علي محمد اليوسفمقالة حول الجوهر الفلسفي مهداة للاستاذ الفاضل العلامة علي القاسمي ارجو ان تنال اعجابه مع اسمى اعتباري.


الجوهر ضرورة لا تدرك

مثلما لا يمكننا إعتبار ما بعد اللغة هي ليست غير لغة أخرى تحمل مجانسة تواصلية منبثقة عن اللغة الأم، وكما لا يمكننا ايضا إعتبار مابعد الفلسفة هي ليست الا فلسفة أخرى إنبثقت عن الفلسفة الأم بالمجانسة اللغوية ايضا... لذا نجد غريبا من اسبينوزا أدخاله الجوهر في نفق ميتافيزيقا مذهب وحدة الوجود معتبرا الجوهر سابقا الوجود وليس ناتجا عنه، والجوهر لا يدرك ولا يحتاج تصور من أي نوع له. لا نجانب الصواب أبدا أن نصف تعبير اسبينوزا حول الجوهر هي مشابهات تعبيرات هيدجر حول العدم، بمعنى الحديث عن مواصفات شيء لا تدركه حسيا ولا تعرفه عقليا انه موجود. ولكن بدلالته الميتافيزيقية عند اسبينوزا ندرك الوجود كما سيتوضح معنا أكثر لاحقا.

جواهر الاشياء صفات الهية

يصف اسبينوزا الجوهر بهذه العبارة " الجوهر في الاشياء هو ما يوجد في ذاته، ويتصور بذاته، أي هو ما لا يحتاج تكوين تصور له، الى تصور شيء آخر، ولا يمكن للجوهر أن يكون الا واحدا"1، كما يعتبر اسبينوزا " الجوهر موجود بالضرورة، أي أن الوجود ينتمي الى طبيعة الجوهر، ومعنى الانتماء الى طبيعة الجوهر أنه ليس شيئا اكتسبه الجوهر من الخارج أي أن الجوهر ليس مخلوقا "2. "ويعتبر اسبينوزا الجوهر لا متناهيا كما أنه ازلي، بمعنى هو الوجود ذاته، ويجعل من الوجود مرادفا للحقيقة الازلية التي لا يمكن تصورها من خلال الزمان" 3

تعقيب

- كيف يكون الجوهر ماثلا في الاشياء ونفتقد كل تصور عنه وله؟ كيف يكون الجوهرمرادفا للوجود وهو غير قابل لإدراكه؟ ما هو المعيار التصوري الذي يجعلنا ندرك الجوهر حدسا بمواصفات ميتافيزيقية لا يمكن أدراكها عقليا، كما لا يمكن الاستدلال المعرفي بها على غيرها؟ اسبينوزا ادخل الجوهر نفق ميتافيزيقا وحدة الوجود ولم يخرجه منها، لأنه كما أدخل لاشيء يمكن إدراكه في مجانسة معه ميتافيزيقيا فهو أصبح لا يستطيع إستنباط أي شيء من لاشيء ميتافيزيقي ايضا. فهو أي سبينوزا لم يكتف بتعامله مع تجريد فلسفي وحسب بل تعامل مع تجريد ميتافيزيقي أشمل خارج مدركات العقل للوجود. كانط تجاوز هذا الاشكال العدمي الميتافيزيقي وقفله أمام الفلاسفة بمختصر عبارته، الجوهر هو الشيء بذاته خارج أدراك العقل له وكفى وكل مجهود يصرف من أجل ذلك هو عقيم غير مجد.

- الجوهر الكوني بمعنى أزلية الوجود لا ينطبق عليه القول أن ماهية الجوهر هو لا متناه ازلي، باستثناء إذا كان المقصود بأزلية الجوهر تتضمن ازلية الله كجوهر كامل لا يدرك. الذي هو جوهر تام شامل ليس مخلوقا ولا يحده الزمان والمكان الادراكي. بالرغم اننا نحدس بكل شيء ندركه في الطبيعة ومن حولنا لمسة جوهر إلهية معجزة فيه.

-  الجوهر هو الذي لا نحتاج تكوين تصوره وهو عديم الحضور في تعينه الانطولوجي أو تعينه الادراكي المجرد. والله جوهر كامل لا يمكن إدراكنا عقليا له سوى في بعض من تلك التوزّعات الصفاتية الوجودية غير الجوهرية داخل موجودات الوجود التي ندركها بالصفات فقط للاستدلال عليه. ولا ندرك بالاشياء جواهرها الموجودة فيها بالضرورة الإلهية التي جعلت من عقل الانسان محكوما بمحدودية عدم أستطاعة إدراكه الجوهر بالاشياء ولا الجوهر في الكليّة الكونية. الوجود يفهم بدلالة الجوهرالكامل (الله) كما يحدس الجوهر صفاتيا في توزع تلك الصفات على موجودات الطبيعة بدلالة وجودها.

- الحقيقة الازلية التي يصفها اسبينوزا للجوهر هو ما لا يمكن تصوره من خلال الزمان، عليه يترتب حسب أجتهادنا أن الحقيقة الازلية لكل شيء يطاله الامتداد اللامتناهي غير المحدود، أنما هو المرادف لحقيقة معنى الزمان، وما لا يكتسب صفة الإحتواء الزمني الإدراكي له، لا وجود له خارج ازلية الزمن بأعتباره جوهر لا يمكن معرفته. الجوهر الكوني الازلي اللامتناهي أشمل من كونية وزمانية الزمن ذاته.

- يعتبر اسبينوزا" الجوهر موجود بالضرورة، أي أن الوجود ينتمي الى طبيعة الجوهر، ومعنى الانتماء الى طبيعة الجوهر أنه ليس شيئا أكتسبه الجوهر من الخارج أي أن الجوهر ليس مخلوقا"4. طبعا الجواهر بمفهوم اسبينوزا الميتافيزيقي هي صفات الهية لا ندركها مخلوقة بل ندركها موجودة موزعة بالاشياء في عالمنا الذي ندركه بصفات موجوداته وليس بصفات ماهياته الجوهرية المحتجبة عن الإدراك.

لا يمكننا التسليم بفرضية الوجود ليس شيئا في تبعيته  طبيعة الجوهر الا من وجهة نظر ميتافيزيقية اشرنا لها في أعتماد مذهب وحدة الوجود، والوجود ليس شيئا أكتسبه الجوهر من الخارج وهو ليس مخلوقا، وهذا يضعنا أمام أختيارين أما أن يكون الجوهر حقيقة بدلالة الوجود الضروري له أن يكون، وأما أن يكون الوجود يستمد حقيقته بدلالة الجوهر وهو المفهوم الذي يعتمده اسبينوزا. لكن كيف لنا الجزم اليقيني أن الجوهر موجود بالضرورة، ونجهل كيف وجد، ولا من ماذا يتكون، ولا كيف ندركه بدلالة حضور انطولوجي لشيء أو حتى موضوعا مجردا على صعيد الفكر الخيالي. هنا يكون الجواب (الله).

لكن لو نحن حاكمنا كل هذه التساؤلات المار ذكرها بحقيقة أن الجوهر هو وحدة واحدة في تمام الكمال الالهي (الله) الذي يستوعب كل الوجود الانطولوجي لأصبح لدينا التسليم بحقيقة أن الوجود يعرف بدلالة الجوهر أكثر من مقبولة بل وضرورية ايضا، ولا يعرف الجوهر بدلالة الوجود.كون الجوهر لا تنطبق عليه المجانسة الصفاتية ولا المجانسة الماهوية مع موجودات الوجود الذي ندركه.

وهذا الاخير عندما نحاول معرفة الجوهر بدلالة الوجود خطأ دأبت عليه الفلسفة طويلا قبل مجيء اسبينوزا بمذهب وحدة الوجود ليس على الصعيد الصوفي الميتافيزيقي التديني وأنما على صعيد فلسفة المعرفة والفكر. وبذلك قلب المعادلة بأن الوجود المخلوق يعرف بدلالة الجوهر الاسبق منه.ولا يدرك الشيء بصفاته الا بدلالة جوهره المحتجب عن الادراك كونه ما فوق الادراك العقلي المحدود بكل شيء ويعلو الطبيعة بكل شيء..

لو نحن سمحنا لانفسنا مضطرين أن نخرج من عوالم التفسير المنطقي المادي في المعرفة ونتماهى مع مفهوم اسبينوزا الجوهر بمنظارميتافيزيقا وحدة الوجود، فأننا لا محالة واصلين الى الحقيقة التي ارادها اسبينوزا أن مبتدا كل شيء في الله ومنتهى كل شيء به من دون حاجتنا الادراكية العقلية الحدسية لتلك البديهة الميتافيزيقية.. واذا نحن سلمنا بمنطق وحدة الوجود الميتافيزيقي الصوفي، يكون توضّح الامر معنا في فهم الجوهر تماما، عندما نؤمن مع اسبينوزا أن كل شيء موجود في الله كمدرك بصفته، ولا يمكننا ادراك الله كجوهر الا بصفات اشيائه الوجودية المدركة فقط ولا بصفات جواهره غير المدركة بعقولنا ايضا..

اسبينوزا يؤمن أن الجوهر صفة من صفات الله لا يمكن أدراكها موزعة موجودة في كل شيء، وتستمد ازليتها خارج الاحتواء الزماني المكاني لها، لكن بنفس الوقت هي جزء من الطبيعة المخلوقة التي يكون لا معنى للجوهر فيها الا بدلالة الذي أوجد موجودات الطبيعة الذي هو الجوهر الاشمل اللانهائي اللامحدود. جواهر الاشياء في الوقت الذي نحدس موجوديتها بالاشياء لا تكون كافية لمعرفة الجوهر التام الكامل المحيط بكل شيء الذي هو (الله).

الجوهر في موجودات الطبيعة بالمعنى الاسبينوزي هو أحدى صفات الذات الالهية التي يتعذر علينا أدراكها فكيف بادراك خالقها. والجوهر الذي لا يدرك هو الذي يمكننا ربط ادراكاتنا التي هي في حقيقتها جواهر الهية موزعة في الوجود بما لا حصر لها، وموجودة (قبليا) بقدرة الهية لا نستطيع معرفتها ولا كيفية أن تكون الجواهر جزء ملازم موجود بالضرورة في كل شيء ندركه بمعزل عن عدم ادراكنا الجوهر فيه لأن الجوهر ماهية الهية دالة في الموجودات كافة لا يمكننا ادراكها. الجوهر الالهي يعلو مجانستنا العقلية الادراكية له.

جواهر الاشياء حسب الفهم الاسبينوزي في وحدة الوجود تمتلك ازلية غير مكتسبة من خارجها، والجوهر هو وجود غير مدرك خارج قالبي الزمان والمكان الادراكيين اللذين يحكمان الطبيعة والانسان كما شرح ذلك كانط. في محاولته الابتعاد عن ميتافيزيقا اسبينوزا في وحدة الوجود الذي كرّس عدم امكانية ادراك الجوهر الالهي بالعقل المحدود الذي يدرك كل شيء متاح ادراكه له بمعرفة صفاته فقط لا اكثر. أما الجوهر فهو علة الوجود في خلقه، ولا توجد علة في سبب وجوده.

لذا الجوهر واحد حسب مذهب وحدة الوجود عند اسبينوزا لا يمكننا تجزئته كونه جوهرا مجزءا موزعا في الطبيعة والكوني كصفات، ويمكننا معرفة كل موجود بدلالة جوهره غير المخلوق كما تخلق الموجودات المادية، كون الجوهر لاماديا بل هو صفة من صفات الكمال الالهي الذي لا يدركه العقل بغير دلالة موجوداته.

الله الجوهر المثال

يتجلى مفهوم الجوهر المثال الكامل في الله حين يصفه اسبينوزا بالتالي:

- الجوهر هو حقيقة الكون ولا يعني هذا برأيه أن الجوهر هو مادة الشيء أو عنصر من مكوناته، لكنه الحقيقة التي وراء كل شيء. الجوهر لا يكون الا واحدا، والاصح لا وجود لجوهر الا واحدا ولا يخرج عنه شيء.5

- الجوهر ازلي لامتناهي، والازلية هي الوجود ذاته المرادف للحقيقة، والازلية يتعذر علينا تصورها من خلال فكرة المدة، أو الاستمرار أو الزمان. والجوهر موجود بالضرورة،أي أن الوجود ينتمي الى طبيعة الجوهر، والوجود ليس شيئا اكتسبه الجوهر من الخارج، أي أن الجوهر ليس مخلوقا.6

- على حد تعبير اسبينوزا الله بوصفه جوهرا لامتناهيا ذا صفات الهية، والصفة هي الشيء المكوّن لماهيته. والعقل ينتقل من الطبيعة الطابعة الى الطبيعة المطبوعة، أي من الله في ذاته، الى الخلق مع عدم التمييز بين الله والخلق. وحين يوضح اسبينوزا توحيده بين الله والطبيعة قائلا: لم اعمد الى تصغيرشأن الله بانزاله الى مرتبة الطبيعة، بل عمدت رفع الطبيعة الى مستوى الله.7

- الحقيقة عالم واحد هو الطبيعة والله في وقت واحد، وليس في هذا العالم مكانا لما فوق الطبيعة. والواقع أن الله والطبيعة متطابقان، اذا تصورنا أن كلا منهما منفردا هو الكائن الكامل الذي أوجد نفسه بنفسه.8

 

علي محمد اليوسف /الموصل

..................................

الهوامش:

1- د امل مبروك، الفلسفة الحديثة ص98، 2،3،4،5،6، ص98

7. ص 99، 8 ص 99

 

 

 

محمود محمد علينعود وننهي حديثنا عن جدل السؤال والتساؤل في عالم الفلسفة، وهنا يمكن القول بأن التساؤل الفلسفي يدور في محاور ثلاثة: تساؤلات الوجود، وتساؤلات المعرفة، وتساؤلات القيم؛ وكل محور من تلك المحاور يتشعب إلى إشكالات قد تتماثل وقد تختلف، وفي كل محور تكون التساؤلات إما جزئية أو كلية . وهذا يعني أولا أن مفهوم التساؤل الفلسفي متنوع جدا، ففي كل محور يمكن أن نطرح تساؤلا يتضمن بداخله تساؤلات تتولد منه .

ففي محور الوجود ينطلق التساؤل: ما حقيقة الوجود؟ وتتولد عن هذا التساؤل تساؤلات منها: ما مدى ارتباط الحقيقة بالوجود؟ هل الوجود داخلي أم خارجي؟ ما الصلة بين مفهوم الوجود ومفاهيم الطبيعة والكون؟ . ويمكن أن يهتم باحث الفلسفة بكل تساؤل وبإمكانه أن يولي التساؤل الأولي جل تفكيره، كما يمكنه أن يضع تركيزه في تساؤل من التساؤلات التي تليه . ويمكن لنا تطبيق ذلك على محاور التساؤل الأخرى .

أما  في محور المعرفة تنطلق تساؤلات أساسية منها ما يتعلق بنظرية المعرفة مثل: كيف تتم المعرفة؟ وما هي عناصر المعرفة؟ وما هي أولويات المعرفة؟ وما هي أهم ارتباطاتها بأحكام أخرى تحدها كالمنطق وتداخلها مع أساسيات كمعرفة الوجود والقيم وأهمية الكشف عنها!. ومن التساؤلات ما هو متعلق بأحكام المعرفة المتصلة بالمنطق والتي تمدنا بمعايير ومسوغات للوصول إلى معرفة ممكنة ! ومن التساؤلات المعرفية ما هو متعلق بالكشف والاستنتاج مما يفتح إمكانات المعرفة على محوري الوجود والقيم لأن معرفة ظواهر وحقائق الوجود تتطلب كشفا، والقيم من جهة ثانية تحتاج إلى فحص ونقد وإعادة وضعها ضمن أحكام معقولة ومنطقية .

وأما في محور القيم تبرز لنا تساؤلات في مواضيع بعينها ذات صلة بالقيم أو بين مواضيع لها علاقة تتضح من خلال القيم وتكون التساؤلات إما نظرية خالصة أو واقعية تطبيقية، وأهم ما يطرح حول القيم يتضح جليا في القضايا المتصلة بالأخلاق والجمال والفن بصور تجريدية محضة وفيها تطرح تساؤلات مثل: ماهي حرية الإرادة؟ هل توجد أخلاق محضه؟ وكيف نصل لأحكام خلقية؟. ومشكلات الفن مثل: ماهو أصل العمل الفني؟ وما علاقة الفن بالجمال؟ وكيف يتحقق الإبداع؟. الى هنا التساؤلات نظرية لكننا نجد القيم تتخذ منحى تطبيقي فيما يتعلق بقضايا المجتمع والسياسة والقانون حيث تكون فيها "المعايير" مقدمة ً على "المفاهيم" نظراً لأن تلك الحالات تتطلب تعاملاً ً مع الواقع بجميع تناقضاته.

وكلما امتدت وتطورت التساؤلات الفلسفية إلى مراحل وأبعاد وقضايا جديدة وحساسة تحمل نطاقا واسعا من المفاهيم الممكنة كلما أمكن للفلسفة أن تؤكد أهميتها ورؤيتها وتسير باتجاه المستقبل .

وتتحدد قيمة السؤال الفلسفي في كونه كذلك، فلولاه لما كانت أجوبة ولا تأسست معرفة ولا تشكلت علوم، فهو سر كل فكر وكل حرية، حيث تبدأ المعرفة حين يُطرح السؤال ولا تتوقف المعرفة بإعطاء إجابة عنه، بل إنها تولد مع ميلاد كل سؤال مسؤول، فيه وعي بقيمة وجوده وأثره في الحياة الإنسانية، فلولاه لما تغيرت الأشياء ولا دبت الحياة في الحياة . قد تبدو قيمة السؤال أكبر من قيمة الإجابة؟ لكن الأمر ليس كما يظهر، غير أن السؤال سبب لوجود الإجابة والأخيرة يتم عبرها معرفة نجاعة وفاعلية السؤال، فقد يكون السؤال – حقا – أكبر من أن يُجاب عنه أو أن يُقيد في إجابة واحدة، مثلما هو سؤال الوجود وسؤال الإنسانية؛ حياتها ومآلها، لكن الإجابة حاضرة دائماً، فهي حاضرة بالقوة، فكل سؤال ينطوي بالضرورة علي إجابة ما، أو حاضرة بالفعل، كما هو حال الإجابات المقدمة من قبل الفلاسفة والمفكرين، أو كحال الكتب السماوية التي كانت، في جانب منها، إجابات إلهية عن الأسئلة البشرية.

ويتسم السؤال الفلسفي بجملة من الخصائص والمميزات، ومنها: تناوله قضايا إشكاليّة تسهم في الرصيد الثقافي البشري، وصيغته دائماً استفهاميّة، ويقود في تفاصيله إلى البحث والمتابعة للقضايا الخلافيّة والإشكاليّات التي يتناولها، وله هدف معيّن في البحث، ويتضمن التسليم بمبادئ ومسلمات بعد عمليّة البحث، ويثير السؤال الفلسفي، ويحمل في طياته جملة من التساؤلات تتفرع عن الموضوع الواحد.

وتظهر قيمة الأسئلة، إذن فيما تولده من أجوبة، وتنجلي قيمة هذه الأخيرة وأثرها حينما تبعث أسئلة جديدة من رماد الأسئلة الأولي في سيرورة متواصلة، تدفع بالفكر البشري ليخط مسار تشكله بنفسه ويضع نقاط افتراقه عمن سبقه . لقد تخلق الإنسان في رحاب السؤال، وهو عبر كينونته وليد مفارقة يصنعها السؤال والإجابة: المعرفة والجهل، وحدة الوجود، وتعدد الموجودات، المغالطات والعدم .. في " البدء كان السؤال، ومنه انبثقت أم المشاكل، كل الحلول المحصل عليها تعود إلي السؤال الاول، أي إلي حروف السؤال، حين نندهش لا نملك إلا طرح السؤال.

جميعنا نريد الإجابة عن الأسئلة التي تواجهنا وتنتهك حرمة سكوننا، ولكن دائما ما  تتمنع الإجابة لتحيل علي السؤال من جديد، وهي إذ تفعل ذلك تُسهم في بقاء شروط تبلور المعرفة، وتدفع بنا للبحث والتنقيب عما يُسلبنا، ويُغوينا، يبعث الأمل في نفوسنا ويعبث براحتنا التي لطالما ركنا إليها، إنها – أي الإجابة – تفعل ما تفعله بوحي من السؤال، في إلحاحاته المتواصلة علي تجديد الإجابة وتجديد مصادرها، ليحيا الكائن البشري حياة المعرفة في معرفة الحياة .

هكذا يكون السؤال أساس المعرفة وصرورتها، به تستخرج وعلي أساسها تُفك قيود الكُمون فيها، وإن كان لكل جواب سؤاله بالضرورة فليس هناك في المقابل بكل سؤال جوابه، علي أن طرح السؤال في حد ذاته يعد جوابا بمعني ما، أو هو علي الأقل أول الطريق نحو تحقيقه .

تتداخل المعارف مع بعضها البعض وتتخارج بطريقة عجيبة، فهي مستقلة بذاتها في الرؤية والمنهج والإجراءات والمصطلحات والمفاهيم وبعض الإجراءات وربما الرؤي لتتفاعل مع مكونات الحقل المعرفي الذي ارتحلت إليه، ما يؤدي إلي صناعة مصطلحية ومنهجية جديدة داخلة، وبذلك تتشكل المعرفة في غير ما مطابقة لوجودها الأول ومغايرة معقدة ولا يمكن بحال من الأحوال، إرجاعها إلي هذا  الشكل / السبب أو ذاك.

وتشكل المعرفة النقدية في عمومه ولا يخرج عن هذا الإطار، وإن كان في بدايات تخلقه لم يُعد  أن يكون مجرد آراء سطحية، ساذجة  متعلقة بالشخصية أكثر من تعلقها بالرؤية أو بالمنهج النقدي . وسؤال النقد  عندما يُطرح في ساحة عندما يطرح ساحة المعرفة، يستدعي معه سؤالاً آخر وهو سؤال المنهج، بعدهما سؤالين يكمل أحدهما الآخر، فالنقد بحاجة إلي منهج حتي تكون أحكامه ومحاوراته للنصوص والظواهر مبنية وفق نظام ومبادئ تبررها وتضفي عليها نوعا من القبول، كما يحتاج المنهج أيضا لأن ينتظم في حقل معرفي معين حتي يمارس فعاليته ويختبر كفايته الإجرائية . وههنا تكمن إشكالية هذه الدراسة  :  ما هي الأسئلة التي قدمها كل من النقد والمنهج؟ وهل هناك اختلاف بينها؟ وفيما تكمن الهزة المعرفية التي عرفها حقل النقد عموماً؟ خاصة في مرحلة المساءلة التي مر بها .

ويبقى أن السؤال الفلسفي يحمل فى ذاته دعوة إلى البحث، والتعرف، والاكتشاف. وهو بذلك كله يمهد البيئة المناسبة للبحث العلمي الذى يمكنه أن يسترشد بعلامات الاستفهام الفلسفية ليحدد الأرض التي يقيم عليها بناءه .

من هنا، ينبغي أن ندرك قيمة الدور التمهيدي الكبير الذى آداه التوحيدى للثقافة العربية عن طريق استخدام السؤال والتساؤل، وما يمكن أن يحدثه ذلك من تحريك السكون، وغربلة المتوارث، وفتح آفاق جديدة ومتجددة للمعرفة كما قال أستاذنا الدكتور حامد طاهر.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة اسيوط.

.................

1- أ.د. حامد طاهر : فلسفة السؤال والتساؤل عند أبى حيان التوحيدى.. مقال..

2- ماجد محمد حسن: السؤال الفلسفي.. مقال..

3- ألان جيرانفيل : خصائص السؤال الفلسفي .. مقال..

4-  سمر حسن سليمان : خصائص السؤال الفلسفي.. مقال..

 

 

علي محمد اليوسفكان أنشتاين معجبا بعبقرية الفيلسوف الالماني لا يبنتيز 1646- 1716المتعدد المؤهلات العلمية والرياضية إضافة للفلسفة التي لم يعطها أهل عصره الاهتمام الذي تستحق إنجازاته العظيمة فهو لم يختص بالفلسفة فقط التي لايختلف على عظمته بها إثنان، بل إشتغل بالرياضيات ويرجع له فضل أختراعه الحاسبة المتطورة في إجراء العمليات الحسابية، وإكتشافه التفاضل والتكامل في الرياضيات حتى أعتبره المهتمون بتاريخ الفلسفة عالم رياضيات وليس فيلسوفا. وأمتدت إهتماماته العديدة الى ميادين أخرى ترك بصمته المتفردة عليها، مثل السياسة والتاريخ والقانون واللغة والاجتماع والعلم الطبيعي وفي ربطه تطبيقات النظريات العلمية مع الواقع العملي الميداني. هذه المؤهلات التي لم يكن ينافسه أحد في فرادته المميزة فيها. ومن المؤسف بعد وفاة لايبنتيزعام 1716 لم يهتم أحد بتشييعه سوى سكرتيره ايكارت ولم يشارك غيره التشييع من أهل الفكر والدولة.

لايبنتيز والجوهر

يمتاز لايبنتيز بنزعة رياضية في تناوله قضايا فلسفية، إلا أننا نجده على خلاف اسبينوزا وديكارت وكانط الذين لا ينكرون صعوبة مبحث الجوهر الذي يعتبره لايبنتيز"الجوهر كائنا كاملا يحتوي على كل ما يخصّه، وهو موضوع يتضمن محمولاته التي يدركها العقل. معتبرا الروح جوهرا يمتلك المعرفة الحقيقية" 1

عبارة لايبنتيز هذه حول الجوهر تتعارض تماما مع كل من سبينوزا، ديكارت، وكانط على إختلاف رؤاهم الفلسفية حول الجوهر. وأشّد مايكون التناقض الصارخ نجده عند اسبينوزا الذي أقام فلسفته عن الجوهر مرتكزا على ميتافيزيقا الإيمان الطبيعي في مذهب وحدة الوجود غيرالديني الصوفي بل وحدة الوجود على نطاق الفلسفة والمعرفة وهو ما لا يقر به لايبنتيز ولا يؤمن به. كونه لا يعترف أساسا أن يكون الجوهر موضوعا لا يدركه العقل كما فعل اسبينوزا.

إعتبر اسبينوزا الجوهر ليس مخلوقا ولا يدرك لا في الاشياء ولا في النفس أو الروح. وذهب اسبينوزا الى نظرة فلسفية عن الجوهر تكاد تكون خاصة به عندما إعتبر الوجود يستمد إدراكه من الجوهر كما لا يمكن الإستدلال بالوجود لمعرفة الجوهر، والوجود عند اسبينوزا واحدا لا يقبل التجزئة والانقسام لأنه وحدة كلية مفهومية كما هو جوهر أو ماهية الزمان التي لا تدرك إلا بدلالة حركة الاجسام داخلها.

اسبينوزا لم ينكر وجود الجوهر بالأشياء الذي إعتبره نوعا من الإلهام الإلهي البديهي فيها لا يمكن إدراكه كونه مفهوم كلي يعود الى الله الذي نتصوره جوهرا كونيا كامل التمام في المجانسة الكيفية الواحدة التي لا تتقبل التجزئة، لكننا نحدس في موجودات الطبيعة دلالات الجوهر المثالية الإعجازية على أنه جوهر متعال على الطبيعة والوجود.

لم يحدد أسبينوزا طرائق إستدلالية في إدراك الجوهر فهو خالق غير مخلوق، بل وجد بالصفات الظاهرة بالاشياء التي من الممكن أن تكون دلالة لتعزيز الايمان القبلي المطلق أن الجوهر موجود في كل شيء. وكل شيء بالوجود يعرف بدلالة الجوهر. ولا يجب إعتبار الصفات المدركة بالاشياء هي التي تعيننا على إدراك الجوهر فيها، بل ما يحدد الجوهر بألاشياء هو الإيمان القبلي لإدراكنا الوجود.

إن الله لم يخلق الجواهر الموزعة بالطبيعة للإستدلال بها عليه كجوهر تام الكمال وشامل، فالطبيعة بالوقت الذي تكون فيه جوهرا يتعالى عليها جوهر من أوجدها. وتكتسب وجودها الطبيعي من تبعيتها لجوهر الكمال الالهي.

وحسب اسبينوزا إقتصرت رغبة الله الخالق أن لا يكون عقل الانسان ولا متاح له إدراك جواهر الاشياء بل أن يدرك صفاتها فقط. وبهذا المعنى أخذ كانط على عاتقه قطع طريق الإجتهادات الفلسفية في مناقشة قضية الجوهر بلا طائل يتحصّل منه، وقال علينا إدراك ما يتطابق مع العقل من الإدراكات التي هي الصفات لاغيرها، مع وجوب ترك الخوض في غمار الجوهر وعلينا إغلاق عقولنا على حقيقة أن إدراكات العقل المحدودة تكتفي لمعرفة الصفات المدركة فقط.

قد تبدو مفارقة غريبة أن أفكار كانط حول الجوهر كانت مدار قناعة تامة لدى كل من الفلسفتين الماركسية والوجودية رغم ألتباين الشديد بينهما، الماركسية تحاشت الإنزلاق نحو تصنيف اسبينوزا كل شيء يحمل ثنائية تركيبية متلازمة من صفات ظاهرية وجوهر خفي، ولما كانت الماركسية تؤمن أن لاشيء يسبق الوجود المادي إعتبرت الجوهرقضية تدخل في مثالية التفكيرالتجريدي الذي يعتمد الخيال الفكري أداة تصنيع  تخليق ما يرغبه ويشاء بعيدا عن مهمة العقل الإدراكية للواقع بما هو موجود وليس بما هو وراء /فوق الإدراك للطبيعة.

ديكارت والجوهر

لو عدنا الى ديكارت نجده عالج قضية الجوهر من منطلق إرتكازه الكوجيتو انا افكر اذن انا موجود. في هذا التعبيرالفلسفي المشهور لديكارت أقام أكثر من مسألة بالغة التأثير بعده من فلاسفة نقاد لمقولته تلك منذ القرن السابع عشر والى يومنا هذا منها:

- وعي الذات المفّكرة هي لإثبات الوجود الإنفرادي فقط، وأخذ العديدون من الفلاسفة على ديكارت أنه ربط وعي الذات في تحقق الوجود الفردي القائم على إلغاء الموضوع مادة التفكير مكتفيا أن مجرد التفكير هو دلالة واقعية مادية في إدراك الوعي بالوجود الذاتي.

- برأينا أن من أهم الامور التي أغفلها الفلاسفة الذين أدانوا كوجيتو ديكارت بالسلبية هو في إفتقاده لموضوع التفكير. متجاهلين أن حقيقة أي تفكير عقلي للانسان لا ينفصل عن موضوع إدراكه المفكّر به. وهذا سبب كاف بالرد على الذين يشككون بالتفكير المجرد عن موضوعه أن يكون وسيلة تحقق الوجود.، ألتفكير ألذي يثبت وجود الشخص المفّكر هو بألحتم يحتوي ضمنا موضوع التفكير بماذا يفكّر ولماذا؟ ألتفكير عملية قصدية لا تجري في فراغ.

- وليس دفاعا عن ديكارت وأنما من الاقرار بحقيقة أن العقل الذي يعي تفكيره الذاتي لا يخلو عنده إقتران التفكير الإدراكي المجرد أن لا يصاحبه موضوعه الخيالي الذي يكون مادة تفكير العقل في إثبات الوجود. التفكير بحد ذاته هو وعي مادي قبل أن يكون خيالات لامعنى لها، خاصية العقل الإدراكية السوية الطبيعية أنه يفكر بكل ما له معنى فقط. وكل تفكير مجرد يخلو من قصدية التفكير بموضوع معيّن يكون زائفا غير حقيقي لأنه تفكير في اللامعنى وهو أستحالة أدراكية بالنسبة للعقل السليم التفكير في فراغ خال من الموضوع.

- وعي الذات الانساني وعي نوعي وخاصية انسانية لا يمتلكها الحيوان، كما لاتمتلكها مخلوقات الطبيعة وموجوداتها، عليه الحيوان لا يعي صفاته ولا يعي جوهره. ونوضح هذا أكثر لاحقا.

- من خلال الكوجيتو أيضا أعتبر ديكارت قبل لا يبنتيز الروح أو النفس هي جوهر يمتلك كامل الإستقلالية، وأعتبر العقل جوهرا يلازم الروح ويختلف عنها أنه جوهر ماهيته التفكير وهو خالد بعد الممات، بينما الروح تتجّلى بالسلوك القائم على العواطف والوجدانات والاخلاق والضمير التي هي ميزات خصائصية تعلو وصاية العقل لكنها لا تقاطعه تماما.

- وأعتبر ديكارت العقل والنفس جوهرين متلازمين يجمعهما الخلود بعد فناء الجسم بالموت، وهنا يكون ديكارت غادر منهجه العقلي العلمي الذي يقوم على التجربة الحسية المادية المنبعثة عن الشك في حقيقة وزيف الموجودات. وهذه المفارقة الديكارتية تلتقي مع ما ذهب له لايبنتيز رغم عقليته الرياضية العلمية الجبّارة أيضا السقوط في الميتافيزيقا إذ إعتبرلايبنتيز كما أشرنا سابقا "الروح جوهر يمتلك المعرفة الحقيقية " وهذا لايقل ميتافيزيقية وهمية عما جاء به ديكارت حول خلود العقل والنفس من ميتافيزيقا مثالية تحتاج الكثير من الإقناع العلمي.

أنه من الممكن المتاح إعتبارنا الروح جوهرا تاما لا يدرك بدلالة العقل، وهو الرأي الصحيح الذي سبق وقال به اسبينوزا حين إعتبر الجوهر يسمو على العقل والطبيعة ولا ينقاد لهما بل العكس هو يقودهما بدلالته من حيث أن الجوهر يعطي الوجود حيثية وجوده ولا يكتسب هو من الوجود أضافة له، فالمجانسة غير النوعية المفارقة بين الجوهر والوجود لا تكتمل بالصفات المتباينة ولا تتشابه بالماهيات المختلفة. وقبل أن نغادر هذه الفقرة نؤكد مسألة خطأ متوارثة طويلا في تاريخ الفلسفة مجمع عليها من العديد من الفلاسفة هوأن الجوهر يعرف بدلالة الوجود، الى أن جاء اسبينوزا وقلب القاعدة الخطأ أن الوجود ذاته يدرك بدلالة الجوهر.

الفلسفة الوجودية والجوهر

هوسرل في الظاهراتية (الفينامينالوجيا) ومعه هيدجر إعتمدا مبدأ مفارقا مفاده ليس مهما أن نعرف الجوهر موجودا بالاشياء أم غير موجود في حين يتوجب علينا أن يكون وعي الذات هو ليس لإثبات الوجود الإنفرادي كما فعل ديكارت في الكوجيتو، وإنما حدد أقطاب الوجودية، أهمية الوعي أن يكون قصديا أولا، وثانيا لا يتحقق الوجود الحقيقي غير الزائف إلا ضمن عالم يحتويه في المجانسة الإدراكية، فلا يكفي أن يعي الانسان وجوده بالتفكير المجرد المنقطع عن الناس.وهي فكرة فلسفية نادى بها برينتانو استاذ هوسرل.

ولو نستطرد قليلا مع هوسرل في الفينامينلوجيا حين كان قد ذهب الى أن الاشياء تكون في وجودها المادي المدرك أو الخيالي غير المدرك يتوزعها نوعان من الوجود هو الوجود (بذاته) نومين يتعذر إدراكه الحقيقي الجوهري عقليا، وفينومين الذي هو الوجود المدرك بالصفات في عالم يمكن إدراك موجوداته بظواهرها الصفاتية الخارجية فقط لا بماهياته المحتجبة خلف الصفات. وهو مبدأ فلسفي يعود في مرجعيته الفلسفية الى كانط. أذ أعتبر الوجود بذاته ميتافيزيقا لا معنى البحث فيها. وأعتبر الركض وراء التحقق من جواهر الاشياء لا قيمة ترجى منها. أما سارتر في تأكيده الجوهر موجود عند الانسان والحيوان بفارق (نوعي) بينهما له رأي فلسفي خاص به يقوم على مايلي:

- الجوهر كينونة الانسان الذي هو الماهية يختلف عنها عند الحيوان بفارق نوعي هو أن الانسان يعي جوهره الذاتي الذي هو ماهيته، بينما الحيوان لا يعي ذاته ولا يعي جوهره الماهوي، لذا نجد أن صفات الانسان الخارجية التي يتشارك بها مع الناس بالنوع من جنسه، نجدها بالمقابل في المقارنة مع  الحيوان الذي لا يدرك صفاته ولا يدرك جوهره أو ماهيته، وللتفريق أكثر هو أن جوهر الانسان يقوم كما ذكرنا على وعي الانسان القصدي بالحياة، لذا يكون الجوهر هي ماهية الانسان التي يصنعها بوعي ذاتي إنفرادي طيلة حياته ويدركها لوحده فقط، والجوهر الإنفرادي عند الانسان خاصية ذاتية لا يدرك من الآخرين من نوعه، بل ما يجمع الانسان وجودا بغيره من نوعه هومشاركتهم في الصفات الخارجية والسلوك المجتمعي الذي لا يعتبر خاصية إدراكية فردية بل خاصية جمعية نوعية قائمة على تبادل العلاقات.

أما لو أخذنا الحيوان فنجد وجوده الكلي يقوم على صفته الاساسية هي الكفاح من أجل البقاء يعيش لياكل، عليه يكون الحيوان لا يعي ذاتيته ولا يمتلك قابلية التعبير عن مدركاته باللغة التي يحوزها الانسان فقط، ويترتب على هذا أن ماهية أو جوهر الحيوان على العكس من الانسان تصنعه له الطبيعة بلا وعي منها والتي لا يدركها الحيوان ولا هي تدرك ما تقوم به تجاه الحيوان. تكيّف الحيوان مع الطبيعة كي يعيش هو تصنيع من الطبيعة لماهية الحيوان دونما وعي وإدراك  منهما كليهما.

لذا يكون الإحساس بالزمن عند الحيوان معدوما بخلاف إدراك الانسان للزمن وإبتداعه التوقيت الزمني الذي ينّظم له إدراكاته الزمانية في فهم ظواهر الحياة. الطبيعة لا تخلق جوهر الانسان كما تفعل بلا أدراك منها  تصنيعها ماهية أو جوهر الحيوان التي هي صفاته الخارجية المدركة عنه لا غير. الحيوان لا يمتلك جوهرا كونه لا يعي ذاته ولا يعي الطبيعة من حوله، ولا يفهم أية علاقة تجمعه بالطبيعة غير توفيرها أسباب بقائه في توفير الغذاء له دونما وعي من الطبيعة ولا ادراك من الحيوان.

خاتمة وتلخيص

الجوهر موضوع سجالي بالفلسفة غير محسوم في تعدد وجهات النظر عنه، فمنهم من أعطاه الصفة المادية القابلة للإدراك العقلي، ومنهم من أنكر ذلك في إعتباره الجوهر هو من مباحث الميتافيزيقا. وتناوله العديد من الفلاسفة منهم لايبنتيز، وديكارت، واسبينوزا، وكانط وفلاسفة الوجودية كلا برؤية فلسفية مغايرة. ونجد أن أقطاب فلاسفة الوجودية يلتقون مع الماركسية قولهم لا حاجة البحث في ماوراء صفات الاشياء التي هي كافية للبت في معرفة كينونة الموجودات من غير الانسان، وتطرق فلاسفة آخرين الى موضوعة التفريق بين جوهر أو ماهية الانسان إختلافها عن لا جوهر ولا ماهية الحيوان التي لا يمتلكها أساسا لإرتباطها بالوعي العقلي. كما يلتقي لايبنتيز مع ديكارت في إعتبارهما النفس جوهرا منعزلا عن العقل تمتلك كل مواصفات الادراك النفسي وحتى الخالد كما ذهب له ديكارت. وفي الختام لا بد من التنويه لمسألة تم ذكرها هي إختلاف الفلاسفة حول وجود أو عدم وجود الجواهر بالاشياء، بخلاف الانسان الذي لايكون وجودا متكاملا من دون جوهر يداخله يصنعه بنفسه وهو أي جوهر الانسان ليس صفاته المشتركة مع غيره  البشر من نوعه.كما أن جوهر الانسان يختلف عن لاجوهر الحيوان وكذا عن لاجوهر الاشياء في موجودات العالم والطبيعة.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

الهامش (1) د. امل مبروك، الفلسفة الحديثة ص 102

 

 

 

محمود محمد علييكاد يتفق معظم الباحثين علي أن هناك فرق بين السؤال والتساؤل، ليس في ميدان الفلسفة فحسب، بل في كل الميادين تقريبا، لأن السؤال بصيغه المختلفة : " من؟، ما؟، ماذا؟، لماذا؟، كيف؟، أين؟، متى؟، وجميع الصيغ القريبة منها، أو المشتقة منها  يتعلق باستفهام محدد عن معلومة، أو إجابة، أو تقرير والوقوف عند ذلك، بينما التساؤل يتعلق بموضوع مفتوح، أو بقضية غير منتهية، أو بتناول مشكلة جزئية، أو كلية، بحاجة لمزيد من البحث، والدراسة، والحوار. ولهذا فإن التساؤل يفيد ويثري الميدان الفلسفي أكثر من السؤال. ويمكن للتساؤل أن ينطلق من نفس صيغة السؤال التقليدية، والصيغ المتعددة للأسئلة يمكنها بدورها أن تمهد لتساؤلات بعدها، ومن ثم تمنحنا تلك التساؤلات تفكيراً فلسفياً بأمل الوصول إلى فكر فلسفي، ومن ثم معرفة ممكنة عن مشكلات فلسفية غير محددة.

ويعد طرح الأسئلة بشكل عام من أهم أدوات العلم والمعرفة، والوصول إلى الحقيقة، وتبديد الجهل حولها، وكان للسؤال في اللغة العربية، عدة أغراض، ومنها: السؤال على الحقيقة، كأن تسأل عن شيء تجهل معناه، والسؤال لأغراض أخرى؛ كالسؤال التعجبي، والسؤال الإنكاري، ومن ضمن أنواع الأسئلة التي تفيد الحقيقة السؤال الفلسفي، وهو السؤال الذي يهدف إلى الوصول إلى المعرفة، والتي يكون دافعها الفضول والحيرة الناتجة عن الشعور بوجود مشكلة. أهداف السؤال الفلسفي يهدف السؤال الفلسفي إلى وصول السائل إلى حقيقة جدليّة تباينت حولها الآراء، واختلفت بشأنها المذاهب التفكيريّة، فهو ينحصر في زاوية حيرة العلماء لمسائل تتعلق بالوجود وأسبابه، وذلك بطرح أسئلة افتراضيّة وتخيلات من قبيل: ما أصل الوجود؟، ومن الذي أوجد الوجود؟، وما مصير العالم؟، وهل حقيقة يوجد بعث وحساب، وجنّة ونار، فهو نمط أسئلة جريئة يهدف للوصول إلى الحقيقة، وإن تعذرت الأفهام عن الوصول إليها. يتراوح السؤال الفلسفي بين المذهب العقلي والمذهب التجريبي في التفكير، فمن حق العقل كما يتصوّر مثيرو الأسئلة الفلسفيّة أن يتصور الأشياء، ويطرح الأسئلة بهدف الوصول إلى الحقيقة، ناسين أو متناسين محدوديّة العقل البشري، ومحدودية الحواس لحكمة يريدها الخالق عزّ وجل.

وقد نشأت الأسئلة لدى الإنسان عندما تعامل مع الطبيعة بكل قضاياها، وبدأ الإنسان يفكر بكلمة " مشكلة " حين لم يجد لأسئلته صدى يرضيه من الطبيعة ذاتها، وللإنسان طبيعته الخاصة في مقابل الطبيعة الخارجية، وبين الطبيعتين تتولد المشكلات على شكل أسئلة، ولكن محاولات الإنسان الإجابة على أغلب الأسئلة إن لم يكن جميعها كانت تستند بداية على الخيالات والأساطير التي هي أبعد عن العقل، ومن ثم فقد وضع الإنسان تصوراته المبدئية باعتبارها حلولاً مؤقتة فدخلت تلك التصورات في الأساطير والآداب والملاحم والفنون والتاريخ مشكلة أنماطاً وارتباطات حددت ملامح ومسار التفكير ضمن ميادين محددة، بحيث حصرت تفكير الإنسان من خلالها لفترة طويلة، ولكنها من جهة ثانية لم تقدم للعقل ما يرضي شغفه، وعند ذلك بدأت الفلسفة تطرح أسئلة العقل معتبرة تلك الخيالات والتصورات مشكلات تدور حولها الأسئلة من جديد.

وإذا تساءل المرء عن الأهداف المرجوة من الفلسفة، فمن الواضح أنه سيصطدم بالعديد من المشاكل، وربما تحجب مشاكل المنفعة والجدوى مشاكل التعريف، والتحديد، ومشكلة النشأة، والميلاد، ومشكلة تاريخ المعارك، والمصير، والحضور في الواقع الاجتماعي، والعلاقة التي تقيمها مع العلوم والمنزلة التي تحتلها في الثقافة.

لكن أين بدأ تاريخ الفلسفة بالضبط؟، ومن أين بدأت تاريخها؟ وكيف بدأ الفلاسفة في التأريخ لأنفسهم؟ وماهي شروطها التوليدية؟، وهل يمكن أن تعاود الظهور بشكل آخر؟، وما الدور الذي يمكن أن تقوم به؟ متى يتم الاستئناف؟، وما الجديد عن الفلاسفة؟ وكيف يمكن تصور العلاقة بين المجتمع والكلام الفلسفي؟، ماهي الوظيفة الاجتماعية للفلسفة؟،  وهل يمكن أن تلعب دوراً في سياسة الحقيقة والتصرف في السلطة؟

إن وظائف الفلسفة عديدة وتنقسم بين النظري والعملي ويتراوح النظري بين التحديد، والتوضيح، والتحليل، ويتراوح العملي بين الالتزام، والتطبيق، والتغيير، ويمكن تصور علاقة جدلية، ورؤية تكاملية بين الطرفين.

والسؤال الفلسفي له خصائص ومنها: ذو طابع إشكالي، وهي قضية تنطوي تحت منظور المُفارقة عن طريق طرح مجموعة من الأسئلة التي لا يمكن الإجابة عنها كلها، حيثُ يبقى سؤالٌ لا يُجاب عليه، والطابع الإشكاليّ للسؤال الفلسفيّ يُشكلُ تساؤلاً، لا مجرد سؤال عادي وظاهر، فالسؤال المنفرد والعادي يكون الجواب عليه مبرراً لوجود هذه السؤال، مثلاً عند طرح سؤال "ما الكُره؟"، فإن الجواب يكون ظاهراً، أمّا الفلسفيّ فمثلاً يكون: "هل يكون الكُره في الشيء، أم في نظرتنا للشيء؟،  فهو معالجة لهذه الإشكاليّة، الأمر الذي يجعل من السؤال نفسه أسئلة فلسفيّة مستمرة عبر الزمان، فكل جواب لأي سؤال فلسفيّ هو سبب في سؤال جديد يُطرح، وقد عرَّفه الفلاسفة، بأنّه فن طرح السؤال وتأجيل الجواب للاستمرار الفلسفيّ. ذو طابع جذري، حيثُ يرى بعض الفلاسفة أن تكرار السؤال الفلسفيّ واستعادته ما هو إلاّ وصول إلى المبدأ والجذر الأول للسؤال، بمعنى أن السؤال هو أداة اختراق ونفاذ لحجاب ظاهر الأشياء والمفاهيم، من أجل البلوغ إلى أُسس الأشياء ومبادئها، كما هو عند الفلاسفة الطبيعيين في سؤالهم عن أصل الكون.

وإذا كانت الأسئلة في المراحل ما قبل سقراط،  لم تميز بين الطبيعة والإنسان، فهذا مرده لقرب البدايات من التفكير الأسطوري، وعدم وضوح الرؤية عن التفكير الفلسفي ودوره فتم النظر إلى مشكلات الطبيعة باعتبارها لا تختلف كثيراً عن مشكلات الإنسان، وهذا ما نجده لدى الفلاسفة القدماء، أمثال طاليس، وفيثاغورس، وبارمنيدس، وهيراقليطس، وزينون الأيلي وغيرهم، فعندما بحث طاليس عن خلق الكون وأصل الأشياء كانت لديه تساؤلات شمولية، وعندما بحث فيثاغورس عن الانسجام ونظرية الأعداد كانت له أيضاً نظرة كونية، وعندما بحث بارمنيدس عن الوحدة كان يهدف إلى معرفة مطلقة أقرب للثبات، وعندما بحث هيراقليطس عن التغير والصيرورة، كان يسعى إلى تصور كلي لتفسير الوجود، وإن كان بارمنيدس يختلف عن هيراقليطس في رؤيته إلا أن كلا منهما كان يتطلع إلى معرفة الطبيعة وتفسير الوجود بمعان كلية، وهذا أيضاً ما نجده لدى زينون الإيلي تلميذ بارمنيدس والذي ابتدأ الحجج المنطقية ضد الحركة تأثراً بنظرة بارمنيدس، ونجد أن كل الفلاسفة القدماء على اختلاف فلسفاتهم يجمعهم الاهتمام باللوغوس والعقل الكلي .

وفي المرحلة التي ابتدأت بسقراط تكثفت التساؤلات عن الإنسان بصفته كائنا مستقلا عن الطبيعة فأخذت تطرح قضايا طبيعة الإنسان ونفسه وأخلاقه، ولكن أفلاطون أسس لتلك المرحلة الانتقالية من الفلسفة بإعادة التوازن بين الطبيعة والإنسان، وذلك بتناول ما يتطلع إليه الإنسان معرفياً داخله وخارجه فأضاف إلى سقراط أبعاداً جديدة مركزاً على أهمية المعاني والحقائق في حوار مفتوح بين ما طرحه الفلاسفة القدماء وما أتى به أستاذه من أفكار في كل من المحاورات ونظرية المثل وما ألفه عن المجتمع والسياسة، المحاورات الأفلاطونية تضمنت تساؤلات وقضايا عن الإنسان كما أنها تضمنت تساؤلات وقضايا عن الطبيعة والوجود، وتساؤلات المعرفة عند أفلاطون نجدها في نظرية المثل التي تعتبر أول محاولة لتساؤلات عن نظرية المعرفة ببعديها الذاتي والخارجي، وكذلك فإن أفلاطون تناول التساؤلات الممكنة في محور القيم من خلال وقائع الاجتماع والسياسة وما يجب أن تكون عليه وما يجب أن يحكمها من قيم أساسها أخلاقي ومعرفي معا، إلا أننا نجد ثانية تركيزاً على عالم الإنسان وسعادته بطرح مزيدا من التساؤلات والأفكار عند المدرسة الرواقية تتمحور حول قضايا عامة للأخلاق يتخللها أحيانا أحكام منطقية، وذلك بربط المعرفة بمحور القيم، وامتدادا لمرحلة ما بعد سقراط نجد أن ما طرحه أرسطو  يتنوع بين مختلف التساؤلات الفلسفية، إلا أن أهم ما فيه هو قيام أرسطو بتطوير أفكار أفلاطون فوضع تحليلات ومقولات معرفية أسست لعلم المنطق مما يعد تطورا لتساؤلات الفلسفة وتأكيداً ثانياً لمقولة هيجل بأن فهم تاريخ الفلسفة جزء من الفهم الكلي للفلسفة ... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة اسيوط.

.......................

1- حمـد الراشـد: التساؤل الفلسفي.. مقال..

2- د. زهير الخويلدي: فن طرح السؤال بما هو المقام اللائق بالفيلسوف.. مقال..

3-أبو بكر العيادي: التساؤل منطلقا للتفكير الفلسفي.. مقال

 

 

عدنان عويدإذا كانت الحرية في سياقها العام تعني وعي الضرورة، أو الضرورة الواعية كما يقول "هيجل"، أي وعي الإنسان للظرف المادية والفكرية التي تتحكم بحاجاته الأساسية، المادية منها والمعنوية في نطاق المحيط الذي يعيش وينشط فيه، بغية الحفاظ على وجوده وإشباع حاجاته بكل مستوياتها السياسية والاقتصادية والثقافية، أو بتعبير آخر، إشباع حاجاته المادية والمعنوية بشكل عام، مع حضور شرطي المسؤولية والوعي اتجاه فهم وممارسة هذه الحرية. فإن الإبداع هو ذاك النشاط الإنساني الحيوي والمتميز في قدراته ومهاراته (الفكرية والعملية) عن النشاط الفطري والسطحي في شقيه المادي والروحي الذي يبذله الإنسان من أجل تأمين واستمرارية بقائه، وذلك كون النشاط الإبداعي المتميز الذي تحقق عبر الإنسان بفعل تحرره من بعض قيود الضرورة التي ُفرضت عليه تاريخيا، يظل نشاطاً يصب غالباً في تنمية مهارات وقابليات واهتمامات الإنسان من جهة، وفي القدرة على الغوص بعيدا في عالم المجهول، أي المغامرة من جهة ثانية، وبالتالي كشف تلك المكنونات من قوانين الضرورة (معوقات الحرية) في الوجودين المادي والفكري معا، بغية زيادة إشباع حاجات الإنسان بعامة، وتحقيق تقدمه والسمو به نحو عالم الوعي العقلاني، والنأي به بعيدا عن عالم الفطرة والغريزة المتوحشتين من جهة ثالثة .

بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه علينا هنا هو: ماهي العلاقة القائمة مابين الحرية والإبداع؟ .

لاشك أن هناك علاقة جدلية ما بين الحرية والإبداع، حيث نجد أنه، كلما اتسعت مجالات الحرية اتسعت بالضرورة مجالات الإبداع، والعكس صحيح أيضا، إذ كلما اتسعت مجالات الإبداع، يكون هناك اتساع في مجالات الحرية. وتاريخ الإنسان أصلا هو تاريخ صراعه مع الطبيعة ومع نفسه (المجتمع) من أجل الحرية، أي في المحصلة من أجل الإبداع. فصراعه الأول مع الطبيعة مثلا كان صراعا من أجل تجاوز قوانين الضرورة الحكمية (العمياء) التي كانت تتحكم به وبإرادته وتخضعه دائما لإرادتها العمياء، فعبر صراعه الأول هذا استطاع أن يكتشف ولأول مرة بنشاطه وإبداعه الخاص سر العديد من قوانين الطبيعة ويتحكم بها، وبهذا أصبح يميز ذاته كانسان يختلف عن بقية مفردات الطبيعة المحيطة به، بل راح يسخر آلية عمل تلك القوانين لمصلحته، الأمر الذي أفقدها سر قداستها بالنسبة له، ولم تعد تجلياتها في الطبيعة من رياح ورعد وأمطار ... الخ، تشكل آلهة يقدم لها الولاء والقرابين طمعا في رضاها وكف غضبها أو شرها عنه، أو بتعبير آخر الحد من حريته وإبداعه.

غير أن هذا الإنسان ذاته الذي راح يسيطر على قوانين الطبيعة شيئا فشيئا عبر ما حققه من حرية وقدرة في إبداع وسائل إنتاج جديدة واكتساب مهارات متنوعة من خلال الإنتاج الهادف إلى تأمين خيراته المادية والمعنوية معا، راح هو ذاته عبر آلية عمل إنتاجه، يضيع في منتجاته أيضا، وُيدخل ذاته في عبودية جديدة تحدُّ من حريته وإبداعه اللذين ناضل طويلا ضد الطبيعة وعالم الغريزة من أجل الحصول عليها أو انتزاعها، وهذا الشكل الجديد من الضياع والعبودية أخذ يتحقق عندما أصبح هناك فائض في الإنتاج لدى البعض من الناس (أفراد وجماعات)، هذا الفائض الذي دفع منتجه إلى البحث عن تبادل إنتاجه مع منتج آخر من أجل إشباع حاجاته المادية والروحية أكثر، بيد أن هذا التبادل أخذ شيئا فشيئا يغذي بدوره روح التملك والحيازة، فكانت وسائل ومواضيع الإنتاج ومنها الأرض أول أشكال هذا التملك وهذا ما دفع (روسو) للقول فيما بعد: (عندما قام أول إنسان بتسييج قطعة من الأرض وقال هذه ملكي، وصدقه بعض المغفلين، بدأت عملية استغلال الإنسان للإنسان)، أي الحد من حريته وإبداعاته. بل إن الحرية والإبداع ذاتهما لم يعودا في مجتمع الاستغلال هذا ملكا للمبدع، بل ملكا لمن يملك، ولا يحق لصاحبهما التصرف يهما إلا وفقا لما يريده المالك بشكل مباشر أو غير مباشر !! .

من هنا بدأت مسألة الحرية والإبداع تأخذ اشكاليتها التاريخية الجديدة ما بين المالك والمنتج، وكشكل من أشكال العلاقات الاجتماعية التي دار حولها الصراع الإنساني ولم يزل عبر كل تجلياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية . ففي الوقت الذي يقاتل أو يناضل فيه الإنسان من أجل حريته الاقتصادية والتقسيم العادل للدخل الاجتماعي، نراه يقاتل أو يناضل أيضاً من أجل حريته الاجتماعية والسعي إلى تحقيق مجتمعه المدني بديلا عن مجتمع الرعاء، وفي الوقت الذي يقاتل فيه من أجل الحصول على المواطنة، نراه يقاتل أيضا من أجل الحصول على المشاركة في القرار السياسي للوطن الذي يعيش فيه، مثلما نراه يقاتل ويناضل كذلك من أجل حرية الرئي والممارسة، والصحافة، والتحزب، ودولة القانون .. الخ .

نعم هذه هي مسيرة الحرية والإبداع في عالم الإنسان، إنها مسيرة نضال طويل ولا أظن أن الإنسان سيحصل عليها كاملة، وذلك كونه إنسانا، من لحم ودم، ليس لجوهر إنسانيته حدود، أي، ليس لحريته حدود، وكذلك لإبداعه حدود، إلا حدود العقل والمنطق الذين يصبان في حاجات الإنسان غير المحدودة، أي في عوامل الحفاظ على إنسانيته التي ناضل كثيرا من أجل استرجاعها أو إعادة بنائها وتنميتها... إنها مسيرة إنسان يعيش في عالم له قوانينه الوضعية، الخاصة به، والبعيدة في سيرورتها وصيرورتها عن إرادته ورغباته، فالناس (يصنعون تاريخهم بأيديهم إلا إنهم لا يصنعونه على هواهم)، وبالتالي هذا يتطلب منهم دائما الكشف عن هذه القوانين وسر آلية عملها، والتحكم بها وتسخيرها لتحقيق حريتهم، أي استمرار وجودهم وإبداعهم .. نعم لقد ُكتب على الإنسان الكشف دائما عن المجهول، ولهذا كانت حريته، وكان إبداعه، بل مغامرته الوجودية كلها.

أمام كل ما جئنا عليه، تبقى هناك مسألة لها من الأهمية الكبيرة في حياة الإنسان وحريته، لا بد أن نشير إليها، أو نقف عندها قليلا وهي: في الوقت الذي يدخل فيه الإنسان عالم ضياعه عبر منتجاته، أي عالم تشيئه، واغترابه، واستلابه المادي والروحي، هذا العالم الذي لم يعد فيه الإنسان إنسانا، بل شيئا آخر لا يختلف فيه عن منتجاته هو نفسه، أي يتحوإلى سلعة أو ترس في آلة (شيء)، أي بتعبير آخر دخوله عالم التسليع، وتصبح له قيمة مادية تحدد مقدارها درجة الخدمات التي يقدمها في نطاق وجوده الاجتماعي، حيث لم يعد يختلف حاله هنا عن حاله في عالم الضرورة الحكمية، أوسوق النخاسة سابقاً، إلا في مسألة واحدة فقط،هي، أنه قادر على تغيير سيده بحريته، هذه الحرية التي أريد لها أن ُتدفع إلى أقصى حد ممكن في ظل السوق الرأسمالية الاحتكارية وعالم الفردية. لقد تحولت الحرية وفقاً لهذا التحول التاريخي بالضرورة إلى قيد في عالم الإنسان، انطلاقا من القانون الحياتي الذي يقول (طل شيء يعطى صفة الإطلاق يتحول إلى الضد). وهذا يدفعنا إلى التأكيد بأن الحرية والإبداع قد دخلا بالضرورة أيضا في عالم التشيء، والاغتراب، والاستلاب، عندما أغرت الإنسان شهوة الحرية المفتوحة على المطلق بعيدا عن حس المسؤولية اتجاه نفسه أو الآخرين، حيث هُدر في هذه الحالة كل النضال الذي قدمه تاريخياً من أجل بناء عالم حرية العقل والمنطق، أمام حرية الغريزة والشهوة والأنانية الضيقة .

من هنا نؤكد على أن العقلانية التي تفرض المسؤولية والواجب والحق والعدالة والمساواة .. الخ، تظل وحدها من يصون ويوجه الحرية والإبداع معا، هذه العقلانية التي لم تكن في يوم من الأيام شعارا يراد منه التسويق لمفاهيم يهدف مطلقيها نمذجة الإنسان وتسليعه وبالتالي تذريره وإفقاده جوهر إنسانيته عبر تحويله إلى ترس في آلة تضخ لمطلقي هذه الشعارات ما يحقق سعادتهم واستمرار بقائهم وقوتهم، مثلما لم تكن أيضا – أي العقلانية - آلية عمل دماغ مجرد من معطيات الواقع، إن العقلانية التي نقصدها هنا هي تلك العقلانية المشخصة التي كونتها نضالات الإنسان عبر تاريخه الطويل، ضد ضرورات الطبيعة والمجتمع من أجل الحصول على حريته، والفسح في المجال واسعا أمام إبداعاته كي تجوب عالمي الواقع والمجهول لخلق عالم آخر للإنسان لا تعود فيه للضرورة وقوانينها العمياء في (الطبيعة والمجتمع) القدرة على التحكم كليا في حياة الإنسان وإرادته، إنها العقلانية التي ترمي إلى إخراج الإنسان في عالمنا المعاصر من تشيئه واستلابه واغترابه، إلى عالم الإنسان الجوهر، عالم الضرورة الواعية... عالم العدالة والمساواة .

 

د.عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

 

حاتم حميد محسنعند الحديث عن "ثورة الحقوق" تبرز مشكلة إمكانية التصادم بين تلك الحقوق، واننا نحتاج لمعرفة الكيفية التي نحكم بها بين مختلف انواع الحقوق المتنافسة. للقيام بهذا، نحتاج معرفة نوع الحقوق التي نتحدث عنها، والاسس التي تقوم عليها. سنناقش هنا طريقتين في تأسيس الحقوق وهما: الطريقة التعاقدية والطريقة النفعية.

الأساس النفعي للحقوق

أحد الرواد البارزين الأوائل للنفعية Utilitarianism هو جون ستيوارت مل، الذي يعرض في كتابه (حول الحرية) دفاعا نفعيا للعديد من الحريات المدنية الأساسية التي نعتبرها اساسية للدولة العادلة. تقوم نظرية النفعية على اساس تقديم اكبر منفعة لأكبر عدد من الناس . يعتقد مل ان الناس عموما يكونون أسعد حالا وأفضل قدرة على الازدهار عندما يُمنحون حريات أساسية معينة. جون لوك ايضا أعطى تبريراً نفعيا لحرية التعبير. وبما اننا جميعنا عرضة للنقص، فان لوك جادل باننا يُحتمل جدا ان نصل الى الحقيقة عندما نسمح بالتحقق في مزيد من النظريات في مجتمع متحرر من تهديد الرقابة. ورغم ان البعض سخر من نظرية دارون في التطور، لكنها الآن نالت القبول الواسع من البايولوجيين. ان حقل التطور البايولوجي ربما لم يُسمح له ابدا ليتطور لو ان نظرية دارون مُنعت على اسس دينية.

ورغم ان لوك يتعامل بشكل صريح في سعيه للحقيقة، لكننا نستطيع قول نفس الشيء حول الجمال، والذي قد يرغب المرء تضمينه في الخير الأسمى او الأشكال المثالية للنفعية. ما اُعتبر إهانة لكرامة الانسان او انه قيمة فنية مشكوك فيها هو الآن تعبير فرنسي مقدس. وبالرغم من هذه الاصول التاريخية، نميل الان للاعتقاد في النفعية كشيء مخالف اساسا لنظرية الحقوق.

مثال الاستنساخ وقوانين براءة الاختراع اُستخدم كتوضيح للموقف عندما يميل المرء لإعطاء تبرير نفعي للحق. الاعتراف بان ليس كل شخص يتحفز فقط بالمكافأة الداخلية للاكتشاف، يعني اننا نريد ان نخلق حوافز للابتكار. افرض، مثلا، ان التقدم الطبي يُحتمل جدا ان يتحقق لو سُمح لشركات الأدوية بعمل ربح من بحوثها، وان هذا سوف يحدث فقط لو امتلكت تلك الشركات الحق في الملكية الفكرية. ايضا، ان الشركة ذات الاحتكار في اسواق معينة ليس لديها حوافز لزيادة الفاعلية او تقليل التكاليف، وهذا شيء لايفيد لجمهور العام الذي ربما يكون بإمكانه الانتفاع من زيادة الفاعلية الناتجة عن المنافسة. النفعية، عندئذ، سوف تحاول صياغة قوانين البراءة التي توازن على امثل وجه بين هذه الرغبات المتنافسة: الحوافز مقابل الفاعلية. بالطبع، هذه ليست العوامل الوحيدة الداخلة في العملية، وانما الشخص النفعي سوف يسمح بالاعتبارات المماثلة القائمة على المنفعة كي تؤخذ في الإعتبار اثناء النقاش.

المشكلة الاساسية في الأساس النفعي للحقوق هي انه له حدوده. كما لوحظ في مشكلة الأيادي القذرة(1)، انها قد تجيز ممارسات ومؤسسات معينة كالعبودية، التي نشعر انها غير أخلاقية. ان حق حرية الفعل والملكية الذاتية، مثلا، هي ربما اكثر جوهرية من اي اعتبارات للمنفعة. السؤال، اذاً، هو ما اذا كانت هناك طريقة اخرى لتأسيس هذه الحقوق الأكثر جوهرية؟

الأساس التعاقدي لرولس

الشخص التعاقدي يرى ان الحقوق يجب ان تتأسس على اتفاقات متبادلة بين الأطراف على عقد اجتماعي. العقد الاجتماعي ليس كأي اتفاق على وثيقة كما في العقد في قانون مسؤولية الضرر، وانما هو فرضية نظرية. السؤال الملائم هو ليس حول ما اتفقت عليه الأطراف في العقد وانما حول ما يتفقون عليه في موقف افتراضي. جون رولس طوّر واحدا من اهم أنظمة التعاقد الاجتماعي للعدالة.

ان أي نظرية تعاقدية ستواجه مشكلة كيف تجعل الاطراف المتعاقدة تكوّن افضليات لتصورات العدالة بطريقة موضوعية وغير منحازة. لهذه الغاية، رولس جعلنا نتصور الاطراف المتصارعة وراء "قناع من الجهل"، فيه ينسلخون من أي معرفة بالاحوال الطارئة عن انفسهم. بمعنى، ان الاطراف المتعاقدة لاتعرف عرق اي منها ولا الدين ولا ما اذا كان المرء ولد من عائلة ثرية او فقيرة، او كان لديه عجز بدني او ذهني، وهكذا. ومن ظروف الجهل هذه، تتفق الاطراف على مبادئ العدالة.

التبرير العقلاني للوقوف وراء حجاب هو لمنع الافراد من محاولة الحصول على امتيازات غير عادلة لأنفسهم. اذا انت لا تعرف منْ يملك رأس المال، عندئذ من الصعب معرفة ما اذا كان سيخلق مزايا للمرء كما يشير رولس:

الفكرة هنا هي لكي نجعل من المهم لنا ان القيود التي نفرضها على حجج مبادئ العدالة، ومن ثم على هذه المبادئ ذاتها تبدو معقولة. وهكذا، يبدو معقولا ومقبولا بشكل عام انه لا احد يُفضّل او يتضرر من الحظ الطبيعي او الظروف الاجتماعية في اختيار المبادئ .. كل شخص يتجرد من المعرفة بتلك الاعراض الطارئة التي تضع الناس في خلاف وتسمح لهم ليسترشدوا بتحيزاتهم. في هذا الاسلوب، قناع الجهل يتم الوصول اليه بطريقة طبيعية.(ص18-19).

حالما يتم استبعاد المعرفة "بالحالات الطارئة"، فان ما يتبقى من الافراد هم منْ يشير اليهم رولس بـ "الشخصيات الاخلاقية"، الذين تكون افضلياتهم غير متحيزة بمثل هكذا طوارئ وبهذا لن تحمل اية سلطة. بكلمة اخرى، في الموقف الأصلي هناك مساواة أخلاقية أساسية بين الافراد . لا فرد ولا افضليات فرد تُعامل كمتفوقه فطريا على الآخرين.

كون الأطراف المتعاقدة تجردت من كل هذا، يحتاج رولس لإعطاء تلك الاطراف شيء ما للتبرير به. هو لهذا يضيف التأملات التالية لإجراءات المساومة في الوضع الأصلي (ويشار اليه احيانا بقناع الجهل). ان الاطراف المتعاقدة تدرك ان "ظروف العدالة" ستُطبق على دولتهم وهكذا هم يحتاجون الى تصوّر للعدالة. كذلك، هم يعلمون بأن سيكون هناك نقصا بالموارد وان قدرات الناس محدودة، لذا هم يحتاجون الى مبادئ لتحكم في المنافسة على الموارد النادرة.

اخيرا، بينما الاطراف في الوضع الأصلي ليس لديهم معرفة بالمحتوى الخاص لرغباتهم او تصوراتهم عن الخير، لكنهم حقا يعرفون شيئا ما حول رغباتهم. هم يعرفون انهم يريدون ضمان العديد مما يسميه رولس"الخيرات الاساسية" primary goods (2) قدر الامكان. هذه الخيرات تتضمن: الحقوق والحريات والفرص والسلطات واحترام الذات. نحن نستطيع الاستنتاج ان جميع الاطراف سوف تمتلك هذه الحاجات لأنها الشرط الضروري لإنجاز اي تصوّر عن الخير. بمعنى، بغض النظر عما سننتهي به حالما يُرفع القناع، انك تدرك انه لكي تتابع الحياة التي تعكس تلك القيم، يجب عليك ان تمتلك اقل مقدار معين من الخيرات الاساسية. وفي ضوء كل ما تقدم، يعتقد رولس اننا سوف نصل الى اثنين من المبادئ الاساسية للعدالة:

1- "كل فرد ان يمتلك حقا متساويا باكثر الحريات شمولا بالانسجام مع حرية مشابهة للآخرين".(ص60)

2- "اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية يتم ترتيبها لكي تكون (أ) متوقعة عقلانيا لتكون لمصلحة كل شخص- وبالذات لمصلحة الاشخاص الأقل حظا، و (ب) تتصل بوظائف ومناصب مفتوحة للجميع"(ص60).

الفكرة الاساسية هنا هي ان الناس يجب ان لا يُحرموا من الخيرات الأساسية، ومن ثم من إمكانية السعي الدائم في تصورهم للخير، نتيجة لعوامل غير ملائمة أخلاقيا.

رولس يعترف ان الحقيقة الاساسية في ظروف الانسان هي ان هناك لامساواة في المواهب الطبيعية. وبدلا من محاولة المساواة – والتي يمكن فقط انجازها عبر اسقاط الموهوبين بالفطرة – نحن يجب ان نستخدم تلك اللامساواة لمصلحة الجميع. وكما يشير رولس:

لا احد يستحق قدرته الطبيعية الأكبر ولا مكانه الأول المفضل في المجتمع . ولكن ذلك لا يعني وجوب ان نزيل تلك الاختلافات. هناك طريقة اخرى للتعامل معها. الهيكل الاساسي يمكن ترتيبه لكي تعمل تلك "التمايزات الطارئة" لمصلحة الأقل حظا. وهكذا نحن نُقاد الى مبدأ الاختلاف لو رغبنا ببناء نظام اجتماعي لكي لا احد يكسب او يخسر من مكانه العشوائي في توزيع الاصول الطبيعية او موقعه الأصلي في المجتمع بدون إعطاء او استلام حقوق تعويضية مقابل ذلك(ص102). هناك نقطتان مركزيتان هنا:

1- ان اللامساواة يجب، قدر الإمكان، ان تعكس الاختلافات الملائمة أخلاقيا – على سبيل المثال، نحن نستبعد هيكل طبقي صريح.

2- ان نحاول ضمان ان اللامساواة تعزز الرفاهية حتى بالنسبة الى الأقل حظا.

ولكي نضع اللامساواة في عبارات اقتصادية: يجب علينا ان لا نتجاهل قوة الحافز للربح. بافتراض ان حقيقة ساسكولوجيا الانسان هو انه يتحفز بالسلطة والنقود والتي هي غير متساوية فطريا، سيكون من الخطأ تجاهل هذا. الوسيلة اذاً، هي ايجاد توازن بين برنامج الحوافز للعمل الشاق والابتكار دون حرمان الناس من الخيرات الاساسية الضرورية لوجود انساني ذو معنى.

كذلك يجدر التأكيد على ان المبادئ التي تأتي من هذا الإجراء تعمل كقيود على نظام العدالة، انها لاتحدد أي نظام عدالة على وجه التحديد. ذلك ان هذه المبادئ لا تحدد بالضبط كيف نصوغ ضرائبنا او مسؤولية التقصير اوالقوانين الجنائية والادارية. ولا هي تحدد ايضا بالضبط كيف نصوغ حقوقنا – القانون الكندي ولائحة حقوق الانسان الامريكية هما متساويان من حيث الشرعية. ما توفره هذه المبادئ هو نوع من الحماية من رغبة الأغلبية الديمقراطية او من الحكومات اللاديمقراطية. غير ان تحديد نظام للعدالة يجب ان لايخالف المبادئ الاساسية التي تأتي من مساومات الوضع الأصلي.

 

حاتم حميد محسن

.......................

الهوامش

(1) مشكلة الأيدي القذرة تشير الى المواقف التي يُطلب فيها من الفرد(وعادة يكون قائد سياسي) مخالفة مبادئه الاخلاقية العميقة من أجل مصلحة أكبر وأهم، كما في حالة اصدار اوامر بقصف مناطق سكنية من اجل تركيع الخصم.

 (2) هذه الخيرات كما يرى رولس يُفترض انها مرغوبة لكل الناس، بمقدار ماهي مفيدة لهم. وهكذا فان الخيرات الاساسية هي الأساس المشترك للاختيار بالإجماع لمبادئ العدالة في الوضع الأصلي. الخيرات الاساسية تتألف من نوعين: 1- الخيرات الاساسية الطبيعية وتشمل القدرات الذهنية والجسدية الاساسية من صحة وقوة وذكاء وذاكرة وغيرها و 2- الخيرات الاساسية الاجتماعية وتشمل حرية الاعتقاد وحرية الضمير والحريات السياسية وحرية الانتماء والحركة والمهنة. رولس يرى ان هذه الحاجات يجب ان تؤخذ بالاعتبار وبحرص شديد بحيث ان أي نظام قانوني يجب ان يقبل هذه الخيرات الاساسية كمظهر للعدالة الطبيعية. هدفه هو ان مبادئ العدالة تتعلق بالبناء الأساسي للمجتمع كـ "طريقة تنسجم فيها جميع المؤسسات الاجتماعية والسياسية الرئيسية للمجتمع مع نظام واحد للتعاون الاجتماعي".

 

 

علي محمد اليوسفذهب معظم الفلاسفة من بعد أرسطو أن سرمدية الزمان ليست في سبب عدم إدراكنا له لغيابه في مجاهيل الكون الذي لا نهاية مدركة له، بل إعتبروا سرمدية الزمان هي في وجوده الحاضر الدائم الذي يحكم الطبيعة والانسان والحياة، وليست السرمدية هي الازلية التي لا نعيشها ولا ندركها في حاضرنا الزماني الارضي، ولا نهائية الزمان لا تقاس إلا بإدراك الوجود الحاضر الذي يلازمه الزمان بلا توقف ولا إنقطاع، معتبرين حقيقة سرمدية الزمان هي الآنية الحاضرة التي بها يحيا العقل وكذلك تحيا بها النفس في حاضر قابل للقسمة بين ماض ومستقبل، وبذلك نسفوا مقولة كلا من افلاطون وارسطوالسابقة بأن زمن الحاضر وهم زمني غير موجود لعدم إدراكنا العقلي له بدلالة الاشياء والموجودات المدركة حركيا به. ولا حتى بدلالة التحقيب الارضي للزمان في توسيط الحاضربأعتباره نقلة تجسيرية تربط الماضي بالمستقبل من خلال تشظيتها الانشطارية الموزّعة بين جذب الماضي وشد المستقبل.. لذا ذهب ارسطو وافلاطون إعتبارهما الزمان الحاضر وهما إفتراضيا لا حقيقة فيزيائية له. وفي هذه المقولات مغالطة فإدراك الاشياء صحيح لا يكون إلا بدلالة الزمان، لكن إدراكنا الاشياء لا يعني إدراكنا الزمان المتلازم معها كينونة جوهرية منفصلة عنها... فالزمان يصبح وهما دلاليا بتحققنا من موجودات الاشياء إدراكا حركيا أنطولوجيا والتي لا ندرك زمانها الملازم لها بالإدراك المغاير لها بالمجانسة الماهوية والصفات.

رغم أن هذه الفرضية لا تطابق الواقع ولا صحيحة فأدراك زمانية الشيء لا تنفصل عن ملازمة الزمان له في إدراكنا للاشياء مكانيا في حالتي حركتها وسكونها وفي حال عدم إدراكنا لها.. لكن رغم ذلك تبقى عدم المجانسة بين الاجسام والزمان الذي يحتويها قائما أبدا.. فأدراك الشيء بدلالتي المكان والزمان لا يعني أنعدام عدم المجانسة الماهوية والاختلاف بين ماهية الشيء المدرك بإختلافه عن ماهية الزمان غير المدرك الذي يحتويه وبدلالته نعرفه. لا يتجانس الزمان إلا مع ذاته كزمان ماهيته الجوهرية هي وحدة كلية من التجانس ذاتيا وبإستقلالية ترفض التداخل النوعي غير التجانسي معه بالكيفية والصفات .. .

الزمان ليس علة وسبب وجود الأشياء وأنما هو دلالة إدراكية منفصلة عن الأشياء كجوهرين غير متجانسين بالصفات وبالماهية. لنرى ما يقوله بعض المفكرين بهذا المجال: (وجرى تقسيم الزمان الى جوهر حقيقي قائم بذاته هو جوهر يقيس الكون والفساد. يليه الزمان الطبيعي الموجود في الحركة وليس له جوهرا قائما بذاته كون الوجود الذي يدركه الزمان عبارة عن كائن وحادث طاريء بإستمرار والحاضر غير المنقسم ينتسب للسكون الثابت الذي يقيس الحركة الدائمة وهو العلة المولدة للزمان).1  (ويعتبرون السرمدية جوهرا قائما بذاته وليس جوهرا مقترنا بالزمان الذي هو الاخر جوهر سرمدي قائم بذاته)2. عبارات تحاول خلط الزمان كوحدة متجانسة بذاتها بميتافيزيقا الإدراك الشيئي.

الملاحظات التعقيبية النقدية التي يمكننا تثبيتها على هاتين العبارتين :

- وجود الزمان كجوهر ملازم للاشياء ليس تعويضا عن عدم إدراكه بدلالته إدراكنا الاشياء في العالم الخارجي، بمعزل عن إدراك ماهية الزمان وكيف يعمل في تحقق إدراكنا العالم من حولنا؟. إدراك الاشياء والاجسام في ملازمة الزمان لها لا يترتب عليه إدراكنا الزمان منفصلا عنها الذي يحتوي حركة تلك الاجسام المادية كجوهر قائم بذاته منفصل عنها بالمجانسة بالماهية والصفات. الزمان ليس موضوعا يدركه العقل لوحده بغير دلالة حركة الاشياء والاجسام فيه.

-  الحاضر حسب إدعائهم ينتسب للحركة وليس للسكون، وكل ساكن مدرك يصبح حقيقة، وهو ما لا ينطبق على الحاضر أنه ثبات ودلالة تسير نحو إضمحلال وتلاشي مستقبلي حتمي. وبالتالي لا يكون مقياسا للحركة كونه ساكنا والسكون لا تتولد عنه حركة فالحركة تلزم بالحتمية السببية التعالقية الضرورية أن تسبقها حركة وتعقبها حركة أيضا بعدها.. الحركة تتوسط حركتين قبلية وبعدية.. .

- والأهم هو قولهم الحاضر المنقسم الذي ينتسب للسكون الثابت الذي يقيس الحركة العلة المولدة للزمان، وهو ما يترتب علينا دحضه، فالحاضر غير مدرك لأنه جوهر متشظ غير ثابت ولا ساكن وإلا كان موضوعا مدركا وليس وهما لاحقيقة له كما يصفه ارسطو وافلاطون. يمكننا وصف تشظية الحاضر الى ماض يحكمه سكون، وبالعكس منه الى مستقبل تحكمه الحركة والتغيير. بهذا المعنى يصبح الحاضر عند افلاطون وفلاسفة آخرين وهما زمانيا زائفا لعدم إدراكنا له لا بدلالة الماضي الذي يحتويه ولا بدلالة المستقبل الذي يعمل على تذويته فيه.

- الحاضر أو الآنية كما ذكرنا هو تشظية يتوزعها ماض ساكن ومستقبل متحرك بسيرورة دائمية لا تعرف التوقف ولا الثبات لذا المستقبل لا يدرك إلا بدلالة الحاضر المنقسم المتشظي بين الماضي والمستقبل. المفارقة أن الحاضر يستطيع التعبير عن الماضي ، ويستطيع بنفس الوقت التعبير عن المستقبل لكنه في كلتا الحالتين لا يستطيع الحاضر إثبات حدسه كوجود لا بمعيارية الماضي ولا بمعيارية المستقبل ويبقى محتفظا بخاصية التجسير بينهما فقط.

-  كما أن السكون لا يتولد عنه حركة وكيف يمكن قياس الحركة بدلالة السكون ؟ إلا إذا إعتبرنا كل ساكن هو رهينة زمانية يتحكم بها الانسان بمعزل عن ملازمة صفة الزمان الساكن لها بلا تداخل إنساني. ولا يتحكم بها لا الزمان ولا هي تحتكم لذاتها لافي الحركة ولا في السكون وهو تصور محال يدركه العقل. الزمان صحيح هو دلالة معرفة مقدار حركة الاجسام ألا أن الزمان بأعتباره أحد قوانين الطبيعة الثابتة يعمل باستقلالية تامة عن ادراكات العقل للاشياء بمعزل عن إدراكه منفردا كجوهر قائم بذاته، ولا يرتبط الزمان بعلاقة إنقيادية للانسان. ولا وصاية للانسان على عمل الزمان. الحقيقة التي لا يتقبلها الانسان بسهولة أن الزمان يقود الانسان بالادراك ويقود الانسان نحو الشيخوخة والمماة والإندثار.

الزمان بين وجوده الحقيقي والوهمي

ورد على لسان عبد الرحمن بدوي مقطعا مفاده " ومن الناس قال كيف يقال عن الزمان الذي لا يتصور وجود شيء إلا فيه أنه لا وجود له؟ بل له وجود أسبق وأحق من كل ما يوجد فيه. وذاته باقية لا تتغير وذلك هو الدهر"3 ، بدءا العبارة سليمة جدا ولا يشوبها نوع من الخطأ وهي عبارة تنسب لفلاسفة العرب.

وفي تعليقنا على هذه العبارات المستمدة عن فلاسفة عرب مسلمين، هم يعنون الزمان الارضي المحدود بقابليته على التحقيب الوقتي الى ماض وحاضر ومستقبل، ولا يقصدون الزمان الكوني الازلي غير المحدود. لذا سيكون التعليق لا يخرج عن المجال الذي أختاروه وهو الزمان الارضي الذي هو تحقيب يتوزعه الماضي والحاضر والمستقبل الذي يقوم على الثوابت التالية:

- أولا الزمان لا يدرك إلا بدلالة حركة موجوداته في داخله، وهو ما يؤكد على أن الزمان في كل الاحوال وأينما وجد هو جوهر متجانس مع ذاته فقط غير مدرك ماهويا ولا هو موضوع يدركه العقل.

- ثانيا أن الزمان هو مقدار كمّي في قياس حركة الاجسام داخل الزمان وليس مقدارا عدديا للاجسام بداخله. والزمان يدركه العقل بدلالة موجوداته وليس بدلالة ماهيته النوعية هو كموضوع لا يدركه العقل لا في الماهية ولا بالصفات.

- ثالثا إدراك الزمان الارضي بمحتوياته الموجودية داخله، إنما يقوم على تحقيب تاريخي له ندركه على الارض كماض وحاضر ومستقبل. وهذا التحقيب الارضي لا يغيّر في ماهية الزمان ولا في حقيقته كجوهر يحمل دلالة غيره من أجسام يحتويها داخله، وليس كموضوع معرفة يدركها العقل منفردا. لذا يبقى الزمان محتفظا بخصائصه الذاتية غير المعروفة وغير المدركة عقليا، وهذه الذاتية الزمانية تكون في الوقت المزامن لكل الموجودات التي يحتويها بالإدراك، تبقى منفصلة بغير المجانسة مع خصائص وماهيات ألاشياء التي تتحرك داخله كفضاء زماني محدود تتم بدلالته معرفة مقدار حركة الاجسام.

- رابعا حين يدرك العقل الاشياء بمزامنة الزمان في وجودها فهذا لا ينسحب على أن معرفة وإدراك موجوداته يقود بالضرورة الى إدراك زمانها كموضوع يدركه العقل منفصلا مستقلا كما هو إدراكه الاشياء في مقدار حركتها داخل الزمن.

- خامسا ألقول الزمان لا يمتلك حقيقة وجودية إلا فقط بدلالة الاشياء التي يحتويها. وبتجريد الزمن الإدراكي عن تلك الموجودات لا يكون هناك بعدها عملية إدراكية للاشياء وليس للزمان هي صحيحة، الاشياء لا يدركها العقل مجردة عن زمانها ، كذلك لا يدرك العقل الزمان بدلالة أخرى غير حركة الاجسام بداخله التي يحتويها. علما أنه من المحال أن يدرك العقل الاشياء من غير ملازمة زمانها لها، كذلك الأهم محال إنفصال الزمان عن موجودات داخله تتعين حركتها بدلالة الزمان وليس بدلالة ذاتية حركية الاجسام التي تمتلكها.

-  سادسا المكان بمجمله الكلي كمفهوم ، والمكان كتجزيء منقسم على نفسه تبقى إستحالة إدراكه خارج إحتواء الزمان له قائمة لا يمكن تجاوزها. الاشياء مكانا تدرك بملازمة زمانها، ولو نحن إستطعنا إخفاء شيء مادي بمعزل إفتراضي بتجريده عن زمانيته، تكون حصيلة هذه الفرضية المستحيلة توّقف العقل عن الإدراك لذلك الشيء نهائيا.المكان هو مدرك زماني أيضا والمكان لا يمكن إدراكه بتجريد الزمان عنه.

خاتمة

بعد مغادرة ارسطو مقولته في الآنية أو الحاضر على أنها وهمية وشرحنا تفسيرنا لها على أساس أن آنية الحاضر متشظية في إنشطارها الوجودي كزمان يتوزعها الماضي من جهة والمستقبل من جهة أخرى معاكسة، فالماضي يحتم على الآنية تذويتها به، والشد المستقبلي المعاكس يعتبر الحاضر بداية تصنيع مستقبل زماني في حالة من السيرورة منفصل عن الحاضر التوليدي له.

يعود ارسطو القول (الزمان هو المعدود، بمعنى هو العدد المشار له في كل لحظة حاضرة يمر بها، وأن الوجود الحقيقي يقاس بآنات الحاضر فقط)4، وبدورنا نخلص الى أن الاشكالية تتلخص بالاساسيات التالية :

- الزمان الارضي المحكوم بالتحقيب التاريخي الموزع بين ماض وحاضر ومستقبل، هو غيره الزمان المطلق الكوني الازلي ليس على صعيد إختلاف الماهية فالزمن هو الزمن أينما يكون وأينما يوجد بدلالة معرفة غيره به، لكن تحقيب زمان الارض لايتقبله مطلق الزمان الكوني الازلي ولا يسري عليه، وقولنا هذا أن تحقيب الزمان الارضي أصبح يمتلك زمانا مغايرا للزمان المطلق الكوني بالماهية والصفات ليس صحيحا كوننا ندرك زمن الموجودات الارضية ولا ندرك الزمان جوهرا منفصلا عنها.،

- فالزمان واحد ولا يقاس بدلالة زمان آخر ولا بدلالة جزء منه وهو مستحيل في إمكانية قسمة الزمان ولا قابلية تجزئته.في مغايرة الوحدة الزمانية الكلية لزمان المطلق أنه لا يتقبّل التحقيب الكوني كما في زمان الارض. تحقيب الزمان الارضي كما قلنا هو بدلالة حركة الارض والمجموعة الشمسية، فكيف لنا وبأي معيار نستطيع تحقيب مطلق الزمان الكوني، هل بدلالة حركة ملايين الكواكب والمجرّات مثلا؟؟ مسألة يرفضها العقل والمنطق.الزمان الكوني يقاس بمقدار حركة جسم مثل مركبة فضائية أو مسبار فضائي أو صاروخ وغير ذلك ويتوقف معرفة زمان ذلك الشيء المتحرك بقدرة ذاتية هو الوقود المزود به ذلك الجسم، وكتلة ذلك الجسم وسرعته والمسافة التي يقطعها وعامل الاحتكاك بالمجال الجوي وغيرها.

- الزمان في حالتي الوحدة الكلية المطلقة كونيا غير القابل للإنقسام على نفسه ولا ألإنقسام بدلالة غيره. هو زمان واحد يجمع كل الازمنة بوحدة كلية من الماهية الزمانية، وهذه الوحدة الكلية تقوم على إدراك العقل للزمان بقياس مقدار السكون والحركة بالاشياء والموجودات داخله. كون الزمان ثابت في ملازمته حركة الاجسام. حركة المدرك مكانا لا يجعل من الزمان الراصد له تابعا حركيا له. الزمان يدرك المتحرك مكانا والساكن مكانا في ثباته الزماني، فحركة الجسم لا تسحب معها حركة الزمان بالضرورة التبعية وإلا لما كنا نحتاج قياس الزمان بمقدار حركة الجسم داخله...لتوضيح الإلتباس الزمان ثابت في قياس مقدار حركة الاجسام التي هي متحركة بدلالة إحتواء الزمان مقدار حركتها داخله.

- الزمان لا يتغير بالماهية الذاتية له في جميع الأوقات ومختلف الظروف، وكلية الزمان كجوهر ثابت لا يتقبّل القياس بحركة زمنية تجانسه ماهويا بل بحركة أجسام مختلفة عنه بالصفات، من حيث حقيقة الزمان تعرف بدلالة حركة الجسم وتقاس به. والزمان ليس حركة بذاته بل هو دلالة مقدار حركة غيره من ألاجسام داخله.

- الشيء الاخير أن الزمان مفهوم ميتافيزيقي وليس موضوعا مدركا من العقل. بمعنى أن العقل يدرك الاشياء فقط ولا يدرك مزامنة الزمان لها، فهو يدرك محتوى الزمان من أجسام ولا يدرك الزمان كموجود أو ماهية منفصلة لوحدها. وهنا يمكننا تشبيه الزمان كمفهوم ميتافيزيقي بمفهوم الوجود الميتافيزيقي، فالوجود يدرك بمحتوياته ولا يدرك بماهيته كموضوع مجرد.

كذلك نحن ندرك الزمان بمحتوياته من الاجسام وليس إدراكه هو كماهية ذاتية يمكن أن تكون موضوعا لإدراك العقل. فالزمان ماهية بخصائص إنفرادية لا تلتقي مع ماهيات غيره من أجسام يحتويها كأجسام متحركة داخله. وما يجمع الزمان بمحتوياته من الاجسام هو الإدراك العقلي بقياس مقدار الزمان الكمي بدلالة حركة الاجسام بداخله. ولا يدرك الزمان مجردا عن محتوياته.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

...............................

الهوامش

1- الهوامش 1، 2، 3، 4عبد الرحمن بدوي /الزمان الوجودي/ الصفحة 68

 

حاتم حميد محسنان طبيعة القلق الذي يعيشه الفرد ضمن ذاته هو انه لا يستطيع ان يوجد فقط كفرد مستقل بذاته ولا فقط كجزء من الانسانية. كلما زاد الكفاح في محاولة التعبير عن الفردية، زاد معه الشعور بضغط المجتمع والثقافة . وايضا، كلما امتثل الفرد لطلبات المجتمع، كلما أصبح اكثر إغترابا عن ذاته.

في كتاب عمانوئيل كانط (فكرة عن التاريخ العالمي من وجهة نظر كوزموبولوتية) وهي موضوع يؤكد فكرة رفض الفرد للإمتثال الاجتماعي ( unsocial sociability) . هو يقول:

... انا أعني في هذا السياق عدم قبول الافراد للامتثال الجماعي، أي، ميل الافراد للتقارب في المجتمع، بالاقتران مع مقاومة مستمرة تهدد دائما بتمزيق المجتمع.

كل شخص يدرك هذا الصراع حتى بدون وعي. نحن نراه في الأطفال الصغار عندما يستطلعون بلا هدف بيئتهم كأفراد فقط لتتم السيطرة عليهم لاحقا من قبل آبائهم. نرى هذا الصراع لدى المراهقين عندما يمرّون بمراحل يتبنّون فيها مختلف العقليات والسلوكيات ليجدوا أنفسهم تحت سيطرة الآباء والمجتمع. كبالغين، نحن باستمرار نكافح في محاولة ايجاد طرق للتعبير عن انفسنا كأفراد في نفس الوقت الذي نتعايش فيه مع الناس الآخرين. كل شيء بدءاً من السيارة التي نستقلها والملابس التي نرتديها، طريقة حديثنا، أفكارنا وعقائدنا كلها تعبيرات عن فرديتنا. غير ان الفردية مقيّدة باتفاقات جمعية معينة، على سبيل المثال، لو ان تعبيري الفردي يتعدى على قدرتك في التعبيرعن ذاتك، عندئذ لابد لي ان أتوقف، وبطريقة او باخرى، يتم تحقيق التوازن في الحركة نحو الأمام والخلف وسيصبح التعاون ممكنا .

وحتى لو لم نكن واعين دائما بالمعركة بين الذات والآخرين، فان قوى التعبير الفردي مقابل التعاون الجماعي تبقى هي المهيمنة. كانط فكّر بشيء ما يُمارس عالميا بين افراد عقلانيين. انها ظاهرة يجب ان تُناقش كثيرا في العلن لأنها الحقيقة الاساسية حول طبيعتنا كنوع بشري .

احدى القضايا السائدة بين الجماهير هي اننا نعيش هذا الصراع كل يوم ولكن لاننتبه له كثيرا . في الولايات المتحدة، أحد الاشياء التي يقوم بها المجتمع بشكل جيد هي التوازن بين التعبير الفردي والتعاون الجماعي. من الصعب انكار هذا لأن هناك ما يقارب 330 مليون شخص في الولايات المتحدة أغلبهم يعيش في بيئات حضرية فيها الكثافة السكانية عالية. في مدينة نيويورك وحدها، مثلا، هناك 8.5 مليون شخص. جميع هؤلاء الناس يعيشون قريبين من بعضهم، ربما نعتقد ان التعبير الفردي السائد كثيرا سيقود الى اضطرابات وعنف دائم . ولكن، حتى عندما يكون هناك شعور نيويوركي معين، لكن لا وجود لعنف واسع او اضطراب مستمر. هناك عنف في الولايات المتحدة، ولكن مقدار العنف مقابل عدد الناس يجعل العنف هامشيا حتى مع الزيادة الطفيفة في حوادث إطلاق النار. لكي نعرف ما يجب علينا فعله تجاه نوعنا الانساني، يجب الحذر من الاعتقاد اننا يجب ان نتنبأ بمزيد من العنف بين السكان.هذه ليست هي الحالة. قد يتغير هذا بمرور الزمن و لا يجب ان يكون مستغربا في ضوء وصف كانط لطبيعتنا. عندما يبدأ شعور التعاون الجمعي بكبح التعبير الفردي الى النقطة التي يشعر فيها الناس انهم يُعاملون كثيرا كجزء من الجماعة، سيكون هناك مزيدا من العنف. لاتوجد هناك طريقة أفضل للتعبير عن الفردية أكثر من الادّعاء بان شيء ما هو ملك لفرد معين وعندئذ سيدافع عنه ضد كل منْ يهدد تلك الملكية.

من جهة اخرى، لو نحن مُنحنا مساحة واسعة للتعبير عن أنفسنا كأفراد، عندئذ فان الميول للاعتقاد بأنفسنا كمالكين صريحين لأشياء معينة سوف يخلق بالتأكيد انقساما بين الناس. في تلك النقطة، يجب ان يتم احتواء الفرد لكي يمكن حمايته من نفسه ومن الآخرين.

اعتماداً على المنحى الفلسفي للمرء ذلك سوف يقرر كيفية تفسير الحقيقة الاساسية للنوع الانساني.

البعض سيكونون متفائلين ويعتقدون ان الانسانية يمكنها ان توازن بما يكفي بين التعبير الفردي والتعاون الجماعي بدون التضحية كثيرا بأحدهما دون الآخر. ومن جهة اخرى، سيكون هناك المتشائمون الذين يعتقدون ان مصير الانسانية يتأرجح كثيرا من أحد جوانب الطيف الى الآخر دون امكانية ايجاد توازن ابدا.

نحن لا يمكننا الهروب من هذا الصراع لأنه جزء من كوننا كبشر. طالما نحن مقيّدون به، يجب ان نتأكد على الأقل ان نكون واعين بطبيعة الصراع والإبلاغ عنه متى ما كان ذلك ممكنا. في الولايات المتحدة مثلا، هناك تعاون جماعي جيد حتى عندما تكون هناك مشاعر لعدم التعاون. مقدرة الناس على السفر الآمن على الطرق السريعة هو دليل على الكيفية التي دُجنّ وتطبّع بها الناس على نشاطات خطرة. هنا الناس قادرون على ابداء مستويات عالية من الامتثال الاجتماعي. مع ذلك، هم يفتقرون للمقدرة على التعبير المتناسب عن فرديتهم بنفس المستوى من النجاح. من السهل التظاهر بكونك مؤدبا ومهذبا او مدنيا. لكن من الصعب التعبير عن أنفسنا ضد الطلبات الجماعية. الجماهير سوف تكافح دائما لسحق الفرد، والفرد سوف يبحث دائما عن الاعتراف بين الجماهير.

عندما يعبّر المرء عن نفسه كفرد، هو يحتاج ان يتذكر بان ذلك هو أقوى وأغلى سلاح لديه ضد طلبات الجماهير والامتثال لها. تعبيره عن الذات هو الكيفية التي يُعرّف بها بين الجماهير. وبالتالي، هو يجب ان يكون حذراً عندما يسعى للتعبير عن الفردية لأنها تعكّر التعاون الجماعي. نحن نحتاج ان نكون حذرين بان لا نسمح لأنفسنا لنكون منهمكين جدا في خدمة التعاون الجماعي. الجماعي لايريدنا ان نخرج منه. مع ذلك، نحن لا خيار لدينا، وبالتالي سوف ننكمش. لكي نحقق الكثير من سلوكنا اللااجتماعي، يجب ان نجد السياق الملائم واللغة لكي نضمن ان تعبيرنا عن الفردية هو صورة دقيقة لأنفسنا، وبالشكل الذي لانتردد في استنساخه.

 

حاتم حميد محسن

 

عدنان عويدPostmodernism

By mary klages

ترجمة: د. عدنان عويّد

From Continuum Press، January 2007


ما بعد الحداثة، مفهوم معقد، حيث يبقى التعقيد قائماً في تقديم تعريف دقيق ومحدد لهذا المفهوم أو المصطلح، كونه قد ظهر أو تجلى في دراسات أو مجالات دراسية أكاديمية كثيرة ومتنوعة شملت، الفن، هندسة العمارة، الموسيقى، السينما، الأدب، السوسيولوجيا، الاقتصاد، الأزياء، التكنولوجيا...وغيرها، لذلك من الصعوبة بمكان تحديد موقع مفهوم ما بعد الحداثة، هل هو معاصر؟، أم قديم؟، بل أن الصعوبة نجدها أيضا في قدرتنا على تحديد بداية هذا المفهوم .

ربما يكون الطريق الأكثر وضوحاً في تحديد بداية التفكير أو النظر بمفهوم أو ظاهرة ما بعد الحداثة، يأتي مع التفكير بموضوع الحداثة ذاتها، وهو التيار الذي ظهرت أو خرجت من عباءته ما بعد الحداثة، علما أن الحداثة في الحقيقة امتلكت وجهين أو أنموذجين من التعاريف كلاهما متعلق بمفهوم ما بعد الحداثة .

الأول: وقد جاء من الاتجاه الجمالي الذي غالبا ما نعت أو ارتبط بالحداثة، وهذا الاتجاه تلامس بشكل حاد مع أفكار الغرب المتعلقة بالفن في القرن العشرين، علما أن آثار هذا التيار أو الاتجاه نجد إرهاصاته الأولية في القرن التاسع عشر.

والحداثة المعاصرة كما هو معلوم، هي على الأغلب، تيار يصب عموما في الفنون المرئية أو البصرية، مثل الموسيقى، الأدب، المسرح، وهي فنون ترفض مقاييس العصر (الفيكتوري) الذي يؤكد على ضرورة تحديد ماذا يجب أن يصنع الفن؟، وكيف يستهلك؟، وما هي أهدافه؟ . علما انه في فترة صعود الحداثة ما بين / 1910- 1930 / تقريبا، نجد أن معظم الشخصيات الكبيرة المهتمة في الحداثة الأدبية التي اعتبرت من مؤسسي حداثة القرن العشرين أمثال: ( Woolf، Joyce، Eliot، Pound، Stevens، Proust، Mallarme، Kafka، Rilke)، قد ساعدت بشكل متطرف مثلا على إعادة تحديد ماذا يجب على الشعر والرواية أن يكونا؟، بل وماذا يقدما أيضا؟ .

الثاني: وقد جاء من الاتجاه الأدبي، حيث نجد أن المميزات الأساسية للحداثة هنا تتضمن التالي:

1- التأكيد على الانطباعية والذاتية في الكتابة (والفن البصري أيضا)، ثم التأكيد على كيفية إمكان أن تأخذ الرؤيوية، وقراءة الذات، أو الملاحظة نفسها في الأعمال الأدبية، بدلا من التركيز على ما هو ملاحظ، أو معطى بشكل مباشر للأديب أو الفنان.

2- دعوة تيار الحداثة هنا للوقوف بعيدا عن الأهداف الظاهرية، وضرورة الإمساك قدر الإمكان بالشخصية الروائية الثالثة العالمة بكل شيء، مع التأكيد على وجهة نظر الرواية، و الجوانب الأخلاقية فيها .

3- بروز الضبابية في حالات التمايز بين الأنواع الأدبية، حيث بدا الشعر هنا أكثر وثائقية، والنثر أكثر شعرية .

4- جاء التأكيد هنا أيضا على تشضي الظواهر أو الأشكال، وعشوائية (الكولاج) للمادة المختلفة، ورفض استمرارية السرد الروائي .

5- التأكيد على الانعكاسية، أو الوعي الذاتي عند إنتاج الأعمال الأدبية أو الفنية، على اعتبار أن كل قطعة منتجة تلفت الانتباه لوضعها كمنتج شأنه شأن أي شيء ينتج ويستهلك في طرق خاصة.

6- رفض الأشكال الجمالية المتقنة الصنع، مع تفضيل الأشكال المتطرفة، والتأكيد أيضا على رفض العدد الأكبر من النظريات الجمالية التقليدية، والتركيز على ما يدعوا إلى استخدام العفوية في الكشف الإبداعي .

7- رفض التمايز بين الثقافات (العالية) و(المتدنية) أو الشعبية، فكلا الثقافتين عند اختيار مواد الإنتاج الفني أو الأدبي يستخدم هذه المواد في الإنتاج، وأساليب العرض، والتوزيع، والاستهلاك.

إن مفهوم مابعد الحداثة في سياقه العام يشبه حداثة القرن العشرين ويتضمن الكثير من أفكارها التي جئنا عليها أعلاه .فتيار ما بعد الحداثة يرفض الحدود بين الأشكال العالية والهابطة للفن، كما يرفض حالات التزمت الداعية إلى التمييز بين الأنواع الأدبية، ويؤكد على الآثار الأدبية والفنية الساخرة، الكولاج، المعارضة، التهكم،عدم الجدية، المزاح، الفعل الانعكاسي أو (الانعكاسية)، الذاتية عدم الاستمرارية (وبخاصة في التراكيب الروائية)، الغموض، المحاكاة، التشضي أو (التفكيكية)، ثم التأكيد أيضا على بناء ومركزة المواضيع اللا إنسانية .

نقول: في الوقت الذي راح فيه تيار ما بعد الحداثة يتقاسم أو يتشارك في قسم كبير من هذه الصفات أو الميزات مع تيار حداثة القرن العشرين المأتي عليها أعلاه، فهذا يعني في المحصلة انه راح يبتعد أيضا عن تيار الحداثة التقليدية في الكثير من النقاط، ففي الوقت الذي نجد فيه الحداثة التقليدية عند ميلها لعرض المشاهد الجزئية (التفكيكية) والذاتية في التاريخ الإنساني، نجد في المقابل ان هذا العرض للجزئيات بالنسبة لما بعد الحداثة شيئا تراجيديا... شيئا يدل على الفاجعة والندب والخسارة. ثم في الوقت الذي نرى فيه بعض الحداثيين التقليدين يعملون لدعم الفكرة التي تقول إن العمل الفني يستطيع دعم الوحدة والانسجام، وتحقيق الهدف الذي أصبح غائبا في معظم الحياة الحديثة أو المعاصرة، وأنه - أي الفن - سوف يعمل على إنجاز ما عجزت عنه المؤسسات الإنسانية الأخرى، نجد في المقابل أن ما بعد الحداثة هنا لم تفجع على الفكرة التجزيئية أو التفكيكية، وعلى الوقتية أو الظرفية، أو الفوضى بل راحت تعمل أو تشتغل على كل ذلك . وهي تتساءل، هل العالم بدون معنى؟، ثم تجيب عن تساؤلها قائلة: لا تدعنا ندعي أن الفن يستطيع عمل معنى، بل دعنا نلعب مع الهراء !!.

نظرة أخرى حول العلاقة مابين الحداثة وما بعد الحداثة تساعدنا على توضيح التمايزات بين التيارين، حيث يرى بعض المهتمين بهذا الشأن من الكتاب والباحثين أن الحداثة وما بعد الحداثة هما في المحصلة تشكيلات ثقافية تجمع بشكل خاص معطيات أو محطات من الرأسمالية، عمل الكاتب والباحث Frederic Jameson على تحديدها بثلاث محطات أساسية أنتج منها تجارب ثقافية خاصة تشير إلى نوع الفن والثقافة المنتجة .

المحطة الأولى: وهي محطة السوق الرأسمالية التي ظهرت في القرن الثامن عشر وأواخر القرن التاسع عشر في أوربا الغربية عموما، وفي بريطانية والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص (وكل تأثيرات محيطاتها) . هذه المرحلة ترافقت مع التقدم التكنولوجي بشكل خاص، أي مع زمن الآلة البخارية، وما رافقها فنيا من جماليات ارتبطت بالمدرسة الواقعية.

المحطة الثانية: ظهرت مع نهاية القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين، حيث عرفت هذه الفترة بفترة الرأسمالية الاحتكارية، وهذه ترافقت بدورها مع الثورة الكهربائية وآلة الاحتراق الداخلي، وفنيا مع معطيات الحداثة .

المرحلة الثالثة: وهي المرحلة التي نحن فيها الآن، أي مرحلة الشركات المتعددة الجنسيات والمجتمع الاستهلاكي الرأسمالي (أي المرحلة التي يؤكد فيها على أوضاع التسويق والبيع والاستهلاك البضاعي)، هذه المرحلة ترافقت مع تكنولوجيا الذرة والاليكترونيات، و فنيا وأدبيا مع معطيات ما بعد الحداثة

مع هذا التعريف أو التوصيف الذي قدمه (Jameson) لما بعد الحداثة عبر أساليب الإنتاج أو التطور الذي حدث على التكنولوجيا، وما رافق هذا التطور من تغيرات أصابت الفن والأدب كما تبين لنا أعلاه، يأتي هنا تعريف آخر لما بعد الحداثة أيضا مرتبطا بتاريخ السوسيولوجيا أكثر من ارتباطه بتاريخ الأدب والفن.

إن اقتراب مفاهيم ما بعد الحداثة من المصطلح الاجتماعي كليا ووضعه في نطاق المواقف الاجتماعية/ التاريخية، جعل تيار ما بعد الحداثة على ما يبدو أكثر وضوحا عند مقارنته بمفهوم الحداثة، حيث يتبين لنا هنا أن مفهوم ما بعد الحداثة يصبح في الواقع أقرب للحداثة منه إلى ما بعد الحداثة .

على العموم إن الحداثة تشير إلى اتجاهات جمالية واسعة راحت تنتشر في القرن العشرين، والحديث يشير أيضا هنا إلى انطلاق أفكار فلسفية وسياسية وأخلاقية دعّمت أسس وجود الجمال للحداثة، والحديث كمفهوم، هو دائما أقدم من الحداثة كمفهوم أيضا،ومصطلح الحديث تم الحديث عنه سوسيولوجيا أول مرة في القرن التاسع عشر لتوضيح حالة التمايز بين العهد السابق الذي نعت بالعهد القديم، والعهد الحالي، ومع ذلك، فالفلاسفة والمفكرون المهتمون بهذا الشأن الثقافي يتساءلون دائما متى بالضبط بدأت فترة الحداثة؟، وكيف التمييز بين ما هو حديث وغير حديث؟

يبدو أن فترة الحداثة انطلقت مبكرة، وهذا ما أكده الكثير ممن أرخ لها، ولكن على العموم إن عهد الحداثة كما يقول بعض المؤرخين ارتبط مع التنوير الأوربي الذي بدأ بشكل فاعل في منتصف القرن الثامن عشر، وهناك من المؤرخين الذين تتبعوا عناصر التفكير التنويري، يقولون أن بدايته تعود لفترة عصر النهضة، أو لفترة أيكرمن ذلك بكثير. بيد أن الكثير ممن اشتغل على هذه المسائل يستطيع في الواقع القول بأن التفكير التنويري بدأ مع القرن الثامن عشر، وتحديدا منذ عام / 1750 /، وأن الأفكار الأساسية للتنوير تعتبر بشكل دقيق هي ذاتها الأفكار الأساسية للحركة الإنسية، هذه الأفكار التي يمكننا الإشارة إلى أهمها هنا وهي:

1- التأكيد على الثبات، التماسك، معرفة الذات، أو ما يسمى بالوعي العاقل المستقل ذاتيا، والكوني، والذي لا يوجد شروط فيزيائية، أو فروقات أو اختلافات كبيرة جداً تؤثر على كيفية عمل هذه الذات .

2- إن هذه النفس أو الذات تعرف نفسها، وأن العالم عبر العقل والعقلانية، قد َثَبُتَ كأعلى صيغة أو شكل للفعالية العقلية، وكصيغة ذاتية فقط .

3- إن أسلوب المعرفة قد أنتج من قبل العقل الذاتي نفسه، وهو (العلم) الذي يستطيع دعم الحقائق الكونية المحيطة بالعالم دون اعتبار لأوضاع الفرد العارف .

4- إن المعرفة المنتجة من قبل الِعلم تكون (حقيقية) ومطلقة .

5- إن معرفة الحقيقة أُنتجت بالعلم، (بالمعرفة العقلية الذاتية نفسها) الذي سوف يقود باتجاه التقدم والكمال، وكل الهيئات والخبرات الإنسانية يمكن أن تفسر أو تحلل بالعلم (العقل الذاتي) وتسير نحو التحسن .

6- إن العقل هو الحكم النهائي في تحديد ماهي الحقيقة،، وما هو الأصح والجيد وما هو القانوني وما هو الأخلاقي. والحرية هنا اشتملت على إطاعة القانون الذي يراعي المعرفة التي اكتشفت بالعقل .

7- في النظام العالمي، إن الحكم بالعقل، يعتبر حقيقة تدل دائما على الشيء الجيد والصحيح والجميل، وهذا يحول دون أن يكون هناك صراع ما بين ما هو حقيقي وما هو صحيح .

8- إن العلم وفق هذه المعطيات سيقف بالضرورة كمثال أو أنموذج لكل الصيغ المعرفية ذات الطابع الاجتماعي النافع. فالعلم في حقيقة أمره محايد، وذاتي، وهؤلاء العلماء الذين أنتجوا المعرفة العلمية عبر إمكانياتهم العقلية المجردة وغير المتحيزة، يجب أن يكونوا أحرارا في إتباع فوانيين العقل، وأن لا تؤثر في مواقفهم الحيادية اهتمامات المال والسلطة .

9- اللغة، أو الأسلوب الانطباعي الذي استخدم في إنتاج ونشرا لمعرفة، يجب أن يكون عقلانيا أيضا، ولكي يكون عقلانيا، يجب على اللغة أن تكون شفافة، وتعمل فقط لتمثيل العالم العياني الحقيقي الذي يلاحظه العقل المنطقي. وهنا يجب أن يكون الثبات والعلاقة الموضوعية بين المواضيع المشاهدة في الواقع أو العيانية، والكلمات التي تستعمل لتسميتها أو ترميزها .

هذه هي بعض المعطيات الأساسية للحركة الإنسية، أو لما سمي أيضا بالحداثة... هذه المعطيات قادرة في الحقيقة وإلى حد كبير أن تبرر وتوضح بشكل عملي كل بنانا أو تراكيبنا الاجتماعية ومؤسساتنا بما فيها الديمقراطية، القانون، العلم، الأخلاق، والجماليات .

على العموم، إن تيار الحداثة في سياقه العام إذا ما قيس بتيار ما بعد الحاثة يعتبر قريبا من التنظيم، والعقلانية، والانسجام، وهو يسعى لخلق النظام من الفوضى، على افتراض أن ذلك الخلق يكون أكثر عقلانية، وباعثا ومعينا على خلق مساحة أخرى أوسع للتنظيم، وذلك كون المجتمع الأكثر تنظيما، (عقلانية) هو من سيعمل أكثر. والمجتمعات الحديثة أو المعاصرة تظل دائما ملاحقة أكثر من غيرها بمستويات وأشكال عديدة من التنظيم، وهي تعمل بشكل مستمر على مقاومة أي شيء يدعي الفوضى التي ربما تعطل التنظيم أو النظام. من هنا نجد أن المجتمعات الحديثة أو المعاصرة تعتمد على تأسيس ذلك التناقض الثنائي بين (النظام) و (الفوضى)، لذلك هي تؤكد دائما على تفوق (النظام)، ولتحقيق ذلك، يتطلب منها أن تمتلك أشياء تمثل (الفوضى)، وهذا يعني، أن على المجتمعات الحديثة خلق حالات (الفوضى) باستمرار - وبخاصة في المجتمعات الغربية – هذه الفوضى التي أصبحت بالضرورة الطرف الآخر في طبيعة معادلة التضاد الثنائي المشار إليها أعلاه، أي نظام / فوضى . ومن هنا يقال إن كل شيء في المجتمعات الحديثة راح يحمل جزءا من الفوضى بالضرورة.

إن الطرق التي ذهبت فيها المجتمعات الحديثة لخلق تلك التصنيفات التي اتسمت بالنظام أو الفوضى يجب عليها أن تعمل بجد لإنجاز الاستقرار، الأمر الذي دفع أحد منظري ما بعد الحداثة وهو: ( Francois Lyotard) في أحد مقالاته المتعلقة بما بعد الحداثة ليساوي مسألة الاستقرار بالشمولية أو بالنظام الشمولي، وهذا ما أكد علية أيضا (جاك ديدرا) الذي ربط فكرة الشمولية بالنظام التام .

إن الشمولية، والاستقرار، والنظام، ناقشها (Lyotard) على أنها مصانة في المجتمعات الحديثة أو المعاصرة عبر الرؤى الشمولية التي يمثلها على المستوى الأدبي ماسمي ( grand narrative) أو (master narratives) أي ماسمي بـ (الروايات العظيمة)، وعلى المستوى السياسي بـ (الآيديولوجيا الشمولية) لتي تحاول نقل وتفسير كل شيء في المجتمع. فالرواية العظيمة في الثقافة الأمريكية ربما تكون قصة الديمقراطية، وهي صيغة الحكم الأكثر تنويرا و(عقلانية)، هذه الديمقراطية التي تستطيع أن تؤدي إلى السعادة العالمية كما تدعي هذه الرواية .

إن كل نظام يمتلك معتقداً أو أيديولوجيا، هو يمتلك (رواية عظيمة) وفقا لرؤية ( Lyotard)، وهذه (الرواية العظيمة) نجدها في الماركسية أيضا حيث جاء فيها أن الرأسمالية سوف تنهار من نفسها، وأن عالم مجتمع (اليوتوبيا) المساواة المطلقة سوف يتحقق . (إن القول بأن الماركسية تدعي بفكرة المساواة المطلقة، هو قول لا يمت إلى الماركسية بصلة، وهو تجني على الفكر الماركسي – المترجم)

إذن، إن (الرواية العظيمة) هي في المحصلة نوع من النظريات الخيالية أو الآيديولوجيا الخيالية، وهي في تطبيقاتها العملية والنظرية ليست في الأمر أكثر من أيديولوجيا تقوم بتفسير أيديولوجيا أخرى .

لقد ناقش ( Lyotard) معظم وجوه المجتمعات الحديثة بما فيها العلم كصيغة أولية للمعرفة، معتمدا على تلك الروايات العظيمة، فوجد أن (ما بعد الحداثة) هي ليست أكثر من نقد لهذه الروايات العظيمة، وإدراك يخدم في نهاية المطاف التناقضات وعدم الاستقرار اللذين راحا يتجذران في كل تنظيم أو خبرة اجتماعية .

إن تيار ما بعد الحداثة في الوقت الذي يرفض فيه الروايات العظيمة، فهو يعمل في الحقيقة على تفضيل الروايات (الصغيرة)، التي تروي الأحداث المحلية، أي هو يرفض المفاهيم الكبير ذات الطابع الكوني ويتبنى المفاهيم الصغيرة أو المفاهيم التي تتناول جزئيات الحياة، وذلك على اعتبار أن ما بعد الحداثة هي دائما مع المسائل الموضعية والمؤقتة والطارئة والمرحلية، أي هي مع (التفكيكية)، لذلك هي لا تدعي بأنها تتعامل مع القضايا ذات الطابع العالمي والحقيقي والعقلاني والمستقر .

في الفقرة التاسعة المتعلقة بسمات التفكير التنويري التي أشرنا إليها أعلاه، والتي تشير فكرتها إلى أن اللغة يجب أن تكون شفافة، فهذه الرؤية في الواقع لاتقد م اللغة إلا كونها رموزا للأفكار أو الأشياء، ولا يمكنها أن تمتلك القدرة على الفاعلية أكثر من ذلك. فالمجتمعات الحديثة تعتمد أساسا على الفكرة التي فيها يشير الدال على المدلول،على اعتبار أن الحقيقة هنا قد استقرت في الدلالة .

على أي حال، في مفهوم ما بعد الحداثة، نجد هناك فقط الدلائل، أما الفكرة الدالة على أي حقيقة بارزة فتختفي، ومع اختفائها يختفي أيضا جوهر الفكرة ذاتها التي تقول: إن الدال يدل على المدلول. ففي مجتمعات ما بعد الحداثة نجد هناك فقط المظاهر الخارجية التي تفتقد العمق أو الجوهر.

بتعبير آخر، في مجتمع ما بعد الحداثة لا يوجد هناك أصول أو جذور للظاهرة المعبر عنها فنيا أو أدبيا، هناك أشكال أو نماذج، أو ما يدعى بالصور الزائفة simulacra)) فقط . فلو أخذنا على سبيل المثال فن الرسم أو النحت فسنجد هنا أعمالا أصيلة، أو ربما آلاف الأعمال الأصيلة، بيد أن الأصالة هنا لا تتحدد بجذورها وبعمقها الإنساني أو بقيمتها التنويرية، وإنما تتحدد وبشكل خاص (بالقيمة النقدية)، وهذا ما نجده على سبيل المثال لاالحصر عند مقارنتنا لمفهوم الأصالة في الأعمال الفنية ما بين التسجيلات الموسيقية المعاصرة مثلا، واللوحات الزيتية في الرسم لكبار الرسامين الكلاسيكيين، ففي التسجيلات الموسيقية المعاصرة تُفتقد الأصالة، وربما تُستهلك هذه المقطوعة الموسيقية أو الأغنية خلال أسابيع أو أشهر أو عدة سنيين في أقصى الحالات، بينما نجد الأصالة قائمة في تلك الواحات الفنية التي تعلق على الجدران وتحفظ في الأماكن السرية أو المحاطة أمنيا .

نعم، إلى حد ما هناك فقط توجد صور أو أشكال مجسدة فنيا، ففي مرحلة ما بعد الحداثة راحت تقدر فيها قيمة اللوحة الفنية - على سبيل المثال - بملايين الدولارات، في الوقت الذي افتقدت فيه هذه الأشكال أو الصور أو اللوحات أصالتها وجوهر إبداعها لا لكونها تناولت أشكال الظواهر فحسب، بل كونها فقدت شعبيتها أيضا وأصبحت خاصة لمن يمتلك ثمنها، أي لمن يمتلك الجيب المليء .

على أية حال إن المعرفة في مجتمعات الحداثة تأتي من أجل المعرفة نفسها، فالمرء على سبيل المثال يكسب المعرفة هنا عن طريق التعلم كي يصبح واسع المعرفة... كي يصبح شخصا مثقفا أو متعلما، هذه هي الفكرة الليبرالية عن تعلم الفنون في المجتمعات الحديثة، أما في مجتمع ما بعد الحاثة، فالمعرفة في الواقع أصبحت عملية بحت، فأنت تتعلم أشياء ليس من أجل معرفتها، بل لتحويل هذه المعرفة إلى وسيلة أو مهارة. فتعليم السياسة للفرد مثلا، يؤكد على المهارات والتدريبات بدلا من تأكيده على تعلم قيم ومثل إنسانية وإبداعية لم تكن معروفة له من قبل، وهذا ما ينطبق عليه المثل القائل لحملة الشهادات العلمية (ماذا سوف تعمل بشهادتك العلمية؟)

إن المعرفة في مجتمعات ما بعد الحداثة لم تتميز بفائدتها (كمعرفة عملية)، وإنما تميزت بمسائل توزيعها وتخزينها وتنظيمها بشكل مختلف عما هي عليه في المجتمعات الحديثة، فوجود تكنولوجيا لاليكترونيات والكمبيوتر في مجتمعات ما بعد الحاثة قد أوجد ثورة في نماذج إنتاج المعرفة وتوزيعها واستهلاكها (البعض يقول: إن أفضل ما وصف به مجتمع ما بعد الحداثة هو ظهور تكنولوجيا الكومبيوتر التي انطلقت بشكل فاعل عام " 1960 " كقوة مسيطرة على معظم أوجه حياة المجتمع) .

في مجتمعات ما بعد الحداثة، إن أي شيء، لا يكون صيغا متميزة و قابلا للانتقال والتخزين في الكومبيوتر، - أي يتحول إلى شيء قابل للترقيم -، فسوف يتوقف عن أن يكون معرفة . فوفقاً لهذا المعطى، فإن عكس (المعرفة) لن يكون (الجهل) كما كان مقررا في الحركة الإنسية الحديثة، وإنما (الضجيج) هو من سيكون عكس المعرفة. فأي شيء في الواقع لا يعلن أهليته كنوع من المعرفة هو في حقيقة أمره (ضجيج)... هو شيء غير متميز داخل هذا النظام .

يقول (Lyotard) إن السؤال المهم لمجتمعات ما بعد الحداثة هو، من يقرر ماذا تكون المعرفة؟، وماذا يكون الضجيج؟، ومن الذي يعرف ما ذا نحتاج لنقرر قرارات حول المعرفة لا تشتمل هنا قابليات الحركة الإنسية القديمة التي تفرض المعرفة كحقيقة (سجية تكنولوجية) أو إصلاح وعدالة (سجية أخلاقية)، أو حالة جمالية (سجية إبداعية)؟، إن ما ناقشه (Lyotard) أو أراد قوله على الأغلب في هذا الاتجاه هو أن المعرفة تتبع أنموذج (لعبة اللغة) .

إن هناك العديد من الأسئلة التي تطرح حول موضوعة ما بعد الحداثة، بيد أن هناك سؤالا هاما في الحقيقة من بين هذه الأسئلة، يتضمن آراء تطرح بكل بساطة مثل: هل سيكون هذا التيار باتجاه التشضي، الانطباعية، الوقتية، الشكلانية، وفوضوية أي شيء جيداً كان أم سيئاً؟ . وهناك العديد من الأجوبة أيضا تجيب على هذا السؤال. ففي المجتمعات المعاصرة نجد في الحقيقة الرغبة في العودة إلى عهد ما قبل مرحلة ما بعد الحداثة، أي إلى (الحركة الإنسية – التفكير التنويري)، بل هناك ميل للتواصل مع وشائج سياسية ودينية ورؤى أو نظريات فلسفية لها توجهات محافظة في الحقيقة، فواحدة من تجليات مرحلة ما بعد الحداثة هي ظهور التطرف الديني، كصيغة مقاومة تستجيب مع مفهوم (الرواية العظيمة) للحقيقة الدينية، والتطرف السياسي أيضا، هذا التطرف ربما نجده الآن أكثر وضوحا في سياسات المحافظين داخل الحكومة في الولايات المتحدة الأمريكية، مثلما وجدنا التطرف الديني الإسلامي في الشرق الأوسط، الذي تصدى مثلا للعديد من الكتب التي تعبر عن مرحلة ما بعد الحداثة مثل كتاب (آيات شيطانية) للروائي (سلمان رشدي).

إن هذا الترابط بين مقاومة تيار ما بعد الحداثة والميل نحو النزعة المحافظة داخل تيار ما بعد الحداثة، ربما يوضح إلى حد بعيد لماذا يقر تيار ما بعد الحداثة التفتيتية، والتعددية، وامتلاك القدرة على جذب الليبراليين والراديكاليين معا .

على المستوى الأخر، يبدو أن تيار ما بعد الحداثة يَقدم على عرض بعض البدائل لتشارك الحضارة الكونية قضايا الاستهلاك، حيث نجد البضائع وصيغ المعرفة تعرض بالقوة في هذه السوق الكونية بعيدا عن التوجهات أو الرغبات الذاتية، هذه البدائل المقترحة أو المقدمة في تيار ما بعد الحداثة، ركزت على ضرورة أن يكون كل عمل أو نضال اجتماعي ذا طبيعة محلية، ومحدوداً، وجزئياً، وإلى حد ما عليه أن لا يفقد نشاطه وفاعليته.

إن تيار ما بعد الحداثة وفق هذه المقترحات، يسعى في المحصلة إلى إبعاد تفكير (الروايات العظيمة) التي تقول مثلا (الحرية لكل الطبقات العاملة) على سبيل المثال لاالحصر، والتركيز على الأهداف المحلية .

إن الآراء السياسية لما بعد الحاثة تقدم نظرية تسعى للارتباط بالأوضاع المحلية التي تمتاز بالنسبة لهذه الآراء بالليونة وغير معروفة سابقا أو متوقعة، إضافة لتأثرها بالميول والرغبات الكونية . لذلك من هنا يأتي شعار سياسات تيار ما بعد الحداثة ليقول: يجب عليك أن (تفكر عالميا)، (وتعمل محليا) ولا تغضب من أي رواية عظيمة، أو نظرية شمولية .

 

كاتب وباحث من سورية.

 

علي رسول الربيعيتحول الهيرمينوطيقا

أنه من المناسب أن نسأل من وجهة نظر تاريخية، ما إذا كان للعولمة أي علاقة على الإطلاق بالهيرمينوطيقا، لأنه تقليديًا، لم تكن الهيرمينوطيقا متوافقة بأيً شكل من الأشكال مع المجالات التي ترتبط فيها العولمة. ومع ذلك، كشفت التحولات الأخيرة في التقليد الهيرمينوطيقي عن فرصً جديدة لربط بين إشكاليًة العولمة والهيرمينوطيقا.

كان صدى الهيرمينوطيقا الألمانية للفهم (والفهم المسبق لاحقًا) حاضرًا باستمرار في كل حوار حول التفسير منذ القرن الماضي . إنه من الصعب عدم تقدير حقيقة: أن الهيرمينوطيقا قد أسست منذ دخولها في الخطاب الإبستيمولوجي (المعرفي) انقسامًا جذريًا بين "الفهم" في العلوم الإنسانية و"التفسير" في العلوم الطبيعية (كما قام بذلك ديلثي). وكذلك، من غير الممكن أيضًا تجاهل التحول نحو تصور فينومينولوجي (ظاهراتي) للزمن والآفاق المحدودة للفهم عند مارتن هايدجر وهانس جورج جادامير، اللذين وضعوا طموحات عالمية وراء الدفاع عن مجال أنطولوجي مماثل.

لكي نكون قادرين على التعامل مع العولمة، وبالتالي ربط عملية العولمة بالتجربة الهيرمينوطيقية، نحتاج إلى إيجاد طريقة للخروج من هذا الممر المسدود للتقليد الألماني السائد. ومن هنا تأتي راهنية فهم الهيرمينوطيقا عند بول ريكور بوصفها ليست مجرد زيادة في التأويلات الألمانية على الرغم من دمج ريكور في كثير من الأحيان بشكل مربك في هذا السرد "المقنن" للهيرمينوطيقا الألمانية. لقد أحدث ريكور من خلال الإشارة إلى "الوظيفة الهيرمينوطيقية للتباعد في كل التواصلات" تحول عميق في الهيرمينوطيقا، مما وسع مفهوم التفسير ليشمل الفهم. وفقًا لهذا المنظور الهيرمينوطيقي، مطلوب تطوير الأنطولوجيا بمساعدة الإبستيمولوجيا كبديل لأنطولوجيا مارتن هايدجر الأساسية ويجب الوصول إلى الحقيقة من خلال المنهج بدلاً من "الحقيقة والمنهج" لجادامير.[1]

العولمة وعصر الهيرمينوطيقا

لقد أشار بعض الفلاسفة مثل جياني فاتيمو وآخرين إلى كيف مهد التطور الداخلي في العلوم والتكنولوجيا الطريق للهيرمينوطيقا بدلاً من محاولة إعادة جميع العلوم والخبرات إلى مجال أنطولوجيا- الدازاين (كينونة وجودية) أبتداءً، أو قصر تجربة الهيرمينوطيقا بشكل حصري على إبستيمولوجيا الفهم أو المجال الجمالي. لا توجد في هذا الوضع حقائق مستقرة ولكن تفسيرات متغيرة فقط. فتُدرج الهيرمينوطيقا من هذا المنظور بطريقة مدهشة كجزء لا يتجزأ من خطاب العولمة. تتآكل التسلسلات الهرمية المستقرة القديمة للمعنى والهوية والحقيقة، وتذوب شرائع الفن والقيم والمعارف التقليدية من خلال نظام المعلومات الرقمي العالمي. عندما يتم ترتيب جميع المعلومات بشكل متزايد أفقياً وعندما تتغير شبكات العلاقات على الإنترنت باستمرار، وعندما تتم إعادة صياغة كل شيء بشكل مستمر وإعادة تفسيره كلما أضيفت روابط جديدة، فأنه يعطي معرفتنا الطابع غير المحوري والطارى تاريخيًا، ويتسبب في إطلاق العديد من التأويلات المتضاربة. لقد مهد فقدان مركز مستقر وتسلسل هرمي في العالم بسبب استخدام تقنيات الكمبيوتر واستقبال العديد من الأصوات في وسائل الإعلام الطريق لثقافة المعرفة بعيدة كل البعد عن الجوهرية الأفلاطونية. يجمع فاتيمو هذا كله مع نتائج للتحولات الجيوسياسية في اعقاب ازالة الاستعمار، وتأملات نيتشه الفلسفية حول "تآكل مبدأ الواقع ذاته" ونقد هايدجر الموجه ضد الأفكار القوية والعنيفة للميتافيزيقيا الى نتيجة نهائية لتاريخ من العدمية كأضعاف للأفكار القوية والعنيفة للميتافيزيقيا. لقد أدى هذا، أيً حل مفهوم الواقع الواحد والمستقر إلى جملة من التفسيرات التي لا يوجد بينها، في النهاية ، التفسير الوحيد الصحيح.[2]

قد نقول، من هذه الخلفية، أن العولمة قد ساهمت أيضًا في حالة يمكن تعريفها على أنها عصر الهيرمينوطيقا.[3] إن الظروف الحالية التي تسمح بالتاويل كتجربة معممة للاختلافات وتعدد لا نهاية له من وجهات النظر، جنبًا إلى جنب مع ارتفاع عدد التأويلات المتعارضة، لابد أن تكون مدفوعة بشكل أساسي من خلال التحول الاقتصادي والتكنولوجي الرئيسي للعالم في عمليًة العولمة.

إعادة التفكير في الفلسفه باعتباره صراع هيرمينوطيقي

نشأ اقتصاد معرفي وتحولات جيوسياسية عميقة في"عالم مسطح"[4] اليوم، كنتيجة مشتركة لعملية العولمة. يميل الواقع إلى التشتت في العديد من التفسيرات. ومع ذلك، من الواضح أن العديد من الرؤى المختلفة للعالم اليوم لا تتعايش بشكل سلمي تلقائيًا، بل على العكس تميل إلى توليد العنف وفي أسوأ السيناريوهات التي هي حرب الجميع ضد الجميع.[5] قد نقول إننا نواجه تحديًا من قبل الجوانب الثقافية لـ "العولمة المسلحة" من نواحٍ عديدة حيث يؤدي فرض الناس وجهات نظرهم على الآخرين الى "معارك في الواقع". يتمثل أحد التحديات الرئيسية المباشرة في هذا الوضع هي في تحويل مفهوم صراع الحضارات المهدد إلى صراع تأويلات، أي تكوين نموذج سلمي لحل النزاع حيث تنعكس جميع المعتقدات بشكل نقدي على جميع وجهات النظر حيث يتم إضفاء الشرعية عليها و "تأسيسها" من خلال كونها محدودة.[6] إن البديل الهيرمينوطيقي لكل من "حرب التأويلات" المخيفة والاستقالة الفلسفية لعدم التواصل هو تعارض في التأويلات، لكن هذا يفترض وعيًا بالطابع التفسري لوجهة نظر المرء. والسبب هو أن الأفكار القوية والعنيفة للميتافيزيقيا الغربية تهدد تواصلنا ومشاوراتنا وتبادل ارءنا ومحادثاتنا لعدم اعترافها بانها تأويلات ليس الأً، لقد رأى فاتيمو أن الهيرمينوطيقا "ضعيفة على الرغم من أنها" منهج نقدي يكشف المعرفة بموضوع او موقف معين من خلال القصد في ربط تأويلات الأفراد بعناية بتأويلات أخرى.

تعمل العولمة اليوم على إنشاء قالب للتأويلات التي تم تكوينها على أنها تجربة غير مسبوقة ومعممة من الاختلافات وتعدد لا حصر له من المنظورات المتاحة. ومع ذلك، قد تقدم الهيرمينوطيقا أيضًا موارد لتطوير استراتيجية أكثر استباقية وانعكاسًا نقديًا للتعامل مع هذه التجربة من وجهات النظر متعددة عن طريق تصور الصراعات بوصفها تأويلات متعارضة. في الوقت نفسه، تعد هذه القدرة على التعبير عن النزاعات من حيث هي تأويلات متعارضة بمثابة حماية ضد خطر تحويل الهيرمينوطيقا إلى تفكير تعسفي. يعتبر النص والتأويل في الهيرمينوطيقا مفاهيم محددة بشكل متبادل، وهي علاقة يتم فيها تحديد كل من إمكانية وقيود جميع التأويلات. لذلك لا يمكن اعتبار التأويل خيالًا حرًا ولكن خيالًا منظمًا يرتبط بمحددات خارجية.

وإذ ندرك تمامًا الحاجة إلى الجمع بين فعل اتخاذ موقف والحاجة إلى احترام شرعية التأويلات الأخرى، فربما تكون الهيرمينوطيقا، على هذا النحو،المصدرالفكري الأنسب لمجتمع مؤطر بالتعددية والديمقراطية. علاوة على ذلك ، قد تُذَكر الهيرمينوطيقا الديمقراطية، بإمكانية وضرورة وجود العديد من وجهات النظر، بينما قد تُذَكر الديمقراطية الهيرمينوطيقا بأن جميع التأويلات هي حتما محل جدل ومدرجة في علاقات السلطة.[7] تحثنا الهيرمينوطيقا والديمقراطية على العيش بدون معرفة مطلقة، والتعامل مع الحلول غير الكاملة، وتحمل الهشاشة - وفي الوقت نفسه يعتزم كلاهما مقاومة الاختزال إلى النسبية التعسفية. ومع ذلك، من أجل أن تكون قادر على النجاح في العيش مع الآخرين، ومع وجود اختلافات محفوظة (حنة أرندت)، نسعى باستمرار من أجل تفسيرات أفضل (بول ريكور) ومن خلال عمليات مؤطرة بالتوتر المحفوظ بين المثالية ومجتمع التواصل الحقيقي (كارل أوتو أبيل)، نحتاج أحيانًا إلى أن نتذكير بأنه في الواقع لا يعترف المجتمع الديمقراطي إلا بأنه غير ديمقراطي بما فيه الكفاية (جاك دريدا، زيجمونت بومان).

الزمن التاريخي والمكان المأهول

في مواجهة مهمة الدفاع عن مزاعم الحقيقة المتعلقة بالتأويل- وفي الوقت نفسه التخلي عن غطرسة الفكر التمامي- يُطلب منا أن نأخذ في الاعتبار موقف الهيرمينوطيقا حيث يجب الأعتراف بـ"حقيقة" أن أي شيء يجب تأويله على أنه تأويل في حد ذاته. نظرًا لأن يبدو مفهوم التأويل يتمتع بسعة التطبيق نفسها التي يتمتع بها مفهوم الحقيقة، فقد طلب فاتيمو أن نضع تأملاتنا الفلسفية تاريخيًا، وبالتالي تعريف الهيرمينوطيقا على أنها التاريخ المكتمل للعدمية.

يحمل التاريخ وظيفة نموذجية للمعرفة والحقيقة في عصر الهيرمينوطيقا، ومع ذلك، لا يبدو أنه كافٍ لتحقيق الانتقال من "اللامكان" الغامض إلى تحديد ملموس لـ "الآن" و "هنا" من خلال تطبيق المفاهيم الفينومينولوجية (الظاهراتية) بشكل حصري للزمان. ومن أجل تقديم بديل للمفهوم السائد عن لإنسان المرن، يتطلب أن تكون الأنثروبولوجيا الفلسفية الخاصة بنا موجودة في المكان والزمان بشكل صحيح، والتي تفترض فهم الإنسان كشخص قادر على الذاكرة والقناعة والمسؤولية.

ذكر ريكور في أحد أعماله اللاحقة، المشكلات المرتبطة بالمقاربة الفينومينولوجية من خلال طرح السؤال التالي: "إلى أي نقطة تستطيع فينومينولوجيا تعيين التاريخ وتحديد المكان أن تتشكل دون أن بالمعرفة الموضوعية للفضاء الهندسي- لنقول، الهندسة الإقليدية والديكارتية – وكذلك بالمعرفة الموضوعية للزمان التعاقبي المتمفصل هو نفسه على الحركة الفيزيائية".[8] علاوة على ذلك، اقترح ريكور نفسه نموذجًا جدليًا بديلاً للهيرمنيوطيقا، حيث لا يتم تحديد الزمن فقط باعتباره وقتًا (تجريبيًا ظاهريًا) يتعارض مع الزمن الكوني، ولكن كزمن تاريخي "ثالث"، يتكون من الروابط الجدلية بين الزمن الحي المُعاش والكوني. إن تسمية الحاضر، الواقع والمضمون في سياقه في الزمن التاريخي ، لا يؤثر فقط على المنظورات المعرفية الأوسع ، بل يشمل أيضًا المضامين الوجودية، ويضع إشكالية توجهاتنا العالمية على الحافة الهيرمنيوطيقية بين الاكتشاف والابتكار. يمكن فهم الطابع التأويلي لتدخلاتنا في العالم وفقًا لعملية محاكاة حيث تعيد ترتيباتنا تشكيل العالم الذي نحاول فهمه باستمرار.[9] وبالتالي ، بدلاً من طرح السؤال عما إذا كانت معرفتنا - وكذلك ظواهر مثل اللغة والعلم والتاريخ والإعلام - اكتشافات أو اختراعات، تدعونا الهيرمينوطيقا لاستكشاف المشهد الذي يفتح على الأختلاف أو التباين نفسه كحقيقة ناشئة. هذا هو بالضبط المكان الذي يوجد فيه التأويل.

 

الدازاين (كينونة وجودية)

....................................

[1]2005. ريكور، بول، صراع التاويلات ، تر، منذر عياشي، الكتاب الجديد بيروت المتحدة،

[2] Gianni Vattimo, Beyond Interpretation: The Meaning of Hermeneutics for Philosophy (Stanford, CA: Stanford University Press, 1994/1997);

Nihilism and Emancipation: Eth­ics, Politics and Law (New York: Columbia University Press, 2003/2004);

Dialogue with Nietzsche (New York: Columbia University Press, 2000/2006).

[3] Gianni Vattimo Beyond Interpretation: The Meaning of Hermeneutics for Philosophy (Stanford, CA: Stan­ ford University Press, 1994/1997

[4] توماس فريدمان ، العالم مسطح: موجز لتاريخ العالم المعولم في القرن الحادي والعشرين (نيويورك: بينجوين ، 2005).

[5] Michael Hardt and Antonio Negri, Multitude: War and Democracy in the Age of Empire (NewYork: Penguin Books, 2005/2006), pp. 231- 237.

[6] Samuel Huntington, The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order (Clearwater, FL: Touchstone Books, 1998).

[7] Gianni Vattimo, Beyond Interpretation: The Meaning of Hermeneutics for Philosophy (Stanford, CA: Stanford University Press, 1994.

[8] ريكور، بول،، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة، >.جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد، بيروت،2009، ص82.

[9] Paul Ricoeur, Citizen of the World: Cosmopolitan Ideals for the Twenty-First Century (Amherst, NY: Humanity Books, 2011).

 

 

علي رسول الربيعيدائما الآن وهنا

المقدمة: نواجه اليوم "نهاية العالم كما نعرفه"[1] فيبدو أن أسباب الحديث عن التحولات في العالم أكثر إقناعًا من أي وقت مضى، واصبح من البديهي أن نقول عن وضعنا الحالي نحن نعيش في زمن التغيير الكبير، لكن كما هو الحال دائمًا عندما نواجه تغيرًا كبيرًا، نحتاج إلى مقاومة " الغطرسة التاريخية" وهي النزعة المغرية لمركزية الذات التي تضعنا في مكانة متمايزة و بشكل غير معقول في مركز التاريخ والعالم.

هناك تقاليد فلسفية عميقة، تعود أساسًا الى إيمانويل كانط، الذي حاول التعامل مع مهمة تحديد المعنى التاريخي للوضع الحاضر كموضوع فلسفي. نعتقد أحيانًا، على الرغم من أننا كمختصين وباحثين في الفلسفة، أننا  "لا في مكان"، إذا ما قيلت لنا الحقيقة- وإذا أصغينا بعناية للتقليد الفلسفي الأنطولوجي النابع من هايدجر وآخرين - فإننا ندرك أننا دائمًا منغمسون بالفعل في العالم نفسه الذي نحاول أدراكه- "الآن" و "هنا".

لقد تم التعامل مع هذا الأمر باعتبار مهمة فلسفية جادة منذ أكثر من قرنين من الزمان: منذ محاولة كانط للإجابة على السؤال الملح" ماهو التنوير؟ "والتأريخ لهذا السؤال في ظاهريات الروح في فلسفة هيغل، وعبر آرنديت، فوكو، بوفوار، والأعمال اللاحقة لفون رايت وهابرماس، إلى مساهمات أكثر حداثة من قبل هارت ونيغري، حتى نوسباوم، وزيزيك.

لقد تم توسيع المهمة ونطاق وجهات النظر مع مرور الوقت، حيث برز نوع جديد من الخبراء والأختصاصيين في مجالات عديدة، تستند أساسًا الى العلوم الاجتماعية مثل: أولريش بيك، وأنتوني جيدنز، وزيجمونت بومان، وساسكيا ساسين، وديفيد هيلد، وغيرهم. واجهنا على مدى العقود القليلة الماضية، أيضًا شبكة من المفاهيم الجديدة التي تم تصورها في إطار طموح للتعامل مع عالمنا المضطرب، وتهدف إلى تسمية الحاضر وتحديده. إن السعي وراء تحديد التوجه في عالم دائم التغير للحصول على مزايا تنافسية قد تحول إلى أعمال ضخمة، مرتبطة بمجموعة متنوعة من الأعمال التجارية، والمسح الضوئي، والاستراتيجية الجغرافية، والتشخيصات المعاصرة بما في ذلك توقعات تلقي تنبؤات محددة حول المستقبل.

نحتاج، في هذه الحالة، إلى أن نسأل أنفسنا عن نوع المساهمة التي يمكن أن تقدمها فلسفة. هل يمكن أن يكون هناك فهمًا أكثر شمولاً لظروفنا الحالية ناشئًا عن القدرة على تطوير وجهة نظر شاملة مع مفاهيم أكثر دقة، أو سياق تاريخي أكثر شمولاً للتحولات الحالية، أو تفكير فلسفي نقدي يؤدي بالتالي الى تعزيز فكرة أن "عالم آخر ممكن"؟ أن هذه المساهمات صالحة، لكن مع ذلك، ووفقًا لرأيي فإن المساهمة الأكثر حسماً للفلسفة ستكون التعامل مع الوضع النظري الغامض للغاية لهذه التشخيصات لوضعنا المعاصر، والعجز الهيرمينوطيقي (علم التأويل) الخطير للعبارات التي تزعم الموضوعية؛ وعلى وجه الدقة، لتحديد الطابع الإبستيمولوجي (المعرفي) التفسيري المحدد لهذه المحاولات لتسمية الحاضر وتحديده، بالإضافة إلى مؤشراتها الأنطولوجية (الوجودية) من حيث التدخلات في واقع ناشئ.

مفاهيم المابعد

ظهرت شبكة مفاهيم المابعد على المشهد الفكري ابتداءً من العقود الأخيرة من القرن العشرين، مما تسبب في صراعات دائمة بشأن الوضع المعياري للحداثة في مجموعة متنوعة من المجالات مع التركيز على مناقشات ما بعد الحداثة. وهكذا، عندما لم يعد من الممكن تصور الحداثة على أنها أوضاع غير معقدة، فقد أثيرت أسئلة حول إلى أي مدى ينبغي الاعتراف بالحداثة كمشروع إشكالي أو غير منجز أو حتى أكثر خطورة ومشروع لم ينجح تماما. إنها أوضاع مثيرة للجدل في حد ذاتها بالفعل، فازداد التعقيد المتأصل لمفاهيم مثل التقليد والحداثة وما بعد الحداثة إذا تم جمعها معًا. والحقيقة التي لابد أن تؤخذ في الاعتبار هي أن الحداثة نفسها واحدة من أهم تقاليدنا اليوم. نظرًا لانخراطنا في العالم والطابع الانتقائي الحتمي لطرقنا في التعامل مع الواقع والماضي، فنحن دائمًا جزء من التقاليد، وسوف يكون هناك دائمًا نوعًا من  القانون أوالشريعة التي تحكم اهتماماتنا وتفضيلاتنا الفكرية.

ومع ذلك، فإن إحدى النتائج المهمة للخلافات حول ما بعد الحداثة هي إحداث حالة من النقد الذاتي داخل الحداثة نفسها، والتي يُنظر إليها أيضًا على أنها نوع من المواجهة الذاتية وفقًا لـ "العصر الثاني للحداثة".[2] يكشف الاعتراف بأن العرب والأقليات التي معهم والعبيد في أمريكا ربما كانوا أول البشر الذين عانوا ما من الجانب مظلم من الحداثة، أجندة خفية من العنصرية، مركزية أوروبا مركزية الولايات المتحدة، وكذلك البربرية المتأصلة وهو ما يبدو أنها تسكن في لا وعي كل حضارة.[3] إن من الحقائق المعروفة أن ملكًا أو إمبراطورًا في أوائل القرن العشرين كان يتمتع بمستوى معيشة مماثل مع أي رجل عادي من بلد متقدم في نهاية القرن نفسه - ومع ذلك ، قُتل خلال هذا القرن عدد أكبر من الناس مقارنة بالتاريخ السابق بأكمله.[4] كانت تناقضات القرن العشرين وعقدي الواحد والعشرين - التي زادت أيضًا من خلال مراعاة التجارب المتناقضة والتقدم الاستثنائي للديمقراطية وحقوق الإنسان - متوقعة من نواح كثيرة من قبل نيتشه، الفيلسوف الذي مات على عتبة القرن العشرين، حيث حدد الكثير من أجندة فلسفة ما بعد الحداثة.

ومع ذلك، ظهرت كلمة "ما بعد الحداثة" في بعض الأحيان باعتبارها كلمة طنانة ورطانة تعني أي شيء وتشير إلى كل شيء، وبالتالي لا تعني شيئًا. لقد جعل هذا الأمر مناسبًا للسؤال عما إذا كانت ما بعد الحداثة مجرد نوع جديد من المثالية المتعالية أو عودة شبح هيجل الذي يطارد توجهنا في التاريخ مرة أخرى. لكن لابد أن تُفهم الأفكار الفلسفية التي غالبًا ما يتم تقديمها تحت عنوان ما بعد الحداثة في ارتباطها ببعض التغييرات الهامة والتي تغيًر أو تحول عالمنا بطرق عميقة بالفعل. وتشمل هذه التحولات الجيوسياسية الدراماتيكية، التي تحول نظامًا عالميًا سابقًا لمركزية أوروبية وهيمنة أمريكية لاحقة إلى نظام عالمي ثلاثي الأقطاب ناشئًا بسبب صعود القوى العظمى في شرق آسيا.

لا يُنظر إلى اللغة أبدًا على أنها أداة بريئة ونقية، وبالتالي فإن القول: تم التعبير الفلسفة الحديثة بشكل أساس بثلاث لغات من أصل أوروبي - الإنجليزية والألمانية والفرنسية- قد يكون له تأثير هائل سيئ على تفكيرنا الفلسفي. بالتأكيد، أن أوضاع الفلسفة السائدة في الفكر العربي هي علامة تحثنا بجدية على "إعادة التفكير في الفلسفة" بطرق أساسية. وفي هذه الحالة، تُجبر الفلسفة، إلى جانب التخصصات الأخرى ايضًا، على مواجهة ومراجعة الخصوصية الفعلية للعديد من أدعاءات العالمية. لا يكمن الحل في محو هذه التقاليد، كما لو كانت محاولة بدء التفكير الفلسفي من الصفر دون أي شروط مسبقة، ولا تطوير هذا النوع من الفلسفة المتناقضة مع الذات، والتي تتجلى في مواقف فلسفية مثل "المركزية الأوروبية ضد المركزية الأوروبية". [5]

جدول الأعمال تحدده العولمة

بعد المناقشات العنيفة واللغط الكثير حول الحداثة وما بعد الحداثة في الفلسفة- وصعود ما بعد البنيوية بالإضافة إلى فلسفة ما بعد التحليلية على أعتاب الألفية - انخفض عدد "مفاهيم المابعد" كما انخفضت الطاقة الفكرية في الجدل والخلافات المتعلقة بالحداثة. تغير جدول الأعمال بشكل كبير بعد ذلك. وظهر مفهوم جديد، يتحدى الفلسفة للتعامل مع الحقائق الجديدة – أنه العولمة.

لا يبدو أن تعريف العولمة بعبارات غامضة تشير إلى الترابط العام في جميع أنحاء العالم كافٍ. فأفهم العولمة بدلاً من ذلك، وفقًا لمانويل كاستيلس، كشيء أكثر تحديدًا يشير إلى التأثيرات التآزرية والطاردة لمركزية اقتصاد عالمي غير منظم مع ميزات متزايدة عابرة للحدود الوطنية وصعود أنظمة معلومات شبكية جديدة متقاربة رقمياً تعمل في في الزمن الفعلي. بدأ يتم تنظيم الأنشطة المهيمنة في عالمنا حول شبكات مدعومة بتقنية المعلومات على نحو متزايد، وعلى مدى العقود الماضية، بدأنا نشهد للمرة الأولى في تاريخ البشرية، تزامنًا عالميًا وسوقًا يعمل في الوقت نفسه فعليًا، مع كل عواقبه غير المتوقعة.[6]

لقد أدت العولمة إلى نمو اقتصادي لا يضاهى وزيادة مستويات الصحة في العالم - ولكنها في الوقت نفسه أنتجت نموًا هائلاً في عدم المساواة بين الدول والأفراد. ونظرًا لكون التطور أحادي الجانب، حيث تكون الأبعاد التكنولوجية والاقتصادية لعملية العولمة متطورة جدًا عند مقارنتها بالبنى التحتية الاجتماعية والثقافية والسياسية الضعيفة، فإن خطر حدوث صدمات ثقافية كبير جدا. بالتأكيد ، نحن بحاجة إلى تذكير أن هناك العديد من الروايات المختلفة والمتباينة حول العولمة ، والتي تولد تدريجياً صدام العولمة.

تحدد عملية التحول هذه اليوم أيضًا قدرًا كبيرًا من الأجندة الفلسفية الحالية. فنحتاج إلى أن نسأل أنفسنا بجدية، ليس فقط ما تعنيه العولمة للفلسفة، ولكن ما هو نوع المساهمة التي تقدمها الفلسفة استجابة للتحديات التي تطرحها عملية العولمة. علاوة على ذلك، يبدو قد تم التوصل إلى إجماع في السياسة العالمية حول أنسب استراتيجية للتعامل بنجاح مع تحديات العولمة ، الأً وهي التركيز القوي على التنافسية العالمية ودعم التحول السريع إلى اقتصاد قائم على المعرفة. وفقًا لذلك، يتم تحديد المعرفة، في مجتمع المعلومات الذي حل محل الصناعة، بشكل متزايد كعامل رئيسيمع توقعات طوباوية؛ ومن ثم فقد تم تصميمها على أنها المحرك الذي يعمل على توفير الطاقة الاقتصادية. عند إعادة قراءة "كلاسيكيات ما بعد الحداثة" في هذا السياق، مثل " وضع مابعد الحداثة"[7] لجان فرانسوا ليوتارد لابد أن نعترف ببصيرته الثاقبة في تاكيده على الأهمية الاستراتيجية للمعرفة في اقتصاد المعرفة الناشئ. يمكن تمييز ثلاثة جوانب مهيمنة في هذه الرأسمالية المعرفية الجديدة، التي تم تشكيلها وفقًا لفضيلة ما يُعرف بنظام المؤسسات المرن، وهي: الكفاءة (التعلم مدى الحياة كسيناريو حياة جديد) والأدلة (التركيز الجديد على القياس والكفاءة والمحاسبة) والابتكار (الصناعات الإبداعية). ومع ذلك، تخاطر الفضيلة السائدة للمرونة، في هذه الخطابات الجديدة المتعلقة بالمعرفة بتدمير المتطلبات الثقافية المسبقة لخطاب فلسفي نابض بالحياة أيضًا. بالإضافة إلى ذلك، لا يبدو هذا النمط الجديد السائد والمرن لتنظيم المعرفة كافياً على الإطلاق لدعم تنمية المعنى والهوية. وبالتالي، من أجل مقاومة تطور إنسان مرن - إنسان بلا ذاكرة وقناعة ومسؤولية - نلجأ إلى المصادر الفكرية التي توفرها الهيرمينوطيقا (علم التأويل). وهذا سيكون الجزء الثاني من الدراسة.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...................................

[1] فالرشتاين،إيمانويل، نهاية العالم كما نعرفه، ترجمة فايز الصًياغ، هيئة البحرين للثقافة والاثار، المنامة، 2017.

[2] Ulrich Beck, Power and counter power in the global age (Frankfurt: Suhrkamp, 2002).

[3] Cornel West, The American Evasion of Philosophy. A Genealogy of Pragmatism (Madison, WI: The University of Wisconsin Press, 1989);

Beyond Eurocentrism and Multiculturalism, I-II (Monroe, ME: Common Courage Press,1993).

[4] Eric Hobsbawm, Globalisation, Democracy and Terrorism (London: Abacus, 2007), p. 15

[5] فالرشتاين،إيمانويل، نهاية العالم كما نعرفه

[6] Manuel Castells, The lnfonnationAge I-Ill(Oxford: Basil Blackwell,1998).

[7] Jean-François Lyotard, La condition postmodern. Report on Knowledge (Paris: Midnight, 1979).

 

 

حاتم حميد محسنيُعتبر الفيلسوف اورتيغا من اكثر الفلاسفة ملائمة للقرن العشرين وربما لجميع الأوقات. فهو بدلا من الصورة النمطية للفيلسوف والجلوس في برج عاجي كان اورتيغا منهمكا مع حياة مجتمعه ومشاكله. في أعماله العظيمة، بما فيها (تأملات حول كيخوته)، و(ثورة الجماهير)، كان يمكن تطبيق افكاره الفلسفية مباشرة لفهم القضايا التي واجهت اسبانيا والمجتمع الاوربي في ذلك الوقت.

وُلد اورتيغا في 9 مايو 1883 في مدريد لعائلة ثرية، كان لوالديه عدة ارتباطات مع الثقافة والسياسة الأسبانية. كان ابوه محررا في صحيفة المحايد (EI Imparcial) الأسبانية البارزة (أسّسها جده لامه عام 1867). وبفضل هذه الارتباطات، كان يأتي وبانتظام أهم الرموز السياسيين والمثقفين كضيوف لبيت العائلة. كان ابواه سعداء في السماح له واخوته للاشتراك بالنقاشات، لذا فان ذهن الفيلسوف الشاب كان مثقفا منذ وقت مبكر.

أحد المشرفين الأوائل كان أول من لاحظ عبقرية اورتيغا، وذكر انه كان اكثر التلاميذ ذكاءً مدّعيا " احيانا يحصل لدي انطباع انه يعرف الجواب قبل ان اضع السؤال". ذهب اورتيغا لحضور المدرسة اليسوعية في مالغا، التي كان لها تأثيرا كبيرا على افكاره، عندما شهد القبضة القوية للكنيسة الكاثوليكية على المجتمع الاسباني. اصبح اورتيغا مقتنعا ان المحافظة الراديكالية في اسبانيا انذاك كانت تقيّد البلاد اجتماعيا وثقافيا. هذا القلق كان واضحا في جميع اعمال اورتيغا لأجل الاصلاح الاجتماعي والثقافي.

اتجاه المنظورية perspectivism

بعد إكماله دراسة الدكتوراه في مدريد، ترك اورتيغا اسبانيا عام 1905، في اول رحلاته الى المانيا. كان امضى سنة في ليبزك حيث كرس نفسه للفلسفة للتحقيق في أعمال عمانوئيل كانط. في عام 1907 زار البلاد مرة اخرى، هذه المرة بقى في ماربورغ. بعد ذلك عاد الى نفس المدينة عام 1911 كبروفيسور في الميتافيزيقا متوقعاً اول اولاده الاربعة من روزا التي تزوجها قبل سنة.

اكبر ابنائه Miguel German، وهو اشارة لأهمية تأثير البلد(المانيا) على اورتيغا. العلم والثقافة الالمانية وفرتا كما يبدو شعورا عقلانيا وموضوعيا في الفرد وفي المجتمع، وهو ما بدا بالضبط ما كانت تحتاجه اسبانيا للتحرك الى الامام. لكن اورتيغا اعتقد ايضا بان "حيوية البحر المتوسط" كانت خاصية هامة لشعب اسبانيا لا يجب فقدانها.

ان تأثير المانيا على افكار اورتيغا حول بلده يمكن رؤيته في اول اصدار كبير له وهو، تأملات في الكيشوت(1914)، الكتاب الذي لم يكن مجرد تعليق على رواية اسبانية شهيرة، وانما كان بمثابة تلخيص لفكر اورتيغا. كان اورتيغا قد تأثر بفكرة البايولوجي (جاكوب فون اوكل) بان الكائنات الحية يجب دراستها ضمن بيئتها لكي يمكن فهمها، وهو ما دفعه ليجادل بان حياة الانسان يجب ايضا فهمها من خلال ظروفها: "الواقع الظرفي يكوّن النصف الآخر لي كفرد: انا احتاجه لأتصور نفسي ولأكون ذاتي الحقيقية"، هو كتب ان، المكانة الاجتماعية، الفترة التاريخية، القومية، الموقع الجغرافي، والموقف الاقتصادي كلها ملائمة عندما نأتي لفهم كيف ينظر المرء للعالم ولنفسه، طالما هي تقرر منظورنا. هذه الفكرة تلخصت في أشهر أقوال اورتيغا: "انا وظروفي، اذا انا لم أضعها بالإعتبار، فسوف لن أعتبر نفسي"(1). وبنفس الطريقة التي يخرج بها اورتيغا الى العالم عند نهر غادرما قرب مدينته، او عندما يخرج المصريون القدماء الى نهر النيل، نحن ايضا نخرج للعالم من مكاننا الأصلي. وبصرف النظر عن عدد الأفكار الجديدة التي انت تنفتح عليها، لا يهم كم هي ستغير طريقتك في التفكير، فانك دائما ستبقى تتصور، تجاربك الماضية، طفولتك، المكانة الاقتصادية والاجتماعية، قوميتك، مرحلتك التاريخية، وجميع تلك العوامل هي هامة وحيوية في تعريفك كفرد.

بينما كان يتجول في الغابة قرب دير السكوريل خارج مدريد، وحيث تمضي العائلة رحلتها الصيفية، اعترف اورتيغا بانه على الرغم من ان فكرة الغابة تنطوي على مدى واسع من الأخشاب، لكنها في الواقع لاتجسّد نفسها ابدا بهذه الصورة. بدلا من ذلك، نحن لا نرى سوى مقدار ضئيل من الغابة عندما نمشي خلالها – هناك فقط عدد قليل من الاشجار وممرين اثنين. وعندما نتجه نحو ممراتها الضيقة المضللة، فان اجزاءً جديدة من الغابة تكشف نفسها تدريجيا عندما نترك تلك التي بقيت في الخلف. من المهم ان نتذكر ان كامل الغابة لاتكشف نفسها ابدا لنا. وبنفس الطريقة، الفلاسفة هم مثل أي شخص آخر حين يبحثون عن أي نوع من الحقيقة الموضوعية، يجب ان يكونوا واعين بظروفهم. ولكي نعمّم، فان الزاوية المعينة التي ترى منها الاشياء حتما ستؤثر على الطريقة التي تبدو بها، وبالتالي تقرر منظورك حول الواقع. ومع ان موقفنا يقرر منظورنا، لكننا نستطيع ايضا تحسين منظورنا عبر السعي النشط لتوسيع وجهات نظرنا، وبذل الجهد للحصول على فهم افضل لكل من ظروفنا وظروف الآخرين.

ماذا يعني هذا لنا كافراد؟

للاجابة على هذا السؤال من المفيد النظر الى عبارة اورتيغا الشهيرة بالكامل: (انا انا وظروفي، واذا انا لم اعتبرها، فهي سوف لن تعتبرني ". لذا انها ليست فقط الحالة التي نتقرر بها بفعل الظروف، وانما نحن لدينا واجب تجاهها، نحن نجد انفسنا ألقي بنا في هذا العالم، حيث اننا محاطون بمجموعة من الظروف يجب علينا التعامل معها. العقل هو استجابتنا الادراكية لهذه الحقيقة، محاولتنا لجعل معنى لكل الغابة وراء الجزء الصغير الذي نتصوره مباشرة. اورتيغا قلب استنتاج ديكارت رأساً على عقب، "انا افكر اذا انا موجود" بقوله، "انا أعيش اذا انا افكر" (انظر ماهي الفلسفة؟، 1929، الترجمة الانجليزية، 1963). هو يعني ان تفكيرنا هو نتيجة لحياتنا وظروفها: انه امر حيوي بالنتيجة ان نقبل رغم عقلانية الاعتقاد ان س يتبعه ص، لكن الناس في موقف مختلف ربما يفكرون وبشكل شرعي ان ص يتبعها س. العقل الحيوي شكّل الاساس لأفكار اورتيغا السياسية والفلسفية. فمثلا، كتاب Invertebrate Spain الذي نُشر عام 1921، نفس سنة ميلاد بنته سولداد، عرض رؤية لأسبانيا والتي بدلا من كبح وتجاهل التنوع المناطقي لكتلونيا اقليم الباسك وصفهم اورتيغا كـ "أعضاء" جميعها تكوّن جزءاً من مركّب عضوي أكبر.

جميع مشارع اورتيغا الاجتماعية والسياسية حاولت خلق هذه الرؤية التعددية لحقيقة اسبانيا الموحدة. فكرة التعددية لبلده سوف تشكل لاحقا الاساس لفهمه لاوربا التي قارنها بسرب من النحل يطير في نفس الاتجاه.

الجماهير

في عام 1930 تنازل الملك الثالث عشر الفونسو عن العرش وبدأت جمهورية اسبانيا الثانية. وكغيره من المثقفين، اعتقد اورتيغا ان هذه كانت فرصة لتنفيذ تغييرات يحتاجها البلد. كونه استقال من وظيفته كأساذ في الميتافيزيقا في جامعة مدريد قبل عدة سنوات، فان فصلا سياسيا جديدا قد بدأ في حياة الفيلسوف. في عام 1931 أسس اورتيغا (مؤسسة الخدمة للجمهورية)، وهي جماعة من المثقفين لخدمة الجمهورية. ورغم نواياه النبيلة لكن عمله السياسي تضائل عندما استقال من المنظمة بعد سنة . وبعيدا عن إحداث تقدم، اصبح المجتمع الاسباني اكثر قطبية عندما ازداد التوتر بين معسكري اليمين واليسار. الإضرابات والتمردات والاحتجاج العام اصبح شبه دائم، حتى بلغ ذروته عام 1936 مع اندلاع الحرب الاهلية الاسبانية التي انتهت عام 1939 بتأسيس الدكتاتورية الفاشية للجنرال فرانكو.

لم يكن كل ذلك مفاجأة لاورتيغا. في عمله الشهير (تمرد الجماهير، 1930)، طوّر اورتيغا فكرته عن الرجل العادي mass man، الفرد "لأجل ان يعيش عليه ان يكون في كل لحظة ما كان عليه سلفا، دون ان يُفرض عليه اي جهد نحو الكمال، انه مجرد عوامة تطفو على الأمواج." رغم ان ميوله الطبيعية هي ان يتّبع ما حوله، لكن اورتيغا إعتقد ان هذا الشخص سيطر على المجتمع الحديث. سيطرة هؤلاء الناس، ليس فقط في اسبانيا، وانما في كل اوربا، قد تكون لها نتائج مرعبة. ميولهم فقط في تقليد القيم والعادات والموضة التي حولهم بدلا من التفكير والتصرف المستقل(او بالتعبير الوجودي، الأصيل) قد تكون له انعكاسات خطيرة. واذا كان هذا قاد الى عدة اتهامات بالنخبوية، لكن تجدر ملاحظة ان الرجل العادي لم يُعرّف بطبقته او مكانته الاجتماعية. يرى اورتيغا "كل الطبقات لها جماهيرها". الجماهير تتميز عن الاثنيات المنتقاة بشخصيتها. الفرد "المتوسط" راض بالاندماج مع الجماهير، يفتقر الى أي رغبة لتطوير نفسه وتحسينها كفرد. مقتنعا بعمل من حوله مهما كان، هو بذلك يهرب من مسؤولية القرارات والاهتمام بالوزن الأخلاقي لأفعاله. بالمقابل، "الاثنيات المنتقاة" تكافح لتحسين ذواتها لتصبح احسن حالا ولن تشعر ابدا بالاحساس التام للانجاز، لا اهمية لمقدار ما تعمل .كلا النوعين من الفرد، يمكن ان يوجدا في كل مناحي الحياة، دون اي اعتبار لمقدار الثروة، او الألقاب، او الشهادات العلمية في التمييز الجوهري بين الاثنين.

الرجال العاديون، ومع عدم وجود اي اهتمام بفهم العالم الذي حولهم، يفتقرون الى معنى المنظور . هذا يمكن رؤيته، مثلا، في علاقاتهم مع التكنلوجيا. هم يمضون حياتهم اليومية يفكرون بالاشياء كالسيارة والتلفاز والتلفونات الذكية كسمات بسيطة للعالم. حقيقة اننا وُلدنا في عالم نستطيع فيه بسهولة ان نشعل الضوء ونرسل الرسائل النصّية او نقود السيارة االى أي مكان، يعني انه من السهل ان نأخذ هذا الاشياء كمسلمات بديهية، متجاهلين عدة سنوات من البحث في تطوير التكنلوجيا، بالاضافة الى كفاح الأجيال السابقة الذي قاد الى تطويرها. في رؤيته لهذا النقص في المنظور التاريخي، يرى اورتيغا ان هذا الطفل المزعج هو نتاج للمجتمع الحديث، وهو يحتقره كما يحتقر المراهق المشاغب لأبويه . ظروفك تجعلك منْ انت، لذا يجب ان تعرفها.

كان اورتيغا متأكدا ان عقلية الجماهير في المجتمع كانت السبب في صعود الايديولوجيات السياسية الراديكالية التي قادت الى انتشار الأنظمة الفاشية في اوربا في ذلك الوقت، ولا ننسى النظام الذي أجبره على مغادرة بلده. اذا كانت عقلية الجماهير شيئا مثيرا للقلق في الثلاثينات، نحن يجب ايضا ان نقلق بشأنها الآن. ماذا يقول لنا اورتيغا الآن ونحن نحدّق في شاشات التلفونات ونتجول في عناوين الاخبار مستهلكين معلومات واسعة ومتّبعين آخر أشكال الموضة؟

الدولة القومية وتوحيد اوربا

بعد ان عاش في فرنسا والارجنتين والبرتغال، عاد اورتيغا بالنهاية الى اسبانيا عام 1945، رغم حقيقة ان الرقابة الصارمة المفروضة من سلطات فرانكو الدكتاتورية جعلت من الصعب عليه الاستمرار في النشاطات الفكرية. معظم مؤتمراته ومحاضراته اللاحقة عُقدت في دول اوربية اخرى، حيث ان افكاره يمكن التعبير عنها بحرية. هو قابل الفيلسوف الالماني المثير للجدل مارتن هايدجر(1889-1976) في مؤتمر في مدينة دارمستد الالمانية عام 1951. ومن المؤتمرات الهامة الاخرى مؤتمر عقد في برلين بعنوان "تأملات في اوربا" .

كتاب تأملات في اوربا، الذي نُشر بعد وفاته عام 1960، يناقش فيه اورتيغا الدولة القومية، دورها ومستقبلها. وبعد ان اُجبر على مغادرة بلده من جانب نظام الفاشي، ومعاناته لحربين عالميتين، ليس من المستغرب ان تكون الدولة القومية موضوعا هاما لاورتيغا. هو اعتقد ان القضية تكمن جزئيا في حقيقة انه، بينما الدولة القومية تولّد مقدارا كبيرا من التعصب، لكننا عادة غير قادرين على توفير تعريف دقيق لها – وهو الشيء الذي فعله اورتيغا سلفا قبل وقت طويل من "ثورة الجماهير". هو يذكر في المؤتمر : "انا سوف اعيدها مرة اخرى: الحقيقة التي نسميها الدولة هي ليس مجيء تلقائي لاولئك المتّحدين بروابط الدم. الدولة تبدأ عندما تنقسم الجماعات طبيعيا وتجد نفسها ملزمة للعيش المشترك. هذا الإلزام لن يُفرض عليهم بالعنف، وانما ينطوي على هدف محفز، مهمة مشتركة توضع أمام الجماعات المنقسمة. فوق كل ذلك، الدولة هي خطة للعمل وبرنامج للتعاون. الناس يُدعون اليها لكي يقوموا بشيء مشترك. الدولة لا هي وحدة قرابة ولا وحدة لغوية، لا وحدة اقليمية ولا وحدة من القرب السكني. انها ليست شيئا ماديا ناقصا وثابتا . انها دينامية خالصة – الرغبة بعمل شيء ما مشترك – وبفضل هذا لم تكن امام مفهوم الدولة أية حدود مادية".

تماما مثل أي مشروع آخر، الدولة القومية لها عدد من القيم، والعلامات المميزة المعترف بها (علم)، ومجموعة عامة من العادات التي توحّد أعضائها، يخلق تماسكا ثقافيا بينهم. الدولة القومية بُنيت على التنوع والانتماء اليها لا يعني ان جماعات فرعية تفقد فرديتها. لتكن كاتلونيا في اسبانيا او اسكتلندا في المملكة المتحدة، الانتماء الى دولة قومية لايزيل روحها كوجودات منفصلة. وبنفس الطريقة، كل الجماعات الاخرى التي تشكّل أعضاء الدولة لن تفقد هويتها عندما يصبحون جزءاً من الامة: كونك اسباني لا يعني انك ذو ايمان معين او عمر او جنس، وبينما يُفترض انك تتحدث الاسبانية، لكن ليس من الضروري ان تتحدث بلسان امك. حتى الحدود التي ربما تبدو معرّف ثابت للامة هي النتيجة الحالية لقرون من الصراع والمفاوضات. انها تغيرت باستمرار خلال التاريخ ولا يوجد هناك سبب للاعتقاد انها لن تكون كذلك مرة اخرى في المستقبل. لذا بدلا من فهم الامة كشيء ثابت مرتبط بارتباطات ميتافيزيقية، يجب النظر اليها كشيء ديناميكي نقوم به بدلا من شيء نحن فيه. بفضل السجلات التاريخية، هناك سجل موثق لروما منذ بداياتها وحتى سقوطها. الاوربيون شهدوا ايضا ولادة دولهم القومية الحديثة من أنقاض الامبراطورية الرومانية، بما في ذلك نموها وتعاون الجماعات المجاورة لها . لكن الدول القومية تميل ايضا للانكماش والتمزق، وربما تموت. ومع التقدم في العمل، ليست الامم سمات خالدة يمكن ان توجد طبيعيا على وجه الارض، تترك الامم عرضة لأي مصير تناله. كديناميكية، ومشاريع دائمة التغيير، يجب على الامم ان تكون منفتحة للتغيير ولإندماج الجماعات الجديدة التي ربما تساهم افكارها بحل مشاكلها والوصول لأهدافها.

يرى اورتيغا ان اوربا موحدة سيسمح بحدوث هذا لأسبانيا. امم اوربا تقاسمت تاريخيا التجارب والافتراضات الثقافية بالاضافة الى المشاكل والاهداف المشتركة. لذلك فان تعاون الدول الاوربية كان ضروريا لتطويرها. ولكن مثلما ان الدولة القومية لم تترك الجاليات التي تكوّنها مجردة من فردياتها، اعتقد اورتيغا ان لاسبب هناك لاوربا الموحدة لتزيل سيادة او هوية اممها. مقارنا اوربا باليونان الهلينستية هو يقترح ان "الاثنيين، مثلا، يشعرون شعورا مزدوجا بكونهم اثنيين وهيلنستيين، مثل الالمان يشعرون كآلمان ويعرّفون انفسهم كاوربيين ". وبقدر ما يتعلق الامر بالهوية، افترض اورتيغا سلفا وقبل وقت طويل انه في اوربا " "كل مبدأ موحّد جديد كان مخصّبا للتنويع ". اوربا الموحدة لا يجب ان تهدد السيادة الوطنية، ولا ان الاهتمامات الوطنية والمصالح تُعتبر تهديدا للوحدة الاوربية.

الميراث

توفي اورتيغا في مدريد عام 1955، دون ان يرى وحدة اوربا التي اعتبرها حاسمة للتقدم في المستقبل. ولم ير ايضا سقوط نظام اسبانيا الفاشي الذي اجبره على النفي لحوالي عشرين سنة. ولو اردنا التنبؤ ما اذا كان يوافق ام لا يوافق على الاتحاد الاوربي، لا شك انه توقّع الحاجة الحتمية للتعاون بين الدول الاوربية لحل القضايا المشتركة – تماما كما فعلت ذلك عدة مرات طوال التاريخ.

قضايا اخرى في عمله استمرت لتبقى ملائمة منذ وفاته. وكنتيجة لزيادة الاعتماد على الجماهير واستخدامنا المستمر للشبكات الاجتماعية كمصدر للمعلومات، فان التهديدات التي شكّلتها عقلية الجماهير هي اكثر الحاحا الان من اي وقت مضى، دعك من وجود الراديكالية في عدة زوايا من المجتمع. وبالرغم من ان افكاره كانت كما يبدو مبعثرة باسلوب غير متماسك عبر العديد من المقالات والكتب التي كتبها طوال عمله الغزير، لكن اورتيغا كان متماسكا جدا في إعطاء فلسفة حيوية حقا، تذهب الى ما وراء الاكاديمية وتوفر اتجاها لكل مظاهر حياتنا سواء كانت محلية او اجتماعية او سياسية، تماما مثل فلاسفة اليونان القديمة وروما الذين بدأوا قبل اكثر من الفين سنة.

 

حاتم حميد محسن

..................

الهوامش

(1) في هذه العبارة الشهيرة يشير اورتيغا الى الاتحاد القوي بين منْ نحن وما يحيط بنا، انه من المستحيل فهم احدهما دون الآخر، وبهذا فان قراراتنا مشروطة بمنْ نحن وكذلك بظروف المكان والزمان.

 

 

محمود محمد عليتعد قضية العلاقة بين المنطق والنحو من أدق موضوعات فلسفة اللغة وأصعبها تناولا، ويهتم بها المناطقة، والفلاسفة، والنحاة منذ أقدم العصور، بل من قبل أن يصيغ أرسطو المنطق، ويضع قواعده، فلقد نشأ المنطق مرتبطا بالجدل، الفكري والنحوي الذي ساد القرن الخامس وشطرًا من القرن الرابع قبل الميلاد عند كل من المدرسة الأيلية وجماعة السفسطائيين، إذ اهتموا بالجدل، وبقوة الكلمة، عن قوة الفكر، وبفن الإقناع الذي هو بعينه فن التفكير، وكان بحثهم في اللغة بحثا منطقيا .

والعلاقة بين المنطق والنحو علاقة قديمة وحميمة، إذ يلتقيان في مصطلحيهما، وفي غايتهما. فالنحو آلة يعرف بها صواب تراكيب ألفاظ اللغة ومعانيها من خطئها، والمنطق آلة يعرف به صحة المعني وتصديقه من خطئه. وكل منهما يعتمد طرق الاستقراء والاستنباط. غير أنهما لا يتطابقان تماما، فالمنطق يستند إلى الأدلة العقلية،مفترضا وحدتها وشمولها، والنحو يستند إلي معطيات اللغة الوصفية معترفا بأن قواعدها قابلة للاستثناء والتخصيص .

ومن جهة أخرى فإن العلاقة بين النحو والمنطق تعد من الموضوعات العريقة التي تناولها العلماءُ منذ زمن بعيد، إذ لا نجد من العلماءِ القدامي أحدًا ضرب سَهمًا في مجال اللغة، أو البلاغة، أو النقد، إلا والعلاقة بين النحو والمنطق، كانت إحدى أغراضه ومراميه. ولذلك فإنه إذا ما درسنا هذه العلاقة من منظار تاريخي نصل إلي أن لفلاسفة اليونان نظراتٍ تتعلق بهذه العلاقة .

ومن يتتبع تاريخ الدراسات اللغوية في الفكر اليوناني سيدرك أن هذا الفكر قد افترض اللغة اليونانية مقياساً للغات العالم، وبنى علي ذلك اعتقادا تُخطئه الدراسات اللغوية الحديثة، وهو أن دراسة اللغة اليونانية في تراكيبها وطرقها صادقة علي كل لغات العالم، إذ أن هذه اللغات تجري علي مقياس اليونانية . وهذه الدراسات اللغوية القديمة تختلط إلى حد كبير جدًا بالنظريات المنطقية والميتافيزيقية، ولقد وصف كُتاب اللغة من الإغريق الجملة حكما منطقيا، وعدوا بها طرق الإسناد النحوي بالطريقة نفسها،ولقد عدوا الموضوع والمحمول في المنطق.

ويصادفنا في مجال التفكير اللغوي- المنطقي أعمال السفسطائيين الخاصة بالنحو والتي حملت في ثناياها بذورا منطقية أكيدة، فقد أرجعوا التصور (المعني) إلى اللفظ مما يسر لهم أن يجعلوا من الجدل وسيلة للانتصار على الخصم؛ ومعنى هذا أن السفسطائيين قد بحثوا في النحو فأدى بهم إلي المنطق؛ و” لقد قام بروتاجوراس Protagora ببعض الدراسات الأولية في النحو كأساس للمنطق”؛ حيث يعد أول من تحدث عن أجناس الأسماء gene onomaton؛ أي المذكرة arena والمونثة thelea وما نسميها المحايدة وسماها هو skeue (= الأشياء غير الحية) . واستخدم أرسطو نفس هذه المصطلحات، وإن كان يستخدم أحيانا metaxy (= ما بين) بدلًا من skeu ” .

وإذا انتقلنا إلي العلاقة بين النحو والمنطق عند أفلاطون ( 429 – 347 ق . م)، نجد أنه علي الرغم من أنه لم يسق آراءه اللغوية بشكل مترابط، ولم يجمعها في مكان واحد، فقد عده الباحثون ” رائد الدراسات النحوية وأول فاحص للمشكلات النحوية ” ؛ فهو يُعد واحدا من أهم وأشهر فلاسفة اليونان الذين جاءوا بعد السفسطائيين والذين شغلوا أنفسهم بالبحث في أقسام الكلام .

أما رأيه في أقسام الكلام، فنجده أنه كان أول من صاغ لنا تعريفًا للجملة، إذ يقول : “إن الجملة هي تعبير عن أفكارنا عن طريق أسماء Onomata وأفعال Rhemata، وهذه الأسماء والأفعال تحكي أو تعكس أفكارنا في مجرى النفس الذي يخرج من الفم عند الكلام، ثم يعرف الاسم علي أنه اسم لفاعل الفعل، أما الفعل فاسم ” للفعل نفسه” . ومن الاسم والفعل تتكون الجملة . وواضح من هذا أن أقسام الكلام عند أفلاطون اثنان هما الاسم والفعل، وهما قسما الكلام في الجملة الخبرية، ولم يكن لأفلاطون وأرسطو من بعده اهتمام بغير هذا النوع من الجمل، لأن هذا النوع من الجمل، هو الذي يستحوذ اهتمام الحكماء والمناطقة دون غيره من جمل الدعاء والسؤال والأمر .

وهنا يرى بعض الباحثين أن أفلاطون يعد بذلك أول من فرق بين الاسم والفعل، كما أنه أعطانا تقسيمًا ثلاثيا للأصوات يمكن أن يكون: أصوات العلة – الأصوات الساكنة المهجورة – الأصوات الساكنة المهموسة . وأقر أرسطو تقسيم أفلاطون للكلمة، إلي اسم، وفعل، وزاد عليها قسما ثالثًا سماه رابطة، وذلك أنه شعر أن الأفعال والأسماء تؤدي معاني مستقلة، في حين أن سائر الكلمات ليس لها إلا الوظيفة النحوية فقط .

وبصفة عامة كان منطلق أفلاطون الاقتناع بأن الكلمة هي الشكل المادي للفكرة، وأنها تمكن بدايات معرفتنا عن العالم . وقد تولدت المحاولات الأولى لتعريف المحاولات النحوية الأساسية من هذا الموقف الفلسفي وتطبيقا للمعايير المتصلة بعمليات المنطق عرف أفلاطون “الاسم بأنه شيء يخبر عنه، وعرف الفعل بأنه ما يخبر به عن الاسم “.

وإذا انتقلنا إلي أرسطو، فنجده أنه قد دعا إلى الأخذ بأساليب معينة، وطرق خاصة، للهيمنة على التفكير الإنساني، والسيطرة على ما يدور في الأذهان. وقد جعلوا تلك الأساليب والطرق في صورة بديهيات لا تقبل النقاش، ولا يصح أن تكون موضع جدل أو نزاع، ثم اتخذوا من تلك البديهيات مقدمات لقضايا عقلية، ينتهون منها إلى حكم خاص، لا يتردد العقل في قبوله. وكان من نتيجة هذا النهج العقلي في الأحكام أن ابتدعوا لنا علما سموه المنطق بينوا حدوده، ونموا موضوعاته، حتى أصبح على يدي أرسطو علماً، واضح المعالم، يتدارسه الناس، ويفيدون التفكير بحدوده، فلا يكاد الحكيم منهم يتعدى تلك الحدود، بل يلتزمها في تفكيره ويتمسك بها في كل نواحي النشاط الذهني .

ولم يتخذ أرسطو لهذا العلم رموزا، كالرموز الرياضية والهندسية. ولكنهم صاغوا قضاياه ومسائله على نهج لغوي شبيه بكلام الناس، اعتقادا منهم أن أساليب اللغة ليست إلا وسيلة للتعبير عما يدور في الأذهان، ومثل الفكر الإنساني قبل النطق بمضمونه مثل الصورة الشمسية قبل تحميضها، فإذا عولجت بقدر خاص من الأحماض، اتضحت معالمها، وتكشفت خطوطها وملامحها. وهكذا شأن التعابير اللفظية مع العمليات الذهنية، ولا يكاد يعدو مهمة التوضيح، وإبراز المعالم والملامح للأذن الإنسانية. ولما انتهى أرسطو من تأسيس منطقه، وتحديد تعاليمه، رغب في حمل عامة الناس على انتهاج هذا المسلك في التفكير، والتزام تلك الحدود بعد أن صب تعاليمه في قوالب لغوية، وصاغها في صورة ألفاظ وأصوات،كالتي يألفها الناس في أحاديثهم .

وهنا بدأت الصلة بين اللغة والمنطق، وظل المفكرون بعد أرسطو قروناً طويلة يربطون بين اللغة والمنطق، ويحاولون صب اللغات في تلك القوالب المنطقية التي ابتدعها لنا أرسطو: طورا يوثقون هذه الصلة فينكرون من كلام الناس ما لا يتفق وحدود المنطق، وأخرى يقتصدون في هذا فنرى، منهم من يجعل للمنطق حدوده وللغة حدودها. ولكن الحدود مشكلة متداخلة. فهناك ناحية من المنطق تنطبق تمام الانطباق على ناحية من اللغة، كما أن هناك من المنطق ما لا يمت للغة في صورتها المألوفة الشائعة على الألسنة بصلة ما. ولبث المنطقي يغزو ببحوثه بعض مناطق اللغات، كما ظل اللغوي يقتحم ببحوثه بعض نواحي المنطق.

ولو أن أرسطو قد اتخذ لعلمه رموزا أخرى لا شأن لها بما يدور على الألسنة من ألفاظ وعبارات، ما احتاج المنطقي إلى البحث في اللغة، ولا احتاج اللغوي إلى النظر في المنطق، ولما كان ذلك الصراع بين المناطقة واللغويين في بعض العصور المتأخرة، فقد استطاع أرسطو أن يقرب بين منطقه واللغة اليونانية، إن لم يكن قد جعلهما منطبقين تمام الانطباق، متآلفين تمام التآلف؛ وأعجب المفكرون في الأمم الأخرى بمنطق أرسطو، وحاولوا صب لغاتهم في تلك القوالب موفقين في هذا تارة، وبعيدين عن التوفيق تارة أخرى، يجدون من لغتهم ما يواتيهم ويطاوعهم حيناً، ويتعثرون ويتكلفون حينا آخر .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

علي محمد اليوسفتقديم: هل نستطيع ويحق لنا التساؤل كيف تموت الافكار بالحياة؟ هل تموت الافكار كما يحكم الموت الانسان بالفناء؟ هل الافكار القديمة تموت بالتجديد المضاف عليها؟ هل الافكار تفنى وتموت بلا رجعة كما يفنى ويموت الانسان؟ هل الابداع الادبي والفني والمعرفي هو تراكم كمي ونوعي واقعي - خيالي لا يندثر ولا يموت؟ هل أفكار الايديولوجيا والفلسفة والسرديات الكبرى يأفل بريقها ويزول تاثيرها القيادي بالحياة في تطبيقها المسخ على أرض الواقع بعيدا عما تحمله من رؤى منهجية نظرية أصلاحية في محاولة نقل المجتمعات من مرحلة تاريخية الى أخرى افضل منها وتخفق بمسعاها نتيجة التطبيق الفاشل للافكار الصائبة؟ وهل أفول الافكار الفلسفية مرحليا على طريق أستحداث ما يتجاوزها بنفس المنهج والاسلوب الذي يطال الايديولوجيا السياسية بالافول المتلاشي، كون جميع مناحي الحياة هي حركة دائبة من التطور الذي لا تحده حدودا ولا يتوقف في مرحلة منها زوال تأثير الافكاراللاحق على السابق؟ ...هل نستطيع القول أن للافكار الفلسفية والمعرفية العامة دورة حياة انبعاثية تستحدث نفسها تاريخيا لاحقا باستمرار بمعنى مقارب ماصحة مقولة التاريخ يعيد نفسه وكيف ينطبق هذا على الافكار؟  وهل أن الافكار طاقة مادية لا تفنى ولا تستحدث من عدم.؟ هل يمكننا تكرار توصيف هذا الانبعاث الارتدادي في العودة التاريخية مجددا لافكار غادرناها بالتجديد المضاف عليها؟ بمعنى أكثر وضوحا هل يبقى للافكار من تاثير علينا في اندثارها الحاضر بماهي تجديد طاريء عليها طارد لها  متجاوزعليها زمانيا؟

هنا بهذا المقال ليس المقصود بالعود الوجودي هو نسخ كاربوني لنفس الصيغة الميتافيزيقية التي نادى بها نيتشة بالعود الابدي في عودة كل شيء حدث كما كان قبل تواريه الاندثاري الزماني المؤقت في دورة حياتية دائرية لا تنتهي من الاعادة والتكرار.؟

ماهي الاسباب التي تجعلنا نحكم على أفكار أندثرت من حياتنا، لكنّا نجدها في مراحل متقدمة من مسيرتنا التاريخية الحياتية ماثلة أمامنا وخطأ أرتكبناه بحماقة توجب علينا العودة لاحيائها من جديد في معالجتها الصحيحة لقضايا تهمنا في حاضرحياتنا... وهل كل الافكار والنظريات التي غادرتنا وأصبحت ماضيا لم تعد لها حاجة في حياتنا الراهنة والمستقبلية؟

الفيلسوف الذي عالج هذا الاشكال الاستعصائي بجدارة وأقتدار ادبي - فلسفي هو سارتر الذي ضّمنه اربعا من مسرحياته ورواياته الفلسفية كنت استعرضتها في مقالة مستقلة منشورة بعنوان (سارترالعود الوجودي الفلسفي). وبهذا المقال أرغب شد الانتباه الى ما أنجزته البنيوية من ثورة فلسفية أصبحت ايقونة العودة المستمرة لها ضرورية. بمعنى تراكم الفكر الفلسفي كميّا على صعيد الشمول الخطّي الافقي كتاريخ متطور دوما، هو في حقيقته تراكم شاقولي نوعي من العسير والصعوبة أندثاره من حياتنا. ربما نقرأ بعض الافكار في أبعاد زمنية ثلاث الماضي، الحاضر، المستقبل، هي تحقيب لحقيقة وجودنا الارضي متناسين أن الافكار الحيّة لها دورة حياة تجعلنا نحن نعيش زمن الماضي الاندثاري بيولوجيا لتكون هي الحضور الزماني الدائمي المتحكم فكريا بالحياة.

التاريخ والذاكرة

نجد مهما التفريق بين تجزئة الوقائع والاحداث كتاريخ يحتويها الماضي، عن تجزئة الافكار التي هي استذكار الحاضر المتعالق مع الذاكرة في قراءة الماضي واستذكاره. هل تستتبع وحدة وقائع التاريخ الماضي في نسق زماني منتظم ثابت في اركيولوجيته الماضية، أن تلازمه وحدة الافكار الاستذكارية التجريدية عنه.؟

تختلف تجزئة الوقائع والاحداث كتاريخ عن تجزئة الافكار المعّبرة عنها، التاريخ هو الماضي بوقائعه وأحداثه، أكتسب صفة النظام النسقي الذي لا يسبق المابعد الماقبله فيه، لذا يكون التاريخ كوقائع محدودا بمحددات زمانية تحقيبية لا يمكن القفز عليها أو العبور من فوقها في مجاوزتها.

فوقائع التاريخ محكومة باركيولوجيا الحفرالاثاري التدويني التوثيقي المتجدد دوما الذي لا يتقبل  التجزئة ولا التقسيم في طمس تسلسله النظامي كزمن يحده التاريخ الذي هو في المحصلة فكر سابق على أستذكار الذاكرة والخيال له. الوقائع التاريخية أكتسبت الماضي الثابت الذي لا يمكن تغييره اركيولوجيا بالنسبة للمؤرخ، بينما الافكار التي تعّبر عنه يمكننا تجزئتها والاجتهاد التقسيمي لها، بمعنى كل فكر يستحضر التاريخ كماض هو فكر متغيرفي بنية من السيرورة الدائمية ولا يشمل هذا التغيير زمانية التاريخ كوقائع وأحداث بل يشتمل الرؤى الجديدة في البحث والتنقيب عنه وتوثيق حقائقه الجديدة..

الفلسفة البنيوية والعود الفلسفي

بعد أفول نجم الفلسفة الوجودية نهاية عقد السبعينات من القرن العشرين، ظهرت الفلسفة البنيوية في هيمنة غير مسبوقة على مجمل الفلسفات القارة عالميا. تشعبت تلك الهيمنة بما طرقته البنيوية من مباحث فلسفية متنوعة وعديدة، مثل الانثروبولوجيا، فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات، علم النفس، السرديات الكبرى مثل الماركسية وميتافيزيقا الاديان والادب. كل هذه المباحث وغيرها العديد أنضوى تحت لوائها عمالقة الفلسفة البنيوية التي أستهوتهم طروحات ما بعد الحداثة في وجوب مجاوزة كل الثوابت الفلسفية التي قامت عليها سابقا فلسفات الحداثة التي أهتمت بتمجيد الانسان كذات وقيمة عليا بالحياة، وتبجيل العقل كمرجعية انقاذ، وأدانة الميتافيزيقا كمهيمن أعاقة تحررية، وهيمنة التكنولوجيا وتسارعها العلمي، وغير ذلك من ثوابت كانت مهيمنة على قضايا الفلسفة وتاريخها قرونا طويلة بأسم ما عرف بالحداثة الاوربية... هنا ليس مهما معرفة قيمة المنجز المتحقق في مباحث الفلسفة البنيوية وهو كثير بمقدار أن أهمية الفلسفة البنيوية القيمية هي بما فتحته من آفاق معرفية فلسفية جديدة لم تكن سابقا تشغل ولا حتى أهتمام الهامش الفلسفي بالقياس الى قضايا الفلسفة الكبرى التي توارثت هيمنتها عبر العصور الطويلة من تاريخ الفلسفة وركنت خارج هيمنتها المركزية ما أصبح جديرا بالعناية الفلسفية أكثر من مباحث المركز.

البنيوية خلخلت البنى الاجتزائية المحدودة وطرحت وجوب أعتماد انساق بنيوية كلية شاملة لا تضيّع قيمة شيء جزئي جديرا بالاهتمام الفلسفي في توخي عدم تشتيت التوجه نحو معالجة القضايا الفلسفية الكبرى المهمة والتي لم تمت ولكن جرت محاولة نسيانها الاندثاري في بطون التاريخ..

من المهم التنبيه الى أن البنيوية لم تستنفد طاقتها الفلسفية بمراجعة تاريخ الفلسفة كما هو سائد لدى معظم الفلاسفة ولعصور طويلة. ما نعنيه أن التراكم الفلسفي البنيوي عموديا وأفقيا لم ينبثق جديدا في لاعلاقة نقدية جسورة تحكمه قامت بتعرية الزيف الفلسفي المتداول على مر العصور في عملية نقد مستمر لما سبق في تاريخ الفلسفة وقراءته قراءة جديدة غير مسبوقة، ومن هذا النقد الفلسفي المستمر لتاريخ الفلسفة نشأت المفاهيم الجديدة التي هي ايضا بدورها لم تخلص نفسها من تناول النقد الفلسفي لها. وبقيت أرهاصات الفكر الفلسفي القديم حيّة لم تمت رافقت وزامنت الكثير من التجديد الذي بني عليها.

البنيوية بنزعتها المتطرفة لا بل العدائية تناوشت على وجه التحديد مناوأة كلا من الماركسية، والفلسفة الوجودية، وكلتا الفلسفتين بقيتا الى اليوم تفعل فعل المرجعيات القارة حيويا في تداخلها الفلسفي مع طروحات البنيوية بميراثها القديم الذي تمتلكه وليس بجديد استحدثته المواجهة مع البنيوية. بمعنى كل عظمة البنيوية كفلسفة شمولية رافقت ما بعد الحداثة عالجت الكثير مما عجزت عن معالجته الماركسية والوجودية الا انها أخفقت أن لا يكون لتلك الفلسفتين حضورا لم يستطع يدّخره تاريخ الفلسفة في طي النسيان. أفكار الفلسفة وغير الفلسفة بعضها لا يموت في تقادم الزمن عليه. ومن هنا لم تمت الماركسية تاريخيا ولم تمت الوجودية ولا البنيوية فلسفيا.

من جانب آخر أعطت البنيوية بما تمتلكه من فضاءات فلسفية الحرية التامة لفلسفات نشأت وتغذّت (فضاء) الحرية في الاجتهاد الذي حملته، فهي أعطت المجال لفلسفة اللغة وعلوم اللسانيات أن تاخذ مجالها الحيوي في المتراكم الذي بقي متعالقا بها مثل فلسفة العقل ونظرية المعنى والتحول اللغوي والتحليلية المنطقية الانجليزية، والتحليلية التجريبية المثالية عموما وهكذا.

مع كل هذا لم تتمكن تلك التيارات الفلسفية زحزحة وأخراج الفلسفة البنيوية من حضورها الدائم في المشهد الفلسفي الذي كان له تاثيرا قويا في فلاسفة القارة الاوربية والاميركان الذين كانوا قبل ظهور الفلسفات الفرنسية المتعاقبة طيلة القرن العشرين، كان سابقا محذورا عليها من منطلق تداخل فلسفي غير ايديلوجي مجرد التفكير بمنازلتهم تيارات فلسفية فرنسية يثير اليأس والقنوط في انعدام الندّية لفلسفات فرنسا الدخول في معترك المواجهة مع اولئك الفلاسفة وتياراتهم الفلسفية..

خير دليل على ذلك هو في عجز التاويلية والتفكيكية والتحليلية الانجليزية بكل ثقلهم المتفرد لم يتمكنوا القضاء على المنطلقات الفلسفية البنيوية التي تمكنت أزاحة كل من الماركسية والوجودية عن طريقها بمعنى التنحية في ملء الفراغ وليس بمعنى أماتة تلك الفلسفتين كمرجعيتين قارتين دائمتي الحضور التاريخي بالفلسفة والفكر المعرفي الاستراتيجي الى اليوم.

ما قامت بانجازه فلسفة اللغة واللسانيات في التحول (اللغوي) قامت به البنيوية في مجال التحول (الفلسفي) بكفاءة ومقدرة ولم يكن سهلا مواجهتها في المزاحمة. رب أعتراض وجيه يقول البنيوية في أستحواذ فلاسفتها العظام على المشهد الفلسفي وأحتكارهم له جعلت من التشتيت والتبعثر في مباحث الفلسفة مسألة مفروغ منها. وهذا لا يقلل من منجز البنيوية الذي أضطلع تنفيذه عمالقة فلاسفة القرن العشرين سوسير، شتراوس، التوسير، فوكو، لاكان، وبياجيه، وبارت، ديلوز، وريكور وغيرهم من الذين دأبوا على أن لا يكرر أحدهم الاخر ولا يعتاش أحدهم على فلسفة الاخر والسبب هو الفضاء المفتوح الواسع الذي فتحت البنيوية الفرنسية أبواب آفاقه الفلسفية الذي أثّر في فلاسفة الانجلو سكسونية في عقر دارهم،. أخذت فلسفات عديدة مركزية التحول اللغوي وبنوا عليه العديد من المسارات الفلسفية التي وصلت الى قلب الجامعات الامريكية التي أستقبلت المنجزات البنيوية الفرنسية على مضض نقدي لم تهضمه. وهو ماحصل مع ريتشارد رورتي، جلبرت رايل الانجليزي، وراسل ومور ووايتهيد وجون سيرل، وسانتيانا وكارناب وغيرهم. فهؤلاء جميعا وغيرهم كانوا منقادين لفلسفة اللغة والعقل والوعي الفرنسية ولكن بحذر شديد تحدوهم رغبة الاحتواء لتلك التيارات الفلسفية الفرنسية وليس الانقياد خلفها.

لذا تعامل الفلاسفة الاميركان مع صرعات وتيارات الفلسفات الفرنسية على أنها ليست أكثر من موضات مآلها الاندثار والتراجع عن أمتلاكها بريق الفلسفات الاولى الجديدة لمرحلة تاريخية طويلة. وكذا الحال جرى مع تصورات فلاسفة التحليل الانجليز محاولتهم استيعاب فلسفة اللغة في عدم الانقياد وراءها وفشلت.

عديدة هي التيارات الفلسفية التي عاشت على هامش مركزية البنيوية لعل أبرزها التاويلية والتفكيكية والعدمية والتحليلية وغيرها. في تداخلها مع ما قامت به البنيوية فتحها ابواب فلسفة اللغة والتحول اللغوي ونظرية فائض المعنى اللغوي على يد دي سوسير وبياجيه ورولان بارت. انها أي البنيوية وجدت نفسها ستضّيع مساراتها الفلسفية المتعددة الكبرى لذا نجد أبرز فلاسفتها أهتموا بمباحث فلسفية أخرى لا تقوم على مركزية الدوران حول فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات وأن لم يهملوها تماما.

لعل فوكو وشتراوس ولاكان والتوسير خير أمثلة على أنهم لم تستوعبهم فلسفة اللغة وصرف أنتباههم عن مشاكل وقضايا فلسفية تحسب للبنيوية الريادة لها بامتياز. فقد كان أهتمامهم بالسرديات الكبرى ونقدها، والانثربولوجيا والحفر الاركيولوجي، ومراجعة أفكار فرويد في علم النفس، ومعنى القراءة الجديدة للنص، وقضايا عديدة جميعها لم تشتغل على مركزية تحليل اللغة بما يصرف ويشتت الانتباه والجهود الفلسفية معالجة قضايا فلسفية كبرى جديدة على تاريخ الفلسفة طرقت ابوابها الفلسفة البنيوية وفتحتها أمام الاجتهاد الفلسفي عالميا.

البنيوية التي فتحت آفاق فلسفة اللغة وما يتعالق معها من فلسفات متداخلة، وجدت نفسها أمام مسؤولية رد الاعتبار وتخليص ما سيعقبها من فلسفات غاطسة في فلسفة المعنى واللسانيات، لذا نجد البنيوية حين تجنبت الغرق في قضايا فلسفة اللغة، أنما أرادت من غير وعي ولا قصد منها تجنيب فلاسفة مابعد البنيوية السقوط في مستنقع نظريات اللغة الذي اغرق تلك الفلسفات العديدة ولم تستطع الخلاص منه. وأول من التزم هذا النهج هي البنيوية ذاتها حين وضعت فلسفة اللغة والتيارات الفلسفية المعتاشة عليها جانبا وأهتمت بقضيا فلسفية كبرى لم يكن الدوران حول مركزية تحليل وتفكيك وتاويل اللغة من بينها أو يهمها كفلسفة مركزية أولى رغم أقرار معظم فلاسفة القرن العشرين أن فلسفة اللغة والتحول اللغوي ونظرية المعنى، وفلسفة العقل واللسانيات والتحليل اللغوي هي الفلسفة الاولى طيلة عصر القرن العشرين والى اليوم بلا منازع.

حين أفل نجم فلاسفة البنيوية بعد وفاة العديد منهم وجدت الفلسفات التي كانت تعتاش على هامش التنظير البنيوي الفلسفي أنها أصبحت هي المهيمن والمرتكز الذي تدور حوله بقية التيارات الهامشية لكنها فشلت في مقدمتهم تأتي التاويلية والتفكيكية والتحليلية والتاريخانية وغيرها كفلسفات حاولت شغل كرسي المركز أن تكون محاور لهوامش فلسفية تتبعهما ولم تجد نفسها بالنتيجة أكثر من فلسفات وحيدة متباعدة في المحصلة النهائية أخذت طريقهما الفلسفي الآفل.

ثمة وجه مقارنة يحضرنا هنا حين أرادت البنيوية التمرد أن لا تكون هامشا يدور حول مركزية الماركسية أو الوجودية، ولا تابعا فلسفيا زائلا في عدائها الشديد لكل منهما،، فماذا كانت النتيجة؟ النتيجة بقيت تشير بوضوح الى أن الافكار العظيمة لا تموت ولا تندثر ولا يزول تاثيرها بالحاضر والمستقبل. من الملاحظ أن البنيوية كما هي الماركسية والوجودية لم تنطفئ شعلتها لتوقد بضيائها طغيان فلسفة اللغة والتحول اللغوي ونظرية المعنى وفلسفة العقل واللسانيات بمجموعها.

مسار التحول اللغوي الذي بدأ مطلع القرن العشرين والذي ساهمت البنيوية فيه على يد دي سوسير، قابلته البنيوية بمعالجة قضايا فلسفية كبرى جديدة بعيدا عن مركزية اللغة الذي لم تستطع هضم الفلسفة البنيوية في تعدد اشتغالاتها خارج فلسفة اللغة. ومختلف الاتجاهات الفلسفية اللغوية التي ملأت القارة الاوربية ووصلت الجامعات الامريكية غالبيتها تم تفريخها في مفقس البنيوية الفرنسية تحديدا. ولم تمت افكارها الفلسفية الجديدة لحد الآن.

 

علي محمد اليوسف/الموصل

 

محمد كريم الساعديإنَّ الحاضر اليوم يميز لنا أهمية التاريخ في دعم أحداثه ووقائعه للهويات الجماعية وكيفية إسهامه في تمركزها من خلال التطابق الذي أنتجته الجماعات في ذوات استلهمت التاريخ وعملت على توظيفه لصالحها . وللتاريخ دور في طبيعة التمركز حول الذات والتمايز عن الآخر الذي أصبح جزء من عملية تشكيل وعي الذات المؤسسة وابتكاراتها وطريقة أنتاجها للتاريخ من أجل التفوق على الآخر ثقافياً .

إنَّ أستخدام التاريخ في مجال القصديات لبناء الهوية التاريخية، فإن للقائمين على كتابة التاريخ دور في عملية صنع التمايز بين الذات لدى الجماعات التي حاولت أن تصنع هويتها التاريخية في الضد من الآخر الذي تميز عنها بالتناقض عن ثقافتها ومعارفها لذلك فقد جُعل هذا الآخر المميز للهوية وذواتها المنحاز لها في تشكيل صورة للتفرقة في ضوء الفهم التاريخي لهذا التمايز، وهنا يتشكل التاريخ من معرفة قلقة بين الذات والآخر المناقض لها .

فالتاريخ يطابق ويناقض، فالمطابقة تقع بين الذات وتاريخها ويتناقض تاريخها في صورته مع الآخر. ومن هذه الحركة المستمرة في العلاقية بين الذات والآخر نتجت حركة التاريخ في التمايز بينهما في ضوء معطيات هذه الحركة في اختلاف الأثنين . إنَّ الذي ينظر الى التاريخ بوصفه وقائع من الممكن أن تنتهي في نهاية وقوعها فهو في الفهم الخطأ، لأن التاريخ في ظاهره وقائع وأحداث ومدونات، لكنه أيضاً يد ممتدة الى الحاضر يمكنها أن تغير، أن تصلح، أو أن تعبث في واقعنا الحالي خصوصاً إذا كان التاريخ قد دوّن بطريقة مشوهه. فالتاريخ قد يسهم في تمزيق أمة، أو يسهم في انطلاقها نحو المستقبل أفضل إذا ما استلهمت التجارب الحقيقية والفعالة منه . فالتاريخ ليس فقط مدوّنة، بل أفق يمتد من الماضي الى الحاضر، كما يرى المنظر الألماني (هانز جورج غادامير) في نظريته القائمة على أساس (الأفق التاريخي) الذي يؤكد فيه على أن الأفق التاريخي لا يكتمل " خارج زمانية الكائن التي تسمح باندماج الأفق الحاضر بالأفق الماضي فتعطي للحاضر بعداً يتجاوز المباشرة الآنية ويصلها بالماضي، وتمنح الماضي قيمة حضورية راهنة تجعلها قابلة للفهم "(1). إنَّ الافق التاريخي الممتد الى الحاضر فيه الكثير من ملامح عدم الأستقرار للحاضر ذاته، إذا كان قد بني على أساس من القلق التاريخي في أبنيته صاحبة الأحداث المختلفة المتقصدة في الاستخدام،والتاريخ القلق ينتج صوراً مشوهه وقلقة في الحاضر، والعكس صحيح أيضاَ، لكن عملية الصراع وصور التمايز بين الذات والآخر جعلت التاريخ يقع في أطار قلق وليس مستقر مما ولّد هذا القلق صراع مستمر من أجل الهيمنة والسيطرة والإخضاع لأحد طرفي الصراع . وعملت الذات المؤسسة للفكر الغربي على إعادة إنتاج دلالات خاصة بها من أجل الوصول الى سمة التمايز المتخيل في داخلها من أجل بث روح التفاضل عن كل ما يحيط بها من اختلافات تتعارض مع هويتها المتجذرة في البناء المتمايز عن الآخر، والسعي من أجل تثبيت هذه المرتكزات في الذهنية الغربية، وأقامت صورة التمايز " على إعادة إنتاج مكونات تاريخية، توافق رؤيته، معتبراً إياها جذوراً خاصة به، ومستحوذاً في الوقت نفسه على كل الإشعاعات الحضارية القديمة، وقاطعاً أواصر الصلة بينها والمحاضن التي احتضنت نشأتها، الى ذلك تقصّد ذلك المفهوم، أن يمارس إقصاء لكل ما هو ليس غربياً،دافعاً به خارج الفُلك التاريخي الذي أصبح (الغرب) مركزه، على أن يكون مجالاً يتمدد فيه، وحقلاً يجهّزه بما يحتاج اليه"(2) إنَّ فكرة الاستحواذ على الآخر معرفياً فكرة هدفها الوصول الى بناء التفوق على حساب التعايش الحضاري، فإن جعل كل ما للآخرين من معاني حضارية تنسب للذات المؤسسة من خلال الاختلاق التاريخي للمنجزات التي ليست للذات نفسها، بل قد وجدت من قبلها لحضارات أخرى كما في مواضيع مهمة مثل البدايات الفكرية والفلسفية التي أعتبرها البعض ممن يدرسون التاريخ أن للإغريق قصب السبق بذلك رافضين كل البدايات الفكرية وأنواع التفلسف الأخرى في الحضارات التي سبقت الإغريق  في ذلك، هو من دلائل الاختلاق التاريخي في العقل الغربي ونسبه لحقائق هي ليست له في مجال البدء في الظهور في هذا المجال . وكذلك أنكار ما للفلاسفة المسلمين من دور في ترجمة ونقل الإرث الحضاري الفلسفي اليوناني وبث الروح فيه بعد أن كان قد أهمل من أبناء الحضارة الغربية في ما بعد الفترة الرومانية، وكذلك أنكار العديد من الإضافات التي قدمها الفلاسفة في الحواضر الإسلامية للفلسفة وجعلها فقط للإغريق دون غيرهم، كل هذا يدل على عملية اختلاق لتواريخ خاصة فقط بالمرجعيات الغربية والتي تعد الفترة الإغريقية نقطة التمركز لديهم في مجال التفوق التاريخي على الآخر في الحضارات السابقة. ومن هذا الاختلاق التاريخي الذي وضع في سياق جعل من خلاله كقاعدة للتمدد الحضاري للغرب على الآخرين في بقاء العالم الأخرى، ليبرروا أن الحضارة في الغرب فقط وما هذه القاعدة الفكرية والمعرفية في الغرب الأ اشعاع فكري مبني على أسس وقواعد التفوق التاريخي الذي يميزهم عن باقي مناطق العالم الأخرى وهنا تكمن الغائية التاريخية في هذا المجال .أما باقي الحضارات فهي كانت شعوب بدائية لم تحقق ما يرجو منها قياساً لحضارة الغرب الإغريقية . وهذا ما يؤكده الفيلسوف (برتراند رسل): " إنَّ الحضارة اليونانية حضارة متأخرة بالقياس الى حضارات العالم الأخرى، إذ سبقتها حضارتا مصر وبلاد ما بين النهرين بعدة ألوف من السنين . ولقد نما هذان المجتمعان الزراعيان على صفاف أنهار كبرى، وكان يحكمهما ملوك مؤلهون، وأرستقراطية عسكرية، وطبقة قوية من الكهنة كانت تشرف على المذاهب الدينية المعقدة التي تعترف بآلهة متعددين . أما السواد الأعظم من السكان فكانوا يزرعون الأرض بالسخرة. ولقد توصلت مصر وبابل الى بعض المعارف التي أقتبسها الإغريق فيما بعد، ولكن لم تتمكن أي منهما من الوصول الى علم أو فلسفة . على أنه لا جدوى من التساؤل في هذا السياق عما إذا كان ذلك راجعاً الى افتقاد العبقرية لدى شعوب هذه المنطقة، أم الى الأوضاع الاجتماعية، لأن العاملين معا كان لهما دور بلا شك "(3). إنَّ رؤية (رسل) أن مصر وبابل قدمت معارف لكنها لم تصل الى علم أو فلسفة كما حصل مع الإغريق الذين أخذوا المعارف ووظفوها في علومهم وفلسفتهم وأصبحت تنسب لهم دون غيرهم في مصر وبلاد ما بين النهرين الذين عملوا على اكتشافها قبلهم . ويتضح جلياً مفهوم الاختلاق التاريخي ونسب الحقائق الى غير أصحابها من خلال ممارسة الأقصاء على كل ما هو غير غربي ولا ينتمي الى الإغريق، ويبرر الأقصاء التاريخي لأبناء الحضارات الأخرى بمسألة عدم وجود شعوب عبقرية من جهة، أو لأسباب أجتماعية دفعت أبناء تلك الشعوب للابتعاد عن دائرة الحضارة، أو بسبب السلطة الدينية المسيطرة ومن قبل الكهنة، أو سطوة الحكام الذين يؤلهون أنفسهم في أعين شعوبهم . وهذا ما أشار اليه (هيغل) ومن قبله  (أرسطو) سابقا في مسألة الأستبداد الذي يعيشه المواطن الشرقي، والذي ابعده عن دائرة التفوق والحرية في أنتاج معارف سامية من الممكن أن تتنافس مع الحضارات الأخرى حسب رأيهم .

إنَّ التمايز عن الآخر أصاب الذات الغربية بهوس التفوق حتى بات من الصعب توضيح التاريخ الحقيقي لتحديد هوية الذات المؤسسة التي اختلطت فيها العديد من إنجازات أخرى قد لا تكون دليلاً كافياً على مرجعياتها الثقافية والفكرية ،لأن التاريخ الغربي بات يخفي الكثير من الوقائع التي تفضح أساليبه ويغطي عليها بأمور أخرى ثقافية ذات أبعاد تاريخية غريبة عنه، أو أخذها عن غيره كما في قول (رسل) السابق: أن بعض انجازات بلاد ما بين النهرين وبلاد مصر قد أخذتها الحضارة الإغريقية، وتمثيلها في حضارته ونسبتها لها كما في علوم الفلك وبعض المكتشفات الأخرى في مجالات الزراعة، أو الطب وغيرها، والتاريخ الغربي تاريخ يخفي الكثير من انجازات الأمم الأخرى، " أي أن تاريخ الغرب وكيفية تشكله يخفيان في طياتهما خبايا كثيرة، وجب فحصها ونقدها، لكشف التسترات التي قامت بها الذات الغربية وفضحها، وقصد ملامسة حقيقة الغرب،أو على أقل تقدير الاقتراب منها. (...) ولما كان الغرب مفتتنا بمفهوم القدر التاريخي الفريد الذي يراه في نفيه، كما كان مفتتنا بفكرة السيطرة العالمية والتوسع، قام بعملية تمثيل فكري للحضارات الأخرى ولم يستطع تقبل فكرة الأختلاف عن الآخرين "(4)، كونهم من المنافسين له وأن مشاركتهم في الحضارة لها حضورها في الوعي الجمعي لدى أبناء الشعوب، وعمل الغرب على ابتكار المفاهيم الخاصة بتمثيل فكري لإنجازات الحضارات الأخرى في حضارته ونسبها بعد أن عدل وطور فيها لصالحه .

 

أ. د. محمد كريم الساعدي

.....................

المصادر

1- بوفير: الفلسفة الألمانية الحديثة، ترجمة: فؤاد كامل، بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1986، ص86.

2- د عبد الله إبراهيم: المركزية الغربية، بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،2010، ص11، ص12.

3- برتراند رسل: حكمة الغرب، ترجمة فؤاد زكريا، الكويت: عالم المعرفة، 2009، ص 28.

4- منير مهادي: نقد التمركز وفكرة الأختلاف، مقاربة في مشروع عبدالله إبراهيم، الجزائر: ابن النديم للنشر والتوزيع، 2013، ص51.

 

 

حسين علاويتعتبر الأسطورة مفتاح الإيمان ولغته، وعقل وصياغة التفكير الديني.. وهي سابقة على الذهنية الفلسفية والتفكير العلمي.. فهي كانت وما زالت تلعب دوراً مهماً في صياغة الفكر وإدارة الحياة العملية للإنسان، وذلك من خلال الإجابة على أسئلة الكون، وما فوق الطبيعة (الميتافيزيقيا)، والمجتمع وعلم النفس.. فهي مستودعاً للقيم الاجتماعية والثقافية.. وخزين معرفي مبكر للبشرية.. ورغم ما فيها من خرافات إلّا أنها تمنح سلالة الطقوس الدينية وتقاليد العبادة في المجتمعات القديمة نماذج غنية بالأفكار.. ونظرة الإنسان إلى الأسرار الكامنة في الكون، والأمور الغامضة في الحياة، وقد نجد أن الدين والأسطورة هما صنوان متلازمان في الفكر الغربي، بل والعربي السائد.. ورغم أن العقل يُدين الأسطورة، ويُقصيها ويطاردها، ويتخذ موقفاً سلبياً منها، وينفي ويسلب الحقيقة والمطلق منها، ومن ناحية أخرى يتوسل إليها لتبيين الحقائق والكشف عن الأسرار الدفينة في الماضي، وما يستجد في المستقبل، ولا يرى بدّاً منها في معرفة تفسير الكثير من الحقائق في الماضي..

ويعتبر (هيجل) الأسطورة حقيقة لا مفر منها، وهي تعبير عن مرحلة تاريخية وواقعية من الفهم المترابط والمتواصل للحقيقة، ولها صلة بالزمان والمكان ومدى قدرة الإنسان على صور التعاطي مع المفاهيم والاعتبارات المركّبة والمعقّدة.. (هيغل والمثالية المطلقة، ص143، ترجمة: زكريا إبراهيم)

ويعتبر (ريكور) أن الأساطير الدينية الأولى أعطت معنىً قادنا إلى التفكير للخطيئة الأصلية في أسطورة (طرد آدم وحواء من الجنة).. التي تمثل حجر الزاوية في المفاهيم اليهودية والمسيحية والإسلامية.. وهي مجموعة التصورات الدينية المروية، التي تعتمد في حكيِها على الأحداث الأولى المؤسِسة، والتي تهدف من خلالها إلى تأسيس الفعل الإنساني، وبشكل عام تجليات الفكر الإنساني كلها، التي يستطيع من خلالها الإنسان فهم ذاته أمام العالم كله.. (أنظر: الهرمنيوطيقيا الفلسفية وهرمنيوطيقيا النص الديني عند بول ريكور، مصطفى العارف، ص128-129).

ويعتبر عالم النفس (يونغ) أن الأساطير هي محددات رئيسية للتطور البشري، والتي تجسد شكلاً متقدماً من الغرائز، وتؤلف نموذجاً من التنظيم البيولوجي لاشتغالنا النفسي، فإذا قلنا: (الإله) فإنما نعبر عن صورة أو مفهوم لفظي قد تعرّض إلى تغيير كثير على مر الزمان.. ولكننا لا نستطيع القول بدرجة من اليقين إلّا أن يكون ذلك عن اعتقاد أو إيمان (أنظر: الدين والأسطورة، محمد مصطفوي، ص66).

ويتساءل (آرنست كاسبرز): هل الأسطورة تنشأ من قدرة الذهن على التخيّل، أم إن جذورها تكمن في الشهود الواقعي..؟ وهل تكشف عن المرحلة البدائية للمعرفة البشرية والإيمانية، وترجع إلى العقل..؟ أم إنها تتعلق بدائرة الانفعالات العاطفية وتنشأ من الإرادة البشرية..؟

ويكون الجواب: أن العنصر الأساسي الذي له حضور عن كل أشكال الثقافة ويؤدي إلى تشابه الثقافات الأسطورة.. ويرفض تحولها إلى أمر خرافي وغير واقعي.. لأن الأساطير هي من بدأت تروي قصة الخلق وتبيّن كيف نشأ العالم.. وإن الفكر الأسطوري والفكر الديني في العقيدة اليهودية هو من جعل ذات الله وقدرته ترتبط (بإسمه).. بل إن أسماء الله هي التي تحاكي ذات الله وصفاته (أنظر: المصدر السابق، ص42-43).

فالأسطورة لها صلة قوية بالدين والإيمان بالله.. وهي جزء لا يتجزأ من الحضارة الإنسانية، ولا ينبغي اعتبارها قصصاً خرافية وواهية.. وحكايات عادية.. بل إنها تؤدي وظيفة اجتماعية أساسية ترتبط بطبيعة العقائد والتقاليد، وباستمرارية الثقافة، وبالموقف الإنساني من الماضي، ومن عبادة الإنسان.. والأسطورة هي حقيقة اجتماعية تفسَّر بها ومن خلالها قضايا ومسائل اجتماعية أخرى، بما فيها الدين والمعتقدات البشرية على مر التاريخ..

وقد عرّف (الياد ميرسيا) الأسطورة: بأنها تاريخ حقيقي وقع في بداية الزمان، ويستعمل نموذجاً للمسائل البشرية.. وإن الرمز هو المقدس عينه، في حين أن تجلياته هي صورهُ وأشكاله المتعددة والمتباينة.. والتجلي يكون في الحجر والصخرة والنصب والوثن.. أما الرموز فهي تجسيد للألوهية، وليس علامات تعسفية، معلقة في الفراغ، فالديني مهما كان بدائياً أم متمدناً، فهو حتماً يفكر بواسطة الرموز، وهو ما يزكيه (مارسيل موس) معتبراً أنه لا يمكن فهم مغزى أي صلاة، إذا لم يعترف بفاعلية الكلمة.. وإنّ أكثر هذه الرموز موجودة في الأديان الكبرى، حائط المبكى، تماثيل وصور المسيح، مكة... وغيرها. (أنظر: الياد ميرسيا، الحنين إلى الأصول في منهجة الأديان وتاريخها، ص17، 23.

فالأسطورة فضاء من المرويات والألغاز والمعاني، وكون من الآيات.. ولهذا تفسر لنا كل حدث، وتجيب على كل سؤال.. فلا شيء يبقى دون تفسير ما دمنا نعتقد بأنَّ لكل شيء في الكون دلالاته ومغزاه، وما دمنا نقرأ في كل ظاهرة طبيعية توقيع القوة العلوية التي تدير العالم وتدبّره.. وما دمنا نرى في كل حدث تاريخي سراً من أسرار العالم الإلهي.. فالأسطورة كانت وما زالت شريعة للتحليل والتحريم.. وثقافة لخلق الإنسان، ولبداية ونهاية الكون.. وهي التي أعطتنا الاعتقاد والبرهان على الغيب والقول بالإيمان.

 

حسين علاوي

 

علي محمد اليوسفهل المنهج ضرورة معرفية تلازم الباحث بالتفكير ومعالجته لقضية أو مشكلة هي قيد الطرح والمناقشة والتجاذب التنظيري المختلف بشأنها؟ مالمقصود بمنهج البحث؟ وهل منهج البحث في العلوم الانسانية هو نفسه منهج البحث العلمي الطبيعي؟ هل منهج التفكير يقي الباحث ويجنبه الانزلاق نحو/ في التشتت التفكيري المليء بالاحتمالات ووجهات النظر المتباينة المختلفة التي تعتورها الاخطاء وتفتقد معيارية المرجع اليقين؟ حينها تكون المادة البحثية أو القضية التي يتم تناولها المعرفي والنقاشي تفتقد الرؤية التفكيرية الممنهجة في رغبة الوصول الى تثبيت حقائق مرسومة سلفا في ذهن الباحث ولا يحققها له غير منهج تناولها التفكيري. كي تخلص قراءة كل نقد لا منهجي من الضياع الفكري المشتت في ثنايا الموضوع المراد بلوغ حقائقه اليقينية.

كل منهج تفكيري هو وعي قصدي عقلي في الوصول لهدف مرسوم سلفا في الفكر قبل أعتماد وسيلية المنهج القائم على قواعد وضوابط وأحكام خارجية تحضر كقوالب أحتواء التفكير العقلي لا يحيد عنها التوزيع المعرفي الممنهج كما هو في قانون وحدة الاواني المستطرقة الفيزيائية.. بمعنى أحكام وقواعد التفكير لا يمكنها الخروج على ما هو معد سلفا لها في تطويعها لما يراد صبّه فيها من منهج.

ومنهج التفكير الفلسفي كان مطروحا ومارسه غالبية فلاسفة اليونان قبل سقراط وبعده وصلنا في أبرز قطبين كانت افكارهما تتسم بالمنهجية الاستقرائية والاستنباطية التي تقود الى قناعات لم تكن موضوعة محتواة خارج تفكير الفيلسوف الوصول لها، كما هو حال أختلاف منهج افلاطون عن ارسطو من حيث الاطار العام وليس من حيث التفاصيل التي يكمن فيها الانزلاق نحو اللامنهج كقالب يمتلك محددات صارمة في الاحتواء. فقد تكون الاطر العامة هي الغالبة في تحديد منهج التفكير ولا تمتلك التفاصيل غير الاجتهاد البحثي الانطباعي الفردي الذي ربما يكون لا ينسجم بالتبعية المنهجية عن الاطار العام للمنهج البحثي.

المنهج الذي يعتبره الباحثون الفلاسفة هو مجموعة القواعد والاحكام والاساليب التي تقود الوصول الى حقيقة الشيء هي محددات خارجية منهجية في اطارها العام لكنها لن نجدها تدخل تفاصيل المبحث قيد الدراسة المنهجية. لذا يكون المنهج اطارا عاما فقط وتغلب على معظم التفاصيل الداخلية الاجتهاد الفكري للباحث ورؤيته النقدية الانطباعية الخاصة به لا بالمنهج..لا يوجد منهج يحكم الموضوع أو قضية البحث في مجمل اطارها العام مع تلازم منهج محتواها.

ديكارت والمنهج

أول من أثار أهمية المنهج في مبحث الفلسفة الحديثة على اساس يقوم على الشك الذي يقود الى الحقيقة الصائبة اليقين هو ديكارت في القرن السابع عشر في كتابه (مقال في المنهج) الذي أصبح ايقونة فلسفية في عصره وفيما تلا عصره ايضا وفيه يجيب ديكارت على سؤال مالمقصود بالمنهج قوله " المنهج جملة قواعد مؤكدة، تعصم الالتزام بها ومراعاتها ذهن الباحث من الوقوع في الخطأ، وتمكنه من بلوغ اليقين في جميع ما يرغب معرفته دون أن يستنفد قواه في جهود ضائعة"1.

وربما سبقه بهذا التوجه بيكون في كتابه الاورجانون عام 1630، والفرق بين الاثنين هو أحدهما ديكارت كان يبحث عن المنهج التفكيري الفلسفي العلمي على نطاق منطق الفكر التجريدي فلسفيا، وليس كما سعى له بيكون في رغبته الجامحة أن يكون منهج كل تفكير يروم تحقيق هدف علمي تطبيقي يخدم الحياة يكون مصدره هو العقل لا غيره. ومات بيكون كما هو معروف في اصابته بنزلة برد قوية اثناء تتبعه نتيجة تجربة علمية قام بها حين دفن دجاجة ميتة منزوعة الريش واحشائها الداخلية تحت الثلوج في سعيه البرهنة على أن درجة الانجماد تمنع تفسخ الخلايا العضوية للكائنات الحية. كما هاجم بيكون فلاسفة اليونان وسخر منهم وأعتبرهم اناسا لا شغل يشغلهم غير تصفيف الكلام المجرد المنطقي الذي لا علاقة تربطه بمعنى الحياة وفهمها فهما عمليا، وأعتبر مباحث الفلسفة التي لا تعتمد المنهج العلمي هي مضيعة للجهد والوقت.

ويعتبر مؤرخو الفلسفة أن كتاب ديكارت مقال في المنهج هو الذي خلد اسمه كفيلسوف متفرد في تاريخ الفكر الانساني عبر العصور، والكتاب لم يولد من فراغ بل جاء رد فعل على ما وجده بعصره "ماكان شائعا في زمانه من أختلاف في الاراء بين العلماء والفلاسفة ورجال اللاهوت، حين وجدهم يتخبطون في بحوثهم وأنظارهم ويسيرون فيما يشرعونه على غير هدى دون أن تكون لديهم خطة مدروسة مرسومة أو منهج محدد واضح " 2.

من المهم التنويه الى أن بذرة الشك المنهجي التي زرعها ديكارت لم يكن منحازا فيها تماما ناحية تجريب العلم المعرفي كما فعل بيكون، بل اراد من خلال المنهج خلق نوع من التوليفة التكاملية المفتعلة بين الفلسفة والعلم والدين، واراد ارضاء الجميع على حساب تغييبه منهج العلم بالتفكير الذي يقوم على الواقع وكيفية الوصول الى نتائج قطعية في المباحث العامة. بمعنى رغم النزعة العلمية التي نادى بها ديكارت في المنهج بقيت معلقة على مستويين الاول قطيعته مع اللاهوت الديني وقضايا الميتافيزيقا عموما، والثاني تقاطع المنهج الديكارتي على صعيد الفلسفة مع منهج التجريب العلمي التطبيقي بالحياة.

يترتب على هذا الايجاز الديكارتي حول تعريفه المنهج عدة تساؤلات نحاول طرح بعضها ليست كمسلمات تدحض المنهجية الشكية عند ديكارت فهذا ليس من مهام هذه الورقة بل تحدونا الرغبة الاجابة الصائبة الصحيحة عن سؤال هل المنهج في قواعده وأحكامه قابلا التطبيق الميداني في عمل الفكر المعرفي عبر العصور بكل تنوعاته أم لا؟ وهل بالامكان أعتبار مساواة معنى أحكام المنهج تسري على الافكار الفلسفية المجردة، تماما كما تجري في تجارب العلوم الطبيعية؟ أم لكل منهما منهجه الخاص به المتلازم مع خاصيته المعرفية. لم يكن مثل هذا التمييز ماثلا في ذهن ديكارت في دعوته لمنهج الشك و رغبته دمج علم الرياضيات بمواضيع الفلسفة.

قلنا في أسطر سابقة أن المنهج كما فهمه بيكون هو تفكير العقل التجريبي في ارساء حقائق واقعية تطبيقية بالحياة ولم يهتم بيكون بالنزعة المنطقية للفلسفة على حساب العلم. بيكون اراد أن يكون الموضوع هو ما يستحث منهج معالجته الخاص به، ولم يعتبر الاحكام والقواعد المنهجية أدوات بحثية ليست متداخلة تماما مع موضوع تناولها. وصول منهج العلم لحقائق يقينية لا يمكن دحضها لا كما في النظريات المجردة في منهج وضع أحكام قبلية مسبقة على الباحث أعتمادها في الوصول الى حقائق بحثه على مستوى الفكر المجرد لا تقبل الدحض النقدي وهو ما فهمه تعبير ديكارت من المنهج القائم على الشك بكل شيء لا يقبله العقل كبديهيات معرفية واضحة اكتسبت صدقيتها من تجارب الحياة التي لا تقاطع العلم ولا الدين..

ديكارت اراد المنهج وسيلة اتصال لاعتماد ماهو بديهي واضح بالحياة لا يناقض العقل ولا يقاطع اللاهوت. ولم يكن يدعو لاخضاع كل شيء لمنطق تجريبي علمي صرف لتدارك تحسبه من الوقوع في تقاطع حقائق العلم التجريبي بالضد من ميتافيزيقا اللاهوت الذي كان من محرمات الفلسفة.. .

ميزات المنهج الفلسفي

- الشك الملازم لكل موجود لا يفرض على الباحث منهجا محكمّا بقواعد وأحكام مسبقة هي غير المنهج الانطباعي الذاتي على مستوى الفكر النظري فقط الذي يحمله الباحث كمعرفة قبلية ليست فطرية بل تراكم خبرة مكتسبة. في تناوله موضوعا معينا قابلا للنقاش في تعدد القراءات لكل مادة قيد التناول المنهجي النقدي، الشك ليس بداية ضرورية في تطبيق قواعد منهجية كي لا تذهب بالباحث اراؤه مذهب التشتت التفكيري واستنفاد الجهد الضائع من الوصول الى حصيلة يتوخاها الباحث من تناوله لموضوع هو ملكية مشاعية لكل من يستطيع الدلو بدلوه فيه، بل المنهج في كل الاحوال فعالية نقدية يحدّها التفكير العقلي ولا تقولبها القواعد والاحكام اللاواقعية غير الملزمة التطبيق. والمنهج التنظيري هو غيره المنهج التطبيقي.

عليه يكون المنهج في مباحث المعرفة هو بداية تفنيد كل خطأ يرد بصورة وشكل قضية فكرية مطلوب مناقشة أعتلالها الخاطيء. هنا الخطأ بالاشياء والظواهر هو يقود الشك كلازمة، وليس الشك وحده يقود اكتشاف الاخطاء المحجوبة عن الادراك. الشك يلازم كل شيء يدركه عقل الباحث، وليس كل شيء يلازمه الخطأ. ولا يشترط الانطباع النقدي الذاتي للباحث غير الممنهج على أسس وقواعد ملزمة وتوفره على أحكام واجب تطبيقها هي غير الانطباعات النقدية الذاتية. بمعنى الشك بحد ذاته يمثل منهجا مستقلا بالتفكير لا يحتاج قواعد (قبلية) خارجية توجب السير بمقتضاها للوصول الى دحض كل شك يلازم قصدية الوصول لحقيقة قضية معينة..

الشك هو معالجة كيفية (نوعية) في مراجعة كل قضية معرفية تحمل أخطاءها قبل التزامها توافر قواعد المنهج في معالجتها. مثال ذلك منهج ديفيد هيوم الشكي هو غير منهج ديكارت الشكي وهكذا الحال مع أكثر من فيلسوف تناولوا مباحث مشتركة تتوزعها بينهم رؤى مختلفة لا يحكمها المنهج كقواعد. مثل سبينوزا ومالبرانش وباسكال على سبيل المثال. فالمنهج المثالي بالتفكير عن هؤلاء الفلاسفة وعديدين غيرهم ليس واحدا ولا متشابها، مما يجعل من منهج البحث ليس مجموعة أحكام وقواعد تلغي جهد الباحث، وهذا يصدق على منهج العلم التطبيقي ايضا الذي نفترض فيه الحيادية الموضوعية التي تحكمها التجربة العلمية وليس رغبة الباحث.

الخطأ المعرفي أيا كان مصدره يكون محط نقد انطباعي ذاتي قبل استخدام وسائل تفنيده منهجيا. وتلعب ذاتية النقد الانطباعي دورا ليس في أهمية أسبقية تناول تصحيح أخطاء قضية معرفية فكرية معينة وحسب بل في أعتماد الباحث مكتسبات الخبرة المعرفية المخزّنة لديه قبل تطبيق قواعد وأحكام التفكير المنهجي بمعالجتها.

بمعنى المنهج هو مصطلح تأطيري للظاهرة أو الشيء وليس منهجا تحليليا في الوصول لمعرفة حقيقة تفاصيلها الداخلية الدفينة التي هي من أختصاص علمي وليس من اختصاص تطبيق منهجي تجريدي..حتى النزعة الانطباعية في دخولها مجال نقد التفاصيل التي يؤطرها المنهج تكون معرضة للخطأ اكثر من تحقيقها الصواب.

- هل منهج التفكير الفلسفي في العلوم الانسانية والسرديات الكبرى هي مجموعة القواعد والالتزامات القبلية الماثلة في تفكير الباحث في طرحه فكرة أو موضوعا؟ بمعنى هل ما يحدد التفكير المنهجي بقضية يلزم عنها الالتزام التام بقواعد ومحددات من التفكير الملزم للباحث، أم يكون المنهج يتحدد ضمن قناعات قبلية يؤمن بها الباحث هي انطباعات ذاتية راسخة بالذهن ولا يمكن زحزحتها عن ايمانه المطلق بها خاصة في مجال تطبيقات المنهج على الاداب والفنون ومختلف السرديات التي يصبح نعت ذلك وتلك الممارسة هي الخروج على قواعد وأحكام المنهج تأتي في اولويات تغليب الانطباعات النفسية والمدركات الخبراتية الذوقية الفنية المكتسبة من التجربة الانفرادية الذاتية التي لا تحكمها قواعد وأحكام منهجية. المنهج لا يحد الفكر المجرد كما تفعل معه تجربة المنهج العلمية.

بهذا المعنى هل من الممكن أعتبار المنهج النقدي الثقافي بالادب هو مجموعة القواعد والاحكام الواجب اتباعها كي يكون النص المنقود قائما على تمام الايضاح ما بعد الحداثي؟ وما سبقه من مدارس نقدية هي في حقيقتها غير منهجية تماما وأصبحت مجاوزتها قائمة طواها الزمن؟ بسبب أن المنهج بمفهومنا له أنه مجموعة من القواعد والاحكام الواجب أعتمادها أم المنهج هو خاصية انفرادية لاعلاقة لها بالاحكام القبلية في السعي محاولة قولبتها النصوص الادبية فيها؟ هذه الحقيقة بأسطورية المنهج الكاذبة رافقت البنيوية والوجودية والتحليلية والتاويلية والتفكيكية، اذ تبيّن من خلال ادبيات تلك الرؤى الفلسفية المتباينة فقدانها التام لمنهج قابل التطبيق على كل ظواهر الوجود والحياة. ولا تلزم غالبية تلك الفلسفات الباحث في تطبيق رؤاها الفكرية الفلسفية على منهج كل تفكير.وبهذا يكون منهج الفلسفة هو منهج الفضاء المتحرر من كل قيود واحكام سابقة على أجتهاد ورؤية الفيلسوف البحثية الانفرادية المستقلة.

- ما ذكرناه يقودنا الى صعوبة التزام الباحث مجموعة من قواعد وأحكام خارجية ليست هي خاصية معارف قبلية في منهج لم يبتدعه هو بمخيلة نقدية يلتزمها طيلة مسيرة تجربته في الحياة، ما يجعله هو يستحدث منهجه الخاص في طرح افكاره بحرية تامة ضمن رؤية مسؤولة نسقية لا يعتريها التشتت ولا تتسيدها الاحتمالات غير الموثوقة القابلة لاحتواء الاخطاء.

ثم أن الموضوع مادة البحث هو الذي يحدد نوع التفكير المنهجي الذاتي معه أو ضده لذا تكون الانطباعات النقدية مسالة خلافية خارج قواعد عدم الالتزام بالمنهج كقواعد ملزمة.. وليس معنى هذا أن البحث المنهجي معصوم عن التناول النقدي في تعرية أخطائه وثغراته. ونجاح المنهج قرين وخاصية امتلاكه تطبيق الاحكام والقواعد المسبقة التي تقود الباحث ولا يتمكن من الخلاص من اقتفاء اثره في أعطاء وجهات نظر متحررة من كل قيود تحديد حرية التفكير خارج أحكام المنهج. المنهج رؤية متحررة وليس التزاما باحكام وقواعد لا نجدها على مستوى التطبيق البحثي.

- ما هو الشيء الذي يحكمنا بالمنهج كتفكير نقدي يسعى بلوغ هدف أو محصلة معرفية، هل هو الانطباعات الذاتية التي يحركها الذهن والعقل؟ أم تلك التساؤلات التي يطرحها موضوع التفكير، بمعزل عن الاراء المسبقة التي تأخذ صفة محددات وقواعد المنهج الواجب اتباعها والالتزام بها.؟ أم هي الآراء الانطباعية النقدية التي تضفي على موضوعة التناول أجوبة وقراءات متعددة كفائض معنى خاص تفصح عنه دلالة اللغة في فهم وتفسير الواقع وليس العكس.؟ ولا يشترط أخضاعها لمنهج يمثل مجموعة الاحكام والقواعد والاشتراطات التي بها تحكم الباحث والقضية معا في تطويع موضوعة التفكير النقدي ضمن تلك الاشتراطات التي تسمى المنهج كقوالب لا تتقبل الخروج عنها ضمن الاجتهاد الفردي حتى على مستوى التفاصيل برؤية انطباعية لا يمكن للباحث الفكاك منها..

المنهج والتطبيق

من المسائل المترتبة على أعتماد المنهج في التفكير بقضايا علوم الانسانيات والسرديات هو غيره المنهج التجريبي المعتمد في معالجة أمور وقضايا العلوم الطبيعية  التي تقوم على مباحث تحقيق براهين تجريبية لا تقبل الخطأ، وبهذا تكون حقائق البحث العلمي هي التي تعرض على الباحث منهجيتها المدخرة فيها ولا ترضخ لاحكام وقواعد مسبقة قبلية على التجربة العلمية. ذكرنا أن منهج التفكير في قضايا العلوم الانسانية، هو غيره منهج العلوم الطبيعية التي تقوم على التجربة العلمية التطبيقية، ولا يمكننا مقايسة معيارية النجاح في ميدان التجربة العلمية في سحبها الاسقاطي التطبيقي على منهج تناول السرديات في العلوم الانسانية كنظريات لا تحتمل التجربة ولا التطبيق.

خلاصة القول المنهج هو أجتهاد نقدي ذاتي متحرر من وصاية الاحكام القبلية المسبقة عليه.كما أن مطالبة بعض الفلاسفة المحدثين أن يكون وضوح التجارب العلمية كمنهج تناولي هي التي يجب علينا سحبها التعميمي بوضوح تعبير اللغة في العلوم الانسانية، هذا الوضوح يقودنا على حد زعمهم الى بديهيات اقناعية برهانية لا أختيار لنا فيها غير مقبولية تصديقها.

وضوح اللغة في محاولة تيسير الوصول الى قناعة منهجية صادقة، ليس هو المعيار الصحيح السليم في أن نعتبر كل ما هو واضح لغويا هو قناعة بديهية لا مجال الشك بمصداقيتها. المنهج خاصية ذاتية لا يمكن أستنساخها معرفيا في التعميم. كما أن الاكثر صوابا أن مايدركه العقل حقيقيا صادقا من الصعوبة أدحاضه كمنهج أو بغيره باعتباره أصبح بديهية اثبتها العقل الادراكي في وضوحها المقبول الذي يبطل أهمية التحقق منها في التجربة العلمية.

المنهج والعقل

تميز القرن السابع عشر بميزة هامة هي عناية المفكرين فيه بمسالة (المنهج) أو الطريقة الواجب اتباعها في البحوث العقلية، والكتب التي عالجت قضية المنهج (العقلي تحديدا) عديدة منها ظهور كتاب بيكون الاورجانون عام 1630، تلاه كتاب ديكارت "مقال في المنهج" ثم نشراسبينوزا رسالته بعنوان "اصلاح العقل" ونشر مالبرانش " البحث عن الحقيقة " كما كتب لايبنتيز عدة رسائل تحت عنوان المنهج.3 . من الملاحظ في عناوين هذه الكتب هو قصدية تمرير ما كان محرما تحريما صارما ذلك العصرالقرن السابع عشر دعوة تفكير العقل تحت مسمى اتباع المنهج. فاعادة تغليب نزعة العقل النقدية هي ليست الالتزام بمجموعة من الاحكام والقواعد والمحددات التي تنطوي تحت معنى "المنهج" حيث من المحال أن لا يكون تفكير العقل الغائب والغاطس بميتافيزيقا تلك القرون الاوربية الوسطى أنه اختراع منهجي لا عقلي، فالعقل هو خاصية انفرادية بمنهجية التفكير يمكن لكل فرد العمل بموجبه.

بهذا المعنى لا يوجد منهج لا يهتدي بمرجعية العقل، والعقل يحتوي كل مناهج المعرفة ولكن تلك المعارف المنهجية لاتحتويه وتحتكره منهجا في التفكير لا يكون عقليا. حتى الخروج على مواضعات تحديد احكام وقواعد المنهج والخروج عليها هي بالمحصلة منهج استدلالي يقوده العقل. وبغير هذه الصفة لا يصبح هناك معنى لاتباع رؤى تصحيحية معرفية وفلسفية.

بهذا المعنى نستطيع الجزم  بحقيقة تداخل تسمية المنهج بدلالة اعتماد منهج العقل لا يجعل من تفكير العقل منهجا تم أختراعه الفلسفي في القرن السابع عشر مع بدايات مرحلة التنوير الاوربية بعد عصر النهضة. حتى الاساطير والميثالوجيا والخرافة والسحر والوثنيات الدينية وغيرها كانت تعتمد مرجعية العقل بمفهومين متاضادين أحدهما يعتمد العقل كتفكير في فهم الحياة والميتافيزيقا على حقيقتهما يقابله المنهج التضليلي الزائف الذي أعتمد العقل كاسلوب تفكير منحرف في جعل كل خرافة يقاطعها العقل يمكن تمريرها باسم ايمان ميتافيزيقا العقل ذاته عبر التسليم الغيبي بها. الحقيقة المتداولة عبر عصور غابرة ماضية بعيدة كانت تعتمد التفكير الميتافيزيقي الزائف باسم منهج العقل بالتفكير التضليلي الخادع مع الفرق باسلوب منهج التفكير.

محددات التفكير المنهجي

كيف نثبت فاعلية العقل الفلسفي من الاقتراب المنهجي السليم في تحقيق الالتقاء بيقين العلوم الرياضية والعلمية عموما،كما يراها فلاسفة المنهج في:

- أن لا ننشغل الا بمعاني واضحة متميزة، أي معاني مضمونها بديهيا كل البداهة. وما اطلق عليه الثورة الديكارتية كان مرتزها الذي حدده لها ديكارت هو البداهة والوضوح قبل التسليم بكل يقين، الذي لا يقبل غير حكم العقل. 4

- أن نذهب دوما من المعاني – تعبيرات اللغة التجريدية -  الى الاشياء. المقصود في واقعها المادي وليس التصوري لغويا.5

- أن نرتب افكارنا في نسق خاص حيث يكون كل معنى منها مسبوقا بجميع المعاني التي يستند عليها، وسابقا على جميع المعاني التي تستند اليه.6

لو نحن أمعنا النظر الدقيق بهذه المحددات التي اعتبرها فلاسفة المنهجية الخطوط العريضة التي تحكم القضايا الفلسفية، لوجدناها تتميز بخاصيتين هما اولا (لا) منهجية ممكنة بدون مرجعية عقلية تجعل من كل تفكير هو وعي قصدي في الوصول الى غاية أو هدف معين، والثانية هذه الاحكام التي هي مواصفات المنهجية لا تشكل أسلوبا منهجيا بحثيا وحيدا يصلح لجميع قضايا الفلسفة والفكر والمعرفة بمنطقها العلمي الرياضي.. ربما تنجح هذه الاحكام والمحددات المنهجية في معالجة بعض القضايا الفلسفية التي تحاول التقرب من منهجية العلم التجريبية،لكنها لا تشكل بديلا عنها، ولا تشكل تكاملا معرفيا نسقيا معها.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

....................

الهوامش:

1- د. امل مبروك، الفلسفة الحديثة، ص 75

2- نفسه ص 74

3- نفسه ص 76

4- نفسه نفس الصفحة

5- نفسه نفس الصفحة

6- نفسه نفس الصفحة

 

 

لكل حقبة أوهامها، ولكل مؤدلج هلوساته وهذياناته وأحلامه، والواقع ليس معطى أزلياً ولكنه نتاج "بنى الهيمنة"، والواقعي ليس عقلياً بالضرورة كما أن "الحياة الواقعية" قد تكون نقيضاً للعقل، لكن هذا لا ينفي صحتها سيكولوجياً، وإذا استدعينا مقولة هيجل الشهيرة عن أنّ ما هو معقول هو واقعي حقيقة، وما هو واقعي حقيقي هو معقول، فإننا سنميز بين الواقع الحقيقي والواقع الحادث أو الفعلي، إذ يمثل الأول واقعاً تغلب على التعارض بين الممكن والموجود في حين أن الآخر يمثل الواقع المتعارض مع العقلي، والعقل هنا ليس عقل الأصولي أو الأيديولوجي أو حتى "المثالي" وإنما كما عبر عنه كانط بمبدأ الحكم الذاتي أو العقلانية النقدية لبوبر، وبهذا سوف نخضع الواقع المعطى إلى معايير العقل وليس تكييفه وتدجينه حسب ما يقتضيه النظام القائم والقيم السائدة أو التفكير الرغبوي.

مثلاً فكرة أفلاطون عن أن لدى كل إنسان مصدراً إلهياً للمعرفة يكمن في روحه التي كانت تعرف كل شيء قبل أن يولد ولكنه بعد الولادة ينسى كل شيء إلا أنه يمكن أن يتذكر تلك المعرفة القبلية إذا رأى الحقيقة وتأكد منها، لأن الحقيقة تعلن عن نفسها، وهذا ليس معياراً للحقيقة كما أنه ليس هناك معيار ثابت للحقيقة، وطالما أن المعرفة شيء إنساني فإنها رهينة بكل مظاهر النسبية التي تشكل الوجود الإنساني، لأن منتج النظرية قد يكون عرضة للتأثر ولو بشكل لا شعوري بآماله ومعتقداته الشخصية ومهما تكن عبقريته فهو محدود بتراثه الثقافي وأفقه المعرفي، لذلك أفلاطون بعد أن استحوذ عليه اليأس تراجع عن هذه الفكرة وحَصَر المعرفة في عدد قليل من الصفوة المختارة في كهفه الشهير، فلو غادر أحدهم الكهف لوجد صعوبة بالغة في فهم ذلك العالم الجديد.

إن كثيراً من المفاهيم الأخلاقية ليست ذات طابع كوني وأبدي بل تخضع للبعد الزمني، إذ المراحل اللاحقة للفكرة الأخلاقية الأولى تحوي ضمناً المراحل السابقة كتقدم ديالكتيكي وأن الفكرة الأولى مهدت الظهور للمرحلة الثانية وهكذا دواليك، وعلى سبيل المثال، لاحظ الفيلسوف ألسدير ماكنتاير أن كلمة أخلاقي "moral" كما نفهما اليوم، لم تكن هناك أي كلمة في اللغة اللاتينية، وهي لغة التواصل في أوروبا قبل عصر التنوير، ولا في اللغة اليونانية القديمة، يمكن ترجمتها بصورة صحيحة إلى كلمة أخلاقي بالمفهوم الحديث، بل لم يكن ثمة كلمة مثل هذه إلى أن ترجمت كلمة "moral" بالمعنى الحديث إلى اللاتينية. ويتسق هذا مع أطروحة وائل حلاق عن "الدولة المستحيلة" الذي ينفي أيضاً وجود مرادف دقيق في اللغة العربية قبل القرن التاسع عشر لكلمة "أخلاق" بكل ما تحمل من دلالات اليوم في الفلسفة الأخلاقية والقانونية. ويمكن أن نجادل أن مفردة "أخلاق" عند مسكويه، في تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، أو مكارم الأخلاق للطبرسي، التي اتسعت دلالاتها مع القراءات الحديثة، لا تعدو عن كونها إسقاطاَ للحاضر على الماضي واستعادة الماضي مُحَدَّثاً في الحاضر. وإذا كان هذا الاستقراء فيه فيه نظر؛ فماذا يمكن أن نقول عن مفهوم لا خلاف على حداثته كمفهوم "حقوق الإنسان" مثلاً وإن كان له إرهاصات في الفلسفة اليونانية وكذلك الفلسفة العربية وحتى عند كبار المتصوفة ورسائل إخوان الصفا وخلان الوفا؟ ولكن هل يمكن اعتباره مكافئاً أو مرادفاً للمفهوم الحديث؟

من هنا كان مأخذنا على الراحل عبد الوهاب المسيري في محاولته ابتكار نموذج إدراكي تحليلي جديد لدراسة دور الدين وقضية الجنس والنزعة الاستهلاكية أو"الإمبريالية النفسية" في المجتمع الأمريكي، المسيري الذي كان مفتوناً بهيجل وماركسياً على سنة الله ورسوله، أراد أن يروض "الذئب الهيجلي" في داخله فوقع من حيث لا يدري فريسة له، لأن هوسه بالمابعديات وتجاوز ما سمّاه بالقوالب الإدراكية الجاهزة، دفع به إلى أن يجمع أشتاتاً من حقول مختلفة، كالجمع بين التجريد والتنظير والشمول الهيجلي ونقد مدرسة فرانكفورت، وبأن يكون تحليله مركباً متعدد الأبعاد وبأن لا يسقط في هوة "النسبية العدمية" وأن يستنير كبديل عن ذلك بـ"النسبية الإسلامية" التي تعني بأن يؤمن الإنسان بأن هناك مطلقاً واحداً هو كلام الله وما عداه اجتهادات بشرية، وأن يدمجها مع مقولاته التحليلية مثل نهاية التاريخ والفردوس الأرضي والثالوث الحلولي، بعبارة أن لا يكون اختزالياً تبسيطياً في قراءته لعوالم شديدة التعقيد والتركيب، عوالم الإنسان وأسراره. فماذا كانت النتيجة بعد كل هذه الهرطقة والتوليفات غير المتجانسة في الجمع بين الشيء ونقيضه؟

يجادل المسيري أن الإنسان لا يمكن أن يشعر بحريته ومسؤوليته الأخلاقية إلا إذا جمع بين الثنائية الأساسية، ثنائية الخالق والمخلوق، لا الثنائية الفضفاضة، ثنائية الإنسان والطبيعة، لأنه يستحيل حسب تصور المسيري تفسير الإنسان ضمن إطار الطبيعة بسبب أسبقيته عليها، كما أنه لا أحد يعلم حقيقة الإنسان في كليته إلا الله، فهو، أي الإنسان، ليس جزءاً لا يتجزأ من العالم الطبيعي كما يقول المسيري، إنما جزء يتجزأ منه.

إن هذا مدخل ضروري لفهم النموذج الإدراكي التحليلي للمسيري، الذي يغلب عليه الغرق كثيراً في التعميمات والانطباعات الشخصية وتحويل الجزيئات إلى كليات والعكس وإطلاق الأحكام المتسرعة والتفسيرات الاختزالية ذات البعد الواحد، فتجده مرة يتحدث بلغة الباحث البارع والحاذق عن صور التنميط والضبط الفوكوي والتحكم في السلوك والاغتراب التي تسم أشكال الحياة في المجتمع الرأسمالي مستعيناً بأجود أدوات هيجل التجريدية ودمجها مع خلاصة من نظريات فرويد والماركسية المطورة وبشيء من أصالة فيبر وحرفية مدرسة فرانكفورت النقدية وأطروحة ماركوز عن الإنسان ذي البعد الواحد فتهتز طرباً لموسوعيته وهضمه لتلك المقولات والنظريات كما أنه أجاد في مجمل تحليلاته للخطاب العقدي المناصر لإسرائيل في أمريكا وتأكيده على أن الخطاب الرسمي وجانباً كبيراً من الخطاب الديني سيما أغلبية المتشددين من البروتستانت هو خطاب برجماتي وأحياناً عدائي عنصري حينما يتعلق الأمر بحقوق الفلسطينيين والعرب وكذلك عقدة الإثم التي تسم الخطاب الأمريكي في تعامله مع اليهود ورغبته في تعويضهم عما نالهم من أذى في الغرب المسيحي، فإسرائيل أصبحت ملاذاً ووريثة لملايين من ضحايا المحرقة وحارسة دين "لم يعامله التاريخ بلطف"، لكن سرعان ما تشعر بخيبة أمل كبيرة وصفعة تعود بك من سكرات الافتتان إلى الواقع حينما يتعثر بقضية الجنس أو الدين فيغفو "الذئب الهيجلي" ويستيقظ الشيخ أو الدرويش المتربص في داخله، فيعزو مثلاً "السعار الجنسي" في بعض جوانبه إلى رغبة إنسانية في الوصول إلى نقطة ثبات يقينية كردة فعل على عالم "النسبية السائل" أو سيولة القيم، ويسوق في هذا السياق حكماً غريباً وهو أن النسبية "المعرفية والأخلاقية" تنزع القداسة عن العالم وتجعل كل الأمور متساوية، فيصبح الظلم مثل العدل، والنزعات الثورية والراديكالية لا تختلف عن بواعث المحافظة، وهذا على عكس المقولة الهيجلية عن صراع الأضداد وأن كل سلب تعيّن وأن كل تصور يحمل في داخله ضده، فالنقيض كامن في ذات الشيء وقد يجتمع النقيضان على الصعيد النفسي لا العقلي وحسب، وهذا الضد في صيرورته يشكل حركة تصاعدية بلا نهاية، وبصراع الأضداد تولد الحركة ويبعث التطور في الواقع الاجتماعي، بل لا توجد حالة قط إلا وهي "تنطوي على ما يناقضها، فلا تبلغ تمامها إلا ظهر منها النقيض الذي تنطوي عليه"، فالحرب تكون ضماناً للسلم واللاحرية شرطاً للحرية، كما يكمن الإلحاد في الدين، والوثنية أو الكثرة في الوحدة، والثورة في المحافظة، والشيطان أيضا لم يكن سوى ذلك "الملاك المخلوع"، وكما يقول المثل العربي:" العنب إن صح فسد وإن فسد صح"، ومن هوية الضدين يمكن أن يتشكّل مركّب جديد أو هوية جديدة تحتفظ بشيء من الضدين معاً في ذاتها، وهذا الطابع الدينامكي للمعرفة يؤكد على طبيعة التغير والحركة المستمرة حتى في صميم المجتمع الذي يبدو ظاهرياً متماثلاً وخاملاً وثابتاً، بل هو سيرورة الحرية التي تهتدي إلى نفسها أو قل هو "المقاومات العشوائية" ضد تفاقم قوى القمع، غير أن المسيري يؤكد في حديثه عن "المغترب" على أنه من "المستحيل على الإنسان الفرد أن يتخذ أي قرارات بشأن أي شيء" وبالتالي من السهل الهيمنة عليه، وهذا التحليل الذي توخى التركيب والشمول لا يصح حتى على الخراف المدجنة وفئران التجارب في المختبرات العلمية فما بالك بالإنسان، كما أنه لا يصح حتى مع توخي أقصى درجات التجريد في ديالكتيك السيد والعبد عند هيجل.

لا يوجد علاقة شرطية ضرورية صارمة بين الهوس الجنسي أو إدمان الجنس الذي هو مرض كمرض الإدمان على القمار مثلاً وعدم إيمان المرء بشيء مفارق، فالنشاط الجنسي وإمكانات المتعة في أي مجتمع سواء تعلق الأمر بمحرضات التحليل والتحريم النبذ والتثبيت لا يمكن أن تفهم دوافع هذا النشاط من خلال الاستعانة بالبعد الإيماني للباحث أو بالدين كمقولة تحليلية لتفسيره هذا إذا أردنا أن نفهمه، كما أن خضوع المرء لأنظمة الدولة والمؤسسات الثقافية حد العبودية ليس مرتبطاً بسيولة القيم وغياب "قاعدة أخلاقية صلبة"، وكذلك فإن "اختفاء المعايير وفقدان المقدرة على الحكم" لدى "المغترب" لا يعزى إلى كونه كائناً نسبياً وحسب وكأن هذا الافتراض بل هذا الكلام المُرسل يضمر مثلاً أن المتدين أو المؤمن سيكون أكثر قدرة على الحكم على الأشياء فقط لكونه متديناً ولديه مرجعية متجاوزة للطبيعة. بيد أن المسيري يصر على الربط بين مفهومه المشوه عن "النسبية المعرفية" و "الانحلال الأخلاقي"، وهذا طبعاً تبسيط مخل ولا يليق إلا بقارئ مبتدئ في الفلسفة، فيقول إن أستاذاً للفلسفة وهو أحد دعاة الحرية الأخلاقية والنسبية المعرفية، رغم أنه كان "إنساناً فاضلاً" وكأن ذلك أثار غيظ المسيري لأنه يشي بأن ثمة تناقضاً بين الفكر والممارسة بحسب تصوره، ولذلك قال له المسيري ساخراً:" إذن ستذهب أنت إلى الجنة أما أفكارك فستذهب للجحيم". كما أن المسيري يبالغ في الربط المتعسف بين ضمور النزعة الطوباوية وتفاقم السعار الجنسي وكأن عالم الجنس هو التعويض المادي للمدينة الفاضلة، وكلما توارى المطلق في حياة الفرد زاد هوسه بالجنس، وربما لو تصفح بعض كتب الفقه لكان له رأي مغاير، إن الجنس كما يقول المسيري "ميتافيزيقا من لا ميتافيزيقا له" ثم يفسر "المثلية الجنسية" أو "الشذوذ الجنسي" بتعبيره، بأنها بسبب البحث عن "اللذة الجنسية الخالصة الفردوسية"،  ولست أدري ما الذي يعنيه باللذة الجنسية الفردوسية، ولا أظن أن أحداً قد وصل لهذه اللذة الفردوسية ولا يزال حياً. ويرى المسيري أن هذه الممارسة الجنسية هي النتيجة المنطقية والترجمة الأمينة لمبدأ اللذة النفعي، فالمثلي يحاول أن يتغلب على اغترابه وضياعه في هذا الكون الذي ترك فيه بلا رعاية مفارقة بشكل مؤقت فيرتبط في علاقة عابرة مع شخص من جنسه دون التورط في متطلبات "العلاقة الحقيقية"، وكذلك يربط بين "حركة تحرير المرأة" وازدياد عدد "الشذاذ من النساء" على حد قوله. فهل كان أبو نواس مثلاً يستعيض بعلاقاته المثلية كبديل عن شعوره بالضياع في عالم هجره ربه؟ وهل يا ترى أن أبا نواس ورفيقه والبة بن الحباب شعرا بهذه اللذة الجنسية الخالصة الفردوسية؟

لكن الأغرب من هذا وذاك هو حديثه عن رواج أفلام "snuff movies" وبأنها كانت تعرض في دور السينما الأمريكية، وهي أفلام إباحية عنيفة وغالباً ما تنتهي بحسب رواية المسيري بمشهد قتل بطلة الفيلم وهي في حالة نشوة جنسية، ويتم "قتلها في اللحظة التي تقذف فيها". والقتل هنا حقيقي على حد زعمه، أي أن البطلة تذبح كرمى للمشاهدين، لأن هذه الأفلام صورت في أمريكا اللاتينية، وإن كانت تعرض في دور السينما الأمريكية تحت دعاوى "حرية الإبداع والثورة الفنية" كما يقول المسيري ساخراً. وطبعا هذا نتيجة للموقف النسبي وإنكار الحدود الأخلاقية باسم الحرية المطلقة! ولست أدري في أي دور عرض شاهد المسيري هذه النوعية من الأفلام! ولتعزيز هذا الوهم يستمر في ذكر أمثلة غرائبية فيقول مثلاً: هناك أستاذة علم اجتماع في جامعة كاليفورنيا دربت طالباتها في الصف الدراسي على "الاستمناء" كي "يمكنهن الاستغناء تماماً عن الرجال" في مادة "سوسيولوجيا الحياة الأمريكية". ثم يقارن بين المجتمع الأمريكي والمجتمع المصري في أواخر الستينيات فيصف عالم الإنسان المصري بأنه أكثر امتلاء وأكثر صلابة، لأنه قادر على الحب والكره، التعاون والتآمر، حب الذات وحب الوطن، ولذلك ليس من السهولة أن يصدق كل ما يقال له، وكاد يقول إنه ديكارتي بالفطرة، بينما الأمريكي فهو على عكس المواطن المصري، يُسهل خداعه، ويؤمن تماماً بكل ما يُقال له، وعلى الرغم من أنه يدعي الاستقلالية والاعتماد على النفس فإنه يقذف بأطفاله إلى سوق العمالة في مرحلة مبكرة. وهكذا تفرغ من قراءة كتابيه وإذا بك لا تعرف شيئاً ذا بال عن المجتمع الأمريكي اللهم إلا جزءاً من الجانب "الإمبريالي" للإمبراطورية وبعض الشذرات عن "عالم السلع الفردوسي"، أما الجانب الاجتماعي والديني والثقافي فإنك ستعرف عن طبيعة القوالب الإدراكية الجاهزة للمسيري أكثر من الحقول والمواضيع التي خضعت لمقولاته التحليلية. رحم الله المسيري ووقانا لوثة الأصول!

 

نضال البيابي

.............................

المصادر

1- عبد الوهاب المسيري، الفردوس الأرضي: دراسات وانطباعات عن الحضارة الأمريكية الحديثة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 1979 الطبعة الأولى

2- عبد الوهاب المسيري، رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر، الهيئة العامة لقصور الثقافة القاهرة 2000 الطبعة الأولى

3- هيجل، فنومينولوجيا الروح، ترجمة ناجي العونلي، المنظمة العربية للترجمة بيروت 2006 الطبعة الأولى

 

 

علي محمد اليوسفوليم اوكام1300-1350  William occam  كان اكثر الفلاسفة الانكليز الذين أثّروا في القرن الرابع عشر، ويعتبر اوكام الوريث الشرعي للنزعة العلمية التجريبية التي بدأها روجر بيكون الذي أخذ عنه اوكام مقولته الفلسفية "التجربة هي الاساس المعياري لكل معرفة ". معتبرا "مباديء العلم الطبيعي لا يمكن البرهنة عليها وأثباتها وحسب، وأنما هي أساسية لا يمكن أجتنابها وتعتمد الخبرة. وقضايا العلم الانفرادية التي يعتمدها العلم الطبيعي كقضايا واضحة هي ليست واضحة ذاتيا"1.

هنا يؤكد اوكام عدم وجود معرفة كليّة نسقية هي مجموع التجارب العلمية الانفرادية التي تبقى بلا وضوح منهجي في تعبثرها اللانسقي، ولا تكتسب تلك التجارب الانفرادية نسقيتها العلمية في الوجود المعرفي الكلي ألا داخل العقل كتجريدات فكرية فقط وليس خارجه كحدوسات وأحساسات واقعية معرفية متفرقة..

يطرح أوكام مسألة بالغة التعقيد مفادها "كل ما يوجد خارج العقل موضوع فردي ومنفرد لا وجود للكلي معه، بمعنى أن معرفتنا العالم الخارجي يجب أن تكون عن طريق الادراك الحدسي. وهذا النوع لا يمكن الاستدلال عليه قياسيا. فالمعرفة الحقيقية يتم التزود بها على اساس هذا الادراك الحسي أي من الخبرة المباشرة."2 يمكننا القول بضوء عبارات اوكام المار ذكرها أنه:

- يعتبر  التجربة العلمية لا تعبّر عن حقيقتها في وضوح ذاتي كاف لها، أي بمعنى التجربة العلمية التي لا تنمّي وتزيد تراكمها بالخبرة المعرفية الدائمة لا تكون دليلا علميا قاطعا في انفرادها الذاتي غير النسقي. معتبرا اكتساب الخبرة المعرفية لا تتم من غير وسيلة الادراك الحسي.

- تعبير أوكام كل ما يوجد خارج العقل فردي ومنفرد ولا وجود للكلي معه، بمعنى كل ماهو انفرادي لا يمثل نسقا كليا لتعامل العقل مع معارفه المكتسبة. العقل رغم طبيعته البيولوجية التكوينية في منظومة الادراك أنه نسق كلي معرفي شامل في معرفته للوجود، الا أن ما هو مكتسب من معارف العالم الخارجي لا يمثل غير ذاته في عدم الوضوح ولا يمثل كليّة العقل العلمية المعرفية النسقية التي تشكل فيها المعارف المنفردة معيارا قياسيا لمنهج العقل المعرفي التجريبي حسب فهمنا لاوكام.

- من الصحيح جدا بضوء فهم اوكام أن كل انجاز فردي علمي لا يمكن تعميمه على نسق علمي كليّاني للعقل. من حيث أن كلية العقل النسقية المعرفية العلمية لا تحددها المنجزات الفردية المتفرقة الانفرادية خارج العقل في عالم الوجود الخارجي. كليّة العقل النسقية العلمية هي تراكم خبرة دائمية من تعاقب معرفي. لكن لا يمكن الوثوق بمعارف أكتسبت تجربتها العلمية أن تكون معرفة كليّة وحتى أن تكون معرفة معيارية للنسق العقلي الكلي الذي يتعامل في بناء كليته النسقية العلمية على معطيات تجريدية هي أفكار لا تتوائم مع تجارب علمية لم يكتسب العقل تراكم خبرة كافية منها.

ايضا هذا الرأي الذي ادرجناه هو بحسب قراءتنا اوكام. رغم أن اوكام يعتبر صلاحية الخبرة الانفرادية المكتسبة لبرهانها العلمي خارج العقل من العالم المدرك المحسوس من الممكن أن تكون دلالة معيارية في البرهنة على قضايا أخرى مطلوب اثباتها. هذا الاستنتاج المعياري التطبيقي صحيح على صعيد معالجة قضايا متفرقة بمنهج علمي، لكنه لا يمثل نهجا نسقيا يمثّل العقل في التفكير والمعالجة التطبيقية.

- يعتبر اوكام في منتهى الارباك الفلسفي التعبيري له في قوله ما معناه العقل ليس كلّية، والكليّة العقلية هي فكر مجرد أي هي موضوع يتم عمله من خلال العقل وليس له وجود فعلي الا في تصورات النفس.

أننا لا نجانب الخطأ في تحفظنا على قول أوكام أن التجريد العقلي هو من تصورات النفس، وأن العقل لا يمثل كليّة معرفية. فتجريد العقل في كليته النسقية التجريدية مع حقائق ومعارف الوجود خارجيا واستبطانيا ليس للنفس الدور الريادي الفصل في هذا التجريد العقلي.فالعقل التجريدي يتقدم النفس وملاحقها المتعالقة بها من عواطف وضمير ووجدان وغير ذلك.

وكما يتم تصنيع أي موضوع تجريدي داخل مصنع الحيوية الدائمية لفعالية العقل التوليدية للافكارالمعبّرة عن الواقع أو عن مواضيع الخيال، كذلك يكون تصنيع العقل للنفس هي من ميزة العقل التوليدية الانشائية لنمط الافكار التجريدية التي تعبر عنه في فهمه الاستيعابي لمجمل تمظهرات الحياة التي يعيشها. النفس هي أدراك عقلي مصدره التاثر بالعالم الخارجي، وعالم الاحاسيس الجوّانية التي تعتمل داخل جسم الانسان المستمدة من أجهزة وتكوينات بايولوجيا الجسد، من مهامها تشكيلها انبعاث العواطف والوجدانات والضمير ونزعة الحب وغيرها. بمعنى النفس وما يتفرع عنها من عواطف ومشاعر شعورية ولا شعورية يكون مصدرها العقل ولا تولد النفس وتعبيراتها الملحقة بها من فراغ خارج وصاية العقل عليها.

حين نقول العاطفة بكل اشتمالاتها تقاطع العقل صحيح لكن أن لا يكون للعقل تداخل من الوصاية العاطفية امر مشكوك التسليم به، اذ يؤكد هذا علم النفس بمختلف تفرعاته الاختصاية.

اوكام والميتافيزيقا

كما يطرح اوكام مسألة فلسفية هي في غاية الارباك الفلسفي رغم نزعته الفلسفية العلمية في أعتباره (الميتافيزيقا) بمعنى البرهنة على وجود الله هي ليست (علم واقعي) بالمعنى الذي وردنا وورثناه على لسان جميع الفلاسفة الذين سبقوه في تاكيدهم قضايا الميتافيزيقا، والميتافيزيقا هي أوهام ماورائية لمدركات الطبيعة التي تحدها القوانين الثابتة التي ندركها بالتجربة العلمية ولا ندرك ما وراءها من تخيلات وهمية. ولم يطرح الفلاسفة قبل اوكام الميتافيزيقا علما واقعيا يمكن البرهنة التجريبية عليه كما زعم اوكام امكانية البرهنة لعبارة الميتافيزيقا ليست علما واقعيا في تحليل فلسفي لم يوفق به يدور حول أعتماد مركزية وحدة الوجود الذي لم يكن تبلور في عصره القرن الرابع عشر كمصطلح فلسفي - صوفي كما نجده لاحقا عند فلاسفة ومعتنقي مذهب وحدة الوجود الصوفية وعند اسبينوزا كمصطلح فلسفي لم يذكره اوكام كون يفصله عن القرن السابع عشر ثلاثة قرون كاملة، وفي محصلة بحثه يعود اوكام لتاكيد المقولة التي أراد الالتفاف عليها بمنهج غير واقعي ولم ينجح. من المختصر أن نجد اوكام سعى الى فهم قضايا الميتافيزيقا باسلوب خلع عليه بصمة العقل الذي لم يستخدمه في فلسفته وهكذا عاد من رحلته خالي الوفاض كما بدأها.

نجد مهما الاشارة الى أن افلوطين كان وضع مبدأ وحدة الوجود في نزعة صوفية ولم يستعمل المصطلح وحدة الوجود ايضا بداية القرن الاول الميلادي ولم تتم بلورة الاتفاق على المصطلح الا في القرن السابع عشر مع فلسفة اسبينوزا بهذا المجال...لعل الصوفية الدينية كما هي عند فلاسفة العرب وغير العرب المسلمين تحديدا وفي البوذية والهندوسية وصولا الى المسيحية كانوا يتعاملون صوفيا بمبدأ وحدة الوجود من غير الاتفاق الصوفي الديني عليه كمصطلح مجمع عليه يغطي مختلف التجارب الصوفية..

أوكام يحاول التمّلص من بديهية تقاطع النزعة العلمية العقلية التجريبية التي يؤمن بها هو مع الميتافيزيقا، في صياغة أبتداعية خاصة به عبّر عنها" الميتافيزيقا في أمكانية أن تكون واقعية علمية بأعتبارها أنها لا تاخذ تصور الموجود في حد ذاته، أي الموجود الكلي، مؤكدا عدم وجود فردية خارج العقل، كما وليس هناك حسب تعبيره تمييز بين الوجود والماهية، ولا يوجد سوى تصور واحد مشترك بين الله وموجوداته."3

اوكام هنا يراوغ في عدم امتلاكه منهجا واقعيا علميا يجعل من مواضيع الميتافيزيقا علما واقعيا على طريقته الفلسفية الخاصة وليس على طريقة الفلاسفة الذين سبقوه في رأيهم استحالة أن تكون الميتافيزيقا مبحثا علميا واقعيا يمكن البرهنة العقلية على قضاياه منها اثبات وجود الله. ورغم الارباك البادي في تعبيرات اوكام عن الفردية والكلية وعلاقة العقل بهما، وهي تعبيرات لا تحتمل مناقشتها أكثر مما أوردناه سابقا لكنا نؤكد بضوئها ما يلي:

- في تبنّي اوكام عدم التمييز بين الوجود انطولوجيا والماهية كجوهر، يمكننا تعميم أن جميع موجودات الطبيعة يمكننا ادراك التفريق المجرد بين وجودها الانطولوجي في صفاتها المركة خارجيا فقط وليس في ماهيتها المضمرة غير المؤكدة برهانيا من وجودها وعدمه بوسائلنا الادراكية العقلية المحدودة، وهذه الحقيقة تجعل أنفراد الله الخالق يحتفظ لوحده في تعذر معرفة وجوده ولا صفاته غير التي تخلعها توصيفات الكتب الدينية وتعاليم وطقوس الاديان الوثنية، وليس معرفة ماهيته ولا حتى معرفة تداخلهما الافتراضي في تلازمها معا (الصفات والماهية) كحقيقة مطلقة لا تتقبل المناقشة في محاولتها أثبات وجود الله عقليا.. فقضايا الميتافيزيقا لا يمكن البرهنة عليها بنفس وسيلية البرهنة التجريبية العقلية في أثبات موضوعات الطبيعة والوجود الانطولوجي للاشياء.

اوكام ومذهب وحدة الوجود

اذا نحن أخذنا بمبدأ وحدة الوجود الذي تبلور بوضوح شديد في فلسفتي افلوطين بداية القرن الاول الميلادي واسبينوزا لاحقا في القرن السابع عشر، يعني بعد عصر اوكام بثلاثة قرون، نجد حقيقة أستحالة فصل الماهية عن الوجود في الميتافيزيقا تحديدا التي تبدو أكثر وضوحا منها في استحالة عدم فصل الماهية عن الوجود في موجودات الواقع والطبيعة والعالم الخارجي. موجودات الواقع الخارجي يمكننا ادراك صفاتها الخارجية بمعزل عن عدم قدرة ادراك ماهياتها الجوهرية. وهذا على خلاف كبير أننا لا ندرك صفات أي شيء هو من ضمن تعبيرات الميتافيزيقا التي نحن نخلع عليها صفاتها وماهيتها بلغة ما نستعمله في وصفنا الاشياء في وجودها الانطولوجي في حياتنا العادية. قضايا الميتافيزيقا بمقدار ماهي غامضة عصيّة على ادراك العقل، فاننا نعمد خلع توصيفاتنا لها بمفردات لغوية هي مزيج من قاموس الكتب الدينية مع مفردات اللغة الدارجة التي نستعملها في حياتنا.

هذه الحقيقة تؤكد أن كل ما هو ميتافيزيقي لا يدرك عقليا، يكون موزعا أدراكيا بين تداخله بالطبيعة بغّض النظر عن غياب أمكانية تفريق ما هو ماهوي ذاتي جوهري غير مدرك عن ماهو وجود له غير مدرك ايضا. فالخالق في مذهب وحدة الوجود في الصوفية عموما والفلسفة خصوصا هو وجود تتوزعه الطبيعة في موجوداتها وتجلياتها وظواهرها بضمنها وجود الانسان بما هو نزوع ديني ميتافيزيقي. وصفات الاشياء والمخلوقات والموجودات الموزعة في الطبيعة هي دليل قاطع حسب مبدأ وحدة الوجود حضور الله في كل شيء.

- حتى مبدأ مذهب وحدة الوجود في توزيع الصفات الالهية على موجودات الطبيعة حيث يوجد الله في كل شيء يدركه العقل أو لا يدركه. نجد اوكام يتراجع عن هذا الفهم لمعنى وحدة الوجود الصوفية كما جاءت لاحقا في فلسفة اسبينوزا. حين يقول اوكام" لا توجد كلية شمولية خارج العقل بل توجد موجودات فردية خارج العقل"5، سبق لاوكام في اسطر سابقة مررنا عليها أنه قال لا توجد موجودات فردية خارج كلية العقل الداخلية التي هي كلية تقوم على التجريد.

- أن كلية العقل النسقية التي تنتظم موجودات الطبيعة (خارج) العقل، والكلية النسقية على مستوى الافكار فقط حسب تعبيراوكام تكون داخل العقل لا خارجه، هو تلاعب في مقولة راسخة ثابتة تفيد بأن كليّة العقل الجمعية هي تجريد منتظّم من الافكار النسقية العقلية داخل وخارج العقل لا فرق بينهما، ومن الخطأ أن ننسب الكلية خارج العقل، ولا ننسبها بنفس المعيارية القائمة داخل العقل، وكلا الادراكين الداخلي الاستبطاني والخارجي الحسّي هما تجريدان من الافكار الصورية اللغوية التمّثلية لموجودات الواقع الانطولوجي وموضوعات المخيلة ايضا على السواء. وما يدركه العقل خارجيا من الموجودات والمواضيع هو نفس مايدركه عنها استبطانيا داخليا ولا يمكن التفريق بين الادراكين عقليا. كون ليس هناك من وجود ادراك عقلي لا يكون تجريدا تمثليا للاشياء وللموضوعات في تجريد لغوي تصوري على حد سواء. بمعنى المدركات الخارجية في عالم الاشياء، ومدركات العقل لموضوعات الاستبطان داخليا لا يتم التعبير عنهما الا بوسبلة واحدة هي تجريد صوري لغوي واحد لا غيره.

- أراد أوكام أعتبار كل المدركات خارج العقل تقود الى (واحد) هو الله خالقها، في تصوره أن كلية العقل الخارجية هي تشتيت لهذه الوحدانية النسقية الميتافيزيقية. وأراد أوكام أستبدال أمكانية أثبات وجود الله في نسق من الادراك الكلي الميتافيزيقي الى نسق مغاير هو في وجود توزعات الادراكات الفردية غير الموجودة في الكليّة النسقية خارج العقل بل داخل الادراك العقلي على مستوى تجريد الافكار الاستبطانية.. في حين أن وحدة الوجود الصوفية الفلسفية لدى اسبينوزا تحديدا، هي ادراك حدسي لكليّة العقل الخارجية الموزعة على موجودات الطبيعة الانفرادية وقوانينها الثابتة. هذا الابداع النسقي الاعجازي المنظم في مدركات الطبيعة ندركه بالحدس المعرفي الميتافيزيقي والحسي الانطولوجي في الاشياء، وليس بالبرهان الواقعي العقلي في البحث عن وجود الله كما حاوله اوكام كرغبة لم يستطع تحقيقها.

- يقول اوكام ايضا "اذا كانت توجد معرفة طبيعية بالله، فيجب أن تكون هذه المعرفة مبنية على هذا التصور المشترك بين الله والموجودات، ونظرا لأنه ليس لدينا أي معرفة حدسية عن الله، عليه لا يوجد لدينا أي تصور مجرد ملائم له " 6 في العبارة السابقة اوكام يحدد معنى مفهوم مذهب وحدة الوجود الذي لم يذكره كمصطلح متعارف عليه اليوم صوفيا وفلسفيا، لكنه عبّر عنه بالتصور المشترك بين الله وموجودات الطبيعة، ولكن هذا التحليل يفقد مبرره كوننا لا نمتلك الحدسية المعرفية على حد زعم اوكام لذا لا يكون هناك لدينا تصورا مجردا ملائما له أي يناسب الله. باعتبار هذا التصور غير حقيقي بل هو من اختراع مخيّلة العقل المحدودة.

السؤال اذا كنا لا نجد الله وجودا حسيّا ولا حدسيا، في موجوداته الطبيعية فكيف يمكننا الأخذ بسلامة أستنتاج اوكام بأننا لا نمتلك تصورا مجردا ملائما له؟ أي هو ألغى الفهم الميتافيزيقي السليم في عجز تعبيرنا عن الله الذي لاندركه لا بالصفات ولا بالماهية ولا بالوجود الحسي في موجوداته انطولوجيا، بنفس الوقت الذي جاهد طويلا في العودة لاثبات ماسبق لغيره قوله الميتافيزيقا هي ليست علما واقعيا. محاولا أثبات ذلك الوجود بمنطق الكلية والانفرادية للعقل في محاولته أثبات وجود الله بغير منطق مذهب وحدة الوجود في أجتهاد فلسفي عقيم لم يثمر عن شيء في عصره.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.....................

الهوامش:

1- د. امل مبروك /الفلسفة الحديثة / ص55

2- نفسه نفس الصفحة

3- نفسه ص 56

4- نفسه  نفس الصفحة

5- نفسه ص 56

6- نفسه ص 57

 

 

حاتم حميد محسنبقي الفلاسفة على مر التاريخ يشعرون بالخيبة من عدم حل بعض المشاكل الفلسفية مثل الوعي، المعرفة، المعنى، الرغبة الحرة والذات. العديد من المفكرين البارزين أشاروا للهوة الكبيرة بين قدراتنا الذهنية وأهداف الفلسفة، المتعلقة بمعرفة حقيقة الطبيعة النهائية والواقع. الناس فيما يبدو غير مؤهلين ادراكيا لمعالجة المشاكل التي تثيرها الفلسفة، ولكنهم جيل بعد آخر يكافحون للوصول الى الآفاق الزائفة أمامهم.

أمام هذه المحدودية، تبنّى بعض الفلاسفة نوعا من "عزيمة رواقية". وكما كتب توماس ناجل، "اذا كانت الحقيقة هي هدفنا، فلابد ان نقبل بإنجاز ذلك الهدف لمدى محدود جدا، وبدون أي تأكيد، لكي يمكن ان نعيد تعريف الهدف لضمان تحقيقه عبر مختلف أشكال الاختزالية، النسبية، التاريخية، كطريقة لإنجاز الرغبة المعرفية. الفلسفة لا يمكنها ان تلوذ بالطموحات المختزلة. انها تتجاوز الحقيقة الأبدية وغير المحلية، حتى عندما ندرك ان ذلك سوف لن نصل اليه" (رؤية من لامكان، ص10).

فلاسفة آخرون اختاروا بالضبط ما دعا ناجل لتجنّبه: قبول ملاذ في الطموحات المخففة. بدلا من التخبط في محدودياتنا، دعوا الى جلب اهداف الفلسفة ضمن حدود الامكانيات. وهناك آخرون تبنّوا موقفا في مكان ما بين هذين الاتجاهين. كولن ماكين، مثلا، يرى ان العديد من المشاكل الأساسية في الفلسفة هي ليست غير قابلة للحل بذاتها، وانما هي غير قابلة للحل للذهن الانساني. نحن ببساطة نفتقر للمعدات الذهنية الكافية لإنتاج المفاهيم المطلوبة لفك ألغاز الفلسفة. وبالتالي، يتكهن ماكين ان "في المليون سنة القادمة" سيكون حقل الفلسفة بالضبط في نفس الإشكاليات والعقد المحيّرة التي نجدها اليوم: مستودع للألغاز الغامضة والأسئلة دون إجابة. وبالنتيجة، هو ينصح الفلاسفة ان يستمروا بالعمل ضمن أقل أهداف للفلسفة، مثل "التحليل المفاهيمي، منهجة العلوم، الاخلاق والسياسة، واشياء اخرى" (مشاكل في الفلسفة:حدود التحقيق، 1993). وفي نفس الوقت، نحن "نرضخ لقيودنا البنيوية"، والتي سوف تمنعنا الى الأبد من كشف أسرار الطبيعة. ولو ردّدنا مع دونالد رامسفيلد(وزير الدفاع الامريكي السابق)، نحن نمارس الفلسفة بالأذهان التي لدينا وليس بالأذهان التي نريد او نرغب ان نمتلكها في أوقات لاحقة.

الشيء المشترك في جميع هذه المواقف هو انها الى مدى معين تتخلى عن أسمى محاولات الفلسفة. وهذا متوقع، بالطبع، في ظل عدم وجود خيارات اخرى.

وكما يشير برتراند رسل في عام 1936، "هناك عدة اسئلة ومن بينها تلك التي ذات أهمية عميقة لحياتنا الروحية، والتي بقدر ما نستطيع ان نرى، يجب ان تبقى غير قابلة للحل للعقل البشري مالم تصبح قدرته ذات نظام مختلف كليا عما هو عليه الآن"(مشاكل الفلسفة، فصل 15). المفردة الرئيسية هنا هي "ما لم". التكنلوجيات الجديدة مثل منشطات الذهن، تفاعل الذهن مع الكومبيوتر، الزراعة العصبية، الهندسة الوراثية، وحتى تحميل الذهن او ما يسمى "محاكاة كاملة للدماغ"(1) قد تغيّر النظام العصبي لدماغنا لكي تحسّن تفكيرنا كميا ونوعيا. وفي دراسة قام بها نك بوستروم و كارل شلمن تؤكد ان التقنية المسماة "اختيار الأجنة المتكرر" (2) قد تخلق مكاسب في قدرات الذهن بما يقارب 130 نقطة في وقت قصير نسبيا. النتيجة ستكون وجود ناس ما بعد انسانيين شديدي الذكاء، قادرين ليس فقط على معالجة المزيد من المعلومات في وقت أسرع، وانما الدخول التام الى مكتبات جديدة من المفاهيم تكون ملائمة للفلسفة وايضا وبشكل دائم خارج حدود ادمغتنا البايولوجية.

هذا يقود الى إمكانية اخرى: بدلا من تحجيم الفلسفة لتجاري الحدود الحالية، سيتم رفع الفيلسوف ليكون في مستوى تحقيق الأهداف النبيلة لمجال عمله. وكما يقول مارك ووكر: "الفكرة في الشعار، هي ليس اننا يجب ان نهمل الفلسفة، وانما الفلسفة يجب ان تهملنا"(مجلة التطور والتكنلوجيا، مارس 2002). اذا كان على الفلسفة ان تحقق اي تقدم في قضاياها الاساسية، فهي تتطلب عقولاً بقوة ذات تنظيم مختلف كليا عما عليه الآن"، كما يذكر رسل.

ولأول مرة في التاريخ، تطل ببطء مجموعة رائعة من وسائل تعزيز الادراك الراديكالي على آفاق الإمكانات التكنلوجية، جاعلة هذا طريقا معقولا نحو الامام. لذا يجادل البعض ان طاقات معظم الفلاسفة اليوم ستكون افضل لو بُذلت في العمل لضمان ادراك تام وملائم لتكنلوجيات توسيع الذهن بدلا من ان تُوجّه الى حل المشاكل العقيمة والمستعصية التي ثبت عقمها حتى لأبرز المفكرين في التاريخ.

بالمقارنة، لو تصوّرنا ان زيد يريد نقل طن من الحجر . هو يمضي عدة سنوات في رفع أثقال للإعداد للمهمة. لاحقا هو يصبح قوي جدا، لكنه عندما يحاول دحرجة الصخور، يجد ان جهوده ذهبت هباءً، نظرا للمحدوديات المتأصلة في جهازه العضلي. الآن لنتصور انه بدلا من ان يصبح أثقل وزناً عبر ممارسة التمارين البدنية، هو ينفق وقته في تصميم وبناء هيكل ميكانيكي خارجي – لنسميه رافعة او crane يزيد قدرته على الإستخدام الفيزيقي للعالم. عبر الدخول الى الرافعة، هو يصبح نوعا من سوبرمان بقدرات رفع خارقة. يستطيع تحريك الصخور بسهولة عبر الضغط على الزر وسحب العتلة. زيد هو بالطبع، الجماعة الفلسفية، والصخور تمثل الأسرار التي يسعى التحقيق الفلسفي لكشفها.

لكن العديد من المستقبليين يتفقون على ان مجيء ما وراء الانسان المعزز فكريا في ضوء مسار تكنلوجيا السايبورغ CYBORG (3) اصبح ممكنا. اذاً لماذا لا نساعد هذه العملية لتسير قدما؟ بعد الفين سنة ونصف من الجمود في بعض المشاكل الفلسفية العقيمة، ربما حان الوقت لنضع الأمل في الجيل القادم من الفلاسفة المابعد انسانيين. وبالنهاية، فان احدى الطرق لحل مشكلة عدم الملائمة بين المشاكل الفلسفية وأذهاننا هي ان نعيد تشكيل أذهاننا لكي تنسجم بشكل أفضل.

The future of Philosophy is CYBORG ,philosophy Now January 2021

 

حاتم حميد محسن

..........................

الهوامش

(1) تحميل الذهن mind-uploading هو مصطلح يشير للعملية التي يتم بها نقل الذهن، مجموعة الذكريات، الشخصية، وخصائص فرد معين من دماغه البايولوجي الأصلي الى ركيزة كومبيوترية اصطناعية.، يمكن للكومبيوتر بعد ذلك تشغيل نموذج محاكاة لمعالجة معلومات الدماغ بحيث يستجيب بنفس الطريقة التي يستجيب بها الدماغ الاصلي. حالما يصبح بالإمكان نقل الذهن من ركيزة الى اخرى عندئذ يسمى (SIM) او الذهن المستقل الركيزة. هذا المفهوم تحفّز بفكرة تصميم سوفتوير يمكنه تشغيل عدة كومبيوترات بمختلف انواع الهاردوير دون الحاجة الى اعادة كتابته.

(2) اختيار الأجنة المتكرر Iterated Embryo Selection هو تقنية افتراضية لو جرى تطويرها سيصبح بالإمكان استعمالها لإختيار الأجنة بمواصفات معينة أكثر كفاءة. اولاً، يتم جمع عدة خلايا جذعية جنينية من مختلف المتبرعين. هذه الخلايا الجذعية يتم تمييزها الى خلايا حيوانات منوية وخلايا بويضات، الخلايا المنوية ستلقح البويضة. الكروموسوم الناتج من البيضة الملقحة سيتم وضعه ضمن تسلسل، والبيضة الملقحة بعدد كبير من النسخ الجنينية المرغوبة سيتم الاحتفاظ بها، بينما يُهمل الباقي. بعد ذلك، سيتم تمييز البويضات الملقحة المتبقية الى خلايا حيامن وبويضات، والعملية ستتكرر بهذه الخلايا من الحيامن والبويضات حتى يتم الحصول على بيضة ملقحة مقبولة. عملية التكرار تحاكي التطور في مدى زمني قصير وتسمح بتحكّم اكبر في الكروموسوم الذي يمكن الحصول عليه بعد جيل واحد عبر اختيار البيضة الملقحة المرغوبة .

(3) تكنلوجيا السايبورغ تشير الى الانسان المسيّر آليا، حيث يكون مركب من جزئين، جزء حيوي وجزء آلي ذو قدرات خاصة. هذه التكنلوجيا سوف تستبدل الانسان وتعيد تشكيل العالم. يذكر جيمس لوفلوك ان تفوّق الانسان كمدرك رئيسي للكون سيصل بسرعه الى نهايته. هو يصف السايبورغ بالروبوتات المكتفية ذاتيا وأنظمة الذكاء الاصطناعي. أول من استخدم مصطلح السايبورغ هما منفريد كلاينس و ناثان كلن عام 1960.