حاتم حميد محسنتهتم فلسفة الاقتصاد بالقضايا المفاهيمية والمنهجية والأخلاقية التي تبرز ضمن الحقل العلمي للاقتصاد. التركيز الاساسي هو على قضايا المنهجية والابستيمولوجي – الطرق، المفاهيم، والنظريات التي من خلالها يحاول الاقتصاديون الوصول للمعرفة حول العمليات الاقتصادية. فلسفة الاقتصاد تهتم ايضا بالطرق التي تشترك بها القيم الاخلاقية في التفكير الاقتصادي – قيم الرفاهية الانسانية، العدالة الاجتماعية، والمقايضات بين الافضليات التي تتطلبها الخيارات الاقتصادية. التفكير الاقتصادي له انعكاسات على العدالة والرفاهية الانسانية، وما هو اكثر اهمية، هو ان التفكير الاقتصادي عادة ما يضع افتراضات أخلاقية هامة مع انها غير واضحة لكن فلاسفة الاقتصاد وجدوا انها تستحق التمحيص. اخيرا، تهتم فلسفة الاقتصاد بالافتراضات الاجتماعية الواقعية التي يتخذها الاقتصاديون. الفلاسفة وجّهوا انتباههم الى المؤسسات والهياكل التي يحدث من خلالها التغيير والفعالية الاقتصادية. ما هو السوق؟ هل هناك مؤسسات بديلة يمكن ان تجري بها الفعالية الاقتصادية الحديثة؟ ما هي المتغيرات المؤسسية التي توجد ضمن الاطار العام لإقتصاد السوق؟ ما هي بعض الادوار التي يمكن ان تلعبها الدولة ضمن التنمية الاقتصادية لكي تعزز الفاعلية والمساواة والرفاهية الانسانية والانتاجية و النمو؟

ان أبعاد فلسفة الاقتصاد التي تقع ضمن فلسفة العلوم لها علاقة بموقع التحليل الاقتصادي كمجموعة من المعارف التجريبية. الأسئلة الأساسية تتضمن : حول ماذا تتركز المعرفة الاقتصادية؟ ما نوع المعرفة التي يقدمها حقل الاقتصاد؟ كيف يرتبط بالعلوم الاجتماعية الاخرى وبالمعرفة المتضمنة في تلك الحقول؟ كيف يمكن تبرير او تقييم المعرفة الاقتصادية؟ هل النظرية الاقتصادية تزعم تقديم نظريات مجردة لعمليات اجتماعية واقعية – آلياتها، الديناميات والمؤسسات؟ ما طبيعة التوضيحات الاقتصادية؟ ما هي العلاقة بين النماذج الرياضية المجردة والنظريات من جهة، والحقيقة التجريبية للمؤسسات والسلوك الاقتصادي، من جهة اخرى؟ ما طبيعة المفاهيم والنظريات التي تُصاغ بها العقائد الاقتصادية؟ هل هناك نمطية منتظمة تشبه القانون بين الظواهر الاقتصادية ؟ ما اهمية التنبؤات في الاقتصاد؟

الدور الفكري لفلسفة الاقتصاد

الفلاسفة ليسوا باحثين تجريبيين، وبشكل عام هم ليسوا بناة لنظرية شكلية. لذا ما هو الدور البنّاء الذي تلعبه الفلسفة في الاقتصاد؟ هناك عدة ادوار. 1- الفلاسفة لديهم القدرة الجيدة لفحص الخصائص المنطقية والعقلانية للحقل التجريبي. كيف ترتبط الادّعاءات النظرية في الحقل بالدليل التجريبي؟ ما الدور الذي تلعبه السمات البرجماتية للنظريات مثل البساطة، سهولة الحساب، وما شابه في التقويم العقلاني للنظرية؟ كيف تساعد الافتراضات المسبقة للبحث في بناء التقدم الواعد لنظريات وفرضيات الحقل؟ 2- الفلاسفة مهيئون جيدا للنظر في الموضوعات ذات العلاقة مع المفاهيم والنظريات التي يوظفها الاقتصاديون – على سبيل المثال، العقلانية الاقتصادية(1)، توازن ناش(2)، المنافسة التامة(3)، تكاليف الاجراءات(4)، تباين المعلومات (5). الفلاسفة يمكن ان يقدموا تحليلا مفيدا لقوة وضعف هذه المفاهيم والنظريات – وبهذا يساعدون الاقتصاديين الممارسين في صقل وتوضيح اكثر للاسس النظرية لحقلهم. في هذا الدور، يعمل الفيلسوف كموضّح مفاهيمي للحقل، يعمل في شراكة مع الممارسين لخلق نظريات اقتصادية اكثر وضوحا ونجاحا . حتى الآن نحن وصفنا موقف الفيلسوف كمساعد للاقتصادي. ولكن في الحقيقة، لم يكن الخط بين النقد وتكوين النظرية حادا جدا. اقتصاديون مثل امارتي سين وفلاسفة مثل دانيال هوسمان اظهروا ان هناك امكانية لعبور بنّاء جدا للحدود بين الفلسفة والاقتصاد، وان الخبرة الفلسفية يمكن ان تؤدي الى تقدم هام بشأن المشاكل النظرية والتجريبية الهامة ضمن حقل الاقتصاد. ان المحتويات التراكمية لمجلة الاقتصاد والفلسفة توفر دليلا واضحا على الانشغال المنتج عندما تلتقي الفلسفة مع الاقتصاد.

ولكي ينجز فيلسوف الاقتصاد هذه الأهداف، فهو عليه مسؤولية موازية لتلك المسؤولية لدى فيلسوف البايولوجي او فيلسوف الفيزياء: هو يجب ان ينجز فهما مهنيا ودقيقا للحقل كما هو موجود حاليا. ان العمل الأكثر قيمة في فلسفة أي علم ينطلق من اساس الخبرة الهامة لدى الفيلسوف حول أحسن تطبيق، وحول النقاشات المعاصرة، والتحديات المستقبلية للحقل. فقط من خلال هذ الاطّلاع سوف ينجح الفيلسوف في إثارة موضوعات تتعامل حقا مع القضايا الهامة للمهنة.

اسئلة هامة في فلسفة الاقتصاد

لننظر الآن في نماذج من اسئلة فلسفية حول الاقتصاد كمجموعة منظّمة من المعرفة. هذه الاسئلة ليست على سبيل الحصر ، لكنها تفيد القارئ في الاطّلاع على أنواع الأسئلة التي يثيرها الفلاسفة في حقل الاقتصاد.

هل هناك قوانين في الاقتصاد؟

كان مفهوم قانون الطبيعة مركزيا في فهمنا للعلوم الطبيعية. القوة الفكرية للفيزياء الكلاسيكية مشتقة من حقيقة انها قادرة على تطوير ادّعاءات في القوانين الفيزيائية التي كانت قوانين بسيطة وعالمية – قوانين الجاذبية وحركة الكواكب، البصريات، الكهرباء والمغناطيسية وغيرها. هل هذه سمة ضرورية للعلم التجريبي الناجح؟ وهل يحوز الاقتصاد على مثل هذه القوانين؟ العديد من المؤلفين يوافقون على كلا النقطتين (كينكيد 1996) و (روزنبيرغ 1976). غير ان عدة نقاط برزت في النقاشات الاخيرة للعلوم الاجتماعية التي تقود للشك بمركزية القوانين في العلوم الاجتماعية – بما فيها الاقتصاد. اولا، هناك فرق هام بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة الاجتماعية يجب ان يجعلنا نشك بوجود قوانين قوية للطبيعة تصف الظاهرة الاجتماعية. ثانيا، من الواضح ان هناك انتظامية ضمن حقل الاقتصاد التجريبي – الاستهلاك عادة يزداد عندما تهبط الاسعار، التجارة تزيد عندما تهبط كلفة النقل، وفيات الاطفال عادة تقل عندما تخصص الدولة المزيد من الموارد للصحة العامة. لكن هذه هي مجرد انتظامية تجريبية رتيبة . هل هناك قوانين اقتصادية قوية لها قوة قوانين ماكسويل في الانتشار الكهرومغناطيسي؟ لاشيء في النظرية الاقتصادية الحالية يوفر سببا للاعتقاد ان هناك مثل هذه القوانين. الافتراضات الاساسية للنظرية الاقتصادية من الواضح لا تقع في صنف قوانين الطبيعة. وكما سنرى أدناه، ان افتراض العقلانية الاقتصادية لايشكل تعميما عالميا حول سلوك الفرد. هنا، وكما في المجالات الاخرى للعلوم الاجتماعية، من المبرر جدا البحث عن آليات سببية بدلا من قوانين اجتماعية.

هل افتراضات الاقتصاد واقعية؟

هل النظريات والفرضيات الاقتصادية تساعد في وصف الهياكل والآليات الاقتصادية غير المشاهدة؟ ملتن فريدمن مهّد للجواب على هذا السؤال عبر الجدال بالتفسير الآداتي للافتراضات الاقتصادية (فريدمن، 1953). وفق رؤية فريدمن ، فان قيمة النظرية هي تماما يُعبّر عنها بمقدرتها للتنبؤ بالظاهرة المشاهدة، النظرية هي وسيلة للتنبؤ . الآداتية، عموما واجهت نقدا قويا من فلاسفة العلوم (ليبلن، 1984). أحسن توضيح للنظرية هو في امتلاك تنبؤات موثوقة حول نطاق من الظواهر وان الآليات التي تفترضها هي في الحقيقة صحيحة. لذا فهو عجز في النظرية عندما تكون الآليات التي تفترضها غير مقنعة او زائفة. والنظرية الاقتصادية ستكون عاجزة كثيرا لو استنتجنا ان مقدماتها غير منسجمة بعمق مع العمليات الاساسية الواقعية التي تشكل الاقتصاد الناجح. مقابل هذا الاطار الأداتي يضع دانيال هسمن Daniel Hausman اتجاه واقعي للنظرية الاقتصادية (هسمن، 1992). وفق هذا الاتجاه، يكون هدف الاقتصادي هو الوصول لإفتراضات صادقة تقريبا.(كما سنرى ادناه، هذا المبدأ المنهجي يقترح ان الاقتصاديين يجب ان يوجّهوا انتباها كبيرا للمؤسسات الاقتصادية وتحليلات الاقتصاد المقارن والتاريخ الاقتصادي).

هل النظريات الاقتصادية قابلة للاختبار او ممكن تفنيدها؟

قبل ان نسأل ما اذا كانت النظرية قابلة للاختبار، يجب ان يكون لدينا توصيف واضح لمحتواها التجريبي. هذا يتطلب منا ان نسأل السؤال، ماذا اريد للنظرية ان تصف، تتنبأ او توضح؟ النظرية يكون لها محتوى تجريبي لو هي تعمل ادّعاءات حول العمليات السببية المؤطرة لمجال الظاهرة وتلك الادّعاءات لها تأثيرات للحالات المشاهدة في العالم. في ظل هذه الظروف سيكون من الممكن لنا ان نؤدي تجارب (نرتب العالم بطريقة معينة، نلاحظ المحصلة، ونقارن مع المحصلة المتنبأ بها للنظرية)، المشاهدات التي تحت السيطرة (تُجمع قبل وبعد الحالات وتُقارن المحصلة مع تنبؤات النظرية)، مشاهدات متدرجة على مراحل منفصلة (فحص عناصر العملية لكي نقيّم ما اذا كانت العمليات السببية المفترضة تحدث حقا)، وهكذا. من خلال هذه الجهود نستطيع جلب الدليل التجريبي المرتبط بمهمة تقييم حقيقة الافتراضات. لذا فان السؤال الذي امامنا هو: هل النظرية الاقتصادية تحتوي على افتراضات هامة حول الأعمال السببية للعالم الاقتصادي التي قُصد بها ان تمتلك تأثيرات على الحالات المستقبلية المشاهدة للعالم؟ وهل نحن قادرين على آداء ملاحظات لحالات العالم التي تؤكد او تنفي النظرية(هاندس، 1992)؟. من حيث المبدأ، من الواضح ان الجواب لهذا السؤال هو بالايجاب.

لننظر في نطاق من النظريات لعملية اقتصادية معينة – نمو اقتصادي، تجارة، بطالة، الاجور، التمييز – مثل هذه النظريات لها نتائج تنبؤية، وليس من الصعب وصف الملاحظات التي يجب التأكد منها لإختبار هذه النظريات. الصعوبة الإبستمية تأتي لاحقا: معظم نظريات الظاهرة المعقدة هي في الحقيقة يمكن تكذيبها – بدون ان تكون بالضرورة خاطئة تماما في وصفها للعمليات الاساسية. لذا كيف نميز بين النظريات القابلة للتكذيب لتحديد تلك الأكثر احتمالا من الأقل احتمالا (لاكاتوس، 1974)؟

هل النظريات الاقتصادية مجرد انظمة رياضية شكلية بدون ملائمة تجريبية؟

الكسندر روزنبيرج يدافع عن الرؤية الشكلية للنظرية الاقتصادية، كونه استنتج بان الاقتصاديين لم ينجحوا في انتاج نظريات تجريبية او توضيحات لظاهرة تجريبية واقعية (روزنبيرغ، 1992، فصل 8). روزنبيرغ يشبّه الاقتصاد الجزئي بهندسة اقليدس بدلا من الفيزياء الكلاسيكية او البايولوجيا التطورية. النظرية هي مجموعة من مقولات او مبادئ مجردة غير تجريبية، وان ممارسة عمل الاقتصاد هي واحدة من اشتقاق فرضيات من هذه المبادئ. هل هذه طريقة مقنعة لفهم البرنامج الفكري للاقتصاد؟ ليس كذلك. المهمة الفكرية لحقل الاقتصاد – والتي لا تتحقق دائما بنجاح – هي توفير اساس علمي اجتماعي لفهم وتوضيح والتنبؤ بالظاهرة الاقتصادية. لماذا يؤثر سعر الفائدة على حجم الاستثمار؟ لماذا يرتبط التضخم والبطالة مع بعضهما ؟ لماذا يكون النمو الاقتصادي اكثر سرعة في سياق نوع واحد من المؤسسات دون اخرى؟ ما هي الروابط السببية التي تضمن الارتباطات بين المتغيرات الاقتصادية؟ هذه انواع من الاسئلة التي من مسؤولية الاقتصاديين الاجابة عليها. وان الاتجاه نحو التنظير الاقتصادي الذي يفترض ان الحقل هو شكلي خالص سوف لن يساعد في إلقاء الضوء على هذه الآليات الاقتصادية الواقعية وان كانت غير مشاهدة. على هذا الخط من التفكير، الرياضياتية المستمرة في الاقتصاد يجب ان تُفهم كوسيلة لغاية وليست غاية في ذاتها. الآلية الرياضية او الشكلية للاقتصاد هي ذات قيمة فكرية فقط بمقدار ما تساهم بفهم أفضل او واقعي، للعمليات الاقتصادية التجريبية ، والأسباب، والانظمة.

ماهي مكانة مفهوم العقلانية الاقتصادية؟

ان مفهوم العقلانية الاقتصادية هو أساسي ضمن النظرية الاقتصادية، وخاصة ضمن الاقتصاد الكلاسيكي الجديد. الاهتمام الخاص لفلاسفة الاقتصاد كان تزويد إختبار نقدي لنظرية العقلانية الاقتصادية. الفلاسفة اثاروا سلسلة من القضايا الهامة المتعلقة بنظرية العقلانية الاقتصادية. وبالنظر اليها مجتمعة، هذه الانتقادات قادت الى تعزيز هام في فهمنا لمفهوم العقلانية. اولا، الفلاسفة خصصوا المزيد من الانتباه للفجوة بين نظرية المنفعة ونظرية التفضيل الفردي. ثانيا، هم رفضوا افتراض الأنوية او المصلحة الذاتية العقلانية التي افتُرضت سلفا في النظرية الخالصة (سين، 1987)، (اندرسون، 2000). ثالثا، الفلاسفة وآخرون اشاروا الى ان الفاعلين السايكولوجيين الواقعيين يفكرون بطرق تتناقض مع النظرية الخالصة للعقلانية الاقتصادية (سيمون، 1983)، (كاهنمن، 1982) . رابعا، فلاسفة وآخرون خصصوا اهتماما كبيرا للافتراضات المتعلقة بنظرية المباراة. اخيرا، بعض الفلاسفة باشروا دراسة خصائص العقلانية الاقتصادية في افراد واقعيين من خلال التجربة (Schmidtz، 1991). فمثلا، روبرت اكسيلرود استخدم ظروف تجريبية لفحص الكيفية التي يتعامل بها المفكرون المنطقيون الواقعيون مع مأزق السجناء، هو وجد ان الاشخاص التجريبيين باستمرار قادرين على انجاز التعاون بدلا من اللامبالاة(اكسيلرود، 1984). النتائج لهذا البحث تقترح ان المفكرين المنطقيين يتصرفون بإدراك – ولكن بشكل مختلف عن مبادئ نظرية العقلانية الاقتصادية الخالصة.

ما دور القيم الاخلاقية في الاقتصاد؟

الاقتصاديون عادة يصفون علمهم كمتحرر من القيمة – كتحليل تقني لمتطلبات العقلانية في تخصيص الموارد بدلا من مجموعة معينة من التزامات القيمة او السياسة. في هذا التفسير، يرغب الاقتصادي ان يُقارن مع المهندس المدني بدلا من صانع سياسة نقل: هو يمكن ان يخبرنا كيف يبني جسرا ثابتا، ولكن ليس اين ومتى ولماذا. المواطنون وصناع السياسة هم الذين يضعون الأحكام حول المطلوب بشأن الصالح العام لكي يقرروا ما اذا كان طريق معين او جسر مرغوب اجتماعيا، التقني التخصصي هو الذي يجهز التصميم ويضع تقدير للتكاليف. هذا الوصف لحقل الاقتصاد يفشل في عدة مجالات هامة. النظرية الاقتصادية تحتوي على مجموعة متقاربة من الافتراضات الهامة المسبقة حول طبيعة الصالح – فردي او اجتماعي – التي تؤثر مباشرة في التوصيات السياسية التي تدعمها النظرية الاقتصادية. فمثلا، افتراض الأنوية العقلانية غير منسجم مع العديد من قيم الجماعية، الافتراض بان المساواة تخضع للفاعلية هو غير منسجم مع فلسفة المساواة السياسية، وافتراض ان عدد من السلع تشكل رفاهية الفرد هو غير منسجم مع التصور الأرسطي للحياة الانسانية الجيدة (Nussbaum، 2000). لذا فان مقدمات وافتراضات الاقتصاد متداخلة بقوة مع الافتراضات المعيارية حول الحياة الانسانية الجيدة والمجتمع الجيد. هذا ليس عجزاً، ولكن يجب الاعتراف به لكي نستطيع الاعتراف بعمل الافتراضات غير واضحة القيمة، وانه بالتأكيد يبطل افتراض العلم الاجتماعي المتحرر من القيمة. عموما، يبدو من الإنصاف القول ان الافتراضات الاخلاقية التي يفترضها مسبقا الاقتصاديون الكلاسيك الجدد تقع مجتمعة ضمن عائلة المُثل المعيارية التي تمجد الفردية واللامساواة وممارسة الحد الادنى للسياسة العامة.

هل العدالة التوزيعية موضوع للاقتصاديين؟

حالما يتم الاعتراف بان الاقتصاد له محتوى أخلاقي، يصبح واضحا اننا نحتاج لفحص هذه المقدمات الاخلاقية بالتفصيل، ونقدم نقدا عندما نجدها دون التوقعات. وبالذات، الاقتصاد مجبر لمواجهة قضايا العدالة التوزيعية بوضوح اكبر مما هو عليه حتى الان. اقتصاد السوق ينطوي على درجة من اللامساواة من مختلف الانواع: لامساواة في المحصلات (ثروة ودخل)، لامساواة في الفرص، لامساواة في السلطة والنفوذ، لامساواة في مستويات الرفاهية (صحة، تعليم ، سنوات الحياة). ما نوع اللامساواة المقبولة أخلاقيا في المجتمع العادل؟ ما حجم اللامساواة التي يمكن ان توجد قبل ان تخلق فرقا بين المواطنين ولدرجة تُضعف من كرامتهم الانسانية وتبطئ الظروف المسبقة للديمقراطية؟ طوال الثلاثين سنة الماضية قدّم الفلاسفة مساهمات هامة لفهمنا لقضايا العدالة التوزيعية والمكانة الأخلاقية لـ الاّمساواة:(رولز 2001)، (نوزك، 1974)، (الستر، 1992).

هل هناك اساس للنقاشات العقلانية حول المؤسسات الاقتصادية؟

ما نوع العالم الاجتماعي الذي تفترضه النظرية الاقتصادية مسبقا؟ في دراسة هذا النوع من السؤال،  ينتقل الفلاسفة الى نقاشات هامة حول طبيعة الظاهرة الميدانية قيد الدراسة. النقاش يقع في ظل عنوان من النقد، كونه يركز على النقاط المعتمة التي يمكن اكتشافها ضمن الحقل المرئي للتنظير الاقتصادي. الاقتصاديون يضعون افتراضات حول المؤسسات التي تشكل اطارا للاجراءات الاقتصادية، وان هذه الافتراضات هي احيانا غير مرنة وغير واقعية. ولذلك يجدر بالفلاسفة توجيه انتباههم للنواقص في الافتراضات المؤسسية الاجتماعية التي يضعها الاقتصاديون عادة. المؤسسية الجديدة في العلوم الاجتماعية أبدت اهتماما كبيرا بمؤسسات معينة تحدث فيها الفعالية الاجتماعية (برنتون و ني، 1998). المؤسسات ذات اهمية كبيرة، لذا فان المزيد من التفكير الدقيق عن المؤسسات الاقتصادية لإقتصاد سوق معين قد يقود الى فهم أفضل للظاهرة التي نشهدها. فمثلا، دمج تكاليف الاجراءات وتباين المعلومات بين البائع والمشتري غيّر بشكل كبير فهمنا لمؤسسات السوق. أحد مجالات النقد الفلسفي يأتي من مستوى التجريد في نظريات اقتصادية عادية. الكثير من التفاصيل التجريبية ربما تغيّر كثيرا من الاستدلالات التي نصل اليها عن عمل المؤسسات. المنافسة غير التامة في السوق ربما هي القاعدة بدلا من الاستثناء- لذا من المهم دمج بعض من هذه الخصائص التجريبية في نظرياتنا عن المؤسسات الاقتصادية.

هل هناك مؤسسات اقتصادية بديلة يمكن ان تعمل في الاقتصاد الحديث؟

الفعالية الاقتصادية في المجتمع الحديث تتطلب مؤسسات تعرّف الادارة الناجحة والتمتع بالموارد واستخدام وادارة العمالة، وادارة المشاريع. الاقتصاد الكلاسيكي الجديد يفترض سلفا الملكية الخاصة لرأس المال، وعمال أحرار ليس لديهم ملكية، ودول لها أقل نفوذ اقتصادي. هل هناك مؤسسات اخرى من خلالها يمكن ان تدار الفعالية الاقتصادية ضمن المجتمع المنتج والحديث (الستر و موني، 1989)؟ فمثلا ما هو المنطق الاقتصادي لتعاون العمال؟ كيف يمكن استخدام المعاش التقاعدي للعامل المُتحكم فيه لتعزيز المساواة الديمقراطية؟ هل هناك الكثير يمكن تعلّمه من تجربة الاقتصاد الاشتراكي، وملكية الدولة، او سيطرة العمال على العمليات الصناعية؟ هل المؤسسات البديلة ممكنة؟ هل هي فعالة؟

ماذا يمكن ان نتعلم من تحليلات الاقتصاد المقارن؟

اجريت التنمية الاقتصادية في طرق مختلفة في مختلف الدول والاقاليم منذ ظهور التكنلوجيات الحديثة والمؤسسات الاقتصادية. مؤسسات السوق تطورت بشكل مختلف في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. الاقتصادات الجمعية اتّبعت مسارات مؤسسية مختلفة في يوغسلافيا والاتحاد السوفيتي والصين. ماذا يمكن ان نتعلم عن العمليات الاقتصادية والديناميكيات من خلال دراسة ومقارنة الاقتصادات القومية في تفاصيل هامة؟ فمثلا، ماذا يمكن ان تعلّمنا التجارب المختلفة للصين والهند منذ عام 1945 عن المسارات البديلة للتنمية الاقتصادية (Dr ze&Sen، 1989)؟ هل هذا النوع من بحث الاقتصاد المقارن يوفر اساسا لما بعد الحرب الباردة في تحليل الاقتصاد السياسي للتنمية؟ عندما يأتي الاقتصاديون لمواجهة التحدي الفكري في تهيئة وصف سببي واقعي للأنظمة الاقتصادية، هم سيكونون قادرين للوصول الى رؤى هامة جديدة من خلال تحليلات الاقتصاد المقارن.

ما مدى الملائمة الفكرية لتاريخ الرأسمالية الصناعية الغربية للنظرية الاقتصادية؟

ان إعادة فحص تاريخ الرأسمالية الاوربية يشير الى ان هناك مسارات ممكنة اخرى للتنمية الاقتصادية الى جانب التصنيع الواسع والتخصص في الانتاج (سابيل و زيتلن، 1997). التصنيع الواسع والعمالة غير الماهرة جسّدا بديلا واحدا هاما، لكن هناك خيارات اخرى ممكنة تاريخيا. وكما يرى سابيل و زيتلن، ان نظاما ممكنا آخرا للانتاج الصناعي يستلزم عمالة عالية المهارة، وانتاج مرن، ووسائل وعمليات انتاج مرنة (سابيل، 1985). مرة اخرى، يُعتبر العامل الاخلاقي في حقل الاقتصاد هام جدا . من الممكن الوصول الى نظريات اقتصادية مقنعة تجريبيا عندما ننظر في نطاق من مؤسسات يحدث فيها النمو الاقتصادي والفعالية الاقتصادية.

استنتاج

فلسفة الاقتصاد تُفهم باعتبارها كمصدر للنقد القوي والدقيق لعلم الاقتصاد. انها تثير اسئلة حول ابستيمولجيا هذا الفرع من العلوم الاجتماعية – اسئلة حول بناء النظرية، تأكيد النظرية، كفاية التوضيح، وما شابه. انها تستجوب الافتراضات الضمنية المعيارية التي يحتوي عليها الاقتصاد. انها تثير بعض الأسئلة الأخلاقية التي يُجبر الاقتصاد على مواجهتها – لكنه نادرا ما يفعل. انها تقترح اتجاه أوسع واكثر تنوعا للتنظير الاقتصادي – يدمج المزيد من الدراسة للمؤسسات الاقتصادية ، ويخصص المزيد من الاهتمام للتاريخ الاقتصادي. الاقتصاد سيكون علم اجتماعي اكثر نجاحا عندما يحتضن الدور الذي لعبه في القرن التاسع عشر كعلم اجتماعي مؤثر – وهي المساحة من التحقيق الاجتماعي التي كانت مهتمة بنفس القدر بالمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية التي شكّلت الاقتصاد الحديث - ويركّز على المضامين الاخلاقية للظاهرة الاجتماعية قيد الدراسة، ويرغب في دراسة مختلف النماذج النظرية من أجل تحقيق فهم علمي للعمليات الاقتصادية والمؤسسات والمحصلات.

 

حاتم حميد محسن

.........................

Philosophy of economics,

www- personal.umd.umich.edu

الهوامش

(1) العقلانية الاقتصادية Economic rationality هي مبدأ يرتكز على بديهية بأن الناس يتصرفون بطرق عقلانية ويتخذون قرارات وخيارات ضمن بناء منطقي من التفكير، وبالضد مما يستلزم من عناصر سايكولوجية وعاطفية وأخلاقية.المبدأ يفترض ان الناس يتصرفون بشكل معقول، وهذا يعني حساب السلبيات والايجابيات.

(2) توازن ناش Nash equilibrium : يعمل هذا التوازن ضمن نظرية المباراة، واُطلق عليه اسم ناش نسبة للرياضي جون فوردس ناش، وهو الطريقة الأكثر شيوعا لمعرفة الحل في مواقف عدم التعاون التي تستلزم لاعبين اثنين او اكثر. في توازن ناش كل لاعب يُفترض ان يعرف استراتيجيات التوازن للاّعبين الآخرين، وان أي لاعب لن يكسب أي شيء بتغيير ستراتيجيته الخاصة به فقط. مبدأ ناش يعود تاريخيا الى زمن جرى فيه تطبيق المبدأ على اختيار المخرجات لدى شركات متنافسة. لو ان لاعبين اثنين (زيد) و (عمر) يختاران الستراتيجيات (ك) و (ل). فان (ك و ل) هو توازن ناش عندما (زيد) ليست لديه ستراتيجية اخرى تعمل افضل من (ك) في تعظيم ارباحه استجابة لإختيار (عمر) للاستراتيجية (ل)، وان (عمر) ليست لديه ستراتيجية اخرى افضل من (ل) في تعظيم ارباحه استجابة لإختيار (زيد) للاستراتيجية (ك).

(3) المنافسة التامة او الخالصة Perfect competition وهي هيكل سوق نظري يتميز بالخصائص التالية: اولا، كل الشركات تبيع سلع متجانسة، ثانيا، كل الشركات لها سعر واحد، لا تستطيع اي شركة التأثير على سعر السوق. ثالثا، حصة كل شركة من السوق ليس لها تأثير على السوق. رابعا، المشترون لديهم معلومات تامة حول السلع المباعة والاسعار المستلمة من جانب اي شركة. خامسا، العمال يستطيعون الحركة التامة، سادسا، اي شركة تستطيع الدخول او الخروج من السوق بدون أي تكاليف.

(4) تكاليف الاجراءات transaction costs وهي نفقات يتم تحملها عند بيع او شراء السلع والخدمات. هذه التكاليف تمثل كلفة العمل المطلوب لجلب السلعة او الخدمة للسوق. انها تتضمن عمولة السماسرة في الأسواق المالية .

(5) تباين المعلومات Asymmetric information وتسمى ايضا فشل المعلومات. وتحدث عندما يمتلك احد اطراف الإجراء الاقتصادي معرفة اكثر من الطرف الآخر. حيث ان البائع للسلعة ستكون له ميزة على المشتري. مثال على ذلك عند بيع منزل خاص. صاحب المنزل يعرف كل عيوب وخصائص المنزل كأن تكون شقوق في السقف او ضوضاء الجيران او ان البيت يكون بارد جدا في الشتاء. هذه العيوب لا يعلم بها المشتري الا بعد الشراء وهو بهذا يكون دفع الكثير على المنزل.

 

 

علي رسول الربيعيراولز والديمقراطية

ما هي الديمقراطية الليبرالية؟ من المعروف أن هناك فكرتان منفصلتان لكنهما يرتبطان بمصطلح "الديمقراطية": أولاً، إجراءات تصويت بالأغلبية. والثانية حماية حقوق معينة للفرد.  ومن سيئ السمعة أيضًا الرأي القائل بأن هذه الأفكار في حالة توتر: إن منح الكثير من السلطة للأغلبية يمكن أن يؤدي إلى دولة قمعية يتم تجاهل حقوق الأقلية أو إبطالها فيها، بينما يؤدي منح الكثير من الحقوق المحمية دستوريًا إلى تقلص مجال صنع القرار الديمقراطي. التهديد الأول بالطبع هو استبداد الأغلبية. التهديد الثاني، المهم للغاية ولكنه أقل نقاشًا، يمكن أن نطلق عليه "إضعاف السياسي".

أعتبر فكرة الديمقراطية الليبرالية هي نظام يتم فيه تحقيق التوازن الصحيح بين حكم الأغلبية وحماية الأقلية. وهكذا يمكن للمرء أن يجد دستورًا، مكتوبًا أو غير مكتوب، جنبًا إلى جنب مع ازدهار النقاش واتخاذ القرار في المجالات الواسعة للسياسة التي لم يحددها الدستور. تصون الحقوق المحمية بموجب الدستور الحريات الأساسية للمواطن، لكن يمكن للمجتمع أن يتخذ قراراته الخاصة بشأن الأمور الأقل أهمية.

هل راولز ديمقراطي ليبرالي؟ لا يمكن لأحد أن يشك في التزامه بالليبرالية. كانت الرغبة في حماية الحقوق الفردية إحدى القوى الدافعة وراء نظرية العدالة. نلاحظ مثلا مطبعة جامعة هارفارد اختارت  في إعلانها المبكر للكتاب ما يمثل رسالة الكتاب من خلال الاستشهاد بعبارة: "في مجتمع عادل لاتخضع  الحقوق التي تضمنها العدالة للمساومة السياسية". يتم إعطاء هذه الحقوق من خلال مبدئي راولز للعدالة، مع التركيز بشكل خاص على الحريات الأساسية المنصوص عليها في المبدأ الأول.

وهكذا، فإن نصف فكرة الديمقراطية الليبرالية- الدستور الليبرالي- يظهر بقوة في نظرية العدالة. أين النصف الآخر؟ ألمح منتقدو راولز أحيانًا إلى أنه بالكاد يمكن العثور عليه،[1]  لذا سيعاني المجتمع الراولزي  مما أسميه إضعاف السياسي حقًا. وبالفعل، لا تظهر "الديمقراطية" و"التصويت" و"الأحزاب السياسية" في الفهرست. نعم هذا عيب في الفهرس أكثر منه في الكتاب إلأً أنً الإشارة المرجعية إلى "قاعدة الأغلبية" تحل المشكلة. عندما نفحص الأقسام ذات الصلة من الكتاب نجد راولز يدافع عن ديمقراطية دستورية تقليدية إلى حد ما حيث يصوت الأفراد لممثليهم في الدوائر الانتخابية المحلية. على الرغم من الإلمام بهذه الصورة، إلا أن هناك بعض التقلبات في الأمور ذات الاهتمام النظري والعملي الكبير.

يبدأ راولز بما يسميه مبدأ المشاركة المتساوية، فجميع المواطنين لهم حق متساو في المشاركة وتحديد نتائج العملية الدستورية التي تحدد القوانين التي يجب عليهم الامتثال لها.[2] يجب أن يتمتع "جميع البالغين العقلا، مع استثناءات معينة معترف بها بشكل عام" بالحق في التصويت في انتخابات نزيهة وحرة تُجرى بانتظام. [3] يجب أن يكون الناس أحرارًا في تشكيل أحزاب سياسية، وفكرة "المعارضة الموالية '' - حزب معارض لمن في السلطة، ومع ذلك التي تقبل وتحترم الدستور والعملية السياسية - أمر حيوي للسياسة المعقولة.

علاوة على ذلك، فإن الحق المتساوي في المشاركة يعني أن تصويت كل مواطن يجب أن يكون له وزن متساو، مما يستلزم بدوره أن حدود الدوائر الانتخابية يجب أن تظل قيد المراجعة باستمرار من قبل هيئة مستقلة.[4] بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يتمتع الجميع بفرص متساوية "على الأقل بالمعنى الرسمي" لتولي المناصب العامة.

هناك ثلاث نقاط على وجه الخصوص يتعمق فيها راولز، أود أن ألفت الانتباه إليها: القيمة العادلة للحريات السياسية؛ التصويت والمحفزات. والتبريرات الجوهرية مقابل المبررات الآلية للديمقراطية.

القيمة العادلة للحريات السياسية

تأخذ فكرة القيمة العادلة للحريات السياسية النقطة التي مفادها أن الجميع يجب أن يتمتعوا بفرص متساوية "على الأقل بالمعنى الشكلي" لتولي الوظائف أو المناصب العامة. يبدو أن عبارة "المعنى الشكلي" لا تشير إلى أكثر من أن كل شخص يجب أن يكون له الحق في الترشح لمنصب، أو على الأقل جميع من هم في سن الرشد. أنه لمن الصحيح أن راولز يعتقد أنه يجب أن يتمتع الجميع بمثل هذه الحقوق. لكنه لا يتوقف عند هذا الحد. إنه قلق بحق من أن التفاوتات في الثروة ستؤدي، من الناحية العملية، إلى عدم المساواة في الوصول إلى السلطة السياسية.[5]

نرى هذه الظاهرة بعدة طرق في السياسة  في هذا العصر. أن تطلب الأحزاب السياسية مساهمات من رجال الأعمال، والشركات، ومن الأفراد الأثرياء، وعليه من المعقول الاعتقاد بأن الأطراف التي تستفيد بهذه الطريقة ستتعامل مع مصالح مانحيها الرئيسيين بثقل أكبر في صياغة السياسة. وبالتالي، يمكن ان يكون للثروة الأكبر تأثير سياسي أكبر من أجل المنفعة الشخصية. وأكثر من ذلك، يمكن للأفراد الأثرياء الترشح لمنصب، وغالبًا ما يكون لديهم فرص أكبر للنجاح، في الظروف يجد فيها من هم أقل ثراء وضعهم ميؤوسًا منه. يمكن للأثرياء أن ينفقوا أموالهم على الانتخابات، أو يشجعوا الأصدقاء والأقارب الأثرياء على دعمهم، مما  قد لا يكون للفقراء فرصة للمنافسة. وهناك العديد من الأسباب التي تجعل هذا الموقف يبدو غير مرغوب فيه. كما رآى جون ستيوارت ميل، كيف يمكننا الوثوق في أي شخص مستعد لإنفاق أمواله على الانتخاب؟ من المؤكد أنهم سيبحثون عن بعض العائد على استثماراتهم؟[6]

لذلك قيل: نظرًا لأن راولز يعطي أولوية عالية للمساواة في الحريات الأساسية، بما في ذلك الحق في الترشح لمنصب سياسي، وهو يدرك أن عدم المساواة في الثروة يمكن أن يؤدي إلى عدم المساواة في الحق في المشاركة السياسية، فهو مجبر منطقيًا  حظر التفاوتات الاقتصادية. أي أنه يجب ألا يسمح بوجود فروق في الدخل والثروة في مجتمعه.[7] هذه طريقة جذرية ودرامية لضمان أن الحريات السياسية لها نفس القيمة للجميع. لن تكون هناك تفاوتات في الثروة لترجمتها إلى عدم مساواة في السلطة السياسية. وهكذا لدينا، في الواقع، حجة من الديمقراطية إلى المساواة في الدخل والثروة.

لكن لم يتأثر راولز بهذه الحجة، وظل يرغب في التعامل مع مشكلة تأثير تفاوت الثروة على السياسية بطريقة أخرى. بعد كل شيء، يمكن أن يكون عدم المساواة في الثروة مفيدًا اقتصاديًا للجميع، بما في ذلك الأسوأ حالًا. فقد يؤدي السماح بعدم المساواة إلى إنشاء نظام من الحوافز من شأنه أن يؤدي إلى المزيد من النشاط الاقتصادي والازدهار العام مقارنة بنظام المساواة المستقيمة. هذه هي نقطة مبدأ الاختلاف، الذي ينص على أن عدم المساواة مسموح بها إذا كانت تجعل حتى الأسوأ حالًا أفضل مما سيكون عليه بدونها. إذا كان صحيحًا أن التفاوتات يمكن أن تعود بالفائدة على الجميع، فسيكون من المؤسف أن نفقد فوائد عدم المساواة من أجل المساواة في الحق في المشاركة السياسية إذا أمكن إيجاد طريقة أخرى للقيام بذلك. يعتقد رولز أن البديل متاح: لا تسمح للناس بتحويل الميزة الاقتصادية إلى ميزة سياسية.

لا تكمن المشكلة، كما يراها راولز، في أن الناس لديهم مبالغ مختلفة من المال، ولكن في قدرتهم على إنفاق الأموال لمساعدة حزب أو شخص معين أو حتى انتخاب أنفسهم. هذا هو الاحتمال الذي يجب استبعاده. لذا يقدم راولز ما يعتبر اقتراحًا جذريًا: يجب ألا يكون الناس قادرين على إنفاق الأموال في محاولة للتأثيرعلى العملية الانتخابية. وعليه، ينبغي تمويل الأحزاب السياسية من عائدات الضرائب.17[8]  لا بد من وضع تفاصيل مثل هذا المخطط بطريقة عادلة وعملية، وهناك العديد من الاحتمالات، ولكن النقطة الأساسية هي أنه إذا كان الناس لا يستطيعون إنفاق الأموال في الانتخابات، فإن التفاوتات في الدخل والثروة يسمح بها الاختلاف. يتضح أن المبدأ متوافق مع حق متساوٍ في المشاركة السياسية. لا يقول راولز إنه يريد الذهاب إلى أبعد من جون ستيوارت ميل الذي أقترح يجب أن لايكون أعضاء البرلمان مدفوعي الأجر (لمنع مثل هذه الوظائف من أن تكون هدفًا لرغبة المغامرين من الطبقة الدنيا ميل،[9]أنه موقف هو   لا ينبغي أن يحصل أعضاء البرلمان على رواتب جيدة بشكل خاص: ولا ينبغي لأحد أن يرغب في أن يصبح عضوًا في البرلمان من أجل المال.

التصويت والمحفزات

إذا كانت لدينا ديمقراطية تمثيلية، كما يدعو راولز، فسيكون هناك نوعان من التصويت داخل النظام. أولاً، يصوت المواطنون العاديون لأعضاء يمثلونهم في المجلس النيابي، وثانيًا، يصوت هؤلاء النواب على سن القوانين. ولكن على أي أساس يصوت  المواطنون والممثلون بطريقة دون أخرى؟

قد تبدو نقطة أو حتى معنى هذا السؤال غير واضحة إلى حد ما، وقد يكون من الأفضل تناولها من خلال النقد الممكن  لتصويت الأغلبية الذي يحاول راولز نزع فتيله. النقد هو أن قد يكون قبول رأي الأغلبية غير عادل، لأن أفراد الأقلية قد يفضلون خيارهم الأول، في حين أن أعضاء الأغلبية قد يكون لديهم تفضيل ضعيف نسبيًا. ومن ثم، فإن التصويت بالأغلبية لا يأخذ في الاعتبار كثافة التفضيلات. يبدو رد راولز رافضًا  ذلك إلى حد ما. يقول إن الاعتراض يفترض أن التصويت يتعلق بإرضاء التفضيلات (أن النتيجة الصحيحة هي التي ترضي معظم التفضيلات)، لكن هذا الافتراض خاطئ. فما يسعى إليه هو تشريعات عادلة وفعالة. والتفضيلات الفردية- وبالتالي نقاط القوة في التفضيلات الفردية- ليست ذات صلة.[10]

قد يبدو هذا متسلطًا إلى حد ما. بعد كل شيء، إذا كانت التفضيلات غير ذات صلة  فلماذا نهتم بالتصويت في المقام الأول؟ لكن يوجد وراء هذه النقطة تمييز ذو أهمية أساسية للنظرية الديمقراطية. هناك عدد من الطرق المختلفة التي يمكننا من خلالها تصور إجراء تصويت. أبسطها هي فكرة أن التصويت الديمقراطي يخبرنا ببساطة بما تفضله الأغلبية. يعبر الناس عن تفضيلاتهم، وعند عد الأصوات نحسب ببساطة أين يكمن تفضيل الأغلبية. إذا كانت هذه هي الطريقة الصحيحة للتفكير في اتخاذ القرارات ذات الأغلبية، فإن مشكلة "التفضيلات القوية الممفروضة" ستكون بالتأكيد مصدر قلق. قد يكون للأقلية معًا تفضيل أقوى من الأغلبية المعارضة. ومع ذلك، فهذه ليست الطريقة التي يفكر بها راولز في الديمقراطية. الرأي الثاني هو أن الناس لا يصوتون لتفضيلهم الخاص، ولكن لما يعتقدون أنه صحيح. كان يعتقد جون ستيوارت ميل، على سبيل المثال، أن هذا هو النهج الصحيح، بحجة أن تصويت المواطن ليس شيئًا يملك فيه خيارًا؛ لا يتعلق الأمر برغباته الشخصية، انه  في موقف ليس أكثر من حكم المحلفين في المحاكم. إنها مسألة واجب بحت؛ وهو ملزم بإعطائها وفقًا لأفضل آراءه وأكثرها التزاما بحكم الضمير في الصالح العام. ''[11] (20) وبالتالي، يجب على الناخبين التصويت لما يعتقدون أنه النتيجة الصحيحة. بناءً على هذا الرأي، يكشف التصويت عن رأي الأغلبية حول ما هو صواب. لماذا نولي اهتماما خاصا للأغلبية في هذه النقطة؟ سنعود إلى هذا السؤال لاحقا.

فهل يعتقد راولز أن الناس يجب أن يصوتوا لما يعتقدون أنه صواب؟ نعم ولا. علينا أن نقوم بتمييز إضافي قبل أن  نقدم إجابة مناسبة. إن إحدى السمات الرئيسة للديمقراطيات الحديثة، ولا سيما الديمقراطيات الغربية،بالنسبة إلى راولز، هي التعددية غير القابلة للاختزال بين مفاهيم الخير أو القيم. يأتي الأشخاص داخل مجتمع واحد من ديانات مختلفة، وثقافات وخلفيات مختلفة، وقيم مختلفة، وقد يتحدثون بلغات مختلفة. لكن لا يعني هذا أننا مضطرون إلى الخلاف المستمر، لأن الدولة الليبرالية، وفقًا لرولز، تسعى جاهدة إلى أن تكون محايدة بين المفاهيم المتنافسة للخير. يوفر مبدآ العدالة إطارًا لمثل هذه الدولة المحايدة. وبالتالي، يدعي في كتاب "الليبرالية السياسية"،[12] أنه من الممكن صياغة "إجماع متداخل" بين الأشخاص العقلاء لقبول هذين المبدأين..

ومع ذلك، سيُسأل، ماذا يعني القول بأن الناس عقلاء؟ من هم هؤلاء الناس العقلاء؟ إن أهم ميزة للأشخاص العقلاء هي قبولهم لما يسميه راولز "أعباء الحكم". هذه هي الفكرة القائلة بأن العقلاء يدركون أن هناك مجالات من الحياة لا يكفي فيها العقل وحده لتحديد وجهة النظر التي يجب تفضيلها. يقبل الأشخاص العقلاء الذين يقبلون أعباء الحكم أيضًا أنه من الخطأ استخدام سلطة الدولة لإكراه الناس على الامتثال لوجهة نظر لا يمكن إثبات صحتها. لتوضيح ذلك، حتى لو كنت مقتنعًا تمامًا بحقيقة دين معين، يجب، إذا قبلت أعباء الحكم، أن تقبل أن الأشخاص المتعلمين، العقلاء، الأذكياء، الناضجين يمكنهم تبني وجهات نظر أخرى بعقلانية. ومن ثم، إذا كنت عقلانيًا يجب أن تقبل أنه سيكون من الخطأ بالنسبة لك استخدام سلطة الدولة لفرض وجهة نظرك على الآخرين.

لذا لنعد إلى السؤال أعلاه:  عما إذا كان يعتقد راولز أنه يجب على الناس التصويت على أساس ما يعتقدون أنه صحيح. جزء من إجابته هو أنه لا ينبغي لهم التصويت على أساس أخلاقهم الخاصة. حتى إذا كانت الأغلبية مقتنعة تمامًا بحقيقة دين  معين، على سبيل المثال، فسيكون من الخطأ مع ذلك أن يصوت أي شخص لمنح هذا الدين امتيازات الدولة، أو أن تميز الدولة ضد الأديان الأخرى. إن أعباء الحكم عالية جدًا: لا يمكن إثبات أن هذا الدين صحيح، وبالتالي سيكون من الخطأ جعله دينًا تديره الدولة. وفقًا لذلك، يريد راولز منا التصويت وفقًا لأفكارنا حول ما يمكن تبريره لمواطنينا، بغض النظر عن مضامين معتقداتهم الأخلاقية الخاصة أو مفاهيمهم عن الخير. وبالتالي، يجب أن نصوت كمواطنين متساوين، في محاولة لإيجاد سياسات يمكن تبريرها للجميع، وليس كعلماء دين أو أخلاقيين، مقتنعين بأننا نعرف الحقيقة.[13]

لكن بالعودة إلى سؤال آخر: إذا لم نكن مهتمين بتفضيلات الناخب الفردية، أو حتى القيم الفردية للناخب، فلماذا نتجشم عناء سؤال الناخب عن وجهة نظره؟ إذا أردنا مجرد تشريع فعال، ألا يجب أن نسأل الفلاسفة وعلماء الاجتماع، ونتجاهل آراء الأغلبية؟ إن هذا التساؤل هو الذي يؤدي إلى الادعاء بأن المنطق الواضح لنظام راولز يضعف السياسة: أن المبادئ النهائية للمجتمع العادل يتم وضعها من خلال ما يمسيه الموقع الأصلي وليس هناك شيء متبقي للناخبين ليفعلوه. سؤالنا الآن هو لماذا يرفض رولز اتباع هذا المنطق الواضح.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

......................................

[1] أنظر على سبيل المثال:

Benjamin Barber, The Conquest of Politics: Liberal Philosophy in Democratic Times (Princeton, NJ, Princeton University Press, 1988).

[2] Rawls, A Theory of Justice, p. 221.

[3] Rawls, A Theory of Justice, p. 222.

[4] Rawls, A Theory of Justice, p. 223.

[5] Rawls, A Theory of Justice, p. 225.

[6] J.  S. Mill, 'Considerations on representative government', in H. B.  Acton (ed.), Utilitarianism, Liberty, Representative Government: Selections from Auguste Comte and Positivism (London, Dent, 1972), p. 310.

[7] Norman Daniels, 'Equal liberty and unequal worth of liberty', in his Reading Rawls.

[8] Rawls, A Theory ofJustice, p. 226.

[9] Mill, 'Considerations on representative government', p. 311.

[10] Rawls, A Theory of Justice, p. 230

[11] Mill, 'Considerations on representative government', p. 299.

[12] Rawls, Political Liberalism (New York, Columbia University Press, 1993).

[13] Rawls, Political Liberalism, p. 219.

 

 

سامي عبد العالعَبْر جوانب الثقافة الإنسانية، يستحضر الصوتُ فضاء اللغة دون إبطاءٍ، اللغة ضرب من العالم الظاهر- الخفي المؤكِّد لوجودنا المشترك. واللغة هي التي تقول للصوت (كما يقُول لها بالوقت عينه): ليس من مجالٍّ خارج هذا التأثير المتبادل. فالإنسان قد يَعي وجوده وقضاياه الحياتية، ولكنه ربما ينسى أنَّ هناك وسيطاً يحددُ: ما معنى أنْ يعي؟ وكيف سيعي؟ وإلى أين هو ذاهب ذلك الوعي؟ ومن ثمَّ يتخفى الصوتُ لدرجة التلاشي مستعيناً بقوة اللغة على ايجاد سلطته القُصوى. وهو كصوتٍ لن يجدها سلطةً بعيدةً عنه إلاَّ إلى درجةِ التلاحم بمعانيه وتأويلاته لكيفية الفعل والتفكير.

ينطوي كلُّ صوتٍ مقدَّس على أمرٍ لا يخلو من إلزامٍ ما. بدليل أنَّ عملية الإسماع (أي إبلاغ الصوت إلى الأذن) تمثل هدفاً للصوت في ذاته، فليس يوجد الصوتُ الذي لا يُسمع إطلاقاً. لأنه في هذا الحال (لو كان غير مسموع) سيفقد وجوده من حيث المبدأ. وسيكون عُرضَّة للضياع، بينما يؤكد التاريخ: أنَّ أصوات المقدس (بأشكالها الدينية والسياسية والاجتماعية) لا تذهبُ هباءً دون عودةٍ. فمن طبيعة تكوينها: أنَّها تعبر عن شيء باقٍ وخارج السيطرة. هي إملاءٌ لا يبلغه الإنسان عرضاً، إنما عليه الانصات والتوقف والتحين إلى ما ستقول.

والحقيقة أنَّ كل (بديلalternative) لصوت مقدسٍ سيجدُ المعنى محفُوراً بهذه الفاعلية. وعليه أنْ يسير عبر هذا (الجرْف) بين البدائل كأنَّه يسير خلاله لأول مرة. لأنَّ الصدى الحاصل سيجدد له الحالة التي خاضها الصوت الأصلي. وبهذا التكون، فإنَّ الثقافة كلها عبارة عن أصواتٍ مقدسة وشبه مقدسة تتحاور وتتجادل وتتصارع وتتحارب بالتأكيد. هي عملية (الاحلال والتبديل) التي تحدثت عنها في نقطة سالفةٍ. وهي الآلية التي تتم بإمكانيات اللغة، فقد يحرص (المتسلطون والمستبدون والأيديولوجيون..) على إطلاق الأصوات بعد الأصوات قيد الهواء، جرياً على أنْ يشعر المتلقي (المستمع) بقوة الإلزام الذي يسكنها. إنَّ الصدى هو التواتر الضمني الذي يؤكد سلطة المعنى إزاء قوة الإحتمال المفترضِ. ولذلك ستكون الثقافات الشفاهية ترديدُ لأصوات مكرورة من فمٍ إلى فم ٍآخر ومن أذنٍ إلى غيرها ومن جيل إلى جيل. الترديد الذي سيُكِّون في النهاية (فيزياء الصوت)، حيث لا تخلو من قوانين الجاذبية الشديدة، إنْ لم تكن المستحيلة!!

اجترح القرآن معنى مختلفاً لم يكن معهوداً على الأذن العربية .. وإنْ كانت تمارسة دون وعي. يقول القرآن: " ..أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِين". (البقرة 19) إنَّ دقة المعنى من خلال المجاز المرسل في الآية هو إبراز مبالغة غير المؤمنين في نفورهم من سماع (صوت القرآن)، فكأنهم وضعوا (الأصابع كلها) داخل الآذان مبالغةً في كراهية السماع. مبالغة تكشف عما في نفوس هؤلاء القوم من نفور لفكرة السماع.. من أجل ذلك عدل النص القرآني عن كلمة (الأنامل - أطراف الأصابع - التي هي المناسبة لحجب الصوت) واستعمل كلمة (أصابع التي هي غير مناسبةٍ) اثباتاً لصورة المبالغة التي انهمك فيها المعرضون.

لكن الحقيقة الثقافية أنَّ الصوت سلطة لا قبل للمتلقي أنْ ينتظم وجودها، هؤلاء المعاندون للقرآن يدركون جيداً فحوى أن يكون هناك امتثال للصوت المختلف. لأنهم عارفون ومتدربون بالثقافة الجارية على خطورة الشفاهية في تشكيل الأفعال والوعي. فالخوف كل الخوف كان من الصوت القرآني بتلك الحمولات المقدَّسة التي ستقارع التاريخ، أو بالأحرى سيفتتح الصوت الجديد (القرآن) تاريخاً مختلفاً لعملية الإسماع وتكون المجتمع والفكر. بينما هم سائرون على درب الصوت الذي يعهدوه في حياتهم. ورغم كون القرآن لا يذكر لفظة الصوت مباشرة، لكنها كلمة تمثل الفضاء الذي يربط المعاني الواردة في الآية. وليس هذا فقط، بل يوضح القرآن خطورة الصوت كتكوين وجودي ثقافي معاً. يقول القرآن عن هكذا معنى في سياق آخر: " إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا " (المزمل 5). والثقل أيضاً يؤكدُ على المجاز التاريخي لحياة الصوت الجديد (القرآن)، وماذا يفترض من المستمعين له في حياتهم، ذلك بالنسبة لآذان اعتادت الخضوع لصوت تقليدي (صوت الآباء).

كانت أصوات الآباء بالنسبة للبيئة الثقافية العربية التي نزل فيها القرآن هي أصوات لا يجدون حلّاً منها. ولاسيما أن الأبوة في الثقافات الشفاهية صوت رمزي غالب يجلب كافة الإكراهات التي يخضع لها الإنسان. وبحجم هذه الأبوة الصوتية كان القرآن نفسه يجد صعوبة بالغة في زحزحتها.." بل قالو إنا وجدنا آباءنا على أمّة وإنا على آثارهم مهتدون" (الزخرف 22). والمقصود هنا زحزحة الصوت في حياة تلك الذهنيات الأبوبة وكان الإقرار مسبوقاً بفكرة ارسال النذير كما أورد القرآن في مقدمة الأية الآخيرة. والنذير هو الصوت المختلف الذي يحاور صوتاً راسخاً رسوخ الترديد والتكرار، ولهذا كانت الإجابة بفعل القول (قالوا إنا..)، بمثابة هذه الإذن الضخمة بمقدار ضخامة الصوت.

1- يكشف القرآن معالم الصوت في الجانبين (صوت الوحي وصوت الآباء) ارتباطاً بمعالم الثقافة الشفاهية السائدة. ويوضح أنَّ الصوت يتماهى مع تكوينها، لدرجة أنَّ تغييراً لهذا التعاضد أمرٌ شديد الصعوبة والبأس.

2- استطاعت الثقافة الشفاهية أنْ تجعل من (تجربة القرآن) مع الآذن العربية مجالاً لممارسة البدائل (أي سرقة هذا الصوت المقدس باسم القبيلة والعشيرة والسياسة والدولة والأفراد والجماعات والتنظيمات). وهذا نوع من التلاعب التاريخي بجوهر كلِّ جديدٍ بإختلاف مشاربه ناهيك عن كونه تلاعباً بالصوت الأول المؤسّس للوعي في الإسلام.

3- تعدُّ (ذهنية الصوت) مكونةً بدرجة من التعقيد والتركيب الثقافي لحد أنَّها تتوجس من سلطة الصوت المقدس، ولذلك هي تلوي وجوده وتغتصبه بالمنطق ذاته. أي تجعل من صوتها الأدنى مقدساً رافعة إياه إلى أعلى درجة عوضاً عن الانصياع للمقدس الأصلي.

4- هناك جانب معكوس في قضية الصوت اتاحها القرآن كوحي، حيث قام الوحي بتعرية هذا التاريخ وتعرية البدائل المنحرفة ضمن تلك الفجوة التي كان يملأها الصوت كما سنوضح.

فالتعامل مع صوت القرآن كان في تاريخ المسلمين في غير موضعه تماماً، لأن الأنظمة السياسية والعائلات الحاكمة والأنظمة الاجتماعية كانت تستولى على هذا الصوت وتجعله صوتها الأثير استثماراً لتجربة الوحي وقدرته على إبراز تاريخ الصوت بكل قداسته التي تفوق قدرات البشر والحياة الإنسانية. استثمار يضخُ في الصوت نبرات الهيمنة والتحكم في البشر.

الوحي- الصوت النموذج

في الثقافة العربية الإسلامية، رسَّخ وكشف مفهوم الوحي نموذجاً صوتياً فكرياً بعينه. حتى كانت التجربة الأصلية (الخاصة به وبالنموذج الساري المترتب عليه حتى الآن) فوق مستوى الحس البشري. ولم تتلاش آثارها بسهولة كما حدث مع تجارب أدبية ابداعية خطَّها (على سبيل المثال) الجاحظ وأبو العلاء المعري وابن المقفع وبعض أقطاب التصوف والحياة الروحية. هؤلاء تمَّ إهمال نصوصهم نتيجة (ما قالوه هنا أو هناك) بشأن قضايا الاعتقاد والدين والزهد والدنيا والسلطة. إن (تجربة الوحي) في غير (سياقها القرآني) قد وضعت جميع محتويات اللغة العربية داخل سلة التعبير المباشر عن الفكر. كأن المعنى الساري والمتعالي والفائق للوصف هو الأساس الذي يطبع الفكر وليس اللفظ. وهذا أمر لا غبار عليه بالنسبة للنص القرآني كموضوع للوحي وتجربته الخالصة والأصلية في حياة المسلمين.

ولكن في باقي المجالات الثقافية، توجد هناك محاذير حدية إزاء تلك المسألة اللغوية، ولاسيما في المعرفة والفكر والسياسة والتاريخ. أقرب النتائج الخطيرة على ذلك: هو مصادرة (القراءات المبتكرة) لأي موضوع فكري وثقافي مهما يكُّن واضح التشوِّه. وكذلك التحام النصوص بالمقدسات على أنها الخميرة الإلهية المنتشرة في (كافة الدقيق البشري). فجاءت الألفاظ المعبرة عن التقديس، التأليه، التبجيل، بمثابة الخلفية المؤسسة لمفاهيم اللغة العربية. كلُّ اللغة العربية هي عبارة عن خريطة مضمخةٍ بالمقدس والجليل والتفخيم حتى درجة الاشباع الكامل. والدليل على هذا شيوع تلك الألفاظ والعبارات المُراقة مجاناً للأشخاص بمهابة التقديس والمرسومة في بداية النصوص والمصنفات ومقدمات الرسائل الأدبية والدينية ومفتتح الخطابات العامة (شيخ الإسلام فلان، وحجة الإسلام فلان، العالم الرباني علان، بديع الزمان وعلامة الدهر ترتان .. وهكذا).

وهناك انتشار لألفاظ أخرى تتعلق بالحمد للخالق (الواجد والماجد) وصولاً إلى الثناء على الحكام والأسلاف والأولياء (أي الخلط بين التوحيد والوثنية مرةً أخرى). حتى وإنْ كان الموضوع المتحدث عنه علمياً صرفاً كموضوعات الطب والهندسة وكتب الأعشاب النباتية والجغرافيا والهندسة مثلما هي واسعة الاستعمال في نصوص التراث المعرفي والفكري العربي. وهذا يفترض الوقوف عند الحدود القصوى لنهايات التفكير للإمساك بكيفية نفاذ المعاني هنا أو هناك.

ولِمَ نذهب بعيداً على نحو مجرد، ففي مقدمة كتابه " فقه اللغة وسر العربية " .. يقول أبو منصور الثعالبي الملقب بإمام اللغة: " من أحب الله تعالى أحب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، ومن أحبَّ الرسول العربي أحبَّ العرب، ومن أحبَّ العرب أحبَّ العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحبَّ العربية عُنيَ بها، وثابر عليها، وصرف همَّته إليها، ومن هداه الله للإسلام وشرح صدره للإيمان وآتاه حسن سريرة فيه، اعتقد أن محمداً صلى الله عليه وسلم خير الرسل، والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم ومفتاح التفقُه في الدين وسبب إصلاح المعاش والمعاد، ثم هي لإحراز الفضائل، والاحتواء على المروءة وسائر أنواع المناقب، كالينبوع للماء والزند للنار. ولو لم يكن في الإحاطة بخصائصها والوقوف على مجاريها ومصارفها والتبحر في جلائها ودقائقها، إلاَّ قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن، وزيادة البصيرة في إثبات النبوة، للذي هو عمدة الإيمان، لكفى بهما فضلا يَحْسُنُ فيهما أثره، ويطيب في الدارين ثمره، فكيف وأيسر ما خصَّها الله عزَّ وجلَّ به من ضروب الممادح يُكِلُّ أقلام الكتبة ويتعب أنامل الحَسبّة .. " (الإمام أبو منصور الثعالبي، كتاب فقه اللغة واسرار العربية، المطبعة الأدبية بسوق الخضار، القاهرة – مصر، الطبعة الأولى 1317، ص ص 2- 3.).

أولاً: يتحدث الثعالبي (كما لا يُفترض أنْ يفعل في هكذا سياق!!) بمنطق الفقهاء عن اللغة. ومماثلة كتابه على نحوٍ معلن بالفقه لا يختلف عما ينذره رجال الدين من نصوص لخدمة أهدافهم وأهداف السلطة. ونحن نعرف أنَّ متن الفقه الاسلامي ليس خالصاً خلوص القرآن مثلاً، لكنه معجون تاريخياً بنوازع المذاهب والصراعات بين الطوائف تحت أعين السلطة السياسة التي لا تنام. والثعالبي هنا يتحدث عن اللغة التي هي نتاج ثقافي تاريخي بالدرجة الأولى. فاللغة هي اللغة المتغيرة والقابلة للتطور أو للركود (أو هكذا يفترض أن تكون)، وقد لا تعبأ اللغة العربية تاريخياً بالقداسة، لكونِّها محتملة التداول والتطور. حتى وإنْ كانت هذه اللغة مقدسةَ الأصل (على حدِ الاعتبار المشار إليه)، فإنَّها ستقطع الحبل السري بالمصدر، نتيجة الانحرافات الثقافية عن الأصول والنماذح العامة.

ثانياً: لم يبدأ الثعالبي بنظام اللغة كما فعل عبد القاهر الجرجاني مثلاً. لكنه وضعها على طريق صوت المقدس الموروث وبدائله مباشرةً. فالحب لدى الثعالبي كما أشارَ هو المؤدي إليه (على غرار قول بشار بن بُرد)، ومن ثمَّ سيؤدي إليها كذلك في نهاية المطافِ. والحب هو الرابط بين الله واللغة مُروراً بالرسول والرسالة والناس. والأسئلة الواردة منطقياً هنا والتي كان يجب طرحها: هل غير المسلمين في المجتمعات الاسلامية لا علاقة لهم باللغة العربية ولا بأسرارها؟! هل لا يتقنونها كتابة وتواصلاً وابداعاً؟ هل لم يسهموا فيها ولو بشيء قليل؟ فالغريب أنَّ الثقافة العربية الاسلامية قد أدلى فيها بشكل لافت وثري منْ لم يؤمن بالإسلام أصلاً كالمسيحيين واليهود وأصحاب الديانات الأرضية واللادينيين. وهذا ما حدث بصدد دارسي العربية الحديثة والمعاصرة (أحمد فارس الشدياق الذي كان مسيحياً قبل اسلامه، بطرس البستاني، أنستاس الكرملي، ناصيف اليازجي، ابراهيم اليازجي، سعيد الخوري الشرتوني، جبور عبد النور، جبران مسعود ..). إذن بدا كلام الثعالبي منذ عصره عنيفاً وقائماً على تصنيف البشر باعتبارهم مغايرين في الديانة إلى أبعد درجةٍ ومن ثم فهم من وجهة نظره واقعون، بل مطرودون خارج اللغة العربية.

ثالثاً: اللغة العربية بقول الثعالبي تمثل ظاهرة هامشية على جسم المقدس الشفاهي. هي كانت مجرد زائدة ثقافية تخرج عن الحاجة في هكذا حال. وكون أنظمة اللغة مرتبطة بكلمة فقه، فهي لا تختلف عما يعتري المقدس من أعراض جانبية لنسغ أساسي يمتد نحو المرجعية التاريخية الثابتة. وعلى التوالي ستكون سلسلة هذه المرجعية هكذا: الله – الوحي- الرسول- القرآن العربي- العرب- اللغة العربية من أعلى ألى أسفل والعكس. وكأنَّ اللغة العربية كظاهرة إنسانية لدينا نحن البشر تعدُّ (ظاهرة توقيفيةً) بالتراتب الديني الثقافي التاريخي.

رابعاً: اللغة العربية في كتاب الثعالبي معبرة كذلك عن تراتب- لاهوتي عرقي. حيث أنَّ إيمان المسلمين بالله أعلى من جميع الأشكال الأخرى من التأله لدى أي أناس آخرين. وهكذا سيكون (كتاب القرآن) أفضل من كل الكتب السماوية، وهذا شيء تلقائي داخل الإسلام. وبالتالي فأمة العرب هي أفضل من جميع الأمم الأخرى وأعلى كعباً وسبقاً من كل الشعوب. وأنهم الأمة المختارة من قبل الله (ولتكن خير أمة أخرجت للناس). وإذا كان القرآن عربياً كما يوصف نفسه(إنا انزلناه قرآنا عربياً)، فالعربية (الحرف والجينات والمعجم والعرق والأصوات) خارج المقارنة مع اللغات الأخرى. إنها عندئذ حروف تساوي وتترجم، بل تختلط بالجينات الحية للعرب. أي أن هندسة اللغة العربية هي الهندسة الجينية للعرب أنفسهم لا غير.

خامساً: يتحدث الثعالبي عن اللغة بنبرة أخلاقية دارجة بحسب شيوع سلطة الثقافة. فاللغة العربية (من وجهة نظره) خير اللغات.. هكذا مرةً واحدة. واللسان العربي نطقاً هو أفضل الألسن على الإطلاق. وتلك النبرة ليس لها علاقة من قريب أو من بعيد باللغة كنظام للدلالة والمعنى. في حين أن الأهم : هل هي لغة قد استوعبت التجارب الإنسانية بشكل دال أم لا ؟ كيف أحدثت تطوراً في التفكير والثقافة والمعارف ؟ وهل اللغة قادرة على مواكبة التغيرات الجارية أم غير ذلك؟ .. فتلك أسئلة لم يتطرق إليها الثعالبي إلاَّ شذراً. حاملاً إياها على الامتياز التاريخي للغةٍ لا تأخذ مكانتها إلاّ بحسب معايير مغايرة تماماً.

سادساً: اعتبر الثعالب اللغة العربية خادمةً للدين حصراً. لأنَّها اللغة الأقرب للإيمان وزيادة اليقين بالإسلام وهي المؤيدة منه وبه. والمدهش في هذا الكلام هو تحويل اللغة من دلالات حرة إلى نوع من الأيديولوجيا القُح. وبالتالي تصبح اللغة العربية سوقاً عاماً لأغراض وبدائل المقدس السائد في كل عصر بجميع أنماطه. وهذا الأمر هو الواقف وراء جعل اللغة العربية لاهوتاً معجمياً ويصعب عليها أنْ تتطور مع الاتجاهات اللغوية المعاصرة. لا لشيءٍ إلاّ لأنها تحتفظ بقداسة (هي المناعة الذاتية) ضد تحولات المعرفة وتطوراتها.

أي لقد أصبح صراع المقدس داخل فضاء اللغة العربية مع كل النقائض التي يخشاها أصحابه. يوضح ابن تيمية جذر المسألة وهو العارف الخبير بأدلجة السلف وأفكارهم: " ما زال السلف يكرهون تغييرَ شعائرِ العربِ حتى في المعاملات، وهو التكلُّم بغير العربية إلاّ لحاجة، كما نصَّ على ذلك مالك والشافعي وأحمد، بل قال مالك: مَنْ تكلّم في مسجدنا بغير العربية أُخرِجَ منه. مع أنّ سائر الألسن يجوز النطق بها لأصحابها، ولكن سوغوها للحاجة، وكرهوها لغير الحاجة، ولحفظ شعائر الإسلام".

إذن ليست اللغة لغةً في نهاية الأمر بل أداة حافظة، ناقلة خارج التاريخ مهما يكن. وأن طريقاً لاعتبار الدين متفرداً في نفسه إنما أن تغدو اللغة قوالب مصُوغة سلفاً قبل خلفٍ. وأن هؤلاء المؤيدين لشعائر العرب وحيواتهم هم أنفسهم المؤيدون للتصديق على شعائر الدين. وكأن مسألة المطابقة (هوياً وأصولياً وعقائدياً) بين جوهر الدين وأصل اللغة مسألة اعتقاد صارم. وينبغي علينا في عملية التعبير تتبع هذه الآثار غير اللغوية حتى نفهم أهميتها. يحدد ابن تيميه أيضاً بعين الأيديولوجي: "... وليس أثر اعتياد اللغة الفصحى مقصوراً على اللسان، بل يتعمق حتى يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرا قويّاً بيِّناً، ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق ". وابن تيمية بالتأكيد لا يقصد اللغة لذاتها إنما يخاطب الهوية العميقة من خلال الوحدة الأولى بين اللفظ وصوت المقدس.

إنه التصور اللاهوتي للغة السائر في تضاعيف التاريخ العربي. فلن تكون اللغةُ ظاهرة مستقلةً بحال. دوماً ترتهن هذه اللغة ببداية مطلقة، نقطة لا سابق إنذار لها بتاتاً. فهي لغة السماء المطلقة وأيضاً لغة الامتياز الحضوري للمعاني الإلهة وهي لغة أهل الآخرة. ولهذا يراها الفارابي (بتعميد فلسفي لاهوتي) لغة الآخرة: بأنَّها من كلام أهل الجنّة، و لسانها هو المُنزّه بين الألسنة من كل نقيصة، والمُعلّى من كل خسيسةٍ، ولسان العرب أوسط الألسنة مذهباً وأكثرها ألفاظاً.

هكذا يربط الفارابي اللغة بغاية أخروية لا تنفك عنها رغم أنه فيلسوف والجانب العقلاني فيه أكثر من الجانب الديني أو على الأقل ينظر إليه برؤية منفتحة. وكأنه يقول إنَّ الامتياز العرقي الذي يميز العربية سيستمر إلى كل غاية قصوى. وأنها فوق ذلك تمثل ظاهرة مؤقتة في الحياة الإنسانية، عابرة كحال الدنيا التي نحياها ونرتحل عنها بين الفينة والأخرى. وكلام الفارابي – الذي يفترض أن يكون فلسفياً- إنما هو دجما دينية خالصة. وبفضل أسبقية صوت المقدس فإن نقطة التبادل هنا بين الفلسفي والديني تتم ببلاغة الايمان والاعتقاد. ولهذا فإن جميع الجوانب الفلسفية لخطابات المفكرين العرب تغرق في مرحلة أو أخرى داخل تقاليد الدين. إن غياب التفلسف في الثقافة العربية بمعناه الحقيقي يرجع إلى انعدام الوعي بأصداء المقدس وآثاره. وهو انعدام بمفهوم الاعتقاد الديني المطلق الذي يحجب أيَّ شيء سواه حتى انكاره. وأنَّ نقد وكشف آثاره على التفكير في غير موضعها لم ولن تتم بشكلٍّ كاملٍّ.

هنا علينا التنويه بأنَّ اللغة ستكمل مسيرتها رغم التحامها بأصداء المقدس. فهل حضوره في شكل أصداء سيواصل دفقاته؟ وبخاصة أن اللغة العربية (كأية لغةٍ أخرى) تنطوي على تناقضات داخلية هي أساس نظامها الدلالي والتواصلي. واللغة بالتالي سواء أكانت العربية أو غيرها ستُغيّب ما يظن الناس حضوره إلى درجة التقديس. هي في الآن ذات الذي تسمح فيه بالتقاط أنفاسه، ستخضعه لقوانينها المؤقته والقابلة للتغير. إنَّها ستؤرخه كحادثةٍ في آفاقها الحُرة والمتنوعة، أي ستعدده، ستجعله مختلفاً، ستمزق جوانبه ودلالاته، ستتأوله وتفتح الطريق لتأويلات أخرى، ستشذر معرفته وآفاقه. وهذه أمور معرفية وفلسفية (طبيعية وتلقائية) تماماً في جميع اللغات الحية. بل وعلى المدى البعيد تشكل اللغة في الحياة الانسانية الغسق لكل أيديولوجيا، إنها خارقة المفاجئات إلى حد الإدهاش. إذن كيف سيظل صوت المقدس مقدساً رغم تقطيع أوصال المعنى؟ إذ ليس ما أفهمه هو نفسه ما يفهمه سواي وإذ ليس ما أسمعه هو ذاته ما يسمعه غيري و إذ ليس ما نعقله سوياً هو عين ما يعقله الآخرون!!

إنَّ الألفاظ اللغوية عبارة عن أجداث وبقايا تحتاج إلى تنقيب في حواشيها باستمرار. هي تتطلب بعثاً جديداً كلما تسرطنت بالدجمائيات والأيديولوجيات التي تعتبرها مقبرة للواقع والزمن. وبمقدار تعدد جوانب أية لغة وثرائها بمقدار ما تعتبر لغةً قادرة على التطور. ويستحيل أن يستقر ما يوضع فيها من فكر بشكل ثابت لدرجة الجمود. لأنَّها كل للغة تنطوي على تبذير وإهدار دلاليين لكل احتياطها من أصداء القداسة. اللغة قريبة الجذر من اللغو، التفريغ، التفضية والاختزال والتبذير. بل تظل مفتوحةً ليلاً ونهاراً على الترحال، التجوال، التشتت بمفهومها ما بعد الحداثي وغيره. وهذه شروط ماهوية تحددُ جميعَ أبنية اللغات ووحداتها العامة سواء أكانت بصدد اللغة العربية أم غير العربية. اللغة مسكونةُ بهذه التوالدات والتحورات الخلاّقة، وذلك لكون عقل الإنسان فيضاً لا يتوقف من الاعتبارات النوعية والصور والأحكام والمعارف غير المستقرةِ.

 

سامي عبد العال

 

 

علي رسول الربيعيالمساهمة في النظرية الديمقراطية

تمت الإشارة في المقدمة إلى أن العلاقة بين النظرية والتطبيق ليست سوى منظور واحد يمكن من خلاله الاقتراب من عمل هابرماس. يوفر التوتر، وليس التعارض، بين الاثنين ديناميكية لعمليات التعلم ويتم دمجه في مفهوم الديمقراطية. استخدم هابرماس، طوال حياته المهنية مفاهيمه عن الفعل التواصلي وأخلاقيات الخطاب للتغلب على العديد من "الثنائيات '' في النظرية. يسعى منهجه "الديالكتيكي" إلى التغلب على انحياز الأطر النظرية المتنافسة ودمج حقائقها المتقاربة في وجهة نظره الخاصة الأكثر شمولاً. وهذا لا يقل وضوحًا عن مساهمة هابرماس في النظرية الديمقراطية والقانونية. ربما يكون الطرح المركزي، هنا، هو محاولة التوفيق بين المنافسة طويلة الأمد بين الليبرالية والجماعاتية. لا يمكنني لأسباب تتعلق بمساحة البحث هنا، أن أتطرق إليها إلا بشكل عرضي من خلال التركيز على مساهمة هابرماس في مفهوم الديمقراطية الراديكالية. لقد كان هذا المشروع هو الذي حفز عمله منذ بداياته.

أن قبول هابرماس للأطروحات الأساسية لنظرية النظم  (systems) يحد من مشروع الديمقراطية الراديكالية. كما أنه مقيد بالطابع التعددي لعالم الحياة الذي لا يمكن اختزاله في الخير العام. يقود هذا هابرماس إلى إعادة بناء الديمقراطية الراديكالية من حيث المفهوم الإجرائي لـ "السياسة التداولية". إن جوهر السياسة التداولية هو أن تكون تفضيلات وآراء المواطنين المطروحة للنقاش مبررة بشكل علني. تكون صياغة السياسات وتشكيل الإرادة ديمقراطية فقط إذا لم يقم المواطنون بتجميع التفضيلات الخاصة، ولكنهم ينخرطون في خطاب ونقاشات تفتح تلك التفضيلات على الأعتبارات المشتركة والتفكير العقلاني أيضًا. تحول الديمقراطية التداولية التركيز من النتائج النهائية إلى جودة العمليات التي يتم تحقيقها من خلالها.[1] من الواضح يتجاوز هذا النموذج الليبرالي الذي يهتم فقط بتوفير القواعد التي تضمن تسوية عادلة لمصالح معينة. كما أنه يعدل النموذج الجمهوري. [2]

ينقل هابرماس تركيز الديمقراطية الراديكالية بعيدًا عن التحقيق الموضوعي لهدف ما إلى إطار إجرائي للاستجابة للمشكلات الاجتماعية التي تثير السؤال: "ماذا يجب أن نفعل؟" يتم بعد ذلك تصنيف الحاجة إلى التعبير عن الصالح العام كعنصر واحد فقط في نهج شامل لحل المشكلات حيث يجب التعامل مع الجوانب المتميزة تحليليًا للمشكلات بشكل منفصل.[3] هناك، أولاً ، جوانب مختارة من مشكلة تقبل الإجماع ويجب حلها من خلال الخطاب. يتعامل الخطاب البراغماتي مع إيجاد أنسب الوسائل لتحقيق الغايات التي تم تقديمها بالفعل. يشير الخطاب الأخلاقي إلى المهمة الكلاسيكية للديمقراطية الراديكالية، لتوضيح طريقة الحياة المشتركة وتشكيلها بعقلانية. ويتضمن الخطاب الأخلاقي تحديد المصالح المتساوية لجميع البشر. وهي تحدد القيم التي تعمل كمعايير وشروط مقيدة للنوعين الآخرين من الخطاب. وتهتم الديمقراطية الخطابية أيضًا بتلك الجوانب من المشكلات التي لا يمكن حلها بالتراضي. ويتطلب هذا عمليات مساومة تسعى إلى تسوية عادلة للمصالح. ومع ذلك ، لا يزال الخطاب له علاقة غير مباشرة بالمفاوضة لأنه يجب أن يحدد الشروط التي يمكن بموجبها الوصول إلى حل وسط عادل.

يحاجج هابرماس بأن نتائج المناقشات حول المشكلات، والسياسات الموضوعة لحلها، تكون مشروعة عندما يتم اتباع هذا الإجراء ضمن الإطار المؤسسي الذي يطرحه. ويقول إنه من المهم أيضًا إخضاع السياسات للمراجعة القضائية لضمان "ملاءمتها للنظام القانوني الموجود". [4] يرى هابرماس بأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكننا من خلالها تصور الديمقراطية الراديكالية اليوم. ويدعي أنه يقدم مفهومًا أكثر توازناً للديمقراطية حيث تجد عناصر التقاليد الليبرالية والجمهورية مكانها الخاص. لكن هل هذه "ديمقراطية راديكالية" بالاسم فقط؟

نقد

يمكن تشبيه محاولة هابرماس للحفاظ على مشروع الديمقراطية الراديكالية بالأتجاه المعاكس للتيار العام. يحتفظ المفهوم الخطابي للديمقراطية بالمثل المعيارية الراديكالية مع دمج كل اتجاهات الحداثة التي قوضت الافتراضات الأساسية للتفكيرالاشتراكي.[5] 82 قد نتساءل عما إذا كان هذا يؤدي إلى مفهوم "غير متوازن" للديمقراطية الراديكالية. أود هنا أن أذكر خطًا واحدًا فقط من الانتقادات التي أُثيرت ضد هابرماس في هذا الصدد.

يتضمن تبرير هابرماس للديمقراطية شروط معيارية قوية لنظرية الفعل التواصلي. أن هابرماس يرى الديمقراطية ناشئة عن حاجة ملحة من قبل المواطنين للسعي وراء أهداف جماعية وتنظيم نزاعاتهم بالتراضي. إذا لم يكن للديمقراطية جذورها في ادعاءات الشرعية، فلن يمكن تمييزها عن الأساليب العنيفة. وهكذا، في حين يجب أن يتخذ النظام السياسي قرارات باستمرار قد لا يتفق عليها جميع المتأثرين، فإن النقطة الحاسمة بالنسبة لهابرماس هي أن الدافع وراء الإجماع هو الذي يمارس تأثيرًا ديمقراطيًا صلبًا فقط. يرى بعض النقاد، أن هابرماس يفرض متطلبات كثيرة للديمقراطية مما يهدد قدرتها على توفير بديل للعنف.[6]

في البداية ، قد لا يبدو المفهوم الخطابي للديمقراطية مرهقًا للمواطنين لأنه لا يعتمد على إجماع مسبق. أنه يعتمد فقط على الاعتراف بصحة مبدأ الحياد والنزاهة. ومع ذلك، فقد قيل إنه حتى هذا المبدأ يتطلب الكثير. لا يستطيع المواطنون، في سياق التعددية الحديثة، الاتفاق على ما تنطوي عليه الحياد دائمًا. فبينما  يدعي هابرماس بأن الحياد مبدأ مشترك وعالمي مصمم للارتقاء فوق وجهات النظر الطائفية يمكن أن ترى مجموعة أن تعريف أخر للحياد يضر بمصالحها والعكس صحيح.  وفي سياق نقد هابرماس يشير توماس مكارثي إلى نقطة مفادها أن "فصل الإجراء عن المحتوى الموضوعي ليس مطلقًا: فلا يمكننا الاتفاق على ما هو عادل دون التوصل إلى قدر من الاتفاق على ما هو جيد."[7] وإذا كان الأمر كذلك ، فعندئذ من غير المحتمل أن يمتلك أي مبدأ الشمولية.

إن مفاهيم الإجماع والحيادية اساسية في تفسير موقف هابرماس. يحتاج المواطنون إلى التمييز بشكل غير متحيز بين الجوانب الأخلاقية والبراغماتية للمشاكل السياسية من أجل الشروع في تحديد الأنواع المطلوبة من الخطاب والمساومة. إذا لم يتمكنوا من التغلب على الخلافات المعقولة في هذه المرحلة الأولية، فإن  الديمقراطية الخطابية يجب أن تتغذى من الناحية العملية. بدلاً من "تحفيز"[8]عملية ديمقراطية، قد ينتج عن الدافع للإجماع خيبة أمل وسخط.

وتشهد طبيعة  المناقشات الأخلاقية المعاصرة على المأزق المذكورة أعلاه.[9] يمكن القول، من وجهة النظر هذه، بأن شرعية الديمقراطية ذاتها تنبع من قدرتها الفائقة على حل المشكلات التي لا تقبل الإجماع. وهكذا ، يبدو تحديد هابرماس لرغبة المواطنين في حل النزاعات بلا عنف بدافع الإجماع في غير محله. يصر النقاد على أنه حتى فيما يتعلق بالمسائل الأخلاقية ، يجب أن يفسح الخطاب في كثير من الأحيان الطريق للمساومة والتسوية العادلة إذا كان للديمقراطية ألا تصبح غير عمليةأو غير قابلة للتطبيق. إذا كانت هذه ضرورة عملية للديمقراطيات الحديثة ، فإن "التفسير المعياري للشرعية" يحتاج إلى توسيع "للاعتراف بأشكال التسوية التي لا تستند إلى حسابات استراتيجية".[10] وإلا، فإن المفهوم المعياري الراديكالي للديمقراطية عند هابرماس قد يقوض شرعية المفهوم العام للديمقراطية في حد ذاتها.

استنتاج

مساهمة هابرماس في النظرية ككل هي إعادة بناء مشروع الحداثة غير المكتمل. يجب فهم مساهمته في النظرية الديمقراطية في هذا السياق. تم تصميم المفهوم الإجرائي للديمقراطية التداولية لتوضيح الرؤية الكامنة في قلب تلك الثقافات السياسية ذات الأصل الليبرالي، فضلاً عن العقبات الدائمة وغير الدائمة التي تواجه تحقيقها. هذه الرؤية هي تنظيم اجتماعي يتم إنتاجه من خلال الرأي الخطابي وتشكيل الإرادة وحدها.

ظل هابرماس منيعًا في وجه أولئك الذين يسعون للحصول على توصيات سياسية ملموسة من نظرية نقدية للمجتمع. في حين أنه لا يصف ما يجب أن نفعله، فإنه يثير الأسئلة ويسعى لمساعدتنا على  تنمية الوعي  الذاتي حول التوتر بين النظرية والممارسة التي نحن بالفعل متورطين فيها. يبقي هابرماس مع هذا النهج المقيِّد ذاتيًا  منفتحًا مفتوحًا على احتمالية أننا، كمواطنين في المجتمعات الديمقراطية ، قد نصبح في الواقع أكثر عقلانية ومسؤولية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

..............................

[1] Habermas, Between Facts and Norms, p. 517.

[2] Habermas, Between Facts and Norms, p. 299.

[3] Habermas, Between Facts and Norms, pp. 151-68.

[4] Habermas, Between Facts and Norms, p. 167.

[5] أنظر ايضا:

Jurgen Habermas, 'What does socialism mean today?', New Left Review, 183 (1990), 3-21.

للاطلاع على أحد الأمثلة على الحجة القائلة بأن هابرماس قد قطع خدماته عن ماركس والاشتراكية ، انظر:

Nancy Love, 'What's left of Marx?', in Stephen White (ed.), The Cambridge Companion to Habermas (Cambridge, Cambridge University Press, 1995), pp. 46-66.

[6] Thomas McCarthy, 'Practical discourse: On the relation of morality to politics', in Calhoun, Habermas and the Public Sphere, pp. 51-72;

William Rehg and James Bohman, ' Discourse and democracy: The formal and informal bases of legitimacy in Habermas' Factuality and effectiveness, The Journal of Political Philosophy, 4y (1996), 79-99.

[7] McCarthy, 'Practical discourse', p. 62.

[8] Habermas, 'Postscript', p. 462.

[9] أنظر: السدير ماكنتير، بعد الفضيلة، بحث في النظرية الأخلاقية.تر، حيدر  حاج اسماعيل،  المنظمة العربية للترجمة، بيروت،2013.

[10] Rehg and Bohman, 'Discourse and democracy', p. 94.

يعيد هؤلاء المؤلفون بناء مجموعة أضعف من الشروط المعرفية للتداول الديمقراطي ، ص 94- 95

للاطلاع على اراء اخرى في هذا الأتجاه أنظر:

McCarthy, 'Practical discourse', pp. 66--8, as well as the special section on his work in Philosophy and Social Criticism, 22 (1996).

 

 

بشرى البستانيتعد نظرية اللعب الحر باللغة محورا مهما من محاور التفكيك الخمسة التي تشتمل على الاختلاف ونقد التمركز، واللعب باللغة، وعلم الكتابة، والحضور والغياب الذي يقوم على حضور الدال وتغييب المدلول، وعلى هذا المنطلق التفكيكي تكاد ترتكز المحاور الأخرى في الاختلاف الذي يرفض الركون لمعنى معين والاستقرار عنده ونقد التمركزعلى العقل. وتهدف هذه المحاور إلى تقويض مفهوم الحقيقة بمعناها الميتافيزيقي، إذ لا حقيقة في التفكيك، بل هدم وتقويض وتخريب لكل الاسس الثابتة التي قامت عليها الخطابات السابقة. ويعترف جاك دريدا بأن التفكيك ليس منهجاً ولا نظرية في الأدب ولا يمكن تحويله إلى منهج، وهو يتساءلُ: ما التفكيك. ؟ ويجيب على تساؤله: لا شيء (1). فالنص هو نسيج مركب من اشارات متشابكة ودلالات متداخلة يتطلب فهمها التحليل والتفكيك والعزل لفحص تشكيلاتها البنيوية وجذورها المعرفية التي تحتاج لدقة وعمق ورؤى لتوجيه إشاراتها الدلالية التي لا تستقر على حال ولا تقف عند معنىً محدد.

ويؤكد التفكيك أنَّ في كل نصٍّ فجوات تسمح بدخول القارئ اليها وتفجير النص من خلالها، وتهدف هذه الفجوات إلى زعزعة المفاهيم المستقرة في الثقافة الغربية من أجل الكشف عن زيفها وتقويض سلطتها وانتقاد الثنائيات التي كرستها ومنحت الأفضلية للمهيمنات فيها كثنائية رجل امرأة، وأبيض أسود، ونهار ليل. ولعلّ هذا الهدف واحدٌ من إيجابيات التفكيك بوصفه الرد الحاسم على ادعاء مركزية الثقافة الغربية وهيمنة ثقافتها، وادعاء امتلاكها لحظة انبثاق الحضارة الإنسانية الأولى متنكرة لجهود شعوبٍ سبقتها في هذا المضمار، كالحضارة العربية الإسلامية والفرعونية والهندية والصين وفارس من أجل العمل على تكريس سطوتها على العالم.

إن قضية الحضور والغياب التي ترتكز على حضور الدال وتغييب المدلول تكاد تشكل الأساس الذي تقوم عليه الفعالية التفكيكية كلها وبهذا التغييب يكون لعب اللغة حراً، وعلى هذا المنطلق تكاد ترتكز محاورالتفكيك الأخرى في الاختلاف الذي يرفض الركون لمعنى معين والاستقرار عنده، كما أن نقد التمركزعلى العقل يعدّ من الأسس المهمة التي اعتمدها التفكيك لأنّ جميع الإجراءات التي طرحها أهل التفكيك للعملية النقدية التي تبناها فلاسفتهم كانت قد خضعت لحضور الدوال وتغييب المدلولات.

إن المحاور التي قام عليها التفكيك في (الاختلاف، ونقد التمركز، ونظرية اللعب، والكتابة) تبرز فيها بشكل مباشر ثنائية الحضور والغياب التي كانت تهدف إلى خلخلة منظومة الفكر الغربي المعرفية وتحويلها من (ميتافيزيقيا الحضور) إلى الغياب، غياب المعنى واختلافه وتعدده، لأن السلطة انتقلت من النص وارتباطاته المعجمية إلى القارئ، وصارت سلطة القراءة هي السلطة المهيمنة على الفاعلية النقدية كلها، ومن خلالها يتم اللعب باللغة عبر التحولات الدائمة واللانهائية للمدلول المتغير أبداً، مما أدى إلى نتائج وخيمة على الإنسانية مازالت شعوب العالم المستضعفة تعاني منها وتجني مرارتها، إذ نتج عن هذا اللعب الحر باللغة لعبٌ حرٌّ بالإنسان المستضعف واستهانةٌ بالشعوب المغدورة وعبث بحضاراتها وتراثها وتخريب لأوطانها ومستقبلها.

(2)

اللعب والتلاعب في اللغة ضد الجد، وسمي اضطرابُ الموج لعباً لأنه لا يسري بالركب إلى الوجه المراد، ويقال لكل من عمل عملا لا يجدي نفعاً إنه لاعب، والتلعاب صيغة تدل على تكثير المصدر، ويقال امرأة لعوب لكثرة لعبها أو لكونها يُلعب بها، واللُعبة: الأحمق الذي يُسخر منه ويُلعب به. واللعبةُ جرمٌ ما يلعب به كالشطرنج ونحوه، واللعبة التمثال، ولعبت الريح بالمنزل درسته، وملاعبُ الرياح: مدارجها (2) ومتأملُ هذه المعاني جميعها يدركُ أن دلالة اللعب بهذا الشكل لا تنحو منحى الإيجاب في اللغة، فهو ضد الجدية، وقرين الاضطراب والسخرية والتدمير. واللعب اصطلاحاً في صورته الخالصة نشاطٌ حر، وتعبيرٌ نفسي تلقائي ممتع مقصود لذاته، وعلماء النفس يضعون له وظائفَ وأهدافاً تختلف باختلاف رؤاهم عن هذا النشاط، فبعضهم يرى أن وظيفة اللعب هي التخلص من الطاقة الزائدة، أو أن وظيفته إعداد الكائن للعمل الجدي في المستقبل ولذلك وصفه بعض المربين بأنه أسلوب الطبيعة في التعليم وإكساب الطفل باللعب خبرات ومهارات. واللعب الجمعي مصدر من مصادر القدرة على التعامل مع الناس. ويرى بعضهم أن اللعب يلخص الماضي وأن الألعاب تمثل أدواراً مختلفة في تاريخ الإنسان وتدعى هذه الأدوار بـ "النظرية التلخيصية" أو نظرية تلخيص الحضارة، ويرى آخرون أن اللعب يقوم على نظرية تنفيسية، وأنه منفذُ الانفعالات الجنسية، ولهذه النظرية تاريخ قديم يتصل بأرسطو ومجال تفريغ الانفعالات بالتطهير، أما النظرية التحليلية فترى أن اللعب مجالٌ لإعادة التوازن والاتزان إلى حياة الكائن (3).

إن اللعب ظاهرة أولية تعمُّ عالم الكائنات الحية بأسرها وتخصُّ الإنسان كونه الموجود الواعي بالاختيار، والذي يتصرف بحرية، وعليه فان اللعب الإنساني هو لعب ذو مواصفات خاصة به، لكون الإنسان واعيا بقواعد اللعبة وشروطها، فطابع الملاعبة في الألعاب الإنسانية يتأسس من خلال فرض القواعد والتنظيمات التي يُعتدُّ بها لذاتها فقط، وهذه القواعد والتنظيمات داخل اللعبة مرتبطة بطريقتها الخاصة ولا يمكن انتهاكها، فالطابع المميز للعب الإنساني هو ذلك الطابع الفريد الذي ينطوي على قواعد رابطة يحكمها نوع من "التوجه المباشر" نحو الأشياء يطلق عليه "قصدية الوعي"، ولقد عدَّ الفلاسفة خاصية "التوجه المباشر" هذه بمثابة بنية الوجود الإنساني فهي بالغة الخصوصية. (4)

إن عنصر اللعب الذي ينتمي للثقافة الإنسانية يمكن أن يكون موجوداً في أكثر أنواع الأنشطة الإنسانية جديةً كالطقوس الدينية والاجتماعية، ولقد كان هناك ميلٌ لربط خبرة الفن والإبداع بمفهوم اللعب بوصفهما أشبه باللعب الذي يشكله الجمالُ كما يُشكلان هما الجمال. فاللعب الفني لعبٌ من نوع خاص لاختلافه عن أنواع اللعب الأخرى، كونه ذا قوانين دقيقة خاصة به لا يمكن للفن أن يكون إبداعاً إلا بها، ولذلك قرنه هانز جورج جادامير بالفن، فهو لعبٌ تمتلك فضاءاتُه منظوماتِ عملها المبدع والمتميز، وهو لعبٌ لا يتعارض مع الجدية بقدر ما هو متعارضٌ مع العلة القاتلة للروح. (5).

أما اللعب الإيهامي فهو ضربٌ من اللعب الذي يقوم على الإيهام المصحوب بالوعي لوجود خداع ذاتي يبدو ظاهرياً أنه ينطوي عادة على الابتعاد عن الأهداف والغايات الجدية مثلما ينطوي على قدر من التفكك والتحلل النفسي الخادع (6) وإذا كان مصطلح التلاعب الحر هو احد المصطلحات الفاعلة في حقل (الاختلاف) الذي يعدُّ واحداً من أهم مقولات التفكيك، فإنه يستمد كثيرا من جوانب سماته من الحقل الذي يشتغل فيه مصطلح اللعب الإيهامي، ذلك أن التفكيك يلتقط مصطلح اللعب ويضيفه إلى اللغة محرراً إياها من مواصفاتها القاموسية وأهدافها التي سبق وأن استقرت عليها عبر القرون (7). ومن أهم تلك المواصفات اقتران المدلول بدواله المعتادة والمتعارف عليها في قواميس اللغة، ولذلك كانت مهمة التفكيك الأولى هي فكّ الارتباط الدلالي بين اللغة وقواميسها وإنهاء سلطة تلك الدلالات القاموسية حين أُعطيت تلك السلطة للقراء والقراءة بلا منازع.

(3)

إن جذر مفردة (الاختلاف) في اللغة الفرنسية يختلفُ، وتتنازعه خصائص مكانية وزمانية وتتجه دلالته اتجاهاتٍ عدة ما بين عدم التشابه والتفرق والتبدد والتأخير والإرجاء المستمر للدلالة، إنه باختصار ذلك المصطلح الذي يرفض التزام المدلول بدواله لأن مهمته تحريرُ الدوال من سجنها اللغوي المعتاد وما أثبتته لها المعاجمُ من معانٍ. من هنا تنشأ مشكلة الحضور والغياب، حضورُ الدال وتعدد مدلولاته، بل غيابها حسب تعدد القراءات واختلافها باختلاف مرجعيات القراء واختلاف أفق وعي المتلقين وثقافتهم. وهكذا يكتسب المصطلح دلالة اصطلاحية، فحسب "ليتش" الذي ينقل تعريف دريدا للاختلاف يقول: إن الاختلاف ليس كلمة، كما انه ليس مفهوما، لأنه الإزاحة التي تصبح بواسطتها اللغة أو الشفرة أو أي نظام مرجعي عام ذا ميزة تاريخية، حين تكون عبارة عن بنية من الاختلافات ترتكز على ثبوت الدال والتغير الدائم والمستمر للمدلول، ويؤكد "ليتش" انه عند استخدام العلامة فان حضور المدلول والمرجع يرتبط بالحضور الذاتي للدال الذي يظهر لنا من خلال الوهم والمخادعة والضلال بصورٍ مفاجئة لأنها ترتبط بتحولات القارئ وفعل القراءة. (8) فليس هناك حضور مادي للعلامة فما يثيره الدال في ذهني من صور ذهنية مرتسمة يختلف عما يثيره ذلك الدال نفسه في ذهن قارئ آخر. ولذلك فليس هناك وقوفٌ نهائي على معنى محدد، وهذا الاختلاف أو الإرجاء يهدف إلى الحدّ من هيمنة فكرة الحضور، داعياً لعدم التقيد بمعنى معين مما يؤدي إلى توالد المعاني ليس بسبب تقرير الدالات لها، بل بسبب اختلافاتها المتواصلة مع المعاني الأخرى التي حدّت من حريتها، ولان هذه المعاني لا تعرف الاستقرار والثبات فإنها تبقى مؤجلة ضمن نظام الاختلاف من خلال الجدل بين مستويات الحضور والغياب من قارئ لآخر بسبب اختلاف مستويات التلقي وآفاقه ومرجعياته. إن عدم ترابط معاني مصطلح (الاختلاف)، وافتراقها ما بين التباين والإرجاء هو ما يسعى هذا المصطلح لتجسيده وتفسيره (9).

إن التوحد بين شطري العلامة دالاً ومدلولاً وحرص القواميس اللغوية على توثيق هذا التوحد هو الأصل في الدراسات اللغوية إلى أن جاءت النظريات الحديثة في اللغة وانتقدت هذا التوحد بين الدال والمدلول الذي كان أساس حدوث الدلالة الأحادية لحدٍّ ما، أو تقرير المعنى المحدد، وذلك هو جوهر سلطة النص التي عمل التفكيك على زعزعتها. فالذي حدث فيما بعد هو نسف ذلك التوحد بمعنى أن الدال لم يعد يشير إلى مدلول محدد ولا لأي مدلول، فقد انفصل الدال عن المدلول الذي منحته إياه المعاجم والدراسات القديمة، وصار يقاوم الثبوت في عملية مراوغة لا نهائية للدوال فيها، وكانت نتيجة هذا الانفصال استحالة تحقيق دلالة ثابتة في الإسناد وفي النص، فقد ادعى مغيبو المدلول فوكو وبارت وشتراوس ولاكان وبعدهم جاك دريدا أن الدال هو الذي يحمل وثوقيته؛ كونه مادياً ثابتاً، بينما المدلول سؤال مفتوح للتأويلات المختلفة (10) إن الدال الواحد يمكن أن يكون له قطعاً مدلولاتٌ مختلفة بالنسبة إلى الشخص الواحد في أوقات مختلفة ولعددٍ من القراء في وقتٍ واحد. إن مصطلح الاختلاف يجمع معا جميع معاني الاختلاف الاعتيادية مضيفا إليها كل دلالات فعل الإرجاء والتأجيل. والاختلاف حسب التفكيك ينجم عن بنية مكانية تقابلية بين المتضادات، بنية جاءت نتيجة مكانيّةِ المتضادات ووجود الثغرات بينها ورصفها جنبا إلى جنب، فلابد من وجود صدع يفصل بينها اعتماداً على عدم التشابه والنفور بين الأقطاب والمصطلحات، وتلك هي سمات دلالة الاختلاف وذلك ما أطلق عليه التفكيك: الفجوات والفراغات الموجودة في كل نص أيّاً كان موضوعه. فضلاً عن أهمية هذه الصدوع والفراغات والفواصل التي لا يمكن بدونها للمفردات والمصطلحات أن تؤدي عملية الدلالة ووظيفتها ابداً، لأنها هي التي تمنح المؤول فرصته في ملئها بالدلالة التي يراها غائبة، ويراها مناسبة كذلك. أما أهمية الفواصل والقواطع الفراغية فتكمن في أنها تسمح للعناصر المتضادة بالدخول في علاقة معينة يبررها المتلقي دون أن يسمح لها بالتوافق والتطابق التام في هذه الفراغات التي نجمت عن انفصام العلاقة وانفصالها بين الدال والمدلول. (11) ومن خلال هذا الانفصال يتم التلاعب الحر باللغة، فمصطلح التلاعب الحر هو الناتج الأهم لاشتغال مصطلح الاختلاف التفكيكي، لأنه يعمل على إدامة مراوغة المدلولات المستمرة للدوال وعدم الاستقرار والمكوث عند مدلول معين، فالمدلول الجديد لا يلبث أن يتحول سريعا إلى دال يبحث عن مدلول آخر في لعبة متواصلة لا نهائية، دون أن يتيح سيلُ الدالات لمدلول ما أن يفرض حضوره أو يلازم داله ليستقر، ومن هنا يأتي الإصرار على عدم الاعتراف بوجود حدود تحصر المعنى بسبب كون الدلالة لا تملك قوة حضور بنفسها لان مقولة الحضور نفسها هي العامل المؤثر في إنتاج الدلالة التي لا تتسم بالاستقرار في التفكيك، ولما كانت هذه العملية لا تشتغل إلا داخل اللغة وبدالاتها حسب بسبب غياب المرجعيات أو تغييبها، فان النص لابد أن يصاب بالضمور والانكفاء ولا يعرف إلا ضمن كيانه اللغوي الخاص (12) حيث تحيل اللغة على لغة، أي من لغة الدال إلى لغة المدلول الذي لا يعرف الثبوت والاستقرار، وليس له وجودٌ خارج لغة النص برأيهم، ولا يتشكل إلا حسب أفق تلقي القراء ومرجعياتهم، بما يعني أن يحيل الدال على دال آخر باستمرار، دالٍ يرتسم صوراً ذهنية في ذهن القارئ وليس مرجعاً له حضورٌ مادي وحقيقة ملموسة خارج اللغة في الواقع، حتى قيل إن النص خرج من سجن اللغة في البنيوية إلى سجن الدالات في التفكيك، حيث يراوغ المدلول دالاته دون الاستقرار عندها. والمراوغة المقصودة هنا هي مراوغة المدلول للدال التي تحوّل العلامة اللغوية إلى علامة عائمة سابحة يحاول المتلقي تثبيتها مؤقتا إلى أن يجيء قارئ آخر أو القارئ نفسه في قراءة أخرى ليفكك القراءة السابقة ويزيح دلالتها بدلالات جديدة مضافة للمدلول السابح أبدا (13) وهكذا.

ويبدو واضحا في نظرية دريدا أن التلاعب ينطلق من أن التغير الجوهري الذي طرأ على نظرة ما بعد البنيوية إلى اللغة يتمثل في بعد المسافة بين الدال ومدلوله وفي ضعف العلاقة بينهما مما ترتب عليه ظهور فجوات تحولت إلى شك في الآراء التقليدية الراسخة عن الكينونة والوجود والحقيقة واللغة والأدب، وتتسع مساحة الشك / الفجوة حتى تختفي العلاقة بين الدال ومدلوله ولا تبقى في النهاية إلا الفجوة بين الاثنين، تلك الفجوة هي التي يتحقق فيها اللعب الحر للمدلولات وتتحقق لا نهائية الدلالة أو مراوغة المعنى لعدم استقراره. وتصبح كل قراءة هي إساءةٌ للقراءة السابقة حيث تتحول حقيقة الفجوة في نهاية الأمر إلى حاجز يقاوم الدلالة، فلا دلالة ثابتة في النص لأنها في تحولٍ وتشكلٍ دائمين، وعليه فانه لا توجد مدلولات في الواقع، وليس ثمة إلا دالات فقط، ففي ظل الفجوات والمدلولات المراوغة لا يمكن للمدلول نفسه أن يكتسب دلالة إلا إذا أحيل على مدلول آخر حيث يصبح المدلول الأول دالا، ويحدث الأمر نفسه مع المدلول الثاني ليتحول في قراءةٍ جديدة هو الآخر إلى دال، وهكذا لا يمكن الاستقرار في الدلالة إلا عن طريق الإشارة إلى دلالة أخرى مما يترتب عليه إغلاق النسق اللغوي حينما يتحول هذا النسق اللغوي للعلامات إلى دائرة نسقية مغلقة من الدالات اللانهائية التي تشير إلى نفسها فقط (14).

لقد كانت البداية الأولى لمصطلح اللعب مع دريدا في المؤتمر الذي عقد في جامعة جونز هوبكنز عام 1966 تحت عنوان (البنية والعلامة واللعب في خطاب العلوم الإنسانية) وقبل هذا المؤتمر بثلاث سنوات نشر دريدا بالفرنسية عام 1963 مقالاً بعنوان (البؤرة والدليل) يركز فيه على الحرية المطلقة في استخدام اللغة بطريقة لا تبعد كثيرا عن حرية استخدام اللغة عند الشاعر الرومانسي فهو يرى أن فكرة البنية كانت تفترض سلفا مركزا للمعنى من نوع ما، ويتحكم هذا المركز بالبنية كلها، غير انه في ذاته ليس موضوعا للتحليل البنيوي لان العثور على بنية المركز يعني العثور على مركز آخر (15) بمعنى أن انفجار المركز سيؤدي الى حدوث مراكز كثيرة في النص من خلال التشظيات التي يحدثها الانفجار، مما يؤدي إلى اتساع شبكة الدلالات في النص الواحد. والملاحظ أن هذه البنية المصطلحية للتفكيك والتي تقوم على العنف من تفجير وتشظٍّ وشكّ وإزاحة ونقض وتقويض وهدم وتفكيك قد انتقلت جميعها لجوانب الحياة كافة ولا سيما السياسية والاقتصادية ومن ثم الاجتماعية، وكان ضحيتها الإنسان المعاصر والمجتمعات الانسانية الضعيفة بشكل خاص.

إن اللعب والمراوغة مصطلحان ارتبطا أولا بنظرية التلقي، وتم تطويرهما إلى لانهائية الدلالة التي تحتل موضع القلب في استراتيجية التفكيك. إن حركة الدوال داخل أي مركز يسميها دريدا لعبا، ولذلك تتمتع الدوال بحرية اكبر عند تفكيك المراكز في عملية اللعب؛ لأن تفجير المراكز يؤدي إلى تعدد البؤر التي تحدثها التشظيات والتشتيت، وتعدد البؤر يؤدي إلى اتساع الدلالات، فتعدد المراكز ظاهرة إيجابية كونها تثري المعنى، أما ما انتقده التفكيك بشدة فهو التمركز الذي أدى بالثقافة الغربية وحضارتها إلى التسلط على العالم وإلى العنجهية والغطرسة وادى بها الى العنف والعدوان على الشعوب وانتهاك حقوقها. لقد اتسمت العلامات عند دريدا بإساءة الاستخدام وتحولت من المصدر النهائي للمعنى كما كان عند السيمائية إلى مصدر مستمر للعب والتغير والتحولات، وقد عدَّ أمناء جامعة (ستانفورد) هذه النتائج انهياراً حقيقيا للبحوث والجهود التي بُذلت وتبذل في دراسة اللغة، ووصفوا سعي التحليل التفكيكي لترسيخ نظرية اللعب بأنه شيء استفزازي يعيش على الانقسامات والعنف (16) والإحالات المستمرة من دال إلى دال آخر مع تغييب متعمد للمدلول الذي يفصح عن المعنى، هذا المعنى الذي كان ومازال هو الهدف الذي تسعى إليه الانسانية الراقية وتهدف له جهودها عبر التاريخ الإنساني. وتلك الصيغة التفكيكية محكومة بمجموعة آليات يسطرها (الناص) ويستخدمها اللاعب الذي هو المتلقي في تعامله مع النص، محاولاً إلغاء الحتميات والوثوقية والأخلاق والأحكام الجمالية.

وقد حدد بيتر هوجنستون تلك الآليات التي تلغي الوثوقية عن منظومات الابستمولوجيا والاخلاق والاحكام الجمالية.

ولا تكاد المصطلحات والآليات السابقة تخلو من الدلالات السلبية في لحظة تموضعها في النص عبر مجموعات غير منسجمة من الهذيان والأوهام والألغاز والغموض والكنايات والمونتاج والأساطيروالرموز والاقتباسات والمفارقات والكولاج، فضلا عن الذي يفصح عن المعنى، هذا المعنى الذي كان ومازال هو الهدف الذي تسعى له الانسانية الراقية وتهدف إليه جهودها عبر التاريخ الإنساني. وتلك الصيغة التفكيكية محكومة بمجموعة آليات يسطرها (الناص) ويستخدمها اللاعب الذي هو المتلقي في تعامله مع النص، محاولاً إلغاء الحتميات والوثوقية والأخلاق والأحكام الجمالية. وتعمل هذه الآليات غير المتجانسة على تلوين الدال وتعدد القراءات وتشظي الدلالة مما دفع بعضهم إلى وصف مثل هذه النصوص ببعدها عن الجدية وسطوة التهكم والزيف والعبث.

إن مشروع نسف التقاليد وحرق المكتبات وإلغاء المرجعيات الذي دعا إليه هيدجر للعودة إلى المنابع الأصلية الأولى للغة، ودرجة الصفر في الكتابة التي دعا إليها رولان بارت، واختلافات سوسير التي دحضت فكرة الأشياء الكامنة وراء المدلولات التي كان يُظنُّ أنها ثابتة ولها حضورها المادي خارج اللغة، دحضها جاك دريدا بقوله" لا شيء خارج النص"، وما لهذه الطروحات من مخاطر على الإنسان المعاصر وعلى تاريخه وعلى الشعوب المناضلة من أجل الدفاع عن هويتها وتراثها وتحقيق وجودها. إن ستراتيجية الاختلاف والإرجاء الدائم، والمدلولات المراوغة كلها مدلولات ليس لها من مرجعية غير اللغة، فلا دلالة ثابتة غير تولد الدالات المستمر، كل ذلك كان تمهيدا لتحقيق اللعب الحر للدلالة. واللعب الحر هو النتيجة المباشرة لقطع كل خيوط الثبات والاستقرار والتثبيت الذي يعمل على تماسك النص كما يعمل على استقراره ولو مؤقتا عند نقطة ما. إن رفض نقاط التثبيت هو رفض ميتافيزيقيا الحضور، ورفض أي حقيقة تاريخية أو دينية، رفض وجود مركز للكون يفرض عليه النظام ويفسر العلاقات المختلفة ويؤشر معالمَ سيرِ الإنسان المعاصر، مع ما يتبع ذلك من جزيئات مهمة مثل نسف العلامة اللغوية وحرمانها القدرة على الدلالة، ونسف العقائد واستحالة تثبيت معنى محدد للنص، لان استراتيجية التفكيك تقوم على التحرر من سلطة الإحالة إلى مركز مرجعي موثوق خارج اللغة، وفي غيبة هذه السلطة يكون اللعب حرا (17) لأنه يقتصر على العلاقات اللغوية داخل النص حسب، تلك العلاقات التي تفتقد أي وجود في الواقع، فليس من علاقة بين الشعر والحدث التاريخي وليس من علاقة بين الإنسان والأهداف المشروعة التي يناضل من أجلها. وليس من علاقة بين شخصيات الرواية والأهداف المشروعة التي تناضل من أجلها، لأن هذه الشخصيات كلها ورقية لا علاقة لها بالواقع وبهذا وفي فضاء اللعب الحر باللغة ينفرط عقد الكون والأشياء ليكون المركزيُّ هامشياً والهامشيّ مركزياً وتصبح العلة معلولاً والمعلول علة، فيصبح الأصل أثرا والمدلول دالا، وذلك هو اللعب الحر للغة وبها والذي يُنتج نصا هلامياً ليس أكثر من آثار اختلاف تشير إلى آثار اختلاف أخرى. إن سلسلة الاختلافات التي يحيل عليها النص حسب التفكيك، يعني تعدد المعنى إلى ما لا نهاية حسب أفق تلقي القراء ومدى عمق ثقافتهم وتنوعها، وذلك هو جوهر اللعب الحر باللغة. ومن المنطقي أن تؤدي القدرة على تحديد مدلول أو أصلٍ خارج لغة النص في محور الاختلاف التفكيكي إلى إيقاف اللعب الحر، وإيقاف اللعب الحر في عملية إنتاج الدلالة هو ما يعمل التفكيك على مقاومته ورفض ما ينتج عنه. فنظرية اللعب باللغة نابعةً من موقف تفكيكي فضلاً عن كونها واحدةً من نتائج نقد التمركز حول العقل وميتافيزيقيا الحضور اللتين كانتا محط نقض وتقويض دريدا، كونهما المحرك المهم لمحور الحضور والغياب التفكيكي. ولذلك فإن أهم ما جرى في التفكيك هو مغادرة الوقوف عند تشكيلات لغة النص التي تعدّ السمة العامة التي كان يقف عندها النقاد والتي راح أهل التفكيك يَصفونها بالجمود لانها تتصل بما يتسم بالثبوت الذي هو المعنى القاموسي، مغادرين ذلك إلى فعالية القارئ الذي غدا هو الموجه الذي يكشف توجهات النص ومواطن قوته وهشاشته بما يمتلك من آفاق تلقٍّ وثقافة وخبرات مكثفة سابقة، فلا ثبوت في التفكيك. كل شيء في حالة تغيرٍ دائم لعدم وثوقيتهم بأي حقيقة مطلقة، فلا حقيقة في التفكيك بل كل شيء آيلٌ للتغير كونه قائما على الاختلاف وتعدد التفسيرات ولانهائية المعنى الذي يختلف مع كل قارئ جديد وحتى مع القارئ الواحد للنص الواحد. لأن التغير والتأجيل دائمان مما يعمل على مغادرة التبسيط والوضوح الى التوتر والاختلاف لكثرة الفجوات في النص، وتغييب المدلولات، وكلما كانت مسافة التوتر بين النص والقارئ أبعد مدىً، فإن ذلك يمنح المجال للتأويل كي يشتغل أوسع وأعمق، مما يلوّن المعنى ويسمهُ بالتعددية.

***

يعمل مصطلح التشتيت أو الانتشار داخل نظرية اللعب عملاً حثيثاً بوصفه أداة تقويضية ركز عليها دريدا في تقويضه للفكر الأفلاطوني فيما يتعلق بمفهوم الكتابة ونظرية المحاكاة في الجمهورية، ولهذه المفردة علاقة وطيدة بالتناسل. أما بوصفها مصطلحاً فإن مصطلح (التشتيت) يعني عدم انتظام النص وغياب تماسك المعنى من أجل تكاثر الدلالات وانتشارها وتناثر معناها بطريقة يصعب ضبطها والتحكم بها، وهذا التكاثر المتناثر ليس شيئا يستطيع المرء إمساكه والسيطرة عليه وإنما يوحي باللعب الحر الذي لا يتصف بقواعد تحدُّ من حركة هذه الحرية بل هو حركة مستمرة تؤدي إلى عدم الاستقرار والثبات وتتسم بالزيادة المفرطة على ما يفترض انه يعني معنى معيناً، أو يشير لدلالة ما. (18) فالتشتيت في التفكيك لا يمكن التعامل معه الا من قبل قارئ حاذق له القدرة على جمع الشتات وإعادة تشكيله والعمل على انتظام النص من جديد من خلال توجيه دلالاته المتغيرة من قارئ لآخر، ولذلك أعاد النقد النظر بدلالة "الوحدة العضوية" التي كانت تعني تماسك النص وانسجامه في بنيته السطحية يوم كان واحداً من مهمات المؤلف المسؤول عن إنشاء النص، وصار اليوم من مهمات القارئ يوجهه حسب أفق تلقيه وأبعاد ثقافته وخبراته ورؤاه.

ولعل خطراً آخر يكمن في هذه اللعبة التفكيكية، ذلك أن هذه اللعبة لم تقتصر على ملعب اللغة بل تعدتها إلى مجالات أخرى لا تقل خطورة عن الأولى، فمن خلال

سحب ما بعد الحداثة ألعاب اللغة إلى حقول معرفية أخرى يمكن الإشارة إلى ثلاثة حقول اهتم بها د. مصطفى ناصف في حديثه عن ألعاب اللغة عند ليوتار ونلخصها بالآتي:

1- الحقل الاجتماعي: وتلعب فيه ألعاب اللغة لعبة التنافر وتشقيق كل شيء؛ لان التشقيق في ما بعد الحداثة يعني قوة الابتكار. والتلاعب باللغة يقبل ما لا يحتمله القياس ويقوم على التنافر والهامش والشقاق والتوتر الدائم، وهذا ما يؤكد انفصام هذا اللعب عن كل رابطة اجتماعية أو تحقيق هدف عادل، لأن هدفه هو تشكيل التناقضات وتطوير صناعة الأجهزة وليس تأهيل الذات بالمعنى الأصيل لأن هدف هذه اللغة في ما بعد الحداثة هو الاختلاف والتشتيت لا التواصل والانسجام، ولعل ماحدث ويحدث في العراق وأقطار الوطن العربي الأخرى أكبر دليل نعيشه شاهدا على تلك الأحداث الشريرة. إن عصر الحداثة الذي اهتم بوحدة العالم كان قد انتهى وانتهت إيجابياته، وحلَّ عصرُ ألعاب اللغة الذي لا يأبه بالبرهان ولا بالتصنيف الدقيق ولا بمرجعيات الحقيقة لأنه لا وجود لأي حقيقة في نظرهم مذ أنكروا المرجعيات والأشياء التي تمكث خارج اللغة؛ وصار كل شيء ورقيا لا علاقة له بالواقع، لأن ذلك التصنيف لا يساعد على حرية الحركة أو حرية إزاحة الخصم التي ينادي بها ليوتار، فقد كان فصل الدال عن المدلول إيذانا بالريب والشك ليس فيما هو أدبي أو فني فحسب، بل فيما هو اجتماعي وأخلاقي وقانوني كذلك، وهو إيذان بحلول الاضطراب والتشتت والفوضى التي نعيشها اليوم في شتى المجالات. إن اتصال الدال بمدلوله عند فوكو هو حالة إغفاء أصابت اللغة التي تكونت من آلاف السنين، ويحذر فوكو من هذا الإغفاء، يحذر من ربط الأفكار بالأشياء لأن هذا الربط هو قرين التوكيد والإشارة والإحالة، وألعاب اللغة قرينة الشك والشتات والثغرات والفجوات ونقض التواصل (19).

2- الحقل السياسي: وهنا تمجد ألعاب اللغة مبدأ الصراع والخصام حول مفهوم السلطة، إنها تستبعد دلالات الالتزام والانسجام باحثة عن الثغرات محرضة على الاضطراب وخلق الأزمات والتماس ما ينمّي النسبية والقلاقل والخلافات، لا ما يركز الاستقرار والتقدم كما كانت تؤكد الحداثة، مما حدا ببعض الباحثين إلى القول: إن ذلك مسؤول إلى حد ما عن تضاؤل فكرة المسؤولية الأخلاقية في القول والفعل، فهذه الألعاب تؤثر على دور الشخص وعلى إمكانية تحديد الحقيقة. إن ألعاب اللغة أصبحت نظرية سياسية مهمتها زعزعة فكرة الأساس الثابت والحقيقي، وتعمل على زعزعة تحديد الاتجاه خدمةً لما يسمى "الانزلاق المستمر"، والانزلاق يحتاج بداهة إلى العبث بفكرة التحديد والتأشير والتنظيم والتصنيف. إن ألعاب اللغة نظرية في توجهات السلطة ومفهومها الذي يشتغلُ في ضوء الهيمنة والتحيز والغلبة والاختلاف الدائم، (20). ومتأمل سياسات الدول الكبرى ذات المصالح اليوم يجدها تلعب داخل هذه الأطر في مواقفها المتغيرة تغيّر مصالحها التي لا تعلو عليها أية قيمة.

3- البعد الاقتصادي:

في غياب البعد الوجداني للإنسان وغياب تواصل الذات مع الذوات الأخرى، وإلغاء التماسك الاجتماعي طغت مكننة المعلومات وتغليب فكرة الأداء والمنفعة التي تسعى إلى ملكية المعلومات الوفيرة وهي تسعى لجمع الثروات الهائلة والتسلح والهيمنة على الشعوب، دون حسبان لمصلحة الإنسان. إنّ تراكم المعلومات والتطور التقني الهائل في ظل هذه الفلسفة ليس له من هدف إلا الدوران في فلك السلطة تحقيقا لتراكم رؤوس الأموال التي تخدم أهداف المؤسسة الاستغلالية ومراميها، كونها لا تسعى إلا لتحقيق مصالح الأقوى المتسلط وهدفه في تغذية رؤوس الأموال وانتصار المكننة وتضخم المعامل والمصانع والمصالح الرأسمالية، حتى لو كان ثمن تلك المصالح تشريد ملايين العمال في العالم الثالث ورميهم خارج المعامل والمصانع تمجيدا للآلة جالبة الثروة تحت شعار العولمة الاقتصادية التي أودت باقتصاديات الدول الفقيرة ودول العالم الثالث وهي تطرد الآلاف من العمال الفقراء وترميهم وعوائلهم للجوع والفاقة والحرمان دون أي نوع من أنواع التأمين على حياةٍ توفر لهم أبسط مقومات العيش بكرامة، لتوفر رواتبهم لغول العولمة الاقتصادية الجشعة . وهكذا ضاع الإنسان وضاعت معه كل قيمة في ظل قانون التلاعب الحر باللغة وبالقيم ودلالاتها وسماتها، إذ تحولت الوسائل إلى غايات وأهداف مما جعل الإنسان المعاصر يفتقد الشعور بالأمن والتراحم والتماسك.

4- البعد الفردي:

التلاعب الحر باللغة ناتج الاختلاف الذي هو سمة العصر المتأتي من اختلاف وجهات النظر وتباين الآراء وتعدد زوايا الرؤيا إلى الحياة والأشياء مما فعّل نظريات القراءة. فالتلاعب الحر باللغة ينقض الإثبات والحضور ويفتت الوحدة ويحارب المركز المتماسك ويشجع التهميش والتبعثر. وأمام هذه اللامبالاة بالهدف انصب الاهتمام على الوسائل وصارت التقانة وما تُنتج من أموال لأصحاب المصالح والمتنفذين بالاقتصاد العالمي هي كل شيء حين ضاع الإنسان والقيم معاً.

نتج عن الاختلاف والتلاعب الحر باللغة ضياع المعنى وانتفاؤه واختلاط الوهم بكل شيء، اختلاط النصوص ببعضها: الفلسفة بالبلاغة، الأسطورة بالشعر، القصة بالسيرة، فقد ضاعت الأصول وصار عسيراً ردُّ الأشياء إلى جذورها لأنه لا يوجد أصول أو حدود أو جذور في ميدان التلاعب الحر باللغة، فالعالم في النصوص مبنيٌّ من كلمات، إذ لا وجود لعالم حقيقي خارج الكلمات في مقولة جاك دريدا"لا شيء خارج النص" فالشخصيات في الأدب ورقية والأمكنة وهمية، والأشياء عبارة عن حروف شكلت كلماتٍ ذات صور ذهنية فقط لا علاقة لها بالأشياء والواقع، وكذلك الأزمنة والأحداث. إن ما بعد الحداثة لا ترى وجودا حقيقيا للذات المفسرة للنص لان المفسرَ نتاج لغة أو قوةٍ تحكمه، وهذا ما استغلته بعد الحداثة لتوسيع الاختلافات حيث تكمن جذور التفكيك (21).

إنَّ خطاب ما بعد الحداثة يفصل النص عن الواقع كلياً لأنه يفهم الواقع بوصفه مجرد اثر ناتج عن شفرة حضارية معينة، ولذلك فهو يركز على التحولات الدائمة والاختلافات والإرجاء والإزاحة ونفي المراكز، وهذا نوع من إشاعة الفوضى الثقافية والإرباك والاضطراب. اللعب الحر باللغة ومواصلة الاختلاف يلغي وظيفة النص، فـ(لااستقرار الدلالة) يعني ألا وظيفة للأدب، لا وظيفة للنقد ما دامت إزاحة الدلالة في النصوص مستمرة. التلاعب الحر للغة وبها يلغي الذاكرة فما حاجة اللعب باللغة للذاكرة ما دام كل شيء ورقياً وبعيدا عن الحقيقة، إنهم يسخرون من الذاكرة لأنها تدعو للجمود والاستقرار. إنها مخيفة لهم لأنها تجعل الغائب حاضرا. الذاكرة تستحضر الغائب حفاظاً على الهوية وإعادة تشكيلها عبر أزمنة الضعف والوهن في فاعلية خلاقة، فمحو الذاكرة تغييبٌ للهوية، ومحوٌ لمعالمها ومقاومةٌ لأصالتها وسماتها، محوُ الذاكرة تغييبٌ لفكرة الإنسان الاجتماعي وإلغاءٌ لفكرة المواطنة (22). ولقد جوبهت معظم أفكار دريدا في النقض والاختلاف والإرجاء والتأزم بالرفض من قبل فلاسفة مهمين أثروا القرن العشرين بعطاء إيجابي ونضرب لهم مثلا الفيلسوف الألماني هانس جورج جادامير الذي يمكن تلخيص نقاط الاختلاف بينه وبين دريدا في الآتي: (23)

1- إن دريدا ينطلق دائما من استحالة الفهم، فمن يعتقد انه يفهم شيئا ما في نص أو خطاب فانه يتجاهل حسب رأي دريدا تلك العناصر التي تستعصي على الفهم، فالفهم عند دريدا هو فعل عنف يهدف للقبول، في حين يبدو بالنسبة لجادامير فعلَ حوار وعشق.

2-على الحوار حسب دريدا (بين البشر أو مع التراث حين نؤوّل النصوص القديمة) أن يبرز نقاط الاختلاف والغرابة بين المتحاورين، ويشخص الفجوات في النص مؤكداً عناصر وأسباب تصلح لإشعال الخصومة والنزاعات، بينما يؤكد جادامير خلاف ذلك، إذ يسعى إلى تأكيد نقاط الالتقاء، ففي رأيه ان وجود نقاط الاختلاف والغرابة بين المتحاورين مرتبطٌ بنقاط الالتقاء المبدئية التي تجمع بينهم فحتى الاختلافات تشير في النهاية إلى نقاط الالتقاء هذه.

3- إن فلسفة جادامير بوصفها وريثة أستاذه هايدجر تبحث عن عناصر الالتقاء الإيجابية المبدئية التي يقوم عليها الفهم البشري للعالم والتراث والإنسان، مجابهاً بها محاور الاختلاف التفكيكي من أجل التقارب واللقاء الذي تحتاجه الإنسانية.

4- لذلك كله يمكن لفلسفة جادامير أن تدفع بالحوار بين الشرق والغرب إلى آفاق جديدة وهذا ما يحتاجه العالم اليوم وسط حمى الصراع وفوضى التشويش والتشويه، بينما تعمل طروحات دريدا في البحث عن الفجوات وتأشير بؤر الصراعات على إدامة التناقضات وإشاعة التداخل والالتباس وخلق التوتر والتأزمات من خلال دوال مربكة ما بين الاختلاف والإرجاء والنقض، في حين يؤكد واقع الحياة المعاصرة حاجته إلى التقارب والتعاون فقد أثبتت ثورة الاتصالات أن العالم صغير لا يتسع فضاؤه لصراع وحروب دائمة وان العنف طريق مسدود، بينما سيفضي الاقتراب من الآخر بقصد التوافق إلى ثراء الطرفين وإشاعة الأمن الروحي وإثراء عوامل الإيجاب التي تثري الحياة أكثر مما يفعل اختلافهما والتناقض القائم بينهما.

***

إن المخيف في هذه اللعبة التفكيكية التي لعبت بمصائر، وخربت مصائر في مجمل حقول الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية، هو ما يخصّ وطننا العربي ودول العالم الثالث، إذ غدت هذه الدول تحت هيمنتها، تننتظر منها كل شيء بدءاً من المواقف السياسية والعلوم والافتصاد والسلاح والإعلام والثقافة، وتدعم هذا التوجه التبعي معظم النخب العربية التي قاربت التجربة الغربية في دراستها، والتي تشهد عوامل السلب المهيمنة على أحوال العرب وغياب أي تخطيط يمكنه دفع القضية إلى أمام بالرغم مما تمتلك المنطقة من إمكانيات وعوامل إيجاب وثروات ظلت بؤرة لأطماعهم وحروبهم. فسادت التبعية للغرب وهيمنت روح الاستهلاك، وتعطلت جوانب مهمة من جوانب الإبداع العربي، فالنقل عن الحداثة الغربية يؤكد الدكتور عبد العزيز حمودة، يفتح الطريق أمام التبعية الثقافية ثم يكرسها، فضلاً عن كوننا نرتكب إثما حين ننقل المصطلح النقدي الغربي، وهو مصطلح فلسفي بالدرجة الأولى، ننقله بكل عوالقه المعرفية إلى ثقافة مختلفة هي الثقافة العربية دون إدراك لرؤى ذلك الاختلاف. (24)

وهكذا نجد أن اللعب الحر باللغة الذي اجتاح مرحلة ما بعد الحداثة في الثقافة الغربية وتسربت آلياته وأهدافه إلى نواحي الحياة الأخرى قد فارق أصول اللعب الفني. إلى ميادين خارجة في طليعتها قمع الشعوب المستضعفة واغتصاب خيراتها بكل الطرق غير المشروعة جمعا للمال واستحواذا على ثروات الشعوب.

إن اللعب المطلوب لأدبنا العربي هو اللعب الذي يحثُّ على التواصل ويدحض القطيعة، كونه فعلاً جماليا إنسانياً يمتاز بالوعي؛ لأنه يحترم أصول اللعبة التي تتوهج بألق المعرفة ورقي المتعة، وهو من حيث وجوده في الأدب سيكون مفيداً حينما يدحض الجمود والتقليد والسكونية ويبعث النشاط في النص ويفعّلُ عملية القراءة والتأويل من حيث فكّ الترابط الساكن والسكوني بين الدال والمدلول. لكن الخطر كله متأتٍ في هذه النظرية من كونها تدحض كل حقيقة سابقة وتتصدى للوقوف لدى كل ثابت أو ما يمكن أن يكون ثبوتياً مما يعرّض الجهد الإنساني كله لمخاطر الإلغاء والشك والضياع. إن اللعب الحر باللغة الذي هو سمة الأدبية – ولاسيما في الشعر – هو لعبٌ من المفروض إذا اعتمده المبدع العربي أن يكون له أصوله الفنية وحركيته الإبداعية، لعبٌ يتسم بهاجسه المعرفي وقلقه الحضاري، وهو لعبٌ يحترم إنسانية المتلقي الذي يلاعبه فلا يشوش عليه ولا يطلسم ولا يبهم، بل يحرضه تحريضا معرفيا وثقافيا وحضاريا على الفهم والتأويل من خلال نصوص كثيفة ذات مستويات تحترم هدفها الجمالي والقيمي، نصوص تحاور تراث الإنسان وتتواصل مع ثقافته وفنونه المعاصرة وتحترم وعيه ومرتكزات وجوده وما في هذا التراث من مرتكزات القوة والتماسك، كونه يحترم توازن الإنسان ولا يفتت تماسكه وقيمه، بل هو يحرك السكونية ويدحض الجمود ويثور على التقليد ويجدد العتيق، ويعمل على تجنب المباشرة، فأدبية النصوص ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرتها على ترميز المثيرات وتفعيل فنون اللغة التي تحول النص من مقروءٍ اعتيادي إلى أثر جمالي. ولذلك فهو ليس لعب تسلية، بل قضية تحترم تراكم المعرفة وتعمل على تعميقها وتواصلها.

لقد تأكد للعالم أجمع أن الحضارة الغربية بتقنياتها وحداثتها وما بعد الحداثة معا فشلت في تحقيق السعادة والأمان والمعرفة اليقينية للإنسان، فهي حضارة مادية فصلت القيم الراقية عن العلم وعاثت بإنسان العصر فسادا، مما دفع الأخير إلى وقوعه في شك شامل بها وبمخترعاتها، وبكل شيء أوصله إلى الاحساس بالخديعة والشعور باستحالة المعرفة، مما جعل ستراتيجية التفكيك قائمة على الشك الذي صحبه رفض النظام ورفض السلطة والتقاليد وكل السرديات القديمة، وقد جرى حول ذلك حوارات طويلة لفلاسفةٍ لهم مواقفهم المهمة من هذه القضية التي مازالت مطروحة على موائد البحث والشك، وما زال العالم يموج بمواصلة الحوارات حول حرية القراءة وسلطة القارئ المطلقة التي تعني الشك بكل القراءات السابقة حتى وصلت المبالغة التفكيكية إلى كون القارئ لا يقرأ النص بل هو الذي يكتبه منذ موت المؤلف.

 

أ. د. بشرى البستاني

.............................

الهوامش والمصادر:

(1) ينظر، الكتابة والاختلاف، ترجمة كاظم جهاد، تقديم محمد علال سيناصر، دار توبقال، ط2، الدار البيضاء، 2000، 61.

(2) ينظر: لسان العرب مادة لعب، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور (ت 711 هـ)، دار صادر، بيروت- لبنان، (ج1)، ط3، 1994.

(3) ينظر: موسوعة علم النفس والتحليل النفسي، عبد المنعم الحفني، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط4، 1994، 624-625.

(4) ينظر: تجلي الجميل ومقالات أخرى، هانز- جورج جادامر، ترجمة د. سعيد توفيق، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، 1997، 253، 255.

(5) ينظر: المصدر نفسه، 253.

(6) موسوعة علم النفس، د. اسعد رزوق، مراجعة د. عبد الله عبد الدايم، المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت، ط1، 1997، 263.

(7) ينظر: معرفة الآخر، عبد الله إبراهيم وآخرين، المركز الثقافي العربي بيروت، الدار البيضاء، ط1، 1990، 119.

(8) ينظر، المصدر نفسه، 119.

(9) ينظر: الخروج من التيه، عبد العزيز حمودة، سلسلة عالم المعرفة، الكويت 2003، 60، 56.

(10) ينظر: دليل الناقد الأدبي، د. ميجان الرويلي ود. سعد البازعي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، ط2، 2000، 64.

(11) ينظر: معرفة الآخر. مصدر سابق. 121.

(12) ينظر: المرايا المقعرة، عبد العزيز حمودة، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 2001، 182.

(13) ينظر: المرايا المحدبة من البنوية إلى التفكيك، عبد العزيز حمودة، سلسة عالم المعرفة، الكويت، 1998، 347، ومصادرها.

(14) ينظر: الخروج من التيه، مصدر سابق 182.

(15) ينظر: المصدر نفسه، 283.

(16) ينظر: التفكيك، ترجمة سعيد الغانمي، مجلة آفاق عربية، ع5، 1992، 65.

(17) ينظر: دليل الناقد الأدبي، مصدر سابق، 66.

(18) ينظر: التفكيك، ترجمة سعيد الغانمي، مجلة آفاق عربية، ع5/92، 65.

(19) ينظر: بعد الحداثة صوت وصدى د. مصطفى ناصف، النادي الأدبي الثقافي، جدة، ط1، 2003. 179.

(20) ينظر، المصدر نفسه، 205

(21) ينظر، بعد الحداثة، صوت وصدى، مصدر سابق، 207.

(22) المصدر نفسه ، 55-59.

(23) مدخل إلى جادامير، ترجمة رشيد بو طيب، مجلة فكر وفن، ع75/2002، 44.

(24) ينظر، المرايا المقعرة، نحو نظرية نقدية عربية، عالم المعرفة، مطابع الوطن، الكويت، 2001، 9

 

 

سامي عبد العالللصوتِ الحي قداستُه الخاصةُ في مجمل الثقافات البشريةِ على وجه التقريبِ، لدرجة كونَّه يشكل جانباً كبيراً من (الوعي واللاوعي الجمعيين) ويحدد آفاق التصورات والأفكار المتداولة. ولكنه في الثقافة العربية يتميز بقداسةٍ مغلَّظَةٍ وبالغة التأثير، ذلك أنَّه قريبٌ جداً (فيما يتصور أصحابُه ومُتلقُوه) من المعنى، ومن الأصل، وكذلك لصيق الصلة بالحياة المتدفقةِ. وتلك المسألة تبقى ساريةَ الإيقاع فكرياً مع الزمن ما بقي المعنى قائماً من اللفظ.

أي.. حيث مافتيء (المعنى الأصلي في الصوت) متولداً أو فاعلاً أو مُتجسداً أو مُتردداً كأصداءٍ آتيةٍ بملء الأسماع والآذان. قال الشاعر العربي القديم بشار بن بُرد: (والأذنُ تَعشَقُ قبلَ العينِ أحياناً)، ذلك ضمن أبياته المعبرة عن تفضيل (أثر الصوت) ذي المكانة العاطفية هُياماً وعشقاً للمحبوبةِ... فالأخبار عن المحبوبةِ وأوصافها المتناهية إلى الأسماع سرعان ما تُكوّن عاطفةً جياشةً، وتخلق كياناً أنثوياً مرغُوباً لدى العشاق. لدرجة أنَّ الشاعر أقام صرح الحب بالكامل مع الأصوات التي تأتيه عنها، وها هو قد أخذ يناجي ويتغزل فيما يسمع ليس أكثر.. وبالتأكيد ستصل إلى المحبوبة أصوات الشاعر بالطريقة السماعية ذاتها (الحب بالأذن).

يا قَومُ أُذني لِبعَضِ الحَيِّ عاشِقَةٌ .. وَالأُذنُ تَعشَقُ قَبلَ العَينِ أَحيانا

فَقُلتُ أَحسَنتِ أَنتِ الشَمسُ طالِعَةٌ .. أَضرَمتِ في القَلبِ وَالأَحشاءِ نيرانا

فَأَسمِعينِيَ صَوتاً مُطرِباً هَزَجاً .. يَزيدُ صَبّاً مُحِبّاً فيكِ أَشجانا

يا لَيتَني كُنتُ تُفّاحاً مُفَلَّجَةً .. أَو كُنتُ مِن قُضَبِ الرَيحانِ رَيحانا

حَتّى إِذا وَجَدَت ريحي فَأَعجَبَها.. وَنَحنُ في خَلوَةٍ مُثِّلتُ إِنسانا

فَحَرَّكَت عودَها ثُمَّ اِنثَنَت طَرَباً .. تَشدو بِهِ ثُمَّ لا تُخفيهِ كِتمانا

أَصبحتُ أَطوَعَ خَلقِ اللَهِ كُلِّهِمِ .. لأَكثَرِ الخَلقِ لي في الحُبِّ عِصيانا

يبدو أنَّ بشاراً بن بُرد قد كشفَ سراً خطيراً لطبيعة (العلاقات المعرفية) بين المرجعيات الشفاهية والمتلقي (لا بينه وبين محبوبته فقط!!)، إذ كان يعبر عنها (وهي وهو الفرد) بصوت الثقافة الغالبة (وهي الكل) على جميع الأشياء الأخرى. لأن صوت الحب صوتٌ قد أخذ وجوده الدلالي على مستوى أعم قبل أنْ يصل إلى أذن الشاعر. والدليل (أن الشاعر قرَنَ مصداقية أذنه ببعض الحي) الذي هو مسـاحة من وجودنا المشترك. وهذا فحواه أنَّ الثقافة رمزياً ستحدد ما هو مسموع أو ستعطي الصوت المقدس خلالها بُعداً من الإجلال والماوراء والتخييل، ثم تقوم بتصفية رواسبه العالقة لصالح مستواه الخالص والمجرد. ومن غير المستغرب عندئذ أن يعود الصوت وجودا متيقّناً أكثر من الواقع. فليس يبْعدُ صوتُ المعشوقةِ عن خاصية التصديق المعرفي والخيالي سماعاً إزاء قضايا وموضوعات مغايرة في تضاعيف الثقافة العربية.

إنَّه الأمر الذي يجدُ مكانته البارزة والمبرّرة سلفاً في تقاليد الشفاهيات الاجتماعية على طريقة تكوينها تجاه الأفراد والموجودات والأشياء، بل ربما سيحوّل المعاني المجردة إلى أصداء صوتيةٍ، رغم أنَّ الوجود بكل ملابساته وحيثياته قد يثير لدينا علامات استفهام أخرى. مثل إثارة قضايا العلاقة بين الصوت والحقيقة، الصوت واختلاف الأزمنة، تداخل الأصوات والأصول، والصوت وخفاء السلطة العالقة به. وبالفعل، فالصوت عادةً سيكون مُحدَّداً ليس بذاته، بل بالعواطف والمشاعر التي تعتبره الحقيقةَ كل الحقيقة لا بعضها. وهذه من أبرز المسائل الرئيسة وراء تماسك الثقافة العربية مع جذورها وطرائق التعبير عن نفسها أمام كلِّ عصرٍ جديدٍ. وقد يدعوها ذلك لأنْ تكثر من الأصوات التي هي سائرة على نغم وإيقاع واحد تعبيراً عن وجودها المحتمل لدى الأفراد والمجتمعات.

تاريخ الصوت

تاريخ العقل العربي الاسلامي هو في قطاع كبيرٍ منه تاريخ هذا الصوت تحديداً، لأنه عقل سَمّاع، مشّاء بنميم المعارف والأفكار ومأخوذ بشذرات الخيال والاستهوال، أي يصل إلى أفكاره وحقائقه بالسماع. إنه عقل بمثابة (الأذن الكلي) لمجتمعاتٍ لا تنفك عن تبادل قوالب التقديس من عصر لآخر. ومن عجبٍ أنَّ تلك الخاصية مازالت واسعة التكوين والانتشار حتى اللحظة، ولم نجد بديلاً عنها من المعرفة والتحقق والأدوات الفكرية والمناهج الجديدة. وهو ما جعل مجتمعاتنا العربية نهباً لفوضي الأصوات المتقمصة عباءات المقدس والمتحدثة بلسانه وجعلها مزرعة خصبة للشائعات وعدم الشفافية وضياع حرية التعبير.

إنَّ أولوية الأذن بالنسبة للعقل هي أولوية الثقافة الشفاهية في لا وعينا التاريخي الموروث حتى في أدق التفاصيل، أولوية الأصوات المتضخمة سلطةً وغلبةً وممارسةً لبلاغة السرديات التي ترسم صور الأزمنة والأشخاص والأحداث. ولعل اللاوعي الثقافي قد تمّ حشوّه عربياً بأطر الأهوال والفتن والملاحم والنوازل والخوارق أكثر مما تمَّ تعريضه للفحص والتدقيق والتفكير الحر. ولذلك، فإن الانتباه التاريخي (لما حدث ويحدث وسيحدث) لدينا لابد أن يغلف بالجميل والجليل من الأوصاف والقصص حتى يلتفت إلى موضوعاته.

وكأنَّ ميتافيزيقا الصوت تجسد تاريخياًعدةَ سمات في شيء واحد:

1- يرتهن الصوت بمصدر متعالٍ ومعروف ومتيقن منه ومرغوب فيه بالوقت نفسه. وهو ما يعني عدم التساؤل حول الأشياء ويمكن تلقيها فقط بالإعتقاد والإندهاش.

2- يكمل الصوت الصورة الغائبة أو بالأحرى يجسد الباقي منها بحسب ما تقول وما تريد. ما يسمح بالتزيد في رسم الصورة المفقودة، ولا يسمح بمعرفة الحقيقة على الأصالة.

3- يخلق الصوت مبناه الذي يحدده، بل ويخلق وجوده البعيد، لأنَّه ليس متصوراً وجود صوت دون كينونةٍ. ولذلك سيكون الاختلاف واسعاً بين الأصل والصدى إلى الحد الذي يعجز العقل عن عبور هذه الهوة التاريخية.

4- يعبر الصوت عن وحدة معينة، وحدة ثابتة ومترحلة من وقت إلى آخر، فلا صوت دون وحدة تخصه وتخص المتلقي في الوقت عينه.

5- يُكسي الصوت المجهول لحماً ويجعله جزءاً لا يتجزأ من معناه الحي. وكأن صدى الصوت عملية مناجاة خالصة وليست فكرة يمكن معرفة إمكانياتها وقدرتها على التحقق.

6- كلُّ صوت لا يخلو من سردية قابلة للانسجام مع الخطاب الأقرب للسماع والتصديق. لأنَّ الصوت يحتاج دوماً إلى مسار يربطه بالآثار المترتبة عليه وبالمقدمات التي أوجدها من تلقاء نفسه. وبما أن المقدمات والنتائج غير منطقية فإن العلاقة ستتحدد سردياً بلاغياً لا عقلانياً.

7- يفتح الصوت عمل الخيال بشكلٍّ قوي، لأنه يؤلف حركته وينسج معانيه بحسب القوى العميقة التي يتوافر عليها في الزمن.

8- تلعب ثنائية (الصوت والصدى) لعبةَ (الإحلال والتبديل)، فالأصداء تأخذ مكانة الصوت بعدما أخذ الصوت نفسه (مكان الكيان) الصادر عنه. ولهذا تم كم جُرَّ التقديس راهناً على أصوات الشيوخ والزعماء والفقهاء وأمراء الجماعات الدينية من قبل الأتباع والمتلقين.

9- الإحلال والتبديل يشكلان جُلَّ المعاني خلف الأفعال والنصوص، على الرغم من أنّهما لا يثبتان ذاتّيهما على نحو قاطع، لأنّهما سيظلان ممتدين بامتداد خيال المتلقي. وهذا كان سبباً في خلع القداسة على الأشخاص المرددين للأصوات والحافظين للمتون والنصوص والسرديات الدينية.

10- فضاء (الإحلال والتبديل) يُظهر سلطةَ المعنى وحقيقتها الغالبة، فلئن كان الصوت هو الأساس، فسيكون هناك من يمتلك الصوت، من سيقوله ومن سيردده طوال الوقت.

11- الصوت يلعب على (سلطة الذاكرة) ورجوعاً إليها ستتم الاستعادة من جديد في كل مرة يُطلق فيها وجوده. وذلك أمر نوعي لكون ذاكرة المعرفة لدينا ذاكرة سلطة بالمقام الأول.

إذ يرتبط الصوت بالصدي، وأنَّ كل صوت يسكن صداه دون توقف. والأصداء تنقل ضمنا ما يعبر عن وجود بالقوة لوجود كان بالفعل في وقت ما. والمدهش أنَّ الأصداء ستظل أصواتاً هي الأخرى، وهذا يظهر مدى تحكم الصوت في صداه إلى نهاية المطاف، أي ليس الصدى مختلفاً عن الصوت الأصلي إلاَّ في الدرجة، وتبعاً للتاريخ سيكون مختلفاً في النوعية بجانب الدرجة.

في الثقافة العربية صدى الصوت هو ترديده في (شكل جديدٍ) بعد وجوده أو اثناءه، والصدي في العربية أيضاً نوع من التناغم والتجاوب بين الأصوات وأصدائها اللاحقة. كما أنه سيحمل تباعاً دلالة الأثر والإنعكاس في شيء آخر، وسيمثل هذا الشيء الآخر موضوعاً. في مقابل أنَّ الصوت ينطوي على خمسة عناصر رئيسة:

- الفعل: وهو الانتاج الصوتي للمعاني التي تحمل تصورات وأفكاراً وآليات ورؤى. وبخاصة أنَّ صوت المقدس (سواء أكان نصَّاً أم كياناً تاريخياً أم خطاباً عاماً...) يشكل فضاءً الثقافة من حيث اعتبارها كُلّاً إنسانياً human totality للتفكير وفن العيش وتحديد رؤى الحياة والعالم. وهو ما يعرف بتشكيل النصوص الشفاهية لأنماط الاعتقاد في تاريخ المجتمعات العربية وكيف توجد وتواصل مسيرتها في حياتها العامة.

- الأداء: وهو التحام الصوت بمقدار قداسته بنمط الفكر السائد، هو اختلاطه بالموروثات والتاريخ والصور المتداولة. وعادة الأداء ييجرف في طريقه أساليب وطرائق التفكير والسلوك. لأن هناك السلطة التي يطلق سراحها من خلال فضاء معناه في اللاوعي العام، وهي ترسخ هيمنته على الآذان التي هي مستقبل الأوامر والنواهي والزواجر. ولذلك سرعان ما يتحدد الصوت مع العلاقات والعصور في صور معينة تأخذ قوتها من الممارسات العامة. وفي هذا، ليس مستغرباً أن يكون هناك تماثل في الخطابات وطرق الإلقاء والتلقي بين المجالات السياسية والدينية والاجتماعية.

- التكرار والمعاودة: كل صوت مقدس قابل للتكرار، وليست القابلية مجرد احتمال، لكنها تبلغ مرتبة الضرورة من واقع الثقافة التي تشكل وجودنا وتفسح المجال للتكرار والمعاودة. ولئن ركزنا على تلك العملية، فجوانب الثقافة الدينية نوع من المعاودة والتقليد لأصوات الفقهاء والنصوص والسرديات.

- النداء والاستحضار: الصوت مؤتلف مع نداءٍ ما، والنداء هو الدعوة للتصديق، للانتباه، لليقين. والنداء ثقافياً بمعنى الهتاف. ومن ثمَّ ستكون الخطابات الصوتية هتافاً ونبرات مرتفعة لا ترى شيئاً سوى الكائنات التي تولدها من الأصوات. وهذا ما يجعل المعنى مرهوناً بالجوانب المرجعية، سواء أكانت سلطةً أم مؤسسات دينية أم فقهاء أم دعاة. وهو ما يدعم اليقين الخاطف لأفعال القول والوعود والتواصل على نحو فوري وعاجل.

- رجْع الأثر: وهو تغليظ وإِحكام اغلاق المعنى بين الصوت والأذن، ولذلك يتميز صوت المقدس في الثقافة العربية برجع الصدى القوى، بل ربما المزلزل الذي لا حلَّ للمتلقي من ملاقاته في الموعد التاريخي لليقين والحقيقة. ولهذا يعول الخطاب الشفاهي دوماً على القصص التراثي المضمخة بالعبرات والنظرات على طريقة كتاب لطفي المنفلوطي.

المعنى الحي

جرت التقاليد اللغوية (الخطابية) في الثقافة العربية أنَه عندما نعبر عن شيءٍ ما تحمل التعبيرات موضوعها حيّاً. تنقله من شخصٍ إلى آخر كأنه معبَّأ بأنفاس ساخنة هي "الحضور الحي" للمعاني ومرجعيتها. لدرجة الاعتقاد بأنَّ النصوص الدينية حيث لا يتلقاها مُريدٌ عن شيخ وحيث لا يمتلئ بها المتلقي مباشرةً فلا قيمة لها. وأنه شرط لتعلم الدين يجب بالضرورة وجود شيخ لكل متعلم، بل إحضار شيخ لكل مواطن. وهذا سبب كافٍ لتنصيب الفقهاء ورجال الدين والدعاة والخطباء أنفسهم رموزاً للتحدث في كافة القضايا الدينية وغيرها.

وربما هو ذاته السبب وراء كثرة أدعياء التدين الزائف طالما يحفظون أحاديث ونصوصاً وحواشي ومدونات عامة وسرديات عن سرديات. وكان أبرز الأثار الجانبية أيضاً لتلك الفكرة هو تضخم الخطابة واللحن في الكلام الديني سواء بالأحاديث المنبرية والإلقاء أو بقراءات النص المقدس الأول في الاسلام (القرآن). وظهور طبقات من القُراء (أصحاب الأصوات) لهم أساليبهم وطرائق إِسماعِهم وحفظهم ونطقهم للآيات دون مساحة للتأمل والتدبر وتحويل النص إلى حياة من لحم ودم.

لقد انتشرت الثنائيات الشفاهية في الثقافة العربية بتباين مجالاتها المختلفة. مثل ثنائيات (الكلام - الصمت، الكلام - الكتابة، الحقيقية - الكذب، اليقين القولي- الزيف، الحضور- الغياب، الفرع - الأصل، القارئ – المستمع). إنها تاريخ الاستقطاب العنيف بين سلطة الصوت المتعال والآذان السامعة لدرجة الطاعة والخنوع. حيث غطت مساحات شاسعة من السياسة وصور الحروب والمجتمعات والأفعال العامة. فليس الصوت كصوت المسيح الصارخ في البرية التي لا نهاية لها بينما هو مجرد فرد داع للرب. لكنه (صوت كلي) يحمل اكراهاته الخاصة بفضل كونه قد تشكل في أنظمة مادية وتحددت أطره في تاريخ وتراث بعينهما.

وبات مما لا يُستغنى عنه لصحة الاعتقاد: هذا الانتقال المباشر من سلفٍ إلى خلفٍ، ومن سالفٍ إلى تابعٍ، ومن تابع التابع إلى تابع تابع التابع ... وهكذا دواليك. بصرف النظر عن المراجعة والنقد والاختلاف الجذري وبصرف النظر عن جدة الحياة وتباين العصور. وتكاد هذه الخلفية الاجمالية تحمل جوهر معارف الدين، بل جوهر المعارف والأفكار قاطبة وكيف تواصل مسيرتها عبر التاريخ. وفي حالة غياب أطرافها سرعان ما تخلق العملية أطرافاً بديلة بالزخم نفسه، حيث لحقت تلك السمات بمفاهيم العقلانية والحقيقة والبرهان والجدل والحوار والكتابة إجمالاً.

هذا هو ما يتركه وجود المقدس عادةً حينما يُفرِّخ ظلالاً له. والمقدس قد لا يكون نصاً أو كياناً بالضرورة لأجل خلوصه إلى ذاته، لكنه بالتأكيد يكون بديلاً يجسد المعنى ويضمن إيصاله بالإيقاع نفسه. والبدائل على الدوام هي ألعاب الثقافة الخفية التي تفلت بها من المراقبة والمتابعة. والتفريخ المقصود يلتحم بإنتاج اللغة لذاتها كوسيط غير مباشر وكوجود شاحن للذهنيات عبر التفكر والتواصل. إنَّ ما يفعله المقدس هو التالي: يترك جيناته الثقافية في جوانب المقولات والتعبيرات المتداولة. إذ قد لا يُلتفت إلى ماهيته داخل غيره من الأشكال المختلفة. وبالوقت عينه هو سيعبر عما سيأتي تالياً من حالات متواترة. والاتيان – بواسطة التصورات- له وجهان. أحدهما: إعادة تكوين المفاهيم على غرار وجود الأصل بطريقة غير مباشرة. أما الوجه الآخر، فإنه يظهر حين يصعب التخلص من آثاره بسهولة. ولذلك يحتاج كل مقدس (كل سلطة أو معنى أو مفهوم) إلى وعي متواصل بما يتركه من بذور وجذور في تربة الثقافة التي نتنفسها.

وعملية الحضور السابقة تجري باعتقاد أنَّ المعاني واحدة. وأنها تحمل ايقاع التفكير الأصلي حول قضية ما. وليست الفكرة وراء ذلك ضرباً من المصادفة، لكنها تخترق كافة الخطابات الدينية والبلاغية والأدبية والفكرية. هذا السبق المرجعي لنقل الحقيقة كما هي موصولة اليقين المباشر. لتغدو الأولوية لسلطة الحقيقة لا غير، بينما هي في مضمونها معكوسة. أي هي تمثل حقيقية السلطة الرائجة. وأنَّ كل ضرب منها إنما هو الموت الفعلي للبحث عنها. فالحقيقة عندئذ جثة مقدمة سلفاً. إنها لا تخضع لعمليات الغربلة والانكشاف، لكنها جاهزة. وليس لمتلقٍ أن يعترض ولا أن يُعمِل فكره بل يأخذها كما هي إلى نهاية المدى.

إذ يتعلق بذهنية المتلقي (القارئ): أنّه طالما يتلو (هذا النحت العربي) حروفاً وألفاظاً، فإنه سيتلو معها أنفاساً دلالية من مصدرٍ أعلى. ولا يستطيع ايقافاً للمعاني أو مراجعةً لها، فعليه أنْ يتقبلها على نحو سلبي في السياسة والاجتماع والمعرفة. ليصبح القُرَّاء قطعاً خشبية لا حول لهم ولا قوة غير السمع والطاعة والإتباع. تلك النظرية التي كانت بمثابة الأمر الأول للسلطة باسم المقدس. " اسمعوا وعووا واطيعوا "... مقولة كانت عصا الإيمان بالغيبيات المطلقة في حاضنة الثقافة العربية. حيث تهوي على رأس المتلقي في جميع الأمور، فيخضع دون حراك ولا تمرد. ومع اعتبار الكلام كلاماً متعالياً فوق المنابر وفي المحافل السياسية ومع الوعظ والارشاد، فلقد بقيت آلية خضعت لها الطوائف والمذاهب الدينية عبر جغرافيا العالم الاسلامي.

وهذا ما جعل المناخ الفكري لدينا مُلبداً عادة بالتقليد والاحتذاء وإقتفاء الأثر، فلم تخلو سماء اللغة والعقل من هذه الأشياء، من جيل إلى جيل ومن طائفة إلى طائفة ومن جماعة إلى جماعة ومن تنظيم إلى تنظيم ومن مذهب إلى مذهب ومن فقهاء إلى فقهاء ومن أفراد إلى أفرادٍ. فهناك العبارات المكرورة ذاتها كما يرددها الشيوخ وكما يرددها الأدباء والباحثون والكتاب. وهم على تباين أفكارهم يعتبرون اللغة هبة ميتافيزيقية metaphysical gift خارج قدرة الإنسان على انتاج الدلالة المختلفة.

 

د. سامي عبد العال

 

علي رسول الربيعيالديمقراطية والعقل

ينمو مجال الفعل التواصلي بشكل كبير مع بداية المجتمعات الحديثة والتعددية. كانت المجتمعات الأكثر تقليدية محدودة، بقدسية المؤسسات، من جانب، ومن خلال مجموعة متجانسة نسبيًا من الافتراضات والمهارات الأساسية ومن ناحية أخرى . وبقدر ما تحدث الخلافات، فانه يمكن حلها بسهولة من خلال اتفاق قوي وشامل على الطريقة التي يجب أن تعاش  بها الحياة. يغير هذا  أولاً، ما يسميه هابرماس "لغوية المقدس".[1] يتضاءل تماسك المجتمعات الحديثة الناتج عن "القوة الساحرة" للمقدس وتصبح تعتمد أكثر فأكثر على عملية الفعل التواصلي للتوصل إلى اتفاقيات صريحة وواضحة. ثانيًا، لم يعد هناك عالم حياة واحد يشمل المجتمع بأسره مع تكاثر أساليب الحياة لأسباب مختلفة. تشير الحداثة إلى الزمان والمكان اللذين تباعد فيهما الأفراد والجماعات والأمم في خلفياتهم  فيما يتعلق في السيرة الذاتية والخبرة الاجتماعية والثقافية. [2]

تعني هذه الاتجاهات أن الخلافات والافتقار إلى التوجيه يصبحان أكثر روتينية في الممارسة اليومية. يتم وضع مسؤولية متزايدة على عاتق الأفراد للتعاون وإنتاج يقين مشترك صراحة. إن "إمكانات العقلانية"[3] المتأصلة في الفعل التواصلي تجعل من الممكن الاستجابة البناءة لهذا المأزق. ومع ذلك، فإن حرية الانخراط في العقل تعني زيادة مقابلة في الأعباء التي يجب على الأفراد تحملها. يمكن، في الواقع، وفي مرحلة معينة،  أن تتوقف العوالم الحية عن التداخل مع بعضها البعض بشكل كافٍ للفعل  التواصلي حتى ينجح. قد تصبح أساليب حياة الأفراد والجماعات مختلفة جدًا بحيث لا يمكن الوصول إلى الحد الأدنى المطلوب من التفاهم المشترك. يصف هابرماس المأزقً "ما زلنا نتجادل فيه حول الأحكام والمعتقدات الأخلاقية بأسباب لكن تم تحطيم الإجماع  على قيم شامل على المعايير الأخلاقية الأساسية"''.[4]

لا يزال بإمكان عقلانية الفعل التواصلي، في هذه الحالة، أن تثبت نفسها بالإشارة إلى "ممارسة المناقشة أو المحاججة كمحكمة الاستئناف".[5] يتم تعريف المحاججة على أنها شكل أنعكاسي للفعل التواصلي. فبمجرد أن لا يتفق المشاركون على المعايير الأخلاقية الأساسية، فإن الشيء الوحيد الذي يبقى يشتركون فيه  هو الانتماء إلى "شكل ما من أشكال التواصل في الحياة". أي أنهم كبشر، يعيدون إنتاج حياتهم من خلال اللغة. نظرًا لأن أشكال الحياة هذه "لها جوانب بنيوية مشتركة" يمكن للمشاركين الاعتماد على "المحتويات المعيارية" لهذه الجوانب المشتركة كأساس لـ "التوجهات المشتركة".[6]  هذه المحتويات المعيارية هي بنى "الاعتراف المتبادل" المدمج في التواصل اللغوي. الشيء الوحيد الذي يمكن أن يحفز كل مشارك بشكل عقلاني على الاستمرار في محاولة حل نزاعاته بالتراضي هو ما اذا كان بامكانهه التاكد من أنه سيتم التعرف على احتياجاته ومصالحه. يصف هابرماس هذه الفكرة على أنها مبدأ الخطاب أو المحاججة "فقط معايير الفعل هذه صالحة والتي يمكن أن يتفق عليها جميع الذين يحتمل أن يتأثروا بها كمشاركين في الخطابات العقلانية ''.[7]

الخطاب أو المحاججة هو محاولة لاستعادة فقدان الإجماع السابق. يعرّفه هابرماس على أنه '' ذلك النوع من الكلام الذي يكرس فيه المشاركون ادعاءات الصحة المتنازع عليها ويحاول تبريرها أو انتقادها من خالل الحجج''.[8] هناك ثلاثة ادعاءات عالمية للصحة وفقًا لهابرماس: الحقيقة، والصواب، والصدق أو الإخلاص. يدعي المتحدث عند التواصل مع شخص آخر أن ما يقوله صحيح إذا كان يشير إلى العالم الموضوعي. إذا كانوا يشيرون إلى عالم اجتماعي مشترك مع المستمع، فإنهم يدعون أنه صحيح. وإذا كانوا يشيرون إلى عالمهم الداخلي الخاص بالتجربة الذاتية، فإنهم يدعون أنهم صادقون. في حين أن جميع مطالبات الصلاحية الثلاثة قد تلعب دورًا في محاولة حل مشكلة واحدة، إلا أنه لا سيما في النزاعات حول الحق غير الأصلي للادعاء يتعرض تنظيم التفاعلات الشخصية للخطر.

ومع ذلك، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان يمكن أن يحل الحياد الخلافات الأخلاقية المستمرة. هل يمكننا أن نتوقع  أتفاق "كل أولئك المتاثرين" على شيء ما عندما يلجأون  فقط إلى المحاججة أو النقاش بسبب الخلاف على كل شيء آخر؟ هذه هي الصعوبة ذاتها التي يتناولها هابرماس في مواصفاته الفلسفية للديمقراطية. إذا كان من غير المتوقع أن تؤدي المحاججة إلى نتائج بشكل روتيني في شكل اتفاقيات، فلا يمكن للمشاركين الاعتماد على أي شيء سوى المعايير المجسدة في عملية المحاججة نفسها. بمعنى، إذا كانوا لا يزالون يصرون على تنظيم حياتهم بطريقة توافقية، فيجب عليهم منح بعضهم البعض الحقوق والواجبات اللازمة لاستمرار ممارسة المحاججة. تتوج حجة هابرماس في تحديد الديمقراطية كمشروع لإضفاء الطابع المؤسسي على هذه الحقوق والواجبات الأساسية.[9]

يأمل هابرماس في أن يحافظ هذا المفهوم الديناميكي للديمقراطية على الفكرة الأساسية للتنوير ؛ وهذا يعني أنه في حين أن إعادة الإنتاج الواقعي للحياة الاجتماعية يحدث بشكل عشوائي في ظل قيود وضرورات، فإنه مع ذلك يحتوي على مثال "السلوك الواعي للحياة" كقوة تعديل. يعني الاعتراف المتبادل بادعاءات الصحة أنه يمكننا التعامل مع القضايا الجوهرية والصراعات في ظل وجهات النظر العامة. نستمر في البحث عن الحقيقة والصواب والصدق على الرغم من الثقل المحافظ للظروف القائمة. النظرية والتطبيق مرتبطان بالفعل في الوقت نفسه حيث يتناقضان مع بعضهما البعض. وهكذا، تكون في خضم التعددية والصراع والتغيير في الحياة الحديثة  الدافع المشترك نحو  للحل. بدون هذا الدافع، كما يقول هابرماس، لن يكون لدينا بديل عقلاني للعنف والإكراه كطرق لتشكيل الإرادة الجماعية وحل النزاع.[10] بالطبع، "تأتي مع هذا مشكلة الاضطرار إلى تفسير كيف يمكن لإعادة إنتاج المجتمع أن يستمر على أرض هشة مثل سياق تجاوز ادعاءات الصلاحية .[11] يتعامل هابرماس مع هذه المشكلة في التحليل المؤسسي الذي سنناقشه تاليا.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

..................................

[1] Habermas, Theory of Communicative Action Two, pp. 77-111.

[2] Jurgen Habermas, 'Questions and counter questions', in Richard Bernstein (ed.), Habermas and Modernity (Cambridge, Polity, 1985), p. 192.

[3] Habermas, Theory of Communicative Action Two, p. 77.

Jurgen Habermas, 'On the cognitive content of morality', in Proceedings of the Aristotelian Society (London, Aristotelian Society, 1996), p. 352.

[4]Habermas, Theory of Communicative Action One, p. 17.

[5]Habermas, 'On the cognitive content', pp. 352-3.

[6]Habermas, Between Facts and Norms, p. 107.

[7]Habermas, Theory of Communicative Action One, p. 18.

[8] Habermas, Theory of Communicative Action One, p.18.

[9] Habermas, Between Facts and Norms, pp.110-11.

[10] Habermas, 'Remarks on the discussion', Theory, Culture and Society, 7 (1990), 127.

[11] Habermas, Between Facts and Norms, p. 8.

 

 

محمود محمد عليلعله قد اتضح لنا من خلال المقال السابق إن الشيرازي كان بحقق مجدداً لفلسفة الإسلامية، وذلك لكونه استطاع من خلال تناوله النص الفلسفي والنص الديني التوفيق ما بين الحكمة والشريعة، فأنتجت بذلك فلسفته المتعالية من خلال منهجيته النقدية التي تميزت بها فلسفته، واستطاع من خلالها إعادة صياغة الفلسفة الإسلامية، لأنه قدم الكثير من الحلول للمشكلات التي استمرت في عصره، والمتمثل في أصالة الوجود ووحدة الوجود، والحركة الجوهرية، والإمكان الفقري، واتحاد العاقل والمعقول (12).

ولقد اتسم موقف الشيرازي النقدي بالموضوعية والمرونة، فيما صدر عنه من آراء وأحكام نقدية، فيما يتصل بالمسائل الكلامية والفلسفية التي استهدفها في نقده، لأنه لم يصدر أحكاماً متطرفة على المخالفين له في الآراء مما وجه إليهم سهام نقده، مبتعداً عن السلوك النقدي اللاذع الهدام السلبي، مثلما فعل الغزالي حينما كفر الفلاسفة ؛ بل نجده ينقي آراءهم من الشوائب، ثم يدرسها في موضوعية كاملة، ليخرج منها بنظرة متكاملة، بحيث تمتزج فيها عناصر فلسفية، ودينية، وأخلاقية، حتى أعطت بعداً ميتافيزيقياً، وشكلت من خلالها فلسفته المتعالية، وهذه الموضوعية أيضاً لم تجعله ينحاز إلي آراء معينة دون الأخرى، بل نجده يقتبس من آراء السابقين ما يستعين به على صياغة أفكاره وتحديد آرائه، وبناء نسقه الفلسفي الذي يتميز به عن غيره (13).

ويبدو هذا واصحا من خلال مفهومه للفلسفة، حيث يعرفها بأنها :" استكمال النفس الإنسانية بمعرفة حقائق الموجودات علي ما هي عليه، والحكم بوجودها تحقيقا بالبراهين لا أخذاً بالظن والتقليد بقدر الوسع الإنساني، وإن شئت قلت نظم العالم نظماً عقلياً علي حسب الطاقة البشرية ليحصل التشبه بالبارئ تعالي (14).

ثم ينتقل الشيرازي بعد تعريف الفلسفة إلي ذكر أقسامها، فيذكر أن العلوم متشعبة ومتعددة "إلي حد وغاية يعجز كل نفس إنساني .. عن استحصال جميعها". وعلى الرغم من ذلك نجد لها تصنيفاً في الأسفار الأربعة يقضي بتقسيم الحكمة إلى حكمة نظرية وحكمة عملية، ويعلل الشيرازي تقسيمه للحكمة علي هذا النحو بنظريته للإنسان من حيث أن له جهتين : جهتين : جهة تجرد عن المادة تتعلق بما دعاه الصورة المعنوية الأمرية، أي النفس وجهة تتعلق بالمادة من حيث أن الإنسان مادة حسية، أي الجسد .. وعليه تكون الحكمة قد " أفتنت بحسب عمارة النشأتين بإصلاح القوتين إلي فنين نظرية تجردية ونظرية تعلقية " (15) . ويكون موضوع الحكمة النظرية أموراً لا علاقة لها بالفعل الإنساني، ولا تقع في نطاق قدرة الإنسان واختياره، وموضوع الحكمة العملية كل ما يتعلق بالفعل والإرادة الإنسانيين . ويذكر الشيرازي أن الحكمة النظرية تشمل نوعين من العلوم : ما هو مقصود لذاته، وما هو مقصود لغيره، وهذا الأخير هو المنطق، الذي اعتبره الشيرازي علي غرار الفلاسفة المسلمين السابقين آلة تحصيل العلم والوصول إلي الحقيقة . أما ما هو مقصود لذاته، فهو علي أقسام : أولها، العلم بما هو في الوجود والتصور غير محتاج للمادة ولا حال فيها وهو الإلهيات . وثانيها، العلم بما هو للوجود محتاج للمادة ولكنه في التصور مستغنن عنها وهو الرياضيات . وثالثها، العلم بما هو في الوجود والتصور لا ينفك عن المادة والتعلق بها وهي الطبيعيات . أما الحكمة العملية، فإنها عنده علي نحوين : ما يتناول أفعال الإنسان التي يقوم بها لغاية ودون مشاركة أحد وهو علم الأخلاق، وما يتناول أفعال الإنسان بمشاركة الآخرين، وهو علم تدبير المنزل وعلم السياسة . وأخيراًّ يجعل الشيرازي للفلسفة النظرية غاية هي " انتقاش النفس بصورة الوجود علي نظامه بكماله وتمامه، وللفلسفة العملية غاية هي مباشرة عمل الخير (16).

ولا يفوتني أن أذكر أن الشيرازي جعل أهمية العلم ومرتبته من أهمية موضوعه وشرفه، ولذلك كانت الحكمة أشرف الصناعات الإنسانية، وأشرف علوم الحكمة هو العمل الإلهي إذ ليس في الوجود أشرف من ذات المعبود (17).

أما فيما يخص مسألة العلم الإلهي عند الشيرازي، فتعد مسألة وجود الله من أهم المسائل الميتافيزيقية، لأنها تتعلق بالله سبحانه وتعالي، فقد اعتمد كل من المعتزلة والأشاعرة عدة أدلة في إثباتهم لوجود الله تعالى عليها، وقد عد الشيرازي هذه الدلة جيدة، إلا أنه لا يعد الدليل الوجودي من أسمي البراهين للدلالة على وجود الله، وإن لم يتخذ من آثار الله ومخلوقاته واسطة في إثباته، كدليل الحدوث ودليل الفطرة، إلا أن فكرة الإمكان واقعة واسطة فيه، بينما برهان الصديقين الذي اعتمده الشيرازي يرتكز على حقيقة الوجود ذاته، وأنه عين حقيقة الوجود، كما أنه علة الوجود، لأنه وجود ذاتي فردي لا يقاس عليه وجود ذاتي آخر ؛ وعليه فإن الله تعالي ذات الوجود أو الوجود بالذات، وأنه أساس الوجود والموجودية، ومنه يتحقق الوجود لكل موجود، ولهذا عده الشيرازي أسمي البراهين دلالة على وجود الله ؛ وهو دليل الخواص، لأنه يسدل على وجود الله بذات الله علي وجود ذات الله، ولا يستدل بشئ خارج الحق على ذاته ووجوده (18).

وحول قضية وجود الخير والشر في هذا العالم بمنظور، فقد فسره بمنظور الشيرازي بمنظور مختلف عن تفسير المعتزلة والأشاعرة، إذ يعد الخير المقصود بالأصالة والشر مقصوداً بالتبعية، أي يكون خيراً بالذات وشراً بالعرض ؛ ولذلك فإن صدور الخيرات الكلية الكثيرة أدي إلي وجود شرور جزئية قليلة، لأن الغرض من أفعاله تعالي هو النفع والصلاح الكلي، وإن حدث ضرر جزئي غير مرغوب فيه، فمرده هو تحقيق النفع والمصلحة العامة ؛ وبذلك يكون الشر ذا دلالة إيجابية وليست سلبية (19).

أما فيما يخص الإرادة الإلهية فقد رفض الشيرازي قول المعتزلة والأشاعرة بأن الإرادة متساوية الطرفين بين الفعل والترك، وذلك لعدم معرفتهم بكيفية صدور الموجودات عنه تعالي، كما أنهم عجزوا في تفسير الإرادة الإلهية، لأنهم حاولوا تفسيرها من خلال الإرادة الإنسانية، وذلك لا يجوز في حقه تعال (20).

وعن موقف الشيرازي من قضية الحرية الإنسانية، فقد استطاع الشيرازي ابتكار مدلول للحرية بشقيها الأخلاقي الميتافيزيقية المتمثل في الصراط المستقيم والوسط الأخلاقي، وذلك وفقاً لحرية الإنسان في اختيار أفعاله، ومدي قدرته وسيطرته، علي شهوته ورغباته الدنيوية، ومدي تحقيق سعادته الأخروية، إلي جانب دور العبادات في دفع الإنسان إلي التحلي بالأخلاق الحميدة، وترك السيئات والمعاصي المنهي عنها، لأن ذلك يترتب عليه نتائج الأعمال والأفعال في الآخرة، كما أعطي دوراً للضمير الإنساني في مراقبة ومحاسبة أفعاله في الدنيا (21).

وحول موقفه من مسألة الرؤيا أو ما يسمي بعلم النفس الحديث (الأحلام) فلقد استطاع الشيرازي أن يبحث بالتفاصيل الدقيقة لهذه المسألة في حياة الإنسان فنراه بحث تعريف الرؤيا وأنواع الرؤية (الصادقة والكاذبة) وكيف تحدث عملية الرؤيا ودور المتخيلة في هذه العملية، كذلك بحث الشيرازي مسألة التعبير (تعبير الرؤيا)، وأهمية التعبير للرؤي في حياة الإنسان، ومن ثم رسم لنا الشيرازي صورة متكاملة لمسألة الرؤية (22)، حيث استطاع أن يبين لنا بدقة عالية وبتفضيل كبير طبيعة الرؤيا، وحقيقتها، وكانت أطراف هذه العملية (الرؤيا) هي النفس الإنسانية التي بطبيعتها المجردة تستطيع الاتصال بالجواهر العقلية المجردة (اللوح المحفوظ) عند النوم ويشكل اللوح المحفوظ (عالم الغيب) الطرف الثاني والمهم في عملية الرؤية فتنطبع الصور الجزئية من هذا العالم في النفس، ومن ثم يأتي دور المتخيلة الذي لا يقل أهمية عن الطرفين الآخرين، وخصوصاً في الرؤي التي تحتاج إلي التعبير بسبب تبديل المتخيلة للصور التي انتقشت في النفس وانطبعت من اللوح المحفوظ، كذلك تبرز أهمية المتخيلة في أضغاث الأحلام التي تكون المتخيلة فيها مصدراً للصور لا متصوفة فيها فقط (23).

ونختم حديثنا عن موقف الشيرازي من فكرة المعاد، حيث رفض رأي بعض المعتزلة القائلين بالمعاد الجسماني فقط، كما انتقد أصحاب القول بالتناسخ من المعتزلة، بينما أيد أصحاب الرأي بالمعادين، سواء كانوا من المعتزلة أو الأشاعرة، وهم أصحاب نظرية الجوهر الفرد . غير أنه اختلف عنهما بأن المعاد هو الأجزاء المتفرقة من البدن بعد الموت، أو الأجزاء الصلبة الباقية من أول العمر إلي آخره، كما أنها هي المقصودة بعجب الذنب، بينما عد الشيرازي القوة الخيالية هي المقصودة بذلك، ومن هنا ابتعد الشيرازي عن النص الديني الصريح والحديث الشريف، بينما أصحاب نظرية الجوهر الفرد هم أقرب إلي النص الديني من الشيرازي (24).

مما سبق يتضح أن الشيرازي كان ينهل من معين التراث الفكري الإسلامي على اختلاف اتجاهاته، وحاول توجيه الإلهيات الإشراقية نحو ميتافيزيقا الوجود، ليثبت أن الوجود حضور، يكشف عن نفسه (وهو مظهر لنفسه، لأنه ظاهر بنفسه)، ويكشف عما يعتبر غيره (وهو مظهر لغيره)، الذى ليس إلا تجليات لظهوره . فله كانت أولوية الارتسام في النفس، والشمولية وفرط التحصل والبساطة، وأخيراً الأصالة (25).

لقد حاول الشيرازي أن يتجاوز نقاط الاختلاف بين الاتجاهات الرئيسية في الفكر الإسلامي السابق عليه : المشائية الإسلامية والتصوف والفلسفة الإشراقية . فاعتقد بأصالة الوجود ليوضح وحدة الوجود، وبساطة حقيقة الوجود، التي تعني أن " بسط الحقيقة هو كل الأمور"، واشتراك الموجودات في الوجود وكيفيته، ليصل في نهاية المطاف إلي إثبات أنه لا وجود حقيقياً إلا للواجب، وهو غاية العلم الإلهي عنده (26).

لقد أثبت الشيرازي أنه في الإمكان الخذ بالبناء المفهومى المشائي الإسلامي للوجود، وبخاصة السينوي، والارتقاء به إلي نوع من وحدة الوجود، التي بها متصوفون إسلاميون، اعتماداً على أصول مستمدة من فلسفة الإشراق أخذ بها إلي نتائجها النهائية (27).

وعلى أيه حال فإن صدر الدين الشيرازي كان يعتمد في قبوله، أو رفضه لآراء السابقين عليه علي وجهة نظره الخاصة به في أصالة الوجود، الأصل الذي قامت على أساسه فلسفته، فجاء الرفض أو القبول مبنياً علي أصول (28).

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

............

12- جميلة محي الدين البشتي: المرجع السابق، ص 319.

12- المرجع نفسه، ص 320.

13- سلمان فضيل البدور: ميتافيزيقا الوجود في فلسفة صدر الدين الشيرازي، دراسات - العلوم الإنسانية، الجامعة الأردنية - عمادة البحث العلم، مج 13 , ع، 1986ص 216.

14- المرجع نفسه، ص 218.

15- المرجع نفسه، ص 219.

16- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

17- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

18- جميلة محي الدين البشتي: المرجع نفسه، ص 320.

19- المرجع نفسه، ص 322.

20- المرجع نفسه، ص 323.

21- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

22- عقيل صادق الأسدي: مسألة الرؤيا في فلسفة صدر ادلين الشيرازي، جامعة البصرة – مركز دراسات البصرة والخليج العربي، الخليج العربي، مج العدد 42، مجلد 3، 2014، ص 201.

23- المرجع نفسه، ص 223

24- جميلة محي الدين البشتي: المرجع نفسه، ص 324.

25- سلمان فضيل البدور : ميتافيزيقا الوجود في فلسفة صدر الدين الشيرازي، دراسات - العلوم الإنسانية، الجامعة الأردنية - عمادة البحث العلمى، مج 13 , ع4،1986،  ص 235.

26- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

27- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

28- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

 

علي رسول الربيعيكان يورغن هابرماس ملتزمًا دائمًا بالديمقراطية الراديكالية. تهدف هذه الدراسة إلى تفسير عمله النظري بوصفه توضيح لمعنى الديمقراطية الراديكالية، ومكانتها داخل نظرية نقدية للمجتمع، ودورها في المجتمع نفسه. لقد وَصف هابرماس في السياق الفكري لفترة ما بعد الحرب بأنه "أول منظر ألماني للديمقراطية".[1] قد يبدو من المفارقات إذن أن الكثير لا تتصدى من مساهمات هابرماس بشكل منهجي ومنظومي لقضية الديمقراطية. الديمقراطية هي سمة أو خاصية أساسية متأتية من تركيز هابرماس على السؤال المهم المتمثل في التأكيد على أهمية الحفاظ على المجتمع الحديث والثقافة الحديثة ككل. إن الديمقراطية "التداولية" عنصر أساسي في استجابة هابرماس لهذا السؤال.

ينتمي هابرماس إلى تقليد التنوير وتطلعاتها إلى التقدم والحرية. وهو يعتقد أن البشر قادرون على الارتقاء فوق المصلحة الذاتية والتحيزات والأحكام المسبقة والعقائد من خلال أستعمال العقل. وقد أستمرت ثقة هابرماس في العقل على الرغم من كل الذي حدث في المجتمعات الغربية لتقويض التفاؤل الأنواري. لقد أستعمل هابرماس العقل، لكن هذا الأستعمال بالتحديد هو الذي ينتقد كثيرًا الآن، باعتباره سببًا للمشاكل المعاصرة. أثيرت أسئلة حول ما إذا كان هناك أي أساس على الإطلاق لسبب استعماله لتعزيز مصالح الجميع.[2]

يجد مفهوم هابرماس مكانه للديمقراطية في نظرية شاملة للحداثة. يقول هابرماس: كانت مشكلته المركزية منذ مرحلة مبكرة من حياته هي: نظرية الحداثة، أو بالأحرى نظرية أمراض الحداثة، من وجهة نظر الإدراك المشوه للعقل في التاريخ''.[3] يجادل هابرماس، لحل هذه المشكلة، علينا ان نتحرى عن اساس الحياة البشرية ذاتها، لمعرفة ما هي حدود طاقة او قدرة العقل. من الممكن بعد ذلك أن نرى كيف تمثل الحداثة تطبيقًا غير متناسق للإمكانيات التحررية للعقل. يبدأ تحليل هابرماس من أسس الوجود البشري، ثم يشق طريقه تدريجيًا نحو فهم مكانة الديمقراطية في العالم الحديث.

العقلانية والفعل التواصلي

ينطوي الإدراك البشري والكلام والعمل على محاولة لتحقيق شيء ما دائمًا. يستلزم السعي وراء أهدافنا المختلفة في الحياة أيضًا استخدام المعرفة وتطبيقها. يجادل هابرماس بأن مفهوم "العقل" أو "العقلانية" مرتبط بجودة معرفتنا، وقدرتها على تمكيننا من تحقيق أهدافنا. ومع ذلك، لا ينبغي تحديد العقل بمحتوى المعرفة. إن المهم في رأي هابرماس هو أننا بالضرورة ندعي أن اكتسابنا للمعرفة واستخدامها مناسبان وكافيان. نطرح ما يسميه هابرماس، في الإجراءات والتعبيرات، "ادعاءات الصحة". هذه الادعاءات هي المعايير التي نشير إليها في تقييم محاولاتنا لتحقيق أهدافنا. تستوفي التعبيرات والأفعال الشرط المسبق للعقلانية عندما تكون عرضة للنقد والمناقشة. يصبح العقل بحد ذاته فاعلا عندما يكون من الممكن الانخراط في عملية استقصائية للاختبار ومراجعة وتأكيد ادعاءات الصلاحية.[4] .

يتتبع عمل هابرماس العواقب بعيدة المدى للطبيعة اللغوية للعقل البشري. بالنسبة لهابرماس، يتم تمييز الأنواع البشرية عن أشكال الحياة الأخرى في أنه "في المرحلة الاجتماعية والثقافية من تطور السلوك الحيواني، يتم إعادة تنظيم سلوك الحيوان في إطار متطلبات صحة الأهداف." وهذا يعني أن شكل إعادة الأنتاج الاجتماعي، "في أي زمان ومكان معينين، مرتبط من حيث المبدأ بنوع العملية العقلانية للنقد والمراجعة المذكورة أعلاه. المعرفة الواردة في أساليب إعادة إنتاج الحياة مفتوحة للطعن. إن هذه الصفة الافتراضية للانفتاح هي التي تجعل التعلم ممكناً. وبحكم قابليتها للنقد، كتب هابرماس: تعترف التعابير العقلانية أيضًا بالتحسين؛ يمكننا تصحيح المحاولات الفاشلة إذا استطعنا تحديد أخطائنا بنجاح.[5] يجادل بأن هذه القدرة على التعلم كانت محدودة نسبيًا في المجتمعات قبل العصر الحديث. فقد تم تقديس طرق تلبية متطلبات الحياة البشرية المطلوبة في إجماع غير مشكوك فيه. تبرر وجهات النظر الدينية والميتافيزيقية الثابتة الممارسات اليومية بأنها طبيعية وغير قابلة للتغيير. لقد منعت "سلطة المقدس" انتقاد المعرفة. يقول هابرماس إن الاعتراف بالمقدس ينتج عنه شعور بالالتزام الأخلاقي لدى الفرد لأنه "محاط بهالة تخيف وتجذب وترعب وتسحر في الوقت نفسه".[6]

تم إزاحة سلطة المعرفة المقدسة تدريجياً مع ظهور المجتمعات الحديثة. وهكذا، نشأت إمكانية تطوير أساليب جديدة لخلق والحفاظ على النظام الاجتماعي. هذه التطورات، التي لا تزال تظهر نفسها وفقًا لهابرماس، تفتح المجال لأشكال أكثر عقلانية من إعادة الإنتاج الاجتماعي. إنهم يجعلون التعاون البشري ممكنًا على أساس المعرفة عرضة للنقد صُممت نظرية الحداثة عند هابرماس لشرح الطرق العامة التي تقدم بها هذه الفرصة نفسها. إنه يشير أيضًا إلى المسارات الأخرى الأقل عقلانية التي يمكن اتخاذها. العمل التواصلي والعالم الحي هما المفهومان التكميليان الأساسيان المستخدمان لفهم إمكانية وجود أشكال أكثر عقلانية من النظام الاجتماعي. في حين أن تحليل هابرماس لهذه المفاهيم معقد، فإنه يكفي، لأغراض هذا المقال، لشرح الدور الأساسي الذي تؤديه في إطار هابرماس النظري.

تعبر فكرة عالم الحياة عن البصيرة القائلة بأن نوعًا من المقدسات لا يختفي تمامًا من الحياة الاجتماعية الحديثة. يشير المقدّس إلى القيم والمعتقدات والممارسات التي، بعد أن مرت عبر "الصيغ اللغوية، تتوطد وتصبح ثابتة.وتواجه الأفراد "من الخارج". إن تحرير العقلانية يعادل الانفتاح على استجواب هذه الأنواع من المعتقدات والمعايير. ومع ذلك، لا يخلو الفحص الخطابي من المعايير التي لا جدال فيها تمامًا. هناك مجموعة أخرى من التصورات المسبقة، والتي تكمن وراء "مناقشاتنا الصريحة"أو العلنية. يقول هابرماس أنه من دون "صخرة مترامية الأطراف ومترسخة بعمق ولا تتزعزع من افتراضات خلفية وولاءات ومهارات"،[7] فإن أبسط أقوالنا سوف لن يكون لها معنى[8]. كما أننا قد نفتقر إلى الدافع للتصرف ولن نمتلك أي توجه "طبيعي" للأشياء أو للآخرين أو لأنفسنا. يهدف مفهوم عالم الحياة، ببساطة على الرغم من تعقيده، إلى الإشارة إلى أن البشر لا يمكن أن يوجدوا في فراغ ثقافي أو اجتماعي أو شخصي. إن التدمير الكامل لهذا النوع من "القدسية"، وتصوراتنا المسبقة ودرايتنا، من شأنه أن يقوض التواصل اللغوي وبالتالي طريقة حياة الإنسان على هذا النحو.

إن مفهوم العمل التواصلي مكمل لمفهوم عالم الحياة. يعرّفه هابرماس بأنه "عملي موجه نحو تحقيق التوافق فيالآراء والحفاظ عليه وتجديده.[9] يصر هابرماس أن الإجماع مهم لأنه، على الرغم من دوركهايم، على أن نسبة معينة من المعتقدات والمعايير الفردية يجب أن تكون مشتركة حتى لاينهار المجتمع من الداخل. يحافظ الفعل التواصلي على أسس الأخلاق الاجتماعية من خلال توجيه خطط فعل المشاركين بطريقة توافقية. يُلزم المتحدثين والمستمعين بأخذ مطالبات بعضهم البعض بجدية في الاعتبار عند صياغة أهدافهم ومقاصدهم الفردية، ويسعى إلى تنسيق الأهداف والتطلعات المحددة بشكل فردي مع فهم مشترك للأغراض والمعتقدات الجماعية. لا يستطيع الفعل التواصلي القيام بذلك إلا في سياق عالم الحياة. يشكل العالم المُعيش أفقًا حقيقيًا لمواقف الكلام ومصدر.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

........................

[1] David Roberts, Reconstructing Theory: Gadamer, Habermas, Luhmann (Carlton South, Victoria, Melbourne University Press, 1995), p. 3.

[2] John Ralston Saul, Voltaire's Bastards (New York, Vintage, 1993).للمزيد حول هذه الحجة أنظر:

[3] Peter Dews (ed.), Autonomy and Solidarity: Interviews with Jürgen Habermas (London, Verso, 1992), , p98.

[4] Jurgen Habermas, The Theory of Communicative Action, Volume One: Reason and the Rationalization of Society, tr. Thomas McCarthy (Boston, Beacon, 1984), pp. 8-10.

[5] Habermas, Theory of Communicative Action One, p. 18. 

[6]Jurgen Habermas, The Theory of Communicative Action, Volume Two: Lifewor!d and System, A Critique of Functionalist Reason (Cambridge, Polity, 1987), p. 48.

[7] Jurgen Habermas, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy (Cambridge , Policy, 1996), p. 22.

[8] Habermas, Theory of Communicative Action One, p, 336.

[9] Habermas, Theory of Communicative Action One, p. 17.

 

 

علي رسول الربيعيإن التطلعات الأساسية للمثل الديمقراطية، وفقًا لتايلور، هي أن القواعد والقرارات يجب أن يقررها الشعب. هذا يعني انه (1) يجب أن يكون لأغلبية الشعب رأي فيما سيكونون عليه، وليس فقط إخبارهم بما هم عليه؛ (2) يجب أن يكون هذا القول لهم حقًا، ولا يتم التلاعب به عن طريق الدعاية والمعلومات المضللة والمخاوف غير المنطقية؛ و(3) ينبغي أن يعكس إلى حد ما آراءهم وتطلعاتهم، مقابل التحيزات غير المستنيرة.[1]

لكن بدت هذه التطلعات، بالنسبة للعديد من المفكرين المعاصرين، إما  أنها خيالية أو خطيرة أو كليهما. هذا بسبب صعوبة تلبية الشروط الثلاثة في المجتمعات الكبيرة فلا يمكن أن يكون هناك  مجلس عام للشعب؛ والرأي العام فريسة  سهلة  للتلاعب  من قبل وسائل الإعلام التي تسيطر عليها مصالح قوية؛ وعلى أية حال، فإن معظم الناس ببساطة غير مطلعين أو غير مهتمين أو غير أكفاء لصياغة آراء منطقية بشأن القضايا المعقدة. نتيجة لذلك، يرى تايلور، هناك إغراء لإعادة صياغة مفهومنا للديمقراطية لمحاولة تجنب هذه الصعوبات. إنه ينظر في محاولتين من هذا القبيل ويقارن بين مفهومه الخاص للديمقراطية مع كل من هذه النماذج البديلة.

إن الديمقراطية، وفقًا للنموذج الأول، عملية اجرائية ذرائعية في الأساس. يُنظر إليه على أنها وسيلة يتم من خلالها تجميع عدد كبير من التفضيلات أو المصالح الفردية في قرار جماعي. باختصار، إنها نوع من الآليًات لتحويل المصالح والرغبات الفردية المتنوعة إلى نتائج تشريعية أو سياساتية. يكتب تايلور من وجهة النظر هذه: لدى الناس اهتمامات يمكن تحديدها قبل اتخاذ القرارات؛ وتأتي القرارات لصالح بعض المصالح وتحبط البعض الآخر. فهل الأغلبية مفضلة؟  هكذا يتم تقديم الديمقراطية، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فهناك سيطرة نخبوية غير شرعية اذن.[2]

إن هذا المفهوم للديمقراطية غير كافٍ لأن ما يقوم عليه هو النزعة الفردية- الذرية، وهي مغالطة في صميم الكثير من الفكر الحديث، والليبرالي منه خاصة. إنه يفشل في تفسير كيف يصبح الناس - ما الذي يجعلهم - وحدة  متفقة لصنع القرار الجماعي. بدون بعض الفهم لذلك من الصعب أن ترى ما هي السلطة التي ستكون لقرار الأغلبية على أولئك الذين يعارضونه. تفترض فكرة الديمقراطية وجود مجتمع يعرف فيه أعضاؤه أنفسهم ، إلى حد ما على الأقل. يجب على الناس أن "يفهموا أنفسهم بوصفهم ينتمون إلى جماعة تشترك في بعض الأغراض  العامة وأن يدركوا أن أعضائها يشاركون في هذه الأغراض".[3] (31) هذا شيء لا يمكن أن تفسره الافتراضات الفردية-الذرية لوجهة النظر الاداتية- الآليًة بشكل مرض.

إن ذكر الأغراض المشتركة يبرز الضعف الثاني المرتبط بالنظرة الأداتية للديمقراطية. هذا هو فشلها في إيجاد مكان للإمكانيات التحويلية المتأصلة في صنع القرار الديمقراطي.[4] (32) لا يمكن للنظرة الأداتية لعملية صنع القرار الديمقراطي أن " تحسب بشكل كبير على حقيقة أن آراء الناس يمكن أن تتغير عن طريق التبادل، وأن هذا الإجماع يظهر أحيانًا ، وأن المواطنين كثيرًا ما يفهمون أنفسهم كجزء من المجتمع ولا يصوتون للمصلحة  الفردية وحدها فقط".[5] 33 لذا فإن وجود الجماعة  ليس فقط شرطًا لسلطة صنع القرار الديمقراطي، بل هو أيضًا أمر يدخل للمداولات السياسية نفسها. مع ذلك، يجب أن نتوخى الحذر لتجنب نوع مختلف من الخطأ، أي ذلك المرتبط بالنموذج الثاني للديمقراطية الذي يرفضه تايلور أيضًا.

إذا كانت مشكلة النموذج الأول للديمقراطية هو أنه يتجاهل الدعامة الجماعاتية للديمقراطية، فإن مشكلة النموذج الثاني هي أنه يتجاهل التنوع بوصفه  سمة لا يمكن التغلب عليها من قبل أيً مجتمع حر في ظل الظروف الحديثة. يرى أنصار هذا النموذج الثاني  الذين يتبعون روسو أن القرار الديمقراطي الحقيقي هو تأثير الإرادة العامة، أي، بعض الأغراض الجماعية. [6] في حين أن هناك أحيانًا أوقات وأماكن يوجد فيها شيء قريب من الإرادة العامة، إلا أنه ليس شيئًا يمكن توقعه بشكل معقول في المجتمعات الحديثة.[7].3.5 أن طلبها يعني رفع مطالب الديمقراطية أكثر من اللازم. إنه افتراض درجة من الوحدة غير موجودة ولا يمكن تحقيقها إلا من خلال وسائل هي نفسها غير ديمقراطية إلى حد كبير. هذا النموذج هو الذي شكل "الديمقراطيات الشعبية" وشجع الرأي القائل بأن الديمقراطية تتعارض مع الحرية الشخصية. يجب أن يأخذ أي نموذج ديمقراطي ملائم في الاعتبار التنوع الذي هو سمة لا مفر منها ومرغوبة في المجتمعات الحديثة.

يحتاج المجتمع الديمقراطي، إذا أريد له أن يعمل بشكل فعال، إلى مستوى معقول من المشاركة السياسية، ليعكس التنوع الاجتماعي، والشعور الحقيقي بالمجتمع. لا يستوعب نموذج الديمقراطية "الأداتية" ولا "الإرادة العامة" هذين المطلبين. يصعب تلبية هذه المطالب في ظل الظروف الحديثة، حيث تكون عرضة للانحطاط والانحلال. إن واحدة من أكثر سمات المجتمعات الحديثة تآكلًا هي طبيعتها الكبيرة والمركزية والواقعية التي تؤدي إلى شعور بالعجز والاغتراب السياسي من جانب المواطن العادي. يُنظر إلى الحكومة على أنها خارجة عن سيطرتنا، و تعتبر مؤسسات الدولة بعيدة وخارجية عن حياتنا اليومية، وهذه عملية يعززها نموها الأسواق العالمية. لا يعتقد تايلور أن هذا الاتجاه يمكن عكسه ببساطة، لكنه يعتقد أنه يمكن تعويضه، جزئيًا على الأقل، من خلال "اللامركزية المزدوجة، نحو المجتمعات الإقليمية والمجالات العامة المتداخلة" (36).[8]

أن فكرة اللامركزية الجغرافية معروفة بما فيه الكفاية لكن مفهوم تايلور لـ "المجالات العامة المتداخلة" يعتبر أكثر حداثة. وهي عبارة عن  ساحات فرعية للجدل العام يمكن أن تساهم في تشكيل مناقشات السياسية الوطنية في نهاية المطاف. يفكر تايلور على وجه الخصوص في "الحركات الاجتماعية الجديدة" مثل المجموعات النسوية والبيئية. إن ما يختلف في هذه الحركات هو الطريقة التي تجمع بها الاهتمامات المشتركة مع نقاش وخلاف داخلي مكثف ومتطور في كثير من الأحيان. إن "المجالات العامة المتداخلة"، على عكس كل من مجموعات الضغط التقليدية، التي تسعى إلى حشد الدعم السياسي حصريًا وراء مصلحة أو رأي معين، والأحزاب السياسية، التي ينصب اهتمامها الرئيسي على السيطرة على السلطة السياسية وتشكيل الحكومة، أنها منتديات للمحاجات السياسية التي يمكن أن تغذي النقاش العام على المستوى الوطني. إن عملية البيروقراطية والمركزية التي تصدر في نوع من الضبط الإداري ليست سوى أحد التهديدات للديمقراطية. هناك تهديد آخر مرتبط به، وربما يكون أكثر خطورة ، وهو التجزئة أو التشذرم. يحدث هذا عندما يكون الناس أقل قدرة على تشكيل هدف مشترك وتنفيذه. ينشأ التشرذم عندما يرى الناس أنفسهم أكثر فأكثر من منظور فردي-- ذري، لأنهم أقل ارتباطًا بأقرانهم المواطنين في مشاريع وولاءات مشتركة.[9] يُنشئ التشرذم  ديناميكية محتملة للتدمير الذاتي داخل الديمقراطية. يجد الأعضاء صعوبة في التماهي مع المجتمع السياسي. هذا النقص في التعريف يعزز الموقف الذري "لأن غياب الفعل المشترك الفعال يعيد الناس إلى ذواتهم".[10] .38 وهذا بدوره يقوض الإحساس بالانتماء للمجتمع ويدعم الانتماء.

من الأسباب المساهمة الكبيرة للتشرذم تجربة العجز السياسي، والشعور المتزايد بالتمكين هو أحد السبل لتعزيز التماهي مع المجتمع السياسي. إن تايلور ، على أي حال ، يفتقر إلى تقديم اقتراحات حول كيفية تحقيق ذلك بما يتجاوز إعادة التأكيد على أهمية اللامركزية. علاوة على ذلك ، كما سنرى ، فإن مشكلة التوفيق على الأقل بين بعض أشكال اللامركزية والشعور القوي بالانتماء إلى مجتمع سياسي أكبر يوحده شعور قوي بالصالح العام هي مشكلة تهدد تماسك مفهوم تيلور للديمقراطية.

الطريقة الثالثة التي يمكن من خلالها تآكل الشروط اللازمة لصنع القرار الديمقراطي الفعال هي نتيجة الخلافات داخل المجتمع السياسي. أحد الأشكال التي يمكن أن يحدث فيها مثل هذا الصدع هو عندما يشعر مجتمع ثقافي معين بأنه مستبعد من العملية السياسية لأن قيمه وتطلعاته غير معترف بها من قبل المجتمع الأوسع. من المحتمل أن تكون هذه المشكلة أكثر حدة في المجتمعات متعددة الثقافات حيث توجد أقلية واحدة على الأقل لها ثقافة تختلف اختلافًا كبيرًا في بعض النواحي عن دردشة المجموعة المهيمنة. حتى في الأشكال المعتدلة ، يمكن أن يؤدي ذلك إلى توترات وأعمال عدائية تقوض التماسك الاجتماعي بشكل خطير، وفي أشكال متطرفة ، على سبيل المثال عندما يطالب بالانفصال ، فإنه يهدد وجود المجتمع السياسي ذاته.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...........................

[1] Taylor, 'Liberal politics and the public sphere', in Philosophical Arguments, p. 273.

[2] Taylor, Philosophical Arguments, p. 275.

[3] Taylor, Philosophical Arguments, p. 275.

[4]    هذا عنصر مهم في المفاهيم التداولية للديمقراطية. أنظر على سبيل المثال:

J. Fishkin, Democracy and Deliberation: New Directions for Democratic Reform (New Haven, CT, Yale University Press, 1991).

[5] Taylor, Philosophical Arguments, p. 276.

[6] Taylor, Philosophical Arguments, p. 275.

[7] إنصافًا لروسو ، يجب الإشارة إلى أنه كان مدركًا جيدًا أن الظروف الاجتماعية التي يمكن أن تظهر فيها إرادة عامة ستكون مختلفة تمامًا عن ظروف الدولة الحديثة . حول الارادة العامة أنظر: د. الربيعي، علي رسول:

https://www.rawafidpost.com/archives/13986

[8] Taylor, Philosophical Arguments, p. 280.

[9] Taylor, Philosophical Arguments, p. 282.

Taylor, The Ethics of Authenticity, p. 112.

[10] Taylor, The Ethics of Authenticity, p. 117.

 

حاتم حميد محسنكان التفكير الاقتصادي منذ البدء متداخلا بعمق مع الاعتبارات الفلسفية. المفكرون الاقتصاديون الأوائل منذ ارسطو وحتى آدم سمث وجون ستيوارت مل كانوا ايضا من أبرز الفلاسفة. ورغم مساهمة الثورة الحدية وظهور الاقتصاد الكلاسيكي الجديد في نهاية القرن التاسع عشر في بناء الاقتصاد كـ "علم منفصل" قليل التفاعل مع الفلسفة والعلوم الاجتماعية الاخرى لكن العديد من اقتصاديي القرن العشرين الكبار كان لهم ايضا اهتمام بالمسائل الفلسفية.

كنز، هايك، سين او ميردال هم أمثلة لإقتصاديين (لا على سبيل الحصر) متميزين كانت لهم ايضا مساهمات في مختلف مجالات الفلسفة وكانت أعمالهم الاقتصادية يتم إبلاغها برؤى فلسفية. مع ذلك، من الإنصاف القول ان القرن العشرين شهد انحدارا متزايدا في اهتمامات الاقتصاديين بالقضايا الفلسفية، بنفس الطريقة التي اعتُبر فيها تاريخ الاقتصاد "غير ملائم" للحقل. العدد الخاص من المجلة البحثية الفرنسية (the revue de economie politique)، عدد 2018/2 تأثّر بالصياغات المتجددة الاخيرة للأعمال الاكاديمية المرتبطة بالتداخل بين الاقتصاد والفلسفة. هذا التجديد هو علمي بالطبع، مع وجود العديد من المساهمات التي تمزج بين التحليلات الاقتصادية والتفكير الفلسفي في القضايا السوسيواقتصادية الحالية مثل الإحتباس الحراري واللامساواة الاقتصادية والفقر والشيخوخة وقضايا الصحة. ولكن التجديد هو ايضا مؤسسي، خاصة في فرنسا وبقية دول اوربا. وكتوضيح على ذلك، منذ عام 2012 جرى تنظيم ثلاثة مؤتمرات دولية لـ "الفلسفة الاقتصادية" في فرنسا (في ليل وستراسبورغ و مقاطعة اكس اين) بالارتباط مع خلق "شبكة اقتصاد- فلسفة" هدفها جمع معلومات اكاديمية ومؤسسية ملائمة تتعلق بهذا الحقل الفرعي.

العديد من المجلات البحثية العالمية حاليا تتخصص في نشر أعمال تقع في نقاط الالتقاء بين الاقتصاد والفلسفة.هذا العدد الخاص من المجلة البحثية يهدف الى عرض نماذج من القضايا الأخيرة التي تُعالج في هذا المجال، دون ان يطمح ليكون شاملا بأي طريقة.

معنى "الفلسفة والاقتصاد"

من المدهش عدم وجود إجماع بين الاكاديميين الذين يعملون عند الإلتقاء بين الاقتصاد والفلسفة بشأن الطبيعة الدقيقة ومحتوى ممارساتهم الأكاديمية. هذا النقص في الاتفاق (بدلا من عدم الاتفاق الواضح والراسخ) ايضا يحدث في المصطلح المستعمل للاشارة لهذه الممارسات: "الفلسفة الاقتصادية"، "فلسفة الاقتصاد"، الاقتصاد الفلسفي"، و"الاقتصاد والفلسفة" كلها استُعملت لتصف الأعمال التي تمزج بين الاقتصاد والاعتبارات الفلسفية.

من الواضح، ان هذه التعبيرات ليست متساوية تماما لأن بعضها قد يعطي انطباعا بأفضلية حقل على آخر. فلسفة الاقتصاد ترتبط بفكرة النظر الى الاقتصاد كموضوع يُدرس من منظور فلسفي. هذا المصطلح الاخير يشير الى ان التقاء الاقتصاد والفلسفة هو "فقط" فرع آخر لفلسفة العلوم، مجاور لفلسفة البايولوجي او فلسفة العلوم الاجتماعية. اخيرا، مع ان تعبير "الاقتصاد والفلسفة" هو الأقل التزاما، لكنه بالطبع الأكثر احتمالا ليُعرّف في كبريات المجلات البحثية للحقل بـ الاقتصاد والفلسفة، والتي تنشر أعمالا تمثل فقط نزعة واحدة – مع انها هامة – لإتجاهات تجمع بين الادوات الاقتصادية والتحليلات الفلسفية. من الواضح، لا سبب هناك للنقاش حول المصطلح الملائم. يمكن تطبيق شعار فيتجنشتاين في ان "معنى الكلمة يكمن في استعمالها"، ومن المهم كثيرا ان نقرر ما نشير لـه "مهما كان الطابع او الوصفة المفضلة" بالنظر الى ما يقوم به الباحثون في الحقل الذي يعملون به. من المفيد ان نمتلك تعبيرا عاما لنصف الشيء الذي نهتم به. وصفة "الفلسفة والاقتصاد" لها ميزة كونها عمومية وغير ملتزمة، لا تضع إحالة الى مجال معين.

هناك عدة طرق للتفكير في طبيعة ومحتوى الاقتصاد والفلسفة. بعض الوصفات التي نوقشت أعلاه،  مقيدة تماما واخرى أوسع وتضم تنوعا واسعا من القضايا والطرق والاهداف. مثال على التفكير المقيد، الخصائص المقيدة للاقتصاد والفلسفة التي عرضها دون روس (2014:13). روس ينظر الى الاقتصاد والفلسفة كفرع من فلسفة العلوم مع اهتمام خاص في توحيد مختلف التخصصات في منظور يتطلع الى الامام . بكلمة اخرى، طبقا لروس، الاقتصاد والفلسفة لهما نفس المجال والحدود مع مجموعة من الاعمال التي تستجوب العلاقة بين الاقتصاد و العلوم الاخرى (خاصة علم النفس وعلم الاجتماع) في ضوء الممارسات الحقيقية للاقتصادي. ان قضية الاهتمام الخاص في هذا المنظور هي في ازالة الحدود بين الاقتصاد والعلوم الاخرى. مثل هذا التوصيف يجعل هناك معنى في السياق الحالي لتطور الاقتصاد السلوكي والتجريبي الذي يساهم في إعادة رسم التفاعل بين الاقتصاد وعلم النفس. مع ذلك، انه ايضا يستبعد نسبة هامة جدا من أعمال الباحثين التي تمزج الاقتصاد مع الاعتبارات الفلسفية. فمثلا، ما يصفه روس بـ "التحليل المفاهيمي" (بمعنى كل الاعمال التي تدرس معنى المفاهيم المستعملة من جانب الاقتصاديين) هي خارج هذا التوصيف للاقتصاد والفلسفة. وما هو اكثر اشكالية، هو ان الدراسات الهائلة التي تستعمل الادوات الاقتصادية مثل نظرية المباراة في دراسة قضايا تعود للفلسفة الاخلاقية والسياسية لا يمكن تضمينها في حقل الاقتصاد والفلسفة كما وُصف من جانب روس.

ولهذا مطلوب التفكير بطريقة اكثر شمولية. هاندس (2016) يرى ان الادب المتعلق بالاقتصاد والفلسفة يمكن تقسيمه الى مجموعتين: المنهجية الاقتصادية، من جهة (التي تربط الاقتصاد بفلسفة العلوم) ومن جهة اخرى، الاقتصاد والاخلاق (او الفلسفة الاخلاقية). يعرض هاندس هاتين المنطقتين باعتبارهما منفصلتين بالضرورة ولكن وكما تبيّن مساهمات هذا العدد الخاص، انهما في التطبيق احيانا يتداخلان بشكل كبير. اما الكاتبان Gilles campagnolo و Jean Sebastien يقترحان في مقدمة كتابهما(2017) ان الاقتصاد والفلسفة يجب النظر اليهما كاتحاد من ثلاث مناطق متداخلة جزئيا: "الفلسفة الاخلاقية/السياسية والاقتصاد السياسي"، فلسفة الفعل ونظرية القرار"، "فلسفة العلوم والمنهجية الاقتصادية". هذا التصنيف يوضح حقيقة انه مهما كان الموضوع الخاص لتلك التخصصات، فان المساهمات في الفلسفة والاقتصاد تتأسس على التفاعل بين كلا الحقلين. العلاقة بين الفلسفة الاخلاقية/السياسية والاقتصاد السياسي من جهة، والاقتصاد المعياري من جهة اخرى ليست جديدة بالطبع. ان إحتضان الاقتصاديين المبكر للنفعية ثم رفضها لاحقا في الثلاثينات على أساس استحالة عمل مقارنات شخصية للمنفعة يشير الى ارتباط عميق بين اقتصاد الرفاهية والفلسفة الاخلاقية. هذا الارتباط اعيد التأكيد عليه منذ الستينات في القرن الماضي مع ظهور نظرية الخيار الاجتماعي التي تسمح للاقتصاديين والفلاسفة لمعالجة عدد كبير من قضايا الفلسفة السياسية والاخلاقية.

وبنفس الطريقة، كان هناك تفاعل طويل بين الاقتصاد وفلسفة العلوم من خلال ما سمي احيانا (وربما بشكل غير ملائم) "المنهجية الاقتصادية". "المنهجية" الاقتصادية هي في الحقيقة ليست فقط حول المنهجية وانما ايضا تتعلق بطبيعة الأشياء الاقتصادية او الـ "انطولوجيا" ونوع المعرفة التي يمكن ان نكتسبها (ابستيمولوجي). العديد من اقتصاديي القرن التاسع عشر الكلاسيكيين كانوا مهتمين بقضايا المنهجية الاقتصادية وفق هذا المعنى الشمولي (جون ستيوارت مل، جون نيفل كينز). حاليا، المساهمات في المنهجية الاقتصادية تأتي في الاساس من فلاسفة وتعالج موضوعات متنوعة، بدءاً من الطريقة التي تُنتج بها المعرفة الاقتصادية من خلال ممارسة النمذجة، الى القضايا المنهجية المتصلة بصعود الاقتصاد التجريبي. ومن الملفت، ان الانفصال الذي حدث في الثلاثينات بين اقتصاد الرفاهية والنفعية كان يتأسس كثيرا على الزعم بضرورة الفصل بين أحكام الحقيقة و أحكام القيمة – وهي القضية التي تعود في الأغلب للمنهجية الاقتصادية. هذا يوضح التداخل بين هاتين المنطقتين من الاقتصاد والفلسفة.

اخيرا، مع ان الاقتصاديين أبدوا اهتماما طويلا في القضايا المتصلة بمفهوم العقلانية، فان العلاقة بين الاقتصاد (بما فيه القرار الرسمي ونظرية المباراة) وفلسفة الفعل (التي ربما نضع ضمنها فلسفة الذهن) كانت أضعف تاريخيا. هذا ربما يعود لحقيقة ان الاقتصاديين وثقوا بالأدوات الرسمية لوصف السلوك العقلاني دون ان يكونوا مهتمين بالقضايا الفلسفية الأساسية، كما في على سبيل المثال المكانة الانطولوجية للحالات القصدية (الافضليات، العقائد) التي يتم نمذجتها بواسطة نظرية الاختيار في الاقتصاد. هذا الاتجاه تغيّر كثيرا منذ ثمانينات القرن الماضي خاصة في العلاقة مع ثورتين هامتين في الاقتصاد.

لهذا فان الخصائص البارزة والتأسيسية للاقتصاد والفلسفة هي المنظور المتبادل والشامل للاقتصاد والفلسفة في مواضيع تعود لأحد الحقلين او كلاهما. من الواضح، هناك عدة طرق لعمل الاقتصاد والفلسفة. بعض العلماء ينظر ويمارس الاقتصاد والفلسفة من خلال موقف تاريخي يجعله مرتبط كثيرا بتاريخ الاقتصاد والفلسفة. علماء آخرون يرون ان الوظيفة الاساسية للاقتصاد والفلسفة هي في الاساس إعطاء تقييم نقدي بهدف توضيح ممارسات الاقتصاديين.

 اخيرا، الاقتصاد والفلسفة ايضا يتم ممارستهما كشكل جديد من "الامبريالية الاقتصادية" حيث الادوات الاقتصادية والنظريات تُستعمل لتوفير رؤى جديدة للقضايا الفلسفية القديمة. كل هذه الاتجاهات لها شرعيتها ومن الواضح لا يمكن تغطيتها جميعا في اصدار واحد.

 

حاتم حميد محسن

 

 

علي رسول الربيعيإن مسألة كيفية الحفاظ على المجتمع السياسي في مواجهة الانقسامات المحتملة تستحق الاهتمام الشديد لسببين. الأول، هو أن القضية جذبت اهتمام تشارلز تايلور لفترة طويلة. لقد كان منخرطًا بعمق، سياسيًا وكذلك نظريًا، مع التحدي الذي يمثله الاتحاد الكندي بسبب تهديد بالانفصال من قبل مقاطعة كيبيك. حاول تايلور، في هذا النزاع، شغل موقع يجمع بين التعاطف الصادق للغاية مع تطلعات الأغلبية الفرنسية في كيبيك وبين الرغبة الشديدة في الحفاظ على تماسك الاتحاد.[1] لكن القضية تستحق الفحص لسبب ثانٍ أيضًا: أنه يكشف عن بعض التوترات المتأصلة في آراء تايلور.

إن الأهمية العامة التي يوليها تايلور لفهم الذات والعضوية الجماعاتية جعلته متعاطفًا مع التطورات الأخيرة التي تؤكد على أهمية العضوية الثقافية في بناء هويات الناس. يمكن العثور على هذه التطورات على سبيل المثال في تلك السلسلة من التنظير النسوي الذي يلعب فيه "الاختلاف" دورًا بارزًا ؛ في مطالبات السكان الأصليين والمهاجرين باحترام أكبر لممارساتهم الثقافية المميزة وتراثهم ؛ في زخم العديد من الحركات القومية ؛ وفي انفجار ما يسمى بـ "سياسات الهوية" في الولايات المتحدة. لا يتعاطف تايلور بأي حال من الأحوال مع كل هذه التطورات، لكن المتابعين يعتقدون أن هناك سؤالًا مهمًا يجب معالجته فيما يتعلق بما يسميه "سياسات الاعتراف".[2]

تتشكل الهوية، بالنسبة لتايلور، إلى حد كبير بشكل حواري من خلال تفاعلنا مع الآخرين ومن خلال المعاني التي نستمدها من ثقافتنا.  الفرضية هي أن هويتنا تتشكل جزئيًا من خلال الاعتراف أو غيابه، وغالبًا من خلال الاعتراف بالآخرين، وهكذا يمكن أن يعاني شخص أو مجموعة من الناس من ضرر حقيقي، أو تشويه حقيقي، إذا كان الناس أو المجتمع من حولهم يعكسون لهم  صورة مهينة أو مزرية عن أنفسهم.[3] .

يعمل الاعتراف على مستويين: المستوى الحميم، حيث تتشكل الذات من خلال التبادلات مع أولئك الذين تربطنا بهم روابط شخصية وثيقة، وفي المجال العام أو السياسي.42[4] يمثل هذا الأخير هو الذي الاهتمام الأساسي هنا.

يمكن العثور على تفسير الانشغال الحديث بالهوية والاعتراف في اتجاهين اجتماعيين والاستجابات المقابلة لهما. الأول هو انهيار التسلسلات الهرمية الاجتماعية التقليدية حيث كانت الهوية، إلى حد كبير، دالة على مكانة الشخص في التسلسل الهرمي وقد تم استبدال هذا بمفهوم كوني وقائم على المساواة لـ "كرامة الإنسان" الذي سار جنبًا إلى جنب مع نمو ثقافة ديمقراطية، كان تكافؤ الحقوق والاستحقاقات جزءًا لا يتجزأ منها. الاتجاه الثاني، هو مفهوم فردي للهوية بشكل متزايد، وهو مفهوم يكمن فيه التفرد والشعور بالأصالة في المركز.[5]  ومع ذلك، هناك توتر محتمل بين هذه الميول، والذي طمسه خطاب الاعتراف العالمي بكل فرد كفرد فريد.. بالنسبة إلى `` التفرد '' الذي اعترفت به مبادئ الكونية والمساواة، يكمن نموذجيًا في التشابه، في ما يتشارك فيه الأفراد- الكرامة، والاستقلالية، والقدرة المماثلة على المتعة والألم أو أي شيء- بدلاً من خصوصيتهم أو تميزهم.

من وجهة نظر تايلور، يجب فهم ظهور سياسات الهوية من حيث هذا النزاع والتوتر بين السياستين اللذين تولدهما هذه الاتجاهات.

يقوم هذان الأسلوبان السياسيان، إذن، على فكرة الاحترام المتساوي، يدخلان في نزاع. أولاً، يتطلب مبدأ الاحترام المتساوي أن نتعامل مع الناس بطريقة عمياء أزاء الاختلافات. يركز الحدس الأساسي الذي يسيطر عليه البشر بهذا الاحترام على ما هو متماثل  في الكل. بالنسبة للآخر، علينا أن نعترف بالخصوصية بل ونعززها.[6]

لكن كيف يؤثر هذا النزاع بشكل خاص على قضية الأقليات والثقافات؟ يبدو أن المشكلة تحدد قضية ذات أهمية متساوية للجميع، وهي التوتر بين العام والخاص. الجواب أن هذا المظهر خادع. بالنسبة. لمجموعة مبادئ الاختلاف المفترض أنها محايدة لسياسة الكرامة المتساوية هي في الواقع انعكاس لثقافة مهيمنة واحدة. وكما يقول، إذن، فإن الأقلية أو الثقافات المكبوتة فقط هي التي تُجبر على اتخاذ شكل مغاير.[7]

تكمن المشكلة إذن في كيفية التوفيق بين هذين الفهمين المتباينين للاحترام المتساوي والسياسة التي تنبثق منهما بطريقة تنصف الرؤى والاهتمامات المشروعة لكليهما. هذا جزء من مشكلة النظرية الديمقراطية على الأقل. كيف يمكن للمؤسسات السياسية الديمقراطية أن تقدم نوع من لاعتراف الذي تطالب به ثقافات الأقليات، بينما تحافظ في الوقت نفسه على بنية من الحقوق المتساوية يبدو جزءًا لا يتجزأ من المثل الأعلى الديمقراطي؟

ولكن بدلاً من مناقشة هذا السؤال بعبارات عامة، من الأفضل استكشافه من خلال مثال معين، وهو: الصراع بين الكنديين الإنجليز والفرنسيين، وخاصة شعب كيبيك، حول الشروط المناسبة للاتحاد الكندي. وهذا  سيكون مدار  دراسة قادمة .

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

............................

[1] على الرغم من أنه، كما سنرى لاحقًا، هناك أسباب أكثر تحديدًا وراء رغبة تيلور في الحفاظ على الاتحاد الكندي، فمن الواضح أن جزءًا من الدافع يكمن في "تعلقه العاطفي ب كندا. أنظر:

Taylor, 'Reply and rearticulation', in Tully (ed.), Philosophy in an Age of Pluralism, p. 254.

[2] أحد مصادر مثل هذه الادعاءات التي كان تايلور غير متعاطف معها بشكل ملحوظ هو "النظريات الذاتية، النيرزية الجديدة" لما بعد الحداثة والتفكيك، أنظر:

Taylor, 'The politics of recognition', p. 70.

[3] Taylor, 'The politics of recognition', p. 25.

[4] Taylor, The Ethics of Authenticity, eh. 5.

[5] Taylor, Sources of the Self, part IV.

[6] Taylor, 'The politics of recognition', p. 43.

يخضع تفسير تايلور لسفينة العلاقة بين سياسات الاختلاف ومثال الأصالة لبعض النقد الحاد في:

M. Cooke, 'Authenticity and autonomy: Taylor, Habermas and the politics of recognition', Political Theory, 25 (1997), 258- 88, esp. pp. 59-70.

[7] Taylor, 'The politics of recognition', p. 43.

 

 

سامي عبد العال"التجارة بالأديان هى التجارة الرائجة فى المجتمعات التى ينتشر فيها الجهل، إذا أردت أنْ تتحكم فى جاهلٍّ، فلا عليك إلاَّ أنْ تغلف كلَّ باطل بغلاف ديني"... ابن رشد

"الدين زفرة الإنسان المسحوق، روح عالم بلا قلب، كما أنه روح الظروف الاجتماعية التي طُرد منها الروح.. إنه أفيون الشعوب"... كارل ماركس


هناك فهمٌ تجزيئيٌّ لما يقوله كارل ماركس من عبارات تخصُ الأديان، ولاسيما مقولته الشهيرة الواردة بمقدمة دراسته" نقد فلسفة الحق عند هيغل": الدين.. أفيون الشعوب أو الجماهير Die Religion ... ist das Opium des Volkes. وبحكم أفكاره المختلفة جذرياً ضمن هذا الاتجاه، فلن يُجدي ذلك الفهم إزاء (البناء الفلسفي الخاص) لمفاهيمه العامة. فهو كفيلسوفٍ يتسقُ (بدرجاتٍ متفاوتةٍ) مع إجمال رؤيته للظواهر والأحداث الإنسانية. لا يقول غير ما يُحلل فكراً وممارسةً تجاه الدين والمجتمع. ولم تكن أفكارة وليدة (نزوة ميتافيزيقية) عابرة، لكنه سبرَ أغوار التاريخ (القريب والبعيد) للمجتمعات الأوروبية وبعض المجتمعات الشرقية واضعاً تأملاته عبر القوانين المادية التي تحكمها.

وبرأي الفرنسي جاك دريدا: كل قراءة هي اساءة قراءةevery reading is misreading . وعليه فإذا لم يلتقط القارئ خيطاً كلياً يتسق مع منطلقات ماركس (أو يخرج عنها في قراءة مغايرة)، فلن يدرك خطورةَ اكتشافه لتجليات الاقتصاد. لأنَّ جوانب الاقتصاد مضمخةٌ بأسرار الرغبات القصوى للإنسان، فليس أبرز من التجسُد المادي للطاقات النفسية والرمزية والاعتقادية، إذ تتشبَّع الرغبة كإنتاج مادي بالوجود والعدم والتألُّه والسلطة والهيمنة والعنف والاستعباد وكذلك تمثل بديلاً رائجاً ومخاتلاً للطقوس والشعائر. كل ذلك سيكون بناء على الحاجات الإنسانية التي تتطلب اشباعاً حياتياً أو خيالياً. وهذه بالأساس هي رغبات الحياة والموت، إيقاع الجليل والجميل بطريقة كانط، وهي أيضاً ألاعيب البهلوانات السياسية والأيديولوجية أمام الجماهير.

إساءة القراءة تنطبق على عبارة ماركس تحديداً (الدين أفيون الشعوب) سواء أكانت من جانبه أو من جانب المتلقي. حيث اعتبره البعض يتحدث (داخل) الدين أو كان يقصد كلاماً (حول الدين) كأنَّه ميتافيزيقا. فعندما يحدِّد: " الدين أفيون كذا... "، يؤكد هؤلاء أنَّه يقذف بالدين بعيداً ويعتبره وهماً حيَّاً بين الناس والعلاقات الاقتصادية. كما يعتقد نقاده أيضاً أنَّ صاحب كتاب رأس المال قد كرَّس لحلول فكرة العدم بعد نقده الصارم لطبيعة المقدس على طريقة نيتشه (الإله قد ماتَ). وفي محاولة لإرجاع الثقة المفقودة، قيل لولا وجود ماركس، لكان الدين ظلالاً تقي الإنسان هجير البؤس.

بينما إذا قلّبنا مقولته الفائتة كما تُقلَّب العملة النقدية، سنجد ماركس لا يقول شيئاً دينياً من قريبٍ أوبعيدٍ. هو بالمناسبة لا يهمه (الدين في ذاته) كظاهرةٍ محض متعالية، فهذا موضوعُ إيمانٍ خارج التصور الجمعيِّ. إيمان شخصيٌّ خاص يتعلق بإحساس الفرد وعاطفته ومعتقداته. وهو موضوع لا غبار عليه بالنسبة للإنسان كإنسانٍ، ولكن بالمقابل ليس في الإمكان وضع العقائد على مستوى جمعيٍّ داخل كل الأفراد بوقتٍ واحدٍ. المستحيل عينه هو: أنْ يؤمن الناس بصيغة الجمع، أو حتى يؤمن المجتمع مثلماً يؤمنُ الأفراد.

أي أننا يصعُب أنْ نقول مجتمع الايمان مثلاً أو دولة الإيمان أو دولة الكفر أو دولة الاخلاق أو مجتمع الفضائل الدينية... كل تلك المصطلحات غير صحيحة دينياً من وجهة نظر ماركس. لأنَّ الدين بهذه الحالة سيدخل قاموس السياسة مباشرة من الباب الأوسع للتوظيف الطبقي المسيّس. الدين الجمعي لون من ألوان السياسية تجاه الأفراد والطبقات والجماعات، وهو استعمال المقدس في معادلة الصراع الاقتصادي المادي. وتغدو ظواهر الغنى الفاحش والفقر المدقع أحد تجليات خضوع الأدنى للأعلى. أنْ يتدين الناس جنباً إلى جنبٍ معناه أنْ يسلكوا أقربَ الدروب للوقوع في قبضة السلطة. وقد يكونوا منتظرين تحرراً من نوعٍ ما، غير أنَّهم سيسقطون لا محالةً بين أنياب وحش ضخم اسمه الرأسمالية. فليست المسافةُ بعيدةً بين العملات النقدية وارباحها وبين العبارات الدينية الأكثر قداسة. هما في الواقع وجهان لقدرة الرأسمال على التّربُح بأي شيءٍ ولو كان إلهاً.

وذلك لو حدثَ، فإنَّه يعني قهراً روحياً يلاصق القمع الاجتماعي والسياسي. الدينُ من جهةٍ كهذه يجب أن يكون اعتقادات خاصةً جداً، إنه عبارة عن شعائر وطقوس وأخيلة لا تلوي على أي صدقٍ موضوعي خارجي أيا كان. إنَّها مثل الرياضيات التحليلية نتائجها كامنةٌ في ذاتها وتصْدُق فردياً ليس أكثر. لأنَّ صاحبها (وحدَّه) يراها كذلك بالنسبة إليه وهو مسئول عنها أمام نفسه. بينما سيكون كلُّ فردٍ آخر في حِلِّ منها طالما لا يبلغ معناها بالزخم الروحي نفسه للآخر. وليس لأحد بالتوازي منازعته فيما يعتقد، لأنه كما لا يؤمن بما يعتقد غيره، فلن يكذبَّه مهما أوتي من قوةٍ. إنَّ قضايا الدين (سلباً وايجاباً) تبلغ درجة التعادل الصفريzero point . فهي تزيح ما سواها لتحتل يقيناً مبدئياً وتشكل تصوراً كلياً للعالم والحياة كذلك. والاثنان لا ينفصلان عن الرؤى الحدية للأشخاص بحسب نظام الاعتقاد السائد. أي أنَّها: رؤى ترتبط بأسباب الحياة لديهم، فإذا شعروا بانهيارها كانت داعية لاستنفارهم واقعياً حتى الرمق الأخير.

إذن كيف يكون ذلك بالنسبة للمجتمعات على نحو عام؟! لو كانت لماركس إجابةٌ بعينها، لقال يستحيل عمل هذا الشيء إجمالاً. ولن يكون النسق اللاهوتي المهيمن غير أحد "أصنام البؤس" التي جاءت بينها الفلسفات اللاهوتية والمثالية بامتياز. فالفرد يعيش بؤسه الذاتي كأنه عالَّمٌ مستقلٌّ عن سواه، وكأنَّه يتعبد لصنم عملاق هو يصنعه بنفسه. وإلى هنا لا ضير على هذا الصعيد المحدود، لكن عندما يماثل الدين ميتافيزيقا البؤس اليومي الناجم عن اكراهات الحياة، فهاهنا- هاهنا فقط- يأتي البؤس بألف لام التعريف الاجتماعيين. أي أنه البؤس المتعالي الذي يعكس الأوضاع المزرية للإنسان ويخرج عن نطاق السيطرة، ويتحول إلى أكبر أعدائه في التاريخ.

يذهب البعض الآخر: أنَّه حين تحدَّث ماركس عن الدين (كظاهرة أفيونيةٍ) كان متأثراُ بالظروف السياسية والاجتماعية لأوروبا وقتذاك. حيث كان الدين مرتبطاً بصراع الأيديولوجيات التي تهيمن على عقول الناس العاديين وتمسخ إرادة التحرر لديهم. وأنَّ التصور السابق كان دافعاً لكلامه حول الأديان ودورها في الحياة. هذا الفريق يلتمس مبرراً لماركس حين يعتبر الدين أفيوناً كظاهرةٍ في المجتمعات المقهورة. وبالتالي يأخذون معالجته ضمن الإطار التاريخي والاقتصادي. وليس لأفكاره من مجال إلاَّ أنْ تُفهم فيما يجري. وأنَّ تعليلها المباشر كان هناك ولن يكون هنا بحال من الأحوال. ويقولون إنَّه لو عاش ماركس تجربةً تاريخيةً بخلاف ما رآها وعايشها في حياته، فلربما قد غيَّر وجهةَ نظره حول الدين. لأنَّ الدين كان محركاً لنضالاتٍ كثيرة عبر تجارب إنسانية لا مجرد حالة خادعة من قبل معتقديه. إنَّه عملية تصورية وحياتية معقدة. ولا يصح ضمناً النظر إليها كمادةٍ مخدرةٍ لتسكين آلام أو لحالة انتشاءٍ معين أو حتى لتغييب الواقع.

هذا الرأي يُسْيء قراءة آراء كارل ماركس أيضاً. فعبارته لا تنفي هذا المعنى، لأن الدين طالما يستعمل بآثاره المخدرة، فكذلك قد يصبح فاعلاً في حالات أخرى. لعل تركيزاً على الدين في الحالين لا يهم ماركس، فالوجهان متضمنان فيه بقدر ما ليسا هما الدين ذاته تبعاً لتصور الفريق الأول. والرأي يضمر رفضاً لمقولة ماركس باعتبار أنَّ نقيضها هو الصحيح (أنَّ الدين هو يقظة الشعوب). لكن نظراً لفكرة " التعادل الصفري " سيكون رفضَ المقولة لا قيمة معرفية له. لأنَّه يختزل الدين في عمل نضالي قد لايكون كذلك إلاَّ بسياقه وحسب. إذن الشيء (أو المشْجب) نفسه الذي يُعلِّق المقولةَ لصالحه هو نفسه الذي ينفيها. كما أنَّه مجرد رأي يُقلِّب الدينَ على أحد وجوهه العديدة. وإذا كان التشبثُ بتعقيد الظاهرة الدينية يدعمه، فوصفه للدين بالعمل النضالي سيكون اختزالاً لها. وسيحول كل دين إلى أداة صراعٍ بمنطق ماركس مرةً أخرى. فالنضال يفترض ضمناً اللجوء إليه كنوعٍ من العزاء عند الحدود القصوى للوجود الإنساني (الحروب والعداء والكراهيات).

يتعامل فريقٌ ثالثٌ مع الدين لدى ماركس باعتبار الماركسية نسقاً مرفوضاً تماماً. على أساس أنَّ مقولتَّه تندرج ضمن اعتبار الفلسفة الماركسية لاهوتاً بديلاً. أي أنَّ ماركس يرفض أنْ يكون الدين مخدراً للشعوب، ولكنه ترك فلسفةً تمَّ استعمالها ايديولوجيا بالمنطق نفسه. وهذا الاعتبار الفكري للماركسية غير واضح بالتفصيل، لكنه يدلل على أدلجة الأفكار المطروحة في صورتها العامة. وبهذا فالماركسية من زاوية هذا الفريق تزحزح التعادل الصفري للدين آخذةً مكانه بقوة الواقع. ويتفنن هؤلاء بجعل الماركسية نزعة أرثوزكسيةorthodox-ism تلتهم الحقائق الأخرى. وقد يبدو ذلك واضحاً من خلال التطبيق السياسي لأفكار ماركس في بعض المجتمعات، فقد جاءت كنوع من اللاهوت السياسي الإجتماعي الذي يمارس الدين دون مقدسٍ.

ولكن هذا ضربٌ من الاستحالة الفلسفية لدى ماركس تخصيصاً. في حين أنه لدى غيره من الأتباع والدارسين المهووسين بالإمكان النظر إلى أفكاره كصنف من هذا التكوين الديناصوري (الأيديولوجيا الماركسية). أمَّا ماركس عينه فموضوعاته، قضاياه، حتى طبيعة أفكاره فتقع خارج النزوع المغلق. قال ماركس ذات مرة: كل ما أعرفة أنني لست ماركسياً". واخذ يتبرأ من المؤدلجين لأفكاره إلى حد اللعنة، إن أخطر ما فيها هذا التفكيك التاريخي لروح الهيمنة الخفية الآتية بعناوين الاقتصاد. إنَّ ماركس ضد (الوعي الزائف) الذي يرسخ الهيمنة بأشكالها التاريخية والسياسية. فكيف إذن يُعاد تتدين ماركس نفسه فيما بعد؟ أي كيف يتم إلباسه رداء رجل اللاهوت؟، ولهذا ستكون الصور الماركسية من ماركس أشد عنفاً تجاه المختلفين ولا سيما أصحاب الديانات.

أفكار ماركس دون سواها بفضل نقدِها الجذري للحياة الاقتصادية وكذلك بفضل تصورها الكلي للتاريخ والمجتمع تلامس النقطة الأبعد للوجود الإنساني. نقطة إشكالياته البعيدة: مثل الحقيقة والقيمة والتاريخ والدين والقداسة والموت والمصير. كل هذا يضع أفكار ماركس في الفجوة غير المرئية لتاريخ المجتمعات. الفجوة التي يستغلها الطامعون والمستبدون لمخادعة الناس، ويضعها حتى فيما وراء القراءات الفينومينولوجية لعلاقات الاقتصاد وتحولاته التاريخية.

لأولِ وهلةٍ في تاريخ الإنسانية بدت الظواهر والعلاقات المادية ماهيات لموضوعات أسياسية. بمعنى: كان التقليد الميتافيزيقي يعتبر الماهية سابقة على الظاهرة. ليجيء ماركس معتبراً الأخيرة- أي الظواهر- ليست إلاَّ شكلاً وجوهراً معاً. فحيثما تضع كامل ذخيرتها الأساسية في شكلٍّ ماديٍّ، تكمنُ الحقيقة فيها.

العلامات الاقتصادية القائمة على التجارة والأسواق تحمل وجودَّها كالمسيح الذي يحملُ خطايا البشرية. وتلك العلامات بإمكانها تزيح عن كيانها أيَّ جوهر آخر. ولهذا يستطيع ماركس قراءة كل لاهوت فوقي أو بشري من خلال الممارسات المادية. وإذا كان الدين يفيض بطابعه الماورائي، فالممارسات الواقعية تخلق هذا الفيض، خلق استحضار وأصداء وتحول واغداق. ومن ثمَّ، سيكون معنى الدين صوراً، نسخاً، أُطراً، أخيلة، أشباحاً ليس أكثر. ولكن أين الأصول الأساسية؟ اللاهوتيون يعتبرونها قابعة فيما وراء العالم. وهذا هو التصور التقليدي للديانات.

أمَّا ماركس فينظر إليها كأصولٍّ قابلةٍ للتداول والرواج في الواقع المتحوِّل. لأنَّ الدين مهما يكُّن متعالياً، سيُعاد خلْقه بشكل مادي مرةً أخرى. فالقوى السياسية والاجتماعية بأشكالِّها المختلفة تستطيع إعادة انتاجه مرات لا تنتهي. والإنتاج ليس فقط متجلِّياً بواسطة السلع والمنتجات والبضائع، لكنه أيضاً قد يجيء كعملية(خيالية- نفسية) أبرز من يتحدث بمضمونها الدين الغالب. لأنَّه بالوقت الذي يقصد فيه الإيمان وإمكانية اللجوء إليه ينتج موضوعاته الطقوسية والشعائرية كسلعٍ رمزية في المجتمعات. سيراها ماركس دوماً ساريةَ المفعول تحت إبط السلطة وداخل كلِّ عملية إنتاج مادي.

وحيث توجد الظواهر كماهيات متداولة يمكننا عندئذ فهم حركة التدين واستعمالاته. لأنَّ هذا الإيجاد، التواجد، الوجود معاً co-existence للماهية (فكراً وفعلاً) يُمطلَّق نفسه بحكم الهيمنة على ىالواقع. رغم أنه وجود مُوجَّه وقابل لحلول القوى المادية في إطاره. ولهذا كان المقدس انتاجاً علاقياً ضمن اقتصاديات المجتمع في عصر من العصور. إنَّه عمل مقنن من هذه الزاوية في كل تاريخ ممكن لدينا نحن البشر. فقبل وجود الماهيات فيما وراء الحقائق الجارية، فهي نتاج لهذه الحقائق التي تعيد الهيمنة علي كل ماهية من جديد.

هنا يأتي معنى الدين عند ماركس بمثابة (اللحم السري الحي) لوجود إنساني مغطىً بكافة المساحيق الاجتماعية. وهو الفلاش(النيجاتيف) الذي يخفف الألوان الحادة للمصير اليومي من قهر وإخفاق وفشل واحباط. في اعماق الدين، هناك شيءٌّ مشترك (تبعاً للرغبة في الوجود والخلود) مع كافة أبنية الواقع. الدين بوصفه سراً وغموضاً واستعارات أنطولوجية للمعنى العام والكلي للعالم. وهذا الوضع رغم بُعده عن الإدراك المباشر إلاَّ أنَّه كثيراً ما يُستعمَّل كلاصق بشري بحروف ثقافية فوق جميع الظواهر.

هذه الرغبة العميقة أساسها الالتحام بأصلٍ متوارٍ كما أشرت. أصل يتكَّشف في متعة الحياة، جمالية الفن، التخييل، التغييب اللاواعي عن الحياة اليومية، التوحد بالغايات الكبرى. من هنا كانت إمكانية الالتحام بروح الوجود وصميمه أمراً ممكناً رغم كل شيء. حيث تتشابه الموضوعات والمواد الروحية spiritual مع التطلع للمقدس، أي الارتباط بالقداسة. ومن هنا كان ربط ماركس للدين بالمخدرات، فالأفيون كمادةٍ تسبب هشاشةَ الوعي الحاد يفعل(يسبب) ما تفعله (ما تسببه) آثار المقدس سواء أكان إزاء الآخر(الصراع والخداع) أم إزاء النفس (العزاء الروحي).

وفي الديانات القديمة مع مقولة ماركس، كانت بعض المشروبات الروحية والشعائر القائمة عليها جزءاً من طقوس عبادة الآلهة. وظل الجانب الاقتصادي يستقطر(يكثف) الجانبين معاً: المادة والروح. وبالتوازي كانت السلعة في المجتمعات تتقدَّس لارتباطها بروح هي الحياة. تأتي بمتعه فائقةٍ هي المخدر الموضعي لشقاء العمل والقهر المرتبط به. حينئذ انعكس الدينُ عبر رغباتٍ كهذه خلال مظاهر اقتصادية قابلة للتفسير ارتباطاً بهذا السر. ثم كان التمثيل الوهمي simulation أساساً للدين والاقتصاد وللمخدرات(الأفيون) جنباً إلى جنبٍ. فالدين religion من الجانب الإنساني يُشتق من تكرار الأصول والأسرار وتوليد صورها الحياتية. وفي محاولة للتوحد بالأصول، قد يصاب المؤمنون بالتخدير (الغياب عن الوعي) وهو جوهر الركون إلى سلطة عليا والانفعال بحضورها. حيث تمنح الناس المعنى والسكينة واسكات المخاوف والهواجس. ولهذا، فإنَّ كلَّ طقوس الدين تكرارية، تطهرية، سكونية تعاود نفسها ويمارسها المؤمنون بالوتيرة ذاتها.

المخدر يكرر ضرباً من الاستيهام إزاء الواقع. إنَّه تضخيم لخيالٍّ سيبدو الواقع الكئيب أمامه صغيراً. وليس عنف الواقع ومقاومته الشرسة إلاً أبخرة لا قيمة لها. عندئذ يلجأ الناس إلى الأفيون لأجل الهروب من الحياة ومشكلاتها. أي التعلق بالخيال المتنامي في حالةٍ هي غياب الوعي. فيبدو اللاوعي أساساً خلفياً للوجود المغاير بينما هو محض رغبة متوهمة للقفز على الواقع.

إن الاقتصاد محط هذا الاستيهام بين الدين والمخدرات، هذه الرغبة السحيقة لدى الإنسان المقهور في الغياب عن الحياة وامتلاكها أيضاً. ومن ثمَّ كان أثر التدين أفيوناً يعطي حياة بديلةً عن الواقع. لأنَّه يأخذ بكلية اللاوعي الإنساني تجاه عقيدة هي الأشمل حول الكون والتاريخ والمصير. وأثناء تحولات الظواهر يختلط الواقع وبدائله. أي: أنَّ الدين وصوره المكررة سيمتزج مع الحياة. فيكون العذاب الديني كما يقول ماركس تعبيراً عن العذاب الفعلي ويكون الإحساس بالعزاء أحدَ أشكال الهروب من القهر والسلوان له. لأنّه تكرار استيهامي له متعة التعلُّق بالأطياف الخفية. والوقتِ نفسه يعلِّن كل دين عن اخفاق هذا الواقع، لأنَّ الأخير يفشل في تحقيق جنته الموعودة.

المفارقة أنَّ بنية الدين تاريخياً كما أقرها ماركس هيَ استعمال الدين كأفيون له مفعول السحر والإيهام. ولهذا إذا قلبنا عبارة (الدين أفيون الشعوب)، ستكشف الهوس الديني لدى تنظيماتٍ إرهابيةٍ معاصرة قد صنعته صناعة أيديولوجية. هوسٌ يذبح ويسفك الدماء ويقتل ويدمر بعد غياب الواقع والوعي أو يتحولان إلى دائرة اللاوعي. فالعذاب الفعلي تعبير عن العذاب الديني الذي يمارسه الإرهابيون. وهو بالحال ذاته عبارة عن احتجاج ضد دموية استعمال الدين لانتهاك إنسانية الإنسان. حتى بدت علامات العنف زفرة العاجزين ضد القتل ضد تحويل العالم إلى خراب باسم الله.

في هذا الإطار، يقول ماركس تلخيصاً لمجمل المعاني السابقة .. " إنَّ الإنسان يصنع الدين، وليس الدين هو الذي يصنع الإنسان. في الواقع، فإن الدين هو وعي الذات والشعور بالذات لدى الإنسان الذي لم يجد بعد ذاته، أو الذي فقدها ثانية. لكن الإنسان ليس كائناً مجرداً جاثماً في مكان ما خارج العالم. الإنسان هو عالم الإنسان والدولة والمجتمع. وهذه الدولة وهذا المجتمع ينتجان الدين، ينتجان وعيا مقلوباً للعالم، لأنهما بالذات يشكلان عالماً مقلوباً. الدين هو النظرية العامة لهذا العالم، خلاصته الموسوعية، ومنطقه في صيغته الشعبية، وموضع شرفه الروحي، وحماسته، و وازعه الأخلاقي، وتكملته الاحتفالية، ومرتكزه العام للمواساة والتبرير. إنه التحقيق الوهمي للجوهر الإنساني، لأنَّ الجوهر الإنساني لا يملك واقعا حقيقياً. إذن فالصراع ضد الدين هو بصورة غير مباشرة صراع ضد العالم الذي يؤلف الدين نكهته الروحية" .

1- سيكون الدين جزءاً من عتاد الأجهزة الأيديولوجية، ومن التكوين التاريخي للقوى المهيمنة على الجماهير.

2- الدول هي الغطاء الغليظ الذي يتدثر به الناس، ولا حلّ لهم من الوجود تحت أطرافه الممتدة، وهذا ما يجعلهم تحت رحمة ما يتدثرون به.

3- إذا كانت الدول والمجتمعات تتكون من أجهزة رقابية مختلفة، فلقد حرصت على إنشاء أجهزة ميتافيزيقية مقلوبة. وهي بناء الدين من أعلى إلى أسفل كأنه مُنزل من السماء، بينما هو في الحقيقة يشكل صناعة بشرية رفعت إلى تلك المكانة.

4- الصراع يستخدم الدين ضد أشرف ما يمتلكه الإنسان من شرفه الروحي والميتافيزيقي، لأنه مساحته الخاصة للنضال والتحرر وبالتالي سيكون استعماله هو إحباط كل محاولاته لتغيير الواقع والعالم.

5- إذا كان الإنسان لا يحقق سعادته الدينية، بحكم أن كل اعتقاد حر هو منبت السعادة والامتلاء النفسي، فذلك لكونه بالمنطق السابق يعيش تعاسته الواقعية. وكشف هذا الأمر وعدم قبوله بمثابة احتجاج على هذا الوضع إجمالاً.

6- المواساة في الدين آتية من قدرته على اسباغ العزاء على ما نفتقده في الواقع من آمال وحياة إنسانية.

7- أكبر جريمة هي عملية تزييف الدين، لأنه زفرة الروح التي لا تجد ملاذا آمنا لها وسط عالم كئيب ومظلم.

8- الدين المقلوب كصناعة بشرية باسم السماء هو نوع من" الاغتصاب الروحي" لأخص ما يملكه الإنسان من جوانب روحية ويدافع عنها.

 

د. سامي عبد العال

 

علي رسول الربيعيهذه دراسة بحثية عن الكراهية جاءت نتيجة حوار أجراه معنا الأستاذ الدكتور نابي  بوعلي، لكن ليس بالمعنى التقليدي سؤال وجوابه مباشرة؛ فقد ارتأينا ان تكون أجوبة  كدراسة موسعة تتناول قضية تُعد مركبة أنتظاماتها ومعقدة في ابعادها تتضمن  قراءة لأهم المصادر الاساس واقتراح راهنة منها  لهذا الحقل المعروف. وهي معمقة لأن تحتوي مراجعة تحليلية- نقدية لنظريات بارزة في هذا الحقل، تنطلق من رؤية وأطار نظري محدد.

ما الذي  يكون أو يشكل الجماعة؟

تعرّف مقاربات الهوية الاجتماعية الجماعة من الناحية الأدراكية (المعرفية): أيً من حيث تصور الناس لأنفسهم كأعضاء في جماعة.[1]على الرغم من أن مناهج الهوية الاجتماعية تهدف إلى توفير رابط بين مستويات التحليل الفردي والجماعي، إلا أنها فردية في التوجه، حيث تركز على أفكار ومشاعر الأفراد والطرق التي يتفاعلون بها مع بيئتهم الاجتماعية. تنبثق الجماعة، إذن، طبقًا لمنظور الهوية الاجتماعية، من العمليات الأدراكية الفردية التي تنبثق من حاجة الإنسان إلى النظام والتبسيط، والاندماج والتمايز، وفي بعض التفسيرات، من الحاجة الى الصور الايجابية عن الذات. هذه هي الضرورات الأدراكية الفردية التي تشكل جوهر المقاربة. ليست مهمة منظري الهوية الاجتماعية دراسة سبب تصنيف الناس بطرق معينة، بل تفسير الديناميكيات الاجتماعية المحتملة الناتجة عن ارتباطات الجماعة وما هي القوى التي تحرك هذه الديناميكية (على سبيل المثال، الحاجة إلى التصنيف، والحاجة إلى احترام الذات، والحاجة إلى التميز الأمثل). يمكننا أن نفهم من هذا المنطلق أن منظور الهوية الاجتماعية لا يهدف إلى أن تكون قادرًا على الإجابة على معظم الأسئلة المذكورة أعلاه. عندما يتعلق الأمر بتفسير الحرب (التي حدثت بين جماعات سنية واخرى شيعية  كما في العراق وسوريا أو كما حصل قبل ذلك الحرب الصربية الكرواتية)، فإن علماء الهوية الاجتماعية سيقولون على الأرجح: لا يمكننا شرح كيف ولماذا يحصل الانقسام، يمكننا فقط شرح العمليات الاجتماعية والنفسية التي تجعل الناس يتماثلون يلتحقون ببعض وينخرطون في الديناميكيات الاجتماعية للهوية المتزايدة على حساب الآخرى. ومن ثم، فإن النهج غير مهتم بسياسة تكوين جماعة الهوية ورسم الحدود، كما هو الحال  على سبيل المثال، في النظريات الأنثروبولوجية السياسية للعرق التي لها تفصيل آخر. لذلك من المهم أن ندرك أنه لا يعتبر من وظيفة منظري الهوية الاجتماعية شرح أصل أو تطور أو مضمون الجماعة وفئتها الاجتماعية. ولكن بالأحرى، يأخذ عالم النفس الاجتماعي هذه كنقطة انطلاق ويركز على عواقب تصنيفات الجماعة. أوضح تاجفيل هذا التقسيم العلمي للعمل:

يتم  تكوين محتوى الفئات التي يتم تعيين الأشخاص لها بحكم هويتهم الاجتماعية على مدى فترة طويلة من الزمن داخل الثقافة، ويعد أصل هذه الأفكار وتطورها مشكلة للمؤرخ الاجتماعي وليس لعالم النفس الاجتماعي. تتمثل مهمة عالم النفس الاجتماعي في اكتشاف كيفية نقل هذه الصور إلى أفراد المجتمع. يتفق هوغ وماكغارتي بطريقة مماثلة، أنه على الرغم من أن دمج السياق الاجتماعي يعتبر مهمًا لنظرية الهوية الاجتماعية، إلا أنه يتم التوسط فيها فقط من خلال عقل الفرد حيث يقولون: " بينما يتم قبول واقع الجماعات والمؤسسات كأمر طبيعي، الأً أننا كعلماء نفس اجتماعيون مهتمون بمثل هذه المؤسسات إلى الحد الذي يتم تمثيلهم فيها نفسياً''.[2] ومن ثم، يأتي الجواب  على "لماذا" تتشكل  جماعة الهوية من خلال النظر في حاجة الإنسان للتصنيف والنظام واحترام الذات (أوالتميز الأمثل، على سبيل المثال). ليس من خلال النظر إلى السياقات التاريخية والسياسية التي تولد التجمعات الإقصائية أو الوظائف السياسية التي يخدمها تشكيل  الجماعة. إذا حاولنا تصور هذا الاختلاف، فإننا نرى كيف أن النظريات الأداتية- الذرائعية  للكراهيات والصراع الجماعي مهتمة بكيفية رسم  حدود الجماعة أو محو هذه الحدود (بالتركيز على القوة/ السلطة والعنف والخطاب)، بينما يهتم علماء الهوية الاجتماعية بما يحدث داخل الجماعة من عمليات أدراكية وتقييمية وعاطفية.

كيف ولماذا تلجأ جماعة ما إلى الكراهيات والعنف؟

تؤكد مقاربات الهوية الاجتماعية على كيف تكمن حاجة الفرد إلى تمايز الهوية الاجتماعية في صميم سلسلة من ديناميكيات الجماعة التصعيدية التي قد تؤدي في بعض الحالات إلى العنف بين الجماعات. وفي نهاية المطاف، يُنظر إلى عدوان الجماعة على أنه استراتيجية مواجهة جماعية في خدمة الحفاظ على حالة الهوية أو استعادتها. تهدف مقاربات الهوية الاجتماعية إلى إنتاج نظرية عامة للكراهيات والصراع بين الجماعات من خلال وضع خطوة بخطوة لمجموعة صغيرة من الفرضيات المنظمة. يتخذ النهج الأنطولوجي (الوجودي) موقفا فرديا. يبدأ بالفرد ويهدف إلى تحديد وترتيب العوامل الأدراكية والتقييمية والعاطفية التي تمهد الطريق للجذب داخل الجماعة والعداء خارجها. تهدف النظرية، من الناحية الابستيمولوجية ( المعرفية)، إلى تقديم "تفسير" يكشف عن الأسباب الموضوعية للكراهيات والعداوات والعنف بين الجماعات بدلاً من تقديم فهم ذاتي لها (understanding)[3]: إنها تسعى إلى بناء نظرية اجتماعية نفسية للعلاقات بين الجماعات يمكن من خلالها التنبؤ ببعض التوحيد في سلوك ومواقف أعضاء بعض الجماعات (أو الفئات الاجتماعية) تجاه  جماعات أخرى.  يهدف الباحثون، من خلال اختبار دقيق لسلسلة من الفرضيات، إلى إنتاج تفسيرات عامة لسلوك الجماعة. إن وجهة النظر الأساسية هنا هي أنه يمكن التنبؤ بالسلوك البشري وأن الفاعلين يتصرفون وفقًا لمجموعة من القوانين النفسية.

يساعد التركيز على الأفراد في توضيح المشاعر العميقة والعاطفية التي ترافق أعمال العنف بين الجماعات. يتناول هورويتز– في هذا السياق- الجماعات الطوائفية ( العرقي أو الديني) في الكراهيات والصراع:  يستدعي الشغف المطلق لمتابعة الصراع  الطوائفي تفسيرًا يعترف بعالم المشاعر؛ فلا يمكن تفسير الظاهرة الدموية بنظرية لا تاخذ هذه المشاعر بنظر الأعتبار.[4] وهذا بالفعل ما تقدمه مقاربات الهوية الاجتماعية، من خلال التأكيد على أن حاجة الإنسان للانتماء قد تدفع بالعواطف والأنفعالات القوية. لكن مثل هذا الموقف الفردي له حدوده أيضًا. إنه يميل إلى تجريد الفعل الفردي من السياق الاجتماعي، وبالتالي افتراض بعض المشاعر والعواطف وطرق التفكير بوصفها شاملة وعامة في حين هي قد تكون متغيرة عبر الزمان والمكان. إن السؤال، من الناحية االأنطولوجية (الوجودية)، هو ما إذا كان يمكن تحليل الظواهر المعقدة مثل الكراهيات والصراع العنيف من خلال اللجوء إلى مثل هذه الأدراكية الفردية. يفسر النهج المعرفي الذي تقوم عليه نظرية الهوية الاجتماعية الكراهيات والصراع بين الجماعات باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الحاجة البشرية للأتساق وللتوافق ومعالجة المعلومات وتبسيطها. إنه يترك بلا إجابة السؤال عن كيفية  تفجرالعداوات الجماعية اجتماعياً وسياسياً عبر الزمان والمكان، وكيف يتم تخطيط الصراع الجماعي وتنظيمه. لكن، هناك باحثون[5] على النقيض من ذلك، يجادلون بأن تصنيف الذات والآخر هو أكثر من مجرد نتاج للإدراك ومعالجة المعلومات ويستمد من الاستمرارية الخطابية والمؤسسية. لذلك، يعتبرون الكراهيات الصراع العنيف بين الجماعات ظاهرة اجتماعية سياسية وليست فردية.

تُظهر مناقشات تاجفيل حول نظرية الهوية الاجتماعية والعلاقات بين الجماعات والوظائف الاجتماعية للصور النمطية كيف أنه حاول وضع هذه الأفكار موضع التنفيذ. وقد ناقش أيضًا الطابع المعياري الاجتماعي للسلوك الاجتماعي، وعلاقته بالقواعد والمعايير والقيم التي تم إنشاؤها اجتماعيًا، كحجة أساسية ضد الاختزال في النظرية النفسية البيولوجية أوماقبل الاجتماعية. إن فكرته الجوهرية هي أن السلوك البشري تحكمه القواعد بشكل أساس. يسعى الناس إلى التصرف بشكل متناسب مع الظروف (وتقييم أنفسهم بشكل إيجابي) والأعراف والقيم الاجتماعية لجماعتهم والمجتمع الأوسع. تُستمد هذه المعايير والقيم من النظم الاجتماعية والأيديولوجية. وبالتالي لا يعتمد السلوك الاجتماعي على "حسابات المنفعة الذاتية... وعلى أساس عدد قليل من الدوافع البشرية العامة"،[6] كما تفترض العديد من النظريات النفسية الإجتماعية.

يذكرنا تيرنر بأهمية مراجعة وقراءة "النظريات في سياقها" وأخذ نشأتها في الاعتبار. كان أحد أهداف  تاجفيل في ذلك الوقت هو إنشاء علم نفس اجتماعي يكون "اجتماعيًا" حقًا وقادرًا على معالجة المشكلات الاجتماعية الخطيرة. كانت فكرته القائلة بأن العمليات الأدراكية العادية للتصنيف الاجتماعي تكمن وراء التحيز والعداء الجماعي تتعارض مع الآراء السائدة في ذلك الوقت. لقد رفض رؤية الكراهية الجماعية والتحيز على أنهما ينبعان حصريًا من غرائز إنسانية أو إحباطات أو سمات شخصية كما فعل فرويد وأدورنو من قبله. وبهذا، حوّل التركيز إلى "الوضع العادي الطبيعي" للعنف الجماعي. و يتماشى هذاكثيرًا مع النتائج التي توصل إليها بعض الباحثين[7] الآخرين، حيث يوضح تاجفيل أنه ليس السيكوباتيين والمتخلفين، ولكن البشر العاديين إلى حد كبير ينتهي بهم الأمر​​، من خلال سلسلة من الديناميات التصعيدية،  الى تعزيز الكراهيات ودعم أو ارتكاب العنف ضد ما يعتبرونه الجماعة الأخرى الخارجية بالنسبة لجماعتهم. وبالتالي ، فقد ساهم بشكل مهم في النقاش  حول دور المتفرجين  الصامتين في أوقات الحرب. لا يبطل، هذا بالطبع، بأي حال الانتقادات اللاحقة لـنظرية الهوية الاجتماعية بوصفها ليست اجتماعية (أو بالأحرى سياسية) بما فيه الكفاية. أكد تاجفيل على محدودية علم النفس الاجتماعي في إحدى كتاباته اللاحقة، فيما يتعلق بالجماعات والفئات الاجتماعية ، بالقول إنه " أنه من السخف التأكيد على  الموضوعية (من حيث المال ومستويات المعيشة واستهلاك السلع والخدمات) ليست أهم محدد لـلنزاعات. لا يمكن لأشكال التحليل الاجتماعي النفسي "أن تحل محل التحليل الاقتصادي والاجتماعي، ولكن يجب استخدامها لتكميله".[8]

كيف ولماذا لا يتوقفون؟

يمكننا القول، ومن خلال قراءة نظرية الهوية الاجتماعية بطريقة معاكسة، أن الكراهيات ومن ثم العنف بين الجماعات ينتهي عندما يدرك الأفراد أن احتياجات هويتهم الاجتماعية قد تم تلبيتها. أي عندما يُنظر إلى الاختلافات في المكانة على أنها شرعية ومستقرة، ويتم تلبية احتياجات الناس للإدماج والتمايز الآمنين. يقر الباحثون على نطاق واسع أنه بمجرد ظهور العنف الجماعي وقتل الناس بسبب هويتهم، فإن الديناميكيات التصعيدية ستؤدي إلى تكثيف الانقسامات بينهم، ونحو المزيد من الكراهيات. من الواضح يعطل هذا بشدة أي فرص لاستعادة الهوية الآمنة. ومن غير المرجح أن ينتج عن الكراهيات و الصراع العنيف بين الجماعات توازن جماعي جديد ومستقر، على الأقل ليس على المدى القصير أو المتوسط. ومع ذلك، إذا أردنا استخلاص دروس من مناهج الهوية الاجتماعية في مجال حل الصراع، فإن مركزية الحاجة النفسية هذه (لإعادة) تأسيس هويات جماعية آمنة وشرعية ومستقرة هي التي تبدو أكثر بروزًا. وعلى الرغم من أن هذا النهج لا يزود محلل  الكراهيات والصراع بمجموعات أدوات حول كيفية تحقيق ذلك، إلا أن بروير تحذرنا من الوقوع في فخ واحد على الأقل: استراتيجية الأهداف المشتركة.

قبل أن نتطرق إلى استنتاجاتنا النهائية، سننظر بإيجاز في الآثار المترتبة على حل النزاع لنظريتها التميز الأمثل.

يزداد التماسك داخل الجماعة في مواجهة التهديدات أو التحديات المشتركة. هذه هي النتيجة التي بنيت عليها جميع  تدابير "بناء الجماعة" و"إدارة الموارد البشرية": فمعًا يحقق الجميع المزيد. الوصول الى هذه النتيجة العامة هو حصيلة الاعتقاد بأن وجود أهداف أو تهديدات مشتركة يمكن أن يوفر أيضًا الظروف لجمع الجماعات المختلفة معًا، وبالتالي دعم التعاون وتقليل الصراع. ينعكس هذا الاعتقاد في خطاب السياسيين لـ "الشعب" عندما يواجهون تهديدات خارجية حقيقية أو خيالية. إن العبارات التي تتحدث عن "صف متماسك" و"ترك خلافاتنا وراءنا" معروفة لنا جيدًا. تُستخدم هذه اللغة أيضًا في المناقشات حول بناء السلام والمصالحة: كيف يمكن "إصلاح" علاقات الجماعة العدائية في بيئة ما بعد الصراع من خلال أحضار الأهداف والمشاريع وحتى الهويات الشاملة. لكن تجادل برور،[9] بخصوص التعاون بين الجماعات خلاف هذا تمامًا. فتدعي أن توقع الترابط والاعتماد المتبادل الإيجابي (العمل التعاوني المشترك) مع جماعة خارجية يعزز  الصراع والعداء بين الجماعات بدلاً من أن يقلله. السبب الرئيس لذلك هو الاختلاف الأساس بين ديناميات الاعتماد المتبادل  داخل الجماعات وفيما بينها. إن إشراك الإحساس بالثقة اللازمة للعمل الجماعي التعاوني في السياق الداخلي للجماعة أمر سهل نسبيًا. لكن الترابط المتصور والحاجة إلى التفاعل التعاوني بين الجماعات يجعل غياب الثقة جليًا بشكل مؤلم. إن هذا الإحساس بالثقة المتبادلة وغير الشخصية القائمة على الهوية المشتركة هو بالضبط الشرط الضروري للعمل المشترك. "بدون آليًة الثقة غير الشخصية القائمة على الهوية المشتركة، يلوح خطر استغلال التعاون بشكل كبير ويهيمن انعدام الثقة على اساس الحكم".[10] إذن إنه من غير المجدي، محاولة تقليل الصراع من خلال جلب أهداف أو تهديدات جدية وعالية من منظور نظرية التميز الأمثل؛ لأن  سوف لا يؤدي ذلك الأً إلى دفع خوف الناس من فقدان الاندماج والتمايز الآمنين، وينتج المزيد من الكراهيات والنزاع.

ربما يكون لهذا النهج مساهمة أكثر تفاؤلاً عندما يتعلق الأمر بمنع الصراع بين الجماعات. تتمثل الإستراتيجية الأولى الممكنة، التي قدمها هوغ وادلمان، في وضع أحكام لترجمة حالة عدم اليقين التي تعتبر "تهديدًا مخيفًا" إلى حالة يُنظر إليها بشكل أكثر إيجابية على أنها "تحدٍ: و"آلية رئيسة لجعل الناس يعتقدون أن لديهم الأمكانية اللازمة للتخلص من مشاعر عدم اليقين.[11] الحاجز الثاني ضد الكراهيات والتطرف والصراع العنيف هو أن يكون للناس هوية اجتماعية غنية ومعقدة. تبدو المجتمعات المجزأة وفقًا لتصنيفات قوية وأوليًة مثل الدين أو العرق، عرضة لديناميكيات التحيز والمحاباة والمحسوبية داخل الجماعة والعداء خارجها. يؤدي مثل هذا التقسيم خاصة إذا كان ثنائيًا (تقسيم المجتمع إلى  جماعتين) إلى المقارنة الاجتماعية وتصورات للمصالح المتضاربة أو غير المتوافقة، وبالتالي الكراهيات والصراع. ولكن قد يكون العكس صحيحًا أيضًا. فقد تكشف المجتمعات الأكثر تعقيدًا وتمايزًا عن أبعاد متعددة  في قدرتها على الصمود أمام الكراهيات والصراع. يعزز "التعقيد البنيوي الاجتماعي'' المرتفع تمييز الفئات الشاملة ويسمح للأفراد بأن يكونوا جزءًا من العديد من الجماعات الداخلية والخارجية الشاملة. يمكن للمرء، على سبيل المثال، المشاركة في العاب رياضية مع لاعبين من خلفيات عرقية مختلفة، والذهاب الى الجامع للصلاة مع أشخاص ذوي وظائف ومستويات دخل متنوعة، والعثور على زملاء في العمل من ديانات ومناطق مختلفة، وهكذا. تجعل مثل هذه العضويات الشاملة الفرد أقل اعتمادًا على جماعة واحدة لإشباع احتياجاته النفسية وأقل عرضة للاستقطاب. بالعودة إلى فرويد، ربما يجعلنا هذا التعقيد أقل استعدادًا لدفع "الثمن النفسي للانتماء الجماعي"، وأقل امتثالًا.

استنتاج

تساعدنا العمليات الأدراكية  التي تدخل في صميم مناهج الهوية الاجتماعية على الإجابة عن السؤال حول سبب تعارض الناس العاديين مع بعضهم البعض. يمنحنا هذا النهج نظرة ثاقبةعلى: لماذا وكيف يمكن أن تؤدي ارتباطات أفراد الجماعات إلى ديناميكيات تصعيدية في بعض الأحيان تجعل أعضاء الجماعة يقبلون ويدعمون العنف ضد "الآخر". ويخبرنا أنه بدون هذه النظرة لهذه العمليات الاجتماعية والنفسية، فإن أي تحليل لصراع  الجماعات العنيف يكون غير مكتمل. لا يمكن تجاهل دور الاستغلال الاقتصادي أو الأساطير الإثنية الرمزية، ولكن من غير المرجح أن يتطور الصراع العنيف بدون دعم الناس العاديين، الذين يتصرفون بناءً على سلسلة من الضرورات أو الالزامات الأدراكية العميقة الجذور.

تفسر مناهج الهوية الاجتماعية السلوك البشري، على عكس الفهم الثقافي للجماهير بوصفها تقبل وتستوعب النماذج ثقافية بشكل سلبي، بما في ذلك فئات الانتماء العرقي والأساطير السلبية الضارة، أي عدوان خارج الجماعة، على أنه نابع من العمليات الأدراكية التي تدعمها حاجة الفرد إلى حياة الجماعة والمعيشة الجماعية والتمايز والاندماج. فبينما يضع الأول مصدر الفعل البشري على مستوى البنية المعيارية للمجتمع، فإن الأخير يضعه على مستوى الفرد. لذلك، كما ذكرنا، من الناحية الأنطولوجية  يتخذ النهج موقفًا فرديًا.

تختلف مناهج الهوية الاجتماعية عن نظريات النخبة في العنف، مثل الذرائعية البنائية. إن إحدى النتائج المهمة التي يكشف عنها النهج الذرائعي هي انه يتم بناء الحرب وبناء وهويات الجماعة المعادية التي تشن الحرب باسمها. فتصنع الحروب، وبسبب ذلك، يمكن أيضًا أن يتم تفكيكها، مما يعني أن الحرب ليست حتمية أو حالة طبيعية بأي حال من الأحوال. العالم الاجتماعي هو ما يصنعه الناس، ومن خلال دراسة الطرق المحددة لـ "صنع العالم" من الداخل فقط يمكننا فهم الفعل البشري (بما في ذلك العمل العنيف).

نحن كدارسين للكراهيات والصراع العنيف علينا أن نبحث من هذا الموقف التفسيري  عن معنى الفعل. وبما أن الأفعال تستمد معناها من الأفكار المشتركة وقواعد الحياة الاجتماعية فقط، فنحن بحاجة إلى رؤيتها من الداخل: من خلال فهم الفاعلين. وهذا ما يسمى "الفهم المزدوج": لعمل فهم الفهم.[12] يمكن للباحثين فهم أفعال مجموعة معينة من الناس من خلال دراسة الطريقة التي تنتج بها معاني محددة فقط. وعلى العكس من ذلك، فإن نظرية الهوية الاجتماعية، على الرغم من الادعاءات القائلة بأن العلاقة بين الهوية الاجتماعية والعنف بين الجماعات هي علاقة شرطية، أيً عرضية وليست حتمية، أنها مبنية على افتراض أن مصادر العنف الجماعي تقع اساساعلى مستوى يلزم من أدراكات الأفراد. يُظهر هذا التركيز على الصراع باعتباره ناتجًا عن "قوانين '' نفسية يمكن التنبؤ بها إلى حد ما، والتي يمكن اكتشافها من خلال دراسة التماثلات في سلوك ومواقف أعضاء الجماعات.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

......................................

[1] Hogg, M.A. (2006) 'Social Identity Theory' in: P. J. Burke (Ed.) Contemporary Social Psychological Theories,

[2] Hogg, M. A. and C. McGarty (1990) 'Self-Categorization and Social Identity' in: D. Abrams and

M.A. Hogg (Eds.) Social Identify Theory: Constructive and Critical Advances, London: Harvester Wheatsheaf.

24.

[3] حول هذه المقاربات  في مناهج العلوم الانسانية المعاصرة أنظر، دكتور الربيعي، علي رسول :

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=927942&catid=288&Itemid=601

[4] Horowitz, Donald (I 985) Ethnic Groups in Conflict, Berkeley: University of California Press,140.

[5] Condor, Susan (1982) 'Social Stereotypes and Social Identity' in: D. Abrams and M.A. Hogg (Eds.)

Social Identity Theory: Constructive and Critical Advances, London: Harvester Wheatsheaf.

Jabri, Vivienne (1996) Discourses on Viale: Conflict Analysis Reconsidered, Manchester and New York: Manchester University Press.

Simmons, Solon (2013) 'From Human Needs to the Imagination: The Promise of Post-Burtonian Conflict Resolution' in: K. Avruch and C. Mitchell (Eds.) Conflict Resolution and Human Needs: Linking theory and practice, Abingdon and New York: Routledge.

[6] Tajfel,1981, Human Groups and Social Categories,36.

[7]Sherif, M., 0. J. Harvey, B. J. White, W.R. Hood and C. W. Sheriff(l961) Intergroup Conflict and Cooperation: The Robbers Cave Experiment, Norman.

Milgram, Stanley (1963) 'Behavioural Study of Obedience', Journal of Abnormal and Social Psychology, 67 (4): 371-8.

حنة أرنديت،  ايخمان في القدس، تر، نادرة السنوسي، ابن النديم للنشر والتوزيع ودار الروافد الثقافية -ناشرون، بيروت، 2014.

[8] Tajfel, Henri (1981) Human Groups and Social Categories, Cambridge, 223.

[9]  Brewer, Marilynn. (2001) 'intergroup Identification and Intergroup Conflict: When does intergroup Love become Outgroup Hate?'

[10] Brewer, Marilynn. (2001) 'intergroup Identification and Intergroup Conflict: When does intergroup Love become Outgroup Hate?'33.

[11] Hogg, M.A. and Adelman, J. (2013) 'Uncertainty-identity Theory: Extreme Groups, Radical Behavior, and Authoritarian Leadership',450.

[12] Hollis, Martin (1994) The Philosophy of Social Science: An introduction, Cambridge: Cambridge University Press146.

 

 

علي رسول الربيعيهذه دراسة بحثية عن الكراهية جاءت نتيجة حوار أجراه معنا الأستاذ الدكتور نابي بوعلي، لكن ليس بالمعنى التقليدي سؤال وجوابه مباشرة؛ فقد ارتأينا ان تكون أجوبة كدراسة موسعة تتناول قضية تُعد مركبة أنتظاماتها ومعقدة في ابعادها تتضمن قراءة لأهم المصادر الاساس واقتراح راهنة منها لهذا الحقل المعروف. وهي معمقة لأن تحتوي مراجعة تحليلية- نقدية لنظريات بارزة في هذا الحقل، تنطلق من رؤية وأطار نظري محدد.

من المنافسة إلى العدوان

ترى نظرية الهوية الاجتماعية أنه على الرغم من عدم المساواة الاقتصادية، أو المظالم، أو الحرمان من الموارد أو أي تعارض أخر لمصالح الجماعة سيعزز بلا شك فهمنا للتوترات بين الجماعات، إلا أنها لا تستطيع تفسير الخطوة المؤدية الى الكراهية والصراع العلني بشكل كاف. سيحدث عداء الجماعة والعدوان فقط عندما تبدأ الجماعة التابعة في النظر إلى الجماعة المهيمنة باعتبارها ذات صلة لأغراض المقارنة الاجتماعية وتبدأ في تطوير علاقة معها. وبعبارة أخرى، غير مرجح الصراع في غياب منافسة الهوية بين الجماعات.[1] ومع ذلك ، ليس الأنتقال من المنافسة إلى العدوان تلقائي. عندما ينتج عن المقارنة تقييم سلبي للجماعة، يستجيب أعضاء الجماعة لهذا الانزعاج أو الأكراه النفسي بطرق مختلفة، تتراوح من الاستيعاب إلى العنف. علينا من أجل شرح هذا بشكل متماسك، أن نجلب عنصرًا آخر لنظرية الهوية الاجتماعية: مفهوم بنى المعتقدات.[2] قد ينخرط الناس في استراتيجيات متنوعة لتعزيز احترام الذات. سيعتمد اختيار الإستراتيجية على تصورات العلاقة بين الجماعة ذاتها والجماعات الأخرى. قد يُنظر إلى الحدود بين الجماعات على أنها قابلة للاختراق أو غير منفذة، وحالة الاختلافات شرعية أو غير شرعية، وطبيعة هذه الاختلافات مستقرة أو غير مستقرة. عندما يُنظر إلى حالة اختلافات على أنها شرعية ومستقرة، فإنه يمكن أن يكون الأختلافات بين الجماعات آمنة. أما اذا كانت حدود الجماعة قابلة للاختراق، وإذا اعتقد أعضاء الجماعة أنه يمكن تحسين وضعهم فيما يتعلق بالجماعات "المهيمنة"، فسيحاولون أن يصبحوا جزءًا من تلك الجماعات ويتركون جماعتهم "ذات الوضع الأدنى". يتصرف الأفراد، في هذه الحالة، وفقًا لبنية معتقد الحراك الاجتماعي. ومع ذلك، ليس الخروج من الجماعة ممكنًا دائمًا. هذا هو الحال، على سبيل المثال، عندما تكون الهوية الاجتماعية مبنية على بنى اجتماعية ثابتة (مثل، لون البشرة أو الجنس) أو، بالنسبة للكثيرين، عندما تنطوي على قناعات دينية محسوسة أو ارتباطات عرقية ملموسة. يعتبر الأعضاء، في حالة الحدود غير المنفذة هذه، أنه لايمكن تحسين هويتهم الاجتماعية إلا من خلال تغيير العلاقة بين داخل الجماعة وخارجها ككل: هذا إذن هو بنية معتقدات التغيير الاجتماعي. لذلك ، إذا شعر الناس بأنهم محبوسون في جماعتهم، فسوف يبحثون عن طرق جماعية لتعزيز تقديرهم لذاتهم. أحدها هو ما يسمى بـ "الانعكاس الرمزي" في مجال دراسات التابع، أي أن أعضاء الجماعة يحاولون إعادة صياغة السمات "السلبية" للجماعة إلى نقاط قوة "إيجابية".[3].من الأمثلة على ذلك الطرق التي تخلق بها العديد من جماعات أبعادًا جديدة للمقارنة مع الجماعات الأخرى، بحيث تقارن روحانيتهم ​​أو حكمتهم الأصيلة مع "جشع" و "حماقة" الجماعات الأخرى. من الواضح أن رد الفعل الآخر، الذي حدده تاجفيل، هو أكثر نشاطًا، أي "الانخراط في عمل اجتماعي من شأنه أن يؤدي إلى تغييرات مرغوبة في الحالة أوالموقف''.[4] إن أكثر أشكال الفعل الاجتماعي تطرفاً رداً على التقييم السلبي للجماعة هو العنف: يحاول أعضاء الجماعة استعادة قيمتهم الذاتية عن طريق تدمير الجماعة الاخرى أو إضعافها بشدة. ومرة أخرى، على الرغم من أن منافسة الهوية بين الجماعات لا تؤدي حتمًا إلى صراع جماعي، الأً أن تاجفيل وتيرنر يجادلان: بأنه من المعقول افتراض أنه، عندما يتم إحباط عمل الجماعة من أجل التميز الإيجابي، أو إعاقته، أو منعه بأي شكل من الأشكال بشكل فعال من قبل جماعة اخرى، سيعزز ذلك الكراهيات العلنية والصراع الصريح بين الجماعات.[5] والأهم من ذلك، يشير بحثهم إلى أن هذا قد يكون كذلك حتى في حالة عدم وجود مصالح جماعية مادية غير متوافقة.

بمجرد أن تثير منافسة الهوية بين الجماعات صراعًا معلنًا، فستكون الديناميكيات التصعيدية جليًة. ينظر الناس إلى الهجمات على أعضاء الجماعة أنها هجوم عليهم أنفسهم ويبدأون في التصرف وفقًا لذلك، مما يعزز عمليات إغلاق الجماعة و"التفكير الجماعي". "قد تفسر، هذه الديناميكية التصعيدية والتوحيد والتكثيف المستمران للهويات الفردية والجماعية التي تنتجها، جزئيًا الدرجة العالية من الاستعصاء الذي يبدو أنه يميز العديد من النزاعات".[6]

الشيء نفسه لكنه مختلف: نظرية بروير للتميز الأمثل

تدافع مارلين بروير، في عملها حول الصراع بين الجماعات، عن إعادة فحص دقيق للخطوات التي تؤدي الى الأنتقال من "الحب داخل الجماعة" إلى "الكراهية خارج الجماعة". تتفق بروير مع نظرية الهوية الاجتماعية على أن العمليات الاجتماعية والنفسية للالتزام والولاء الجماعة هي التي تضع الأساس للنزاع بين الجماعات وليس التنافس على الموارد، أو أي تعارض آخر واقعي أو مادي أو موضوعي. ومع ذلك، لديها وجهة نظر مختلفة حول كيفية تصعيد عمليات تشكيل الجماعة هذه إلى عدوان خارج الجماعة. تدعي بروير أن هناك عددًا من الخطوات التي يجب اتخاذها قبل أن يتحول التصنيف الاجتماعي والمنافسة الجماعية إلى كراهية وعداء. تركز على دور العواطف في السياقات بين المجموعات لشرح خطوة العنف، ولا سيما مزيج مشاعر الازدراء والغضب.

تبدأ بريور تحليلها بالتشكيك في التفسير الذي قدمه تاجفيل[7] وتيرنر[8] بأن لدى الأفراد دوافع لتصنيف أنفسهم، والأهم من ذلك، لتعريف أنفسهم كأعضاء في جماعة من أجل تعزيز احترام الذات. بعبارة أخرى، تنتقد فكرة أن عضوية الجماعة هي نتيجة البحث عن احترام الذات. تجادل بروير بأن البحث عن الوظيفة أو الدور السببي لتقدير أو احترام الذات في تحديد الهوية الاجتماعية غير مقنع تمامًا. ليس تقييم الجماعة إيجابيًا دائمًا، وغالبًا ما ينطوي التماثل مع الجماعة على استيعاب حالات فشل هذه الجماعة ونجاحاتها. هناك سبب وجيه للاعتقاد بأن العلاقة السببية تعمل في الاتجاه المعاكس، أي يؤدي ارتباط الذات بالجماعة إلى تقييم إيجابي للجماعة، وليس العكس. لذلك، إذا كان تحديد الهوية داخل الجماعة مستقلاً إلى حد كبير عن حالة الجماعة، فيجب أن تكون الدوافع الأخرى غير مبدأ احترام الذات متضمنة في سبب ربط الأفراد بمصير الجماعة. تقترح بروير "نظرية التميُز الأمثل" كبديل.[9] يكمن جوهر هذه النظرية في الاقرار بأن "حياة الجماعة" تمثل استراتيجية البقاء الأساسية التي تميز الجنس البشري. حجتها هي أن البشر تطوروا، ليس كأفراد معزولين أو حتى في عائلات، ولكن كأعضاء في جماعات مجتمع أكبر. كان على الناس أن يثقوا في الناس الآخرين من أجل أن يكونوا قادرين على التعاون والتعلم من بعضهم البعض. ولكن، إن مجرد الثقة بالآخرين قد يكون محفوفًا بالمخاطر بل وحتى خطيرًا. نتيجة لذلك، طور البشر استعدادًا للثقة في أعضاء الجماعة فقط. ونظرًا لأن البشر يتصرفون وفقًا لهذا الاتجاه العام، فإن هذا يؤدي إلى تكوين داخل الجماعة وخارج الجماعة. تجادل بروير، بناءً على هذا المنظور التطوري، والتشابه – الانقسام الفريد لمفهوم الهوية الهوية، بأن البشر لديهم دافعين اجتماعيين قويين: لديهم حاجة إلى الأندماج (يرضيهم الاستيعاب داخل الجماعة) و حاجة متعارضة الى التمايز أو للتفاضل (يتم استيفاءها من خلال التباين بين الجماعات). ومن ثم ، تجادل نظرية التميز الأمثل بأن التماثل الاجتماعي هو نتاج البحث عن الأندماج والتمايز، وليس نتيجة البحث عن احترام الذات.[10]

عندما يشعر الشخص بالعزلة أو الانفصال عن أي جماعة اجتماعية أكبر، يتم إثارة الدافع للإندماج؛ من ناحية أخرى، فإن الانغماس في جماعة كبيرة جدًا أو غير محددة ينشط البحث عن التمايز أوالتميًز. وتلبي الجماعات التي لديها حدود فئوية واضحة الحاجة إلى الاندماج (الاستيعاب داخل الجماعة) في الوقت نفسه الذي توفر فيه أساس لتلبية الحاجة إلى التمايز (التباين بين الجماعات) تصبح الجماعات التي تلبي هذه الشروط المتزامنة جزءًا لا يتجزأ من إحساس الفرد بذاته وأساسًا لمفهوم ذات آمنة ومستقرة.[11]

هناك مصدران أساسيان للتهديد المحتمل للهوية الاجتماعية للشخص من هذا المنظور. أولاً، فقدان الإحساس الآمن بالإندماج، وثانيًا، فقدان التميًز. ينبع التهديد الأول من مشاعر التهميش من داخل الجماعة. فقد يخشى الشخص، لمجموعة متنوعة من الأسباب، أنه "يُستبعد" من الجماعة المرغوبة ويعاني من فقدان الأمان المناسب. تتمثل الإستراتيجية الفعًالة لإعادة إرساء الإندماج الآمن في الأنتقاص من الجماعات الأخرى. يزداد التناقض بين الـ "نحن" و الـ "هم" من خلال التأكيد على دونية الآخرين .قد يؤدي هذا إلى تعزيز التشابه النسبي بين الذات والجماعة واستعادة الشعور بالاندماج. تؤكد بروير على دور العواطف في العلاقات الجماعية، وبالتالي تجادل بأن "التهديدات بالإدماج يُتوقع أن تزيد من مشاعر التفوق الأخلاقي، وعدم التسامح مع الاختلاف، وما يصاحب ذلك من مشاعر الازدراء والاشمئزاز تجاه الجماعات الأخرى.[12] لكن ليس الاحتقار والاشمئزاز كافيين لإنتاج كراهية تؤدي صراع عنيف. انهم قد يغذون التمييز السلبي ضد "الآخر"، ولكن بشكل عام ترتبط هذه الأنواع من مشاعر الكراهية بالتجنب بدلاً من الهجوم. قد تعيش الجماعات في حالة من الازدراء المتبادل دون خوض حرب أبدًا بسبب خلافاتها. ولكن قد يحدث وضع غير مستقر أكثر إذا نشأت مشاعر الخوف والغضب. تندلع هذه المشاعر بشكل عام عندما تكون الحاجة الاجتماعية الأساسية الثانية للإنسان في خطر: أيً الحاجة إلى تمايًز آمن. قد تؤدي هذه التغييرات إلى الخوف من الهجوم وإثارة مشاعر القلق والغضب، وبالتالي إلى أعمال عدوانية وعنف فعلي تجاه "الأخرين". فتطرح نظرية بروير أن: المشاعر المشتركة للازدراء (الناتجة عن التفوق الأخلاقي في خدمة الهوية الآمنة) والغضب (الناجم عن الخوف من الهجوم وفقدان التميًز) توفر المكونات الفعالة القوية التي تكفي لإشعال الكراهية والطرد وحتى التطهير العرقي.[13]

بالإضافة إلى ذلك ، تشيربروير إلى عدد من العوامل التصاعدية التي، على الرغم من أنها ليست أساسية، إلا أنها قد تؤدي إلى تفاقم الديناميكيات التي تؤدي إلى كراهية الجماعة الأخرى. وهي، على سبيل المثال، إثارة النخبة السياسية للعداء الجماعي، وثقافة الجماعة ومستوى التعقيد البنيوي الاجتماعي لمجتمع معين (أي مستوى العزل الاجتماعي أو التنوع، أيً الى مدى يشكل الناس جزءًا من مجموعة متنوعة من الفئات الاجتماعية). وتشدد على أن أي علاقة بين التمايًز داخل الجماعة والعداء خارج الجماعة ، اي للجماعات الأخرى هي " تدرجية وعرضية وليست ضرورية أو حتمية".[14] لكني ارى أن نظرية التميز الأمثل تعلق قدرًا معينًا على الطبيعية الحتمية في الفترة التي تسبق العمل العنيف بين الجماعات.

قبل أن نلقي نظرة على عدد من التأملات النقدية حول نظرية الهوية الاجتماعية ونظرية التميز الأمثل، سنناقش كيف ألهمت هذه الأطر المفاهيمية البحث في التطرف والراديكالية.

عدم اليقين والتطرف

كان هناك اهتمام متزايد بعلم النفس الاجتماعي في البحث والتنظير لحالة عدم اليقين فيما يتعلق بظاهرة التطرف والراديكالية. من الواضح أن مصطلح "التطرف" مثير للجدل ومسيّس للغاية: فما يعتبره البعض تطرفًا قد ينظر أخرون إليه بوصفه إجراء مشروع. بالإضافة إلى ذلك، حصل التطرف الاجتماعي أو السياسي عبر التاريخ والمجتمعات والأديان والعقائد والأيديولوجيات كثيرا.[15] إن أحداث العنف والطريقة التي لجأ فيها شباب مهاجرون إلى أعمال عنف ضد المدنيين في أماكن مثل مدريد (2004) ولندن (2005) وباريس (2015) أعطت زخمًا وإلحاحًا خاصين للبحث في مشكلة "التطرف" و "الإرهاب المحلي" "في أوروبا والولايات المتحدة وأستراليا.[16] لذا أصبح فهم سبب لجوء الناس إلى أشكال التطرف التي تظهر في صورة العنف والقسوة والتسبب المتعمد للمعاناة الإنسانية سؤالًا مهمًا في علم النفس الاجتماعي المعاصر. نظر الباحثون لبعض الوقت من خلال علم النفس المرضي لتفسير ظاهرة الإرهاب: فقد كان يُنظر إلى الإرهابيين بوصفهم أفراد منحرفون ومرضى. لكن أظهرت المقابلات مع إرهابيين سابقين واختباراتهم باستمرار عدم وجود اختلافات جوهرية بين الإرهابيين السابقين و"الأشخاص العاديين" من حيث علم الأمراض النفسية.[17] فتحول البحث إلى المتغيرات النفسية "العادية" التي قد تدفع الأفراد إلى أن يصبحوا عرضة لاعتماد أنظمة المعتقدات المتطرفة.[18] بناءً على نظرية الهوية الاجتماعية، يؤكد الإطار التحليلي لـ "نظرية هوية عدم اليقين"[19]على العلاقة بين عدم اليقين والتطرف. يلعب عدم اليقين دورًا محفزًا رئيسيًا في السلوك البشري. ليست هذه فكرة جديدة؛ فقد ناقش الفيلسوف جون ديوي في عام 1929، كيف "يعمل الناس ويشجعون في غياب اليقين الفعلي وفي خضم عالم محفوف بالمخاطر كل أنواع الأوضاع والأحوال التي من شأنها أن تمنحهم الشعور باليقين".[20] إن حاجتنا إلى اليقين- وفقًا لنظرية هوية عدم اليقين- في عالم بلا يقين بشكل جذري يمكن أن تكون قوية لدرجة أن الناس يتخذون "طرقًا معرفية مختزلة" وغير ضرورية للتخلص من عدم اليقين".[21] رأينا، في ما سبق، كيف يقلل الأفراد من مشاعر عدم اليقين من خلال الأنتماء الى جماعة. ومع ذلك، يسلط إطار هوية عدم اليقين الضوء على كيًف أن بعض الجماعات أكثر فاعليًة من غيرها في الحد من عدم اليقين؛ وهذا ما يسمونه تصور الجماعة ككيان واحد، متميزًا عن أعضائها الفرديين. وتُعرَّف هذه على أنها "خاصية للجماعة، التي تستند إلى حدود واضحة، وتجانس داخلي، وبنية داخلية جليًة،، وتفاعل اجتماعي، وأهداف مشتركة، ومصير مشترك، مما يجعل المجموعة من الأفراد " جماعية ".[22] تشير الأبحاث إلى أنه في ظل ارتفاع مستوى عدم اليقين، يفضل الناس التماهي مع الجماعات العالية القدرة بدلاً من الجماعات المنخفضة القدرة. قد تساعد هذه النتائج في تفسير الكراهيات والتطرف والتعصب. يمكن أن تجسد "أنظمة المعتقدات الأرثوذكسية والأيديولوجية وما يرتبط بها من رؤية للعالم، وممارسات طقسية، وتمركز عرقي عميق، وبنية هرمية، وقيادة مؤكدة" الاستحقاق إذا تم أخذها إلى أقصى الحدود.[23] تعتمد نظرية هوية عدم اليقين في تفسير لماذا ومتى تتبنى الجماعة مسارًا راديكاليًا- جذريًا لحماية أو تعزيز هويتها ورفاهية أعضائها،على نظرية الهوية الاجتماعية ونظرية التميز الأمثل (تسليط الضوء على التهديدات الخارجية والهيمنة). عموما لدى الناس شعور عميق بالحاجة إلى اليقين. إن دوافع تقليل عدم اليقين والقدرة المحدودة على المعالجة المعرفية في ظل ظروف عدم اليقين العميق يجعل الناس عرضة لتوظيف استراتيجيات"الإصلاح السريع"التي تقدمها الأيديولوجيات الطوائفية وأنظمة المعتقدات الأصولية والديماغوجيين الواعدين باليقين.

النقد: ميل للعداء الجماعي؟

الهدف من هذا النقاش والدراسة هو مراجعة مجموعة مختارة من تقاليد البحث البارزة للكراهيات والصراع العنيف من خلال تتبع الافتراضات الكامنة وراءها، ومواقفها الأنطولوجية واالابستيمولوجية (المعرفية)، وتحديد أوجه التشابه والتناقض فيما بينها.

لاحظت، عندما يتعلق الأمر بمناقشة نظريات الهوية الاجتماعية للكراهيات والصراع، وجود إغراء معين بين نقادهم لتصوير هذه النظريات على أنها داروينية اختزالية أو غير تاريخية أو غير سياسية أو داروينية اجتماعية. الأً أن الأساس هو تقييم النظرية من خلال قوتها التفسيرية الشاملة، فمن المهم أن ندرك أن المناهج النظرية المختلفة تدور حول معضلات مختلفة. بالإضافة إلى ذلك، يساهم تقييمنا من خلال تحديد ما تفعله النظرية، ولكن أيضًا ما لا تنوي تفسيره أو فهمه.

ترسم مقاربات الهوية الاجتماعية للصراع العنيف صورة قاتمة إلى حد ما عن الجماعة البشرية. على الرغم من أنه يتم التأكيد مرارًا وتكرارًا على أن العنف والكراهية بين الجماعات ليسا حتميين ولا ضروريين، الأً إنها يعني ضمنيًا أن الجماعات البشرية لديها نوع من الدوافع الداخلية الكامنة إلى العداء عندما تكون جماعة هوية. تخبرنا مناهج الهوية الاجتماعية، أن الحاجة الإنسانية إلى تمايز الهوية الاجتماعية هي التي تنتج ، ليس دائمًا ولكن في بعض الأحيان، ديناميكيات جماعية تصعيدية- من المقارنة إلى المنافسة - التي تقود الجماعات إلى كراهيات صراع عنيف. هذه الطبيعة هي التي ترسي مرة أخرى أساس نظرية التميز الأمثل. إذا كانت الحياة الجماعية هي استراتيجية البقاء الأساسية التي تميز الجنس البشري، فان ذلك يعتبر دافعًا منطقيًا للناس لصعود الغضب والكراهية إذا شعروا أنهم يتعرضون بسبب تماثلهم وتفردهم الى الهجوم. ليس من المستغرب أن يعترض النقاد على "حجة الطبيعة" لمقاربات الهوية الاجتماعية، لأن الآثار المترتبة على طريقة التنظير هذه مهمة. يبدو، من منظور نهج الهوية الاجتماعية، أن ظواهر مثل رهاب الأجانب والتحيز والتطرف تنبع أساسًا من مجموعة من الدوافع الطبيعية. ولكن ما هي قيمة هذه النتائج لتحليل الكراهيات والصراع العنيف الفعلي؟ بالتأكيد، أن العنف في العالم الحقيقي أكثر تعقيدًا من هذا؟ فلماذا ومتى تتفشى الكراهيات والصراع في هويات معينة ؟ كيف تهيمن بعض أشكال الهوية على الآخرين؟ لماذا ومتى "يدرك" الناس أنهم يتعرضون للتهديد أو الأعتداء؟ تندلع العديد من الكراهيات و الصراعات في المجتمعات ذات أختلافات فئوية شاملة. نشكل نحن جزءًا من العديد من الفئات والجماعات المختلفة (المهنية، السياسية، العرقية، الثقافية، الدينية، الإقليمية). كيف ومتى ولماذا تبدأ تشكيلات الجماعة أحادية الهوية؟ فعلى سبيل المثال، كيف تحولت الصداقة الى عداء بين ابناء مدينة او قرية واحدة وكانوا قد ذهبوا هم واولادهم الى المدرسة نفسها ولعبوا معا كرة القدم : كيف ولماذا بدأوا في نزع الطابع الشخصي عن جيرانهم على أسس طائفية أو عرقية؟ كيف أصبحت الهوية العرقية أو الطائفية في حقبة مابعد الأحتلال في العراق أو في حقبة ما بعد تيتو وما بعد الشيوعية متفشية جدًا بين الجماعات؟ وحتى لو قبلنا بأن ذلك ناجم عن انعدام الأمن في ما يخص الهوية، فكيف تتحول هذه المشاعر إلى كراهيات وصراع وحرب عنيفين؟

دعونا ننتقل إلى السؤال المهم ما الذي يكون أو يشكل الجماعة؟ كطريقة لتنظيم النقاش حول القوة التفسيرية لمقاربات الهوية الاجتماعية .

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...............................

[1] Tajfel, Henri and John Turner (1986) 'The Social Identity Theory of Intergroup Behaviour'.

[2] Tajfel, Henri, (1981) Human Groups and Social Categories

[3] ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك شعار "الأسود جميل" لحركة الحقوق المدنية الأمريكية الأفريقية.

[4] Tajfel, Henri, (1981) Human Groups and Social Categories, ,256.

[5] Tajfel, Henri and John Turner (1986) 'The Social Identity Theory of Intergroup Behaviour'.

[6] Seu I, Jeffrey R. (1999) "'Ours is the Way of God" : Religion, Identity, and lnter-Group Conflict',

Journal of Peace Research 36 (5): 553-69. 558.

[7] Tajfel, Henri (1978) Differentiation between Social Groups: Studies in the Social Psychology of Intergroup Relations, London: Academic Press.

[8] Turner, John (1975) 'Social Comparison and Social Identity: Some Prospects or Intergroup Behaviour', European Journal for Social Psychology 5 (I): 5-34.

[9] Brewer, Marilynn (1991) 'The Social Self: On Being the Same and Different at the Same Time', Personality and Social Psychology Bulletin 17 (2): 475 -82.

[10] Brewer, Marilynn (2001) 'intergroup Identification and Intergroup Conflict: When does intergroup Love become Outgroup Hate?'

[11] Brewer, Marilynn (2001) 'intergroup Identification and Intergroup Conflict: When does intergroup Love become Outgroup Hate?'22.

[12] Brewer, Marilynn (2001) 'intergroup Identification and Intergroup Conflict: When does intergroup Love become Outgroup Hate?32.

[13] Brewer, Marilynn (2001) 'intergroup Identification and Intergroup Conflict: When does intergroup Love become Outgroup Hate?33.

[14] Brewer, Marilynn (2001) 'intergroup Identification and Intergroup Conflict: When does intergroup Love become Outgroup Hate?35.

[15] Doosje, Bertjan, Annemarie Loseman and Kees van den Bos (2013) 'Determinants of Radicalization of Islamic Youth in the Netherlands: Personal Uncertainty, Perceived Injustice, and Perceived Group Threat', Journal of Social Studies 69 (3): 586-604.

Hogg, M.A. and Blaylock, D. L. (Eds.) (201l) Extremism and the Psychology of Uncertainly, Boston: Wiley-Blackwell.

Hogg, M. A., Arie Kruglanski and Kees van den Bos (Eds.) (2013) 'Uncertainty and the Roots of Extremism', Journal of Social issues 69 (3): 407-18.

Silber, M. D. and A. Bhatt (2007) Radicalization in /he West: The Homegrown Threat, New York:

New York Police Department.

[16] Roy, Olivier (2004) Globalized Islam: The Search for a New Ummah, London: C. Hurst & Co.

[17] Ruby, C. L. (2002) 'Are Terrorists Mentally Deranged?', Analysis of Social Issues and Public Policy 2 (I): 15-26.

Sageman, M. (2004) Understanding Terror Networks, Philadelphia: University of Pennsylvania Press.

SiIke, A. (2008) 'Holy Warriors: Exploring the Psychological Processes of Jihadi Radicalization',

European Journal of Criminology 5 (I): 99-123.

[18] أنظر على سبيل المثال:

Doosje, Bertjan, Annemarie Loseman and Kees van den Bos (2013) 'Determinants of Radicalization of Islamic Youth in the Netherlands: Personal Uncertainty, Perceived Injustice, and Perceived Group Threat',

[19] Hogg (2012) 'Uncertainty-identity, 62-80.

[20] في:

Hogg, M. A., Arie Kruglanski and Kees van den Bos (Eds.) (2013) 'Uncertainty and the Roots of Extremism', Journal of Social issues 69 (3): 407-18.410.

[21] Hogg, M. A., Arie Kruglanski and Kees van den Bos (Eds.) (2013) 'Uncertainty and the Roots of Extremism'412.

[22] Hogg, M.A. and Adelman, J. (2013) 'Uncertainty-identity Theory: Extreme Groups, Radical Behaviour, and Authoritarian Leadership', Journal of Social Issues 69 (3): 436-54, 439-40).

[23] مصدر نفسه، 440

 

علي رسول الربيعيهذه دراسة بحثية عن الكراهية جاءت نتيجة حوار أجراه معنا الأستاذ الدكتور نابي بوعلي، لكن ليس حوار بالمعنى التقليدي سؤال وجوابه مباشرة؛ فقد ارتاينا ان تكون أجوبة كدراسة موسعة تتناول قضية تُعد مركبة أنتظاماتها ومعقدة في ابعادها تتضمن قراءة لأهم المصادر الاساس واقتراح راهنة منها لهذا الحقل المعرف. وهي معمقة لأن تحتوي مراجعة تحليلية- نقدية لنظريات بارزة في هذا الحقل، تنطلق من رؤية وأطار نظري محدد.

يدور اهتمامنا هنا حول قضية الكراهيات المتصاعدة التي تؤدي الى صراعات وعنف، ومجال الدراسات[1] التي تتناول هذه الظواهر من خلال مجموعة من الأسئلة المقلقة إلى حد ما حول ما يستطيع البشر العاديون القيام به في هكذا أوضاع وظروف. لقد بلورالأستاذ الدكتور نابي بوعلي مجموعة من الاسئلة بهذا الخصوص وطرحها علينا وهي:

- ما التحديات التي يطرحها خطاب الكراهية، على الأمن الثقافي والمجتمعي واستقرار المجتمعات.

- لماذا الناس على استعداد للموت من أجل الجماعة الدينية/ الطائفة أو العرقية ؟

- ما الذي يدفع الناس إلى محاربة جيرانهم أو أعضاء مدينتهم أو معارفهم باسم العرق والهوية الدينية؟"لماذا يتحول الجيران إلى أعداء؟

- ما الذي يحصل للناس العاديين ما يجعلهم يرتكبون الفظائع أوحتى يدعمونها ضد الأشخاص الذين عاشوا معهم بسلام على مدى عقود؟

- هل من السهل تفكيك خطاب الكراهية والوقوف على جذور المشكلة؟

- كيف ولماذا تلجأ جماعة ما إلى الكراهيات والعنف؟

يبدو من وجهة نظر تحليلية والمستوى الأساس للمعرفة العمليًة والحكم الذي نحتاج إليه جميعًا لمساعدتنا على العيش بطريقة معقولة وآمنة أن فهم علم النفس الاجتماعي لهذه المشكلة أمر بالغ الأهمية. هناك تفسيرات ذرائعية تركز على صانعي الكراهيات والصراع والعنف الجماعي بحسابات الدم البارد من أجل الكسب والسلطة. وهناك القوة العاطفية للانتماء الجماعي كأساس للكراهية للصراع العنيف.

سنركز على القوة العاطفية لارتباطات الجماعة، وكراهية الجماعات الأخرى أو الكراهية خارج الجماعة باعتبارها تحفيزًا للصراع العنيف، من خلال عدسة مقاربات[2] الهوية الاجتماعية. على الرغم من أن تحليلات مكائد النخبة ومصالح السلطة والحرمان من الموارد المهمة بلا شك لفهم حصول الكراهيات وصراعاتها، إلا أنها لا تمثل القصة بأكملها. ما نناقش هنا هو أن الكراهيات والصراع العنيف ليس من المرجح أن يحدث في غياب عمليًة تصعيدية لديناميكيات جماعات الهوية. تتناول هذه الدراسة مجموعة منتقاة من مناهج الهوية الاجتماعية التي تبحث في العلاقة بين تكوين الجماعة وكراهية الجماعة الأخرى الخارجية والعداء والعنف ازاءها. الافتراض الكامن وراء مقاربة أو نهج الهوية الاجتماعية هو أن الكراهيات الجماعية مرتبط بطبيعتها بمجموعة من الاحتياجات البشرية الأساسية إلى حد ما، مما يعني أن الكراهيات بين الجماعات قد تنتج عن آليًات اجتماعية لا مفر منها تقريبًا.

هل من السهل تفكيك خطاب الكراهية والوقوف على جذور المشكلة؟

نحن وهم: التصنيف الاجتماعي وعواقبه

يكمن في النظريات الاجتماعية والنفسية للكراهيات والصراع الجماعي عدد من الافتراضات: لدى الناس حاجة عامة وأساسية للتصنيف، وحاجة للأنتماء وحاجة إلى إحساس آمن للنفس: هذا غالبًا ما يشار إليه باسم "الدافع للهوية".

نحتاج جميعًا إلى تكوين أوصاف للعالم كطريقة لمحاولة اكتشاف ما يجري. فهناك حاجة عند الإنسان لفرض النظام على العالم من خلال العمليًات العقلية. ونشكل، على هذا النحو، فئات من الوصف: لكل من بيئتنا المادية والاجتماعية. نصنف الناس أيضًا عن طريق نماذج أولية معينة مثل: "طفل"، "بالغ"، "ذكر"، "أنثى". لا يمكن التعبير عن التصنيفات التي نلتزم بها بسهولة، في كثير من الأحيان ، لأنها عادة ما تكون غير واعية. ينظر علم النفس الاجتماعي، إلى هذا الميل لتصنيف العالم الاجتماعي بوصفه عملية معرفية تدعمها حاجة طبيعية للنظام والتبسيط. وفقًا لتاجفل:

تنشأ القوالب النمطية من خلال عمليات التصنيف. فهي تقدم البساطة والترتيب حيث يوجد تعقيد وتنوع شبه عشوائي. إنها يمكن أن تساعدنا في التأقلم فقط إذا تم نقل الاختلافات الغامضة بين الجماعات إلى اختلافات واضحة، أو اختلافات جديدة حيث لا توجد اختلافات.[3]

لكن ليس التصنيفات للفئات الاجتماعية مجرد مفاهيم معرفية تساعد الأفراد على فهم عالمهم الاجتماعي. أنها تقيميًة وعاطفية أيضًا.[4] فبمجرد أن يتحد الناس كجماعة، تصبح هذه الجماعة أساس التفكير والشعور والتمثيل.[5] يعني "تصنيف الذات/ النفس كعضو في في جماعة استيعاب واستغراق الذات في النموذج الأولي لفئة الجماعة وتعزيز التشابه مع أعضاءها الآخرين".[6] تضع عملية التصنيف هذه الأساس للتمايز الاجتماعي. يهتم علماء النفس الاجتماعي الذين يعملون في تقليد مناهج الهوية الاجتماعية بعواقب التصنيف الاجتماعي. لقد تطورت مناهج الهوية الاجتماعية منذ الثمانينيات، إلى منظور نظري أثر على طريقة فهم الذات الجماعية وسير العمليات المشتركة بين الجماعات.[7] ركزت التجارب البحثي، على قضايا مثل الكتابة، والتحيز والتمييز، والتصور الذاتي، والحد من عدم اليقين، والتصنيف المتعدد والتنوع.[8]

سنناقش هنا مجموعة محددة من مناهج الهوية الاجتماعية التي تتعامل مع الكراهيات والصراع العنيف بين الجماعات فقط. إن حاجتنا البشرية للتصنيف الاجتماعي، جنبًا إلى جنب مع القيمة والأهمية العاطفية المرتبطة بعضوية أي جماعة، أمر بالغ الأهمية لشرح الكراهيات والعنف بين الجماعات. تجادل المقاربة او النهج الأول، الذي يجد قاعدته في نظرية الهوية الاجتماعية، بأن الأشخاص يتماهون مع الجماعات كوسيلة للشعور بالرضا عن أنفسهم، وهو ما يعرف بـ ("مبدأ الإيجابية الداخلية"). تصبح الكراهيات والعنف الجماعي محتملًا إذا شعر أعضاء الجماعة أنه لا يمكنهم تحقيق هذه الإيجابية إلا من خلال إهانة الجماعة الأخرى اوالخارجية بالنسبة لهم. تجادل، المقاربة الثانية، نظرية بروير للتميز الأمثل، بأن ، إذا تعرضت حاجتنا إلى هوية آمنة للخطر، قد تسبب الكراهية والاشمئزاز تجاه "الآخر"، والاستعداد لاستخدام العنف. سنناقش هاتين النظريتين هنا.

نظرية الهوية الاجتماعية

على الرغم من أن نظرية الهوية الاجتماعية معروفة بشكل كبير، إلا أن أهوال الحرب العالمية الثانية هي التي ألهمت "الأب المؤسس" هنري تاجفيل (1919-1982) لتطوير منهجيته النفسية- الاجتماعية للكراهيات والصراع بين الجماعات. شكلت تجارب تاجفيل بصفته يهوديًا بولنديًا في أوروبا أثناء صعود النازيين، (الحرب العالمية الثانية)، والمحرقة، وإعادة توطين الأوربيين النازحين بعد الحرب اهتمامه بالتحيز والتمايًز واالكراهيات والصراع بين الجماعات. رفض تاجفل ما أسماه "نموذج الدم والشجاعة" للعلاقات بين الجماعات التي هيمنت على علم النفس الاجتماعي في حقبة ما بعد الحرب العالمية بتركيزها على الغريزة (علم الأحياء) واللاوعي (التحليل النفسي) باعتبارهما من الدوافع المهمة للعلاقات الاجتماعية بين الجماعات. كانت حجته الرئيسة هي: لا يمكن اختزال الظواهر الجماعية مثل الكراهيات والعنف في دوافع الفرد أو غرائزه أو سماته الشخصية، ولكن يجب فهمها بوصفها ناتجة عن عضوية الفرد في جماعة. فلا يمكن فهم العلاقات بين الجماعات بشكل صحيح دون مساعدة من جوانبها الأدراكية (المعرفية). يعتقد تاجفيل، مثل آخرين، أن القوى الاجتماعية هي التي تشكل الفعل الفردي.[9] وأن التحدي الذي يواجه علم النفس الاجتماعي هو تنظير كيفية حدوث ذلك.[10] تكمن، في نظرية الهوية الاجتماعية، فكرة أن الأفراد يسعون إلى تقليل حالة عدم اليقين وتحقيق شعور إيجابي وآمن للذات من خلال مشاركتهم وانتماءهم للجماعة. ينتج عن هذه النزعة البشرية تكوين جماعات داخلية وخارجية. إن دراسة الكراهيات والعنف بين الجماعات هي الطريقة التي تسلط بها نظرية الهوية الاجتماعية الضوء على كيفية قيام التصنيف الاجتماعي بديناميات تصعيدية حركية للمقارنة الجماعة، والمنافسة الجماعية، وفي النهاية، العداء الجماعي. ليست فكرة وجود علاقة بين تكوين الجماعة والكراهيات والعنف بين الجماعات جديدة. فقد قدم الدارويني الاجتماعي ويليام جراهام سُمنر مصطلح "المركزية العرقية" وصفًا لها أذ يرى:

ينشأ التمايز داخل الجماعة أومقابل الجماعة الأخرى. ويرتبط الأشخاص المنتمون الى الجماعة نفسها بالسلام والنظام والقانون وحكوم بعضهم البعض. وأن علاقتهم بالغرباء، أو الجماعات الأخرى، هي علاقة عداء وربما حرب، إلا بقدر ما قامت الاتفاقيات بينهما بتعديلها. إن علاقة الرفقة والسلام بين اعضاء الجماعة وعلاقة العداء والحرب تجاه الجماعات الأخرى متلازمان مع بعضها البعض. إن المركزية العرقية [والطائفية] هي الأسم المعبر عن وجهة النظر هذه للأشياء والتي تكون فيها جماعة الفرد هي مركز كل شيء، حيث يتم تحجيم كل الآخرين وتصنيفهم بالرجوع إليها. كل جماعة تغذي كبريائها وغرورها، وتتباهى بتفوقها، وتمجد آلهتها، وتنظر بازدراء إلى الغرباء.[11]

شكلت هذه النظرة حول ميل البشر إلى "الانقسام والمقارنة '' الأساس لـ نظرية الهوية الاجتماعية. لا تزال تعتبر عناصر سمنر الأربعة عن المركزية العرقية العمود الفقري للعديد من النظريات التي تعالج الكراهيات والصراع العنيف بين الجماعات. يمكن تمييز المبادئ الأربعة التالية من نص سُمنر.[12]

1. مبدأ التصنيف الاجتماعي. لدى البشر حاجة عامة وأساسية لتصنيف عالمهم الاجتماعي: يتم تنظيم الجماعات البشرية في فئات منفصلة داخل جماعة وخارجها.

2. مبدأ الإيجابية داخل الجماعة. يقدر الأفراد جماعاتهم بشكل إيجابي ويحافظون على علاقات إيجابية وتعاونية مع أعضاء هذه الجماعة.

3. مبدأ المقارنة بين الجماعات. يتم تعزيز الإيجابية داخل الجماعة من خلال المقارنة الاجتماعية مع الجماعات الأخرى التي يتم فيها تقييم السمات والنتائج داخل الجماعة على أنها أفضل من تلك الخاصة بالجماعات الأخرى أو متفوقة عليها.

4. مبدأ العداء للجماعة الأخرى. تتميز العلاقات بين الجماعة في داخل وخارجها بالعداء والصراع والازدراء المتبادل.

ادعى سمنُر أن هذه العناصر الأربعة تترابط في نمط مميز للعلاقات بين الجماعات. تكمن، وراء الافتراض القائل بأن البشر لديهم حاجة طبيعية للهوية والانتماء، ويتم التعبير عنها في ارتباطات الجماعة (الخطوة الأولى)، وأن لديهم حاجة إلى تقدير ايجابي للذات (الخطوة الثانية) العديد من النظريات الاجتماعية النفسية المعاصرة بخصوص العلاقات بين الجماعات. ولكن بينما يُنظر الى المبدأين الأولين على أنهما أساسيان وعامان شاملان، هناك نقاش كبير حول التحول من الخطوة الثالثة إلى الرابعة، أي من مقارنة الجماعة نفسها مع الجماعات الأخرى الى عداءها لتلك الجماعات، إما باعتبارها متأصلة في عملية تشكيل الجماعة أو تتطلب شروطًا محددة وإضافية. أصر تاجفيل وتورنر، على سبيل المثال، على إدخال "المنافسة" كعنصر إضافي لشرح التحول إلى الكراهيات والعنف الجماعي. سنناقش هنا الخطوات واحدة تلو الأخرى: المقارنة، المنافسة، والعداء.[13]

المقارنة ونرجسية الاختلاف الطفيف

إن إحدى النتائج الرئيسة لـ نظرية الهوية الاجتماعية هي أن البشر يسعون إلى إحساس آمن بالنفس من خلال السعي لتحقيق هوية اجتماعية إيجابية أو الحفاظ عليها. يمتلك يعتبر الأفراد أن من واجبهم هو أدراك أن جماعتهم مناسبة ومواتية، حتى لو تم فرض التصنيف عليهم أن يكونوا في جماعة بشكل عشوائي. مما يعني ضمنيًا أن جذور التحيز والقوالب النمطية تكمن في عمليات التفكير العادية إلى حد ما، وعلى وجه الخصوص، في عمليات التصنيف. نريد جميعًا أن "نفتخر بأنفسنا كمتفوقين"، على حد تعبير سمنر. ولكن كيف يتم تأسيس هذه الإيجابية، لا سيما في أوضاع "الحياة الواقعية"؟

يعد مبدأ المقارنة الخاص بـُسمنر[14] أحد المكونات المهمة لنظرية الهوية الاجتماعية: فنحن نقيًم حالتنا من خلال مقارنة أنفسنا بالآخرين. لكن معايير التقييم ليست مطلقة، والإيجابية نسبية في الغالب: فلا يمكننا أن نكون "أغنياء" إلا إذا كان هناك "فقراء" و"مجتهدون" الأً إذا كان الآخرون "كسالى" و "متقدمون" الأً اذا " كان الآخرون "متخلفين". إنه يعتمد، إلى حد كبير، على ما إذا كان المرء ينظر إلى الهوية الاجتماعية بشكل إيجابي وعلى مدى تفضيل الجماعة التي ينتمي اليها مقارنة بالجماعات الأخرى.[15] تنتج عملية المقارنة بين الجماعات هذه ديناميكية تنافسية تحاول الجماعات فيها تحسين وضعها بالنسبة إلى الجماعات الأخرى. "إن محاولة تحقيق مكانة متفوقة نسبيًا للجماعة الداخلية، ايً داخل الجماعة نفسها، على أساس أبعاد القيمة والتقدير، هي العامل الرئيس المؤدي إلى السلوك التمييزي بين الجماعات".[16]. تعتبر هذه الخطوة من المقارنة إلى المنافسة، بالنسبة لمحللي الصراعات، مهمة، لأنها تعني التحول إلى صراع علني. لكن دعونا أولاً نلقي نظرة فاحصة على مبدأ المقارنة. كما ذكرنا سابقًا ، يحاول أعضاء الجماعة تحقيق هوية جماعية إيجابية من خلال المقارنة مع الغرباء. تصبح معرفة حالة الغرباء مهمة لتقييم حالة أو وضع الجماعة الداخليًة نفسها. هذا هو الحال، خصوصًا، عندما يكون هناك عدم يقين بشأن الوضع الاجتماعي للجماعة.[17] ولكن لن تؤدي أي مقارنة إلى النتيجة نفسها. فمثلما سأعزز تقديري لذاتي فقط كسباح مدرب جيدًا من خلال تجاوز سباح قوي بنفس القدرة (أو بالأحرى متفوقًا) وليس بضرب مجموعة من الأطفال في سن الخامسة، كذلك يميل أعضاء االجماعة إلى أن يقارنوا أنفسهم بالآخرين ذوي الصلة بذات المستوى. الملاءمة المطلوبة مثيرة للاهتمام بشكل خاص لأنها تعني أن الذات ( داخل الجماعة ) والآخر (خارج الجماعة) يجب أن يُنظر إليها على أنها متشابهة إلى حد ما.

إذا كانت لا تعني المقارنة لغرض تعزيز القيمة الذاتية (الجماعية أو الفردية) شيئًا إلا عندما يُنظر إلى الآخر على أنه وثيق الصلة بالمقارنة، وبالتالي فهو مشابه بمعنى ما، كما يبدو أن نظرية الهوية الاجتماعية تشير إلى ذلك، فإن هذا يساعد بشكل مهم في الإجابة عن السؤال المطروح في بداية هذه الدراسة "لماذا يتحول الجيران إلى أعداء؟" ونعني بالجيران أولئك الأشخاص الذين لديهم الكثير من القواسم المشتركة، والذين بنقلبون على بعضهم البعض. كلما كان الناس أكثر تشابهًا، كلما كانوا أكثر صلة بملاحظة الآخر لغرض مقارنة الهوية وزادت حدة المنافسة المحتملة بين الجماعات. هذا ما أطلق عليه فرويد "نرجسية الاختلاف الطفيف". فقد لاحظ، في مقال كتبه قرب نهاية الحرب العالمية الأولى،[18] أن "الاختلافات الطفيفة بين الأشخاص المتشابهين هو الذي يشكل أساس مشاعر النظر للآخر كغريب وكذلك مشاعرالعداء بينهم". كان تحليل فرويد في الأصل يركز على الاختلافات الجنسية، لكنه قام لاحقًا بتطبيق فكرة نرجسية الاختلافات الطفيفة على الجماعات. يشرح كيف تكمن النرجسية في صميم تعريفات الذات العدائية قائلًا:

قد ندرك التعبير عن حب الذات - النرجسية في الكراهية غير المقنعة والنفور الذي يشعر به الناس تجاه الغرباء الذين يتعين عليهم التعامل معهم. يعمل حب الذات هذا من أجل الحفاظ على الفرد، ويتصرف كما لو أن حدوث أي اختلاف في مسار تطوره الخاصة ينطوي على انتقاد لهم ومطالبة بتغييرهم.[19]

أقترح مايكل أغناتيف[20] مستنيرًا بفكرة فرويد عن الاختلافات الطفيفة،أن التفكير في القومية العرقية هو نوع من النرجسية. الأهم من ذلك، أنه يشير إلى كيف يلفت تحليل فرويد انتباهنا على العلاقة المتناقضة بين النرجسية والعدوان. ولأن الاختلافات بين الجماعات طفيفة على وجه التحديد، يجب التعبير عنها بقوة وبطريقة عدوانية. فكلما قلًت الاختلافات الجوهريًة بين جماعتين كلما كافح كلاهما لتصوير تلك الاختلافات على أنها مطلقة''. [21] يجادل إغناتيف أن القومي يأخذ "الاختلافات الطفيفة" غير المهمة في حد ذاتها - ويحولها إلى اختلافات رئيسة: تؤدي المبالغة المنظمة في تقدير الذات إلى تخفيض منظم لقيمة الآخر ومكانته. هذا مسعى لمرض انفصام الشخصية في كثير من الأحيان. وكما أشار فرويد، يدفع الأفراد ثمنًا نفسيًا للانتماء الجماعي: يجب عليهم تحويل الرغبة في التوافق مع الجماعة ضد فرديتهم. يستشهد إغناتيف بمثال القرويين الذين أنقلبوا ضد بعضهم البعض خلال الحرب الصربية الكرواتية في أوائل التسعينيات. كان الرجال على جانبي خط المواجهة جيرانًا ذات يوم: ذهبوا إلى المدرسة نفسها، وعملوا في نفس المرآب، ولعبوا في ملعب كرة القدم نفسه: "الآن عليهم قمع ذكرياتهم عن العلاقات المشتركة والصداقات السابقة مع أولئك الموجودين على الجانب الآخر، والتواصل حصريًا مع بعضهم البعض كـ" صربي "مقابل" كرواتي". كما أشار إغناتيف:" يجب عليهم القيام ببعض العنف لجعل قناع الكراهية مناسبًا'.[22]

تسمى هذه العملية- طبقًا لمصطلح تاجفيل- نزع الشخصية (المرحلة التالية غالبًا ما تكون نزع الإنسانية) من أعضاء الجماعة الأخرى.[23] تحولت طبيعة علاقاتهم، كما في حالة القرويين، بوصفها سلسلة متصلة من العلاقات الشخصية (يتم تحديد التفاعل بين الناس من خلال علاقاتهم الشخصية وخصائصهم الفردية) إلى علاقة بين جماعات (إن ما يحدد سلوك الأفراد تجاه بعضهم البعض عضويتهم في جماعات مختلفة). إن تفسير كيف ينتهي المطاف بالمجتمعات الى الانقسام الى جماعات متطرفة سيعزز بشكل مهم فهمنا للكراهيات والصراع.

نلاحظ، بالعودة من وجهات النظر أعلاه إلى مبدأ المقارنة، أنه إذا كانت المقارنة (سواء بين الأفراد أو بين الجماعات) تخدم الغرض من تقييم الحالة (من هو السباح الأفضل؟)، فسنرى تبدأ المنافسة فقط عندما يرى أعضاء الجماعة " الآخر أنه ذو صلة لأغراض المقارنة الاجتماعية. عندها فقط سيبدأون في محاولة تطوير هوية إيجابية فيما يتعلق بالجماعة الأخرى. وبالتالي، كلما كان الحكم على "الآخر" أنه أفضل، كان تقييمنا الذاتي له أسوأ. هذه هي الطريقة التي تتحول بها المقارنة إلى المنافسة: لا يمكن تحقيق التقييم الذاتي الإيجابي إلا على حساب الآخر.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

................................

[1] للتوسع أنظر:

Ashmore, Richard D., Lee Jussim and David Wilder (2001) Social identity, intergroup Conflict, and Conflict Reduction, Oxford: Oxford University Press.

Hogg, Michael A., Arie Kruglanski and Kees van den Bos (eds) (2013) 'Special Iss ue: Uncertainty and Extremis m' , Journal of Social Issues 69 (3).

lgnatieff, Michael (1999) 'T he Narcissism of Minor Difference' in The Warriors Honor. London: Vintage, pp. 34-71.

Tajfel, Henri ( 198 1) Human Groups and Social Categories, Cambridge: Cambridge Unive rsity Press.

[2] نستعمل كلمة مقاربة ونهج بمعنى مطابق

[3] Tajfel, Henri, ( 1981) Human Groups and Social Categories, Cambridge: Cambridge University Press, 132.

[4] Tajfel, Henri, (1981) Human Groups and Social Categories, 229.

[5] Verkuyten, Michael (2007) 'Social Psychology and Multiculturalism', Social and Personality Psychology Compass 1: 280-97,350.

[6] Brewer 2001. 'Intergroup Identification and Intergroup Conflict: When does intergroup Love become Outgroup Hate?' in: R. Ashmore, L. Jussim and D. Wilder (Eds.) Social Identity, Intergroup Conflict, and Conflict Reduction, Oxford: Oxford University Press,20.

[7] Abrams, D. and M. A. Hogg (1998) 'Prospects for Research in Group Processes and Intergroup Relations', Group Processes & Intergroup Relations l: 7-20.

Robinson, W. Peter (Ed.) (1996) Social Groups and identities: Developing the Legacy of Henri Tajfel,

Oxford: Butterworth-Heinemann.

[8] للحصول على فكرة عامة ، أنظر:

Hogg (2012) 'Uncertainty-identity Theory' in: P.A. M. Van Lange, A. W. Kruglanski and E.T. Higgins (Eds.), Handbook of Theories o f Social Psychology, Thousand Oaks: Sage, 62-80.

[9] Sherif, M., 0. J. Harvey, B. J. White, W.R. Hood and C. W. Sherif (l961) Intergroup Conflict and Cooperation: The Robbers Cave Experiment, Norman: University of Oklahoma Book Exchange.

[10] Hogg, M.A. (2006) 'Social Identity Theory' in: P. J. Burke (Ed.) Conlemporary Social Psychological Theories, Palo Alto: Stanford University Press,112.

[11] Sumner, William G. (1906) Folkways and Mores, New York: Schocken Books,12-13.

[12] Brewer, Marilynn (2001) 'intergroup Identification and Intergroup Conflict: When does lntergroup Love become Outgroup Hate?' in: R. Ashmore, L. Jussim and D. Wilder (Eds.) Social Identity, Intergroup Conflict, and Conflict Reduction, Oxford: Oxford University Press,19 .

[13] Tajfel, Henri and John Turner ( 1986) 'The Social Identity Theory of Intergroup Behaviour' in:

S. Worchel and W. Austin (Eds.) Psychology of intergroup Relations, Chicago: Nelson-Hall.

[14] Sumner, William G. (1906) Folkwa ys and Mores.

[15] SeuI, Jeffrey R. (1999) "'Ours is the Way of God": Religion, Identity, and lnter-Group Conflict',

Journal of Peace Research 36 (5): 553-69.

557.

[16] Tajfel, Henri and John Turner ( 1986) 'The Social Identity Theory of Intergroup Behaviour' in:

S. Worchel and W. Austin (Eds.) Psychology of intergroup Relations, Chicago: Nelson-Hall.83.

[17] Festinger, L. (1954) 'A Theory of Social Comparison Processes', Human Relations 7: 117-40.

[18] Freud, Sigmund. (1918) 'The Taboo of Virginity', أنظر . 11: 191-208.

[19] Freud, Sigmund. (1918) 'The Taboo of Virginity', 199.

[20] lgnatieff, Michael ( 1999) The Warriors Honor, London: Vintage.

[21] lgnatieff, Michael (1999) The Warriors Honor, London: Vintage,51.

[22] lgnatieff, Michael ( 1999) The Warriors Honor, London: Vintage,51.

[23] Tajfel, Henri, (1981) Human Groups and Social Categories, ,240.

 

 

حاتم حميد محسنحتى منتصف القرن الخامس قبل الميلاد، كانت اثينا ذات سمعة قوية كقوة اقتصادية مرتكزة على التجارة البحرية ولكن من الصعب اعتبارها كمركز للتحقيق الفلسفي. كان فيها السوفسطائيون او الرجال "الحكماء" يقدمون ارشاداتهم للمواطنين الاثنيين وطريقتهم التجارية في الحياة عبر تقديم التدريب في البلاغة للشباب الأغنياء، وهو عبارة عن مهارات مفيدة في كيفية اكتساب النفوذ في الديمقراطية او الانتصار في الجدال في المحاكم. السوفسطائيون بدوا مطّلعين على نشاطات مختلف الفلاسفة المنتشرين في مختلف المدن اليونانية في المائة والخمسين سنة الماضية، غير انهم بدوا مشككين بالنظريات الميتافيزيقية التي كانت سائدة آنذاك . بعد ذلك، ادّعى طاليس ان كل شيء مصنوع من الماء. اما هرقليطس فاعتبر النار هي المصدر الأول، ديموقريطس من ناحيته ركز على اشياء غريبة سميت الذرات. جميع نظرياتهم بدت غير قابلة للإثبات وكأنها تناقض بعضها البعض. لذا ما هو الإختلاف الذي أحدثه تكريس الفكر لديهم؟ من الأفضل ترك التأملات وتركيز الطاقات الذهنية على المضي قدماً وعلى ما هو في متناول اليد.

في وسط هذه الألفية الفكرية يصل سقراط. ظاهريا هو بدا منشغلا في خطط مشابهة وكان احيانا يعتبر نفسه سوفسطائيا. سقراط اعتُبر ايضا رجلا حكيما ومدرّب للشباب. غير انه، كانت هناك ميزتان تميّزان نوعية سفسطته. اولا، هو لم يتقاضى أي اجور على تعليم التلاميذ، ثانيا وهو الأهم،  كان لا يساعد الطلاب ليصبحوا متفوقين في أفكارهم، بل، ان تركيزه الراسخ كان لتطوير طريقة شاملة للجدال تستنبط الحقيقة الكامنة في الممارسة الصحيحة للفضائل . لهذا السبب، افلاطون وآخرون استخدموه ليس فقط كواحد من بين العديد من الحكماء وانما خصيصا كفيلسوف "محب للحكمة".

سقراط

لكي ندرك ادراكا كاملا طريقة سقراط علينا ان نفهم خلفيته الميتافيزيقية لأنها تنطبق على ما ينشّط الحياة في البدن وهي الروح. رؤيته هي ان الروح سابقة الوجود وغير فانية ويمكن التعرف عليها بالذكاء والعقل. من هذا الموقف تبرز عقيدة التذكّر reminiscence. لكي نتعلم التفكير "الخالص" يعني ان نتذكر الوجود القبلي للروح . من هذه العقيدة تطورت طريقة سقراط في إستدراج ذاكرة الروح من خلال سلسلة من الأسئلة المتقنة، وهي العملية التي اشار لها بالديالكتيك. الديالكتيك اساسا يبدأ بطلب تعريف مصطلح شامل كأن يكون واحدة من الفضائل. مثال على ذلك سؤال "ما هي العدالة؟". العملية الديالكتيكية ليست مجرد التماس او حث للافكار، وانما كشف او استدعاء من ذاكرة الروح ما يجب ان تتألف منه "العدالة" منطقيا وضروريا.

يصف سقراط دور الفيلسوف في هذه العملية كدور القابلة. هو يعمل على انتزاع وتسليم الحقيقة من الروح، التي هي الآن ويجب ان تكون أبدية. وفي التمييز بينها وبين الرأي، الحقيقة توصف كمتجاوز للعالم المادي المتغير دائما، كونها من نفس الطبيعة كالروح وهي في الحقيقة مظهر مكمل للروح ولكل وعي للروح . ان مصدر الحقيقة والروح هو الحقيقة النهائية، وهي ما يصفه سقراط بالخير. حالما تستيقظ ذاكرة الحقيقة، يستطيع الفرد ان يجسد الفعل في الخارج ويوجّه حياته نحو الخير، وبما يضع البدن والروح في انسجام واضح، وهو ما يسميه الحياة "الجيدة".

افلاطون

فلسفة افلاطون هي امتداد لميتافيزيقا سقراط والتي يعتمد عليها بشكل حاسم في تعامله مع الحقيقة والجمال والخيرية. بنفس الطريقة هو يصف الروح الابدية السابقة الوجود، مع ذلك، هو يضيف بان هذه الروح هي فردية تماما، بما يعني انها لايمكن تجزئتها، او إجراء تغيير فيها او تحطيمها، وبهذا تكون منفصلة ومتميزة عن الاشياء الفيزيقية بما فيها الأبدان. افلاطون يصف الروح بـأنها غير مادية ووحدة بسيطة وليست شيئا مركبا. هذه الروح هي التي تدّعي امتلاك المعرفة الحقيقية للأشكال التي تشترك بطبيعتها كونها بلا زمن، أبدية، ولا تتغير.

ما هي الأشكال؟ انها ليست شيئا محددا. أي، هي مستقلة، ليست مركبة من عدة اشياء ولا هي جزء من أي شيء آخر. هي الاشياء الوحيدة التي تستطيع الروح معرفتها بتأكيد تام لأنها ثابتة ولن تتغير ابدا. انها الاشياء الواقعية الوحيدة للمعرفة، صادقة في كل مكان وفي أي زمان. طبقا لافلاطون ان استخدام كلمة "معرفة" لوصف تجربة اكتُسبت من خلال الحواس كإستعارة، هي غير صحيحة تقنيا. ممارسة التغيير، خاصة الاشياء المحددة ليست اكثر من رأي تكون فيه المعرفة الحقيقية مستحيلة. ما كان يبحث عنه افلاطون هو المُثل الأصلية التي تقف خارج اي زمن محدد او مكان محدد. الأشكال بهذا تكون "حقائق ابدية"، وهو التعبير الذي تكرر دائما طالما فهمنا بشكل صحيح الأبدية التي هي جوهر الحقيقة.

كما في سقراط، العملية الديالكتيكية لإفلاطون في استنباط المعرفة هي شكل من التذكّر الذي تُكشف فيه الحقيقة بوسائل العقل وحده. بالنسبة لإفلاطون، العقل سمة اساسية للروح وهو منشغل بالمُثل الخالصة. طريقة الديالكتيك توجّه العين الباطنية للروح للنظر وراء التفاصيل المتغيرة للوجود الدنيوي، لتسمح لوعي الروح للتركيز على الأشكال، الحقائق الخالدة، معرفة الخير. في الإعجاب بالحقيقة،  يوصف الجمال كتعبير عن الخير. افلاطون يرسم رحلة الجمال المحسوس نحو مثال الجمال نفسه. هو يتصور ما يحدث لشخص شاب، أعماه الحب، يجد جسم فتاة معينة جميلا بالذات لا جسم آخر. الرجل الشاب يُحتمل ان يلاحظ ان الجمال الفيزيقي هو سمة تتوزع بين عدة نساء. ربما هو يصل الى إدراك ان هناك جمال ليس فيزيقيا تاما، جمال باطني للمرأة التي يحبها.عندما ينضج الشاب ويصل الى مرحلة الفيلسوف، هو ربما يتجه نحو مثال الجمال ذاته بعيدا عن أي تجسيد فيزيقي معين. وبينما الحقيقة ترشد الروح حول الخير، يتولى الجمال تحفيز الروح نحو ذلك الخير.

بالنسبة لإفلاطون تعتمد الفلسفة على التمييز الحاسم بين الظهور المجرد والفهم المباشر للحقيقة، الخير. مثل هذا السعي ليس تجريدا تاما ولا هو دراسة محايدة. الانسان وأفعاله لا يمكن اختزالها الى مجرد توضيحات فسيولوجية او ميكانيكية. بالنسبة لافلاطون، الانسان هو كلتا الحالتين عقلاني ومجتمعي، يتحفز بالغرض، لديه أهداف وغايات يسعى لتحقيقها. في حكاية الكهف، يقارن افلاطون بين الخير والشمس، مثلما الشمس تجعل الأشياء المادية مرئية للعين، ينير الخير عقل الروح جاعلا الأشكال الخالدة مفهومة. وهكذا بالنسبة لافلاطون لا شيء هناك ذاتي حول "العين الباطنية" لرؤية الفيلسوف، هو ببساطة يفهم بشكل مباشر التميّز او الخير.

ارسطو

رغم انه تلميذ افلاطون، ويشترك معه بعدة رؤى وافتراضات، لكن هناك اختلاف في ميتافيزيقا كل منهما وهو ما أثّر على كامل فلسفة ارسطو بما فيها تصوره للحقيقة، الجمال والخيرية. لأرسطو وصف طويل للروح، ولكن فيما يتعلق خصيصا بروح الانسان هو يزعم، بالضد من افلاطون، انها لا تمتلك وجود قبلي او أي وجود اطلاقا بعيدا عن البدن واصفا اياها "حقيقة جسم ذو حياة". بكلمة اخرى، الروح هي مظهر منشّط وحيوي للجسم. رؤية ارسطو للروح هي في توازي مع الأشكال كونها متأصلة في الاجسام بدلا من ان تكون متجاوزة لأجسام معينة. وهكذا روح الانسان "هيلومورفية" اي مركبة من شكل جوهري متحقق في جسم مادي، الفرد.

في تركيبة الروح، ارسطو يعتبر الأجسام هي المادة الاساسية التي تعتمد عليها الأشكال. روح الاشياء الحية يمكن تصوّرها كما لو انها تمتلك عناصر او مظاهر يمكن ترتيبها في هرم تصاعدي. في الأدنى تقبع ما توصف بالروح النباتية، وهي الدافع الاساسي للتغذية والتكاثر اللذان تشترك بهما جميع الكائنات الحية. بعدها تأتي الروح الحيوانية والتي تتضمن القدرات الاضافية من إحساس وحركة. اخيرا، هناك السمة المعرّفة للانسان وهي الروح المفكرة . طبقا لارسطو فان الانسان يمتلك كل المظاهر الثلاثة للروح التي سبق ذكرها. وبينما يرى افلاطون ان روح الانسان سُجنت في جسم حيواني ويمكن تحريرها عبر الحياة المخصصة للعقل، يرى ارسطو الانسان حيوانا عقلانيا ينبغي عليه البحث عن الإنجاز في كل مظاهر وجوده بما فيه النباتي والحيواني.

لكي نفهم رؤية ارسطو حول ما الذي يشكل الخير، من المفيد النظر الى توضيحاته للسببية. هو يعلن ان سبب أي شيء حيا كان ام جامدا يمكن ان يُعزى الى أربعة اسباب: المادي، الفعال، الشكلي، والنهائي. دعنا نأخذ مثالا عن تمثال سقراط المعروض أعلاه. السبب المادي هو المادة التي صُنع منها التمثال وهي الرخام. ثانيا، هناك السبب الفعال، حرفة نحت الحجر وهي تُنسب الى الحرفة ذاتها وليس الى حرفي معين. بعدها يأتي الشكلي والذي يشير الى شكل او تصميم النصب، والذي كما يشير الاسم، يعطيه شكله: سقراط يرتدى رداءه جالسا في حالة تفكير. اخيرا نأتي للسبب النهائي، الهدف من النصب والذي ظاهريا هو لتزيين مدخل اكاديمية اثينا. بالنسبة لارسطو السبب النهائي له السيادة بين الأسباب الاخرى، كونه سبب وجود جميع الآخرين. في مثالنا، اذا لم تكن هناك حاجة لتزيين الاكاديمية، فان شكل وطريقة نحت المواد المختارة ما كان لها ان تحدث. الكلمة اليونانية التي يستعملها لوصف الغاية او الهدف هي التيلوس. بعد ان وضعنا اطارا صلبا لميتافيزيقا ارسطو نستطيع الآن النزول لمهمة ارائه حول الحقيقة، الجمال، الخيرية. ما نجده هو ان مفهوم التيلوس والخير متلازمان بقوة. الخير مرتبط بشكل التحقق الكامل، والنظام، ويصل الى النضج طبقا لإمكانات اولية. فمثلا، ما هو خير للنباتات هو الصحة الفيزيقية بوسائل التغذية التي تسمح للنبات في التكاثر. الحيوانات لها هذه الاهداف الاساسية لكن احاسيسها وحركتها يسمحان لها ايضا بالسعي النشط نحو الرغبات والمتع مع تجنّب الألم. الكلب يمكن ان ينال حياة جيدة لنفسه بالإطعام الجيد، والتزاوج في النهاية ولكن ايضا بتجنّب الأذى وايجاد الرفقة في جماعة. ارسطو يعترف ان كل الأشكال السابقة الذكر هي جيدة للكائن البشري ايضا، مع ذلك، نحن لدينا امكانية اخرى لنمارس الفضائل الفكرية والحكمة التأملية. عبر ممارسة جميع هذه بطريقة متوازنة نستطيع تحقيق ما يسميه اليونانيون بـ الرفاهية او eudaimonia او الحياة الجيدة.

ولكن، بما ان الكائن الانساني راشدا، فان حصولنا على الحياة الجيدة يعني معرفة كل الفضائل الأخلاقية التي عالجها سقراط وافلاطون سابقا وكيفية تطبيقها في الحياة. وبما ان ارسطو ينكر فكرة المعرفة الفطرية الكامنة في الروح الأبدية، فان البحث عن الحقيقة سيحتاج لوسائل اخرى غير التذكّر وذلك من خلال الديالكتيك. الطريقة التي يقترحها ارسطو هي شكل من الاستقراء الذي ينشأ في التجربة والحواس. ورغم ان الحواس غير موثوق بها، فان الخبرة التراكمية تسمح لنا لتمييز النماذج. ارسطو يصف "الفطرة السليمة" الرفيعة الموجود في الذهن، حيث تندفع خبرات جميع الحواس الاخرى لتتحد في خبرة منظمة للذاكرة. هذه الذاكرة هي نتاج للفطرة السليمة العليا للعقل تقارن، وتبيّن الاختلاف، واخيرا التحقق في لحظة كاشفة من الاعتراف الحدسي بالحقيقة. من خلال هذه العملية من تعريض خبرة الحس الى العقل نستطيع تجريد الأشكال والحقائق من خصوصياتها.

في أعلى مستوى من الوجود، يعرّف ارسطو الجمال بالخير، انه المحرك الذي لا يتأثر، والسبب النهائي لكل الاشياء المرغوبة لأجل ذاتها ويضع كل الكون في حركة من خلال الجاذبية التي يمارسها.

الجمال يولّد الحب الذي هو أعلى فضيلة والقوة الدافعة الموحدة. ارسطو يذكر، " لو كل الناس يتنافسون على الجمال، وارهقوا في عمل الاشياء الأكثر جمالا، سيتحقق كل شيء يحتاجه الناس عموما، وكذلك سيتحقق أعظم خير لكل واحد بالذات. الحياة الجميلة ليست غرورا وانما تشغل نفسها بالصداقة والخير العام، وهي أعلى انجاز للكائن البشري.

سقراط وافلاطون وارسطو وضعوا الأساس لأكثر من 2400 سنة من التحقيق الفلسفي المتّبع في التقاليد الغربية. هم رسّخوا حقولا كاملة من التحقيق العقلاني بشأن الأخلاق والأخلاق العملية، متسائلين كيف لنا ان نتأكد من معرفتنا، وما هدف الكائن البشري في هذه الحياة، وما الذي يحفزنا تجاه تلك الغايات. استنتاجاتهم كانت ان الخير والحقيقة والجمال هم في وحدة او كالواحد في أعلى تحقق للحقيقة النهائية و لايمكن التمييز بينهم، والحب هو القوة التي تسحبنا نحوهم. مع ذلك الفلاسفة الثلاثة بالتأكيد لم يكونوا آخر الكلمات في الموضوع. مفاهيمنا للحقيقة والجمال والخيرية بلا شك صيغت وتأثرت بالفكر اللاحق وما كُتب حوله مثل الكلبيون والايبيقوريون والشكاك وغيرهم.

 

حاتم حميد محسن

 

 

سامي عبد العالارتبطت الشفاهيةُ بالخطاب الديني منذ أمد بعيدٍ، لأنَّها كانت الحاضنة الأولى دوماً للوحي والأقوال والطقوس المؤسسة للأديان. فلم ينزل الوحي كـ" نص مكتوب" محدد الحروف والرسوم والخطوط من السماء. كما أنَّ العلاقة بين الرسل والانبياء وما يقولونه ويعلمونه للناس لم تخرج عن إطار الشفاهية. وتباعاً ظلت الشفاهية سمة غالبةً على ممارسات التدين وأعماله، بحيث كان الخطاب مرهُوناً بفعل القول المباشر إزاء المؤمنين والاتباع. وهو ما سيُعرف لاحقاً بالمواعظ والتبشير والكرازة (في المسيحية) وبالخطابة والأحاديث والدعوة (في الاسلام). وهذه الأشياء تفترض الحضور المباشر الضاغط لأطراف الكلام والتأثير دون وسيط على أساس أنَّ هناك (حقيقةً متجليةً) من تلقاء نفسها.

ولكن .. ما الحقيقة المتجليّة من تلقاء نفسها؟ إنّها المعنى الذي يشعر به المتحدث شفاهةً ويعبر عنه كأنَّ كلماته تتخلق فوراً بمجرد النطق. لدرجة أن الخطابُ الدينيُّ قد يجيء تكراراً لعبارات التقديس كما نراه لدى أقطاب الوعظ والإفتاء والارشاد، فلقد تعلق بسريان الأقوال المنطوقة الناقلة لكل وحداته ومفاهيمه الضمنية والصريحة. ولاسيما أن الشفاهية قائمة على عمليتي (القول والاستجابة، الإلقاء والقبول، التعبير والاستماع)، أي السمع والطاعة بين (المتحدث والمتلقي) مما يستلزم زيادة إدرار عبارات التقديس أكثر وأكثر. ربما تلك الخاصية هي المتولدة تاريخياً عبر حاضنة الثقافة العربية الاسلامية والتي ما زالت لم تتغير منذ مئات السنين.

بالتحديد هي الأبنية الخطابية الصوتية العامة المتعلقة بتبجيل الأولين والسابقين وكذلك تقديس التابعين وتابع التابعين والأئمة والشيوخ وأمراء الطوائف والمذاهب ثم الحكام والرؤساء والأولياء. وبهذا فإنه أثناء الحديث لن يكون هناك أكثر من ترقيع للكلام بنصوص وآيات وأحاديث ومقولات كلية مهدرة السياق. وكل ذلك دونما ابتكار لصيغ الفهم والحوار والتأويل والنقد بل قد لا يتم الاعتراف بهذه المستويات من التلقي أصلاً. كما لا يوجد بالكلام أدنى منطق عقلاني حر، لأنَّه سيسير بوقود التبريرات الراجعة إلى الأصول البعيدة باستمرار (التأصيل).

1- الأقوال تأتي صوتياً إلى المتلقي بضمان التصديق العاجل لفعل القول.

2- لا تفترض الشفاهية أدنى مراجعة لما يقال، لأن الخطاب الشفاهي يعتمد على السماع المباشر.

3- سلطة المرجعية التي يستند إليها الكلام تكون هي الأساس إرتباطاً بما يُقال مباشرة.

4- المعنى واحد وموجّه في اتجاه المتلقي دون مبارحة ولا مباعدة ولا أخذ بالتنوع.

5- المبالغة في الوصف والضرب بعيداً حول الأحداث والقصص والأفعال، لأنه المتحدث الشفاهي يستهول ما يجري، فيهوِّل ويضخم من المعاني والأوصاف إزاء الواقع.

6- رغم أننا نعيش عصر الكتابة (الواقع الافتراضي والكتاب الرقمي وعصر الصورة والنصوص السيميائية والعلامات الأثرية)، إلاَّ الشفاهية مازالت مطبوعة في عمليات التلقي والقراءة والتدين.

لكن التساؤل التلقائي: أوليست تلك السمات أحد أسباب انتشار حالة الركود الفكري والديني بأسوأ ما تكون؟! فالشفاهية هنا شرط ضروري لنشر الخطابات الدينية بمنطق التلقين وحشو الأدمغة واستمرارية التقاليد واحتذاء المعاني حذو النعل بالنعل. وذلك يخلق نوعاً من (الببغائية الفكرية) التي تسري في أوصال العقل الاسلامي إلى هوة الانحدار. فالكلام المقدس- كما يُقال- ليس كلاماً ميتاً تكفنه الحروف كمقابر لغوية في كتابة صامتة بلا مرجعية حاضرة، إنما الاعتقاد الغالب بين رجال الدين أن النصوص انفاس إلهية تنتقل عبر الأجيال بشكلٍّ حي!!

ولذلك كان يتردد القول بوجوب الحفاظ علي النصوص الدينية من شخصٍ إلى آخر ومن عصر إلى آخر ومن مذهب إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر. إنها عملية انتاج الكلام الحي بتعبير جاك دريدا الذي ظل منتشراً في تاريخ الفكر الإنساني. هذا الذي يضمن حضور أطراف هامشية حول قطب أحادي الدلالة دون فكاك من معناه الجاهز سلفاً. لدرجة أنَّ كل ظاهرة تكرارية repetitive phenomenon بالمعنى السابق تخلق ظاهرتها الصوتية. فلقد اشترط بعض فقهاء المذاهب لنجاعة العلم الديني أن يؤخذ حياً من فم الشيوخ. واعتبر بعض السلفية أن العلم سيموت بانتهاء حياة هؤلاء العلماء. وذلك يستند إلى حديث خطير مُتداول عن نبي الاسلام ... " إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً إنما يقبضه بقبض العلماء". وقد أزاح ذلك كافة مظاهر التجديد والغرابة الفكرية التي قد تُحدث أحياناً زخماً ضرورياً للتجديد. بل كان التعليم القائم على النصوص المكتوبة والوثائق مكروهاً ومحقراً مقارنة بالأول. وهذا الوضع أدي إلى وجود ظواهر ثقافية طبعت العقول وطرائق المعرفة في حدود الأديان.

أولاً: هناك شخصنة شفاهية أسطورية لفكرة العلم على نحو عام. وهذا يعني عدم وجود معرفة في شكل مؤسسات ونظريات وإبداع ولا أبنية معرفية طويلة الأمد (النماذج المعرفية paradigms بتعبير توماس كون). لكن على الأكثر يوجد هناك شيوخ بلا أصول معرفية ويوجد أصحاب مذاهب دينية بلا علم ويوجد فقهاء بلا فقه ويوجد أقطاب طرق صوفية بلا تصوف ويوجد علماء بلا علم ويوجد تربويون بلا تربية، يوجد مفكرون بلا فكر. وهذه الشخصنة الآتية بألف وجه تزحزحت تاريخياً عن مواقعها الدلالية لتستغرق مجمل الثقافة العربية الإسلامية. فأمسينا نسمع ألقاباً مثل: شيوخ الأدب، أمراء الشعر، عمداء الرواية العربية، شيوخ الاعلام ورواد صاحبة الجلالة (الصحافة). ذلك الوضع يجري للتعبير عن أصحاب الأثر البارز في هذه المجالات على غرار الأثر الشفاهي في التراث الديني.

ثانياً: الشفاهية ضمنت على نحو تاريخي حضوراً سلطوياً للخطاب الديني. لأنَّ أنظمة اللغة المنطوقة تجري بواسطة تكثيف الكلام بالسماع المطلق للمعاني. ولأن الرتم له درجات من الإيقاع القوي والترديد الكامل والصدى المتواتر أثناء التعلم والفهم. ولذلك ليس مصادفة أن الخطاب الديني يتميز بإيقاع صوتي عال لإثبات المعاني واشعار المتلقي بقوة الفكرة دون ماهيتها وثقلها دون اختلافاتها التي يجب أنْ تؤخذ بالزخم نفسه.

ثالثاً: الشفاهية أكدت على استمرارية تقاليد الحوار (الجدال) نظراً لكون المركزية موجودة وجهها لوجه في كافة التفاصيل. بل ستزداد المركزية تضخماً كحال المدارس الدينية التي تقدس صاحب المذهب واتباعه المقربين وتابعيهم في سلسلة ممتدة ولا تنتهي. وقد اسهم هذا الأمر في بروز شخصيات تمثل الاسلام ويقال عنها رموز أو اعلام بينما هم أناس عاديون ومشبعون بالخطاء والعجز عن الفهم.

رابعاً: اعاقت الشفاهية وجود قطيعة لماهية التعليم الديني التقليدي وأساليبه ومناهجه. لأن الذهنيات تتوالد عن بعضها البعض، كأنها ذهنية واحدة في تاريخ الثقافة. بدليل أن العبارات نفسها تتواتر على الألسن. والأفكار ذاتها هي هي في الأشكال والمواضيع والقضايا التي تملأ الأجواء العامة سواء أكان في وسائل التواصل أم داخل مجالات التعليم. ولهذا هناك تقارب فكري بين الاتجاهات والايديولوجيات الدينية إلى حد التطابق وتختلف في الأشكال.

خامساً: كانت الشفاهية سبباً لاختلاط الأساطير والتحريفات بالروايات التاريخية والنصوص الدينية من قبل المذاهب. لأن الأقوال الصوتية تحمل ضخامة المفاهيم وقدرة المتحدث على أسطرة ما يقول ويعبر رغم أن المحتوى الديني غير ذلك.

سادساً: حافظت التقاليد الشفاهية على جميع عناصر التخلف في المجتمعات العربية الاسلامية. لأنها اشترطت وجود كافة العناصر المصاحبة مع وجود بنيتها الثقافية التاريخية القابلة للتكرار. وتلك البنية لم تتغير جوهرياً، إنما تحولت فقط إلى أبنية تالية. ولذلك فإن الشفاهية هي مجال تحولات متشابهة لا تجديد بالكلية.

ثامناً: أجلت الشفاهية عمليات التوثيق والتدقيق والغربلة لكافة الموارد النصية الثقافية والدينية. فلماذا يتم التدوين إذا كان المعترف به هو الروايات الشفاهية التي لا تنتهي؟!

وقد يكون التكرار الشفاهي المشار إليه عملاً تقليدياً بالنسبة للإنسان العادي. لكن الملاحظ أنه لا ينتهي هكذا دون أثر. إن تورط العقل وأساليب التفكير داخل أبنية الثقافة يجعل التكرار آلية شبه موضوعية ويعيد هيكلة صور الخطاب وأساليبه وفق المناخ السائدة. وعندئذ تنتج عمليات المعرفة آفاقاً قابلة لدلالة واسعة بين رجالات الدين والدارسين ومقدمي البرامج وحلقات النقاش والآراء المتداولة.

وبالتالي كان السؤال منطقياً، لماذا عقمت الألسن والعقول عن تحطيم قوالب العبارات والنصوص الدينية والأحاديث الشفاهية؟ يبدو طوال الوقت أن المهم كون الكلمات جاهزة للاستعمال ثقافياً بصرف النظر عن أي شيء آخر. وأن الترديد الأعمى هو الأصل كأننا نردد غمغمات غير مفهومةٍ ولا يجب أن تكون مفهومة. لكن هل يمكننا الآن إطلاق التأمل في هذه العلاقة المشتركة؟ ولماذا تسود ثقافة الببغاوات اعتماماً على الموروثات الشفاهية؟ حتى الآن لم يحدث ذلك الأمر جرياً على أن الكلام المنقول إنما هو كلام حقيقي ويقيني من فمٍ إلى فم آخر. فلا توجد أدلة عقلانية معتبرة على صحته ولا حقائق يقف عليها. هكذا غدا تاريخ الخطابات الدينية تاريخ أفواه عن أفواه إلى أفواه بعمليات ثقافية لا تتواني عن الاشتغال. فلم توجد مراجعة إلاَّ بعد فوات الأوان ولا تدوين لمصادر إلاَّ بعد مرور مئات الأعوام، لقد كانت وأصبحت (خُطب الجمعة) نموذجاً في سياق الكلام وآثار السمع والتلاوة والطاعة خلف إمام مهما تكن درجة ثقافته معرفته.

على سبيل المثال، لقد أطلق أحدُهم عقيرته معتبراً أنَّ هجرة الناس المُضارين من الصراعات والحروب عبر البحر المتوسط هجرة غير شرعية. ليس بسبب الاخلال بالقانون الدولي وانتهاك الحدود الخاصة بسيادة الدول وليس فوق هذا وذاك نتيجة تعريض النفس للتهلكة. ولكن لأن هؤلاء (المهاجرين الأوغاد!!) كافرون، وربما هذا نوع جديد من التكفير. فهم (من وجهة نظر صياحه غير المنقطع) يحاولون الذهاب إلى بلاد الكفار تاركين ديار الإسلام. وكل هجرة من دار الحق إلى دار الباطل تعد كفراً بواحاً. بل بعد مماحكات فقهية موغلة في التراث قال بأن أوروبا مأمورة بالهجرة إلى بلاد المسلمين، فكيف يفعل ذلك المسلمون عكس أوامر الشرع؟

هو يقول ذلك عن جهل فاضح بأحوال المسلمين المزرية (التي زكمت رائحتها الأنوف) متخذا من تقاليد الدين شعاراً أبله. كما أنه لا يدرك أن الأوروبيين فعلاً هاجروا إلي بلاد الدواعش، إلي تراب الخلافة الاسلامية. لكنهم تحولوا إلى (أشباح جاهلية) تسفك الدماء وتقطع الرؤوس وتصطاد النساء وتبتاع العبيد في أسواق النخاسة. وصل الأوربيون إلى هذا الدرك الأسفل بعدما كانوا قد اكتسبوا خبراتهم المدنية في جامعات ومعاهد ومؤسسات أوروبا المتطورة. هل هذا مصير المهاجرين القادمين من الغرب إلى أرض الاسلام؟! ولماذا يتحول المهاجرون (نحو الغرب) إلى أناس لهم حقوق ومكتسبات تحت غطاء دولي ولماذا يتحول الغربيون إلى جاهليين بغطاء أيديولوجي في (بلاد المسلمين)؟ كان أولى به أن يتساءل لا أن يتصايح دون طائل!!

ثمة تصايُح مشترك بين (الببغاء وأغلب حناجر الفقهاء) بلا مضمون إلاَّ من أصوات زاعقة أحياناً وناعقة أحياناً أخرى. فتحولت الخطابات الدينية إلى صياح فوق المنابر والمنصات الالكترونية وعبر المؤسسات ومواقع التعليم وشاشات التلفاز. وأمست حركة " الـعنعنات " في الآراء والعقائد والأحاديث والأفكار جداراً أخيراً لأمةٍ فاتتها الحضارة بعدما كانت خير أمة أخرجت للناس. ألاَ يستطيع الفقهاء ورجال الدين الإتيان بأي شيء مغاير؟! ألم يرددوا ليلاً ونهاراً تجديد الخطاب الديني؟! أغاية الدين حقاً هذا الضجيج الصوتي وتلك الفتاوى الفوضوية... حتى لقد شارفنا على اعتاب صورة لإله مغاير لما نعرف.. وأنبياء جدُد يومياً لا مجرد نقل؟! لعل نموذج الببغائية هو النموذج الأبرز الذي يحدد ماهية الخطاب الديني التكراري. لأنه لا توجد هذه الظاهرة الخطيرة مثلما توجد في التراث العربي الاسلامي حتى وقتنا الراهن، وبذات الحال مازالت تأخذ مساحة كبيرة من تاريخه وعصوره وعلاقاته.

الببغاء طائر ملون (إلى حد الزركشة) يتأرجح صوتاً وهيئةً داخل قفص وثير. ينادي من وقت لآخر كلما سنحت الفرصة على أفراد المنزل. وهو أبداً طائر يكرر ويرغي ويزبد ويغمغم دون رؤية واضحة ولا بصيرة فيما يردد. وإلاَّ .. ماذا ستنفع عيناه ونظراته الملقاة في غير اتجاه، كأنه قد فَقد جميع الحواس باستثناء أصوات متقطعة تشرخ صمت المكان، وأن هناك أنفاساً مازالت تتقافز. ولكن ليست الأصوات الببغائية بلا نغم يعطيها نبرةً ساخرة تارة ونادرة الرتم تارة أخرى.

وهكذا جاءت حناجر الفقهاء في بلاط الحكام والسلاطين والرؤساء، جاءت أفواها تكرر الفتاوى السياسية التي تخدم أسيادهم بخلاف منطق الدين ومقاصده. وهم يدركون قبل غيرهم أن آثار توظيف الدين كان أهم من آثار توظيف الحروب. لأن الرعية لن تستكين ولن تقبل العبودية دون عبوديتها بالأساس لمذاهب الفقهاء. ومن حينهم أدركوا أنه لن تكون هناك أية عبوديات أخرى ممكنة إلا بالعبودية تحت غطاء الدين. أشار أحدهم ذات مرة أيضاً أن تسول بعض الدول العربية عن طريق فرض الضرائب الباهظة وفرض الإتاوات باسم التقشف أوفرض ضرائب الكفالة والعمالة إنما هو من باب (جبر الخواطر) في الاسلام!!! وأنه أمر مباح للحاكم طالما يري فيه مصلحة المجتمع والناس والحياة. هذا مع العلم أنَّ تلك الاجراءات تعصف بالدساتير والمواطنة والعيش الكريم للشعوب وتستنزف الثروات والمدخرات.

من أين أتى- الببغاء ورجل الدين- بالأصوات المكرورة التي لا تختلف؟ إنهما يلهثان بكل ما يسمعان ويتناهى إلى أذنيهما من عبارات وأقوال. حتى غدا كلامهما أنبوباً صوتياً بحجم البلونات الهوائية ليس إلاَّ. حيث يستدير الهواء إلى كامل جوفها، فلا يذهب إلى أي مكان سوى الحشرجة الصوتية المملة. ليخرج الكلام عالياً كطلقات هوائية تتساقط أرضاً بين الناس ولا يهم أن الكلام قد يجف، قد يذبل كأنه الفراغ. ولذلك فإن غاية الأمل كل الأمل أن يطلق الببغاء ورجل الدين عقيرتهما فقط.

إجمالاً تعد (الببغائية الثقافية) حالة تكرارٍ أجوف لمفاهيم وكلمات لا تعبر عن شيء. وتأخذ في الانتشار بطول الثقافة الدينية والسياسية والاجتماعية السائدة. لكن أساسها تبادل العبارات والخطابات بلا تفكير ولا نقد ولا روية ولا إعادة نظر، لتكرس وضعاً آنياً متمركزاً حول سلطة ما. قد تكون السلطة قديمة، بل قد تكون ضاربة القدم في الماضي على غرار فكرة هيمنة السلف الصالح وحياتهم وفهمهم للدين. وقد تكون سلطة راهنة محاطة بسياج من التحريم والقهر والتقليد. فذهنية التحريم هي لب الببغائية والخطاب الديني البرجماتي لكونها تحول دون التجديد وتحفظ القوالب القديمة للفكر والسلوك. الاثنتان (الببغائية وشفاهية الخطاب الديني) تؤكدان إحداهما الأخرى على طول المدى. فبعض المقولات الدينية الآخذة في الانتشار تعول عيلهما بلا نقاش حتى لو حَرَّمت الحياة ذاتها. لأنها تتماهى وتتواطأ مع نظام السلطة الحاضرة حضور الأنفاس الحية (دوما كان الفقهاء بمثابة الأظافر الناعمة لأنظمة الدول المستبدة).

 

د. سامي عبد العال

 

 

زهير الخويلدي"لقد بنينا عالما يكون فيه الذكاء هو أول ملكة، حيث يدفعنا العلم والتكنولوجيا للأمام ونسقط، وننتج المزيد من البؤس والمجاعة والأمراض."

تمثل كتابات ميشيل سير، عالم الرياضيات وأحد الفلاسفة الرئيسيين في العلوم الإنسانية في عصر ثقافة ما بعد الإنسان، أقصى قدر من الإبداع لفكر يلخص، من خلال شدته ونطاقه الكوكبي، أزمات ومفارقات الحياة. في القرن الواحد والعشرون. معترف به لرحلاته الفلسفية في مجالات الديناميكا الحرارية ونظريات التعقيد والفوضى، كتب سيريس حرفياً تاريخ "عالم الكائن" في كتب بعنوان هرمس ونشوء وتعلم - الثالث والطفيلي وتنوير والعقد الطبيعي. القاء نظرة على العقد الطبيعي، الكتاب الشهير لميشيل سيريس من عام 1990 يفيد أن الأستاذ في جامعة ستانفورد، عضو الأكاديمية الفرنسية، هو مؤلف العديد من المقالات الفلسفية وتاريخ العلوم، أحدثها، إبهام صغير وزمن الأزمات، التي أشادت بها الصحافة على نطاق واسع. إنه أحد الفلاسفة المعاصرين القلائل الذين قدموا رؤية للعالم تجمع بين العلم والثقافة. في عام 1990 ظهرت هذه "المشاغب" التي اقترحت الارتقاء بالطبيعة إلى رتبة موضوع القانون. لقد دعت حالة العنف "بلا حدود" بين الإنسان والعالم إلى بلورة حق جديد يقوم على أساس عقد طبيعي يكمل العقد الاجتماعي القائم بين البشر. بدأ هذا الحل القانوني يتغلغل في النصوص التشريعية للعديد من الدول المتقدمة، بما في ذلك فرنسا، حيث يجري الحديث أخيرًا عن ذكر بعض عناصر الطبيعة في الدستور. هل يمكننا اعتبار الطبيعة موضوعًا للقانون؟

بصفتنا سادة ومالكين، فإننا نسيطر عليه ونختزله إلى حالة كائن. ومع ذلك، فهذه الطبيعة تستقبلنا وترحب بنا وتجعلنا نعيش. إذا كانت عمليات استخراجنا وعملياتنا تشكل خطراً على ذلك، فإن التهديد ينقلب علينا الآن، فالطبيعة تضعنا في ظروفنا، ومن الآن فصاعداً نقوم بتكييف الطبيعة. هذا الترابط، القديم والجديد، يدعو ميشيل سيريس إلى تأسيس "عقد طبيعي" ، أساس قانون جديد ، لتعايش حيوي ، ينتهي بميثاق الحرب التي نخوضها ضد الطبيعة. تم تمريره بين البشر والعالم، بمجرد استبعاده من اللعبة بموجب العقد الاجتماعي، يمنح العقد الطبيعي الكرامة القانونية للطبيعة ويحدد واجبات الإنسانية تجاهها.  فهل يستغرق الأمر ثلاثين عامًا حتى تصبح الفكرة الجديدة معقولة، بعد أن لم تعد مخيفة؟  هل يمكن للقانون أن ينقذ الطبيعة؟

لقد واجه عالمنا في سنة 2018 حالة طوارئ بيئية غير مسبوقة. لكن، للأسف، لا يقرر صاحب الكوكب القوي التوقيع مع العالم الذي يرحب بنا بهذا العقد الطبيعي الذي سيسمح لنا بالعيش في تعايش. يضع ميشيل سيريس تقييمًا أنه يريد الهدوء والموضوعية لحالة العالم كما فهمها في عام 1990. إنه يفهم، قبل كثيرين آخرين، أن علاقات الإنتاج واستخدام الموارد الطبيعية قد انعكست في أقل من 200 عام: من التهديد والسيطرة، أصبحت الطبيعة مهددة ويهيمن عليها التقدم للتقنيات البشرية. من خلال هذا الكتاب الرائد، بدا وكأنه جرس إنذار، بل وانطلق فيما يجب تسميته كارثة معينة غير مشجعة للغاية، لكن لحسن الحظ، لا ينسى أنه فيلسوف ويعتبر أن دوره هو تقديم الحلول للكارثة. المدينة لتمكينها من العيش بشكل أفضل وهذا ما تقدمه في هذا العقد الطبيعي. يقول من حيث الجوهر: يجب أن نصوغ عقد تعايش مع العالم يحل محل عقد التطفل، الذي ولد من الآثار السلبية للثورات التكنولوجية في القرون الماضية، والتي تم تصور الغرض منها لصالح الرجال فقط. لذلك فإن العقد الطبيعي سيكون له دعوة إكمال - دون تدميره - العقد الاجتماعي المتصور لمنفعة البشر فقط في القرن الثامن عشر ليضيف إليه عقدًا من أجل المنفعة المتبادلة للرجال والعالم. ومن ثم فهو يولد فكرة الرجل الثالث المتعلم. موضوع سيكون عزيزًا عليه طوال حياته، حيث يجعل نثر ميشيل سيريس `` حجة مقنعة لدرجة أنه من الصعب عدم الالتزام بهذه الملاحظة وهذه النصيحة. أن ميشال سير، كما هو الحال في كثير من الأحيان في كتاباته، يسيء استخدام هذا الأسلوب الخاص للغاية الذي يحد أحيانًا من الباطن والذي يحجب وضوح الرسالة التي تعتبر مع ذلك مهمة جدًا ومرئية جيدًا. لكنه كان مفكرا عظيما لدرجة أنه يغفر له بسهولة! شكرا لك سيد سيريس على هذا النص الجميل. كما تعطي قراءة العقد الطبيعي فكرة عن الذكاء المذهل والثقافة العالمية لميشيل سير، أجد أنها كتابة رائعة من الأصالة والإيجاز والخفة لنسخ فكر ملموس. الارتفاعات التي يفشل أحيانًا في الوصول إليها. القارئ على متن الطائرة، ولكن يا لها من خيبة أمل فيما يتعلق بالمساهمة الأدائية - لإعادة صياغة المؤلف - للعمل! إن الإنسانية في طور تدمير مضيفها، الأرض، التي هي جزء منها لعدم اعتبارها أن العالم كله يشكل نظامًا مغلقًا تترابط فيه جميع الأجزاء، ولأنها مع ذلك سمحت للأناني المحلية بالتطور والاستمرار. بدلا من ذلك، دعونا نحترمهم على وجه السرعة بالتشريع ومن هنا العقد الطبيعي.. لكن ماذا يقصد ميشيل سير بالعقد الطبيعي؟ وما علاقته بالعقد الاجتماعي لجون جاك روسو؟

لقد تأمل في العقد الطبيعي جميع واجبات الإنسان في مواجهة تأثير أنشطته على التوازن العالمي للكوكب. يحدد مفاهيم الفلسفة العالمية للإيكولوجيا ضد العنف ضد الطبيعة وعلى أساس عقد اجتماعي جديد بين البشر.

في مقدمته للطبعة الجديدة لعام 2018 (التاريخ الأول من عام 1990)، كتب ميشيل سيريس "كان السؤال جديدًا للغاية بحيث لا يزال بإمكان المرء أن يظل هادئًا وينغمس في التكهنات النظرية". قصيدة علمية وقانونية جميلة تنسج فيها النظرية نسج ما قبلها بدلاً من أن تبني نمط ما بعده. دائما في نفس المقدمة "... لكن الحل الحقيقي هو أن يكون لدينا نموذج بديل. نحن مفقودون.... لست متأكدا حتى من أن لدي أي فكرة عن نموذج مثل هذا التجديد السياسي. "باختصار، تمرين رائع في الأسلوب ندرك فيه أن ميشيل سير يتفوق على زمنه.

من المهم دائمًا عندما تكون من دعاة حماية البيئة أن تسأل نفسك لتعرف ما إذا كنت تتبع نهجًا منفتحًا على العالم، أو إذا كنت منغلقًا على نفسك. يرسم ميشيل سيريس هنا صورة ذكية جدًا للطرق المختلفة لكونك بيئيًا، ومن الواضح أنه على حق مرة أخرى. الإيكولوجيا هي مدرسة فكرية، ربما تكون الأهم، وهي توضح ذلك بوضوح. في أرشيف صوتي حيث يمكننا سماع الفيلسوف ميشال سير يتحدث: "عمل فيلسوف قانوني" ولسبب وجيه! يندب الفيلسوف اختلاط الأنواع، والفيلسوف موجود للتفكير وليس للانخراط، بل إن المشاركة السياسية تقوض نطاق الخطاب الفلسفي. ومع ذلك، فإن الخطاب الذي يحمله العقد الطبيعي، وهو مقال تأسيسي حقًا يستحق اليوم أن يسمعه أولئك الذين يعتنقون القضية البيئية. انطلاقًا من ملاحظة تأثير جميع الأنشطة البشرية على التوازن الكلي للكوكب، والعنف الذي لا يرحم والذي يسود الآن بين الإنسان والعالم، يوضح ميشيل سير بأن هناك انفصالًا للعالم كقائد كامل وكبير. لاعب في التاريخ، لذلك يدعو إلى المصالحة، لعقد جديد يكمل عقد روسو الاجتماعي. إذا كان العقد الاجتماعي لروسو مصنوعًا من إنسان لآخر في العالم، فيجب أن يتم عقد ميشيل سير الطبيعي بين الإنسان والعالم. قبل ثلاثين عامًا، كان يُنظر إلى الرغبة في إنقاذ الكوكب على أنها مجرد وهم وحتى من قبل البعض على أنها إغراء فاشستي. حتى الآن، يبدو أن العالم بأسره قد التقط هذا الموضوع. في كل مكان نسمع فيه أن هناك حاجة لاتخاذ إجراءات عاجلة. ما يذكرنا به ميشيل سير هو أنه من الملح قبل كل شيء أن نفكر فيه. هذا هو السبب في أن عمله، العقد الطبيعي، يبدو أكثر أهمية من أي وقت مضى. فمتى يرى العقد الطبيعي النور في السياق الدولي؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...........................

المصدر:

ميشيل سير، العقد الطبيعي

 

عدنان عويدمنذ أن وِجِدَ الإنسان على هذه البسيطة، وفي كل مرة يتعرض فيها تاريخه لمنعطفات حادّة، تبرز لديه تلك الأسئلة القديمة الحديثة لتفرض نفسها عليه بقوّة خصوصاً عندما يشعر بعمق غربته واستلابه وضياعه أمام كلّ التطورات والتناقضات الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة التي خلقها هو نفسه عبر علاقته مع الطبيعة والمجتمع أثناء إنتاجه لخيراته الماديّة والروحيّة.

ولأن مسيرة حياة الإنسان تاريخيّة بامتياز، أي هي حياة يصنعها الإنسان بنفسه أولاً، ثم هي حياة لها سيرورتها وصيرورتها التاريخيتان ثانياً، أي هي حياة  تظلّ في حالة تطور وتبدل مستمرين، لذلك كانت تأتي الإجابات بالضرورة على تلك الأسئلة المطروحة في كلّ اتجاهاتها المختلفة في مضامينها ودرجة عمقها وأشكالها من مرحلة إلى أخرى، مرتبطةً بجملة الظروف الطبقيّة والنفسيّة والأخلاقيّة التي يعيشها الإنسان.

إنّ الإنسان منذ أن بدأ يجيد التساؤل حول ما يحيط به كما سيمرّ معنا، راح يحرر عقله من كل محددات الضرورة الطبيعيّة أولاً، ثم يعي نفسه ككائن له وجوده (الأنطولوجي) الخاص به على هذه البسيطة ثانياً، وله خصوصياته الجسديّة والفكريّة والعمليّة التي تميزه عن بقيّة الكائنات الأخرى التي تحيط به ثالثاً، الأمر الذي دفعه باستمرار أن يسأل نفسه أيضاً أسئلة إشكاليّة كثيرة شكلت مفاتيح معرفيّة لكل تاريخه اللاحق، مثل: من أنا؟، وكيف جئت إلى هذا الكون؟. وما هي القوى التي تتحكم في مسيرة حياتي؟.  ولماذا أنا مختلف عن بقية الكائنات المحيطة بي؟. وما هي طبيعة العلاقة التي تربطني مع أفراد جنسي؟ ولماذا أنا وحدي من استطاع أن يؤثر في الطبيعة ويفرض هيمنته على الكثير من مكوناتها أو عناصرها، مثلما أملك القدرة على خلق عالمي المتفرد عن عالم غيري من المخلوقات التي سخرتها أنا ذاتي لخدمتي؟. وغيرها من الأسئلة الكثيرة التي يفرضها وجود الإنسان وتنوعه وتعدد أهدافه ومصالحه... الخ.

أمام هذه الأسئلة الكثيرة التي فُرضت على الإنسان منذ بداية حياته حتّى اليوم، تدفعنا شهوة المعرفة إلى القول: إنّ هذه الأسئلة التي عرضناها أعلاه، مرّت هي ذاتها في سياقها التاريخي بمراحل متعدّدة، ابتدأت بالتصورات الخياليّة المشبّعة بالخرافة والأسطورة والأوهام والماورائيّة، كما هو الحال عند الشعوب البدائية، وحتى عند الشعوب التي وصلت إلى مرحلة الاستقرار وأقامت نواة الدولة، كالبابليين والأشوريين والسومريين والإغريق وعند الهنود والصينيين والرومان وغيرهم، لتصل فيما بعد مع حلول القرون الأخيرة لما قبل الميلاد، إلى مرحلة التطور العلمي المرتبط بالرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلم الفلك وغيرها من العلوم، التي راحت تحطم منذ بداية ظهورها تلك الأسئلة القديمة وإجاباتها، وتفرض أسئلة فلسفيّة جديدة ممزوجة بالطابع العلميّ في المراحل المتقدمة من حياة الإنسان وتوسع نشاطه العمليّ والروحيّ معاً، وعلى اعتبار أنّ أهم هذه الأسئلة التي راح يطرحها المهتمون أو المختصون بالشأن الفكريّ، ما يرتبط في كيفيّة تشكّل الكون والخلق وما هي مواد تشكلهما، وبما يتعلق بالوجود الحياتي للإنسان، لذلك تأتي أسئلة وأجوبة الفلاسفة والمفكرين التي طرحوها أثناء محاوراتهم ونظرياتهم عن هذا الوجود الطبيعيّ والبشريّ، هي الأكثر قدرة وشموليّة في هذا الاتجاه، من مبدأ، أنّ الفلسفة ومناهجها أو طرق وأساليب تفكيرها، هي من تقوم بدراسة القوانين الشاملة لتطوّر الواقع وانعكاسه في الفكر الإنسانيّ، وعلى الرغم من تَغَيُرِ طبيعة هذه الأسئلة وعمق إجاباتها إلا أنّ قضايا الوجود والمعرفة والحياة الإنسانيّة هي الشاغل الرئيس لجميع المذاهب الفكريّة والفلسفيّة المثاليّة منها والماديّة، وفي مقدمة المسائل التي ُطرحت حولها الأسئلة وأجيب عنها، تأتي المسائل التالية:

أولاً: الأنطولوجيا: أي مسألة الوجود الموضوعي للعالم، ومن الأسئلة المطروحة هنا: هل الطبيعة أو العالم قائماً بذاته؟. وهل هذا العالم مادي أوسرمدي لا نهاية له؟ أم له نهايته ومحدث خلقه الله كما يقول رجال الدين؟، أو من الفكرة المطلقة كما يقول هيجل؟، وهل هذا العالم في حركة وتطور وتجدد بشكل دائم وفقاً لقوانين موضوعيّة – سنن كونيّة - مستقلة عن وعي الإنسان وإرادته؟. أو أنّ مثل هذه القوانين غير موجودة أصلاً، وما نلاحظه من حركة الظواهر وتبدلها جاء نتيجة قوة أخرى من خارج عالمنا هي  الروح المطلق أو الله، أم من داخل آليّة عمل هذه الظواهر دون تدخل أيّة قوى أخرى من خارجها.

ثانياً علاقة الناس بالعالم: تتجلّى هذه العلاقة في نشاط الناس العمليّ والفكريّ  والنظريّ الذي يرتدي بوجه عام طابعاً اجتماعياً، ويتحدد في نهاية المطاف بأسلوب الإنتاج المسيطر داخل المجتمع، وما يفرزه هذا الأسلوب أو ذاك من تناقضات بين المالك والمنتج، ثم تَحَوُّلُ هذا التناقض إلى صراع طبقيّ على أساسه تتمّ عملية تطور الواقع والفكر معاً من جهة، ثم تغير الواقع نفسه وخلق علاقات جديدة من جهة ثانية، وهذا ما لمسناه في تغير الكثير من المجتمعات تاريخيّاً بدءاً  من المرحلة العبوديّة إمروراً بالإقطاعيّة وصولاً إلى الرأسماليّة كما هو الحال في المجتمعات الأوربيّة، بيد أنّ الأسئلة والأجوبة التي طُرحت من أجل معرفة أسباب هذا التحولات راحت تتوزع بين المثاليّة بكلّ أشكالها أو توجهاتها الدينيّة اللاهوتيّة والميتافيزيقيّة والمثالية الذاتيّة واللاأدريّة والحدسيّة.. الخ، إلى جانب الماديّة بكلّ أشكالها وتوجهاتها أيضاً، كالماديّة الساذجة أو المبتذلة، والمادية الجدليّة  التي تتخذ من الصراع الطبقيّ بشكل خاص إجابة على هذه التحولات كما بيّنا أعلاه.

ثالثاً القضايا الابستمولوجيّة أي المعرفيّة: وتتجلّى خاصةً في قضيّة العلاقة بين الفكر والواقع أو الوجود، أي بين تصوراتنا ووعينا عن العالم، والعالم ذاته المحيط بنا أو ما يمكن تسميته بعلاقة الذات والموضوع، وكذلك النظر في  أشكال المعرفة ووسائلها وطرقها ودرجاتها كافة، إلى جانب مشكلة الحقيقة وما يسوّغها أو يؤكد وجدودها.

إنّ الفكر الفلسفيّ في حقيقة أمره فكر منطقيّ، يتطلب صيغاً منطقيّة معينة ومقولات ومفاهيم وقوانين الجدل نفسه، كالحركة والتطور والتبدل، وكذلك يتطلب الاستنتاج والاستقراء والاستدلال .. الخ.

رابعاً دور ومكانة الإنسان: وفي هذا الاتجاه تركّزت الأسئلة والأجوبة عن معنى التاريخ الإنسانيّ وقواه المحركة، وآفاق تطور الفرد والمجتمع الإنسانيّ عموماً، فجاءت الإجابات أيضاً موزعة بين فلسفة التاريخ التي تربط حركة التاريخ بقوى غيبيّة مطلقة أو بإرادات ملوك وأمراء، أو بشهوات سلطويّة لشخصيات كاريزميّة..الخ، كما جاءت الإجابات قائمة أو متكئة على مناهج بحث علميّة، ركّزت كثيراً على دور الإنسان في صنع تاريخه وقيمه وأخلاقه وفنّه ومجمل حياته، متخذة من علم الاجتماع وعلم التاريخ وكلّ العلوم المتاحة التي أكدت موضوعيتها ومصداقيّة نتائج بحوثها التجريبيّة، وهي علوم تناولت جوهر الحياة الاجتماعيّة وقوانينها وبنياتها والعلاقات المتباينة بين جوانبها الماديّة والروحيّة، وكذلك العلاقات القائمة بين الفرد والمجتمع وبقية المجتمعات ومكوناتها.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سوريّة