذلك بالضبط،، حيث ان الناس في الدول الغنية كانوا اكثر ميلا للقول ان حياتهم ينقصها الهدف الهام للحياة. في الحقيقة، كانت الامم الغنية مثل فرنسا وبريطانيا واليابان من بين الدول التي فيها اقل عدد من الناس ذكروا ان حياتهم لها هدف هام، بينما الدول الفقيرة مثل توغو والسنغال وسيراليون كانت في قمة القائمة فيما يتعلق بالمعنى. نقص المعنى جرى ربطه لدى العديد من الباحثين بزيادة الافكار حول الانتحار. اوشي و دينر وجدا ان نقص العقيدة الدينية يقود الى نقص في المعنى، وهو السبب الرئيسي لزيادة الانتحار في الدول الغنية.هذا يجعل الاجابة على هذا السؤال قضية ساخنة. كيف يمكن ان نجد معنى للحياة في مجتمع علماني؟

عنصران للمعنى

من حسن الحظ، تزايدت البحوث الفلسفية والسايكولوجية في موضوع المعنى في العقود الاخيرة، وبدأ يبرز هناك جواب. اولا يجب ان نفصل بين قضيتين: معنى الحياة والمعنى في الحياة. الأول حول الحياة بشكل عام او ككل، ينعكس في اسئلة مثل "لماذا يوجد الكون؟" او "هل الانسانية لها هدف؟"هذا النوع من الاسئلة فقد جوابه نتيجة الطبيعية العلمية. في كون علماني، في كون بلا اله محكوم بالقوانين الطبيعية، لا يوجد هناك اي مكان للمعنى.

ولكن عندما نسأل بدلا من ذلك عن المعنى في الحياة، فنحن نسأل عن ما الذي يجعل حياتنا ذات معنى لنا. أين أجد هدفا يرشد حياتي؟ هذا السؤال ليس حول القيم الكونية وانما يحدد اي الاشياء والاهداف انا اجدها شخصيا ذات قيمة. بكلمة اخرى، ما الذي يجعلني أشعر ان حياتي تستحق العيش؟

كل شخص يجيب على هذا السؤال بطريقة مختلفة. الناس والأماكن التي هي ذات معنى لفرد معين قد لا تعني شيئا لآخر. بقعة معينة في غابة قريبة من مكان الطفولة ربما هي مقدسة لي. لكنها بالنسبة لأي شخص آخر، هي فقط اشجار، وطحلب، وصخور. ولكن عندما بدأنا بالحصول على معرفة اكثر حول السايكولوجية الانسانية وعناصر التحفيز الانساني، جرى تحديد فكرتين عامتين تميلان لتعزيز الهدفية لكل شخص.

اولاً، عندما يكون المرء قادرا على المساهمة بشيء أكبر منه، هذا يخلق شعورا عميقا بالمغزى. حياة المرء عندئذ تكون ذات قيمة ليس فقط له وانما مرتبطة بشيء أكبر. انظر في نلسون مانديلا او مارتن لوثر كنك او مهاتما غاندي. الذي يوحّدهم هو انهم كافحوا لسبب أكبر بكثير من حياتهم الشخصية.

البحوث السايكولوجية تدعم هذه الفكرة. فمثلا، في بحث، اُجري على مجموعتين من الناس يمارسون لعبة كومبيوتر . المجموعة الاولى كانت فقط تلعب اللعبة، المجموعة الاخرى قيل لها ان حصيلة اللعب ستكون جمع نقود لبرنامج الغذاء العالمي التابع للامم المتحدة . من المدهش، ان المجموعة الاخيرة وجدت اللعبة ذات مغزى اكبر. المساهمات اوضحت ايضا انها تلعب دورا رئيسيا في توضيح ما يجعل العمل ذو معنى. عندما نقول "نحن نستمتع بعملنا الحالي، ولكن نحب ان نعمل شيء اكثر هدفية"، فان ما نطمح له هو ان نمتلك تأثير إيجابي من خلال عملنا. لذا فان المعنى في الحياة هو حول ان يجعل الفرد نفسه ذو مغزى للناس الآخرين. من المقالات التي كُتبت حول المعنى في الخمسين سنة الاخيرة، مقال معنى الحياة (1970) للفيلسوف ريتشارد تايلور يتحدث عن "الهدفية الغريبة" المتصلة بكوننا قادرين على عمل اشياء يكمن فيها اهتمامنا، وبهذا نُشبع "الإكراه الداخلي لإنجاز فقط ما جئنا هنا للقيام به"

تصوّر لو كنت طبيب جراح بالقلب تؤدي عمليات جراحية معقدة وتنقذ حياة الناس يوميا. يبدو انه عمل ذو هدفية عالية، ؟. السايكولوجي وليم دامون يقول كيف انه قابل طبيب القلب الذي كان تعيسا جدا لدرجة لا ينهض من السرير صباحا. هو شعر ان الجراحة ليست ما يريده، انه كان يقوم بها فقط لإرضاء الناس. هو احتاج الى ايجاد وظيفة تجعله سعيدا بدلا من ان تجعل والديه سعيدين. المسألة هي، ان الهدفية ليست فقط حول الارتباط بالناس الآخرين. انها تعني تماما نفس المقدار من الارتباط بالمرء. المرء يجب ان يشعر انه قادر على اتّباع قيمه الخاصة، يتابع اهتماماته الشخصية، يعبّر عن ماهيته الحقيقية. العيش الهادف يتطلب منك اتّباع قلبك بدلا من الإمتثال للتوقعات الخارجية .

هناك بحث سايكولوجي يدعم هذه الفكرة ايضا. فمثلا، في بحث أجرته البروفيسور ريبيكا شليغل مع زملائها أظهر ان المصدر الرئيسي للهدفية هو التعبير الأصيل عن الذات . عندما سأل الباحثون الناس ليكتبوا "ذاتهم الحقيقة"، فان طول هذه القصص (التي تعمل كاشارة للكيفية التي يتصل بها الناس بذواتهم الأصلية) تشير الى مدى الهدفية التي وجد فيها اولئك الناس حياتهم . نفس الشيء لم يكن حقيقيا عندما طُلب الى الناس ان يكتبوا عن "ذواتهم العادية" او كيف يتصرفون بوجود الآخرين. لم تكن حياتهم الاجتماعية مرتبطة بالمغزى بقوة .

كيف يجعل المرء حياته ذات معنى؟

لذا فان المسار الأكثر ثقة الذي من خلاله تُمارس الهدفية يبدو من خلال التعبير عن النفس والمساهمة في رفاهية الآخرين. لاتنهمك بالنجاح او حتى السعادة. كلاهما يميلان ليجعلاك تشعر بالفراغ. بدلا من ذلك، فكّر بالفعاليات والأدوار التي فيها تكون قادرا على ان تكون أصيلا، ثم فكّر في الكيفية التي يمكن فيها استخدام هذه الفعالية المعبّرة عن الذات او الدور للمساهمة لأجل الآخرين . هذه وصفة للوجود الهادف. بعد ايجاد وصفتنا الخاصة، نستطيع السماح بحدوث النجاح او السعادة كشيء جانبي لهذا المسعى الوجودي الأكثر صحة.

بالطبع، الكيفية التي يتم بها إشباع هذين العنصرين تعتمد على اهتمامات الفرد وقيمه ومهاراته والموقف في الحياة. ربما فرد معين يستعمل مواهبه للحديث امام الجمهور (تعبير ذاتي) ليكافح لسبب قريب من قلبه (مساهمة). آخر قد يعزف الغيثار (تعبير ذاتي) وهو يشعر بالمتعة التي يجلبها للمشاهدين (مساهمة). وبالنسبة للعديد من الناس، تربية الاطفال هي قناة لكل من التعبير الذاتي والمساهمة. نفس الشيء ينطبق على العديد من الهوايات وخاصة العمل التطوعي. وهكذا، كل شخص عليه ان يجد طريقته للتعبير عن نفسه والمساهمة التي تتناسب بشكل أفضل معه ومع موقفه في الحياة. حتى تولستوي. في وسط أزمته الوجودية، هو شعر ان آخر"قطرتان من العسل" اللتان جعلتاه ثابتا في هذا العالم كانتا "حبُه للعائلة والكتابة". بكلمة اخرى، المساهمة والتعبير الذاتي.

 

حاتم حميد محسن

 

حاتم حميد محسنفي الاطروحات الدينية الكبرى كاليهودية والمسيحية والاسلام، اعتُبر الله مانحا للقوانين كونه وضع القواعد التي يجب علينا طاعتها. هو لم يجبرنا على الطاعة. نحن خُلقنا كأفراد احرار يمكننا الاختيار بين القبول او رفض تلك الوصايا. ولكن اذا اردنا العيش كما يجب، فلابد من اتّباع قوانين الله. هذا التصور بحثه الثيولوجيون بالتفصيل في نظرية حول طبيعة الصواب والخطأ والتي عُرفت بنظرية الأوامر الآلهية.

نظرية الأوامر الآلهية

 اساسا،  هذه النظرية تؤكد  ان الصواب الأخلاقي هو الذي أمر به  الله وان الخطأ الاخلاقي هو الذي منعه  الله. هذه النظرية لها عدد من الخصائص المفيدة، فهي تحل مباشرة المشكلة القديمة المتعلقة بموضوعية الاخلاق. الاخلاق هي ليست مجرد شعور فردي او عادة اجتماعية. بل ان صوابية او عدم صوابية الشيء هي مسألة موضوعية تماما: الشيء صحيح اذا أمر به الله، وخاطئ اذا منعه الله. كذلك، تقترح نظرية الأوامر الالهية جوابا للسؤال القديم والمستمر عن سبب القلق من موضوع الاخلاق . لماذا لا ننسى الاخلاق وننظر للذات فقط؟ اذا كانت اللاّاخلاق في تضاد مع اوامر الله فهناك جواب سهل وهو اننا  في يوم الحساب سنكون مسؤولين عن انفسنا.

المأزق

هناك مشاكل خطيرة في نظرية الأوامر الالهية، بالطبع الملحدون لن يقبلوا بهذه النظرية لأنهم لا يؤمنون بوجود الله، لكن هناك صعوبات في قبولها حتى عند المؤمنين بالله. المشكلة الرئيسية أول ما لاحظها افلاطون الفيلسوف اليوناني الذي عاش قبل المسيح بـ 400 سنة. كتابات افلاطون كانت على شكل حوار بين سقراط وأحد محاوريه. في حوار (ايوثيفرو) هناك نقاش يتعلق بالصواب وهل ان الله هو من يأمر به. سقراط يشك في هذا ويسأل: هل السلوك الصحيح هو بسبب ان الله يأمر به، ام ان الله يأمر به لأنه صواب؟هذا السؤال كان من الاسئلة الشهيرة في تاريخ الفلسفة.

المسألة هي اننا لو قبلنا التصور الثيولوجي للصواب والخطأ (القائم على ان الله هو من يحدد الصحيح والخطأ)، فنحن سنقع في مأزق. سقراط يطلب منا ان نوضح ماذا نعني بهذا. هناك خياران كلاهما يقودان الى مشكلة.

الخيار الاول

ان السلوك او الشيء الصحيح هو صحيح لأن الله أمر به، فمثلا، طبقا لسفر الخروج 20:16، ان الله أمرنا ان نكون صادقين. في هذا الخيار، السبب في وجوب ان نكون صادقين هو ببساطة ان الله يطلب ذلك. بعيدا عن الامر الالهي، فان  قول الحقيقة لا هو جيد ولا هو سيء،  ان اوامر الله هي التي تجعل الصدق صوابا. ولكن هذا يقود الى مشكلة لأنه يجعل اوامر الله تبدو عشوائية. انه يعني ان الله يصدر لنا مختلف الاوامر بنفس السهولة. هو كان بامكانه ان يأمرنا بالكذب، وعندئذ سيكون الكذب هو الصواب وليس الصدق(قد يقول البعض ان الله لايمكن ان يأمرنا بالكذب. لكن لماذا لا؟ اذا هو أجاز الكذب، فهو سوف لن يأمرنا ان نفعل الخطأ لأن أوامره ستجعل الفعل صحيحا). لنتذكر هنا وفق هذه الرؤية ان الصدق لم يكن صائبا قبل ان يأمرنا به الله. لذلك، فان اوامر الله ليس فيها اسباب للأمر بشيء اكثر من الاسباب المضادة له، وبهذا فان الأوامر تكون عشوائية.

مشكلة اخرى هي ان خيرية الله اُختزلت الى لامعنى. من المهم للمؤمن بالدين ان يكون الله ليس فقط القوي العارف، وانما هو ايضا الخيّر، ولكن لو قبلنا فكرة ان الجيد والسيء يُعرّفان بالاشارة الى رغبة الله،  فان هذه الفكرة ستجرد االجيد والسيء من المعنى. ماذا يعني القول ان اوامر الله جيدة؟، اذا كان الفعل (س) جيدا لأن الله أمر به،  عندئذ فان القول بان اوامر الله جيدة ستعني فقط انها جاءت بأمر من الله، وهي ليست اكثر من بديهة بلا مضمون . في عام 1686 لاحظ ليبنز في كتابه (حديث حول الميتافيزيقا):

(في قولنا ان الاشياء ليست جيدة دون اي قاعدة من الخيرية وانما فقط بمحض ارادة الله، يبدو اننا سنحطم دون ادراك كل الحب والتقديس لله. لماذا نمجد الله على ما يقوم به من فعل اذا كان يستحق الشكر وبنفس المقدار على فعل مضاد تماما؟). وهكذا لو اخترنا الخيار الاول من خيارات سقراط فسنقع في مأزق تكون فيه النتيجة غير مقبولة حتى لدى اكثر الناس تدينا.

الخيار الثاني

هناك طريقة لتجنب هذه الورطة . نستطيع اعتماد خيار سقراط الثاني . نحن لا نحتاج للقول ان الفعل الصحيح هو صحيح لأن الله امر به وانما نقول ان الله يأمرنا بأشياء معينة لأنها صحيحة. الله الحكيم يدرك ان الصدق افضل من الخداع، لذا هو يأمرنا لنكون صادقين، هو يرى القتل أمر خاطئ، لذا يأمرنا ان لا نقتل احدا، وهكذا في جميع القواعد الاخلاقية. لو اخذنا بهذا الخيار سنتجنب النتيجة السيئة للخيار الاول. أوامر الله ليست عشوائية، بل هي نتيجة لحكمته في معرفة الأحسن. عندما نقول ان اوامر الله خيّرة ذلك يعني انه يأمر فقط  بما هو أحسن وفق حكمته التامة.

لسوء الحظ هذا الخيار الثاني يقودنا ايضا الى مشكلة من نوع ثاني وهي مزعجة ايضا. لو اخذنا هذا الخيار، نكون أسقطنا التصور الثيولوجي عن الصحيح والخطأ، عندما نقول ان الله يأمرنا لنكون صادقين بسبب ان الصدق هو الصواب، انما نحن نعترف بمعيار للصح والخطأ مستقل عن رغبة الله. الصوابية توجد مستقلة وسابقة لأوامر الله وهي السبب في الأوامر. وهكذا لو اردنا معرفة لماذا يجب ان نكون صادقين  وكان الجواب لأن  الله يأمر بذلك، هذا الجواب لا يقول لنا شيئا في الحقيقة، لأننا لانزال نسأل لماذا يأمر الله بذلك؟ والجواب لذلك السؤال يجب ان يوضح سببا اساسيا لماذا الصدق شيء جيد.

كل ما سبق يمكن تلخيصه بالخطوات التالية:

1- افرض ان الله يأمرنا للقيام بما هو صحيح. عندئذ نحن امام خيارين:اما ان نتبع الخيار(س) وهو ان الفعل صحيح  لأن الله يأمرنا به،  او نتبع الخيار(ص) ان الله يأمرنا بذلك الفعل لأنه صحيح.

2- لو أخذنا الخيار(س)، فان اوامر الله، من الزاوية الاخلاقية، ستكون عشوائية، وان الاعتقاد بخيرية الله سيصبح بلا معنى.

3- اما لو اخذنا بالخيار(ص)، عندئذ نحن سوف نعترف بوجود معيار للصح والخطأ مستقل عن رغبة الله. نحن بالنتيجة سوف نتخلى عن التصور الثيولوجي للصح والخطأ.

4- لذلك، نحن يجب اما ان نعتبر اوامر الله عشوائية ونتخلى عن الاعتقاد بخيرية الله، او نعترف بان هناك معيار للصح والخطأ مستقل عن رغبة الله، ونتخلى عن التصور الثيولوجي للصحيح والخطأ.

5- من وجهة النظر الدينية، من غير المقبول اعتبار اوامر الله عشوائية او التخلي عن الاعتقاد بخيرية الله.

6- لذلك، حتى من وجهة النظر الدينية، لابد من قبول معيار للصح والخطأ مستقل عن رغبة الله .

في الحقيقة، ان كبار الثيولوجيين مثل القس توما الاكويني (1225-1274) رفض نظرية الاوامر الالهية لهذه الاسباب، وبدلا من ذلك ربط الاخلاق بنظرية اخرى مختلفة.

نظرية القانون الطبيعي

في تاريخ الفكر المسيحي، كانت النظرية المسيطرة في الاخلاق ليست نظرية الاوامر الالهية وانما نظرية القانون الطبيعي. هذه النظرية لها ثلاثة جوانب.

الجانب الاول

ان نظرية القانون الطبيعي تعتمد على رؤية معينة حول العالم. وفق هذه الرؤية، فان العالم هو نظام عقلاني من القيم والأهداف التي صُممت كجزء من طبيعته. هذا التصور جاء من اليونانيين، الذين سيطرت طريقتهم في فهم العالم على التفكير الغربي لقرابة 1700 سنة. جوهر هذا التصور هو الفكرة بأن لكل شيء في الطبيعة هدف محدد. ارسطو أدخل هذه الفكرة في نظامه الفكري سنة 350 قبل الميلاد. هو قال،  لكي نفهم اي شيء، يجب طرح أربعة اسئلة: ما هو الشيء؟ مما صُنع؟ كيف جاء الى الوجود؟ و ما الغاية منه؟(الاجوبة تكون : هذه السكين، صُنعت من المعدن،  وصنعها حرفي، وتُستعمل للقطع). ارسطو افترض ان السؤال الاخير حول الغاية من الشيء، يمكن ان يُطرح حول اي شيء مهما كان. هو قال ان الطبيعة تنتمي لصنف من الأسباب التي تعمل لأجل شيء ما.

من الواضح ان الأشياء المصنوعة مثل السكين لها هدف معين لأن الحرفي كان في ذهنه هدف عندما صنعها. ولكن ماذا عن الاشياء الطبيعية التي لا تُصنع؟ اعتقد ارسطو انها ايضا لها هدف. احد الامثلة لديه هو الأسنان التي نمتلكها لغرض المضغ. هذه الامثلة البايولوجية مقنعة جدا، كل جزء من أجسامنا له هدف. العيون للنظر، والقلب لضخ الدم وهكذا. لكن ادّعاء ارسطو لم يكن مقتصرا على الكائنات العضوية. هو يرى ان كل شيء له هدف. هو عرض مثالا آخرا عن المطر الذي يسقط لكي تنمو النباتات. ولذلك فان العالم نظام عقلاني منظّم،  كل شيء فيه له مكانه الملائم ويخدم هدفه الخاص. حيث هناك ترتيب أنيق : المطر يوجد لأجل النباتات، النباتات توجد لأجل الحيوان،  والحيوان يوجد لأجل الناس الذين رفاهيتهم هي الغاية من كامل النظام.

ان القول بان الطبيعة خلقت كل الاشياء لأجل الانسان يبدو كأنه تبرير لمركزية الانسان.جميع المفكرين استمتعوا بمثل هذه الفكرة، الانسان هو كائن معجب بنفسه.

المفكرون المسيحيون الذي جاءوا لاحقا وجدوا هذه الرؤية عن العالم ملائمة تماما. شيء واحد مفقود فيها وهو الله الذي كانوا بحاجة  له لتكتمل الصورة. (ارسطو انكر ان الله جزء ضروري من الصورة. بالنسبة له ان الرؤية الكلية ليست دينية، انها مجرد وصف لما تكون عليه الاشياء). وهكذا قال المفكرون المسيحيون ان المطر يسقط لمساعدة النباتات لأن هذا ما قصده الخالق، والحيوانات لإستعمال الانسان لأن الله صنعها لتلك الغاية. ولذلك فان القيم والأهداف،  جرى تصورها كجزء جوهري من طبيعة الاشياء لأن العالم حسب اعتقادهم خُلق طبقا لخطة الله.

الجانب الثاني

النتيجة المباشرة لهذه الطريقة من التفكير هي ان قوانين الطبيعة لا تصف فقط الاشياء، وانما تحدد ايضا ما ينبغي ان تكون عليه تلك الاشياء. الاشياء ينبغي ان تكون عندما تخدم اهدافها الطبيعية. عندما لا تقوم بذلك، او لا تستطيع خدمة تلك الاهداف، فان الاشياء تذهب في الاتجاه الخاطئ. العيون التي لا ترى هي معيبة، والجفاف هو شر طبيعي، كلا الحالتين من السوء تتضحان بالاشارة الى القانون الطبيعي.

لو اخذنا مثالا عن وجوب الاحسان. نحن مطلوب منا اخلاقيا ان نهتم بجيراننا كما نهتم بانفسنا لماذا؟ طبقا لنظرية القانون الطبيعي ان الاحسان طبيعي لنا. نحن بفعل طبيعتنا ككائنات اجتماعية نريد ونحتاج لصحبة الآخرين من الناس. انه ايضا جزء من طبيعتنا ان نهتم بالآخرين. البعض من لا يهتم ابدا بالآخرين الذين لايهتمون بدورهم يُنظر اليهم كمختلين نفسيا حسب مصطلح علم النفس الحديث.الشخصية الخبيثة هي معيبة تماما كالعين المعيبة التي لا ترى. هذا صحيح لأنها خُلقت من جانب الله بطبيعة انسانية معينة كجزء من خطته الشاملة للعالم. نظرية القانون الطبيعي ايضا اُستعملت لدعم الرؤى الاخلاقية المثيرة للإشكال. المفكرون الدينيون تقليديا رفضوا الممارسات الجنسية المنحرفة، اذا كان لكل شيء غرض فما غرض الجنس؟الجواب الواضح هو الانجاب. النشاط الجنسي الغير مرتبط بانجاب الاطفال يُنظر اليه كشيء غير طبيعي. هذه الطريقة من التفكير حول الجنس تعود الى القديس اوغستين في القرن الرابع وهي تتضح ايضا في كتابات توما الاكويني. الثيولوجيا الاخلاقية للكنيسة الكاثوليكية ترتكز على نظرية القانون الطبيعي. اما خارج الكنيسة الكاثوليكية لم يعد هناك الكثير من المؤيدين لها اليوم. انها عموما جوبهت بالرفض لسببين:

السبب الاول

 انها تبدو تخلط بين ما هو كائن وما ينبغي ان يكون. في القرن الثامن عشر أشار ديفد هيوم الى ان ما هو كائن وما ينبغي ان يكون هما فكرتان مختلفتان ولايمكن استنتاج  احداهما من الاخرى. نحن نستطيع القول ان الناس بطبعهم يميلون للاحسان، ولكن لا يتبع ذلك انهم يجب ان يكونوا محسنين. الحقائق شيء والقيم شيء آخر. نظرية القانون الطبيعي يبدو انها تجمع بين الاثنين.

السبب الثاني

 ان نظرية القانون الطبيعي اصبحت خارج الموضة لأن الرؤية للعالم وفقا لها لا تنسجم مع العلم الحديث. العالم كما وصفه غاليلو ونيوتن ودارون لا مكان فيه للحقائق حول الصح والخطأ. توضيحاتهم للظواهر الطبيعية لا تشير الى القيم او الأهداف. ما يحدث انما يحدث فقط وفق سلسلة قوانين السبب والنتيجة. اذا كان المطر ينفع الزرع، ذلك فقط بسبب ان الزرع تطور وفق قوانين الاختيار الطبيعي في مناخ مطير. وهكذا فان العلوم الحديثة تعطينا صورة للعالم كعالم من الحقائق، فيه فقط القوانين الطبيعية للفيزياء والكيمياء والبايولوجي تعمل بعماء وبدون هدف. ومهما كانت القيم فهي ليست جزءا من النظام الطبيعي. هذا يجعل نظرية القانون الطبيعي موضع شك، ويجدر التذكير ان النظرية ليست من انتاج الفكر الحديث وانما من القرون الوسطى.

الجانب الثالث

 وهذا الجانب من النظرية يعالج سؤال المعرفة الأخلاقية. كيف يمكن لنا تقرير ما هو الصحيح وما هو الخطأ؟ نظرية الاوامر الالهية تقول اننا يجب ان نستشير وصايا الاله. نظرية القانون الطبيعي تعطي جوابا مختلفا. القوانين الطبيعية التي تحدد ما يجب علينا فعله هي قوانين العقل التي نستطيع استيعابها لأن الله الذي هو خالق القانون الطبيعي جعلنا كائنات عقلانية لدينا القوة لفهم ذلك النظام. لذلك، فان نظرية القانون الطبيعي تؤيد الفكرة المألوفة بان الشيء الصحيح للفعل يمتلك افضل الاسباب الى جانبه. الأحكام الاخلاقية هي أوامر العقل. القديس توما الاكويني اكبر منظّري القانون الطبيعي  كتب في الخلاصة اللاهوتية ان الاستخفاف بأوامر العقل هو مساوي للوم اوامر الله. هذا يعني ان المؤمن بالدين ليس لديه طريق خاص للوصول للحقائق الاخلاقية. المؤمن وغير المؤمن هم في نفس الموقف. الله اعطى كلاهما نفس القوة من التفكير، ولذا فان المؤمن وغير المؤمن يستمعون للعقل ويتبعون توجيهاته. هم يعملون كاشخاص اخلاقين بنفس الطريقة، حتى عندما يفتقر غير المؤمن للايمان الذي يمنعه من ادراك ان الله هو صانع النظام العقلاني .

هذا يجعل الأخلاق مستقلة عن الدين. العقيدة الدينية لا تؤثر في معرفة ما هو أحسن، وان نتائج التحقيق الاخلاقي هي محايدة دينيا. بهذه الطريقة، المؤمن وغير المؤمن حتى عندما  لا يتفقان حول الدين، فهما يشغلان نفس العالم الاخلاقي.

نستنتج ان الصح والخطأ لا يُعرّفان وفق رغبة الله، الأخلاق هي مسألة عقل وضمير، وليس ايمان ديني، وفي كل الاحوال، فان الاعتبارات الدينية لاتعطي حلولا محددة للمشاكل الاخلاقية المعينة التي تواجهنا.الأخلاق والدين شيئان مختلفان. يجب التنويه ان الحجج اعلاه لاتفترض زيف المسيحية او اي نظام ديني، هذه الحجج تبيّن فقط ان الأخلاق تبقى مسألة مستقلة حتى لو كانت تلك الانظمة الدينية حقيقية.

 

حاتم حميد محسن

...................

المصدر: Does morality Depend on Religion?، من الفصل الرابع من كتاب الفيلسوف الامريكي James Rachels، عناصر الاخلاق، الطبعة الرابعة، 1986.

 

 

علي محمد اليوسفبداية: بين الفلسفتين البنيوية والتفكيكية كما عند فلاسفة عديدين خلاف حول اسبقية تراتيبية الكلام الشفاهي على أختراع الكتابة وبالعكس، أذ تذهب البنيوية كما هو معلوم الى تغليب أبتداع الانسان كلام المشافهة التخاطبي قبل توصله أختراع الكتابة الصوتية الابجدية، وهو أستقراء طبيعي تعتمده معظم نظريات تأصيل نشأة الكتابة في مجاراة هذا المنحى الذي ترجع أصوله التاريخية أعتماد اركيولوجيا التاريخ القديم وتنقيبات اثنولوجيا (لا تاريخ) ألاقوام البدائية كما دعى شتراوس له بدايات القرن العشرين. الا أن جاك دريدا أراد قلب هذه النظرية التراتيبية التحقيبية التاريخية بين الكلام الشفاهي اللغوي والكتابة الابجدية في تغليبه أولوية وأسبقية الكتابة على التخاطب الشفهي كما في أدبيات الفلسفة التفكيكية. ولم يوضح دريدا أي نوع من الكتابة يقصد أسبقيتها على الكلام الشفهي...وما جدوى هذا التعسف المفتعل حول قضية لا مجال التحقق من صدقيتها وسط عالمنا اليوم الذي يمور بصخب قضايا الانسان المصيرية التي يهدد بعضها البشرية بالانقراض.علما أن دريدا لا يقصد بالكتابة المدونة الابجدية للافكار وأنما هي الكتابة (الام) التي لم تعد موجودة وأنما يتوجب علينا أبتداعها.

دريدا وأختلاف النشأة

يذهب دريدا في كتابه (في علم الكتابة) الصادر عام 1967م رفضه النظرية البنيوية التي ترجّح أسبقية الكلام على الكتابة قوله (أن اشتقاق الكتابة المزعوم من الشفاهة مهما كان حقيقيا، ومهما كان عظيما، لم يكن ممكنا الا بشرط واحد هو أن اللغة الاصلية الطبيعية لم توجد بتاتا، أو لم تمسها الكتابة ولم تلمسها وأنها كانت كتابة في حد ذاتها، وهي الكتابة الام التي نريد أن نبين ضرورتها ونحدد مفهومها.)1

دريدا رغم قناعته الضمنية الاقرار غير المعلن حقيقة أنه لا يمكن الحديث عن الكتابة بمعزل عن مرجعية أسبقية الكلام عليها، يحاول القفز من فوق حقيقة تلازم الكلام الشفوي التخاطبي مع الكتابة بدءا من النقوش على جدران الكهوف التي لم تكن عند تلك الاقوام البدائية تعتمد الصوت الدلالي للرمز المرسوم كما لا تعتمد نوعا من الابجدية ولا حتى المقطعية المقترنة بدلالة صوتية لغوية لها بل تعتمد الشيئية لما يحيط به من اشياء. تلك قضية مفروغ منها في علوم اللسانيات والانثروبولوجيا أن تلك الرسومات الكهفية لم تكن كتابة لغوية بل علامات مرسومة للتعبيرعن الحيوان وأدوات الصيد المصنوعة من الحجارة.

دريدا بعباراته المقنّعة في ترجيحه أن الكتابة التي أطلق عليها اللغة الام ولم يستطع تعريف ماهي؟ ومم تتكون؟، وكيف انبثقت؟ وما هو أصل نشاتها؟، وكيف الوصول لها لدراستها، وما هي الحقبة التاريخية التي ظهرت بها تحديدا؟ وأين ظهرت؟ وهل هي لغة ماض أم لغة مستقبل يريد أبتداعها دريدا؟ وغير ذلك من اسئلة صادرها دريدا في بحثه الافتراضي عن لغة أصلية (أم) لم تلمسها الكتابة ولا تمت الكتابة بقرابة لها بحسب تعبيره. وهذه اللغة الاصلية في منظوره لم توجد بتاتا، فلا نعرف بأي نوع من الكتابة الميتافيزيقية ألّف دريدا كتبه مطبوعة؟  وهل من المتاح أمامنا فصل لغة الكتابة عن لغة الافكار ولغة الكلام الشفهي؟ وما هي ابجدية تلك الكتابة وكيف نعتمدها وما هي مقوماتها النحوية لنعرفها.

دريدا من خلال قراءتنا عبارته السابقة يقصد باللغة الام التي تسبق لغتي الكلام والكتابة المعروفتين هما غيراللغة (الام) الذي يقصده بالمعنى الميتافيزيقي للمصطلح في البحث عن كيفية برهنة وجود لغة ليست تاريخية بالمعنى الدقيق في التعبيرعن التحقيب الزمني الانثروبولوجي، ولم يعلن دريدا عنها صراحة فعلا بل تلميحا تنظيريا فلسفيا مجردا.. كيف نبحث مع دعوة دريدا عن اللغة الام التي نريد بيان ضرورتها ونحدد مفهومها وهي لم تكن موجودة بتاتا على حد تعبيره؟ وهي أي الكتابة الام لا تمت بأدنى صلة لانثروبولوجيا نشأة اللغة.

مفهوم دريدا لغة الكتابة يسوّقه بتغافله عن لغة الكلام التي لم تولد جاهزة حسب تاكيد علماء اللغة من فلاسفة البنيوية ومن فلاسفة غير بنيويين وعلماء اللغة فقد مرت لغة المشافهة الصوتية بمراحل تاريخية طويلة من التطورالصوتي الذي لم يكن ظهر فيه أي نوع من لغة الكتابة التصويرية سابقة على لغة الصوت الابجدية الذي جاءت متأخرة من تارخ الانسان في المراحل الحجرية وما تلاها، ولم تتحول هذه اللغة الصوتية الشفاهية الى نوع من كتابة صورية غير أبجدية الا مع بداية بلوغ الانسان العصر الزراعي بما يتميز به من الاستقرار القبائلي البسيط قرب الانهر والمياه وتدجين الحيوانات والرعي وأدخار الغذاء وتخزين الحبوب والمحاصيل الزراعية وقد كان تحقيب هذه الفترة التاريخية حسب علماء الانثروبولوجيا هو في 7500 عاما قبل الميلاد ولم تكن الكتابة معروفة في ذلك الوقت حيث كانت اللغة التخاطبية لغة حوار شفاهي بسيط جدا تساعدها حركات اليدين و ترافقها أشارات بعض أجزاء من الجسم وكذلك تعابير الوجه والتي بقيت موجودة طيلة تلك الاحقاب التاريخية حتى وصلتنا في مرحلة تاريخية متأخرة حوالي ثلاثة الاف سنة قبل الميلاد، وهذه اللغات التصويرية المكتوبة في ابجدية صوتية بسيطة ، وعنما نقول عنها كتابة غير أبجدية نعني أن تلك اللغات آنذاك كانت رسومات تعبيرية مقطعية وليست حروفا منطوقة ولا مقاطع يقترن الصوت فيها الدال لكل حرف أو علامة أو رمز كما نجده في اللغات المكتوبة واللهجات الشفاهية اليوم..

مرحلة العصر الزراعي لم تتطور الى معرفة الكتابة الا بعد مرور فترة تاريخية طويلة في بروز أقدم كتابة عرفها الجنس البشري هي اللغة المسمارية في بلاد الرافدين ثلاثة الاف سنة قبل الميلاد في تزامن تاريخي متقارب لا يتعدى القرن في ظهور الكتابة الهيروغليفية في مصر الفرعونية وظهور انواع من الكتابة في الهند والصين وغيرهما من بلدان العالم في تلك الاحقاب التاريخية والعصور المتقاربة، والى وقت متأخر ظهرت الكتابات باللغات اللاتينية في اليونان واللغات السامية والارامية في الجزيرة العربية واليمن، والسريانية في العراق وبلاد الشام وجميعها تعتمد رسم الحرف تلازمه الدلالة الصوتية له. والمرحلة التاريخية الممتدة بدءا من العصر الزراعي المتقدم قبل الاقطاع ثلاثة الاف سنة قبل الميلاد الى سبعمائة سنة قبل الميلاد كانت هذه الفترة التاريخية هي ميلاد الحضارة الانسانية الاولى التي رافقتها الكتابة والتدوين وبروز الاديان الوثنية والكهانة، وبدايات السحر والشعوذة والخرافات في العبادات الطوطمية وصولا الى تعدد الالهة في حضارة اليونان التي أنجبت الاساطير والميثالوجيا وفي بلاد الرافدين أنجبت وثنية تعدد الالهة اسطورة كلكامش وغيرها من اساطير.

كل هذا التطور التاريخي الموثق رغم تعاقب اكتشافات جديدة أهملها دريدا معتبرا أن الكتابة قفزة في مستقبل نوع مجهول من كتابة بلا هوية نسعى خلقها لم تمسّها الكتابة، هي متحقق معطى جاهز دفعة واحدة ولم تمر الكتابة المستقبلية الميتافيزيقية التي يطلق عليها دريدا اللغة الام حالها حال اللغة الشفاهية بمراحل تطورية يتلازم فيها كلام المشافهة مع الكتابة التدوينية. وهذه الكتابة الام هو ما يرغب دريدا ايجادها بالفلسفة التجريدية التي لم تمسّها الكتابة من غير سند تاريخي موثق يجعل من تصورات دريدا الفلسفية الميتافيزيقية واقعا يفرض أهميته في ابتداعه لغة جديدة بلا مقومات ساندة توثيقية تعتمدها.

دريدا ومصطلح الكتابة الام

دريدا أبتدع مصطلح الكتابة الام في اسبقيتها على لغة الكلام المنطوقة وكل شكل من اشكال الكتابة القديمة والمعاصرة أعتسافا دونما  يقصد بالمعنى اولا ما نعنيه عادة بهذا المصطلح الذي هل هو تدوين كل كلام شفاهي وكل فكرصامت بحروف ومقاطع وكلمات مكتوبة؟، ويقصد باللغة الكتابة ثانيا ظاهرة غامضة لا وجود حقيقي لها تقع علينا مهمة استحضارها هي (الكتابة الام) ويجري تفريق هاتين الفرضيتين كالتالي حسب فلسفة دريدا:

1- تندرج الكتابة الام في طبيعة اللغة حتى قبل أن تتحقق في لغة المشافهة.هذا رأي دريدا بمعنى هي اللغة التي سبقت تاريخ الكتابة، وتمثل مستقبلها الذي نسعى حضوره في ميتافيزيقا لغوية لا نمتلك ملامحها ولا نشاتها ولا ماهي؟.

2- في مجال اللغة تلتصق الميتافيزيقا بمركزية اللغة،2 وهذا الحكم المسبق يقضي أسبقية الكلام على الكتابة، ويؤكد صوتية الكتابة على رسم الحرف بدلالة صوتيته. وهو رأي أجماع علماء اللغة واللسانيات ما عدا دريدا.

على خلفية هذا التفريق (الدريدي) يجب علينا مناقشة ما تعنيه الكتابة في معناها التاريخي كخاصية اخترعها الانسان منذ احقاب طويلة ومارسها في حياته. حيث يتأكد معنا أن الكتابة هي لغة صوتية شفاهية أكتسبت صفة الفكر المدّون بالكلمات، بمعنى لا يمكننا تصور لغة صوتية صورية نتعامل معها كلاما لا يستتبعها بالضرورة المتعالقة بها تدوينيا كتابيا في امكانية تحويل الصوت اللساني للمتكلم الى رمز كتابي دال على معنى ما يقصده ويقوله. وهذا يقودنا استنتاج أن المشافهة التخاطبية أو الكلام هي بالاصل لغة كتابة لم تكتسب التدوين الابجدي الحروفي لها لكنها تفتقد التأصيل الموجودي كلغة مكتوبة . وكل صوت لغوي لم يكتسب التدوين كتابة فهو بحكم العدم والزوال لا يمكننا تاكيده ولا يمكننا أسترجاعه لا من الماضي ولا في حاضره. والكتابة الام لدى دريدا بمعنى المصطلح الميتافيزيقي أنها لغة كلام شفهي غير مدون كمصطلح كتابة حسب دريدا وهي ليست لغة اصوات مجردة عن تعالقها مع الكتابة أو يمكننا فهمها بمعزل عن امكانية ترجمتها الى رموز وعلامات كتابية دالة. اللغة الشفاهية في تداخلها المتأخر مع الكتابة التدوينية لا تولد برغبة يتفق عليها شخص أو بضعة اشخاص ويتم أستيلادها أختراعا من فراغ تاريخي لا وجود طبيعي انساني لها.

والنزوع اللاارادي نحو مركزية اللغة اليوم يقضي أسبقية الكلام على الكتابة من حيث اللغة أصبحت اليوم، كتابة مركبة من تعبير شفاهي مع تدوين كتابي، أي اللغة في حياتنا أصبحت اليوم علامات ورموز واشارات ودلالات تعبيرية متلازمة مع أمكانية ترجمة الصوت الذي تحمله الى دلالة تدوينية ابجدية ترسمها الكتابة، وأصبح علينا من الصعب فهم تجريد اللغة عن الدلالة الصوتية الشفاهية أو المكتوبة في التعبير وفهمنا الواقع من حولنا، فاللغة بلا تجريد صوتي ملازم للكتابة لا يمكنه التعبير عن دلالة قصدية مفهومة تواصليا. وعندما نقول اليوم لغة فأنما المقصود بها أنها لغة كلام وكتابة معا في تداخل عضوي لا يمكننا أفتكاكه وفصله واقعيا...بما ينهي مباراة مناظرات الاجتهادات الفلسفية حول الاسبقية بين الكلام والكتابة أذ لم يعد هذا التفريق يخدم قضايا اللغة والفلسفة بشيء جديد يستحق الاهتمام به في عصرنا الحالي حتى على مستوى مناقشته فلسفيا تجريدا.

دريدا ومصطلح المركزية اللغوية

في فرضية لمصطلح ابتدعه دريدا أيضا في التفكيكية أطلق عليه المركزية اللغوية في الغرب وأرتأى تقسيمه الى تعريفين متوازيين بمعنى انعدام أمكانية التوفيق في التقائهما علما أن التعريفين هما متلازمين ومتداخلين في معنى واحد وهما:

1- تقضي المركزية اللغوية الاعتقاد أن الكتابة ثانوية بالنسبة للكلام الشفاهي الذي تكون الكتابة تمثيلا له.3 وهذا رأي فلاسفة البنيوية وعلماء اللسانيات الذي ليس بحاجة لتاكيده من ناحية أسبقية تاريخية وليس من ناحية الاهمية المعرفية، أذ بالتاكيد حينها تكون غلبة الكتابة المعرفية على الكلام أكثر جدوى مقبولية ولكن ليس بالمعنى الذي أورده دريدا في مساواته بين ميكانيكية نقل الكلام الشفاهي كتابة التي هي ذاتها ميكانيكية آلية نقل الفكر كتابة، فالكلام العادي لا يوازي دلالة الفكر في المعادلة المعرفية وهذا لا يمنع آلية ترجمتهما الاثنين الفكر والكلام بعملية الكتابة في آلية لا نمتلك غيرها.

2-  تعتقد المركزية اللغوية حسب دريدا أن الكتابة هي مجرد نسخ للكلام الشفاهي بمعنى هي صورة لا تضيف شيئا الى القدرات المعرفية.4 وهذا الرأي لدريدا الفلسفي الذي سنناقشه أيضا.

علينا هنا التفريق بين الكتابة التي هي ليست كما يذهب دريدا عملية وآلية نسخ الكلام الشفاهي فقط دونما أضافة معرفية من الكتابة على ماهو شفاهي، فالكتابة تفكير لغوي قبل أن يكون ترجمة كتابية حرفية سواء أكان كلاما شفاهيا أو كتابة أبجدية مقروءة. الكتابة تفكيرتجريدي مدوّن وليست رسما علاماتيا شكليا ميكانيكيا عابرا لكلام تخاطبي.

أن الانسان كائن مفكر وكائن ناطق لغويا، والحقيقة أن الذي يغّير مسار الانسانية أنما هو الفكر المدوّن حسب تعبيربوشنسكي. بمعنى أن الفكر الذي يسبق تعبير اللغة هو الذي يحدد أمكانية الاضافة المعرفية التي نكتسبها بالكتابة التدوينية للفكر وليس تدوينية النسخ في كتابة الكلام الشفاهي ميكانيكيا. أن التاكيد هنا على فاعلية الفكر كمضمون عقلي تخليقي هو الذي يقوم بتغيير القدرات المعرفية وليست اللغة كشكل تأطيري تعبيري لمضمون التفكير العقلي،فالفكر مضمون عقلي واللغة تأطير شكلي له. والفكر نظرية متأملة، والموجودات وقائع تحملها الصدف الادراكية بها أوالوعي القصدي لمعرفتها. عليه نؤكد أن ترجمة نقل الكلام كتابة ليس هو نفسه ترجمة نقل الفكر كتابة ليس من الناحية الالية في الترجمة النقلية بل من ناحية التفريق بينهما بالترجمة المعرفية في الدلالة...فالكلام سواء أكان شفاهيا أو مكتوبا فهو لا يحمل قيمة معرفية كما يحملها الفكر المكتوب.وجود الاشياء في نوع علاقتها مع التفكير العقلي لها، تسبق الفكر واللغة المعبّرة عنها لاحقا. فالعقل يستبق الفكر واللغة في تلازمهما وادراكهما للوجود الخارجي ، وهذا يخالف مثاليو فلاسفة نظرية المعرفة في تزمتّهم القول (ان فعل  المعرفة لا يقوم في عملية ادراك الموضوع،بل في فعل خلق الموضوع، وأن الوجود لا يوجد في ذاته، انما الفكر هو الذي ينشؤه).

ببساطة متناهية الفكرالتجريدي لا ينشيء وجودا ماديا من فراغ وجودي سابق عليه، بل من موجود او موضوع مدرك له سابق عليه، لكنه (الفكر) يضطلع بمهمة تغيير وتبديل الاشياء والموجودات كمواضيع يدركها العقل ويعمل على تخليقها في جدلية من الصيرورة الدائمة غير المنتهية بين الموجودات ولغة الفكر المعبّر عنها. نخلص من هذا أن الفكر لا يمثل الكلام الشفاهي رغم أن التعبيرين هما لغة واحدة من حيث المصدر لكنهما مختلفين في المعنى المضموني أحدهما عن الاخر، ولا يعني هذا أن الكلام لا يحمل تفكيرا مسبقا  قبل تعبير اللغة عنه أو ترجمته ونقله كتابة.

في هامش ص 138 من مصدر هذه المقالة كتاب (فلسفة اللغة) وقعت على هذه العبارة في معرض محاججة دريدا حول أسبقية الكلام على الكتابة لمؤلفي الكتاب (عندما نمّثل آلية أنتاج الكلام نمثل شيئا مختلفا عن مجرد نقل ترجمة الحركة الصوتية، أي الكلام الحي الذي تهدف الكتابة نقله وحده فقط).ص 38

نرى أن الكلام والكتابة هما ناتج عملية ادراكية واحدة، فالفكر في الكلام الشفاهي لا يختلف عن الفكر الصامت المتأمل من حيث آلية ترجمتهما في الكتابة في نقل التفكيرين الى تصويرات وتصورات أبجدية، لكن يبقى السؤال عالقا هل آلية انتاجية الكلام لسانيا هي نفسها آلية آنتاج الفكرالصامت عقليا الذي هو تخليق ذهني ناضج وليس كلاما سطحيا عابرا؟، في حين الكلام الشفاهي تلعب به تعابير اللغة الارتجالية أكثر من تركيز الذهن المفكر الذي يكتب كتابة. عليه لا تكون ترجمة الكلام الشفاهي كتابة هي ذاتها نقل كتابة الافكارالصامتة. علما أن الفعاليتين مصدرهما الذهن واستيعابهما في الترجمة النقلية هما كتابة واحدة من حيث الشكل لكنهما في الجوهر المضموني مختلفين ولا يمكن مساواة الكلام مع الفكر معرفيا وكلاهما تعبير لغوي لكنه مختلف فمثلا هل يمكننا كتابة كلام شفهي تحاوري بنفس أهمية كتابة محاضرة بالتاريخ أو الفلسفة؟ وكلاهما قبل الكتابة كانا كلاما شفهيا مسموعا. لكن في الكلام تكون الغلبة للسان اللغوي الناطق قبل التفكيرالعقلي اللغوي الناضج بالكتابة. الكتابة ليست عملية ميكانيكية من حيث آلية تحويل الفكر اللغوي الصامت هي نفسها الية تحويل الكلام المنطوق وأن اللسان الناطق شفاهيا يكون مختلفا في تعبيرالفكر في كتابة اللغة الشفاهية والصامتة بلغة واحدة لا تختلف في ترجمة الكلام الناطق عن ترجمة الفكر الصامت كتابة. لكن تبقى حقيقة أن الفكر ليس هو الكلام الشفاهي حقيقة لا يمكن القفز من فوقها.الكلام الشفهي لا يحتاج لغة تعبيرمضمونها فكري صامت، بل يحتاج لغة تعبير ارتجالية تحاورية زائلة سواء ترجمت كتابة أم لم تترجم، عكس الفكر الذهني التخليقي فهو معرفة لغوية ثابتة باقية تحمل المطاولة والامتداد بخلاف مشافهة الكلام ....

 

علي محمد اليوسف /الموصل

...............................

الهامش: فلسفة اللغة /سيلفان اورو،جاك ويشان،جمال كولوغلي/ت بسام بركة صفحات 113، 138،132، 136

 

 

 

احمد عمر النائليهل الوجود الحالي هو تكرار مستمر لوجود سابق؟ وأن هذا الوجود يتغير ولكن بشكل متشابه، فهو تكرار لأنماط وجودية محددة سابقة، وأن التكوين المادي والأحداث التي يمر بها الوجود تتكرر بصيرورة لا تنتهي؟، هذه فكرة قديمة تعود إلى المعتقدات القديمة للإنسان في أسيا ومصر، وهي تشبه فكرة التناسخ الهندوسية Reincarnation والتي تفترض أن الإنسان سيولد من جديد بذات النفس ولكن في جسد آخر، فهذه الفكرة ومع هامش الاختلاف تُسمى وفق طرح فريدريك نيتشه بفكرة " العود الأبدي Eternal return " أو التكرار الأبدي، وهي موجودة منذ القدم، ولقد تحدّث عنها الإغريق مثل الفيلسوف أناكسيماندر 610)ق.م، 546 ق.م) الذي آمن بوجود عدد لا متناهٍ من العوالم، وهرقليطس (540ق.م 480 ق.م) الذي تصور أن النار ستلتهم العالم أكثر من مرة، وسيعود العالم بعد ذلك عوداً أخضراً يافعاً مثلما كان، كذلك اعتقد أنبادوقليس (483 ق.م 442 ق.م) بتتابع أبدي لعوالم وجودية متتالية تتكون ثم تفسد، وكأني به هنا يتحدث عن فكرة تعدد الأكوان الحديثة والتي تفترض وجود أكوان متعددة، لكل كون منها قوانينه الفيزيائية والكيميائية الخاصة ؛ نظراً لأن الانفجار العظيم لم يحدث ويتسع بشكل متساوي قبل 13.8 مليار سنة، ناهيك عن حديث الرواقيين حول هذه الفكرة والمستقاة من سابقيهم .

هذا التصور الذهني للوجود المتمثل في فكرة " العود الأبدي Eternal return تضاءل إلى درجة الاختفاء مع ظهور المسيحية، ابتداءً مع تبني الإمبراطورية الرومانية لها وبشكل واضح بعد مجمع نيقيا عام 325م، لرفض أباء الكنيسة لها، نظراً لأن المسيحية والديانات الإبراهيمية قدّمت تفسيراً آخر للوجود يتمثل في نوعين هما : الحياة الدنيا والحياة الآخرة، رغم أن بعض رجال الدين المسيحيين تحدثوا عنها مثل كاليمنت السكندري (150م – 215م) وغيره، ولكن وبعد ظهور زمن الأنوار في أوروبا عادت هذه الفكرة من جديد، وربما يكون أحد أوائل المتحدثين عنها هو الشاعر الألماني هاينريش هاينه (1797- 1856م (والذي تأثر به الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، ويقال أن الأخير تعرف من خلاله على فكرة " العود الأبدي Eternal return "، رغم أن نيتشه يُقر أنه صاحب هذه الفكرة، والتي تحدّث عنها في كتابيه هكذا تحدث زاردشت Thus Spoke Zarathustra وكتاب العلم المرحScience Fun، ولقد وجدت شذرات حول هذه الفكرة لدى هايني وليوس بلانكي وهولدرلين وجويو وسبنسر وبايرون، ولكن يظل نيتشه هو الذي قدّمها بشكل علمي مفترضاً وجودها علمياً لا باعتبارها شيئا ممكناً بل حقيقياً، ولقد حاول أن يقدم برهانه حولها من خلال جهده العلمي ولكنه لم يستطع أن يُقدم دليلاً حاسماً أو الأكثر حسماً حولها .

وتقوم فكرة " العود الأبدي " على فرضية أن الوجود صيرورة دائمة ليس له نهاية، وأنّ معامل حجم مادة الوجود ثابت ومتناهٍ ومحدود رغم ضخامته، وفي ذات الوقت فإنها تفترض عدم محدودية الزمن فهو في ازدياد باستمرار وأنه ممتد إلى ما لانهاية، وهنا يتبين لنا أن تشكّل وتمظهر هذه المادة سيظل محدوداً مهما كان عدده، لأن حجم ونوع هذه المادة ثابت لا يزيد ولا ينقص، حيث سيظل الوجود يتغير إلى عدد محدد يَستنفذ في النهاية الأشكال الممكن تكوّنها، ويصل إلى السنة العظمى The perfect year الفاصلة بين وجودين، يتم من خلالها استكمال كل الأشكال الممكنة، لننتقل بعدها إلى وجود مكرر نُعيد من خلاله الوجود السابق، أي أن حياتنا ووجودنا ومحيطنا سيعود مثلما ظهر في المرة الأولى وسيتكرر هذا الوجود إلى ما لانهاية، فسنموت ونعيش نفس الحياة إلى ما لانهاية دون أن تكون حياتنا مختلفة، وهذا الطرح يذكرني بفكرة لعبة النرد في درس إحصاء الاحتمالات، أي أن الاحتمالات الممكنة لعودتنا إلى الحياة وبذات الوضع الحالي ومع وجود زمن ممتد إلى ما لانهاية ووجود حجم ثابت للمادة سيكون إلى مالا نهاية هو الأخر، ولو كان الزمن محدداً لكانت الأشكال الممكنة محددة تتوافق مع الزمن، وتشبه هذه الفكرة صورة الخباز الذي يملك كمية محددة من العجين، ففي هذه الحالة سيقوم بتشكيل عدد محدد من الأشكال سيضطر في النهاية إلى تكرار هذه الأشكال ؛ لأن نوع وحجم العجين ثابت.

ولدعم افتراضه الفيزيائي النظري القاضي بثبات حجم المادة في الوجود يرفض نيتشه فرضيتين اثنتين، فهو يرفض فرضية ازدياد حجم كتلة الوجود لأن ذلك يُعتبر غير منطقي ويحتاج إلى معجزة وهو أمر ميتافيزيقي، بالتالي فهو مستحيل بالنسبة له، فمن أين ستأتي هذه القيمة المضافة للوجود والمادة لا تفنى ولا تُستحدث من العدم كما يقول قانون لافوازييه، كما يرفض في ذات الوقت فرضية تناقص حجم كتلة الوجود، لأن صحة هذه الفرضية تقتضي فناء الوجود، لأن ماضي هذا الوجود غير متناه في القدم، بالتالي استمرار هذا التناقص منذ الأزل سيجعلنا حالياً في حالة العدم .

هذا الاستنتاج الذي توصل له نيتشه ينطلق من تفكير استنباطي يقترب من نهج الدليل الافتراضي ألإبعادي Abduction، لعدم وجود أدلة حاسمة فهو أحد الفروض المتاحة وليس بأفضلها، وهي فكرة ليست بغريبة على نيتشه أن يطرحها من جديد، انطلاقاً من ممارسة فلسفية يمكن أن نسميها فلسفة المطرقة والتي تقوم بهدم كل فكر مألوف اعتادت عليه المنظومة الفكرية البشرية، وتقوم بإعادة بنائه وفق رؤية تنطلق من تبني مقدمات جديدة، كهذه الفكرة التي تجعل الوجود خاضع لصيرورة دائرية، وهنا بالإمكان أن نعقد محاكاة تشابه مع فرضية الانفجار العظيم التي من المفترض أنها حدثت قبل 13.8 مليار سنة، والتي تقضي بحدوث انفجار عظيم أدى إلى تكون الكون والاستمرار في اتساعه، هذا الاتساع لن يكون إلى مالا نهاية بل سيصل إلى حالة معاكسة وهي الانحسار العظيم ومن ثم العودة إلى حدوث الانفجار العظيم من جديد وهكذا دواليك، مع إمكانية توافر فرضية أخرى وهي ثبات الكون في النهاية بدون حركة التوسع والانحسار باعتبارها مبرر لتعدد الأكوان والتي تكونت نتيجة أن التوسع الكوني لم يكن موحداً، هذا التشابه مع فرضية التوسع والانحسار يشبه فكرة العود الأبدي، وهي موت الوجود وقيامته من جديد .

ولتحليل هذا الطرح النيتشوي فسنجده متساوق مع فكره بصفة عامة، فهو يحاول أن يؤكد ضرورة تحويل البوصلة من سلطة الإله إلى سلطة آلة الطبيعة العمياء، والتي تخضع لقانون العلة والمعلول الذي يرفضه عندما يتحدث عن إرادة الإنسان الأعلى الذي يجب أن يتحدى علة ظروفه السيئة ليكون صانع إرادة القوة، وهو يقدم طمأنينة بديلاً عن الطمأنينة التي تقدمها الأديان، تمنح ضمان العودة إلى الحياة بشكل لا نهائي وروتيني مكرر، محاولاً تقديم إطار كامل لفكره، بل ستجعل الإنسان يسعى إلى تحسين ظروفه حتى يتمكن من العودة للحياة وبذات الظروف الحسنة إذا استطاع إيجادها، ولكن كيف سَيحسّن ظروفه وهو نتاجُ حدوث حيوات سابقة .

إن نيتشه مارس إكراه تجاه الوجود المادي يُحب أن يراه، فالظاهرة الوجودية مازالت سراً غامضاً، ولا يستقيم فهمها بهذا اليسر، فالمقدمات التي انطلق منها هي أحدى الافتراضات وليست كلها، وهي تنطلق من فكرة موت الإله لديه، بالتالي سيبحث عن نظام آلي يعطيه تفسيراً لصيرورة الحياة، فهو يحاول أن يحطم مفهوم وشعور الفناء، حتى يُسبغ على الحياة غاية ومحبة العيش فيها لذاتها، رغم أن تكرار نشوء الوجود لا يضمن ظهور الإنسان بذات الوعي والإدراك، فلما لا يكون وجودنا الحالي هو الوجود رقم ترليون وثلاثمائة مليار ونحن لا نشعر به، لأن جهاز الذاكرة لم يتكرر، ومن قال أن وجودنا الحالي هو الوجود رقم واحد، وفكرة تكرار الاحتمالات بصفة عامة تحتاج إلى توافر ذات الشروط لكل الاحتمالات حتى تتكرر ولو كانت بنسب مختلفة، وكيف سيثبت نيتشه أن آلة الطبيعة العمياء ستعمل بهذا الاطراد المنظم بين الفناء والوجود، أليست كل الاحتمالات ممكنة في حالة عدم معرفة الظروف .

إن عدم وجود وتوفر ما يسميه الابستمولوجيون " بالتجربة الحاسمة " أو الدليل المنطقي المكتمل سيجعل من هذه الفكرة خيالاً علمياً، لا يرتقي إلى أن يتم قبوله، والدليل انتفاؤها مع ازدهار المنهج التجريبي والذي بدأ مع جاليليو كما يرى أستاذنا الفاضل محمد عابد الجابري رغم قيام سابقه كوبرينيكوس بأهم قطيعة معرفية معروفة وقيام كابلر باكتشاف المدار الإهليجي .

فالانطلاق من خبرتنا الحالية ومقدماتنا العقلية وآلية تفكيرنا المحدودة لمقاربة ظاهرة وجودية هائلة أزلية، سيكون مغامرة غير محمودة العواقب، فالإنسان لم يصلْ بعد إلى معرفة الجزء اليسير من هذا الوجود المتنامي في الاتساع، ناهيك أن الكون الذي نعيش فيه قد يملك قوانين فيزيائية وكيميائية تختلف عن الأكوان الأخرى في حالة وجودها، أو أن الأماكن التي تبعد عنّا تريليونات السنوات الضوئية في ذات الكون، قد تكون فيها سرعة الضوء غير ثابتة أو أن أشكال المادة ليست ثلاثة، فتحرير الإنسان من الأوهام وأخلاق العبيد لا يستلزم توظيف قوانين الوجود التي لا نعرفها، حتى توافق ما نريد، فالظاهرة هي السيّد الأول الذي يُملي علينا قوانينه، فقد تتحول المعارف والمناهج العلمية إلى وهم نطمئن إليه، لنكتشف كما أكتشف كوبرينيكوس بعد أربعة عشر قرناً أن ما قاله بطليموس من أن الأرض هي مركز الكون هو محض هراء، رغم أن خطاب الفلسفة المدرسية الأوربية والفلسفة الإسلامية يؤكد ذلك، فقد تتحول النظريات إلى ايدليوجيا نحاول أن ندافع عن نواتها الصلبة كما يرى المجري إمري لوكاتس Imre Lakatos في برامجه العلمية، محاولين ترميمها حتى تستطيل عبر الزمن فيطول البرادايم paradigm إلى أجل غير مسمى، لقد حان الوقت إلى أن نخرج من ديدن قيد مقدمات الخبرة البشرية السابقة وآلياتنا العقلية الحالية إلى أفق أرحب لجميع الأفكار، فنحن نعيش في وجود معلومات فيزيائية وكيميائية ضئيلة عن مجمل الوجود، لذلك ليس أمامنا إلّا أن نسبح في بحر كل الفرضيات الممكنة، محاولين تفحصها ومناقشتها، فمن رحم ما نعتقد أنه ميتافيزيقيا ستولد المعارف المبررة، فقط أن لا نثق وبشكل حاسم دوغمائي في معرفتنا الحالية، فالوجود غامض وفكرة اللانهاية على سبيل المثال لا نجد لها تفسيراً سوى القبول الرياضي المؤقت ؛ حتى تستقيم المعادلات الرياضية والتي هي مقدمات أكسيومية نفترضها وليست الظاهرة في وضعها الحقيقي.

وأخيراً قد يأتي يوم يقبل فيه المجتمع العلمي دون تردد فكرة العود الأبدي سالفة الذكر أو أية فكرة أخرى مستحيلة التطبيق حالياً، ولكن استحالة إدراك الوجود فيزيائيا وبشكل شامل سيقودنا إلى طريق تبني الإيمان وما تطرحه الأديان ؛ لأنه يقدم تفسيراً يخضع للاقتصاد الفكري ويُجيب على أسئلة الوجود، التي تطمئن لها القلوب الرافضة لحالة الطبيعة العمياء المرفوضة من قبل الآلية العقلية الحالية و يستحيل على العلم أن يجيب عليها، فالإيمان يقوم على تبني فرضية وجود القدرة القادرة على انجاز المستحيل والتي لا تخضع لبديهيات عقولنا، فالله هو العلة الأولى للوجود وهو الذي لا يخضع لقوانينه، فالصانع لا يخضع لقوانين المصنوع، فهو الأول الذي ليس له بداية وهو الأخِر الذي ليس نهاية، وهو الذي ليس كمثله شئ، وهو القادر على كل شئ .

 

أحمد عمر النائلي - إعلامي ومحاضر جامعي ليبي

 

زهير الخويلدي"إن فن الحياة يدور حول حياة كل واحد "[1]

هل يمكن أن تهتم الفلسفة بالعناية بالذات؟ ولماذا تشترط توفر أخلاقيات الرعاية السياسية بالذات النفسية؟

المجلد الثالث والأخير في تاريخ الجنسانية هو مكرس لتدريب الفرد كما تم تطويره من خلال النصوص التي غالباً ما يتم تحليلها قليلاً، ولكنها حاسمة في إنشاء غرض ثقافي عام تتوج بظهور شخصية فريدة قادرة على الاستفادة المثلى من جسدها وروحها المتعلمة بشكل متناغم لجعلها قادرة على تولي الوظائف السياسية التي يقصد بها على الفور. الرعاية الذاتية ليست أنانية ضيقة، ولكن البحث عن الحياة وفقًا لترتيب يضمن استدامة المدينة، والذي نسعى إلى استنتاجه من الطبيعة كما نفهم قوانينها. وهكذا يكشف فوكو عن نفسه بحثًا عن إعادة إنشاء روابط معينة، تكسرها الحداثة، بتقليد قديم كلاسيكي يجعلنا نعيد اكتشافه. وبالتالي يبدو الاهتمام بالذات وفقًا للقراءة التي يقدمها فوكو، من خلال التأكيد على عملية العمل التي يقودها كل شخص لنفسه وللمدينة، على الرغم من المشاكل التي تبدأ من أماكن بعيدة على ما يبدو، يمكن مقارنته بمفهوم الرعاية الذي طورته فلسفة الصحة. الرعاية، في الواقع، تفترض أيضًا عملية عمل مبنية على علاقة مع الآخرين من حيث القرب والسياق. في المستوى الثاني، تفترض الرعاية الذاتية، مثل الرعاية من حيث هي علاقة اعتناء بالمدينة مسبقًا، وبعبارة أخرى علاقة أخلاقية بالسياسة.

النقطة المهمة هي أن الذات ليست هنا بداهة، حيث علمتنا الميتافيزيقيا المدرسية النظر فيها، واستيعابها في جوهر. بدلا من ذلك، تأثير هذه الممارسات، التي تسمى بحق التحول الذاتي. وهذا بالضبط ما يدور حوله مفهوم الرعاية الذاتية الذي أعاد فوكو اكتشافه. كان عليه أن يحررها، كما سنرى، من طبقاتها الفلسفية، التي شكلتها قرون من سوء الفهم والحجب، قبل رؤيتها في العمل في علاقة الذات بالحقيقة.

ربما يكون الاهتمام بالذات في وقت مبكر وأكثر أهمية من المشهور الذي يعرفه الجميع حول الاغريق، والذي هو في بعض الأحيان الأساس السقراطي. الآن يظهر فوكو أنك تعرف نفسك، فأنت في الواقع خاضع للرعاية الذاتية. في مطالبته للبحث عن الحقيقة، وجه سقراط هذا النقد أيضًا للمواطنين الأثينيين:

"ماذا! صديقي العزيز، أنت أثيني، مواطن في مدينة كبيرة، وأكثر شهرة من أي دولة أخرى لعلمها وقوتها، ولا تتورع في إعطائك الرعاية  لثروتك لتزيدها قدر الإمكان، وكذلك سمعتك وتكريمك ؛ ولكن بالنسبة إلى عقلك، فيما يتعلق بالحقيقة وروحك، والتي هي مسألة تحسين مستمر، فأنت لا تهتم، حتى أنك لا تفكر في ذلك." هكذا تحدث أفلاطون في محاورة الدفاع عن سقراط مشيرا الى البُعد عن الرعاية الذاتية بوضوح نتيجة البُعد عن الحقيقة، والحقيقة حول الذات بقدر ما تشير إلى الحقيقة بشكل عام.

في هذا الاتجاه يميز فوكو ثلاثة أبعاد أساسية في الرعاية الذاتية كان قد ذكرها في دروسه عن هرمينوطيقا الذات [2]في علاقة بالذات والعالم والآخر، حول موضوع الموقف العام من الذات لذاتها، و طريقتها المعينة للنظر إلى الأشياء، وحول مسألة المكوث في العالم، للقيام بأعمال معينة، ولإقامة علاقات مع الآخرين.

"- أولاً، موضوع الموقف العام، وطريقة معينة للنظر إلى الأشياء، والتواجد في العالم، والقيام بأعمال، وإقامة علاقات مع الآخرين. هو موقف: تجاه الذات، تجاه الآخرين، تجاه العالم ؛

- ثانياً، العناية بنفسك تعني أنك تحوّل نظراتك، وأنك تنقلها من الخارج إلى ... كنت سأقول "بالداخل". دعونا نترك هذه الكلمة (التي تعتقد أنها تطرح الكثير من المشاكل) جانباً، ودعونا نقول فقط أننا يجب أن نغير نظرتنا، من الخارج، ومن الآخرين، من العالم، وما إلى ذلك، نحو : "نفسك". تتضمن الرعاية الذاتية طريقة معينة لمشاهدة ما تفكر فيه وما يحدث في الفكر. علاقة كلمة التمرين بالتأمل. (...).

- ثالثًا، الإجراءات التي يمارسها المرء على نفسه، الإجراءات التي يتولى المرء بواسطتها مسؤولية نفسه، والتي يعدل المرء من خلالها نفسه، والتي ينقي المرء من خلالها نفسه ويحول من خلالها المرء نفسه. ويقوم بتشكيلها. ومن هناك، سلسلة كاملة من الممارسات التي، في معظمها، مثل العديد من التمارين التي سيكون لها (في تاريخ الثقافة والفلسفة والأخلاق والروحانية الغربية) مصير طويل جدًا. على سبيل المثال، هذه تقنيات التأمل. هذه هي تقنيات حفظ الهوية؛ هذه هي تقنيات الفحص الذاتي."

على هذا الأساس يدعو ميشيل فوكو الى العناية بالذات بأن"يصبح المكان المعطى لمعرفة الذات أكثر أهمية: مهمة اختبار نفسك، فحص ذاتك، التحكم في نفسك في سلسلة من التمارين المحددة جيدًا تثير سؤال الحقيقة - حقيقة ما نحن عليه وما نحن قادرون على القيام به - في صميم تكوين الذات الأخلاقية "[3]

يعتبر ميشيل فوكو بالفعل الرعاية الذاتية بمثابة تقنية ذاتية، وهو فن لا يمكن، على هذا النحو، اختزاله إلى السجل الوحيد للمعرفة، ولكنه يشمل ممارسات الكتابة أو التأمل بالإضافة إلى الإثارة الجنسية أو الممارسة السياسية. لم تعد مسألة صنع عمل معرفي بل جعل حياة المرء أثرا مصنوعا، يصرح حول هذا الأمر: "بالكاد نمتلك ذكرى هذه الفكرة في مجتمعنا، وهي فكرة يتم بموجبها رعاية العمل الفني الرئيسي، المجال الرئيسي الذي يتعين عليك فيه تطبيق القيم الجمالية هو نفسك وحياتك ووجودك"[4]. لكن أليس الاعتناء بالذات هو علامة حرية؟ وألا تمثل أخلاقيات الرعاية الذاتية ممارسة للحرية؟ وكيف يقتضي الاعتناء بالذات ممارسة الاعتراف بالتحريض على خطاب التجربة المثيرة التي تتعلق بالرغبة[5] ؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...............................................

[1] Epictète, Entretiens, I, 15, 2, cité par Hadot (P.), Exercices spirituels et philosophie antique, Paris, Albin Michel, 2002 (2e édition), p. 23.

[2] Foucault (M.), L’herméneutique du sujet, Cours au Collège de France 1981-1982, Paris, Seuil/Gallimard, 2001.

[3]  ميشيل فوكو، تاريخ الجنساية، العناية بالذات، الجزء الثالث، لقد تفاديت الترجمتين العربيتين للكتاب وهما: الانشغال بالذات والانهمام بالذات، تاكيدا على الفاعلية الانسانية في رعاية الذات والعالم والآخر.

 

حاتم حميد محسنهناك ست فلسفات أخلاقية كبرى يمكن ويجب ان تُستعمل في تحليل أي موقف. هذه النظريات هي: القاعدة الذهبية، الإعتدال او الوسط، الاخلاق المطلقة، النفعية، مذهب المتعة، وقناع الجهل. هذه النظريات الرئيسية هي التي بقيت طوال 2500 سنة من تاريخ الفلسفة الاخلاقية الغربية. انها مألوفة لكل من عاش في الولايات المتحدة او أي من البلدان المتأثرة بالثقافة الاوربية. مظاهر هذه النظريات تتضح في السياسات العامة والقوانين والأعراف الاجتماعية.

1 - القاعدة الذهبية:

 او قاعدة الاخلاق المتبادلة، وهي تعلّم الناس "ان يحبّوا جيرانهم كما يحبوا لأنفسهم". هذه النظرية تعود في جذورها الى فلاسفة اليونان القدماء مثل بيتاكوس (توفي في 568 قبل الميلاد)، واُعتبر أحد الحكماء السبعة في اليونان، واشتهر بقوله "لا تفعل لجارك ما كنت ستمرض منه"، كذلك طاليس الذي توفي عام 546 ق.م هو حكيم يوناني آخر قال "تجنّب عمل ما ستلوم الآخرين على فعله"، وايضا الفيلسوف الرواقي ابيكتاتوس الذي توفي عام 135 ميلادي، والذي كتب "ما تتجنبه لنفسك حاول ان لا تفرضه على الآخرين." في الحقيقة، ان جميع الأديان الكبرى لديها بعض مظاهر القاعدة الذهبية كجزء من تعاليمها وكتبها المقدسة. هذه الفلسفة تؤمن بان الفرد يجب ان يكون انسانا قدر الإمكان وان لا يؤذي ابداً الآخرين بأفعال تفتقر للشعور.

2- مذهب المتعة Hedonism:

 وهو مشتق من الكلمة اليونانية المتعة او pleasure، ويرتبط مذهب المتعة بقوة بفلسفة العدمية والنرجسية. تلميذ سقراط اريستيبوس (مات عام 366ق.م) أسّس هذه الفلسفة الأخلاقية على اساس المتعة. اريستيبوس اعتقد ان الناس يجب "ان يعملوا لتعظيم المتعة الآن وان لا يقلقوا على المستقبل". غير ان اريستيبوس أشار الى متعة الذهن – متعة التفكير وليس المتعة الحسية. هو اعتقد ان الناس يجب ان يشغلوا وقتهم بالجهود الفكرية واستعمال الحكم الجيد في علاقاتهم الشخصية. عبارته تلخّص فلسفة المتعة : "انا امتلك الأشياء، لا الاشياء تمتلكني". لسوء الحظ نرى ان الإستعمال الحديث للفلسفة يتجاهل نوايا اريستيبوس الأصلية. الكاتب المسرحي والشاعر بن جونسون كتب مرة أحسن تلخيص لفلسفة المتعة، "اشرب اليوم، واترك كل الحزن، انت ربما لن تستطيع ذلك غدا، عندما تمتلكه، لا تستمع للآخرين، لن يكون هناك شرب بعد الموت".(1) عبارات مثل "عش ليومك" و "لا تقلق، وكن سعيدا" حاليا تعبّر عن فلسفة المتعة. اذا كانت الفكرة او الفعل يرتكز كليا على الحافز الشخصي من نقود، وشهرة، وعلاقات، وما شابه – فان التفسير الحديث لفلسفة المتعة يكون هو السائد.

3- الإعتدال او الوسط :Golden mean

 الفيلسوف اليوناني ارسطو الذي ولد قرب مدينة سالونيك عام 384 قبل الميلاد. كونه من عائلة ثرية درس في اكاديمية اثينا تحت اشراف الفيلسوف افلاطون. بعد التعليم والتعلم في الاكاديمية لمدة 20 سنة، سافر ارسطو في انحاء المنطقة لدراسة البايولوجي والنبات. بالنهاية عمل معلما للاسكندر الاكبر ولاثنين من ملوك اليونان وهم بطليموس وcassander. عندما كان في عمر الخمسين عاد الى اثينا وبدأ في تأسيس مؤسسته التعليمية Lyceum، حيث كتب عددا هاما من الكتب في مختلف المواضيع التي احدثت نقلة كبيرة في العلوم والاتصالات والسياسة والبلاغة والاخلاق. ورغم ان مبدأ الإعتدال او الوسط كان في الأصل مفهوم كونفوشيوسي جديد صاغه أول مرة Zisi حفيد الفيلسوف الصيني كونفوشيوس، لكن آرسطو فصّله بدقة للقرّاء الغربيين في كتابه (الاخلاق النيقوماخية) الذي أهداه الى ابنه نيقوماخس. فلسفة الاعتدال تشير الى ايجاد ارض وسطية او تسوية بين حدّين من وجهات النظر او الأفعال. الطريقة الوسطى لا تستلزم متوسط رياضي دقيق وانما هي فعل يتناسب تقريبا مع ذلك الموقف في المكان والزمان. عند استعمال الوسط الذهبي ، انت يجب اولا ان تفكر في اثنين من الامثلة المتطرفة. بالنسبة الى عنف معين او صورة خبرية مثيرة للجدل او فيديو ، هناك خياران متطرفان. الاول هو ان تأخذ ومن ثم تستعمل صورة كبيرة وملونة تضعها في الصفحة الأمامية للصحيفة او لغلاف المجلة او في صدارة أخبار الاذاعة. الخيار المتطرف الآخر هو ان لا تستعمل الصورة الرمزية او الايمج ابداً . تسوية او طريقة وسط يمكن ان تستخدم صورة صغيرة في ابيض واسود، صغير، على صفحة داخلية، كفيديو منقح قصير او ويبسايت حيث يتم تنبيه المستعملين قبل الضغط على الرابط . عموما، معظم المآزق الاخلاقية تُحل بطريقة الحل الوسط.

4- الاخلاق المطلقة categorical imperative:

وُلد عمانوئيل كانط في كونغسبيرغ، عاصمة بروسيا (حاليا كالينينغراد في روسيا) عام 1724. كان الرابع من بين 11 طفل وفي عمر مبكر جسّد موهبة فكرية فذة وهرب من بيت اهله المزدحم ليحضر مدرسة خاصة. في عمر الـ 16 تخرج من جامعة كونغسبيرغ حيث بقي يتعلم ويدرّس حتى وفاته. كانط لم يتزوج ولم يسافر ابداً أبعد من 100 ميل من بيته اثناء حياته. قبل وفاته بـ 13 سنة اي في عام 1804 نشر كتابه (نقد العقل الخالص) والذي اُعتبر من أهم الأعمال الفلسفية في التاريخ. كانط اسّس مبدأ الاخلاق الضرورية او المطلقة . حيث ان categorical تعني غير مشروط ، و imperative تعني ان المفهوم يجب ان يُستخدم بدون اي سؤال او استثناءات او ظروف مخففة. الصحيح هو صحيح ويجب ان يتم حتى في أقسى الظروف. الاتساق والاستمرارية هما عامل رئيسي في فلسفة الضرورة الاخلاقية. حالما تتأسس القاعدة لفعل مقترح او فكرة، فان السلوك او الآراء يجب ان يُطبّقا دائما وباستمرار طبقا لها. بالنسبة لكانط، الفعل الصحيح يجب ان يكون له تأثير ايجابي وان لا يسبب الأذى غير المبرر او الشر. مع ذلك، فان مبدأ الاخلاق المطلقة هو أمر يصعب العيش معه.

5- النفعية:

هذه الفلسفة تضم في العادة عمل المفكرين البريطانيين جرمي بنثام وجون ستيوارت مل. الباحث والقانوني والفيلسوف جرمي بنثام طوّر نظريته في المنفعة، او مبدأ أعظم سعادة مستفيدا من عمل جوزيف بريستلي Joseph Priestley، الذي اُعتبر من ابرز الفلاسفة والعلماء في القرن الثامن عشر. بنثام اعترف بـ برايستلي باعتباره مهندس فكرة "ان أعظم سعادة لأعظم عدد من الناس هي اساس الاخلاق والتشريع".جون ستيوارت مل كان ابن الفيلسوف الاسكتلندي جيمس مل وكان تعلّم لفترة على يد بنثام. عندما كان في سن الثالثة تعلّم قراءة اليونانية ، وعندما كان في عمر العاشرة قرأ أعمال افلاطون بسهولة. وبمساعدة زوجته هاريت تايلور هو طوّر فلسفة النفعية التي عبّر عنها في كتابه (حول الحرية) عام 1859، والنفعية (1863). هو شكر تايلور على دورها في إعداد الكتاب لكنه كما جرت العادة آنذاك لم يمنحها حق التأليف المشترك . توسّع مل في فكرة بريستلي و بنثام عن النفعية وذلك عبر تجزئة مختلف انواع السعادة . بالنسبة لمل، فان السعادة الفكرية هي اكثر اهمية من السعادة الحسية. هو ايضا اعتقد ان هناك فرق بين السعادة والقناعة، التي عبّر عنها بقوله "من الافضل للانسان ان يكون غير مقتنع بدلا من ان يكون خنزير مقتنع، من الافضل ان يكون سقراط غير مقتنع بدلا من ان يكون سخيف مقتنع". في كتاب النفعية، جرى تصوّر مختلف النتائج للفعل ، وان المحصلة التي تساعد معظم الناس هي عادة احسن خيار في ظل الظروف السائدة. غير ان مل شخّص بأن أخلاق كل فرد وحقوقه القانونية يجب ان تُلبّى قبل تطبيق حسابات النفعية. طبقا لمل، من غير المقبول ان يتسبب اذى كبير لقلة من الافراد لكي تتتحقق منفعة قليلة لعدد من الناس. غير انه ، لو عومل كل شخص بعدالة عندئذ من المقبول ان تقوم بشيء ما يوفر فائدة كبيرة للجماعة ككل.

المحررون ومديرو الاخبار باستمرار يستخدمون ويسيئون استخدام النفعية لتبرير كتابة مشاهد لأحداث مقلقة في صحفهم ومجلاتهم وفي التلفزيون وعلى المواقع الالكترونية. رغم ان الصورة الرمزية قد تسيء للبعض بسب محتواها المروع ، لكنها ربما تقنع الآخرين ليسوقوا مركباتهم بعناية اكبر. ذلك الفعل هو مقبول في ظل النفعية لأن الناس ليس لهم الحق الاخلاقي بالحماية من الاخبار الحزينة احيانا. العديد من الناس، يرون ان الوظيفة التعليمية لأخبار الميديا انما يتم التعبيرعنها دائما في الفلسفة النفعية.

6- قناع الجهل:

صاغها الفيلسوف الامريكي جون رولز في كتابه نظرية العدالة عام 1971، قناع الجهل يرى كل الناس متساوون كما لو ان كل واحد كان يرتدي قناعا لكي تصبح صفات مثل العمر او الجنس او القومية لا دور لها في القرار. لا طبقة لأي شخص مؤهلة لمزايا على الآخرين. تصوّر لو ان شخص ما بدون معرفة في المواقع التي يجلبها الفرد الى الموقف سيؤدي الى موقف من الاحترام لكل المشتركين. عبارة (سر ميلا في حذاء شخص ما" (وتعني يجب ان تفهم المقابل قبل الحكم عليه) هي تكييف مألوف لفلسفة قناع الجهل. انها اُعتبرت جوابا ضد التحيز والتمييز. رولز درّس في جامعة هارفرد لما يقرب من 40 عاما . في عام 1999 تسلّم المدالية الوطنية للانسانيات من الرئيس كلنتون الذي قال "ساعد جيلا كاملا من الامريكيين المتعلمين لإحياء ايمانهم بالديمقراطية ذاتها".

 

حاتم حميد محسن

..........................

الهوامش

(1) كذلك يتجسد مذهب المتعة بجانبه الحسي في الثقافة العربية والاسلامية ولطالما تغنّى به الفلاسفة والشعراء مثل الشاعر الذي يقول:

الا فاغنم العيش ما دام رغداً  فسوف تُبدّل الفرش لحدا

وتمسي تراباً ببطن التراب   فلا صوت يشجى ولا خمر تندى

 

سامي عبد العال"الأوهام وسائد وثيرة تأخذ عقولَّنا إلى نوم عميقٍ"

"حتى لو كُّنا نحن زارعيها، ليست اللغة إلاَّ أرضاً تنبت الغرائب حدَّ الإدهاش"

في عبارته النافذةٍ فلسفياً، يقول أوسكار وايلد:" الأنا هو مَوضِّع لأوصافِ الآخر واختلافاته، وكذلك هو لوحةٌ لنقراتِ أفكاره، حتى أنَّ العواطف- التي هي أخص ما يَمْلُك الأنا- مقتبسةٌ من الآخر". إذن لا يَمْثُل الأنا داخل نفسه إلاَّ تمهيداً لمعرفة ماذا يكون، لتنشأ مفارقة أنَّه لا يُوجد وحده، بل الوحدة المفترضة لكل أنا هي مقولة تمُر مروراً خادعاً. ففي كل وحدة مفترضة يكمن الشيطان، يظل برأسه الماكر.

وإذا كان الأمر بهذه الطريقة، هل يمكننا تنشيط العبارة لتطال مسائل الفكر والوجود؟! ماذا لو أننا نسكن اللغة ليس إلاَّ (اللغة صورة الحياة)؟! كيف تخفف اللغةُ حدة حضورنا العنيف إزاء الآخرين؟ ومن ثم: بأي منطقٍ نفض انغلاقاً على الذات (بأشكاله الدينية، المعرفية، الاجتماعية)؟!

خاصةً أنَّ الأدب كان إيقاعاً قديماً لرتم الذات والفكر والأشياء، لأنَّه التعبير الاستعاري عن الوجود وأشكاله. والاستعارات هي الشكل الأولي لبدء التفكير في قضايا العالم والحياة. ومنها خرج التفكير العقلاني بطريقة الكل (اللوغوس logos). تاريخياً كان الأدب رئةً أخرى للتفلسف حيث ثراء الدلالة وخصوبة العاطفة وتنوع الأخيلة، هو كنصوص ابداعية بمثابة الدرجة القصوى لاستعمال اللغة. وأيُّ تعبير يعدُّ وسيطاً لغوياً لا يخلو من معالم أدبيةٍ، ذلك باعتباره تقنية رمزية لتجسيد المعنى.

وبغض النظر عن تصنيف التعبيرات (بحقول المعرفة والتفكير)، فإنِّها تنطوي على وسائل إيضاح وصور استعارية مطموسة وبارزة وصيغ متلونه بتلون المعاني. ولو تخيلنا ساحراً يلمسُ الأشياءَ فتتجمد أو تذوب كنتف الثلجِ، فاللغة كمجازات بلاغيةٍ تُموْضِّع الأنا وتُطلقه بهذا النحو. هي تدعه يمخر عبابَ المجهول، تمنحه معنّاه كإمكانيةٍ يقتفي آثارها. وحين يسير، يمتطي الأنا الكلمات كأوتار مشدودةٍ فوق فراغ مفتوحٍ، ولا يحُول دون سقوطه المُدوي.

هناك شكلان لعلاقة الأنا باللغة...

أولاً: الأنا يُوجد فقط داخل اللغة حين يوجد أمام آخر وحين يتواصل معه وحين يدَّعي شيئاً. فلا يقول الأنا أنا إلاَّ إزاء شخص ما ضمناً أو صراحة. وسلخه عن هذا الوجود يعني اعطاءه وضعاً انطولوجياً ليس له. وضع قد جعلَّه نقطة متضخمة( غليظة) في تاريخ الفلسفة بحجم ميتافيزيقا العلة والإله والاستبداد والسبب والحقيقة والذات العارفة.

ثانياً: يترك الأنا في اللغة آثاراً هي جوهره الناقل لحقيقته. والأنا بذلك هو الشكل المؤول (كالخط والعلامة والصورة والنقطة)، أي أنَّه يتحول ولا يقف صامداً في وجه التلقي. بكلمات واضحة: الأنا بصمة لغوية تتحرك على خطوط تواصلية وتُفهم في سياق أبعد مما يزعم ويقول. إنه المقول بطريقةٍ ما مرمياً في فضاء اللغة دون توقف.

لأجل ذلك ستنطلق البداية لنبذ أوهام العنف والتعصب من الأنا، من صورته عن ذاته بوصفها امتثالاً يجمده ويعطيه قواماً هشاً. وليست بداية الموضوع من نقد الدعاية السياسية ولا من كشف الترويج لأيديولوجيات شمولية. بمجرد وجود الأنا داخل اللغة غارقاً عبر التعبيرات، لا يستطيع الهيمنة على حضوره، يبقى مرهوناً بقدرات اللغة ليس أكثر. اللغة حينئذ صورة الأنا ونقض مركزيتها، هي القيد والانفكاك، هي الصيغ الثابتة والمتلاشية. لأنَّها تُعدِّد الأنا بالوقت الذي يقبض فيه على ذاته. ولن تتراكم أية أوهام سوى كضباب عابرٍ تحملها رياح اللغة حيث لا تكون.

وهذا بؤكد أنَّ التعصب للدجما الفكرية العنيفة غير ممكن أصلاً، فإذا كان الأنا لا يملك تأثيراً ثابتاً في اللغة، فكيف يزجي ما يعتقده للآخرين، بل اللغة تسدد إليه المحاولة  في هيئة أسئلة جديد: من يكون هو ابتداء؟! كيف يعدُّ نفسه متماسكاً؟! هل هو مفرد أم متعدد؟ فالأسئلة ليست هامشية، لكنهاً واقعة في صلب اللغة وماهيتها، كما أنها في صلب الأنا وماهيته. كلُّ أنا يطلق أحكاماً من شأنها معاقرة الوهم بالاستحواذ والتماثل، سيكون مصيره التيه في متاهات لغوية.

علاقةٌ مُريبة

علاقةُ الإنسان بــ" الأنا "- أو ما يُسمى كذلك-علاقةٌ مُريبة. إذ تكفيه (أي الأنا) اشارةٌ ليسقطُ صريعاً في فخِ الكائن الموصوف. لأنَّه في حالة استحضار دائم لمعنى وجودي يريد أنْ يكونه. وفي هذا لا يجد سوى الوصف لذاته كمادة شمعيةٍ سُرعان ما تسيل أمام حرارة الآخرين. إنَّ متاحف الشمع لا تمنع هجير الواقع، ولا تنبض روحاً داخل أي كائن رغم سماته البارزة على أعتاب الحياة.

خلال مواقف كثيرة يتكلم الأنا عادةً: أنا كذا... ولست كذا. أنا قوي... ولست ضعيفاً، أنا ذكي... ولست غبياً، أنا سيد... ولست عبداً، أنا حاكم... ولست محكوماً، أنا ثري... ولست فقيراً. إذ بجانب وجوده العيني، يصف الأنا شيئاً داخله موافِقاً لحالٍّ يراه حدَ التصديق. حيث يختزل الأنا كعدسةٍ لاقطةٍ أزمنةً متباينةً ذهاباً وعودة وذاكرة.

وبالمقابل فإنَّ الأنا كإنسان موصوفٍ يحدده الآخرُ في وضعية لغوية قيد التواصل: أيا هذا ... أَلَاَ تسمعني، ها أنا بدوري أتحدث إليك؟!  فلتكن على مستوى اختلافي عنك وأنت لست بمنأى عما أقوله لك. ولا تحسبن أنَّ قولي يمرق بجوار سمعك فقط، إنه يستقر في اعماقك، هو قرين اللغة التي هي أصل وجودك مهما ابتعدت. والافتراض الحي أن لغتنا ليست انعكاساً بطريقة المرآة، لكنها وجودك المختلف حيث أنت. لا تحاول أن تقف داخلها كما هي، لن تعطيك أية فرصة لذلك. وكلما أردت تدعيما لما تعتقد وترى، لن تمارس ما تريد، بل هناك ممارسات لغوية أخرى خارج إمكانية السيطرة عليها.

على سبيل الإيضاح أثناء دروسه الفلسفية، أشار أرسطو لأحد تلامذته: تحدث حتى أراك؟! فأنت أيا هذا غارق في اللاوجود بالنسبة إلىَّ، عيناي بعيدتان لا تراك، وكلماتي لا تطالك، والغياب على مقربة خطوات، انت تثير ظهوراً من نوعٍ ما. إذن اللغة تجعل الإنسان موضُوعاً مؤوَّلاً ومختلفاً عبر رؤيتنا المشتركة. اللغة تنبش هنالك حيث وجود الأنا باستمرار: ماذا عنك؟ ماذا لو أنّك كنت هكذا...؟ تتذكره جيداً وإنْ نسي نفسه، تُبْقِيه فائضاً دلالياً داخل العبارات وتفاعلها مع المواقف والأحداث.

هكذا ينقسم الأنا مراراً داخل اللغة: هو الواصف والموصوف ونقيض الوصف، هو النفي والإثبات والتردد، هو القرب والبعد والنأي، هو الداخل والخارج والبين بين، هو الكيان والمعنى والخيال، هو الحال والمآل والتأجيل، هو أناي ولا أناي والأنتنا، هو الآخر واللاآخر والغير، هو التملُّك والفقد والضياع، هو الوجود والعدم والتلاشي، هو الماضي والحاضر والمستقبل، هو الكلام والتلقي والتواصل، هو العبارة والإشارة والتأويل ... جميعها تقع كأطياف في أعماق الأنا، الصور الكامنة فيما أكُّون داخل ذاتي.

حتى أنَّ فعل الكينونة (هو- is) يلخص الاختلاف الوجودي. إنَّ الهو معبرٌ عن الغياب بحد اللفظ (ضمير الغائب: هو)، فلا يطلق عادةً إلاَّ عن ضمير مقصود لإنسان غائب. الشخص متى يغيب هو فلان الذي ليس هنا وليس الآن. ومنطقياً يمثل الهو( is (الرابطة التي تجمع بين موضوع ومحمول. فحيث يظن الأنا حضوراً ثابتاً مع حاله، يمثل غياباً بالتوازي، الغياب من واقع اللغة وإن كانت حاملة لمعانيه. كذلك يشير فعل الكينونة إلى الهوية التي ليست هوية، إنها نقيض مركزها، نقيض أصولها، تُفرق بمقدار ما تُجمِّع، تبذّر، تسرف كلما ادَّخرت، تغيض كلما تفيض.

ولذلك قد ينزع الآخرُ ما يملك الأنا من صفاتٍ تبعاً لرؤيته وأناه هو الآخر. أي باللحظة التي يظن فيها الإنسان أنَّ وصفاً معيناً لصيقٌ بكيانه يُوجد داخله آخر بشكلٍّ ما. وكأنَّ صلاحية الأنا إزاء نفسه وصلاحية الآخر داخله لا تمران عبثاً، لكنهما تخضعان لعلاقة منقسمة على ذاتها. والطبيعي أنْ تنال العلاقة قبولاً لديه حيث يتفاعل والمعاني التي تفرزها بمحددات سواه الذي هو. من أنت أيا هذا؟! أنت هو بالنسبة لي..

إذن تنهض اللغة باعتبارها رغبة  في التواصل إلى درجة التجاوز. رغبة مزدوجة على ما يتسق الأمر في أفعال الكلام والحوارات والخطاب. كلَّ أنا مسكون بتجسير الهوة بين ضفتي الازدواج الذي يشغل مظاهر الحياة. فلا لغة إلاَّ وهي حاملة لتنوع المتكلمين دون نهاية وهي تفترض ذلك افتراضاً. الأصوات والأصداء والآثار والهوامش التي تتردد في جنبات الكلام غير قابلة للحصر. وعلى مستوى الفهم يصعب أخذ الجُمل دون اعتبارٍ جدي لما يعتمل بجوفها من أطياف. ليس شرطاً أنْ يكون المتكلم والمتلقي هما المحددان للسياق، هناك تواريخ اللغة والمعجم والتأويل. فوجود المعاني عملية معقدة وهي حالة تحددها عوامل عدة ليس أبرزها الطفو على سطح الوعي من مقاصد المتكلم والمتلقي.

جسم هلامي

حين نشعر بـ"الأنا" ربما نقف على شيءٍ ما، شيءٌ مثل جسمٍ هلامي يحجب ثقوب الرؤيةَ أثناء دراما الحياة. بتلك الطريقة يقوم الأنا بوظيفته غير المباشرة، أي يؤدي دُورَ البطل الذي يمثِلّ كل حياة في أعماقنا آتياً من وراء المشاهد. ومن زاويةٍ أخرى ربما يضيع ذلك الشعور الدرامي هباءً. وقد يغفله المرءُ بل يجهل: ما حقيقته، ما طبيعته، من أين يأتي وإلى أين يذهب؟

وبالأساس هذه آفاق تخص كل إنسان ليست موضعَ سؤالٍ بحكم أنَّها تلقائية. لكنها تصادف أُناساً كثيرين من وقتٍ لآخر، حيث ينشغلون بإجابتها عبر أعمالٍ وعلاقاتٍ وأنماط للتفكير. إنَّ ثمة تشبثاً بمآرب يريد هؤلاء أو أولئك تحقيقها وينفقون جهداً دون واقعٍ إلاَّ من تأكيدٍ محمومٍ لديهم. الأنا بؤرة لتكثيف الاستحواذ بلا طائل. وإذا كان هو عدسة مُجَمِعّة إزاء الآخرين، فبالإمكان تحويلها إلى طاقة حارقةٍ.

هنا المعنى مهمٌ في مجالات الفكر... فمن أين يأتي الكلام القاْطِع عندما يتحدث أحدُنا عن رأيٍ أو يدافع عن قضيةٍ؟! فإذا كُنا لا نملك" أنا" فكيف بالادعاء المتواصل بصدد ما يقول!!

هذا العمل أشبه بإرجاع اللغة إلى مرحلة أسطورية في تاريخ الإنسان. مرحلة خلق الأشياء بالكلمات. لعلنا نلاحظ أنَّ كلَّ نزوع تعصُبي، كلَّ خطاب أيديولوجي يزعم ذلك المنحى الأسطوري. فاللغة مسكونةً بالوظيفة الأنطولوجية للأنا منذ القدم. لأنَّها حاملة لمشكلة فيها، أنها أي اللغة: " تُشيّئ المعاني وتُروحِنْ الأشياء". والأنا يستغل خاصيةً كهذه في عبارات التمركز حول نفسه egocentrism. ويتحرش بالمختلفين لطردهم من ساحته كما يقول بسكال. لا يعني ذلك اهمال اللغة، فحتى مع عصر التقنيات الالكترونية وعصر الخيال الافتراضي باتت العبارات أشد تأثيراً. مجرد ضغطة زر أشبه بعبارة على بابا "افتح يا سمسم" فإذا بكهوف العالم تنفتح على لآلئ وكوارث أيضاً.

التعبير العنيف هو الوهم بتضخم الأنا حاجباً ما سواه. وهو ما يجري استعماله خلال الخطاب السياسي والديني وضوحاً لا حصراً. فالأنا كدالٍ في العربية يحمل وقْعَ التأكيد النفسي الوجودي لما يعتقد، نبرةَ التشديد من جهةِ الحضور الذاتي. ويحمل من جهةٍ أخرى الآنية أو دلالة الدازاين Dasein بمصطلح هيدجر. هذا الزمن الآني للإنسان لكونه مؤكِّداً لذاتهِ ومتآنياً عبر حالٍ يظنه كذلك. ولهذا ليس في عصور الاستبداد من أهمية للتطور لأن الحياة متوقفة داخل الإنسان.

ينفلِّت الأنا في السياسة مع السلطة والاستبداد. وينشط اجتماعياً ضمن تراتب القيم والهوس الجمعي بالظهور العام. الأنا يتسلق كما يتسلق حيوان من القوارض سريع الحركة ومزعج الأثر. يأتي للإنسان زاحفاً فوق جلده كأنَّ هناك شيئاً يلْعق أنفه. ففي الثقافة البدوية الأنف رمز الشمم دالاً على خُيلاء الأنا. كما عبر ابن الأعرابي مفاخراً بقومه: "بِيضُ الْوُجُوهِ كَرِيمةٌ أحْسَابُهُم.. في كُّلِّ نائبةٍ عِزازُ الْآنُفِ". المعنى ذاته قاله حسان بن ثابت:" بِيضُ الْوُجُوه كَرِيمةٌ أحْسَابُهُم.. شُمُّ الأُنُوف من الطِّرازِ الأَوَّلِ".

والأنف أيضاً هو مصدر اخلاقي لألم الأنا. هناك تعبير يدمغ المعنى فيبرزه إزاء شخصٍ لم يستطع التعبير عن نفسه وتحقيق ما يريد: الموضوع مرّ "رغم أنفه". تهشمت إرادته ولم يقو على مجابهة التحديات ورضخ للأمر الواقع. أما التعبير الحاد: تمرَّغ أنفُه في التراب، وهو كنايةٌ عن اسقاط مهابته أرضاً، فأصبح علامةً على الحط من قدْره. وذات الأنف هو ما ينال حَكْاً بالأُصبع مع المواقف الحرجة.

وعلى أهميته بهذا المجاز، يعدُّ الأنا وهماً اذا بحثنا عنه. هو في الصيغ اللغوية يعطينا إحساساً بوجود محتوى. غير أنّه ليس إلا "صوت الاحتواء" ذاته، حيث يتعين علينا الانغماس في التوهم والتّجَسُد. وكم ارتبطت الكلمات تاريخياً بفعل الإيجاد. "في البدء كان الكلمة" كما تقول الأناجيل المسيحية. ومن منظور التوراة كان الناسُ شخصاً(أنا) واحداً يتكلم لغة واحدةً. لكن عندما غضب الرّبُ عليهم، بلبل ألسنتهم ثم كان تفرقُهم وشتاتُهم في الأرض.

بئرٌ من فخارٍ

تاريخياً كانت اللغة لُّحمة مجازيةً لهذا الأنا المُصاب بالشتات في شخص الإنسان. هي حين لم تستطع جمع فوضاه توافرت على خطابه الدال إذ تعطيه بُعداً غير محسوم من نوعٍ ما. الشبه هنا قريب جداً من رجلٍ يمد رأسه عميقاً داخل بئر من فخار ويتسمّع أصداءً سحيقةً. وربما يصدر صوتاً مكتوماً، فيأتيه الصوت أقوى تردداً وأضخم تجسيداً. عندئذ سيحتوي الصوت - صادراً وآتياً- على أكثر من نغمةٍ. هناك تقطُع، نقرات كعناصر صوتية منفصلة، وهناك نغمة متصلةٌ غير بارزة لكنها في الخلفية، وهناك أصوات جانبية، رنين، تراجع وارتطام الصوت بالأصداء المنعكسة. هذا إجمالاً عُمق الأنا إذا تمكننا من بلوغه في اللغة التي تنقله للآخرين. بالتالي: لا يكون الأنا أنا إلاَّ حيث لا يكون!! أي حيث نفشل في بلورة كيانه رغم توافر معناه.

هل سنعثر على الأنا لاحقاً؟ بالطبع المحاولة دون جدوى. لأنَّ الأنا سيتسرب من الوعي إذا عرف أنه تحت المراقبة. ماذا نفهم لو قال شخص" أنا"؟ أهو الجسد، أهو المعنى، أهو الكائن بالأمس أم المفترض غداً؟! السبب الوجيه: أنَّه في تلك اللحظة هو ما يبحث عن نفسه. فكيف لمن يبحث عن نفسه أنْ يجدَّه؟! وتلك هي مشكلة المتصوفة ... أنَّهم لا يعثرون على أناهم مهما استغرقوا قليلاً أو كثيراً في ترحالهم الروحي. الأنا لديهم غير متوافر، ضائع. لقد تلاشى أمام الحقيقة الإلهية كما تتلاشى قطرةُ ماءٍ داخل البحر. لأنَّهم لا يرون ما سوى الله إلا فيه. يقول الحلاج: "نحن روحان حللنا بدنا فإذا ابصرتني أبصرته وإذا أبصرته أبصرتني". أنا المتصوف ملق على بساط الألوهية بلا حدود. لقد قذفه دون استعادةٍ محتمياً بالخالق ومنسياً في جلالِّه.

من ثمَّ يتأرجح الأنا داخلنا كإحساس غائرٍ بالمصير، كرقاصٍ لساعة  قديمةٍ. حينئذ يساوى حجم "الرغبة في". ولنضع خلف الــ "في"... كل موضوعات الرغبة وآثارها. الرغبة في الوجود، الرغبة في الحياة، الرغبة في القداسة، الرغبة في السعادة، الرغبة في الآخر. جميعها تتشكل من أثر اللغة وتخمُرها. أوقات غير قليلةٍ نأخذ بالبحث هنا أوهناك عن شيء مثل القلم بينما نحن ممسكون به بين أصابعنا. هل نسينا القلم، هذا الذي على اتصال مباشر بذاكرة الكتابة. إنَّه مثل الأنا مُلق ببداهة اللحظة. فأثناء استغراقنا فكراً نفقد شيئاً منا. فإذا أردنا تذكرّه، سيحتاج إلى مساحة للاتصال بالواقع. مساحةٌ تساوي فضاءَ الأنا، هي صداه حين يعود عارفاً- مجرد المعرفة- بكيانه. وهي لحظة هشاشة حقيقية كما نستعيد حلماً ذائباً مع لاوعينا الشارد.

لا يتوقف الأنا عن هذا الامتلاء الفارغ. وعبارة الكوجيتوcogito الديكارتي "أنا أُفكر إذن أنا موجُود" واردة في هذا السياق. إنَّها ليست يقيناً إلاَّ من جهة الإيمان بشيء فاعلٍ الآن. أَطلقَ ديكارت عليه التفكير. بيد أنَّه ممارسةٌ للوجودِ المقلوب بصورةٍ ما. واليقين عندئذ امتلاء بصوت داخلي يترك صداه خارجاً. الأنا ذلك "البئر الفخار" الذي أشرت إليه. أخذ ديكارت بملئه بالتفكير تبعاً لإيمان أعم. لعلنا سنلاحظ في هذا الادعاء مستوى غير عقلاني بالمرة. أقصد مستوى تقديسي رغم تصريح العبارة بغير ذلك. على الأقل تقول العبارة: أفكر في شيءٍ ما، فأنا بناء عليه سأُوجد، ها أنا سأوجد. حتى يصل إلى السؤال...هل أوجد حقاً وذلك بمحاولة إثبات ذاته. لهذا يعتبر الله ضامناً للأنا عند صاحب الكوجيتو.

في هذا الصدد لن يعتبر "الأنا يفكر" هو نفسه "الأنا يوجد". صحيح رَبطَ بينهما ديكارت بالثابت المنطقي" إذا...إذن" كنوع من فعل الشرط وجواب الشرط. بالصيغة التالية: إذا كنت أُفكر إذن أنا موجود. وانصهرت نبرة الزمن الماضي بواسطة "كنت" لتصبح في الزمن المضارع، أي تفيد حضوراً بمعني الاستمرارية. لكنه لكي يتم المرور من الأنا أفكر إلى الأنا أُوجد، فإننا نحتاج عمليةَ خلقٍ، نحتاج إيماناً خفياً. فديكارت تغاضى عن غياب أنا بهذا القوام الذي يتملَّك المرء حين يقول أنا. بينما أعطاه كامل الصلاحية للوجود هنا. بالتالي الأنا الأول ليس مساوياً للأنا الثاني. إنَّ فعل الشرط غير كافٍ لإحداث جواب الشرط. لهذا ستكون فكرةُ اليقين لدى ديكارت (معلقة) على البداهة. وسيكون الشك بنسبيتِّه الظاهرة مرتبطاً بما سيأتي المرء من أهواء وعواطفٍ.

إله اللغة

مع الأهواء جاء الأنا في القرآن- أحد عائلة النصوص الإبراهيمية- لصيقاً بخطاب الطواغيت كفرعون والنمرود وقارون. فرعون:(أنا- السياسة والسلطة) والنمرود:( أنا– الإله) وقارون: (أنا– راعي الاقتصاد). وهم الثلاثة يشكلون الأخطر الأكبر في تاريخ الدين على فكرة الألوهية. فالحُكم يترصده الفرعون من أعلى وعملية الخلق يتنازعها النمرود مع الإله والمال ادعاء لا يبقي ولا يذر. استنطاقاً لذلك، دوماً يربط القرآن الأنا بادعاءٍ خطابي حاشد أمام الآخرين. قال الفرعون لقومه "ما علمت لكم من إله غيري" (القصص/ 38). هذه دلالة الأنا عندما يسمع الحاكم صداه مع صولجان الحكم وسلطة اللغة. غير أنَّ الصدى صدى رغبة سحيقة في القداسة التي هي قضية الوجود الأولى. بينما هذا الإنسان المتألِّه صورةً لا أصلاً بعبارة ابن خلدون.

وصحيح إنَّ الأنا نسخة مقلدة، لكنها تفرز لعباً سياسياً متبادلاً: "استخف قومه فأطاعوه".  لعبة "الاستخفاف والطاعة" ... تلك المباراة التمثيلية بين الحاكم والمحكوم. فكان الفرعون نموذجاً للوقوف على الوهم الداخلي بكيان غير موجود أصلاً. وهو إثبات استحالة امساك هذا الوهم إلاَّ في وضع كارثي كهذا. إنَّه المخدِّر الإنساني منذ خروج آدم من الجنة وقد مثل حلماً يراود البشر مع الجلوس على كرسي السلطة.

مخدِّر يفرز أثرُه سريعاً في مراحل الحياة. مثل استبعادنا الدائم لموت الأنا. هل تصور حاكم أو غيره موتاً لأناه؟ هناك استحالة تصور الموت مقترباً منه ولو كان على مسافة خطوات وكأننا في بروج مشيدة بحسب تعبير القرآن. تعبير يقع معناه بإمكانية استدراك الأنا لمصيره إذا ظن الهروب من النهاية المحتومة. وقول القرآن "كل من عليها فانٍ" إنما يقصد فناء الأناوات مقارنة بالله. وعلية سيبقى وجه الرب ذو الجلال والإكرام في عملية استعلاء وجودي لقانون الخلق والخالق. الوجه هو ما يميز الأنا وينسب إليه مباشرة. فالإنسان كائن ذو وجه بالدرجة الأولى، بينما الحيوان لا وجه له إلاَّ هو. غرائزه هي الوجه الطافح بالحياة. أما لدى الإنسان فالوجه يعبر عن جوانب النفس والمعنى. وإذا كان الإله والإنسان تفرقاً بفكرتي السمع والطاعة، فإنهما يلتقيان بالمصير، النهاية تترك بصماتها على الوجوه.

هناك علامات النضارة، التجاعيد، التجهم، العُبُوس، الزوال. إنِّه أيضاً مرآة تدل على النرجسية( نرسيس في الأساطير اليونانية الذي مات نتيجة رؤية وجهه في الماء ومحاولة التوحد به). وهو تباعاً ينقل الرغبة الدفينة في الخلود حيث الماء أصل الحياة واستمرار الوجه. وليس وقوفُ الإنسان يومياً أمام المرآة إلا لرؤية شيءٍ أكثر من الوجه. الوجه معتاد، بينما هناك الوجه الآخر الذي هو  كم من نكران المصير، من اختراق الصورة.

على الصعيد العام تأخذنا عبارات الإطراء إلى آفاق الخُيلاء. لا نغفل في هذا حركة ثقافتنا السياسية اليومية. فخطاب الأعمال المتداولة يصوغ جُملاً للمناشدة والتزلف تجاه السلطة بأصنافها. لذلك ما لم نحرر علاقتنا باللغة العربية سنظل نجتر استخفاف الفرعون من عصرٍ إلى عصرٍ. لأنَّه أحد المؤلفين السريين للمعجم السياسي العربي. الفرعون قابع في الحاكم، الفرعون في الوزير، الفرعون في رجال البرلمان، الفرعون في عناصر الأمن، الفرعون في الكاتب السياسي، الفرعون في الشارع!!.

إلى أنْ قال الفرعون " أنا ربكم الأعلى"( النازعات/ 23). ادعاءٌ جعل الأنا السياسي غطاءً لغوياً كلياً إزاء أي ادعاء آخر. ولهذا فإنِّ اللغة، أي فعل القول العام، عنصر مشترك في الآيتين السابقتين. كانت قولاً صريحاً بخروج الإنسان إلى حال اللا كائن. ففرعون وقف بجانبه خطابٌ سياسي انطولوجي زاعماً ألوهيته. أي يقول أنا المقدس هنا والآن. وتكمن في عبارته اشارةٌ قرآنية حساسةٌ باعتبار الأنا لو تحدد فقد تألَّه. وفرعون لم يوارِ هذا الشيء إنما ذكر نتيجته مباشرة (ربكم الأعلى). فلو تمكن من اثبات علو أناه، فقد خرق قانون فناء الأنا وتلاشيه.

الأغرب أننا كثيراً ما نتلاعب باللغة سياسياً للتخلص من الفرعون القابع فيها. فلم يكد الرجل العربي يتحدث عن نفسه حتى يتمتم" أعُوذ بالله من كلمة أنا". وهو لا يدري لماذا ذلك الترديد؟ أصبحت الكلمةُ لازمة تواصليةً بين الناس كأسلوب للتستر وراء القول. لأنَّها تذكير ضمني بانتشار جينات الفرعون في جسم الخطاب الاجتماعي السياسي. هكذا أصبح معنى الفرعون فيروساً لغوياً لاهوتياً، حركته اللغة اليومية بهذا التوالد البيولوجي. لقد طُرحته الثقافة العربية كنمط مهيمن يخترق وسائط التعبير مبيناً انحرافها تجاه المُطلق السياسي.

ليس مصادفة أنْ يوثِّق ذلك أحد الشعراء القدامى: "أنا سَيْفُ العَشيرةِ فاعْرِفُونِي جَمِيعاً قَدْ تذريت السَّنامَا". فالعشيرةُ انتاج بيولوجي ثقافي. والسيف يجمع بين القوةٍ والعصبية. ثم يأتي الشعر كرأس حربة رمزي أثناء المعارك الاجتماعية إذا حمي الوطيس. واستمرت اللغة في حياتنا العامة سيفاً للأنا بين أصابع العشيرة. سواء أكانت الأخيرةُ بنية اجتماعية أم مؤسسة سياسية أم سلطة حاكمةٍ.

لو كان لنا أن نتعلّم من هذا "البئر الفخار" لكنا أهملنا التعصب المقْيت. ولبحثنا طوال عمرنا الجمعي عن التروي في فهم ماذا تقول اللغة. يقال إنَّ معجزة الثقافة العربية في شعرها وقرآنها. ومع هذا ما أعجزنا عن مواكبة عمل اللغة التي مازالت تتردد بيننا. إن الإنصات إلى لغة الشعر والقرآن، أقصد الانصات إلى طابعهما الإنساني، لهو أمر في غاية الأهمية. فالطابع الإنساني للغة لا ينفي أيَّةَ معجزةٍ، لكنه يكشف عن كيفية احتضانها وغرسها في تربة الثقافة. وتلك عملية تفترض انتظاراً لما هو قادم بصيغة المستقبل الماضي. وما لم نلتفت إلى تلك الصيغة لن نستطيع التحرر من القديم. فالسؤال المبدئي: كيف نتجاوز الأنا؟ سؤال رغم بساطته كما يبدو إلاَّ أنَّه يساوي حجم وجودنا الثقافي وتاريخه.

 

سامي عبد العال

 

علي محمد اليوسفالفكر يكتسب هويته وماهيته بعلاقته بالوجود المادي المتبادل المتخارج معه جدليا، وليس باللغة التي تعّبر عن الوجود في ملازمة الفكر التجريدي لها. فالفكر يكسب الموجودات صفاتها البائنة، ويكتسب هو أي الفكر المتموضع بالموجودات المدركة هويته وصفاته ماديا أو مثاليا بحسب منهجية التعبير والفهم. الفكر منهج عقلي بالتفكير لا يمكنه غير توصيف ما يرغبه متحققا في الاشياء ومواضيع الادراك لكنه لا يقوم بخلقها تفكيرا تجريديا. الفكر هو تعبير لغوي صادر عن ملكة تفكير العقل.

والفكر واللغة في تلازمهما معا لا يستطيعان خلق وجود شيء مادي وأعطائه صفاته وعلّة وجوده في علاقة تعبيرهما عنه كوجود صوري مجرّد في الذهن فقط، وأنما الوجود يكتسب صفاته وماهيته في تعالقه مع الادراك العقلي الواقعي له، قبل الفكر المعبّر عنه في تعالقه مع تعبير اللغة...بمعنى ادراك العقل للموجود أو الشيء يسبق دلالة الفكر واللغة التعبير عنه.

وجود الاشياء في نوع علاقتها مع التفكير العقلي لها، تسبق الفكر واللغة المعبّرة عنها لاحقا. فالعقل يستبق الفكر واللغة في تلازمهما وادراكهما الوجود الخارجي كوسائل بينما يكون الادراك العقلي لها غاية وهدف قصدي، وهذا يخالف مثاليو فلاسفة نظرية المعرفة في تزمتّهم القول ( أن فعل  المعرفة لا يقوم في عملية ادراك الموضوع، بل في فعل خلق الموضوع، وأن الوجود لا يوجد في ذاته، أنما الفكر هو الذي ينشؤه).

ببساطة متناهية الفكر لا ينشيء وجودا شيئيا من فراغ وجودي سابق عليه، بل من موجود مادي مستقل أو موضوع مدرك خياليا سابقين عليه، الموجودات والموضوعات والاشياء في استقلالية تامة عن الادراك العقلي والفكر واللغة.. بدون توفر وعي قصدي يتناولهما معرفيا. لكنه (الفكر) يضطلع بمهمة تغيير وتبديل الاشياء والموجودات كمواضيع يدركها العقل ويعمل على تخليقها في جدلية من الصيرورة الدائمة غير المنتهية بين الموجودات ولغة الفكر المعبّر عنها...اللغة تخلق مواضيعها التصورية بالفكر ولا تخلق موجوداتها المادية بالواقع... فالموجود المادي سابق في وجوده الادراك العقلي وتعبير اللغة عنه.

فهل يسبق الفكر أو اللغة أحدهما تراتيبيا في تعبيرهما عن الوظيفة الادراكية التخليقية العقلية التناوبية للموضوع،؟ وفي تعبيرهما عن وجود المادي في أختلافه عن التفسير المثالي على مستوى أفصاح اللغة في علاقتها بالاثنين كوجودين غير مختلفين المادي والمثالي في وظيفة اللغة التعبير عن كل منهما بمواصفاته الخاصة به. واقع الموجودات المستقل في عالمنا الخارجي لا يعيّن نوعية التفكير بها، بل اختلافات مناهج الفكرفي تفسيرها الموجودات والاشياء تعطيها الصفة المادية بالفكرالتصوري المجرد فقط ولا يعطي الفكر الصفة المادية حسّيا واقعيا للموجودات السابقة عليه. فالمادية جوهر دفين بالموجودات لا يقوى الفكر خلقها بل توصيفها اذا كان ذلك متاحا ممكنا.

أننا في هذه الحالة نفهم أن الفكر المادي في تمايزه عن المثالي هو في أسبقية الفكر على اللغة على صعيد الادراك الوجودي للاشياء في الواقع عقليا (صمتا) تفكيريا تخليقيا داخليا من دون الافصاح عنه باللغة تعبيريا شفهيا أو كتابة.

بمعنى أن تخليق وأعادة انتاجية الشيء المفكر به (جوّانيا) من قبل العقل الذي نقلته  الحواس كموضوع لتفكير العقل به، يكون حضور الفكر سابق على عطالة اللغة في فعالية التفكيربالموضوع صمتا عقليا، وتنقلب المعادلة في الاسبقية حين يتم توظيف العقل لغة التعبير عن الشيء في وجوده الخارجي وبأدراكه المتعيّن من جديد. فاللغة هنا في تعبيرها عن مدركات العقل الخارجية تسبق الفكر.فأدراك الشيء عقليا في العالم الخارجي يكون في أسبقية اللغة التي تكون هي الفكر في ذات الوقت ونفس المهمة تربطهما في تعيين وجود الشيء المدرك حسيا أو حدسيا وحتى خياليا.

وأن بدت(اللغة والفكر) كلتيهما متلازمتين لا يمكن التفريق بين الفكرة واللغة المعبّرة عنها ادراكا أو حدسا، كما من المتعذّر أعطاء أسبقية لاحداهما على الاخرى في التعبير المختلف عن الوجود ماديا أم مثاليا بشكل مفارق في تمييز أحدهما عن الاخر. لا يحدد الفكر جوهر الاشياء المادية بل يحدد الصفات المادية المدركة ظاهريا للاشياء فقط. مادية الشيء أو مثاليته في التعبير عنه لا يحدده وجوده كموجود بل يحدده تعبير اللغة عنه (منهجيا) في تجريدها الصوري... منهج التفكير هو الذي يتم به تفريق ما هو مادي عن ماهو مثالي.

هذا لا ينطبق على ميتافيزيقا البحث الفلسفي،فالمنهج الفلسفي المعرفي سواء أكان ماديا أو مثاليا فهو عاجز عن معرفة ما هو ميتافيزيقي. وأنما المنهج يعالج مدركات الواقع العياني باختلاف مادي منهجي عن ما هو مثالي..فمنهج التفكير هو المسؤول الاول عن التعبير عن حقيقة الاشياء والتصورات والادراكات العقلية.

اللغة والمنهج

اللغة قرينة الفكر في عدم امكانية التفريق بينهما في تعبيرهما عن الاشياء الموجودة في العالم الخارجي. والفكر يتعالق مع اللغة في فهم الاشياء وادراكها. واللغة لا وجود حقيقي لها في مفارقتها التعبير عن الفكر وكذا لا أهمية للفكر في الوجود خارج العقل في تعبير اللغة المتعذّرعنه. فاللغة لا تعبّرعن موجودات خالية من المعنى المضموني الفكري غير المدرك عقليا بل وفي هذا تفقد اللغة أسمى خاصية لها أنها وسيلة العقل في التعبير عن الموجودات والاشياء في العالم الخارجي.

عليه يكون التمييز بين الفكر المادي عن الفكر المثالي لا يتم بمنطق تعبير اللغة المجردة أو المفصحة عنهما كموضوعين مختلفين في التعبير اللغوي فقط من دون نظرة منهجية ونظرية علمية يهتدي كلا من الفكر واللغة بهما، كما فعل هيجل بخلاف ماركس في أعتباره الجدل أو الديالكتيك المثالي يتم بالفكرالمجرد وحده وليس في تعالقه المتخارج مع الواقع او الوجود الحقيقي المادي للاشياء من أجل تغييره.

أن العقل وحده له الأسبقية في تحديد الوجود والفكرالمتعالق معه أن يكون ماديا أم مثاليا في تعبير اللغة عنه منهجيا. واللغة تكون في هذه الحالة وعاء الفكر في تحديد نوع الوجود المادي أو المثالي المفصح عنه بتعبير اللغة.فالفكر نتاج عقلي لا يعمل بغياب موضوع تفكيره، بل والفكرقوة مادية يكتسب ماديته من الجدل المتخارج مع موضوعه.. والفكر من غير موضوع مدرك له غير موجود في نظام ومنظومة العقل التراتيبية في وعيه الاشياء، أي لا يعي الفكر أدراك ومعرفة الموجودات،لأن غياب موضوع الادراك يعني غياب وجوده المادي أو المتخيّل الذي يعطي الافكار نظامها الادراكي المقبول المتسق بين موضوع الادراك ومدرك الانسان العقلي له ..

الحقيقة الثانية في أشتراط توفرها في الفكر لكي يكون فاعلا منتجا، أنه لا وجود لشيء مدرك بظواهره الخارجية وماهيته الداخلية أي متعيّن في شكل ومحتوى مادي يدركه الانسان في الطبيعة وعالم الاشياء لا يتمتع بنوع من القوانين التي تحكم علاقته الذاتية الخاصة به كجوهر وصفات، مع العلاقة الادراكية بالانسان كفعالية فكرية تنّظم وجود الاشياء وتعمل التعريف بها وأكسابها تخليقا وجوديا مستحدثا على الدوام، وأن ما يخلعه الفكرالانساني من معارف في تعديله تلك القوانين في عالم الاشياء أنما هي قوانين أدراكية فكرية لم تكن موجودة مدركة قبل ملازمة الاشياء للفكر لها الذي يريد فهمها وتفسيرها وتنظيمها،.. وليست قابلية الفكر الانساني أنشاء قوانين تخليقية بغية أيجاده كائنا أو شيئا آخرجديدا لم يكن موجودا ينشؤه الفكر كما يرّوج له فلاسفة المثالية...الفكر لا ينتج عوالم الاشياء ماديا في وجودها الطبيعي من لا شيء متعيّن يسبق وجوده تفكيرالانسان المنظّم به....وعالم الاشياء والموجودات في الطبيعة هو عالم مادي رغم أن وسيلة تخليقه وبنائه المعرفي تقوم بالفكر واللغة التعبيرية المجردة عنه التي تعتبربمثابة المنهج والدليل الذي يقود الانسان الاهتداء به كنظريات وقوانين في تغيير عوالم الاشياء وفي مدركات الطبيعة معا..

أن نظام العالم الطبيعي الخام ونظام العالم الانساني المخترع المصنوع كيفيا متمايزا ومبتكرا في قوانينه في تلازمهما معا عرف بهما الانسان كيف ينظّم أفكار أدراكاته بما يفيده منها في عالم تفاعله الادراكي مع عوالم الاشياء من حوله، كما أن الانسان في تخليقه لعالمه الانساني المتطور علميا ومعرفيا وعلى مختلف الصعد والنواحي وفي كافة المجالات لم يستمد تقدمه الا بمفارقته  (وهم) فرضية أن قوانين الفكر التي يبتكرها ويخترعها الانسان تسعى في حقيقتها المطابقة مع قوانين الاشياء بما يقعد تطور وتبديل وجود الاشياء المحكومة بقوانين ذاتية وموضوعية ثابتة قبل محاولة الانسان تغييرها من جهة، كما أن مطابقة الافكار لموجودات الاشياء والقوانين التي تحكمها ليس رغبة الاكتفاء بمعرفتها دون أرادة تغييرها وتبديلها،وبغير ذلك يجعل من الفكر مثاليا أبتذاليا ساكنا في علاقته بواقع الاشياء في وجودها المادي الساكن أيضا في الطبيعة، وبذلك لا يتم تبديل الواقع بالفكر، ولا تطوير الفكر بعلاقته الجدلية بتغيرات وتحولات الواقع....قوانين الاشياء المستقلة يكتشفها الانسان ليس في مطابقة تفكيره معها بل بهدف محاولته الاستفادة منها.

الفكر الذي يعمل على تطوير واقع الاشياء أنما هو الآخر يتطور في مجاراته تطورات الواقع ومجاوزته لتلك التطورات في تعاليه عليها باستمرار... وفي الفرضية الخاطئة التي تقود الى نتيجة خطأ أيضا هو في أعتبار عملية أدراك الانسان الاشياء هو في سعيه مطابقة قوانينه المستحدثة وضعيا مع قوانين الاشياء في وجودها الطبيعي قبل أدراكها وهو أفتراض وهمي غير حقيقي ولا يمكن الانسان فهم وتنظيم عوالمه الحياتية بهذا التنميط من التفكيرالسلبي مع أدراكاته لعوالم الاشياء في وجودها الطبيعي..الفكر حين يكتشف قوانين الاشياء فهو لا يخلقها ولا يحاول مطابقة تفكيره معها من أجل المطابقة الواقعية لها بل من أجل محاولة تسخيره تلك القوانين كهدف له بالحياة وحصوله على الافضل دائما.

الهدف أن تدخل الاشياء المدركة مع الفكر في جدل ثنائي متبادل يكسبهما كلاهما التغيير والتطور وبغير هذا الفهم معناه نفي أن يكون هناك فائدة من وعي الانسان لموجودات الطبيعة وأستحداث رؤيته وقوانينه لها..ألنتيجة التي يحرزها الفكر بالنهاية من هذه العملية هو أن تكون قوانين الفكر هي قوانين الاشياء في الواقع... بمعنى أصبح ما نمتلكه عن الاشياء من أفكار نتيجة مدركاتنا لها  هو وحده الذي يعطي وجودها الحضوري الواقعي في حياتنا ليست كقوانين لذاتها بل قوانين يكتشفها الانسان من أجل تطوير حياته...

كيف تكون اللغة هي الفكر المعبّر عنه؟

التساؤل الآن كيف تكون اللغة هي الفكرحسب ما تذهب له جميع نظريات علم اللغة واللسانيات المعاصرة، ولماذا يعجز ادراك العقل للاشياء التفريق بينهما أي بين الفكر واللغة في الاسبقية الادراكية.اذا كانا يحملان مدلولين متباينين مختلفين في تعبيرهما عن الموضوع الواحد بأكثر من ادراك وتأويل واحد؟.

هنا اللغة والفكر الملازم لها في التعبيرليس بمقدورهما تفسير وجود الاشياء بمعزل أحدهما عن الاخر أي بمعزل اللغة عن الفكر، أو الفكر عن اللغة لأنه يكون في ذلك أستحالة ادراكية تعجيزية للعقل.في أمتناع الفكر واللغة التعبير عما يرغب العقل التعبير عنه وجودا مدركا.

أن في عجز الفلسفة الخروج عن نظرياتها المفترضة شبه الثابتة أن الفكر هو اللغة المعبّرة عنه، أو أن اللغة هي وعاء الفكر، أو أن اللغة هي بيت الوجود.وأن اللغة مبتدأ ومنتهى ادراك وجود الاشياء في العالم الخارجي.جميع هذه التعبيرات الفلسفية تفهم اللغة على انها فعالية ادراكية عقلية في تحديد الفكرة أو الموضوع في تموضعهما خارجيا كي يتم ادراك الشيء ومعرفته من قبل الآخرين من الذوات العقلية المدركة وهو صحيح الى حد كبيرولا يتوفر مجال أدحاضه في الاحتكام للعقل في أدراكه الوجود الطبيعي.

في هذه الحالة حين تكون اللغة هي تعبير عن فكرة متموضعة داخل او خارج العقل،يستحيل الفصل بين اللغة والفكرة أو الموضوع المعّبرعنه بهما. فبهما(الفكر واللغة) أصبح التفكير الذهني العقلي موضوعا ومتعيّنا وجودا في العالم الخارجي بعد تخليقه عقليا، وفي هذا يكون تفكير العقل خارجيا أو بالاحرى من أجل فهم الوجود الخارجي للاشياء المستقلة.حين يكون تعبير اللغة داخليا فهو يقوم على الفهم الصامت، وتعبير اللغة خارجيا يكون في التعبير عن المدرك بالنطق الصوتي كما يذهب له جومسكي.

صمت اللغة في اشكالية الفصل بين اللغة والفكر

حين نقول تفكير العقل الداخلي الاستبطاني المقصود به هو التفكير الصامت، أما تفكير العقل خارجيا فهو عندما يجري تعبير اللغة عن موضوع تفكيرالعقل واقعيا ماديا.وبالواقع أن هذا التفريق في تفكير العقل داخليا صمتا فكريا وخارجيا بوسيلة اللغة تعبيريا، انما هما في الاصل تفكيرلعملية واحدة للعقل في موضوع محدد مشترك يتميّز به بمعزل عن كل موجود مادي او متخيل آخر.أي أن العقل واللغة والفكر يجمعهم (وحدة الموضوع ) المدرك في زمن واحد.وهكذا هي الحال في تناول أي موضوع أو شيء من العالم الخارجي.أن ادراك العقل للاشياء الواردة له عن طريق الحواس بما لا يحصى في تنوعها وتوقيتاتها الزمنية المتباعدة والمختلفة في نوعيتها،لايعقلها العقل دفعة واحدة، ويعطي الدماغ ردود الافعال الانعكاسية الارادية وغير الارادية لها بعشوائية من دون تراتيبية يعتمدها العقل.

ذهبنا الى استحالة فصل اللغة عن الفكر في حالة افصاح العقل عن فهمه وتعّينه لموجود أو شيء ما في العالم الخارجي.وليس في التفكير الصامت داخليا للعقل. نذّكر ان علم اللغة واللسانيات تعتبر اللغة والفكر هما وجهين لعملة واحدة ولا تفريق بينهما كما ذكرنا سابقا، فاللغة هي الفكر المعبّر عنه حسب ريكور وفنجشتين ودي سوسيروجومسكي وجميع فلاسفة وعلماء اللغة.باعتبار ان اللغة هي فعالية العقل في تعيين ادركاته للموجودات والاشياء الخارجية.

لكننا نجازف بالمباشرقولنا انه يمكننا فصل الفكر عن اللغة عندما يكون تفكير العقل صمتا داخليا في التفكيربوجود شيء مادي او خيالي لا يحتاج لغة التعبير عنه بل يحتاج الفكر وحده لانه وسيلة تفكير العقل المعقدة الوحيدة في تخليقه لموضوعه بوسيلة الفكر لوحدها دونما اللغة، ويكون صمتا داخليا متخيّلا ايضا في تفكير العقل لموضوعه كوجود غير مادي، اي وجود خيالي لا يرتبط وغير ملزم التعبير اللغوي عنه بعد تخليق العقل له.

للتوضيح اكثر فالتفكيرالمادي الصامت هو في معالجته موضوع واقعي او شيء ما بالتفكير المجرد كمتعيّن موجود في العالم الخارجي، اما في تفكير الصمت (الخيالي) غير المعبّر عنه باللغة فهو الهام تخييلي في انتاج العقل موضوعا يدرك خارجيا بلغة جمالية خاصة في حالة من الكمون خلف فهم الوجود الجمالي، لم يكن ادراكه متيّسرا قبل افصاح العقل له وتخليقه جماليا، كما في خيال انتاج لوحة فنية او قطعة نحتية أو أي ضرب من ضروب التشكيل ومعالجات علم الجمال الذي من المتاح الممكن التعبير عنه بغير لغة الكلام او لغة الكتابة.

نأتي الآن الى معالجة اصل امكانية فصل الفكر عن اللغة، على انها استحالة ادراكية في فهم الاشياء والمواضيع في حال وجودها في العالم الخارجي في استقلالية عن الانسان سواء كانت مواضيع تناولها العقل بالادراك واعادها باللغة والفكر ثانية الى عالم الواقع من جديد بعد تخليقها، أو لم يدركها في وجودها المستقل التي ايضا تستطيع الحواس و اللغة التعبير عنها.

يبقى عندنا أن التفكير العقلي الصامت ماديا او خياليا فأن آلية العقل في التفكير تستطيع فصل اللغة عن الفكر طالما هما حاضران ذهنيا في لحظات زمنية واثناء التفكيربموضوع ما متعينا ادراكيا،أي حينما يفكر العقل صمتا فهويفكّربالفكرذاته كوسيط بموضوع الفكرالذي نقلته الحواس المدركة للاشياء او في موضوع ابتدعه الخيال ايضا يحتاج العقل الفكر كوسيط في تخليقه واعادته الى عالم الاشياء باللغة المعّبرة عنه. وليس باللغة خارج موضوعه في التفكير الصامت. اللغة في تفكير العقل الصامت لا اهمية ولا وجود لها يتاح ادراكه من غير الشخص الذي يفكربموضوعه عقليا ويبقى الفكر وحده وسيلة العقل في التفكير وتخليقه مواضيع الخيال العقلية.

وطالما كانت اللغة والتفكير معطّلان كوظيفة نقل ما يقترحه العقل عليهما نقله الى العالم الخارجي، اي بقاء العقل يفكر ذاتيا صمتا بمعزل عن نقل ما يفكر به لغويا، فان العقل وسيلة تفكيره الفكر ذاته فقط ولا يحتاج اللغة الا على انها جزء من الفكر وملازمة له خارج الدماغ او العقل في وجود الاشياء، وتفكير العقل وتخليقه لموضوعه، فلا يدرك خارجيا من غيره الا بواسطة اللغة فقط الناقلة للفكر من داخل العقل(الدماغ) الى واقع الوجود في عالم الاشياء.

وعندما يتجسد ويتعين الموضوع في عالم الاشياء الخارجي بالتعبير عنه لغويا او بأية وسيلة تعبير غير اللغة الصوتية او المكتوبة، فهنا لا يصبح فصل الفكرعن اللغة ذات أهمية كبيرة في اتمام عملية الادراك، ولكن تبقى اللغة في اثناء عملية تفكير العقل (صمتا) في مرتبة ثانوية بعد الفكر في مقارنتها باولويتها في التعبير عن الوجودات الخارجية في العالم الخارجي والطبيعة خارج هيمنة ادراك الحس والعقل لها بعد تخليقها لموضوعها، عندما تكون اللغة جزءا لا ينفصل عن موضوعها الذي عبّرت عنه في عالم الاشياء والموجودات.

بمعنى توضيحي ان اللغة لا تستمد فعاليتها داخل تفكيرالعقل الصامت جوّانيا بموضوعه مع ذاته المستقليّن كليهما عن العالم الخارجي، وانما تستمد اللغة اقصى فاعليتها في التعبير عن الاشياء في وجودها الخارجي المستقل خارج وعي العقل لها في زمنية محددة تلزم عقلا مفكرا واحدا في موضوع واحد، هو غير مدرك وجودا لغويا لدى غيره من عقول تختلف في ادراكها وتفكيرها والتعبير ربما في نفس الموضوع. وحتى في هذه الحالة فالفكر وتعبير اللغة يبقيان قاصرين عن التعبير عن الموجودات المستقلة من دون ادراك العقل لها وتحديده نوعية الفكر ونوعية اللغة المعبّرةعنها. ويكون وعي الذات هي كينونة متشّكلة من الوجود المدرك، بالمحسوسات، ومن والعقل، وايضا من الفكر واللغة. لذا عندما يكون تفكير العقل صمتا جوّانيا، يصبح التفكير بالشيء سابق على لغة التعبير عنه خارجيا. فالموضوع المفكّر به صمتا غيرلغوي يبقى حبيس ووصاية العقل في التفكير به قبل اهمية انشغال العقل في التعبير اللغوي خارجيا عنه.اللغة اثناء زمنية تفكير العقل بموضوعه صمتا داخليا، تكون ملازمة لعملية تفكير العقل ذاتيا، لكنها لا تتقدم تفكير العقل. فليس كل تفكير داخل العقل صمتا يلزم حضور اللغة معه لكنه يلزم حضور التفكير الصوري لغويا. فالعقل بلا تفكير لا قيمة له، لكن العقل بتفكيره بمقدوره تفعيل حضوره بلا لغة تعبير غير ملزمة لنقل تفكير العقل الى مدركاته الشيئية.

أن من المهم في ختام هذا المبحث الاشارة الى فرق اللغة في التعبير عنها بالكتابة، عن لغة الكلام المنطوق، فطبيعة اللغة كلاما تحاوريا بين مصدر ومتلقي هو انها لغة منطوقة صوتيا، مفردات من الاحرف والمقاطع والكلمات ذات دلالة صوتية في التعبيرعن موضوع أو عدة مواضيع، لكن الاصوات لوحدها لا تشكل لغة شفاهية مفهومة مالم تكون لتلك الاصوات دلالة معرفية قصدية عن أشياء بعينها دون غيرها.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

زهير الخويلدي"الاعتقاد هو العملية الذهنية المجربة من شخص يصدق أطروحة أو فرضية، حتى يعتبرها حقيقة، بغض النظر عن تأكيدها أو دحضها من طرف الوقائع . في الغالب تكون المعتقدات يقينية دون دليل"

يظل الانسان في حياته اليومية حائرا بين تصديق الخرافة والشعوذة والمعارف المشتركة واتباع النور الفطري وصوت الضمير وبين الرجوع الى العلوم الثقافية والتربية الجمالية وقيادة نفسه بالحكمة العقلية.

من اليسير على الانسان الوقوع في الاعتقاد سواء تعلق الأمر بالمعتقدات الغيبية أو بفرضية وجود عالم آخر في الكون ولكن من الصعب ممارسة التفكير في هذه الاعتقادات لظنه أنها حقائق ثابتة من منظور الحس المشترك ولكونها من مسلمات العقل الميتافيزيقي الذي قدم بشأنها الكثير من الحجج الكوسمولوجية والنفسية والأنطولوجية وربما التشكيك فيها قد يؤدي الى انهيار النسق القيمي وتفكك المرجعية الروحانية.

عند الانسان العامي لا يمثل الاعتقاد مشكلة فهو كثيرا ما يستسلم للعلوم النقلية ويخضع لسلطان الرأي وينقاد للأحكام المسبقة ويطمئن للبديهيات والمسلمات الجاهزة ويعول على الأقوال الموروثة في الحياة اليومية وفي المقابل يقتصر على التفكير في ايجاد حلول للحاجات المباشرة وإشباع ضرورات الحياة ويجد مشقة كبيرة عند ممارسة التفكير بشكل نقدي حر ولما يُعمِلُ العقل بصفة شخصية وقد يقاد اليه بالإكراه.

تتشكل هذه العلاقة البديهية بين الانسان العامي والاعتقاد بحكم التقليد والميراث وبسبب الخضوع لسلطة الماضي والاحتكام الى معايير الأصول والخوف من الابحار في المجهول والجزع من التحرك في الفراغ ونتيجة الوقوع في شخصنة الأفكار وتقديس الشخصيات واستحواذ ثنائية التمنع والتكليف على ذهنية البشر والجهل بالأسباب الحقيقية التي تتحكم في افعال المرء والقوانين العلمية التي تتحكم في الظواهر الطبيعية.

لكن ماهي الأشكال المختلفة للاعتقاد؟ كيف تحدد الفلسفة مفهوم الاعتقاد؟ ألا يوجد بعد نفسي في الاعتقاد؟ وما العلاقة بين الاعتقاد والتفكير؟ هل يمنع الاعتقاد الراسخ ممارسة المرء للتفكير النقدي الحر؟ والى أي مدى يشتغل التفكير العلمي الموضوعي على تفكيك شبكة المعتقدات وإلغاء الارتباط النفسي للبشر بحبالها؟

يمكن تمييز ثلاث أنواع من المعتقدات: المعتقدات الواقعية (أحكام الواقع)، المعتقدات الإلزامية (القيم الأخلاقية) والمعتقدات المختلطة أو الغامضة (الأحكام القيمة، والمعتقدات الدينية و الفلسفية وما إلى ذلك).

الإعتقاد في الفلسفة هو حقيقة الإيمان، أي أخذ شيء ما حقيقيًا أو واقعيًا، أو التصديق أو الاقتناع التام بأنه صحيح أو أنه موجود. ثمة أمثلة كثيرة من الاعتقادات الفلسفية: مستقبل أكثر إشراقا، تقدم غير محدد.

الاعتقاد في الدين هو التصديق بما جاء في النص من تصورات ووقائع وأوامر ونواهي وأحكام ووصايا والإيمان بحقيقة رؤية القيامة والثقة في المروي من التقاليد المتبعة وقبول الخضوع لكل جزء من التعاليم.

إذا كان الإيمان هو تلقي الحقيقة التي كشف عنها الله الأول والثالث، فإن الإعتقاد على العكس من ذلك هو تجربة دينية لا تزال تبحث عن الحقيقة المطلقة وبالتالي محرومة من الموافقة على ما وقع الكشف عنه.

الاعتقاد هو الذي الشعور النفسي الذي يجعلنا نصدق بأن ما نراه هو الحقيقة ونوافق على ما يرتبط بذلك وإعطاء الفضل لكل ما يترتب عنه دون اثبات أو تحقق ودون حتى الاعتراف بمنطق المحاولة والتريث.

لماذا يحتاج الناس إلى الإيمان بشيء ما؟ والى أي مدى يظل الاعتقاد أمرا ضروريا في الحياة الانسانية؟

نحن بحاجة إلى الاعتقاد حتى لا نلتزم بما هو نسبي، ولنرى ما وراء حدود ما هو معروف، ومثبت، ومفترض. لذلك من الضروري ألا يؤمن المرء بالفضول الفكري الذي لا فائدة منه في مغامرة المعرفة.

لكن هل يوجد من لا يعتقد في أي شيء؟ الا يجوز الاعتقاد في اللااعتقاد؟ ولما ثمة من لا يؤمن بأي شيء؟

هناك فرق بين الريبيين الذين يعلقون الحكم دون نفي أو اثبات حول الحقيقة والوجود ويعتبرون الانسان هو مقياس الأشياء والدهريين الذين ينكرون الوصول الى الحقيقة وبلوغ معنى الوجود وتعريف القيمة .

لا يمكن اكتشاف "معنى" الاعتقاد الشائع إلا عن طريق ممارسة التفكير من أجل معرفة تعاقب تسلسلها واستبدلناها أيضًا في تسلسل ضمن السياق الذي يشكل الثقافة التي تم استخراجه منها، أي جملة الرموز.

في السياق تقف وراء العزوف عن التفكير والاستسلام للتقاليد والوقوع في آفة الاعتقاد جملة من العوامل:

- الجهل المركب ونقص المعرفة

- الخوف من العالم الخارجي

- القصور الذاتي والعجز الهيكلي

- الوصاية للغير والتبعية للسلطة

- الاستبداد السياسي والقهر الاجتماعي

ما المقصود بالتفكير؟ ما الفرق بين التفكير العامي والتفكير المشترك؟ ومتي يصير التفكير الشخصي تفكيرا فلسفيا؟ وكيف يستطيع التفكير الحد من سلطة الاعتقاد على المعرفة؟ وهل يمكن للمرء ممارسة التفكير دون الوقوع في المسلمات؟ ولماذا يتوجه العقل الى ما يسبق التفكير وغير المفكر فيه واللامفكر؟

التفكير ينطوي على جهد حقيقي ويحتاج إلى قوة التركيز والمثابرة والرياضة الروحية والتمارين الذهنية والتسلح بالجرأة والجسارة والإرادة ؛ اذ لا يمكن لعقلنا المفكر أن يفعل أي شيء آخر في نفس الوقت.

من البديهي أن اجراء التفكير هو التوقف عند شيء معين بغية التأمل فيه وتقليبه على جميع جوانب وجوده وفحصه بالتفصيل والتنقيب داخل مغاوره والتعمق في جوهره والإحاطة بتضاريسه ومعرفة تغير أحواله.

لا يكون التفكير الابداعي ممكنا للإنسان إلا اذا احتفظ بملاحظاته وتأملاته حيث قد يحتاج اليها ويخوض تجربة الحوار العقلاني مع الذوات المفكرة الأخرى ويستثمر طاقة الخيال الخلاق وقدرته على التوقع.

ان التفكير الذاتي هو التأمل الشخصي المنطقي الذي يُبني على مشكلة ويعلن عن خطة في المقدمة ويتم تنظيم الأسئلة وفقًا لمخطط حجاجي معلوم وانجاز تحليل بواسطة جملة من النصوص وبعض المرجعيات.

من هذا المنطلق تتوفر جملة من الشروط المساعدة على التفكير:

- ممارسة الدهشة التساؤلية واستثمار الاستغراب وحالة التعجب أم عظمة الوجود

- الشك في كل شيء والتغريد خارج السرب ومخالفة السائد والسير ضد المالوف

- الانخراط في تجربة النقد المزدوج في مجالات الثقافة والفن والمجتمع والسياسة

- الالتزام بالقيم الكونية والتسلح بالشجاعة الوجودية والمغامرة والتضحية والايثار.

أما التأمل الفلسفي فهو انعكاس نقدي لمبادئ المعرفة ومقولات الذهن في بنية العقل لإضفاء المعنى على الوجود بشكل عام. بينما التفكير النقدي هو مفهوم يستخدم في الفلسفة وعلم التربية لتعيين موقف نقدي تجاه أي بيان أو معلومات بالإضافة إلى القدرة الفكرية التي تسمح للمرء أن يفكر بشكل صحيح، لاستخلاص استنتاجات غير سابقة لأوانها. ان القدرة على التفكير هي أفضل ما يميز الإنسان عن البقية، وهي التي تسمح لحضارتنا أن تتطور وللإنسانية بأن تتمكن من التمييز بين الحقائق والأوهام وبين الخير وللشر.

على هذا النحو الهدف من الفلسفة هو التوضيح المنطقي للفكر. فالفلسفة ليست عقيدة بل نشاط وتهدف إلى جعل الأفكار واضحة ومحددة بشكل صارم، إذا جاز التعبير، فهي ليس أنساق غامضة بل تزيل كل التباس وتكمن أهمية التفكير الفلسفي في الحياة في كون الفلسفة تشكل الإطار الذي يمكن للإنسان من خلاله فهم العالم والعمل على حياته وتوفر له أدوات اكتشاف الحقيقة وتشجعه على استخدام عقله لتحسين وجوده.

خلاصة القول أن الفلسفة لها العديد من النقاط المشتركة مع الأنشطة البشرية الأخرى التي، مثلها، تقدم تأملات أو تصقل مفاهيم عامة تؤثر على وجودنا وأفعالنا، ووجود العالم والمعنى الذي يمكننا إعطاؤه.

لقد ميز كانط بين الاعتقاد والمعرفة ورأى بأن الإعتقاد هو الفعل الشخصي المتمثل في اعتباره حقيقة ؛ إذا كان لأسباب موضوعية، يطلق عليه الاقتناع ؛ لأسباب ذاتية فقط، الإقناع. لذا فإن محك الإيمان موجود في الشيء الذي يوافق عليه الجميع. يمكن فقط الاقتناع بالحق الذييجب أن تحتفظ به لنفسك . الاقتناع له ثلاث درجات: الرأي، الإيمان، المعرفة. يدرك الرأي العام قصوره الذاتي والموضوعي ؛ الإيمان يدرك أنه حازم ذاتيًا، ولكنه غير كافٍ من الناحية الموضوعية ؛ المعرفة تدرك أنها ذاتية وموضوعية. في الرياضيات، ليس هناك مجال للرأي ولا للإيمان. في الميتافيزيقيا، ليس هناك سوى مكان للإيمان، وهو شكل من أشكال التواضع للعقل، وكذلك الثقة الحميمة المطلقة. لا يستخدم الاعتقاد لإثبات وجود كائنات الميتافيزيقيا ؛ لكن أشياء الميتافيزيقا يمكن أن تلجأ إلى الاعتقاد، وتفشل في أن تكون جزءًا من المعرفة. في حين الأخلاق، من ناحية أخرى، تجبر الجميع على الاعتقاد بجملة من المسلمات وتتمثل في الحياة المستقبلية وفي وجود إله وبأنفسهم الباقية بعد الفناء الجمي، وبأنهم أحرار عند طاعتهم للواجب. لكن من يقدر على الفعل في الحياة دون ممارسة التفكير؟ وهل يستقيم التفكير دون المرور المثمر بالفلسفة؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

علي رسول الربيعيهل يمكن فرض الوحدة من خلال منعطف تفسيري؟

سوف نناقش في هذه الدراسة أطروحة رونالد دوركين الشهيرة في تأكيده الثابت على أن هناك إجابة صحيحة واحدة للحالات الصعبة التي تتحدى حلًا منطقيًا أو تفسيرًا واضحًا يبدأ من الواحد والكثير في وقت واحد ويسعى إلى إقامة روابط قوية بينهما من خلال التفسيرات القانونية. تستمد الوحدة، بالنسبة إلى دوركين، من الصلاحية الشاملة لمبدأ المساواة في الاهتمام والاحترام المتساوي، وسنفصلهما لاحقا . مقابل هذا، تنبثق التعددية من القرارات المتنافسة المتعددة التي تظهر عادة في سياق الحالات الصعبة.

كما سوف نناقش، تقع أطروحة دوركين ومقاربته أونهجه التفسيري للتوفيق بين واحد والكثير أو المتعدد داخل المعسكر الليبرالي الذين هم أحاديون في طبيعتهم في النهاية. علاوة على ذلك، سواء وافق أو لم يوافق المرء:  تفشل أطروحة دوركين في تحقيق مبتغاها في النهاية فيما يتعلق بشروطها الخاصة، فمن الواضح تمامًا، كما سنرى، أنها تفشل من وجهة نظر التعددية الشاملة. ومع ذلك، فإن نهج  دوركين مهم ومفيد لأغراض تحديد نطاق وقيود البحث عن إمكانية التوفيق بين الواحد والكثير.

1- أطروحة دوركين ومبدأ القانون الواحد:

أصر دوركين وعلى مدار عدة عقود، على وجود إجابة واحدة صحيحة لكل الحالات الصعبة.[1] لقد اتخذ هذا الموقف على الرغم من العديد من النقد والاعتراضات، وعلى الرغم من اعترافه بأن الديمقراطيات الدستورية المعاصرة التعددية عادة ما شهدت خلافات واسعة النطاق فيما يتعلق بالأخلاقيات والسياسة.[2] يبدو أن استنتاج دوركين متعارضًا، ومعاكسا لما هو بدهي هنا نظرًا لأنه لا يعتبر التفسير القانوني مجرد ميكانيكي أو قياسي، ولكنه يعتبره تفسيريًا شبيهًا بالتفسير الأدبي.[3]

يجب تقييم أطروحة دوركين التي تتعلق بالإجابة الصحيحة في ضوء جهوده المنهجية لإعادة بناء السمات أو الخصائص الأساسية للأنظمة القانونية المتقدمة والمعقدة، بشكل عام، وممارسة أصدار الحكم القضائي داخال هذه الأنظمة، بشكل خاص. علاوة على ذلك، يتعارض مسعى  دوركين  في إعادة البناء مع نظريات معينة في القانون والحكم القضائي، والوضعية اساساً، والواقعية القانونية والنظرية القانونية النقدية اللاحقة لها، ونهج القانون والاقتصاد التي طرحها ريتشارد بوزنر[4] وترتكز على فلسفة سياسية  تفترض أن جميع الأشخاص لهم الحق في الاهتمام والاحترام على قدم المساواة[5] وهي تقترب  جدا مع موقف جون راولز في  المساواة الليبرالية.[6] أخيرًا، لايقتنع دوركين بقصر إعادة البناء التي يقوم فيها على مجال النظريات المجردة، ولكنه يسعى إلى التوفيق بين المبادئ المجردة والممارسات الملموسة ودمجها في كيان متماسك. وعلى وجه التحديد، على الرغم من أنه يشبه التفسير القانوني بالتفسير الأدبي، إلا أنه يراعي الفروق بين التفسير الدستوري للأمور والتفسير القانوني وتفسير القانون العام، مصراً على أنها متوافقة مع التفسير الأحادي جميعًا.[7] وهذا على الرغم من حقيقة قد يكون التفسير القانوني قابلاً للتعديل وللأستدلال أو القياس المنطقي أحيانًا، الأ أن تفسير القانون المشترك العام يتطلب نهجًا استقرائيًا غالبًا ما ينتج عنه أكثر من إجابة واحدة معقولة.

يجعل دوركين، من خلال وضع نفسه ضد نظريات معينة عن القانون واعتناق فلسفة سياسية خاصة وموقف أخلاقي معين، من الصعب للغاية دحض أطروحته عن الإجابة الصحيحة الواحدة من قبل أي شخص يشاركه في فرضيات المساواة الليبرالية. من ناحية أخرى، يدع دوركين إثبات أطروحته أكثر صعوبة وتحديًا، من خلال اللجوء إلى Hermeneutics (التأويل) ومحاولة تفسير التعقيد الكامل لقانون عام  قائم على نظام تشريعي يحده دستور مكتوب (قانون الولايات المتحدة مثالاً). لا شك في أن دوركين على علم بهذا التحدي الذي سعى إلى مواجهته من خلال إعادة بناء موقف معاكس للواقع (أيً واقع متخيًل كما  الموقع الصلي وحجاب الجهل الذي يستعمله راولز  بقصد أجرائي). يعترف دوركين أنه بالنظر إلى التعقيدات التي ينطوي عليها السعي إلى التوفيق بين الدستور والقوانين والمعايير ذات الصلة الصادرة من القانون العام، قد لا يتمكن القضاة العاديون من اكتشاف الإجابة الصحيحة في كثير من الأحيان، وبالتالي قد يتم ابعاد هذه الاجابة الصحيحة من بين عدة إجابات أخرى قد يختلف حولها القضاة المعقولون. لكن دوركين يصر بحق على أن هذا لا يعني أنه لا توجد إجابة صحيحة واحدة، ولإثبات وجهة نظره، يلجأ إلى الاستدلال المتمثل في تخيل قاضي خارق، يسميه هرقل، قادرًا على فهم جميع أسئلة التفسير القانوني بكل تعقيداتها وانعكاساتها.[8] يدعي دوركين أن هرقل يمكن أن يأتي بإجابة واحدة صحيحة لكل الحالات الصعبة. ولإثبات ذلك، ينخرط دوركين  في مهمة شاقة لإعادة بناء مضادة للواقع. تتوج هذه المهمة بإعادة صياغة القانون كنظام موحد قائم على مبدأ يتماشى مع رؤية دوركين الأخلاقية والسياسية – وهو ما يمكن أن نشير إليه باختصار بـ "مبدأ القانون الواحد".

وعليه، تصل أطروحة دوركين إلى أنه : إذا قام القاضي هرقل بإعادة صياغة القوانين وفقًا لمبدأ القانون الواحد، فهناك إجابة واحدة صحيحة لكل سؤال قانوني يتطلب التفسير القضائي. لكني سوف أسعى لإثبات أنه حتى لو نظر المرء في أطروحة دورين في سياقها الصحيح، ويشاطره قناعاته فيما يتعلق بأهمية مبدأ المساواة في الاهتمام والاحترام لكل شخص، ويتبنى فضائل إعادة البناء المضادة  للواقع، يجب على المرء رفض أطروحته على اساس التعددية. بمعنى آخر، إذا أخذ المرء التعددية على محمل الجد بأبعادها الواقعية والمعيارية، فيجب على المرء أن يرفض مبدأ القانون الواحد وأطروحة الإجابة الصحيحة الواحدة. باختصار، إذا، كما يؤكد دوركين، لا يمكن فصل القانون عن الأخلاق أو الخير، وإذا كان هناك، مفاهيم مختلفة للخير في المجتمعات التعددية المعقدة مثل تلك الموجودة في مختلف الديمقراطيات الدستورية الغربية، إلى الحد الذي يؤدي فيه تفسير القانون نفسه في ضوء المفاهيم المختلفة للصالح العام (بما يتوافق مع مبدأ المساواة في الاهتمام والاحترام) إلى إجابات مختلفة في بعض الحالات الصعبة، فأذن لا يمكن أن يكون هناك إجابة واحدة صحيحة في مثل هذه الحالات.[9]

لتقديم وصف وتفسير أكثر شمولًا لأطروحة دوركين وتأثيراتها على التعامل التعددي للعلاقة بين الواحد والكثير، سأضع نظرية دوركين  في القسم 2 في سياق مقارن، من خلال مقارنتها بالنظريات المتنافسة ومن خلال فحص الفارق أو الأختلاف النقدي الذي يرسمه بين المبدأ والسياسة. وساقيًم في القسم 3 دور إعادة بناء الواقع المضاد في سياق نظرية التفسير عند دوركين. واقدم  في القسم 4 تحليلاً نقديًا لإعادة بناء دوركين للواقع المضاد لنظام قانوني معقد يتوافق مع مبدأ القانون الواحد، مع التركيز بشكل خاص على تمييزه بين المفهوم والتصور، وعلى اعتماده على مبدأ النزاهة لتبرير شرعية التفسير القضائي. أخيرًا، يصف القسم 5  تضمن التعددية لمبدأ المساواة في الاهتمام والاحترام  بما يتناقض مع نهج دوركين  تجاه التعددية الشاملة في السعي لتحقيق المصالحة بين الفرد والكثير.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

......................................

[1] Dworkin, Ronald. 1978. Taking rights seriously. Cambridge: Harvard University Press.ch. 4.

Dworkin, Ronald.2003. Response to overseas commentators. International fournal of Constitutional Law (I.CON) 1: 660-2.

[2] Dworkin, Ronald. 1978. Taking rights seriously :123-30.

[3] Dworkin, Ronald.1986. Law's empire. Cambridge: Belknap Press.ch. 7.

[4] Posner, Richard. 2002. Economic analysis of the law. New York: Aspen Publishers.

[5] Dworkin, Ronald. 1978. Taking rights seriously :180-3.

[6] Rawls, John. 1971. A theory of iustice. Cambridge, MA: Belknap Press.

[7] Dworkin, Ronald. 1978. Taking rights seriously 1978: ch. 4.

[8] Dworkin, Ronald.1986. Law's empire: 239, 264-5.

[9]

 

 

علي محمد اليوسفاسئلة مفتاحية

هل مبحث نشأة اللغة مقتصرا على اثنولوجيا (تاريخ) الاقوام البدائية فقط؟ هل أعتمدت علوم اللسانيات اركيولوجيا التنقيبات الاثارية الاحفورية والتاريخية الانثروبولوجية في تأصيل نشأة اللغة تدوينا تصويريا قبل ظهور أختراع اللغة المنطوقة والمكتوبة بالحروف الابجدية الصوتية الخاصة بكل لغة لوحدها؟ هل كان فلاسفة البنيوية على صواب ومحقين حين أعتبروا نشأة اللغة مبحثا لا يمكن معاملته تأصيليا على وفق استقصاءات علمية غير انثروبولوجية وسايكولوجية كما ذهب له شتراوس؟ وهل اللغة هبة الهية أم اختراع بشري؟ وهناك عشرات من تساؤلات أخرى حول تأصيل نشأة اللغة غير التي ذكرناها.. وثمة آراء متباينة مختلفة بل متناقضة حول أهمية تاصيل نظرية نشأة اللغة قبل أختراعها كنظام صوتي دلالي في التعبير عن المقصودات من الاشياء والظواهر الطبيعية تقوم على أبجدية الحروف واصواتها الدلالية في التعبير اللغوي عن شيئية الموجودات بالاشارة الى مدلولاتها في الواقع. وكذلك التعبير عن معاني مفاهيم ومصطلحات تجريدية ليس لها وجود شيئي متعين في الواقع مثل كلمات، شجاعة، اخلاق، ضمير، خوف، مروءة، حب وهكذا..

بعض نظريات أصل اللغة

يرى علماء اللغة ان اللغة ليست حكرا على الانسان دون غيره من كائنات الطبيعة وخاصة عند الحيوانات التي تمتلك لغة تحاورية مع نوعها من الحيوان مثل لغة التحذير من الخطر،ولغة الغضب، ولغة التعبير عن رغبة الجماع، ولغة التعبيرعن حاجات التواصل واللقاء، وكانت بدايات أختراع الانسان للغة هي محاكاة لاصوات الحيوانات التي حاول تقليدها على أختلافها، ويرى العلماء أن بدايات اللغة الصوتية عند الانسان في محاكاته تقليد اصوات الحيوانات رافقه تطور بيولوجي نوعي مختلف عن الحيوان في حنجرته ساعدته نطق أصوات خاصة بنوعه.

كما أن القول من جنبة أخرى اللغة هبة فطرية الهية فلا سند تاريخي علمي انثربولوجي يثبت ذلك ويدعمه تصويبا، ماعدا ما تقوله ادبيات الاديان التوحيدية المعاصرة، والنظريات التي تذهب أن اللغة هي أختراع متطور تدريجيا لملكة توليدية  فطرية عند الانسان هي أكثر النظريات شيوعا ترجيحيا. ولعل أبرز من التقى مع فطرية ملكة اللغة عند الانسان كأستعداد هو عالم اللغة الفيلسوف جومسكي في مفهوم توليدية اللغة، لكنه أنكر أن تكون فطرية اللغة عند الانسان تعود الى هبة الهية في أقراره أن اللغة ملكة فطرية نوعية مشّفرة وأستعدادا وراثيا وبداياتها الاولى كانت من أختراع الانسان لغته المنطوقة والمكتوبة ككائن نوعي متفرد...كما وأنكر جومسكي أن يكون تطور اللغة عند الطفل هو بتاثير الاسرة والمجتمع فقط من غير استعداد فطري يمتلكه الطفل في تعلم اللغة. جومسكي يتعامل مع العامل الفطري اللغوي من منطلق أنه موروث جيني مشّفر خاص يحمله الطفل بالولادة. ويرى هيردر أن أبتداع اللغة وأختراعها هو من خصائص الوعي البشري، وكان رأيه تفنيدا أدحاضيا لما جاء به كوندياك في نظريته أبتداع اللغة كان تلبية اشباع حاجات بيولوجية راودت مخيلة الانسان، أو هي أستجابة لهوى نفسي ونزوة عشوائية عفوية لم يكن الانسان في وارد تفكيره أختراعها كما يذهب له كل من روسو وفيكو...أي نشأة اللغة ناتج عرضي للانسنة الاجتماعية غير مقصدود بذاته. ولهذه النظريات اتباع معاصرين كما سيتضح معنا لاحقا. ومن النظريات التي لها مقبولية هي نظرية الفرنسي (نويرة) التي تذهب الى أن بدايات اللغة كانت مقاطع صوتية انشادية ينشدها الانسان بمرافقة عمله للتهوين من المشقة والتعب ولا زالت هذه العادة مترسبة في أعماق وجود الانسان يرددها العمال في اماكن عملهم الى يومنا هذا.

أما أقرب النظريات التي تحمل التكامل اللغوي فهي النظرية العفوية التي كان أشار لها روسو، والتي أعتمدها شتراوس تقريبا. تلك أن اللغة طفرة نوعية عفوية تلقائية تعتمد اربعة مراحل هي:

- مرحلة الاصوات الانبعاثية الساذجة التي تشترط اكتمال تطور الحنجرة عند الانسان.

- مرحلة مقاطع صوتية في تقليد ومحاكاة الحيوانات.

- مرحلة الاصوات المعبرة عن رغبات مصحوبة باشارات من الوجه واليدين.

- مرحلة تكوين كلمات من مقاطع صوتية وهي المرحلة الحقيقية في نشوء اللغة. (نقلا عن ويكيبيديا الموسوعة)

كما يرى شتراوس أنه رغم الكثير الذي قيل عن نشأة اللغة، فاللغة لم تولد الا دفعة واحدة ومرجعية تأكيد وتصويب هذا الرأي نجده عنده في دراسة نشأة اللغة في الانثروبولوجيا واثنولوجيا دراسة الاقوام البدائية، وعلم النفس تحديدا وليس فيما يقوله العلم الطبيعي،، مؤكدا شتراوس أن تكون نشأة اللغة مرت بمراحل مترابطة في سلسلة من البناءات التراكمية العمودية التي هي مجمل أشكال متطورة عن بدايات صيحات صوتية عفوية عشوائية تلازمها تعابير الوجه واليدين والاشارات والايماءات الحركية للجسم، هذه كانت بدايات مهدت لما بعدها في أختراع اللغة كاصوات لحروف تحمل معها دلالة عن معنى مفهومي غير حسي أو دلالة عن شيء معين كموجود،.....

بدايات اللغة

الرسومات التصويرية الكهفية للعصور الحجرية الاولى لم تكن لا هي لغة شفاهية تواصلية بالمعنى الدقيق تماما ولا هي لغة كتابة تدوينية للكلام المنطوق في التعبير عنه برسومات تصويرية للدلالة عن اشياء بعينها. أذ كانت تلك الرسومات البدائية هي لحيوانات وادوات يصنعها الانسان دفاعا عن النفس، وهي خالية تماما من أية دلالة صوتية ترافق تلك الرسومات البدائية فالرسم البدائي كان تشييئا لمعنى محسوس لا كما هو المفروض أن تكون عليه بدايات اللغة رموز يؤدي قراءتها  نطقا صوتيا شفاهيا. كون الصوت الدلالي يلازم الحرف أو المقطع أو الكلمة المنطوقة أي أن اللغة هي بالمقام الاول أبجدية حروف صوتية بالدرجة الاساس وليست رسومات علاماتية تشييئية صامتة. وفي مراحل تاريخية طويلة لاحقة أنحرفت تلك الرسومات البدائية عن قصديتها الشيئية في دلالة معنى التعبيرلتدخل تلك الرسومات فضاءا اوسع هو مرحلة التوظيف الخرافي السحري والطوطمي لها  في عبادة وتقديس شكل الحيوان أو تمثاله البدائي المصنوع من الحجر، وفي مراحل متقدمة أخرى دخلت عبادة الرسومات والمنحوتات ميدان الاسطورة والميثالوجيا في مزاوجة أعضاء من جسم الانسان رأس الملك مثلا أو الاله مع أجزاء من جسم حيوان كما هو في الاساطير البابلية والاشورية في بلاد الرافدين كتمثال الثور المجنّح الذي يكون الرأس أنسيا يشير الى الملك اشوربانيبال أو غيره من الملوك والجسم على هياة جسم ثور مجنّح له أجنحة طيوروقوائم اربعة، وبالمناسبة هذا التمثال الذي لا يقدّر بثمن سرقت النسخة الاصلية منه في الموصل التي كانت تسمى نينوى عاصمة الاشوريين، أثر توالي موجات الاستعمار القديم وموجات الاستشراق والتنقيبات الاثرية، وحتى النسخ غير الاصلية مع غيرها من نفائس اثارية نادرة ثمينة تم تهديمها وتجريفها بالكامل في مناطق أثرية عديدة من الموصل ونينوى على أيدي الدواعش أبان سيطرتهم على مدينة الموصل عام 2014 وأجزاء من العراق تقدر بثلث مساحة العراق قبل طردهم واندحارهم في حرب تحريرية عام 2017م...

 

اللغة والكتابة

الكتابة المسمارية السومرية والاكدية في وادي الرافدين والكتابة الهيروغليفية في مصر الفرعونية، والسنسكريتية في الهند ، ولغات البوذية الصينية، واللغة اللاتينية المأخوذة عن الفينيقية في اليونان، والسامية في الجزيرة العربية واليمن ألمأخوذة عن الارامية والنبطية والسبأية، لم تظهرارهاصات هذه اللغات كلغات شفاهية ومكتوبة في التاريخ البشري الا مع بدايات ظهور عصر الزراعة سبعة الاف سنة قبل الميلاد ، وتدجين الحيوانات وتربيتها وخزن الحبوب وبناء المجمّعات القبائلية كقرى صغيرة متناثرة على حافات الانهر والمياه في فترة متقاربة نسبيا من التاريخ جمعت هذه اللغات في معرفة الكتابة والتدوين رغم بعدها الجغرافي الشاسع فيما بينها وفي مرحلة تاريخية طويلة تمتد بدءا من ثلاثة الاف سنة قبل الميلاد الى سبعمائة سنة قبل الميلاد هو تاريخ ظهور اللغة كتابة أي معرفة تدوين اللغة كأبجدية تصويرية. وتعتبر تلك المراحل التاريخية بداية صنع الانسان للحضارة في معرفته التدوين والكتابة ونشوء القبائل في موازاة ظهور الاشكال الدينية الوثنية بين تلك الاقوام وبناء المعابد الفخمة وبداية نفوذ وهيمنة طبقة الكهنة ورجال الاديان الوثنية.

بموجز التعبير أن تنوع أختراع اللغات لم يكن نتيجة تواصل ثقافي بين هذه الامم بقدر ما كانت كل أمة تنشيء لغتها البدئية من الصفرضمن خصائص بيئتها الاجتماعية واسلوب معيشتها وطقوس عباداتها... لكن هذا لا ينفي التثاقف اللغوي المتداخل بين هذه اللغات البدئية نتيجة التواصل بين تلك الجماعات والاقوام في تبادل المعارف البسيطة والسلع والنساء والمتاجرة والافادة من تجارب تطعيم اللغات واللهجات بعضها مع البعض الاخر. وأصبحت معظم هذه اللغات بمرور العصور لهجات هجينة غير أصيلة في دخول مفردات لغوية غريبة عليها.

أي من هذه النظريات يحدد نشاة اللغة؟

يبدو للمتمّعن في تباين الرؤى المتنوعة التي أوردناها باجتزاءات قصيرة حول البدايات الاولية لنشأة اللغة أنها في حقيقتها الظاهرة لنا اليوم تبدو متناقضة، ولا صحة لأحدها الا في بطلان وجهات النظر الاخرى، لكن الحقيقة تشير عكس ذلك تماما أن هذا الاختلاف في وجهات النظر هو في محصلته تداخل يصب في منبع واحد ويلتقي مع صواب تكامل هذه التقديرات النظرية الافتراضية على أختلاف تنوعاتها والتقائها في حقيقة واحدة هي لم تكن نشأة اللغة نتيجة سبب واحد فقط وأنما منشأ اللغة هو في تكامل تلك الرؤى والنظريات مجتمعة مهما بدا لنا تقديرها على أنها وجهات نظر وأجتهادات متضادة لا يمكن التوفيق بينها.

فعندما نذهب مع هيردر أن اللغة وعي بشري نوعي، فهو يمثل وجهة نظربدئية صحيحة في تدعيم ماذهب له شتراوس بأننا يتوجب علينا البحث في الانثروبولوجيا وعلم النفس عن نشاة اللغة ولا فائدة من مرجعية ما يقوله العلم الطبيعي. وعندما نقول أن الوعي في نشأة اللغة بمعناها الشفاهي كلاما تواصليا بدئيا بسيطا، هو وعي كيفي (ذكي) يفتقده غير الانسان من الكائنات، وهذا الوعي النوعي الذكي هو رغبة الانسان الدائبة في أكتشاف أو أختراع ما يديم تواصل بقائه كمجموعات صغيرة  في درء خوف الموت وافتراس الحيوانات والانقراض، فكل شيء توصّل الانسان أختراعه انما كان يمثل (حاجة) ماسّة ضرورية بحياته يدرك أهميتها. وليس اللغة هنا استثناءا من تلك الحاجات ما يدعم نظرية كوندياك أن اختراع اللغة هو لاشباع حاجة ضرورية لادامة تواصله لغويا مع نوعه. لكن ذلك لا يمثل السبب الوحيد أو الاكثر ترجيحا دون غيره من وجهات نظر متعددة ونظريات مختلفة.

كما أن عفوية أختراع الكلام التخاطبي سّهلت عليه كثيرا حاجته التواصلية في الاستفادة الجماعية في أمور عديدة صعبة جدا واجهت مسيرة تلك الاقوام في تلك العصور السحيقة. التواصل اللغوي الاشاري البسيط بين المجموعات البشرية جاءت في مساعدة أعتماد اشارات وحركات اليدين وتعبيرات الوجه والايماءات الاشارية والصيحات لدرء الخوف الذي يعتري انسان ذلك العصر وتعبيره عن حاجات أخرى يحتاجها في تواصله مع الاخرين من نوعه. كل هذه التعابير التواصلية المرافقة للكلام الشفاهي التخاطبي لم تفقد الى اليوم تاثيراتها كلغة عند المتكلم عندما تظهرعلامات الفرح أو الغضب أو الاكتئاب والحزن والرقص والغناء وغيرها على تعابير الوجه وحركات الايدي وبعض اعضاء من الجسم ولا زالت الايماءات وحركات اليدين والجسم تلعب دورا تواصليا في فعاليات نجدها معاصرة سواء في الكلام التحاوري أو في كلام الخطابة على شاشة التلفزيون والمسرح والسينما وبعض الطقوس الدينية وخطب المناسبات وغيرها مما يقوم به الانسان من حركات تعبيرية تساعده في كلامه الشفاهي باليدين والجسم وتعابير الوجه بغية توصيل ما يرغبه الى المتلقي الحاضرأمامه أو الغائب على السواء وكأنما لغة اللسان الناطقة غير كافية للتعبير.

من الجدير الاشارة له أن ليفي شتراوس وفلاسفة البنيوية كانوا على صواب تماما حين أكدوا على مرجعية علمي الانثروبولوجيا وعلم النفس ولا غيرهما يمكن أعتماده في تاصيل نشأة اللغة. الحقيقة التي يبدو بعض علماء اللغة واللسانيات يتحفظون عليها هو أن اللغة سرد صوتي تحاوري في تعبير شفاهي انثروبولوجي متطور من تاريخ الوجود الانساني أكثر منه علما يقوم على دعائم تستبعد تاريخ الاناسة كدعامة وركيزة أساسية في البحث عن حل لغز تأصيل نشأة اللغة بشكل تقديري أفتراضي تصل صدقية صوابه أحيانا مديات بعيدة لا بديل أفضل مقبولية عنها في حال رفضنا لها.

النظرية اللسانية الصحيحة أفتراضا أستقرائيا التي تذهب الى تعيين مراحل تطور اللغة تبدأ في أختراع اللغة بابسط اشكالها البدائية التصويرية في رسم شكل الشيء المراد التعبير عنه لتليها مرحلة أخرى اكثر تجريدا في الوصول الى أبجدية الحروف ودلالاتها الصوتية ثم المقاطع فالكلمات فالعبارة...وتطور اللغة في قبيلة أو في مجتمع معيّن يمكن أن يكون للتبادل التجاري والثقافي دورا مهما حتى في أبسط اشكاله نعثر عليه في تداخل مؤثرات لغة على أخرى أو أكثر نتيجة الاختلاط التجاري والمصاهرة والنزاعات والحروب والتحالفات بين القبائل والترحال الدائم هي نظرية لا يتوفر ما يدحضها في خطوطها العامة العريضة التي تتقبل الرؤى الجديدة عليها والاضافات والادحاضات الجزئية كلما تقدمت اركيولوجيا حفريات معرفة تاريخ الحياة الانسانية عبر تطوراتها التاريخية الصعبة الضاربة عميقا في جذور التاريخ.

الكتابة والتحول النوعي باللغة

تعتبر الكتابة في ابسط تعبير عنها أنها عملية تدوين الافكار اللغوية ونقلها من حالة الكلام الشفاهي الصامت المخزون بالذهن والكلام المنطوق لسانيا صوتيا الى حالة الكتابة العقلية الفكرية الفردية الصامتة لسانا الصوتية قراءة. وبتعبير ارسطو ان اللغة مجرد ترجمة لفكرة توجد قبلها، والكتابة هي مجرد ترجمة للغة الشفاهية.

والكتابة طفرة نوعية عظيمة في مسار اللغة ترقى في أهميتها أختراع لغة الكلام التخاطبي الشفاهي. ويجمع علماء اللغة على أن الكتابة مرحلة انتقالية نوعية في العقل اللغوي التوليدي، كما عبر (غودي) عن ذلك قوله (الكتابة ارتقاء الى شكل جديد من اشكال التقنيات الفكرية، وبالتالي هي انتقالة الى شكل جديد من العقلية)1 بمعنى أن الكتابة نقلت التفكير العقلي من صورته الكلامية في التواصل والتخاطب الحواري الى مرحلة هي نوع من عقلية تدوين الافكاركتابة التي تكون في تدوينها المكتوب أكثر قيمة في الاهمية من الكلام الشفاهي المعرّض الى التلاشي السريع والزوال.. بهذا المعنى تكون الكتابة هي أس بدء الحضارة الانسانية كونها تدوينا تاريخيا وليس كلاما عابرا زائلا غير متوفرلما بعده ولا موجود له أثر يشيراليه.الكتابة بهذا المعنى أخرجت لغة الكلام اللسانية من المشافهة التحاورية في نطاقها التداولي الحواري المحدود المؤقت الزائل الى فضاء التلقي الجماعي القار في انتقالات بعضه عبر الاجيال والعصور الذي لم تدمره الحروب والحرائق والاتلاف العمد عبر التاريخ. وبالكتابة التدوينية للافكار أصبحت اللغة من أهم الركائز التي قامت عليها حضارات الشعوب المتنوعة،(كما يبين لنا التاريخ بطريقة لا ريب فيها أنه في الحضارات التي ظهرت فيها معرفة لغوية، فأن هذه المعرفة بدون أدنى شك وجدت بعد أن تمت السيطرة تماما على تقنية الكتابة)2 .

أنه بات من المفروغ منه أن بداية نشوء أي نوع من الحضارة الانسانية البدئية القديمة أنما كان يرافق أشادتها وبنائها ملازمتها أختراع تقنية الكتابة والتدوين في ذلك العصر. فالكتابة اللغوية هي تدوينات لمعارف في مختلف مجالات الحياة من حصة أجيال متعاقبة لا تندثر معطياتها الكبيرة في جيل دون أجيال متعاقبة لاحقة . على خلاف أضاعة الكلام الصوتي الشفاهي وزواله قبل أختراع الكتابة معلومات تاريخية هامة جدا في مختلف نواحي الحياة على مر العصور بسبب أن الكلام الشفاهي عرضة للاندثار والتلاشي بفترة زمنية محدودة ما لم يجر تدوينه وحفظه كتابة في أي شكل من الاشكال التي أستخدمها الانسان في تدوينه الكتابة عليها مثل الواح الطين والاحجار وجلود الحيوانات والبردي وغيرها من وسائل أخترعها الانسان لتدوين كتابة ما يرغبه عليها عبر العصور...بهذا المعنى يمكن القول أن لغة الكلام الشفاهي هو كل ما لم يتمكن الانسان حفظه والمحافظة عليه بأحدى وسيلتين متاحتين لنا الان التدوين الكتابي على الورق أو غيره، أو التدوين الآلي في حفظ الكلام الشفاهي من الضياع في تسجيل كل منطوق لساني لغوي شفاهي أو تفكير لغوي على آلة تسجيل وما اكثرها اليوم التي أبتدعتها تكنولوجيا العلوم والصناعة بما يحفظ الكتابة مقروءة أو مدونة (مقروءة مسموعة) معا لا تندثر في تقادم الزمن عليها.

مصطلح ما فوق اللغة

ثمة ظاهرة وصفها علماء اللغة بمصطلح معرفة ما فوق لغوية، وهو أمتلاك بعض الاشخاص وحتى بعض الامم والاقوام تجربة تقنية لغوية خاصة يمكن تسميتها (فطرية ما فوق اللغة) دونما أن تمر تلك التجربة اللغوية بدراسة نحو وقواعد ونظام اللغة التي يتكلمونها ويستخدمونها كتابة، وهي نظرية صحيحة مثبوتة في علوم اللسانيات، فمثلا عندنا في لغتنا العربية نجد تجربة مصطلح ما فوق اللغة كان في أمتلاك شعراء العصر الجاهلي عصر ما قبل الاسلام وعصر صدر الاسلام ايضا هذه الخاصية المافوق لغوية، أي أمتلاك شعراء ما قبل الاسلام وصدره (ملكة)  قابلية نظم الشعر الموزون المقفى على السليقة بالفطرة اللغوية ولم يكن يعرفون في عصرهم أن لهذا النظم الشعري الذي يقوله شعراؤهم ويتناقلوه الرواة شفاهيا أو مكتوبا بين القبائل، له قواعد عروضية تصل حوالي ستة عشر بحرا بما يسمى بحور الشعر التي وضع قواعدها عبقري اللغة العربية الخليل بن احمد الفراهيدي الذي توفي عام 170 هجرية الموافق 786 ميلادية، بمعنى بعد مضي قرون طويلة تقارب اربعمائة عاما على نظم وتداول الشعر العربي الجاهلي على السليقة الفطرية وصولا الى تاريخ صدر الاسلام لقرنين هجريين تقريبا قبل وضع الفراهيدي عروض الشعر زمن الدولة الاموية في خلافة عبد الملك بن مروان، ولم يكن واحدا من اؤلئك الشعراء قبل ذلك ولا من متلقيه من عوام القبائل لهم معرفة مسبقة أن قواعد النظم الشعري المّقفى الموزون يقوم على قواعد لسانية لغوية نحوية في التزام ضوابط البحور في قول الشعر الموزون المقفى التي أجملها الفراهيدي كما قلنا في 16 بحرا أكثر أو أقل حسب التطورات الفنية التي طرأت على الشعر العربي عبر العصور والتاريخ... والاكثر أدهاشا أن العرب تناقلت منظوم الشعرالموزون المقفى شفاها ومكتوبا ولم يخطر ببال أحد لا من الشعراء ولا من العامة التشكيك أن هذا القول الشعري يختلف تماما عن النثر السردي بالكلام العادي الشفاهي كما لم يشكك أحد في اختلاف الشعر تماما عن لغة القران الكريم الذي يحتوي الآيات الكثيرة التي فيها السجع النثري في وحدة قافية الروي لكن تلك الآيات المسجوعة بقافية موحدة لا يشابه السجع فيها موزون القافية عروضيا كما في الشعر...وكانت للذائقة العربية الفطرية في تلقي انشاد الشعر منظوما ومقفى هو نوع من ملكة ما أطلق عليه علماء اللغة تعبير ما فوق اللغة. فالعرب كقبائل ايضا كانوا متلقين للشعر يقدسونه ويفاخرون به وهم لا يعرفون أن لهذا القول الشعري ضوابط وقواعد عروضية سيضعها عبقري اللغة العربية الفراهيدي بعد قرنين من ظهور الاسلام أي بعد مضي مائة وسبعين سنة على مجيء الاسلام تحديدا. ومارس الشعراء النظم الشعري العمودي صدرا وعجزا موزونا مقفّى فطريا على السليقة...ويؤكد علماء اللغة هذه الحقيقة قولهم (لا يوجد علم لغة الا اذا كان هناك علم ماوراء لغوي، أي عندما تكون لدينا لغة ماورائية (ماوراء اللغة) لتمثيل لغة أخرى اللغة الموضوع التي تعني أن فنون اللغة تنشا قبل علوم اللغة).3

هذا تاكيد ماسبق لنا ذكره أنه لا يشترط في أبداع اللغة ضرورة أتقان قواعد نحو تلك اللغة قبل الكلام فيها والكتابة بها وهو ما يذهب له جومسكي في نظريته التوليدية التي تقوم على ملكة فطرية مستقلة عن قواعد أتقان نحو اللغة والقواعد التقنية الفنية المتعالقة بها. لكنما يبقى هذا الامر من وجهة نظرنا نسبيا في التسليم بصحته ولا يمكن تعميمه على بعض اللغات منها على سبيل المثال لغتنا العربية، كان على المتكلم أو الخطيب في اللغة العربية في عصري الجاهلية وصدر الاسلام من المعيب والمخجل أن (يلحن) أي أن يخطأ في كلامه أعرابا نحويا، في عدم تفريقه بين المرفوع والمنصوب والمجرور، وكانت تكتب اللغة العربية منذ العصر الجاهلي الى عصر الخليفة الامام علي بن ابي طالب، كما تكتب لغة القرآن بلا تنقيط وبلا حركات على الحروف وكان العرب يتخاطبون ويكتبون لغتهم بلا أخطاء نحوية أو بلاغية مربكة للمتلقي وبقيت تلك الحال سارية عبر العصور، علما أن عرب الجاهلية وعرب صدر الاسلام كانوا يتكلمون العربية بلهجات متعددة مختلفة عن عربية لغة القران الفصحى التي نقرأها ونكتب بها اليوم، ولم تجمع تلك اللهجات المتنوعة والمختلفة سوى لغة القران المكتوبة بعد جمعه وتدوينه وتنقيطه التي أدخلت هذه اللهجات العربية اللغوية المختلفة هي الاخرى قراءات متعددة لآيات القران (القراءات السبع) ما جعل أهمية وضرورة ضبط نحو كتابة وتلاوة القران الكريم تقوم على لهجات لغوية موحدة في القراءة بمرجعية أعتماد مدونة كتابة القرآن بالعربية الفصحى.. وبقيت الحال كما هي الى أن وضع الفراهيدي 100- 170 هجرية أيضا ضرورة تنقيط المصحف لدرء الالتباس الحاصل في اللغة فوضع الحركات الاربع على حروف الكلمات التي هي (الكسرة والضمة والفتحة والسكون) كما وضع الشدّة والتنوين أيضا، فأصبح بعدها (اللحن) أي الخطأ في نحواللغة العربية وقواعدها شفاها أو كتابة من الامور المعيبة المخجلة للعربي وأنتقاص من مهابة وحرمة اللغة العربية وجمالها الموسيقي المتناغم، وليس معنى هذا أن الاخطاء النحوية قبل أنجاز الفراهيدي قواعد ضبط نحو اللغة العربية كانت تمر بسهولة قبل أن يضبط الفراهيدي التنقيط ويضع الحركات الاربع على حروف الافعال والاسماء ويخترع ايضا التنوين والشدّة لتمييز لفظ الحروف أو الكلمة بنحو لغوي سليم بعيدا عن اللحن اللغوي... فقد كانت السليقة الفطرية الجمعية في تلقي اللغة العربية الفصحى بفطرة مافوق اللغة يقظة تماما تجاه أي خرق معيب في النحو والغريب أن هذه الذائقة السماعية لدى متلقي الكلام أو الخطاب كانت فطرية تماما أي أنها كانت ملتزمة بمصطلح ما فوق اللغة بالسليقة. حيث توجد رواية تقول أن عرب الجاهلية أي عرب ماقبل الاسلام كانوا يلفظون الكلمات مشّكلة في علامات الاعراب شفاهيا قبل وضع الفراهيدي لها كتابة وتركوها كتابة أي تركوا وضع الحركات التي كانوا يلفظونها ولا يكتبونها بعد مجيء الاسلام وكتابة القران غير منقّط ولا مشكّل نحويا.

ملحق** مسألة تنقيط القرآن وأن كان هذا ليس موضوعنا أن القرآن كان يتلى قراءة مكتوبة وكلاما شفاهيا في عهدي الرسول محمد (ص) والصحابة ولم يكن منقوطا ولا مشكّلا بالحركات الاربع والشدّة والتنوين التي وضعها الفراهيدي لاحقا. وتوجد في مسألة تنقيط القران أكثر من رواية واحدة منها أن الخليفة علي بن ابي طالب(ع) حين وجد اللحن في تلاوة القرآن مستشريا بين المسلمين طلب من ابي الاسود الدؤلي وكان عالما مشهودا له الامانة والصلاح في تدينه واسلامه واتقانه نحو اللغة العربية مهمة القيام بتنقيط القرآن ليخلفه أثنان من تلامذته من بعده هما نصر بن عاصم الليثي ويحيى بن يعمر أكمال المهمة التي لم تكتمل بشكلها النهائي القويم الا بجهود الفراهيدي في القرن الثاني الهجري، ورواية أخرى تقول أن الخليل بن احمد الفراهيدي قام بأتمام مهمة تنقيط القران وتشكيله بالحركات وضبط قواعد النحو فيه بطلب من الحجاج بن يوسف الثقفي في عصر الدولة الاموية تنفيذا لتوصية من عبد الملك بن مروان، وبالتاكيد يوجد من هم أختصاص ضليعين في مسائل دراسة اللغة العربية يعرفون الصحيح من هذه الروايات ويتركون المنحول منها التي ليس لها سند توثيقي تاريخي..وبالتاكيد يوجد رواية صادقة ثابتة واحدة تنهي الاشكال المفتعل بهذا الموضوع لاغراض سياسية تكمن وراءه.. وهذا ليس من مهامنا في هذا المقال.

 

علي محمد اليوسف/الموصل

..............................

الهوامش: فلسفة اللغة/سيلفان اورو،جاك دريشان،جمال كولوغلي/ترجمة د.بسام بركة /1 ص 114/2 ص 116/ 3 ص 117

 

 

سامي عبد العال

في حوارهِ الأخير عام 1966 مع مجلة دير شبيجل speigel Der الألمانية والذي نُشِر بعد موتهِ بناء على رغيته، قال مارتن هيدجر: "وحدُه إلهٌ فقط باستطاعته انقاذنا. وفيما أعتقد ليس لنا إلاَّ الفكر والشعر لتهيئة ظهوره appearance أو اختفائه في حالة سقوطنا decline: ذلك أننا سنهلك بلا معنى meaningless في غياب الله"(1) . توقيت إجراء الحوار مهم وهو قبل رحيل هيدجر بعشر سنوات (مات 26 مايو1976)، حيث كان من ألمع العقول التي أثرت في الفلسفات والمعارف الانسانية المعاصرة. والسنوات العشر الأخيرة من الحياة كافية لتمرين القارئ على التفكير بأقصى درجة في المسائل الكبرى، كما أنَّ بلوغ الفيلسوف من الكبر عتياً يجعله شاباً فلسفياً لا العكس. وربما ذلك أبرز معالم التفلسف الخصب، حين لا يشيخ التفكير بينما يتوكأ صاحبة على تأرجح المصير. زخم الفلسفة التي تطرح ذاتها في مراحل الغسق إذ تفقد الإنسانية كل شيء، فالتفلسف مراهنة، مقامرة فكرية على استعادة حياتنا مرة ثانية في أشكال متجددة.

ورغم اختصار فقرة هيدجر بصدد تأثير الفلسفة في أحوال العالم ومآلاته، حيث لم يعطِ صاحبُها تفصيلاً واسعاً، غير أنَّ معناها الذي تدفعه للقارئ واضحٌ، معنى أنَّ فكرة الإله كإبداع انساني تنقذ العالم من السقوط: السقوط في المجهول، السقوط في العدم، السقوط في الصراع، السقوط في لعبة النهايات التي اجتاحت الفكر ما بعد الحداثي. جميع تلك التنويعات على شأفة النهاية تستحضر اللامعنى كغسق للإنسانية، لأنَّ ما يميز الأخيرة هو وجود المعاني فيما نفعل أو لا نفعل.

المعنى المنتظر

كأنَّ هيدجر يحدد انتظاراً ما، ليس له غير أفق متعالٍ. ولا يبدو المعنى قائماً بأعمال التاريخ، بل هو الحدث تاريخي ذاته. وبخاصة أنَّ موقعاً للإله في ذهنيات البشر يثير المجهول وبالوقت نفسه يترك علامات لمعانٍ كُبرى. فليس من إنسان يطرح معاني الإله في تفاصيل صغيرة، دوماً هناك من الأحداث ما تستدعي نظيرتها على ذات المستوى.

صيغة (وَحدُهُ إله) مثالٌ لدلالة أبعد مما يتوقعها القارئ الغربي. الكلمات تؤكد: ذهبت الإنسانية بعيداً وليس من معجزةٍ لرجوعها إلاَّ بحدثٍ استثنائي. فإذا كان الوضع مأساوياً، فليكن الالهُ هو من يتكفل بذلك، حتى عند نقطة الصفر حيث لا أمل سواه. وتشبه مقولة (وحده إله) اعتراضاً يأتي في اللحظة الأخيرة. لقد جربت الإنسانية كل الحيل وقد اعيتها على شفير النهاية.

ضمن الموقع المُفارق، المُتعال للإله، يصبح تنوع معاني الإله ممكناً لا اعتقاداً مسبقاً. ولكي يترك هيدجر مساحةً لتخيُل ما يحدُث، تركَ للفكر والشعر المهمة فيما يشبه عمل اللغة التي هي أصالة الأشياء.

الانقاذ فعل تهيئة وابداع وحركةٌ للفكر والشعر بوصفهما طاقتي خلْق. والدلالة أنَّ ارادة الفكر جزءٌ من إرادة كلية لا تلاصقها إلاَّ الاشعار الأصيلة كفعل كوني.

مفهوم الشعر بالنسبة لهيدجر هو مفهومه اليوناني، كلام الآلهة، الخبز الرمزي الذي يجنب البشر المخاطر، حِكّم وشذرات الأساطير كلها شعرية. ويقف من الوجود موقف التأسيس والتجلي.

الله معنى داخل آفاقنا المحدودة، هو معنى المعنى، فنظراً لاستحالة إدراكه، فهو بالنسبة لكل البشر معانٍ إنسانية ما.

السقوط هو فقدان المعنى، وفي حالة كهذه تلجأ الإنسانية إلى ما يُضْفي على حياتها شيئاً منه، ووجود المعاني يوازي الحياة وثرائها.

يبرز معنى الإله سمات التسامح، الحرية، الأصالة، القوة. وهذا يجسده الشعر والفكر كأبرز ما يكون. وعليه فالإرهاب نوعٌ من اللامعنى، العنف غسقُ المعنى، الايديولوجيات موت المعنى. لأن هذه الاشياء تجسد حالات السقوط المُريع كأنها العدم الذي يترصدنا.

لم يكُن هيدجر ليحدد اعتقاداً لاهوتياً، إنما يرى (معنى) الله كرافعة تاريخية أثناء الازمات الكبرى، حين يصبح الإنسان مُعلّقاً على حافة المصير وقد خاب كل مسعاه. ربما الفلسفة لن تسعف نظراً لتعثرها الجدلي والخطابي، وكذلك العلم له مجاله في تاريخ الإنسانية، لكن الخلاص بأدواته ومعارفه يكاد ينعدم.. عجزت رافعة الفلسفة والعلم والتقنية، وبقي الإنسانُ في انتظار شيء آخر. والخلاص ليس بظلاله المسيحية وإنْ حضرت من بعيدٍ (القائلة بالصلب والفداء)، إنَّ ما يتهدد الإنسانية برأي هيدجر ليس نتاج الخطيئة ولا الآثام. فالمعاني والآمال الكبرى لدى الإنسان تقع موقع التأويل لا بحشوها ولا بحرفها القاتل كما قال القديس أوريليوس أمبرواز لتلميذه القديس أوغسطين: (يا بني لا تعبدَ الحرفَ.. فإنّ الحرف يقتُل) .

لعلَّ الخلاصَ بأنواعهِ (غير اللاهوتية) يشكل تاريخ الحضور الإلهي في ذاكرة البشر، خلاصٌ هو النجاة إزاء الشرور والكوارث والأوبئة المرعبة(إزاء الإنسان) . زفرات المجهُول حيث يتوارى كل شيء عن الظهور، وحيث يتشبث الغارق بموقع الإله والبدء في طور آخر من الوجود. ومثلما كان الفكرُ والشعر صيغتين لتجلي الوجود بالنسبة لهيدجر، فقد يتمكنان من استقبالُه ثانيةً، فهما موقعا التأسيس الأقصى لأي أفقٍ بشري. لغة الفكر والشعر ليست وسيلةً خطابيةً بما يُقال، بل علامات أصالة تجاه ما يمثل جوهرَ الإنسانية.

عندئذ يعجز أيُّ قيدٍ عن أنْ يربط وجودنا بما يحُول دون تحطيمه، لأنَّ نمطاً من التعالي trancendentality توفره دلالة الله ليس من جنس المعرفة ولا الدين فقط، لكنه نمط إنساني نتيجة رغبتنا الوجودية في الامتلاء بالمستحيل. هكذا تبرز مقولة هيدجر الزخم الفلسفي لهذه الدلالة المفتوحة open significance للكلمات والنصوص باصطلاح أمبرتو إيكو. إنه يجب نزع فكرة الإله من أيدي اللاهوتيين والإيديولوجيين والراكضين خلف صكوك الغفران كأمراء العقائد والارهاب. أي علينا مناقشتها على أسسٍ إنسانيةٍ في حضور الفكر والشعر وأي انفتاح آخر.

المعنى المتحرر

قراءة المعنى فلسفياً هكذا: هل الله كمعنى يطرحُ تحرُراً من نوعٍ ما؟ ليس نوعاً دينياً، بل وجودياً هيدجرياً بصيغته المطروحة. وعليه سيوازي الخلاصُ الوجودي (الذي يأمله البشر) إمكانيةَ معنى الإله ذاته سلباً وايجاباً. إنَّ فكرة الإله- لكونها تفتح آفاقاً مختلفة- لم تستطع أية فكرة أخرى ملء دلالتها. فالخلاص المصيري سيأتي من جنس الحدث المنتظر، الاثنان يحتاجان شيئاً نافذاً يستدعيه معنى الإله (أي اللقاء الميتافيزيقي، الوجه الأعلى بكلمات إيمانويل ليفيناس) . مما يعني وجود الإيمان الفلسفي بالخارق داخل الفكر نفسه، أي التعلق بالمقدس أو الجليل بلغة كانط.

واللافت للنظر: أنَّ ضياع الحرية يساوي (=) equal ضياعاً لفكرة الله. المعادلة الرياضية المترتبة على كلام هيدجر بصدد أنَّ الإله يوازي شيئاً منتظراً لدى البشر، فالضياع موضوع تأسيسيٌّ لا مجرد عَرَض بالمصادفة. ولاسيما أنَّ الله ضربٌ من الأسرار الإنسانية التي يستحيل نيل حقائقها اكراهاً. فالخلاص المتنكر في عبارات الفلاسفة هو حياة للإنسان طالما تتشبث بدلالة الإله. إذن الوجود الإلهي من عدمِه- بتلك الحالة- ليس قضيةً على محك الاختيار اليومي (الإثبات أو الانكار: الإيمان أو الإلحاد) . لقد انتقل معانيه إلى ابداع الفكر والشعر، حيث يأتي معنى الإله (أصيلاً) من الأساس!!

صحيح أنَّ الحرية هي لُب أفعالنا، لكنها لا تستقيم بدون معنى متعالٍ، لأنَّ البشرَ سيتطلعون إليها طوال الوقت. كلُّ حريةٍ تقتضي إفساح مسارها إلى مالا نهاية حيث الانعتاق من أية قيود. وحتى فكرة الـ" مالا نهاية" infinity تعدُّ قيداً إلاَّ بإمكانية أعلى تفسحُ لها الطريق. هذا رأي هيدجر حين اعتبر الموت إمكانية قصوى تبلغها الكائنات الإنسانية. الموت نوع من الخلاص أيضاً مثله مثل التحرر، وسينتهي كذلك بفكرتي المجهول والغموض، الحرية لا تُعطى مباشرةً، بل تتطلب تطلعاً إلى شيءٍ أبعد.

لكن كيف لوجود متعالٍّ أنْ يُحرِّر الإنسان؟ إنَّ الأفعال ذات البُعد الديني وحتى المناوئة له تأخذ جانباً مؤولّاً للإله، أي أنها لا تّمر من مرحلةٍ إلى غيرها سوى بالتوكؤ على تأويل الله كمعانٍ في متناول اللغة. إذ يجب التعبير عنه بالضرورة الإنسانية (مثل قول هيدجر)، وتفترضه في آفاق الحياة البشرية كاللوغوس الراعي للأعمال والأحداث. إن معنى الإله متنوع الوجوه وإن جاء الشيطان إزاءه لينال اللعنات كما في التراث الديني، حتى ولو ارتدت الحريةُ بهذا صراعاً داخل ثنائية الله والشيطان، لتصبح مفاهيم الإله لاهوتاً مشبعاً بالكراهية الاجتماعية والسياسية بين الناس، رغم أنَّ دلالته بإشارة هيدجر تعني أفقاً مفتوحاً(2) .

وضع الكراهية يظهرُ حين نضل طريقنا الذاتي نحو التحرر؛ أي يقفز معنى الإله اللاهوتي الغالب تجاه كلِّ أنواع التحرر. ولن ندرك ذلك الطريق ثقافياً طالما نترقبه في المكان التفسيري الخطأ، أي خارج ذواتنا. لأنَّ ما يربطنا بمعاني الله ليست العبوديةَ كما يظن الفقهاءُ، ولا أصحابُ المذاهب الدينية حين ينصبون ورشةَ عاطلةً لفتاوى العنف. فالارتباط بمعاني الله يغدُّو صلباً متى أُسِّسَ على اللا رابط؛ أي إذا استندت إلى فعل الانعتاق من أنماطه السائدة ومن كلِّ ما سواه و لو كان رفضاً لفكرته الثابتة إنسانياً، لعل هذا النمط للإله أو ذاك بمثابة الوثن السياسي والاجتماعي لتكلس الوعي والروح. حرية رفض الأشكال هي جوهر الإيمان، لدرجة أنَّ الانعتاق والتحرر يحملان كافةَ التكاليف الشرعية، وتُقام عليهما جميع مفاهيم الدين(3) .

لقد يتجسد التحررُ من الإله كشكلٍّ بمفارقة الإيمان (المتناقض ذاتياً وأنطولوجياً)، لأن الايمان اعتقادٌ فيما لا يوجد عادةً ولن يكون معتاداً يوما ما. وبالتالي يحمل جوهر الإيمان بذرةَ النسف الداخلي لترسبات أي شكل ثابت. فأنْ يؤمن الإنسان، فذلك الأمر يتم دون أنْ يرى موضوع الإيمان، فضلاً عن اعتباره حقيقةً مع أنه لا يملك دليلاً قاطعاً عليه. إن كلُّ إيمان ليس به هذا التَّفجُر لن يغدو سوى عبوديةٍ فارغة المضمون. الإيمانُ طاقة حُب وانفتاح لتطهير ذاته دون شكلٍّ، فعلٌّ، خارج حدود التَّحكُم الكمي والكيفي. وأي إيمان إنْ لم يجدِّد نفسه، سيحيل الإنسانَ إلى ترسانة كراهيةٍ بلا نهاية.

النفي والاثبات

الانسان الذي يستطيع التَّحرر بإمكانه معرفة الله نفياً واثباتاً، مجهولاً ميتافيزيقياً وراءه رغبة سحيقة في الوجود. وعلى النقيض لكي يقتل الانسان إلهه(نمط اعتقاده) على غرار نيتشه، فهو من يؤمن به ايماناً شوفونياً(وثنياً) داخل الذات(4) . هذا التعبير السياسي مقصود، فالذات فعلٌّ جيو سياسي يحقق الكيان والعلاقة بالآخرين مثل الدول. إنَّ فعل التحرر فعل قتل أصيل لما نملك من أشكالٍّ ولا ينال من معنى (الإله) إلاَّ ويطالُ كلَّ آخر غيره. لهذا كان الله دوماً يقع حيث ينتفي أيُّ إله غيره. ولو لم ينتف لما وُجِد على صعيد الاثبات المنفي كما في عبارة التوحيد(الشهادة والاعتقاد) .

إنَّ كلُّ اختيار إلهي نقصده أو ننحرف عنه يفترض نقيضه وإلاَّ ما كنَّا لنُؤْمر به ونُنْهي عن المغاير له. ووجود النقيض ينسف ثبات التَّوجُه القسري لو ظننا أنَّ له جانباً وحيداً. وهنا تتأتى قيمة المقدس كمركز في أفق الحياة دون فقدانه لوجاهته الإنسانية؛ أي دون فقدان قدرتنا على الرفض والقبول. فهذا مبدأ لإيمانٍ حُر يعتبرُ فردياً حتى النخاع ولو جسّد طقساً جماعياً. ومن يمكنه الشعور بالحرية حقيقةً يستطيع معرفةَ الله. وهذا رأي كانط: أننا كائنات أخلاقية بالمقام الأول ومن حيث كوننا كذلك نستطيع التَّدين لا العكس، معتبراً كون الإله ممكناً بشكل أخلاقي عملي practical لا برهاني ميتافيزيقي(5) . لذلك، فالواجب الأخلاقي يتجاوز كلَّ موقف وينتهك أيَّ مبدأ. لو كان معنى الإله داخلنا لا يتأسس على تلك القاعدة الحرة لأصبح صُندوقاً أيديولوجياً أشبه بجراب الحاوي.

الحرية بالنسبة للمعتقد الديني شرطٌ مُسبق وليست عملاً كسُولاً تابعاً. مشاركة الله فينا من باطننا ومشاركتنا في وجوده المتعال بالمثل. الاثنان يقفان أحدُهما في إحالة مستمرة إلى الآخر بلا انتهاء. فالحرية تقف إزاء الايمان الديني وداخله كماهيةٍ. أليست هي مناطَ الدين وغذاءً لاستمرارية التدين؟ إنها لا تندرج في خانة الشروط التابعة سوى بهذا التجلي. فإذا خضعت الحرية للتجربة سرعان ما تفترض اسبقيتها. لأنَّ كلَّ حريةٍ لمعتقد تزيحُ أيَّ تراكم ضاغط بمجرد انفراد الإنسان بنفسه. حين يؤكد" أنا أؤمن" لا يجد بُدَّاً من نزع الأقنعة الزائفة(6) . وليس منطقياً أن يكذب على ذاته.

إذن سيكون تأمل الحرية هذه المرة من داخل معاني الله لا من خارجها، والمسألة سكِّتَ عنها تاريخ الاعتقاد طويلاً، لأنها كانت هدماً لأيَّة جماعة تتحدث باسمه. بسبب انتشار التصورات المشوهة (ايماناً ورفضاً) لتلك الفكرة. لقد تم تجنب التفكير إنسانياً من ذروةٍ متجاوزة لكلِّ تصورٍ هو محدود بالماهية. وقد يجري ذلك باعتبار الإله معلقاً في عالم ميتافيزيقي ليس له إلاَّ عقابنا أو إثابتنا فقط!!

المسألة تبرز هذا(النأي، الاتساع، الجُود الإلهي بلغة ابن عربي: لولا الجود لما كان الوجود) اللانهائي لمعنى الله ليس غير. ومن تلك الذروة ربما لن يتصور المرء مناقشة أية قضية لا تنتمي إلى مجالها مثل قضايا المعرفة أو التفكير، بينما معاني الله هي الاستثناء الوحيد. فالإله معنى يوجد وينتشر في كل شيء تقريباً على ذات المستوى. إنَّ تفكيراً كهذا أزاح الجانب الإنساني لوجودنا النسبي بصيغة المطلق على صعيد التأويل. ونحن نعرف ككائنات فانية أنه لم ولن يكون الانسان إلهاً، إذن عليه التحليق من موقعه المفترض إلى درجة التعالي الحُر.

الاسم والمسخ

ما الذي جعل البشر يمسخون مفهوم الله إلى مفهوم عبودية؟! حيث قد تمَّ ذلك في تاريخ الديانات والعقائد بالاسم دون المسمى، بالشكل الوثني دون المدلول. فباسم الله يحكم الحاكم المستبد، باسم الله يأمرنا راعي المعبد والكنيسة والكهنوت والمسجد، باسم الله تطيع الزوجةُ زوجها معلِّقاً إرادتّها في سترته كتميمّةٍ اجتماعية. وباسم الله يأمرنا أهل الحل والعقد كأنَّهم يملكون مفاتيح الجنة والنار، وباسم الله يتسلط الأسياد على العبيد، وباسم الله ننحت أدمغتنا في قوالب تربوية وجدنا عليها أسلافنا. إنَّه هوس ترجمة معاني الله إلى شكل جمعي من غير أي تماس روحي فعالٍ. لماذا يغدو الله شركة مساهمة اجتماعية أو سياسية؟ كيف كان الله صكاً اقتصادياً في بورصة اللاهوت الاجتماعي؟

إنَّه ما لم تتحرر الأفعال من طغيان عبوديتها للاسم لن تُسمى الحرية حريةً، ستستحق أيَّ شيء آخر مدجّن إلاَّ هذا المعنى. فأصالتها المُعطاة للأفعال لا تتأتى من مصدر خارجي، كما أنَّ الايمان لا يأتي بنفس الاصالة من المصدر ذاته. إضافةً إلى كون معنى الله يغرس فينا عمق هذه الاصالة دون وسائط. أشار بول ريكور إلى عبقرية الكوجيتوCogito الديكارتي لكونِّه حمل نفسه إلى أقصى حدود يعود فيها "الأنا أفكر" إلى ذاته. إذ يحدد في ذاته صورة جسده وصورة الآخر. بالتالي تغدو النفس قادرة على التحرر متمركزة عبر ما يسميه الرواقيون دائرية الروح(7) circularity of soul .

إذا كان ذلك يوازي فعل الإيمان، فقد تجنب الفلاسفة معنى الله في ذاته بمغزاه السابق. لأنَّ المعنى– من هذا القبيل- ينحرف إلى أشكال لا ماهيات. فمفارقة المعنى عبر الكائن الأعلى كونه مستحيلاً في عينه فيصير صوراً لغيره. والأخيرة (أي صور الأغيار) تعدُّ بديلاً منافياً للمعنى لا اتساقاً مع أبعاده. هي بدائل قد تتَعيّن في سلطةٍ ما: قضية، نص، وظيفة، حقيقة، تنظيم، لاهوت، دين مشخّص، قوة مقدسة. فالله ضمن المسيحية كان إنساناً- إلهاً. وأقانيم الآب والابن والروح القدس تطرح الحرية كصيغةٍ تركيب. ثم يأتي الإيمان بالأسرار ليجعل التركيب بعيداً عن التحديد. وبالديمقراطية في مضمار السياسة أضحت الصيغة المسيحية تجربة سياسية اجتماعية عبر كل إنسان آخر (المجتمعات الغربية) .

إذن معنى الله لم يمسسه تفكيرٌ في ذاته، نظراً لسبب كانطيٍّ شهيرٍ أنَّه لا يتسنى إدراكه بالعقل. فعالم الأشياء في ذاتها noumena يعجز العقل عن اكتشاف أسراره. هنا اشكالية قد تصبح أفقاً لطرح مختلف: أنَّ لانهائية معناه (أي الله) تُدخلنا إلى ساحته القصوى، بموجب فشل القدرة على تعيينه أيا كان (أي تحديده في شكل ووظيفة) . وتلك قضية الحرية، فهي مستوى النفاذ المفتوح عبر ما يستعصي على الإدراك والاحتواء. لأنَّها فعل كُلي إلى درجة الإطلاق رغم محدوديته التاريخية بتجارب المجتمعات والأفراد. وهي انفتاح لن يُملأ بسهولةٍ عبر كيان إنساني معجُون بالرفض والتمرد.

فمن يمتلك معاني الله حتى يستعبدنا باسمه؟! السؤال ليس ساذجاً، لكنه مطروح إزاء أدعياء التحدث بالاسم كما مرَّ منذ قليل. إنَّهم يلعبون لعبة الاستملاك، الاستقواء، اطلاق الاسماء كالقذائف العشوائية. فإذا كان الله يستحيل امتلاكه، سيقولون بلسان الحال نحن نمتلكه بقوة الغلبة. ولا يتوانون عن نهب الفرصة تلو الفرصة لذلك. وعلى المتضرر بلغة القانون والمنطق اللجوء إلى اثبات العكس. المغزى أنَّهم ناجحون في هذا طالما هم الأقوى، فيظن المستعبَدُّ أنَّ مفهوم الله في جعبتهم. وهو اثبات القضية مقلوبةً؛ أي قضية التحرر عن طريق الله بالشكل المزيف لحضوره. ذلك نظراً لاستحالة الاستحواذ عليه لا معنى ولا كلاماً ولا ماهية ولا ايماناً ولا طرفاً في أية ثنائية. إذن ماذا يبقي من الادعاء غير تأكيد عكس الاستعْباد. وطالما لا نستطيع القيام بالتأكيد، فإنَّهم يستندون إلى هيمنةٍ دون أساسٍ. حينئذ فهم أيضاً لا يستطيعون تأكيد هيمنتهم دون فعل إكراهٍ(8) .

تلك القضية تتقرر بالنقض دائماً، لأنَّ هؤلاء الأسيّاد لن يتركوا معاني الله لغيرهم مهما كان الثمن. فالطرفان (العبودية والحرية) لا يثبتان منطقياً بطريقة المقدمات والنتائج إنَّما يُمارسان في أفعال. ولهذا فالتعادل الذي يبدو فيهما بريئاً هو تعادل زائف، لأنَّه لا تعادل دونما التّحرر في كلتا الجهتين. فالمتحرر هو من يشعر بالقيد، والمتحرر كذلك هو من يعرف قيمةَ الحرية دون نهاية. أما لو اطمأن لحظة إلى حريته فقد سقط في العبودية. وتلك هي فكرة الله من أقصر الطرق. فالله يحرر البشر من نفسه، من أخيلتِّهم عنه، من طبيعته المتصورة إنْ ظنوها كذلك.

الحرية قدرٌ إلهيٌّ كونيٌّ حتى على معاني الله ذاته. لأنَّه لا يتجسد في عبودية الصورة والفكرة والنمط والشكل والاعتقاد، ولم يعطِّ الله أحداً مبرراً للتحدث بلسانه كأنَّه هو، مثلما لا يوجد إله بلا إرادة كاملة. بالتالي ليس لله إلاَّ أن يكون حراً خالقاً وموجوداً لدرجة اللاوجود. ولن يعرفه معرفة حقيقية إلاَّ من يدركُ التحرر المتواصل نحوه. من ثمَّ نحن كمخلوقاتٍ علينا أن نمتلك حريتنا- غير منقوصة- حتى نعي محض كلمة الله. فالحرية لا تدرك إلاَّ بحرية بإطلاقها لا بنسبيتها، ولا كمصدر تام الانجاز إنما كدّأب متواصل. والعبد أيضاً عكس ادعاء الفقهاء لن يدرك معنى الله، كيف لمستعبد حساً وخيالاً إدراك جوهر الحرية؟ كيف يتحرر من هو غير متحرر أصلاً؟ كيف يمارس طقوساً يقال له إنها من صميم الإيمان بينما هو لا يدرك جوهر الحرية؟!

لعلَّ ذلك وراء أنّ معاني الله بدون وثن أو نموذج صنمي كما يقول جان لوك ماريون، ففكرة الله لا تتعين ماهوياً ضمن أية مفاهيم، هي ليست مجهزةً بأيِّ إطارٍ شكلي يقول إليكُّم ما أحوي. إنَّها الصمت الأزلي إلى درجة الخفاء الفاعل في كل تجربة دينية ودنيوية. وأن الأصنام كأشكال للمعنى قد أفرغه من أي محتوى سوى عبودية ساخرة، كمن يريد أن يبلغ المستحيل بتوافِه الإمكان.

 

سامي عبد العال

....................................

(1)-Martin Heidegger, Der Spiegel Interview with Martin Heidegger (by Rudolf Augstein and Georg Wolff) 23 September 1966, p 11.

(2)- في التجارب الصوفية تتضح هذه الدلالة بصورة أكثر بروزاً. فالله ليس كائناً لكنه وجوداً روحياً خالصاً. ولا يبتعد عن هذا الموجود البشري المحدود، بل لا يتحدث عنه المتصوفة سوى داخل وجودِّهم، داخل أجسادهم وأحوالهم الذوقية. بالتالي تمثل اشكالية التصوف: كيف يكون الوجود الإلهي متجسداً في التجربة الروحية؟ واللغة التي يستعملها المتصوفة لغة خاصة بهذه التوحد الروحي. إنها التعبير الأكثر شفافية للتحرر بالله وداخله. وانطلاقاً من هذا المعنى المفتوح كان المتصوف قادراً على رؤية الله في كل ما سواه. لأنَّ التحرر الروحي يجعل الذات تتماهى كما الحب داخل كل آفاق ممكنة.

(3)- لا توجد فكرة دينية غير معتمدة افتراضاً على الحرية. فطالما أنَّ الايمان - وهو بدء الدين وذروته- مؤسس عليها فكل شيء لاحق يسير في نفس الطريق. ولأنَّ الوجود الإلهي يتأرجح معها قبولاً ورفضاً فلعلَّها أبعد أثراً من طقوس الدين وأنماطه. فالحرية فعل إيمان أيضاً بل تشكل جوهر كل اعتقاد يتجه نحو الغيب. بالإمكان السيطرة على إنسان وشكل حركته لكن لا نستطيع الهيمنة على إيمانه إلاَّ مع ثقافة القهر والقمع. الحرية هنا قد تفهم على عدة مستويات:

أولاً: علاقة الإنسان بالله وهي علاقة داخل- خارج الفرد بوصفه كائناً حراً. ثانياً: علاقة الله بالإنسان في حالة الديانات التوحيدية وغيرها. والارتباط هنا يرجع إلى تقبل الفرد من عدمه. ثالثاً علاقة الإنسان بالمجتمع وهي تلك التي ترجع إلى تحرر العلاقتين السابقتين. وطالما أنهما كذلك كان للفرد قدرة على التحرر الثقافي وإن كان يأخذ مجهوداً مضاعفاً.

(4)- الإله هو اقصى موقع يمتلئ بالإيمان والقيمة الرمزية لإحلال شيء محل آخر. وهنا إشارة نيتشه حيوية لأنه لا يقصد الإله كما هو شائع لكن الإله بوصفه هذا الاعتقاد الذي تعمد فيه الاخلاق وتغتصب أيضاً تحت عنوانين لاهوتية و سياسية واجتماعية. ومثلة مثل: الغاية والعلة والأصل والعقل والبرهان والحقيقة، جميعها مفاهيم ميتافيزيقية كانت وجوهاً للقهر واستلاب الواقع. أشار نيتشه أنه تعلم مبكراً الفصل بين التحيز اللاهوتي theological prejudice وبين التحيز الاخلاقي باحثاً عن أصول الشر فيما وراء العالم....وبناء على ذلك ميز بين العصور والبشر وحتى بين الأفراد".

Friedrich Nietzsche, On Genealogy of Morals, Translated by Walter Kaufman and R.J. Hollingdale, Vintage Books, New York 1967, P.17.

(5)- Eric Watkins, Kant On the Hiddenness of God, In: Benjamin J. Bruxvoort Lipscomb, James Krueger(eds) , Kant: Moral Metaphysics, God, Freedom and Immortality, De Cruyter, Berlin- New York, 2010.p. 256.

(6)- رغم أن الشخصية تمسرِّح الوجه إزاء الآخرين، سوى أنَّ الإيمان قدرة على التمثيل بخلفية نموذج باطني. نموذج يحاول التوحد مع ذاته. ولهذا ستكون الشخصية قناعاً في إخفاء الوجه الحقيقي. كل وجه ليس حقيقياً هو أحد أشكال الشخصية المتحولة. فيصبح الوجه شاشة عرض تنعكس على صفحتها توترات وحالات نفسية. إنَّه مرآة التواصل مع العالم الخارجي.

(7)-Paul Ricoeur, Freedom and Nature: the Voluntary and the Involuntary, Translated, With an Introduction by Erazim V. Kohak, Northwestern University Press, 1966, P.14.

(8)- الله هو التصور الأعلى الذي لا يستطيع انسانٌ أخذ مكانته ولو كان رمزياً. ونظراً لاختلافه عن كل كائن آخر فسيكون مستوى حياًديا داخل البشر. ولهذا يمثل نمط من الوسع والامتلاء بغياب آخر. غياب لا يساوي اللاوجود لكنه عمل الوجود في نشاطه الضمني، في سريته الكونية. ولهذا يأخذ موقع الإله دلالات التوع والاختلاف.

 

 

حيدر جواد السهلانيسلافوي جيجيك: سيرة وفكر

ولد جيجيك (Slavo Zizek) في 21 مارس 1949 بمدينة ليوبيانا بسلوفينيا، لأب بوجيه كان خبيراً اقتصادياً وموظف مدني، وأم فينا كانت تعمل محاسبة في مؤسسة تابعة للدولة وكان والديه ملحدان، وهو ايضاً ملحد ونشر مقال في صحيفة نيويورك تايمز حيث يرى أن الإلحاد إرث عظيم لأوروبا وأعرب عن تأييده لنشر الإلحاد في القارة الأوروبية. تزوج جيجيك ثلاث مرات، في المرة الأولى تزوج ريناتا ساليك وهي فيلسوفة سلوفينية، وزوجته الثانية عارضة الأزياء آناليا هولي أبنة محلل نفسي أرجنتيني، أما الزواج الثالث كان من الصحيفة جيلا كريجيتش أبنة المؤرخ المعماري بيتر كريجيتش ويوجد لدى جيجيك أبن واحد. تم اختيار جيجيك كواحد من افضل 100 مفكر عالمي من قبل مجلة (Foreign Policy magazine) عام 2012، ويتحدث اللغة السلوفينية والصربية والكرواتية والفرنسية والالمانية والانجليزية وأيضاً ملم بالإسبانية. حصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة بلاده، ثم انتقل إلى باريس ودرس التحليل النفسي على يد جاك ألان ميلر صهر جاك لاكان وتلميذه، يعمل حالياً استاذاً بجامعة ليوبيانا ويقضي معظم أوقات السنة زائراً يحاضر في أكبر وأعرق الجامعات الغربية، وقد كان جيجيك عضو في الحزب الشيوعي السلوفيني، حتى قدم استقالته في عام 1988، لينخرط بعد ذلك في عدد من تجمعات وحركات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان، وما لبث أن رشح نفسه إلى انتخابات رئاسة الجمهورية في العام 1990، في أول انتخابات ديمقراطية تشهدها سلوفينيا بعد تفكك يوغسلافيا، مرشحاً عن الحزب الديمقراطي الليبرالي، وفي العام 2009، وصف نفسه بأنه شيوعي مؤمن بالمادية الديالكتيكية، ولكن على الرغم من أن جيجيك يقول عن نفسه أنه ماركسي ويحب لفظة الشيوعية، لكن يعترف أن الشيوعية ارتكبت جرائم في القرن العشرين وكانت كارثة بالمعاني كلها، بدأ جيجيك اشتغاله الفلسفي خلال الثمانينات حينما قام بتحرير وترجمة اعمال فرويد وألتوسير وجاك لاكان، ثم ركز اهتمامه على لاكان بشكل خاص، حيث استعمل منهجه في التحليل النفسي في تأويل ونقد الفلسفتين الهيجلية والماركسية، وقد كان الشارح الأبرز للمنهج اللاكاني، حيث قام بتطبيق هذه الأفكار على أمثلة ثقافية وأدبية وسينمائية وشعبية في عدد من الكتب، وجيجيك يكتب بجميع الحقول الثقافية تقريباً، من النقد الثقافي والتنظير السياسي مروراً بالسينما والأوبرا وصولاً للتحليل النفسي. أما مشروع جيجيك هو المشروع المتمثل في ربط الصلة بين التحليل النفسي في صيغته عند لاكان وتراث المثالية الألمانية، وأراد صياغة نظرية عن الذاتية ملائمة للأزمنة المعاصرة، وقد تأثر كثير بهيجل فيقول لو قدر لي يوماً أن اختار من بين المفكرين واحداً فقط لا غير، لما ترددت في أن اصطفي هيجل وأجعله منه فيلسوفي المفضل. أما اسلوب جيجيك في الكتابة فعند قراءته تظنه يخبرك بشيء، لكنك سرعان ما تتفاجأ بانقلاب الشيء إلى ضده، وهذه النقلة المفاجأة من إطار إلى آخر، ومن فكرة إلى أخرى نقيض لها، غالباً ما تجعل الامساك بالبنية التحتية لحجج جيجيك واستدلالاته صعبة للغاية، لهذا السبب ينبغي للقارئ وهو يقرأ قصص جيجيك أن يلتفت وينظر في الكيفية التي يروي بها تلك القصص حتى لا يطمئن ثم يفاجأ لاحقاً بانقلاب الشيء إلى ضده، وبذلك أن من يقرأ جيجيك يحس وكأنه قد وضع على عينيه نظارات تمكنه من أن يرى ما لم يكن يراه بالعين المجردة، فالأشياء كلها تكتسي عنده عمقاً لافتاً، ليس هناك أشياء تافهة واخرى رصينة، أو اشياء تستحق من أن تفكر ونعمل النظر فيها، وأخرى ينبغي لنا أن نضرب صفحاً عنها، وميزة جيجيك أنه يتوسل في كتاباته الدعابة والنكتة ويذكر حكايات ويريد بذلك من خلال النكت أن يحدث تماس كهربائي بين النص والقارئ، وهذه الاستراتيجية يتبعها جيجيك بالتفكير والكتابة. وقد عرف جيجيك بكثرة التأليف وهو يواكب مختلف المتغيرات التي تحدث في العالم، حتى وصف بأنه اخطر الفلاسفة المعاصرين في الغرب، فكتب عن احداث 11سبتمبر والاحتلال الأمريكي للعراق والانهيار العالمي المالي عام 2008، وقد اتهم تركيا بدعم داعش وعلاج مقاتليها وتسهيل مرور النفط الذي يسيطر عليه داعش إلى داخل الاراضي التركية، بل لمح أيضاً إلى أن تركيا اسقطت الطائرة الحربية الروسية، لأن هذه الأخيرة كانت تقوم بقصف أهداف داعش داخل الاراضي السورية، وابدا انزعاجه من موقف الاتحاد الأوروبي بدفع مبلغ ثلاثة مليار يورو لتركيا لمساعدة اللاجئين السوريين. واخر ما كتب عن كورونا، ويعتقد جيجيك أن أزمة كورونا ستعطي معنى جديد للمجتمع، وسوف تتسبب بشيوعية جديدة، وهي بعيدة كل البعد عن تلك الشيوعية التاريخية، ويعتقد أن الحاجة والتضامن العالمي على الأزمة الصحية بمثابة اكتشاف مبتذل، لكنه ثوري في الوقت ذاته،  وتبين لدى جيجيك أن الحكومات غير مستعدة، ولم يعد هناك مكان لأمريكا أولاً ولمثل هذه الشعارات، وأننا بحاجة إلى نظام عالمي جديد للصحة العامة ووكالات دولية وقادة على العمل بإجراءات متفق عليها. ويعتبر أن فكرته عن الشيوعية ليست مجرد حلم مثقف، معتبراً أن انتشار الجائحة ستعطي قوة دفع لتضامن جديد عالمياً ومحلياً، وسيكون اختبارنا هو في بناء طريقة جديدة للحياة، لكن على الاشخاص أن يستعدوا، فالأمور بأيدينا الآن ولا ينبغي أن ننتظر حتى انتهاء الأزمة. ويعتقد جيجيك أن التكلفة النفسية ستكون باهظة الثمن، كما تخلق العزلة أيضاً أشكالاً جديدة من جنون الارتياب تتجلى في العديد من نظريات المؤامرة على شبكات التواصل التي لا تتوقف عن تكرار أن دولة مثل أمريكا والصين هي اصل الفايروس، ويرى جيجيك، لابد من تضامن عالمي في هذه المرحلة فالجهد الوطني غير كافي، فالتضامن العالمي هو السبيل الوحيد العقلاني للمضي قدماً، وانتقد ترامب وأنصاره الذين يزعمون بأن الجائحة ما هي ألا مؤامرة. ويواصل جيجيك ويرى أن جائحة كورونا لا تكشف عجز العولمة السوق فحسب، وإنما أيضاً عجز الشعبوية القومية، معتبراً أن شعار أمريكا أولاً انتهى إذ لا يمكن إنقاذ أي بلد إلا من خلال التنسيق والتعاون الدولي الذي يحقق بقاءنا وبقاء الجميع. ويمكن لأزمة كورونا أن تكون فرصة للتحرر والديمقراطية ومناهضة الاستهلاك، وممكن أن تكون ضربة للرأسمالية ويمكن أن تعيد اختراع الشيوعية. ويرى جيجيك أن أزمة كورونا أدت إلى انتشار واسع من الفايروسات الأيديولوجية التي كانت راكدة في المجتمع وبدأت في الانتشار وعلى رأسها تناقل الاخبار المزيفة، ونظريات المؤامرة وانفجارات العنصرية ومظاهر الطبقية بأبشع صورها. ويرى البعض أن جيجيك على الرغم من شهرته التي كونتها طروحاتها الفكرية الجريئة وافكاره الساخرة الاستفزازية، فأنه ما زال في نظر بعض الكتاب والدارسين مجرد ناقد ثقافي أو ايديولوجي، أو مثقف متعال ليس له سوى طرح الأسئلة، لكن مع ذلك يمثل جيجيك ظاهرة فلسفية فريدة في القرن الحادي والعشرين فهو تركيبه معقدة من عناصر متعددة من الجدل الهيجيلي والتحليل النفسي اللاكاني والماركسية وما بعد الحداثة، وسبب شهرته الواسعة هو ظهوره في الكثير من البرامج التلفزيونية وحضوره عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ولقب بنجم الروك الاكاديمي، ويوصف بأنه الفيلسوف المتعولم، وتتسم احاديثه بالسخرية، ولا يعتمد على الكتابة على الورق فقط، بل على تقنيات التواصل الحديثة أيضاً لنشر افكاره الفلسفية، ويرى اهمية خاصة في العودة إلى التحليل الديكارتي والايديولوجية الألمانية والروح الثورية لدى ماركس ولينين والتحليل النفسي اللاكاني في تحليل الاوضاع السياسية والاجتماعية. ومن مؤلفاته: الهدف السامي للايديولوجيا 1989، لأجل ما يعرفونه لا ما يفعلونه 1991، كانت وهيجل ونقد الايديولوجيا 1993، أهلاً وسهلاً في صحراء الواقع 2002، مساءلة الواقع 2005، الرؤية مختلفة المنظر 2006، دفاعاً عن القضايا الخاسرة 2008، العنف تأملات في وجوهه الستة 2008، هيجل وظل المادية الديالكتيكية 2012،سنة الاحلام الخطيرة 2013، بداية كمأساة وأخرى كمهزلة، طلب المستحيل، هل قلتم التوليتاريا.(1)

من جملة افكار جيجيك:

الفلسفة، يعتقد جيجيك أن الفلسفة ليست حوار وغير قابلة للنقاش، ونحن نتفق مع جيجيك بهذا الرأي فالفلسفة هي مجموعة من الفرضيات وصعبة الفهم، وذلك لأنها ليست لديها اساسيات ومجموعة مصطلحات موحدة، فكل فيلسوف يناقش موضوع، وكل فيلسوف لديه منظومة مصطلحات، وأن كانت بعض المصطلحات شائعة عند الفلاسفة، لكنها مع ذلك لا تعم على الكل، مثلاً مفهوم أو مصطلح الميتافيزيقا عند المفكرين العرب كثيراً ما يذكرونه بأنه علم الالهيات أو الغيبيات أو الوجود الذهني الخ...، من المصطلحات، فالفلسفة لا يوجد اتفاق فيها وهي مجموعة من الفرضيات، ونعتقد أن المصطلح الوحيد في الفلسفة متفق عليه من قبل الفلاسفة هو مصطلح " الفلسفة"

الايديولوجيا، يمقت جيجيك الايديولوجيا لأنها، أولاً تجعلنا مجبرين على خيارتنا من دون أن نملك حق التصرف. ثانياً أنها تسيرنا على طريقة المثل( لا تتكلم.... افعل) حتى صارت مشكلتنا أننا فعلنا كثيراً، فتدخلنا في الطبيعة ودمرنا البيئة وربما حان الوقت للتراجع ونقول الشيء المناسب.

الاشتراكية، يعتقد جيجيك أن النظام الاشتراكي نافع للرأسمالية، وذلك من باب جعل نظام البنوك اشتراكياً أمر مقبول يخدم إنقاذ الرأسمالية، فالاشتراكية لا تعد سيئة عندما تخدم استقرار الرأسمالية، وقد لاحظ أنه في الصين يستعملون الرأسمالية لفرض والسيطرة على النظام الاشتراكي.

السياسة، يرى جيجيك أن غياب فلسفة الدولة يعني بالإساس غياب فلسفة السياسة ذاتها، وهذا الغياب الفلسفي يعكس ضعف القدرة على تحرير النظرية السياسية من مهيمنات الايديولوجيا بوصفها وعياً زائفاً، وأن ضعف الآراء السياسية يؤدي إلى ضعف الممارسة الاجتماعية ونشوء التيارات الاصولية وعجز في الوظائف الوطنية وهيمنة الطوباوية وهشاشة القوى الفاعلة، لاسيما الطبقة الوسطى والقوى المتعلمة وتراكم الانهيارات السياسية والاجتماعية والثقافية، وكثرة الانقلابات العسكرية وصعود ظاهرة الجنرال القائد المستبد، وظهور الحروب الأهلية وتراكم العجز والفقر.

العنف، يعرف العنف هو كل فعل خشن يلجأ إليه الفرد أو الجماعة أو المؤسسة عن حق أو باطل، بهدف إرغام الآخرين على أمر يريده الفرد أو ترغب فيه الجماعة أو تفرضه مؤسسة الدولة، وأن مفهوم العنف ليس فقط في الارهاب والتفجيرات أو جملة تلك العواقب الكارثية الناجمة عن سوء الإدارة السياسية والاقتصادية، بل العنف هو ما موجود ذاتياً، أي خلف كل هذه الاعمال ولا بد من إدراك خصائصه الخلفية التي تولد مثل هذا العنف، ويعرف جيجيك العنف "أنه عملية قتل حتى لو لم تحقق هدفها، كما لا تنحصر في القضية المادية بل تتجاوز ذلك ولا يختزل العنف في الصراع، بل كل ما يؤدي إلى نفي الآخر". ويحاول جيجيك فهم العنف من خلال فتح عتبات اخرى بالنظر والتركيز على العنف الموضوعي المترسخ في النظام الاجتماعي والاقتصادي، ويتناول جيجيك العنف من سته وجوه:

1- عنف الشيوعيين الليبراليين، ويطرح هنا جيجيك العنف الذاتي والموضوعي، وينتقد الموقف الليبرالي الذي يصب اهتمامه على العنف الذاتي المادي المباشر كالإرهاب والعنف العقائدي الايديولوجي. ويمارس العنف الذاتي ضد خلفية مستوى صفري من اللاعنف الذي ينظر إليه على أنه إزعاج واضطراب الوضع الطبيعي السلمي للأمور، أما العنف الموضوعي فهو بالتحديد ذلك العنف الكامن في صلب هذا الوضع الطبيعي للأشياء وهو غير مرئي، لأنه يديم معيار المستوى الصفري بالذات الذي تدرك في ضوئه أن شيئاً ما عنيف ذاتياً.

2- عنف اللغة، يعتقد جيجيك أن اللغة ممكن تصبح وسيلة فاعلة للعنف، ويعطي عدة أمثلة على وقوع حروب ودمار بسبب عنف اللغة، ويمكن أن تكون وسيلة للتسامح، وهنا نتذكر قول الإمام علي (ع) " لسانك حصانك إن صنته صانك وإن هنته هانك" ويعتبر جيجيك أن عنف اللغة عنف خطير لكل عنف بشري، فإن عمل اللغة بوصفها منظومة رموز ومواقف وحمولة ثقافية، لها قدرة على أن تحمل  العداء أو التصالح والتسامح.

3- عنف اللامساواة، وهذا العنف ينتج نتيجة هشاشة النظام الاجتماعي، وحين تغيب ادوات النظام العام، وينتج اشكال مختلفة من العنف من شغب ونهب، وهذا العنف مرتبط كثيراً بالسياسة، فيعتقد جيجيك أن السياسة الخاطئة هي التي تثير اعمال العنف، ولكن بالمقابل يبادر السياسيين بأدوات القمع كما يسميها جيجيك واظهار نفسها هي على حق وتريد الحفاظ على النظام وأمن الوطن، وهذا ما يحصل بالفعل في الوطن العربي، أذ كثير من الدول تتبع سياسة التجويع وعندما تقوم مظاهرات تطالب بأبسط حقوقها، تقابل بالقمع واقسى القمع بحجة الحفاظ على النظام، وهنا يذكر جيجيك قصة طريفة، وهي أن رجل عاد إلى بيته مبكراً فوجد زوجته مع رجل آخر على الفراش فبادرت هي بسؤاله لماذا عدت مبكراً، وصرخ هو غاضباً من هذا، فقالت له لا تتهرب من السؤال، أنا بادرت بالسؤال أولاً، وهذا هو حال السياسيين هم من يبادرون بتجويع الشعب، وعندما الشعب يطالب بحقوقه يرون أنهم يدافعون عن حقوق الشعب.

4- العنف الديني الإلحادي، ويعتقد جيجيك هنا بأن الدين قد يؤدي إلى عنف كبير، ويذكر هنا حادثة الرسوم الكاريكاتير على النبي محمد(ص)، أذ في وقتها اثارت موجة غضب ومظاهرات كبيرة، فهذه الرسوم تعكس عدم احترام الشعوب الأخرى، وأيضاً يرى أن العنف لابد من أسلمته والتعامل يجب أن يكون وفق معادلة الخير من أجل الخير، وكذلك تفكيك العنف من دون توجيه الإدانة إلى معتقد ما.

5- عنف الكونية، وهنا تفعل الكونية الليبرالية بمنح الامتياز الثقافي للثقافة الرأسمالية دون غيرها، وتؤدي إلى انتاج العنف بسبب الاضطراب العنيف للتوازن الطبيعي، وللخروج من هذا المأزق يمكن الاسترشاد بخروج الكونية الشاملة من رحم عالم الحياة الخاصة، وأيضاً الخروج وجعل مفهوم التسامح إشكالياً، وجعل العنف الذي يديمه واضحاً ملموساً، وليس كونياً شاملاً بالفعل وعديم الثقافة.

6- العنف السماوي، ويعني به العنف الذي يقع من خلال الكوارث الطبيعية، ولا يقصد به العنف الارهابي المرتكب من قبل الاصوليين الدينيين الذي يعتقدون أنهم أدوات المشيئة الإلهية، والعنف السماوي هو غطاء أو معنى عميق لما يقع من عنف وكوارث تاريخية.

 

حيدر جواد السهلاني

..................

الهوامش:

1-ينظر مصطفى الحداد: سلافوي جيجيك، ضمن موسوعة الفلسفة الغربية المعاصرة، إشراف علي عبود المحمداوي،ج2، منشورات الاختلاف، الجزائر،  ص1561-1563-1567-1574-1580-1586. وينظر أيضاً آلان باديو وسلافوي جيجيك، الفلسفة في الحاضر، ترجمة يزن الحاج، دار التنوير، بيروت، ص8-9.

2-ينظر سلافوي جيجيك: العنف تأملات في وجوهه الستة، ترجمة فاضل جتكر، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطر، ص7-8-65. 

 

 

  

حاتم حميد محسنماهو الصحيح وما هو الزائف؟ هذا السؤال الملتبس أربك الفكر الغربي منذ اليونان القديمة.

اثناء العصور الوسطى، بقيت المشتركات بين مختلف الدول ذات الانظمة الملكية تعتمد على العقيدة الجمعية لتلك الشعوب القائمة على الايمان بالله كخالق للكون وان الخلاص يكمن في الايمان به. ايمان الناس بأنهم على صواب وكل العقائد الاخرى على خطأ قاد الى اراقة المزيد من الدماء في مختلف الاصقاع وهو ما ادّى الى الشك في الأديان الرسمية.

الملكيات التي كانت هي الحاكمة في القرون الوسطى تحالفت مع الكنيسة الكاثوليكية التي منحت للملوك الحق الديني. مفكرون مثل جون لوك ومونتسكيو وروسو بدأوا بمسائلة الملكيات والأشكال السلطوية الاخرى واختاروا صياغة نظام جديد مبني على فكرة القانون الطبيعي والعقلانية والتقدم والعقل، وهو ما عُرف بالتنوير.

التنوير طبقا لكانط هو نهاية الطفولة وبداية بلوغ الانسانية، الأحلام والفنتازيا حلّت محلها المعرفة.

فلاسفة التنوير استبدلوا اله الانجيل المتجاوز للطبيعة بالقانون الطبيعي الذي اتخذ دور السبب الاول للكون. آدم سمث طبّق مبادئ التنوير على الاقتصاد، وجادل بان حرية التجارة تفيد كلا الطرفين المستورد والمصدّر. خطأ الحكومات يقود الى نتائج غير مقصودة والناس سوف يكونون افضل لو اتّبعوا مصلحتهم الذاتية الرشيدة.

تعاليم سمث ادّت الى تراكم الثروة وتقدّم علمي واصلاحات سياسية وصلت ذروتها في ما سمي بالحداثة . الانظمة الملكية سقطت لتحل محلها الديمقراطيات، التي رفعت اصوات العديد من الجماعات . غير ان العديد من تعاليم سمث اصبحت شاذة وقادت الى لامساواة اجتماعية حين حلّت الملكية الخاصة للنخب محل المالكين الاقطاعيين في القرون الوسطى .

كارل ماركس حاول ان يحل هذه المشكلة من بين مشاكل اخرى، بالابتعاد عن مبادئ التنوير بحثا عن افكار تقود الى ازالة اللامساواة التي أوجدتها تلك المبادئ. غير ان عدم القناعة بالتنوير تعمقت بعد الحربين العالميتين الاولى والثانية عندما ادّت المعجزة التكنلوجية التي أوجدها العلم الى ابادة الملايين.

السوسيولوجي Christian Smith، صاحب كتاب (moral Believing Animals) أطلق على مختلف الحركات في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بـ "التنوير" الذي سعى لوضع اساس ملزم للمعرفة خارج يقينيات الكنيسة. مفكرو التنوير بتمزيقهم حجاب الدين كانوا يتوقعون الوصول الى الحقيقة العالمية غير القابلة للتفنيد.

وبهذا ، طبقا لسمث، هم فشلوا تماما. كامل المشروع التنويري كان معيبا وبشكل خطير: "كل هذه المحاولات في اكتشاف اساس عالمي للمعرفة قد فشلت وسوف تفشل بالضرورة". ويضيف سمث " ان معرفة التنوير (المعرفة التي لايعرفها الا الله) هي ذاتها حلم وفنتازيا".

طبقا لهذه الرؤية، نحن نتميز بالمحدوديات. يجب لكل واحد منا ان تكون له رؤيته الخاصة. لذلك فان كل المعرفة تكون مختصرة وجزئية وذات تقييم ذاتي ونسبي. هذا ينطبق على المعرفة بالسلوك الانساني من أخلاق وتاريخ وسايكولوجي وسوسيولوجي، وكذلك ينطبق ايضا على العلوم الصرفة.

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بدأت الشكوك تتزايد بافكار التنوير، الذي أضفى الصفة المطلقة على العقل والعلوم. هذا الفراغ قاد الى ما بعد الحداثة، وهي مجموعة من الافكار صُممت لنقد المعتقدات السائدة. مابعد الحداثويون يعلنون ان لا وجود للحقيقة الموضوعية، وان الحقيقة تتأسس فقط بواسطة المجتمع. جميع افكار الاخلاق هي انما يضعها الناس وليست واقعية. وبالانسجام مع المذهب المابعد حداثوي جاء الايمان بان مؤسسات مثل العلوم واللغة هي مؤسسات قمعية . الكلمات تؤسس المعنى من خلال السياق التاريخي والهيمنة الاجتماعية لثقافة معينة. فمثلا، الرقم 13 في الثقافة الغربية يشي بالسلبية، بينما في الصين، يشير الرقم 13 الى "لمعان مليء بالحياة"، وهكذا يبرز امامنا السؤال أين الصواب وأين الخطأ؟

اذا كان التنوير وما بعد الحداثة كلاهما يكافحان لتحليل ما هو صحيح وما هو زائف، فهما يفشلان في التمييز الكافي بين الصحيح والخطأ. ما بعد الحداثة تعالج بشكل صحيح الدور الذي يلعبه المجتمع في صياغة افكار الناس وتصوراتهم عن العالم. بهذا المعنى، تكون افكار ما بعد الحداثة صائبة في تحليل الحقيقة كتفسير فردي. الناس يرغبون كثيرا بقبول المعلومات التي تنسجم مع رؤاهم بدلا من قبول المعلومات التي تتحدى تلك الرؤى.

غير ان ما بعد الحداثة فقدت زخمها في افتراضاتها القائلة بعدم وجود حقيقة عالمية وراء منظورنا الفردي. صحيح ان تصوراتنا وتجاربنا تصوغ بالفعل رؤيتنا العامة، لكنها تتقاطع مع الموضوعية والحقيقة الكامنة وراء قدراتنا الادراكية.

فلسفة مابعد الحداثة تقول ان الليبراليين والمحافظين كلاهما على صواب طالما ان الحقيقة لديهم ترتكز على العقيدة السائدة بينهم. غير انهما كلاهما على خطأ لأنهما يصوغان استنتاجات مبنية على حقائق غير كاملة جاء بها كل جانب على حده . اذا كان كلا الجانبين صائبين وخاطئين، الا يثبت ذلك صحة رؤية المابعد حداثويون بان الحقيقة هي نتاج لتفسير الفرد؟ الجواب كلا. ارسطو حلّ هذه المشكلة الفلسفية في اليونان القديمة عندما اقترح بان الحقيقة والسلوك الاخلاقي يشغلان المسافة بين أقصى حدّين وهو ما أطلق عليه بـ "الوسط الذهبي". طالما كلا الجانبين يعرض الحقيقة والزيف في ضوء رفضهما لرؤية الجانب الاخر، عندئذ من المعقول ان الاتجاه الوسط هو الاتجاه الصحيح لأنه يصوغ حلا مرتكزا على معلومات كاملة.

للاجابة على اكبر سؤال للبشرية حول الحقيقة هو ان نجد الوسط بين التنوير وفلسفة ما بعد الحداثة. إختيار احدهما دون الآخر يعني النظر للعالم بمنظار ناقص وغير تام. علينا ان نكافح للوصول الى اتجاه معقول نحو التقدم الانساني بينما نعترف في نفس الوقت بميولنا الفردية ونعطي مكان لأولئك اصحاب العقائد المخالفة.

 

حاتم حميد محسن

 

 

علي محمد اليوسفتقديم: المقال تعقيب نقدي على مبحث الشعور الفلسفي عند بول ريكور في كتابه (فلسفة الارادة /الانسان الخطاء)، تناول فيه الشعور من جنبة فلسفية صرفة تقوم على ربطه – الشعور – بكل من الوعي القصدي في نشدان السعادة من جهة، وتعالي الشعور على كل من العقل والفكر في جموحه أشباع تحقيق اللذة بمعزل عن جميع المؤثرات والعوامل الموضوعية من جهة اخرى. وليس القصد من عرضنا النقدي أن بول ريكور تعامل مع الشعور النفسي السلوكي القصدي نحو تحقيق السعادة بنوع من الاستباحة الفوضوية التي يصادر فيها الشعور العقل والوعي، بل ستكون مناقشة موضوعة الشعور بمنطق فلسفي يتعالق مع منظور علم النفس الفرويدي والسلوكي الحديث وليس على مستوى التجريد ألتأويلي اللغوي.

الابيقورية ونشدان السعادة

يرى بول ريكور أن الشعور هو مصدر التحقق الذاتي المشخصن، وأنه الوسيلة والغاية في الوصول الى السعادة. ما يلفت الانتباه أن تاويلية ريكور الفلسفية حول الشعور أبتعدت جدا عن أي من منطلقات ابيقور الفلسفية كميراث عالج أهمية اشباع اللذائذ الغريزية عند الانسان بحكمة العقل ومن غير أبتذال أخلاقي. الابيقورية قامت على ركائز ثمانية وردت في تعاليم ابيقور الفلسفية 341- 270 ق. م، صاحب الشذرات الفلسفية البليغة مثل : عندما أوجد لا يوجد الموت، وعندما يوجد الموت لن أكون موجودا / ولا شيء خلق من لا شيء بفعل قدرة الهية/. وأن الكون مؤلف من جسم وفراغ ومكان/... أضافة الى مرتكزات ابيقور وتعاليمه الفلسفية الثمان في بلوغ السعادة وهي: لا تخف من الالهة، لا تخف من الموت، لا تخف من الالم، عش ببساطة، أبحث عن المتعة بحكمة، أبحث عن الصداقة الحقّة، كن مخلصا بعملك وحياتك، أبتعد عن الشهرة والطموح السياسي. هذه التعاليم الابيقورية جميعها لم تستثر أنتباه ريكور الاشارة لواحدة منها على الاقل.رغم أنها لا تبتعد عن طموح الانسان الاستمتاع بالحياة الآمنة السعيدة عمليا...

يربط ريكور بين الشعورالنفسي وسيلة تحقق الحياة السعيدة، باعتباره وسيلة زائفة ومخاتلة في قصديتها المعلنة التي تخفي في الكامن فيها القصدية الحقيقية التي يتوجب علينا فك رموزها كي نتعرف أصالة الشعورفيها من الزيف، وأعتمد أفكار كانط في تجاهله الابيقورية التي كانت واضحة في توصياتها المتماسكة أشد ما يكون الوضوح قبل أغراق ريكور تأويليته الفلسفية في مبحث الشعور بميتافيزيقا الفهم الاستعصائي الفلسفي الذي كان هو الاخر- الشعور - مبحثا كلاسيكيا في علم النفس الفرويدي ومن سبقة أو جايله أو جاء من بعده.

من المفروغ منه أن الشعور القصدي في فلسفة ريكور هو المرادف لمعنى الوعي المتعالي في مصادرة العقل الاخلاقي كضمير. وهذا التعالي المفتعل لا يضيف شيئا أمام رغبة توضيح كيفية الحصول عن السعادة بوسيلة الشعور. تعاليم أبيقور تنطلق من مبدأ تحقيق اللذة والسعادة بحكمة العقل الأخلاقية من غير أبتذال مسرف وسلوك منحرف لا يقوم على التزامات أخلاقية نظيفة في السلوك الانفرادي والجمعي على السواء.. ولم تعتمد الابيقورية الشعور النفسي وسيلة تحقق واشباع النزوع الفطري الغرائزي عند الانسان كما ذهب له ريكور... نحن في مناقشتنا أطروحة ريكور الفلسفية حول الشعور لا نحتكم الى مرجعية الابيقورية كنموذج قدوة رغم أنها كانت أنضج وأكثر وضوحا عملاتيا تطبيقيا أخلاقيا من فلسفة ريكور المغرقة في التجريد الفلسفي الغامض.

أكتفى ريكور بأسلوبه الفلسفي المعقد وفي منهجه التاويلي الميتافيزيقي الذي لم يكن يخلو من متناقضات بائنة ينسف ما بعدها ما قبلها، بمعالجة مبحث الشعور نحو قصدية تحقيق السعادة بعيدا عن كل المفاهيم الابيقورية القديمة وعن مفاهيم علم النفس السلوكي الحديث والمعاصر.. حيث جعل ريكور من الشعور النفسي وسيلة ادراكية ميتافيزيقية متقدمة تمتلك الارادة القصدية في سعيها تحقيق السعادة والعيش الخالي من الالم والكبت والحرمان في بلوغ الامتلاء النفسي والاكتفاء الذاتي وتحقيق عوالم من اللذة المتتالية التي هي سلسلة مترابطة لانهائية من اللذائذ المتصاعدة التي ينشدها الشعور في ملازمته الانسان كوعي ذاتي حقيقي أصيل غير زائف... ريكور يشكك في أفصاحات الشعور التعبير عن نفسه بصدق كما سنورده لاحقا. شأنه شأن اللغة في مخاتلتها التعبير عن المعنى بوضوح.

تداخل مفهوم الوعي مع الشعور في فلسفة ريكور

مبحث بول ريكور في الشعور أتخذ من بعض فقرات كانط مسندا يعتمده في معرض الاستشهاد بأفكاره في أجتزاءات من كتابيه (اسس ميتافيزيقا الاخلاق) وكتاب (نقد العقل العملي) حول الشعورالقصدي في نشدانه السعادة ويورد ريكور مايلي: (الذات كشخص تعطى أولا في القصد، عند طرح الشخص كغاية موجودة. فأن الوعي يعي ذاته، والوعي مشروع الذات، ووعي الذات هو كوعي الشيء، وعي قصدي) 1.. هنا نجد ريكور يتعامل مع الشعور من منطلق المرادفة في تطابق الشعور مع مفهوم الوعي القصدي كدلالة لمعنى واحد، متجاهلا أن الشعور يتعالق برابطة قوية بالمنظومة العقلية للادراك النفسي غير المحسوس، وتكون مرجعية الشعور هو النفس والسلوك الانفرادي في نشدانه تحقيق السعادة ومجتمع خال من الحزن والالم والخوف والاكتئاب. فالترادف المتطابق بين الوعي والشعور في تفلسف ريكور مقصود متعسف في معاملة الشعور كبنية منفردة متعالية على العقل وعن كل ماعداها ليس لعدم درايته الفرق بينهما وأنما كي يخلع ريكور على الشعور صفات التعالي في مصادرة منظومة العقل الادراكية بضمنها الوعي القصدي الذي يعوّضه ريكور بالشعور الذي هو عنده تمام الوعي..

وعي الذات في كل الحالات الادراكية هو وعي الكليّة الشمولية لوجود الشخص كينونة تعي استقلاليتها المشروطة أنسنتها مجتمعيا، في أمتلاكها الوعي القصدي وحرية الارادة في التفكير والسلوك المسؤول أخلاقيا. وبغير ذلك لا يعي الشخص وجوده الحقيقي كذات انسانية وليست ذاتا سلبية منعزلة انانية متحررة من قيود التفكير بالآخر بحقه الطبيعي في أشباع غرائزه المكبوتة المحروم منها بتواضعات المجتمع الاخلاقية والسلوكية العامة التي تقاطعها...

وعندما يعي الوعي ذاته فهو بشكل وآخر يعي قصدية كينونته كمشروع أنساني متطور في صنع الحياة على أسس أخلاقية محكمة لا تدور حول مركزية الذات المنغلقة بسلبية وجودية... وعي الذات بهذا المعنى المؤنسن أخلاقيا ليس حالة عرضية للشعور تختلف عن قصدية وعي الذات للاشياء في العالم الخارجي وتعامله معها بحس وشعور المسؤولية والالتزام، والوعي لا يكون وعيا شغّالا ألا عندما يكون وعيا ضمن عالم بشري مؤثر في الوعي القصدي الذاتي وأعطائه معناه الحقيقي حسب هيدجر.

وعي الذات عند بول ريكور هو (وعي قصدي عملي) كما يقول... أي بمعنى هو مشروع علاقة انسانوية مسؤولة جدليا تتحقق فيها قصدية وعي الذات في تداخلها مع قصدية وعي العالم الخارجي بموجوداته وتكويناته من ضمنها كليانية المجتمع، وبذلك لا يكون وعي الذات سلبيا عندما يكون وعيا يجعل من الشخص كائنا منفردا معزولا عن الاخرين. فيكون الوعي بهذه الحالة الانفرادية هو نوع من الانفصام المرضي العقلي أكثر منه وسيلة اشباع غرائزي شعوري يحتكم للاخلاق الطبيعية في نشدانه تحقيق اللذة والسلام والطمأنينة بالحياة في مجتمع يسوده السلام.

طبعا مفهوم المرجعية الاخلاقية المجتمعية بنية نسبية رغم أمتدادها الشمولي الكليّاني لا يمكن الاحتكام لها في نزوع الانسان أشباع رغائبه الغريزية بحكمة الواعز الاخلاقي الانفرادي لأنها أي مرجعية الاخلاق مفهوم غائم ممتد يحمل تاويلات ووجهات نظر متباينة مختلفة لا حصر لها تقاطع رغبة اشباع الحاجات البيولوجية الفطرية والمكتسبة للفرد والمجتمع في مقدمتها (تابو) محرمات التدّين. وفيتو أختلاف الامم والشعوب في نظرتها المبدأية لمفهوم الاخلاق.

يؤكد كانط (أعمل بطريقة هي أن تعامل الانسانية في شخصك، كما هي في الشخص الآخر، وبنفس الوقت كغاية وليست وسيلة) 2 هذا تعبير يستند الى مرجعية موعظة أخلاقية ليست عملانية بل هي دعوة طوباوية تعارض التكوين الانفرادي النرجسي للانسان، فالانسان الاناني بالفطرة ليس من السهولة دعوته التخلي عما يعتبره حقا مشروعا مكتسبا يجب على السلطة والمجتمع توفيره للفرد وليس العكس توفيره للمجتمع على حسابه كفرد. لكننا نجد أنه لا فكاك ولا خلاص من اللجوء الى الدعوة الطوباوية الاخلاقية في شرط كينونة الانسان الاصيلة تحقيق وجودها الحقيقي في أن يكون وعي الذات هو غاية ووسيلة متداخلتين معا بحكم الضرورة النفعية التبادلية مع حرية ومصالح الاخرين.

أنه عقد اجتماعي ملزم يفرضه الوعي الذاتي الاصيل على نفسه كالتزام طوعي متحررالارادة بمسؤولية أخلاقية لا تنفصل عن سعادة وحرية المجتمع، والانسان في حال أحساسه أنه وسيلة لتحقيق مصالح غيره على حساب غمط مصالحه فهو يفقد ذاتيته في وجوده الحرالاصيل الذي يمتلك الارادة والحرية في السلوك والاختيار. وأمتثالا لقوانين الاخلاق الوضعية مجتمعيا مطالبة الانسان السوّي أن يكون هو قيمة عليا من وعي الذات النوعي في أن يكون وسيلة مركبّة مع قصدية عامة كغاية لبناء الذوات المجتمعية انسانويا في سعيه تحقيق ذاتيته بتعالقها معيشيا مجتمعيا بما يجعله يشعر بمساهمته في تحقق ما يجده متحققا بذاته من اشباعات أنه يمثل في نفس الوقت مايصبو تحقيقه الاخرون أشباعا لحاجات. وتبقى محصلة لا جدوى موعظة الافكارقائمة في اللاعملانية التطبيقية في الحياة، كون الاخلاق مبحثا تركيبيا يدخل فيه العقل والضمير الاخلاقي والعرف الاجتماعي وقانون العقد الاجتماعي مع السلطة في محاولتهم تحقيقه كل من وجهة نظره التي يجدها صائبة بالمطلق.

فردانية الانسان المتمايزة عن غيرها في وجود أصيل لا تكتمل ولا قيمة لها أن لم تكن متكاملة أيجابيا في سعيها تحقيق وجود الاخرين المتعايشين بسلام كما هو سعي الشخص بناء شخصيته الفردية في عالم تسوده العدالة والنظام في تحقيق الامن والسعادة والسلام. وكل هذه الدعوة هي معايير أخلاقية مجتمعية تفرض نفسها بقوانين العقد الاجتماعي الوضعي الذي تحكم به السلطة فوضوية السلوك الانفرادي من الجنوح في تخريب العلاقات المجتمعية الاخلاقية السليمة في تنظيم الحياة.

الخيال المتعالي

يشير أفلاطون الانتقال الحي من البيوس الى اللوغوس، بمعنى الانتقال من الحياة الى العقل. كما يشير بول ريكور (الخيال المتعالي هو عقلي وحسّي في آن واحد. غير أن الخيال المتعالي وهو النقطة العمياء للمعرفة، كان تخّطى ذاته قصديا في مقابلة الشيء)3.

أفلاطون في عبارته الانتقال من الحياة الى العقل أراد الافصاح أن الخيال قرين العقل المفكر وأحدى خصائصه الجوهرية ولا يلتقي ولا يشابه شعور ما هو مدرك حّسي بالحياة، بخلاف ريكور الذي أراد بصريح عبارته أفقاد وتجريد العقل من ميزته الخيالية كخاصية عقلية لا تلزم الواقع المادي بالتبعية لها وفق منهج ريكور التاويلي في أعتباره الخيال هو عقلي وحسي معا، العقل لا يتعامل مع أدراكه الواقع بمنهج الخيال المتعالي عليه المجرد من غير جدل تخارجي بينهما، والخيال العقلي لا يلتقي مع مواضيع الادراك الحسي للاشياء، فما يدركه العقل حسّيا لا يطاله الخيال أدراكا خياليا. فمواضيع الخيال العقلي تفكير صوري لا ينتج عنه بالضرورة ما هو حسّي مادي يدركه العقل واقعيا، وأنما خيال العقل ينتج ما يمكن أن يتاح له أن يكون تفكيرا واقعيا معيوشا في الحياة. تموضع الخيال المتعالي كوعي ذاتي في موضوعه يتخطى ذاتيته قصديا في مقابلته الاشياء ولا يكون النقطة العمياء للمعرفة كما ذهب له ريكور.

يكون خيال العقل متعاليا كوعي يعي ذاته من جنبتين هما اولا أنه ادراك عقلي تجريدي بالتفكير بمحسوسات مادية موزعة متنوعة كموجودات، وثانيا يكون هذا الخيال المتعالي هو التفكير بمواضيع غير مدركة حسّيا تمليها الذاكرة التي تستحث الخيال على الابداع في نوع من التفكير غير المألوف كما في خلق عوالم الادب والفن في تصنيع عوالم متخيّلة لكنها من الممكن أن تكون عوالم يمكن تحقيقها واقعا معيوشا في الحياة، وبعض تلك الاعمال الادبية والفنية في عوالمها هي نوع من التداعيات التشكيلية الخيالية التي يمتزج فيها الشعور باللاشعور في تداعيات من الافكار والتعابير التي لاعلاقة حقيقية تربطها بالمألوف اليومي. لكنها في المحصلة هي نتاج خليط من مشاعر نفسية تقوم على رؤى غير منظورة من الوعي الخصب كما هي في ضروب الاجناس الادبية في مقدمتها الشعر، وكذلك في ضروب الاجناس الفنية في الفنون التشكيلية يتقدمها الرسم.

هذا التعالي العقلي الخيالي تفكيريا بموضوعيه الاثنين الحسي والخيالي هو في حقيقته فعالية ذهنية واحدة متكاملة لا يمكن الفصل بينهما فالعقل يدرك الموضوع الحسّي كما يدرك الموضوع الخيالي في لغة تجريد صورية منطقية واحدة. ولا يكون الخيال المتعالي نقطة عمياء في المعرفة حسب تعبيربول ريكور، ألا فقط عندما يكون الخيال المتعالي لا يخضع لتجربة التحقق منه بما ينقذه من تعاليه المجرد تفكيريا فوق منظومة العقل الملازمة لكل مدركاته من موجودات ومواضيع باستثناء الشعورالقصدي كما يراد له.

وكل تعالي خيالي للعقل التفكيري المجرد سواء كان تفكيرا بموضوع خيالي أو بموضوع مادي حسي فهو بالالزام الضروري يكون مشروطا بعاملين، هما التفكير بموضوع معيّن مدرك اولا، وتوفر الرغبة القصدية في الاختيار لموضوع تفكير العقل المتعالي ثانيا...أي لماذا أختار العقل هذا الموضوع لادراكه التفكيري دون غيره من الموضوعات.

الشعور واللذة

نجد في فلسفة بول ريكور خلاصة معمّقة لمعنى الشعور بوصفه وسيلة العقل في الوصول الى اللذة والسعادة، ولما كانت مفاهيم مثل اللذة والسعادة هي مفاهيم شمولية كليّانية منفتحة لا تحدها حدود في لا تناهيها الامتدادي بحياة الانسان، يصبح الشعور عند ريكور هو بنية نسقية فكرية كليّانية تتجاوز العقل يصفها بقوله (العقل كانفتاح على الكليانية فهو الذي يولد الشعور بما هو أنفتاح على السعادة – هنا يأتي مصطلح الشعور عند ريكور أعتباره الشعور قصديا في رغبة السعي نحو تحقق اللذائذ المتتالية المحرومة المحرّمة في الحياة التي توصل للسعادة والمكبوتة في اللاشعور - كما يعتبر ريكور الشعور يظهر ما هو عقلي الذي به أمتلك عقلي.)4، وبلغة كانط المستعارة من قبل ريكور (فالعقل هو تعيّني ومصيري القصدي، الذي به أستطيع متابعة وجودي، فالشعور يظهر تطابق الوجود والعقل ويشخصن العقل.)5،

يلاحظ الاتفاق التكاملي الفلسفي غير المعلن بين كانط وريكور في أضفائهما التعالي الشعوري فوق خصائص منظومة العقل الادراكية في تعبيرها عن الواقع، فريكور يعتبر الشعور يظهر ما هو عقلي الذي يمتلك به عقله، ونجد تماهي ريكور مع هذا الفهم حين يعتبر الشعورهو تطابق الوجود والعقل الذي يشخصن العقل كما عبّر عنه كانط... والصحيح أن العقل خلاف ذلك هو الذي يشخصن الشعور ولا قدرة للشعور شخصنة العقل.الوعي القصدي لا يكون عمليا حسب رغبة ريكور في امتلاك الشعور الذاتي قصدية متحررة بعيدا عن وصاية وتوجيه العقل.

الشعورالنفسي رغم كونه نابعا معبّرا عن دواخل النفس فهو بالمحصلة والنهاية منتج صادر عن العقل في الوصاية عليه وتنظيمه كعاطفة سيكولوجية هادفة قصديا لا يمكن فصلها عن أرادة العقل رغم ارتباطها بالنفس التي هي نوع من نزعة الميتافيزيقا التي تأبى معاملتها بالمنهج المادي بيولوجيا لكنها لا تخرج عن وصاية العقل عليها... ويبقى الشعور واللاشعور كليهما نتاج سايكولوجي – عقلي مشترك رغم التباين بينهما من وجهة نظر علم النفس. بعبارة أخرى العقل والنفس جوهران متعالقان غير منفصلين الا بعد فناء الانسان بالموت. العقل كيان مادي فيزيائي والنفس جوهرروحي ميتافيزيقي.

أن محاولتنا رد أعتبار أسبقية تراتيبية العقل في أولويته وأسبقيته المهمة على الشعور والنفسية والسلوك تكون عقيمة حين يكون الشعور هو الرغبة الكليّانية المجردة عن وصاية العقل في الوصول الى اللذة والسعادة تعويضا عما يعجز عن تلبيته قصورالعقل الذي يستوعبه الشعور وليس العكس في منظور ريكور، رغم حقيقة العقل دائما ما نجده يمثل الكليانية الشعورية النفسية والسلوكية لادراك الافضل بالوجود والسعي الحثيث لتحققه. وبهذا المعنى يعقل العقل ما هو قصدي في أختياره الارادة الحرة بالقرارالصائب، وشخصنة العقل للاشياء تتم بوسائل عديدة منها تشيييء الشعور في موضعته بقصدياته المتحققة بالحياة، والقصدية التي أشار لها كانط كمنهج ابستمولوجي يعلو فوق الوعي والعقل، هو ما عبّر عنه في تطابق الوجود والعقل.

بالتاكيد نذهب بالخطأ أذا أعتبرنا التطابق بين الوجود والعقل هو قصدية مطلوبة بذاتها لفهم العالم من حولنا، بل هي قصدية تتجاوز التطابق لما هو أسمى منه في تحقيق السعادة واللذة والسلام بالحياة. الحياة لا يكفي أن نفهمها بل أن نعيشها.

ما نحاول ترديده أن التطابق المنشود المتحقق بين الوجود والعقل ليس هو التكامل الساكن الثابت بينهما بل هو العلاقة الجدلية الحركية المتخارجة بينهما. وهذا ما يجعل الوجود يرتهن العقل ويصادره حسب ريكور عكس المطلوب الحقيقي في أرتهان العقل للوجود.أي وصاية العقل القصدية في وعيه الوجود ضمن نظام معرفي نسقي منظّم... العقل لا يطابق الوجود كغاية له بل كوسيلة لمعرفته وتفسيره.

(الشعور حسب تعبير كانط يشخصن العقل)، ولا يشخصن العقل الشعور، والشعور هو شخصنة العقل للذات والوعي بها، ونفهم من كانط أن شخصنة الشعور للعقل هو في أكتسابه الفرادة الاستقلالية دون وصاية العقل عليه، والثانية أن الشخصنة هي أمتلاك الذات الواقع والرغبات المكبوتة في تفعيل الارادة المتحررة نشدانها تحقيق السعادة واللذة في متوالية متناسلة لا تنتهي من الرغائب واللذات المتعاقبة التي تستحدثها الحياة بلا توقف وباستمرار دائم.

يذهب ريكور الى (أن الشعور لا يكون نفسه كليّانيا الا بوعي الكينونة الشخصانية، والشعور هو أكثر من هوية الوجود والعقل في الشخص، هو أنتماء الوجود نفسه الى الكائن الذي يكون فيه العقل هو الفكر).6 يمكننا استخلاص عدة نقاط بضوء التعبيرات التي مررنا بها لدى كل من كانط وريكور منها حسب عبارتيهما السابقتين ولا يعني هذا الاقرار بصحة هذه الاستنتاجات التي لنا عليها ملاحظات نتناولها لاحقا وهذا تلخيص لفكرة كانط وريكور عن الشعور:

- الشعور أسمى مرتبة من الوعي في الاهمية المتعالية على العقل، بدليل أن الشعور في نشدانه اللذة لا ينتظر ترخيص العقل له في شموليته الكليانية الاستيعابية التي من ضمنها تجاوز الشعورللوعي.

- الشعور بنية فكرية كليانية تتجاوز العقل في شخصنتها الوعي الفردي.

- الشعور هو سلوك العقل في الواقع بدليل أن الشعور أكثر أهمية من هوية الوجود والعقل حسب تعبير ريكور.

- الشعور يعلو على العقل بوصفه فكرا حسب تعبير ريكور.،

هنا بدءا علينا تأكيد وجهة نظرنا أن الشعور تكيّف سلوكي يقوده الفكر عقليا. ولا يعلو الفكر على العقل في كل الاحوال لأنه أي الفكر نتاج عقلي ولا أمكانية للوعي أو للشعور مصادرة العقل في استقلاليتهما الموهومة المنفصلة عن العقل كموضوعين ندرك بهما معنى السعادة بالحياة..

أعطاء بول ريكورالشعور في تنقيباته الفلسفية أهمية استثنائية متعالية راديكالية تجاه تجاوزه العقل في أعتباره الشعور هو المتحقق الوجداني في حصول اللذة والسعادة بما يركن العقل والوجود في الظل. يقودنا الى توكيد نزعة ايروسية فرويدية ترى في مركزية اللذة في الشعور الذي يقود العقل ولا ينقاد له في التحليل النفسي بأعتبار مبدأ اللذة هو اللامتناهي غير المحدود وغير المتحقق بأكتفاء ذاتي يتوقف في مرحلة عمرية معينة دون مرحلة لاحقة بعدها تليها في السعي لاشباع متوالية لا نهائية من اللذات المتعاقبة على طريق السعادة...ولا يغفل تحليل علم النفس الفرويدي أن اللاشعور أيضا هو مكمن السعي الدائمي نحو تحصيل اللذة وأشباع غريزة الجنس وكل لذّة مكبوتة لا يتاح للشعور أشباعها وصولا للسعادة الحكيمة غير الفوضوية بالفهم الابيقوري. بل ذهاب علم النفس مع اللاشعور أنه مكمن ومستودع الكبت الغرائزي الجنسي وغير الغرائزي كحاجات بيولوجية الذي في تحرر اللاشعور من كبتهما لاسباب موضوعية تقاطع تطلعات النفس المتحررة، يجعل من تحقيق السعادة والسلام للفرد غاية يمكن أدراكها وتحصيلها من خلال السعي عمليا اليها.

الشعور والمخاتلة المزدوجة

يثير بول ريكور في مبحثه ازدواجية الشعور(على أنه في سايكولوجيا الاعماق، يرد الشعور المعاش ما يعطي معنى ظاهري فقط للحياة، مما يتوجب حل رموز الشعور بتأويل خاص، فالمعنى الكامن هو المعنى الحقيقي الذي لا يكون معناه الظاهر بالنهاية سوى العرض، فالشعور موضوع كل الاقنعة، كل الاخفاقات وكل المخاتلات) 7 ربما يجوز لنا القول بضوء هذه الازدواجية للشعور، أنه نسخة مكررة بالعودة الى التحليل الفرويدي كمرجعية جاهزة في الفهم التقليدي المباشر بأعتبار اللاشعور وليس الشعور هو مكمن الرغبات المكبوتة والتوترات الدائمية في عدم التوافق والاختلاف مع المحيط الخارجي والمعيوش بالحياة وهو ما لم يأخذ ريكور به. والشعور هو القرين الواقعي لتفكير العقل بخلاف اللاشعور الذي تكون مدياته القصدية المكبوتة غير المتحققة أكثر شمولية وكليّانية تتجاوز مخاتلة عجز الشعور التعبير عنها..

مخاتلة الشعور التي يراها ريكور أنما هي انفصامية مخاتلة غير معلنة بالسلوك في تحرره الافتراضي المتعسف عن وصاية وهيمنة العقل، ومن المتعذر معرفة الشعور الحقيقي عن الشعور غير الحقيقي من خلال وصف الثاني بأنه أفصاح لأعراض هامشية لا قيمة حقيقية لها، بالقياس لما هو غير بائن ولا مفصح عنه مدّخر في مخاتلات كامنة غير معلنة خفية في الشعور يجب الوقوف عندها وتحليلها حسب ريكور للوقوف على صدقيتها من عدمه. وهذا الكمون الازدواجي غير الافصاحي للشعور هو في حقيقته لا يكون سوى في اللاشعور وليس في الشعور الذي هو قرين العقل لا كما يرغب ريكور تصوير الشعور المخاتل الذي لا يبيح لنا معرفة حقائقه في عرضه ما لا قيمة له من أخفاءات يعتمد الشعور أخفاءها وعدم البوح بها. الشعور قرين العقل بالتبعية واللاشعور قرين النفس غير العملية في التبعية.

من المتعذّر علينا أقرار أزدواجية الشعور المخاتلة خارج المنظومة الادراكية المتناغمة للعقل في أستقلالية الشعور عنه. ولما كان الشعور بهذه الازدواجية التي أشار لها ريكور أنما هو في حقيقته نزوع أستبطاني انفرادي مكبوت لا ندركه بغير تحققه في قصدية السلوك التي هي ممارسة المعيوش واقعيا، وهذا الفهم يحيلنا الى بقاء الشعور لغزا ميتافيزيقيا تتقاذفه المخاتلة المزدوجة بلا حل حقيقي طالما نحن نتعامل معه وفق ما يمليه علينا الشعور بما هو فكر يحمل قصدية سلوكية غير معلنة مكبوتة لا نعرفها بالعرضي من الافصاحات الشعورية الكاذبة.

فلماذا لا يكون أهتمامنا فرويديا باللاشعور أنه مستودع كبت الرغبات الغرائزية الفطرية منها والمكتسبة. وهي حقيقة علمية قارة تعيد مكانة الشعور المرتبط بالعقل الى وضعه الطبيعي فتكون الازدواجية في تعبيرات اللاشعور وليس في أفصاحات الشعور الزائفة التي يتوجب علينا أفتكاكها تحليليا... قد يكون قولنا الشعور لا يمكن أن يكون مخاتلا مخادعا خارج وصاية العقل عليه مقارنة باللاشعور الذي هو تداعيات كل المكبوتات المحرمة الغامضة التي تحتاج الكثير من التفسير والتحليل في بلوغ حياة سعيدة.علما أن اللاشعور لا وصاية للعقل عليه في تنظيم رغائبه الغرائزية واشباعها،فالعقل يقاطع اللاشعور في كبت ومنع رغائبه من الاشباع. كون العقل السوي ضمير اخلاقي يقاطع رغبات اللاشعور الجنسية وغير الجنسية المنحرفة بوصاية أخلاقيات المجتمع على أخلاقيات الفرد.

أن في تشكيكنا بعدم صدقية الشعور يحيلنا بالتعاقب الضروري المتلازم معه الى لا حقيقة القصدية التي ينشدها، وهو ما يقاطع ما سبق لنا الاقرار به هو أن حقيقة الشعور تكمن في قصديته تحقيق ما هو غير محزن ولا مؤلم ولا كئيب ولا كاذب ولا متوتر بالحياة التي يتوجب أن تكون خالية تماما من منغصات المعيوش لبلوغ السعادة.

كان الحرّي بريكور وضع التضاد الجدلي بين الشعور واللاشعور على بساط مناقشة أمكانية تحقق اللذة والسعادة بدلا من أعتباره الازدواجية أنما تقوم في مخاتلة وازدواجية الشعور فقط في تضليلنا عن لا أهمية اللاشعور في تفكير الانسان أشباع رغائبه المكبوتة كما يذهب له علم النفس علميا.

هذا التناقض الذي أثاره ريكور في ازدواجية الشعور نجده يتراجع عنه بعد أسطر قليلة قائلا: (أن المعنى الكامن غير المعلن عنه في الشعور، لا يمكن أن يكون سوى تاويل للمعنى الظاهري كالبحث عن أفضل مفهوم يتحرك في داخله الشعور من المعنى الاقل دلالة باتجاه المعنى الاكثر دلالة)8 واضح هنا الاقرار بأن ما يخبؤه الشعورحسب ريكور نستدل به على مقاربة معرفية في البحث عن الكامن فيه في تحليلنا ما يظهره الشعور من أفصاحات غير موثوقة هي بالتاكيد يجب أن تكون غاية التحليل في الوصول لافضل تعبير مفهومي(كاذب من قبلنا) الاكثر دلالة أمام عجزنا معرفة حقيقة الشعور المخاتلة... .

وبهذا المعنى المتقاطع في تحديد ازدواجية الشعور غير المشخصّة وفي وجوب فبركتنا أفضل المعاني كي ننقذ الشعور من ورطته في انقسامه المخاتل على نفسه، علينا التسليم أن ما يظهره الشعور من متناقضات هي مجمل الاخفاءات والتوترات التي يحملها الشعور والتي تحتم علينا البحث والتفتيش في ماواء هذه الافصاحات الشعورية الخادعة السطحية التي هي بتعبير ريكور عنها التفتيش عن ( تأويل المعنى الكامن للشعور لا يمكن أن يكون سوى تأويل المعنى الظاهري فقط الذي يمثل البحث عن أفضل مفهوم للامعنى أو المعنى الاخرق ).9

بهذا المعنى التأويلي الذي يرشدنا ريكور اتباعه نصل محطة وقوف حرجة هو أن الشعور بمجمله هو نوع من الزيف الافصاحي الذي يتوجب علينا التسليم به في معالجتنا لازدواجيته الخفيّة، وفي أحالة تاويلنا التحليلي لهذه الازدواجية في وجوب خلعنا أفضل معاني تسويق اللامعنى الكاذب بأفضل ما نمتلكه من تخريجات وتصورات انفصامية في تسويقنا الاخرق من صفات الشعور الكاذب الذي لا يقودنا الى تحقيق سعادة من أي نوع كان يرغبها الشعور...

 

علي محمد اليوسف /الموصل

..........................

الهوامش:

1- بول ريكور فلسفة الارادة، الانسان الخطاء، ترجمة عدنان نجيب الدين/ المركز الثقافي العربي ص 120

2- نفسه ص 121

3- نفسه ص 123

4- نفسه ص 160

5- نفسه نفس الصفحة

6- نفسه نفس الصفحة

7- نفسه ص 140

8- نفسه ص 145

9- نفسه ص 160

 

 

 

حاتم حميد محسنالفلسفة هي دراسة منهجية ونقدية للأسئلة الأساسية التي تبرز في كل من الحياة اليومية وفي تطبيقات الحقول الاخرى. بعض هذه الاسئلة يتعلق بطبيعة الواقع : هل هناك عالم خارجي؟ ما هي العلاقة بين المادي والذهني؟ هل الله موجود؟ البعض الاخر من الاسئلة يتعلق بطبيعتنا ككائنات عاقلة وهادفة واجتماعية: هل نحن نتصرف بحرية؟ من أين تأتي التزاماتنا الاخلاقية؟ كيف نبني دولة سياسية عادلة؟ هناك اسئلة اخرى تتعلق بطبيعة ومدى معرفتنا: ماذا يعني ان نعرف شيء ما بدلا من مجرد الاعتقاد به؟ هل كل معرفتنا تأتي من التجربة الحسية؟ هل هناك حدود لمعرفتنا؟ هناك لاتزال اسئلة اخرى تتعلق بأسس ومضامين مجالات اخرى: ما هو التوضيح العلمي؟ ما نوع المعرفة التي يوفرها العلم بالعالم؟ هل النظريات العلمية مثل نظرية التطور او ميكانيكا الكوانتم تجبرنا على تعديل فهمنا الفلسفي الأساسي،  وتجعلنا اكثر قربا من الواقع؟ مالذي يجعل الشيء عملا  فنيا؟ هل أحكام القيم الجمالية موضوعية؟ .

ان هدف الفلسفة ليس الاستيعاب التام لمجموعة من الحقائق بقدر ما هو التفكير الواضح والجاد في أي مجموعة من الحقائق. نحو تلك الغاية، يتدرب طلاب الفلسفة على القراءة النقدية، يحللون ويقيّمون الأحكام، يدركون الافتراضات المختبئة، يبنون حججا منطقية ويعبّرون عن أنفسهم بوضوح وبدقة في كل من الكلام والكتابة.

هذه أوصاف لبعض المجالات الأساسية في الفلسفة:

ايبستيمولوجي

وهي دراسة الأسئلة المتعلقة بالمعرفة والإيمان العقلاني .الاسئلة التقليدية تتضمن التالي: كيف نعرف ان الاشياء المادية العادية حولنا هي حقيقية (ليست من وحي الأحلام، او من تصورات الاضطراب الذهني)؟ ماهي العوامل التي تقرر ما اذا كانت العقيدة عقلانية ام غير عقلانية؟ ماهو الفرق بين معرفة شيء ما وبين مجرد الايمان به؟ (جزء من الجواب هو انك يمكن ان تحصل على ايمان زائف، لكن معرفة الاشياء تحصل فقط عندما تكون حقيقية. كذلك ربما تعتقد ان شيء ما حقيقي على اساس من التخمين الجيد،  وهو ما لم يكن معرفة) بعض الاسئلة الاخرى التي كانت مؤخرا عرضة لنقاش حاد في الابستيمولوجي تتضمن: هل يمكن لشخصين لديهما نفس الدليل ان يكونا عقلانيين تماما في الايمان بعقيدة مضادة؟ هل يمكن لي عقلانيا ان احتفظ بعقيدة موثوقة حول مسألة أعلم عنها ان هناك اخرين مثلي من حيث الذكاء وعدم التحيز، توصلوا الى استنتاج مضاد؟

الميتافيزيقيا

الميتافيزيقا هي دراسة ماذا يشبه العالم او ممّا يتألف الواقع. الاسئلة الميتافيزيقية يمكن ان تتخذ عدة اشكال حول الوجود (اسئلة الانطولوجي)، انها يمكن ان تكون اسئلة تتعلق بما هو أساسي (كمضاد للاشتقاقي)، وانها يمكن ان تكون اسئلة تتعلق  بما هو صفة موضوعية للعالم (كمضاد لمجرد  نتيجة الطريقة التي تتفاعل بها المخلوقات مع العالم). الاسئلة المركزية لدراسة الميتافيزيقا تتضمن اسئلة حول طبيعة الاشياء، الافراد، الزمن، المكان، السببية، قوانين الطبيعة. الدراسة الصارمة لهذه الاسئلة  قادت الميتافيزيقيون لعمل ادّعاءات مدهشة. افلاطون اعتقد انه بجانب العالم المادي المُلاحظ،  هناك عالم الخلود،  عالم الكينونات غير المتغيرة كالخير والجمال والعدالة.

ليبنز ادّعى ان العالم مركب من ارواح صغيرة لاتقبل القسمة تسمى (monads). حتى الميتافيزيقيين المعاصرين شككوا بوجود  الاشياء العادية، وانكروا امكانية الرغبة الحرة، وجادلوا ان عالمنا هو مجرد عالم من عوالم متعددة.

المنطق

وهو دراسة صلاحية أشكال الاستدلال. هو ليس فرعا من السايكولوجي: انه لايهتم بالكيفية التي يفكر بها الناس حقا او اي نوع من التفكير يجدونه مقنعا بالبداهة. بل، يهتم المنطق بالسؤال عندما يُدعم الادّعاء   وبشكل حاسم  بادّعاءات اخرى. فمثلا، الاستدلال من الادّعاءات "انها تمطر" و "اذا كانت تمطر عندئذ الشوارع رطبة" الى الادّعاء "الشارع ندي" هي صالحة منطقيا – المقدمات تدعم بقوة الاستنتاج. ان صلاحية هذا الاستدلال المحدد، والاستدلالات الاخرى من نفس الشكل، ترتبط بطبيعة المفهوم "اذا .. عندئذ". وبعمومية أكبر، ان فكرة الصلاحية المنطقية مرتبطة بإحكام بطبيعة المفاهيم مثل "و"،  "او"، "ليس"، "لو .. عندئذ"، "كل"،  "بعض". عند دراسة فكرة الصلاحية المنطقية، طوّر المنطقيون لغات رمزية. هذه تمككّننا من إعلان الادّعاءات بوضوح وبدقة، وان نحقق في نفس البناء من الجدال. هذه اللغات الرمزية ثبت انها مفيدة في الفلسفة والحقول الاخرى بما فيها الرياضيات وعلوم الكومبيوتر. بعض الاسئلة حول المنطق التي تمّت دراستها من قبل أعضاء في قسم الفلسفة تتضمن: كيف يمكن لنا امتلاك معرفة بالحقائق المنطقية الاساسية باعتبار ان المنطق ليس علما تجريبيا؟ ما هو الربط بين المنطق والعقلانية؟ هل يمكن اختزال الرياضيات بالمنطق؟ هل يجب علينا تعديل المنطق للتخفيف من غموض وعدم دقة اللغة؟ هل يجب علينا تعديل المنطق للاجابة على المفارقة الكاذبة liar paradox والمفارقات الاخرى المتصلة بالحقيقة؟(1)

الفلسفة السياسية

وهي الدراسة الفلسفية للمفاهيم والقيم المتصلة بالمسائل السياسية. مثال على ذلك، هل هناك أي التزامات اخلاقية لتنفيذ ما تقول به القوانين فقط بسبب ان القوانين تقول هكذا، واذا كان الامر هكذا فعلى أي أساس؟ العديد من الناس يوافقون على الطاعة . هل انت تقبل بطاعة القوانين؟ هل يمكن لأحد الموافقة على طاعة القوانين بدون ادراكها؟

هل هناك اسس اخرى للالتزام بطاعة القانون؟ سؤال مركزي آخر هو ما الذي يُعتبر كتوزيع عادل لكل الثروات والفرص الممكنة للعيش في جماعة سياسية؟ هل اللامساواة في الثروة او الدخل هي غير عادلة؟ الكثير من اللامساواة الاقتصادية السائدة هي نتيجة اختلاف المواهب، اختلاف فرص الطفولة، اختلاف الجنس، اختلاف المواقع الجغرافية. ما الذي يبرر اللامساواة التي تعود ببساطة للحظ السيء؟ البعض يقول ان اللامساواة يمكن ان توفر حوافز لإنتاج او ابتكار المزيد، والذي ربما يفيد الجميع. آخرون يقولون  ان العديد من الخيرات تعود الى الافراد قبل دخول القانون في العملية، وان الناس ربما يستبدلونها عندما هم يستفيدون منها حتى عندما تؤدي الى ان يمتلك البعض الكثير قياسا بالآخرين. لذا، فان (السؤال الثالث)، ماذا يعني ان شيئا ما لك، وما الذي يجعله لك؟

فلسفة اللغة

فلسفة اللغة تتعلق بدراسة الاسئلة المتعلقة بالمعنى والاتصال.  هذه الاسئلة تتراوح من تلك التي تتفاعل بقوة مع النظرية اللغوية الى الاسئلة التي هي مجرد اكثر قربا لتلك الاسئلة البارزة في دراسة الادب. عدد كبير من الاسئلة تتضمن: ما هو المعنى اللغوي؟ كيف يكون معنى الآداء اللغوي مشابها او مختلفا عن معاني مثل الاشارات؟ ما هي العلاقة بين اللغة والفكر؟ هل الفكر اكثر جوهرية من اللغة؟ ام هل هناك معنى تستطيع فيه المخلوقات الناطقة فقط التفكير؟ الى اي مدى تؤثر البيئة الاجتماعية على المعنى واستعمال اللغة؟ اسئلة اخرى تركز على المظهر الاتصالي للّغة، مثل : ماذا يعني ان نفهم ما قاله شخص آخر؟ ماذا يعني ان تزعم شيئا؟ كيف يرتبط الزعم بالمعرفة والعقيدة؟ وكيف نستطيع الحصول على معرفة من الآخرين من خلال اللغة؟ مع ذلك، هناك اسئلة اخرى تركز على خصائص معينة للّغة مثل، ماذا يعني ان يكون هناك اسم لشيء معين؟ ما هي العلاقة بين معاني الكلمات ومعاني الجمل؟ هل هناك اختلاف هام بين الاستعمالات الحرفية والاستعمالات المجازية للّغة؟ ماهي الاستعارة؟وكيف تعمل؟

الفلسفة الاخلاقية

الاخلاق هي دراسة ما يجب ان نقوم به وأي نوع من الناس يجب ان نكون نحن. الاخلاق تنظّر  في ما يجعل الافعال صحيحة او خاطئة وما الذي يجعل المحصلات جيدة ام سيئة، وايضا حول اي الحوافز وسمات الشخصية نعجب بها والتي يجب تربيتها. بعض الاسئلة الاخرى التي يسعى الاخلاقيون الاجابة عليها ترتبط بقوة بالاسئلة المركزية. انها تتضمن: ماذا يعني التصرف الحر؟ تحت أي ظروف نحن مسؤولون عن افعالنا الجيدة والسيئة؟هل الادّعاءات الاخلاقية صحيحة وزائفة في آن واحد، مثل الادّعاءات العادية الوصفية حول عالمنا، واذا كانت كذلك فما الذي يجعلها هكذا؟

تاريخ الفلسفة

يلعب تاريخ الفلسفة دورا خاصا في دراسة الفلسفة. الفلسفة مثل أي حقل فكري آخر،  لها تاريخ. ولكن،  في حالة الفلسفة فان فهم تاريخها – من العصر القديم الى القرون الوسطى مرورا بالفترة الحديثة ومن ثم الى الاكثر حداثة – تشكل جزءا حيويا في مشروع الفلسفة سواء في الميتافيزيقا او الابستيمولوجي او الاخلاق والجماليات والفلسفة السياسية. لكي ندرس الأعمال الفلسفية الكبرى للماضي هي ان نتعلم حول الاصول والافتراضات المسبقة للعديد من المشاكل التي تشغل الفلسفة اليوم. انها ايضا ان نكتشف ونقدّر مختلف الطرق في التعامل مع هذه المشاكل، مختلف التصورات عن المشاكل الجوهرية للفلسفة. وانها ايضا دراسة أعمال الفلاسفة – من افلاطون وارسطو مرورا بكانط و مل حتى الكتّاب الآخرين – التي طبعت معظم الثقافة الغربية في ما وراء الفلسفة الاكاديمية. العديد من اعمال الفلاسفة المبدعين اليوم كُتبت ايضا حول مختلف المواضيع في تاريخ الفلسفة ووجدت إلهامها في الرموز الكبيرة للماضي.

لماذا ندرس الفلسفة؟

هذا السؤال ربما يُفهم بطريقتين: لماذا ينشغل المرء في نشاطات فكرية معينة من التحقيق الفلسفي؟وكيف ان دراسة الفلسفة  تؤثر على المستقبل المهني للدارسين؟

1- الفلسفة كفعالية فكرية لها عدد من المحفزات:

ا- الفضول الفكري: الفلسفة هي تحقيق نقدي فكري يتحفز بالاحساس بـ "الدهشة الفكرية". ماذا يشبه العالم؟ لماذا هو بهذه الطريقة بدلا من غيرها؟ منْ انا؟ لماذا انا هنا؟

ب - الاهتمام بالثقافة وبالتاريخ الثقافي: الفلسفة كحقل تولي اهتماما كبيرا لتاريخها، وللسياق الفكري والثقافي الأوسع الذي يتكشف فيه هذا التاريخ.

ج- صقل المهارات الفكرية: ان دراسة الفلسفة تتناسب خصيصا مع تطوير مختلف المهارات الفكرية المنخرطة في تحليل المفاهيم ونقد الافكار، وفي سلوك التفكير السليم  والمحاججة، من المهم التأكيد على ان التحقيق الفلسفي يعزز ايضا الابداعية الفكرية (يطور مفاهيم جديدة او اتجاهات جديدة للمشاكل، مشخصا مشاكل جديدة وهكذا).

د- صقل المهارات الكتابية: الكتابة في الفلسفة هي بالذات شائكة بمقدار ما تتطلب من مستوى عالي من الوضوح والدقة والتنظيم.

2- تأثير الفلسفة على مستقبل العمل المهني :

بعض االمهتمين في الفلسفة يستمرون في العمل في المدارس الفلسفية ليتعلموا الـ PhD في الفلسفة. معظ هؤلاء يصبحون اساتذة في الفلسفة، والذي يعني ان حياتهم المهنية تُخصص للبحوث والتعليم في الفلسفة.

3- التركيز غير المحدود للفلسفة : في الحقيقة، ان المهارات التي يطورها الطلاب هي قابلة للنقل الى عدد واسع من الفعاليات المهنية مثل تطبيق التحليل والمحاججة على ممارسة القانون، امثلة اخرى قليلة تتضمن تطبيق التحليل والمهارات النقدية في مجال الصحافة وبنوك الاستثمار والكتابة، كذلك يمكن استخدام التعليم الفلسفي للعمل في مبادرات الأعمال، النشاط الاجتماعي والسياسي وحتى الفنون الابداعية.

 

حاتم حميد محسن

................

الهوامش

(1) مفارقة الكذب هي مفارقة منطقية تنتج عن النظر بادّعاء مثل "هذا القول كاذب". اذا كان هذا الادّعاء صحيحا، معنى ذلك هو كاذب، اما اذا كان كاذبا فذلك يعني انه صحيح.

 

 

 

علي رسول الربيعيلم يلعب الدين أي دور مهم في منظور فيرولي الجمهوري السابق. ولاتأخذ جمهورية فيرولي[1]  الدين في نظر الأعتبار، وتقاطع فيرولي في كتابات أخرى مع ما يقوله بعض المفكرين الجمهوريين حول العلاقة بين الدين والجمهوريّة. لكن يعبر فيرولي، في عمله الأحدث، عن منظور يعتمد على أحد الفلاسفة الجمهوريين التقليديين الذين يعبرون في الغالب عن رؤية مفيدة حول الدين أقصد: نيكولو مكيافيلي. مهد تطوير فيرولي لنوع معين من الجمهورية الطريق لتركيزه على الدين كعنصر رئيس لإحياء التقليد الجمهوري. فبينما يشترك الجمهوريين مثل بيتيت مع راول  الذي  يلتزم بمركزية العقل العمومي في السياسة، يؤكد دفاع فيرولي عن الجمهورية على مركزية العواطف وحب الوطن والخطاب، يهتم فيرولي، كرد فعل على  ما يعاني العقل العمومي كما الليبرالية من  ضعف الولاء السياسي، على أهمية "حب الوطن" والفصل بين صيغة تعددية للوطنية باعتبارها خلاصة الفضيلة المدنية وبين التعصب والاستبعاد القومي.[2] ويصبح مكيافيلي طبقا لتفسير فيرولي له  ليس ذاك الذي يفكر وفق حسابات  العقل البارد  بطريقة آليًة  ويصبح  عنده خبيراً في السياسة الواقعية، وشخصية مدفوعة كثيراً بعاطفة حب الوطن (more della patria). لا تحتاج الوطنية والحرية إلى تجانس اجتماعي أو ثقافي أو ديني أو عرقي. إذا كان الوطن أقل من جمهورية بالمعنى الكلاسيكي ، فلا يمكن للمواطنين أن يكونوا فاضلين: لا يمكنهم أن يحبوا دولة تعاملهم ظلما (على الرغم من أنهم يفعلون ذلك في بعض الأحيان). إذا كان الوطن جمهورية جيدة خيرة ربما تصل الفضيلة المدنية إلى أقصى حد. ولكن قد، قد يتدهور المواطنين أيضًا إلى حب متعصب للوحدة، وليس حب المواطن السياسي. هذا يعني أنه لكي نرى النوع الصحيح من الوطنية ينمو، لا نحتاج إلى تعزيز التجانس والوحدة ولكننا نعمل على تعزيز ممارسة وثقافة المواطنة.[3]

يستمر التركيز على الدين كمركز للعواطف والخيال في عمل فيرولي حول الجمهورية الوطنية: فيمكن أن يكون حب الله وحب الحرية وحب الوطن متداعمين. يضيف فيرولي الدين إلى تفسيره السابق لـ مكيافيلي الذي يركز على حب الوطن.  فيجادل بأن لم يكن مكيافيلي ضد الدور العام للدين المسيحي أبدًا، حيث فسره على أنه دين الفضيلة العامة والمشاركة من أجل خير البلاد.[4] وحجته هي أن مكيافيلي لا يؤكد فقط أن الحرية الجمهورية تحتاج إلى دين يغرس ويدعم الإخلاص للصالح العام ولكن أيضًا أن الدين المسيحي ، إذا تم تفسيره بشكل صحيح ، مناسب لخدمة هذه المهمة المدنية. ليس الدين، طبقاً هذا التفسير، أداة مفيدة للمؤسسات السياسية القائمة فقط، ولكن  السعي إلى الدفاع عن الحرية السياسية جزء لا يتجزأ من الغايات الدينية في المقام الأول. وهكذا يلعب الدين دورًا تأسيسيًا من خلال التعريف الداخلي للروح الجمهورية: فدعا مكيافيلي إلى دين جوهري لروح الشعب، "من شأنه أن يترجم إلى شعور بالواجب المدني وحسن الروح الحقيقية: ليس أداة للمملكة، بل أداة للحرية. الدين، أذن ، كما هو وسيلة هو غاية.[5]

يجادل فيرولي بأن ورثة هوبز والتقليد الليبرالي قد قاموا بتهميش دور بلاغة الخطاب والفضيلة في السياسة  مما أدى الى تلاشي الشعور بالمواطنة وبقيم الجمهورية. يجب على الدين المدني المعاصر أن يبتعد عن المسيحية المذهبية ليُفسر مرة أخرى على أنه دين الحرية، المتميز عن تجسيداته المؤسسية المحددة أو التي حصلت في التاريخ. إن موضوع هذا الدين هو المواطن الجمهوري: فيعترف فيرولي بأهمية تجديد مفهوم بيتيت للحرية، بأعتبار أن عدم الهيمنة يعبر بشكل فعال عن السمة الأساسية للحرية كما تظهر في التقليد الجمهوري. لكن ضعف نهج بيتيت الجمهوري هو التركيز الحصري على مثال سلبي للحرية لا يفسر كيف يمكن أن يصبح عدم الهيمنة في الواقع عاملاً يقدم شكلًا إيجابيًا للمواطنين. إن فرض عدم الهيمنة ممكن في المجتمعات المعاصرة ، كما كان الحال في المجتمعات القديمة، فقط كثمرة للالتزام الفاضل للمواطنين بدلاً من كونه نتاجًا للتصميم المؤسسي والسياسات المستنيرة.  وليس الأخلاق المجردة للحقوق والواجبات كافية أيضًا. فيحتاج نوع التفاني العام والخطاب السياسي الذي يحرك القلوب والعقول بدلاً من ذلك إلى أن يكون مستوحى من البلاغة العامة وروح الشعب الحقيقية التي هي نموذج للأديان، بنفس الطريقة "كما لو كان الله موجودًا".[6]

تؤكد جمهورية فيرولي على (i) دور الفضيلة المدنية كشرط  بنيوي لتجنب انحطاط الديمقراطية إلى الشعبوية والديماغوجية. ويتطلب هذا حماية الحرية الجمهورية من المواطنين (ii) التزاماً أخلاقيأً شاملاً بالحرية يتجاوز الاحترام المتبادل، ليشمل بعدًا من اليقظة وضبط النفس والشهادة أشبه بأشكال التفاني الديني أكثر من مبادى الأخلاق العامة.

حتى إذا كان تشخيص فيرولي لقصور الخطاب السياسي المعاصر مقنعًا، فإن منهجه يعاني من مشاكل عملية ومعيارية. ثم إن التركيز على الفضيلة المدنية المتبعة كدين للحرية أمر شاق للغاية والاعتماد الشديد على رؤية مكيافيلي السياسية يسلط الضوء على بعدنا عن سياقه التاريخي أكثر مما يضيء سياقتنا. يعتبر تبني السمات الدينية والأخلاقية للمسيحية في القرن الخامس عشر والسادس عشر إشكالية معيارية لكل من المتدينين وغير المتدينين. يعترض المتدينون على استعمال المفاهيم والقيم الدينية المجردة من  جوهرها الديني الأصيل: أنها شكل من أشكال الدين المدني بدون دين. من ناحية أخرى، سيرى غير المتدينين  فيها خطر الهيمنة. الاعتماد الكبير على شكل جوهري من الخطاب الأخلاقي، من خلال تعزيز بعض الفضائل والعواطف، سينتهي به المطاف إلى التدخل في الحرية المدنية - بافتراض أن هذا الشكل من الأخلاق يخدم مصلحة الجميع.

يقدم نوربرتو بوبيو في حوار نقدي مع فيرولي[7] توضيحًا  لهذه النقاط بالقول (i) من الأفضل أن تُفهم السياسية بوصفها مسألة قوة وإكراه ، كما ادعى هوبز. اوأن لسلطة السياسية ضرورية لأن معظم المواطنين ليسوا فاضلين على الإطلاق. إن نقطة البداية للترتيبات السياسية ليست الفضيلة، بل الافتقار إليها وما يترتب على ذلك من تبرير للاستخدام المشروع للسلطة. (ii) أن دور الأديان مهم اجتماعياً، ولكن يجب عدم تسييسه حتى لا يقوض الحرية المدنية. لا يمكن تجنب احتواء التأثيرات المهيمنة للدين عن طريق استبداله ببعض البدائل العلمانية، لأن الأوجه المثيرة للإعجاب والخطيرة للدين متشابكة للغاية. يجادل بوبيو بأن  الأحسان  والمحبة في الكاثوليكية تحفز الناس على التضحية بأنفسهم من أجل قضية أولئك الذين تبدو آفاقهم في الحياة الجيدة غير متوفرة تقريبًا كما في الطريقة التي قد تقلدها وتحاكيها الأيديولوجيات العلمانية. لا يلعب الإيمان اللاهوتي والمعتقدات الأخروية دورًا عرضيًا هنا، بل دورًا جوهريًا، نظرًا لأنها توفر منظورًا متفائلًا حيث لا توفره النظرة العلمانية.

يشكك هذا الاعتراض الثاني في قابلية تحويل اللغات والطقوس والدوافع الدينية إلى أشكال مؤسسية غير دينية. لا يمكن اختزال الدين بسهولة إلى مجرد جزء من الأجزاء التي يمكن عزلها وأخذها واستخدامها لأغراض سياسية. حتى بافتراض أن تفسير فيرولي لوجهة نظر مكيافيلي بشأن الدين هو أمر سليم، 51 فأن تجسد الدين المسيحي في فلورنسا تاريخياً في ممارساته ومعتقداته التي نظمت حياتة الناس الخاصة والعامة لا يمكن تكراراها في الديمقراطيات  في الزمن الحاضر. إن تفكيك الدين وإعادة تفسيره للأغراض المدنية في القرن الحادي والعشرين هي مهمة تنطوي على تفكيك عناصر من الدين لم تكن ضرورية لمكيافيلي. عندما يدعو فيرولي إلى إعادة تمثيل الدور المدني للدين من خلال أشكال جديدة من الالتزام العلماني العميق بالحرية الجمهورية، فهو لا يقترح تفسيرًا مختلفًا للكاثوليكية أو البروتستانتية فقط ، بل بالأحرى عملية هندسة عكسية  للدين المسيحي. تشبه هذه الخطوة بعضًا من شرط ترجمة هابرماس ( أيً تحويل اللغة الدينية الى لغة علمانية لتكون مقبولة للجميع): يهدف فيرولي إلى الحفاظ على السمات التحفيزية والخطابية للدين، بينما يركز هابرماس على المصادر المعرفية المتضمنة أو المترسخة في المعتقدات الدينية. يفترض كلاهما أنه يمكن الحفاظ على بعض مكونات الدين أثناء علمنة الآخرين، مثل الخلفية الميتافيزيقية لجوهرللمعتقدات أو قلبها، أو اللجوء إلى سلطة الكتاب المقدس، أو العلاقة التأويلية بين المعتقد الديني والممارسة الدينية داخل المجتمع. يهدف اللجوء الأداتي للدين والمقاربة التحويلية إلى إنقاذ سماته المفيدة سياسياً فقط لكنها تتجاهل طريقة عيش الدين وممارسته من قبل المتدينين. المراجع الدينية ذات أهمية سياسية طالما أنها على غرار النموذج الذي تفترضه هذه المفاهيم في الأديان التي يمارسها المواطنون فعلا. يعتمد الدين المدني على المحتوى والخطاب والمصادر التحفيزية للتقاليد الدينية. إن اللجوء لوجهة نظر شاملة واحدة حصريا غير مناسب لبناء الحياة السياسية في البيئات التعددية. ومع ذلك، فإن إنتقاء بعض العناصر الأخلاقية والخطابية من وجهات نظر متعددة لخلق روح جمهورية ملفقة لا يحل هذه الصعوبة ، لأنه يؤدي إلى مجموعة مختلطة غريبة عن المتدينين وغير المتدينين على حد سواء. يسعى المواطنون، من خلال الإجراءات الديمقراطية، إلى ترتيب سياسي متوافق، أو على الأقل ليس على خلاف، مع تفسيراتهم الشخصية للأخلاق والخلاص. إن الأحتكام الى  نجاح هذه التفسيرات من خلال الرموز والأشكال المألوفة للكلام يتطلب مصادر تحفيزية قوية، وبالقدر نفسه القطيعة عن المحاولات الفاشلة.

قد تفرض المؤسسة الجمهورية إطارًا رمزيًا وخطابيًا شاملاً باعتبارها العمود الفقري لولاء المواطنين يكون عقبة أمام اندماج الأقليات. يجب التعبير عن طقوس ورموز الولاء السياسي بطرق متنوعة تستوعب الطبيعة التعددية للمجتمعات الديمقراطية، مع الاستمرار في التعبير عن التزام أخلاقي معترف به.  كما في الدور الذي يؤديه أداء قسم المنصب الذي يدل، في هذا المعنى على وظيفة طقسية مهمة. وإن الأحتكام الى بعض السلطات الدينية أو الأخلاقية الملزمة التي تتجاوز سلطة أولئك المسؤولين هي قيمة رمزية مهمة: فالأشكال الدينية والعلمانية تعبر عن هذا الأحتكام  أو هذه التأكيدات باشكال مختلفة. علاوة على ذلك، يمكن الوصول إلى الفكرة المعيارية الأساسية في كلتا الحالتين. علاوة على ذلك ، يُسمح للمسؤولين المنتمين إلى الأقليات الدينية بأداء القسم على نصوصهم المقدسة. تخضع الطقوس والرموز السياسية في منظور عدم الهيمنة لحق الطعن  كلما رأت مجموعة أو فرد أنها تعبير عن مؤسسات مهيمنة أيضًا.

يمكن أن يقدم الدين مساهمة  تتصل بالتعبير العملي والتمثيلي للمفاهيم الأساسية للحرية والتضامن والسمو والرفعة. وإلى أي مدى يمكن إضفاء الطابع المؤسسي على هذه المساهمة من خلال الطقوس والخطابات التي تشير إلى المجال الديني للمعاني. إنه  يعتمد على عوامل تاريخية واجتماعية متباينة. كما أن تخفيف  من المراجع الدينية لجعلها متوافقة مع المجال العام المتوتر بشكل متزايد ينتهي به الأمر إلى جعل مساهمتها أقل أهمية. من المرجح أن تحترم الاستراتيجيات المختلفة للخطاب الديني أصالة التفسيرات والآراء الدينية وأهميتها أكثر من اللجوء الى الأشكال العامة من الأخلاق وإضفاء الطابع المؤسسي على الدين المدني المخفف.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.........................

[1] Viroli, M. (2001) Republicanism.

[2] Nussbaum, M. (1997) Cultivating Humanity: A Classical Defence of Refom1 in Liberal Education,

Cambridge, MA: Harvard University Press.

[3] Viroli, M. (1995) For Love of Country. An Essay on Patriotism and Nationalism. Oxford: Oxford

University Press.

[4] Viroli, M. (2010) Machiavelli's God.148.

[5]. م، ن،ص 5-6

[6] Viroli, M. (2012) As if God Existed: Religion and Liberty in the History of Italy. Princeton, NJ: Princeton University Press.

[7] Bobbio, N. and Viroli, M. (2003) The Idea of the Republic. Cambridge, UK: Polity Press.