حاتم حميد محسنمقدمة: نظرية العدالة لجون رولز (1971) هي من أهم الأعمال التي كُتبت في الاخلاق والفلسفة السياسية في القرن العشرين. هذه النظرية هي محاولة من جون رولز لصياغة فلسفة للعدالة وبرنامج نظري لبناء هياكل سياسية مصممة للحفاظ على العدالة الاجتماعية والحرية الفردية. كتب رولز نظريته كرد فعل للنظرية االسائدة آنذاك وهي النظرية النفعية، التي تؤكد بان العدالة هي التي تتوفر بها اكبر المكاسب المرغوبة لأكبر عدد من الناس. يفترض رولز وجود شخص نظري مختبئ وراء حجاب من الجهل، يجب ان يصمم مجتمعا عادلا بدون معرفة سابقة بمكانته في ذلك المجتمع. يعلن رولز بانه انطلاقا من هذه الرؤية الموضوعية التي يسميها (الوضع الأصلي)، فان الفرد سوف يختار نظام للعدالة يوفر ما يكفي لاولئك الذين يقعون في أسفل سلّم المجتمع. الفرد سيقوم بهذا لأنه ربما ينتهي به الامر بمثل هذا الموقف السيء و يريد ان يتوفر له ما يكفي لسد حاجاته. يسير رولز على خطى النظريات المبكرة للفلسفة السياسية. حيث يعرض عقدا اجتماعيا بواسطته يوافق الافراد ضمنيا على القوانين التي يُحكمون بها في أي مجتمع. يستنتج رولز ان مثل هكذا عقد اجتماعي، صيغ من منظور الوضع الأصلي، سوف يضمن مجتمعا عادلا بدون التضحية بسعادة وحرية أي فرد آخر. يعالج رولز قضايا الحرية والمساواة الاجتماعية والديمقراطية وصراع المصالح بين الفرد والمجتمع.

 نقد النفعية Utiliterianism

طوال القرن العشرين، كانت النفعية هي النظرية الفلسفية السائدة للسعادة في الغرب. النفعية طُوّرت اولا في القرن التاسع عشر من قبل النفعيين الكبار امثال ديفد هيوم وآدم سمث و جيرمي بنثام وجون ستيوارت مل. تؤكد النفعية اساسا على ان المجتمع العادل هو المجتمع المرتكز على تحقيق أعظم الخير او السعادة لأكبر عدد من الناس. غير ان العديد من المنظّرين وجدوا هذا المبدأ غير مقنع لأنه ينطوي على ان سعادة الأقلية من الناس سيتم التضحية بها من أجل ضمان سعادة الاكثرية.

انتقاد رولز الرئيسي لنظرية المنفعة هي انها لا تميّز بين سعادة اي فرد والمجموع الكلي للسعادة في المجتمع ككل. هو يستنتج: "المنفعة لا تأخذ بشكل جاد الاختلافات بين الافراد".(1)

نقد البداهة Intuitionism

المدرسة الاخرى المهيمنة في النظرية الاخلاقية في القرن العشرين كانت نظرية البداهة، وهي طبقا لرولز ايضا غير مقنعة. البداهة طُوّرت اولا في القرن الثامن عشر، وتؤكد ان الناس يحوزون على احساس فطري بديهي في العدالة والاخلاق. رولز وفي نظريته العدالة كإنصاف يعترف بأن المرء لايمكنه ابدا التحرر كليا من مقدار معين من البداهة . غير انه، يقترح عدة وسائل تجريبية لتقليل درجة البداهة الداخلة في العملية. اساسا، هو يعالج ما يسميه مشكلة الأفضلية، التي بواسطتها تفشل البداهة في تأسيس وسيلة لتقييم الاهمية النسبية لأي مبدأ أخلاقي تجاه الآخر. رولز يقترح كعلاج لمشكلة الافضلية ان مبادئ معينة للعدالة يتم ترتيبها في سلّم وفقا للأهمية، لكي يمكن للأول ان يأخذ أسبقية على الثاني وهكذا.

العدالة كإنصاف

في (نظرية العدالة)، يبدأ رولز بالقول " ان العدالة هي أول فضيلة للمؤسسة الاجتماعية"، يعني ان المجتمع الجيد هو ذلك المجتمع الذي يُبنى طبقا لمبادئ العدالة. يزعم رولز ان النظريات السائدة للعدالة التي برزت في حقل الفلسفة، هي ليست كافية:"الهدف المرشد لي هو ان أعمل نظرية في العدالة تكون بديلا حيويا لتلك المذاهب التي سيطرت طويلا على تقاليدنا الفلسفية". هو يسمّي نظريته التي – تهدف الى صياغة تصوّر للبناء الاساسي للمجتمع طبقا للعدالة الاجتماعية – بـ العدالة كإنصاف. يبدأ رولز بتقرير المبادئ الأساسية للعدالة التي يرتكز عليها المجتمع الجيد. هو يوضح أهمية مبادئ العدالة لغرضين:

اولا، لتوفير طريقة لتعيين الحقوق والواجبات في المؤسسات الأساسية في المجتمع.

ثانيا، لتحديد التوزيع الملائم للفوائد والأعباء في المجتمع. هو يلاحظ ان المجتمعات المنظمة جيدا هي نادرة بسبب حقيقة ان "ما هو عادل وغير عادل هو عادة في خلاف". هو يلاحظ ايضا ان المجتمع العادل والمنظم جيدا يجب ان يُصاغ بطريقة تعالج مشاكل "الفاعلية والتنسيق والاستقرار".

يعتقد التعاقديون ان الحقوق يجب ان تتأسس وفق اتفاق متبادل او عقد اجتماعي بين الأطراف. العقد الاجتماعي هو ليس وثيقة حقيقية متفق عليها، مثل عقد مسؤولية الضرر ، وانما هو افتراض نظري. الموضوع هنا هو ليس ماتتفق عليه الاطراف في العقد وانما ما ستتفق عليه في موقف افتراضي. جون رولز طوّر أهم نظام تعاقد اجتماعي للعدالة.

الوضع الأصلي

لكي يصنع نظاما يرتكز عليه المجتمع العادل، يفترض رولز انسانا افتراضيا يضع اختياراته في ظل وجود قناع من الجهل. رولز يتصور انسانا يجب ان يصمم مجتمعا لا يعرف فيه سلفا ما لديه من مكانة اقتصادية او اجتماعية. من منظور هذا القناع من الجهل بمصيره، رولز يجادل بان المرء يمكنه ان يسعى فقط لخلق مجتمع بواسطته تتوفر للأقل حظا وسائل كافية من السعادة طالما قد يجد المرء ذاته بالضبط في ذلك الموقف. يشير رولز لهذا المنظور الافتراضي بالوضع الأصلي. هو يشير الى ان الفرد الافتراضي في الوضع الأصلي يجب ان يكون مفكرا عقلانيا.

االمشكلة التي تواجهها أي نظرية تعاقدية هي كيف تجعل الاطراف المتعاقدة تضع أفضليات لتصورات العدالة بطريقة موضوعية و غير منحازة. لهذه الغاية، رولز يجعلنا نتصور الاطراف المتعاقدة تختبئ وراء "حجاب من الجهل"، جُردّوا فيه من أي معرفة بالاشياء الخاصة حول انفسهم. اي ان الاطراف المتعاقدة لايعرفون من أي عرق هم ، أي دين، او ما اذا كانوا ولدوا في عائلة فقيرة ام غنية، او مع إعاقة بدنية او ذهنية وهكذا. من ظروف الجهل هذه ، تتفق الاطراف على مبادئ العدالة.

الغاية من الوقوف وراء حجاب هي لمنع الافراد من محاولة الحصول على مكاسب غير عادلة لأنفسهم. اذا كنت لا تعرف منْ يملك رأس المال، عندئذ يكون من الصعب معرفة ماذا سيخلق من استحقاق للفرد. وكما يشير رولز .. يبدو من المعقول والمقبول عموما ان لا أحد يجب ان يكون محظوظا او محروما بفعل نصيبه الطبيعي او بفعل الظروف الاجتماعية في اختيار المبادئ .. حيث يتم استبعاد المعرفة بتلك الحالات الطارئة والخاصة التي تضع الناس في شذوذ وتسمح لهم ليسترشدوا بأحكامهم المسبقة. بهذا الاسلوب، يتم الوصول الى حجاب الجهل بطريقة طبيعية (ص 18-19). حالما تُسلب المعرفة بالحالات الطارئة، فان الافراد المتبقين يسميهم رولز "شخصيات اخلاقية"، افضلياتهم غير متحيزة بمثل هذه الخصوصيات وبالتالي لن تكون لهم سلطة. بكلمة اخرى، في الوضع الاصلي هناك مساواة اخلاقية اساسية بين الافراد. لا فرد ولا افضليات فرد تُعامل كمتفوقة فطريا على اي فرد آخر. بما ان الاطراف المتعاقدة انسلخت كثيرا في تفكيرها، فان رولز يحتاج ان يعطي تلك الاطراف شيئا للتفكير به. لهذا هو يضيف الشروط التالية للإجراء التفاوضي في الوضع الاصلي. الاطراف المتعاقدة تعلم ان "ظروف العدالة"سوف تُطبّق في دولتهم وهكذا هم يحتاجون الى تصوّر عن العدالة. ايضا، هم يعرفون ستكون هناك ندرة في الموارد، لذا سنحتاج الى مبادئ للفصل بقضايا المنافسة على الموارد النادرة.

اخيرا، بينما الاطراف في الوضع الاصلي لا يمتلكون معرفة بالمحتوى المعين لرغباتهم او لتصورهم عن الخير، لكنهم يعرفون حقا شيئا ما عن رغباتهم. هم يعرفون انهم يريدون قدر الامكان ضمان الحصول على ما يسميه رولز "الحريات الرئيسية". هذه الحريات تتضمن الحقوق والحريات والفرص والسلطة واحترام الذات. نستطيع الاستدلال ان كل الاطراف ستكون لها هذه الحقوق لأنها شروط ضرورية لإنجاز اي تصور عن الخير. اي انه ، لا يهم كيف ينتهي بنا الامر بعد رفع الحجاب ، يجب على المرء ان يمتلك كمية معينة كحد أدنى من الحقوق الاساسية لكي يمكنه ممارسة حياة تعكس تلك القيم. وعندما يضع كل تلك الامور مجتمعة، يعتقد رولز اننا سنصل الى مبدآين اساسيين في العدالة:

 مبدآن للعدالة

1- "كل فرد يجب ان يمتلك حقا متساويا بالحرية الواسعة منسجمة مع حرية مشابهة للآخرين"(ص60)

2- "اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية يجب ان تُرتّب لكي تكون اولا، متوقعة بشكل معقول لمصلحة كل فرد وخاصة مصلحة من هم أقل حظا، و ثانيا، ان ترتبط بوظائف ومناصب مفتوحة للجميع"(ص60).وفق هذا المبدأ يعترف رولز بوجود مكان للامساواة الاقتصادية والاجتماعية، باعتبار ان اولئك الذين في أسفل السلّم سينالون على الأقل المساعدة الضرورية.

ان الفكرة الاساسية هنا هي ان الناس يجب ان لا يُحرموا من الحقوق الاساسية او من امكانية متابعتهم لتصوّر الخير بسبب وجود عوامل غير ملائمة اخلاقيا.

يعترف رولز ان الحقيقة الاساسية لظروف الانسان هي ان هناك لامساواة في المواهب الطبيعية . وبدلا من محاولة مساواتها – والتي تتم فقط عبر اسقاط المواهب الطبيعية، يجب ان نحاول استعمال تلك اللامساواة لمنفعة الجميع. هذه الفروقات يجب ان لاتُزال، هناك طريقة اخرى للتعامل معها وهي ان الهيكل الاساسي يمكن ترتيبه لكي تعمل هذه الاختلافات لمصلحة من هم أقل حظا.

لابد من التاكيد على ان المبادئ التي تأتي من هذا الاجراء تعمل كقيود على نظام العدالة ذاته، انها لا تحدد اي نظام معين للعدالة، ولا تحدد بدقة كيفية صياغة قوانين الضرائب ، قوانين الأفعال الضارة، قوانين الادارة او القوانين الجنائية وما شابه. ما توفره هذه المبادئ هو نوع من الحماية من الرغبة بديمقراطية الأغلبية او الحكومات اللاديمقراطية. حين يحدد المرء نظام العدالة، يجب ان لايتعارض مع المبادئ الاصلية التي تأتي من الوضع الأصلي .

 

حاتم حميد محسن

..........................

الهوامش

(1) هناك انتقادات اخرى للنظرية النفعية تتمثل بالتالي:

أ – انها تميل لخلق شكل للاخلاق اما أسود او ابيض، لا توجد منطقة رمادية، الشيء اما ان يكون صحيحا او خاطئا.

ب – النفعية لا تستطيع التنبؤ بشكل مؤكد حول ما اذا كانت نتائج افعالنا جيدة او سيئة، لأن نتائج الفعل تحدث في المستقل.

ج – النفعية قد تقود الى حسابات مروعة في القيم كالعدالة والحقوق الفردية، مثلا، لو ان مستشفى فيه اربعة مرضى تعتمد حياتهم على زراعة اعضاء بشرية وهي : القلب، الكبد، الكلية، الرئتين. اذا كان هناك شخص سليم في المستشفى ويتم استئصال اعضائه الاربعة، ستكون النتيجة انقاذ حياة الاشخاص الاربعة على حساب حياة الشخص الاخير. هذا يقود الى اكبر خير لأكبر عدد ممكن من الناس، لكنه لا يُعد عملا اخلاقيا.

 

 

علي رسول الربيعيهناك حاجة مستمرة للتفكير في الفلسفة أوإعادة التفكير فيها، اي التفكير في السياق التماثلي (الداخلي) في الفكر الفلسفي مثلما هي تفكر في سياقات لامتماثلة وتدوس أرض جديدة فستحضر للتفكير ما لامفكر فيه، ولكن لماذا إعادة التفكير في الفلسفة؟ إنه يفترض مسبقاً الوعي بوجود مشكلة، أي أن هناك تعارضات تؤدي إلى الاستفسار وإلى معرفة جديدة غالبًا. ما هي المشاكل التي تجعل من الضروري إعادة التفكير في الفلسفة، في السياق التماثلي ؟ يمكننا من ذكر مجموعة متنوعة من المشكلات النظرية والعملية.

أريد أن اشير ابتداء الى مقال كنت كتبته منذ زمن طويل (كورقة قدمت في مؤتمر عن الاسلام والسياسة والحداثة ثم نشر في صحيفة الشاهد الصادرة في لندن في التسعينيات لاحقاً)1، وهو يتعلق بـ "الحداثة" و "ما بعد الحداثة"، وقد قمت بصياغة هذه الحاجة على النحو التالي ربما لا نحتاج إلى الدفاع عن الحداثة أو رفضها بأي معنى وبايً حال من الأحوال، ولا للدفاع عن التحديث أو رفضه، وبأيً حال من الأحوال أيضًا؛ نحتاج إلى معرفة فلسفية جديدة: إبستيمولوجيا تتجاوز المعرفة التي رسمت حدودها الوضعية المنطقية، التي لا تميز أو تفصل بين العلم والميتافيزيقيا فقط، ولكن تميًز بين المعرفة والمنتجات الأخرى للعقل البشري؛ الأنطولوجيا التي تغلبت على "الأختزال الكبير" للوجود في أحد أنواعه أو اجناسه- أنطولوجيا تتجاوز ثنائية المادية والميتافيزيقية؛ أنثروبولوجيا لا تتعامل مع صور أو مفاهيم للإنسان، ولكن مع خصائصه التي تشمل إمكانياته أيضًا؛ والأخلاق التي ليست معيارية ولا ميتا-أخلاقية فقط، تتجاوز هذه المقاربات وهذا النهج تبرر وتعرف فينومينولوجيا الإنسان الأخلاقية المجردة بشكل ملموس....

من أجل أن يكون للمعرفة الفلسفية تأثير إنساني على الحياة، ومن أجل التعامل مع المشاكل العالمية دون إغفال جوانبها الأخلاقية، علينا التفكير وإعادة التفكير في المقاربات السائدة في جميع مجالات الفلسفة هذه.

سأقصر نفسي هنا على أن أقدم نتيجة إعادة تفكيري - خلال السنوات الماضية - لبعض المسائل الفلسفية- المعرفية، والتي كان عليً أن أعيد التفكير فيها أثناء البحث والتعامل مع المشكلات في الفلسفة السياسية والأخلاقية والحقوقية. نرى، في جذر كل هذه القضايا والمسائل، مشاكل تتعلق بما أسميه "فقدان هدف المعرفة". "يرتبط عدد من هذه القضايا المعرفية بطبيعة التشخيص الصحيح وتفسير المواقف والأوضاع المطلوب. إنها المشكلات التي نواجهها في تسمية أووصف وضع اجتماعي أو سياسي وتلك التي نواجهها في محاولات تفسيرها. نلاحظ نقاط انطلاق نظرية أو عملية مختلفة: افتراضات أو مقاربات مختلفة، فعن سبيل المثال، تؤدي النظريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المختلفة، ولا عجب، إلى "تشخيصات" مختلفة، أي تسميات مختلفة للموقف نفسه، وكذلك لتفسير مختلف، أي تعزى أسباب مختلفة الى الموقف الموضوعي نفسه.

يدرك المجتمع الدولي هذا المأزق بما فيه الكفاية الآن. ومع ذلك، أخشى أنه ليس على دراية كافية بالمشاكل المعرفية الكامنة وراء هذا المأزق. عن سبيل المثال، يستدعون تلك التسميات أوالأوصاف بشكل علامات مختلفة وتفسيرات متعددة للمواقف نفسها، ايً "النظر من وجهات نظر مختلفة" والترويج لها، على افتراض أنه يمكن من تجنب الدوغمائية.

من الغريب أن يكون ذلك، على الرغم من أن الانضباط الفلسفي الأكثر تطوراً في القرن الواحد والعشرين، في حقل الأبستيمولوجيا (نظرية المعرفة)، وأن الأدوات المعرفية التي توفرها وجهات النظر التي كانت سائد في القرن العشرين السائدة، (لو أن هناك أفتتاحات مهمة مؤخرا في البستيمولوجيا الإجتماعية) لا تساعدنا كثيرًا في مواجهة الصعوبات التي نواجهها فيما يتعلق بتشخيص وتفسير الحالات التي يتعين علينا مواجهتها راهناً.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

..............................

ورقة قدمت الى مؤتمر حول الفكر الاسلامي والحداثة عقد برعاية مؤسسة الخوئي الخيرية في لندن، نظم المؤتمر وأداره ليث كبه في عام 1997

 

 

علي محمد اليوسفالتفكير وتعبير اللغة

يعتبر فينجشتين الكلام والفكر هما شيء واحد، والشيء الواحد عنده اصبح واضحا له اليوم على حد تعبيره، بأن الفكر هو نوع من اللغة. لا نعتقد هذه الحقيقة العلمية في علم اللسانيات وفلسفة اللغة تحتاج اكتشاف التنويه لها كمعلومة لم تكن معروفة قبل استنتاج فينجشتين لها، فالفكر تعبير أفصاحي عن لغة العقل...واللغة وعاء الفكر عند دي سوسير مسألة مفروغ منها.

هذه الحقيقة الفلسفية الفكر هو لغة تستند الى أن التعبير عن الموجودات الخارجية يسمى (لغة) بالمعنى التواصلي مع الآخروفي فهم المحيط والموجودات، والفكر لغة ايضا في تفكير العقل صمتا داخليا، والفكر ليس ملكة فطرية عقلية خالصة أهميتها معرفة موجودات المحيط الخارجي بوعي منفرد لا علاقة له بالمجتمع، ولا في التعبير عنه لغويا..

الشيء الاهم أن كل فعاليات الانسان الفكرية اللغوية هي نتاج تخليقي توليدي للعقل الانفرادي مع تعالقه بالتوليد الجمعي اللغوي الذي يتفاعل معه بأكتساب الفرد والمجتمع لغة مشتركة لم يستطع الفرد تخليقها توليديا انفراديا، فاللغة ظاهرة أجتماعية رغم امتلاكها خاصية الانفرادية الانسانوية كاستعداد فطري ومنطوق لغوي لتصبح مكتسبا لغويا مجتمعيا في كلام منطوق أو لغة مكتوبة.

ولا يمكن حصول تطور في اللغة الانفرادية الخاصة بالشخص الا في محيط أجتماعي يحتويها ويتعامل معها بفهم جمعي مشترك. اللغة فهم سيسيولوجي مشترك بقدرات واسهامات فردية متنوعة ومختلفة تساهم بخلقها وتطويرها.

والشيء البديهي الذي لا يحتاج تأكيد فلسفي أيضا أن العقل ومنذ افلاطون ومن بعده ديكارت أعتبروا العقل جوهرا غير فيزيائي ماهيته الفكر في توليده (اللغة)، من حيث اللغة لا تصدر عن غير مصدرالعقل الذي ماهيته التفكير بوسيلة اللغة، والا كان تفكير العقل خارج خاصّية انتاجية اللغة كنظام للمدركات والاشياء في الحياة يصبح هذاءا صوتيا يطلقه الفرد من غيرنسق لغوي منّظم ذي مضمون فكري واضح متجانس تعبيريا عن الاشياء، بل اللغة غير المنتظمة التي لا يكون مصدرها العقل الانساني السوي هي أصوات لامعنى لها وليست لغة تحتوي فكرا،. اللغة هي نظام الاشياء وليس التعبير عنها كموجودات بعشوائية غير منتظمة كما في هذاءات الانفصامي المريض الذي لا يرى النظام في موجودات المحيط من حوله.

تعبير اللغة تمنح الوعي العقلي نظامه النسقي المقبول مجتمعيا في تبادل واكتساب المعرفة. وبغير تفكير العقل في انتاجيته اللغة كمنظومة سيسيولوجية يصبح عقلا مشابها لعقل الحيوان تماما. وأختلاف لغة الانسان عن لغة الحيوان تتعدى الذكاء اللامحدود عند الانسان الذي يفقده الحيوان ويتعدى قابلية النطق الصوتية المرتبطة بتطور حنجرة الانسان عن الحيوان ايضا ، وأنما الاختلاف في خصائص أخرى أن لغة الانسان التعبيرية عن الاشياء لغة نظام وتنظيم المدركات العقلية في العالم الخارجي، فاللغة عند الانسان هي القوانين الوضعية التي تحكم الموجودات والاشياء في الطبيعة. بأختلاف لغة الحيوان التي تكون دوما عشوائية لا تستطيع جعل اللغة نظاما لحياتها في ادراكها المحدود لمحيطها. عشوائية الصمت اللغوي الحيواني نابع وصادر من عدم أحساس الحيوان بزمانية التفكير المعدومة عنده. فنسق اللغة التنظيمي لمدركات العقل الانساني مصدره الاحساس بالزمن.

نعم يمتلك الحيوان لغة صوتية من نوع خاص ووعيا لغويا صامتا مختلفان عما يمتلكهما الانسان، لكن هذا النوع من اللغة الصوتية المسموعة والصامتة عند الحيوان ليست كما هي عند الانسان معقدة ومتطورة نوعيا، فاللغة لدى الحيوان هي في التعبير عن احساسه المباشر بالخطر أو رغبة الجماع الجنسي وبعض العواطف البسيطة كالحزن والفرح والنزعة الوحشية في الدفاع عن النفس وغيرها من تجليّات الوعي عنده لكنها جميعها يبقى الافصاح عنها لغة حيوانية محدودة بعدم امتلاكها ذكاءا تنظيميا متجانسا مع المحيط من حيث الاحساس بالزمن وتنظيم مدركاته من الاشياء..فقدان الزمن بلغة الحيوان هو الذي يصيبها بالاعتباطية والعشوائية في عدم امتلاك قابلية التنظيم التعبيري المتجانس..

لا جديد في القول أن الفكر الداخلي الاستبطاني الصامت للعقل هو نوع من تعبيراللغة غير المفصح عنه صوتا فكريا ولا لغويا. وقد تطرقت لشرح هذه المسألة تكرارا في كتاباتي السابقة المنشورة قبل أطلاعي على مقولة فينجشتين بهذا المعنى. وما هو مفروغ التسليم به أن تفكير العقل سواء كان داخليا صمتا أو خارجيا كلاما مسموعا ولغة مكتوبة لا يتم بغير توسيلية تمثّلات اللغة الصورية لمدركات العقل، ونستطيع الجزم أن العقل لا يفكر جوّانيا استبطانيا بغير صورية العلامات اللغوية التي يتعامل التعبير بها نفسها عن الاشياء والموجودات الخارجية على السواء بنفس صورية اللغة المكتسبة عن المحيط عنده في تعبيره عن مدركاته الخارجية. بمعنى تفكير العقل صمتا وتفكيره تعبيريا عن الاشياء الخارجية تكون في كلتا الحالتين هي لغة صورية تمّثلية تجريدية لمدركات العقل الاشياء.

ويستثنى من ذلك تفكير الخيال العقلي في أستحداثه لغة غير مألوفة منطقيا في تصوير خيال الاديب أو الفنان عوالم لا يعبّر عنها بلغة تواصلية مباشرة تقوم على أبجدية الحرف والكلمة ودلالتهما الصوتية وموقعهما في العبارة أو الجملة في تداولية تبادل الحوار اليومي المستمدة من الواقع.

فالانسان العاقل لا يستطيع التفكير صمتا استبطانيا داخليا بغير تصور لغوي هي نفسها لغة تعبيره عن الموجودات في عالمه الخارجي الذي يعيشه.لذا يكون تفكير العقل صمتا وتفكيره خارجيا هي نفس اللغة المعبّرة عن مدركات العقل للاشياء.

ولو كان الانسان العاقل يعيش منفردا في غابة مع قبيلته ولم يسبق له العيش بحياة المدينة لما كنا وجدناه يتكلم عن لغة تخص حياة المدينة ويعرف معنى الطائرة والحاسوب والسيارة واستعمالات التكنولوجيا في حياة الانسان، ولا يفهم ويعي صخب المدينة التي تسودها الحركة الدائبة والضوضاء و تعامل الافراد بمفردات استهلاك ما لا حصر له من التكنولوجيا في حياة المدينة؟ وبالتاكيد سيكون تفكيره اللغوي لا يتعدى واقعه الذي يعيشه في مجتمع الغابة فقط الذي يجهل معنى المدينة.

من الواضح أن تفكير العقل الانساني يكون بواسطة تعبير لغوي تجريدي في حالتي التفكير الاستبطاني الصامت أوحالة التعبير الخارجي المعبر عن الاشياء والموجودات كلاما منطوقا أومكتوبا، وكلا التعبيرين هما  نتاج تفكير عقلي واحد ومتشابه يدعى لغة العقل. ولغة العقل هذه مستمدة من تواضع مجتمعي عليها، أي لا يخترعها العقل الانفرادي دونما مرجعية الحياة الاجتماعية لناس يسكنون مدينة او دولة نظامها اللغوي متميز معروف لديها في تفاهمهم اليومي وقد لا يفهمه من لا يعرف لغة تلك الاقوام المختلفة اللغات واللهجات.

السؤال هل لغة العقل التفكيرية الاستبطانية هي غيرها لغة التعبير عن موجودات محيط خارجي معين لقوم بعينه دون غيره؟ الجواب كما قلناه سابقا هو نفس اللغة الابجدية الصوتية التجريدية المنطوقة والصامتة في الحالتين. فالتفكير التجريدي الذهني هو انعكاس الواقع المعيش والمتخيّل.

والا كان يصح في حال افتراضنا أختلاف تفكير العقل الصامت بلغة خاصة عنها في تفكيره الخارجي بلغة عاقلة مغايرة لتفكير لغة الصمت لكان لو حدث مثل هذا الاختلاف فهو يمّثل نوعا من الانفصام المرضي الذي يعتبر واقع الخيال الذي يفكر به هو الواقع ولاعلاقة تربطه مع واقع مدركاته الخارجية في محيطه ليس من حيث أختلاف الفكر وحسب بل في اختلاف لغة التعبير عن المجالين وهو ما نجده جليّا في هذاءات المريض الانفصامي البعيد عن الواقع الحقيقي.. في وقت نجد أن حقيقة تفكير العقل السوي هو في المزج المتخارج بين عالم الخيال الداخلي مع عالم المدركات الخارجية المادية في سيطرة الشعوراليقظ.

التفكير السوي هو لغة العقل في ادراك وتفسير مفاهيم الواقع وقوانينه المتواضع مجتمعيا عليها، والتفكير العقلي الخيالي لا يفارق الميزة الواقعية في التعبير عن الواقع بطرق واساليب ربما تكون أحيانا لا واقعية مألوفة كما نجده في ادب الرواية مثلا والشعر احيانا في خلق عوالم من الفنتازيا أو الخيال العلمي لا يتعامل بها الانسان ولم يعتدها بعالمه اليومي..

اللغة الفطرية واللغة المكتسبة

من المعلوم أن أبرز عالم لغات وفيلسوف لغة معاصر نعوم جومسكي ذهب في نظريته التوليدية الى فطرية اللغة كأستعداد وراثي خاص بالنوع الانساني بما عرف بالنظريته التوليدية اللغوية ، وأبرز المناوئين لها هم فلاسفة السلوكية اللغوية السيسيولوجية من الامريكان وغير الاميركان رايل، رورتي، سيرل، سيلارز وغيرهم الذين قالوا بنظرية اللغة سلوك مجتمعي نفسي.

ونناقش هنا في المقال الاختلاف بين الفطري والمكتسب في اللغة ليس بالانحياز لأحد الطرفين وأنما من وجهة نظر خاصة نطرحها تمزج بين المنحيين أستجابة لما يقوله العلم الطبيعي غير الفلسفي أن حقيقة اللغة هي استعداد فطري ذاتي وممارسة مجتمعية مكتسبة معا. اللغة تولد استعدادا فطريا وتنضج سلوكا مجتمعيا. وتعّلم اللغة وتعليمها لا تورث بالفطرة بل تكتسب بالتجربة الحياتية.

أكتشف العلماء وجود مناطق في القشرة الدماغية للانسان يطلق عليها (اللمبي) هي المسؤولة عن تزويد الوليد الطفل باستعداد فطري موروث في تعلمه اللغة وتجاوبه في الانتاجية المشتركة لها مع غيره من أفراد أسرته في أكتسابه اللغة التواصلية.

هذه المنطقة الفطرية في التكوين البايولوجي لوظائف الدماغ المكتشفة لا يمكن تفعيلها بمرور العمر كملكة لغوية وكلام حواري يحوزهما الانسان بفطرة توليدية ومجتمعية مشتركة وليست ملكة فطرية خالصة تتطور انفراديا، بغير تعلم الانسان تبادل لغة مكتسبة من المجتمع والمحيط تصقل وتطور ملكة الاستعداد الفطري لديه، وتأكيد هذا المعنى أن الاستعداد الفطري اللغوي يتطور مجتمعيا نجده في مثال أن احد علماء اللغة والانثروبولوجيا الفرنسيين يدعى (ايتار) وجد في أحدى الغابات الفرنسية في منطقة الافيرون طفلا متوحشا منتصب القامة مكتمل الجمجمة منفردا لا يعرف اللغة وكان عمره وقت العثور عليه لم يصل سن البلوغ، وجرت محاولات طويلة عريضة صعبة معه لتعليمه اللغة فلم يفلحوا بمهمتهم، والسبب أرجعه العلماء الى أن منطقة الاستعداد الفطري اللغوي الموجودة في قشرة دماغ كل انسان (اللمبي) قد ماتت عنده لتقدمه بالعمر وفقد بذلك الاستعداد الفطري في تعلمه اكتساب اللغة طفلا وليدا بالممارسة الحياتية، ولم يبق لتلك المنطقة الدماغية دور عنده في تعلم اللغة واكتسابها نتيجة انقطاعه عن تبادل هذا الاستعداد الفطري الانفرادي مع أمثاله من جنسه كبشر بما يحفزها على تعلم وأكتساب اللغة بمرور سني العمر باندماجه في بيئة اجتماعية.** (يلاحظ التعليق عن هذه المعلومة نهاية المقال).

هذا المثال يؤكد أن فطرة اللغة التوليدية الانفرادية لا تتطور ذاتيا الا بتخارجها مع محيط أجتماعي متجانس ومتواضع على نوع من الاصوات الرمزية والكلمات ذات الدلالة المشتركة جماعيا بما يبعث ويحفز النزعة الفطرية التوليدية الموروثة جينيا عند الفرد لتعلمه اللغة في تبادل مكتسب لغوي من المحيط رغم ما يمتلكه من نزعة فطرية وأستعداد وراثي في قابليته تعلم اللغة وأكتسابها لكن هذه الخاصية النوعية الانفرادية ليست كافية للنمو وحدها في وسط لا يتوفر فيه أختلاط بشري من نفس النوع.علما أن هناك حقيقة علمية تذهب الى أن كل طفل يملك أمكانية اكتساب تعلم أية لغة كانت.

اللغة في الصمت والكلام

أن الانسان العاقل يفكر ذهنيا وهو صامت، ويفكر صامتا وهو نائم، ويفكرصامتا وهو حالم، والصمت لغة حوار العقل مع ذاته داخليا في موضوع أو اكثر، فالعقل لا يفكر في فراغ – سنوضح هذا لاحقا – ويكون تفكير الصمت بالفكر المجرد بلا لغة كتعبير تواصلي أفصاحي أيحائي لا يشترط توسله اللغة غير ممكنا وجودا، فالصمت هو تفكير في موجودات مادية واقعية تكون صيغة التفكير الصامت صورية تجريدية هي ذاتها اللغة المعبّر بها عن الاشياء الخارجية، بمعنى تفكير العقل لغويا هو صيغة من تعبير اللغة واحدة في الصمت وفي الافصاح ولا فرق بين لغة الصمت في التفكير بموضوع عنها في لغة الافصاح التعبيري عن نفس الموضوع كلاما منطوقا أو لغة مكتوبة.

أو أذا كانت مواضيع التفكير الصامت خيالية لا وجود لها ماديا متعينا في الواقع، ويتناولها العقل بالتفكيرالذهني المجرد فيكون هذا النوع من التفكير اللغوي أما ابداعيا ادبيا او تشكيليا فنيا، وأما يكون تفكيرا انفصاميا مرضيا، والصمت السليم الذي يفكر بموضوعه لا يلغي دور العقل أو لايستطيع الاستغناء عن الوظيفة العقلية في الوعي والتفكير بالاشياء.فالصمت في اللوحة التشكيلية هي لغة صورية تخاطبية أيحائية، ورقص الباليه، والمسرح الصامت، واليوغا، وغيرها هي تعبيرات لغوية لا تتوسل لغة التواصل المباشرة المعروفة كأبجدية صوتية. لكن تبقى اللغة في هذه التعبيرات فكرا لغويا غير منطوق يأخذ اللغة تعبيرا شكليا صوريا غير مقيّد باللغة أبجدية اصوات وتعبيرات كلمات وعبارات.

أن وظيفة العقل في التفكير الخيالي بالمجردات الذهنية أرقى درجة وأهمية منها التفكير في الموضوعات المادية التي يعقلها العقل كواقعات مادية ويدركها ظاهراتيا أو ماهويا بمباشرة لغوية تواصلية...فالعقل في ملازمته الخيال ورقابته على اللاشعور وتداعيات التصورات الذهنية تكون مهمته أصعب من مهمة العقل في تناوله الماديات والموجودات والاشياء في الطبيعة بمباشرة ادراكية حسيّة ميسرّة، لكي لا ينتج عن التفكير الخيالي الذهني المجرد أصوات وهذاءات تعبيرية لا تعطي المفكّر به من موضوعات مادية  أو مجردة أستحقاقها الوعوي الادراكي كما لاتعطي الهذاءات غير العقلية وعي الذات مصداقيتها الذكيّة في نظام الاشياء المطلوب في التفكير غير المرضي الطبيعي السوّي.

الصمت لغة تواصلية

الانسان في جنبة محورية جوهرية من كينونته الطبيعية هو أنه وجود عقلي لغوي ناطق. فالانسان يفكر وهو يتكلم ويفّكر وهوصامت ويفّكر لا شعوريا وهو نائم، ويفكر وهو في حلم اليقظة، ويفكر وهو ماشيا لوحده أو مع مجموع. وفي كل حالات الصمت يحتاج الانسان التعبير اللغوي أو الكلامي عن بعض الاشياء والموضوعات، ويكتم أو يستعصي عليه التعبير عن بعضها، أو يتعذّر عليه الافصاح التواصلي في بعضها الاخر. أذن الانسان وجود مفكر في صمته وفي الافصاح عن بعض تفكيره الصامت في الكلام أو اللغة أو الكتابة.والانسان كينونة عقلية أدراكية تفكيرية، ولغوية ناطقة،وخيالية تجريدية، تحتويها كل خصائص الانسان المادية وجودا.

يقول ميرلوبونتي (أذا كانت اللغة كيان باطن، فأن هذا الباطن ليس فكرا مغلقا على ذاته وواعيا بها).(4) أنه لمن المهم أدراكنا أن اللغة في التفكير الباطني العقلي أي الصامت، هي وسيلة العقل أن يعقل نفسه ووسيلة العقل في وعي الاشياء المادية وغير المادية ذهنيا...كما أن العقل هو الوسيلة الوحيدة في أدراك وفهم الوجود الخارجي والاحساس الاستبطاني ولا بديل عنه.

أما اذا بقي هذا الادراك العقلي منغلقا على العالم الخارجي، في عدم ادراك تواصله الجدلي مع الاشياء والموضوعات،فهنا يصبح الانسان كيان لغوي حواري داخلي صامت فقط مفارقا لجوهر انسانيته في انتفاء طبيعته السيسيولوجية، وهو محال أن يكون وضعه هذا دائميا بالنسبة لانسان سوي مجتمعيا عاقل وناطق ايضا سواء يعيش منعزلا أو يحتويه مجتمع...ومحال ايضا أن يكون الانسان خارج طبيعته بخصائصها الانسانية،أن لا يوجد ويكون جزءا من الطبيعة متفاعلا مع مظاهرها، لا أن يكون كيانا مفكرا بذاته فقط ولذاته ايضا ، منعزلا عن واقعه ومحيطه الاجتماعي. ولا في تعطيله لغة الحوار التواصلي مع الاخر.

الصمت الانساني هو حوار لغوي داخلي يعمل في الذهن البشري المفّكر بمسؤولية، بينما يكون صمت الحيوان (لامعنى) له غير متعين لا عقليا ولا ذهنيا لا تفكيرا منطقيا ولا تعبيرا لغويا. فهو صمت يغيب عنه الوعي العقلي بخلاف الانسان.

في عجزالحيوان الصامت أن يكون صمته تفكيرا خياليا محكوما بوعي زماني ومكاني، كما عند الانسان حيث يقوم العقل ومن ثم اللغة على تنظيم ذلك التفكير الخيالي في وعيهما الزمن...في هذا تكون علاقة الانسان بالطبيعة أثراءا لوجوده، وبقيت علاقة الحيوان بالطبيعة أفقارا لوجوده لولا تدخل ما يسمى محميات الحفاظ على التنوع البيئي والحيواني والنباتي من الافقار التدريجي الذي يقود الى أختلال بيولوجي مفزع في الطبيعة يقود الى أنقراض العديد من الكائنات الحيوانية والنباتية، ومن هنا كان الانسان كائنا وجوديا مستقبليا، أي يفكر بالمستقبل زمانيا بما لايتوفر للحيوان ذلك الا مع تدّخل الانسان بالطبيعة في جعل الذئب يرعى مع الغنم عندما تنتفي الحاجة الى القتل والافتراس الحيواني لاسكات الجوع في محميات الحفاظ على التنوع البيئي الطبيعي.كما تنتفي مقولة هوبز الانسان وجود يلازمه القضاء على أخيه الانسان من نوعه منذ بدء الخليقة والى يومنا هذا.

الزمن واللغة

اشرنا سابقا لغة التعبير الفني مثلا في النحت والرسم وفي جميع جماليات الفنون التشكيلية، هي ايضا لغة حوار داخلي صامت معبّرا عنه بوسائط توصيل هي غير لغة الكلام أو الكتابة المقترنة بزمن.وتكون لغة الحوار التواصلي في حالة كمون يستنطقها الانسان المتلقي للفن والجمال ويفهمها حسب ثقافته وتكوينه النفسي والجمالي في ضروب الفنون التشكيلية.

واللغة الصامتة بالفن منتج عقلي للفكر وتداعيات اللاشعور...أما لغة التعبير الانساني الكلام أو اللغة المكتوبة فهي منتج مصنع الحيوية العقلية الانسانية المتفردة خياليا أو فكريا تواصليا، وبذلك يصبح الانسان كائنا لغويا يفكر وهوصامت وفي مخياله حضور ووعي الزمن الماضي والحاضر والمستقبل. وهذا النوع من الادراك بالزمن والمستقبل لا يتوفر عليه الحيوان...فالحيوان لايعي الزمن مثل الانسان، حتى وأن كان هذا الوعي الزمني(أفتراضيا) كما يمارسه الانسان أفتراضا وجوديا لا غنى عنه عندما يتعامل مع الزمن ادراكيا ويجهل ماهيته معرفيا .

 

علي محمد اليوسف /الموصل

........................

الهوامش

1- ميرلوبونتي،نقلا عن عبد الوهاب جعفر، الفلسفة واللغة ، ص 58

2- نفس المصدر السابق ص 106

*** نفس هذه الرواية الفرنسية في حال حدوثها حقيقة تنطبق على حي بن يقظان في مؤلف ابن الطفيل الفلسفي، ولا تنطبق على شخصية بطل رواية روبنسون كروزو...لماذا؟ حي بن يقظان حسب المدونة نشأ رضيعا بين الحيوانات في غابة، وكان لديه استعدادا فطريا طفوليا في تعلمه اللغة ولم يجد مجتمعا بشريا يشاركه تعلمها فبقي يقلد اصوات الحيوانات، وحسب رواية ابن طفيل فهذا الصبي تعلم اللغة لاحقا وهو شاب ناضج على يد شخص آخر يدعى أبسال قدم من مدينة بالقرب من الجزيرة النائية التي جمعته الصدفة الترحالية بحي بن يقظان في الجزيرة وحديهما. وعلم ابسال اللغة لحي بن يقظان بخلاف رواية روبنسون كروزو الذي كان بطلها يافعا يعرف الانكليزية التي حاول تعليمها لفرايدي خادمه الاسود الذي كان لا يتكلم الانكليزية وتعلمها بالاكتساب وهو بعمر الشباب؟ فأي من الروايتين صحيحا، بالقياس الى رواية علماء اللغة الفرنسيين بين مفترق طريقين هل اللغة استعداد فطري ينتهي بنهاية فترة عمر المراهقة؟ كما ذهب له علماء الانثروبولوجيا الفرنسيين؟ أم اللغة يمكن أكتسابها في جميع المراحل العمرية كما هو شان أتقان الشخص المتعلم البالغ اليوم لاكثر من أربع الى عشر لغات أو أكثر وهو في سن الستين.. وهو ما يؤكد غلبة سيسيولوجيا اللغة على انفراديتها التوليدية التطورية.

أبن طفيل في مدونته الرائعة حي بن يقظان كان يبحث امكانية الاستدلال العقلي لوجود الخالق بدلا من الايمان القلبي به فقط، والبرهنة على امكانية الجمع بين الاستدلالين القلبي الفطري الايماني والاستدلال العقلي البرهاني منطقيا في الوصول لغاية واحدة معا هو وجود الخالق. ولم تكن المدونة تعالج ثيمة تعلم اللغة واكتسابها كون علوم اللسانيات وفلسفة اللغة انبثقت بداياتها مطلع القرن العشرين. (الكاتب)

 

علي رسول الربيعيإن الوعي بموضوع المعرفة له آثار ليس فقط للتعامل مع المشاكل في مختلف تخصصات الفلسفة، ولكن أيضًا لحياتنا. لهذا السبب في عصر "يسير فيه كل شيء" بسرعة، سيكون من المفيد التفكير أو إعادة التفكير دائما، فيما يتعلق بموضوع المعرفة وهدفها، في تدريس الفلسفة والتعليم الفلسفي بشكل عام. يمكن أن توضح لنا عدد من الحوارات الأفلاطونية كيف يمكن أن يكون موضوعاً ما يرغب المرء معرفته.

عندما يفشل محاور سقراط، في هذه الحوارات،  في الإجابة عن سؤاله حول ماهية شيء ما (ما هي الفضيلة، ما هي المعرفة وما إلى ذلك)، غالبًا يسأل سقراط محاوره عما هو يبحث عنه عندما يجيب على سؤاله. بعبارة أخرى يحاول أن يريه أنه لم يكن قادرًا على استيعاب موضوع المعرفة المعنية وأنه لا يجيب عن سؤاله، بل يجيب عن سؤال آخر. يعطي سقراط في محاورة مينوMeno، حيث يحاول تعريف الفضائل فيها، مثالا واضحا جدا لكيفية تجسيدها. ما يطلبه سقراط من مينو أن يجد الـ eidos، فكرة الشكل أو الهيئة. ثم يمكن لمينو اتباع الطريقة نفسها، وربما الإجابة من تفسيره الخاص عن السؤال عن ما هي الفضيلة. بعبارة أخرى: يحاول سقراط مساعدة مينو في العثور على ما يبحث عنه، والعثورعلى موضوع المعرفة الذي يهدف اليه استفساره، والنظر الى هذا الهدف او الموضوع  للإجابة عن السؤال ما هي الفضيلة. هذا الموضوع هو ما هو متطابق مع كل تلك الأشياء التي نسميها الفضائل - في الشجاعة، والعدالة، في الاعتدال، وما إلى ذلك. لم يتمكن مينو من أنجازه وهذا ما سينجح به أرسطو لاحقاً.

إن الأسلوب السقراطي في الاستقصاء هو نوع من التفكير ليس تحريضًا، كما يفترض البعض، ولكن نوع خاص من التشيئ (التعبير عن شيء مجرد في شكل ملموس)- أيً تجسيد لشئ ما، أو لنوع من المعرفة. إنها محاولة لمعرفة ليس أي خاصية مشتركة، ولكن فقط ما هو أساسي في كل تلك الأشياء الفردية والذي يجعل من الممكن استدعاءهم  أو تسميتها جميعًا بالاسم نفسه.

وهو يختلف أيضًا عن الاختزال الظاهراتي ( phenomenological reduction ) الذي يهدف إلى اكتساب النوع نفسه من المعرفة والذي يشبه كثيرا التجريد الديكارتي. يتم الترويج لما يسمى التعليم التفاعلي في جميع أنحاء العالم في الوقت الحاضر، كما هو معروف. ومع ذلك، فإن معظم المعلمين ليسوا مدربين تدريباً كافياً على استخدام الأسلوب السقراطي في التعليم، وهو أفضل مثال على التعليم الذي يساعد المتدرب على طرح الأسئلة والإجابة عليها بنفسه، من خلال النظر أو البحث في موضوع المعرفة. وبالتالي يمكن تدريبه على ما يسمى "التفكير النقدي" الذي يجب أن يُفهم على أنه القدرة على العودة إلى موضوع ادعاءات معينة، وليس مجرد مواجهة أو تجميع وجهات نظر مختلفة حول قضية معينة.

نرى في عصر "أي شيء" يسير  بسرعة، ومنها  باسم الحرية والتعددية، مشاكل عالمية جديدة  ظهرت نتيجة لحلول قُدمت في وقت سابق من أجل معالجة مشاكل الأخرى، نحتاج إلى الفلسفة كمجال للمعرفة (ليس كوجهة نظر للعالم not as a world view). لهذا، من الضروري في أي محاولة للتفكير وإنتاج المعرفة أن لا نغفل عن موضوع وهدف معرفتنا. هذه أيضًا نقطة يجب أن تؤخذ في الاعتبار بجدية في التربية الفلسفية. إن الجدل ضد التيار، عندما تقتضيه كرامة الإنسان، هو مهمة فلسفية بامتياز.

إنه في الصراع بين الممكن والمستحيل نوسع إمكانياتنا الخاصة كما يُقال.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

زهير الخويلدي"اننا نرى الجوهر الوحيد للتجريبية: لأن الطبيعة البشرية في مبادئها تتجاوز الفكر، فإنه لاشيء في الفكر يتجاوز الطبيعة البشرية"1[1]

يعتبر جيل دولوز الفيلسوف الأبرز الذي اشتغل على مفهوم الاختلاف ولكنه ويا للغرابة وضعه الى جانب مفهوم التكرار أو المعاودة وهو ما يعني تأجيل الفرق وتعذر المباينة والوقوع في اعادة انتاج المماثل والمطابق. بيد أن دولوز هو فيلسوف المفهوم بامتياز وقد منحه هذا الاختصاص امكانية تنويع التجارب وتجريب المفاهيم والمصطلحات والدوال على الحقول التي يشتغل عليها في حله ترحاله الجذموري.

بالنسبة لجيل دولوز، الفلسفة هي خلق مفاهيم. على عكس هذا التعريف، فإن معظم المعلقين راضون إما لتكرار كلمات الفيلسوف بتعميمها ومن ثم إعطائها نطاقًا كونيا، أو لتطبيق المفاهيم التي اخترعها على أي ظاهرة تأتي في متناول اليد، والتي تدين الفلسفة بشكل لا يمكن إصلاحه لكونها مجرد مؤسسة مجردة عندما أرادها دولوز أن لا يمكن أن تكون أكثر واقعية. إن مصدر هذا التفسير الخاطئ بسيط للغاية: فهم لا يأخذون بعين الاعتبار المكان الأساسي الذي تشغله التجريبية في عملها ويعتقدون في تعويل دولوز على الفكر وحده. وبالتالي، من خلال عدم إيلاء أي اهتمام خاص لهذا الموقف الفلسفي الذي يفضل الخبرة، فإنهم يقللون من دور الأخير في ممارستها، وبالتالي يفصلون إبداعات المفاهيم عن الحالات التي يستمدون منها ضرورتها. . على عكس الروح التي تحرك الدراسات الرئيسية حول فلسفة دولوز، فإن هذه الأطروحة تهدف إلى إثبات أنه فقط من خلال مراعاة التجارب الفردية التي أثارتها المفاهيم التي صاغها هذا المفكر أصبحت لها معنى، تماماً كما في هذا السياق فقط يمكن فهم انتقاداته لمختلف المواقف الفلسفية التأملية. في نهاية كل رحلة فكرية يشقها الفيلسوف، ستظهر هذه الأخيرة دائمًا جزئية ومرتبطة لتجربة فكرية أجبرت هذا الاستجواب بحيث يصبح ما كان غير مفهوم في البداية من منظور معين متاحًا فجأة عندما يصبح مفهوم جديد أنشئ بغية تفسيرها أو تبريرها. لتحقيق هذه الغاية، يمكن تقسيم التصور الدولوزي الى قسمين. يتعلق الأول بمفهوم دولوز للتجربة. من خلال دراسة محاولتين لتجديد التجريبية في القرن العشرين، وهما البرجسونية والفنومينولوجيا، تم الكشف عن موقف دولوز في هذا السؤال باعتباره امتدادًا للمسار الذي فتحه بيرغسون في مقابل ذلك الذي حدده هوسرل، وفي تتمة له، سارتر. ولكن بعد انفصالها عن مخاوف البرغسونية الأنطولوجية، تظهر بعد ذلك تجربة دولوز التجاوزية كبحث عن التفرد المحتمل لظاهرة ما على حساب البحث عن شكل مشترك لجميع التجارب وابداع المختلف.     الجزء الثاني، من جانبه، يركز على أربع تجارب فكرية ويظهر في كل مرة الارتباط الذي لا ينفصل الذي يوحد خلق المفاهيم والتساؤل الذي يصاحب ذلك. سواء كان ذلك مع نقد فلسفة التمثيل التي تنبع من مفهوم الإحساس المصاغ بالتعامل مع أعمال الرسام فرانسيس بيكون، سواء كان ذلك مع التساؤل المزدوج للفنومينولوجيا كأثر لخلق مفاهيم محبة للصورة وزمن للصورة من بيرسونا بقلم إنجمار بيرجمان وهيروشيما بقلـم آلان ريسنايس، سواء من خلال نقد الفرضيات اللغوية المستمدة من مفهوم الأدب الصغير الذي تم اختراعه لمحاسبة المحاكمة عند كافكا . في كل هذه الحالات، يتم تسليط الضوء على الدور الأساسي للخبرة في الممارسة الفلسفية لجيل دولوز2[2]. في هذا السياق يذكر دولوز حول علاقة الانسان بانفعاله أن المسالة التي يعالجها هيوم في تجريبيته الريبية هي: كيف يصبح الفكر طبيعة بشرية؟

يرفض دولوز أن تكون العادة هي التجربة ولكنه يرى بأن التجربة تفترض وجود العادة، بعد ذلك يرى أن تكرار حالات متشابهة هو الذي يجعلنا نعتقد بوجود مبدأ السببية ولكنه يتدارك بأن يشرع للعقل أخذ المبدأ الذي يفسر به من مجال مغاير للتجربة لكي يقدر أن يحكم به ويعلل قضايا وأفكار تتجاوز التجربة.

في هذا السياق يصرح: "ان العادة بحد ذاتها هي مبدأ غير التجربة، ليست وحدة التجربة والعادة معطاة. ان العادة بذاتها، يمكن أن تختلف، وتتذرع بتجربة زائفة وتنتج الاعتقاد بتكرار لا ينبثق من التجربة"3[3].

لكن كيف يرفض جيل دولوز مفهوم التجربة بالمعنى الفنومينولوجي من جهة ويدعو الى توقيع تجربة الاختلاف والتفرد من حيث هي فعل ابداعي يشبه الخلق الفني ويربطها بتجربة الجسد بلحمه وعظمه من جهة أخرى؟ هل تمكن دولوز من يتجاوز الفكر التجربة عبر الاعتقاد في أشياء ماوراء الزمان والمكان؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...................

المصدر:

1- جيل دولوز، التجريبية والذاتية، بحث في الطبيعة البشرية عند هيوم، ترجمة أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع، مجد، بيروت، طبعة أولى، 1999، ص12.

Bolduc Charles ,le rôle de l’expérience dans la pratique philosophique de Gilles Deleuze, université Laval, 2013 ,

3- جيل دولوز، التجريبية والذاتية، بحث في الطبيعة البشرية عند هيوم، مصدر مذكور، ص98.

 

صالح الرزوقروشيل ليلى تيرمان*

ترجمة: صالح الرزوق


انفجرت البحوث المتعلقة بالمرأة والجنس في العالم الإسلامي في العقود القليلة الماضية. فالمجال متعدد التخصصات إلى حد كبير، ويغطيه بشكل أساسي علماء الأنثروبولوجيا والمؤرخون والدراسات التطبيقية المحلية. ولكن، على الرغم من تنوع المناهج والموضوعات، هناك أرض مشتركة بينها: وهي  نقد الاستشراق وزعزعة تصويره لفكرة المرأة المسلمة المستضعفة. وقد حفز هذا الاتجاه مجموعة كبيرة من المنح الدراسية التي ركزت على نظريات جديدة، منها:

-  نظرية الاختلاف والتحول في المجتمعات الإسلامية،

- اكتشاف المؤسسة النسائية بفضاء نشاطها الواسع،

- متابعة الآليات العابرة للحدود الوطنية والتي أعادت تشكيل علاقات الجنوسة في العالم الإسلامي. 

ولحينه لم ترفد هذه المحاور أية مقاربة سياسية. ويمكن القول إن البحوث السياسية المقارنة عن الجنوسة في الإسلام قليلة، مما يعكس إهمالاً عميقا  للموضوع. كما أن البحوث المنشورة في مجلات العلوم السياسية بعيدة كل البعد عن الاستشراق. وهذا أمر مؤسف لأنه، كما سأبين لاحقا، يقود للتعامل مع الأدبيات النقدية من جهتين متعارضتين: فهو يزيد من أهمية المقارنات، ويصيبها بالإحباط أيضا. إن بحوث المقارنة مؤهلة بشكل فريد لتفسير الجنوسة وفهمها  من منظور إسلامي وبطرق  فشلت في التوصل إليها بقية المدارس. عموما فيما يلي مراجعة غير شاملة للأدبيات التي تناولت المرأة في العالم الإسلامي،  لاستكمال البحوث السابقة التي غطت مساحات لا بأس بها من نفس الموضوع.  وسأركز على جانب واحد وهو نقد الاستشراق - ما أشير إليه باسم "الأدبيات النقدية" - والطرق التي يمكن للمقارنة أن تستفيد بها من هذه الروح النقدية بشكل مثمر أثناء البحث التطبيقي. وأولاً سأشرح ما الذي دفع العلماء إلى تحدي مفهوم الجنوسة والمرأة في الاستشراق الإسلامي. ثم سأتابع مع ثلاث مقاربات نظرية نابعة من هذا النقد، وأناقش أهميتها في المقارنة. وسأنتهي  إلى متابعة بعض القيود التي تحد من  فعالية أساليب نقد الجنوسة في سياقها الإسلامي، وكيف يمكن للمقارنات أن تساهم في هذا المجال و تقدم لنا حلولا عملية.

أولاً - تحدي الاستشراق وإرثه

يؤسس نقد الاستشراق وما خلفه لنا من أدبيات مقاربة متعددة الزوايا لمشكلة المرأة والجنوسة في الإسلام. لكن يربط معظم الناس مصطلح الاستشراق بإدوارد سعيد، الذي استخدمه في الأوساط العلمية والثقافية والسياسية في أوروبا كي يصف التمثيلات التاريخية لـ "الشرق" (الذي يتضمن كل الشرق الأوسط وما بعده من بلدان إسلامية) . وكانت هذه التمثيلات ترتكز على فئات أساسية وثنائية تفصل "الغرب" (الحديث، العقلاني، التحرري) عن "الشرق" (التقليدي، غير العقلاني، القمعي). وهكذا، لم يقتصر الاستشراق على تنظيم المعرفة عن الشرق الأوسط، بل قام أيضاً ببناء "الغرب" باعتباره متفوقاً في الثقافة والسياسة، مما أضفى شرعية على الهيمنة الأوروبية. وفي حين أن الاستشراق لم يكرس همه للتفكير بالجنوسة، لكنه تابع الأبعاد الجنسانية للخطاب الاستشراقي (أبولغد 2001؛  يغنوغلو، 1998). وهناك مقولة يتداولها المفكرون ومفادها: أن  مفتاح التفكير الاستشراقي هو في وضع المرأة المسلمة المستلبة والمقهورة،  والتي تخضع لحضارة أبوية عريقة. ويشير قدر كبير من البحوث التاريخية إلى مركزية الجنوسة في المشروع الاستعماري، فقد استُخدم اضطهاد المرأة لتبرير الاستعمار وإضفاء الشرعية عليه  (أحمد،  1992 Alloula, 1986; Chaterjee, 1989; الأزرق 1994).  ومن الأهمية بمكان أن يُنظر إلى إخضاع المرأة على أنه مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمراض الأخرى التي تعاني منها المنطقة، بما في ذلك التخلف الاقتصادي، والخلل السياسي، والتخلف الثقافي. وقد تضاعف الاهتمام بالجنوسة الشرقية  بعد 11 سبتمبر، عندما لاحظ العلماء منطقًا مماثلا يتم إعادة تمثيله في الحرب على الإرهاب. وقد أظهرت الحاجة المزعومة إلى "إنقاذ" النساء الأفغانيات والعراقيات بالتدخل العسكري حجم التفكير الاستشراقي في مجال السياسة. وحتى مع تضاؤل الحماس الشعبي لهذه الحروب، لا يزال الخطاب العام بما يتعلق بالإسلاميات مع فكرة أن المرأة المسلمة مضطهدة وأن الذكور متحيزون ضدها. ومرد ذلك (وفق تعويم هذا الخطاب) إلى الطبيعة الأصولية والبطريركية للإسلام.  وكثيراً ما يتم تسويق هذه الأفكار جنباً إلى جنب مع ارتفاع منسوب الإسلاموفوبيا، ودعم السياسات التي تحاصر المسلمين في الداخل والخارج (وهو موضوع دراستي القادمة). وبقدر ما أصبح الاستشراق الجنساني خطيراً بشكل خاص في السنوات الأخيرة، فإن الحاجة إلى تحديه أصبحت ضرورة ملحة ودائمة. وفي محاولة لزعزعة القوالب النمطية للاستشراق، ظهرت مؤلفات مستفيضة عن الجنوسة والمرأة المسلمة. ومعظمها يتحدى الافتراض السائد: أن الإسلام هو السبب الحقيقي في قهر المرأة. ولذلك هي تحاول  اكتشاف الحقائق المعقدة التي تتحكم بالعلاقات بين الجنسين في الإسلام. وقد أسفرت هذه الجهود عن عدد من الاتجاهات وسأركز على ثلاث منها:

1-  التنوع في  تفسير التقاليد الإسلامية، و2- اكتشاف مؤسسة المرأة ووسائطها، و3- تحليل الآليات والظواهر الجيوسياسية العابرة للحدود الوطنية والتي تحدد العلاقات بين الجنسين في العالم الإسلامي.

ثانيا- التنوع في 'الثقافات الإسلامية

تشكّك الأدبيات النقدية بشكل أساسي أن  "الإسلام" أو "الثقافة الإسلامية" عمدا لقمع النساء بشكل متشابه في كل الأطوار وكل الأمكنة. ولهذا الشك عدة مكونات. أولاً، هو يتحدى المنظور غير التاريخي الذي ينظر إلى الإسلام على أنه مجموعة من أوامر قانونية وعقيدية لا تتغير، وتتصف بالجمود مهما تعاقبت الأطوار والمراحل. وقد أعاد بعض المهتمين النظر في تاريخ الحضارة الإسلامية باستعمال عدسة جنسانية، وتتبعوا وضع المرأة واستجابتها لمختلف التطورات في السياسة والمجتمع. وبالمثل، شكك الكثيرون في أن "الثقافة الإسلامية/ المسلمين" كيان متجانس أو فريد، نظراً للكم المذهل من التنوع الذي تمثله الجماعات الدينية  والممتدة من أوروبا الشرقية إلى الجنوب الأفريقي إلى الشرق الأقصى. وعلى الرغم من أن هذه الجماعات تشترك  بالكتب المقدسة، فإن تفسير التعاليم والممارسات الإسلامية – بما في ذلك تلك التي تحكم العلاقات بين الجنسين – تختلف بشكل كبير من جماعة لجماعة. وبالتأكيد على هذه الظواهر المعقدة والمتنوعة والمتغيرة، تحاول الأدبيات النقدية تحدي أساسيات أو مرتكزات التفكير الاستشراقي، وأي نموذج يرى الدين منفصلا عن السياسة أو الاقتصاد أو المجتمع. وتثير هذه الانتقادات أسئلة شائكة للمهتمين بدراسات الجنوسة المقارنة. وغني عن القول أن الفكر السياسي يتهم الإسلام بارتكاب جناية ضد المرأة، ويصر أن هذا الدين سبب جذري في القهر الذي تشكو منه. ولهذه الدراسات جذور عميقة تربطها مع فلسفة الحداثة و/أو "صراع الحضارات".  فهي تلوم النظام الأبوي على تطويع المرأة، وتعتقد  أن النساء أنفسهن نتاج ثقافة وتربية  أبوية و/أو دينية منتشرة في المجتمع الإسلامي (فش، 2002، 2011؛ إنغلهارت ونوريس، 2003أ).

 ويلخص إنغلهارت ونوريس هذه المشكلة بقولهما: "إن التراث الديني الإسلامي هو أحد أقوى الحواجز أمام المد المتصاعد للمساواة بين الجنسين" (إنغلهارت ونوريس، 2003ب، 49). ولكن برأيي إن اضطهاد المرأة المسلمة تعرض للنقد والتفكيك من داخل نظام الفكر الإسلامي، وباتباع مشاهدات عملية. ولدينا ملاحظات تؤكد أن العرب “معروفين بالتبخيس من قدر المرأة” أكثر من بقية المسلمين غير العرب (دونو وروسيت، 2004؛ 2004، ريزو وعبد اللطيف وماير، 2007). وهذا لا يلغي وجود توافق على أن التقاليد الثقافية والدينية تضر بالمساواة بين الجنسين، وأن الحداثة تحسن من حياة المرأة بواسطة العلمانية والعولمة والتنمية الاقتصادية - مع تراجع في مقدار التزمت الديني (ألكسندر وويلزيل 2011؛  بيث وكريستيا وإنيكولوبوف، 2013). وفي كل هذه الدراسات كان يتم النظر للإسلام على أنه محكوم بمنطق ثقافي ينشط في كل "المجتمعات الإسلامية": ويتصف أنه  مستقر وسائد، ويعادي الحداثة، ويتصف بطبيعة أبوية. وقد يكون جزء من المشكلة في المنهج التجريبي المتبع، الذي يدعو إلى دراسة العلاقة المتبلادلة بين الإسلام من طرف والمساواة بين الجنسين (والديمقراطية أو التنمية) من طرف آخر، هو اتباع أساليب غير مخصصة وطنيا (بمعنى أنها تلغي قيمة الحدود الوطنية وتقفز من فوقها). وعلى الرغم من اختلاف العلماء حول دقة هذه العلاقات التجريبية، هناك ميول تختزل الإسلام في متغير متبدل  أو مستمر يفترض أنه يتسبب بآثار موحدة، بدلاً من متابعة الاختلاف الداخلي الذي تنتجه المؤسسات الإسلامية وأساليبها. وبالمثل، فإن "حقوق المرأة" أو "المساواة بين الجنسين" يتم العمل عليها ومتابعتها بشكل عام من خلال سلسلة من المؤشرات القابلة للتبادل تقريبا، مما يحجب رؤيتنا لتأثير مؤسسات معينة تحرك مختلف جوانب حياة المرأة. فعلى سبيل المثال، لا يكون محو الأمية بالضرورة متقاطعا مع مشاركتها في قوة العمل أو موقفها من المساواة، وهذه الظواهر ليست مرادفة لـ "الحقوق" أو "التمكين".

إن مدى ترابط المؤشرات المختلفة،  في الأساس، مسألة إمبريقية، وهو ما يتم إهماله كثيراً في النموذج. والإجراء الأكثر شيوعاً هو اختصار مختلف جوانب وضع المرأة ضمن عنوان ضيق ينظر لواحد من اثنين: "القمع" أو "التمكين".

وقد حاول بعض علماء السياسة تجاوز النظرة الضيقة للإسلام من خلال الإشارة إلى أن العوامل الاقتصادية والبنيوية، وليس الدين والثقافة، هي المسؤولة عن تبعية المرأة. على سبيل المثال يقدم مايكل روس دليلاً دامغاً على أن نظام إنتاج النفط ــ وليس الإسلام ــ  يشجع على عدم المساواة بين الجنسين، أولاً في المجال الاقتصادي ثم في المجالات الاجتماعية والسياسية (روس، 2008). ولكن في حين أن مثل هذه النتائج تسهم بحل جزء مهم من اللغز، إلا أنه سيكون مؤسفا أن تمضي قدماً كما لو كانت الثقافة والدين غير ذات صلة بالعلاقات بين الجنسين في البلدان المسلمة (أو في أي مكان آخر). والأهم من ذلك، أن الانقسام الصارم بين التفسيرات "الثقافية/الدينية" و"الاقتصادية/البنيوية" يحجب حقيقة أن المؤسسات الدينية والمواقف الثقافية والضغوط الاجتماعية والاقتصادية تتقاطع وتحدد بعضها بعضا.

وربما يفيدنا هنا دراسة مؤسسات إسلامية معينة كمتغيرات وسيطة، تشكلها سيرورة السياسة والاقتصاد، وفي الوقت نفسه تؤثر على العلاقات بين الجنسين في مجتمع معين. وهكذا يمكن للباحثين أن يبنوا على رؤى مستمدة من دراسات محلية ومن علم الاجتماع لتفسير الأساليب التي كانت بها حقوق المرأة متشابكة تاريخياً مع الصراعات السياسية المحلية. على سبيل المثال، يمكن أن نبحث مستقبلا عن الطرق التي يتم بها التفاوض على السياسات الجنسانية في البلدان ذات الأغلبية المسلمة وذلك خلال نزاعات النخبة وبناء التحالفات. كيف تصبح القضايا الجنسانية مسيسة وإلى أي مدى يتم تسييسها بشكل مختلف عبر البلدان؟. وكيف تؤثر إدارة الدولة على المكونات الدينية وتتعاون معها لتطوير قانون الأحوال الشخصية أو المؤسسات الأخرى التي تؤثر على حياة المرأة؟. تبدأ هذه الأسئلة من الافتراض المسبق بأن "الإسلام" تحدده، جزئياً على الأقل، العمليات السياسية التي تختلف عبر الزمان والمكان. وهكذا  في حين أن البعض قد يرى في التنوع الإسلامي الهائل ما يحبط توحيد الأساليب، أرى أنه فرصة للمقارنة ومتابعة الاختلافات.

 ثالثاً - بالإضافة إلى التأكيد على تنوع الإسلام، تحدّت الأدبيات النقدية الصورة النمطية للمرأة المسلمة وأنها ضحية سلبية، وأكدت على دورها السياسي المؤثر.  وتغطي البحوث المتعلقة بالمؤسسة النسائية نطاقا واسعا من المشاهدات،  ابتداء من مغامراتها الإبداعية في الفن والأدب،  إلى إدارتها  البراغماتية للأسرة والمجتمع. وهنا أود تسليط الضوء على النشاط السياسي للمرأة، وخاصة مشاركتها في الأطر والمؤسسات الدينية.

هناك اتجاه يحاول استعادة الحركة النسوية من داخل التقاليد الإسلامية،  ويرفض الرأي القائل بأن الإسلام هو في الأساس بطريركي، أو أن حقوق المرأة أو الحركة النسائية فيه تحكمها مفاهيم مستوردة من الغرب. وبدلاً من ذلك، يستلهم النصوص الإسلامية المقدسة والفقه الليبرالي والأحداث التاريخية السابقة وينظر لها  كدليل على أن الحركة النسوية تتعايش مع الإسلام، بل إن الإسلام (يفوضها هذه المهمة ويرى أنها أمانة بين يديها).  (أحمد، 1992؛ بارلاس، 2002؛ وإدوارد، 1999). ومن خلال المطالبة بحقوق المرأة، في إطار ديني، يوفر هذا المنظور الأساس لحركة اجتماعية وأكاديمية تعرف باسم "النسوية الإسلامية" أو "الاتجاه الإسلامي في تفسير المرأة".  وقد ازدهرت هذه الحركة في أجزاء كثيرة من العالم (بدران، 2013؛ مير حسيني،  2006. مقدم 2002). وهناك مجموعة أخرى من البحوث التي تتابع مسألة المرأة في سياق الحركات الدين - سياسية (أبولغد، 2013، براك، 2008؛ محمود، 2011؛ شيتريت، 2015). ويركز خطابها على كتلة من الأسئلة: لماذا تشارك المرأة في المنظمات والمؤسسات والهياكل التي يبدو أنها تحد من حريتها ومن تساويها مع الذكور، وما هي عواقب هذه المشاركة؟. وحتى في الساحات التي هي أبوية بحكم تصميمها، وضعت المرأة استراتيجياتها بطرق مبتكرة لتعزيز مصالحها، مما يزعزع في كثير من الأحيان المعايير الجنسانية التقليدية. ففي إيران، على سبيل المثال، كان للحجاب الإلزامي والفصل بين الجنسين الذي فُرض بعد الثورة الإسلامية أثر متناقض في جذب النساء إلى المجال العام. وتلاحظ ذلك بشكل خاص عند النساء التقيات والإسلاميات اللواتي وجدن في هذه الحدود الدينية الصارمة الجديدة فرصة للانضمام إلى الجامعات والقوة العاملة ومؤسسات المجتمع الأخرى.  وعندما اكتسبت المرأة الإسلامية درجة من استقلالية الذات ومنافذ مفتوحة للتحرك، استخدمت سلطتها الجديدة لدفع النظام نحو سياسات تقدمية نسبيا، وحرصت على المساهمة في حركة الإصلاح الشاملة (عفري، 2009؛ و2009. هودفار وساديغي، 2009؛ مير حسيني، 1999). وهكذا، فإن البيئات التي تهدف إلى فرض التسلسل الهرمي للجنسين يمكن أن تكون مصدرا لتمكين المرأة. في حين أن البحث المذكور أعلاه يناقش إلى حد كبير دور المرأة المسلمة في تخريب المعايير الأبوية، فإن بعض البحوث تتحدى هذا الخلط الواضح بين معنى المؤسسة والمقاومة. وتقول سابا محمود في دراستها المؤثرة عن دور المساجد في مصر إن النساء التقيات تعبرن عن الولاء من خلال قبول الأعراف الأبوية، والتآلف معها، وتوطيدها، ومنها الحياء والفصل بين الجنسين (محمود، 2011). وتقول: إن الإخلاص لمثل هذه المعايير لا يمكن أن يُرفض على أساس أنه "وعيً زائفً" أو إيديولوجيا عمياء، بل هو ممارسة عملية تقوم بها المؤسسة الأخلاقية للمرأة. ومن الأمور الشائعة أن تجد أن النساء قد لا ترغبن دائماً في التحرر من القيود الدينية، وفي كثير من الأحيان تتطوعن للعمل في ظل هذه القيود - مهما كانت أبوية - لتعزيز مصالحهن الخاصة وفق رؤيتهن لها. حتى أن كلمة "قيود" قد تكون مضللة، حيث أن البيئات الدينية توفر الموارد والفرص المتاحة في البدائل العلمانية. والواقع أن الحركات السياسية الإسلامية غالباً ما تتفوق على نظيراتها الأكثر ليبرالية وتوفر دعما استثنائيا للمرأة، وتقدم لنا سبباً آخر لإعادة النظر في نظريات التحديث/العلمنة التي تربط الدين باضطهاد المرأة. وليس المقصود تجاهل أو تقليل التفاوت بين الجنسين في العالم الإسلامي. لكن التركيز على إخضاع المرأة يمكن أن يحجب جوانب واقعية أخرى ومدعاة للتفاؤل. وبالإضافة إلى استنتاج نظريات مهمة، تثير المؤلفات التي تناولت مؤسسة المرأة في العالم الإسلامي عدداً من الأسئلة العملية التي تتطلب توظيف الدراسة المقارنة. فعلى سبيل المثال، هناك حاجة إلى إجراء مزيد من البحوث لمعالجة أثر مختلف الاستراتيجيات المستخدمة في الحركات النسائية.

وتصر العديد من الدراسات حول النسوية الإسلامية على أن الخطاب الديني أكثر فعالية من الحجج الليبرالية ، ولكن الأدلة المنهجية التي تؤيد هذا الرأي محدودة. في مثال ممتاز عن المشاركة الكاملة يتناول مسعود وجمال ونوغنت (2016) هذه المسألة بعد إجراء مسح واسع النطاق في مصر. وبنتيجته يظهر أن الإجابات تدعم بالأكثرية إعطاء المرأة دورا سياسيا وقياديا . وينطلقون من القرآن لتبرير رأيهم وليس من مبررات غير دينية،  وبالتالي يقدمون دعما واضحا للنظرية الإسلامية في تأنيث الحياة والمجتمع.  ويلحون أن المستقبل هو الكفيل بإثبات نجاعة تكتيكات وفعالية مختلف المنظمات النسائية في البلدان المسلمة (مقدم وغيتانشي، 2010). وعلى نحو مماثل إن المقارنة بين النشاط العلماني والنشاط الديني قد تقود لنظرة جديدة عن ديناميكية الحركات النسائية، وتحررها من القوالب  النمطية المتعصبة والقمعية  التي يضعها النشاط الديني في طريقها، أو تحررها من النشاط العلماني “الغربي” (وبالتالي غير الأصيل والنظيف).

ويمكننا أيضا أن نتعرف على المزيد عن مشاركة المرأة في الحركات الدينية - السياسية الأوسع نطاقا. ويلاحظ العديد من المراقبين وجود زيادة كبيرة في مشاركة المرأة وتمثيلها في الأحزاب السياسية الإسلامية، والتي يصاحبها في بعض الحالات  تحول إيديولوجي نحو مواقف جنسانية أكثر تقدمية داخل هذه الأحزاب. ويُنسب العمل المقارن الأخير إلى المناورة الاستراتيجية والتعبئة التي قامت بها المرأة من أجل زيادة حصتها في القيادة داخل المجتمعات المسلمة (Arat, 2012; كلارك وشفدلر، 2003؛ تاجالي، 2015). ومع ذلك، ليس من الواضح ما هو التأثيرالممكن الذي قد تبدل به النساء من واقع هذه الأحزاب بعد المشاركة فيها. وما هي الظروف التي يمكن أن تضمن للمرأة المسلمة فعليا حقوقها؟. في محاولة للإجابة يجب أن نقاوم أي محاولة لاختزال المشكلة إلى مستوى معركة بين المرأة ونظام الأبوة. وكما ذكرت محمود في دراستها: إن النساء هن الأدوات الوسيطة التي تفرض معايير أبوية.  وأخيرا، لا يُعرف الكثير عن سبب اختيار المرأة لشكل دون سواه من أشكال المشاركة السياسية. وتكشف بعض الدراسات المقارنة عن دور الضغوط والحوافز الاقتصادية - لا سيما التي تحيط بالزواج - والتي تدفع النساء إلى تبني نظم قيم محافظة (بلايدز ولينزر 2008; هودفار، 1997). ويمكن أن يوسع العمل في المستقبل هذا الخط من البحوث والتحقيقات بواسطة دراسة الظروف التي تشكل فيها الطبقة (أو العرق والانتماء الديني، وما إلى ذلك) الهويات السياسية للمرأة.

ثالثا - المنظور الجنساني والإسلام في رؤية عابرة للحدود الوطنية

أخيراً، تبرز الأدبيات النقدية أهمية النظرة الكونية لدراسة الجنوسة في المجتمعات الإسلامية. وقد ذكر إدوارد سعيد إن الاستشراق لم يكن ببساطة مجرد “سوء” تمثيل للـ “شرق” ؛ بل قام بدور نشيط في بناء "الغرب" وتحديد علاقته بأراضي المسلمين. وهذه الارتباطات بدورها تشكل هدف المجتمعات الإسلامية نفسها. والواقع أن عمليات الاستعمار وبناء الدولة عبر الوطنية كان لها آثار عميقة على المجتمع الإسلامي بمختلف نماذجه. وإن ما يسمى بالممارسات "الأصلية" أو "المحلية" كانت نتاج هذه العلاقة مع آليات العمل الكونية العابرة للحدود والهويات. وأحد الآثار المترتبة على ذلك أن فهمنا للجنوسة في المجتمعات الإسلامية غير كامل أساساً، ونحن حتى الآن  نتعامل مع هذه المجتمعات على أنها قائمة بذاتها ومنفصلة بشكل مطلق عن ما هو عابر للحدود الوطنية.

على سبيل المثال، تفترض البحوث الحديثة (الأطروحات المرقونة في جامعات وعمل عليها موفدون) أن قانون الأحوال الشخصية الإسلامي الحديث أو قانون الأسرة له جذور تعود لفترة الحكم الاستعماري، الذي شكل المؤسسات الدينية من أجل تلبية متطلبات الدولة الحديثة التابعة للقالب الأوروبي. وفي مقارنة بين ماليزيا ومصر والهند، تُظهر إيزا حسين كيف تم إنتاج وتقنين قطاع "الشريعة الإسلامية" من خلال سلسلة من اللقاءات بين الحكام الاستعماريين والنخب المحلية، وهي عملية تمركزت حول "الشريعة الإسلامية" في مجال الأسرة والميراث وغيرها من المسائل "الخاصة" (حسين، 2016). ويسلط عمل آخر الضوء على أهمية الحركات القومية، المناهضة للاستعمار، في تشكيل المقاربات الجنسانية المعاصرة. ولأن المرأة كانت محورا هاما في الخطابات والسياسات الاستعمارية، فقد تم استعادتها مرة أخرى في الخطاب المناهض للاستعمار، وأصبحت علامة تدل على الهوية الوطنية. والواقع أن الهيئات النسائية كانت في كثير من الأحيان نقطة صراع سياسي على نطاق أوسع، فضلا عن كونها الحامل لأي نسخة من نسخ الحداثة وتحقيق الأمة وإنجاز شعار السيادة  حسب معايير تلك الآونة (يوفال دايفيس، 1997). في إيران، على سبيل المثال، أدى نزع الحجاب قسريا في فترة الشاه إلى أسطرة العباءة  حتى أصبحت بعد الثورة الإسلامية زيا موحدا يدل بامتياز على معاداة الإمبريالية (نجم آبادي، 1991). وبالمثل، اكتسب الحجاب في الجزائر بعد حملة فرنسا الرامية للتخلص من النقاب أهمية سياسية وأصبح رمزا للمقاومة ضد الاستعمار  (لزرق، 1994).

إن تطور المعايير الجنسانية "الأصيلة" أو "الأصلية" التي تخالف المعايير الغربية لا تزال بصعود مستمر في العصر الراهن، خاصة منذ النهضة الإسلامية التي بدأت في السبعينات والثمانينات. وتكشف السرديات الأخيرة أن المرأة تميل لارتداء الحجاب وللعودة إلى التقوى،  وهذا هو الأسلوب المرغوب والسائد للتأسيس لحداثة بديلة متميزة تختلف عن النماذج العلمانية الغربية (غول، 1996). وهكذا، فإن ما يبدو للوهلة الأولى أنه عودة لكيانات الجنسين بالمعنى التقليدي هو في الواقع نتيجة لعمليات تحديث واضح، وإن لم تكن متوقعة تماما في نظريات الحداثة. وتتمثل الرؤية الرئيسية في أن العلاقات بين الجنسين في المجتمعات الإسلامية لا تتحدد حصراً بعوامل داخلية في تلك المجتمعات،  وأن التأثيرات الخارجية غالباً ما تكون لها عواقب متناقضة وغير مقصودة تؤثر بحياة المرأة. وهكذا، لكي نفهم تماما الممارسات الجنسانية أو دور المؤسسة النسائية، نحتاج إلى جهاز نظري يولي اهتماما وثيقا للاتصالات العابرة للحدود الوطنية. وبالنسبة لعلماء السياسة العاملين في مجال السياسة المقارنة والعلاقات الدولية، تثير هذه الملاحظة أسئلة مثيرة للاهتمام وتتطرق للديناميات الجنسانية المعاصرة في العالم الإسلامي. وهنا سوف أقارب موضوعين فقط.

1- لاحظ العديد من الباحثين أن النقاش حول حقوق المرأة في البلدان العربية يتشكل من خلال معاداة الولايات المتحدة ومعاداة الغرب (بوش وجمال، 2015؛ بوش، 2015؛ ريزو وعبد اللطيف وماير، 2007).  وينظر الكثير من العرب إلى معايير حقوق المرأة على أنها شكل من أشكال الإمبريالية الثقافية، وبالتالي لا بد من مقاومة هذه المعايير لتحقيق السيادة وتماسك الأمة. ولكن هل هذه الملاحظة موجودة في جميع أنحاء العالم الإسلامي؟. وإذا لم يكن الأمر كذلك، فما الذي يفسر الاختلاف في تصور العلاقة بين حقوق المرأة وبين الهيمنة الأمريكية أو الإمبريالية الثقافية؟. قد يكمن أحد الأدلة في بحوث بلايدس ولينزر (2012)، اللذين يؤكدان أن جذور معاداة الولايات المتحدة ناجمة عن التنافس ين الأحزاب الدينية والعلمانية في الشرق الأوسط. وتشير النتائج التي تم التوصل إليها إلى أن معايير حقوق المرأة محملة أيضا بمعاداة الولايات المتحدة، وهذا شرط إيديولوجي مسبق في كل المجتمعات، كما أنه شرط استراتيجي للنخب  التي تراهن على نشر هذه المعتقدات الأيديولوجية لتحقيق مكاسب سياسية. ومع ذلك، من الضروري إجراء المزيد من البحوث لفهم هذه الاستراتيجيات بشكل كامل، ولتفسير طرق انتشار الإيديولوجيات الجنسانية "غير الغربية" أو "المعادية للغرب" والتي تجتاح أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي.

2- نحن بحاجة ماسة إلى فهم أفضل لتأثير التدخل العسكري الأجنبي والحروب المستمرة على حياة المرأة في الشرق الأوسط وأماكن أخرى من العالم. ومن المرجح أن يتحدى الواقع الاستنتاجات المعيارية السهلة. فمن ناحية، ربما تكون السلطة الحاكمة بمساعدة من الغرب قد أتاحت فرصاً جديدة للنساء في التعليم، والقوى العاملة، والقطاع المدني. ومن ناحية أخرى، يتفق علماء السياسة والنقاد على أن المحاولات الغربية لغرس الديمقراطية والحرية في الخارج كثيراً ما تؤدي إلى عواقب غير مقصودة تفضي إلى تفاقم النزعة غير الليبرالية التي كان من المفترض أن تدمرها. وفي مواجهة هذا التعقيد، فإن البحوث المقارنة هي أداة حاسمة لتحديد الأنماط العامة والعلاقات السببية.

خامساً - الاستنتاجات:  ما بعد الاستشراق؟

أن أدعي أن البحوث المقارنة  يمكن أن تتعلم بشكل مثمر من نقد الاستشراق، لا يعني أنني أقول إن الأدبيات الناقدة تخلو من العيوب أو بعض القصور. إن مركزية الاستشراق تفرض عدداً من القيود على هذا المجال، بما في ذلك:

-  خفض قيمة العلاقات الاجتماعية لصالح تحليل التمثيلات.

-  والابتعاد عن المؤسسات الأبوية المحلية التي لا تستمد مغزاها من الصور الغربية.

- والخلط بين إدانة التمييز بين الجنسين في العالم الإسلامي وبين فكرة الاستشراق ( تيرمان، 2016).

في ضوء أوجه القصور هذه، يقدم أتباع الدراسات المقارنة مهارات وأساليب ورؤى فريدة لدراسة الجنوسة وأحوال المرأة المسلمة. والواقع أن الأدبيات النقدية غالباً ما تستخدم مزاعم عملية تستمدها من العمل التطبيقي لا يتم التحقق منها . والأسوأ من ذلك أنه يتم الاعتماد عليها وكأنها عقيدة مقدسة. وينبغي على أتباع البحوث المقارنة أن يتولوا مهمة اختبار مثل هذه الادعاءات ومقارنتها مع البيانات المتاحة، الأمر الذي من شأنه بالتأكيد أن يغني النقاش النظري ويدفعه لتجاوز الركود الذي لحق بنظرية الاستشراق.

وسيستمر الباحثون الذين يقومون بأعمال تجريبية في مواجهة عدد من الصعوبات، ولا سيما الافتقار إلى البيانات المتاحة بالإضافة إلى التحديات المنهجية المحيطة بإجراء الاختبارات. ولكن من خلال إشراك نقد الاستشراق في أساليب عملنا، من المرجح أن يقدم أنصار البحوث المقارنة نظرة أكثر موضوعية تفسر العلاقات بين الجنسين في المجتمعات الإسلامية. وعليه  يجب أن نتجنب الميول للتعميم وافتراض أن جميع النساء لديهن رغبات متماثلة في كل مكان. وفي الوقت نفسه، يجب أن نقاوم إغراء تهميش المرأة المسلمة وكأنها نوع بشري منفصل. وأن نقاوم أيضا الظاهرة التوأم للتهميش، والتي تفترض أن عالم النساء الاجتماعي يتحرك من فوق النظريات الإنسانية العامة التي تحكم مجالات الجنوسة والتسييس. وغني عن الذكر أن أنصار البحوث المقارنة يبنون معارفهم عن الجنوسة في محيطها الإسلامي، ثم يعيدون التفكير بها وتفكيكها في بيئة مغايرة  (لتكن الولايات المتحدة)،  وإلى حد كبير باستعمال رموز سياسية تتطرق  للمعرفة التي نكتسبها عن الجنوسة بسياق إسلامي، ثم يعملون على توظيفها في سياق آخر (وسوف يستخدمونها لإعادة التفكير حول فهمنا للجنوسة في أماكن أخرى بما في ذلك في الولايات المتحدة). وفي إطار الجهود الرامية إلى "تعميم" الجنوسة في العلوم السياسية، لن يكون الهدف الحقيقي هو زيادة كم النشاط المتعلق بدراسة الجنوسة وإنما قدرته على الوصول لزوايا حساسة من هذا الموضوع.

 

............................

* روشيل ليلى تيرمان Rochelle Layla Terman باحثة وأكاديمية أمريكية. تعمل بمرتبة أستاذ مساعد في قسم العلوم السياسية بجامعة شيكاغو.

 

علي رسول الربيعيإشكالية الدين المدني (في الفلسفة الجمهورية الغربية)

ليس فكرة الدين المدني حصرية بالفلسفة الجمهورية، بل هي في الواقع، تمت صياغته ودعمه باشكال مختلفة من وجهات نظر محافظة ورجعية وليبرالية مختلفة. حتى نيتشه اقترح صيغة منه.[1] لم تنته المناقشات حول مضمون ونطاق الدين المدني الى أيأتفاث أو توافق في الآراء. فقد تعامل مفكرون مختلفون، من منظور تجريبي اجتماعي مقارن، مع أصناف أوروبية وآسيوية من الدين المدني تتأرجح بين التعريفات القصوى والحد الأدنى له.[2] ركز روبرت بيلاه بدوره، مثلا، بشكل رئيسي على الحالة الأمريكية، وذهب إلى حد القول بأن " جميع المجتمعات المنظمة سياسياً لديها نوع من الدين المدني".[3] يعتمد تحديد فكرة الدين المدني في الفلسفة السياسية، على المُثل السياسية لكل مدرسة فكرية. يكون الدين مدنيًا من وجهة نظر الجمهورية، عندما يدعم ويغذي الرغبة الجمهورية في: مشاركة المواطنين بحرية جماعية، عدم السيطرة، الفضيلة المدنية، اولسعي وراء الصالح العام، الخ). يحدد نوع الجمهورية والسياق السياسي والديني صياغة نماذج مختلفة من الدين المدني. استلهم المفكرون الجمهوريون من الناحية التاريخية، في التقاليد الغربية، من التجربة السياسية الدينية في اليونان وروما القديمة. وخصوصية هذا السياق أن الديانات اليونانية والرومانية كانت مدنية، بشكل عام .[4] كانت التجربة الدينية التي تركزت على إيمان داخلي وحقيقي بإله واحد متعال كليًا غريبة إلى حد كبير عن الرومان والإغريق. فقد كانت تجربتهم "مدنية وجماعية وعامة" في طبيعتها[5]: وكانت التجربة الدينية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالدستور وإدامة المجتمع السياسي بالإضافة إلى توطيد الروابط بين المواطنين. يشرح الفيلسوف والسياسي البارز شيشيرو تداخل الدين والسياسة في روما الجمهورية قائلاً:

لا شيء أكثر شهرة، من بين العديد من المؤسسات التي أنشأها أسلافنا وأقاموها تحت إلهام الآلهة، من قرارهم بالالتزام الرجال أنفسهم سواء في عبادة الآلهة أو رعاية مصالح الدولة؛ وكانت النتيجة أن أكثر المواطنين اللامعين قد يضمنون التمسك بالدين من خلال الإدارة المناسبة للدولة ودعم الدولة من خلال التفسير الدقيق للدين.[6]

تبدو وجهة نظر شيشرون قديمة بالنسبة للأنسان المعاصر الذي اعتاد على مبادئ الفصل بين الدين والدولة ، وحياد الدولة أزاء الأديان . لكن من المهم أن نأخذ في الاعتبار مدى اختلاف الدين الروماني عن التوحيد المألوف السائد في العالم اليوم. فلنا ان ننظر كيف أدخلت الأديان التوحيدية، ونحن هنا في سياق الغربي تحديدا كيف أدخل التوحيد المسيحي من خلال إعطاء الأولوية للخلاص على الأمور الدنيوية، انقسامًا جذريًا بين الخلق والتعالي، والحكم الذاتي الجماعي والسيادة الإلهية، والتدين الخارجي والإيمان الداخلي. كانت المشكلة السياسية الرئيسية في تاريخ الجمهورية الغربية (وما تزال) ما يلي: هل المسيحية ممكنة كدين مدني؟ اعتمادًا على كيفية تداخل التقاليد المسيحية المختلفة في سياقات مختلفة من الدين والسياسة، والمسائل الأرضية والسماء، تلقى هذا السؤال إجابات مختلفة. هناك طيف من المواقف بين نموذجين متعارضين في الجمهورية الحديثة: النموذج الذي يركز على الدولة ومعادي للمسيحية وهو مستوحى من جان جاك روسو؛ والنموذج الديمقراطي والاجتماعي التعددي المستوحى من الكسيس دي توكفيل.

فبالنسبة الى روسو، أن الجواب على السؤال "هل يمكن للمسيحية أن تدعم الممارسة الجمهورية؟" هو مباشرة وقطعا: لا. جادل روسو، في الفصل الأخير من كتابه: العقد الاجتماعي، بأن المسيحية لا يمكن أن تكون دينًا مدنيًا ، واقترح روسو استبدال "المسيحية - دين العبيد الذي يقوض ممارسة المواطنة النشطة- بدين جديد يعزز الفضيلة والمشاركة السياسية. أدعى أن هذا الدين مستوحى من الدين المدني القديم، وعكست رؤيته في العقد الاجتماعي لاهوتًا سياسيًا يركز على العقائد والعداء تجاه الاختلاف بدلاً من نموذج الدين الروماني واليوناني. لقد تم بالفعل تنفيذ وجهة نظر روسو لدين مدني للدولة خلال الثورة الفرنسية في تجربة غريبة الأطوار. فقد شهدت هذه الدولة تحويل العقل إلى إلًه واصبح روبسبير كاهنها الأعلى. كانت هذه التجربة من أعراض المسار المعقد للجمهورية الفرنسية اللائكية ( العلمانية) وعلاقتها المتناقضة بالكنيسة الكاثوليكية، في كسرها وتقليدها مرة واحدة.[7] وبالتالي، ليس من المستغرب أن تعتبر اللائكية النموذج المركزي ، على الرغم من ادعائه الحياد تجاه الأديان، وشكلاً من أشكال الدين المدني الذي يرفع من صورة المواطنين والدولة التي تتجاوز الخصائص الدينية الثقافية لأعضاء المجتمع السياسي.

وعلى عكس هذا النموذج الذي تقوده الدولة من الدين المدني المعاكس للديانات التاريخية، هناك محاولة للجمع بين الجمهورية الحديثة والمسيحية. تتمثل هذه المحاولة في الرؤية الفدرالية واللامركزية لجمهورية الآباء المؤسسين – في أمريكا- للتوفيق بين الحقوق الطبيعية والله والتنوير والبروتستانتية.[8] يواصل توكفيل هذا الخط من التفكير بأدوات مختلفة. لم يتحدث توكفيل عن الدين المدني الاً أنه قدم رؤية تعبر نموذج، لا يزال مؤثرًا وهو أن: المسيحية تدعم نظامًا للحرية يكرس بشكل أساسي دستور الأخلاق الاجتماعية الديمقراطية. يسلط توكفيل الضوء، في تناقض صارخ مع روسو، على مزايا الفصل بين الدولة الفيدرالية والدي ، بالإضافة إلى مزايا التعددية الدينية والمشاركة في تعزيز الروح المدنية وتخفيف الفردية والمادية. يعتقد توكفيل أن الروح الدينية الأمريكية هي قوة متنوعة وليس مجرد وسيلة وتعددية تعمل على تحريك المجتمع المدني ولها وظيفة أساسية في الديمقراطية: حاجز بين الفرد المستقل وقوة الدولة.

يتعامل توكفيل مع الدين - على عكس الدين الطبيعي - كخير حيوي للمجتمع وللمواطن كإنسان، وليس مشكلة سياسية يجب حلها أو احتواؤها. فالدين أمر حيوي لكل مجتمع سياسي، ولكن بشكل خاص للمجتمع الديمقراطي.[9] ويجب أن يعتبر الدين من مؤسساتهم السياسية"،[10] أيً الأمريكيين. أنه يؤثر على السياسة بشكل غير مباشر من خلال توجيهاته وارشاداته، وهو السبب الأكثر أهمية للحفاظ على جمهورية ديمقراطية في الولايات المتحدة.

لقد فقد النموذج الروسوي للدين المدني للدولة، إلى جانب عداءه تجاه التعددية ، قدرًا كبيرًا من جاذبيته في الفكر السياسي المعاصر. بينما ظل فهم توكفيل التعددي للعلاقات بين الدين والسياسة مؤثرًا لدرجة أن مدارس الفكر المختلفة - الليبرالية أو الجمهورية أو المحافظة - تعتبر توكفيل من تراثها الفكري الخاص.[11] يقترح موريزيو فيرولي لصيغة من الدين المدني أقرب، بعبارات عامة، إلى القطب التوكيفيلي من الطيف. أنه يعود إلى فترة عصر النهضة قبل توكفيل من أجل بناء تفسيره لأهمية الدين بالنسبة للجمهورية. وهذا ما سنتناوله لاحقاً.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

............................

[1] Beiner, R. (2011) Civil Religion. A Dialogue in the History of Political Philosophy.

[2] Markoff, J. and Regan, D. (1981) " The Rise and Fall of Civil Religion: Comparative Perspectives", Sociological Analysis 42(4): 333- 352.

[3] Bellah, R .N . (1974) "American Civil Religion in the 1970s", in Richey, R.E. and Jones, D.G. (eds) American Civil Religion. New York: Harper and Row: 255-272. 257.

[4] Veyne, P. (1988) Did the Greeks Believe in their Myths? An Essay in Constitutive Imagination. Chicago, IL: University of Chicago Press.

Smith, S.D. (2014), The Rise and the Decline of American Religious Freedom, Harvard, MA: Harvard University Press

[5] Smith, D. (2014) "The Buddha and Blasphemy". Available online at http:/ / sec ularbuddhism. org/ 2015/ 01 /27 /the-buddha-and-blasphemy/ (last accessed 11 December 2016).

[6] Smith, D. (2014) "The Buddha and Blasphemy".

[7] Gauchet, M. (1999) The Disenchantment of the World. Princeton, NJ: Princeton University Press.

[8] Owen, J. J. (2014) Making Religion Safe for Democracy: Transformation from Hobbes to Tocqueville. Cambridge, UK: Cambridge University Press.

[9] م،ن، ص 116 .

[10] الكسي دي توكفيل، الديمقراطية في أمريكا، ترجمة أمين مرسي قنديل، القاهرة، عالم الكتب، ط 4 ، 2004

[11] Nisbet, R. (1986) Conservatism: Dream and Rea lity. New Brunswick and London: Transaction Publishers.

 

 

حسن عبود النخيلة إن الفلسفة (الأرسطية) في مهيمناتها البارزة من شأنها أن تمنح توجهاً فكرياً يعطي صورة ملامسة للممارسة الميتامسرحية - فإن ما يلفت الانتباه - هو تلك الحرية الفنية المتمخضة عن النظرية الأرسطية، إذ لم يكن (أرسطو) يشابه (أفلاطون) في ذهابه إلى ربط الصورة الفنية بالمُثل اللامنتمية إلى العالم الأرضي، إن مُثل (أرسطو) هي مُثل ملموسة، وفي متصرف الفنان، إذ أنها  (لا تقع في الماوراء، بل هي موجودة في الواقع)(1) . وتأتي الحرية الفنية المطلقة لدى (أرسطو) حصيلة لثقته بالفنان الإنسان، ومكانته في الحياة التي تجعل منه أعلى مرتبة من المثل نفسها، وهذا ما يتيح إليه إمكانات التصرف في إعادة إنتاج المثل إلى درجة إن يكون كمالها الصوري مقترناً به، وبذلك فهو من ينتشلها من عالم العدم إلى عالم الوجود بخاصة، وان مهمة الفنان عند (أرسطو) وإمكاناته المعرفية تتحدد في عثوره (على الأشكال الدائمة التي تكمن وراء الظواهر المتبدلة للطبيعة)(2). وبالتالي يكون الفنان مبتكراً لمثله، خالقاً لها، لذا، فهو يسبقها بالوجود ولا يتأخر عليها - كما هو لدى أفلاطون – وبذلك يتجاوز (أرسطو) الثنائيـة الأفلاطونية المرتبطة بالإمحاء، والاسترجاع* ويستعيض بدلاً عنها بـثنائية (اللاوجود – الوجود) بوصف أن الفنان لديه خالقاً لمثل جديدة، لم يكن لها وجود سابق، فهي تبقى في حيز اللاوجود بفعل نقص في تركيبتها، وضياعها في سيرورة الواقع اللامتناهية، التي تجعل منها دون ثبات أو استقرار وبلا هوية، هذا ما يجعل (أرسطو يحاكم بقسوة تصور المثل الثابتة والنموذجية، التي لا تأخذ بالاعتبار تنوع الواقع وحركيته)(3).

إن النقطة البارزة التي من الممكن أن تشكل مرتكزاً تفيد منه الممارسة الميتامسرحية على الصعيد التأملي، هو ذلك التمييز بين (المادة) و(الصورة) كما يرصده (برتراند رسل) في فلسفة (أرسطو)، ولعل ما يقرب هذه المسألة بشكل اكبر ما يتمخض عن (النظرية السببية) التي تبحث في العلاقة بين المادة والصورة، فالصورة (لها جانب مادي وجانب صوري . والجانب الثاني ينقسم ثلاثة أقسام، أولها هو الجانب الصوري بالمعنى الدقيق، الذي يمكن أن نسميه التشكيل أو التصميم، والثاني هو الفاعل الذي يحدث التغيير بالفعل، مثلما يؤدي الضغط على زناد البندقية إلى إطلاق الرصاص . أما الثالث فهو الهدف أو الغاية التي يسعى التغيير إلى تحقيقها . هذه الجوانب الثلاثة تسمى الأسباب أو العلل الصورية) (4).

ومن المفيد القول أن الميتامسرح المعاصر يفيد بشكل كبير في صياغة مهيمناته التأملية من العلاقة الجامعة بين (المادة) و(الصورة)، من خلال طرحهما بشكل يكشف عن انفصام هذه العلاقة، وخلق تأملية اشد ما يميزها عنصر الارتياب ألسببي، فما يعمل عليه المسرح المعاصر هو مضاعفة الارتياب بفعل تغييبه لسببية الفعل – فالصورة على المستوى المسرح السريالي او العبثي او اللامعقول تتناقض في جانبيها ألسببي (المادي) و (الصوري)، وفي الوقت عينه فإن حركة الفعل الذي يستثيره تنامي الصورة يتم إغفال مصادره، وعلاوة على ذلك فان السبب الغائي من وراء هذا النمو الصوري لا يُكشف عنه أيضاً . وهكذا يقوم الميتامسرح من اجل لفت الانتباه وشحذ ملكات التأمل بخلخلة العلاقات القائمة بين المادة والصورة - باتخاذ مسار يوظف العلاقات السببية في النظرية (الأرسطية) بما يتقاطع معها، وبذلك لا تلتقي (العلة المادية) مع (العلة الصورية) ولا (العلة الديناميكية) المقترنة بـ - الفعل- مع (العلة الغائية) المرتبطة بـ - الهدف- .

وفي العصور الوسطى وعلى المسار ذاته تتمركز في فلسفة (أفلوطين) أفكار تذهب إلى التأكيد على ثنائية المادة والصورة إذ يرى (أن الأشياء رائعة من خلال احتكاكها بالأفكار . والجمال الذي تستوعبه مشاعرنا هو أحط أنواع الجمال . وكلما تخلصت الروح من الأشياء المادية الدنيوية كلما اقتربت من الرائع. كما أنها تقترب من الجانب الروحي كلما ابتعدت عن الرواسب المادية)(5).

ولذلك يرتهن الجمال عند (أفلوطين) بالتحول من المادي الأدنى، إلى الصوري الأعلى، إذ يتمخض عن الإنتاج الجديد للمادي والارتقاء به - أي خلق صورة له - عوامل فكرية تجذب إليه الانتباه وتعزز من قيمته الجمالية، (فالجميل هو المصور والقبيح هو ما يخلو من الصور المعقولة والبرهان على ذلك أننا لو قارنا بين حجرين أحدهما قد نحت على صورة معينة كأن تكون صورة إله أو إنسان وترك الآخر بغير تشكيل أو صورة معقولة فإننا نلاحظ أن الأول سوف يتفوق على الآخر في القيمة الجمالية)(6).

وفي فلسفة (أفلوطين) هذه، القائمة في حكمها الجمالي على التفريق بين ثنائية المادة والصورة ما يلتقي مع جدلية هذه الثنائية في الممارسة الميتامسرحية .

 

د. حسن عبود النخيلة

...................

الهوامش

(1) مارك جيمينيز، ما الجمالية ، ترجمة: شربل داغر، ط1، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)،ص 243.

(2) بنيامين فارنتن، العلم الاغريقي، ترجمة: احمد شكري سالم، مراجعة: حسين كامل أبو الليف، تقديم: مصطفى لبيب، ج1، ط1، (القاهرة: المركز القومي للترجمة ، 2011)، ص 134.

* يعني الباحث بالإمحاء والاسترجاع: تفسير للنظرية الأفلاطونية التي ترى (ان النفوس كانت توجد قبل الميلاد في عالم آخر، عالم تسكنه الآلهة والمثل، وفي هذا العالم تمت لها معرفة المعاني بالمعاني المجردة (المثل)، ولكنها فقدت هذه المعرفة لحظة الميلاد . ومن ثم فإن عملية استذكار هذه المعرفة، وهي ما نسميه تعلماً، ما هو إلا عملية كشف الغطاء عن معرفتنا السابقة) د. محمد عباس، افلاطون والأسطورة، (بيروت: دارالتنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2008)، ص 89.

(3)، مارك جيمينيز، ما الجمالية؟، ص 244.

(4) برتراند رسل، حكمة الغرب: عرض تاريخي للفلسفة الغربية في اطارها الاجتماعي والسياسي، ترجمة: د. فؤاد زكريا، ج1، ط2، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب، 2009)، ص 55.

(5) اوفسيانيكوف و. ز. سميرنوفا، موجز تاريخ النظريات الجمالية، تعريب: باسم السقا، ط2، (بيروت: دار الفارابي، 1979)،  ص 35.

(6) د. اميرة حلمي، فلسفة الجمال أعلامها ومذاهبها ، ط1، (القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، 1998)، ص 89- 90.

 

 

علي محمد اليوسفتقديم: في مقاربة ليست حرفية لما جاء في مبحث أحد الاكاديميين المتخصصين بفلسفة اللغة ما معناه، أن اللغة كمبحث ميتافيزيقي لم يأت به نيتشة رغم اتهام هيدجر له انه آخرالفلاسفة الميتافيزيقيين، لكن مبحث اللغة تطور بصيغته الميتافيزيقية الحديثة لدى فلاسفة البنيوية يتقدمهم دي سوسير (1857 – 1913) الذي ارسىاه كمفهوم ومبحث فلسفي معه وقبله فريجة، جاكبسون، وفينجشتين، والشكلانيون الروس.

الحقيقة أن اقطاب فلسفة البنيوية بأستثناء كلا من دي سوسير ورولان بارت والى حد ما أورده شتراوس في دراسته تاريخ اثنولوجيا الاقوام البدائية في تعالق تلك المراحل السحيقة ما قبل اللاتاريخ أي التاريخ المفقود الذي لم تكن تمتلكه تلك الاقوام في تلك الازمان السحيقة كتاريخ يعرف التدوين والوقائع والاحداث ورسم الحروف الصوتية اللغوية والكلام التي كانوا يتعاملون به شفاهيا ومن هذا الاستقراء الانثروبولوجي ذهبت البنيوية الى أسبقية الكلام على أختراع الكتابة.

اللغة عند تلك الاقوام كانت لهجات بدائية هي اصوات ايحائية تخاطبية اكثر منها دلالة لغوية تاريخية انثروبولوجية.. وقام شتراوس دراسة بقايا ومخلفات تلك الاصوات في اسقاطها تاريخيا على قبائل معاصرة مقصّية منعزلة عن التقدم التاريخي الحضاري في دراسته لهجات التخاطب الصوتي عندهم. كما درس عادات الزواج والقرابة وتبادل النساء وغيرها، كانت تلك المرحلة اللاتاريخية التي لم تترك من لا تاريخيتها سوى بقايا هياكل عظمية وبعض اللقى الاثرية وبقايا تنقيبات وحفريات... كانت مثار أهتمام فيلسوف البنيوية شتراوس،في دراسته انثروبولوجيا اللغة، ما عدا هذا الاهتمام الذي نعتبره بدئي في دراسة فلسفة اللغة نجد علوم اللسانيات وفلسفة العقل والتحول اللغوي في نظرية المعنى لم تكتمل كفلسفة اولى الا بعد النصف الثاني من القرن العشرين. أي بعد أفول نجم الفلسفة البنيوية الذي رافقه أفول نجم الفلسفة الوجودية مطلع سبعينات القرن العشرين لتنتهي بهما (الوجودية والبنيوية) المرحلة البدئية الاولى من فلسفة اللغة ويقفل تطورعلوم اللسانيات في فلسفة اللغة بأنكفاء البنيوية عنها وأقتصارها على مباحث علمية تاريخية سردية بعيدة عن محورية الاهتمام باللغة وعلومها كفلسفة اولى معاصرة..

هذا الميل نحو انعطاف البنيوية عن مركزية مبحث اللغة واللسانيات الى مباحث فلسفية جديدة، تبلور بالتوازي معه وفي أعقابه ما عرف لاحقا التحول اللغوي والفلسفة الاولى في القرن العشرين فلسفة العقل والوعي وفلسفة اللغة والمعنى.

حين وجدنا الاهتمام البنيوي بالمنحى اللغوي الفلسفي أضحى متراجعا جدا لدى فوكو في الجنسانية والجنون والسلطة والتوسيرفي نقده السردية الماركسية وجان لاكان في نقده علم النفس الفرويدي وغيرهم من فلاسفة البنيوية في تناولهم مباحث فلسفية علمية تراجعت فيها مركزية الدوران حول مبحث اللغة بما هي الفلسفة الاولى في علوم اللسانيات كظاهرة صوتية ترتبط وثيقا بالادب كخاصية نوعية يمتلكها الانسان في تعبيره عن الحياة في ضروب مختلفة من الاجناس الادبية أو الفنية معا.

جرى مع هذا التوازي التزامني الفلسفي في الابتعاد البنيوي عن فلسفة اللغة كفلسفة اولى، ظهور تيارات التفكيكية والتاويلية والتحليليلية وغيرها لتصبح فعلا فلسفة اللغة موضة تاريخ الفلسفة المعاصر بعد مغادرة تاثيرات فلاسفة البنيوية الدخول على مسارات فلسفة اللغة المتطرفة وتصحيحها.

أن من الحقائق التي لا يمكن التنكر لها أن الفلسفة البنيوية ازدهرت مع تنامي بروز ما بعد الحداثة في اسقاطها الانسان والعقل والسرديات الشمولية وتمجيد الذات وأهمالها التام لهذه الاقانيم الفلسفية التي دامت قرونا طويلة مهيمنة على تاريخ الفلسفة وأسقطتها ما بعد الحداثة جميعا من قاموس تاريخ مباحث الفلسفة وازدرتها باعتبارها ثوابت ميتافيزيقية ضللت مباحث الفلسفة قرونا طويلة وهاجمتها بعداء شديد كلا من البنيوية والتفكيكية والتاويلية والعدمية وغيرها من منطلق نظرية المعنى اللغوية.بأن الفلاسفة طيلة قرون طويلة من عمر تاريخ الفلسفة كانوا يناقشون مباحث لا معنى حقيقي لها والسبب الطعن بلغة التعبيراللغوي في مخاتلة  الافصاح تسمية الاشياء بمسمياتها الحقيقية. لذا ذهبوا الى حقيقة وجوب تصحيح مسار الفلسفة الخاطيء أنما يبدأ وينتهي في تصحيح مسار تعبير اللغة في نظرية المعنى قبل كل شيء. ولا يعني أن هذا التوجه كان أمينا صادقا مع نفسه محاولة الوصول لما طرحه تحت ذريعة انقاذ الفلسفة من انحرافاتها التاريخية المزمنة الطويلة.

هل مبحث اللغة ميتافيزيقيا حقا؟

يشير الباحث الاكاديمي اللغوي الذي نناقش افكار دي سوسير كما وردت على لسانه في بحثه المشار له نهاية المقال أنه بالرغم من أن فلاسفة البنيوية وجدوا في طبعات فلسفتهم البنيوية المتعددة المتنوعة أنها حركة علمية وفضاءا أو مناخا جديدا قادهم الى طرح جملة من الموضوعات التي لم يألفها الفكر والبحث الفلسفي، الا أن البنيوية كانت بتوصيف دريدا صيحة موضة ظهرت في ستينات القرن العشرين1 . لتخمد البنيوية بعدها كفلسفة زامنت الوجودية ودفنت الى جوارها، وهذا تجّني غير مسبوق بحق فلاسفة البنيوية الذين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس بضروب فلسفية من مباحث غير مسبوقة تجري مناقشتها وتداولها الى يومنا هذا في ميراث فلسفي غني تركه لنا عمالقة الفلسفة البنيوية رغم التحفظات الوجيهة التي طالتها بالنقد من لدن مدارس فلسفية مناوئة للبنيوية عملوا على أغنائها من حيث لا يعلمون أكثر منه أثارة الاستعداء غير المبرر في محاربتها وتشويه مباحثها الفلسفية.

ونعود ثانية للباحث العربي يمضي متماهيا مع هجوم دريدا على البنيوية الميتافيزيقية لغويا مستعيرا قوله (أعتبر دريدا البنيوية برمتها ضربا جديدا من الميتافيزيقا للعلامات اللغوية التي تقوم على مركزية الصوت ويستند نسقها على أسبقية الكلام على الكتابة، لذا كانت البنيوية محاولة لتكريس العقل الميتافيزيقي من خلال اللغة).2

حسب العبارات السابقة التي أدرجها الباحث على لسان دريدا في محاولته تبرير هجومه على الفلسفة البنيوية وأعتباره اللغة ضربا من ضروب الميتافيزيقا نعقب على وجه التقريب التوضيحي السريع المقتضب بما يلي:

- اللغة ضرب من البحث الانثروبولوجي العلمي وليست مبحثا في الميتافيزيقيا بمعنىاه المفهومي الغائم الغيبي غير المحدد المتواضع عليه اصطلاحيا. اللغة ليست خاصية انسانية أبتدعها الانسان من غير فهمه قيمتها المعرفية بالحياة كي يتغاضى عنها فلاسفة اللغة وعلماء اللسانيات اليوم كونها ميتافيزيقا عقلية لا تصلح مبحثا فلسفيا في وقت فتحت فلسفة اللغة مجالات وفضاءات فلسفية كبيرة رغم انزلاقاتها نحو النسق اللغوي النحوي المقفل على نفسه في تطرّفات فلسفية عديدة تقوم على مبتدأ ومنتهى فهم الانسان وقضاياه المعاصرة ومفتاحها هو حل الغاز ازدواجية اللغة بين المعلن والمخفي في اللغة وليس في أيضاح واقع الحياة كما نجده في التفكيكية حصرا في تغييبها العمد لكل شيء خارج استراتيجية التقويض والهدم داخل نص اللغة وليس خارج معناه في الدلالة الاجتماعية.

أو هل لم يدرك المعنيون أهمية اللغة الوظائفية في تنظيم الحياة ووضع قواعد محكمة لها ،من دونها تصبح اللغة اصوات وعلامات لامعنى لها أو لم تلعب اللغة دورا انثروبولوجيا حضاريا متميزا في تقدم حياة الانسان.؟ ولو كانت اللغة من مفاهيم الميتافيزيقا غير الجديرة بالاهتمام العلمي والانثروبولوجي لما حاول دريدا تتويج تفكيكيته اللقيطة في مركزية الاهتمام الفلسفي باللغة مرددا عبارته لا شيء خارج اللغة.

-  لكل لغة قواعد من النحو والصرف وغيرها بدونها لا تكون اللغة نظام عقلي هادف لمعنى، اللغة ليست اصوات وعلامات وكلمات مجردة كيفما نرصفها عشوائيا مع بعضها تعطينا معنى محددا دلاليا لشيء، ما لم يكن هناك نظام وقواعد داخلية لها تضبطها وتنّظم معانيها في تعبيرها عن مدلولاتها الحياتية. وكل ما هو ميتافيزيقي لا يكون عقليا واقعيا بالحياة حتى بالفهم السطحي الابتذالي لمعنى الواقعية، واللغة أهم موجود واقعي مجتمعي نفسي يدلل على جوهر الانسان كموجود عقلي ناطق منتج، ومن السخف المطالبة باثبات وجوده الطبيعي وهو الجزء المتمايز وجودا عن الطبيعة التي لم يكن لاحد ادراك أهميتها من دون الانسان وكذا الحال مع اللغة خاصية الانسان النوعية المتفردة التي لازمته كوجود وليس ميتافيزيقيا كمفهوم يلازمه خارج صنع الانسان للحياة.فاللغة مبحث قرين دراسة انثروبولجيا الانسان وليست مبحثا تهويميا في عالم الميتافيزيقا في تجريد اللغة كدلالة محايثة لفهم كل شيء في الواقع والخيال المتحقق منجزا ابداعيا.

- اذا كانت اللغة حسب أدانة دريدا مبحثا ميتافيزيقيا جاءت به البنيوية في مراحله الاولى لا أهمية له فأين نضع ميتافيزيقا اللغة التفكيكية التي أبتدعها، وتركها لغة عشوائية في عملية الهدم والتقويض النصي حتى من دون اشارة واحدة تفتح سبل خلاص لا نهائية نفق استراتيجية الهدم والتقويض والاختلاف والارجاء في النص الى ما لانهاية له؟

وأن مطرقة الهدم التفكيكية التي أستعارها دريدا من نيتشة ومن بعده عن غادمير هي المرجعية العقلية الوحيدة التي نأمن بها أعدام كل ماعداها من بنى لغوية معرفية حفاظا على مطرقة الهدم والتقويض كهراوة انسان الكهوف الحجرية التي نظلمه تقديسه لها لانها كانت وسيلة بقاء حياته في الدفاع عن نفسه وليست وسيلة تقويض بقائه..

- اراد دريدا في هجومه اللاذع على البنيوية دونما أعترافه خروجه من تحت معطفها، الاستعانة الضمنية في أعتبار ما بعد الحداثة هي من المرجعيات التي أعتمدتها البنيوية بعدما أستنفدت الحداثة نفسها وأغراضها بالتقدم العلمي والتكنولوجي والعقل الذي الحق الاضرار الكبيرة في المسار الحضاري المعرفي للبشرية بحرب عالميتيين، لذا لماذا لا يستعير دريدا هذا الفهم في مصادرة مرجعية العقل باعتباره من ثوابت الميتافيزيقا التي يتوجب مغادرة الركون لها والتسليم بها. طالما سبقته البنيوية أنكارها العقل والانسان ومنجزات العلم في التكنولوجيا حصرا في تماهيها ما بعد الحداثي.

- العقل تفكير مادي تجريدي غير ميتافيزيقي ميزته توليد اللغة في تمثلاته الواقع صوريا تجريديا، فكيف ينتج ماهو لا ميتافيزيقي(العقل) اللغة حسب معلومات دريدا التي يعامل (اللغة) ميتافيزيقية في حقيقتها على حد طعنه لها في البنيوية وأباحتها لها في التفكيكية !؟

بعبارة توضيحية أكثر هل ينتج عن العقل الذي هو مرجعية ميتافيزيقية حسب دريدا لا قيمة له توليد (اللغة) التي يقيم دريدا فلسفته التفكيكية غير الميتافيزيقية عليها في عبارته لا شيء خارج نص اللغة؟ لتصبح مقولة فهم العالم من حولنا هو فهمنا التعبير اللغوي عنها ومن خلالها ...

أم أن كل ما هو لا ميتافيزيقي(العقل) لا ينتج عنه غير كل ما هو لا ميتافيزيقي  يجانسه بكل الخصائص كحال اللغة كما يرغبه دريدا.؟ ومن هنا تكون اللغة في فلسفة تفكيكية دريدا ميتافيزيقية لا في حقيقتها الماهوية كجوهر انثروبولوجي بل في حقيقتها المراد لها ان تكون تفكيكية فلسفية لا قرار نهائي تتوقف عنده..ويعلم أو لا يعلم دريدا أن تفكيكيته غارقة في تجريد ميتافيزيقي لا معنى له اطلاقا في تحميل اللغة ما ليس بها ولا تحتمله.فاللغة اذا كانت أهم بعد نوعي انساني من ابعاد الوجود، لكنها ليست الوسيلة الوحيدة في فهمنا الحياة التي تستوعب اللغة كخاصية انثروبولوجية مجتمعية واقعية وليست مفهوما تجريديا يسبح في فضاء الميتافيزيقا.

ومن هذا المنطلق وجد دريدا أنكار وجود العقل والانسان والعلم وكل سردية أن تكون مرجعية أحتكام لما تقوم به التفكيكية من هدم وتقويض لا نهائيين داخل النص الذي لا عالم حقيقي خارجه يستحق الاهتمام به.

متناقضات دي سوسير اللغوية

من الحقائق المجمع عليها فلسفيا في علوم اللسانيات وفلسفة العقل واللغة والمعنى، هي أن الفكر واللغة لفظتان متداخلتان للدلالة عن معنى واحد، وهما وجهان لعملة واحدة في التعبير الدارج. بمعنى واضح لا يمكن التفكير من غير لغة، ولا يمكن تعبير الفكر عن شيء من غير تأطير اللغة لذلك التعبير الفكري.

وعلاقة الفكر باللغة هي علاقة الشكل بالمحتوى.عليه نجد دي سوسير يؤكد هذه الحقيقة لكن بمتوالية من التناقضات وردت نقلا على لسان الباحث اللغوي وعلى ذمته في الترجمة (الامينة) للمصدر الاجنبي الذي أعتمده.

يقول دي سوسير (اللغة سابقة على الفكر، بل هي تستوعبه وتحتويه كما يحتوي الكوب الماء، ولا يوجد شيء خارج اللغة، فحقيقة الفكر ليست مادية، وتصوراتنا ومفاهيمنا تكمن في البنية اللغوية ، ويستحيل فصل الصوت عن اللغة، أو فصل الفكر عن الصوت)3

نجمل تعقيبنا النقدي الاولي التوضيحي السريع بالتالي :

1- كما يعّبر دي سوسير أن اللغة تسبق الفكر نقول ولماذا لا يسبق الفكر اللغة طالما هما تعبيران لدلالة واحدة متداخلة لا يمكن الفصل الاعتسافي بينهما في الاسبقية التراتبية الادراكية.؟ ولم يوضح سوسير متى وكيف تكون اللغة سابقة على الفكر؟ كما سنوضحه لاحقا في حال تسليمنا بصحة ما ذهب له سوسير في مقولته اللغة تسبق الفكر. وهل توجد تراتيبية في الاسبقية بين الفكر واللغة وكيف نفهمها؟

2- قول دي سوسير(لا شيء خارج اللغة) مقولة مثالية خاطئة أصبحت فقرة مقدسة في البنيوية والتفكيكية والتحليلية المنطقية الحديثة وجميع التيارات الفلسفية المثالية المتعالقة في التعايش اللغوي المشترك بينهم.، وسنأتي على توضيح ما تحمله العبارة من تناقض. وقول سوسير (حقيقة الفكر ليست مادية) تحمل في أحشائها بطلانها نناقشه لاحقا أيضا.

3- قول دي سوسير (يستحيل فصل الصوت عن اللغة، أو فصل الصوت عن الفكر) هو أفتراض تعبيري مطعون بصوابه الواقعي الحقيقي سلفا، فاذا كان الصوت قرين اللغة فالصوت ليس قرين الفكر، الفكر تعبيره الصوتي هو اللغة المنطوقة وبغير اللغة كأصوات تعبيرية يبقى الفكرالملازم لها حبيس الصمت غير الصائت والمنطوق الذي هو خاصية اللغة وليس خاصية الفكر.

تعقيب ختامي عام

من حيث التعميم المنطلق من حقيقة الفكر هو اللغة تصبح مقارنة التفريق بينهما في الاسبقية الفلسفية غير واردة. اللغة سابقة على الفكر كما اشار له دي سوسير، أذن هما دلالة لمعنى واحد ولا يمكن الفصل بينهما فاللغة شكل والفكر مضمون للتعبير عن شيء واحد كمثل كوب الماء الذي اورده سوسير.

لكن متى يمكن أباحة التفريق بين الفكرواللغة ومقارنة الاسبقية (المشروطة) بينهما؟ هذا التفريق بين الفكر واللغة قد يرد مباحا في حال مقتضيات الدراسات اللغوية الفلسفية، أما التراتيبية بين أسبقية اللغة على الفكر أو بالعكس فنجدها حين تكون اللغة سابقة على الفكر في التعبير لغويا عن مدركات الاشياء في العالم الخارجي خارج الذهن، فهنا يمكن جواز أسبقية اللغة على الفكر كون اللغة هي (شكل) التعبير عن الفكر(المحتوى) المعبّر به لغويا عن الاشياء.

أما أذا أردنا أن يكون الفكر سابقا على اللغة فهذا يتم ويكون في تفكير العقل الصامت داخليا في موضوعات لا يحتاج التعبير عنها خارجيا بلغة قبل تأملها اللغوي التجريدي الصامت بالذهن. الفكر داخل الذهن لا يحتاج لغة تعبيرخارجية بل يحتاج لغة تفكيرتجريدي صورية صامتة داخليا. والصمت لغة صورية في تمثلات الذهن للاشياء من غير التعبير عنها بالكلام أو اللغة المكتوبة. بقي القول أن لغة تفكيرالعقل التجريدي في الصمت الداخلي وفي تعبيرالافصاح اللغوي عن الموجودات الخارجية أو في الكلام، هي لغة تفكيرصورية واحدة للعقل.

وقول دي سوسير (لاشيء خارج اللغة) التي أخذها عنه ميرلوبونتي (لا شيء خارج الكلمات) وأخذها رولان بارت بنيويا (لاشيء خارج النص) ليستنسخها دريدا قوله (لا شيء خارج اللغة ) وهكذا حتى نصل الى فذلكة لغوية لاشيء خارج لا شيء. ولا لغة خارج اللغة وهكذا تحل أمور الحياة باللاشيء.

هذه التنويعات اللغوية في التعبير على فكرة واحدة غير دقيقة ولا صحيحة، فالاشياء والموجودات ومفردات العالم الخارجي هي موجودات مادية توجد بأستقلالية تامة عن أي شكل من اشكال التعبير الادراكي عنها منها أدراك تعبير اللغة، فكما أن وجود الاشياء باستقلالية غير مرتبط بادراكها فهي موجودة سواء أدركناها أو لم ندركها، كذلك يكون شرط وجود الاشياء مستقلة في عالم الاشياء خارجيا ليس مرهونا بتعبير اللغة عنها أو لا تعبيرها عنها. الوجود المادي المستقل للاشياء لا يحدده الادراك العقلي لها من عدم الادراك، كما لا يحدده التعبير اللغوي عنها من عدم التعبير.

نأتي الى قول دي سوسير (اللغة ليست مادية) فاللغة تجريد ذهني تعبّر عن الاشياء المادية مثل نفس تعبيرها عن الاشياء المثالية الخيالية. فموضوع التفكير بالذهن ومنهجيته هو الذي يحدد ماهية اللغة مادية أم لا مادية، واللغة كتجريد تعبيري تعبر عن المادة كصفات مدركة خارجيا لكنها لا تستطيع منح الاشياء ما هياتها المادية، اللغة لا تخلق مادية الاشياء كماهيات في التعبير عنها. لكنها أي اللغة تخلع توصيفات الفكرالمادي على الاشياء تجريديا فقط. واللغة تبقى في جوهرها تجريد تعبيري عن كل الاشياء المادية والخيالية لكنها تعجز منح تلك الاشياء (ماهيتها) المادية عن غير المادية كجواهر وموجودات مستقلة بذاتها لا ترتبط كيفيا  بكيفية تعبير اللغة وطبيعتها التجريدية عنها.

أما قول دي سوسير (يستحيل فصل الصوت عن اللغة) فهو تعبير مزدوج من ناحية حمولة الصح والخطأ فيه. فهو صحيح أذا ما أعتبرنا اللغة هي فكر تعبيري (صوتي) عن مدركات خارجية فيكون الحال معنا، أن الفكر الذي هو لغة تعبيرمدركاته، لا يمكننا أدراكه في عالم الاشياء الخارجية بدون دلالة اللغة الصوتية. ويكون عدم أمكانية فصل الصوت عن اللغة حسب سوسير ليس نابعا من طبيعتها الاجناسية كلغة بل من خاصيتها الوظائفية في التعبير عن الاشياء فهنا نجد أن الصمت الفكري لا يحتاج لغة صوتية في التعبير عنه لأنه ليس بكلام يراد نقله الى متلقي كما هو ليس بكلام لغوي مطلوب أستقباله سماعا خارج تفكير الذهن به.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

...............................

الهوامش: د. احمد عقلة العنزي /مجلة عالم الفكر مج42/البنيوية اللغوية عند دي سوسير / هامش رقم 1 ،2، ص39/ هامش رقم 3 ص50- 51

 

 

زهير الخويلدياستهلال: "كن فيلسوفًا، ولكن في وسط فلسفتك، كن دائمًا إنسانا"

ولد ديفيد هيوم عام 1711 في إدنبره باسكتلندا في عائلة من طبقة النبلاء. درس الحقوق في كلية المدينة، على غرار والده المحامي، الذي توفي بعد ولادته ببضع سنوات. قرأ الشعراء اللاتينيين والفلاسفة اليونانيين، وخاصة الرواقيين والريبيين، والكتاب المعاصرين مثل ديكارت ولوك. كما اكتشف فكر نيوتن في اتصال مع معلميه، وتلاميذ العالم البريطاني العظيم.، مر في سن 23 بأزمة روحية بعد ذلك قرر رفض العمل الذي اختارته له أسرته، وعزم على أن تكريس نفسه بالكامل للفلسفة وبشكل أعم للمعرفة. غادر إلى فرنسا حيث قضى مدة ثلاث سنوات في ريمس ثم في سارث. خلال هذه الفترة من النشاط الفكري المكثف، كتب عمله الأساسي، مقال عن الطبيعة البشرية. لكن قوبلت هذه التحفة الفنية التجريبية البريطانية، التي سيكون لها تأثير عميق على الفلسفة الأنجلوساكسونية، بلامبالاة عامة. قرر هيوم، المتأثر جدًا بهذا الفشل، أن يعبر عن نفسه فقط في مقالات أقصر، وأكثر متعة في القراءة من الكم الهائل من البحوث الذي هو المقال، والذي سينتهي به الأمر إلى رفضه من طرف المجتمع العلمي.

في عام 1739، عاد هيوم إلى اسكتلندا. بدأ في بناء علاقات مع علماء اسكتلنديين آخرين مثل هوتشيسون وسميث من أجل الوضوح العلمي، وقام بنشر ملخص من مقال في الطبيعة البشرية، الجزء الثالث من العمل وملحق. في سن الثلاثين، حقق نجاحًا في نشر مقالاته الأخلاقية والسياسية، التي تتناول مواضيع متنوعة مثل حرية الصحافة، والأحزاب في بريطانيا العظمى، أو العقد الأصلي (الذي تم رفضه باعتباره خيالًا). لكن هذا النجاح الوليد اجتذب أعداء له اذ تعرض لهجوم من قبل بعض المفكرين الذين وجهوا له تهم الإلحاد ونشر الريبية، ورفضوا ترشيحه لمنصب أستاذ في جامعة إدنبرة، على الرغم من التألق.

في عام 1746، غادر اسكتلندا إلى النمسا وإيطاليا: سكرتير الجنرال سانت كلير، وجد وقت فراغ لكتابة عمل جديد، سماه تحقيق في الذهن الإنساني، استأنف فيه المقال، وأعاد تطوير أفكارًا معينة لكنه أثار ردود فعل قليلة. ومع ذلك سيقول كانط عنه، بعد بضعة عقود، أنه "أخرجه من نومه الدغمائي".

في الأربعين، انضم إلى إدنبره ونشر خطاباته السياسية وقد قوبلت ببعض النجاح (على عكس بحثه حول مبادئ الأخلاق، الذي نشره بعد عام) وبدأ في الحصول على سمعة معينة في الأوساط الأكاديمية في بريطانيا العظمى. ثم شرع في مشروع جديد استمر ما يقرب من عشر سنوات، وتمثل في كتابة تاريخ إنجلترا الضخم، الذي جاء في 4 مجلدات، وغطى التسلسل الزمني الممتد من ستيوارت إلى تيودور. ولقد جوبه هذا العمل الضخم بانتقادات من الذين يمتهنون صنعة التاريخ، وهو خيبة أمل أخرى لهيوم.

فكر في التقاعد من الحياة العامة، ولكن تم تعيينه في السفارة الفرنسية في باريس. كانت بداية فترة مبهجة التقى خلالها العديد من مفكري التنوير الفرنسيين. على وجه الخصوص روسو، الذي انتهى به الأمر إلى السقوط، بسبب مزاجه المتقلب. عاد إلى إنجلترا حيث عمل وكيلاً لوزيرة الخارجية لمدة ثلاث سنوات. في عام 1769، عاد إلى إدنبره، حيث تمتع بتقاعد مستحق حتى وفاته عام 1776. وخلال سنواته الأخيرة انهمك في بعض الأعمال التي لن تظهر إلا بعد وفاته، مثل حواراته الشهيرة في الدين الطبيعي. فماهي مرتكزات نظريته الفلسفية؟ ولماذا اقترن اسم التجربية بفلسفته الريبية؟ وهل بقي سجين الفلسفة الأنجليزية أم عرف الكثير من التألق والاشعاع خارجها؟ وما تأثيره على الفكر الفلسفي العالمي؟

1- الانطباعات والأفكار:

"لكي تكون سعيدًا، يجب أن تكون العاطفة سعيدة ومبهجة. النزعة إلى الأمل والفرح ثروة حقيقية. النزعة للخوف والحزن هي فقر حقيقي."

يتم اختزال جميع تصورات العقل البشري إلى نوعين متميزين هما الانطباعات والأفكار. التصورات التي تخترق أكبر قدر من القوة والعنف، يمكن أن نسميها انطباعات ؛ وتحت هذا الاسم، أفهم كل مشاعرنا وعواطفنا وانفعالاتنا، كما تظهر لأول مرة في الذهن. من خلال الأفكار، أعني الصور المحذوفة من الانطباعات في أفكارنا ومنطقنا. على سبيل المثال كل التصورات التي أيقظها هذا العرض التقديمي، باستثناء تلك التي تنشأ عن البصر واللمس والمتعة أو الانزعاج الفوري الذي يمكن أن ينتجه. أعتقد أنه لن يكون من الضروري استخدام كلمات كثيرة لشرح هذا التمييز. سوف يدرك كل منا بسهولة الفرق بين الشعور والتفكير. نظرًا لأنه يبدو أن الحدس البسيط لدينا يسبق الأفكار المقابلة وأن الاستثناءات نادرة جدًا، فإن الطريقة تتطلب، على ما يبدو، أن نفحص انطباعاتنا قبل دراسة أفكارنا. يمكن تقسيم الانطباعات إلى نوعين، انطباعات الإحساس وانطباعات التأمل. ولد الجنس الأول في الأصل في الروح لأسباب غير معروفة. والثاني، إلى حد كبير، مشتق من أفكارنا، بالترتيب التالي: الانطباع الأول يصيب حواسنا ويجعلنا ندرك الحار أو البارد، العطش أو الجوع، المتعة أو الألم، من نوع أو آخر. من هذا الانطباع، يصنع الذهن نسخة تبقى بعد اختفاء الانطباع ؛ هذا ما نسميه فكرة. إن فكرة المتعة أو الألم، عندما تعود إلى الذهن، تنتج انطباعات جديدة عن الرغبة والنفور، والأمل والخوف، والتي يمكننا أن نسميها بشكل صحيح انطباعات التأمل، لأنها تنبع منه. مرة أخرى يتم نسخها عن طريق الذاكرة والخيال، وتصبح أفكارًا، والتي، ربما، بدورها، ستولد انطباعات وأفكارًا أخرى ؛ ومن ثم، فإن انطباعات التأمل ليست فقط قبل الأفكار التي تتوافق معها، بل هي أيضًا لاحقة لانطباعات الإحساس وتستمد منها.1[1]

2- العرف، العادة: مبدأ الفكر:

"يتم تحديد الكلام والألفاظ واللغة من خلال اصطلاح واتفاق بشريين"

لنفترض أن شخصًا، إذا وهب بأقوى كليات العقل والتأمل، قد دخل فجأة إلى هذا العالم ؛ من المؤكد أنه سيلاحظ على التوالي تعاقب الأشياء، حدث بعد حدث آخر ؛ لكنه لن يتمكن من المضي قدمًا واكتشاف شيء آخر. أولاً، لن يكون قادرًا، من خلال المنطق، على الوصول إلى فكرة السبب والنتيجة، بالنسبة للقوى المعينة، التي يتم بها إنجاز جميع العمليات الطبيعية، لا تظهر أبدًا للحواس. ليس من المعقول الاستنتاج، ببساطة لأن حدثًا واحدًا في إحدى الحالات يسبق آخر، وبالتالي، فإن أحدهما هو السبب، والآخر هو الأثر أو النتيجة. يمكن أن يكون اقترانهما تعسفيًا وعرضيًا. قد لا يكون هناك سبب للاستدلال على وجود أحدهما من مظهر الآخر. في كلمة واحدة، مثل هذا الشخص، بدون خبرة أكثر، لا يمكنه أبدًا أن يخمن فيما يتعلق بحقيقة، أو أن يتأكد من شيء يتجاوز ما هو موجود في ذاكرته وتجارب حواسه.

لنفترض مرة أخرى أن هذا الشخص قد اكتسب خبرة أكبر وأنه عاش فترة طويلة بما فيه الكفاية في العالم لملاحظة أن الأشياء أو الأحداث المألوفة مرتبطة ببعضها البعض باستمرار. ما هي عاقبة هذه التجربة؟ إنه يغمر على الفور وجود أحد كائنات من ظهور كائنات اخرى. ومع ذلك، من خلال كل خبرته، لم يكتسب أي فكرة أو معرفة عن القوة السرية التي يتم من خلالها إنتاج أحد الأشياء بواسطة الآخر ؛ وليس من أي عملية تفكير أنه ملتزم برسم هذا الاستدلال. ولكنه يجد نفسه مصمماً على رسمها ؛ وإذا كان مقتنعاً بأن فهمه لم يكن له دور في هذه العملية، فإنه سيواصل مع ذلك نفس مسار التفكير. هناك مبدأ آخر يحدده لتشكيل مثل هذا الاستنتاج. هذا المبدأ هو التعود أو العادة. لأنه في كل مرة يؤدي تكرار فعل معين أو عملية معينة إلى ميل لتجديد نفس الفعل أو نفس العملية، دون أن يتم تحريكه بأي سبب أو عملية للتفاهم، نقول دائمًا أن هذا الإدمان هو تأثير العرف. باستخدام هذه الكلمة، لا ندعي أننا أعطينا السبب النهائي لمثل هذا الميل. نحن فقط نشير إلى مبدأ الطبيعة البشرية المعترف به عالميًا والمعروف جيدًا بآثاره. قد لا نكون قادرين على دفع بحثنا إلى أبعد من ذلك والتظاهر بإعطاء سبب هذا الأمر، ولكن يجب أن نكون راضيين عنه كمبدأ نهائي يمكننا تعيينه لجميع استنتاجاتنا من التجربة.

لذلك فإن العرف هو الدليل العظيم للحياة البشرية. هذا المبدأ وحده هو الذي يجعل التجربة مفيدة لنا، ويجعلنا ننتظر في المستقبل سلسلة من الأحداث المشابهة لتلك التي ظهرت في الماضي. بدون تأثير التعود، سنكون جاهلين تمامًا بكل الأشياء بخلاف ما هو موجود على الفور في الذاكرة وفي الحواس. لذلك يوجد هنا نوع من الانسجام المحدد سلفا بين مسار الطبيعة ومسار أفكارنا. وعلى الرغم من أن القوى التي تحكم هذه الدورة غير معروفة لنا تمامًا، إلا أن أفكارنا ومفاهيمنا قد عملت دائمًا في نفس الاطار الذي عملت فيه أعمال الطبيعة الأخرى. العرف هو مبدأ إجراء هذه المراسلات ... كما علمتنا الطبيعة استخدام أطرافنا دون أن تعلمنا بالعضلات والأعصاب التي يتم تحريكها من خلالها، لذا فقد زرعت فينا غريزة تحمل الفكر إلى الأمام، في دورة تتوافق مع ما حددته بين الأجسام الخارجية، على الرغم من أننا جاهلون بهذه القوى وهذه القوى الذي يعتمد عليها تمامًا المسار المنتظم وتعاقب الأشياء2[2].

3- المتخيل والمعتقد:

" جمال الأشياء موجود في ذهن أولئك الذين يتأملونها"

بعد أن وجدنا، في كثير من الحالات، أن أي نوعين من الأجسام - اللهب والحرارة، والثلج والبرد - تم ربطهما دائمًا معًا، إذا كانت الشعلة أو الثلج تظهر مرة أخرى للحواس، فإن الروح يحملها العرف على انتظار الحرارة أو البرودة، والاعتقاد بوجود مثل هذه النوعية، وسيتم اكتشافها إذا اقتربنا. ينتج الاعتقاد بالضرورة عن حقيقة أن العقل يوضع في مثل هذه الظروف. إنها عملية الذهن، عندما نكون في مثل هذه الحالة، لا مفر منه مثل الشعور بشغف الحب، عندما نتلقى الفوائد، أو الكراهية، عندما نواجه ما يجعلنا نقع في الغلط. كل هذه العمليات هي نوع من الغريزة الطبيعية التي لا يستطيع أي تفكير أو تشغيل للذهن إنتاجها أو منعها. لا شيء أكثر حرية من خيال الإنسان. وعلى الرغم من أنه لا يمكن أن يتجاوز هذا الاحتياطي الأصلي للأفكار الذي توفره الحواس الخارجية والداخلية، إلا أنه يتمتع بسلطة غير محدودة لمزج وتأليف وفصل وتقسيم هذه الأفكار في جميع الأصناف الخيال والرؤية. يمكنها التظاهر بسلسلة من الأحداث، مع كل مظهر الواقع، وتعيين وقت ومكان معين، وتصورها على أنها موجودة، وتصويرها في جميع الظروف التي تنتمي إلى حقيقة تاريخية تؤمن بها ايمانا راسخا. فما الفرق بين هذا الخيال والاعتقاد حسب هيوم؟ والحق أنه لا يمكن العثور على الفرق بين الخيال والاعتقاد ببساطة في فكرة معينة، والتي ستتم إضافتها إلى التصميم بطريقة تتطلب الحصول على موافقتنا، وهي فكرة ستفتقر إليها جميع القصص المعروفة. لأن العقل له سلطة على كل أفكاره، يمكنه أن يضيف طواعية هذه الفكرة الخاصة إلى أي خيال، وبالتالي، يمكنه أن يصدق ما يشاء ؛ على عكس ما نجده من التجربة اليومية. يمكننا، في تمثيلنا، أن نوحّد رأس رجل وجسم حصان، لكن ليس في وسعنا الاعتقاد بأن مثل هذا الحيوان كان موجودًا في الواقع. ويترتب على ذلك أن الفرق بين الخيال والاعتقاد موجود في بعض المشاعر، في بعض الإحساس الذي يضاف إلى الأخير، وليس إلى الأول، الذي لا يعتمد على الإرادة، والذي لا يمكن أمره بكل سرور. هذا الشعور، مثل كل الآخرين، يجب أن يتحرك بطبيعته، ويجب أن ينشأ من الموقف الخاص الذي يوضع فيه العقل في كل ظرف معين. إذا حاولنا تحديد هذا الشعور، فقد نجد أنها مهمة صعبة للغاية، إن لم تكن مستحيلة؛ بنفس الطريقة كما لو كنا نحاول تحديد الشعور بالبرد أو شغف الغضب تجاه مخلوق لم يكن ليختبر هذه المشاعر. الاعتقاد هو الاسم الحقيقي والصحيح لهذا الإحساس، ولا يشعر أي شخص بالحرج من معرفة معنى هذا المصطلح، لأن الجميع يدركون باستمرار الشعور الذي يمثله هذا المصطلح. [...] الاعتقاد هو تصور لشيء أكثر حيوية وأكثر قوة وأكثر صلابة من ذلك الذي لا يمكن للخيال وحده الوصول إليه.3[3]

4- الأفكار المجردة غير موجودة:

""في الطبيعة، الإنسان هو الحيوان الأكثر فقرا: التنظيم الاجتماعي الوحيد هو الذي يسمح له بالبقاء."

إنه مبدأ مقبول عمومًا في الفلسفة أن كل شيء في الطبيعة هو فرد، وأنه من العبث تمامًا أن نفترض أن مثلثًا موجودًا بالفعل له جوانب وزوايا دون أي أبعاد دقيقة. إذا كان هذا أمرًا سخيفًا في الواقع، فيجب أيضًا أن يكون سخيفا في الفكرة، حيث لا شيء يمكننا من تكوين فكرة واضحة ومميزة عن أمر سخيف ومستحيل. لكن تشكيل فكرة شيء ما وببساطة تكوين فكرة هو نفس الشيء، إشارة الفكرة إلى شيء ما هو مجرد واقعة خارجية، والتي لا تحمل أي علامة في حد ذاتها. بما أنه من المستحيل تكوين فكرة عن شيء له كمية ونوعية، ومع ذلك، ليس له أي درجة دقيقة، فإنه يستتبع أنه من المستحيل أيضًا تكوين فكرة غير محدودة في هاتين النقطتين. وبالتالي فإن الأفكار المجردة هي في حد ذاتها فردية، على الرغم من أنها قد تصبح عامة في ما تمثله. الصورة في العقل هي فقط صورة كائن معين، على الرغم من أن تطبيقها في منطقنا هو نفسه كما لو كان عالميًا4[4]. إن الامتداد غير الملموس أو غير المرئي لا يمكن تصوره، كما أن الامتداد الملموس والمرئي، الذي ليس صلبًا ولا طريًا، ولا أسود ولا أبيض، هو أيضًا خارج نطاق التصور البشري. يحاول المرء أن يتصور مثلثًا بشكل عام، وهو ليس متساوي الساقين أو متدرجًا، ليس له طول أو نسبة معينة من الجوانب، وسرعان ما يدرك المرء سخافة جميع المفاهيم التي درسها حول مسألة التجريد والأفكار العامة5[5]. فماهو نطاق ريبية هيوم؟

5- شكوك ريبية حول عمليات الذهن:

"الإنسان كائن معقول ؛ وعلى هذا النحو، فإنه يتلقى من علمه غذائه وطعامه، ولكن حدود الذهن الإنساني مشددة للغاية بحيث يمكن للمرء أن يأمل في هذه النقطة أن القليل من الرضا عن امتداد وأمن مقتنياته"

من الطبيعي أن تنقسم جميع عناصر العقل البشري إلى نوعين، هما علاقات الأفكار وحقائق الوقائع. من النوع الأول هي علوم الهندسة والجبر والحساب، وبكلمة واحدة، أي بيان مؤكد أو بديهي. "مربع الوتر يساوي مربع الجانبين" هو اقتراح يحدد العلاقة بين هذه الأشكال. تشير عبارة "ثلاث ضربات خمسة تساوي نصف الثلاثين" إلى علاقة بين هذه الأرقام. يتم اكتشاف مقترحات من هذا النوع من خلال مجرد نشاط العقل، بغض النظر عن كل شيء موجود في الكون. حتى لو لم تكن هناك دائرة أو مثلث في الطبيعة، فإن الحقائق التي أظهرها إقليدس ستحتفظ دائمًا بيقينها وأدلتها. إن الأشياء الواقعية، التي هي الأشياء الثانية للعقل البشري، غير معروفة بنفس الطريقة. إن الأدلة التي لدينا عن حقيقتها، مهما كانت كبيرة، ليست من نفس طبيعتها السابقة. عكس الشيء في الواقع لا يزال ممكناً، لأنه لا ينطوي أبداً على تناقض وقد صممه العقل بنفس السهولة والوضوح كما لو كان يتوافق مع الواقع. إن "الشمس لن تشرق غدًا" ليست مقترحًا أقل وضوحًا، وهو ينطوي على تناقض أكثر من التأكيد على "أنها ستشرق". لذلك، سنحاول عبثًا أن نثبت زيفها. إذا كان خاطئا بشكل واضح، فهذا يعني تناقضًا ولا يمكن للعقل أن يتصورها بوضوح. نتخيل أنه لو تم وضعنا فجأة في هذا العالم، يمكننا أن نستنتج على الفور أن كرة البلياردو توصل الحركة إلى أخرى بصدمة، وأننا لن نحتاج إلى انتظار حدث للحكم عليه على وجه اليقين. هذه هي إمبراطورية العادة، حيث تكون أقوى، لا تخفي جهلنا الطبيعي فحسب، بل تخفي نفسها أيضًا، ويبدو أنها لا تلعب أي دور، ببساطة لأنها لوحظت على أعلى درجة. ولكن لإقناعنا بأن جميع قوانين الطبيعة، وجميع عمليات الأجسام، دون استثناء، لا تُعرف إلا بالخبرة، فقد تكون الأفكار التالية كافية. إذا تم تقديم شيء ما إلينا، وإذا كان علينا أن نقرر التأثيرات الناتجة عنها، دون استشارة الملاحظات السابقة، بأي طريقة سيتعين على العقل المضي في تنفيذ هذه العملية وأن يخترع أو يتخيل حدثًا سيعتبره تأثير الشيء، ومن الواضح أن هذا الاختراع سيكون تعسفيًا تمامًا. من المستحيل على العقل أن يكتشف، حتى من خلال البحث والفحص الأكثر صرامة، تأثير السبب المفترض ؛ لأن الأثر مختلف تمامًا عن السبب، وبالتالي لا يمكن اكتشافه أبدًا فيه. تختلف حركة كرة البلياردو الثانية تمامًا عن حركة الكرة الأولى، ولا يوجد شيء في واحدة تقترح أصغر تفسير للكرة الأخرى. يسقط حجر أو عملة معدنية في الهواء بدون دعامة على الفور. ولكن لاعتبار المشكلة بديهية، هل هناك شيء نكتشفه في هذه الحالة يمكن أن يولد فكرة الحركة الصاعدة بدلاً من فكرة الحركة الهابطة، أو فكرة أي حركة أخرى في الحجر أو المعدن؟

ومثلما كان الخيال أو الاختراع الأول لتأثير معين، في الظواهر الطبيعية، تعسفيًا إذا لم نستشر الخبرة، يجب علينا أيضًا اعتبار الارتباط المفترض الذي يربط السبب والأثر والذي يجعل من المستحيل أن ينتج تأثير آخر من عمل هذا السبب. عندما أرى، على سبيل المثال، كرة بلياردو تتحرك في خط مستقيم نحو كرة أخرى، حتى مع افتراض أن حركة الكرة الثانية تتبادر إلى الذهن عن طريق الصدفة، نتيجة لاتصالهم أو اندفاعهم، ألا يمكنني أن أتخيل أن مائة حدث مختلف قد يتبع هذا السبب؟ ألا يمكن أن تبقى هاتان الكرتان في حالة راحة مطلقة؟ ألا يمكن أن تعود الكرة الأولى في خط مستقيم أو ترتد في اتجاه آخر، وفقًا لمسار مختلف؟ هذه الافتراضات متسقة ويمكن تصورها. لماذا إذن نعطي الأفضلية، التي ليست أكثر تماسكًا ويمكن تصورها من غيرها؟ لن تتمكن جميع أسبابنا المسبقة من إخبارنا أساس هذا التفضيل. في كلمة واحدة، كل تأثير هو حدث مميز عن سببه. لذلك لا يمكن اكتشافه في القضية، ومن التعسفي تمامًا اختراعه أو تصوره من البداية. وحتى بعد اقتراح التأثير علينا، يجب أن يبدو ارتباطه بالسبب تعسفيًا ؛ لأن هناك دائمًا العديد من التأثيرات الأخرى التي يجب أن تبدو منطقية بنفس القدر من التماسك والطبيعية. لذلك، من غير المجدي أن ندعي تحديد حدث واحد، أو استنتاج سبب أو أثر، دون مساعدة من الملاحظة والخبرة. وبالتالي، يمكننا اكتشاف سبب عدم ادعاء أي فيلسوف، على الأقل معقول ومتواضع، بتخصيص السبب النهائي لظاهرة طبيعية، أو إظهار عمل هذه القوة التي تنتج بوضوح تأثير واحد في الكون. نعترف بأن الهدف النهائي لجهود العقل البشري هو تقليل المبادئ التي تنتج الظواهر الطبيعية إلى بساطة أكبر وتقليل التأثيرات الخاصة العديدة الى عدد صغير من الأسباب العامة عن طريق المنطق القائم على القياس والخبرة والملاحظة. لكن أسباب هذه العلل العامة، سنحاول عبثًا اكتشافها ولن نتمكن أبدًا من اليقين بشأن هذا الموضوع من خلال تفسير محدد. لن تنفتح هذه الينابيع وهذه المبادئ الأخيرة أبدًا على الفضول والبحوث البشرية. المرونة، والجاذبية، وتماسك الأجزاء، وتواصل الحركة بالصدمات، هذه هي المبادئ الوحيدة والأسباب النهائية التي لا يمكننا اكتشافها في الطبيعة ؛ ويمكننا أن نعتبر أنفسنا سعداء بما فيه الكفاية إذا استطعنا، من خلال البحث والاستدلال الصارم، تتبع ظاهرة معينة إلى المبادئ العامة، أو على الأقل الاقتراب منها. في هذا النوع من الفلسفة التي تتعامل مع الظواهر الطبيعية، فإن الفلسفة الأكثر مثالية تسترد جهلنا أكثر قليلاً، بينما، في الأنواع التي تسمى الأخلاق أو الميتافيزيقيا، الأكثر مثالية يخدم فقط لاكتشاف أجزاء أكبر من هذا الجهل. وهكذا، فإن ملاحظة العمى البشري والضعف البشري هي نتيجة كل الفلسفة، ونلتقي بها في كل منعطف، على الرغم من محاولاتنا للتهرب منها أو تجنبها6[6]. لكن هل الكون حسب هيوم خاضع للضرورة أم للاتفاق؟

6- الحرية والضرورة:

"العقل هو، ويمكن أن يكون فقط، عبدا للعواطف، ولا يمكن أن يدعي أي دور آخر سوى خدمتها وطاعتها"

إذا كانت الإجراءات التطوعية تخضع لنفس قوانين الضرورة التي تخضع لها عمليات المادة، فهناك سلسلة مستمرة من الأسباب الضرورية والمحددة سلفًا، والتي تمتد من السبب الأصلي إلى جميع الأجزاء الخاصة لجميع المخلوقات البشرية. لا طوارئ، لا مكان في الكون، لا مبالاة، لا حرية. بينما نعمل، نتصرف في نفس الوقت. مؤلف جميع إبداعاتنا هو خالق العالم الذي بدأ الحركة في هذه الآلة الهائلة ووضع جميع الكائنات في هذا الموقف الخاص الذي يجب أن ينتج عنه، بالضرورة حتمية، جميع الأحداث اللاحقة. لذلك، لا يمكن للأفعال البشرية، أو لا يمكن أن يكون لها أي استحقاق أخلاقي، انها قادمة من مثل هذه القضية الصالحة، أو، إذا كانت لا تستحق، يجب أن تشرك خالقنا في الذنب نفسه، لأنه معترف به على أنه السبب الأساسي ومؤلفها. لأنه، تمامًا مثل الشخص، الذي يشعل النار في لغم، هو مسؤول عن جميع العواقب، سواء كان الحبل المستخدم قصيرًا أو طويلًا، بالمثل، أينما تم إصلاح سلسلة مستمرة من الأسباب الضرورية سواء كانت محدودة أو لا نهائية، والتي تنتج الأولى، هي بنفس الطريقة مؤلفة كل شيء آخر، ويجب أن تتحمل اللوم أو تأخذ المديح الذي يأتي منها.

ليس من الممكن أن نشرح بوضوح كيف يمكن أن يكون اللاهوت السبب الوسيط لجميع أفعال البشر، دون أن تكون مؤلفًا للخطية والقاعدة الأخلاقية. هذه ألغاز لا يستطيع العقل الطبيعي معالجتها تقريبًا دون مساعدة ؛ ومهما كان النظام الذي يتبناه، فهو بالضرورة متشابك في صعوبات لا يمكن فصلها، وفي تناقضات، مع كل خطوة تتخذها في مثل هذه المواضيع. التوفيق بين اللامبالاة وحتمية التصرفات البشرية مع المعرفة المسبقة الإلهية، أو التأكيد على المرسوم المطلق لله أثناء تحريره من كونه كاتب الخطيئة، كل هذا، حتى الآن، أثبت أنه يتجاوز كل قوة الفلسفة. يا لها من فرحة، من هناك، أصبحت الأخيرة تدرك جاذبيتها عندما تمسك أنفها في هذه الألغاز السامية، وإذا غادرت مسرحًا مليئًا بالغموض عادت، بتواضع مناسب، إلى حقها، إلى مقاطعتها الخاصة، تفحص الحياة اليومية، مقاطعة ستجد فيها ما يكفي من الصعوبات لتوظيف بحثها، دون الانطلاق في محيط لانهائي من الشك وعدم اليقين والتناقض!7[7] لكن ماهو التأثير الذي حصل للمبادئ العقلية بعد تثمين دور التجربة في المعرفة والوجود؟

خاتمة:

" العرف coutume هو الدليل العظيم للحياة البشرية"

خلاصة القول أن ديفيد هيوم هو الذي حول التجريبية من مجرد نزعة منهجية الة نسق فلسفي ومذهب مستقر، اذ في نظره، تستمد المعرفة البشرية، كليًا، من التجربة الحسية وبذلك ستكون التجربة هي الكلمة الرئيسية لهذا الرقم العظيم في القرن الثامن عشر باللغة الإنجليزية. كل ما يدخل الإدراك هو تصورات، وهذا المصطلح المفتاح الذي يعين به هيوم جميع الأحداث التي تشكل حياة العقل، يمكن تصنيف هذه التصورات نفسها إلى فئتين رئيسيتين:

- الانطباعات: تصورات حية، تدخل فينا بالقوة والعنف (الأحاسيس، العواطف، ...)

- الأفكار التي تمثل، في هيوم، صورًا ضعيفة للانطباعات.

تتبع الانطباعات والأفكار بعضها البعض دون استراحة، في داخلي، وتجمع وتربط، بحكم تشابهها أو تواصلها. كما يتم فهم الحياة الذهنية بأكملها من خلال ارتباط الأفكار، نوعًا من الجاذبية السائدة في عالم العقل: فهي تحدد هذه الخاصية التي تسمى التمثيلات أو الاستحضار أو التدريب بعضهما البعض، دون أي تدخل في الإرادة. كما يتم شرح جميع العمليات العقلية من خلال لعبة ترابط الأفكار. علاوة على ذلك تفقد فكرة السببية، المهمة جدًا للعلم والميتافيزيقيا، قيمتها المنطقية وتتلخص في ارتباط عادي للأفكار.

- إذا قلت أن ارتفاع الضغط الجوي هو سبب هطول الأمطار، فما معنى هذا التصريح؟

- أجمع بين فكرتين على أساس العادة.

- وهكذا، فإن السبب يعين فقط، في هيوم، "سابقة ثابتة"، ثمرة الترابط والعادات.

يجعل هيوم المشككين السبب يختفي، ويُنظر إليه على أنه رابط موضوعي وضروري بالتأثير الذي ينتجه، لاستبداله بفكرة ارتباط ناتج عن العادة، من العادة الهشة. جملة القول أن قراءة هيوم سوف تهز كانط بعمق. منزعجًا من هذه التجريبية المتشككة، سيصوغ كانط طريقة جديدة: أخرجني هيوم من "نومي الدي". هذا سيكون صرخة كانط في مقدمة لكل ميتافيزيقيا مستقبلية التي ترغب في تقديم نفسها كعلم. بدون هيوم، لم يكن من الممكن أن تولد فلسفة نقدية أو فكر تجاوزي للميتافيزيقا في الفلسفة المعاصرة. فماهي المنزلة التي سيمنحها عمونييل كانط للتجربة في فلسفته النقدية؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.............................

الإحالات والهوامش:

[1] Hume, Traité de la nature humaine, Livre I, Partie I, Section I et II, Traduction André Leroy,

Aubier Montaigne © 1946, pp. 65-66, 72.

 [2] Hume, Enquête sur l'entendement humain, Section 5, Traduction Philippe Folliot, UQAC © 2002,

pp. 40-41, 43-44, 49-50.

[3] Hume, Enquête sur l'entendement humain,op.cit , pp. 44-45.

[4]Hume, Traité de la nature humaine, Livre I, Partie I, Section VII, Traduction Philippe Folliot,

UQAC © 2006, p. 31.

[5]Hume, Enquête sur l'entendement humain, Section 12, Partie I, Traduction Philippe Folliot,

UQAC © 2002, p. 124.

 [6] Hume, Enquête sur l'entendement humain, Section 4, Partie I, UQAC © 2002, pp. 28-32.

[7] Hume, Enquête sur l'entendement humain, , Section 8, Partie II, UQAC © 2002, pp. 82, 84 et 85.

 المصادر والمراجع:

Traité de la nature humaine, GF Flammarion, Paris, 1999

Enquête sur l'entendement humain, le Livre de poche, Paris, 2014

Enquête sur les principes de la morale, GF Flammarion, Paris, 2010

Essais moraux, politiques et littéraires et autres essais, PUF, Paris, 2001

Dialogues sur la religion naturelle, Vrin, Paris, 2005

Autres :

Malherbe M., La philosophie empiriste de David Hume, Vrin, Paris, 2002

Saläun F., Hume : L'Identité personnelle, PUF, Paris, 2003

Malherbe M., Qu'est-ce que la causalité ?, Vrin, Paris, 2002

Bouveresse-Quilliot R., L'empirisme anglais, PUF, Paris, 1998

Michaud Y., Hume et la Fin de la philosophie, PUF, Paris, 1999

Gautier C., Hume et les savoirs de l'histoire, Vrin, Paris, 2006

 

.

المشروع التجديدي الأركوني لن تتراءى معالمه إلا إذا تمّ قبول نقد معارف العقل العربي الاسلامي عامة والأصولي على وجه الخصوص، ومنحه الاستقلالية التي تتعالى به عن التقوقع داخل القوالب الموروثة الثبوتية والدغمائية عن طريق الاعتماد على قراءة نقدية،تلك القراءة التي تنقل فعالية العقل من الممارسة الاجترارية للموروث العربي الأصيل وللوافد الغربي الحداثي إلى الفعل الابداعي التجديدي،الذي يخلق صور متغيرة للحقائق والمفاهيم عبر التحوّلات المعرفية والقيمية لثقافة مجتمعية ما. فكيف يمكننا حسب أركون التعامل مع أرثوذوكسية العقل العربي الاسلامي، بشكل يسمح بالحق في الاختلاف والـ "لا حق" في امتلاك الحقيقة واحتكارها؟

بل هل يمكن للعقل العربي الاسلامي التحوّل عن المساحات الفكرية المنغلقة والتحوّل إلى رحابة الفكر المنفتح؟

أركون، نحو عقل استطلاعي:

ولكي يستطيع العقل الاسلامي حلّ مشكلاته المتجددة التي يفرزها واقعه الاجتماعي وطبيعة ذهنيته، لابد من ثورة فكرية، يحرر فيها العقل نفسه من قيود الأحكام القطعية الوثوقية، ويفسح له المجال، أي العقل، في حرية التعامل مع النصوص التراثية بما فيما الدينية باعتبارها مشروعا مفتوحا ومنفتحا لكل قراءة ممكنة، دونما النظر إليها على أنها كتابا موثقا مقفلا بأول حرف فيه إلى آخر حرف.

إن الأنظمة اللاهوتية تستمر في إهمال المقولات الأنثروبولوجية والجانب التاريخي الظرفي من السياقات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي رسخت فيها الحقائق الالهية المعصومة ،المقدسة والعقائدية ومن وجهة النظر هذه يمكن القول إن الأنظمة اللاهوتية تملأ الوظيفة الأيديولوجية نفسها التي يملِها جدار برلين"(1)

إذا أردنا إنتاج حقائق جديدة للتراث، لابد إذن من اعتماد أنسنة هذا الموروث كاستراتيجية قاعدية تعيد الاشتغال على الحقائق المعرفية القديمة وتؤّشكل معطياته باحترام المسافة المعرفية التي تفصل بين تاريخية المنتج الملقى أو المعطى، وبين تاريخية المؤّول المتلقي. ذلك التراث يتميّز كونه متن مرن للأشكلة وخصب في متونه المعرفية والروحية كخطاب ديني على الوجه الخصوص. فلماذا التضييق عليه بوصفه شكلا محددا لا يحتمل إعادة التشّكل؟ ولماذا بناء ذلك الجدار الفاصل بين الحقائق المعرفية التي تنتجها المذاهب الدينية، جدار التجاوز والفصل الذي يحرّم أي إمكانية للتضايف بينها أو التحاور.

" نقول ذلك على الرغم من أنها (الأنظمة الدينية) يمكن أن تزوّد الطوائف الدينية، بل وتزودها فعلا من بعض النواحي بثقافة رمزية مخصّبة ومقوّية ومقتدرة بالطبع. إن الجدران تظل صلبة وقائمة بين الطوائف، على أنها الحجاب الحاجز. لأننا لم نبلور بعد الاستراتيجيات المعرفية المناسبة من أجل هدمها ثم من أجل استكشاف الفضاء الأنثروبولوجي والثقافي والفلسفي الحقيقي. أقصد فضاء التفسير للثقافات والتراثات الذي يفسر لنا الأنظمة الرمزية للتصور سواء أكانت موروثة عن الماضي أم حاضرة أو مستقبلية"(2)

إن إعادة القراءة النقدية يجب أن تحيا براءة الصيرورة، لأن كل قراءة جديدة للتراث ينبغي أن تكون قراءة تأويلية موّلدة لحقائق متعددة، وفاتحة المجال أمام صور الإمكان لا أن نبقى في حالة ذهول وافتتان بالموروث الفكري والعلمي لدرجة اعتباره تراثا مقدسا لذلك "لا يكفي أن نعمل جردا شاملا للتراث، ثم نقف مذهلين ومفتونين أمام غناه. إنه لأكثر حيوية وأهمية، أن نتساءل كيف نقرأه، أو كيف نعيد قراءته؟ إنه من غير الممكن أن نقيم روابط حيّة مع التراث ما لم نتمثل أو نضطلع بمسؤولية الحداثة كاملة"(3)

إن حديث أركون عن العقل الاسلامي المتحجر الذي لم يحسن التعامل مع معطيات الحداثة ولم يستطع تقديم إنتاجا فكريا تجديديا، هو العقل الاسلامي المعاصر الذي يتبنى إيديولوجية الحركات الأصولية التي تغاضت عن مشروع تطوير الآلية الابداعية الفكرية، وتحجرت في الآلية الاجترارية التي لا تكتفي بإفلاس العقل بل عمدت على قتل الروح الجدلية في العقل الاسلامي. فيما كان الفكر الاسلامي الكلاسيكي يتأسس على عقل إبداعي مجادل ومنتج بل وموّجه. أما العقل الاسلامي المعاصر قد اشتغل وانشغل بإعادة توظيف الموروث الفكري في الممارسات السياسية التي انحاز لمغرياتها وانزاح عن الممارسة النقدية الابداعية.

" لذلك على المسلمين إخضاع تراثهم للدراسة العلمية والمساءلة الشديدة مثلما حصل للتراث المسيحي في أوروبا بعد محاكم التفتيش والحروب المذهبية وإرهاب العقول"(4)

الحقيقة والحق في الاختلاف:

الأساس الذي يتشكل عليه الخطاب الاسلامي المعاصر هو جهوزية الحقيقة وأحاديتها، هذا التطرف الفكري يؤمن بأن للحقيقة معيار واحد نكيل ونقيس عليه كل تمظهرات الحقائق في مختلف مجالاتها. ليصبح العقل متخبطا بين كفتي ميزان ومعادلة لا ارتياب حول مصداقيتها من منطلق مبدأ الثالث المرفوع: فإما إيمان أو لاإيمان، إما اعتقاد أو لا اعتقاد، إما كفر أو إيمان فلا مجال لمنزلة بين المنزلتين.

لابد من أن يمارس العقل حقه في التفكير والتعبير، ذلك لأن ما يميّز الروح الانسانية ويجعلها في أوّج رقيها وعطائها، هي الحرية داخل هذا الفكر الحداثي الذي يجب أن يزاوج بين حالة التقدم العلمي، وبين تقدم الشعور بالحرية للروح المفكرة "ينبغي على الحداثة كمشروع إنساني ان تصحح إرادة المعرفة الهادفة إلى السيطرة والاستغلال والهيمنة ولكن كيف؟ عن طريق الإدخال الفعلي: أي الفلسفي والقانوني لحقوق الروح في حقوق الانسان"(5)

إن الحقيقة ليست جوهرا أو معطى على نحو مكتمل ونهائي كما هي في الأديان والأنظمة الميتافيزيقية المثالية بل هي:" مجموع آثار المعنى التي يسمح بها لكل ذات فردية أو جماعية، نظام الدلالات الإيحائية المستخدمة في لغته. إنها مجمل التصورات المختزلة من قبل التراث الحي للجماعة القبلية أو للطائفة الدينية أو لأمة. فكل طائفة أو أمة تعتبر تراثها بمثابة الحقيقة المطلقة. إن الحقيقة ليست جوهرا أو شيئا معطلى بشكل جاهز ونهائي، وإنما هي تركيب أو أثر ناتج عن تركيب لفظي أو معنوي قد ينهار لاحقا لكي يحل محله تركيب جديد، أي حقيقة جديدة"(6)

ليس على العقل لجم الحقيقة بقالب واحد بل عليه أن يكشف عن تنوعاتها بفعل العملية النقدية والتأويلية التي يتميّز بها. كما عليه أن ينظر للنصوص التراثية على أنها نصوص قابلة للتشكل والقراءة الجديدة الخلاّقة، بفعل تطبيق منهجيات العلوم الانسانية مصطلحاتها عليها.

" إن أفضل السبل لتحقيق التطور والرقي هو الأسلوب الذي اتبعته أوروبا، والمتمثل في إخضاع تاريخها وتراثها لإعادة قراءة نقدية على ضوء مناهج العلوم الانسانية والاجتماعية"(7)

إنها عملية أنسنة النصوص ورفع صفة القداسة عنها وتجاوز كل رغبة في فرض المحضورات عليها. واعتبارها مجالا خصبا للتّوليد وممارسة فعل الحفر والتفكيك والتأويل لبنيانها المتراص والمركب تركيبا مقفلا، ومحاولة إحداث الخلّخلة والتصّدع فيه للكشف عن العناصر المتنافرة داخل تلك الكثافة البنيانية النصية، والتي تسمح بتخارج الدلالات المستترة لتنفجر وتتشّظى إلى حقائق ومفاهيم لا حصر لها." لابد من تطبيق منهجيات العلوم الانسانية ومصطلحاتها على دراسة الاسلام عبر مراحل تاريخه الطويل"(8)

المثلث الأنثروبولوجي: (الحقيقة، المقدس، العنف)

إن المكوث في الدغمائيات اللاهوتية طويلا يجعل العقل حبيس مثلث يهدده بالانتفاء، حيث إذا كانت الحقيقة تتّسم بالتقديس، فهي إلى الإيمان العقائدي القطعي تنتمي وإلى طائفة أو مجموعة إيمانية تشكّلت بها ومن خلالها، وليس عليها التقولب لغيرها. وعلى ذلك كل حقيقة مغايرة لها مختلفة عنها، هي حقيقة منافسة متخالفة عليها إثبات أحقيتها ومشروعيتها عن طريق العنف الذي يصبح هو الآخر "عنف مقدس" ومشروع. "كل طائفة تقدم نفسها على أنها الممثلة الوحيدة للحقيقة الالهية المطلقة وكل مخالف لها هو بالضرورة مخالف للإرادة الالهية"(9)

لذلك كانت أكثر المواضيع التي شكلّت صنما عقليا، هي تلك الرؤى الدينية التي أحيطت بلباس القداسة إضافة إلى هالة من الممنوعات والمحظورات التي تحدّ من فعالية العقل النقدية. ولذلك كانت دعوة أركون إلى التحرر من النظرة اللاهوتية الدغمائية والذهنية الطائفية، والانتقال إلى رحابة الفكر المنفتح وحقوق الانسان والحق في الاختلاف والتحرر من الاضطهاد والظلم والعنف، إنه مجال الأنسنة.

إن الإيمان" تسمية إيجابية للمعتقد يمكن أن يتحوّل إلى عنف إذا لم تصاحبه يقظة من قبل العقل، وهذا ما يحدث عندما يتخلى القيّمون على المقدي عن تلك اليقظة وعن المعارف اللازمة لتطبيقها على تعبيرات الإيمان، ويمكن ملاحظة هذه الظاهرة في جميع الانحرافات الأصولية والتكاملية لكل أشكال الأيديولوجية الدينية والدنيوية. إن تحليل المثلث الأنثروبولوجي يتجه تحديدا نحو هذين: لكل من الحقيقة والمقدس"(10)

لذلك تنشأ الدغمائية الأرثوذوكسية أو الصراطية من اعتبار أتباع الطريق الصحيح والوحيد بين الطرف الآخر، ليظهر تبادل تهم التكفير "إن هدفي يكمن في جعل المستحيل التفكير فيه أو اللامفكر فيه شيئا ممكن التفكير فيه داخل ساحة الفكر الاسلامي أو العربي المعاصر"(11)

إن العقل الذي نسعى لتشكيله كمشروع هو الحاكم الوحيد في الكشف عن الحقائق، ذلك الذي يرفض التعاطي مع الحقائق الجاهزة التي تكتسي صفة القداسة مع مرور الوقت، وتمنح فعالية التفكير صفة الركود والاستكانة للمفكر فيه المعطى من قبل العقل التراثي وتداعيات نشاطه القديم، الذي مايزال يسيّر مجريات حاضر راهن. "عقل مستقل يخلق بكل سيادة وهيبة أفعال المعرفة، هذا العقل يرفض الاشتغال داخل نطاق المعرفة الجاهزة أو المحددة سلفا، إنه يرفض الاشتغال داخل الأقفاص والسجون"(12)

علينا أن نقبل نسبية الحقيقة وتاريخيتها" ينبغي أن نقبل شيئا أساسيا يعبر عن منجزات الحداثة العقلية، ألا وهي نسبية الحقيقة. ونسبية الحقيقة تتعارض جذريا مع مطلق الحقيقة، أو الاعتقاد بوجود الحقيقة كما ساد سابقا في كل الأوساط الدينية"(13)

إن الهدف من المشروع التجديدي هو إنشاء عقل استطلاعي مابعد حداثي(*)" ليس كيانا جوهرانيا لا يتغير ولا يتبدل على مدار التاريخ (...) إنه ناتج عن الممارسة التاريخية للفاعلين اجتماعيات شديدي التنوّع والاختلاف من أندونيسيا إلى إيران إلى أقصى المغرب"(14)

نريدها قراءة تاريخية عقلية نقدية مسؤولة وواعية للتراث العربي الاسلامي، ولذلك لابد من إخضاع الاسلاميات الكلاسيكية وخطابها لعملية نقد ابستمولوجي شديد. والحقيقة إن الاسلاميات التطبيقية هي مقايسة على الأنثروبولوجية التطبيقية (Anthropologie Appliquée)" لعالم الإناسة روجيه باستيد*(R. Bastide)( 1898 – 1974)، سعيا للتحوّل بالعقل الاسلامي من العلم النظري إلى الممارسة العملية. يؤكد على ذلك أركون بقوله:" استوحينا هذه التسمية من كتاب صغير لروجيه باستيد بعنوان الأنثروبولوجيا التطبيقية وبحوثنا تسير في الخط نفسه"(15)

على المجتمعات الاسلامية أن تدرك كيفية استفادتها من المعارف في حل مشكلاتها عن طريق" ممارسة علمية متعددة الاختصاصات وهذا ناتج عن اهتماماتها المعاصرة، فهي تريد أن تكون متضامنة مع نجاحات الفكر المعاصر ومخاطره والمتطلبات الخاصة بموضوع دراستها"(16)

لابد للعقل الاسلامي الاعتماد على الممارسة العلمية التي تشتغل بمشكلات المجتمعات الاسلامية الفعلية، تلك التي تنتجها التحوّلات الظرفية والحاجات الواقعية والفكرية المتغيّرة. كما لابد من تأقلم ذلك العقل مع مستجدات تلك التحوّلات ومتطلبات الحداثة.

إن التمييز ضروري بين مصطلح الحداثة (Modernité)كحداثة عقلية روحية تتحرر من عوائق التفكير الحر والسيادي وأخرى مادية، وبين مصطلح التحديث(Modernisation) أي عملية تحديث مادي تقني يجاري مستحدثات الاختراعات والمنتجات المادية الشيئية التي تسقط العقل في الإدمان على تكديس الشيئي للتقنيات.

"المصطلحان لا يدلان على نفس الشيء، فالتحديث هو إدخال التقنية والمخترعات الحديثة إلى الساحة العربية الاسلامية، أما الحداثة فهي موقف للروح أمام مشكلة المعرفة، إنها موقف للروح أمام كل المناهج التي يستخدمها العقل للتوصل إلى معرفة ملموسة للواقع"(17)

إذن نحن أمام فتح المجال للتفكير في كل ما يمكن التفكير فيه، وما لا ينبغي التفكير فيه، وما يبدو لا جدوى من التفكير فيه أصلا، كالبحث عن القيم الرمزية العقلانية فيما هو في الموروث السائد ينظر له على أنه لاعقلاني، خرافي أو أسطوري، والتوّجه نحو إنشاء حداثة عربية اسلامية لا تتماهى في الحداثة الغربية وتتلّبس هوّيتها وفرادتها التي تميّزها، وإلا وقعنا فيما أردنا الهروب منه، الوقوع داخل شرك تلك القوالب والأنساق التي تفرض نفسها على الثقافات الأخرى وتلزمها بتبنيها والتموضع داخلها وإلا كانت غير معترف بأصالتها وخصوصيتها. على العقل العربي الاسلامي أن ينتج أفكاره ومفاهيمه الخاصة به ويسعى إلى حل مشكلاته التي تفرزها مجتمعاته، مستعينا بالمناهج الانسانية والاجتماعية التي ابتكرتها الحداثة الغربية، والعودة خصوصا إلى التراث العربي الاسلامي ومساءلته مساءلة نقدية تجديدية توليدية. فهل يمكن للعقل العربي الاسلامي التحرر من تلك الأنساق التي خنقت تفكيره وجعلته يتقوقع داخل قوالب وأنساق ليست مغلقة ومنغلقة فقط بل ومتصارعة...؟

 

د. أمينة بن عودة جامعة معسكر، الجزائر

...........................

قائمة المراجع:

أركون محمد، القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، تر. هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، ط2، 2005.

أركون محمد، تاريخية الفكر العربي الاسلامي، تر. هاشم صالح، مركز الإنماء القومي، بيروت، ط1، 1986.

أركون محمد، قضايا في نقد العقل الديني، تر. هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1998.

أركون محمد، الإسلام، أوروبا والغرب، تر. هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، ط2، 2001.

أركون محمد، "الإسلام والحداثة"، (مجلة التبيين)، تر. هاشم صالح، العدد 2، 3، الجزائر، الجمعية الثقافية الجاحظية، 1990.

مسرحي فارح، المرجعية الفكرية لمشروع محمد أركون الحداثي، أصولها وحدودها، إصدارات الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية، الجزائر، ط1، 2015.

م .أو جوزيف مايلا، من منهاتن إلى بغداد، مارواء الخير والشر، تر. عقيل الشيخ حسين،دار الساقي بيروت، 2008.

هاشم صالح، الانسداد التاريخي، لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟، رابطة العقلانيين العرب، دارالساقي، بيروت، ط1،2007.

هوامش

(1) أركون محمد، القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، تر. هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، ط2، 2005، ص26.

(2) أركون محمد، القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، ص26

(3)  أركون محمد، تاريخية الفكر العربي الاسلامي، تر. هاشم صالح، مركزالإنماء القومي، بيروت، ط1، 1986، ص 59.

(4)هاشم صالح، الانسداد التاريخي، لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟، رابطة العقلانيين العرب، دار الساقي، بيروت، ط1،2007، ص24

(5) أركون محمد، قضايا في نقد العقل الديني، تر. هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1998، ص،ص 144، 145.

(6) أركون محمد، قضايا في نقد العقل الديني، كيف نفهم الاسلام اليوم، تر. هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، 1998، ص 166.

(7)  مسرحي فارح، المرجعية الفكرية لمشروع محمد أركون الحداثي، أصولها وحدودها، إصدارات الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية، الجزائر، ط1، 2015، ص 121.

(8) أركون محمد، الاسلام، أوروبا والغرب، تر. هاشم صالح، دار الساقي،بيروت، ط2، 2001، ص178.

(9) مسرحي فارح، المرجعية الفكرية لمشروع محمد أركون الحداثي، أصولها وحدودها، ص، ص 180، 181.

(10) م .أ وجوزيف مايلا، من منهاتن إلى بغداد، مارواء الخير والشر، تر. عقيل الشيخ حسين، دار الساقي بيروت، 2008، ص، ص 238، 239

(11)  أركون محمد، الاسلام، أوروبا والغرب، ص44.

(12) أركون محمد، "الاسلام والحداثة"، (مجلة التبيين)، تر. هاشم صالح، العدد 2، 3، الجزائر، الجمعية الثقافية الجاحظية، 1990ص 208.

(13)أركون محمد، "الاسلام والحداثة"، ص 226.

* هو عقل  ما بعد حداثي، العقل المنبثق الجديد أو العقل الاستطلاعي الاستشرافي، إنه عقل لا يهدف إلى الهيمنة وإنما إلى المعرفة الحرّة واكتشاف آفاق جديدة للمعنى. أنظر: محمد أركون، العقل الاستطلاعي المنبثق وأنواع الحداثات في السياقات العربية الاسلامية( العالم العربي في البحث العلمي) العدد 10، 11 ، باريس، معهد العالم العربي، 1999، ص 104.

(14) مسرحي فارح، المرجعية الفكرية لمشروع محمد أركون الحداثي، أصولها وحدودها، ص 188.

* روجيه باستيد (1898 – 1974)عالم اجتماع واثنولوجيا فرنسي، نشر دراسات في علم الاجتماع الديني، وشملت أعماله الإثنولوجيا الدينيّة، والطب النفسي الاجتماعي، وظواهر التثاقف. وقد تركّزت بحوثه على الظاهرة الدينيّة وخاصّة الطقوسوأشرف  على دراسات في الأنثروبولوجيا التطبيقيّة، ضمن مركز طبّ الأمراض النفسيّة الاجتماعيّة ومختبر علم اجتماع المعرفة، من مؤلّفاته: إشكالات الحياة الصوفيّة (1931)، مواد لعلم اجتماع الحلم (1932)، سوسيولوجيا الاضطراب العقلي (1965)، البرازيل أرض المفارقات (1957)، السوسيولوجيا والتحليل النفسي (1950).

(15) أركون محمد، تاريخية الفكر العربي الاسلامي، ص 275.

(16) محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الاسلامي، ص57.

(17) أركون محمد، "الاسلام والحداثة"، (مجلة التبيين)، تر. هاشم صالح، العدد 2، 3، الجزائر، الجمعية الثقافية الجاحظية، 1990، ص 221.

 

 

حاتم حميد محسنمنذ مئات الآلاف من السنين لم تكن لدينا أجوبة محددة لبعض الأسئلة الوجودية الكبرى، مثل السؤال عن الكيفية التي جاء بها الانسان للوجود على الارض؟ او السؤال عن الشيء الذي صُنعنا منه في المستوى الاساسي؟ او كم هو حجم الكون، وما أصله؟. لعدة قرون كانت هذه الأسئلة محل نقاش الثيولوجيين والفلاسفة والشعراء.

ولكن في القرون الأخيرة الماضية، اكتشفت الانسانية اكثر الأجوبة اقناعا لتلك الأسئلة. ومن خلال عملية إجراء التجارب وعمل الملاحظات، تضاعفت معرفتنا العلمية بشكل كبير، بما مكننا من طرح استنتاجات بدلا من مجرد الانخراط في تأملات غير مؤكدة. ولكن مع ذلك، وحتى مع المنظور العلمي، فان الفلسفة والدين سيبقيان حاضرين. والآن سنحاول معرفة لماذا:

العلم

عندما يفكر أغلب الناس حول ماهية العلم، فهم يحصلون فقط على نصف جواب .العلم  ينطوي في نفس الوقت على كل من المعنيين التاليين:

1- هو مجموعة كاملة من المعرفة المحددة التي نمتلكها حول الكون. جميع النتائج التراكمية لكل التجارب، القياسات، الملاحظات التي سجلناها تكوّن مجموعة الحقائق العلمية التي نمتلكها عن الكون. النظريات، النماذج التنبؤية، الاطر والمعادلات التي تحكم الكون هي دائما جزء هام وأساسي للعلم.

2- هو العملية التي بواسطتها نحقق ونتعلم الكثير عن الكون.

العلم عملية مستمرة وهو يكشف باستمرار عن حقائق جديدة عن الكون، وان كامل عملية التحقيق العلمي – الافتراض، التجريب، طرح الاستنتاجات في سياق من اطار كامل للمعرفة – هي لاغنى عنها لما يُعرف كعلم.

ولكن في جميع الأسئلة التي أجاب عليها العلم وفي جميع الدروس التي تعلّمناها منه، هو لا يعلّمنا كل شيء. كل نظرية علمية، لا يهم كم هي قوية ومهما نالت الدعم من كل المعرفة التي انتجتها الانسانية عبر التاريخ،  فهي تمتلك فقط نطاقا محدودا من المعرفة تبدو فيه صحيحة. حتى افكارنا التي ندين لها بولاء شديد لها محدودياتها.ان أسباب هذه المحدودية تتمثل بالتالي:

اولا: التطور يوضح كيف تورث الصفات ويعطي آلية لكيفية تغيّر الكائنات الحية بمرور الزمن، لكنه لا يوضح أصل الحياة.

ثانيا: الانفجار العظيم يوضح ان الكون نشأ من الحالة الحارة المكثفة المبكرة، لكنه لا يوضح كيف نشأ الكون في تلك الظروف.

ثالثا، النسبية العامة توضح كيف ان المادة والطاقة خلقا الجاذبية وكانا السبب في انحراف الزمكان، لكنها لا توضح ما يحدث من اسلوب غريب داخل الثقوب السوداء.

بكلمة اخرى، لا يهم الى أي مدى وصلنا في فهمنا العلمي للعالم والكون، يبقى هناك دائما مكان ينتهي به فهمنا العلمي . حالما نمتلك معرفة محددة للظاهرة وفهم مفصّل للعمليات التي تؤطر تلك الظاهرة، نحن نستطيع ان نضع بأمان تلك الظاهرة ضمن مجال العلم.

لكن هناك عدة اسئلة نستطيع طرحها والتي لاتقع حتى الآن ضمن رؤية العلماء. بالتأكيد، نحن نستطيع التأمل بان الافكار العلمية قد تتمكن بالنهاية من حل هذه الالغاز، لكن هذا يعتمد على توسيع معرفتنا العلمية الحالية الى مجال لم تصله بعد. العديد من الألغاز المثيرة اليوم بدءاً من اصل الحياة  مرورا بجاذبية الكوانتم وحتى ألغاز المادة المظلمة والطاقة المعتمة، كلها تكمن حاليا  وراء المجال المفهوم علميا وبشكل جيد.

الثيولوجي

هناك أديان وتصورات أخلاقية نمتلكها حول الكون، والتي نفهمها كمجال للثيولوجي. ومهما تكن رؤانا الدينية الشخصية، فان الثيولوجي بشكل عام يتعامل مع الأسئلة مثل الهدف، الصحيح والخطأ، والمصدر الموثوق الذي يحدد بعض المبادئ التي يجب قبولها كحقائق غير قابلة للجدل.

العلم يحاول الاجابة على الاسئلة التي تبدأ بـ "كيف"، مجازفا لتوضيح والتنبؤ بما ستكون عليه حصيلة النظام الفيزيائي القائم في ظروف معينة. اما الثيولوجي فهو يحاول الاجابة على الاسئلة التي تسأل "لماذا"، يتأمل اسئلة تتجاوز المعرفة التامة ويقدم أجوبة موثوقة لتلك الأسئلة – وان كانت للبعض مثيرة للجدل .

من الصحيح ان العديد من الاسئلة التي كانت اُعتبرت في يوم ما تقع في عالم الثيولوجي، وحيث كنا نفتقر للمعرفة التامة، اصبحت الان اسئلة علمية لها اجابات نهائية. علميا، نحن نعرف الآن:

1- كيف نشأ كوكب الارض اثناء تكوّن نظامنا الشمسي قبل 4.5 بليون سنة.

2- كيف تطورت الحياة ومختلف انواع النباتات والحيوانات خلال عصور من عمر الارض.

3- كيف صاغت الأحداث الحالية والقديمة التاريخ الجيولوجي والمناخي والهايدرولوجيني لكوكبنا.

4- كيف تكونت النجوم والمجرات والهياكل الكبرى في الكون وكيف نمت من ماض اكثر نمطية وحرارة وكثافة.

مع ذلك، فان الفلسفة تكمن في المنطقة الرمادية بين هذين الحقلين (العلم والثيولوجي)، كونها تتعامل مع ما وراء معرفتنا المحددة ولكن دون اللجوء الى مصدر موثوق.

الفلسفة

هذه، بمعنى ما، المنطقة التي تزحف الى مساحة الالتقاء وحدود كل من العلم والدين، الفلسفة تسعى للتحقق من اسئلة لم يستطع العلم الاجابة عليها بعد. لكنها، خلافا للدين،  تقترب من هذه الاسئلة باللجوء الى العقل والمنطق، وتحاول استخدام هذه الوسائل لإستكشاف اسئلة  لم تُعرف أجوبتها بعد، ولكن ربما تُعرف في يوم ما.

الفلسفة تبقى محاولة مفيدة متى ما كانت معرفتنا العلمية غير كافية ومتى ما فشلت الاجوبة الثيولوجية  في إقناعنا. تبحث الفلسفة في الاسئلة المتعلقة بالوعي، الهدف من الكون، ما اذا كان الواقع موضوعي ام معتمد على ملاحظة المراقب،  ما اذا كانت قوانين الطبيعة والثوابت الفيزيائية للكون ثابتة عبر الزمن، ام انها متغيرة.

في كل الاسئلة التي نطرحها،  يجب ان يكون الهدف النهائي هو ايجاد جواب علمي،  اي لكي نقود التحقيق الذي حصيلته غير معروفة الى استنتاج مقنع مرتكز على معرفة تامة. اذا استطعنا ان نخلق حياة من لا حياة في المختبر، او نكتشف طريقة لإختبار مختلف التفسيرات لميكانيكا الكوانتم ضد طريقة اخرى، او قياس الثوابت الفيزيائية عبر المسافات الكونية والأزمان،  فسوف يكون لدينا التبرير الجيد لطرح استنتاجات علمية.

ولكن يجب ان نعترف بجهلنا طالما لم نستطع بعد من تحقيق ذلك . أحسن النظريات العلمية لدينا هي فقط المتأسسة جيدا ضمن نطاق معين من الصلاحية، اما خارج ذلك النطاق، فلا نعرف على وجه التحديد  أين وكيف ستنهار تلك القواعد. نحن نستطيع إستكشاف سيناريوهات، ندير نماذج محاكاة، نضع نماذج لسلوك الانظمة مرتكز على افتراضات معينة. لكن ان لم تكن لدينا بيانات كافية وملائمة لنتعلم الجواب التام، فنحن لا نستطيع القيام بأكثر من توظيف الأدوات التي في حوزتنا.

هذه هي الفرصة الحقيقية للفلسفة كي تتألق . عبر الزحف الى الحدود العلمية  وفهم ماهية المعرفة العلمية الحالية وكيف حصلنا عليها  سنستطيع النظر للتخوم ونستكشف مجموعة مختلفة من الافكار التأملية. اما الافكار التي تقود الى عدم انسجام منطقي او الى استحالة الاستنتاج فهي يمكن استبعادها، بما يمكننا من تفضيل او عدم تفضيل افكار حتى بدون معرفة علمية تامة.

غير ان هذه ليست مهمة سهلة ابدا. انها تتطلب من الفيلسوف ان يفهم العلم المناسب بالاضافة الى ما يقوم به العالم، بما في ذلك محدداته. انها تتطلب ان نفهم القواعد المنطقية التي يلعب بها الكون، والتي قد تتعارض مع تجربتنا المألوفة. افكار مثل السبب والنتيجة، او الفكرة بان حاصل  ضرب س في  ص = ص في س، او فكرة ان الجزيئات التي توضع في صندوق مغلق تبقى في الصندوق لكنها ليست صحيحة في جميع الظروف.

لا يهم مدى حجم معرفتنا العلمية، هناك دائما اسئلة تتجاوز ما يستطيع العلم الاجابة عليها بما يكفي . ان عدد الجزيئات المحتواة ضمن الكون المشاهد هي محدودة، كمية المعلومات المشفرة في كل الكون هي محدودة،  لا يهم كم نتعلم، الكمية التي نعرفها سوف تكون دائما محدودة. وراء كل المعرفة المحدودة، سيكون هناك دائما مكان للفلسفة.

ذلك لا يعني ان كل التفلسف القائم عند الحدود هو مفيد ومهم . الفلسفة الجاهلة بالعلم او في القواعد المنطقية غير العادية التي عادة يتبعها العلماء، سوف تقود حتى المفكرين الأكثر ذكاءً الى الوهم. ما يُعرف اليوم لدى الذهن التأملي الفضولي،  سوف لن يكون مقنعا ابدا. وحتى يأتي اليوم الذي يحقق فيه العلم ذلك التقدم الحاسم، فان التفلسف سيبقى اداة ضرورية للنظر في ما وراء حدود اليوم.  

 

حاتم حميد محسن

 

سامي عبد العاللا تُخْفِي ممارسة الديمقراطية الرواسب الآسنةَ الكامنة فيها، بل تلفظها على قارعة المجال العام. وتلك هي حيوية فكرتها حينما تكشف المفارقات قيد التحقُق. لأنَّ النظام الديمقراطي- بخلاف الأنظمة الأخرى- يجدّد نفسه بنفسه. وفي هذه السمة تشترك كلُّ ديمقراطية مع المعرفة العلمية كما يذهب كارل بوبر. فالاتجاه التصحيحي الذاتي self-corrective بصدد الأفكار والأفعال سنجده في مجالي السياسة والعلم. المفارقات رغم جانبها السلبي إلاَّ أنها ترسم طريق الديمقراطية، تنحته نحتاً. حيث ستكون أنظمة الحكم وآليات الممارسة السياسية وقيم الفعل عُرضةً للانكشاف إذا ما انحرفت عن الحدود المشرُوعة.

المفارقات بهذا ضروبٌ من النقد العملي practical criticism الذي يحمل جوهر الديمقراطية ذاتها. وإذا كانت الأخيرة ثقافةً وتجارب، فإنها تَعرض ما آلت إليه أمام كافة مواطنيها. ولا تحتاج إلى إدارة من خارجها، لكنها تتيح لمن يقطنها ألاَّ يغيِّب الوعي عما يحدث. كأنها تقول وهي الصامتة أنها خطاب يومي( كشف حساب) بما يجري لها. مثلها مثل الذكاء الاصطناعيartificial intelligence  حينما يتضمن قدرته الخاصة على إعلام مستعمليه بالأخطاء في الأنظمة الافتراضية. المفارقات مساحة لتعديل المسار ورسم الحدود. وكل مراحل الديمقراطية ما لم تجْرِ بهذا المعنى، ستصل إلى طريق مسدود.

ربما سر بقاء الديمقراطية وتجاوزها للعثرات (الذاتية) كونِّها حاملة لبذور اخفاقها بهذا المعنى. كما أنَّها تروض الموت السياسي political death بمنطق الحياة أو تضيفه بالأحرى إلى رصيد الحياة. لأنَّها تقوم على المنافسة التي تستنفد الامكانيات لصالح ماهيتها تلافياً للثغرات. ولئن جاءت ملتوية هنا أو هناك، فإنها تقضي على من يمارس الخداع بأساليب سلمية تماماً، فضلاً عن كونها تستوعب كافة التجارب الإنسانية وتنوعها. الديمقراطية ليست شكلاً واحداً، لكنها تختلف من مجتمع إلى آخر. وتصبح قابلة للتشكل بمداها الأبعد فاتحةً الآفاق أمام الممارسة دون توقف.

مفارقة الإرادة / السلطة

تنطوي الإرادة على مستويين، إرادة فردية وأخرى جمعية. وبمنطوق فلاسفة العقد الاجتماعي, تذوب الإرادة الفردية في نظيرتها الجمعية كما يرى هوبز وروسو. تعد الإرادة الجمعية تجسيداً للإرادة الفردية. والمفارقة: أن الديمقراطية تسمح بممارسة التحرر الجمعي, غير أن إطلاق الإرادة الفردية شيء صعب وسط الادعاء - كما يُقال- بأنَّ هناك أخْطاراً تهدد النظام الديمقراطي.

لذلك اعتقد بعض الفلاسفة عدم إمكانية فصم عرى الإرادة الجمعية تحت أي مبرر من مبررات الإرادة الفردية. ولا يحق للأفراد الطموح إلى ذلك (هوبز). هذا يعنى: أن هناك تعارضاً في قلب النظام الديمقراطي بين الإرادتين. وأنّ هناك تهديداً يراه ممارسو هذا النظام تجاه أقليات أو فئات. بالتالي تظهر "السلطة" التي تنفصل تدريجياً عن إمكانية التغيير، التي تفتتحها الممارسة الديمقراطية, لتصبح وضعاً مفروضاً وغير قابل للنقاش.

رأى كارل بوبر popper أنَّ الدولة يمكن - في النظام الديمقراطي- أن تتسامح مع الأحزاب الأخرى، طالما خضعت لتلك السلطة ولقواعد التعايش، غير أنه يستحيل أن تفعل الشيء نفسه مع الأحزاب التي ترفض أسس النظام الديمقراطي وقيمه. بمعنى أنه نظام محدود بمحاذير لا ينبغي تخطيها، وأنه قد ينقلب إلى ضده إذا واجه تهديداً. أي يتحول من حيوان مألوف ومستأنس إلى حيوان وحشي مفترس (لا ديمقراطية تحت التهديد).

هذا يعني بالمقلوب أنَّ الديمقراطية كنظام يتيح الإمكانيات من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين. ويعطى فاعليه الحق كل الحق في التعبير عن وجودهم السياسي بكامل الحرية والاختلاف. والحق نفسه لا يمكن احتكاره من قبل فئة أو طبقة أو أقلية على حساب العناصر الأخرى. وأن الديمقراطية لا تتعامل مع الأفراد على أساس الانتماء الطبقي أو الفئوي، لكن استناداً إلى المواطنة. القاعدة التي تعطى الإنسان كمواطن حقوقاً عامة أخرى، ما كان لينالها لولا أنه فرد في فئة أو طبقة ما.

أما لو جرى عكس هذا، فيدل على:

- تحول الإرادة الجمعية إلى تسلط جمعي غير قابل للذوبان بين أفراد الشعب. وعليه لا يمكن لها أن تُذيب الطبقية والنخبوية أو القبائلية. ذلك ما تعانيه بعض الدول العربية الأسيوية والأفريقية. فرغم وجود برلمانات على خلفية ديمقراطية, إلاَّ أنَّ هناك " بطانة قبائلية " تؤثر على سير الانتخابات والممارسات السياسية بشكل أو بآخر.

في هذه الحالة، ليست الإرادة الجمعية سطحاً يحمل فسيفساء الشعب, لكنها نفق سياسي يحمل تأثيرات لقوى غالبة اجتماعياً، بحسب تكوينها وثقافتها. وتبدو الديمقراطية غطاءً واقياً يحمى داخله القوى التي تتأقلم معه. وتأخذه لتأدية مصالحها الخاصة, ولا نعرف بالضبط أية ديمقراطية مع أنها في الشكل محكومة ببرلمانات وانتخابات وممثلين ودوائر إعلامية مستقلة!!

- إلغاء الحرية الفردية بحجة الحريات الجمعية. فيقال إن هناك مصلحةً عليا، ينبغي بإملاء من الديمقراطية الحفاظ عليها, وعادة ما يكون ذلك بمبرر حماية النظام وإتاحة المساحة للآخرين, أي...الآخرون ضد الآخرين, ولا ُيتحقق من هم الآخرون سواء أكانوا يميناً أم يساراً. وذلك يسمى إدارة التعايش بمنطق الصراع، حتى يكون ثمة طرف أعلى بمنأى عن الصراع، إذ يجنى ثمار السلطة، ويبقى فاعلاً عبرها، مدعياً أنه يحمل اسم الديمقراطية.

وقد تكون الحرية الفردية مقيدةً، كحال بعض المجتمعات الأوربية ضمن ظروف الحرب على الإرهاب. مثل محاولة فرض المراقبة على وسائل الاتصالات والتنقل لحماية المواطنين من الأخطار. وذلك يتم أيضاً بمبررات ديمقراطية، مع أن الوضع أحياناً يصب في مصلحة فئة ما أو لعقد صفقات سياسية. ولماذا نذهب بعيداً؟ فهناك في الدول العربية كمصر يجرى فرض قانون الطوارئ بمبرر الحفاظ على استقرار البلاد, في وقت ينتهك هذا القانون أخص حريات الإنسان (حرية التعبير)، ويتم ملاحقته ليل نهار. ورغم ذلك يخضع من جهة أخرى إلى قواعد اللعبة الديمقراطية,... كيف يجتمعان؟!

تمثل السلطة في الأنظمة الديمقراطية مشكلة خطيرة. التواطؤ- الذي قد يحدث - يكشف جوهر النظام السياسي للدولة. وتلك المشكلة تظهر بمقدار التناقض في عمق الديمقراطية ذاتها. ففي الأخيرة لا يوجد ما يسمى بالسلطة بهذا الشكل التراتبي الطبقي أو المركزي. لقد وضعت بجميع أشكالها التاريخية فقط للتخلُّص من التسلط، وتذويب حالة الجمود العام. وكما تكشف تلك المشكلة علاقة السلطة ككيان تجريدي بما هو شعبي، وإلى أي مدى تنفصل عن الأفراد، رغم اعتمادها على وقائع فرديةٍ لا تسير بدونها.

مفارقة الحضور / الغياب

مع أن الديمقراطية تعنى "حكم الشعب" إلاَّ أن الديمقراطيات النيابية تنهض على الممارسة التمثيلية. ليغيب الشعب في مقابل حضور أفراد قليلي العدد. المهمة الرئيسة لهم التعبير عن أهداف ومطالب شعبية. إن ذلك يمثل تغييباً مقصوداً, لكنه في معظم الحالات يحول دون فاعلية النظام الديمقراطي. فالمفترض أنَّ يحضر الشعب في عمليات الممارسة, مع وضع آليات لذلك, بيد أنَّ فراغاً يشغله الممثلون يؤدى إلى تراكم أفعال بديلة ليست مطابقة لموضوعاتها الأصلية ولا لفاعليها الأصليين (أفراد الشعب).

إذ يبدو التمثيل وضعاً بديلاً حتى على مستوى الوجود والمصير. فماذا يعنى أن يحضر آخرون مكان الفاعل الأصلي للحكم؟

لا تُحل تلك المعضلة إلاَّ باحتمالين:

أولاً: إمَّا أنَّ ينتزع الشعب حقّه, كما يجرى تاريخياً بواسطة التغييرات الجذرية، تجاه الأشخاص والمؤسسات المدنية والسياسية القائمة على فكرة غياب الفاعل. وإنْ كان" نائب الفاعل " في النحو يأخذ الوضع الإعرابي للفاعل، على أساس قيامه بنفس الوظيفة اللغوية، فالسياسة بفضل المفارقات السالفة هي قلب لتلك الوظيفة تحت مسميات كثيرة, منها المصالح وتدعيم الطبقة أو النسق أو الأيديولوجيا.

ثانياً: وإمَّا بغياب السلطة ذاتها أو أن تصبح غير فاعلة من حيث أخذها بالإنابة. وهذا ما لا يحدث. لأن مجرد التراتب: الفاعل الغائب ثم نائب الفاعل على خلفية نسق سياسي/ اجتماعي يعطى الفاعلين(بالإنابة / الأصليين) أهمية متدنية. بدليل أن فترات الانتخابات في الأنظمة البرلمانية تشهد تصاعداً لسلطة الشعب كـ"قاعدة انتخابية". بالمقابل يظهر تراجع لهؤلاء البرلمانيين، عقب انتهاء صلاحية السلطة الممنوحة لهم, ثم سرعان ما تنعكس الأوضاع وهكذا.

ومع أنَّ هناك نجاحات على صعيد التقدم الاجتماعي والنمو الاقتصادي وعادة تشهد حراكاً سياسياً, غير أنَّها تتطلب دعماً متواصلاً من نسق سياسي اجتماعي، يحول دون الانحراف أثناء غياب الفاعل. وهذه استثناءات باعتراف علماء الاجتماع السياسي, بل أكد هؤلاء أنَّ الخطر الأكبر الذي يهدد النظام الديمقراطي يأتي من هذا الباب.

يوجد إشكالٌ ديمقراطي لا مناص منه: كيف يمكن ممارسة السلطة بدون تسلط؟ وهل يمكن للأفعال بالإنابة أن تستأثر بالسلطة وتؤثر بها؟ وما مدى خطورة هذه الأفعال على الديمقراطية ذاتها؟ ربما تدعو الاستفهامات إلى فكرة أن لكل مجتمع نظامه الديمقراطي الخاص به. لأنه كما رأينا تتعدد أفعال الإنابة والتوسُط: لكن في أغلب الأحوال يمثل التعدد في الأنظمة الديمقراطية تنويعاً بمرتبة الاقتراب من القضية الأم : كيف يحكم الشعب نفسه بنفسه؟ وهل هناك ضامن غير الشعب نفسه لهذا الحكم؟

جاءت النظريات السياسية المعاصرة كاستجابةٍ لتلك المفارقات. وهى تقدم تحليلات فكرية ذات طابع عملي عبر أكثر من اتجاه:

1- مع تشخيص المشكلات السياسية تبرز الخلفية التاريخية المهمة لها، استناداً إلى الجوانب السلبية التي اكتنفت ممارسات الديمقراطية على اختلاف مجتمعاتها. ويبدو هذا الاتجاه -استناداً إلى التاريخ والخبرات الحياتية والثقافية- بمثابة إظهار العمق الاستراتيجي لمقولات سياسية كمقولة أن "الاحزاب هي دكتاتوريات عصرية" أو "الجماعات السياسية هو قبيلة العصر الحديث". ذلك إذا كانت تتضخم على حساب الحريات الفردية وتحول الناس إلى قطعان. ومن ثم تأخذ النظريات في كشف العلاقة القوية بين الجوانب السلبية في أنظمة الحكم والسلطة ومردودها على المجتمع.

2- بلورة البدائل الملائمة في التنظيمات الشعبية السياسية وافساح المجال للحريات العامة. مع الالتزام بتلافي الجوانب السلبية لتجارب ديمقراطية كانت أقرب إلى الطبقية منها إلى أي شيء آخر. ويتم ذلك عملاً بمنطق الحرية الفردية والجمعية.

3- تأسيس الفرضيات النظرية على قاعدة نسق إجمالي من الحلول السياسية لمشكلة الحكم والحلول الاجتماعية والاقتصادية لها. فإذا كانت التنظيمات الشعبية كالأنشطة السياسية والمؤسسات لا تخضع لفكرة التوسط بالمعنى التمثيلي(النيابي)، فهناك تنظيمات اقتصادية منفتحة تواكب حركتها لتصبح فاعلة في البناء الاجتماعي. لذلك امتدت الأفكار الإنسانية من السياسة إلى الاقتصاد ومن الرياضة إلى الموسيقى ومن المرأة والأسرة إلى الشعب. ويبدو مستحيلاً التحدث عن هذه الأشياء دون نسق يعطينا التوضيح والترابط.

4- تطرح النظريات السياسية آفاقاً لمجتمعات كونية متعددة الأجناس والاتجاهات . وبذلك لا تستمد أهميتها من تجاوز مشكلات الديمقراطية, لكن بفضل مفاهيم وضعتها للإنسان والمجتمع والحياة والاقتصاد والأخلاق والمرأة. وهى في معظمها مفاهيم تأخذ دلالات جديدة في المجتمع بمعناه المفتوح open society.

ومن ثم تنعقد هذه المفاهيم معاً لتأسيس واقع مختلف. حيث تشكل ما يسمى بالمرجعية النسبية. وقد تمتزج بالثقافة ومصادرها، سواء المعرفية أو الموروثة أو الاجتماعية. ولهذا ربط جون ديوي بين الديمقراطية والثقافة والتربية على أساس أنها مسار طويل لا يتوقف.

إنه لمن الصعوبة بمكان حل مشكلات الديمقراطية بدون تقديم هذه المفاهيم وتحديد وظائفها. بحيث يعاد بناء المجتمع في ضوئها، وبإمكان الإنسان كإنسان أن يمارس حياته من خلالها، حتى تغدو ثقافةً حرة. في هذا الإطار حاولت كل نظرية سياسية أن تؤسس للعلاقة بين المنطق والسياسة من جديد. فحكم الشعب طبقاً لدلالة الديمقراطية لا يتم بتحول الشعب إلى مفعول به على طريقة النحو أو باعتباره اسماً, إنما هناك "علاقة هوية" غير قابلة للتبديل بين الحكم كفعل وممارسة وبين الشعب كحالة عينية وكيفية، لابد لكي يحكم أن يُستغرّق في الممارسة على نحوٍ كاملٍ.

لذلك فإن الديمقراطية اجتماعياً هي "حكم الشعب" وليست "سلطة الشعب". لأن هوية الشعب كوجود سياسي أنه يحكم نفسه بنفسه مبدئياً. أما السلطة الشعبية فهو عبارة عن حالة وسط بين الأفراد والجماعات وبين الحكم. بلغة المنطق فعل هوية بين الموضوع والمحمول، بالتالي تستدعى بموقعها هذا وسطاء(لقطاء) لا يحققون قانون التنوع. كما أن السلطة الشعبية مجرد علامة على رغبة عامة قد تنحرف إلى ما يضر تنوعها. قد تتحقق أو لا تتحقق. أما "حكم الشعب" فهو الإنجاز الذي يقوم به الشعب دون مبارحةٍ. فالشعب حين يجتمع، فإنه لا يجتمع إلا بفعل ديمقراطي، إذ يمتلك أدوات الحكم والقرارات والقوانين, لا لتعود فتتحكم في أفراده، إنما لتفعيل حياته من خلال وجوده السياسي الذي يُغتصب بعناوين كثيرة.

هنا يتعين معنى أن يكون الشعب حاضراً في الأنظمة الديمقراطية. وأن تكون حرية الإنسان معياراً لتنوع هذا الوجود السياسي وخصوبته. هي ليست ديمقراطية مباشرة، لأنها كذلك بدون وسطاء, بل لأنها ديمقراطية حاضرة خلال ثقافة الشعب وحياته ورؤاه. فالحضور هنا حالة راهنة لذاتها. حيث الفعل الذي يسمى حُكماً, لا باسمه ولا بغيره. وعليه يمكن تجنب المفارقات السالفة. لذلك فإن الديمقراطية بأشكالها الحالية تحتاج إلى نقد متواصل.

لكن لماذا هذه الملاحقة النقدية؟ لأنَّ الديمقراطية – كما في دول الاستبداد الشرقي- تصبح لونا من الدجل العام. والدجل هو الإيهام بإيقاع الرغبات والأمنيات كأنها قانون كوني، يتجسد بضربة آمرة أو بطقوس وسيطة بين الدجال ومملكة الأسرار المقدسة. وبنفس العملية – في الأنظمة الشمولية المشار إليها- يفعل ممثلو الشعوب الأفاعيل والايهامات الفارغة لبيع الأحلام الاقتصادية والاجتماعية للناس، تلك المتعلقة بالثروة والمكانة، عن طريق ربط الحالمين بعالم الأسرار,.. عالم السلطة. ثم ُيتوقع أن يحقق هذا الربط نفسه كأنه قانون عام, بينما هم أضعف من أن يفعلوا ذلك, لينتهي الحكم إلى تغليب طبقة على طبقة أخرى، وحصر السلطة في حزبٍ أو صفوةٍ أو عائلة أو حاكم مستبد طفيلي آتٍ من غابر الأزمنة.

الاستبداد هو دائرة المفارقات التي لا تنتهي، لأنه يلعب على ازدواج السلطة والشعب طوال الوقت. ومع تطور الحياة العامة وآليات التواصل، يجعل منها سركاً منصوباً للقفز الماكر من هذا الجانب إلى ذاك. كأننا في غابات مفتوحة تدعونا لإحياء القرود داخل المواطنين لكي يستطيعوا الحصول على أدنى الحقوق. تتحول الدولة إلى قفص كبير بحجم المجتمع ينتظر خلاله الناس حبوب التسالي التي يرميها الحاكم كلما مر على غاباته. وتصبح الديمقراطية سوطاً لا تسمع له إلا صوت الضرب والتخويف. ثم يخرج ليلاً على شاشات التلفاز مغمغماً بعباراته اللزجة لعل القرود تتقافز، تصرخ وتتصايح.

 

سامي عبد العال

 

علي رسول الربيعيخضع الاهتمام بالجمهورية كفلسفة سياسية إلى إحياء كبير ابتداء من الستينيات. لقد كان للخطاب الجمهوري حضورا مستمرا ومثريا على مستوى النظرية، وإلى حدود معينة في المناقشات السياسية. كان التجديد في الفكر السياسي الجمهوري بداية في الستينيات مرتبطًا إلى حد كبير بالبحث الأمريكي عن الهوية، فضلاً عن انتقاد العواقب السلبية التي تنتجها الحركة الليبرالية الفردية.[1] ثم جاء الدافع الحاسم لإحياء الفكر الجمهوري من مجال البحث التاريخي.[2] رسم المؤرخون مشهدًا متنوعًا للتقاليد الجمهورية (الإيطالية والهولندية والتركية والمكسيكية وما إلى ذلك) وادعوا أنهم اكتشفوا الكنوز المنسية لتقليد "الحرية قبل الليبرالية"[3] أي المفهوم الروماني الجديد عن الليبرالية على أنه عدم هيمنة  ويُنظر إليه على أنه مفيد في معالجة الخلل الديمقراطي الحالي. يجب فهم قوة وأهمية العلاقة الجمهورية على خلفية أزمة أكثر عمومية وبنيوية من سخط المواطنين في الديمقراطية الحالية.[4] جادل الجمهوريون بأن المفهوم الليبرالي - الذي يركز على الحقوق الفردية والأسواق والحرية باعتبارها عدم التدخل - ساهم في الأزمة الديمقراطية.[5] لأن الليبرالية تفصل الفرد عن الممارسة الفعلية للحكم الذاتي الجماعي وتتغاضى عن البعد المجتمعي للحرية، وتعتبر غير ملائمة لتقديم حل مناسب لظاهرة عدم الولاء  للدولة وحل مشكلة مركزية السلطة الاقتصادية والسياسية. يؤكد الجمهوريون على سياسة تتلاءم مع غرس  روح  الأهتمام بالشأن العام أو ما يمكن أن نطلق عليه : الروح العامة، وتعليم المواطنين دافع المشاركة في الحكم الذاتي الجماعي، والسعي وراء الصالح العام، ومواجهة الهيمنة.[6] وهكذا سعى الجمهوريون للتأثير على النقاش العام من خلال تصميم سياسات تحبط الهيمنة وتعزز الروح العامة والمشاركة في الأمور ذات الاهتمام المشترك.[7]

لقد تعامل الجمهوريون مع مسألة الدين من منظور همومهم الأساسية: ما هو دور الدين في السعي لتحقيق الصالح العام (respublica)؟ ما هي العلاقة بين الدين في تعزيز عدم الهيمنة والحرية كممارسة جماعية؟

اعتبر الجمهوريون الرومانيون، في تاريخ الفكر السياسي الغربي، أن الدين يمثل عنصرًا أساسيًا للجمهورية الصالحة. كان هذا الاعتقاد الشائع مرتبطًا بحقيقة أن الدين الروماني، مثل الديانة اليونانية، كان مدنيًا إلى حد كبير (سوف نتناول هذا تفصيلا في سلسلة نقاشنا  لمكانة الدين في الجمهورية لاحقا). ومع ذلك، على النقيض من الدين المدني في العصور القديمة، أدخلت المسيحية انقسامًا بين الأمور الأرضية والخلاص، والحكم الذاتي الجماعي والسيادة الإلهية: ولدت المسيحية، من خلال إعطاء الأولوية للخلاص على الأمور الدنيوية، ردود فعل متناقضة داخل التقاليد الجمهورية استمرت حتى اليوم. اعتمادًا على كيفية تداخل التقاليد المختلفة بين الدين والسياسة، ظهرت انقسامات كبيرة بين التقاليد الجمهورية الفرنسية والأمريكية والهولندية والتركية وغيرها.[8] في أحد طرفي الطيف، في الرؤية الفيدرالية واللامركزية للجمهورية الأمريكية، ذهب العقل والإيمان معًا وفي آن وأتجاه  واحد.[9] أدرج الآباء المؤسسون عناصر من كل من التقليد الليبرالي والجمهوري، وتطلعوا إلى تحقيق توليف بين الحقوق الطبيعية والله والتنوير والبروتستانتية. في الطرف المقابل من الطيف، اشتبكت الجمهورية الجديدة في فرنسا التي نشأت خلال ثورة 1789 مع هيمنة الكنيسة الكاثوليكية. هذه المواجهة هي التي أدت إلى وجود علاقة متضاربة بين الدولة الجمهورية الجديدة والديانة المنظمة التي لا تزال تتردد حتى اليوم، خاصة في التعامل مع الإسلام.[10]

لقد تجاهلت الشخصيات البارزة في النهضة الجمهورية المعاصرة الدين إلى حد كبير وحتى وقت قريب؛[11] لكن، تحول المفكرون الجمهوريون في السياق الحالي بشكل متزايد إلى مكانة للدين في ديمقراطية تشكلها المبادئ الجمهورية. أصبح الدين من أكثر القضايا إثارة للانقسام في الفلسفة الجمهورية المعاصرة. تتعلق جذور هذا الأنقسام داخل الجمهورية بشأن الدين، إلى حد كبير، بأساسيات المشروع الجمهوري نفسه. من جهة، تمجد صيغة ذات تاثير الجمهورية اللائكية العلمانية العلمانية تمجيد لا الجمهورية، كما جردت الفضيلة من خصوصياتها الثقافية الدينية.  وفي صيغة أو شكل أكثر اعتدالًا، تميل جمهورية عدم الهيمنة إلى قبول المظاهر الدينية في المجال العام ومنح الاعتراف بها، ولكنها تبقى  متشككة وتنتقد الدين باعتباره يعزز علاقات الهيمنة.[12]  من جهة أخرى، تميل الجمهورية "الجماعاتية" إلى منح الدين دور أكثر إيجابية، لأنها تمنح أهمية أكبر للمجتمع ومسألة  الخير العمومي أوالصالح العام؛[13] وهناك جمهوريون مثل ماوريتسيو فيرولي  يذهبون الى أن الجمهورية الحرة غير ممكنة "بدون إله"؛ أنهم يدافعون عن فكرة "الدين المدني" كما افترضه مكيافيلي.[14]

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...............................

[1] Haakonssen, K. (2007) "Republicanism", in Goodin, R., Pettit, P., and Pogge, T.W.L . (eds) A

Companion to Contemporary Political Philosophy, 2nd edn, Oxford: Blackwell: 729-734.

[2] Pocock, JG.A. (2009), The Machiavellian Moment. Florentine Political Thought and the Atlantic Republican Tradition. Princeton, NJ: Princeton University Press.

Skinner, Q. (1983) "Machiavelli on the Maintenance of Liberty" , Politics 18(2): 3-15.

Skinner, Q. (1984) "The Idea of Negative Liberty: Philosophical and Historical Perspectives", in

Rorty, R ., Schneewind, J.B. , and Skinner, Q. (eds) Philosophy in History: Essays in the Histori­ography of Philosophy. Cambridge, UK: Cambridge University Press: 193-221.

Van Gelderen, M. and Skinner, Q. (eds) (2002) Republicanism: A Shared European Heritage, Volume 1: Republicanism and Constitutionalism in Early Modem Europe; Volume 2: The Value ef Republicanism in Early Modern Europe. Cambridge, UK: Cambridge University Press.

[3] Skinner, Q. (2012a), Liberty before Liberalism, Cambridge, UK: Cambridge University Press.

[4] Crouch, C. (2004) Post-Democracy. New York: John Wiley & Sons.

[5] Arendt, H . (2006) Between Past and future. New York: Penguin Classics.

Skinner, Q. (2012a), Liberty before Liberalism.

[6] Sandel, M . (1996) Democracy's Discontent. Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press.

Pettit, P. (1997) Republicanism: A Theory of Freedom and Government. Oxford: Clarendon Press.

[7] Braithwaite, J. and Pettit, P. (1990) Not Just Deserts: A Republican Theory of Criminal justice.

Oxford: Clarendon Press.

Marti, J.L. and Pettit, P. (2010) A Political Philosophy in Public Life: Civic Republicanism in Zapatero's Spain. Princeton, NJ: Princeton University Press.

[8] Pettit, P. (2005) "The Tree of Liberty: Republicanism: American, French, and Irish", Field Day Review 1: 29--42.

[9] Beiner, R. (2011) Civil Religion. A Dialogue in the History of Political Philosophy. Cambridge, UK:

Cambridge University Press.

Smith, D. (2014) "The Buddha and Blasphemy". Available online at http:/ / secularbuddhism. org/ 2015/ 01 /27 /the-buddha-and-blasphemy.

[10] Asad, T. (2003) Formations if the Secular Christianity, Islam, Modernity. Stanford, CA: Stanford University Press.

Gauchet, M. (1999) The Disenchantment of the World. Princeton, NJ: Princeton University Press.

[11] Pocock, JG.A. (2009), The Machiavellian Moment. Florentine Political Tho11ght and the Atlantic Republican Tradition. Princeton, NJ: Princeton University Press.

Skinner, Q. (1984) "The Idea of Negative Liberty: Philosophical and Historical Perspectives", in Rorty, R ., Schneewind, J.B. , and Skinner, Q. (eds) Philosophy in History: Essays in the Histori­ ography of Philosophy. Cambridge, UK: Cambridge University Press: 193-221.

Pettit, P. (1993) "Liberalism and republicanism", Australian Journal of Political Science 28(4): 162- 189.

Viroli, M. (2001) Republicanism. Princeton, NJ: Princeton University Press.

[12] Pettit, P. (1997) Republicanism: A Theory cif Freedom and Gove rnment. Oxford: Clarendon Press.

Lovett, F. (2010a) A General Theory if Domination and Justice. Oxford: Oxford University Press. Lovett, F. (2010b)  "Cultural Accommodation and Domination",  Political Tiieory  38(2) : 243-267.

[13] Sandel, M . (1996) Democracy's D iscontent. Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press.

[14]Viroli, M. (2010) Machiavelli's God. Princeton, NJ: Princeton University Press: 237.

 

 

 

رغم أن يورغن هابرماس، هو الآخر من الفلاسفة الذين استهوتهم الفلسفة التأويلية  واعتمدوها في ممارساتهم ودراساتهم الفلسفية، إلا أنه (أي هابرماس) يبني التأويلية النقدية من أجل فلسفة تواصلية حقيقية، لا تلغ غاية العقل في بلوغ الموضوعية، ولا مشروعية تمتّعه برخاء التقنية بداعي القول بأزمة التقنية أو أزمة العلوم الأوربية والموضوعية التي حمل لواءها كل من هوسارل وهيدغر وواصل غدمار في نفس النهج الذي رسمّته له الظواهرية والأنطولوجيا.

ذلك ما دفع هابرماس إلى الدخول في معركة فكرية مع غدمار، استعمل فيها كل الأسلحة الممكنة من أجل العودة إلى الفكر البراغماتي، بحيث كان نقد هابرماس لاذعا لدرجة أنه اعتمد لغة توصيفية، تعتمد التهكّم والسخرية. فمن أي منطلق فلسفي انتقد هابرماس الممارسة التأويلية للحوار لدى غدمار؟!.

لقد سخر هابرماس من إحجام غدمار عن التنظير في المنهج التأويلي واكتفائه بمجرد عرض مفاهيم موغِلة في التجريد من مثل "الآفاق" و"التحام الآفاق"، الأمر الذي استهدف التأويلية لوابل من التهكّم والازدراء من جانب الوضعيين.(1)

لا يتوانى غدمار في الرّد على الاعتراضات وتوضيح وجهة نظره، حيث يؤكد على أهمية التأويلية الفلسفية لمجالات الحياة بما فيها العلم، ويدافع عن فكره اتهاما كهذا من طرف الوضعيين يجعله يوغل في التّجريد، خاصة عندما يصرح باغتراب الإنسان عن عالمه بسبب الإبستمولوجيا  والمنهج.

يقول:"حقيقة ومنهج لم يسعَ أبدا إلى إعطاء خاصية مطلقة للتضاد المتضَمن في عنوانه، ولكن إذا كانت علوم الروح قد أسست جيدا لنقطة انطلاق التحليل، فذلك لأنها وحّدت التجارب، من حيث أن المنهج والعلم ليسا مطلقا في رهان، والتجارب الداخلية للعلم هي مثل تلك الخاصة بالفن والثقافة المدوّنة من طرف تراثها التاريخي(...) التجربة التأويلية بالتناظر في عمل كل تجربة هي بعيدة عن كونها موضوع للمسافة المنهجية، إنها تسبقها، بالعكس نحن نطرح على العلم أسئلته ونتيح امكانية ظهور موضوع أعمال مناهجه".(2)

كما أن من المفاهيم التي انتقدت بشدة من طرف هابرماس،كما من طرف دريدا هو مفهوم "الإرادة الحسنة"التي جعلت النقّاد ينظرون إلى غدمار كفيلسوف يهيم في فضاء طوبوي ميتافيزيقي بعيدا عن الواقع المعاش وتمظهراته، كما يجانب حقيقة الطبيعة البشرية ويجهلها.

من منظور غدمار، لا بد للحوار من "الإرادة الحسنة " لإنتاج أرضية ملائمة للتفاهم، هذا الموقف يخفي انتقادات كثيرة وجّهت إليه، منها لهابرماس يتّهمه فيها بالعداء للعلم والموضوعية وانتصاره للتقليد وسلطة التراث، كما يصفه بالفيلسوف المحافظ.(3)

يرد أيضا غدمار على القول بعدم بامتلاكه للوعي الثوري ووصفه الفيلسوف المحافظ، بتحديد قيمة العمل التأويلي الذي تعنى به التأويلية الفلسفية لديه، ومن منظور غدمار الحفاظ على التراث ليس أقل ثورية من ثورية التجديد في حد ذاته.

يقول:" إن عمل  التأويلية الفلسفية هو إظهار لأنماط السعة التأويلية وتقييم أهميّتها الأساسية من أجل مجموع فهمنا للعالم تحت كل هذه الأشكال: منذ التواصل البين-إنساني، إلى التمّظهر الإجتماعي، منذ تجربة الفرد في محيط المجتمع، منذ التراث من ناحية الدين والحق، الفن والفلسفة إلى قدرة التفكير المؤسسة على الوعي الثوري"(4)

وبما أن هابرماس لديه مرجعية فكرية ماركسية، فإنه يجعل قاعدة تأويليته النقدية سياسية إيديولوجية، باعتبارها المجال الخصب لصور التقنّع والخداع وظهور الحقائق الزائفة التي لابد من إحالة الشك إليها وانتقادها ومحاولة غربلة معارفها التعتيمية من أجل بلوغ الحقائق الأصلية  والموضوعية.

ولذلك أيضا أصبحت الإرادة الحسنة التي أقام عليها غدمار لعبة الفهم والتفسير، متصدّعة  وخاوية، تتهاوى أمام قوى الأيديولوجيات العميقة التي تمارس تأثيرها خفية.(5)

يزعم هابرماس أن المشكلة الجذرية في تأويلية غدمار هي أنه يظن أن كل حوار بين ذات وموضوع، أو بين ذات وأخرى، هو حوار صادق وأصيل، ويظن أن كل التحام بين أفقين هو التحام حقيقي. لم يضع غدمار في حسبانه احتمال وجود حوار زائف وإجماع زائف ولم يدُر بخلده أن لعبة الفهم والتفسير الجارية المتدفقة يمكن أن تفسدها القوى الأيديولوجية المسيّطرة والعنيفة والمشوَّهة والتي قد تشق وتدّق بحيث لا يراها ولا يحسبها اللاعبون أنفسهم.(6)

يرد غدمار بقوله:"يرتبط هابرماس بالموضوع الذي يعتبر مركز اهتمامات المعرفة الاجتماعية من منظور البحث عن المشروعية للوعي بالتحوّلات الاجتماعية الداخلية والخارجية عن طريق تأويل اللغة ونقد الأيديولوجيا، من أجل أن تكون ذاتها فعل التفكير الذي يُفسّر في اللغة ويتحوّل  إلى الكشف عن "الزيف الذي يتوّلد عن طريق اللغة (...) والأيديولوجيا ليست فقط غير متاحة الفهم بصفتها وعيا لغويا خاطئا، ولكن لا يمكننا أيضا أن نكون على فهم لمعناها الحقيقي، مثلا ذلك الموجود في اهتمام السلطة، حيث يتضمن مواضيع غير موعاة، المحلل النفساني هو من يجلبها إلى الوعي"(7)

إن هابرماس ينظر إلى غدمار وكأنه شخص لديه رؤية ساذجة للأمور لدرجة أن يتغافل عن لعبة الأفكار السياسية وممارساتها ولعبة الأيديولوجيات التي تضمر ما لا تظهر، وتسعى إلى تحقيق مآربها عن طريق منطق ذرائعي كما أنه يجيد لعبة التخّفي والخداع، وأحيانا ينظر إليه على أنه فيلسوف محافظ، يحتاج إلى روح ثورية تمرّدية، تجعله يستفّز مَواطن التحايل ويكشف أي رغبة للخداع. ليبدو في الأخير أنه انتقد المدرسة الرومنسية في فلسفته التأويلية، إلا أنه لم يخرج عنها.

يرى هابرماس أن فهمنا للعالم أو لكلام الآخرين ليس أصليا وصحيحا، بل إنه يتعّرض في الغالب للتشويه من طرف علاقات السلطة. ولهذا، فإن علينا بادئ ذي بدء أن نحلّل علاقات السلطة داخل مجتمع ما، إذا أردنا تحقيق فهم"خالص" غير متأثر بالعنف أو بالبنى السلطوية.(8)

لقدّ كان غدمار يظن أن الحوار الذي يجمع بين "الأنا" و"الأنت"، حوار أخوي وصريح، وأنّ الالتحام بين أفقين، هو التحام حقيقي، لكنه أغفل حقيقة وجود "حوار زائف" يُضمر شكلا من أشكال الأيديولوجيا، ويحوّل علاقة "الأنا" – "الأنت" من علاقة إيتيقية مبنيّة على الحوار المتبادل إلى قوة وسّيطرة.(9)

يرد غدمار بقوله:" أيضا يقول هابرماس: الحوار العقلاني المتحرّر من الضغوط، الذي يمكنه أن يحيد عن الانحرافات، يفترض مسبقا ودائما تقديرات ما عن الحياة المستقيمة، إذن فقط حوار ما يمكنه أن ينجح" إن فكرة الحقيقة التي تقاس بالاتفاق الحقيقي، تتضمن فكرة النضوج(...) هذا المقياس للحقيقة الذي استخرج مصطلح الخير من فكرة الحقيقي، ومصطلح الوضوح الخالص للوجود، الميتافيزيقا قد أردته بالنسبة إليّ مألوفا. إن مصطلح الوضوح الخالص في أصله في النظرية الوسيطية للوضوح، هي هنا تتجسد في الملاك الذي له علاقة الامتياز بالنظر للإله في جوهره، إنني أعاني من أجل ألا أتهم هابرماس بالفهم الخاطئ للأنا أنطولوجيا(...) أكيد، إنها تحديدا أنطولوجيا خاطئة(Fausse Ontologique)، تلك التي يعيبها عليّ هابرماس، مثلا: لأنني لم أر تعارضا استثنائيا بين السلطة والتنوير، هذا سيكون خطأ بالنسبة لهابرماس، لأن ذلك يفترض مسبقا أن "الاعتراف الشرعي"بدون اتفاق الذي يؤسس لسلطة، سيرد دون عنف، أليس لدينا الحق في وضع هذا الفرض".(10)(11)

رغم أن هابرماس يتفق مع غدمار في أن الحوار يجب أن يكون تفاعلا متبادلا حرا بين قوتين  إلا أنه يرى أن الحرية التي يقوم عليها الحوار مهدّدة في الصميم. فما أن يصاب الحوار بعدوى الأيديولوجيا، حتى تنهار حرّيته ويصبح الاتفاق الذي يفضي إليه الحوار اتفاقا زائفا.(12)

ولأن غدمار ينظر إلى التأويل بالدرجة الأولى، كتأويل لغوي الذي يمكن من خلاله كشف تعابير الحياة والتجربة الإنسانية المعاشة في التاريخ كأثر واللغة كنص و الفن كعمل إبداعي، فإن هابرماس قد هاجم أيضا هذا الطرح ورأى أنه، أي غدمار، قد أغفل جانبا أساسيا يتعمّد إخفاء حقائقه مستعملا لغة زائفة، ويشارك في حوار يتحوّل إلى مفاوضات يتنازل أحد الطرفين فيها للآخر، وفي الأخير يصلون إلى الاتفاق حول حقيقة زائفة.

إن الفهم يحدث في اللغة، في حين نجد أن اللغة، كما يؤكد هابرماس، لا تعكس إلا جانبا واحدا من الواقع، ذلك أن الإحاطة بالنشاطات الاجتماعية تقتضي أن تنتظم هذه الأخيرة في مجال موضوعي يتكوّن من اللّغة، العمل والسلطة.(13)

إن اللغة من منظور هابرماس كيان إيديولوجي يختزن في قلبه الزّيف والخرافة والاستلاب. وإذا كانت الأيديولوجية في اللغة قمعية كابتة، فإن فهم اللغة لا جدوى منه، ما لم يتم التحقّق من الأيديولوجيات وتمحيصها. ثمة فرق بين الفهم من خلال اللغة وبين الانعتاق من اللغة.(14)

لعل نقد هابرماس لغدمار في مفهوم اللغة، ولعبة الإيديولوجيات التي تتخذ من اللغة وسيطا للخداع  وتوصيل فهم ما ومعنى ما كرسالة مشفّرة أو حتى صريحة، لعل ذلك لا يجعله يختلف مع غدمار في أن ممارسة لعبة التأويل هي في حد ذاته ممارسة للعبة لغوية، إلا أنه يعتبر اللغة الوسط المناسب لنشر الحقائق الزائفة، وتميز الأفكار المضلِّلة الخادعة التي تسعى في الأخير إلى التشويش  على الفهم وتشويشه، والأدهى من ذلك أنها ممارسة سلطوية أيديولوجية مقصودة ومتعّمدة، لا بد لها من عقل تأويلي فطِن لا ينخدع بسهولة بمغريات الممارسات الرومنسية والتصورات الميتافيزيقية التي يحسبه، انخدع بها غدمار.

وهكذا تصبح اللغة، وهي الوسط الضروري للحوار الغاداماري، حاملة للعدوى الأيديولوجية  وهكذا يبدو غدمار في صورة كاريكاتورية لجرّاح خطِر يحمل حقيبة آلات جراحية ملوّثة.(15)

يقول غدمار:" لقد أصرّ (هابرماس) على إنكار شرعية الوعي الثوري وإرادة التغيير لديّ. وإذا عارضت هابرماس في أن خطاب الطبي- المريض لا ينبغي اعتباره متعلّقا بالحوار الاجتماعي. وإليه أطرح السؤال التالي: في الموضوع المتعلق بالتفسيرـالذاتي للوعي الاجتماعي- وكل نمط للحياة هو تفسيرـ ذاتي، هل نصل في مساءلتنا له إلى إعلان الوضوح؟ وما هو التأويل غير المستدعى؟ أوّجه هذا السؤال للمماثلة المؤكدة من طرف هابرماس. في حالة التحليل النفسي ستكون الإجابة من طرف سلطة الطبيب الذي يعرف، لكن في الميدان الاجتماعي والسياسي، تُفتقد هذه الخاصية بالتحليل عن طريق التواصل، أما في المعالجة يكون المريض على ثقة إراديا، لأنه يعرف كونه مريضا.(16)

ومن منطلق هابرماسي التشكيكي وتأثره بفلاسفة مدرسة الارتياب، خاصة منهم ماركس وفرويد  فإنه يحيل كل معرفة، وخاصة إن كانت متعلقة بالسلطة والسياسة والأيديولوجيا، على محك الشك وعلى غربلة العقل التأويلي النقدي.كما نجده يفترض الزيف في كل حقيقة، والخداع في كل معرفة منظّر لها، إلا أن يقوم بممارسة نقدية تأويلية تكشف له عن الحقيقة الأصيلة والموضوعية.

لقد شيّد هابرماس نظرية تأويلية تبدأ من افتراض أن كل معنى ينتج عن الاتفاق هو موضع شك في أن يكون نتاج اتفاق زائف، وأن يكون من ثم معنى زائفا. ومهمة التأويلية النقدية إذن هي البحث عن اتفاق حقيقي ومعنى أصيل.(17)

غدمار لا ينفي ممارسة التأويلية الفلسفية في كل أنماط الحياة التي قد تتشكل في اللغة والتاريخ  والفن، أما الأيديولوجيا ولغتها بل وخطابها لا بد له من رؤية نقدية تأويلية، إلا أنها لا تزعم بلوغ الحقائق الموضوعية" إذا توّجهنا إلى إشكالية تأويلية، تجعل الحقيقة تفرض القبض عليها من أجل تشّكل كلي، سخافة، كون المصادر الحقيقية للعمل والسلطة يمكنها التموّقع خارج تلك الحدود(...) إن أيديولوجية اللغة ستصبح في الحقيقة سخافة كبيرة، إن الوجود الذي يمكننا فهمه هو اللغة".)(18)(

يلتمس التأويل الكشف عمّا هو متخّفي، وتهيئة مكان للحقيقة في الوضوح، وفي السطوع وفي الانفتاح. والتأويل يحدث في فضاء الاختلاف. ولكنه يحدث هناك في فضاء الاختلاف، ليس عن طريق توجيه التساؤلات إليه، ذلك لأن توجيه التساؤلات إلى شخص ما يعني إقامة مكان لسلطة، ولمدلول متعالٍ، ومكان لملاذ أخير غير أن الذات، ليست أهلا لثقة كهذه. وسيكون من قبيل الخطأ خلع ثقة كهذه عليها.(19)

إن مهمة توجيه التساؤلات لشخص ما، يمكن أن ينتج إما الحقائق وإما الأكاذيب. ومع ذلك فإن القضية هي أنه حتى لو كان ذلك الشخص – سوء أكان ذاتا متعالية، أو مصدر للمعرفة، أو موقعا سلطويا – نقطة إحالة مشروطة. فإن الذات هي نفسها تستطيع أن تعرف ما إذا كانت تنتج حقائق أم أكاذيب. لن يكون السؤال على الإطلاق، الطريق الوحيد لحل المشكلة  فإن لم تكن ثمة تساؤلات فلن يكون ثمة مدار قلق: إذًا ما من أكاذيب وما من حقائق ستقدّم.(20)

إن إنتاج الحقائق والأكاذيب، هو إنتاج للخطاب. وكما يعبّر هيدغر عن ذلك بقوله :"اللغة تتكلم، وتكلّمها يلوّح للاختلاف (dif - fernce) بالمجيء، الاختلاف الذي ينزع طابع الملاءمة عن العالم والأشياء في جانب بسيط من صلتها الحميمية، وعندما تتكلم اللغة في مكان الاختلاف، فإنها تنتج خطابا تكون فيه الحقائق والأكاذيب ممكنة، يقول هيدغر:"إن الإنسان يتكلم فقط عندما يستجيب للغة، واللغة تتكلم وكلامها يتكلم إلينا في ما كان قد تمّ الكلام عليه".إن اللغة ليس بمقدورها أن لا تتكلم، والخطاب ليس أمامه إلا إنتاج الحقائق والأكاذيب.(21)

 

د. أمينة بن عودة -  جامعة معسكر

الجزائر

.....................

المراجع:

عادل، مصطفى، فهم الفهم، مدخل إلى الهرمنيوطيقا، نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، ط1 1424ه، 2003م.

معافة، هشام، التأويلية والفن عند هانس جيورج غادامير، الدار العربية للعلوم، ناشرون، لبنان، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط1، 1431ه، 2010م.

هانس جورج غادامر، اللغة كوسيط للخبرة الهرمنويطيقية، تر. رشيد بوطيب، (مجلة فكر ونقد)، دار النشر المغربية، المملكة المغربية،ع16، 1999.

سلقرمان، ج.هيو، نصيّات بين الهرمينوطيقا والتفكيكية، تر.حسن ناظم علي وحاكم صالح، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2002، ص 66.

H .G. Gadamer, L’art de Comprendre, Herméneutique et tradition philosophique, Ecrits I, tra Pierre Fruchon, Edition Aubier Montaigne, Paris, France, 1982.

 ....................

الهوامش 

(1) عادل، مصطفى، فهم الفهم، ص 298.

(2) ( H .G. Gadamer, L’art de comprendre : p130.

(3) معافة، هشام، التأويلية والفن عند هانس جيورج غادامير، ص 236.

(4) H .G. Gadamer, L’art de comprendre : p123.

(5) معافة، هشام، التأويلية والفن عند هانس جيورج غادامير، ص 237.

(6) عادل، مصطفى، فهم الفهم، ص 299 .

(7) (H .G. Gadamer, L’art de comprendre : p, p133, 134.

(8)هانس جورج غادامر، اللغة كوسيط للخبرة الهرمنويطيقية، تر. رشيد بوطيب، ص 44.

(9) معافة، هشام، التأويلية والفن عند هانس جيورج غادامير، ص 237.

 (11) H .G. Gadamer, L’art de comprendre : p163.

(12)معافة، هشام، التأويلية والفن عند هانس جيورج غادامير، ص299.

(13) المرجع نفسه، ص 237.

(14) عادل، مصطفى، ص 299.

(15) المرجع السابق: ص 300.

(16) H.G.Gadamer, L’art de comprendre, p166. 

(17) عادل، مصطفى، فهم الفهم، ص 301.

(18) H .G. Gadamer, L’art de comprendre : p 134.

(19) سلقرمان، ج.هيو، نصيّات بين الهرمينوطيقا والتفكيكية، تر.حسن ناظم علي وحاكم صالح، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2002، ص 66.

(20) المرجع السابق: ص 66.

(21) المرجع نفسه: ص 66.

 

 

زهير الخويلدي"الحق الذي يمتلكه كل فرد.. يخضع دائمًا للحق الذي يتمتع به المجتمع على الإطلاق، والذي بدونه لن يكون هناك صلابة في الروابط الاجتماعية، ولا قوة حقيقية في ممارسة السيادة."

لا شك في أن هناك العديد من الطرق للنظر إلى الأسئلة التي تثيرها الاستخدامات الحديثة لكلمة "الديمقراطية". اليوم، بالكاد توجد أي أنظمة لا تدعي أنها ديمقراطية أو تبرر خروجها عن المعايير الديمقراطية بالحاجة إلى إعداد الشروط الموضوعية لاحترامها أولاً. مع إدراكنا التام للحدود المرتبطة باختيار مثل هذا المنظور، سنقتصر على اعتبارنا هنا أن الإشارة إلى الديمقراطية، على الرغم من تنوع السياقات والنوايا وأنماط التنظيم المؤسسي التي ترتبط بها، يفترض دائمًا، بطريقة ضمنية تقريبًا، مشروع الكشف عن شرعية أو عدم شرعية السلطات المنشأة (أو التي سيتم إنشاؤها). من خلال هذا المشروع، فإن ما هو على المحك هو البحث عن موافقة (أو رفض) الرجال الخاضعين للسلطات التي تقول وتؤيد القانون. في هذا المجال، تشارك الكلمات نفسها في لعب القوى المعارضة التي تطور استراتيجياتها حول القوى. ومع ذلك، هناك العديد من الطرق لاستدعاء المعايير التي يمكن من خلالها إثبات شرعية السلطة العامة أو المتطلبات التنظيمية لممارستها. إن الإشارة إلى الديمقراطية ليست بديهية. يكفي هنا أن نفكر في كتب اللويثان لهوبز وفي الحكم المدني لجان لوك وكتاب العقد الاجتماعي لروسو.

لا يبدو لنا أنه من المبالغة القول بأن التحليلات المتاحة، على مستوى الدولة والمجتمع في الفلسفة الحديثة، تتطلب تصحيحات تفصيلية وإطلالة معمقة على مختلف الرؤى والتصورات التي صاغها الفلاسفة. فاذا كان لفظ مجتمع ينحدر من  كلمة socius التي تعني الحليف، الرفيق، والمنتسب ويمكن أن يشمل هذا المصطلح جميع العلاقات أو التجمعات البشرية بالمعنى القوي، ويشير الى اجتماع عدد من الأفراد يؤدي إلى ثقافة أو مؤسسات أو حضارة فإن الدولة ترتبط بالوضع، والحالة باللاتينية ويشير هذا المصطلح إلى الجهاز السياسي والسلطة السيادية التي تخضع لها مجموعة بشرية، والتي تعتبر شخصًا قانونيًا وأخلاقيًا.

تشير شخصية الانسان الاجتماعية إلى استعداده للعيش في صحبة الآخرين. بالمعنى الضعيف، يمكن أن تكون سمة شخصية. بمعنى قوي، تقول أن الإنسان ليس مجبرًا على العيش بمفرده. لقد اعتبر المفكرون القدماء أن هذه الحاجة الى الاجتماع كانت طبيعية وتتجلى بطرق مختلفة: لضمان سلامته وتغذيته، ولكن أيضًا لأن الرجل كائن يتكلم ويستمتع من شركة أصدقائه، أي فرد يجب أن يعيش في المجتمع. لذلك قال أرسطو أنه خارج المدينة، كان الإنسان "إما وحشًا أو إلهًا"، ولكن ليس بأي حال من الأحوال إنسانًا عاديًا. علاوة على ذلك لا يمكن للمجتمع أن يقوم ويحافظ على تماسكه واستمراريته ويحقق الازدهار والنماء دون قيام سلطة سياسية تهتم بتنظيم العلاقات بين أفراده ودولة قوية تعتني بادارة الشأن العام.  ولعل الدراسات المكرسة لتصورات هوبز ولوك وروسو إلى سبينوزا غالبًا ما تنطبق على القواسم المشتركة التي تجلت، في كثير من النواحي، من خلال نظرياتهم السياسية وانتقاداتهم للديانات المكشوفة وطموحهم المشترك حول ابرام معاهدة لاهوتية سياسية تحوم حول علمانية المجتمع وضمن مدنية الدولة. إن الهدف من هذه التأملات حول العقد والقانون والحكم والسيادة وإشكالية العلاقة بين الحق والقوة وبين السلطة والعنف حسب حنة أرندت شائع ومعروف. اذ لم يكن هناك أي شك في أن الحقيقة والسياسة على أسس سيئة وصفيح ساخن، ولا أحد كان يحسب حسن النية من بين الفضائل السياسية. لطالما اعتبرت الأكاذيب أدوات ضرورية وشرعية، ليس فقط لمهنة السياسي أو الديموغرافي، ولكن أيضًا لرجل الدولة. لماذا هو كذلك؟ وماذا يعني هذا فيما يتعلق بطبيعة وكرامة المجال السياسي من جهة، وطبيعة وكرامة الحقيقة وحسن النية من جهة أخرى؟ هل المجتمع حاجة طبيعية للبشرية؟ وكيف يقتضي قيام المجتمع وتطوره التاريخي وجود دولة قوية ؟ أليست اللعنة في السياسة ازدراء قوة الدولة ؟ هل الأمن والحرية شرطان متناقضان؟هل تبرر الغاية الوسائل في السياسة؟ وما المقصود بالعقد الاجتماعي؟ وكيف يعمل على بناء دولة قانون ومؤسسات؟ وهل هناك تعارض أم توافق بين النظام الاجتماعي ونظام الدولة ؟

1- فرضية حالة الطبيعة وفكرة العقد الاجتماعي:

بينما يعيش معظم الناس في المجتمع، فإن هذا لا يجعلهم في حالة انسجام ضروري واجتماع سلمي بالطبع. فالحياة الوحيدة هي المحافظة على البقاء بالمعمنى البيولوجي، ويمكن للمرء أن يتخيل حالة ما قبل اجتماعية للبشرية. يرى روسو أن الإنسان ليس لديه حاجة طبيعية للعيش في المجتمع: الحاجة تفصل الناس بدلاً من الجمع بينهم، وفي طبيعة مترفة وسخية يمكن لشخص واحد أن يكفي تمامًا لنفسه. تسمى هذه الحالة ما قبل الاجتماعية "حالة الطبيعة". يؤكد روسو نفسه أن هذا خيال. إنها وسيلة تصور الظروف التي أجبرت الإنسان على التجمع مع زملائه والخضوع للسلطة السياسية. إن خيال حالة الطبيعة هو قبل كل شيء وسيلة لتحديد شروط "الميثاق الاجتماعي": عقد أصلي، يحدد الشروط التي بموجبها يوافق الرجال على الخضوع لسلطة عدد قليل أو واحد . الحكومة غير شرعية عندما لا تحترم شروط الميثاق الاجتماعي.

بالنسبة لهوبس، "الإنسان ذئب للإنسان"، أي أنه معاد بشكل طبيعي لزملائه. والنتيجة هي "حرب الجميع ضد الجميع" والتي تدفع الجميع لقبول الخضوع لضمان أمنهم وسلامهم المدني. وبالتالي فإن الدولة المنتجة هي "ليفياثان" (وحش بحري مذكور في الكتاب المقدس)، وهو سلطة ذات سلطة مطلقة.

بالنسبة لروسو، لم يستطع الرجل أن يقبل التضحية بحريته الطبيعية في الحصول على الأمن في المقابل: "العقد الاجتماعي" يعني ضمناً أن كل مواطن يحافظ على حريته بأي ثمن، حتى مقابل السلطة السياسية.

لذلك يمكننا أن نرى أن مفهوم حالة الطبيعة يساعد في تفسير سبب قبول القانون، بما يتوافق مع ما يجب أن يقوله القانون. من ناحية أخرى، ما هو "قانوني" هو ما يقوله القانون في جميع الظروف. ما هو قانوني يمكن أن يكون شرعيًا أو غير شرعي. وبحكم مفهوم الشرعية هذا، اقترح ماكس ويبر تعريفه للدولة كعلاقة هيمنة تمارس عن طريق "العنف المشروع".

العقد الاجتماعي هو حل مقترح لمشكلة تبرير المجتمع المدني، وليس وصفا لنوع معين من الحكومة. لقد تم استعارة فكرة العقد من المجال القانوني. من "societas" اللاتينية، تعين كلمة المجتمع في البداية عقدًا يجمع الأفراد من خلاله السلع والأنشطة، بحيث يتعهد الشركاء بتقاسم أي خسارة أو أي ربح قد ينتج عن هذا الارتباط. بحثًا عن أساس للسلطة أقل تشكيكًا من القانون الإلهي (القديس بونافنتورا) وأقل تعسفيًا من القوة (مكيافيلي)، تحول المفكرون السياسيون إلى المفهوم القانوني للاتفاق التعاقدي القائم على الموافقة المتبادلة. إن المفهوم التعاقدي للدولة هو نتاج ثقافة تحدد الإنسان ككائن عقلاني، وهذا يعني أنه ليس فقط معقولًا، وبالتالي ذكيًا وأخلاقيًا، ولكنه مهتم أيضًا، وبالتالي قادر على الحساب. في أساس أي نظرية للعقد الاجتماعي، هناك فكرة مفادها أن المجتمع المدني ليس حادثًا صدفة ولكنه ثمرة حساب نفعي للأفراد لتحديد ما هو الأفضل للصالح العام لأكبر عدد الأفراد. وبالتالي، فإن نظريات العقد الاجتماعي مرتبطة بإيديولوجية فردية ونفعية للطبيعة البشرية:

الأفراد موجودون مسبقا في المجتمع الذي يتم اختراعه بالاتفاق المشترك. (مفهوم "اصطناعي" للمجتمع).

الأفراد متساوون بشكل طبيعي.

الأفراد قادرون على المنافسة بشكل طبيعي.

يميل الناس بشكل طبيعي إلى البحث عن الأمن.

الأفراد هم الآلات الحاسبة بشكل طبيعي. (قادرة على تصور مزايا كل منها المواقف المختلفة).

2. المفاهيم الأساسية:

هذه التعاريف الكلاسيكية هي تلك التي قدمها Pufendorf في عمله (في القانون الطبيعي والناس، 1672):

- حالة الطبيعة

حالة الطبيعة هي حالة الناس الذين ليس لديهم أي صلة أخرى غير صفتهم المشتركة لأنهم بشر، كل منهم حر ومتساوٍ مع الجميع.

- عقد الشركة أو "عقد الجمعية"

عقد الشراكة هو العقد بين الناس عندما يقررون التوحد لمنح شخص واحد أو جمعية مهمة اتخاذ القرارات المتعلقة بالأمن والمنفعة المشتركة بحيث تكون هذه القرارات تعتبر إرادة الجميع بشكل عام وكل منها على وجه الخصوص.

- العقد الحكومي أو "عقد المناقصة"

عقد التقديم هو التخلي الطوعي والكامل عن السيادة الفردية في أيدي الحكام الذين يتعهدون من جانبهم بمراقبة الأمن والمنفعة المشتركة. إنه عقد للرجال مع سيد.

تختلف نظريات العقد الاجتماعي باختلاف مفهومها لحالة الطبيعة وتحليلها للعقدين.

النظريات المختلفة للعقد الاجتماعي

سوف نقدم ثلاث نظريات ممثلة للاتجاهات المختلفة: نظريات هوبز ولوك وروسو

يشرح هوبز مفهومه للعقد الاجتماعي في كتابه Le Léviathan (1650).

إن ليفياثان هو وحش كتابي يقال إنه ليس له قوة على الأرض مثله. هذا الوحش، مخلوق خارق تقريبًا، يمثل لهوبس الدولة، هذه القوة الاصطناعية، كلها قوية، خلقتها الإنسان للدفاع عن نفسه.

أ- حالة الطبيعة حسب هوبز

حالة الطبيعة لهوبس هي "حالة الحرب الرهيبة" لأن الإنسان ذئب للإنسان.

تُعرَّف حالة الحرب على النحو التالي: "من الواضح أنه طالما أن الرجال يعيشون بدون قوة مشتركة تبقيهم جميعا في خوف، فإنهم في هذه الحالة التي تسمى الحرب والتي هي حرب كل واحد ضد كل واحد. الحرب الحرب لا تتكون فقط في المعركة أو في التعامل معها، ولكنها موجودة طوال الوقت التي أثبتت فيها إرادة القتال بما فيه الكفاية ؛ لأنه تمامًا كما أن طبيعة الطقس السيئ لا تكمن فقط في واحد أو اثنين من الاستحمام ولكن في الميل إلى المطر لعدة أيام متتالية، وبالمثل فإن طبيعة الحرب لا تقتصر فقط على الحقيقة الفعلية للقتال، ولكن في تصرف معترف به للقتال طوال الوقت أنه لا يوجد ضمان بل على العكس. أي وقت غير الحرب هو السلام. "(توماس هوبز، ليفياثان، الأول، الثالث عشر)

- حالة المجتمع حسب هوبز

إن حالة المجتمع ضرورية بسبب انعدام الأمن في حالة الطبيعة.

العقد الاجتماعي الذي يقوم عليه المجتمع هو عقد خضوع. يرفض هوبز التمييز بين الجمعيات والخضوع. بالنسبة له، الطريقة الوحيدة للوحدة هي الخضوع لطرف ثالث.

السمتان للعقد حسب هوبز هما:

حقيقة أن العطاء يجب أن يكون كليًا ؛

حقيقة أن السيد نفسه غير ملزم بهذا العقد (سلطته مطلقة).

الخضوع الكامل من جهة والسلطة المطلقة من ناحية أخرى هي شرط لا بد منه لوضع مدني، أي حالة سلام. وبالفعل، فإن مجرد إمكانية الاستئناف سيؤدي إلى عودة كل منهم إلى القتال. الدولة هي "رجل الله للإنسان".

ما يحافظ على الدولة هو السلطة. يقول بالفعل هوبز "بدون السيف، المواثيق مجرد كلمات".

ما يحل الدولة هو مناقشة السلطة، وحقيقة أن الرجال يحكمون على ما هو مسموح به وما هو غير مسموح به، ليس بموجب القانون ولكن بضميرهم. من خلال تعيين أنفسهم كقاضين للخير والشر، يعود الرجال إلى حالة الطبيعة.

الشيء الوحيد الذي يطالب به هوبز المواطنين هو الطاعة. ولكن في المقابل، يكسب المواطنون الأمن واحترام ممتلكاتهم.

هوبز هو المفكر في الحكم المطلق.

ب- نظرية لوك

على العكس من ذلك، يعتبر لوك من أوائل المفكرين الليبراليين. في مقالاته الثلاثة عن الحكومة المدنية، كشف عن نسخة جديدة من العقيدة التعاقدية للدولة.

لكن لوك يشاطر هوبز شاغلين: ضمان الأمن والحفاظ على الممتلكات (السماح للفرد بالاستمتاع بممتلكاتهم في سلام).

- حالة لوك الطبيعية

بالنسبة إلى لوك، فإن حالة الطبيعة هي حالة من الانسجام والحرية المعقولة. يتمتع الإنسان في حالة من الطبيعة بقوتين وحق أساسي:

القدرة على ضمان الحفاظ عليها.

القدرة على معاقبة أي شخص يهدد حياته.

يقتصر الحق الأساسي للملكية على ما هو ضروري للحفاظ عليه.

- حالة المجتمع حسب لوك

لماذا تشكيل مجتمع إذا كانت حالة الطبيعة هي حالة سلام ووئام إذا كانت حالة الطبيعة ليست "حالة حرب مروعة" كما اعتقد هوبز؟ تفتقر حالة الطبيعة إلى ضمان النظام والسعادة، وبعبارة أخرى ضمان الأمن.

كيف ينتقل المرء من حالة الطبيعة إلى حالة المجتمع؟ بالتراضي. ولكن، على عكس هوبز، اعتقد لوك أنه لا يمكن لأي حكومة شرعية (أي حكومة تمت الموافقة عليها بحرية) أن تكون حكومة مطلقة. في الواقع، لن يكون أي شخص أحمق بما يكفي للموافقة على التخلي عن جميع حقوقه، لأن حالة المجتمع حينها ستكون أسوأ من حالة الطبيعة.

فكرة لوك هي أنه في الحالة المدنية، القاعدة هي الأغلبية وليس السلطة المطلقة لهيئة قوية.

إنه افتراض جميع الفكر السياسي الليبرالي بعد لوك أن رأي الأغلبية يجب أن يكون الأفضل. هذا الافتراض المسبق يقوم على فعل إيماني. كما كان باسكال يتساءل بالفعل، لماذا نتبع التعددية؟ هل لأن لديها المزيد من الأسباب أم لأن لديها المزيد من القوة؟

وفقا لوك، يدخل الرجال بالتالي الحالة المدنية من خلال عقد شراكة (موافقة متبادلة) وعقد تقديم مشروط. يُحل عقد التقديم إلى الحكومة بمجرد أن تعتبر الأغلبية أن هذه الحكومة غير كافية، أي أنها غير قادرة على ضمان الأمن.

بموجب عقد التقديم هذا، يستسلم الأفراد بشكل مشروط سلطتهم للحفاظ على أنفسهم وسلطة العقاب لصالح الهيئة السياسية. ولتجنب إساءة استخدام السلطة من قبل الهيئة السياسية، لا ينبغي أن تتركز هاتان القوتان في أيدي هيئة واحدة. هذا هو مبدأ تقسيم السلطات، وهو أمر مهم للغاية في الديمقراطية الليبرالية. حتى لا يكون هناك،

سلطة تشريعية لديها السلطة لضمان الحفاظ على المواطنين من خلال سن القوانين؛

سلطة تنفيذية لها سلطة العقاب (لا يميز لوك سلطة تطبيق القانون، السلطة التنفيذية المناسبة، من تلك التي تعاقب الجاني، السلطة القضائية).

منذ لوك، اعتبر الليبراليون تقليديًا الفصل بين السلطات في السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية أفضل ضمان ضد إساءة استخدام السلطة.

تنبثق نظرية لوك عن مبادئ الديمقراطية الليبرالية في القرن التاسع عشر:

إن قوة السيادة عظيمة ولكنها ليست أكثر من الكفاءة في تعزيز الصالح العام، أي حماية الحقوق الطبيعية للأفراد.

الخضوع للسيادة مشروط دائمًا. إنها ليست عزلة عن الحقوق الطبيعية ولكنها وديعة بسيطة.

وبالتالي، إذا كانت الحكومة غير مخلصة بوظيفتها، فإن الشعب له الحق في التمرد.

سوف يتأثر روسو بشدة بفلسفة لوك السياسية. لديهم نفس المخاوف ونظريتهم للعقد الاجتماعي ترتكز على نفس الفرضية: الانسجام الطبيعي لإرادة ومصالح الأفراد. هذه الفرضية التي لا يمكن إنكارها هي الفردية الليبرالية والديمقراطية.

ومع ذلك، لم يوافق لوك وروسو على مفهومهما للعقد نفسه، أي على الوسائل التي سيتم استخدامها لتحقيق المثل السياسي.

- حالة الطبيعة حسب روسو

كان هناك العديد من سوء الفهم بشأن هذه الفكرة في روسو:

الانسان في حالة الطبيعة ليس لروسو الرجل الأصلي الذي يتحدث تاريخياً. روسو، مثل المنظرين الآخرين للعقد الاجتماعي، ليس ساذجًا بما يكفي للاعتقاد بأن حالة الطبيعة كانت موجودة بالفعل في الماضي. حالة الطبيعة ليست حقبة تاريخية. الرجل في حالة الطبيعة ليس رجل كرومانيون!

الإنسان في حالته الطبيعية ليس "الهمجي الجيد" لبرناردين دي سان بيير. الهمجي الجيد، مهما كان وحشيًا، هو بالفعل كائن اجتماعي و كائن أخلاقي.

لم يكن هناك أي سؤال على الإطلاق لروسو في الدعوة إلى العودة إلى حالة الطبيعة، لسببين: الأول هو أنه لن يكون من المنطقي العودة إلى دولة لم تكن موجودة من قبل ؛ والثاني هو أن الرجل في حالة الطبيعة لروسو ليس الرجل المثالي، إنه رجل لم يتدهور بعد، ولكنه لم يطور إمكاناته بعد: رجل التي تكون حالة التطور الأخلاقي والفكري فيها صفر. وبالتالي، فإن حالة الطبيعة ليست الحالة المثالية.

الرجل في حالة الطبيعة لروسو هو الرجل كما لو لم يكن كائنًا اجتماعيًا. يقول روسو عن مثل هذا الكائن أنه سيكون "جيدًا" لأنه لن يكون قادرًا على أن يكون لئيمًا. في الحقيقة، لكي تكون لئيمًا، عليك أن تؤذي رفيقك. ولكن للحصول على أشياء مماثلة، يجب على المرء أن يعيش بالفعل في المجتمع. لا يملك "الجار"، الرجل في حالة الطبيعة، ما يريده ليس جيدًا ولا سيئًا. لذلك فإن "صلاحه" سلبي بحت: غياب الشر، وغياب اللاأخلاق، بسبب عدم أخلاقه (غياب الأخلاق). وبالتالي، فإن حالة الطبيعة في روسو ليست نتاجًا للبحث عن الأصول التاريخية للبشرية (الحالة الأصلية) ولا نتاج الخيال (أسطورة الهمج الجيد)، بل هي نموذج نظري. يتم الحصول على هذا النموذج النظري من خلال تحليل الوضع الحالي. إنها مسألة تحديد من خلال التحليل ما الذي يعود إليه الرجال في طبيعتهم وما يعود إلى حياتهم الاجتماعية. وبعبارة أخرى، فإن حالة الطبيعة طبيعية في كل واحد منا. هذا هو السبب في أن ليفي ستروس يرى في روسو مقدمة العلوم الاجتماعية. ولكن عندما نتجاهل البعد الاجتماعي، فإن ما نحصل عليه ليس كائنًا حقيقيًا، بل هو بالضبط تجريد يظهر كمعيار، أي كنقطة مرجعية، معيار (ولكن ليس بالضرورة مثالية).

إن حالة الطبيعة هي ببساطة هذه الحالة المحايدة التي لم يفسد فيها الإنسان بعد، دون أن يكون كاملاً بعد: كل شيء لا يزال ممكنًا للأفضل أو للأسوأ. الإنسان في حالة الطبيعة مثالي لكنه قابل للتحلل. ميزة هذه الحالة مقارنة بالحالة الاجتماعية الحالية هي أن الرجل في حالة الطبيعة لم يتدهور بعد ؛ العيب مقارنة بالحالة الاجتماعية المثالية (حالة العقد) هو أن الرجل في حالة الطبيعة لم يتقن نفسه بعد. فقط التنشئة الاجتماعية الجيدة يجب أن تسمح للإنسان بتطوير مواهبه المحتملة. وهكذا، لفهم ما هي حالة الطبيعة وما هي الحالة الاجتماعية لروسو هو فهم هذه الملاحظة التي كتبها روسو نفسه بأن "كل شيء مرتبط جذريًا بالسياسة".

- المشكلة السياسية في فلسفة روسو تتبع منهجيان: كل عمل روسو هو انعكاس لظروف إمكانية الحياة الأخلاقية. الموضوع الأساسي هو الحرية. الحدس العميق لروسو هو أن مشكلة الحرية تنشأ أولاً وقبل كل شيء من حيث الحرية الاجتماعية والسياسية. لكن في تفكيره في المشكلة السياسية، اتخذ روسو مسارين، مسار الخطاب عن أصل وأسس عدم المساواة ومسار العقد الاجتماعي.

1) منهج الخطاب حول أصل وأسس اللامساواة

المشكلة المركزية في الكلام ... هي مشكلة عدم المساواة والملكية، والأخير هو مصدر الأول.

نقطة البداية للتحليل هي الرجل كما كان يمكن أن يكون. إنها حالة تخمينية، "حالة الطبيعة"، تتميز بالسعادة والعزلة واللاأخلاقية (غياب الأخلاق، لأن الإنسان في حالة الطبيعة ليس له مثيل).

نقطة الوصول هي المجتمع والقوانين كما هي، تتميز بالسوء والحرب واللاأخلاقية (عدم احترام لأبسط المبادئ الأخلاقية الأساسية).

2) منهج العقد الاجتماعي: إن المشكلة الأساسية للعقد ... هي الحرية والسيادة، والأخيرة هي ضمان الأول. (السيادة هي شخصية من هو صاحب السيادة، أي من يملك سلطة القرار).

نقطة الانطلاق هي الرجال كما هم، أي أنهم تدهوروا من قبل دولة اجتماعية على أساس عقد زائف ليس سوى صراع مقنع على السلطة (العنف). ان نقطة الوصول هي المجتمع والقوانين كما يمكن أن تكون، أي أن تكون مشروعة وآمنة وعادلة، على أساس عقد حقيقي (اتفاق الوصايا). لا تسمح لنا التنشئة الاجتماعية الجيدة بإعادة اكتشاف حالة الطبيعة، التي ستكون متناقضة، ولكن إعادة اكتشاف الطبيعة فينا. الرجل الطبيعي، رجل العقد الاجتماعي (أو إميل)، على عكس رجل الطبيعة، هو الرجل الذي أتقن قدراته الطبيعية بدلاً من تحريفها.

- العقد الاجتماعي حسب روسو

جميع نظريات العقد الاجتماعي قبل روسو، سواء المطلق (هوبز) أو الليبرالي (لوك)، تعتمد على الاغتراب الكلي أو الجزئي للفرد. ومع ذلك، بالنسبة لروسو، فإن المشكلة هي أولاً وقبل كل شيء الحفاظ على الحرية. ومن هنا جاء بيان مشكلته: "ابحث عن شكل من أشكال الارتباط الذي بموجبه يطيع كل شخص مع الجميع نفسه فقط ويبقى حرًا كما كان من قبل. "

كيف سيواجه روسو هذا التحدي؟ يقدم روسو حله في الفصل السادس من الكتاب الأول من العقد الاجتماعي: "الاغتراب التام لكل شريك مع كل حقوقه في المجتمع بأسره. لأنه، أولاً، يعطي كل شخص نفسه، الشرط متساوٍ للجميع، والشرط متساوٍ للجميع، لا أحد لديه مصلحة في جعله مكلف للآخرين ".

وبعبارة أخرى، من المفارقات، أن المعاملة بالمثل في التخلي عن الامتيازات الفردية هي التي تخلق الروابط الاجتماعية. هذا الارتباط من خلال التبرع الكلي (التخلّي عن بيع أو بيع) لكل مجتمع يجعل عقد التقديم غير ضروري. من خلال هذه الرابطة، يفقد الفرد الحرية الطبيعية - التي يشاركها مع جميع الكائنات الحية - لتوفير احتياجاته الخاصة مع جميع القوى الموجودة تحت تصرفه. لكنه يكتسب الحرية الاجتماعية التي تعرف بأنها التمتع بالحقوق التي يكفلها القانون والتي منحناها لأنفسنا (حرية الاستقلالية). يخضع الفرد نفسه، كموضوع، للقوانين، ويصدرها كمواطن.

الحرية عند روسو هي حرية الاستقلالية ("إن دافع الشهية الوحيد هو العبودية وطاعة القانون الذي وصفه المرء هو الحرية") لأن الاتفاقية الاجتماعية تؤسس بين الرجال المساواة القانونية الحقيقية ضد وضد الاختلافات الطبيعية: "بدلاً من تدمير المساواة الطبيعية، يستبدل الميثاق الأساسي، على العكس من ذلك، المساواة الأخلاقية والشرعية لما كانت الطبيعة قادرة على وضع عدم المساواة الجسدية بين الرجال، وأن تكون غير متساوية في القوة أو عبقرية، يصبح جميعهم متساوين بموجب الاتفاقية والقانون. "[1]

والحق أن السيادة المطلقة مرتبطة بفكرة السلطة العليا التي تتأسس على الارادة الشعبية ويقال إن السيادة التي لا تتعرض لأي استجواب مطلقة. عارضت الملكية المطلقة للنظام الملكي أي فكرة عن الحد من السلطة. لكن غياب التحديد هذا ليس محجوزًا لقوة استبدادية أو ديكتاتورية. في النظام الشرعي، يجب أن تكون هناك دائما سلطة ذات سيادة لا يفترض أن يمارسها أحد. لا توجد قوة سيادية حقًا ليست مطلقة، أي أنها مقيدة بغيرها. يصر سبينوزا على ضرورة أن يطيعها جميع الأفراد الذين يخضعون لسلطة ذات سيادة بشكل مطلق. وإلا، فلن تكون هذه القوة واحدة حقًا، وستكون الدولة بدون كفاءة حقيقية. وفقا لسبينوزا، يحتفظ الجميع بالحق الطبيعي الذي كان لهم في حالة الطبيعة في الحالة الاجتماعية. لا يمكن للسيادة فعلاً تعسفيًا حقًا: فالسيادة لا تنتزع حقًا الرجال من سلطتهم وحقهم الطبيعي. لذا على الرغم من تعريف السيادة هذا، فإن الفرد "يحتفظ بجزء كبير من حقه"، ولا يمكن للسيادة أبداً أن يصبح قاسياً أو تعسفياً ؛ وإلا فإنه يخاطر بإثارة تمرد رعاياه. من هذا المنطلق يجب رسم حدود للسلطات لأن الأشخاص الذين لديهم قوة حساسون ويميلون إلى إساءة استخدامها. السلطة تفسد كلما كانت مطلقة، أي بلا حدود (راجع أسطورة غيجاس  في جمهورية أفلاطون: كان غيجاسراعياً، بعد اكتشافه الحلقة التي جعلته غير مرئي ارتكب جرائم خطيرة على نحو متزايد ؛ يمكن رؤية المخفي باعتباره استعارة للقدرة الكلية والحصانة).

من ناحية اخرى أصر مونتسكيو على ضرورة الحد من السلطة للحفاظ على حرية المواطنين. ولكن بما أن السلطة لا يمكن تقييدها إلا بقوة أخرى، فهو يرى أن فصل السلطات هو المعيار المفضل لدولة حرة وعادلة.  على هذا الأساس ظهرت فكرة الجمهورية التي تنحدر من République أي الدقة العامة، والتي تعني "الشيء العام": إنها تمثل "الهيئة السياسية" بأكملها التي تجمع بين المواطنين والحكومة. لم تعين "الجمهورية" دائمًا نظامًا سياسيًا معينًا ؛ ويمكنها أيضًا التعبير عن فكرة النظام السياسي بشكل عام (وبالتالي فإن جمهورية أفلاطون مهتمة بالبحث عن أفضل نظام سياسي). كما صنَّف روسو الجمهورية كهيئة سياسية تأسست من خلال "العقد الاجتماعي"، الذي يحافظ على حرية المواطنين الذين يتحدون مع جميع الآخرين في هذا الاتفاق الأولي، وبالتالي يشاركون في السلطة السياسية. على مستوى راهني تحدد الجمهورية بشكل عام نظامًا لا تكون فيه السلطة وراثية، ويمثل فيها المواطنون من قبل المسؤولين المنتخبين. لكن هل يمكن أن يكون هناك مجتمع دون دولة ترعى شؤونه؟

يختلف المجتمع عن الدولة التي تمارس سلطتها على الأفراد، حتى لو بدا أن الدولة تنبع بشكل طبيعي من تجمع بشري كبير. ومع ذلك، يمكن للمرء أن يتخيل مجتمعًا بدون دولة، أو قبل الدولة. القبائل والعشائر هي مجتمعات عديمة الجنسية، حيث لا تتجسد السلطة في مؤسسات مستقلة. تدافع الأناركية عن فكرة مختلفة عن المجتمع عديم الجنسية، والتي بموجبها تنتج جميع السلطات المؤسسية وسلطات الدولة من منطق الاستغلال. وهل الدولة ترسيخ للشعب أم حصن الإرادة عامة؟

يتم تعريف الحرية المدنية من خلال تقييد الحرية الفردية لضمان التعايش السلمي لجميع الرجال. تأتي هذه السلطة من الخارج، وبالتالي يمكن أن تظهر كقيود تعسفية تعارض رغبات كل واحد. يجادل أرسطو في السياسة بأن كل شخص يحتاج إلى نظام سياسي مختلف ليحكم بشكل صحيح. ولكن مهما كان الشكل، يجب على حكومة المدينة السعي وراء الصالح العام، وليس رغبات القلة. يقترح روسو نظرية أكثر راديكالية، تؤكد أن وظيفة الجمهورية هي جعل الإرادة العامة تسود، والتي تعارض الإرادة الخاصة لجميع الرجال. لكل فرد إرادة لا تتوافق بالضرورة مع إرادة مواطنيه. ولكن بصفته عضوًا في السيادة، يمكن أن يكون مدافعًا عن الإرادة العامة، وبالتالي يساهم في حقيقة أن الحرية المدنية أعلى من الحرية الفردية. وهل يمكن اعتبار مسألة التمثيل السياسي تحرير أم اغتصاب؟

الديمقراطية البرلمانية هي نظام ينتخب فيه الشعب ممثلين يجتمعون في البرلمان لتحديد القوانين أو تعيين القادة السياسيين. لم يكن هذا النوع من النظام الغذائي موجودًا دائمًا، وربما تعرض لانتقادات شديدة. مارست مدينة أثينا لبعض الوقت نوعًا من الديمقراطية المباشرة، حيث يمكن للمواطنين المشاركة شخصيًا في المناقشات. تنتقد روسو الحكومة التمثيلية، مدعية أنها تمنح الحرية فقط للشعب وقت الانتخابات، وتقللها إلى العبودية بقية الوقت. منذ القرن التاسع عشر، خرج المفكرون لصالح الحكومة النيابية التمثيلية، لأنها سمحت بمزيج من النظام الديمقراطي والأرستقراطي (الذي يتوافق مع النظام الأفضل لأرسطو في السياسات) وفي نفس الوقت يصرح بإجراء نقاش عام قد يؤثر على الانتخابات.

في الختام ينهي جون جاك روسو الكتاب الأول بالتطرق الى اساس النظام الاجتماعي الذي يصلح لكل دولة قانون ويصرح في هذا السياق ما يلي: " إنه بدلاً من تدمير المساواة الطبيعية، فإن الميثاق الأساسي على العكس يستبدل المساواة الأخلاقية والشرعية لما كانت الطبيعة قادرة على وضع عدم المساواة الجسدية بين الناس، وأن تكون غير متساوية في القوة أو في الهندسة، يصبح جميعهم متساوين بموجب الاتفاقية والقانون." فهل تمت ترجمة هذه القواعد على أرض الواقع وفي التجربة التاريخية للمجتمعات؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

........................

المصدر:

Rousseau، Du Contrat social، L.I،  editions Flammarion, Paris, 1972.

 

علي محمد اليوسفتساؤل أولي:

أنتهينا في القسم الاول المنشور من هذه الورقة الفلسفية عن الزمن بتساؤل فرعي لم تتم الاجابة عنه هو(هل يمكن للزمان غير المادي تحريك الاجسام المادية؟). وكيف يكون التمييز بين مقدار الحركة بالجسم على أنها (زمن) وبين مقدار الحركة في الزمن غير المدركة ذاتيا  أنفصاليا عن (حركة) الجسم أنها أنتقالة (مكانية) لا ادراك عقلي للزمن فيها؟

الزمن وحركة الاجسام

لو تماشينا مع تعبير فلاسفة الاغريق قبل سقراط أن الزمان مقياس للحركة لكنه ليس حركة، فهنا يكون التفسير بالتفريق ما بين أن يكون الزمن هو حركة مكانية وبين ان يكون الزمن حركة مجردة لا مكانية لا تدركها عقولنا لاننا ندرك كل شيء مكانيا بمقياس (مقدار) تلازم زمنه معه الذي نجهله من دون معرفة مقدار حركة الجسم. مقدار الزمن لا يمكن تحديده الا بدلالة مقدارحركة الجسم فقط. والزمن اللامادي لا يكون سببا في تحريك ماهو مادي من الاشياء.

العقل لا يدرك الزمن تجريدا(صوريا) لغويا كما هو قابليته في ادراكه الموجودات المادية والتعبير عنها بلغة التجريد الذهني. فالعقل يعرف صفات الزمن ومقداره من صفات الاشياء كموجودات مكانية ثابتة ومتحركة ، لكنه يجهل (ماهية) الزمن ومقداره في تصوره التجريدي كموضوع تستطيع لغة العقل التعبير عنه صوريا أو تمثلّه تفكيريا...كذلك العقل يجهل مقدار حركة الزمن بغير دلالة مقدار حركة الجسم.

فلاسفة الاغريق حين قالوا الزمان هو (مقدار) حركة الشيء أو الجسم لكنه ليس هو حركة بذاتها فهم أسقطوا خاصية الحركة على الاجسام فقط دونما خاصيتها في الزمن ورفعوها عنه. وهي حقيقة تبدو متناقضة لكنها صحيحة ، فحركة الجسم المتغيّرة مكانا يستتبعها بالضرورة الادراكية حركة الزمن والا عجز الانسان رصد الحركة بالاجسام وأدراكها مكانا اذا لم يكن هناك زمن ادراكي عقلي يلازمها.

لكن من المؤكد لو لم يتصف الزمن بقابلية الحركة في تداخله وتزامنه مع حركة الاجسام لما تمكنا من مواكبة انتقالات وتحركات الاجسام مكانا في منح الزمان العقل قابلية أدراكها ، من حيث يعجز العقل ادراك حركة شيء مكانيا بمعزل عن زمانية ادراك تلك الحركة المكانية. فالزمان هو حركة غير مدركة ولا منظورة تلازم حركة الاجسام في ادراكها العقلي .والحواس الخمسة والوعي والجهاز العصبي والذهن والدماغ جميعها لا تردك الاشياء والاجسام من غير (زمن) أدراكها.

ولما كنا لا نشعر بحركة الزمن ألا بمزامنته التكاملية لحركة الشيء، نجدهم استبعدوا أن يكون الزمان حركة ذاتية منفردة لا نفهما ولا نعيها الا بفهمنا وادراكنا حركة الاشياء والاجسام. ويكون الزمان مقدار الحركة بدلالة الشيء المتحرك، فالزمان لا تعرف حركته الذاتية، بمعزل عن(مقدار) حركة الجسم.والعكس مع حركة الجسم لا يمكننا معرفتها زمنيا الا بمقدار حركة الزمن التي تحتويها وتلازمها، أنه يتعذر علينا معرفة مقدار حركة الزمن الا بمقدار حركة الجسم مكانا التي يعقلها الزمن وجودا مكانيا.

وهذا التعقيب يتداخل مع شرح النقطة التي تذهب أن الزمان الذي نعرفه بحركة الاجسام لا ينطبق عليه هذا الفهم كزمن مجرد عن حركة الجسم لذا أعتبر الاغريق الزمن علة وسبب حركة الاجسام لكنا نجهله كزمن فيزيائي مجرد. والصحيح أن الزمن ليس علة وسبب تحريك الاجسام كما اشرنا توضيحه سابقا في مقال سابق. لكنه مقدار حركة ليست مستقلة ملازمة لحركة الاشياء وهو ليس حركة يمكننا تعيينها منفردة ذاتيا. الزمن في لاماديته لا يستطيع تحريك ماهو مادي لا يجانسه الماهية المادية. فما هو مادي لا يحركه مجرّد لا مادي.

الزمن الكوني

لا يمكننا معرفة الزمان بمعزل عن نشوء الكون، فهل الزمان سابق على نشوء الكون، أم أنه ملازم لهذا النشوء؟ وهل الزمان بعدي أم قبلي على أسبقية أو بعدية الوجود؟ من الصعب الاجابة الفلسفية بعيدا عن علم فيزياء ونظريات كوزمولوجيا الكون.

لكن الارجحية من بين تلك الاحتمالات أن الزمن ونشوء الكون متلازمان معا منذ الازل ويبقيان كذلك، فلا يمكننا أدراك الكون فيزيائيا بمعزل عن أمكانية أدراك فيزياء الزمن الملازم له. ولا زمن موجود ندركه خارج دلالة الكون كما لا كون موجود ندركه بغير دلالة الزمن له. بمعنى ادراكنا تلازم الكون الفيزيائي مع الزمن ندركه بدلالة تعالق ادراكنا الاشياء والمحيط من حولنا في الطبيعة كاشياء مادية بملازمة الزمن لها. وهذه الخاصية التلازمية التي ندركها بين حركة الجسم والزمان على الارض من حولنا يمكن الاخذ بصحتها من حيث المبدأ في قياس مقدار الزمن الارضي للموجودات، لكن مقدار زمن الكون بالسنوات الضوئية ليس هو زمن الارض بالسنوات الشمسية.

التساؤل الفلسفي هل الزمن ثابت أم متغير وكيف؟

طبعا ستكون الاجابة من منطلق فلسفي وليس من منطلق كوزمولوجي علمي. وبعبارة موجزة تمهيدية فلسفية وليست فيزيائية علمية نقول الزمن ثابتا بالقياس الى ماهيته غير المدركة عقليا... ويكون في ذات الوقت متغيرا في ملازمته الادراكية للاشياء والموجودات الثابتة منها والمتحركة على السواء... بهذا المعنى الزمن يتغير في رصد ادراكه الاشياء في حالتي الحركة والثبات، وحالتي الثبات والحركة في منطوق الزمن الادراكي هما ثبات بالنسبة للزمن وليسا ثبات بالنسبة لادراكنا العقلي الذي يعتمد الزمن حركة في ادراكه الاشياء والعالم الخارجي من غير معرفة الادراك العقلي ماهية الزمن ولا كيف يكون الزمن أحدى وسائل منظومة العقل في ادراكه موجودات العالم الخارجي ولا نعرف ماهيته؟ ماهية الزمن العقلية الادراكية هي توسيل وظيفي يشبه تماما توسيل الوعي كحلقة في منظومة العقل الادراكية لكننا نجهل تعريف ما هو الوعي..

أن ما يبدو لنا أن الزمن يتغير من حولنا نجده في ملاحظاتنا تمظهرات العالم المتغيرة من حولنا وملاحقة مدركاتنا للاشياء في ثباتها وفي حركتها وأنها هي والانسان محكومان بالقدم وبالشيخوخة والفناء، أنما الحقيقة في ادراكنا تغيرات الزمن أن المتغير هو أدراكاتنا العقلية في مواكبة تحولات الاشياء زمانيا - مكانيا من حولنا فالمكاني ثابت بالنسبة للزمان المتغير الذي هو أدراك العقل للموجودات مكانا كيفما وجدت في حالتي الحركة والسكون وحتى في حالة السيرورة والتكوّن والعلاقات.

بضوء الفهم الكانطي يكون الثبات المكاني للاشياء هو في حقيقته وسيلة لأمكانية فهم العقل لها زمانيا... أما ثبات الاشياء في ذاتها ماهويا التي لا تدركه الحواس ولا العقل، حينها يكون أدراك الزمن متوقفا معطلا أمام رغبة العقل معرفة تلك الاشياء ماهويا ومحدودية قدراته الادراكية لها ..

فالاشياء بذواتها الماهوية هي (نومين) سواء عند كانط أو غيره من الفلاسفة وهي ماهيات وجواهر ليس سهلا أمام العقل أدراكها كمواضيع مدركة كما في أدراك العقل صفاتها الفيزيائية أو المادية المتعينة البائنة خارجيا..والسبب في ذلك عجز كشف الزمان للماهية أدراكا عقليا من خلال أدراك الماهية كمتعّين مادي يعقله العقل..

فالعقل الادراكي يكون معّطلا تماما في غياب وتلازم أدراكات الزمان له كوسيلة معرفية....لكن كيف يعمل الزمان في ملازمته العقل بادراك الاجسام، الجواب  غير محسوم؟ ولمن تكون الاسبقية في الادراك للزمن أم العقل؟ غير معلوم ايضا... هذا الاشكال يشبه تماما حين نقول الوعي هو جزء من منظومة العقل الادراكية وبدونها لا يكتمل الادراك ، لكن لوسألنا أنفسنا ما هو الوعي بذاته فلا نجد لتساؤلنا جوابا؟؟

فالعقل يفكر ويعي وجود الموجودات مكانيا بواسطة أدراكها زمانيا..بمعنى لا يتاح أدراك الموجود مكانا قبل أدراك الزمان العقلي له...وما يتاح أمكانية معرفته للعقل من موجودات أو كينونات بصفات خارجية بائنة لا يكون متاحا ولا ينطبق على وجود الاشياء بذاتها أي في ماهيّاتها وجواهرها..فالجوهر حسب موسوعة لالاند الفلسفية هو كل ما هو دائم لا يتغير في أشياء وموجودات تتغيّر...

من المعلوم أن منظومة الادراك العقلية للاشياء في وجودها المادي تبدأ بالحواس لتنتهي بمنظومة الجهاز العصبي والدماغ لكنما يبقى الوعي الزماني الادراكي للاشياء وسيلة وليس موضوعا... فنحن لا نستطيع أعتبار الوعي موضوعا للادراك العقلي الحسي وكذلك نفس الشيء عن الزمن، وأنما هما (الزمن والوعي) هما حلقتان ضروريتان ضمن منظومة الادراك العقلي، للعالم من حولنا وموجودات الاشياء..فالوعي والزمان لا يمثلان موضوعين للادراك لكنهما وسيلتا استدلال ادراكي عقلي...وبغير الادراك الزماني – المكاني للاشياء لا يتحول الادراك من أحساسات تستشعرها الحواس وتنقلها للدماغ الى مدركات حسية يستقبلها الذهن والدماغ..

وتماشيا مع فلسفة كانط أعتباره المكان والزمان قالبان فطريان قبليان مركوزان في العقل المدرك للاشياء، نجده يفترض كي يكون أدراكنا الاشياء مكانيا – زمانيا، هو أن تكون تلك المدركات ثابتة في تجانسها مع ثبات الزمان الراصد المدرك لها..

أن الحقيقة التي تجاهلها كانط أن الزمان ليس ثابتا في أدراكه الاشياء المتجانسة معه في ثباتها المكاني وبغير تعالق الثبات المكاني للاشياء مع الثبات الزماني في ادراكها هو شرط تحقق الادراك والوعي بها حسب كانط وبغير تعالق صفة الثبات في الشيء مع ثبات الزمن الادراكي له يتعذر علينا حصول ادراك عقلي له حسب كانط ايضا... والحقيقة أن الزمن يدرك الاشياء في حركتها مثلها في سكونها، فالزمن يلازم وجود الاشياء على أية صورة كانت حتى لو كانت على شكل علاقات بين الاشياء.  أن الزمان متغير في سيرورة دائمية وليس ثابتا في أدراكه الاشياء في حركاتها وانتقالاتها المكانية، بالحقيقة أن العقل يدرك الاشياء والاجسام زمانيا في كل أشكالها الانطولوجية مكانا في حالتي ثباتها وحركتها معا، عليه ليس صحيحا أفتراض أن الزمان لا يدرك من الاشياء سوى الثابتة غيرالمتحركة ولا المتغيرة..أي تلك التي تجعل من الثبات عند كانط عامل حسم في المجانسة التي تفترض ثبات الشيء مع ثبات أدراكه زمانيا..

كما نجد أنفسنا ملزمين في التساؤل كيف يكون الزمان ثابتا وكيف نتأكد من ذلك؟ الضرورة البدهية التعالقية بين الادراك الزماني العقلي وبين الاشياء في وجودها المكاني تقول منطقيا أن الزمان متغير بدليل امكانية ادراك العقل للاشياء في الحركة والتبدلات المكانية لها وانتقالاتها وفي مختلف تجلياتها الانطولوجية والعقل لا يدرك الاشياء ثابتة ويعجز عن أدراكه الاشياء المتحركة. صحيح الزمان مطلق ثابت كمفهوم ميتافيزيقي لا ندركه يحكم الكون وما فيه ، وندرك الزمان وجودا متغيرا في ملازمته تغيرات الاشياء وادراكنا لها من حولنا على الارض.

وبعد تسليمنا أن الزمان لا يتبع ثبات الشيء مكانا كي يستطيع أدراكه عقليا، فالموجود مكانا لا يمكننا أدراكه من غير ملازمة الزمان المتغير له..والموجود مكانا يتبع الزماني في عملية الادراك وليس العكس....كما ليس مهما ثبات الشيء مكانا كي يكون متاحا أدراكه زمانيا..فجميع الاشياء والاجسام والموجودات في حركاتها وتغييراتها هي ثبات أدراكي زمني للعقل، وما يبدو لنا تفريقه ثابتا أو متحركا أنما يكون في أدراكه الزماني العقلي ثابتا، رغم كونه في حالة الحركة والتغيير..

أننا ندرك حركة الزمن في حركة الاشياء ولا ندرك الاشياء الا في حركة الزمن الراصدة لها، فالزمن وسيلة حدس غير مرئي لا كماهية ولا كموضوع...كانط يعتبر ثبات الزمان مرتهن بعدم أمكانية وقابلية العقل أدراك الزمن بذاته أي ماهيته، على أعتبار أننا ندرك الزمان على أنه سلسلة من التعاقبات الحدسية الدائمية المطلقة التي نلحظها في أدراكنا الاشياء في ثباتها المكاني وفي انتقالاتها وحركتها. أي أدراكنا للزمن كماهية أنما يكون أستدلاليا في نتائجه الادراكية لحركة الاشياء، فالزمان ليس موضوعا أدراكيا للعقل وأنما هو وسيلة أستدلال العقل في معرفته الاشياء..

لذا نجد كانط كي يخلص من التناقض البادي الواضح في التفريق بين ثبات وجود الاشياء مكانا من جهة، وأستحالة أدراكنا الزمن عقليا كمدرك وجودي موضوعي من جهة أخرى، قال نظريته الفلسفية أن قالبي المكان والزمان حدسان فطريان مركوزان في تركيبة عقولنا، ومن غير تلازمهما لا يمكن للعقل والحواس أدراك وجود الاشياء في العالم الخارجي، وهذا التلازم بين الزمان والمكان يشبه تعالق الفكر باللغة، فنحن لا يمكننا التفريق بين تلازم الفكر واللغة الا أفتراضا، وفي حقيقتهما هما أفصاح واحد في التعبير عن الشيء في لحظة أدراكه والوعي به....كذا الحال في أدراكنا الشيء مكانيا- زمانيا أنما هو في حقيقته أدراك واحد لشيء محدد في لحظة واحدة ، وما يدرك مكانا أنما هو في حقيقته مدرك زمانا. وكذا الحال مع الوعي فهو ضرورة ادراكية للعقل لكنه لا يمتلك استقلالية ذاتية ولا استقلالية ماهوية.

كانط في فرضيته عن الادراك العقلي للاشياء في كتابه نقد العقل المحض، تجّنب الخوض في مبارزة مع المنطق الفيزيائي العلمي في كيفية حصول الادراك الفيسيولوجي العقلي، بدليل أنه تناول تفسير أدراك العقل المحض فلسفيا وليس علميا،أي أنه طرح قضية الادراك العقلي تجريدا فلسفيا ولذا أختار تعبير (العقل المحض) أي العقل المتجرد عن التجربة العلمية وقوانين الفيزياء، والدليل الآخر أنه أعتمد قالبي الزمان والمكان كمعطيين فطريين مركوزين في العقل، وهو ما يتحفظ عليه العلم التسليم به..فمن يستطيع أثبات أن المكان والزمان هما معطيان فطريان في العقل غير مكتسبين بالتجربة والخبرة؟ فالوعي بالشيء لا تأتي معرفته بالفطرة المعرفية بل بتراكم الخبرة المكتسبة عنه.

كانط يذهب الى أن مجانسة ثبات الموجودات مكانا مع ثبات الزمان الادراكي لها هو الذي يتيح للعقل أدراكه الاشياء،وبغير هذه الآلية في مجانسة الثبات بين الزمان والموجودات الواقعية لا يتوفر أدراك عقلي لها..كما نستنتج عن كانط ايضا أن الموجود المتحرك مكانا لا يدركه الزمان الثابت، فلكي يتم أدراك الشيء في وجوده المكاني يجب أن يكون تعالق تجانس ثباته مع تجانس ثبات الزمان. فهل معنى هذا أن الزمان لا يستطيع أدراك الاجسام والاشياء المتحركة التي لا تتسم بالثبات؟ قطعا يكون الجواب كلا..

أن حركة الزمان المتغير أنما هي ادراك مطلق للمكان في جميع تجلياته وظواهرة المتبدلة المتغيرة...عليه يمكننا القول بخلاف كانط أن الموجودات والاجسام هي في وجودها الانطولوجي أنما هي حالات من الحركة المستمرة والتكوينات والعلاقات المتغيرة فيزيائيا على الدوام، وحالة الثبات التي أعتبرها كانط ضرورية لادراك الزمن العقلي لا وجود حقيقي لها في ملاحقة وتزامن الادراك الزماني لحركة الاشياء كما هي في ثباتها ولا فرق بين الادراكين(الثابت والمتحرك) ادراكا زمانيا سوى بالتعبير اللغوي فقط فهما فعالية مركبة واحدة متكاملة ذاتيا لزمن واحد .. فالزمن ثابت ومتغير بذات الوقت.ما يدرك مكانا هو مدرك زمانا ويجوز أستعارة التقديم والتأخير لنتيجة واحدة..ليس سهلا التسليم مع كانط أن (ثبات) الزمان وهو أفتراض خاطيء فالزمن متغير، يستتبعه بالضرورة الادراكية العقلية ثبات الموجودات مكانا،كما لسنا ملزمين الاخذ بفرضية كانط بأن الوجود الحسي المادي للاشياء يتعذر ادراكه مالم تكن تلك الموجودات مشتركة في مجانسة الثبات مع الزمن الادراكي الثابت لها..الزمان متغير مطلق يحكم العالم في جميع اشكال وتكوّنات وسيرورة مكوناته. وهو ثابت في ميزته الكونية أنه أزلي في ملازمته وجود الكون.كانط يوقعنا بلبس وأرتياب حين يعتبر أن الزمان لا يطال أدراكه سوى ظواهر أو صفات الاشياء الخارجية الثابتة البائنة وليس ماهياتها وجواهرها الدفينة (نومين). وهوتعبير صحيح لكنه لا يصلح الاستدلال به في تصويب نقيضه عندما نجد أن أبسط ذرة في الطبيعة الى أعقد ظاهرة في الكون هي ليست ثابتة بأي معنى أو شكل فيزيائي كما يشترط كانط كي يتم أدراكها زمانيا عقليا..فالعالم بمجمله حركة وليس سكونا حتى على مستوى مكونات  الذرة....... للمقال صلة سابقة

 

علي محمد اليوسف/الموصل

الهامش:عبد الرحمن بدوي /الزمن الوجودي/ صفحات 50،51، 53

 

 

عدنان عويدChristopher L. C. E  Witcombe

*Art for Art's Sake

ترجمة :د. عدنان عويّد

مدخل:

بما أن الفن في سياقه العام هو مشروع إنساني يهدف إلى بناء وعي الإنسان وإعادة تشكيله، شأنه شأن الرواية والقصة والفيلم والمسرحية، لذلك سيظل هذا المشروع مع بقية المشاريع الموازية له في التأثير على عقول الناس ومسيرة حياتهم وتطلعاتهم، محط استخدام من قبل من ينادي بتطور الإنسان، أو من قبل مع يعمل على تخلفه وتشيئه وتذريره...وهذا في الحقيقة ما يدفعنا للكتابة عنه كي نظهر تلك الرؤى والأفكار والنظريات التي يستخدمها الفنانون والأدباء، في أعمالهم تحت ذرائع غالباً ما تتخذ من مسألة الدفاع عن حرية الإنسان وسيلة لذلك.. وهذا في الحقيقة ينطبق على كل النظريات التي تهتم بعلم الاجتماع أيضا.

د. عدنان عويّد

***

ركز القرن العشرين في اهتماماته الفنية على الحداثة التقدمية، إلى الحد الذي كادت أن تهمل فيه الحداثة المحافظة، بل راح الفنانون والنقاد ومتابعو الفن في هذا القرن يعلنون سخريتهم تجاه أية صيغة فنية أخرى غير الصيغة الحداثية للفن .

إن ما أطلق عليهم اسم (الرسامون الأكاديميون) في القرن التاسع عشر، اعتقدوا أن ما يقومون به من أعمال فنية سيعمل على تحسين العالم عبر عرض أعمالهم الفنية التي تتضمن أو تعكس تلك القيم الأخلاقية المحافظة والنبيلة معا، وهذا ما تدل عليه تلك الأعمال الفنية الفاضلة والمبدعة التي كانت تلهم العاطفة المسيحية وتدفعها للعمل الصالح والنبيل الذي يطمح الجميع إلى محاكاته أو التشبه به في هذه الحياة .

أما العالم الحديث الذي راح ينعكس في الأعمال الأكاديمية المعبرة عنه، وفي حالات تقدمه المتوالي، فلم تكن هذه الأعمال في حقيقة أمرها أكثر من تجسيد للواقع الراهن وداعم له وعارض لمستقبله بطريقة لا يهمها كثيرا الحفاظ على قيمه الإيجابية وتنميته. بينما نجد الفنانين المحافظين قد رغبوا في الحفاظ على واقعهم ومؤسساته، وفضلوا التغير التدريجي التقدمي لهذا الواقع على التغير الراديكالي. هذا في الوقت الذي نجد فيه أيضا أن هذه الأعمال المعاصرة كثيرا ما كانت تنتقد من قبل المؤسسات السياسية والدينية معا، كونها وضعت ثقتها في نطاق المنفعة الفردانية، هذه المنفعة التي اعتقدوا أن انطلاقتها كانت مع (روسو) في القرن الثامن عشر، وقد وصلت الآن إلى مرحلة الفساد بسبب قضايا كثيرة في هذا العصر، أهمها، نمو المدن، وانتشار الفساد الاجتماعي بسبب مفرزات الثورة الصناعية، وسيادة النظام الرأسمالي المتوحش، الذي شجع على الفردية، وجعل من الفرد الذي أخذ يميل إلى الشر في عالم المنافسة هذا حيوانا متوحشا . لذلك كل هذا كان وراء تمجيد (روسو) للطبيعة، وتشجيع العدد الكبير من الحداثيين ليعطوا حياة الريف صفة المثالية، وهذا هو ذاته أيضا الذي دفع (توماس جفرسون) للعيش في بلده قريبا من الطبيعة، وإعلان رغبته بأن يكون اقتصاد الولايات المتحدة اقتصادا زراعيا بكامله، مثلما كان له وصف جميل للمدن، حيث قال بأنها (قرحات على جسد السياسة.) .

عند المقارنة ما بين الحداثة المحافظة والحداثة التقدمية، نجد أن الحداثة المحافظة بقيت مقيدة بالأفكار القديمة الميالة إلى دعم الأوضاع القائمة في المجتمع المعاصر، بينما الحداثة التقدمية راحت تتبنى المواقف المعادية للمجتمع ومؤسساته القائمة، ثم بطريقة أو بأخرى أخذت تناضل تجاه كل السلطات القائمة تحت اسم الحرية، وبذلك تكون قد أساءت لقيم البرجوازية المحافظة عن قصد أو بدونه .

على العموم، اتجهت الحداثة التقدمية عبر اهتماماتها إلى القضايا السياسية والاجتماعية ومجمل ما يتعلق بهموم المجتمع المعاصر، وخصوصا في حلقاته الفقيرة، وإلى حد ما في حلقاته الوسطى الراضية عن نفسها بشكل متزايد. فمن خلال اللوحات الفنية راح الفنانون يبثون هموم القوى الاجتماعية الفقيرة في المجتمع المعاصر بشكل مباشر أم غير مباشر، مدركين ضرورة عنونتها والعمل على تصحيحها، مثل، معاناة الفلاحين، استغلال الفقراء، البغاء... الخ . إضافة إلى ذلك، لقد راح الحداثيون التقدميون وبشكل متطرف من خلال أفكار التنوير الداعية للحرية والمساواة، إلى تثقيف العامة بغية مواجهة القوى الاجتماعية المحافظة صونا للحياة وخلق مكان أفضل فيها لعيش الإنسان . وهذا الموقف المتخذ هنا من قبل الحداثة التقدمية، جاء ليؤثر على الفنانين الطليعيين، وفي المقارنة أيضا مع موقف الحداثيين المحافظين الذين تمسكوا بالماضي والتقليد معا، فان الفنانين الطليعيين رفضوا التقليد عن قصد. ولكن بالرغم من أن الحاضر في سياق حركته وتطوره الحتمي والإرادي يجب أن يكون أكثر حداثة، إلا أن التقليد لم يزل يمتد في الحاضر ويؤثر عليه رغم تفاؤل الفنان في المستقبل.

إن رفض الماضي أصبح أمرا ضروريا بالنسبة للفنانين التقدميين وبخاصة مع قدوم الحرب الكونية الأولى التي عنت بالنسبة لهم الفشل الذريع للتقليد، ثم أن الكوارث التي ولدها التصنيع وتجلت في نتائج هذه الحرب، بينت بشكل من الأشكال أن تلك الثقة العظيمة التي منحت للعلم والتقدم التكنولوجي من حيث قدرتهما على خلق عالم أفضل، هي ثقة فاشلة بشكل واضح، مثلما بينت أيضا أن بروز المدرسة (الداديّة) في الفن هي علامات بارزة على انبثاق ما سمي ما (بعد الحداثة) من البنية الذهنية والعقلية للفنان.

دعونا اليوم نعمل على توصيف الحداثة التقدمية لنقول : إن اعتقاد طلائع الاتجاه الحداثي اليساري والليبرالي منذ القرن الثامن عشر بشعارات الحرية والمساواة، غالبا ما تجلى في الفن، الذي أصبحت الحرية في أبعادها الاجتماعي والسياسية والاقتصادي أحد مواضيعه الهامة، مثلما تجلت الحرية أيضا كأسلوب فني تمثل في اختيار (الألوان، ولمسة الفرشاة ... الخ)، وذلك كله جاء تعبيرا عن ممارسة حقوق الفنان الذي آمن بالحداثة التقدمية وعمل على لفت نظر الآخرين تجاهها.

في مرحلة متقدمة من القرن العشرين، أصبحت ممارسة الحرية الفنية متطرفة بالنسبة لتيار الحداثة التقدمية، فالفنانون أخذوا يبحثون عن الحرية في صيغتها المتطرفة هنا، ليس في مجال القواعد والقوانين الأكاديمية للفن فحسب، بل وفي نطاق حاجات الشعب أيضا، فمسألة التطرف المبكرة في الدعوة للحرية بالنسبة للفنانين كانت وراء الفكرة التي راحت تقول، إن الفن الذي سينتج لم يعد في حقيقته من أجل الشعب، بل هو من أجل الفن .

مع ملاحظة مشهد الحداثة التقدمية، يأتي شعار (ا لفن من أجل الفن) بشكل أساس، دعوة للتحرر من قيم الاستبداد في دلالاتها ومقاصدها. ففي الوقت الذي نجد فيه ممارسة شعار الفن للفن تعبيرا عن الحرية، نجده أيضا (خدعة)، و(إهانة) مدروسة تجاه إحساس أو وعي البرجوازي في مرحلته الليبرالية التقدمية، التي أراد فيها الفن أن يحمل معان وأهدافا وقيما تساعد على تنوير وتعليم الأخلاق، وهذا لم يعد محققا في هذه الأعمال الفنية المباعد حداثوية، حيث نجد الفنان المباعد حداثي (James Abbott McNeill Whistler) على سبيل المثال يقول بمرح : " قررت أن يكون غرض فني ليس لتلك الأشياء " أي لقيم التعليم والتثقيف والتربية.

وفي مقال للكاتب (Oscar Wilde) بعنوان : ( (The Soul of Man Under Socialis نشر عام 1891 جاء فيه : (إن العمل الفني هو النتيجة الفريدة للمزاجية الفريدة، فجماله يأتي من حقيقة ما يكون عليه الكاتب أو الفنان، وهو في حقيقة أمره لا يملك شيئا في عمله لما يريد الآخرون تحقيقه. إن الفنان في اللحظة التي يأخذ فيها إشارة أو ملاحظة ما يريده الآخرون ويجرب تحقيقه في أعماله لا يعود فنانا، ويتحول إلى لعبة، أو حرفي هزلي، أو ربما تاجر شريف أو غير شريف، وفي نهاية المطاف، هو لن يملك أكثر من الادعاء بأنه فنانا فحسب .) .

على أية حال، إن شعار الفن للفن، هو (خديعة) كما أشرنا في موقع سابق، تمخضت عن نتائج عكسية. فالبرجوازي نفسه الذي له ذوقه وأفكاره الحداثية راح عبر شعار الفن للفن ذاته يواجه بسرعة انحراف الفن عن مساره وتحوله إلى وسيلة تعزز إيقاف أو إبطال مفعول المؤثرات الحقيقية للفن تجاه كل ما هو ضار أو مفيد في المجتمع، أي تحويله إلى فن مجرد .

في نهاية القرن التاسع عشر، وجدت الإرهاصات الأولية للنقد الفني من قبل نقاد ومؤرخي الفن، حيث كانت هذه الارهاصت النقدية ذات مفاهيم شكلانية، مبعدة بشكل فعال مسألة (المعنى والقصد) عن مكانتها أو اعتباراتها النقدية، لذلك راح الفن يناقش قضاياه انطلاقا من هذه الفترة – نهاية القرن التاسع عشر - وصاعدا في نطاق مفاهيم أنموذجية آخذاً بعين الاعتبار اللون، الخط، الشكل، الفراغ، التركيب، آملا هذا الفنان، وتحت أي اعتبار اجتماعي، أو سياسي، أو بيانات تقدمية معلنة .. الخ، أن ينجز عمله الفني. ففي مثل هذا المقاربة الفنية، فإن الفنانين في الحقيقة، الهواة منهم، وإلى حد ما بعض المحترفين أيضا، مع تحقيق حرفيتهم واستقراهم الفني، راحوا يفقدون أهداف الحداثة الحقيقية شاؤا أم أبوا، ليستغرقوا في الأسلوب الشكلي من التفكير الفني. ودفاعا عن هذا الموقف الفني، أخذ الجدل يدور حول أن هذا الأسلوب الفني المتبع هنا، يعبر تماما عن وظيفة الفن، وهذه الوظيفة تقوم على تعزيز وحفظ قيم وأحاسيس الحياة الإنسانية المتمدنة، ومحاولة البقاء بعيدا عن التأثيرات المؤذية بشكل عام، وإلى أقصى حد ممكن الثقافة التكنولوجية في بعدها اللاإنساني .

أخيرا لقد ظهرت هناك فكرة أن الفن الحديث مورس كليا داخل محيط صيغيّ مغلق، ثم راح ينفصل بالضرورة عن محيطه الاجتماعي كي لا يلوّث بالعالم الخارجي. فهذا الناقد الشكلاني ( Clement Greenberg) في مقال له طبع أول مرة عام " 1965 " تحت عنوان (الفن المعاصر)، لمس " كليمنت " أن الحداثة قد أنجزت استقلالها الذاتي في مرجعيتها، الأمر الذي جعل العمل الفني يبدو وكأنه ظاهرة معزولة تماما وفي شيء من النقاء الفكري المجرد عن الواقع، أي أنه لم يعد يحكم من قبل دوافع إنسانية، بل راح يحكم في الواقع من قبل قوانين غامضة كليا وبأساليب متطورة. وبتعبير آخر يمكن القول أيضا في هذا الاتجاه : إن الفن قد انفصل عن الزمن المادي وعن كل ما يتعلق بالأحداث العادية للناس العاديين .

إن الافتراضات الضمنية في العمل الفني هنا هي بداية افتراضات كل الفن البصري الذي عبر فهم طريقة تعبيره تستطيع المواهب الخاصة التعبير بدورها عن الأشياء اللطيفة والناعمة للمجتمع والإنسانية . فميزة هذا (النقاء البصري) في الفن، منحت هذا الفن القدرة على الاستقلال الذاتي لنشاطه عبر محيطه، وجعلته كما أشرنا قبل قليل منفصلا كليا عن قضايا العالم اليومي للمجتمع بما فيها الحياة السياسية.

إن الاستقلال الذاتي لطبيعة الفن البصري، يعني الإجابة الصحية عن تلك الأسئلة المطروحة عن مفاهيمه . فتاريخ الحداثة وفق هذا التصور بني فقط للتأثير في نفسه، وتكون مرجعيته من ذاته كليا.

أما المدرسة الانطباعية فقد ربحت كثيرا من الأهمية التاريخية لفنها وذلك من خلال مكانتها داخل مشروع الأسلوب التقدمي الذي حازت على جذوره عبر تقدم واقعية (Courbet and Manet)، وبتزودها أيضا بالدوافع الأساسية للأساليب الناجحة لما بعد الحداثة.

إن مؤرخي الفن التقليدي ونقاده رغبوا بتزايد اقتراب الفنانين الآخرين من فن ما بعد الحداثة، مثلما رغبوا أيضا بذاك النوع من الحديث الذي أخذ يدور حول الفترات التي راحت تتزايد فيها قيمة الوهم عن أن تاريخ كتابة الفن يمكن أن تتم وفقا لخط عظيم واحد من الترابط المنهجي المنظم، بالرغم من إيمانهم بأن التنظيم أو النظام يسمح للمرء أن يربط الفن المفضل للفترة المعيشة بفن الماضي الأصيل، وذلك من خلال إمكانيات استعادة الملاحظات المنطقية للتقدم، ولكن هذه الإمكانيات على ما يعتقد، هي رأي غير مهم هنا، وأريد تسويقه في مفاهيم على ما يبدو أنها ذات ميول تاريخية عنيدة .

بالنسبة لجهة المؤسسين المحافظين، أصبح التيار الشكلاني أداة فعالة جدا في توجيه الفن المنفلت من عقاله والمشوش إلى حد كبير. فالعديد من التيارات الفنية راحت تفرخ في النصف الأول من القرن العشرين، وقد بدت كمحاولات بعيدة عن المألوف تهدف إلى فك قبضة الحداثة التقدمية .

إن النظام أو الأسلوب، عبر عنه كذلك من قبل العديد من مؤرخي ونقاد الفن الأكاديمي، مشتغلين يدا بيد مع سوق الفن الذي كان مهتما فقط بالنقود وليس بالمعنى . هذا السوق الذي استوعب وبحيوية كل المحاولات التخريبية والهدامة، أو كل ما هو ثائر على الطبيعة والمجتمع .

لسوء الحظ، بالنسبة لتاريخ الفن، إن عملية تحييد الحداثة التقدمية، هي مؤشر أخر أيضا على أن تاريخ الفن يريد كذلك تحييد كل الفن الآخر في الزمان والمكان انطلاقا من مراحله المبكرة. كما نجد التحييد ذاته ولكن بطريق أخف، قد نال مسألة تنظيم العمل الفني التي كانت تستخدم من خلال اللوحة الإبداعية لتاريخ الفن، فهي قد أصبحت وإلى حد كبير أيضا مجردة من أي معنى حقيقي أو أصيل بالنسبة للعمل الفني. كل ذلك، كان على العموم، يؤكد بأن الصيغة الجمالية الشكلانية تريد امتلاك الأولوية في تقرير وظيفة الفن بدلا من العلاقات الاجتماعية والسياسية للمحيط الاجتماعي، وهذا أيضا يريد التأكيد على أن فن الرسم والنحت يريدان البقاء كمركز لمفهوم الفن الراقي أو الفن (اللطيف) .

بيد أن الشكلانية بالرغم من موقفها المحايد تجاه الحداثة عموم، والفن في أسلوبه وأهدافه وزمانه ومكانه على وجه الخصو، إلا أنها استطاعت في الوقت ذاته أن تنحرف قليلا لمصلحة التقدميين الذين كانوا قادرين على استخدامها هي ذاتها في الدفاع عن الحداثة، وبخاصة في الفن التجريدي الذي أصبح بشكل خاص مفتوحا على النقد.

إن الشكلانيّة انسجمت أيضا وبعناية فائقة في بداية القرن العشرين مع أهداف أخرى للحداثة التقدمية على النطاق الكوني .

على العموم، بالنسبة للفن لكي يكون وسيلة فاعلة من أجل تطوير المجتمع فهو يحتاج إلى أن يكون قابلا للفهم من قبل العديد من الناس قدر الإمكان، ولكون الفن لم تكن أهميته تكمن في كونه مجرد صورة فحسب، بل أن أهميته الحقيقية والصادقة تكمن وراء هذه الصورة، فالفن ليس صيغة واحدة من جهة، والصيغة الواحدة ذاتها قابلة لأن تعطي دلالات عدة من جهة ثانية، ولكن هناك شيئا واحدا يدعى (فنا)، وهو عنصر مشترك مع الكل، ومهما يكن هذا الشيء الفني، فهو شيء كوني، يشبه الحقيقة العلمية في الفهم التنويري، والفن بعمومه امتلك هذه الشيء أو السمة بكل وضوح .

على العموم، إن أول خطوة كانت باتجاه طريق التجريد ابتدأت مع العمل على إبعاد كل العناصر التي تساعد على إخفاء أو إبعاد الأهداف المميزة للعمل الفني التي تميل إلى تحقيق وظائفه الاجتماعية. هذا وقد كان الفن التجريدي بالنسبة للبعض ممرا لتحقيق أهداف أخرى تتعلق بالجانب الروحي، حيث اعتقد هؤلاء الفنانون أن الفن قادر على أن يخدم كمرشد روحي، أو كمصدر الهام روحي أمام ضياعات الوجود المادي المتزايد في العالم المادي المعاصر.

عموما، إن التجريدية تعمل على استخدام نوع من التخطيط البعيد عن العالم المادي، وقد امتلكت إمكانيات كبيرة في الإيحاء، أو الوصف، أو الإيماء المجرد إلى عالم الروح .

 

كاتب وباحث من سورية

.......................

* witcombe.sbc.edu/modernism/roots.html

 

 

محمد كريم الساعدييمارس الفكر الذي يشكل صورة الخطاب في تحمل معطيات الهيمنة في ثناياها صوب المستقبل لبناء منظومة خاصة تنطلق في تعبئة الجمهور نحو هدف معين، إذ تأتي الهيمنة في إطار ممارسة منهجية لأفعال البناء المعرفي من اجل السيطرة والتوجيه، لذلك فأن الهيمنة ليست شيء يأتي من الخارج فجأة، بل هو ممارسة لأفعال الإقناع بأساليب مختلفة، بطرائق مباشرة أو غير مباشرة، أو بطرائق ترغيبية وأخرى تخويفية وترهيبية من خطر قادم، مرة بحجة ممارسة الثقافة والتمييز نحو الأفضل الظاهري، والمغلف بطبقات من التوجيه المخفي الذي يحمل في ثناياه هدف معين، ومرة أخرى إبعاد الذي يقع عليه فعل ممارسة الهيمنة من الوصول الى الوعي الحقيقي والواقعي بحادثة، أو معلومة، أو أمر يغير المفاهيم الرئيسية التي بنت عليها المؤسسة المعنية أهدافها، لذلك فأن الخطاب وطبيعة الهيمنة فيه يعود الى بناء صورة قائمة على مرجعيات يعتقد أنها صحيحة إذا طبقت بشكل معين في ظروف محددة، تحاول المؤسسات القائمة عليها على هندسة البناء الفكري لصالحها، حتى وان كانت تعمل على تزييف الحقائق والوقائع على الأرض، بأخرى مفبركة،أو مغايرة للحقائق المخفية.

إن ممارسة الهيمنة تعود الى المنظومة الكامنة وراء الممارسة ذاته، لذلك فأن مفهوم الهيمنة يأتي من خلال التأثير والإخضاع الواعي من قبل المؤسسة ذاتها، وفي المقابل الاستقبال المموه الذي جعلته المؤسسات منهجاً، فالتمويه والتأثير والأساليب المصاحبة لهما من امتناع بأفعال الشر المقابلة،أو الأفعال غير المتحضرة التي يقوم بها الآخر الموصوف في السير التاريخية، أنتج ردود لدى المتلقي الجمعي قائمة على التخويف والترهيب، بأن الأمر المغاير لا ينتهي لهذه الصور الحضارية والقيم العليا التي تدعيها الحضارة صاحبة التفوق، لذلك فهي كمؤسسة ضخمة تمارس التخويف والترهيب من الآخر تجاه جمهورها، الذي هو جزء من منظومتها والمقتنع بأساليبها والمحقق لأهدافها في مختلف المجالات لذلك فأن الايطالي انطونيو غرامشي(1891-1937)، يرى بأن الهيمنة هي ممارسة وتكريس لأفعال المؤسسات السلطوية وطبقاتها المسيطرة على المجتمع، أي ان الهيمنة تمارس تأثيرها على الجماهير عبر الاستعمال الرهيف واللاواعي، ايضاً، لعملية الإقناع . ويلعب فرض نمط من اللغة، وانجاز الكتابة الأدبية والتاريخية عبرها، دوراً هاماً في إنشاء أنظمة ومؤسسات تكرسُ أيديولوجيا الطبقة المسيطرة وترسيخها. يضطلع الأدب والتاريخ البريطانيان، مثلا، وبالقدر ذاته اللغة الانجليزية، كحامل للثقافة الانجليزية، بمهمة الأفكار التي تساهم في سيطرة طبقة على أخرى عبر وسائط الهيمنة. ومن هذا المثال السابق نرى مدى بريطانيا العظمى ساهمت بالسيطرة الثقافية على العالم لقرون عديدة خلال حكمها الإمبراطوري القائم على أفعال الاستعمار المختلفة، وما مسرحيات (شكسبير) الا دليل واعي على هذه الأفعال،ذات السيطرة الثقافية في هذا الشأن، التي الى الآن هي المثال الحي على عالمية ومرجعية اللغة الانكليزية وثقافتها الغربية صاحبة الهيمنة المعرفية، وفي هذا المجال يسوق لنا بعض من الذين وقعوا تحت القهر الثقافي الغربي، ومارسوا عليه تطبيق مفهوم المرجعيات العالمية للثقافة التي مارست أفعال الهيمنة على كلا الطرفين من يقبع تحت هيمنتها في إغراءه بأنه صاحب الكعب الاعلى،والأخر الذي مُورست عليه الهيمنة الثقافية، فالأول وقع تحت تضخيم الأنا الراغبة في السيطرة كونها تضخمت بفعل بث صور متعددة فيها لتشكيل الاشتغال الأكبر الذي ينحو نحو التأكيد لأفعال السلطة ومؤسساتها، وهذه الصور من التخويف والترهيب والتشويه للأخر وبناء منظومة قيمية متفوقة عليه جعلت اللاوعي عن الجمهور العام الغربي يعتقد بضرورة التفوق لأجل الحماية اولاً،وتسويق فكرة دمج الآخر بالحضارة ذات القطب الواحد ثانياً، لذلك فقد قبعت أمم وحضارات تحت هذا الاضطهاد الثقافي والهيمنة الثقافية عليه بحجة التطوير والدمج والتغيير،  ومن هذه الصور ما كان مقرراً ان يُدرس في المدارس والجامعات وغيرها من المؤسسات التعليمية، التي تقع خارج أسوار الحضارة الغربية فيسوق لنا (نغوجي واثيونغو) حول متطلبات الدراسة في المؤسسات التعليمية بأفريقيا، وخصوصاً القائمة على تبني الفكر الغربي ولغته الرسمية وهي الانجليزية، إذ أصبح من يتقنها في هذه المؤسسات يرتدي (عباءة حمراء) لتمييزه عن باقي الأفراد الدارسين فيها كعلامة تفوق وبالتالي فأن هذه اللغة، أي الانجليزية صارت اللغة المسيطرة تقرر الدراسة الأدبية، وتعزز السيطرة، توقفت دراسة أدب اللغات الكينية الشفاهي . وأنا اقرأ، الآن، في المدرسة الابتدائية النصوص المبسطة لديكنز، وستيفن، الى جانب رايدر هاجارد، وصار جيم هوكنز،واوليفر تويست، وتوم براون – لا الأرنب والنمر والأسد – رفاق يومي في عالم الخيال . وفي المدرسة الثانوية، سكوت وبرنار شو، مع الكثير من رايدر هاجارد وجون بكان، والآن باتون، وكابتن و.ي.جونز. في ماكيريري درست الانكليزية : من تشوسر الى ت.س.اليوت مع شيء من جراهام غرين . من هنا كانت اللغة والأدب يأخذاننا ابعد فأبعد عن أنفسنا نحو نفوس أخرى، من عالمنا الى عوالم أخرى، كذلك الأمم الأخرى ومنها العربية التي وقعت تحت هيمنة الخطاب الغربي،وأصبحت العالمية كمفهوم ومرجع للثقافة هي الأساس في رسم الصور القادرة بالتحكم بأي منتج أدبي وفني وحتى في العلوم المجردة، إذا لم يأتي التأكيد من المرجع الثقافي الغربي، بأن هذا الأديب،أو الفنان،أو المهندس،أو الطبيب هو منتمي فكرياً وثقافياً الى المؤسسات الغربية، حتى وان كان في داخل بلده ويزكى على نتاجه الثقافي من احد المؤسسات العربية لا يكون متفوقاً وناجحاً ويُهتم به عالميا من دون الإمضاء الغربي، لذلك فأن ما قدم ثقافياً عن الآخر العربي المسلم خاصة والشرقي ومن يقع خارج الحضارة الغربية عامة، دّون على وفق رغبة المؤسسات الغربية وليس من صنع الذات المحلية، لذلك فأن نغمة الانتقاص مستمرة في أكثر الأحيان حول الآخر، بحجة انه يقع خارج خارطة الفكر الغربي، وهذه الصورة كخطاب مهيمن يعبر عنها (جابر عصفور) في كتاب (الهوية الثقافية) في أنها واقع تمثل العالم (كما يمثله الغربي) هو المبدأ الذي يفتح أبواب الوقوع في اسر نزعة المركزية الأوربية الأمريكية، اولاً :لأنه مبدأ يعني تحيزاً جغرافياً سياسياً، ضمناً،أو صراحة، ويختزل صفات الإنسانية في دائرة بعينها لا تجاوز غرب أوربا في كتاب (العقاد) و(طه حسين) الباكرة على الأقل . وثانياً: لأنه مبدأ يتحرك على أساس تسليم مضمر مُؤداه ان تمثل العالم (كما يمثله الغربي) هو أسرع سبيل واضمنه الى التقدم الواعد . وثالثاً: لأنه ينطوي على تسليم مواز بثنائية الاعلى والأدنى، ويرد صفه الاعلى الى مصاف (غربي) الذي لابد ان يصعد اليه كل من يريد مجاوزة وهاد (الشرقي) المتخلف الذي يستبدل به الصعود مقابلة أو نقيضه (الغربي).

إن هذه الحقيقة جعلت من الهيمنة كمفهوم ثقافي يأخذ عمقاً ابعد من نقط إلغاء ثقافة الآخر أو دمجها في ثقافة المرجع الثقافي العالمي (الغربي)، بل ان العملية تأخذ طابع ابعد مكمل لإلغاء الهوية الثقافية المحلية، وهو ان عملية صياغة شكل وطبيعة ثقافة الآخر الجديدة قائمة أساساً على نسف كل نتاجه الثقافي والفكري الذي لا يتطابق حسب فهمهم مع المرجع الثقافي الغربي، لذلك نرى بأن صورة العربي المسلم تأخذ ملامح أخرى في هذه الثقافة العالمية، وعندما يذكر المسلم ذات الملامح العربية والشرقية، تأتي منهم جاهزة ومعدة سلفاً تتطابق مع هويته كونه متخلف وبعيد عن الثقافة كون ثقافته المحلية قائمة على القتل والإرهاب وكون هذه الثقافة هي متجذرة وتعود الى طبيعته وقيمة أخلاقه ومنظومته الفكرية، وبالتالي أصبح هذا الخطاب وصورته العالقة في ذهن الجمهور الغربي، الذي هو صناعة المؤسسات المهيمنة بامتياز، ملئ بهذه الأوصاف الدونية مقابل الصفات العليا صاحبة الحضارة للمواطن الغربي، ومن هنا يجب على المواطن الغربي التسليم لهذه الأوصاف واعتناقها والاعتقاد بها، وهي لم تأتي مباشرة، أو تصنع في القرن الحالي، بل هي نتيجة لما حفل به العقل الغربي  وفكره المتعالي ضد الآخر العربي الشرقي المسلم . ومن هنا إذا أردنا ان نتأكد نحن العرب كمسلمين وشرقيين , نقرأ ما كتب عنا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وإذا أردنا ان نعرف مدى تطبيق الثقافة الغربية علينا كمرجع لتقليدها فلندقق في عدة جوانب، منها : ان ما يُدرس في مدارسنا من لغات أوربية وغربية ليست فيها قصصنا وتراثنا وأخلاقنا وقيمنا، بل ما يوجد هو القيم الغربية والأخلاق الغربية والعادات والتقاليد الغربية، حتى ان الدارس العربي للغات الأوربية والأمريكية، يلاحظ ان التغيير يشمل ملبسه ومأكله، وكلما نذكر أمامه الثقافة العربية يستهجنها ويستشهد دائماً بالثقافة الغربية . ومن جانب أخر إذا أردنا ان نختبر صورة العربي في الثقافة الغربية ما علينا الا ان نقرأ مسرحية (عطيل) لشكسبير ونشاهد التمييز الذي يقع بحق (عطيل) الشرقي صاحب البشرة السمراء عن ثقافة المحيط الأوربي، وكيف ان غيرته، التي تُعد عيباً في الغرب قد قضت عليه، وكيف ان عقله مغيب وهو قاتل البراءة الغربية المتمثلة بـ(دزدمونة) . كذلك إذا أردنا ان نرى ونتصور شكل البطل الغربي السوبرمان والمخلص نقرأ مسرحية (العاصفة) لشكسبير ايضاً، أو رواية (روبنسون كروزو) للكاتب (دانيال ديفو) وهذه الإعمال وخصوصاً لشكسبير أصبحت من أوليات الدرس في مدارسنا وجامعاتنا وذلك لتأكيد مفهوم التفوق الغربي حتى في داخل المناهج الدراسية وتثبت صورة التفوق في عقول وأذهان أبناءنا والأجيال القادمة كما رُسخت هذه المعلومات فينا وفي من كانوا قبلنا، لماذا لم تتناول المدارس وغيرها قصص من تاريخنا العربي في دراسة الأدب الانجليزي؟ ولماذا لم تدرس القيم السليمة التي يحملها المسلم العربي في المناهج الدراسية الغربية ؟ أم نحن يجب ان ننفذ ما يُطلب منا ويساق لنا ثقافياً وحضارياً دون ان نبحث عما في داخله، وما ورائه من مقاصد، فهل أدبنا قاصر ؟ أم غير جيد؟.

أن هذه التساؤلات وغيرها من حقنا ان نوجهها للأخر الغربي ونطلب منه تغيير الصورة السلبية عنا وعن رموزنا ومنهم (الرسول محمد ص)، الذي أصبح مثار سخرية في الصحف الغربية ذات الحرية في التعبير، حتى على مقدسات الآخرين علماً إنهم علمونا ان الحرية في التعبير تنتهي عند حرية الآخرين وحدودهم الفكرية والدينية والأخلاقية والاجتماعية وغيرها، فلو كان الغربي جاد في بناء صورة جديدة عن الإسلام ورسوله وعن العربي الشرق أوسطي، دون ان يكون هنا مقاصد خفية وراء استبعاد التغيير في المناهج الغربية، واقصد المناهج التي تعدل من الصورة السلبية عن الشرق وحضارته وديانته ورموزه وأولهم الرسول محمد (ص) لكانت صور التعايش أفضل مما نشهده اليوم، لكن من المستحيل ان تتغير صور الإساءة والتشويه التي جُبُل عليها الذهن الغربي ومؤسساته وسلطانه في كونها قائمة على نظام الهيمنة في رسم سياسات العالم نحو هدف محدد، مفاده ان تبقى صور التعالي والتفوق باقية وفي مقابلها الانتقاص والإساءة والتشويه باقية ضد الآخر، وما هيمنة الخطاب الغربي ثقافياً ومعرفياً، هو صوره من صور الاستمرار بهذه الهيمنة، وبالتالي إيجاد صورة سلبية أو ما يسمى بحسب المفهوم الغرامشي بـ(الحس العام) وهو مصطلح مطلق السلبية على وفق مفهوم (غرامشي) للهيمنة والذي جعل من المؤسسة الغربية قادرة على خلق أساطير للسيطرة على الآخر وتمكين سلطتها من بسط نفوذها وإرساء هيمنتها وحكمها بكافة المجالات ومنها الثقافية، وبذلك استطاعت من خلق (حس عام) لدى مواطنيها عملت على تأكيده في رسم صورة الآخر، بأنه مناقض وغير قادر على بناء نفسه فكرياً وثقافياً، وهذه الصورة عملت على تأكيدها ايضاً في ثقافة الآخر نفسه وجعله يعتقدها فعلاً، لذلك فأن مثال الحالة الثانية، جاء على وفق ردود الأفعال التي لم تكن بالمستوى الحقيقي لازمة الرسوم المسيئة واكتفت الجماهير الشرقية والعربية المسلمة، بالشجب والاستنكار، دون الرد على هذا التشويه بأفعال حقيقية منها المقاطعة الاقتصادية والثقافية التي تجعل من المؤسسة الغربية تحاسب من قام بهذه الأفعال بشكل جدي، لكن ردود الأفعال جاءت حتى على المستوى السياسي غير لائقة بهذه المصيبة الأخلاقية والإنسانية  التي تعرض لها رسول الإسلام (محمد ص)، وهي ليست الأولى على مر التاريخ ولا اعتقد بأنها الأخيرة ايضاً، مادامت الهيمنة الثقافية مسيطرة علينا، وكذلك مترسخة في ثقافتنا، وغير قابلة للتغيير في الذات الغربية ومؤسساتها التي مازالت تسوق الصور المسيئة والمشوهة عن الإنسان الشرقي وأخلاقه وقيمه مستهدفة بذلك ديانته الإسلامية وخصوصاً عن العرب، الذين اكتفوا بالشجب والاستنكار دون ان يطوروا وسائل الرد المناسب على هذه الإساءات، بل حتى دون ان يفّعلوا قوانين ازدراء الديانات، كما هو حاصل مع من يعتدي على (السامية/اليهود) عالمياً.

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

 

 

سامي عبد العاللا يعترف التاريخ بـ" لو"، وإلاَّ لما أصبح تاريخاً ضمن أحداث ووقائع. فلو حدثَ غير ما حدث- في جميع العصور- ما كان ليصل إلينا، على الأقل ربما قد وصل بشكلٍّ آخر. وهذا مستحيل... دليل ذلك أنَّ الكلام الآن طيُّ الافتراض بأثر رجعي. ولئن كانت "لو" في الموروث الشعبي الديني تفتح عمل الشيطان، فإنَّها بالفكر السياسي تفتح ممارسة الديمقراطية. " لو" هي نقطة استعمال البدائل وافتراض الأفعال ورسم خريطة المستقبل. الطريف أنَّ الاسلاميين ينعتون الديمقراطية بأنَّها نظام شيطاني (لأنَّها سياسات وإجراءات وقيم ترتبط ببلاد الكفار). فهل تلك مصادفة لغوية أم توجُس مُرعب من الانكشاف إن تولوا مقاليد السلطة؟!

تشكل " لو" مصدر إزعاج لأصحاب الأيديولوجيات إجمالاً، لأن" لو" معناها ترجيح أشياء على أشياء أخرى. وطرح البدائل على قدم المساواة أمام العصف الذهني والعصف الزمني بالمثل. وهذا فحواه أنها أداة تغيير جذري في ممارسة الخطاب، فضلاً عن هاجس المجهول الذي يسكنها. وحتى إذا تم فتح إمكانيتها، فهذا يدفع السياسيين للاحتماء بآليات صارمة لتقليص مساحة المفاجأة، كل سياسة تنبني على انكار "لو" صراحةُ أو ضمناً. ولا توجد مسافةٌ كبيرةٌ بين الصراحة والإضمار، لكون الواقع غير قابل للتفاوض بسهولةٍ ولا سيما أثناء الأحداث والتحولات إزاء ألة الحكم والسلطة.

ولذلك رغم أنَّ الديمقراطية تعنى "حكم الشعب"، سوى أنَّ تاريخها يتراكم بمخالفة هذه القاعدة، بل كثيراً ما جرى التراكم التاريخي لممارسات الأنظمة السياسية بانتهاك تلك القاعدة تحديداً. لينفي معناها كمصطلح ذات حواشٍ فلسفية وقيميةٍ بعضه بعضاً. هنا يوجد سؤالان: ما حقيقة هذا التراكم المناقض لمفهوم الديمقراطية من داخلها؟ وهل يمكن تجاوزه وحل استقطابه؟ هذا الطرح ضروري لفهم مشكلة الديمقراطية وتطورها في أغلب المجتمعات. مشكلة كون الانحراف كامناً في جوهرها وليس أبعد، لأن الاستفهام بالمفارقة paradox يضع منطقاً للتحليل يكشفِ الموضوعات من الداخل، أي عبر أعمال التراكم وترسباته من عصر إلى آخر.

مفارقة المفهوم / الماصدق

بحسب ألف باء المنطق الصوري، هناك مقولتا المفهوم intension والماصدق extension، يشير المفهوم إلى الفكرة أو المعنى وراء القضايا. أمَّا الماصدق فينقل واقع المفهوم، وهو حقائق ينطوي عليها المفهوم ذاته. فحين نقول إنَّ المعنى يشير إلى فكرةٍ - كالحرية مثلاً- خلف مصطلح الديمقراطية، فإن الماصدق يعطيها وقائع لإقرار الحقيقة من عدمها. بهذا الصدد ظل مصطلح الديمقراطية مائعاً بين المفهوم والماصدق. لقد تأرّخت الديمقراطية بالازدواج المفارق والمضاد لدلالتها. واستمر انقسامها منذ الولادة المنطقية والعملية في بلاد اليونان. أي التعريف شيء والممارسات شيء آخر.

هذا الانقسام احتفظ به المصطلح كبذور مترحلّة عبر الممارسات السياسية في تاريخ السلطة. ففي صورتها المنطقية logical form ربطت الديمقراطية كلمتين (وحدتين/ حدين terms) ديموس Demos شعب و كراتس kratos حكم. وهما حدان يفترضان اتساقاً للمفهوم الذى يحملانه. لكنهما خضعا لطريقة التفكير الفلسفي والاجتماعي والسياسي. ذلك فيما يخص الإنسان تبعا لماصدقاته، أي داخل حالات التكوين الاجتماعي والاقتصادي. بكلمات أخرى أمعنت أنظمة الحكم في اطلاقها الكلي فأصبحت سلطة تعصف بالآخرين. وغدت منفصلة عن فاعلها (الشعب) حتى أمست هذه الأنظمة أو تلك موضوعاً في ذاتها. أما صورة الديمقراطية عملياً practical form إذا نظرنا إلى "حكم الشعب"، فإننا من أول وهلة نقول إن الحدين السابقين قابلان للإنجاز.

أي تترتب على مضمونهما أفعال استناداً إلى:

1- أنَّ الحكم السياسي يحمل أبعاد الممارسة. وخاصة أنه يُنسب إلى شعب. ولم تخل الديمقراطية (منذ البدايات الأولى إلى تحولاتها الراهنة) من ممارسات حاكمة، ضابطة، موزعة لحركتها باتساع موضوعها الشعبي.

2- تخرج الممارسة في صورة مؤسسات و"هيئات" تمثل رموزاً للحكم ولحيويته وقدرته على التأثير.

3- انقلب الحكمُ تدريجياً إلى سلطةٍ ما، تصوغ القوانين وعمليات التأسيس. ومن خلال السلطة جاءت الدساتير واللوائح والتنظيمات السياسية.

4- بات الشعب مفعولاً به لا فاعلاً للحكم. وإذا كان مضافًا إليه بعبارة "حكم الشعب"، فيبدو أن المضاف إليه سياسياً لا يفيد علاقة النسبة أو الملكية. حيث ظلت الديمقراطية (تُنتزع) تاريخياً من الحكم السلطوي. ورغم أن الشعب صاحب الحكم حصرياً، إلاَّ أنه يجري به وفي الوقت نفسه يبتعد عنه. ليعيد تبرير الشرعية من خلاله.

لعلنا نكشف هنا بنيةَ هذه العلاقة من قول أرسطو في كتاب الشعر poetics "إن الديمقراطية هي وضعٌ يُمنح خلاله الأحرار والفقراء الذين لهم الأغلبية السلطة في الدولة". قول أرسطو هذا في كتاب غير كتبه السياسية مهم. لأنَّ الفكر (من جهة انتشاره وهيمنته وتحولاته) يمثل أبلغ التمثل خلفياته في المجالات غير التخصصية (كمجالات الشعر والميتافيزيقا والأخلاق...)، ولنلحظ شيئاً مؤداه أن الحكم بالتفكير الأرسطي "يُمنح"، "يُعطى" على أساس "وضع" معين certain condition. ويكون هذا الوضع خارج حدود سيطرة الشعب، مع أن الشعوب هي أضخم كيان فاعل خلال النظام الديمقراطي.

إن المنح والوضع لا ينسبهما أرسطو إلى الشعب. كأنَّ هناك يداً خفية ستمسك "السلطة" وتقوم بتوزيعها على هؤلاء الأحرار والفقراء. لكن تحت أية شروط؟ وفى أية ظروف؟ لم يُجِب أرسطو. وطالما الأمر كذلك، فهناك انحراف في معاني السلطة. لقد ارتهنت بالقوى الفوقية (بالمدلول الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي...) وبالقطع استثمرت القوى الظروف الدينية والميتافيزيقية لصالحها لنيل الغلبة على الارض.

من جهةٍ أخرى، مَنْ هؤلاء الذين سيتلقون السلطة؟ هم الأغلبية، مجموعة من الناس (أحرار+ فقراء)، إذن هم مواطنون أرسطيون قبل أن يكونوا أثينيين. بمعنى تم تقليص الشعب (هذا المضاف إليه في الديمقراطية) إلى أغلبية، أكثرية، فئة معينة دون غيرهم. هنا يعد قانون الهوية identity law of أول ما حطمه أرسطو بنفسه، حين جعل الشعب فئةً بعينها.

لأنه عندما منح أرسطو السلطة على أساس التمايز، فإنَّ ذلك يعارض قانون الهوية. يقول قانون الهوية إنَّ الشيء هو الشيء ذاته ويستحيل ألاَّ يكون غير الشيء، أي أ= أ. لكن أرسطو قرر أنَّ الشعب ليس هو الشعب. إنه طبقة منه، نخبة حاكمة، أقلية تمسك بزمام السلطة لتعود حاكمةً على أقليات أخرى.

هكذا كان تدمير قانون الهوية منطقياً أول بذور التنظيم الديمقراطي سياسياً. كأن هدم المنطق أول شروط السياسة، ظلت فكرة السلطة تتلاعب بالمنطق حتى اللحظة. وعندئذ بدا واضحاً تعارض المنطق والسياسة في التفاصيل. ورغم أن أرسطو أراد بالمنطق في كتابه "الأورجانون" Organon أن يكون آلة للتفكير، لكن أثبتت التقاليد اليونانية تغليب منطق المنح (منح السلطة) والمنع على منطق الحق. وهنا تكمن المشكلة - كما يرى ريموند وليامز R.Williams- لتسقط الديمقراطية في مفارقة الصراع السياسي والاجتماعي طوال تاريخها.

في محاورة "الجمهورية" يعبر أفلاطون على لسان سقراط: تنشأ الديمقراطية عقب أن يدحر الفقراءُ خصومهم. يقتلون وينفون البعض، على أن يمنحوا المتبقين قدراً مساوياً من الحرية والسلطة. لكن واقعياً لم تكن الديمقراطية ممارسة سياسية إلاَّ على أنقاض المساواة. ولم تحقق إلاَّ إقصاء الآخرين كما نشأت. فهناك نظام الرق، والأرقاء يقومون بتكريس الأقلية. لأن وجودهم دون المشاركة في الحياة العامة يرفع طبقة أرستقراطية فوق الطبقات الأدنى. كما أن الإنسان يخضع للفرز والتمايز. إذ كانت هناك مكانة هامشية للغرباء (البرابرة) داخل المجتمع الأثيني، في مقابل مواطنين يتمتعون بحقوق مجانية بالولادة والنشأة.

اللافت هو تأكيد أفلاطون وأرسطو أن هذه اللامساواة وتلك الطبقية شرطان ضروريان لقيام الديمقراطية. مثلما كان عالم المثل الأفلاطوني (هذا التخيل الموهوم) شرطاً لوجود الواقع والتاريخ والإنسان. أي لابد من سلب الواقع حتى يمكننا إيجاده. وهذا يؤدى بنا إلى المفارقة التالية التي ظلت متواترة.

مفارقة الاسم/ المسمى

يرتبط الاسم كما يقول رسل Russell بمدلوله، بمعناه، ذلك بقدر ما يحمل من أبعاد الزمان والمكان. ويغدو اسماً افتراضياً إذا أشار إلى معرفة ممكنة أو اصطلاحية. من ثم يحدد الاسم مجاليه الفعلي والافتراضي. ويكتسب دلالة بهذا التحديد. غير أن الديمقراطية بها أكثر من الارتباط بينها وبين اسمها، لدرجة أنَّ معناها كـ "حكم الشعب" تحول تاريخياً إلى شيء آخر تحت شعار... "باسم الشعب".

هكذا على غرار ما ورد في بعض الأدبيات الخطابية العربية... "باسم الله وباسم الشعب". فأمست تشير إلى الأفعال والتنظيمات جرياً مع الشعار السابق بخلاف القيم التي ترسخها. أي باسم الديمقراطية in the Name of Democracy يمارس الشعب السلطة في الأنظمة السياسية. وبذات الاسم - وهنا المفارقة- يُقهِر الطغاةُ ودجالو السياسة الشعب نفسه. تحول الاسم بمردوده الميتافيزيقي إلى دجل، قتل للاختلاف. وليس أقرب لأي ديكتاتور سوى القول باسم الله وباسم الشعب. ويظل يلوك فيها كعلك (لُبان) لا ينتهي. وهو يعلم أنه يخادع عقول البسطاء ويشعل حماس الوعود الفاشلة الواحدة تلو الأخرى.

لقد أصبح ذلك الاسم ُيُمتلك وُيؤجّر وُيخلع على الأفراد أو المؤسسات. ويكتسب مشروعية فيما ليس مشروعاً له. لا أقصد أن أحدد وضعاً كهذا بالتصنيف الحدي: ديمقراطية حقيقية وأخرى زائفة. لكن الأمر أعقد بكثير. ذلك أن اسم الديمقراطية يتحول إلى آلية تحمل كل الازدواجيات والتناقضات التي يعبر عنها الوضع السابق. ولهذا الاسم تكوين مركب يتسنى توضيحه بالطريقة التالية: ينطوي أي مفهوم على مستويات كثيرة. وبصدد مفهوم الديمقراطية يحتمل التحليل الاسمي الإشارة إلى التعدد في بنيته.

أولاً: تحديد حقوقي. أي حكم باسم الشعب. وهو تحديد تحمله اللغة، ويجرى به الهيكل السياسي، يتجلى أكثر ما يتجلى في القوانين واللوائح والتشريعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. تلك التي تعبر عن اعتبار "حكم الشعب" موضوعاً للتفكير المقنن والمؤطَّر.

ثانياً: فضاء ثقافي. وهو الذي يظهر بظهور القيم أو الخلفيات والتقاليد التي تأتى بها الديمقراطية. بالتأكيد ليست الديمقراطية غاية في ذاتها وإلاَّ لأمست شكليات فارغة من المضمون. هي مهمة لأنها تدل على معطيات إنسانية وحياتية معينة. والأبرز أن تلك الخاصية تمثل قيداً وانتهاكاً للديمقراطية. فهنا يمكن أن يتسع محيط الادعاء والتفلُّت من الحقوق والواجبات. وقد يحمل الفعل (حكم) دلالات الفهم الخاص للثقافة والأخلاقيات، في حالة سيولة وتأويل، ويمثل باباً لدخول التشويه عليها.

ثالثاً: خيال سياسي. وهو الجانب الذي يمثل تخطيطاً محتملاً لإمكانية التغيير في الأنظمة السياسية والقوانين والأشخاص. فالديمقراطية – طبقاً لقاعدة الشعب- تفترض التغييرات بحسب مجرى الأداء والإنجاز. لكن هذا الخيال قد يتجمد. كما في الأنظمة الديكتاتورية، حينما تزعم لنفسها حكماً ديمقراطياً. وهى تسلك عكسه مع سبق الإصرار والترصد، كحال دول الشرق الأوسط.

أما العمل الأخطر بصدد الخيال أن تتولى بعض الأنظمة السياسية " تصنيع الخيال السياسي" لتسويقه في المشهد العالمي بين الدول. حيث يؤدى الإيهام دوراً مؤثراً، فباسم الديمقراطية، يقال على سبيل المثال حرية اقتصادية أو شفافية تبادل المعلومات أو حرية الاختلاف كما في الدول ذات الإطار الرأسمالي المتوحش، بينما هي "حريات مسخ" بمقاييس الديمقراطية. ويمكن أن نطلق علي هذه الأنظمة "الديمقراطيات الزئبقية" القابلة للتلون تبعاً للقوى والسلطة المهيمنة.

من هنا نأخذ أطراف الديمقراطية حين تخضع لوضعية الاسم بالتخطيط التالي:

- مرجعيات (ثقافة / تاريخ / قيم/ أديان/ مذاهب).

- تنظيمات: حكام (رؤساء/ رؤساء وزراء- برلمانات)... محكومون (شعوب).

- آليات (هياكل / أبنية/ مؤسسات).

إنَّ حركة النظم السياسية ُيعاد خلالها - باسم الديمقراطية - إنتاج المرجعيات. ذلك مع وجود الهياكل والتنظيمات، سواء أكانت انتخابات أم برلمانات أم مناصب إدارية أم قوانين. تبقى فكرة باسم الديمقراطية بمثابة " الشاحن " الذي يدفع أو يبرر الممارسة في المجتمعات سلباً وإيجاباً. وإذا كانت فكرة باسم الديمقراطية هي المبرر القوى للانخراط فيها، فإنِّها تعطينا فرصة لمعرفة: كيف تتعايش الديمقراطية مع المجتمعات التقليدية وغير التقليدية؟ وبأي منطق تظهر القيم هنا أو هناك بحسب الممارسات السياسية؟ وهل ثمة علاقة بين الثقافة والسياسة؟ وأي تنظيم يمكن أنْ يصلح لمجتمع دون غيره؟

وحتى على الصعيد السلبي: لماذا تنقلب الديمقراطية على ذاتها وباسمها؟ وما الأسباب البنائية التي ترسخ فرضية باسم الديمقراطية حتى باتت الشعارات الرسمية مع وضد في نفس الوقت؟ ما هي أشكال انتهاك الديمقراطية بتلك الفرضية تحت مزاعم شتى؟ وهل يرجع ذلك إلى أخطاء في الجوانب النظرية أم العملية؟ وكيف ترتهن تلك الجوانب بالمرجعيات؟

يمكن أنْ نضرب مثالاً على كيفية ظهور خلفيات "باسم الديمقراطية"، وهو مشكلة "حق التدخل في شؤون الدول" الذي أقرته الإدارة الأمريكية سابقاً تحت مسميات ديمقراطية. فمن الذي أعطى "بوش الابن" آنذاك حقاً كونياً كي يتحدث عن الأوضاع السياسية للدول الأخرى؟ وهل ذلك يمثل بعداً متسقاً مع طروحات الديمقراطية أم لا؟ وقد سارت الفكرة عبر رؤساء أمريكا باراك أوباما ودونالد ترامب.

إن خلفيات "باسم الديمقراطية" في الحالة الأمريكية تقفز بالمقدمة باسم أشياء أخرى:

أ- باسم اليمين الصهيو- مسيحي المتطرف. حيث اجتاح بعض الثقافة الأمريكية السياسية لتمهيد الأرض لنبوءات الكتاب المقدس، التي تحدد أنه لتطهير الأرض من الفاسدين والمارقين على يد المسيح المخلص والمرتقب نزوله، لابد من تدعيم مملكة صهيون (إسرائيل) كشرط لهذا النزول. والتماهي هنا لا تخطئه العين بين المهمة النبوئية ومهمة أمريكا بالنسبة لشرور العالم. كما أن نجاح الأثنين يربط بعضمها البعض كمقدمة ونتيجة (نجاح أمريكا ونجاح مملكة صهيون).

ب - باسم "الآب والابن والروح القدس" أعطى بوش نفسه حقاً مجانياً واعطى رؤساء أمريكا لاحقاً وسابقاً، لإحلال الديمقراطية (السلام) على الأرض. وهى مهمة تبشيرية جديدة للجيش الأمريكي ذات طابع حربي. وليس مصادفة أنْ ترد على لسان بوش مصطلحات "جيش الرب" عندما كان يصف القوات اأمريكا المنتشرة في أنحاء العالم، و"حملة صليبية" لمحاربة المتشددين الإسلاميين. وليس غريباً أن يجعل من تنظيم القاعدة "شيطاناً" كأنه ينشر فاعلية "لو" عبر التاريخ المعاصر في صيغة: ماذا لو تخيلنا العالم بدون أمريكا، ثم لا يترك مجالاً إلاً ليلاحقه في كل مكان!!

ج - باسم صور استعمارية قديمة راقب بوش الابن آنذاك البرامج  السياسية المحلية للدول. تلك البرامج المتعلقة بالتعليم والصحة والبنية الأساسية. فضلاً عن الهيكلية السياسية للأحزاب والانتخابات وتداول السلطة وديموجرافيا الأقليات. لا ليعطي دعماً للدول الموضوعة تحت المراقبة (وإن زعم ذلك باسم الديمقراطية كذلك) إنما ليخلق وليواصل الصراع بين " توم وجيري " Tom and Jerry، وليجعل لكل توم (قط) على المسرح الدولي، مسرح الرسوم المتحركة الجيو سياسي، جيري (فأراً) يقلق استقراره وينغص حياته. حيث تمثل أمريكا دور "الكلب"... هذا الضخم الجثة-كما في رسوم الاطفال المتحركة الشهيرة- الذي يلاحق القط Tom دفاعاً عن جيري أو وقوعاً في ألاعيبه. لأن جيرياً Jerry صنيعته ويرى فيه نفسه ببقاع العالم المترامية، ويسدى إليه الخدمات تلو الخدمات، فكيف لا يقف بجانبه؟! ولم لا يتضامن معه؟!

وذلك مع الاعتراف بأنَّ معظم الدول النامية لا تستند إلى أنظمة ديمقراطية حقيقية، وتحتاج حقاً إلى إصلاحات جذرية، ومع أهمية النظام الديمقراطي الأمريكي وقدراته على تجديد نفسه وما أنجزه من تقدم علمي وإنساني وحضاري، لكن يستحيل فرض الديمقراطية بالطريقة العسكرية عولمياً أو محلياً. ولاسيما أن الديمقراطية ُتتأسس على متغيرات التربية والثقافة والدين وتصورات العالم... وهذه تختلف من مجتمع لآخر. تتطلب عملية تاريخية يكون الشعب فيها بنَّاءً وممارساً لنواتج الأفعال السياسية ومُطوراً لها عبر حياته المفتوحة، شريطة ألاّ تسرق الأنظمة الحاكمة الفرص المواتية للحرية والتطور.

 

سامي عبد العال