حاتم حميد محسنماذا نعني بالقول ان هذا الشيء جيد؟ انه سؤال بسيط. لكن الجواب أبعد من ذلك. انه سؤال شغل فلاسفة الأخلاق لقرون عديدة . كيف نفهم تعبير مثل "هو فرد جيد" او "هذا كتاب جيد" والعبارة المتكررة في كتاب التكوين "الله رأى ان ذلك جيدا"؟

نحن نستعمل كلمة "جيد" او good كل يوم. "صباحا جيدا"، "حظا جيدا"، "يوما جيدا"، ولكن ماذا نعني حقا عندما نتلفظ بتلك العبارات؟

من بين إهتمامات الفلسفة الأخلاقية هي ان تعرّف بدقة وبما يكفي معنى الخيرية goodness. اهمية هذا تنبع من ان معاني الخيرية تضع أساس النظرية الاخلاقية. فرع الأخلاق الذي يهتم في معنى الخيرية يسمى نظرية القيمة value theory. الذرائعيون(1)، مثلا، يعتقدون ان الخيرية تُعرّف باعتبارها الفعل الصحيح. أي، مهما كان الشيء الجيد هو ايضا صحيح، انه جيد فقط اذا كان ينبغي علينا فعله. اخلاقيو الواجب(2)، من جهة اخرى، يعتقدون ان الخيرية تعرّف بما لدينا من أسباب لعمل شيء ما. اذا كانت لدينا أسباب لعمل (س)، عندئذ يكون (س) جيدا.

نحن لانحتاج اللجوء الى اي نظرية اخلاقية لفهم لماذا يجب ان تتأسس العقائد الاخلاقية على نظرية القيمة لأن القيم هي التي ترشد الأفعال. وهكذا، فان الفهم الملائم للقيم يقودنا الى فهم ملائم لأفعالنا.

الخير التقييمي والخير الوصفي

قبل مناقشة النظريات المتنافسة في الخيرية، نحتاج توضيح شيئين هامين.

"الجيد" يمكن ان يكون وصفيا او تقييميا. الفلسفة الاخلاقية تهتم كثيرا بالأخير. ما هو "الجيد" الوصفي؟ هذه يُعبّر عنها عموما في ألفاظنا مثل "يوما جيدا" و"حظا جيدا". عندما نرغب لشخص ما حظا جيدا نحن نصف يوما سارا نرغب ان يلقاه ذلك الشخص. المهم، نحن لا نقيّم حقا الأشياء عندما نقول "حظا جيدا".

من جهة اخرى، "الجيد" التقييمي يتضمن أحكاما. عندما نقول "هذا كتاب جيد" او "هي بنت جيدة"، نحن لا نصف فقط شخصا ما او شيئا ما وانما نطلق أحكاما.

بعض الفلاسفة يعتقدون ان الادّعاءات التقييمية بالضرورة تأتي مع ادّعاءات معيارية. ذلك يعني عندما أقول "هذا كتاب جيد"، انا ايضا اقول ولأسباب معينة انك يجب ان تقرأ الكتاب.

بعد توضيح الفرق بين المفهومين سنكون أمام مهمة طرح الأسئلة التالية:

ماذا نعني عندما نقول ان شيئا ما او شخص ما "جيد"؟

سنناقش ثلاث نظريات في الخيرية وما فيها من قوة وضعف.

الجيد البسيط او المجرد Good-simpliciter

وهو تعريف الخيرية الذي عرضه G.E.Moor . من المفارقة، في تعريف الخيرية، ان مور استنتج ان "الجيد" ليس له تعريف ابدا. في كتابه المبادئ الاخلاقية In Principia Ethica هو يكتب: "الجيد، اذا كنا نعني به الصفة التي نزعم تعود لشيء عندما نقول ان الشيء جيد، نكون غير قادرين على أي تعريف. ان أهم معنى "للتعريف" هو الذي فيه يحدد التعريف ما هي الأجزاء التي تركّب كلا معينا، وبهذا المعنى تكون "جيد" ليس لها تعريف لأنها بسيطة وليس لها أجزاء". هنا يجادل مور انه لكي نعرّف شيئا ما، نحن نحدد الاجزاء الضرورية للفكرة او الشيء المراد تصوّره.

فمثلا، "الثدييات" عُرّفت كصنف من الحيوانات التي تحوز على غدد ثديية تستعملها الاناث لإنتاج الحليب لصغارها. بعمل كهذا، نحن نحدد "الأجزاء" الـ "ثدييات": غدد الثدي في الاناث ضرورية لتصوّر الـ "الثدييات". ومن جهة اخرى، الألوان لا يمكن تحديدها. اذا كان عليّ ان اسألك ماذا تعني بـ "أصفر"، انت لا تستطيع توضيح ذلك بمجرد كلمات، على عكس الثدييات. انت ربما تنتهي بالاشارة الى الموز الذي هو اصفر وتقول: "ذلك أصفر". لكننا كلانا نعرف ان الشيء الذي اشرت اليه هو الموز وليس "اصفر".

"نحن ربما نحاول تعريفه بوصف مساوي له فيزيقيا، ربما نقول اي نوع من اهتزاز الضوء يجب ان يحفز العين العادية، لكي نتصوره. ولكن لحظة تفكير تكفي لبيان ان اهتزازات الضوء تلك ليست بذاتها ما نعني به الاصفر. انها ليست ما نتصور". يجادل مور ان "جيد" مثل "اصفر"، لا يمكن تعريفها. وبعبارة ادق انها لايمكن تعريفها . بالنسبة لمور كلمة "جيد" هي شيء بسيط، لايمكن تحليله، عبارة لايمكن تعريفها نستعملها لوصف شيء، "بسيط"، وعليه، تكون جيد بسيطة.

اطروحة مور هامة بطريقة معينة. انها تجعل تصور وتحديد "الجيد" بديهي. بمعنى نحن بديهيا نعرف ما هي الاشياء الجيدة وما هي الاشياء السيئة.

بنفس الطريقة التي بها نحدد ونفهم الالوان، الروائح، وحتى الرياضيات، نحن فقط نعرّفها. لكي نعرف ان "العمل الخيري جيد" هو نفس معرفة ان "الموز أصفر" او "2+2=4".

غير ان الجيد البسيط يبدو يقترح ان "الجيد" هو شيء غامض لانستطيع تعريفه بشكل ملائم. هل ذلك يعني اننا لا نستطيع اخبار الناس ماذا نعني عندما نلفظ عبارة "هذا قلم جيد". J.J.Thomson يسأل ماذا نعني بـ "قلم جيد". هل القلم مريح في الكتابة؟ هل ينتج انطباعات منسجمة؟ هل الكتابة اليدوية تحسّن مباشرة استعمال هذا القلم؟

كل واحد منا سيقول "نعم" لأي او لجميع تلك الاسئلة. "القلم الجيد" يمكن تعريفه بمقدار ما هو مريح في الكتابة ومقدار تحسّن الكتابة اليدوية باستعمال هذا القلم. لكن مور سيقول (لأن "جيد" هي تماما مثل "اصفر"): "فهو مجرد شيء بسيط جيد. لاشيء اكثر من ذلك.

جيدا لـ Good-for

(الخيرية لـ ) هي الفكرة بان ما هو "جيد" يُعرّف ذاتيا. اي، اذا كان شيء ما جيدا، فهو يمكن فهمه جيدا للفرد. لذا، اذا كان التبرع للجمعية الخيرية جيدا، فهو مفهوم فقط عندما يعني : "ان التبرع للجمعية الخيرية هو جيد للفقراء".

لكي يكون جيدا يعني ان يكون جيدا لشخص ما او لشيء ما . (الجيد لـ) خصيصا لم ينل فهما جيدا للخيرية في الفلسفة الاخلاقية. انه تصوّر تطوّر من الأنوية egoism. معظم الفلاسفة وحتى الافراد يجدون الأنوية غير كافية كنظرية اخلاقية. مور جادل ايضا ان أنوية (الجيد لـ)غير كافية لأننا نستطيع ان نفهم (جيدا لـ) بنفس عبارة الجيد – البسيط. هو ذكر ان "التبرع للجمعية الخيرية هو جيد للفقير" يمكن تجزئته الى "التبرّع للجمعية الخيرية جيدا" و"الفقير استلم التبرعات". ونفس الشيء، القول "البروتين جيد لي" يعني القول "البروتين جيد" و"انا أحوز على ذلك البروتين". بالنسبة لمور، (الخيرية لـ)هي تماما نفس حيازة المرء على الجيد – البسيط.

المدافعون عن (الخيرية ـ لـ ) والذين هم عادة عالميون ساعون وراء المتعة سوف يعيدون جدال مور الى الوراء. هم يرون ان الجيدـ البسيط هو نسخة عالمية (للجيد ـ لـ ). بمعنى لو ان كل شخص يوافق على ان (س) هو جيد لـ كل شخص، عندئذ فان (س) هو ايضا جيد – بسيط. فمثلا، القول "البروتين جيد" هو القول "البروتين جيد لي" والبروتين هو جيد لكل شخص آخر".

نسبة الخيرية او التميز الاخلاقي Attribute Goodness

آخر نظرية شهيرة في الخيرية تطورت من أخلاق الفضيلة virtue ethics. انها تقترح اننا عندما نقول ان شيء ما جيد، فنحن بالحقيقة نقول انه جيد كشيء. فمثلا، عندما أقول "هذا كتاب جيد" انا أعني ان هذا الكتاب جيد ككتاب.

بكلمة اخرى، عندما نقول ان شيء ما جيد، نحن نشير لوظيفته وللآداء لكي نقيّمه بشكل صحيح. وبالنتيجة، عندما نقول ان الكتاب "جيد" نحن نقصد ما نعتقد يشكّل وظائف وأغراض الكتاب. في هذه الحالة، غرض الكتاب يمكن ان يسعدنا، كقصة مثيرة.

لذا، يمكن القول ان الممتع الجيد هو كتاب يسعدنا بشكل ناجح. القول "هذا كتاب جيد" يعني القول "هذا الكتاب وسيلة لإمتاعنا، وهو بالفعل يمتعنا".

مثال آخر "ريتا هي ام جيدة". مناصرو ميزة الخيرية يقولون عندما نقول هذا، نحن نقول ان ريتا تعرض بكفاءة مهارات ووظائف رعاية تامة. ان لفظ "ام جيدة" و"كتاب جيد" تُفهم فقط لو عرفنا اي وظائف تقدّمها الامهات والكتب. وبالنتيجة، تعبير مثل "اجنبي جيد"، غير مفهوم لأننا ليس لدينا فكرة عما يجب ان يكون عليه هدف وظيفة الأجنبي.

الفيلسوف الاخلاقي ثومسون في نقده لتصور مور للخيرية، والدفاع عن سمة الخيرية يكتب: ... كل الخيرية هي خيرية بطريقة معينة، ... اذا نحن لا نعرف الطريقة التي يعني بها الانسان ان شيئا ما هو جيد عندما يقول "ذلك جيد"، عندئذ نحن ببساطة لانعرف عن اي شيء يتحدث. ربما هو يعني ذلك جيد للأكل، او انه جيد للإستعمال في صنع كيك الجبن، او انه جيد لمور. لو هو يخبرنا، "كلا، انا اعني انه فقط شيء بسيط جيد"، عندئذ نحن نستطيع الافتراض انه فيلسوف يعمل نكتة. (ثومسن، الحق والجيد).

ميزة الخيرية تعرضت لنقد المغالطة الطبيعية naturalistic fallacy. لاحظ ان هذه النظرية تدعونا لننسب الخيرية لصفات طبيعية للاشياء والموجودات. حين نقول "ريتا ام جيدة" نحن ننسب الخيرية الى صفات طبيعية لراعية كفوءة. في القول "هذا كتاب جيد" نحن ننسب الخيرية الى صفات طبيعية لكتاب ممتع. اذا قبل احد حجة مور وحجة المغالطة الطبيعية، عندئذ فان ميزة الخيرية ستفشل وسنعود الى نقطة البدء وهي تصوّر مور للجيد البسيط.

استنتاج

هناك إجماع قليل على معنى الجيد. البعض يجادل ان "الجيد" له معاني مختلفة وان "الجيد" جمعي. هذا يعني اننا نعترف بالنسبية الأخلاقية . هذا التحقيق هو بسيط لكنه مع ذلك مربك. ذلك بسبب اننا نستعمل "جيد" بتحرر ووعي. نحن عادة نعرف ما نعنيه بالقول "انت فرد جيد"، "هو عامل جيد"و "هذه سكين جيدة".

لكنه محيّر لأنه عندما نبدأ التفكير حول ما نعنيه بقول هذه الاشياء، سندرك اننا حقا لا نعني في الواقع ما نريد قوله. أي، ليس لدينا فكرة حول ما نعني به حقا.

 

حاتم حميد محسن

......................

الهوامش

(1) الذرائعيون consequentialists هي نظرية اخلاقية ترى ان الفعل يكون جيدا او سيئا اعتمادا على محصلة ذلك الفعل. الفعل الذي يجلب فائدة اكثر من الضرر هو فعل جيد، بينما الفعل الذي يسبب ضررا اكثر من الفائدة هو سيء.

(2) اخلاقيو الواجب Deontoogists يعتقدون ان الاخلاق جيدة او سيئة طبقا لعدد من القواعد. الافعال التي تطيع القواعد الاخلاقية تكون جيدة، اما الافعال التي تخالف تلك القواعد تكون سيئة. النفعية تعتبر اشهر صيغ هذا النوع من الاخلاق.

 

 

سامي عبد العالالاستعارةُ لها مكانة طاغية في الطقوس والنصوص الدينية، لدرجة أنَّها تمثل لغة رمزية تقارب الموضوعات التي لا يدركها العقلُّ بسهولةٍ. وربما أنَّ أغلب ما ينتمي إلى هذا المضمار لا يخرج إلاَّ من رحم الاستعارات وظلالها. فدلالة الله والملائكة والنبي والخير والشر والقيامة والجنة والنار لا تخلو من استعارات الأصل والنورانية والمثال والأحلام والعلو والعذاب والنعيم المقيم. بحيث يكون المعنى منقولاً من أصل ما (طبيعي أو تاريخي أو خيالي أو مفترض أو مثالي: النور على سبيل المثال) إلى أصلٍّ آخر يرسم صورته ويحقق مضاعفة الأصول وتراكم معانيها.

فالاستعارة metaphor لغوياً (في أصلها اليوناني والعربي) هي رفعُ الشيء (أو دلالته) وتحويله (أو تحويلها) من مكانٍ إلى آخر، فهي عند كُلٍّ من أرسطو وعبد القاهر الجرجاني والجاحظ تتضمن حركة النقل والفعل المزدوج هذا. كأنْ يُقال: استعرتُ من فلانٍ شيئاً ما، أي أنني قد حوَّلتُه من جانبه إلى جانبي، والمضمون نفسه بصدد استعارت الكلام أثناء الاستعمال والتداول. فالاستعارة عبارة عن استعمال كلمة أو معنى لغير ما وُضِعت به أو جاءت له لوجود شبه بين الكلمتين. وذلك بهدف التّوسُّع في الفكرة والمماثلة بينهما ضمن نطاق أكبر، أو أنّ الإستعارة هي تشبيه حُذِف أحدُ أركانه، فكان الركن الحاضر معبراً بقوة الغائب عما تعبر، كقول الشاعر: " وإذا المنيّة أنشبت أظفارها "، حيث أنّ كلمةَ المنيّةِ التي تعني الموت ليست لها أظافر فعلية كما تعنى الكلمة حرفياً، لكن الشاعر شبهها مجازاً بالوحش الذي يمتلك أظافر داميةً وشرسة، وقد حُذِف هنا المُشبَّه به (وهو الوحش الكاسر)، وطُبّق فنّ الاستعارة باستخدامه كلمة لغير ما نستخدمها عادةً.

أقرب الأمثلة دينياً على روح الاستعارة (وبقليل من التّصرُف والتأويل) هو ما ورد في نص القرآن: " اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ..." (النور35)

 حيث تعبر دلالة" النور"عن استعارةِ معانٍ لا تتحدد عند الإنسان بالخلفيات الدينية المعهودة سلفاً. لكنها تكشف طبيعةَ هذه الخلفيات إلى درجة بعيدةٍ، أي تقول استعارة النور بالوقت نفسه: لا تنتظروا أيَّ معنى مادي بعينه على غرار الأديان القديمة. وتباعاً ترتبط الدلالة المنقولة (النور والضياء والتجلي) بالخلوص والطهرانية والبُعد عن التجسيم. هذا بالرغم من أنَّ الصورة الاستعارية العامة هنا بها نوعٌ من التشبيه البليغ (الله نور السموات والأرض) ونوعٌ من التشبيه التمثيلي (مثل نوره كمشكاةٍ) وقد أجاز الإمام القرطبي الوجهين معاً بهذا السياق. فالاستعارة في الآية القرآنية هي استعارة تمثيلية تستند إلى تشبيه تمثيلي حُذِفَ منه المشبّه وهو (الحالة والهيئة الحاضرة) وصرح بالمشبَّه به وهو (الحالة والهيئة السابقة) مع المحافظة على كلماتها وشكلها.

1- النور بمثابة الأصل كأحد عناصر الطبيعة، وهو الشفافية المطلقة الناتجة عن وجود الله المطلق.

2- جاء النور كتمثيل تلقائي بلا تجسد ولا توثين (من الوثن) ولا تصنيم (من الصنم).

3- النور يسمح بالتخييل، لكنه يسمح أيضاً بالتحرر لأنه يضيء. كل نور هو حرية قابلة للاتساع والانفلات من حدود المكان.

4- الإضاءة آتية من كيان النور ولا مباعدة بينهما، فالنور دون غيره يحمل الإضاءة في ذاته وخارجها.

5- النور نسبي بالنسبة إلى الله، لأن الآية لم تقل (نور الله مثل نور كذا)، لكنها قالت الله نور السماورات والأرض: أي أن الله هو أصل النور فضلاً عن التداعي الحر لدال النور.

6- مثلت الآية نور الله بالمشكاة التي تلتمس منها الموجودات الضياء. على أساس أن أصل النور يلتمس غيره منه الضياء والانكشاف.

7- النور لا جهات له ولا كيفية ولا كمية ولا زمان.

8- الإستعارة تضاعف المعنى، فلئن كان الله نوراً، فهو نور على نور وجاء المعنى عائداً بالنور إلى ذاته. كما يقول أبو الطيب المتنبي: (أرقٌ على أرقٍ ومثلي يأرق .. وجوى يزيدُ وعبرة تترقرقُ).

9- تفاعل المعاني في الآية يتم بناء على تفاعل الاستعارات والتشبيهات حول دلالة الله وصوره في الأديان والعقائد.

المهم ولأجل التوضيح فإنَّ هذه الاستعارة في سياق النص القرآني بارزة المضامين والدلالات بحسب الاعتقاد في فكرة الإله، غير أن اتساع الدائرة في توظيف تلك الاستعارة سياسياً لممارسة القوى المجازية أمر معقد وخطير على صعيدي اللغة والدين. لأنَّها (أي الاستعارة) إحدى قوى اللغة التي غالباً ما ننسى أصلها وكيفية تحركها بشكل لا واعٍ عبر المجتمعات. وفوق هذا وذاك ربما لا نلتفت إلى أنها تنتج معانيها داخل أتون المآرب والأهداف. لدرجة القول بأن الممارسات الدينية هي استعارات حيّة تمشي على الأرض وليست ثمة معان لا تختلط بتكوينها الإنساني وتقرب كيفية العيش والتفكير لدى المؤمنين والاتباع والحواريين.

وهناك مثال آخر وهو طقس (العشاء الرباني) في المسيحية، إذ يعد استعارة دينية متخيلة وحية بالمثل، فهو خبز ونبيذ وتراتيل وأخيلة بين الأتباع والحواريين القصد منها هو الحياة بالمسيح. إن العشاء الرباني هو خبز الحياة الذي احتفل به المسيح قبل صلبه مباشرة. ففيما كان المسيح جالساً مع تلاميذه قال: " اشْتَهَيْتُ بِشَوْقٍ أَنْ آكُلَ هَذَا الْفِصْحَ مَعَكُمْ قَبْلَ أَنْ أَتَأَلَّمَ…وَإِذْ أَخَذَ يَسُوع رَغِيفاً، شَكَرَ، وَكَسَّرَ، وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: « هَذَا جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ لأَجْلِكُمْ. هَذَا افْعَلُوهُ لِذِكْرِي! » وَكَذلِكَ أَخَذَ الْكَأْسَ أَيْضاً بَعْدَ الْعَشَاءِ، وَقَالَ: «هَذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ لأَجْلِكُمْ"  (لوقا 22: 15، 19-20)

 وتلك الاستعارة تشكّل صلب ما تتوافر من معانٍ في هذا الطقس، فهو صورة مادية شديدة الحساسية، غير أن المضمون رمزي حتى النخاع، لأن الخبز كمادة للعيش والطعام لن يكون حياةً إلا بتمثل الروح القدس داخله، بل إنه عشاء من لحم المسيح الحي. كأن الاتباع والحواريين سيأكلون جسد المسيح بالفعل وسيشربون دماءه، حتى يتجرعوا نسغ الحياة الأبدية في أرواحهم وأجسادهم. وربما ليست هنالك أية آلية أمام هذه الذهنية البسيطة خلال هذا الزمن سوى التمثيل الرمزي (استعارة العشاء الرباني) لما سيعيشون فيه وسيعيش فيهم بالتزامن. إنه طعام المسيح كخبز للأبد حيث أخذ العهد بشكل استعاريٍ فاعل.

 وبنظرة إجماليةٍ إذا كانت الاستعارة آليةً دينيةً (مسيحياً واسلامياً)، فهي بالأحرى ناقلةٌ لخلفيات الفكر فيما وراء المعتقدات والطقوس الأخرى. ولا سيما في مجال التفاعل البشري داخل الجماعة الإنسانية التي ترى انعكاسَ صور الايمان في أفعالها. كل استعارة تتم ممارستُها دينياً إنما تُحدّد: بأي معنى كانت سلطتَّها في المجال المنقولة (منه) ولماذا تكتسب المعنى ذاته في المجال (المنقولة إليه)؟ وأيُّ نوعٍ من التأسيس الآخر الذي قد يستند إليها إزاء الآخرين؟ إنَّها عملية ثقافية كاشفةٌ قبل كونِّها تحولاً ضاغطاً للمعنى المقصود. ولعلَّ الاستعارة الدينية بهذا التكوين هي عملية ذات طابع فردي جمعي، فالإعتقاد يخص الأفراد من حيث هو مرهون بايمانهم وكذلك فإن التعبير عن فحواه يتوقف على الرؤى التي تضمه كفرد إلى غيره حيث يعيش داخل (الصور المتاحة). فجماعة الإيمان استعارة ترتبط بدلالة اللحمة الاجتماعية المتماسكة في حدود أفعال الخير والشر والتعبير عن الجماعة العامة الراعية لأفرادها باسم الدين.

 حقا لم تُقرأ الاستعارات في النصوص والوثائق والتفسيرات الدينية إلاَّ كصيغ لغويةٍ فقط. لكن الأهم فيما أتصور هو قراءتها كعمل طقوسيٍّ في عتمة التفكير الديني المرتبط بالدجما العقلية أو الأيديولوجيا الجماعية. ذلك مثلما كانت الاستعارة (من قبله) فاعلةً في القصص الاسطوري والملحمي والشعبي والفلسفي إجمالاً. لذلك كلما كانت الاستعارات مشحونةً بمحددات العقائد كلما جاءت ذا طبيعة رمزية. وهنا التهديد القادم رأساً مع أبنية اللغة والفكر: أنها تتضمن إمكانية التفلُّت (عكس المُتوقع لها) من الهدف الجاري ورائها على المدى القريب. ولأنه بفضل مجازيتها المراوغة ستؤدي حتماً إلى انحراف المعاني.

 خطورة الاستعارة أنها تبدو سريةً تماماً حينما تتقلَّب باعتبارها مسكونةً بازدواج الدلالة (بين هذا وذاك – ازدواج المفارقة – ثنائية التبادل). لأنَّها تعاند نسق الأفكار المهيمن عليها داخل آفاق القراءة وحين يتم انتاج دلالات النص من جديدٍ. فالاستعارات لا تنسى انتماءها المرن والزلق إلى المجاز بحكم طبيعة اللغة. إذ أن عالم المجاز أوضح المناطق النصية انزلاقاً نحو ما لم يكن مرغُوباً وربما تبعاً لبنيته الخاصة حتى. يبدو أنَّ نصاً دينياً (مثل كتب السرد العقائدي والمذاهب والأيديولوجيات الدينية) يظهر كيقين أمام متلقيه بينما تعطيه الاستعارات اشباعاً فنياً (بمدلوله الخيالي) إلى حد الخلخلة. فهي قد لا تلتئم منطقياً مع تكوين النص على نحو عام، لكونها لا ترجِّح أحد معانيه دون الأخرى ولا تُفلح في حسم الإزدواج بصورة واضحة. على أدنى تقدير فإن هذا الازدواج يسرطن أبنية النصوص الدينية مستحضراً غير الديني بالضرورة. والحقيقة في هذا الشأن: أنَّ الاستعارة لا ترضى بديلاً عن تعددية النص و تحولاته الضمنية. فطالما تنقل مستوى دلاليّاً من حقول معرفية أو فكرية ما إلى حقل الدين، فلن ينتج عنا سوى كمٍّ من المعاني بنبرة التباين ... أي زيادة هذا التراكم وتناسل هذا التضاعف.

 من تلك الزاوية، فإنَّ خداع الاستعارات بلاغياً وفكرياً لا ينتهي في عالمنا الراهن. الجماعات الدينية على سبيل المثال تترسخ لديها (استعارة القبيلة metaphor of tribe) من حيث هي تنظيمات قائمة على (تراث علاقات القرابة) المماثل لبنية العلاقة العضوية بين الناس. ثمة تبديل دلالي متكَتِّم تتوسطّه الاستعارات بين الواقع وعالم المجاز جراء الرغبة الغُفْل في الإيجاد، في ترك الأثر، في التحقق. كل اعتقاد ذي طابع ديني يسهل تبديلاً كهذا لصالح ما يذهب إليه، لأن الايمان واليقين يقفان على هذا المفترق من الطرق والتنوع. وبفضل ضغط الاعتقاد المتواصل توحداً بمضمونه، كانت الاستعارة أرضيةً تحمله إلى هنالك حيث لا فرق لدى المؤمنين، وحيث تسييس العقائد في مجالات الممارسة.

ربما كان ذلك سبباً غير مباشر وراء تماسك الجماعات الدينية وتكتلهم في مواجهة المجتمع بوصفهم يعيشوا زخم التجارب الجمعية لا الفردية. لكنه فوق ذلك سنجده نوعاً من التكتل الزائف. فما إن يواجهوا واقعهم حتى يبدأ انفلاق الجماعة إلى أحزمةٍ من الآراء والأعضاء والأفراد نتيجة عنف الاستعارات. ولهذا كانت كلُّ جماعة دينية حاملةً لفيروس الانشقاق تبعاً لمسار تاريخها الاستعاري. كانت جماعة الإخوان نقطةَ تجمُع لأجيال الإسلاميين ثم ما لبثت حتى انفرط عقدها إلى جماعات فرعية. التكفير والهجرة، أنصار السنة، أنصار الشريعة، بذور تنظيم القاعدة، الجماعة الاسلامية المقاتلة. جميعهم نتيجة تحطم الاستعارة الأم: الجماعة المؤمنة التي تطبق شريعة الله خالصة ارتباطاً باستعارات الأصل والنقاء. وهي الجماعة التي ظلت مغلَّفة بعباءة الفرقة الناجية في التراث الاسلامي. حيث تحتم تمايزها عن الأغيار باتباع منهج تراه اسلامياً خالصاً دون شوائب. وحيث تلتقي مع أغيارها تحت انعطافة القيامة كموعد تحدده النجاة الأخروية في أفق الديانات الابراهيمية عموماً.

الاستعارة هنا ماضوية وتمثل طقساً جماعياً عاماً بين الأفراد. فلا تقل الاستعارة عن كيان يعْبُر بالجماعة المؤمنة من مرحلةٍ إلى أخرى. ولكونها ضرباً من الخلاص قيد الحقائق المتخيلَّة، فهناك اتصال خفي بينها وبين كل جماعة سواها. خلال أحداث الربيع العربي (تونس- مصر) رأينا استعارة النواة (جماعة الإخوان المسلمين) التي انفلقت تستعيد حضانة الجماعات الفرعية مرة تاليةً. حيث انضمت إلى مواقف الإخوان بعض السلفية وأنصار السنة وتكتلت معها تحت رايات الجهاد العلني. وما كان منها مثل بعض الأحزاب الاسلامية الليبرالية التي كانت تنادي بالحرية والعدالة والمساواة قد عادت سريعاً إلى الاقصاء. إذن تتأرجح (استعارة النواة الصلبة) بحسب التلاعب الذي يخدم المصالح لكل هذه التنظيمات. وهي وفقاً للسياق تعد ذات طابع براجماتي في تلوين المضامين الخشنة دونما مشكلةٍ.

ولئن كانت (استعارة الفرقة الناجية) ترتد تاريخياً ضامة هذه الفرق والجماعات، فإنَّ استعارة "القربان" تصعد بالدواعش إلي أعلى وتحدوهم إلى أفعال القتل والذبح والسلخ والتقطيع وإراقة الدماء في كل مناسبة. قل ما شئت فجميع المذابح مبررة سلفا. ألاَ يأمرهم اللهبخلافة على منهاج النبوة؟! الاستعارة هنا ليست تبديلاً فقط لكنها " استعارة قاتلة " لدرجة التضحية بأي مخالف لتوجهاتهم. لقد اصبح إله الدواعش مُشاركاً على طريقة طلب القرابين في المعارك والحروب وفي تطبيق الحدود. إنَّها استعارة تتجاوز كل الحدود الإنسانية الممكنة. فقد تصبح الاستعارة عملية قتل لا تنتهي. وربما تمثل (بزعم أصحابها) وعداً يقينياً بالجنة وسط الجحيم الأرضي الذي تعيش فيه داعش.

تُسمَّي الاستعارة بهذا المفهوم استعارة ارتدادية، تختزل الإله والقربان في صور دموية باعتبارهما كذلك داخل سردية عنيفة. في جميع مسارح داعش المفتوحة كما رأينا كانت ثمة استعارات دينية متشظية كقنابل تفتك بأجساد ورقاب العابرين. حتى الصور لديهم كانت لقطات استعارية غير مألوفة تنتهك كيان الإنسان. كان الهدف منها بث الرعب والتخويف عن بعد لمن لازالوا على قيد الحياة. فالدلالة قريبة من زاوية القتل الرمزي لمن يخالف توجهاتهم عاجلاً أم آجلاً. وهم لا يكفون عن توظيف النصوص الدينية لخدمة آغراضهم السياسية، فالنّص لدى الدواعش حاضر تعاقبياً وتزامنياً في الوقت عينه. فحين يعترض شخص على المَشاهد الدموية، يغدو الردُّ جاهزاً على لسان النبوة: " نُصرت بالرعب مسيرة شهرٍ" كما جاء بالحديث المتداول بين الجهاديين الاسلاميين.

جاء تنظيم داعش مسخاً لهذا النص، وأبانَ كيف تتخلَّق اللغة في هيئة كائنات مشوهة لا نعرف أقفيتَّها من وجوهها. لا يفوتنا هذا اللثام الشهير الذي يرتدونه الدواعش أثناء طقوس الذبح وتقديم القرابين البشرية. وكأنَّه قناع لكيفية ترجمة النصوص الدينية العنيفة في جمجمة إرهابية. جماجم الدواعش مخازن لبارود نصي استعاري ساعيةً إلى تفجير المجتمعات بشكلٍّ غارقٍ في تاريخ الدماء.

ومع ذلك كله، فقد لا تخلو الاستعارة الدينية من انكسار عملها من حيث انتشارها الخاص. تماماً كالأشعة التي تنكسر عندما تنفذ من خلال المياه. فرغم محاولة كل استعارة دينية تأكيد صورتها المتخيلَّة، بيد أنها مسكونه بإمكانية الأصل. حتى في غير موضعها تظل الاستعارة راميةً إلى حيث يكون الأصل. وهذه هي المشكلة بالتحديد: أنَّ الأصول لا تأتي ولن تأتي إطلاقاً لا على صعيد الاعتقاد أو الممارسة. وإلاَّ لتخيلنا على الطريقة نفسها إمكانية رؤية الله عياناً بياناً والإمساك بوجوده من أول وهلة. ولذلك ستظل الاستعارة (بفكرة مسرحية " في انتظار جدو" لصمويل بيكت) تنتظر مالا يأتي!!

 كل أصل مفترض هو (صخرة الاستحالة) لأية استعارة تؤسس حركتها عليه. لأنَّها مازالت من أساليب القوى التي تخلط بين الواقع والخيال دون جدوى. وكذلك هي بالمقابل تمثل تضخماً دلالياً في الخطابات المتداولة التي لا تلوي على شيء. إنها أشبه بكم كبير من النقود لا قيمة له إلاَّ أقل القليل في أسواق البيع والشراء. حينها سنشعر بتضخم الملكية النقدية دونما ثقلٍّ حقيقي. في اللغة يوجد الشيء نفس بطريقة أكثر سرية داخل التعبيرات والألفاظ المستعملة. فكل نزوعة أصولية دينية fundamentalism عبارة عن اقتصاد اعتقادي لا حقيقة ورائها سوى التّضخُم الاستعاري. ولهذا سترتبط هذه النزعة الأصولية أو تلك دوماً بالانفجار دون سابق انذارٍ.

من ثمَّ، فإنَّ الأصولية الدينية مبنيةٌ على استعارات لن تأتي بالمضامين الأولية لما تكون عليه. إنَّها مجرد وعود لغويةٍ فاقدة الأصول كالعملات النقدية المزيفة. حقاً هي عملية تزييف للأصول التي تتحدث عنها وتنقل دلالتها من مجال إلى مجال. ولكون الأصولية بهذا المعنى متشددة فليست إلاَّ تزييفاً متعالياً في واقع بائس. وبخاصة أنَّ جواتب الدين توجد بهذا المعطى المتعالي لأجل عدم نقل تجاربها الأصلية. فالطقوس والشعائر والعبادات هي تجارب بالأصل وليست أصيلة. وثمة فارق جوهري بين الاثنين (التجارب بالأصل والأصيلة). فالأولى تعني امكانية استعمال وتوظيف الدين، مجرد محاولة ستكون معرضه للإخفاق الدائم طالما لم تستطع أن تكون أصلاً. أمَّا الثانية فلم توجد إلاَّ كحالة واحدة خلال العصور الذهبية للأديان. كما يسمونَّها أزمنة النبوة الأولى حيث تجلي الأصل في وجوده الأولي دون شوائب إلى حد بعيد. وهذا الالحاح الأصولي في كل نزعة دينية متطرفةٍ هو فقدان للأصول على نحوٍ ما.

لدى جماعة الإخوان على سبيل التوضيح تمثل أساليب التربية استعارات عاملة على استعادة الأصول المفقودة في تاريخ الإسلام. أصول الفرد المسلم الخانع والمطيع وأصول الفكرة النقية خارج التاريخ وأصول السياسة الشرعية بكل هيكلها الحاكم والقيمة التابعة لها. فهناك نماذج تاريخية ثاوية في آفاق الجماعة تطبعها داخل غرائز الجموع وطقوسها. ذلك من خلال التنشئة والاصطفاف والتنظيم الفيزيائي للعقول والأدمغة في قالب واحدة. فجاءت وضعيتها التربوية استعارةً مادية لا محالة، مثلها مثل فكرة الجسد الواحد كما يقال. كان الرهان أنْ يصبح العقل الإخواني مؤصلاً بحكم نمط التربية السائد. وإذا كان الاخوان يعتقدون أنهم جماعة بلا عنفٍ، فما يفعلونه بالاستعارة سيمثل أصوليةً مقنَّعة تمارس عنفاً لا يهدأ ولا يمل. وليس هذا فقك، بل قد تزداد مساحته اتساعاً بزعمها المستمر حول الإسلام والحكم والسعي وراء رسالته. بالنتيجة الضمنية أنَّ أفراد الجماعة تركوا الاسلام وعاشوا في ظلال الاستعارات الخاصة التي تلقي بظلالها على كل شيء.

إنَّ مشكلة الإخوان الحالية والمستقبلية مع (غياب عرش) سلطتهم لا كيف سيُعدلّون المسار ولا كيف سيرمِمُون التنظيم، إنما كيف سيخرجون من الاستعارات التي عاشوا فيها منذ تكوينهم الأول وأكدتها الأدبيات والأفكار التنظيمية اللاحقة. هذا الأصل لديهم هو الغول الاستعاري الذي خرج من (قُمقُم الماضي) مُشكِّلاً جميع حاضرهم ومستقبلهم. إنَّ أكبر تحدي للجماعات الاسلامية إجمالاً هو: بأيةِ وسيلةٍ يحطمون استعاراتهم التي نسجتها سردياتهم وأخيلتهم لدى الاعضاء وغير الأعضاء. دوماً هم لا يستطيعون اتمام هذا الخروج دون عودة ... ذلك خوفاً من تحطيم رؤوسهم بالأساس. والدليل أنَّه حين أخرجهم الواقع من بعض استعارات السلطة (الحُكم)، كتبوا وعبرو عن خروجهم كأنه خروج بني إسرائيل من أرض الرب، أرض مصر، أرض اللبن والعسل والسلوى. فقد كان هذا الخروج اليهودي الأخير خروجاً بمثابة النكبة التاريخية لوجودهم. وعلى الغرار نفسه كان خروج الإخوان من السلطة في غير دولة عربية نكبة بالنسبة لأفكارهم السائدة حتى اللحظة. فهم يتشوفون إلى العودة حين يُلقون الحسرات والزفرات على ما فقدوا من مجدٍ وأصول لم تكن موجودة يوماً ما. وهو الأمر الذي سيشكل دوامَ المظلومية في لاوعي الجماعة، وسيبرر أعمال العنف مهما ارتكبوا من أفعال حمقاءٍ.

 

د. سامي عبد العال

 

 

رحيم الساعديدعونا نفترض ان الفلسفة تمثل المجتمع المدني الحر الذي نشا في جبهتي مجتمع قتالي ودينيفالمجتمع الديني هو (النحل اليونانية والعبادات والأساطير اليونانية مع المدارس الدينية اوالإيديولوجية والتي كانت قبل بداية الفلسفة اليونانية رافق ذلك تزامن وجود المجتمع الحربيوالمجتمع العسكري اليوناني، وارى ان بزوغ الفلسفة انما يمثل ما يشبه المجتمع المدني معالتأكيد على ان الفلسفة أسست فيما بعد وقادت (عمليا ونظريا) الى خلق المجتمع المدني

واسجل هنا أسباب الافتراض الذي يحاول قراءة المجتمع والفلسفة اليونانية بشكل شامل:

1- أن المجتمع المدني جاء ليحد من تدخلات الدولة، ويشيع الحرية والمساواة والخير والحقوالعدل وهذا ما قامت بتأسيسه الفلسفة مع وجود الكثير من الصدامات مع فكر وقانون الدولةسواء مع الفلاسفة قبل سقراط انكساغوراس وانباذوقلس او مع سقراط او أفلاطون او مع التكيفالذي عمل به أرسطو مع الاسكندر . وأرسطو لم يميز بين الدولة والمجتمع المدني، فالدولة عندأرسطو بصفه خاصة والفلسفة السياسية اليونانية بصفه عامه يقصد بها مجتمع مدني يمثلتجمعا سياسيا أعضاؤه هم المواطنون الذين يعترفون بقوانين الدولة ويتصرفون وفقا لها

2- المجتمع المدني اخذ بأعباء تثقيف المجتمع الذي عانى من فراغ فكري وثقافي بسبب الآلةالعسكرية الحربية للدولة اليونانية، وهذا ما فعلته السفسطائية التي لم تنظر للحرب بل توجهتالى سدت الفراغ الفكري الثقافي في المجتمع الناتج من الحرب فهي مدرسة ومؤسسة اجتماعيةفكرية .

3- ارتباط المجتمع المدني ببيئة إيجابية، تصاحبه ولا تنفصل عنه، مثل توفر مناخ الحريةالشخصية، المواطنة، حقوق الإنسان، الممارسات الديمقراطية، الحراك الشعبي السلمي، العلاقاتالاجتماعية الوطيدة، والمشاركة السياسية، والبعض من هذه المفاهيم مر عليها الفيلسوفاليوناني ووضح موقفه منها، سلبا او إيجابا. فقد دعا أرسطو إلى تكوين مجتمع سياسي تسودفيه حرية التعبير عن الرأي و يقوم بتشريع القوانين لحماية العدالة والمساواة، إلا أن المشاركة فيهذا المجتمع السياسي تقتصر على النخبة،  ويحرم منها ومن حق المواطنة العمال و الأجانب والنساء .وهذا هو الجانب السلبي في تصورات أرسطو المدنية.

4- شيشرون أراد العودة لروح الشعب وأساس المجتمع المدني سيكون عنده هو العدالة التييشكلها العقل الذي يُفهم بوصفه الصالح العام، وجميع تشكيلات الدولة الشرعية تتأسس على(العدالة) التي هي المبدأ الأول، لأن الفساد السياسي يعني زوال المجتمع المدني.

5- هناك تداخل في التنظير الفلسفي لكل من الدين والسياسة والجانب الاجتماعي المدني لدىالفلاسفة سيما أفلاطون وأرسطو . وأرسطو أكثر الفلاسفة الذين عايشوا هذه الثلاثية فقد كتب فيالسياسة والجوانب المدنية وكان مستشارا الى قائد عسكري كبير، أرسطو أعطى تمييزا بسيطاللمجتمع المدني خارج السلطة السياسية ولكن عدم التطور المادي للمجتمع المدني وجملةالتنظيرات الموجهة لفهم هذا المجتمع جعلت من عملية التمييز بين المؤسسات الاقتصادية أو القيمالأخرى عملية غير ممكنة .

6- في اليونانية استخدم مفهوم المجتمع المدني كمرادف للمجتمع الجيد أو الرشيد وسقراطيحمل هوية دينية بانتمائه الى معبد دلفاي ومقاتل ضمن المنظومة العسكرية ويؤكد على مفاهيمالعدالة والتسامح والتمدن في المجتمع كسلوك عملي وتنظير مجتمعي ومعرفي . وكل هذا هوتنظير يستند الى التسامح والعدالة والأخلاق والمعرفة مع انه ضمن دولة عسكرية او دينيةمستبدة وقد دفع حياته ثمن مبادئه .

7- أفلاطون عاش وسط مشاكل عديدة سياسية (هزيمة أثينا العسكرية، الاضطراب الاقتصادي، التأزم السياسي، الفساد الأخلاقي) ولم يفلسف الحياة الاجتماعية من دون ربطها بالدولة، ومدينة أفلاطون انما هو جامع بامتياز للجانب المدني والعسكري والديني كما ان ثقافة أفلاطونهي دينية.

8- ان المجتمع الغربي ظهر بصورته الأولى مرتبطا بنظرية العقد الاجتماعي التي أحدثتالقطيعة بين السياسي (السلطة) والكنيسة (الدين) اذا فالمجتمع المدني يتوسط السلطة العسكرية (الدولة) والدينية الكنيسة . وهكذا كانت الفلسفة اليونانية مع تكيفها فيما بعد لتأسس لأسسالدولة وفق فهم الفلاسفة . ولا يمكن قيام مجتمع مدني قوى في ظل دولة ضعيفة بل هما مكونانمتكاملان لهذا يعمد الفلاسفة الى بناء اسس عقلانية ونظام اجتماعي قوي من خلال بناء الدولة .

9- وفى القرن العشرين طرح جرامشى مسألة المجتمع المدنى فى اطار مفهوم جديد فكرتهالمركزية هى أن المجتمع المدنى ليس ساحة للتنافس الاقتصادي بل ساحة للتنافس الايديولوجىمنطلقا من التمييز بين السيطرة السياسية والهيمنة الأيديولوجية . وقد يساعدني هذا المنحىفي تاكيد ما اردت من ثلاثية الدين والسلطة والمجتمع المدني عند اليونان.

 

أ. د. رحيم الساعدي

 

عدنان عويدالحركة الإنسيّة هي حركة فكريّة وثقافيّة تركز على الإنسان كجوهر في هذه الحياة، له استقلاليته وقدراته على الخلق والابداع بعيدا عن أية قوة أخرى حارج عالمه أو محيطه الذي ينشط فيه عند إنتاجه لخيراته الماديّة والروحيّة، متخذة من عقله وإرادته منطلقاً أو وسيلة لتحقيق مشروعه الإنسانيّ وإثبات ذاته.

لا شك أن الفلاسفة والمفكرين منذ أن بدأ التفكير الفلسفيّ يطرح نفسه على الإنسان والطبيعة معاً، كمشروع معرفيًّ (ابستمولوجي) يرمي إلى تفسير آليّة عمل الطبيعة والمجتمع وتفكير الإنسان ذاته، أخذ هذا المشروع الفكريّ في مراحل متقدمة من التاريخ الإنسانيّ اتجاهين فلسفيين هما:

التيار الأول: هو الاتجاه أو التيار المثاليّ، الذي ربط تفكير الإنسان وسلوكياته بالغيب أو ما وراء الطبيعة، وقد مثل هذا التوجه الجبريون، أو ماعرفوا في الفكر الفلسفيّ بالمدرسيين أو (السكولائيون)، فمنذ أن بدأ الفكر الديني بكل أشكاله التاريخيّة يطرح نفسه في الكثير من حضارات ما قبل الميلاد وما بعدها، كفكر منظم له هيأته الكهنوتيّة ومعابده وطقوسه ورموزه والسلطات التي تحميه وتروج له، وصولا إلى اليوم.. وخير عن عبر عن هذا التوجه الجبري بشكل خاص، هو التيار جبري في مضامينه وأهدافه، حيث أقر منذ إرهاصاته الأولى بوجود قوى خارج إرادة الإنسان، هي من يسيّر الإنسان ويحدد له مصيره، وهذا ما راحت تؤيده أو تروج له  الكتب المقدسة السماويّة فيما بعد.. الأمر الذي اعتبر أن أي فكر آخر لا يقر بتوجهات هذا الفكر اللاهوتيّ الجبريّ، هو هرطقة وتجديف، وقد شَرع رجال الدين ومؤسساتهُ بحق المختلف الكثير من الأحكام الجائرة التي رافقت تطبيقاته بحق المختلف تاريخيّاً.

أما التيار الثاني: فهو التيار أو الاتجاه الذي حمل منذ البداية بذور الإنسانيّة (أي التأكيد على أن الإنسان سيد نفسه وقدره) من خلال تأكيد الحامل الاجتماعي لهذا الفكر، على أن المعرفة لا تفرخ مجرّدة من الأعلى .. بل هي معرفة مشخصة يكتسبها الإنسان عبر علاقاته مع محيطه الطبيعي والاجتماعي، فكان للحسّ والعقل والتجربة والاستنتاج والاستقراء وبالتالي البرهان الدور الكبير في اكتساب المعرفة.. وأن كل الاكتشافات العلميّة في عالميّ الطبيعة والإنسان كان وراءها الإنسان، كقضايا الكون وحركته ومداه وعوالمه أو مكوناته على الأرض أو في فضائها الكونيّ، وهذا ما ينطبق أو ينسحب على القضايا الموضوعيّة والذاتيّة لحياة المجتمع مثل قضايا الأخلاق والحريّة والعدالة والمساواة..وغيرها

عموما إن المسيرة التاريخيّة للحركة الإنسيّة طويلة، ومر دعاتها بمعاناة طويلة من قبل المثاليين اللاهوتيين والميتافيزيقيين والكنيسة والسلطات الاستبداديّة عموما.

فمع تطور التجارة بين الشرق والغرب، وبعد اكتشاف رأس الرجاء الصالح وتحول طرق التجارة إلى يد التجار الايطاليين بشكل خاص في بداية القرن الخامس عشر .. تشكلت طبقة غنيّة تجاريّة مترفة وباذخة.. استطاعت جملة التحولات الاقتصاديّة التي طرأت على حياتها العامة والخاصة، بغعل التجارة وما حققته من أرباح طائلة، أن تحطم أو تقصي من فكرها وسلوكياتها معظم تأثيرات النظرات الفكريّة الجبريّة (السكولائيّة)، التي حالت أو تَحُولُ بين الإنسان وقدرته على تحقيق مصيره واحترام عقله وإرادته.. عند ذلك برزة النزعة الفكريّة الإنسانيّة أو ما سمي بـ (الحركة الإنسيّة)، التي جعلت من الإنسان إلهاً على هذه الأرض من خلال تركيزها على إمكانيات وقدرات عقله وحريّة إرادته وقوته الروحيّة والجسديّة،  فكان الأدب الإنسيّ  كالروايات الأدبيّة التي أعطت للإنسان مكانته في هذه الحياة، مثلما كان للتماثيل والفن التشكيلي عموماً دوره أيضاً في إبراز قوة وعظمة وجماليّة الإنسان.

ومع الثورة الصناعيّة، تعمقت الحركة الإنسيّة أكثر، حيث استطاع التطور الصناعيّ التكنولوجيّ أن يظهر قوة الإنسان وعظمته كمخترع من جهة، مثلما استطاعت هذه الثورة أن تحطم الكثير من المفاهيم الدينيّة في توجهاتها الجبريّة عن الكون والطبيعة وتشريح جسد الإنسان والكشف عن جذره من خلال الدارسات البيولوجية والجينولوجية والانتربولوجية وحتى الدراسات اللغوية والهيرمنوطيقة وغيرها. من جهة ثانيّة.

أما في عصر التنوير (القرن الثامن عشر)، فقد كان لفلسفة التنوير دورها الكبير، حيث راحت تتعمق رؤية الفلاسفة في قضايا الإنسان وعدالته وحقوقه وواجباته، عبر الدراسات الاجتماعيّة والقانونيّة والنفسيّة. أو السيكولوجيّة.. ومعظم هذه الدراسات صبت في مضمار تعظيم دور الإنسان ومكانته ودوره في صنع حياته وتقرير مصيره.

ملاك القول:

لقد قدمت الحركة الإنسيّة منذ ظهرها حتى اليوم، صورة إيجابية للإنسان باعتباره أرقى الكائنات الحيّة. حيث اهتمت، بمختلف العلوم والآداب والفنون. والأخذ بالأساليب الحديثة في التربية والتعليم. والعمل على إحياء التراث القديم وخاصة التراث اليونانيّ والرومانيّ بالنسبة للحركة الإنسيّة الأوربيّة.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سوريّة

 

 

في مقدمة كتابه "نقد العقل الخالص" يقول لنا "كانط": "قد تتخيل اليمامة الخفيفة، وهي تشق الهواء الذي تشعر بمقاومته في طيرانها الحر أنها ستنجح على نحو أفضل في الخلاء. هكذا غادر "أفلاطون" العالم الحسي لأنه يضع أمام الفهم حدودا بالغة الضيق، فجازف خارج هذا العالم على أجنحة المثل في خلاء العقل الخالص. ولم يلاحظ أن جهوده لم تجعله يتقدم في الطريق لأنه لم يكن لديه أي موطئ قدم يرتكز عليه لاستعمال قواه كي يحقق نقلة لعقله." (1) سنسمح لأنفسنا بقراءة شخصية لهذا المقطع وذلك لما يحمله من أبعاد تلهم الفكر وتبعث على التساؤل. أول ملاحظة تتبادر إلى ذهننا ونحن نقرأه هي حضور "شبح نيوتن" spectre de Newton : فخلف استعارة "اليمامة" ، وألفاظ من قبيل المقاومة، والطيران (السقوط) الحر والخلاء، لابد للقارئ أن يستشعر حضور القانون الأول والثاني ل"نيوتن": قانون العطالة (أو القصور الذاتي)، وقانون التسارع. لكن خلف هذا البعد العلمي تتوارى أبعاد أخرى، أبعاد ابيستمولوجية وإيتيقية؛ لذا سنركز اهتمامنا على البعد الثاني حتى لا نغادر نطاق عنوان ورقتنا هاته.

إذا كان هناك من خطأ ارتكبه "أفلاطون"، فلن يكون في نظر "كانط" سوى اعتقاده معرفة الواقع اعتمادا على العقل "الخالص" لوحده. إنه مثل تلك اليمامة التي ظنت أن بوسعها التحليق بعيدا في السماء العلياء إن هي تخلصت من مقاومة الهواء. فالعقل قد يرى في "العالم الخارجي"، بانطباعاته الحسية المتنوعة والمختلفة، حجابا يمنعه من اقتحام أسرار "الواقع الخفي" ! بيد أن ما لا يدركه هو أنه بتحليقه ذاك، دون هدي الخبرة والتجربة، يحكم على نفسه بالتيه، تماما كاليمامة إن هي وددت التحليق في الفراغ. فكما أن ريشة طير وقطعة معدن يهويان في نفس الآن في الخلاء، فإن العقل دون بوصلة التجربة لا محالة فاقد الوجهة. بهذه الصورة الجمالية الواردة في هذا المقطع يكون "كانط" قد حدد إجمالا نطاق عمل كل من "الفهم" Entendement و"العقل" Raison و"الحساسية" Sensibilité. هذا ما سيقوده أيضا إلى فصله الشهير ما بين ما "يمكن معرفته" Le connaissable وما "يمكن التفكير فيه" Le pensable. وبذلك يكون "كانط" أيضا قد وضع حدا فاصلا ما بين ما يندرج ضمن نطاق العلم، وما يخرج عن ذاك النطاق. فمهمة العلم تنحصر في مجال محدود يخص "الظواهر" بما هي معطاة لذات عبر صور خالصة قبلية (الزمان والمكان)، وبما هي موضوع خاضع لمقولات الفهم (القبلية هي الأخرى)، التي بها تكتسب انتظاما ومعنا. من تم جعل "كانط" من العلاقة إنسان-واقع، علاقة وثيقة الصلة. فالمقصود بالواقع في هذا السياق هو: "موضوع التمثل" الخاضع لملكتي الحساسية والفهم، وليس الواقع كما هو "في-ذاته" بمعزل عن الذات التي تتمثله. وعليه فإن "الواقع-المتمثل" réalité-représentéeهو ما يشكل موضوع معرفتنا، في حين أن "الواقع-في-ذاته" réalité-en-soi هو واقع مفترض يمكن أن يكون موضوعا لتفكيرنا وليس معرفتنا لاستحالة إخضاعه للملكتين السابقتين. صحيح أن "كانط" قد أراد من خلال ذلك إنقاذ المعرفة العلمية من الانهيار بفعل النزعة الشكية scepticisme (بالأخص"دافيد هيوم") التي كادت أن تفقدها طابعها الضروري والشمولي، لكن ذلك لم يقده إلى حد الحسم النهائي مع مسألة وجود "الواقع في ذاته" من عدمه (اللأدرية الكانطية agnosticisme ). وسبب ذلك هو حاجته إلى علة خارجية تفسر تمثلاتنا، إذ لا أحد بمقدوره الشك المطلق في وجود العالم الخارجي (وربما هذا ما يفسر القصة المأثورة التي تحكي أن أحد أصدقاء "بركلي" اضطر لكسر قدمه بركله لصخرة احتجاجا منه على تشكيك هذا الأخير في حقيقة وجود ذلك العالم). إن المشكلة بالنسبة ل"كانط" لا تخص ذلك الوجود، بل تخص إمكانية معرفته كما هو في ذاته باستقلال تام عن كل تجربة، كما اليمامة التي سعت للتحليق بعيدا دون سند من الهواء.

سيطر هذا الإرث الكانطي على مجمل فلسفات العلم التي جاءت بعد "كانط"، إذ لم يتوقف روادها عن الحوار معه لدرجة قيل معها أن الفلسفة قبله ليست هي الفلسفة بعده. بل بلغ موقف الفيلسوف السلوفيني المعاصر "سلافوي زيزيك" Slavoj Zizek مبلغا جعله يقول: "كان "كانط" أول فيلسوف !"(2) أما  "بيرنار دي سبانيا" Bernard d’Espagnat فرأى في فلسفته، مع قدمها، كشفا عما يروم هو نفسه بيانه، وذلك بحكم عزله للمعرفة العلمية عن الواقع في ذاته. لقد مثل الحوار مع الكانطية في نظره اغناء للنقاش حول قضايا ابيستمولوجية وفلسفية تخص العلم الحديث (ما ينعته البعض بالمعاصر)(3) فأي موقع لفلسفة "كانط" في هذا الإطار العلمي الجديد؟

لم يكن، كما أشرنا من قبل، غرض هذا الأخير الحسم في مسألة وجود "واقع مستقل"، بقدر ما كانت غايته حصر نطاق عمل الفهم بشكل لا يجاوز معه مجال الظواهر (4). إنه بذلك ينتقد كل تلك المحاولات السابقة عليه، تلك التي جعلت العقل يتيه في سماء قضايا تتخطى قدراته، ومثنيا في الآن نفسه على تواضع الفيلسوف الامبريقي الذي جعل من التجربة منارة يهتدي بها في مسيره وممارسته العلمية. بيد أن هذا لم يمنع "كانط" من طرح بعض "الافتراضات العقلية"، والقبول ببعض المعتقدات لدواعي عملية، وهي الافتراضات التي رأى "دي سبانيا" أنها تقترب في حدود معينة من بعض أفكاره الخاصة (5).

فكما هو حال "يمامة كانط"، ينزع العقل البشري إلى الذهاب إلى ما وراء التجربة الحسية، تلك التجربة التي تعكس الرابط الوثيق ما بين الذات-العالم. فعند إدراكنا لشيء ما، هذا الكتاب الماثل أمامي على سبيل المثال، فنحن نعي في نفس الوقت ذواتنا، ونعي أيضا الكتاب. لكننا نفترض أيضا وجودا في ذاته مستقل عن إدراكنا، أي الكتاب "كما هو" tel qu’il est وليس كما نتمثله. من هنا إذن السؤال الذي طرحه "كانط" (و"ديكارت" قبله) حول ما إذا كان تمثلي للكتاب مطابق للكتاب كموضوع خارجي. بطبيعة الحال كان جوابه واضحا: لا وجود لملاحظة فعلية يمكنها إثبات ذلك ! تبدو حجة "كانط" هاته، كما يرى "دي سبانيا"، غير قابلة للتفنيد، إذ يستحيل الحصول يقينا على ما يثبت تلك المطابقة. لكن هل تكفي هذه الحجة لإثبات عدم وجود نوع من التلاؤم التقريبي ما بين التمثل وموضوعه؟ يجيبنا "دي سبانيا" قائلا: لا تثبت حجة "كانط""غياب رابط ما بين العناصر التي تشكل تمثلنا والشيء في ذاته." (6) يفسر هذا الرد السبب الذي جعل هذا الأخير يلجأ إلى موقف "اسبينوزا" في بنائه لتصوره ، تصور يخص ما أسماه ب"الواقع الخفي" (7). إن ما يروم إليه "دي سبانيا" من خلال اعتراضه هذا على حجة "كانط"، ليس هو التقويض النهائي والتام لصلاحيتها، بل، إن شئنا القول، إضفاء طابع نسبي عليها relativise. هذا ما حاول القيام به في نقاشه "للبرهنة" التي رام من خلالها "كانط" إثبات الطابع القبلي للمكان (8): فالمكان شرط أساسي لكل حدوسنا الخارجية، من ثمة لا يمكن أن يستنبط من تلك الحدوس نفسها، لذا فهو صورة خالصة سابقة على كل تجربة، أي أنه: قبلي a priori. لكن، قد يعترض معترض بالقول بأن ما هو فطري هي ملكة التعلم، وبأن ملكة تعلم المكان هي القبلية وليس مفهوم المكان في حد ذاته. لذا يقول "دي سبانيا": "في مثل هذا المشكل كما في مشاكل أخرى، من الأهمية النظر إلى مختلف أوجه المسألة. يجب إثبات خطأ الواقعيين حين يرون في إطلاقية المكان والزمن  (أو الزمكان espace-temps ) بداهة أولى للعقل وبالتالي رفضهم المسبق لكل أشكال المثالية. لكن يجب أيضا إثبات خطأ مناصري المثالية النقدية الذين يعتقدون بأن "كانط" قد حدد بشكل نهائي الإطار المفاهيمي الذي يلزم أن يتطور داخله كل فكر أصيل." (9) إن نزع طابع الإطلاقية والضرورة على مقولات الفهم، وعلى صورتي الحساسية الخالصتين، هو في العمق إعتراض على ما نعته "دي سبانيا" بالضرورة المزعومة "للثورة الكوبرنيكية" (10). هذه الصورة أملتها عليه علوم عصره، أي: هندسة "إقليدس" وفيزياء "نيوتن"، وهي العلوم التي شيدت على أساس مفاهيم (اعتبرها قبلية) من قبيل المكان (الاقليدي)، والزمان (الكوني) ثم العلية (بمعناها الحتمي) (11). فلو رأينا في علوم عصره وصفا للواقع أو للأشياء في ذاتها (كما ظن ذلك عدد من الفلاسفة قبل "كانط")، فإن هذا يعني بأن المفاهيم القبلية (أو كما ينعتها "دي سبانيا": فطرية) قادرة على الإحالة على واقع في ذاته، ومن ثمة العودة إلى التساؤل الذي سبق أن طرحه "دي سبانيا" وهو: "كيف السبيل لتفسير التلاؤم الدقيق لمفاهيم فطرية مع الأشياء في ذاتها (بدل أن تستخلص من التجربة التي لدينا حول تلك الأشياء)؟ (12) إن مطلب العبور من "الفكر" (بمفاهيمه) إلى "الواقع" هو الذي أملى على "ديكارت" إدخال فرضية الضمان أو العناية الإلهية بغاية تخطي هذه الصعوبة. أما "كانط" فلم يجد من مخرج أخر سوى الإقرار بالخاصية القبلية للمفاهيم، والتأكيد على أن المعرفة العلمية ليست بأي حال من الأحوال وصفا للواقع في ذاته. إنها بالأحرى مجرد تمثلات إنسانية حول الظواهر. هنا بالضبط يتجلى لنا جوهر "الثورة الكوبرنيكية الكانطية"، فمثلما "دفع" "كوبرنيك" الأرض للدوران حول الشمس، جعل "كانط" الظواهر تنتظم وفق ملكات إنسانية (الحساسية والفهم) (13).

لكن، وكما هو معلوم، جاءت الثورة العلمية الحديثة بما لا تشتهيه "سفن" العلم الكلاسيكي، إذ تمت مراجعة مجمل المفاهيم التي شيدت عليها مفاهيم الزمان، والمكان والعلية...ألخ. هكذا أزاحت نظرية النسبية عن الزمان والمكان طابعهما الاطلاقي؛ كما جردت ميكانيكا الكوانطا الأنساق الفيزيائية المجهرية من الصفات الكلاسيكية (الموضوع والجوهر، العلية والموقع...). أكثر من ذلك، كما يقول "دي سبانيا": " حتى إن تجرأنا (...)، في تعارض مع "كانط"، على افتراض بأن "مفاهيم الفهم الأولية" المزعومة صادرة عن تجربتنا القديمة...، فإن هذا لا يثبت بتاتا (...) أن لدينا إمكانية للعبور إلى "الواقع" " (14).  بعبارات أخرى، حتى إن افترضنا أن تلك المفاهيم نتاج لصيرورة تطورية ممتدة على مدار ملايير السنين على وجه الأرض، فإنه لا شيء يدعو إلى الاعتقاد بأنها تعبر حقيقة عن الواقع كما هو في ذاته. قد يوحي هذا التحليل الأخير بأن "دي سبانيا" متأرجح ما بين القبول بموقف وضعي وأخر واقعي. لكن، كما أشرت في ورقة سابقة (أنظر الهامش رقم 7) الأمر أعقد من ذلك، أكيد أن الظفر المباشر بالواقع كما هو غير ممكن (وهو الموقف الوضعي)، إلا أن هذا لا يعني الاستحالة المطلقة لبناء صورة حوله، وإلا كيف سنفسر إنتظام ظواهر الطبيعة، لأنه لابد وأن هناك "شيء ما" خلف ذلك الانتظام régularité. بل أن "كانط" نفسه، كما يشير إلى ذلك "دي سبانيا" في ملاحظة معزولة في الصفحة 329 من كتابه Traité de physique et de philosophie، لم يكن حاسما، كما حسم أتباعه من الكانطيين الجدد: صحيح بالنسبة إليه أن دور العلية محصور في نطاق الظواهر فقط، أي داخل التمثلات، لكن ما يجب ملاحظته هو أنه لا يتردد (أي "كانط") في إستحضار علة تلك التمثلات، حتى وإن وصفها بالمجهولة (أو الموضوع الترنسندنتالي)، وبأنه لا يمكننا إدراكها حدسيا كموضوع.

ترسم "يمامة كانط" إذن حدود المعقولية، أي شروط المعرفة الموضوعية، وهذا ما يتقاطع مع إنجازات العلم الحديث، علم حيث إجراءات القياس والقدرة على التوقع أهم بكثير من فهم "ما وراء الظواهر" ce qui est au-delà des phénomènes ، لكنها أيضا تترك المجال مفتوحا (أليس "كانط" عدو الدوغمائية والدوغمائيين) للفكر لكي يحلق خارج تخوم الظواهر وقيودها، وهذا ما يفسر مشروع "برنار دي سبانيا" الذي كرس له ما يزيد عن 50 سنة من عمله كمختص في الفيزياء النظرية وفي فلسفة العلوم.

 

كمال الكوطي، باحث في فلسفة العلوم.

.......................

الهوامش:

1- القولة مأخوذة من كتاب: "عمانويل كنط": نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة، عن دار النشر للطباعة والنشر، طبعة منقحة ومزيدة، 2015، ص 56-57. وأعدنا قراءتها في ضوء الترجمة التي قام بها الفيلسوف الفرنسي "ألان رونو" Kant Emmanuel : Critique de la raison pure, Editions Flammarion, 2006, p,. 99 ، لهذا السبب ستلاحظون إختلافا طفيفا جدا عن الترجمة التي قام بها "موسى وهبة".

2- لمن يريد الاطلاع على التفاصيل يمكنه العودة إلى كتاب d’Espagnat Bernard : Traité de physique et de philosophie, Librairie Arthème Fayard, 2002, p,. 323

3- S. Zizek et G. Daly, Conversations with Zizek, Cambridge, Polity Press, 2004, p. 26.

4- بطبيعة الحال، وكما يعرف ذلك جميع دارسي فلسفة "كانط"، ليست هذه الغاية الوحيدة، بل ربما الأهم من ذلك في مشروعه هو: التأسيس "لميتافيزيقا جديدة" وإتاحة المجال لأخلاق متمركزة حول "الذات"، أخلاق تجعل من الإنسان مبدأ وغاية.

5- يمكن بهذا الخصوص العودة إلى كتابه:  d’Espagnat Bernard : A la recherche du réel, Editions Dunod, Paris, 2015، خصوصا الفصل التاسع للمزيد من التفاصيل.

6- المرجع السابق: Traité de physique et de philosophie, p. 325.

7- سبق لي وأن تطرقت للموضوع في ورقة بعنوان "إله اسبينوزا والعلم الحديث" نشرت على صفحة "صحيفة المثقف" بتاريخ 24- 6 – 2021 العدد 5406.

8- لمعرفة تفاصيل هذه "البرهنة" يمكن للقارئ العودة إلى كتاب "كانط": "نقد العقل الخالص"، خصوصا الفصل المعنون ب"الاستطيقا الترسندنتالية").

9- Traité de physique et de philosophie, p. 327.

10- فكما انتصر "اينشتاين" ل"ليبتز" ضد "نيوتن"، خصوصا فيما يتعلق بمنح هذا الأخير صفة الإطلاقية للزمان والمكان، سيعترض أيضا على موقف "كانط" في تصوره لطبيعة المكان والزمان، وتصوره لمسألة التزامن simultanéité التي أفضى نقدها إلى تأسيس نظريته في النسبية الخاصة. أنظر على سبيل المثال كتابه Einstein Albert : Conceptions scientifiques, Editions Flammarion, 2016.

11- حين أكتب مفاهيم المكان والزمان، فإن هذا لا يعني أن "كانط" يعتبرها كذلك، أي مفاهيم، بقدر ما يعتبرها حدوس خالصة مستقلة عن كل تجربة. أما المفاهيم فتطلق لديه خصيصا على مقولات الفهم.

12- Traité de physique et de philosophie, p. 328.

13- في واقع الأمر تحتاج هذه النقطة لوحدها لورقة أخرى لبيان ما إذا كانت "الثورة الكانطية" ثورة كوبرنيكية فعلا ! أليست بالأحرى "ردة بطليموسية" apostasie ptoléméenne ، هذا على أي ما اعتقده العديد من الفلاسفة وعلى رأسهم "برتراند راسل".

14- Traité de physique et de philosophie, p. 329.

 

 

علي محمد اليوسف1- كانط والمعرفة:

احدى مقولات كانط الفلسفية ذات الحمولة الثرّية المدخّرة قوله "المعرفة تبدأ بالتجربة لكن لا تنشأ عنها" ليس من السهل الوقوف على فهم شاف لما يرغب كانط التعبير عنه بعبارته هذه، وسبق أن شرحها العلامة دكتور عدنان ابراهيم في إحدى خطبه على موقع يوتيوب شرحا فلسفيا يحسب له وليس لعبارة كانط. وكان شرحه لها ملتبسا عليّ فهمه في توازي شغفي الكبير معرفة معنى عبارة كانط المفعمة بالتعبير الفلسفي العميق.

ماجعلني أذهب في مقاربة لما تحمل عبارة كانط من حمولات تاويلية ثرّة. كانط حسب فهمي لعبارته أن التجربة السابقة على المعرفة ليست هي تجربة العقل وإنما هي تجربة الحواس البدئية الاولية في الادراك السابق على المعرفة في تفريقه معنى الادراك عن معنى المعرفة... لماذا؟

كون التجربة العقلية هي تجربة معرفة وليست تجربة ادراك فقط، تلازم موضوعها ولا تتركه من دون الخروج بمحصلة البرهان معه أو ضده.، بخلاف تجربة الحواس التي هي نقل انطباعات الاحساسات التي تنطبع بالذهن وتنتهي في عملية التجربة بالادراك الاولي للاشياء، وتجربة الاحساسات تجربة فاقدة لبرهانها اليقيني التجريبي فهي ليست خاضعة لبرهان العقل. إذ الانطباعات تكون سطحية وسريعة المروق من الذهن قبل إستكمال العقل البت بها كافكار عقلية وليس إنطباعات ذهنية متحولة بسرعة غير ثابتة. الانطباعات هو ما تدركه الحواس وتطبعه الاحساسات الناتجة عنها بالذهن، والانطباعات ليست أفكارا مصدرها العقل فما يصدره العقل بخلاف مدركات الحواس هو مقولات معرفية وليس انطباعات زائلة.

ما تنقله الحواس هو الانطباعات الادراكية المنقولة لمؤثرات التجربة الحسيّة الاولية العابرة للذهن التي لم تكن ناشئة عن تجربة إكتسبت برهانها العقلي. وهنا تصبح التجربة ليست تاكيدا لبرهان العقل كاملا بل الشك بها على أنها ناتج إدراك حسّي ناقص غير مكتمل عقليا.إدراك الشيء حسيّا إنطباعيا هو ليس معرفة ذلك الشيء معرفة عقلية حقيقية. المعرفة تسبق الادراك العقلي الى إصدارفكري يصدره العقل.

2- كانط والادراك:

اعود ربما للمرة الخامسة أو أكثر مناقشة مقولة كانط الفلسفية الاخرى إعتباره الزمان والمكان قالبين فطريين مركوزين بالعقل وهما وسيلة إدراك العقل لكنهما ليسا موضوعين يدركهما العقل مجردين عن تلازمهما لموضوعي إدراكهما.فالزمكان هو وسيلة معرفية للعقل وليست موضوعا يدركه العقل.

بمقدار وجاهة وصوابية هذا الاستنباط الفلسفي العقلي إلا أنه يفتقد خصائصه البرهانية القاطعة في إثباته، إذ ليس بالضرورة أن يكون قالبا الادراك الزماني - المكاني مركوزين فطريين من دونهما يتوقف الادراك العقلي للاشياء والموضوعات.

ما يدركه العقل قد يبدو حقيقيا لكنه لا يمثل معرفة يقينية ثابتة تامة له...إدراك الشيء لا يعني معرفته الحقيقية. ولا أعني بهذا التفسير محاكاة أفلاطون أن شبحية العالم الذي نعيشه من حولنا يحجب عنا عالم المثل الصحيح التام الكمال الذي لا ندركه في عالمنا الوهمي هذا.

قالبا الزمان والمكان هما وسيلة إدراك لكنهما لا يكونان موضوعين لادراك العقل مقولة صحيحة تماما. فادراك العقل لموضوعه لا يعني معرفته وهذا ينطبق ايضا على عدم إمكانية العقل معرفة ماهية الزمان مجردا عن مقدار حركة الاجسام داخله وليس مع تجريد الزمان عن مكان يلازمه. عدم إمكانية العقل إدراك الزمان تجريدا أصعب كثيرا من عجزه معرفة الزمان بدلالة المكان. وبمقدار ما يكون الزمان وسيلة إدراكية فهو لا يكون موضوعا لادراك العقل. الزمان مطلق أزلي لا يدرك الانسان ماهيته. فهو وسيلة إدراك العقل للاشياء لكنه لا يكون هو موضوعا لادراك العقل.

3- هيوم والعليّة:

نال ديفيد هيوم سخطا كبيرا حين أنكر ما لا يعقل إنكاره مثل مقولته المثالية لا وجود للعقل الذي أيّده بها بعد قرون طويلة فيلسوف العقل الانجليزي المعاصر جلبرت رايل في مقولة له "لا يوجد ما يسمى عقلا ابدا" يلاحظ رايل لم يقل (مطلقا) بدلا من قوله (أبدا)، فالأبد ربما يتحقق لاحقا ، بينما المطلق فهو أزل لا يمكن إحتمال تحققه الادراكي لاحقا. كما أنكر هيوم العالم المادي الخارجي خارج إدراك التجربة الحسّية. كما وأنكر مبدأ السببية ايضا، وقال لا يوجد سلسلة لانهائية من المتواليات الرياضية تحكم ظواهر حياتنا تتوزع بين علة ومعلول تحكم الظواهر والاشياء من حولنا، حيث نجد تفكيرنا يتوقف تماما عندما يصل الى علة بلا معلول في وجود الخالق الذي يتوجب علينا الإيمان بهذه العلة خارج أحكام السببية ونؤمن بوجود الله علّة كل الاشياء الذي لا تسبقه علة موجدة تخليقية له سابقة عليه..

ولم ترق لديفيد هيوم هذه النتيجة النهائية وهو ذلك الملحد العتيد الذي يمّجد التجربة الحسّية ولا يعترف بشيء اسمه ميتافيزيقا من أي نوع كانت. لذا إعتبر هيوم مبدأ العلية ليس وسيلة معرفية موثوقة لفهمنا العالم من حولنا.معتبرا السبب والنتيجة هما تكرار لحقائق تربطها علاقات تكرارية متلازمة مع ظروف ملازمة لها بعينها لا تتغير ليست سببية لكنها علاقات تصبح يقينينة بحكم التكرارللظاهرة السببية التي ينتج عنها (عادة) تلازم الحكم على تلك العلاقات على أنها سببية. مثال ذلك حسب هيوم حين تتكرر ظاهرة الاحتراق كنتيجة يولدها سبب النار فهي تصبح بمرور الوقت وتكرارها بلا ما لا يحصى من المرات (عادة) يعاملها العقل معاملة اليقين السببي أن الاحتراق نتيجة لسبب هو النار.

4- مصطلح جدل الجدل:

مصطلح جدل الجدل قرأته في احدى مقالات الباحث السوري محمد ديوب المنشورة على موقع الحوار المتمدن لاول مرة ولا استطيع الجزم نسبة المصطلح له لم يسبقه به أحد غيره، وتناولت المصطلح في مقالة لي بعنوان (جدل الجدل والمجانسة النوعية). ملخصها حسب إجتهادي الفلسفي أن جدل الجدل هو ديالكتيك خارج علاقة المادة بالفكرماركسيا حيث ينفصل في هذا النوع من الجدل الزائف غير الحقيقي الفكر عن المادة في علاقة وهمية شكلية ليست حقيقية الحدوث. بفعل إنعدام حاكمية المجانسة النوعية المختلفة بينهما المادة والفكر(اختلاف الماهية والصفات بينهما). جدل الجدل في المجانسة النوعية للمادة يكون ديالكتيكا داخليا لها خارجيا منفصلا عن تعالقها بالفكرجدليا. ويكون جدل الجدل بالفكر ايضا داخليا بالنسبة له خارجيا بالنسبة للمادة في علاقتها بالفكرتكامليا وليس جدليا...بمعنى لا يوجد في هذا الديالكتيك المزعوم وحدة تناقض الاضداد في مجانسة نوعية واحدة تجمع المادة والفكر في علاقة جدلية تقوم بينهما. بل تجمعهما علاقة تكاملية على مستوى ابستمولوجي صرف. فرق علاقة الديالكتيك الجدلي الذي يحكم متضادين أنه ينتج عنه ظاهرة مستحدثة جديدة تسمى المركب الثالث. بينما تكون علاقة التكامل المعرفي بين مادتين أو بين ظاهرتين لا يشترط تحكمهما علاقة التضاد الجدلي في استحداثهما الظاهرة الثالثة الجديدة فتكون علاقتهما تكامل معرفي لا يلغي أحدهما الاخر كما في تضاد الديالكتيك الجدلي.

جميع التعبيرات اللغوية الخاطئة التي تصف علاقة شيئين مختلفين بالمجانسة النوعية، أي مختلفين بالماهية والصفات على أنها علاقة جدلية وليست علاقة تكامل بينهما تفرضها ظروف موضوعية هو إسفاف متعمّد بالخطأ. الذي يحاول إنابة وضع علاقة جدل وهمي زائف محل علاقة تكامل تخارجي معرفي بين الاشياء وموجودات العالم الخارجي.

المقصود بالمجانسة النوعية للشيء هي الصفات والماهية لذلك الشيء المتفرد بها كخاصيّة لا يشاركه الفكر بها والتي لا تشابه ولا تلتقي بغيرها من المواد الاخرى في المجانسة النوعية، وهنا يكون معنا خاصية الفكر الاجناسية هي تجريد لغوي صوتي، في حين تكون المجانسة النوعية للمادة هي غيرها لا تحمل هذه الصفة الخاصية الملازمة للفكر لذا لا يمكن حصول جدل ديالكتيكي بينهما أي بين المادة والفكر في إختلاف المجانسة النوعية بينهما.

صفات المادة وماهيتها لا تلتقي يالمجانسة النوعية الموحدة مع صفات وماهية الفكر. الشيء الاخر الذي لا يقل أهمية أن المجانسة النوعية (خواص الماهية والصفات) في الفكر هي من نوع المتغيرات الطارئة على تغييرات الفكر باستمرار وهو ما لا تتوفر عليه المادة في ثبات صفاتها وماهيتها.

5- تنظيم الذاكرة:

يذهب باشلار في تاكيده أهمية الاستذكار النفسي الزمني معتبرا " الانسان لا يتذكر بمجرد التكرار وأنه لا مناص له من تركيب ماضيه، فالسمة هي حكاية النزوع في الأنا، ومع الإستذكار لا يكتمل عمل التذكر أبدا، فالاستذكار لا يتناهى عندما ينتهي الحدث لأن الذاكرة تكتمل بالصمت "1.

بالحقيقة ما إستوقفني مليّا هو تعبير باشلار نهاية العبارة "الذاكرة تكتمل بالصمت" لما تحمله من تاويل نافذ. اذا ما إعتبرنا التذكر هو عملية إستعادة تداعيات الصور الخيالية المخزنة بالذاكرة. عندها لا توقف الذاكرة قابليتها على الاستذكار الماضوي "خياليا" كون الخيال هو إستذكار دائم الحصول متواتر في تداعيات من الشعور المسيطر عليه عقليا. تداعيات متسلسلة قائمة أساسا في صمت الذاكرة إستيلادها الخيال وليس التوقف عن الكلام بمضمون تفكيرها الذي هو أساسا غير مطلوب الحضور لا في فعالية التذكر ولا في صمت الذاكرة عن الإسترسال بإستعادة تداعيات الخيالات غير الصوتية غير الناطقة. الاستذكار الخيالي خيال تصوري لغوي لتشييء وقائع تاريخية غير ناطقة يحكمها الشعور وليس تداعيات اللاشعور.

ميزة الخيال انه صورتشييئية في التعبير عن وقائع وشخوص لا صوتية لكنها لغوية من الاستذكارات الماضية والخيالات الاستيلادية الجديدة المتلازمتين. هما في كلتا الفعاليتين حقيقة فعالية واحدة تقوم على صمت الذاكرة وليس في إنعدام التفكير بالخيالات في الصمت المنسوب للذاكرة وليس الخيال. صمت الذاكرة الاستذكاري للماضي هو نفسه صمت التفكير في تعبيرها الحاضر عن الماضي. صمت الذاكرة صمت بيولوجي لا يمتلك غير وسيلة تعبير اللغة. لذا أجد أن تعبير الذاكرة تكتمل بالصمت لأنها دائمة الاسترسال في التذكر الذي لا يتوقف. صمت الذاكرة تفكير لا يحدّه الزمن.

ما يعني تعبير اللغة عن استذكار الخيالات هي لغة تشييئية صورية غير ناطقة خرساء بلا صوت فقط لكنها شغالة في كل أوقات اليقظة وحتى في أحلام المنام.. ميزة الذاكرة أنها تداعيات نفسية خيالية مكتسبة عن تجارب وخبرة الماضي، لكنها بنفس الوقت تستحدث خيالها الذاتي غير المكتسب عن استذكارات الماضي بتصورات جديدة.

- تنظيم الذاكرة كخبرة تراكمية مكتسبة مخزّنة في حقيقتها عمل إرادي إكتسب جوهره الوظيفي كجزء من عملية إدراك عقلي عضوي – تجريدي. وبدون هذه المرجعية في التنظيم للذاكرة يصبح إستذكار حوادث ووقائع الماضي غير متاحة إدراكيا عقليا منتظما.

- زمن الاستذكار لحدث وقع بالماضي، ليس هو زمن إستذكاره لاحقا بذاكرة الحاضر، إستذكار الماضي يحكمه الحاضرتاريخيا والماضي يحكم الحاضر زمانيا فقط بوقائعه الحياتية التي لم تكتسب ماضوية وقائع ثبات التاريخ. وليس بزمانيته الماضوية التجريدية التي لا يمكن إدراكها بغير دلالة تاريخية.،

فالماضي كزمن وتاريخ لا يعي ذاته ولا يمكنه الحضور خارج إستدعاء الإستذكارات الخيالية الصورية والمتعينّات الاثارية له. الماضي تحقيب تاريخي زمني يكون التاريخ فيه متقدما أهمية الزمن له. والحاضر تأطير زماني ثابت لوقائعه.

- لماذا تكون حاجتنا تنظيم الماضي في إستذكاره خياليا في وقت يكون هو إكتسب نظاميته القطعية بثبات وقائعه التاريخية التي أصبحت جزءا مدركا من ماض. الى جانب أنها وقائع تاريخية حدثت وإتخذت صفة ثباتها.

- تعبير باشلار السابق " الاستذكار لا تناهي عندما ينتهي الحدث لأن الذاكرة تكتمل بالصمت". بالعودة الى أن الإستذكار في حقيقته يجمع زمانين، زمن الحاضرغير الثابت المتغير باستمرار الذي يحصل فيه الاستذكار الخيالي للماضي كوقائع وحوادث تاريخية ثابتة.، وزمن الذاكرة بالاستذكار عملية مزدوجة لا تتم الا بالصمت الذي يجعل من الذاكرة تحقيبا ماضويا في تكامله مع حاضر إستذكاري خيالي يجمعهما كليهما معا في تمثيلهما خاصية الذاكرة التوليدية لهما وليس خاصية أحد الخيالين عن مصدر أخيلة الاخر..

- الارادة الانسانية لا تخلق زمانا تجريديا، بل تخلق زمانا تحقيبيا. والارادة لا يمكنها قيادة زمان بل هي تدخل في علاقة تخارج معرفي في مواضيع يدركها الانسان بدلالة زمانية. الارادة الانسانية بمستطاعها تغيير الواقع في جميع تمظهراته التي يدركها الحس العقلي، لكنها عاجزة عن خلق تلك الوقائع التي تسبق الارادة والادراك العقلي في وجودها الانطولوجي. .

6- أين نجدالمعنى؟

أين نجد المعنى اللغوي الادراكي الذي لا نقصد به معنى اللغة الاستقبالي الصادر عن خطاب بل معنى اللغة الذي نحتاجه في التعبير عن مدركاتنا للاشياء والموجودات والعالم من حولنا. المعنى المنشود باللغة هو في كل الاحوال تجريد صوري للفكر يتوزعه منحيين: الاول حين يكون المعنى اللغوي متموضعا في الشيء الذي نحاول إدراكه إنطباعيا مبدئيا ومن ثم نعرفه عقليا فكريا تجريديا. الثاني هو حين يكون تعبيرنا اللغوي عن الشيء يحركه وعي قصدي سلوكي يتوزعه تداخل عقلي - نفسي يريد فهم معنى الاشياء التي يروم الوعي القصدي النفسي معرفتها وليس إدراكها فقط. العقل لا يكتفي ادراك العالم من حولنا بل يبغي فهم ومعرفة ذلك العالم.

مالفرق بين المعنيين في المعرفة والادراك؟

من الناحية المبدئية لا فرق موجود أن تعبير اللغة عن كل الاشياء والعالم من حولنا هو تصور تجريدي يجمع تعبيرنا التصوري عن المدرك الذي هو الشيء الذي نريد معرفته وليس إدراكه فقط.. لكن المعنى اللغوي الذي يستثيره الدافع المعرفي سايكولوجيا هو محاولة فرض تصوراتنا الذهنية على الشيء المقصود كموضوع إدراكي نريد معرفته. وهنا يكون الادراك على الدوام يسبق المعرفة، الادراك يسبق المعرفة ويختلف عنها.

بمعنى ربما يكون غريبا هو أننا ندرك معنى الشيء الذي نرغبه وليس مهما معرفة معنىاه المتموضع لغويا فيه. تطابق الوعي القصدي لغويا مع ارادة معرفتنا الشيء بما هو فيه من موضعة لغوية تحتويه ولا تكون جزءا منه. تموضع اللغة بالشيء المدرك لنا لا يعني أن اللغة في تعبيرنا عنه أصبحت جزءا تكوينيا منه. بل تبقى اللغة المتموضعة إفصاحيا عن الشيء تجريدا هو خاصية اللغة وليس إندماجا تكوينيا في الشيء الذي ندركه ونعلمه بلغة تجريد عنه.

معنى اللغة السايكولوجي الذي يقوده الوعي القصدي يحمل معنى تحققه بالضرورة القصدية القبلية في المعرفة وليس المعرفة البعدية في الشيء. نادرا ما يكون معنى اللغة الذي نحمله في محاولتنا مطابقته مع حقيقة الشيءفي وجوده لا يكون متناقضا مع المعنى اللغوي المتموضع بالاشياء الذي يقاطع المعنى القبلي الذي مصدره سايكولوجيا الوعي القصدي.، والسبب أننا لا نعرف الشيء من دون أمتلاكنا معلومات قبلية مخزّنة لدينا عنه. على سبيل المثال اذا وضعنا أمام شخص جهاز حاسوب ولم يسبق له أن رآه سابقا بحياته ولا يعلم أبسط الاشياء عنه فإنه سوف لن يكون بإستطاعته التعبير اللغوي الصحيح لما تدركه الحواس وتفكير العقل عن الحاسوب. هنا تكون المعرفة القبلية المكتسبة عن الاشياء مهمة جدا لامكانية التعبير عنها.

ربما يقودنا هذا الى تفسير خاطيء أن ما نمتلكه من معارف لغوية قبلية عن الاشياء هي معارف يقينية فطرية صادقة، في حين أن كل معارف الانسان مكتسبة حتى مواضيع المخيلة ألمخزنة منها والمستحدثة خياليا. فطرية المعرفة هي فطرية الاستعداد للادراك وليس فطرية المعرفة المزعوم تخزينها بالدماغ. حين نقول معرفة الشيء تتطلب خزين معرفي مسبق يمتلكه العقل عنه فلا نعني بهذا أن إدراك ومعرفة الشيء لا تتم إلا بمعرفة فطرية عنه، وليست مكتسبة عنه. وهو خطأ صحيحه معرفة الشيء ليست فتحا بكرا له بعد أن كنا لا نمتلك شيئا إدراكيا ولا معرفيا عنه. هذا مطابق فهم باشلار أن المعرفة لا تبدأ من الصفر.

معرفة أي شيء لا ينبع من فراغ سابق عليه بل من معارف مخزّنة نعرفها عنه وبذلك تكون المعرفة تراكم خبرة مكتسبة مضافة وليس معرفة شيء لم يسبق لنا أن أدركناه أو على الاقل سمعنا أو شاهدنا بعض المعلومات عنه أو قرأنا بعضا عنه.

7- الذاكرة والنفس:

الذاكرة بحسب فهمنا باشلار حول مصطلحه الفلسفي تنظيم الذاكرة يرى (انها لا تحتاج التكرار الاستذكاري للماضي) بل تحتاج التنوع الاستذكاري القائم على الاختيار والارادة النفسية. هذا المنطوق الفلسفي يجعل من الذاكرة في حالة التنظيم لنفسها هي حالة إستذكار نفسي لا علاقة ترابطية لها بوقائع الماضي التي نتصورها لها تاثيرا مباشرا على تنظيم الذاكرة ليست المنعزلة بقواها الذاتية كما يرغبها باشلار. الذاكرة لا تخلق عوالم الخيال فقط بل بحاجة تنظيم مكتسباتها المعرفية السابقة بضوء ما تستحدثه من افكار جديدة.

بضوء هذا الفهم يكون الإستذكار المنّظم هو تخليق ذاتي لما ترغبه النفس وليس تكرار ما يفرضه الخيال الاستذكاري لحوادث الماضي وبدلالتها تكون الذاكرة مرتكز النفس وليس الذكريات الماضية هي المرتكز الذي تدور حوله الذاكرة.

من أهم المعضلات التي تصادفنا هنا هي هل الذاكرة إجترار تكراري استذكاري لوقائع الماضي بما ترغبه النفس؟ أم هي توليد إبتكاري إستذكاري خيالي جديد لا علاقة دلالية تربطها بالماضي من الناحية الواقعية حيث عندما تكون خيالات الذاكرة تخليقا متجددا تبتدعه المخيلة المترابطة مع استذكار وقائع الماضي يكون هو السائد المعول عليه فلا يبقى حينها معنى أن يمتلك الماضي ما هو مادة تشكيلية لما ترغبه النفس. كون اصبحت خيالات الذاكرة تصنيع ذاتي منظم .

نخلص تثبيت الاتي:

- تنظيم الاستذكار بما يريح النفس وترغبه يقوم على المنفعة التي تتحكم بها الذاكرة وليس الماضي بحوادثه التي تستثير خيال الذاكرة. حين تكون الذاكرة متحكمة بمواضيع الخيال تصبح معها عملية الاستذكار لا يحركها الماضي بل يتحكم بها حضور الذاكرة الاستذكاري.

- تنظيم الذاكرة يتم بما ترغبه النفس لا بما تفرضه خيالات الاستذكار المتعالقة نفسيا بالماضي تجريدا عن مؤثرات حوادث التاريخ في ثباتها الزماني. نحن نستذكر من التاريخ الماضي القطوعات الوقائعية التي حدثت بما نحن نريد نفسيا إستذكاره غير المحزن منه.

- تنظيم الذاكرة لحوادث ما ترغبه النفس من الماضي، هو تنظيم لا يمكن التلاعب بثباته في إكتسابه واقعة الزمن الماضي كحدث. بل كل تنظيم ذاكراتي يلزم عنه إرادة نفسية ترغبه هي تعيش الحاضر ولا علاقة معيقة لها في ثبات وقائع الماضي بحوادثه المتنوعة فيها البهيج السعيد وفيها المحزن الكئيب.

- لماذا نرغب تنظيم الذاكرة برغبة الانجرار الى استذكار الماضي وليس الانجرار تجاه المستقبل؟ هل كاف السبب أن الماضي يحتوي ثبات وقائعه التي تتسم بمعيارية صالحة للقياس بها؟ في حين يكون المستقبل هلاميا غير واضح لا يمكن للذاكرة الركون المعياري له بما تركن وترغب الذاكرة تكييف دوافعها النفسية بدلالته. ربما تبدو مفارقة غريبة أن طموحات ورغبات النفس يكون مرجعية إستنادها الماضي التي تجد نفسها فيه ولا تجدها في المستقبل.

8- برجسون والعدم:

يعتبر برجسون فكرة العدم وظيفيا أغنى من فكرة الوجود للسبب الذي يسنده " فكرة العدم قد لا تتدخل ولا تتبلور إلا بزيادة وظيفة إضافية للاعدام على شتى الوظائف التي نطرح الوجود بواسطته ونصفه".

العدم بإجماع فلسفي علمي ايضا هو ليس جوهرا لا فارغا ولا ممتلئا، العدم هو المطلق الذي لا يحدّه الادراك زمكانيا. فكيف نتمكن تحميل العدم حمولة موجودية وظائفيا أكثر من حمولة أي موجود مادي في الوجود؟

وإذا كان العدم حسب برجسون جوهرا ممتلئا بأكثر مما يحتويه الوجود، تكون عبارته صحيحة حينما تكون علاقة الوجود بالعدم علاقة عكسية وليست علاقة طردية، فكل ما يخسره الوجود من موجودات يفنيها العدم كلما زادت كفة العدم في الإمتلاء المزعوم حسب برجسون.

واذا ما كان العدم حسب برجسون جوهرا ممتلئا باكثر مما يحتويه الوجود، فبإي منطق فلسفي يمكن تصويب مثل هذا الجزم الفلسفي؟

واذا كان هيدجر إعتبر العدم جوهرا ممتلئا في تعبيره الهروبي الفلسفي من مواجهة الاشكال العدمي متسائلا لماذا كان الوجود ولم يكن العدم؟ وهو تعبير يضع العربة أمام الحصان، لذا نجد ليس غريبا تمجيد برجسون للعدم أنه إمتلاء بما لا يستطيع الوجود الإمتلاء به.

كما يعتبر الجوهر الذي من الممكن إنسحابه شمول العدم هو جملة إمكانات غير قابلة للنفاذ على حد تعبيره. العدم لا يكون جوهرا فاعلا حيويا ممتلئا بالامكانات خارج خاصيته الافنائية العدمية لموجودات الوجود، وكما أن العدم غير مدرك انطولوجيا ولا حدسيا بالدلالة الشيئية فكذلك يكون  الجوهر هو كل عصي على التصور الادراكي ماديا أو خياليا.

ومتى كان العدم معياريا تقاس به جواهر موجودات الطبيعة التي هي قيد الشك المتسائل. ؟ ومتى كان الجوهر يسبق الوجود المادي ويملأ الفراغات؟ جوهر المادة لا يسبق وجودها الانطولوجي، لذا يعرف الجوهر بدلالة الوجود، وهذه المقولة عكسها اسبينوزا قائلا الوجود بموجوداته يقاس بدلالة الجوهر الشامل الخالق غير المخلوق لجواهر الاشياء الذي هو الله.. الجوهر يسبق الوجود المادي في مذهب وحدة الوجود لدى اسبينوزا ومع هذا بقي الانسان جوهرا لا يدرك بدلالة الجوهر الالهي ميتافيزيقيا، من حيث أن جوهر الانسان يمكننا إدراكه مقارنة بالجوهر الالهي الذي لا يمكننا إدراكه. وكينونة الانسان الوجودية تسبق جوهره. وحسب فلسفة سارتر فالانسان يوجد وبعدها يقوم بصنع ماهيته الجوهرية الخاصة به وحده منفردا داخل نوع متجانس واحد هو الانسان.

 

علي محمد اليوسف / الموصل

..........................

هامش

1- جاستون باشلار /جدلية الزمن / ت:خليل احمد خليل/ص67

 

علي اسعد وطفة(إذا كان هُناك مَا هو أشد خُطورة من الإفراط في المُخدرات فمِن دون شك هو الإفراط في الوعي وإدراك الأشياء).. فرانز كافكا

مقدمة:

قد لا أبالغ أبدا إذا قلت: بأن مفهوم الأيديولوجيا هو من أكثر المفاهيم أهمية وخطورة في مجال العلوم الإنسانية، كما أنه في الوقت نفسه من أكثر المفاهيم تعقيدا وغموضا في عالم المفاهيم والأكثر استخداما بينها. وعلى الرغم من الغموض الكبير في دلالاته ومعانيه فإن الباحثين والمفكرين يستغرقون في استخدامه ويشغفون باستحضاره وكأنه نغمة موسيقية آسرة تضفي على خطابهم جمالا وسحرا دون الشعور بالحاجة المحة للسيطرة الكاملة على دلالاته والخوض في معانيه، وحال بعضهم حال من يستمتع بالموسيقى دون أن يفهم معانيها ويدرك سمو الدلالات فيها. وقد تأتت لي هذه الملاحظة منذ كنت طالبا في الجامعة عندما أساتذتنا يستغرقون في استخدام هذه الكلمة الموسيقية الجميلة "أيديولوجيا" فيتكرر إيقاعها في خطابهم دائما، وعندما كنا نفاجئهم بالسؤال عن معناها كان الأستاذ منهم ينتفض مرتبكا وكأنه قد استيقظ من حلم جميل، فيعرفها لنا سراعا وبصورة مقتضبة على أنها علم الأفكار أو وعي مزيف، ثم يتابع خطابه وكأن شيئا لم يكن، وبعض الجادين منهم كان يحاول أن يأخذنا إلى فهم أعمق للمفهوم فيبذل مزيدا من الجهد مستشعرا صعوبة كبيرة في أن يجعلنا نفهم دلالة المفهوم بدقة وعناية كاملة. وبوصفنا طلابا نحبوا على مدارج المعرفة كان يتملكنا شعور بأننا مع شروحاتهم المقتضبة والمعقدة كان الغموض في الفهم يزداد غموضا ويتحول الفهم إلى وهم الفهم، وتزداد حيرتنا نتيجة للتناقض والارتباك في شرح المفهوم وتقديماته المعقدة المتناقضة من قبل أساتذتنا. وعندما اصبحنا أساتذة في الجامعة أصبح هذا المفهوم حاضرا بالضرورة في كل خطاب فكري وفي كل محاضرة نلقيها ولاسيما فيما يتعلق بفلسفة التربية والعلوم الإنسانية القائمة على ركائز هذا المفهوم، ويكرر التاريخ نفسه فيسألنا الطلاب عن معنى المفهوم ودلالته فنخوض فيه خوضا مؤلما ونشعر دائما بأن القبض على ناصية المفهوم أمر صعب مستصعب كنتيجة طبيعية للتعقيد الكامن في تكويناته الفكرية والتناقضات القائمة في مضامينه الدلالية، وكان هذا الأمر يأخذنا من جديد إلى مقاعد الدراسة الجامعية إلى ذكرياتنا القديمة مع أساتذتنا في الماضي الذين لم يوفروا جهدا في تشكيلنا ومدّنا بالمعاني والدلالات للمفاهيم المستخدمة، وما زلنا نحاول أن نفوقهم قدرة على شرح المفهوم انطلاقا من تجربتنا كطلاب وخبرتنا كأساتذة في التفاعل مع هذه المفاهيم.

وقد يدور في الخلد عند مقاربة هذا المفهوم أسئلة كثيرة: ما الجديد الذي يمكن أن نقدمه في تفكيك مفهوم أبلى العلماء والباحثون والفلاسفة الكبار في تعريفه وتحديده؟ وما الذي يمكن أضافته إلى ماركس وغرامشي وهيغل وريكو وبورديو وغيرهم كثير في هذا الميدان؟ إنه لمن الصعب على أي مفكر أن يقدم جديدا في هذا المجال في المستويات الفلسفية. ولكن محاولاتنا هنا قد تكون مهمة جدا في تقديم تصور ربما قد يكون فاعلا في تقديم هذا المفهوم بصورة مبسطة عبر تحليل دقيق يتناول مفاصل هذا المفهوم وعمق دلالاته ليمّكن الطالب والدارس من الولوج إليه وإدراك هذا المفهوم بصورة تتيح له أن يدخل في ممارسة فلسفية لاحقة حول أكثر المفاهيم صعوبة وتعقيدا. ومن هذا المنظور وددنا أن نقدم هذه المحاولة المتواضعة للكشف عن أسرار هذا المفهوم على محك العلم في توصيفه والوصول إلى أوسع دلالاته عبر توظيف خبرتنا القديمة ومستجداتها في تناوله وفي تفكيك بنيته.

مفهوم الأيديولوجيا:

تقدم الأيديولوجيا نفسها كمنظومة من الأفكار والمعتقدات التي تمكن الإنسان من فهم العالم وتفسيره في الآن الواحد. فالإنسان لا يرى الواقع بمقاييس هذا الواقع نفسه دون إضافات خارجية، بل يدرك هذا الواقع بمقاييس نظرته الذاتية المحكومة بتصوراته وقيمه الذاتية ومعتقداته. فكل كائن إنساني يستند إلى مرجعية قيمية وثقافية تؤثر في أفعاله وفي نظرته إلى الكون، وهذه المرجعية تشكل ما يمكن أن نطلق عليه بالأيديولوجيا، وهذا يقتضي بأن الإيديولوجية هي نظرة ذاتية للعالم تتمثل في نسق من التصورات الفكرية الذهنية الدوغماتية التي تتغلغل في أعماق الوعي الإنساني للجماعات الإنسانية بوصفها تعبيرا عن الحقيقة والتفرد في امتلاكها كلها.

ولد مفهوم الإيديولوجية في معترك الثورة الفرنسية في الممارسات الفكرية لـ أنطوان ديستوت دوتراسي" (1754 – 1836) الذي استخدمه لأول مرة في عام 1796، وقد عرّف "دوتراسي" الأيديولوجية Idéologie بأنها علم جديد للأفكار، أي تعريف مرتبط بمعناها الحرفي: فالشق الأول للكلمة هو مقابل الأفكار Idéo والثاني مقابل العلم logie. وعلم الأيديولوجيا هو ذلك العلم الذي يبحث في نشأة الأفكار ويحلل جذور المفاهيم.

وقد شهد مفهوم الأيديولوجية عبر المراحل التاريخية المتلاحقة تطورات متصادمة بمضامينها واتجاهاتها. لقد شكل هذا المفهوم حقلا للتصادم والصراع بين المفكرين والمنظرين في مختلف القطاعات العلمية والمعرفية المشهورة. ومع أن هذا المفهوم يعدّ من أكثر المفاهيم شيوعا واستخداما فإنه من أكثر المفاهيم تعددا في دلالاته ومعانيه عند مستخدميه ومروجيه. ولا نبالغ إذا قلنا بان استخدام هذا المفهوم قد أصبح موضة ثقافية خرجت به عن معناه ودلالاته الفكرية. وقد تنوع استخدام هذا المفهوم في التوظيفات الشائعة ويمكن أن نسرد بعضا منها وهي: أن الأيديولوجيا تمثل أفكار الطبقة التي تسود وتهيمين، أو بأنها مجموعة من الأفكار السياسية التي توظف في خدمة طبقة أو حزب سياسي. وتعرف أيضا بأنها رؤية طبقية للعالم تنطلق تعبر عن مصالح طبقة اجتماعية، كما تعرف أيضا بأنها رؤى مزيفة للعالم.

لقد بيّن كارل ماركس في مختلف معالجاته لمفهوم الأيديولوجية أن الأيديولوجية مفهوم طبقي يوظف نفسه ويوظف في خدمة المصالح الطبقية ولا سيما الطبقة التي تسود وتهيمن. وعلى هذا المنوال فإن هذا الوعي يعمل على تشويه الحقائق وتزييفها في خدمة هذه المصالح. ويتضح أن ماركس يركز على عناصر التزييف في الأيديولوجيا ولا سيما الأيديولوجيا البرجوازية التي تتضمن مغالطات فكرية ومعرفية في خدمة مصالح هذه الطبقة. ومن هذا المنطلق شاع مفهوم الأيديولوجيا كوعي طبقي مزيف أو كوعي مزيف على الأعم.

فالأيديولوجيا، كما يراها مؤسسا الماركسية، نظام من الأفكار والتصورات التي تشكل صدى وانعكاسا للوجود الإنساني، وهي على الأغلب انعكاس مشوه للعالم الإنساني الحقيقي. وهذا يعني أن الأيديولوجيا لا ترتبط بالحركة الواقعية للتاريخ بل تعبر غالبا عن مصالح الطبقات الاجتماعية التي تهيمن وتسود في المجتمع. وفي نسق التصور الماركسي يمكن القول بأن الحد الفاصل بين الأيديولوجيا والأوهام واهن جدا وهذا يعني بالضرورة أن الأيديولوجيا غالبا ما تكون تصورات مزيفة عن الواقع تصب في مصالح طبقة اجتماعية محددة.

فالأيديولوجيا وفقا للتصور الماركسي- كما أسلفنا -وعي مزيف لا يتطابق مع الواقع ولا يتوافق مع الحقيقة بعينها إذ يهدف إلى تحقيق مصالح معينة تتمثل في مطلقات السيطرة والهيمنة والقوة والمصلحة لفئات وأحزاب وتيارات فكرية وسياسية. ويمكن تعريف الأيديولوجيا أيضا بأنّها مجموعة متماسكة ومتكاملة من الرؤى والتصورات والمفاهيم والأفكار التي تشكل المنصة العقائدية التي تنطلق منها الجماعات والأحزاب والتيارات الفكرية في فهم العالم ورؤيته على الصورة التي يجب أن تكون وفقا لمنظورهم الأيديولوجي، وتشكل هذه الأيديولوجيا المنطلق السياسي لنشاط هذه الجماعات الأيديولوجية لتي تحاول فرض أيديولوجيتها في المجتمع وتوظيف هذه الأيديولوجيا نفسها في تبرير السيطرة والهيمنة وفرض النفوذ في المجتمع. ويمكن القول في هذا السياق إن الأيديولوجيا تدفع الناس إلى رؤية مزيفة للعالم على خلاف ما هو عليه وبعبارة أدق فإن الأيديولوجيا تجعل الناس غير قادرين على رؤية الواقع كما هو بل كما يتوقعونه أو كما يجب أن يكون في منظورهم العقائدي.

ومع أهمية التصور الماركسي للأيديولوجيا فإن هذا المفهوم يتجاوز حدود المعطيات الماركسية ويفيض بعناصر وتصورات تتجاوز حدود التوظيف الماركسي المعروف. فهناك تعريفات عديدة وتوظيفات كثيرة لمفهوم الأيديولوجيا. ويمكن الإشارة في هذا السياق على التعريف الكلاسيكي للويس ألتوسر Louis Althusser (1918-1990) الذي يقضي بأن الأيديولوجيا " نظام من التصورات يمتلك منطقه الخاص ويمارس دورا تاريخيا في مجتمع محدد " ([1]). وغني عن البيان أن النظام الأيديولوجي بما ينطوي عليه من مضامين تصورية يشكل قوة حيوية ضرورية لطموحات المجتمع وحياته الدينامية وذلك لأن المجتمع يجد فيه مبررات وجوده وأفعاله.

وإذا استطعما أن نتجاوز المفهوم الماركسي للأيديولوجيا فإنه لمن الضرورة بمكان أيضا أن نتجاوز مفهوم الأيديولوجيا بمعناه التناحري كما يأخذه ريمون آرون R. Aron حيث تتجلى الأيديولوجيا بوصفها " فكرة للأعداء". وفي هذا المسار أيضا علينا أن نتجنب مفهوم الأيديولوجيا بمعناه البرغماتي والأداتي الذي يقدم الأيديولوجيا بوصفها منظومة من الأفكار التي تسعى لإخفاء الحقيقة أو لتبرير المصالح الاجتماعية ([2]). فالأيديولوجية وفقا للبرغماتية أنظمة فكرية مغلقة يزعم أصحابها أنهم يمتلكون الحقيقة ويرفضون قبول الأفكار المخالفة والعقائد الأخرى. وهي أشبه ما تكون بمعناها الشمولي بأديان وضعية شمولية، غالبا ما توظف في السيطرة والهيمنة السياسية والفكرية وضمان خضوع الجماهير. وهذا يعني في نهاية المطاف أن الأيديولوجية كيان فكري يتصف بالجمود والتحجر الفكري يعمل على إعادة تشكيل العالم بناءً على أفكار مجردة أو نظريات مسبقة.

وفي هذا السياق يرى جوردن بيترسون في كتابه (خرائط المعنى:1999) أن الأيديولوجيا " اختيار لمجموعة معينة من الحقائق والمعلومات وعزل مجموعة أخرى تماشيًا مع رؤية الإنسان للوجود والعالم [3]. وهذه الرؤية تؤكد أن هذا الاختيار يعني رفضا مبطنا أو معلنا لكل الحقائق المغايرة وهنا تكمن إشكالية التحيز والتزييف والتعصب في الرؤية الأيديولوجية.

وغالبا ما تكون الأيديولوجيا دوغماتية، بمعنى أنها ترفض قيم النسبية والعقلانية، وتنزع إلى العنف والتعصب والانغلاق الفكري. وتختلف هذه الأيديولوجيات من حيث موضوعيتها واقترابها من العقلانية الواقعية. وغالبا ما تهدف إلى تقديم تصورات تتمحور حول غايات محددة خارج الحقيقة نفسها وبدرجة عالية من الانفصال عن الواقع عينه. وهنا وفي هذا السياق يجب التمييز بين الدين والأيديولوجيا، فالدين كيان عقائدي يربط بين الإنسان والله ومع الصبغة العقائدية الكامنة فيه إلا أنه يطفح بالقيم الإنسانية الشاملة وغالبا ما يتسم بطابعه الإنساني الغائي الخلاق. وعلى خلاف ذلك فالأيديولوجيا الدينية تعني توظيف الدين في تبرير المصالح والجماعات والقوى السياسية وتعمل على تقديم تفسيرات دوغماتية للظواهر الاجتماعية والطبيعة وفق منظور معين ومصالح معينة.

وتمارس الأيديولوجيا السوداء دورا خطيرا في المجتمعات الإنسانية ولاسيما عندما تبلغ درجة الهيمنة والسيطرة في المجتمع، فكثير من الحروب قد نشبت بتوجيه الأيديولوجيات وكثيرة هي في التاريخ الحروب العنصرية التي أدت إلى إبادة أجناس بشرية تحت ضغط الأيديولوجيات العنصرية في التاريخ وتكفي الإشارة إلى الكوارث الدموية وحروب الإبادة التي حدثت بتأثير الأيديولوجيات العمياء كالأيديولوجيات النازية والفاشية والصهيونية والشيوعية والأيديولوجيات الدينية المتطرفة بمختلف أنواعها.

ومما لا شك فيها أن الأيديولوجيات يشتد وطيسها في حمأة الصراعات والأزمات السياسية والاجتماعية والوبائية، وتبرز قوتها في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وهي في غالب الأحيان تظهر في وقت الكوارث والنوائب والجوائح التي تهدد كيان المجتمعات الإنسانية وتشكل خطرا على وجودها.

وعندما يتحول الفكر الديني إلى ايديولوجيا فإنه يتحرك بعيدا عن دوره بوصفه علاقة خلاقة بين المخلوق والخالق تقوم على الإيمان والعقلانية في النظر إلى الحياة والوجود. وغالبا ما يلتصق مفهوم الأيديولوجية - في سياق استخدامنا - بالطابع التبريري التلفيقي المتحيز لاتجاهات فكرية محددة توظف في خدمة السياسة والمال والاقتصاد والطبقة الاجتماعية.

وتختلف الأيديولوجيات فيما بينها باختلاف درجة العقلانية الكامنة في مكوناتها فهناك ايديولوجيات مختلفة متطرفة ومعتدلة ومتسامحة وعقلانية وخرافية وتعصبية، ولكل منها طبيعتها الخاصة فيما يتعلق بقدرتها على تناول الواقع وتغليفه بطاقة ذهنية من التصورات والمفاهيم المتنوعة. ويتنوع تعريف الأيديولوجيا بتنوع الاتجاهات الفكرية فالليبراليون على سبيل المثال يرون بأن الأيديولوجيا منظومة عقائدية تدعو إلى احتكار الحقيقة وتزييفها، بينما ينظر الماركسيون إلى الأيديولوجيا بوصفها تجسيداً لوعي زائف يغطي التناقضات القائمة في المجتمع الطبقي، كما أنهم يعتقدون بوجود أيديولوجيات متعددة تتناسب مع تعدد الطبقات الاجتماعية فلكل طبقة اجتماعية أيديولوجيتها الخاصة بها على صورة منظومة فكرية توظفها على نحو يتكامل مع رؤيتها الطبقية للحياة الاجتماعية والسياسية. ولا يتردد الأصوليون في توظيف النص الديني على نحو أيديولوجي فيجعلون من المقدس نمطا أيديولوجيا وينطلقون منه لتشكيل برنامج سياسي شامل لتحقيق الإصلاح الديني والاجتماعي المتوافق مع تطلعاتهم الأيديولوجية.

وظيفة الأيديولوجيا

ويوجد شبه إجماع بين النخب الفكرية من المفكرين أمثال كلود ليفي سترواس، ورولان بارت، وكارل ماركس وكارل مانهيام، ولوي التوسر، وبول ريكور، وغيرهم كثير، على أن الوظيفة الأساسية للأيديولوجيا تتمثل في تشويه الواقع وتزييف الحقائق، ويرى بول ريكور في هذا السياق أن الأيديولوجيا تمارس ثلاث وظائف تعمل بمستويات مختلفة وفق آليات التشويه والتبرير والإدماج. وعبر هذه الآليات الثلاث تقوم بإنتاج وإعادة إنتاج الوهم والخداع، ومن هذا المنطلق يمكن الاستنتاج عمليا وفق ريكور بأن الأيديولوجيا تنتج الوهم وتشوه الواقع وتقوم بعملية التبرير غير العقلانية للأفكار والوقائع وتلك هي وظيفتها المتجذرة في تكويناتها الشمولية المغايرة للواقع والحقيقة [4].

ومهما اختلفت التوجهات الأيديولوجية يمكننا أن نميز في الفكر الأيديولوجي عدة سمات، أهمها، أن الفكر الإيديولوجي غالبا ما يكون فكرا دوغماتيا عقائديا يرفض النسبية ويدعي أنه يمتلك الحقيقة كاملة، والفكر الإيديولوجي ينزع إلى التعصب مجردا مكن أي لبوس عقلانية وواقعية، وفي الأغلب يكون فكرا مزيفا متحيزا ومتعصبا. وقد يعتمد الفكر الإيديولوجي على منظومات من الحقائق ولكنه يقدما في أطر تفسيرية تسعى لتزييف الحقيقة نفسها وتغليف المقاصد العدائية على نحو يبدو عقلانيا من حيث الهيئة والصيغة الشكلية. ومن سماته أيضا أن هذا الفكر ينظر إلى كل من يخالفه نظرة عدائية ويمتثل الشعار الذي يقول: "من لا يؤمن بأفكارنا عدو تجب إبادته". وهذا يعني أن الفكر الأيديولوجي فكر محارب لا يهادن ولا يستكين، فهو دائما في حالة ترصد وهجوم ودفاع وذلك من منطلق أن العالم الخارجي يفيض بالعدوانية والشر والمصائب، وهذا يوجب على أصحاب الأيديولوجيا الدفاع عن وجودهم ومصيرهم أيديولوجيا من خلال الهجوم على الآخر بوصفه خير وسيلة للدفاع.

ويمكن تعريف الأيديولوجيا في سياق الوظيفة السياسية بأنّها مجموعة متماسكة من الأفكار تضع أساساً للنشاط السياسي المنظم، سواء قصد به الحفاظ على نظام القوة القائم، أو تعديله، أو الإطاحة به، ولذلك تتصف جميع الأيديولوجيات بأنّها تقدم توصيفاً للنظام القائم، ونموذجاً للمستقبل المرجوّ، وتفسر كيف يجب ويمكن إحداث التغيير السياسي". وبصورة عامة فإن الناس المؤدلجين لا يرون الناس العالم كما هو بل كما يتوقعونه وكما يجب أن يكون وفق المعتقدات والافتراضات الأيديولوجية المتأصلة في وعيهم.

بين خطاب الأيديولوجية وخطاب العلم:

يمكن لأي تعريف يقدم للأيديولوجية أن يطرح نسقا من التساؤلات الإشكالية ولا سيما عندما يتعلق الأمر بطبيعة العلاقة بين هذا المفهوم والمفاهيم التي تترامى على أطرافه وتعد العلاقة بين هذا المفهوم ومفهوم العلم من أكثر العلاقات تعقيدا وتشابكا.

فعندما نحاول تفكيك مفهوم الإيديولوجية نجده يتضمن نسقا من ثلاثة عناصر أساسية هي:

1- تقدم الأيديولوجيا تصورًا للعالم عبر منظومة من المفاهيم والمقولات والتصورات.

2- تقدم تفسيرا لهذا العالم بما ينطوي عليه من مكونات وعناصر وأنساق.

3- تقدم تصورات منظمة لإمكانيات تغيير العالم وتحويله إلى طاقة مستقبلية في خدمة البشر.

وهذا يعني أن الأيديولوجية منظومة فكرية تقوم بوظائف الكشف والتفسير والتنبؤ وتضع المعايير الضرورية لتغيير العالم على نحو ما يتوافق مع مقدمات هذه الأيديولوجية وشروطها.

وهذا يعني أن الأيديولوجية تتخطى حدود "ما هو كائن" إلى ما ينبغي أن يكون، وتتجاوز حدود الفهم إلى مقتضيات التأثير والفعل فهي تسعى إلى تغيير العالم وفقا لمنظومة المقولات التي تفسره. إنها بناء يدعو إلى التغيير في الكون بناء على فهم محدد لهذا الكون.

ويختلف الخطاب الإيديولوجي عن الخطاب العلمي Un discours scientifique بصورة جوهرية ونوعية تتعلق بالغايات التي يسعى كل منهما إلى تحقيقها. فالخطاب العلمي يبحث في الحقائق الموضوعية التي تفرض نفسها في دائرة الواقع وهي تعمل على وصف هذه الحقائق وتفسيرها بمقاييس الواقع نفسه دون إضافة أو تحيز ذاتي يتعلق بهذه الحقيقة. وهذا يعني أن الخطاب العلمي يتجه إلى عقولنا ويخاطب ذكاءنا. وعلى خلاف هذا فإن الخطاب الإيديولوجي discours idéologique - وإن كان يأخذ صورة خطاب علمي- فإنه يقودنا أو يحملنا على الاقتناع بالحلول المقترحة والأفكار المتضمنة في بنية هذا الخطاب. وهذا يعني أيضا أن الخطاب الإيديولوجي يوجهنا نحو الفعل والممارسة وفقا لمقتضياته وخصوصياته. ويتميز الخطاب الأيديولوجي بأنه أكثر قدرة وفعالية وقدرة على الحضور والتأثر لأنه يشحن مضامينه بقيم تأخذ مكانها المميز في عقل الجماهير ووجدانها، وهو بذلك يحشد عقول الناس ويستلهم قيمهم ويفجر طاقتهم في دائرة الفعل والعمل. وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن الأيديولوجيا تشكل نواة الحقيقية للثقافة الاجتماعية السائدة في مجتمع محدد. ومن خلال الأيديولوجيات السائدة في المجتمع يمكننا أن نضع اليد على أهم القضايا التي تحرك الجماهير في المجتمع فهي تتضمن القيم التي يؤمن بها الناس وتنطوي على إمكانيات الفعل التي يخفيها البشر لأنها تبلور معتقدات الناس وتحدد غاياتهم وترسم حدود وسائلهم الممكنة في فعل الحياة وممارساتها.

فالقيم العقائدية تشكل منطلقا إلى الأيديولوجيا، والأيديولوجيا تعني نوعا من التنظيم للأفكار والمبادئ الذي يقدم رؤية للكون، والأيديولوجيا كالعقيدة بناء عقلي يؤسس لتفسير وتبرير رؤية الإنسان إلى الوجود ومن ثم يعطي للسلوك دلالة ومعنى، وهذا يعني في نهاية الأمر تبرير القيم الأساسية البنيوية للعقلية حيث تكون الأيديولوجيا هنا تعبير عقلاني.

ففي ترحالها بحثا عن الحقيقية تغتذي الأيديولوجيا بنسق من القيم وتتداخل في تكويناتها أنساق الحقائق مع أنساق القيم ويترتب على هذا عدم وجود فواصل واضحة بين مكونات الأيديولوجية والحقيقية. لقد كانت الأيديولوجية هي العدو اللدود للحقيقة عند كارل ماركس فهي دائما وعي مزيف لأنها وعي طبقي تصنعه الطبقة الحاكمة في تبرير الاستغلال والقهر.

فالأيديولوجيا معرفة قوامها مزيج من القيم والأحلام والتطلعات. إنها لا تكتفي بالكشف عن الحقيقية بل تعمل على تزينها أو تزييفها بالقيم والطموحات، وهذا يؤدي إلى تزييف هذه الحقيقية. فالأيديولوجية تتجاوز حدود الحقيقية لتحدد للناس خرائط تفكيرهم وسلوكهم. إنها عالم يموج بالحقائق إذ تتمازح بالقيم وتختلط بالتطلعات وتفيض بالقيم المتعارضة. ولأن الأيديولوجية تزوِّد الأفراد بخرائط فكرية للواقع الاجتماعي وتحدد لهم نماذج نمطية للسلوك فإنها تعمل على تكوين منظومات من العلاقات بين الأفراد والجماعات من ناحية، وبين هذه الجماعات وتكوينات السلطة والقوة في المجتمع من ناحية أخرى، وهي بذلك توظف في دعم أبنية السلطة القائمة والترويج لأفكارها وتعزيز هيمنتها.

خاتمة

ما قدمناه في هذه المقالة يمثل محاولة سريعة ومقتضبة لفهم الأيديولوجيا على محك العلم أو المعرفة العلمية. وتجدر الإشارة في هذا السياق أن بعض الباحثين يستخدم مفهوم الأيديولوجيا العلمية ويزعمون أنها نمط من الأيديولوجيات التي تقوم على أسس علمية بمعنى أنها تقلّص المسافة بين الوعي الذي تقدمه وبين الواقع الذي تقاربه. ومهما يكن يجب علينا بداية ألا نجهل أن بعض الأيديولوجيات مارست دورا تاريخيا في النضال الوطني ضد المستعمرين وفي تطوير مجتمعاتها. وهذا يعني أن الأيديولوجيا ظاهرة اجتماعية صميمية في حياة المجتمع ووجوده. ولكن خطرها يتمثل في الأيديولوجيات الظلامية السوداء المنتفخة بقيم التعصب والعنف. ومهما يكن فإن الأيديولوجيا تصبح إنسانية أكثر عندما تقترب من الواقع وتعبر عنه. فالعلم يعتمد على التجربة ويقدم تصورا موضوعيا للواقع ولكن الأيديولوجيا تعتمد على المخيال وتقارب الواقع مقاربة تبريرية تزييفية في كثير من الأحيان. والعلم نسبي بينما تأخذ الأيديولوجيا طابع الاطلاق والشمولية. العلم يقوم على النقد بينما لا يمكن للنقد أن يجرح جدران الأيديولوجيا ويخدش حياءها.

 

علي أسعد وطفة

..........................

[1] -Herve Martin , Mentalités médiéval X1-XV, Nouvelles Clio. P.U.F., Paris , 1996 , P 6.

[2] - Servier J., L’ideologie , P.U.F., Paris 1982.

[3] - إبراهيم الكلثم، الإيديولوجيا والمعنى: بين جيجك وبيترسون، معنى 19، أبريل، 2019.

https://mana.net/archives/1500

[4] - Paul Ricoeur, L’idiologie et l’utopie, éditions seuil, Paris, 1997.

 

 

حاتم حميد محسنيذكر المؤرخ الامريكي جورج بانكروفت (1800-1891) ان الجمال ليس الاّ صورة محسوسة لـ اللانهائي. طبيعة الجمال هي احدى الألغاز المثيرة في الفلسفة. هل الجمال عالمي؟ كيف نعرفه؟ كيف نهيء انفسنا لإحتضانه؟ تقريبا جميع الفلاسفة انشغلوا بهذه الأسئلة بما في ذلك كبار فلاسفة اليونان مثل افلاطون وارسطو.

الشعور الجمالي

وهو حالة التأمل بشيء دون أي هدف سوى تقييمه. معظم المؤلفين يرون ان، الشعور الجمالي هو بلا هدف: نحن ليس لدينا سبب للاهتمام به عدى العثور على المتعة الجمالية. التقدير الجمالي يمكن ان يتم بواسطة الحواس: النظر الى عمل نحتي، الاشجار المزهرة، او الى محيط جزيرة مانهاتن، او الاستماع الى الملحن الاوبرالي الايطالي puccini او تذوّق الطعام الايطالي الشهير، او الشعور ببرودة الماء في يوم ساخن وما شابه. لكن الأحاسيس ربما ليست ضرورية لكي نحصل على الشعور الجمالي. نحن نستطيع الابتهاج، مثلا، في تصوّر بيت جميل غير موجود ابدا او اكتشاف او استيعاب تفاصيل نظرية معقدة في الجبر.

من حيث المبدأ، يمكن ان يتصل الشعور الجمالي بأي موضوع عبر أي وسيط ممكن للتجربة – الاحاسيس، الخيال، العقل، او أي مركب من هذه.

هل هناك تعريف عالمي للجمال؟

السؤال يبرز حول ما اذا كان الجمال عالميا. افرض انك توافق بان نصب "ديفد" للفنان michelangelo، والصورة الذاتية لفان كوخ هما اشياء جميلة: هل مثل هذا الجمال فيه شيء مشترك؟ هل هناك سمة مشتركة واحدة جميلة يمكن ملاحظتها في كلا العملين؟ وهل ان هذا الجمال هو ذاته الذي نحسه عند النظر الى حافة متنزّه غراند كانيون او الاستماع الى السمفونية التاسعة لبيتهوفن؟

اذا كان الجمال عالميا مثلما يرى افلاطون، فمن المعقول الاعتقاد اننا لا نعرفه من خلال الحواس. في الحقيقة، الاشياء في السؤال مختلفة جدا، وهي تُعرف بطرق مختلفة (النظر، الاستماع، الملاحظة). اذا كان هناك شيء ما مشترك بين تلك الموضوعات، فلايمكن ان يُعرف بواسطة الحواس.

ولكن، هل هناك حقا شيء ما مشترك في كل تجارب الجمال؟ قارن جمال اللوحة الزيتية مع قطف للأزهار في حقل مونتانا في الصيف او ركوب موجة عملاقة في هاواي. يبدو ان هذه الحالات ليس فيها عنصر واحد مشترك: لا تماثل حتى في الشعور او الافكار الاساسية . وبنفس الطريقة، الناس حول العالم يجدون مختلف انواع الموسيقى، الفن المرئي، التمثيل، الصفات الفيزيقية هي جميلة. وفق هذه الاعتبارات يعتقد معظم الناس ان الجمال هو علامة نضعها لمختلف انواع التجارب المرتكزة على مجموعة من الافضليات الثقافية والشخصية.

الجمال والمتعة

هل من الضروري ان يترافق الجمال مع المتعة؟ هل الانسان يقدّر الجمال لأنه يعطي المتعة؟ هل الحياة الموجهة للبحث عن الجمال تستحق العيش؟ هذه بعض الاسئلة الاساسية في الفلسفة والتي تتداخل بها الاخلاق مع الجماليات. اذا كان الجمال يبدو مرتبطا بالمتعة الجمالية فان البحث عن الجمال كوسيلة لتحقيق المتعة يمكن ان يقود الى مذهب المتعة الايغوية egoistic hedonism (البحث عن متعة متمركزة حول الذات)، وهي الرمز النموذجي للانحطاط ، لكن الجمال يمكن ان يُعتبر ايضا كقيمة. في فيلم بولانسكي الروماني ، عازف البيانو، مثلا، و بطل الرواية يهربان من خراب الحرب العالمية الثانية عبر عزف قصيدة للموسيقار شوبن. أعمال الفن الجميلة يتم اختيارها والاحتفاظ بها وتجسيدها كشيء ثمين بذاته. من غير المحتمل ان الكائن البشري يقيّم وينشغل ويرغب بالجمال فقط لأنه جميل.

 

حاتم حميد محسن

 

علي رسول الربيعيتتجلى الإشكالية الأساسية التي يتناولها علم اجتماع المعرفة بشكل واضح في الفكرة الشهيرة لباسكال: "لا نرى عدلاً ولا ظلمًا لا يغير طبيعته مع تغير البيئة. ثلاث درجات من خطوط العرض تنقض كل التشريعات؛ خط الزوال يقرر الحقيقة... عدالة غريبة يحدها نهر! ماهوصحيح على هذا الجانب من جبال البرانس، خطأ في الجانب الآخر".[1]

لماذا تتغير مفاهيم العدالة والتشريع والحق والحقيقة والخطأ مع التغيرات مع الجغرافيا والعصر والوضع الاجتماعي؟ ما هي، حقًا، المحددات النهائية لـ "الحقيقة" و"الواقع"؟ ألا يجب أن تكون هذه المحددات مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالعوامل الاجتماعية والوجودية؟ ألا تُعزى الاختلافات في البنى الروحية والمعرفية إلى تنوع السياقات الاجتماعية والتاريخية؟ كيف يتم إنشاء رؤى العالم أو وجهات النظر حول العالم، سواء ككيانات قبل النظرية أو قوالب مفاهيمية، توزعها وتحافظ عليها مجموعة اجتماعية ويتبناها الأفراد داخلها؟ لماذا تختلف ثقافة عن أخرى بشكل ملحوظ في المعرفة والوعي والنظرة الكونية؟ هذه هي أنواع الأسئلة التي يتم بحثها في علم اجتماع المعرفة.

يمكن تعريف هذا الحقل المعرفي داخل علم الاجتماع على أنه "تحليل لانتظام تلك العمليات الاجتماعية والبنى التي تتعلق بالحياة الفكرية وأنماط المعرفة (كما يعرفها ماكس شيلر)، وكنظرية للترابط الوجودي للفكر (كما هي عند مانهايم)."[2] إن رؤية العالم من المفاهيم المهمة في علم إجتماع المعرفة إذا تم العثور عليها في هذا الاطار فمن المرجح أنها تظهر في سياق موضوعات أخرى مثل الأيديولوجيا والأطر الاجتماعية والافتراضات الخلفية والأفكار، إلخ.). إن رؤية العالم لها موطن طبيعي في هذه البيئة الأكاديمية.[3] وكما يرى تشارلز سميث، فإن أحد المبادئ التوجيهية لعلم اجتماع المعرفة هو أن الطريقة التي ينظر بها الناس إلى العالم تتأثر إن لم تُحدد بموقعهم الاجتماعي. ويذكر أن "عالم اجتماع المعرفة يسعى إلى فهم" التحيزات المتأصلة في وجهات نظر معينة عن العالم من حيث الظروف الاجتماعية التي أدت إلى وجهات النظر أو الرةى تلك".[4] يبدو أن علم اجتماع المعرفة عند كارل مانهايم، وفقًا لرأيً بيتر هاميلتون، هو "التحقيق في الظروف الاجتماعية التي تظهر فيها رؤية معينة للعالم.[5] يؤيد ماكس شيلر هذا المنظور من خلال التأكيد على أن أحد الأغراض الرئيسة لعلم اجتماع المعرفة هو كشف القوانين التي تحكم تأسيس ما يسميه "النظرة الطبيعية نسبيًا للعالم". وكما يرى إن الكشف هذا النوع من النظرة للعالم كعقلية غير مبررة ومقبولة من قبل المجتمع أو الثقافة هو أحد المساهمات الرئيسية لعلم اجتماع المعرفة.

"إن واحدة من أكثر الرؤى الموثوقة التي يوفرها لنا علم اجتماع المعرفة فيما يتعلق بما يسمى بالأوليات، ونظرة الطفل الحيوية للعالم، والحضارة الغربية بأكملها حتى بداية العصر الحديث، والتي يتم تقديمها من خلال المقارنة النسبية أيضًا... الرؤية الطبيعية للعالم في أكبر الوحدات الثقافية، هي كما يلي: لا توجد رؤية طبيعية ثابتة واحدة للعالم الذي ينتمي إلى "الكائن البشري" على الإطلاق."[6]

يبدو، من هذه التعليقات، أن هناك القليل من الشك حول العلاقة بين طبيعة النظرة إلى العالم أو رؤية العالم وحقل علم اجتماع المعرفة. يمكن تتبع الأمثلة التي توضح العلاقة بين البيئة الاجتماعية والوعي الفكري للعقل البشري على طول الطريق الممتد إلى العصور القديمة.[7] فمفهوم أفلاطون عن دوكسا، على سبيل المثال، هو وجهة النظر القائلة بأن آراء الناس، بل وأرواحهم (غير الفلاسفة والطبقات الدنيا) تتشكل من خلال مواجهتهم مع العالم التجريبي للصيرورة، وبواسطة مهنهم الحرفية. لقد تم الأعتراف بأن الأنماط الثابتة للحياة والأفكار في العصور الوسطى متأثرة بالإجتماع قد كشف عنها مكيافيلي بطريقة ساخرة حيث قال أن الافكار في القصر شيء، ولكنها في السوق شيء آخر تمامًا. كما ساهمت مذاهب كل من العقلانيين والتجريبيين في العصر الحديث في هذا التراث. إن اعتقاد العقلانيين بأن الحقيقة، مثل خوارزميات الرياضيات، يجب أن تدفعهم إلى تفسير كثرة الخطأ كشيء متجذر في الحياة الاجتماعية والثقافية. وعلى الرغم من محاولة التجريبيين تقديم وصف واقعي للمعرفة، فإن اعتقادهم بأنه لا يوجد شيء في العقل ما لم يكن في الحواس أولاً كان يفترض ضمانًا بأن التجارب والمدخلات الحسية المختلفة ستؤدي إلى مفاهيم مختلفة للواقع. تُظهر أطروحة فرانسيس بيكون عن "أصنام العقل" كمصادر للخداع مقدار المعرفة البشرية التي تولدها القبيلة والسوق والمسرح والكهف. وحتى محاولة إيمانويل كانط لتأسيس المعرفة بواسطة المقولات المسبقة للعقل البشري كانت موضع شك وتساؤل "اجتماعيًا"، لا سيما في الملاحظة التي مفادها أن "جدول مقولات كانط هو مجرد جدول لمقولات العقل الأوروبي:"[8] مهدت كل هذه السمات للفكر الغربي الطريق لتحليل المعرفة اجتماعيا.[9]

ابتكر كارل ماركس "الافتراض الجذري" لعلم اجتماع المعرفة. فقد كتب في مقدمة كتابه "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي"، الكلمات التي غالبًا ما يتم اقتباسها وهي: "إن نمط إنتاج الحياة المادية يحدِّد سير الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية بشكل عام. ليس وعي البشر هو الذي يحدد وجودهم، بل، على العكس من ذلك، وجودهم الاجتماعي الذي يحدد وعيهم ".[10] من الواضح والمعروف بالنسبة لماركس أن هناك طبقتان أساسيتان، "البنية التحتية" (Unterbau)، وتتكون من مجموعة من العلاقات الاقتصادية، والتي تحدد "البنية الفوقية" (Oberbau) للوعي والفكر. لا تنبثق المعرفة من السماء، كما يقول أولئك الذين يؤمنون بالوحي، أو تنتج من قبل العقل البشري تماما ،كما يميل العقلانيون والمثاليون إلى ذلك؛ انها  نتيجة الظروف الاجتماعية والاقتصادية للحياة، كما يؤكد الماديون. أصبح هذا الافتراض الجذري نقطة البداية للحقل المعرفي الحديث لعلم اجتماع المعرفة: فما هي المحددات الاجتماعية الأساسية للمعرفة، بما في ذلك التي تحدد رؤى أو وجهات النظر للعالم؟

قدم بيتر بيرغر وتوماس لوكمان نظرية في علم اجتماع المعرفة بطريقة مميزة. إنهم يضعون بين قوسين المشكلات المعرفية والمنهجية التي ترتبط عادةً بهذا الحقل الأكاديمي، ويضعونها في نطاق علم الاجتماع التجريبي العام بالكامل. يؤدي هذا إلى إعادة تعريف الحقل المعرفي نفسه. فقد اهتم علم اجتماع المعرفة في المقام الأول بالمحفزات الاجتماعية للتاريخ الفكري والنظري وأنظمة الأفكار وما إلى ذلك. يعترف بيرغر ولوكمان بأن هذا جزء شرعي وصحيح من الحقل المعرفي لكن لا ينبغي أن يكون كله. أكدت الأساليب والنماذج الكلاسيكية على التاريخ الفكري في سياق اهتمامها بالجينالوجيا الاجتماعية للنظريات والأفكار والأيديولوجيات، لكنها ترى أن علم اجتماع المعرفة يجب أن يلقي بشبكة أوسع بكثير. وتجادل (هذه الاساليب والنماذج الكلاسيكية) بأن يجب أن يهتم علم اجتماع المعرفة بكل ما يمكن اعتباره معرفة في المجتمع".[11] النتيجة، فيما يتعلق بأغراضنا هنا، هي أن بيرغر ولوكمان يقللان من أهمية رؤية العالم بوصفها مصدر أهتمام اساس وموضوعًا للفحص وللتحقيق في هذا الحقل المعرفي بسبب توجهه النظري القوي المزعوم. لكنهم يؤكدون، تحت تأثير ألفريد شوتز، على أهمية "عالم الحياة" التاريخي والاجتماعي والثقافي لعامة الناس باعتباره المصدر الأساس للوعي المعرفي. ويعبرون عن رايهم في هذا الصدد قائلين: ليس"الفكر النظري،" الأفكار؛ رؤية العالم بأهمية كبيرة في المجتمع. فعلى الرغم من أن كل مجتمع يحتوي على هذه الظواهر، إلا أنها ليست سوى جزء من مجموع ما يمكن تسميته بـ "المعرفة". هناك فقط مجموعة محدودة جدًا من الناس في أي مجتمع تنخرط في التنظير، وفي أنتاج "الأفكار؛ وبناء رؤية للعالم. لكن كل فرد في المجتمع يشارك في" معرفته "بطريقة أو بأخرى".[12]

بما إن قلة من الناس في أي مجتمع متطورون من الناحية النظرية، وأن أغلبيتهم يلتزمون نوعًا من "العالم" الرمزي؛ فإن تركيز علم اجتماع المعرفة على الأقلية بدلاً من الأغلبية مقيد بشكل غير لائق. يميل المنظرون، مثل علماء اجتماع المعرفة، إلى التأكيد على أهمية النظرية، ولكن هذا تعبير عن "سوء فهم فكري". فلا تشكل النظرية سواء كانت دينية أو علمية أو فلسفية، مجمل ما يمد المجتمع بالمعرفة. لذلك، توصل بيرغر ولوكمان إلى الاستنتاج: "بما أن الأمر كذلك، يجب على علم اجتماع المعرفة أولاً وقبل كل شيء أن يهتم بما" يعرفه "الناس على أنه" واقع "في حياتهم اليومية أو غير واقع أو ما قبل النظرية". وهو المحور المركزي لعلم اجتماع المعرفة. إن هذه "المعرفة" بالتحديد هي التي تشكل نسيج المعاني الذي بدونه لا يمكن لأي مجتمع أن يوجد ". ".[13]

يعترف بيرغر ولوكمان أن التعبيرات النظرية مثل رؤى العالم هي جزءًا من اهتمامهما الأً أنها ليست، مصدر أهتمامهما الأساس. فقد كان أهتمامهم الرئيس بذلك المستوى من المعرفة الذي يعد سابقًا لكل تنظير ويعتبر أمرًا مفروغًا منه. إنهم مهتمون بتلك البنية التحتية المعرفية المسبقة ( ماقبل الوعي) التي تنتج رؤى العالم بوصفها بنيات نظرية. بالطبع، يفهم البعض مثل ديلثي ومانهايم رؤى العالم القائمة بدقة على هذا المستوى، وعندما يتم تعريفها بهذه الطريقة، لا شك ستكون رؤى العالم مرشحة للتدقيق الاجتماعي على غرار ما وصفه بيرغر ولوكمان. بعبارة أخرى، ستكون رؤى العالم ، سواء أدركت ذلك أم لا هي "ما" يعرفه الناس على أنه "واقع" في حياتهم اليومية، ما قبل النظرية. لكن لا يعرّف بيرغر ولوكمان رؤية العالم بهذه الطريقة، وهذا هو سبب عدم اهتمامهما بها. باختصار، إنهم يسعون إلى تحويل علم اجتماع المعرفة من حقل نخبوي إلى حقل قائم على المساواة. وهذا تلخيصهم لموقفهم:

"ومن ثم فإن زعمنا هو أن علم اجتماع المعرفة يجب أن يهتم بكل ما يتعلق بـ "المعرفة" في المجتمع ، بغض النظر عن الصلاحية النهائية أو بطلان ... لمثل هذه "المعرفة". وبقدر ما يتم تطوير جميع "المعرفة" البشرية ونقلها والحفاظ عليها في المواقف الاجتماعية، يجب أن يسعى علم اجتماع المعرفة إلى فهم العملية التي يتم من خلالها القيام بذلك بطريقة تجعل "الواقع المسلم به". بعبارة أخرى، نجادل في أن علم اجتماع المعرفة يهتم بتحليل البناء الاجتماعي للواقع."[14]

تم تخصيص الأجزاء الثلاثة من كتاب بيرغر ولوكمان - البناء الاجتماعي للواقع - لتطوير هذه الأطروحة. يوجهون، بعد المقدمة النقدية في الجزء الأول، انتباههم في القسم الثاني إلى تحليل بعنوان "المجتمع كواقع موضوعي!" ينظران فيه كيفية تصلب "الواقع" أو تجسيده بالنسبة للشخص العادي، لا سيما من حيث إضفاء الطابع المؤسسي والشرعية. يناقشان في الجزء الثالث "المجتمع باعتباره حقيقة ذاتية؛" حيث يقومان بتحليل استيعاب "الواقع" من خلال عملية التنشئة الاجتماعية. يمتلك هذا العالم المكوًن أو المُشكل اجتماعيا كلا من الصلاحية الموضوعية والذاتية، ويعمل كما لو كان القانون ( يقصدون الناموس هنا) هو الذي يحكم الواقع كله. إنه منظور ذكي ومتماسك ومعياري يجعل الأشياء ذات معنى كما نصادفها في الحياة اليومية. على الرغم من أنهم غير مستعدين لتسمية مثل هذا المنظور "رؤية العالم" الأً أنه يبدو ما يصفونه ورؤية العالم وكأنه واحد بالتأكيد.وبتعبير أعم، تصبح بهذه البطريقة "رؤية العالم" هي ما يستهدفه بيرغر ولوكمان لفهم علم الاجتماع بالضبط.

توجد، في تقدير بيرغر، ضرورات بيولوجية ونفسية متأصلة في النفس البشرية تستلزم إنشاء مثل هذا العالم الرمزي الذي يحترم القانون. يجب على البشر أن يصنعوا درعًا مفاهيميًا لحماية أنفسهم مما قد يكون لولا ذلك كونًا مستبعدًا وعديم المعنى. إنها تعمل، على حد تعبيره ، كـ "مظلة مقدسة" تحمي ثقافات وأفراد بأكملها من تهديد الفوضى الدائم. في كتاب منفصل لبيرغر بعنوان " المظلة المقدسة" The Sacred Canopy، يشرح ما يعنيه بهذا المفهوم ، مع التركيز على فكرة الناموس الذي يبني أو يدير العالم:  كل ناموس، من منظور المجتمع، هو مجال لمعنى محفور بين كتلة هائلة من اللامعنى ، وشئ واضح صغير في غابة لا شكل لها، مظلمة، ومشؤومة دائمًا. يمثل كل ناموس من منظور الفرد، جانب مشرق من الحياة، تمسكه بشكل ضعيف ضد ظلال "الليل" المشؤومة. كل ناموس، في كلا المنظورين، هو صرح أقيم في مواجهة قوى الفوضى القوية والغريبة. فيجب التخلص من هذه الفوضى بأي ثمن ".[15]

إذن ، فقد تم انشاء نظام شامل من القانون والنظام لحماية منتجيه من الكارثة. يفصل الخط المعرفي الرفيع بين الأفراد والمجتمع عن المواجهة المباشرة مع العدمية. وفي حالة محو هذا الخط أو انهيار المظلة، فإن أزمة أكبر حجمًا ستؤدي إلى الكشف عن العدم المطلق.

صور الفلاسفة الوجوديون الحياة في العالم بمصطلحات مقلقة مماثلة على أنها "طاعون" (كامو)، أو تجربة "غثيان" (سارتر). اليأس والقلق والملل هم رفقاء الحياة. إن وجهتي النظر هاتي ، هي تذكير مؤثر بالعدمية الأساس التي يبدو أنها تسود العالم. لا يمكن للبشر البقاء على قيد الحياة، ناهيك عن الازدهار، في مثل هذه البيئة الفوضوية دون نوع من الوسائل الوقائية التي تحميهم برحمة من حقائق الواقع الباردة والقاسية. نتذكر، في هذا الصدد ، مفهوم الفيلسوف كارل ياسبرز "المواقف النهائية" في الحياة التي تتكون من الصراع والمعاناة والشعور بالذنب والموت. هذه الشروط "المقيدة" أو "الحدود"، كما يسميها، تفرز "واقية حماية" معرفية وائتمانية متنوعة كطرق ضرورية للتعامل مع الألم والحمق المنتشرين في كل مكان تقريبًا. وكما لاحظ ياسبرز نفسه، لا يمكن للبشر أن يعيشوا بدون "واقياتهم" أكثر من أن يعيش بلح البحر ( محارة) بدون أصدافهم.

لدينا لهذه الأسباب، أيضًا إنتاج ما يسميه بيرغر "المظلة المقدسة". إن العدمية هي، في الواقع ، غير قابلة للعيش، فيبذل الجنس البشري، وكإجراء وقائي لإبعاد الفوضى، قصارى جهده لتشكيل عالم مستقر وعاطفي يحميه من الرعب النهائي لعالم غير مفهوم. إن نوع من "الحقيقة" حول طبيعة الأشياء ضرورة إنسانية واجتماعية أساسية لتعويض التشرد المعرفي والوجودي. يبدو أن تأجيل السؤال حول صدقها، هو بالضبط الوظيفة التي تلعبها رؤى العالم في التجربة البشرية: ليس بالضرورة كنظم مفاهيمية متطورة (على الرغم من أنها قد تكون كذلك)، ولكن على الأقل باعتبارها انطباعات عامة عن طبيعة الكون والحياة بداخله ، قانون أو إطار أو نموذج يولد نوعًا من النظام وسط فوضى كبيرة .إن رؤية العالم  هي في الواقع نوع من "المظلة المقدسة، "مقدسة" في قيمتها السامية بالنسبة إلى أتباعها، و"مظلة" في خدمتها كدرع واق ضد التهديد الدائم للعدمية. على الرغم من أن بيرغر ولوكمان أزالا بشكل كبير رؤى العالم كنظم فكرية من الاعتبار المعرفي، فإن إعادة تعريفها بمصطلحات أكاديمية أقل كبنيات افتراضية وربطها بمفهوم المظلة المقدسة سيجعلها مرشحين مناسبين للتحليل الاجتماعي. وإذا كان لرؤى العالم شيئًا مهمًا لتقوله عن فهم الفرد أو المجتمع حول طبيعة الواقع، فيبدو من المعقول جدًا أن نقترح أن مفتاحًا لفهم إنتاجهم وتوزيعهم وتأثيرهم موجود في علم اجتماع المعرفة.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.......................................

[1] Blaise Pascal, Pensees, trans. W. F. Trotter, in The Great Books of the Western World, vol.33 (Chicago: William Benton and Encyclopaedia Britannica, 1952), p. 225 (§5.294).

يلخص فكر باسكال القضايا التي تم تناولها في علم اجتماع المعرفة لبيتر .بيرغر وتوماس لوكمان. أنظر:

Peter L. Berger and Thomas L. Luckmann.The Social Construction of Reality: A Treatise in the Sociology of Knowledge (New York: Doubleday, Anchor Books, 1966), p. 5.

[2] The Blackwell Dictionary of Twentieth-Century Social Thought (1993), s.v. "sociology of knowledge."

[3] Griffioen, S."Worldview Approach TO Social Therory:Hazards and Benefits,' In Stained Glass: worldviews and Social Sience,edited by Paul A. Marshall, Sander Griffioen, and Richard J. Mouw,pp.81-118.Lanhan, Md,: University Press of America, 1989.," p. 88.

[4] Charles W. Smith, A Critique of Sociological Reasoning: An Essay in Philosophical Sociology (Oxford: Basil Blackwell, 1979), p. 110, quoted in Griffioen, "Worldview Approach," p. 88.

[5] Peter Hamilton, Knowledge and Social Structure: An Introduction to the Classical Argu- ment in the Sociology of Knowledge (London: Routledge and Kegan Paul, 1974), p. 121, quoted in Griffioen, "Worldview Approach," p. 88.

[6] Max Scheier, Problems ofa Sociology of Knowledge, trans. Manfred S. Frings, edited and introduction by Kenneth W. Stikkers (Boston: Routledge and Kegan Paul, 1980), pp. 74-75.

[7] The Encyclopaedia of Philosophy (1967), s.v. "sociology of knowledge."

[8] Max Scheler, "The Sociology of Knowledge: Formal Problems," in The Sociology of Knowledge: A Reader, ed. James E. Curtis and John W. Petras (New York: Praeger, 1970), p. 178.

[9] Max Scheler, "The Sociology of Knowledge: Formal Problems," in The Sociology of Knowledge: A Reader, ed. James E. Curtis and John W. Petras (New York: Praeger, 1970), p. 178.

[10] Karl Marx, "Preface to A Contribution to the Critique of Political Economy;' in The Marx-Engels Reader, ed. Robert C. Tucker, 2nd ed. (New York: Norton, 1978), p. 4.

إن تعبير "الافتراض الجذري" المطبق على ماركس هو من: Berger and Luckmann, p. 5.

[11] Berger and Luckmann, pp. 14-15.

[12] Berger and Luckmann, p. 15.

[13] Berger and Luckmann, p. 15.

[14] Berger and Luckmann, p. 3.

[15] Peter L. Berger, The Sacred Canopy: Elements of a Sociological Theory of Religion (New York: Doubleday, Anchor Books, 1967), pp. 23-24.

 

 

هل يمكن أن يشكل الحدس الفلسفي، ولو نظريا، حلا لمشكلة علمية؟!

قد يبدو هذا التساؤل غريبا نوعا ما لان ما حدث ويحدث هو العكس تماما، إذ دأب العلم على غزو مناطق كانت تعتبر جزء لا يتجزأ من الفلسفة. فالعلم لم يتوقف عن التقدم مقتحما بذلك مجالات اعتبرت إلى عهد قريب موضوعات للتفكير الفلسفي. وبذلك انتقلت الفلسفة من وضع متميز "كأم للعلوم" إلى تخصص من بين تخصصات عديدة. ما كرس هذا التصور وعززه هو سيادة فكر وضعاني positiviste ، جعل منها مرحلة متأخرة من تطور العقل البشري الماقبل علمي préscientifique، الأمر الذي خلق انطباعا لدى العلماء وغير العلماء بأن العلم قادر على حسم كل التساؤلات التي طرحها الإنسان: الانطولوجية، و الابيستمولوجية والاتيقية. لكن أمام الإخفاقات التي منيت بها هذه الآمال الغارقة في التفاؤل، خصوصا مع العلم الحديث، علم القرن 20 و21، اضطر مجموعة من الفلاسفة والعلماء إلى إعادة قراءة تاريخ العلم، قراءة أسسه ومبادئه، نتائجه وحدود موضوعيته. علاوة على ذلك، فتحت هذه النتائج الباب أمام إعادة طرح تساؤلات لا تخلو من طابع ميتافيزيقي، تساؤلات تخص طبيعة الواقع كما هو في ذاته، وليس كما تمنحه لنا حواسنا، واقع خالص مستقل عن ذواتنا. ربما هذا ما دفع الفيلسوف الفرنسي "لوي ألتوسير" إلى القول بأن "عمل الفيلسوف يبدأ عند النقطة التي انتهى إليها عمل العالم"، وحجة ذلك هي أن جميع العلماء الذين قدموا إسهامات كبيرة في مجال تخصصهم كتبوا عن علمهم الكثير، محاولين التفكير في معناه وأبعاده الفلسفية والسياسية، الأخلاقية والثقافية، الاقتصادية والبيئية...وبذلك سقط الادعاء الوضعاني، ادعاء "موت الفلسفة ! "

تأسيسا على ما سبق، سنقدم في هذه الورقة، وباختصار، أطروحة دافع عنها الفيزيائي والفيلسوف "بيرنار دي سبانيا" في جميع أعماله، وتدور حول ما سماه ب"الواقع الخفي" Le réel caché (1). فما هو مضمون هذه الأطروحة؟ وكيف وظف بعضا من مضامين وأفكار "اسبينوزا" في تبريرها؟

في كتابه "بحثا عن الواقع" (2) تناول "دي سبانيا" مجمل التصورات التي حاولت تقديم تأويل لعلاقة الصورنة الرياضية لفيزياء الكوانطا بالواقع، وهو ما قاده إلى مناقشة موقف الوضعيين positivistes (أو كما يسميهم أيضا بفلاسفة التجربة) والواقعيين réalistes  من هذه المسألة. فإذا كان الوضعيون يعلقون كل حكم يخص وجود "واقع في ذاته" من عدمه، معتبرين أن غاية العلم هي "انقاد الظواهر" وليس الكشف عن ما هو ثاو خلفها (عاملين بذلك بموقف "هيجل" Hegel الذي اعتبر "بأن لا أحد يمكنه مباغتة الأشياء من الخلف") فإن الواقعيين، علماء منهم وفلاسفة، يؤكدون على ضرورة أن تكون للصورنة الرياضية ما يقابلها في الواقع، وإلا كيف سنفسر "الانتظامات" régularités التي نعاينها داخله. إن رفض فكرة وجود عالم مستقل عنا لابد وأن تقودنا، كما يرى الواقعيون، إلى السقوط في نزعة مثالية فجة، مثالية تمنح "الذات العارفة" قوة "إيجاد الأشياء" ! وهم بذلك يوجهون انتقادهم لفلاسفة التجربة (الوضعيين) الذين دأبوا على ربط الظواهر بشروط تخص تفاعل أجهزة القياس مع النسق المدروس. في المقابل اعتبر الوضعيون بأن الحديث عن واقع في ذاته ليس من صميم العلم بل الميتافيزيقا، مستثمرين "حكمة" "فيتجنشتاين" Wittgenstein حيث قال: "إن ما لا يستطيع المرء أن يتحدث عنه، ينبغي أن يصمت عنه". تذكرنا حكمة "فيتجنشتاين" هاته بشروط إمكان المعرفة عند "كانط"، مع فارق أساسي وهو: إذا كان هذا الأخير لاأدريا agnostique بخصوص وجود "أشياء في ذاتها"، فإن من قرؤوا فلسفته قراءة وضعية حسموا أمرهم بأن اعتبروا تلك الفكرة مجرد "مفهوم أقصى" concept limite. لكن موقف "دي سبانيا" ما كان له أن يرفض أطروحة الفلاسفة التجريبيين، مادام احتياطهم المنهجي، وعملهم بالحكمة أعلاه،  قد أسهم إسهاما كبيرا في تقدم المعرفة العلمية، مع ذلك ظل السؤال بالنسبة إليه مطروحا حول الغاية من العلم، وحول ما إذا كان دوره ينحصر في تقديم "وصفات، وتنبؤات ناجحة وناجعة" ! بمعنى ما، يمكن القول بأن ما حاول "دي سبانيا" القيام به هو التفكير في ما "لا يمكن قوله" indicible، "والإفصاح عنه" l’exprimer. قد يوحي ذلك بأن "دي سبانيا" من الفلاسفة المنتصرين للأطروحة الواقعية، بكل تأكيد لا، لان موقفه أعقد بكثير: فلا هو ينفي، كما أشرت، أهمية الأطروحة الوضعية، ولا هو يقبل بها حرفيا؛ ولا هو أيضا يرفض التصور النقيض (أي الواقعي) ولا هو يقبل به كما هو ! إذن، ما هو بالضبط تصوره؟ إن فهم هذا الأخير يقتضي استحضار "دي سبانيا" الفيزيائي، وليس فقط الفيلسوف، لقد استفاد استفادة عظمى من عمله كمختص في الفيزياء النظرية، مختص على اطلاع كبير وعميق بمستجدات العلم، وخصوصا تلك المستجدات المتعلقة ب"نظرية الحقول الكوانطية" la théorie des champs quantiques. لقد تخطت هذه النظرية النقاشات التي دارت، ما بين الآباء المؤسسين لفيزياء الكوانطا، حول ثنائية الجسيم-الموجة particule-onde، وحول الكيانات التي يتحدث عنها النسق الرياضي الصوري ومدا وجودها الفعلي، بحيث أصبح واضحا الآن بأن نماذجنا العلمية هي صورة من بين صور ممكنة حول الواقع، تعكس جزءا منه، وليس الواقع في كليته ووحدته. هذا ما يفسر النقاش الذي أفرده لثلاثة نماذج واقعية في الفصل التاسع من كتابه "بحثا عن الواقع"، ويتعلق الأمر بنموذج "الأكوان المتعددة"، ونموذج "المتغيرات الخفية" ثم النموذج الذي يقر بأن "دالة الموجة" تصف فعلا النسق الفيزيائي المدروس. بيد أن التساؤل الذي طرحه بصدد هذه النماذج يهم مدا استجابتها لمعايير "الواقعية الفيزيائية" réalisme physique، أي مدا تلاؤمها مع هذه النزعة الأخيرة، وهي النزعة التي يقول أصحابها بإمكانية وصف الواقع المستقل كما هو فعليا (بلغة "كانط" كما هو في-ذاته) بواسطة علم الفيزياء. لقد كان جوابه، بعد عرضه لتلك النماذج ونقدها (3)، واضحا: إنها لا تفي بهذا المطلب، بل وتبدو من منظور "نظرية الحقول الكوانطية" متجاوزة، هذا إضافة إلى ما أدى إليه اكتشاف خاصية "عدم-الفصل" (4) non-séparabilité، وإثباتها نظريا وتجريبيا، من إعادة للنظر في تصوراتنا الاعتيادية والمألوفة حول العالم والأشياء. وعليه، اعتبر "دي سبانيا" أن الإبقاء على موقف واقعي يقتضي المراهنة على ما أسماه ب"واقعية غير فيزيائية" réalisme non-physique، هذه الأخيرة هي ما يمثل نظريته حول "الواقع الخفي". فصورة العالم التي يحاول تشكيلها هي صورة واقعانية غير-فيزيائية، ولهذه السبب ميز مفاهيميا ما بين "واقعية قريبة" réalisme proche وأخرى "بعيدة" réalisme lointain، وفي هذا يقول: "أسمي "واقعية قريبة" كل رؤية للعالم تفترض الوصف الملائم لجميع عناصر الواقع بواسطة مفاهيم قريبة ومألوفة. وأسمي "واقعية بعيدة" كل تصور لا يفي بذلك الشرط."(5) تتلاءم الواقعية الأولى مع رؤيتنا الاعتيادية، واليومية، للأشياء حيث كل منها يحتل مواقع محددة مستقرة، نفترض وجودها وديمومتها دون أدنى شك أو مساءلة. لكن هذه الواقعية الأخيرة لم يعد لها مجال للاستمرار نتيجة التطور الذي شهده حقل العلوم الفيزيائية. لذا راهن "دي سبانيا" على الواقعية الثانية، أي البعيدة، مستبعدا بذلك كل من الواقعية القريبة والفيزيائية. لكن، يتساءل فيلسوفنا، أي منظور يلاءم تصورنا للعالم، الأحادي moniste أم الثنائي dualiste؟ لا يمكن للفيزياء تقديم جواب عن هذا السؤال. فبالعودة إلى النماذج الثلاث التي أشرنا لها سابقا يتضح جليا أن اثنين منها فقط ثنائية، بينما الثالثة (أي نموذج المتغيرات الخفية) هي وحدها القريبة من المثال الأحادي، نظرا لأنها لا تدخل في اعتبارها مفهوم "الوعي". يبدو مع ذلك أن "دي سبانيا" يميل إلى تبني تصور أحادي، وهو الأمر الذي يتجلى من خلال تأكيده على أن الوعي ومعه الأشياء مجرد مظهرين متكاملين لنفس الواقع، أي: الواقع المستقل.  بعبارة أخرى، لا واحد منهما (الوعي والشيء) يمتلك وجودا في ذاته، بل أن كلاهما يتوقف وجوده على الأخر. فالذرات، كما يقول، تساهم في خلق نظرتي، لكن نظرتي تساهم بدورها في خلق تلك الذرات، أي أنها تساهم في انبثاق الجزيئات من "عالم ممكن" possible إلى أخر "فعلي" actuel، من "واقع كلي" لا يقبل القسمة إلى "واقع ممتد زمنيا ومكانيا". بهذا الموقف يصير فيلسوفنا أقرب إلى حدس فلسفي سبينوزي intuition philosophique spinoziste ، وهو ما لا ينفيه، إذ مادام قد راهن على واقعية غير فيزيائية، كما قلنا، فإنه ارتأى البحث في التقليد الفلسفي الحديث على ما يلاءم أطروحته حول "الواقع الخفي". بيد أن هذا لا يعني التبني الحرفي لما جاء به ذاك التقليد، وسبب ذلك هو أن العلم، وكذا الابيستمولوجيا، قد أحرزا تقدما كبيرا لدرجة أضحت معها مواقف وتصورات فلاسفة القرن 17 (يقصد بهم الديكارتيين، المالبرونشيين، نسبة للفيلسوف "مالبرانش"، وسبينوزيين) عديمة الجدوى. فالمهم هي حدوسهم و ليس تصوراتهم بتفاصيلها.

فضل "دي سبانيا" إذن، تبني منظور العالم الذي قدمه "اسبينوزا" Spinoza في خطوطه العريضة والعامة، معتبرا إياه الأكثر قربا من أطروحته. لذا حاول إيجاد تقارب ما بين مفهومه القائل "بالواقع البعيد" ومفهوم "الجوهر" substance الذي قال به "اسبينوزا". فالجوهر السبينوزي (6) يعبر عن ما له وجود في ذاته، أي ما لا يمثل صفة شيء، ولا هو بوهم من أوهام شخص بعينه. من تم، لا يعبر ذلك الجوهر في الفيزياء الحديثة لا عن مجموع الجزيئات، ولا هو يعبر عن "كيانات ملاحظة" les observables. إنه يشبه ذلك الواقع الكوني الذي أسلفنا الإشارة إليه، والذي قد تحيل إليه بعض رموز "نظرية الحقل الكوانطي". وانسجاما مع هذا السياق الأخير، يقول لنا: "أفكر هنا في الرمز <0│ مثلا، أي متجه الحالة الذي يصف "الفراغ" الذي يتحدث عنه علماء الفيزياء النظرية، فراغ، كما يعلم ذلك المختصون، مليء بأشياء تقع كلها وسط الطريق ما بين الافتراضي والفعلي."(7) من الأهمية بمكان أن نلاحظ بهذا الخصوص عدم صلاحية المفاهيم المنبثقة عن تجاربنا في وصف أي شيء يخص الواقع المستقل (وهو ما يذكرنا ب"ما لا يمكن قوله" l’indicible عند "فيتجنشتاين")، وهي سمة مميزة للفكر السبينوزي حيث الجوهر لامتناهي، في حين أن تأثيرنا وفعلنا موجه إلى ما هو محدود أي متناه. أحيانا (بل نادرا) يلجأ "اسبينوزا" إلى نعت الجوهر ب"الطبيعة الفاعلة" Natura naturans، مقابل "الطبيعة المعلولة" Natura naturata أو ما يسمى في الاصطلاح المعاصر بالظواهر(8). يساعدنا هذا التعارض ما بين المفهومين في نظر فيلسوفنا (التعارض ما بين الطبيعة الفاعلة والطبيعة المعلولة) في التأسيس لتباين أخر ما بين الواقع الجوهري – أو الوجود – والواقع الامبريقي الذي نعتمد في وصفه على مفاهيمنا الاعتيادية، والتي نسقط من خلالها الكثير من ذاتيتنا   subjectivité. هذا بالضبط ما جعل "دي سبانيا" يرى في لغة "اسبينوزا" المفتاح الملائم للتعبير عن الحقيقية، هذا في الوقت الذي عجزت فيه لغة المفكرين المحدثين (بمن فيهم "كانط" بطبيعة الحال) في تحقيق ذلك، وهو ما يتضح في استخدامهم لكلمة "الطبيعة" بشكل يختفي معه التباين الذي أشار إليه "اسبينوزا". نفس التحليل يصدق على مفهوم "المادة"، حيث يشار به، ودون تمييز، إما إلى الوجود في كليته أو بعضا من أجزائه، أو يشار به للواقع الامبريقي للظواهر. لكن، ورغم تحفظه على التطابق الذي أقامه "اسبينوزا" ما بين "الإله" و"الجوهر"، إلا أنه يعترف لهذا الأخير بنوع من الحكمة، حكمة لا مناع من محاكاتها. فنعت "الإله" بالواقع المستقل، يعبر عن تمييزه الشديد ما بين هذا الأخير و بين الواقع الظاهراتي la réalité phénoménale، وهو الموقف الذي يتقاطع مع تعاليم الفيزياء الحديثة (فيزياء الكوانطا).

لا شك أن للعلم إسهامات كثيرة جدا، نظرية كانت أم تطبيقية، لكنه أثار أيضا من المشكلات الكثير. فالنماذج العلمية هي عبارة عن تمثلات مخصوصة، أي أنها تقدم لنا صورة عن جزء من الواقع، هذا ناهيك عن تضاربها وتناقضها في تفسيرها لنفس الظاهرة. إن هذا ما دفع عددا من العلماء إلى التفكير في ممارستهم العلمية، إن في شقها النظري أو التجريبي، وذلك محاولة منهم قول أكثر مما تقوله وتصرح به نماذجهم. لذا لا غرابة أن يحاور بعضهم الفلسفة، والبعض الأخر الشعر والصباغة والآداب، بل وحتى العقائد الدينية، السماوية منها والأرضية، وذلك بغاية إكمال المشهد. إن هذا بالضبط ما قام به "دي سبانيا" حين وجد في حكمة "اسبينوزا" ضالته. فإذا كان عالم الرياضيات والفيلسوف "روني طوم" قد طالب "بإكمال الواقعي بالخيالي"، فإن "دي سبانيا" قد يكون طالب، على الأقل في إعتقادي الشخصي، بإكمال العلمي بالفلسفي !

 

كمال الكوطي

........................

الهوامش:

1- "الواقع الخفي" هو عنوان لأحد أعمال "برنار دي سبانيا": d’Espagnat Bernard  Le réel caché, analyse des concepts quantiques, Librairie Arthème Fayard, 1994.

2- صدر هذا الكتاب في طبعته الثالثة سنة 2015، وكتب مقدمته الفيزيائي والفيلسوف "إتيان كلان"، وهي الطبعة التي سنعتمدها في ورقتنا هاته  d’Espagnat Bernard : A la recherche du réel, Editions Dunod, Paris, 2015

3- سأخصص لهذه النماذج ورقة منفصلة كما عرضها وانتقدها هذا الفيلسوف.

4- باختصار شديد جدا ودون الدخول في التفاصيل التاريخية التي أدت إلى ظهور هذا المفهوم، والسجالات التي دارت حوله، مبدأ عدم-الفصل هو مبدأ يقر بأن جزيئين أو أكثر إذا حصل وتفاعلا في الماضي، فإنهما يمثلان بعد انفصالهما كلا لا يقبل القسمة مهما عظمت المسافة الفاصلة بينهما.

5- A la recherche du réel, p,. 110

6- يقول "اسبينوزا" في الباب الأول حول "الله"، التعريف الثالث، ما يلي: "أعني بالجوهر ما يوجد في ذاته ويتصور بذاته: أي ما لا يتوقف بناء تصوره على تصور شيء أخر."

عن كتاب "باروخ اسبينوزا": علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، مراجعة"جورج كثورة"، الطبعة الأولى: بيروت، تشرين الأول (أكتوبر) 2009، ص،. 31

7- A la recherche du réel, p,. 115

8- في نظرية قريبة من مذهب "وحدة الوجود" panthéisme يستحسن عدم ترجمة natura naturans ب"الطبيعة الخالقة"، و natura naturata ب"الطبيعة المخلوقة"، لان ذلك قد يوحي في ذهن القارئ بأن "اسبينوزا" يؤمن ب"اله مفارق" Dieu transcendant ، في حين أن الأمر يتعلق عنده بنوع من "التلازم المتزامن" للعلة ومعلولها، أو الفاعل وفعله.

 

 

 

حاتم حميد محسنلم يكن العظماء الكبار في اليونان القديمة محبوبين في زمانهم. المؤرخ هيرودوتس تعرّض للانتقاد لتضليله الجمهور. رجل الدولة بريكلس كان باستمرار عرضة للشك بطموحاته الاستبدادية. سقراط الأب الروحي للفلسفة الغربية اُعدم بسبب تعاليمه المدمرة. مع ذلك، نحن نتذكر هؤلاء الرجال بسهولة اكبر مما نتذكر منتقديهم. حكمتهم أثبتت استمراريتها وجدواها لكل الأجيال القادمة التي تراها ملائمة ويمكن الاستفادة منها.

ان جيلنا الحالي يبدو كأنه في عملية نبذ لتلك الحكمة متّبعا وبسعادة غامرة مسارات بالية نحو التدمير، وان كانت مسترشدة بسوفسطائين وديماغوجيين جدد. ولكن لايزال هناك اناس يعتقدون ان اليونان القديمة لديها أشياء يمكن ان نتعلّم منها . كلوديا هوير واحدة من اولئك الناس، وكتابها الجديد (الانسانوية الاستراتيجية: دروس حول القيادة من اليونان القديمة)(1)، هو مرشد مختصر "للاستفادة من الادب اليوناني عندما نواجه مشاكل عصرنا الحالي" . في الكتاب نجد بعض الأشياء الرائعة وأشياء اخرى محل خلاف.

هوير تدرّس الانسانيات، العلوم، واللغات في برنامج الكتب الكبرى في كلية سانت جونس. هي ايضا تدرّس الاخلاق المهنية في اكاديمية القوة الجوية في الولايات المتحدة. كتابها هو سلسلة من المقالات تلخّص ما تدرّسه للطلاب للاستعداد للخدمة العسكرية. حينما تطبّق الكاتبة الأفكار القديمة على الحرب الحديثة والجيوبوليتك، فهي تصطحب ليس فقط المعاصرين القدماء مثل فيكتور ديفس ، غراهام اليسون، دونالد كاجان، وانما ايضا رجال الدولة الأمريكيين والجنرالات – بمن فيهم المؤسسين انفسهم. وكما توضح هوير في مقدمتها، "الشخصيات والسيناريوهات التي توجد في نصوص هوميروس وهيرودوتس و ثيوسيدز وارسطو لاتزال شاخصة اليوم". طبيعة الانسان، كما لاحظها ثوسيديز، لا تتغير.

2590 اليونان

لكن إحساسنا بأنفسنا ككائنات بشرية يتغير بالفعل، والفرضية الرئيسية للانسانوية الاستراتيجية هي ان ذلك الاحساس قد تغيّر نحو الأسوأ منذ فرنسيس باكون (1561-1626) وديكارت (1596-1650) . الفلاسفة الطبيعيين للقرنين 16 و 17 كانوا متفائلين بافراط حول امكانية رسم خط فاصل وواضح بين الذهن والمادة. بعمل كهذا، هم كانوا يأملون تمكين الأول(الذهن) من ممارسة ارادته الكاملة على المادة. لكنهم كما في كثير من الاحيان، حققوا العكس.

باكون كان يأمل إكمال "قوة وسيادة العنصر الانساني ذاته على الكون"، وفي مجال واحد يبدو انه حصل على رغبته: نحن لدينا سيطرة تكنلوجية لا مثيل لها على محيطنا. لكن هذه المعرفة حول المادة جاءت على حساب الحكمة حول كل شيء آخر: عبقريتا المادية البحتة جعلتنا أغبياء روحيين واخلاقيين. نحن نستطيع رسم حركات السماء ولكن نفشل في تفسير جمالها كأي شيء اكثر من الوهم. نحن نستطيع فصل الذرة ولكن لا نفكر وبطريقة مقنعة حول ما اذا كان يتوجب علينا ذلك .

في الفصل الافتتاحي من الكتاب "الانسانوية اليونانية والثورة الديكارتية"، تطرح هوير جدالا مقنعا بان الانسان لايمكن اختزاله الى ماكنة او ميكانيكيين. توقنا غير المكتمل، خبراتنا الذاتية، عواطفنا اللا رشيدة: جميع هذه تبقى خصائص اساسية لإنسانيتنا رغم الجهود العلمية لإخضاعها او استغلالها. اليونانيون يمكن ان يساعدوننا في فهم كل هذا لأن "تجاربهم في الارتباط بالعالم قادتهم لإحساس قوي بمعنى الكائن البشري". وبكلمة اخرى، مع ان بعض فلاسفة اليونان ورجال الدولة والمؤرخين كانوا مشهورين بالتحليل العقلاني للعالم، هم ايضا لم ينسوا ابدا انهم كانوا في ذلك العالم، وان الحقائق الانسانية مثل الشرف والسعادة لم يكن بالإمكان التخلص منها. هناك البعض من الذين يضعون استثناءات لإفلاطون، يلومونه لأحلامنا الفنتازية في ان الخلق يمكن تنقيته من الضعف الحيواني وتحليله في عبارات عقلانية باردة. اخرون، يعتقدون ان حوارات مثل (الندوة) تبيّن افلاطون ومعلمه سقراط اكثر من مجرد ثنائي. ولكن على الاقل، بعض انصار افلاطون المتحمسين مثل برفراي وافلوطين بالفعل سعوا نحو النقاء الفكري الى اقصى حد. هوير توضح في البداية ان هذا يفسر لماذا لم يظهر افلاطون في كتابها.

الكتاب احتوى على سلسلة من الفصول حول هوميروس (الشرف، العنف الوحشي في الياذة هوميروس)، هيرودوتس (هيرودوتس: اتجاه متعدد الثقافات" و"سلطة اللغة"، ثوسيدادز (من الديمقراطية للاستبداد)، وارسطو ("ارسطو:اخلاقي لزماننا")، كل واحد منها يمكن قراءته والاستفادة منه.

ان ما هو جذّاب خصيصا تحليل الكاتبة للعديد من التصريحات الاسطورية الغامضة في هيرودوتس، والقراءة الخاطئة لها التي اشارت الى فشل الملوك المفرطين في الثقة مثل الملك كرويسوس ليديا. "كرويسوس يتخذ اتجاها خطيا صارما لمشاكل وألغاز الاستراتيجية، وهو يفشل في الاعتراف بان تلك العبارات قد تكون لها معاني غير حرفية". الجنرالات اليونانيون مثل الأثني تيمستوكليس كانوا اكثر رغبة لقراءة ما بين السطور. تيمستوكليس اقنع زملائه المواطنين بان نصيحة الآلهة بالاعتماد على "الجدار الخشبي"تعني التأكيد على ستراتيجية بحرية. هو جسّد أعلى مستوى من التطور، في السياسة اليونانية المتميزة في إعتبار العقول فوق العضلات.

الكاتبة وبنوع من سوء الفهم، تصف هذا التعقيد الأثني كتطابق دقيق مع الفضيلة المبدئية التي سمحت لليونان بالنصر على الفرس. ولكن لاحقا، "رفض السوفسطائيون مثل غورجياس الاخلاق التقليدية مفضلين الاخلاق النسبية"، التي انغمس بها الاثنيون بقوة اثناء حرب البيلويونيس. ومع مساعدة ورعاية بيركلس، حوّل السوفسطائيون الثقافة الفكرية المدنية الى مظهر زائف للسياسة الخالصة للسلطة .

هناك ربما بعض الحقيقة في هذا، في احد أحاديث غورجياس، "الدفاع عن هيلين"، يصف كل البلاغة كزيف وكل الإقناع كنوع من العنف: "اولئك الذين يقنعون .. اي شخص حول اي شيء هم حرفيون في الكذب". في حكاية غورجياس، الفوز بالكلمات مساوي لعقاقير الاغتصاب الحالية: البلاغيون المهرة يمكنهم إجبارنا لعمل اي شيء بصرف النظر عما نريد وعما هو صحيح.

لكن غورجياس لم يخترع التيار الساخر في السياسة الاثنية. انه كان هناك منذ البداية. جاء ثيمستوكلس بستراتيجية ناجحة ضد بلاد فارس، ولكن في عشية المعركة هو ايضا استخدم تكتيك الخداع الذي هو في تضاد مع رموز الشرف القديمة التي انعكست في ابيات هوميروس. هو بالنهاية غادر الى الفرس حالما تآكل نفوذه في اثينا. البراعة ربما تتجاوز حدودها المقبولة ايضا.

تعترف الكاتبة بهذا اثناء الكتاب (اللغة لها سلطة استثنائية في تشكيل التصور)، هي تقول، "السلطة التي يمكن استعمالها للخير او للشر". ولكن بشكل عام هي تبدو مستعدة جدا لربط ابتكارات الفترة الكلاسيكية العالية الى الافتراضات المريحة لليبرالية الحديثة. اتجاهها المتعدد الثقافة لهيرودوتس يتضمن القبول باقتباس ادوارد سيد، الذي انتقد فيه علنا شوفونية الغرب. في (convering Islam، 1981)، عبّر سيد عن أمله باننا سوف نتخلص بالنهاية من جميع الكراهية المتبقية والعمومية القاسية لأوصاف مثل المسلم، الفارسي، الترك، العرب، او الغربي.

من الصحيح جدا ان هيرودوتس كان سخيا نحو الثقافات غير اليونانية، وان منافسه فلوترفس اتّهمه بحب البربرية او حب الغرباء . ولكن لا تبرير في التاريخ للاقتراح ، كما فعل ساد، بانه حتى ملاحظة الاختلافات بين الثقافات وتقييم البعض تجاه اخرى ترقى دائما وفي كل مكان الى تحيّز رجعي. تقول الكاتبة، "الخطاب القديم كان كما يقاد اليوم بمجموعة من تفضيلات معادية للوعي وللممارسات المتعددة ثقافيا ". غير ان هذا ليس من هيرودوتس. التاريخ يشهد على القدرة الواضحة لدى أحسن المفكرين الغربيين للايمان بفكرتين في آن واحد: مختلف الثقافات تسلك بشكل مختلف، ولكن موضوعيا بعض الأشياء افضل من الاخرى.

هيرودوتس يقبل حقيقة التنوع الثقافي. بعض الأشياء عالمية: "الرجال منذ وقت طويل اكتشفوا قوانين نبيلة، منها يجب ان يأخذ المرء تعليمات"، يقول Gyges ملك ليدان في هيرودوتس" الكتاب الاول (التواريخ 1.8.3). تسامح هيرودوتس لا يمتد للعادات البابلية في البغاء في المعابد، والتي يسميها "اكثر الممارسات اشمئزازا". هوير لاتتعامل مع هذا التعليق. ولا هي تعالج حقيقة ان تفضيلها لخطاب مفتوح وتعددية ثقافية هو بذاته تحيز مشروط ثقافيا.

ارسطو ايضا ضغط بإستياء لدعم قيم حديثة مستساغة: "الفكرة الارسطية للازدهار لايمكن اختزالها لتخمين احصائي مرتكز على الوصول الى المصدر الخارجي للنقود". ارسطو يقول تقريبا الضد من هذا في أخلاق نيكوماخوس 1099 a-b :"من المستحيل او على الاقل ليس سهلا ان تعمل اشياء نبيلة بدون إمدادات لازمة لأن العديد من الاشياء النبيلة يجب ان تتم باستعمال وسائل بما فيها الادوات والثروة والسلطة السياسية". هناك طرق مختلفة لصياغة حجة ضد هذا الادّعاء مع الاحتفاظ بالافكار الجوهرية في اخلاق نيكوماخوس. انه لا يثبت استحالة ان يقوم المفسرون المسيحيون بتحديث ارسطو بروح جديدة فيها الثروة والفضيلة غير مترابطان تماما. القرّاء العلمانيون ، ايضا، يجدون طرقا لتليين النخبوية الارسطية عبر الجدال بان خير التأملات الفلسفية لا يكلف أي شيء. لكن هوير لا تعرض اي من هذه الحجج – هي فقط تفترض ان ارسطو لا يعني حقا ما قاله حول النقود.

الكاتبة لم توضح ايضا التعليق الملتبس التالي الذي جرى ليبيّن انه من خلال الحرب تعلمت اثينا وامريكا منْ هم. "في الولايات المتحدة، الحرب الثورية شحذت حبنا للحرية وعرّفت سيادتنا المتميزة، بينما الحرب الأهلية اوضحت فقط الى أي مدى سيذهب الناس لحماية ظلم العبودية". ذلك شيء مربك. انت بسهولة تستطيع القول ان الحرب الاهلية تبيّن كم عدد الامريكيين الراغبين بالموت لإلغاء العبودية، من بينهم جنرال روبرت لي . على اية حال من الصعب رؤية كيف ان حرب الفرس او حرب البيلونيسين لهما علاقة بهذه الملاحظة العاصفة.

اخيرا، هوير تبدو غير مطّلعة او غير مهتمة في التحديات الحديثة التي نطبّق عليها الحكمة القديمة. الكاتبة تبدو غير جادة في معالجة المشاكل الواقعية للحاضر. في أحد فصولها حول ثيوسيدايز، هي تذكّرنا بالعديد من المقاطع في الادب اليوناني (الجمهورية 1.327c و ثيوسيدايز 3.82) اعترفت فيها ان النقاشات المدنية تنهار والعقل لا يعمل عندما لا يستمع طرف واحد او اكثر. لكن هذا وصف دقيق ليقظة الدوغما العنصرية التي أثبتت نفسها انها مقاومة بشراسة لكل محاولات التحديث او النقاش.

كل الطريقة الغربية بعمل الأشياء – بما فيها السياسة الاثنية في النقاش الرقيق والمنطقي – تواجه التهديد بهذه العقيدة الصاعدة الجديدة. فيها تنعكس الرغبة بالسلطة وبصورة اكثر تعصبا مما حلم به السوفسطائيون ، كراهية نحو تقاليد وبشكل اكثر شراسة من سخرية ارستيفان، و ايمان ضيق الذهن سيرسل سقراط الى موته لو كان حيا اليوم.

 

حاتم حميد محسن

..........................

المصدر:

 Ancient Greece and the Strategic failure of modern Humanism, Law and Liberty, June 14,2021

الهوامش

(1) الانسانوية موقف فلسفي يؤكد على امكانية الانسان ككائن فردي واجتماعي. انها تعتبر الانسان نقطة البدء في التحقيق الاخلاقي والفلسفي، وتؤكد على فكرة الحرية الانسانية والتقدم. الانسانوية عادة ترفض ما فوق الطبيعة وتركز على كرامة الفرد وقيمته وقدرته على الادراك الذاتي من خلال العقل. هذا النظام العقيدي يرى امكانية اشباع حاجات الناس العاطفية والروحية دون الحاجة الى اله او دين.

 

 

جمال العتابيعلى مدى أربعة عقود من الزمن تيسر للقارئ العربي مرجعاً مهماً في جماليات المكان، لغاستون باشلار، الذي صدر عن مجلة الأقلام العراقية عام 1980، ترجمة الروائي الأردني غالب هلسا، حتى كادت أغلب الكتابات النقدية الجادة والرصينة - وما تزال - تعتمد أفكار باشلار في الرواية، والمسرح، والشعر، والعمارة، والتشكيل، والموسيقى، تقتبس نصوصه، وتنطلق منها في معظم الدراسات التي تناولت جماليات المكان، إذ من النادر أن لا نجد إشارة هنا أو هناك، تحيل القارئ الئ الينبوع الأول الذي تنهل منه تلك الدراسات.

يقول (إيتيان غيلسون  1884-1978) فيلسوف ومؤرخ فرنسي، ان باشلار رجل فذ، وعقله الباهر بلغ مداه في النجاح في كل مشروعاته النقدية، و(جماليات المكان)، هو آخر مرحلة لنشاطه الفلسفي، ويصف المترجم غالب هلسا، الكتاب، انه أحدث ثورة كوبرنيكية في علم الجمال، ومعروف ان كوبر نيكوس أعلن لاول مرة في التاريخ حقيقة دوران الأرض حول الشمس، لا العكس.

ان هذا الحدث الفكري المهم، وضع باشلار من جديد في موقع الصدارة من الدراسات الفلسفية والنقدية، وإقترن اسمه بهذا الحدث، وكأنه الوحيد في إنتاجه المعرفي، مع ان المكتبة العربية تحتفظ بالعديد من مؤلفات باشلار الأخرى، لا تقل أهمية من (جماليات المكان)، لذا تأتي هذه المقالة لإلقاء الضوء على إنتاجه الغزير، وافكاره العميقة في الفلسفة والتأمل، إذ صدر له أكثر من14مؤلفاً، ترجم بعضها إلى العربية: شاعرية أحلام اليقظة، جدلية الزمن، شعلة قنديل، الفكر العلمي، الماء والأحلام، العقلانية التطبيقية، وحدس اللحظة، وتكوين العقل العلمي، وسواها من الكتب، والدراسات والبحوث.

باشلار فيلسوف فرنسي، ولد عام 1884 وتوفي عام 1962، ينحدر من أسرة فلاحية، وكان أبوه إسكافياً، لم يتوقف لحظة واحدة من متابعة دراسته، عمل مدرساً للكيمياء في التعليم الثانوي، ثم إختص في الفلسفة، ونال درجة الدكتوراه فيها عام 1927، وعُين استاذا للفلسفة في الجامعة، وشغل كرسي فلسفة العلوم في السوربون بين 1944و 1955،وأنتخب عضوا في أكاديمية العلوم السياسية، ونال جائزة الآداب القومية الكبرى عام 1961.

حاول باشلار أن يضمّن فلسفة العلوم، الأفكار المستحدثة في عالم الكيمياء، في بداية الأمر، ثم إنتقل إلى ميدان جديد، هو تحليل الأعمال الأدبية تحليلاً نفسياً، ونشر كتاباً بهذا العنوان، وإتجه إلى نوع آخر من الدراسة، تعنى بالفكر العلمي وتطوره (دراسة أثرية - نفسية)، وهنا بدأت  تتضح أهمية العناصر الأربعة (الماء والهواء والنار والأرض) عند باشلار. ولديه سلسلة من الدراسات، تناول فيها تأثير هذه العناصر المشار إليها سلفاً في أعمال الكتاب والشعراء، وأوجد نظرية خاصة به تتعلق بالمخيلة والمعرفة.

بحث باشلار في دراسته لهذه العناصر عن أهم مكونات الكون، وإهتم في بحث الخيال، والصور الجمالية فيه، وخصص عدداً من مؤلفاته في تجلياتها، وتعدد دلالاتها ، وأدرك ان على الفيلسوف أن يجمع بين الشعر والعلم، بالرغم من تناقضهما، ويجعل من كل منهما شيئاً مكملاً للآخر، يقول بهذا الصدد : خلال تأملي لخيال العناصر الأربعة، عايشت مرة أخرى أحلاماً هوائية ومائية لاحصر لها، وكان ذلك وفقاً لمتابعتي للشعراء حين يبدعون  صور العش على الشجرة، أو الكهف الحيواني المتجسد في القوقعة، ونشوء فكرة عناصر التكوين، لم تنشأ من فراغ، بل ظهرت كأحد مقومات العقل البشري الباحث فيما وراء العالم المادي، وقد ربط الفلاسفة القدماء، هذه العناصر بمختلف النشاطات الإنسانية.

تبنى باشلار دراسة النار كما يراها اللاشعور، وجعل من الشعلة مصيراً لأحلام الإنسانية، وفحص النار المشتعلة بإعتبارها رمزاً للطهر والتطهر، والحديث عن جمالية النار، وسايكولوجيتها، بل وعن شاعريتها، حديث لا يخلو من المعنى، وما يقال عن النار يقال عن العناصر الأخرى، فكل منها يعد من الناحية المادية، نظاماً للإخلاص الشاعري، ودرس الهواء والأحلام، وتخيل الحركة، ويسمي الحلم بالطيران، ب(النفسية الهوائية)، ذلك الحلم الذي يعد بداية لمعتقدات، وإنطلاقات شاعرية لانهاية لها، في (شاعرية الأجنحة)، تمكن من الوصول الى المخلوقات المجنحة في الشعر، طائراً كانت، أم روحاً، أم ملاكاً، وجمع كذلك الصور والأحلام الخاصة بالأرض، فيما يسمى بالخيال الخارجي، والخيال الداخلي، وتزخر أغلب دراسات باشلار بالإكتشافات واللمحات العبقرية، التي تؤكد الدور الذي يؤديه الحدس التلقائي في النشاطات الذهنية والروحية.

يستعرض باشلار نظريته في العلاقة بين الخيال والعناصر الأربعة، في كتابه (الماء والأحلام)، إذ يطبق نظريته مادته، الماء، يدرس سايكولوجية الخيال المادي الخاص بالماء، وهو عنصر أكثر أنوثة ورتابة من النار، الشعراء يتغنون به، يقول باشلار: علينا ان نقنع القارئ ان هناك صوراً أخرى تحت سطحه، أكثر عمقاً، وسوف يشعر المرء بخيال المادة، وهو ينفتح تحت خيال الشكل، الماء إذاً كائن له جسد وروح وصوت، ولربما كان أكثر من أي عنصر آخر في حقيقته الشاعرية. المياه تنبت الحب، وفكرة الأمومة تتعلق بالمياه العميقة، النبع ميلاد دائم ومستمر، وتلك صور تولد أحلاماً عديدة لاتنتهي.

أثبت باشلار ان العلوم التي ظهرت في القرن العشرين، قدمت فائدة للنقد والأدب، وأكد ان العلوم الإنسانية مترابطة ترابطاً وثيقاً لا فصل بين عناصرها، وعندما إعتمد

في نقده للاعمال الادبية، على الخيال، دخل إلى لُبّ عملية الإبداع الفني، لكن تجربته ظلت تجربة فردية، لها خصوصيتها المرتبطة بشخصيته الساحرة الفريدة، تلك الشخصية التي جعلت البعض يطالب بتحليل كتابات باشلار النقدية، تحليلاً نفسياً.

في (جماليات المكان)، يبتعد باشلار عن منهجه الذي إتبعه في كتبه الأولى، ويفتح أفقاً جديداً في البحث، إذ إعتمد المنهج الظاهري، والظاهراتية، كفكرة فلسفية، هي قصدية الوعي، أي أنه دوماً متجه الى موضوع، ولا موضوع دون ذات، والمنهج كما يرى، هو الأصلح في دراسة موضوع الخيال، ويطرح جانباً السببية التي إنطلق منها التحليل النفسي، وتبناها في كتبه الأولى عن علم الجمال (التحليل النفسي للنار مثلاً، المترجم هلسا، ص10). هنا الدراسة تستحق ان تسمى هوس المسح الشامل، انها تبحث في تحديد القيمة الإنسانية لأنواع المكان الذي يمكننا الإمساك به، والذي يمكن الدفاع عنه ضد القوى المعادية، ليست وظيفة الظاهرية وصف الأعشاش، فتلك مهمة عالم الطيور، انما المهم قدرتنا على إستعادة الدهشة الساذجة التي كنا نشعر بها حين نعثر على عش، كما يؤكد باشلار موقفه الظاهراتي بوضوح.

 

جمال العتّابي

 

علي محمد اليوسفتمهيد: في هذه المقالة أتناول مناقشة ألقانون الاول من قوانين الديالكتيك الجدلي الماركسي الذي يحكم المادة والتاريخ حسب أدبيات النظرية المادية التاريخية الكلاسيكية. الذي هو قانون وحدة وصراع الاضداد وتعالقه بوحدة المجانسة النوعية الماهية والصفات لموضوعة الجدل، تاركا القانونين الآخرين تحول التراكم الكمي الى تراكم نوعي، والقانون الثالث الذي هو قانون نفي النفي.

السؤال هل يحصل الديالكتيك بين متضادين لا تحتويهما المجانسة النوعية الواحدة بمعنى مجانسة وحدة الصفات والماهية داخل الظاهرة الواحدة لقطبي التناقض؟ وإذا نحن أسقطنا التساؤل على العلاقة الجدلية التي تربط المادة بالفكر فهل الجدل يبقى قائما حاصلا من ناحية إختلاف المجانسة النوعية بين المادة والفكر بالصفات والماهية في إنتاج الظاهرة المستحدثة الجديدة أو ما يسمى المرّكب الثالث؟

حسب قانون الديالكتيك وحدة وتناقض الاضداد إنما تتم عملية الجدل حصرا في مجانسة نوعية تحكم التكوينية الترابطية داخل وحدة المادة أو الظاهرة الواحدة التي تحتوي قطبي التناقض. وبهذا يترتب أن لا يكون  الجدل حاصلا بين الفكر من جهة والمادة من جهة أخرى فلكل منهما صفات وماهية تختلف الواحدة عن الاخرى ولا توجد مجانسة نوعية توحدهما في وحدة تضاد جدلي تناقضي يحتويهما معا. الجدل دائما يحدث داخل المادة او داخل الظاهرة بما لا يستطيع أن يدركه العقل الانساني أو يؤثر فيه، كما أن الجدل قانون طبيعي حسب الافتراض الفلسفي يحدث في الاشياء والموضوعات باستقلالية تامة عن رغائب الانسان وبمعزل عنه.

المعني بوحدة تناقض الاضداد يحتوي المقصود ضمنا وحدة المجانسة النوعية بين قطبي التناقض داخل المادة الواحدة أو الموضوع الواحد. ولا تشمل هنا وحدة الاضداد تضاد الفكر مع المادة في تناقض جدلي لا يحصل ولا يتحقق ولا ينتج عنه ظاهرة جديدة مستحدثة أو ما يسمّى المركب الثالث وذلك لعدم ترابط قطبي التناقض المادة والفكر بصفات المجانسة النوعية الواحدة التي تحكم الجدل داخليا. علاقة الفكر بالمادة علاقة إدراكية خارجية معرفية منفصلة عن التموضع في المادة وليست جدلية تشارك الوحدة التجانسية في تضاد جدلي من نوع مجانسة واحدة.

الجدل وتغييب البرهنة في التطبيق

نتساءل هل أصبح الجدل الديالكتيكي الماركسي بقوانينه الثلاث التي تحكم المادة والتاريخ موروثا قديما كلاسيكيا طواه النسيان وعفا عليه الزمن؟ هل يوجد دليل قاطع على صحة وجود مثل هذه القوانين الجدلية في الطبيعة تحكم تطور المادة والتاريخ بإستقلالية تامة عن الانسان ورغائبه جرى ويجري تطبيقها الميداني أو على الاقل جرى إكتشاف فاعليتها العاملة الشغّالة بمعزل عن معرفة وإدراك الانسان لها؟ الجواب بنعم مشكوك به. هل جرى الاستشهاد التطبيقي الناجح أو الفاشل على صعيد التجربة الشيوعية الماركسية في الاتحاد السوفييتي القديم المنحل على وفق المنهج المادي الجدلي؟ وهل بالمقابل المعياري المقارن إعتمدت الفلسفة المثالية البراجماتية (الذرائعية) منطلقاتها الفلسفية التي تقوم على ركيزة لايبقى معنى للفكر النظري ما لم يكتسب تجربة التطبيق الناجح في تحقيق المنفعة؟

وهل النظريات الفلسفية التي تحوّل بعضها الى دليل عمل ايديولوجي سياسي واقعي أنتج ما كان متوقعا تحقيقه في التطبيق الميداني الذي يستهدي بالفروض النظرية الايديولوجية كمنهج مثال ذلك الاتجاه القومي الاثني كهوية مستقلة عربيا والاتجاه الذي أعقبه في ايديولوجيات اسلامية متطرفة رفعت راية الاسلام على إختلاف تنوعاتها؟؟ الجواب القاطع الناتج عن تجربة برهانية التطبيق لا يوجد نظرية فلسفية ولا ايديولوجيا سياسية إستطاعت إحتواء الواقع الاجتماعي والتعبير عنه على وفق محاولة تطابق النظرية مع الواقع في تحقيق التقدم التطوري تكامليا ومعالجتها مشكلات الواقع بنجاح إسترشادي نظري...حتى ليبرالية ايديولوجيا الرأسمالية لم تنجح في هذا التطابق المزعوم بين النظرية والتطبيق.

كما بقيت إرادة التغييرعند الانسان تمتلك الفاعلية الاولى في تصحيح الخاطيء والتضليلي المعرفي في التطبيق المسخ للافكار ولها الباع الاكبر الذي مني بالفشل الذريع على صعيد الوعي القصدي الهادف من وراء تلك الافكارإجراء تغيرات وتطورات الواقع بمعزل عن الارادة.. ولم يكن الفشل في قصور الارادة الاحاطة بتغيير المسار المنحرف فقط بل في قصور الاستيعاب النظري الاستراتيجي معالجة أخطاء تنظيرات التطبيق .

مثال ذلك أن ستالين كتب في التنظير المادي الجدلي على صعيدي المادة والتاريخ لكنه مارس في سياسته الواقعية أبشع الجرائم الدكتاتورية بإسم الحفاظ على جوهر الماركسية – اللينينية ما يعطينا مثالا صارخا في إنفصامية الفكرالتقدمي الانساني عن التطبيق في وجوب ملازمة إستراتيجية صحيحة حيث النظرية تستوعب الواقع وتحتويه في المعالجة التصحيحية التطبيقية الناجحة.

بإعتقادي لا وجود لتأصيل حقيقي يجعل تطبيق الافكارناجحا عندما يستهدي شكليا بنظريات مكتوبة على نصوص ورقية في وقت مرت به البشرية عبر العصورالتي جرى فيها التعامي عن حقيقة أن تطور الحياة والتاريخ هو تطور تحكمه الاخطاء المتتالية والانحرافات والعشوائيات والصدف غير المتوقعة التي جرى تصحيحها بوسيلة الارادة الذاتية للانسان بعد وقوعها بعيدا عن النظريات الجاهزة التي بدورها حكمت حياة الانسان وتاريخه عبر العصوربتطبيق مسخ حول ما أطلق عليه ضرورة حتمية التطورالمتقدم الى امام، ولم تتمكن تلك النظريات تصحيح إنحرافات مسار التاريخ القاتلة ايضا وتخليصها من الفوضى العارمة كما حكمته الصدف العمياء والعشوائية في المسار التطبيقي القاصر.

تصحيح إنحرافات التاريخ على الصعيد السياسي – الاقتصادي - الاجتماعي المتداخل إنما جاء بعامل الارادة الانسانية الذاتية الصرف التي كانت تنتظر حصول الخطأ لتقوم بمعالجته على قاعدة الفعل ورد الفعل. وليس على وفق استراتيجيات منهجية تستهدي النظريات المكتوبة.التاريخ مسار عشوائي دموي تهيمن عليه الحروب الهمجية، مليء بالمآسي والاحزان والالام التي تحّمل وزر تصحيحها تضحيات الانسان بالروح والمال على مر العصور ومختلف بلدان العالم بلا إستثناء.التاريخ وقائع لا يسبقها نظرية بل يعقبها نظريات تفسير لا نظريات تغيير.

وجوهر التاريخ يقوم على ركيزة ملازمة له هي ارادة الانسان وتضحياته من أجل تصحيح الانحرافات المليء بها التاريخ .بمعنى ما أثبتته التجربة أن الواقع يقود النظريات ولا تقود النظريات الواقع، وأن الواقع في تغيراته العشوائية يرسم التكيّف المفروض على الافكار بضرورة إنسجامها مع مستجدات الواقع قبل أن يطويها الاندثار الحتمي بالزوال، والحتمية الضرورة في التقدم هي في منع تطور عشوائية مسار الواقع وليس مهمتها تنظيم الافكار النظرية بحكم الارادة الانسانية في دفع تصنيع التاريخ الى أمام..

التاريخ مادي يسبق الفكر النظري الايديولوجي ولا غنى له عنه ليس في تغيير الفكر له بل في تفسير الفكر والتعريف به. والفكر لا يخلق تاريخا ، لكن التاريخ كفيل بخلق الافكار والنظريات التابعة له وليست السابقة عليه في المعالجة والتطبيق..

إخفاق التنظيرات السياسية الايديولوجية بالتطبيق يجعل من حقيقة إنفصام النظرية عن التطبيق هي التي حكمت وتحكم التاريخ وستحكمه مستقبلا...ولم يبق في عصرنا الحاضر نظريات استراتيجية تحزم المسار التاريخي في قيادته نحو تحقيق اهداف مرسومة له سلفا.

العبرة ليس في إتقان صياغة النظريات التي تفسرمسار الاخطاء التاريخية بكل إتقان لكنها تعجز عن معالجتها الاستيعابية معالجة جذرية بحيث لا تتكرر تلك الاخطاء ثانية...فيكون الخلل في أداة ووسيلة التنفيذ الانسان غير الصادق مع نفسه ومع مبادئه التي يدّعيها تنظيريا في مركزية الارادة العزلاء التي لا تخلق تاريخا.

هل هذا يقودنا الى أن طروحات فرانسيس فوكوياما في نهاية التاريخ مثلا بمجيء عصر العولمة أصبحت صائبة تحزم التاريخ بالتوقف الذي ليس بعده طفرة نوعية تتجاوز العولمة كتاريخ وصل محطته الاخيرة في مصطلح الانسان الاخير ؟ هذا التساؤل يقودنا الى نفس الخطأ الذي يصور لنا تطور المسار التاريخي تقوده النظريات خارج هيمنة القطب الواحد  خارج أو داخل التعايش معه من قبل الاخرين..في حين المسار التاريخي في كل الاحوال هي سيرورة تاريخية منقادة لارادة الانسان.

إذن أين يكمن الحل في السيطرة على لا نظامية وعشوائية الواقع والانحرافات في الحياة؟ لا يوجد شيء أو عامل سببي لعب دورا حاسما في تصحيح مسار التاريخ سوى الارادة الانسانية النظيفة الصادقة التي تستهدي بمنهج الفعل ورد الفعل فقط...إلباس النظرية للتاريخ ليست ولا تكون ناجحة في صناعة تاريخ جديد بضوء تاريخ حادث أسبق عليه.

التاريخ البشري المعاصر هو تصنيع ارادة انسانية لا تستبق الاخطاء بل تلاحقها في عملية تصحيحها وتخليصها من الانحرافات التي وقعت ميدانيا لهذا السبب أو ذاك. وهنا نقترب جدا من مقولة شوبنهاور العالم ارادة وتمّثل التي هي مقولة مثالية خاطئة تجد في الارادة الانسانية هضم وتفسير التاريخ وليس تغييره. بمعنى شوبنهاور لم يكن يرمي توظيف إرادة الانسان في تمّثلها العالم الذي نعيشه من أجل تغييره بل من أجل فهمه وتفسيره فقط. وهذا الطرح يقاطع بشدة ردة الفعل العنيفة لماركس في إدانته لعبة ولهو الفلاسفة تفسير التاريخ في حين المطلوب تغييره. ما جعله يهجر الفلسفة كتجريد نظري غير قابل للتطبيق الى إلاهتمام بالاقتصاد السياسي في صياغة فلسفة تطبيقية ميدانية هدفها الاول تغيير وصنع التاريخ.

يمكننا الذهاب بعيدا أكثر أنه حتى السياسات التي تحكم عالمنا اليوم لا تستهدي بأية نظرية ترسم المستقبل بالتطابق المتوقع المحتمل ، بل السياسة أصبحت فن اتقان توظيف ردود الافعال تجاه ما يحدثه الواقع في مساره المليء بكل ما هو غير متوقع عشوائي تلعب فيه المصالح والصدف والانحرافات بالحياة دورا كبيرا بما لا تقاس أهميته بالنظريات السياسية والتاريخية المصاغة المصنوعة بعناية فائقة على أنها بضوئها يجري تغيير مسار التاريخ العالمي نحو الافضل في إسعاد الانسان، باستثناء تاريخ منجزات العلم الذي تحكمه الذاتية في التسيير ليس على طريقة فرادة تجربة يوغسلافيا السياسية زمن تيتو التي انتهت بشخصه بعد موته واندثار تجربته الذاتية (زودتشة) في إعتمادها نظرية التسيير الذاتي الاشتراكية بمعزل عن التبعية للتجربة الشيوعية في الاتحاد السوفييتي القديم وانتهت تجربة التسيير الذاتي اليوغسلافية الى تقسيم يوغسلافيا القديمة عرقيا ودينيا كما هي في حاضرها اليوم. وربما كانت افكار تيتو السياسية الاشتراكية أنضج بكثير عن افكار غورباتشوف التقسيمية التجزيئية. من حيث أن حصيلة هوس التجزئة والتقسيم العرقي والاثني للاتحاد السوفييتي القديم قاد تلك الشعوب الى الوراء بدلا من التقدم الى امام. انحلال وتقسيم الاتحاد السوفييتي القديم بمقدار ما اراح روسيا من عبء منظومة الدول التي كانت تدور حول مركزية موسكو، بمقدار ما خسرت هي والشعوب المنفصلة عنها الكثير الباهض الثمن.

اليس من الملاحظ اليوم أن العالم يسير باتجاه التشّظي والانقسامات التي تركض وراء تحقيق الهوية القومية أو الاثنية الرومانسية في خلق كيانات صغيرة إنفصالية تكون لقمة سهلة البلع في أي وقت من قبل الحيتان الكبيرة.؟ كثيرة هي الاثنيات العالمية التي باتت تدرك أن الانفصال الهوياتي المستقل وتشكيل دول صغيرة ليس في صالح مستقبل أجيالها وسط عالم يموج بالنزعات التوسعية السياسية التي تخدم الدول الكبرى ومصالحها، اقرب مثالين هو تنازل اقليم كوبك الفرنسي في كندا عن رغبة الانفصال، وتراجع اسكتلندة عن رغبة الانفصال عن المملكة المتحدة. وحتى خروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي أصبحت اليوم خطأ لا يمكن التراجع عنه وأمثلة من هذا النوع في العالم اليوم كثيرة متعددة في ايرلندا وفي النزاع التركي- الارمني حول اقليم غورني كرباخ، وكما ايضا في مثال انفصال وعودة هونغ كونغ للصين،.

حقيقة جدل الفكر والمادة

يطرح الكاتب السوري محمد ديوب (البحث عن ما يمكن ان نسميه "جدل الجدل" بين الفكر والمادة ). ولم يوضح لماذا هذا المصطلح جدل الجدل وما هي اسبابه؟ وبدوري أستعير المصطلح حسب رؤيتي النقدية لموضوعة الجدل الكلاسيكية. كما ليس عندي يقين قاطع أن مصطلح جدل الجدل

في محاولتي تخليص الجدل الكلاسيكي من اشكالية عدم المجانسة النوعية التي تحكم الفكر والمادة في إحتوائها بما أطلق عليه جدل الجدل، أي الجدل خارج التناقض الجدلي الماركسي في إستحداث حركة التطور الظاهرة الجديدة.

هل قانون ديالكتيك الفكر والمادة هو قانون طبيعي شغّال يعمل باستقلالية عن الانسان على مر العصور التاريخية؟. ولا يمكن لقوة منعه الوصول الى حتميات تطورية متنوعة خدمت مسيرة الانسان باستقلالية ذاتية هادفة منعزلة عن ارادة الانسان؟.بتعبير أشد ضراوة هل قوانين الجدل الديالكتيكي قوانين طبيعية عاملة تحكم المادة والتاريخ أكتشفها الانسان أم قوانين الجدل الماركسي قوانين وضعية إخترعها الانسان ولم تكن موجودة تعمل في إستقلالية طبيعية عنه.؟

في هذا النوع من جدل الجدل حسب تسمية محمد ديوب لا يخضع الجدل المفترض بين الفكر والتاريخ حسب قانون المادية الماركسية التاريخية في وحدة وصراع الاضداد والسبب بذلك هو فقدان المجانسة النوعية الجامعة التوحيدية بين الفكر والتاريخ. بمعنى الفكر لا يصنع التاريخ جدليا بل يسعى ملاحقته التاريخ في تصحيح الانحرافات القاتلة فيه.

هل من الممكن إضافة شرح جديد يتقبله قانون جدل الجدل بين المادة والفكر؟ كموروث ضارب الجذور في القدم ويعمل خارج إرادة الانسان التحكم به ، وخارج التسليم بالاكتشاف الذي توصّله الفكر الهيجلي والماركسي له. ومن المهم التنويه الى أن ماركس إعتبر الجدل وسيلة تغيير وليس هدفا قائما بذاته.تعبير ماركس هذا جاء حين وجد الفلاسفة حتى الماديين منهم لاحقوا تثبيت برهان صدق الديالكتيك كهدف نظري اكثر من إهتمامهم انه وسيلة تغييرلمسار التاريخ الخاطيء وليس هدف برهاني صحيح في التنظير الفلسفي.

ومن المهم التنويه ايضا أنه في ادبيات الفلسفة المثالية يدينون فلاسفتها الماركسية أنهم إبتدعوا قوانين الجدل تنظيريا وبقوا يركضون وراء سراب خادع أوجدوه في مخيلتهم وأرادوا تصنيعه التطبيقي في محاولة فاشلة أوضحها بجلاء عدم إمكانية  التطبيق الميداني لقوانين الجدل ليس في تفسير التاريخ بل ولا في رغبة تغييره حقيقة.. لكن المثير للسخرية أن المثاليين لم يكونوا يمتلكون أفضل مما جاء به الماركسيون.

جدل الفكر والمادة هو من نوع الجدل الفاقد للمجانسة النوعية التي تحتويه (وحدة صراع الاضداد) في التعبير عنها. فالفكر يحكمه الوعي وتعبير اللغة وكلاهما تجريدان لا يجانسان صفات المادة التي لا تمتلك عقلا ولا وعي ولا تعبير لغوي. لذا فالعلاقة الجدلية التي تربط المادة بالفكر هي من نوع جدل التخارج غير المتجانس بين جوهرين منفصلين خارجيا ولا تحتويهما المجانسة النوعية في وحدة الاضداد ديالكتيكيا داخليا لإستحداث تقدما جديدا بمقدار ما تحكمهما علاقة تكاملية ليست جدلية..

في تعبير لأحد الباحثين الجزائريين يقول (لقد إختزلت الهيجلية الماركسية الفضاء الابستمولوجي واللغوي لطبيعة العلاقة بين الفكر والمادة ضمن تطور الوعي من جهة، وتطور الحياة الاجتماعية من جهة اخرى) وكان محقا بما ذهب له في إعدامه الجدل المترابط إفتعاليا بينهما.

لذا نجد أن علاقة الجدل الانفصالية بين المادة والفكر لا تحكمها علاقة صراع الاضداد بل تحكمها علاقة تطورية تخارجية غير جدلية تقليدية تقوم على تاثير أحدهما بالاخربعلاقة تكاملية معرفية ليست جدلية محكومة بالتطور في حفاظ كل منهما على تكويناته التجانسية داخله. ربما يسعفنا التعبير القول أن الجدل الذي يعتمل داخل المادة ليس هو الجدل الفكري الذي يعتمل بالفكر منفصلا خارجيا. الفكر يحمل جدلا تناقضيا ذاتيا مستقلا أكثر مما تتوفر عليه المادة والتاريخ معا.

نجد الفكر أحيانا يلاحق حركة تطور الواقع الاجتماعي السابقة عليه وفي أحيان أخرى نجد الفكر يتقدم صيرورة التطور الاجتماعي المتراجعة عن اللحاق به. بمعنى لا يوجد جدل بين الفكر والتطور الاجتماعي يجمعهما في مجانسة نوعية واحدة يعتمل داخلها التضاد الجدلي في إنبثاق تطور ظهور المرّكب الجديد الذي يشكل الطفرة النوعية التطورية داخله..

هذا يقودنا الى جملة تساؤلات كانت تعتبر بديهية منها مالمقصود تحديدا بوحدة وصراع الاضداد في علاقة جدلية الفكر والمادة؟ كيف يكون الجدل خارج وحدة المجانسة النوعية المختلفة بين الفكر والمادة.؟ والتساؤل هو كيف يكون للفكر علاقة جدلية مع المادة بضوء وحدة صراع الاضداد وعلاقتهما القائمة بينهما علاقة تأثير خارجية انفصالية بحكم إختلاف مجانستهما التكوينية لكل واحد منفردا عن الاخر؟ المقصود بالمجانسة النوعية الضرورية التي لا تجمعهما في مكون واحد يضمهما معا ليتضادان بينهما داخل مجانسة النوع الواحد المفقودة بالصفات التكوينية المختلفة بين ماهية وصفات الفكرعن ماهية وصفات المادة.

فكيف يتم الجدل بينهما وكلاهما المادة والفكر يحملان صفات نوعية خارجية وماهيات جوهرية داخلية مختلفة أشّد الاختلاف والتباين بينهما؟ وهذا الاختلاف بين صفات وماهيات المادة والفكرلا يدخلهما ضمن جدل تاريخي ينتج عنهما سيرورة تطورية متجددة على الدوام. وفي حال حصول علاقة غير جدلية بينهما إنما تكون بين جوهرين منفصلين.

انفصال الفكر الجدلي عن الواقع

من الامور التي تدلل الى عمق الجذور المثالية في فلسفة الجدل الديالكتيكي ما نجده لدى الفلاسفة اليونانيين القدماء، فهم عملوا بالمجانسة النوعية لخاصية طرفي الجدل دونما كانت المجانسة النوعية محط إهتمامهم ولا محط إنتباههم ايضا، حيث إعتبروا الجدل هو حوار يجري بالافكارلتحقيق هدف الوصول الى حقائق الامور والقضايا التي يقبلها العقل وليس من علاقة جدلية تربط الفكر بالواقع. بمعنى الحوار الدائر مهمته الحصول على الاقناع الافضل باللغة من غير علاقة لها جدليا مع الحياة المعيشة ولا مع التاريخ.

ولم يكن في وارد إهتمامهم وجود علاقة جدلية بين الواقع والفكر يولد عنه تطورا نوعيا، كما إعتبروا ما يستطيع الجدل الفكري والمناظرات الكلامية المجردة إثبات مصداقية يقبلها المنطق العقلي هي الكفيل بتصحيح الانحرافات في الواقع المعاش والطبيعة والوجود عامة.. والملاحظ أنهم أهملوا أن يكون هناك جدلا يعتمل داخل التاريخ كما أهملوا ايضا عدم معرفتهم وجود جدل يعتمل داخل المادة من أجل خلق ظاهرة جديدة متقدمة مستحدثة.

فلاسفة اليونان إهتموا بالجدل على أساس أنه حوارمتبادل خطابيا بالفكر المجرد  فقط بغية تحقيق الوصول الى الرأي الاصوب. وبذلك هم فرضوا المجانسة النوعية التي تحكم الفكر منفصلا عن تداخله مع كيفية مغايرة له هي الواقع. وبذلك أهملوا فحوى المقولة الماركسية التي لم تكن معروفة لديهم أن الفكر هو وليد الواقع المادي وظواهره الطبيعية والاجتماعية.نؤكد هنا ما سبقت لنا الاشارة له أن طبيعة الفكر التكوينية هي لغة حوار جدلي سواء أكان مقصودا أم لا.

على ما سبق لنا ذكره يكون لكل من المادة جدلا يعتمل داخلها بمعزل عن الفكر في نفس وقت الفكر له خاصية جدلية تعتمل داخله ايضا، بمعزل عن تكامل الجدل بينهما المادة والفكر. التضاد الجدلي يحصل داخل ظاهرة واحدة أو مادة واحدة متجانسة الصفات النوعية وربما الماهية، وتكون علاقة التخارج التفاعلي التكاملي وليس الجدل الديالكتيكي هو ما يربط العلاقة غير المتجانسة بين شيئين أو بين ظاهرتين.

عليه نجد هناك صراعا ديالكتيكيا بين فكر وفكر آخر مضاد له، ولا نجد مثل هذا الديالكتيك قائما بين مادة ومادة أخرى غير متجانستين لا بالصفات الخارجية ولا بالماهية. والأهم في حال توافر مادتين متجانستين بالصفات الخارجية فمن المحال دخولهما في جدل تناقضي ديالكتيكي، فالجدل يكون داخل المادة الواحدة فقط وليس في علاقة خارجية تربط مادتين..

لماذا يحكم الجدل الفكر خارجيا لا كما يحكم الجدل المادة داخليا ولا يحكمها خارجيا كما هو الحال مع الفكر.؟ هذا يجعلنا نعيد ثانية تاكيد أن الصفات النوعية التجانسية التي تجمع الفكر على صعيد مجانسة النوع الواحد مع فكر آخر متضاد معه يحكمهما الجدل، بينما نفتقد مثل هذه الميزة التجانسية في مادة مع مادة أخرى فلا يقوم بينهما جدلا في عدم إمتلاك المادة صفات تجانسية مشتركة مع غيرها تجعلها تدخل بعلاقة جدلية معها على مستوى المادة. جدل المادة يحدث ذاتيا إنفصاليا عن الفكر داخل المادة الواحدة المنفصلة تجانسيا بغيرها من المواد والموجودات الاخرى..

مثال ذلك أننا لا يمكن حين مزجنا الزيت مع الماء أن نتوقع حدوث تضاد جدلي بينهما ينتج لنا مركبا ثالثا لا هو زيت ولا هو ماء.كذلك نحن لا نتوقع حصول جدل بين شجرة وحيوان ولا بين شجرة وأخرى من نوعها ولا بين حيوان وآخرمن نوعه يجانسه الخواص، والسبب هو أن الجدل تضاد داخلي في المادة أو الشيء الواحد المحكوم بالحركة التغييرية. والتخارج العلائقي بين الاشياء وبين موجودات الطبيعة مع بعضها هو ليس جدلا بينها بل علاقة تكامل بغيرها.

لكن كيف نعلل حصول جدل تناقضي داخل المادة ولا يطال تعالق جدلي فكري يحصل  بين المادة والفكر.؟ اذا ما كانت المادة مهماز تثوير خلق العقل للفكر، فالفكر لا يخلق ظاهرة جديدة في التعالق مع المادة الاصل...لا توجد علاقة جدلية مباشرة بين الفكر والمادة لكن  هنالك جدلا ذاتيا داخليا خاصا بكل منهما على إنفراد منفصل أحدهما عن الآخر.

لا نعتقد يفيدنا كثيرا الخروج من هذا الاشكال الجدلي بين المادة والفكر ومن له الاسبقية والاولوية في إستحداث الظاهرة الجديدة. بالعودة الى الاصول الماركسية التي تذهب لها المادية الجدلية أن المادة تسبق الفكر بالوجود وهو نتاج المادة في استقلالية. على خلاف الفلسفات المثالية التي ترى بالوجود والعالم المادي يقوم على التجربة والحس وتفسير إدراكات الدماغ لها. وما لا يدركه التفكير التجريدي العقلي لا وجود ولا قيمة له في وجوده من عدمه.

ماهي وسيلة الفكر التجريدي في تعالقه الجدلي مع المادة في التغيير؟ هل الفكر في تعبيره عن حاصل عملية الجدل التغييري في المادة والتاريخ من خارجهما يلعب دور الكشّاف غير المخترع لها فقط؟ وهل يمتلك الفكر قابلية أن يكون خارج الجدل الحاصل في المادة والتاريخ القيام بنوع آخر من الجدل الذاتي مع نفسه في إتمام التعريف بالطفرة النوعية التي حصلت في الجدل المادي الواقعي الاجتماعي؟

لا الفكر الانساني ولا الظروف الموضوعية تحضران تداخليا في عملية جدلية تجري على صعيد التاريخ والمادة كلا لوحده.حضور الظروف الموضوعية الخارجية المصاحبة للجدل المادي هو حضور القيام بمهمة تسريع وإنضاج حدة الجدل الذي تنبثق عنه الطفرة النوعية التي هي محصلة التضاد كعوامل مساعدة لا تدخل ضمن سيرورة الجدل.

كان سورين كوركارد أول المنبهين الى أن الجدل الذي لا تتخله الطفرة النوعية في المسارالتاريخي هو جدل غير حقيقي ولا ينتج عنه تغيير. وعبارة هيجل (الجدل مرتبط بفكرة العقل، التي هي طبيعة العقل وماهيته) لم يكن مخطئا بها، من حيث إعتباره الإفصاح الحقيقي عن الجدل هو في حصوله داخل المادة والتاريخ في تعبير الفكر عنه.

الحقيقة التي تعبرالماركسية من فوقها هي في تجاوزها أن المادة والتاريخ صمت أخرس لا يمتلكان قابلية الفكر التجريدي في التعبيرعن نفسيهما...لذا حين يكون هناك ما يسمى (جدل الجدل) داخل تفكير العقل لا يكون بالضرورة تفكيرا مثاليا غير مادي. بل هو التعبير اللغوي عن التعريف بمحصلة الجدل الحاصل بالطفرة النوعية داخل المادة والتاريخ وليس داخل الفكر.

لم ينكر ماركس على هيجل جدله المثالي على صعيد الفكر الفلسفي، كما لم ينكر على فيورباخ ماديته الساكنة في ايجاده ما اطلق عليه (المادية الجدلية) التي هي في جوهرها تناقض يؤدي الى حركة وتغييرفي المادة والتاريخ. بل إستفاد من أخطاء الاثنين في تفسير هيجل للديالكتيك على صعيد الفكر فقط ، كما إستفاد من مادية فيورباخ التأملية صوفيا.

ما يؤخذ على هيجل حسب نقاده أنه حاول (تأليه العقل الانساني الذي فصله عن المادة والطبيعة، وجعل العقل مقابلا لهما بوصفه قوة مبدعة كليّة تحيط بكل موجود).** لذا ليس غريبا أن نجد فيورباخ المادي المنشق عن هيجل أخذ عنه تأليه العقل الانساني في إختراعه الدين وإلإله المعبود بالعودة الى الطبيعة وعلاقة الانسان بها..

هيجل إعتبر العقل مثل ديكارت أنه قابلية توليد الافكارالتي تمّثل ماهية العقل نفسه التي هي الفكرة المطلقة التي تسير بهدي العقل، وبذلك أنكر هيجل المادة والوجود والطبيعة ما لم يدركها العقل كقوة مبدعة شمولية. وبذلك يكون هيجل رائد المثالية الفلسفية التي أخذها عنه ما لا يمكن حصره من فلاسفة مثل بيركلي، وجون لوك، وهوبز، وهيوم وصولا الى بيرتراندراسل وعشرات غيره من فلاسفة اميركان.

خاتمة

يمكننا إستخلاص ما أردنا تاكيده في هذه المقالة حسب إجتهادنا الشخصي، أن الجدل الذي تقوم عليه الفلسفة المادية التاريخية في التطور الحركي الدائم المستمر هو تناقض مادي اقتصادي إجتماعي خلاق يحصل في المادة والتاريخ لا دخل لإرادة الانسان فيه فهو قانون يعمل خارج الارادة الانسانية. ولا تتوفر قابلية لدى الانسان التدخل في الجدل الحاصل خارجيا عنه باستقلالية تامة، وهذا يقودنا التوصل الى ست حقائق لا نعتقد كانت من ضمن إهتمامات دراسة الجدل على مستوى الفكر الفلسفي هي:

- الحقيقة الاولى: لا جدل حقيقي يحصل ويقود الى تناقض ينبثق عنه ظاهرة تطورية جديدة على صعيدي المادة والتاريخ وعلاقة الفكر بهما من دون توافر المجانسة النوعية في الصفات والماهية التي تحكم قطبي الجدل في وحدة تكوينية واحدة. وخارج وحدة مجانسة الاضداد لا يحصل جدل ديالكتيكي يؤدي الى انتقالات تطورية من الطفرات النوعية.كل جدل هو تضاد داخلي في الشيء لا خارجي عنه.

- الحقيقة الثانية: أن جدل الافكار الذي يسبقه الوجود المادي المستقل، هو جدل الجدل الذي يحصل داخل الافكار المجردة المنفصلة في إرتباطها عن الواقع المادي، الذي تعتمل داخله مالا يمكن حصره من أنواع التناقضات الجدلية المستقلة في الطبيعة والتاريخ بمعزل عن إرادة الانسان معرفتها أو المداخلة فيها. وذلك بسبب إنعدام المجانسة النوعية بين الفكر والمادة وبين الفكر والعوامل الاقتصادية والاجتماعية التي يتواصل الجدل في مجالاتهما بلا توقف ولا إنقطاع.

- الحقيقة الثالثة: هو ما يتعلق بحضور الظروف الموضوعية كعوامل مساعدة التي ترافق عملية التضاد الجدلي ولا تمتلك كما هو الحال مع الفكر إمكانية وقدرات المداخلة في عملية الجدل الداخلية ، وإنما يكون حضور الظروف الموضوعية عوامل مساعدة في تسريع جدل التناقض الداخلي من غير ما أن تكون عنصرا متداخلا به.

- الحقيقة الرابعة: هي المثالية الفلسفية بالتفكير المعاصرحين تنكر على الماركسية قوانين الجدل المادية فهي توقع نفسها بورطة أكبر منها أنها تنكر العالم الخارجي والوجود المستقل له خارج ما يدركه الحس والعقل له. وتبقى أهمية السؤال كيف نثبت خارج النظريات وجود قوانين مادية تحكم الوجود بكامله؟، وما هو البرهان الثابت في نكرانها في إلغاء الفلسفات المثالية وجود كل موجود في الطبيعة والعالم الخارجي للانسان لا يدركه العقل؟.

- الحقيقة الخامسة: أن جدل الجدل هو نوع من ديالكتيك عابر لجدل تعالق المادة بالفكر، فهو جدل يفصل جدل المادة لوحدها عن جدل الفكر لوحده. وكل من الجدلين ينتج لنا من خلال التضاد الذي يعتمل داخله حالة تطورية مستحدثة قائمة لوحدها. والسبب في هذا النوع من الانقصال الجدلي هو انعدام المجانسة النوعية بين المادة والفكربالماهية والصفات. جدل المادة التناقضي القائم على وحدة المجانسة النوعية كصفات وماهية للمادة، ليس هو جدل علاقة الفكر بالمادة رغم تباين واختلاف المجانسة النوعية بين المادة والفكر. فجدل الفكر خارج علاقته بالمادة هو جدل يقوم على تفعيل خاصية الفكر النوعية أنه تجريد لغوي قائم بذاته ويخلق جدله الديالكتيكي الخاص به في ظاهرة جدل الجدل خارج النمط الماركسي المعروف كلاسيكيا بين جدل المادة بالفكر. هنا من المهم الانتباه جيدا أن الجدل داخل تجريد الفكر لا يولد من فراغ بل يولد من واقع مادي اقتصادي اجتماعي مشترك.

- الحقيقة السادسة: هي إعتبار ماركس الجدل اداة لمعرفة القوانين التي تحكم العالم الخارجي وتغيّره. هل معنى هذا أن الجدل الذي يربط المادة والفكر حسب الفهم الماركسي هو ليس غاية  قائمة متوخاة في معرفة ولادة الظاهرة المستحدثة الجديدة، وأن الجدل التطوري الذي يحكم المادة والفكرماركسيا إنما هو وسيلة معرفية لاكتشاف قوانين جدلية طبيعية تعمل باستقلالية تامة عن جدل علاقة الفكر بالمادة.؟ إشكالية تحتاج لاكثر من مقال.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.................................

** نقلا عن ويكيبيديا الموسوعة.

 

 

عدنان عويدفي المفهوم: الأخلاق في سياقها العام، منظومة من القيم الايجابيّة والسلبيّة معاً، وهي تعتبر عند الفرد والمجتمع وسيلة لتحقيق الخير أو الشر في حال ممارستها في الحياة اليوميّة المباشرة داخل الأسرة أوالمجتمع أوالدولة، انطلاقاً من أن القوانين التي تحكم عمل هذه المؤسسات، تعتبر بالضرورة ذات توجهات أو مضامين أخلاقيّة. والأخلاق في ممارستها، هي ما يميز الإنسان عن بقية المخلوقات، مع اعتقادي أن هناك قيماً ذات طابع أخلاقي يمارسها الحيوان أيضاً بشكل غريزي، وفي مقدمتها غريزة الأمومة على سبيل المثال لا الحصر. والأخلاق تتكون في عمومها من أنساق عديدة تتجلى في المعتقدات، أو العادات أو التقاليد أو الأعراف أو في مجمل الأنساق الفنيّة والأدبيّة والسياسيّة والثقافيّة والرياضيّة  ومجموع المنظمات أو الاتحادات الاجتماعية وغيرها، التي تفرض حظورها  داخل حياة الفرد و المجتمع.

الرؤية الفلسفيّة للأخلاق:

أولاً: الأخلاق من وجهة نظر الفلسفة المثاليّة:

تأخذ الأخلاق في هذا الاتجاه، قيماً معياريّةً ثابتةً ذات بعد دينيّ من جهة أولى، تحددها في الغالب نصوص دينيّة متعالية عن الواقع، لها طابع التقديس، وبالتالي تفرض هذه القيم قداستها على معتنقي هذا الدين أو ذاك، وتطالب بضرورة الامتثال لها والالتزام بها، وأي خروج عنها هو تحدي لعقيدة الدين نفسه، وخروج على تعاليمه، وقد يصل إدخال من يمتنع عن تطبيقها أو الالتزام بها في خانة الزندقة أو الكفر والالحاد. وعلى هذا الأساس جاءت في تاريخ (الأخلاق في الإسلام) مسألة مرتكب الكبيرة (أي من يخالف تعاليم الدين) عند المعتزلة والأشاعرة والماتريديّة والمرجئية. وكذلك جاءت مسألة التحسين والتقبيح في الأفعال المنتمية لخانة الأخلاق ما بين من اعتمد العقل في إقرارها أو الدين، وعلى هذا الأساس جاءت أيضاً مسألة الجرح والتعديل في الفقه والأخذ بالسند أكثر من المتن وفقاً للقيم الأخلاقيّة التي يتمتع بها الراوي إن كان من حيث سلوكياته ودرجة قربها من الأخلاق الإسلاميّة، أو المذهب الديني الذي ينتمي إليه.

ومن جهة ثانية، تأتي الأخلاق المثاليّة أيضا، مرتبطة بالضمير والوجدان والواجب الفردي والجمعي معاً، وهي أخلاق غالبا ما تحددها كذلك مجموعة من المثاليات كالأعراف والتقاليد والعادات عند مجتمع من المجتمعات في مرحلة تاريخيّة محددة، بعد أن تجردت هذه المثاليات وتحولت إلى ما يشبه القانون المفروض بقوة العقل الجمعي على علاقات الواقع، أي تحولت هذه المثاليات إلى قوانين خلقيّة صالحة لكل زمان ومكان، بعد أن  تعالت على الواقع وراحت تحكمه.

إذن الملفت للنظر وفق هذا النسق أو التوجه الأخلاقي، هو اعتبار الأخلاق عند ممارستها سلباً أو إيجاباً، حالة قيميّة مجردة عن الواقع المعيش ومصالح الناس فيه، وكأنها نابعة من ضمير ووجدان وعقل الإنسان فقط، لدرجة القول بأن من يمارسها إيجابا يقال عنه صاحب عقل وواجب ووجدان، والعكس صحيح. إي يقوم الإنسان بتطبيقها من ذاته بعيداً عن أية مصلحة أو دوافع مصلحيّة وراءها. وبالتالي هي تمارس من خلال ارتباطها  بالواجب والعقل وحريّة الإرادة، إلى حد كبير كما أشرنا قبل قليل.

إن هذه الأنموذج من الأخلاق المثاليّة، اشتغل عليه فلسفياً "كانط" ومن سار على نهج مدرسته في الأخلاق، حيث تأتي الأخلاق عند مدرسته، مستلهمة لنظرية الواجب الأخلاقيّة التي تستند بدورها إلى فكرة أن : "ما من شيء على الإطلاق في هذا العالم يمكن اعتباره جيدا في ذاته دون قيد أو شرط سوى الإرادة الخيّرة". (1).

إن الشيء المحوريّ في بناء "كانط" للقانون الأخلاقي هو الواجب القاطع، الذي ينطبق على جميع الناس، بغض النظر عن اهتماماتهم، أو رغباتهم. وتنص صياغة "كانط" لجوهر الإنسانيّة، كحتميّة قاطعة أيضاً، على اعتبار أن جوهر الإنسانيّة يعد غاية في حد ذاته، وينبغي على البشر أن لا يعاملوا الآخرين أبدًا كمجرد وسيلة لتحقيق غاية، ولكن كغايات في حد ذاتها.

لقد فرق "كانط" بين الأخلاقيّة، والقانونيّة معتبراً أن القانونيّة تعنى: تصرف المرء وفقا لما يقتضيه القانون أو التشريع الذي يسنه المجتمع أو تسنه الدولة. أي يتصرف المرء خوفاً من العقاب عند مخالفة القانون الوضعيّ، فممارسة الأخلاق وفق هذا القانون لا تجعل من الفعل أخلاقيًّا بمعني الكلمة.

أما في الأخلاقيّة: فالشخص لا يمارس الأخلاق بسبب الخوف من العقاب، أو من الله، أو احتراما للرأي العام، أو الخوف من تأنيب الضمير... إلخ، وإنما يقوم به بفعل الواجب والعقل الحر الذي يمتلكه الإنسان، حيث يقول: (إن واجبي يقضي ألا أسرق، لذا فأنا لن أسرق احتراما للواجب والعقل)، (2). فهذا وحده الذي يعد فعلا أخلاقيّا. فالمرجع في النهاية هو العقل المجرد والإرادة الحرة. وهو يؤمن بكونيّة القانون الخلقي لأنه صوري، وغير ناشئ عن أي نزعة تجريبيّة، فهو صالح في كل زمان ومكان.

إن الحق عند "كانط" هو، أن الواجب لا يستند إلى العاطفة أو الوجدان في حالة تشخصهما كانعكاس قيمي للواقع المعيش، بل في حالة تجردهما كالعقل تماماً، كما أنه – أي الحق - لا يقوم على أية تجربة إنسانيّة، خارجية كانت أو باطنية، بل هو يقوم في الأساس على احترام القانون الصوري الذي حدده هو عندما اعتبر الواجب بشكل غير مباشر (قانوناً) في صيغته المأتى عليها أعلاه، ولهذا يُعَرّف "كانط الواجب" بقوله: (إنه ضرورة أداء الفعل احتراما للقانون). (3). وهذا الاحترام ينشأ من العقل نفسه تلقائيا، أي بتعبير آخر، إن المقصود بالقانون هو القانون الخلقي الذي يقره العقل والواجب والإرادة الحرة، وليس المجتمع أو الدولة أو الدين، أو أية جهة وصائية أخرى.

من هنا نجد كيف تتحول الأخلاق في الاتجاه المثالي إلى قيم معياريّة لها مرجعياتها المقدسة (الدين أو العقل المجرد الذي يحكم الضمير والواجب بالضرورة)، وهنا يذوب الفرق أو الخلاف بين الإله وبين العقل، أي فلا فرق هنا بين الأخلاق المقدسة التي يقرها الدين، أو أخلاق الواجب والضمير التي يقرها العقل المجرد، وكلا المرجعين هما وفق هذا التصور خارج التاريخ الملموس أو المعيش.

الأخلاق من وجهة الفلسفة الماديّة:

تنظر النظريّة الماديّة في المعرفة، إلى الأخلاق كنسق من أنساق الوعي البشري، وبالتالي هي شكل من أشكال البناء الفوقي، الذي يشمل الفن والأدب والقانون والفلسفة والدين وكذلك الأخلاق.

فالأخلاق كجزء من البناء الفوقي، هي انعكاس للبناء التحتي، الذي يشكل الوجود الاجتماعي بشقيه الطبيعيّ والاجتماعيّ، وما يقوم في هذا الوجود من (علاقات ماديّة وقيميّة) بين أفراد المجتمع وكتله الاجتماعيّة أثناء إنتاجهم لخيراتهم الماديّة، وبالتالي فإن ما يحققه هذا النشاط من إنتاج للقيم الروحيّة (أنساق البناء الفوقي المعرفيّة) تساهم في ضبط هذه العلاقات الاجتماعيّة وتحقيق الاستقرار في المجتمع ونموه، وتأتي الأخلاق كأحد الأنساق المعرفيّة في تحقيق هذا الضبط السلوكيّ والفكريّ لمكونات المجتمع إفراداً وجماعات. وهذا ما جعل الشاعر العربي يقول:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت     فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

إن الأخلاق وفق معطيات الفلسفة الماديّة، هي التاريخ الإنسانيّ في صيرورته وسيرورته، أي تاريخ  العلاقات التي بناها الإنسان بجهده وعرق جبينه من خلال علاقته الجدليّة مع  الطبيعة ومع أخيه الإنسان نفسه. أو بتعبير آخر، هي تاريخه المشخص الذي لم تساهم في بنائه أي قوى من خارج تاريخه، أو أية جدليّة مجردة سواء كانت من الفكرة المطلقة كما يقول "هيجل"، أو العقل المجرد كما يقول "كانط "، أو أي فكر فلسفيّ أخر لا يعترف بأن الإنسان سيد مصيره وقدره وأنه وحده صانع تاريخه من خلال تاريخيّة علاقاته مع الطبيعة والمجتمع. وما الأخلاق إلا مواقف قيميّة حددت طبيعتها وأشكالها تلك العلاقات الاجتماعية أثنا عمليّة الإنتاج الخيرات الماديّة تاريخياً. أي هي انعكاس لها، بيد أنها راحت تتقونن لتتحول إلى عرف وعادة وقانون.

إن الأخلاق في التحليل الأخير، هي تمارس عملية خلق أو أبداع في حياة الإنسان الماديّة والروحيّة معاً، هذا الإنسان الذي يسعى لتحقيق علاقات ذات جوهر إنسانيّ مع الطبيعة ومع أخيه الإنسان.. خلق لم يأت في لحظة كَيِفِيِّة أو عفويّة، بل هو خلق جدليّ تولده الحاجة الإنسانيّة من خلال التأثير المتبادل بين حاجات الإنسان الماديّة والروحيّة، لذلك نقول: لم تكن هناك مثلاً حاجة لأخلاق العدالة والمساواة، لو لم تنشأ في حياة الإنسان علاقات استغلاليّة بين المالك والمنتج، وسيطرة المالك على مقدرات حياة المنتج.

إن الإنسان مسؤول مسؤوليّة كليّة عن أمنه واستقراه وعدالته، وهو وحده من يشرّع صيغه الأخلاقيّة بنفسه لتحقيق هذا الأمن والعدالة والاستقرار وفقاً لحاجاته ولا أحد غيره. لذلك على الإنسان في أية مرحلة تاريخيّة معيشة، أن يعي الظروف الموضوعيّة والذاتيّة التاريخيّة التي أُبْدِعَتْ فيها القيم الأخلاقيّة والقانونيّة عبر مسيرة تاريخه الطويل، وكيف راحت هذه القيم وهذه القوانين والتشريعات بما تحمله من قيم أخلاقيّة تتغير منذ تاريخ حمورابي، مروراً بالوصايا العشرة، وَحِكَمْ سليمان وصولاً إلى وثيقة حقوق الإنسان الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1948.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

.............................

الهوامش:

(1-2-3- . راجع حول نظرية كانط في الواجب ويكبيديا (الموسوعة الحرة).

 

 

 

علي رسول الربيعييُعد ميشيل فوكو (1926-1984) بحق أنه "أعظم تلاميذ نيتشه المعاصرين"؛ كان مؤرخًا وفيلسوفًا وناقدًا أدبيًا وأكثر من ذلك.[1] كان الهدف من دراساته وتحقيقاته الشاملة، التي عبر عنها قائلًا، هو "أنتاج تاريخ للأنماط المختلفة التي، يتم من خلالها جعل البشر ذوات، في ثقافتنا".[2] يبدو أن الكشف عن أكبر عدد الكبير من الأكراهات والقوى الثقافية التي تلعب دورًا في تشكيل حياة الإنسان هو هدفه الأساس من البحث والتحقيق. وكما يقول إدوارد سعيد، "لقد بحث وكشف عن تقنيات المعرفة والذات التي تكتنف المجتمع، وجعلته خاضعًا للحكم، والسيطرة، وكذلك حتى عندما طورت هذه التقنيات محركاتها الخاصة التي لا يمكن السيطرة عليها وغير الخاضة لحدود أو مبررات." بالإضافة إلى ذلك، قام فوكو على المستوى النقدي بصفته "فيلسوف موت الإنسان"؛ "بحل النماذج الأنثروبولوجية الحديثة للهوية والذاتية الكامنة وراء البحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية." [3] لقد أوضح أن الطريقة التي يعمل بها الناس في المجتمع لم تكن لأنهم أحرار وذوات مستقلة على الطريقة الديكارتية، أو فنانين انفراديين، أو موهوبين، أو مهنيين محترفين، ولكن بسبب سلطة الأيديولوجيات والأنضباط وقواعد السلوك التخصصات والخطابات وانظمة المعرفة التي حددت القواعد المسبقة التي نظمت تفكير وكلام وسلوك كل الناس. ابتكر فوكو قواعد حول مثل هذه القواعد وكشف آليات السلطة والسيطرة التي تمارسها أو هي عليها. لم يكن لدى فوكو أي أوهام حول أنظمة المعرفة هذه، لا سيما أنها تجسدت في مؤسسات مثل العيادة، والملجأ، وتاريخ النشاط الجنسي.[4] وهنا نريد أن نسأل: كيف كان يرى العالم وما هو الدور الذي لعبه مفهوم رؤية العالم في تحليله؟

تعتبر فكرة الإبستيمي فكرة اساسية ومحورية في فكر فوكو، ويبدو في البداية على الأقل أنه يحمل تشابهًا مع رؤية العالم. تقترح باميلا ميجور- بوتزل نفس القدر عندما تكتب أن "مصطلحات الخطاب والإبستيمي يُنظر إليهما في كثير من الأحيان بوصفهما تعبيرات خاصة عن المصطلحات الأكثر شيوعًا" الانضباط ورؤية العالم".[5] يبدو أن هناك دعمًا نصيًا لهذه الدعوى، لا سيما في الكلمات والأشياء، حيث فسر العديد من القراء عرض الإبستيمي الكلاسيكي باعتباره مقولة أساسية تقوم عليها الإنتاجات الفكرية في القرنين السابع عشر والثامن عشر. كتب فوكو،على سبيل المثال : " هناك دائمًا، في أي ثقافة وفي أي لحظة إبستيمي واحد فقط يحدد شروط إمكانية كل معرفة، سواء تم التعبير عنه في نظرية أو بصمت في ممارسة".[6] إن صرح المعرفة، بالنسبة لفوكو، هو بنية معقدة، والإبستيمي، الذي يماثل رؤية العالم، هو جزء من هذا التعقيد العميق. يؤكد فوكو في "اركولوجيا المعرفة" أن "الإبستيمي قد يشتبه في أنه شيء يشبه رؤية العالم، وهو جزء من التاريخ مشتركة بين جميع فروع المعرفة، ويفرض على كل فرد المعايير والمسلمات نفسها، مرحلة من العقل، وهو بنية فكرية معينة لا يستطيع الناس في فترة معينة الهروب منها - مجموعة كبيرة من التشريعات المكتوبة مرة واحدة وإلى الأبد بواسطة يد مجهولة ".[7] إن هذه الجملة مثيرة للاهتمام، لأنها تحتوي على وصف فوكو الخاص لكل من الابستمي ورؤية العالم، نظرًا لارتباطهما الوثيق. يستلزم كلاهما مجموعة لا مفر منها من القواعد واللوائح، وطريقة للتفكير، ونمط من التفكير، ومجموعة من القوانين التي تولد وتحكم جميع جوانب المعرفة.

يخلط فوكو، في الوقت نفسه، بين الأمور إلى حد ما عندما يقول إن الابستمي باعتباره طبقة معرفية مهمة لا ينبغي ان تتطابق مع رؤية للعالم. يعترف في مقدمته لأركولوجيا المعرفة بأن غياب التطور المنهجي في " الكلمات والاشياء" قد يكون قد أعطى الانطباع الخاطئ بأن "تحليلاته أجريت من حيث الكلية الثقافية".[8] لذا اشار فوكو في الكلمات والاشياء، أن الغرض الأصلي من الكتاب لم يكن "تحليل للكلاسيكية بشكل عام، ولا البحث عن منظور للعالم او جهة نظر كلية عن العالم، ولكن دراسة" مجال محدد".[9] فقد أوضح في "أركولوجيا المعرفة" - الذي يعتبره جزئيًا تصحيحًا لأعمال سابقة، بما في ذلك الكلمات والاشياء- إن "هدفه هو عدم استعمال مقولات المجموعات الثقافية (سواء وجهات نظر العالم، والأنماط المثالية، والروح الخاصة لعصر ما) من أجل فرض أشكال التحليل البنيوي على التاريخ"[10] وهكذا يبعد فوكو الابستمي عن مفهوم رؤية العالم كأحد جوانب منهجيته التاريخية. يجب عدم الخلط بين سعيه لتعريف الأول على أنه تمركز محلي تحتي مع التفسيرات الشاملة للواقع.

إن هذا المجال الاساس والحاسم للإبستيمي،على الرغم من غموضه المعجمي، هو أكثر ما يحرص فوكو على تسليط الضوء عليه، والقيام بذلك ليس عن طريق الدراسة التاريخية النموذجية، بل عن طريق أساليبه الشهيرة في "الاركيولوجيا" و "الجينالوجيا". وبدلاً من التركيز على ما كان معروفًا (التاريخ) أو لماذا تكون المعرفة ممكنة (الابستيمولوجيا)، قام بالتحقيق في كيف تُبنى حقول ومجالات المعرفة (الأركويولوجيا).[11] لم يرغب في معرفة بُنى المعرفة فقط، ولكن أيضًا سلالاتها أو نسابها (الجينالوجيا). عرّف فوكو مبدئيًا الفكرة بأنها مستوحيًا من جينالوجيا الأخلاق لفريدريك نيتشه، بوصفها "اتحاد المعرفة المثقفة والذكريات المحلية التي تسمح لنا بتأسيس معرفة تاريخية بالصراعات والاستفادة من هذه المعرفة تكتيكيًا اليوم". سيتم تحديد المعارف الخاضعة، والإفراج عنها، وتشغيلها من خلال هذا البحث الجينالوجي.[12] لقد سعى دائما في طروحاته ونظرياته ان يبقي الوصف الأركيولوجي يعمل جنبا الى جنب الجينالوجي.[13]

يرتبط التحقيق الأركيولوجي والجينالوجي في الإبستيمي ارتباطًا وثيقًا بتأملات فوكو حول موضوع السلطة. يضع أمام قرائه وجهة نظر عن العالم الذي يقع فيه البشر محاصرون داخل البنى اللغوية وأنظمة المعرفة مع عدم وجود إمكانية التخلص منها . كل خطاب بشري هو لعبة سلطة، كل ترتيب اجتماعي قمعي، وكل بيئة ثقافية استبدادية. في هذا الكون الفوكوي، لا توجد خطابات مميزة أو متجاوزة غير مثقلة بنسبية التاريخ أو ديناميكيات الهيمنة. العالم مليء بإرادة السلطة، ولا توجد علاقات اجتماعية لا تفسدها هذه الارادة.[14] تشير جميع الممارسات الخطابية إلى سياسة سلطة محددة واستبداد معرفي، لأنه كما يشرح فوكو، "الحقيقة ليست خارج السلطة أو تفتقر إلى السلطة".

الحقيقة هي شيء من هذا العالم وكل مجتمع نظام الحقيقة الخاص به، و"سياسته العامة" للحقيقة: أي أنواع الخطابات التي يقبلها ويعتبرها حقيقة؛ الآليات والحالات التي تمكن المرء من التمييز بين وجهات النظر الصحيحة والكاذبة، والوسائل التي يتم من خلالها قبول كل منهما ؛ للتقنيات والإجراءات المعطاة اهمية في اكتساب الحقيقة؛ لها أثر في وضع أولئك المكلفين بقول ما يعتبر صحيحًا. [15]

ترتبط المعرفة بالسلطة أيضًا بسبب ارتباطها بالخطاب الذي يشكل العالم. العالم الذي تم إنشاؤه بواسطة الخطاب هو عالم من المؤسسات والمعرفة والممارسات التي يجدها نظام السلطة الحالي مفيدًا. المعرفة هي سلطة للأقوياء في الواقع. لذلك يوصي فوكو بالتخلي عن فكرة أن المعرفة مستقلة إلى حد ما عن استراتيجة ما وتخدم الصالح العام. بل إنه يقدم هذا الاعتراف البديل:

يجب أن نعترف بالأحرى أن السلطة تنتج المعرفة...؛ تقتضي تلك السلطة والمعرفة ضمنًا بعضهما البعض بشكل مباشر؛ فلا توجد علاقة سلطة بدون بنية ومجموعة من المبادئ الأساسية المترابطة في مجال المعرفة، ولا توجد أي معرفة لا تفترض وتشكل علاقات السلطة نفسها. يجب تحليل "علاقات السلطة والمعرفة" هذه، ليس على أساس الذات العارفة التي تكون أو لا تكون حرةً فيما يتعلق بنظام السلطة، ولكن على العكس من الذات التي تعرف، والأشياء التي يجب معروفتها وطرائق المعرفة يجب أن ينظر إليها على أنها آثار كثيرة لهذه النتائج الأساسية لمعرفة السلطة وتحولاتها التاريخية.. باختصار، ليس نشاط الذات العارفة مفيدًا أو مقاومًا للسلطة، ولكن معرفة السلطة، والعمليات والصراعات التي تجتازها والتي تتكون منها هي التي تحدد الأشكال والمجالات والممكنات للمعرفة.[16]

يجب أيضًا تضمين وجهات النظر العالمية باعتبارها بنيات معرفية في علاقة السلطة بالمعرفة. لا ينبغي فهمها، باعتبارها رؤى للحياة والواقع وتحديد للأفكار والقيم والأفعال، على أنها مجرد أطر مفاهيمية محايدة، بل يجب أن تكون موجودة في خدمة بعض البرامج وجداول الأعمال الاجتماعية والسياسية وحصن للسلطة (على سبيل المثال، الإيمان بمرجعيات دينية في الاسلام، الكنيسة في المسيحية، المذهب الطبيعي للماركسية والداروينية، إلخ). إن رؤية العالم أووجهات النظر العالمية، من منظور فوكو المتشكك، هي مجرد تراكيب لغوية لنخبة السلطة. إنها واجهات لواقع غائب وتعمل كوسيلة فعالة للقمع الاجتماعي.

يجب أن ترتبط، باعتبارها فرضيات مخيفة حول الواقع وتعمل كأدوات فعالة للإكراه، جميع روى العالم، ومهما كانت تتناسب، مع تقدير فوكو العام للنظام المعرفي ( الابستمي)، بـ "المجموعة الكلية من العلاقات التي توحد، في فترة معينة، الممارسات الخطابية التي تؤدي إلى ظهور ... أنظمة رسمية".[17] يجب أيضًا إخضاعهم، على هذا النحو، للتحقيق والفحص الأركيولوجي والجينالوجي، وبالتالي الكشف عن بنيتهم الفكرية ومصادرهم المعرفية ( الابستمي). إن مثل هذا التحقيق من شأنه أن يكشف " عدالة لمن وأي عقلانية عندهم" تلك التي تخدمها رؤى العالم بالفعل. يقول فوكو في تجسيد لروح جورجياس وبروتاغوراس، في الأساس شيئًا كهذا: لا شيء موجود؛ إذا كان أي شيء موجودًا، فلا يمكن أن يفكر فيه الإنسان أو يدركه؛ حتى لو كان بالإمكان الوعي به، فلا يمكن توصيله؛ حتى لو كان من ممكن ذلك في ممارسات خطابية حيث تكون دائمًا في مصلحة الطرف الأقوى! أن النتيجة التي توصلت إليها ما بعد الحداثة الفوكوية في التحليل النهائي: ليست رؤى العالم سوى تفسيرات زائفة لواقع يرتدي فيه الجميع بدلة السلطة اللغوية.

وهكذا خضعت رؤى العالم، في سياق ما بعد الحداثة لإعادة تشكيل كبيرة. فوفقًا لجاك دريدا، يجب تفكيكها بصفتها أنظمة مركزية للفكر والمعتقد من أجل كشفها كنظم رموز مرجعية ذاتية تفشل في الاتصال بالواقع الخارجي. قدم ميشيل فوكو في وصف النظرة إلى العالم باعتبارها نتاجًا مرتبطًا بطبقة فكرية من الدرجة الأولى تسمى ابستمي أساسًا لفهم كيف تكون رؤى العالم جزءًا من علاقة المعرفة / السلطة التي تخدم مصلحة الطرف الأقوى، أو الطرف الذي يسعى للقوة. سيكشف التحليل الأركيولوجي والتحقيق الجينالوجي عن أصل ومحتوى هذه الأنظمة عن طبيعتها الحقيقية، وكيف تعمل اجتماعياً في تشكيل الذات وفي المقولات الأساسية للتجربة الإنسانية. وهكذا أدى الانتقال من العصر الحديث إلى ما بعد الحداثة إلى تغيير ملحوظ في فهم طبيعة وسمات مفهوم السلطة .

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

..................................

[1] Edward W. Said, "Michel Foucault, 1926-1984;' in After Foucault: Humanistic Knowledge, Postmodern Challenges, ed. Jonathan Arne (New Brunswick, N.J.: Rutgers University Press, 1988), p. 1.

[2] Michel Foucault, afterword to Michel Foucault: Beyond Structuralism and Hermeneutics, by Hubert L. Dreyfus and Paul Rabinow (Chicago: University of Chicago Press, 1982), p. 208.

[3] Said, pp. 10-11.

[4] Said, p. 10.

[5] Pamela Major-Poetzl, Michel Foucault's Archaeology of Western Culture (Chapel Hill: University of North Carolina Press, 1983), p. 23.

David Carr, Interpreting Husserl: Critical and Comparative Studies (Dordrecht: Martinus Nijhoff, 1987), pp. 220-21,

يعتقد ديفيد كار أن الإبستيمس مكافئ للمخططات المفاهيمية أو وجهات النظر العالمية، على الرغم من أنه يدرك أن فوكو نفسه ينكر أنها تشوه الشكل في وجهات النظر العالمية أو روح العصر الثقافي. تم تفسير عرض الإبستيم الكلاسيكي من قبل العديد من القراء على أنه خدمة أساسية وأساسية تقوم عليها الإنتاجات الفكرية في القرنين السابع عشر والثامن عشر. على سبيل المثال، كتب فوكو: "في أي ثقافة وفي أي لحظة، هناك دائمًا إبستيم واحد فقط يحدد شروط إمكانية كل معرفة، سواء تم التعبير عنها في نظرية أو بصمت في ممارسة".

[6] Michel Foucault, The Order of Things: An Archaeology of the Human Sciences, World of

Man (New York: Random House, 1970; Vintage Books, 1973), p. 168.

[7] Michel Foucault, The Archaeology of Knowledge, trans. A. M. Sheridan Smith (New York: Random House, Pantheon Books, 1972), p. 15.

[8] Foucault, The Archaeology of Knowledge, p. 16.

[9] Foucault, The Order of Things, p. x.

[10] Foucault, The Archaeology of Knowledge, p. 15.

[11] Major-Poetzl, p. 21.

[12] Michel Foucault, Power/Knowledge: Selected Interviews and Other Writings, 1972-1977, ed. Colin Gordon, trans. Colin Gordon, Leo Marshall, John Mepham, and Kate Soper (New York: Pantheon Books, 1980), pp. 83, 85.

[13] Foucault, The Archaeology of Knowledge, p. 2.34.

[14] Sheldon S. Wolin, "On the Theory and Practice of Power," in After Foucault: Culture, Theory, and Criticism in the 21st , p. 186.

[15] Foucault, Power/Knowledge, p. 131.

[16] Michel Foucault, Discipline and Punish: The Birth of the Prison, trans. Alan Sheridan (New York: Random House, Vintage Books, 1995), pp. 27-28.

[17] Foucault, The Archaeology of Knowledge, p. 191.

 

علي محمد اليوسفتقديم: لعل تنسيب المنهج بمفهومه الفلسفي على وجه التحديد لديكارت هو ما إعتبره مؤرخو الفلسفة بداية وضع عدد من التجديدات ألإضافية النوعية الإنعطافية غير المسبوقة  فلسفيا منها على سبيل المثال، إدخال النزعة العلمية في مباحث الفلسفة كمنهج يعلي مكانة العقل، الشك بأعتباره مهماز إستثارة الإهتمام بوجوب الوصول الى يقينية المعارف التي ندركها، الدعوة الى المنهج الذي يقوم على محددات وقواعد وأحكام تجعل من هدف البحث يقوم على ثيمات قصدية يروم تحقيقها إعتماد الشك في المنهج، الإبتعاد عن كل تشتيت ذهني بالتفكير لا يقود الى أهداف محددة سلفا، الحقيقة الفلسفية العقلية التي لا تقاطع المهيمن اللاهوتي الديني ولا المنهج التجريبي العلمي، ألإهتمام باليقينيات البديهية القائمة على الوضوح التام الخالي من الأرتياب والشّك قبل التسليم بتلك البديهيات التي إعتبرها ديكارت تحمل برهانها اليقيني معها في وجودها الحدسّي الظاهرالوضوح لا من خارجها البرهاني وجودا الذي لا تحتاجه. وغير ذلك من تفاصيل فلسفية ظهرت دعوة الإهتمام الفلسفي بها مع إنبثاق المنهج الفلسفي التفكيري الذي ضمّنه ديكارت كتابه المعروف (مقال في المنهج). وهذه الورقة تتعرض بإقتضاب الى مناقشة بعضا من هذه التفاصيل التي ذكرناها متعالقة بالمنهج الديكارتي...

ماذا أراد ديكارت في المنهج؟

يعتبر كتاب ديكارت (مقال في المنهج) إنعطافة مفصلية على صعيد تخليص الفلسفة من هيمنة اللاهوت الديني الذي ساد القرون الوسطى في وصايته على كل من الفلسفة والعلم والعقل على حد سواء. وقد إعتمد ديكارت أسلوب الممانعة الناعمة على صعيد إتبّاع أسلوب ألمهادنة غير ألتصادمية بين دعوته وجوب خلق توليفة فلسفية تتقبل المنهج العام القائم على ألشك الموصل لحقيقة اليقين، كما تتقبّل المنهج التجريبي العقلي القائم على ألتجربة والتطبيق العملي بالحياة، كما تتقّبل اللاهوت في مرتكزه القائم على الإعتراف بوجود الله خالق كل شيء ومنبع كل وجود الضامن لكل حقيقة. دليل ذلك تعبير ديكارت " الفكر هو المدرك – بكسر الراء – لذاته والذي هو في ذاته مدرك الموجود الكامل الله. منبع كل وجود والضامن لكل حقيقة."1 .طبيعي لايكون هذا التعبير الفلسفي لم يسبق به أحدا من الفلاسفة ديكارت، لكن جديد ديكارت في طرحه دعوة التوافق المنهجي الذي تتعايش فيه المتناقضات الاربع (الفلسفة، العقل، العلم، والدين) دونما إختلافات تصل الى حد ممارسة ألعداء المسّتحكم والدموي في أغلب الأحيان بينهم بكل السبل المتاحة المشروعة وغير المشروعة التي سادت العصور الوسطى وفي القرن السابع عشر الذي عاشه ديكارت بكل مهيمناته القروسطية. مثال ذلك تصادم اللاهوت الديني الكنسي الكاثوليكي بالضد من العلم الفلكي والفيزياء وتصفية رموزه العلمية وتحجيم دورهم. برونو، غاليلو، كوبرنيكوس، نيوتن.كبلر وغيرهم.

مطالبة ديكارت أن يكون كل شيء ضمن حدود الوضوح التام كفيل بوضع كل شيء على محك الشّك الذي يعقبه اليقين العقلي في الصدق أو زيفه. الذي يعتبره ديكارت إدراكا لا يقاطع وعي الذات لحقيقتها الوجودية على صعيدي الأنطولوجيا والميتافيزيقا معا. ورغم تأكيد هذه الخصيصة الإنفرادية للذات، التي من خلالها جرى تمجيد وإعلاء نزعة العقل فقد رسم ديكارت هذه الميزة في تعاليها الذي يضمن للانسان إعتلائه الطبيعة، وفي ملازمة هذا التعالي الإقرار اليقيني الإيماني القاطع بوجود الله الذي هو منبع كل وجود والضامن لكل حقيقة.

من جنبة أخرى نجد منهج ديكارت بمقدار تأكيده النزعة العلمية التجريبية وهيمنة العقل وتعالي الذات كجوهر مركزي أكدّه في الكوجيتو أنا أفكر إذن أنا موجود. بمقدار ما جعل هذا التناقض في المنهج القائم على أولوية الشك بكل شيء يسبق  اليقين. فهو متناقض تماما من حيث أهمية التطبيق العملي الذي دعا له، تاركا الإهتمام المفروض في عدم إنسجام ومجانسة جمعه هذه الأقانيم ألمتناطحة الثلاثة (الله، العقل، والفلسفة) في نسق منهجي معرفي نظري محال تطبيقه الواقعي. بل وألأكثر إستحالة إعتماد دلالة أحد هذه الأقانيم في معرفة أحدهما الآخروعدم التقاطع والإصطدام معه. وهي أقانيم لكل منها خصوصية لا تلتقي ولا تتجانس مع غيرها.

دعوة ديكارت أهمية الوضوح اللغوي في كل شيء يجري التعبير عنه كمدرك عقلي رغم إعتمادها بدأب فلسفي مثابر ثيمة فلسفية اولى بعد ثلاثة قرون من عصر ديكارت، في الإهتمام الإستثنائي من قبل عمالقة فلسفة اللغة التحليلية الانجليزية وعلى وجه التحديد فينجشتين وجورج مور، نجد ديكارت يلجأ تحت رغبة تحقيقه التبسيط الواضح هاجسه الفلسفي البحثي الى مثل هذا التعبير الإفتعالي السطحي قوله " لفظ الفلسفة هذا معناه دراسة الحكمة، وليس معنى الحكمة قاصرا على الحيطة والتبصّر بالأمور، بل تفيد أيضا في معرفة جميع الأشياء التي يستطيع الانسان معرفتها إمّا لتحقيق الهداية في حياته أو المحافظة على صحته أو لإختراع جميع الفنون"2

هذه العبارات الانشائية لا حاجة الإشارة الى تفككها الإفتعالي غير المترابط بما تحتويه من قفزات كنغرية من معنى لمعنى آخر لا علاقة ترابطية بينهما في جمع دلالة الحكمة الفلسفية في الحيطة والتبصّر، مع أهمية المحافظة على الصحة، وأخيرا أختراع جميع انواع الفنون.!! لم يضع ديكارت في عبارته مقوّمات وإشتغالات وإختلافات هذه القضايا الجوهرية الإستثنائية التي يقوم عليها جوهر الوجود الانساني التي جمعها في توليفة توفيقية تلفيقية تعسّفية لا يمكنها إلغاء التفاوت الكبير بينها في توزيع مهام الفلسفة على أمور جانبية لا يجمعها جامع بمباحث الفلسفة المهّمة الكبرى.

ديكارت والرياضيات

رغم محاولة ديكارت ربط الرياضيات بالفلسفة التي تعود أصولها الى عصرافلاطون، إلا أن منهج ديكارت دعوته إحياء مبحث الرياضيات في إعتباره مفتاح معرفة كل العلوم، وأنه لا فائدة ترجى من المنطق وحده فهو لا يضيف شيئا للعلم. معتبرا أسس المنهج تقوم على دعامتين إثنتين "جميع الأفعال الذهنية التي لا نستطيع بها أن نصل الى معرفة الأشياء دون أن نخشى الزلل عبارة عن فعلين إثنين هما الحدس والإستنباط."3 ويرى ديكارت" الحدس  ليس شهادة الحواس الكاذبة، ولا الحكم الخادع حكم الخيال، وإنما الحدس هو الفكرة التي تقوم في ذهن خالص يصدر عن نور العقل وحده."4

تجريد الحدس عن شهادة الحواس المضللة المرفوضة، وإبعاده الحدس عن حكم الخيال الخادع، يتطلب ذهنا خالصا يصدر عن نور العقل كما يدعو ديكارت له. كلام أيضا غير مترابط فلسفيا لا يهدف تحقيق نسق تعبيري منّظم يقودنا الى يقينيات لا شك يعتورها ويتداخلها، وكيف نحصل على ذهن صاف يستمد حيويته التوليدية للأفكار من نور العقل في تعبير صوفي ميتافيزيقي ظاهره علمي عندما نعتبر نور العقل هو التجربة العلمية التطبيقية بالحياة.. وليس نور العقل وفق المنطق الصوفي الميتافيزيقي المنفتح على الذات الالهية روحيا.

لا نجد في مثل هذه التعابير تعالقا معرفيا يقوم على حقائق العلم والإستنباط الفلسفي المبني على تحليل العقل الذي يجب تتويج يقينياته العلمية الواضحة بالتطبيق العملاني لها بالحياة كما أراد ديكارت تحقيقه نظريا فقط... الوضوح بالتعبير لايعني تمرير المجازات اللغوية في حمولاتها المتعددة الوجوه في القراءة التأويلية التي تبحث عن تطابق تام بين اللغة ومدلولاتها الوجودية. ثم الوضوح المطلوب لوصول قناعات يقينية لا يتم إلا في إعطاء كل مفهوم دلالته الحقيقية ومجال إشتغاله من غير دعوة الى ربط تعسّفي محال تطبيقه خارج التنظير الفلسفي. فلا تستطيع الفلسفة التوفيق التلفيقي بين نزعة العقل العلمية التجريبية مع ميتافيزيقا وجود الله الذي إعتبره ديكارت ضمانة معرفة كل حقيقة فلسفية وعلمية وأفرد لذلك كتابه (التاملات).

ديكارت ومناوئيه من الفلاسفة

ثم أن ديكارت ذهب ألى التسليم ب(الأفكار الفطرية) التي أورثها لكانط من بعده، الذي هو الآخرقال بوجود أفكار (قبلية) فطرية مركوزة بالذهن والعقل، وهي مباديء سابقة على كل تجربة علمية. وبالخصوص حين ذهب كانط في كتابه نقد العقل الخالص، أن خاصّية الإدراك الجوهرية للانسان تقوم على ركيزتي ما أسماه قالبي الزمان والمكان بإعتبارهما جوهري الإدراك وهما قالبان مركوزان كمعطى فطري عقلي في ملازمتهما الوعي الإدراكي وبغيرهما لا يمكن العقل ألقيام بمهمته الإدراكية . وأنكر كلا من جون لوك وديفيد هيوم مقولة الأفكار الفطرية القبلية، مؤكدين على أن كل إدراك عقلي يقوم على التجربة الحسّية المستمّدة من الواقع وفاعلية العقل التوليدية للأفكار، وما لا تعبّر عنه الافكارالحسيّة يتعّذّر إدراكه العقلي وغير موجود في عالم الاشياء..

لم يكن ديكارت على مقدرة إستشرافية واضحة أن طروحاته الفلسفية ستجد لها معارضة ومداخلات لم يعمل لها حسابا، فقد طالب السايكولوجيين من بعده تطابق العقل مع النفس ليس بالمعنى الذي عبّر عنه ديكارت إعتباره العقل والنفس جوهرين منفصلين غير متطابقين، لكنهما جوهران متلازمان في وحدتهما التي تجمعهما صفة الخلود لكليهما، في حين إعتبر السايكولوجيون " العقل هو الجوهر المتعالي فوق المشاعر والارادة " 5 وهو تعبير علمي دقيق.

من جنبة ثانية قام فلاسفة الأخلاق نفي الطابع العقلي عنها، وأنكروا أن يكون للاخلاق ومعاييرها أصل تجريبي علمي، ونفوا أن يكون للأخلاق قاعدة سيسيولوجية مجتمعية تسري بين الناس، وهذا الطرح على غرابته كان كانط من أقوى الداعمين له....

ومع كل الثغرات التي شابت طروحات ديكارت الفلسفية المنهجية العقلية فقد أعتبره مؤرخي الفلسفة، أنه فيلسوف إستطاع تحقيق ما عجز عنه غيره فهو "قوّض هيمنة فلسفة ارسطو – التي دام تأثيرها على أوربا الفي عام هي العصور الوسطى الاوربية – وقضى ديكارت حسب مناصريه على خرافات العلوم الفلكية التي سبقت علوم كوبرنيكوس وبرونو وغاليلو في نسفهم إصرار الكنيسة القول أن الارض مركز الكون وهي ثابتة لا تتحرك وهو ما قال به ارسطو.

وأخيرا حسب مناصري ديكارت أنه أرسى سلطان تحكيم العقل بكل شيء قبل التسليم بصحته. ومنهم من إعتبر ديكارت فيلسوف التمهيد للثورة الفرنسية ومفتاح دخول أوربا عصر الأنوار، وبعضا من أفكاره بقيت في مطاولتها الزمنية التاريخية الى مرحلة ما بعد الحداثة الأوربية. وسنوّضح لاحقا بعض هذا التداخل الفلسفي.

معركة الذات مع ديكارت

من المعلوم أن الكوجيتو الديكارتي ألشهير أنا أفكر إذن أنا موجود فتح بابا واسعا أمام الفلاسفة من بعده، وجرت تحليلات لمقولة ديكارت لها أول ولم يكن لها آخر. أبرز الإنتقادات كانت في تأكيد وعي الذات في ربطه بالتفكير المجرد عن موضوعه الذي هو في جوهره تعبير إنفرادي سلبي في إثبات الوجود. وعندما يقول ديكارت "أن مهمة الفلسفة يدخل فيها علم الله، وعلم الطبيعة، وعلم الانسان، لكن دعامة الفلسفة هي في الفكر الذي يعي ذاته، والذي هو ذاته مدرك من غيره "6

وإذا ما عدنا الى هذه الإرهاصات المؤثرة التي تركها ديكارت في الفلسفات الاوربية التي رافقت الحداثة وإنتهت في ما بعد الحداثة، نجد أن تلك الطروحات كانت مناسبة لعصرها القرن السابع عشر، وليس من مهام هذه الورقة إستعراض كل التفاصيل التي طرأت طيلة مدة ثلاثة قرون على أفكار ديكارت من قبل فلسفات متعددة مارست النقد الهادف تماما لأفكار ديكارت وكانت صائبة تماما. فعلى صعيد وعي الذات فقط نجد ردود الأفعال على تقديس ديكارت للذات كتحصيل وعي إنفرادي يقوم على أهمية الفكر السابق على وعي الذات لوجودها، نجد فلاسفة الوجودية كلا من كيركارد، وبرينتانو، وهوسرل، وسارتر، وهيدجر، وجبرييل جميعهم وقفوا بألضد من فهم كوجيتو ديكارت لكن بفروقات فلسفية ليست جامعة لهم.

معلوم جيدا أن الوجودية الحديثة إعتبرت مركزية الذات جوهرا فلسفيا راكزا في محورية مباحثها، ولم تنكر على ديكارت إهتمامه الإستثنائي بالوعي الذاتي، لكنها أنكرت عليه مسألتين الاولى ليس وعي الذات ناتجا عن الفكر بمعزل عن الوجود في -  عالم على حد تعبير هيدجر. والثانية أن الذات المدركة لوجودها الفعلي ضمن عالم هي ليس لغاية إعتلاء الذات الانسانية ظهر الطبيعة والسيطرة التامة عليها كما أراد وعبّر عنه ديكارت، بل وعي الذات الحقيقي المتسم بالقصدية سلفا ليس معزولا عن مجتمع بشري كما طرحه فلاسفة الوجودية لفهم الحياة. رغم أن ديكارت افصح بوضوح أن مهمة العقل الفلسفي تزويدنا بالمعرفة. ما جعل مبحث الابستمولوجيا في عصره ومن بعده هي الفلسفة الاولى. ما ترتب عليه إدانة فلاسفة اللغة أفكار ديكارت في تضليله الفلسفة البحث عن المعرفة لا غيرها.

كما شنّت البنيوية هجوما لاذعا شديدا في إنكارها تمجيد العقل وأعلاء ذاتية الانسان المحورية في مباحث الفلسفة الى ماقبل عصر ظهورالفلسفة الوجودية، وحاربت الميتافيزيقا التي أوصلت الكنيسة مكرهة رفع يدها عن هيمنة اللاهوت الديني على الحياة بمجمل مناحيها وفي المقدمة رفع وصايتها أمام نهضة وفتوحات العلوم بمختلف المجالات. البنيوية المبكرة كانت إنقلابا جذريا على نسف افكار ارسطو وكذلك افكار ديكارت من بعده.

وفي مرحلة متقدمة لاحقة لطروحات البنيوية في تمجيدها عصر الأنوار والحداثة، قامت البنيوية بردّة فعل إنقلابية تماهي ما بعد الحداثة في الخروج على ثوابت العقل ومركزية الانسان والذات وحتى التشكيك بالعلم ومنجزاته التكنولوجية الباهرة، وأعتبرتها مرتكزات ميتافيزيقية لا قيمة حقيقية إيجابية لها. وأن تمجيد العقل العلمي والتكنولوجي في تخليصه اوربا من نفق القرون الوسطى، لم يلبث أن أدخل اوربا في حرب عالميتين حصدت ارواح ملايين البشر، لذا نجد الوجودية ومن بعدها البنيوية كفرتا بالذات وتمجيد العقل ومركزية الانسان.

ماجعل جاك دريدا متمّسكا متطرفا في مقولته بإستراتيجية التفكيك تحت عنوان لا شيء خارج النص. وأتبعت البنيوية بكافة تياراتها منهجا جديدا قيامه ومرتكزه  فلسفة اللغة والعقل والقراءة الجديدة والتحول اللغوي ونظرية فائض المعنى وبذلك أخرجت البنيوية الفلسفة من نفق التيه الضائع في معالجة قضايا فلسفية زائفة طيلة قرون تاريخية من عمر تاريخ الفلسفة كانت مثار إهتمام الفلاسفة بهوس كبير. تاركة الباب في مجال فلسفة اللغة مفتوحا على مصراعيه أمام الفلاسفة الفرنسيين والاميركان والانكليز والالمان إختراعهم فلسفات عديدة تقوم على فلسفة العقل ألنقدي والتحوّل اللغوي بعد مغادرة فلاسفة البنيوية لهذا المبحث وإتجاههم نحو معالجات فلسفية جديدة مثل نقد السرديات الكبرى قاطبة في مقدمتها نقد ألماركسية قبل إنهيار الإتحاد ألسوفييتي القديم، وانتقاد سردية الدين الراسخة الجذور، وكذلك فعلت مع التاريخ في الإهتمام بالانثربولوجيا عند الاقوام البدائية كما فعل شتراوس، ونقد علم النفس الفرويدي كما قام به لاكان وفوكو ونقد الماركسية بضراوة من جانب شتراوس والتوسير وغير ذلك من مباحث فلسفية عديدة خارج مركزية فلسفة اللغة التي فتحت البنيوية ابوابها ولم تستطع السيطرة على اقفالها.

ديكارت والشّك

ما نذكره مقاربة لتفسير أبرز ما أراده ديكارت في عرضه موضوعة الشّك في تعالقها مع المنهج، علما أن العديد من فلاسفة اليونان كانوا يتعاطون مذهب الشك بالفلسفة وأنكروا على العقل مصداقيته اليقينية المطلقة، ومعنى الحقيقة في معارف عصرهم، وفي الفلسفة الغربية الحديثة برز كلا من مونتاني وشارون وديفيد هيوم، لكن تطرف هؤلاء في مذهب الشّك لم يصل حدود  الشك في قدرة العقل وقيمته المعرفية. وهذا إختلاف جوهري كبير بين الشك الديكارتي وهؤلاء الفلاسفة الشّكاك. نفهم من طروحات ديكارت الشّكية التي تستوقفنا كوسيلة منهجية في إكتساب المعرفة "الابستمولوجيا" أبرزها:

- "ألبحث عن الحقيقة يحتاج الإنسان مرة في حياته أن يضع جميع الاشياء موضع الشك قدر الامكان " 7

- "ألهجوم الشاك على كل المباديء التي كان يعتمدها الباحث الفلسفي، سواء أكتسب تلك المباديء عن طريق التعلم، أو عن طريق إدراكها بالحواس"8

إذا رجعنا قليلا الى أفكار ديكارت حول أهمية المنهج في معرفة الحقيقة وفهم الوجود فهما سليما، نجده ينطلق من مسلمة كل ما هو بديهي حدسي يمكن أن يكون يقينا قطعيا يمكننا الإستدلال به على غيره من معارف لم تكتسب مصداقيتها.

ربط ديكارت الحدسي والبديهي على أنهما ليسا بحاجة الى برهان يؤكد معرفتهما اليقينية الإستنباطية في إعتمادها دلالة معيارية واحدة في معرفة غيرها من معارف صادقة. كما نجد في الشك الديكارتي لا قيمة صادقة يمكن الوثوق بها حول ألخبرات ألمكتسبة عن طريق العقل والحواس فكلاهما ليسا وسائل إستنباط معرفي، فلا الحواس غير خادعة ولا مدركات الذهن العقلية لها قيمة قبل تصفير مدارك الذهن من كل ترسبّات الخبرة السابقة ومعارف قبلية، وأعتبار الشّك ملازما لها قبل التأكد من يقينيته كما أن الدعوة الديكارتية في تصفير الذهن والعقل من مدركاته القبلية كافة يعدم قيمة العقل أن يكون مرجعية معيارية لفهم ما هو بديهي صادق لا يحتاج البرهنة عليه عن ما هو زائف لا يمتلك الثقة به.. شك الانسان بمدركاته ألمكتسبة هي أولى مراتب الشك اللاحق الذي يطال كل المدركات البعدية في موجودات وظواهر العالم الخارجي. كون الشك جزءا هاما من منهج التحقق عن ألاشياء في صدقيتها وفي زيفها معا.

ديكارت وخداع الحواس

في هجوم ديكارت على المعارف القبلية المكتسبة على أنها زائفة إكتسبناها تلقينا ببغاويا عن طريق تعليمنا في مقاعد الدراسة أو عن طريق الحواس الخادعة ولم تكن تتوفر لدينا القدرة على تمحيصها جيدا قبل تسليمنا بصحتها أو إكتشافنا زيفها.

إن عدم التفريق بين خداع الحواس الواضح في العديد من المجالات التي ندرك زيفها، وبين إدراكات الحواس في نقلها عبر الجهاز العصبي الى الذهن بعد فلترة العقل لها ومنحها جواز مرورها الى ألذهن التي لا تكون زائفة تماما بل تكون مدركات حسّية إنطباعية تحتاج كلمة العقل الفصل بشأنها.

فمثلا في تأكيده زيف الحواس بتشكيل مدركاتنا، يعتمد تفسيرا خاصا به يقوم على علاقة الشعور باليقظة والوعي الإدراكي الحسّي بعالم الموجودات من حولنا، ويعتبر هذا النوع من الإدراك لا يختلف عن علاقة اللاشعور في تداعياته الصورية التي لا يحدّها زمان ولا مكان كما في إدراكنا الأشياء في حالة اليقظة.

إدراك الشعور لموجودات العالم الخارجي لا تكون زائفة وعشوائية بإقترانها حسب تعبير ديكارت بالحواس الكاذبة دائما والمفاهيم القبلية المكتسبة من المحيط عبر التجربة المتراكمة في مخزون الذهن الواجب التحرر الكامل منها.. ويصل ديكارت قوله نصا " إننا نعتقد في النوم أمورا ونتخّيل أحوالا ونحسب لها ثباتا وإستقرارا ثم نستيقظ فنعلم أن ما رأيناه أثناء النوم كانت خيالات لا حاصل لها، كما ليس هناك إمارات يقينية يمكن أن نمّيز بها اليقظة من النوم بوضوح ." 8

طبعا يتوجب علينا التفريق بين تداعيات اللاشعور أثناء النوم على أنها خيالات لا يمكننا السيطرة عليها إدراكيا كما نحن نتعامل مع مدركاتنا في حال اليقظة والشعور، وهذه التداعيات الخيالية في اللاشعور أثناء النوم لا سلطان للعقل عليها. ولا يترتّب على هذا إرباكنا في عدم إمكانية فرز زيف الإدراكين في اللاشعور أثناء النوم عن إختلافه في الشعور أثناء اليقظة. ولا يمكننا التسليم أننا لا نستطيع تمييز حقيقة الواقع الحسّي المدرك عقليا شعوريا، عن واقع تداعيات الخيال والذاكرة المتقافزة بلا نظام في ذهن النائم. ولا بأس أن نصف كلا الإدراكين زائفين من حيث الإحتكام لمرجعية العقل لكن لا نعجز قطعا عن عدم إمكانيتنا من التحقق اليقيني أن ما نعيشه في عالم اليقظة هو العالم الحقيقي الذي نتعامل معه بمدركات العقل ألمنظمّة زمكانيا، بإختلافه عن عالم اللاشعور الذي ندرك لا واقعيته وليس زيفه فقط حال إستيقاظنا من النوم.

- الشعور كوعي قصدي عقلي هو وسيلتنا الوحيدة في إدراكنا عالم الموجودات الخارجية من حولنا. بخلاف مدركات اللاشعور التي ندركها أثناء النوم في عدم إنتظامها لا يمكن مشابهتها بنفس الإدراك في حال اليقظة، والتي يعتبرهما ديكارت كلا الإدراكين في الحالتين تعبّران عن الزيف المربك لنا عندما نعجز التفريق بين صدقية مدركاتنا الشعورية باليقظة عن صدقية مدركاتنا اللاشعورية بالمنام. ولا يمكن تمرير الخلط بين إدراك الشعور هو نفسه إدراك اللاشعور في إشتراكهما بخاصية الزيف. بل يكون التفريق بينهما بخاصية (الواقعية) الأنطولوجية التي يدركها العقل الشعوري الواعي بين عالم  نعيشه ضمن مجتمع تحكمه علاقات منوعة ومختلفة، وبين عالم حلمي لاشعوري تتقافز فيه صور ألأشياء التي يدركها العقل بعشوائية لا نظامية لا يمكن السيطرة الشعورية عليها.

ديكارت والحدس

يعتبر ديكارت الحدس العقلي هو المصدر الاول للمعرفة لذا لم يكن فيلسوفا تجريبيا، وبحسب تعبيره " لما كانت الافكار الواضحة والمتميزة تقوم عليها كل معرفة يقينية لا يتم التوصل اليها عن طريق الملاحظة الحسّية، فإن مصدرها لا بد أن يكون موجودا في الأفكار الفطرية" 9

نستنتج من هذا أن ديكارت يعطي الحدس ميزتين:

- الحدس عقلي وليس تجريبيا كونه يحمل برهانه في بديهيته المدركة.

- الحدس فطري وليس مكتسبا من التجربة الحسيّة في المعرفة.

برأينا أن كل ماهو عقلي حدسي يستمد يقينيته في إدراكه ومعرفة الاشياء بالفطرة حسب تعبير ديكارت هو دوغمائية تحاول تطويع العقل في الإدراك لما هو ليس تجريبيا يقبله العقل مصدره الإحساسات المباشرة التي ينكرها ديكارت.

والحدس الفطري لا يكون عقليا بمعنى أنه لا يكون مصدره العقل كيقين لا يقبل النقد المشكك به، فكل ما لا يخضع لتجربة العقل لا يكون يقينيا صادقا يصدرفطريا عن العقل، وكل معرفة حسيّة تصدر عن العقل هي معرفة تجريبية، العقل لا يحدس الاشياء بيقينية قاطعة واضحة ومتميزة لا تحتاج البرهنة عليها كما يرغب ديكارت أن تكون مستمدة من العقل صادرة عنه بالفطرة في إلغاء سلسلة منظومة الإدراك العقلية. الافكار الفطرية إذا ما كانت مقبولة فاعليتها فهي عاجزة تماما عن مجاراة متغيّرات الواقع الإدراكي للعقل، بمعنى ليست الفطرة تقود العقل بل العقل يقود الفطرة ليس كقوالب سابقة قبلية تصب بها وتستوعبها. كل معرفة لا تأخذ بمبدأ تجريبية ما هو مدرك للعقل، كل ماهو فطري يرجع الى تراكم خبرة معرفية مكتسبة، والعقل يدير إدراكاته لموجودات العالم الخارجية ليس بالإحساسات الخادعة وحدها بل يدركها بما لا يمكن تعارضها مع تجريبية العقل وليس في تطويعها لحدس العقل كوثبة مقفلة على يقين يحتمل مفقوده التجربة البرهانية ليكتسب صحة التسليم بصدقه اليقيني. يمكننا ألقول أن ألحدس لا عقلي ولا فطري بل هو إحساس يوجهه الإنفعال النفسي الميتافيزيقي الذي يركن تجريبية العقل الحسيّة جانبا.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

...................

الهوامش

1- د امل مبروك /الفلسفة الحديثة/ ص69

2- نفسه ص 70

3- نفسه ص 77

4- نفسه ص 77

5- نفسه ص70

6- نفسه ص 82

7- نفسه ص 83

8- نفسه ص 83

9- نفسه ص 90

10- نفسه ص 84

 

زهير الخويلديترجمة: د. زهير الخويلدي

"كل فلسفة من حيث هي نقد للخطاب تمكننا من فهم ما يعنيه"

من لم يجد الفلسفة مجردة أكثر من اللازم، أو لغتها شديدة الغموض، أو أن فلاسفتها طنانين بعض الشيء، يريد أن يملي الطريقة التي يعمل بها العالم. في مواجهة التيار، كان جاك بوفيريس أحد المدافعين الكبار عن المنطق الحديث والفلسفة التحليلية التي ساعد على إدخالها في فرنسا. إذا كان هذا هو الحال، فكيف يمكننا أن نفسر أن جاك بوفيرس، الذي توفي في 9 مايو، والذي رفع الفلسفة إلى مرتبة "رياضة فكرية" وتتطلب الوضوح والدقة، لا يزال غير معروف لعامة الناس؟ ولد جاك بوفيريس عام 1940 في إبينوي (في الجورا)، أصبح الفيلسوف المتخصص في فتجنشتاين، ابن فلاحين أستاذاً في كوليج دو فرانس، في 9 مايو 2021.وشغل منصب أستاذ في كوليج دو فرانس من 1995 إلى 2013. بعيدًا عن الصورة التي عادة ما تكون لدينا عن الفلسفة، رفض النخبوية والمسافة الوهمية التي يسعى إليها بعض الفلاسفة لتأسيس مع المواطنين العاديين. كما يذكرنا تلميذه جان جاك روسات:"بالتأكيد لا توجد فلسفة بوفريسية، بمعنى أن بوفيريس ليس لديه أطروحة أو حتى على الأقل نسق. ولكن هناك خيارات، وحتى المزيد من الرفض، المصمم للغاية، وكذلك الحيرة التي لا تقل أهمية عند فيلسوف منتبه إلى الفروق الدقيقة والتعقيدات. "

الواقع الملموس مقابل الأفكار المجردة

نحن لا نعتبر البشر حمقى! إليكم أول نقد بدا أن بوفيريس يوجهه إلى الفلاسفة الفرنسيين والمثقفين الآخرين. في الواقع، لبناء نظريات ومفاهيم منفصلة عن واقعنا المعاش، يعمل الفلاسفة كـ "ديكتاتوريين فكريين" يحرمون المواطن من واقعه باسم النظرية. لذلك، لأننا جميعًا لدينا السبب والإمكانيات لتطوير لغاتها، لم يستطع بوفيريس دعم أولئك الذين يريدون منا أن نعتقد أنهم وحدهم القادرون على التفكير في واقعنا بناءً على الأدلة. من بين التقنيات المستخدمة لهذا الغرض، يمكننا الاستشهاد بأسلوب الكتابة، وتشكيل المفاهيم المجردة أو تسليط الضوء على مشاكل لا علاقة لها بواقع حياتنا البشرية. أيضًا، بالنسبة له، "هذا الميل العام في الفلسفة لأن تكون تلقائيًا أكثر تجريدية مما هو ضروري يتطلب، في الواقع، وبسرعة كبيرة جانبًا غير أخلاقي إلى حد ما، لأنه يتوافق مع نوع من إنكار ما هو بالضبط أكثر واقعية للبشر، بدءًا من مع وجودهم ومعاناتهم ". منذ ذلك الحين، يدعونا إلى احترام المواطن العادي والواقعي من خلال إعطاء الأولوية للحجج العقلانية والنقدية بدلاً من محاولة الإغواء بالحروف الجميلة. للجميع أن يرفضوا بناء أو الانضمام إلى هذه الأبراج العاجية المفاهيمية لصالح مواجهة الأسباب، بدقة وصارمة، حول الواقع والوقائع التي نعيشها.

السخرية "كشرط مسبق للعقلانية"

العقلانية والصرامة والدقة لا تخلو من السخرية. إذا قدمنا جاك بوفيريس إلى كبار الساخرين مثل كارل كراوس، فهو شخصية لا جدال فيها فيما يسميه "العقلانية الساخرة". كما يشرح لجان جاك روسات في مقابلة خاصة بالسيرة الذاتية (الفيلسوف والواقع، 1998): "كلما كانت الحقيقة الحقيقية هي المنافسة الاقتصادية والسوق والربح، يبدو أننا بحاجة إلى المزيد من الأشخاص. وهو ما يذكرنا بذلك. لنا أن الأفكار والمثل العظيمة تظل أساسية، حتى لو تناقضت في براءة اختراع وحتى بطريقة لا تطاق مع هذا الواقع. هذا هو السبب في أنه لا يمكن أن تكون هناك عقلانية بدون جرعة جيدة من السخرية. "سوف نفهم، هنا، أن الأفكار العظيمة ليست مرتبطة بالمثالية بل بالعودة لتلك المُثُل العليا للعقل أو الحقيقة أو المعرفة أو حتى الديمقراطية الضرورية جدًا لحياتنا البشرية. وأيضًا، عندما ينخرط البشر في طرق اللامعقول، والحرب، والمنافسة الدائمة، وملك المال، فإن المفارقة تحفظ من السخرية من كل من ينتقد النقد (الذي يمكن للمرء أن ينتقد سذاجة معينة بسببه) من الذي يستقبله (اكتشاف وراء هذه المفارقة المكتسبة، حجة دقيقة وصارمة).

إخضاع الرغبة في الحكم إلى واجب "الفهم"

بالنسبة لجاك بوفيرس، يعد الكاتب والروائي روبرت موسيل أحد أعظم المفكرين في عصرنا. وجد صديق المعرفة والحقيقة في عمله الرغبة في فهم الواقع بأمانة. علاوة على ذلك، في موسيل كما عند بوفيرس، نجد رغبة في فهم الفروق الدقيقة، وليس الاستسلام للتبسيط، والتأكيد على الصعوبات الحقيقية للفكر في مواجهة حقائق معينة. علاوة على ذلك، أدى هذا الاهتمام بالصدق في الفهم إلى إبداء التعليق التالي على الالتزام السياسي) ولكن عليك أن تكون مستعدًا لتجاهل أو إهمال الكثير من الأشياء. عليك أن تحذف وتبسط، وهو ما أجد صعوبة في الموافقة عليه دائمًا. لهذا السبب ربما لم يكن بإمكاني أن أصبح ناشطًا سياسيًا جيدًا. وهذا يعني شكلاً من أشكال الانحياز في الاقتناع الذي أشعر بالاشمئزاز منه جوهريًا. " هكذا تحدث جاك بوفيرس، الذي قلنا القليل عنه فيما يتعلق بثراء عمله. ومع ذلك، فإن هذا تقدير للشخص الذي فتح الطريق لي للتفكير بحرية وجادة وصدق. تبدو الحاجة ماسة لقراءتها وإعادة قراءتها في هذه الأوقات التي تتوسع فيها اللاإنسانية حدودها حتى نواصل العيش والتفكير بأقدامنا على الأرض." بقلم أسامة بويس

خاتمة:

"إذا كان العائق، مثل الفشل، يفرض وقتًا للتوقف، فإنه لا يوقف المسار بشكل نهائي. و يمكن تقييم خطورة الفشل من حيث القيمة الموضوعة على الهدف."

من ناحية مغايرة يمكن لثلاثة فلاسفة عظماء أن ينيرونا، ويعطينا عناصر لاقتصاد عقلاني للرغبة.

مع ديكارت، حدد حدود رغباتك:

في القاموس، يُعرَّف الفشل ببساطة على أنه نقيض النجاح. ولكن، بخلاف هذا الوضوح، ماذا يعني النجاح، إن لم يكن الحصول على النتيجة التي تمناها بالضبط؟ لذلك لن يكون هناك نجاح إلا بالإشارة إلى توقع. لذلك لا يوجد شيء اسمه الفشل من حيث القيمة المطلقة. مثل النجاح، فهو دائمًا مرتبط بهدف معين، تم تقييمه مسبقًا، وبالتالي يمكننا أن نتساءل بالفعل عن مدى ملاءمة هذا التقييم، اعتمادًا على الموارد (من جميع الأنواع) المتاحة، والاحتمال الموضوعي للوصول إلى الهدف. لا يتعلق الأمر بأي حال بمنع كل الأحلام أو الطموح. لكن هل يمكن إشباع كل رغباتنا؟

لأن الفشل هو بطريقة ما أفق العمل البشري، حيث أن النجاح ينطوي على الكثير من الأشياء الخارجة عن إرادتنا. عليك أن تعرف كيف تحزن على القدرة المطلقة، وتتخلص من الوهم القائل بأن كل شيء ممكن. هذه هي الحكمة، من الإلهام الرواقي، التي يدافع عنها ديكارت في "المبدأ الثالث" لـ "الأخلاق بالتدبير"، في الخطاب حول المنهج: "كانت مقولتي الثالثة هي أن أحاول دائمًا التغلب على نفسي بدلاً من الثروة، والتغيير رغباتي في أن يكون ترتيب العالم ... بحيث بعد أن نبذل قصارى جهدنا في لمس الأشياء خارجنا، فإن أي شيء يفشل في النجاح هو في نظرنا مستحيل تمامًا. بالنسبة لأولئك الذين بذلوا قصارى جهدهم، فإن الفشل ليس أكثر من حدث، مؤسف باعتراف الجميع، على عكس آمالهم، ولكن لا داعي لأن يكونوا غير سعداء لأنفسهم. الشيء الرئيسي هو أن تفعل كل شيء ممكن. هذا يكفي لمعرفة ما سيطلق عليه سبينوزا "قناعة الروح"، مرادفة لـ "الغبطة".

مع باسكال، أعط الأولوية لأحلامك

هل بعض الإخفاقات أخطر من غيرها؟ يمكننا تقدير الجدية في ضوء القيمة الموضوعة على الهدف. ولكن يمكن الحكم على هذه القيمة إما في ضوء التفضيلات الشخصية البسيطة (سأكون سعيدًا جدًا لأن أصبح عضوًا في "السلك الكبير" المرموق لمفتشي المالية!)؛ إما كجزء من سلم هرمي، تحديد "أوامر" النجاح، إلى حد ما أو أقل أهمية وفقا لمبدأ واضح ويمكن الدفاع عنه. عندئذٍ ستكون شدة الفشل، مثل أهمية النجاح، دالة على القيمة الجوهرية لـ "مساحة النجاح" حيث يحدث. هذا ما يدعونا باسكال، في كتابه أفكار، إلى فهمه من خلال تمييزه لـ "الرتب الثلاثة": "ترتيب الأجساد، ترتيب الأرواح، نظام الإحسان. ". كل "نظام" له عظمته الخاصة: "إن عظمة أهل الروح غير مرئية للملوك، للأغنياء، للقائد، لكل هؤلاء العظماء من الجسد. عظمة الحكمة ... غير مرئية للجسد، ولشعب الروح. هذه ثلاث مراتب مختلفة للجنس. “ان "عظماء الجسد" يرون من خلال عيون الجسد. "العباقرة الكبار"، من خلال عيون العقل. الحكماء والقديسين من خلال "عيون القلب". ماذا يعني الفشل في مسابقة المدرسة الثانوية للعقل؟ وأكثر من ذلك بكثير في "عيون القلب"؟

"العظمة الجسدية"، "العظمة الروحية"، "الحكمة": عليك أن تعرف ما "يعجبك"، في أي "ترتيب" تريد أن تكون، وبالتالي تعلم أن ترى الأشياء بالعيون الصحيحة.

مع سبينوزا، تعلم كيف تعيد اكتشاف نفسك

إذا أشرنا إلى سبينوزا، فإن الشيء الرئيسي هو أن نعيش، وأن نتقدم للأمام، مع الاهتمام بتحسين الذات.

لكن الفشل حتى في أمر الصدقة ألا يبقى فاشلا؟ يؤدي الفشل، بطريقة ما، إلى إبطاء تدفق الرغبة. أليست هي، إذن، سيئة في حد ذاتها؟ نحن مدعوون لتحديد الرغبة بشكل أفضل. مع أخلاقياته، سيساعدنا سبينوزا على التقدم في معرفته. بالنسبة له، "الرغبة هي النزعة المصحوبة بالوعي بهذا الاتجاه نفسه". "الميل (الشهية)" ليس سوى جوهر الإنسان. لدرجة أن "الرغبة هي جوهر الإنسان ... أي الجهد الذي يثابر الإنسان من خلاله على كيانه". ان الشيء الرئيسي إذن هو الحفاظ على "الكوناتوس"، أو جهد الوجود للمثابرة في كيانه. تكون الرغبة دائمًا، في حد ذاتها، إيجابية، لدرجة أن "السعادة تتمثل في قدرة الإنسان على الحفاظ على كيانه". فماذا إذن يوصينا العقل؟

"العقل يتطلب أن يحب كل شخص نفسه، وأن يبحث عما هو مفيد له حقًا، وأن يرغب في كل ما يقود الإنسان حقًا إلى كمال أعظم، وبوجه عام، يسعى كل فرد، وفقًا لقوته، إلى الحفاظ عليه. كيانه. ولكن بعد ذلك، لا ينبغي أن يكون الفشل قادرًا على إطفاء الرغبة. الفشل مجرد فرملة عابرة. في حين أنه يمثل وقفة على خط معين من التنمية، فإنه لا يعني وقف التنمية في حد ذاته. سيستمر هذا حول العائق، حيث يدور التيار ويمر بالصخرة مما يؤخره فقط لفترة قصيرة. ان الشيء الرئيسي هو العيش، والمضي قدمًا، مع الرغبة في تحسين الذات (في "ترتيب" يستحق التقدير). عليك أن تعلم طفلك أن يحافظ على الرغبة في الرغبة، من أجل محاولة تجاوز نفسه دائمًا، وبالتالي تجربة السعادة الدائمة ... الشيء الرئيسي إذن هو الحفاظ على "كوناتوس"، أو جهد الوجود للمثابرة في كيانه. تكون الرغبة دائمًا، في حد ذاتها، إيجابية، لدرجة أن "السعادة تتمثل في قدرة الإنسان على الحفاظ على كيانه". فماذا إذن يوصينا العقل؟

"العقل يتطلب أن يحب كل شخص نفسه، وأن يبحث عما هو مفيد له حقًا، وأن يرغب في كل ما يقود الإنسان حقًا إلى كمال أعظم، وبوجه عام، يسعى كل فرد، وفقًا لقوته، إلى الحفاظ عليه. كيانه. ولكن بعد ذلك، لا ينبغي أن يكون الفشل قادرًا على إطفاء الرغبة. الفشل مجرد فرملة عابرة. في حين أنه يمثل وقفة على خط معين من التنمية، فإنه لا يعني وقف التنمية في حد ذاته. سيستمر هذا حول العائق، حيث يدور التيار ويمر بالصخرة مما يؤخره فقط لفترة قصيرة. الشيء الرئيسي هو العيش، والمضي قدمًا، مع الرغبة في تحسين الذات (في "ترتيب" يستحق التقدير). عليك أن تعلم طفلك أن يحافظ على الرغبة في الرغبة، من أجل محاولة تجاوز نفسه دائمًا، وبالتالي تجربة السعادة الدائمة ...

 

كاتب فلسفي

.........................

الرابط:

https://theconversation.com/jacques-bouveresse-ou-comment-penser-les-pieds-sur-terre-162125?utm_term=Autofeed&utm_medium=Social&utm_source=Facebook&fbclid=IwAR2v_-hzREDSjBwwRCNrEUn5fScGp25Zs6fKq2fTjkS7zXFettmASDkuyLo#Echobox=1623197090

 

محمد كريم الساعديإنَّ الاعمال المسرحية اليونانية القديمة التي نظّر لها الفيلسوف اليوناني (أرسطو طاليس) في كتابه (فن الشعر) والذي دوّن فيه أهم الخصائص المسرحية الخاصة بالمأساة والملهاة وغيرها من فنون الشعر، إذ كان" لليونان ادب عال تأثر به الرومان وقلدوه، وعرف أدب هاتين الأمتين- فيما بعد – بالقديم والكلاسيكي وتنكرت القرون المتوسطة بقيادة الكنيسة لهذا الأدب لأنه يقوم على الوثنية .ولكنها لم توجد البديل والتزمت اللغة اللاتينية وهي لغة (غريبة) عن اللهجات المحلية ولا يعرفها الا القلة المثقفون ثم انها – أي الكنيسة – وقد بدأت تؤلف المسرحيات، لم يكن لمؤلفاتها حظ من الإبداع وسعة المدى "(1) التي حصلت عليها المسرحيات اليونانية و ركزت هذا المفهوم لقوتها اللغوية وجزالتها الشعرية وإبداعها في ابتكار فن جديد اصبح من الفنون التي اهتمت بها الأمم الأخرى "ومن جراء تطور هذه الدعوة وسيرها المستمر إن ساد في (فرنسا)، في القرن السابع عشر، عصر لويس الرابع عشر أدب جديد قياسا الى الأدب القديم (اليوناني-الروماني)عرف فيما بعد بالأدب الكلاسيكي الجديد ثم اختصرت كلمة (الجديد) وعرف بالأدب الكلاسيكي كأنه صار أهلا للدراسة كما كان الكلاسيكي الاول وعرف المذهب الذي يقوم عليه الادب الجديد خلال القرن السابع عشر من تاريخ فرنسا الكلاسيكية classicisme "(2) لذلك فأن لفظة الكلاسيكية بشقيها القديم والجديد تطلق على المسرحية اليونانية والرومانية وكذلك على المسرحية في فرنسا في القرن السابع عشر .وهذه المسرحية في كلا الفترتين تحمل الخصائص الفنية و الاشتراطات الدرامية نفسها التي قامت عليها المسرحية عند اليونان وكما نظر لها (ارسطو) . أي أن "الكلاسيكية في صفاتها العامة تشمل انواع الادب الانساني المختلفة ولكنها في مجموع مبادئها تظهر ابرز مما تظهر في المسرحية، وفي التراجيديا على وجه الخصوص وفي اشتراط الوحدات الثلاث (الزمان المكان والحدث) المنسوبة الى (ارسطو)"(3) .

أذن، ماذا يتناول كتاب (فن الشعر) لمؤلفه (ارسطو) وخاصة في موضوعة المسرح والكتابة المسرحية، إذ "يعد من الأوائل الذين أهتموا بالدراما وعناصرها وكذلك يعد من الاوائل الذين اشاروا الى المحاكاة لأنها أمر فطري موجود عند الناس منذ الصغر، والإنسان يفترق عن سائر الإحياء بأنه أكثرها محاكاة وانه يتعلم بطريقة المحاكاة " (4) التي تظهر صورته أمام المشاهد، هذه العملية التعليمية وما تشير إليه من متغيرات توضح تشكلاته في الحياة الاجتماعية، نتيجة لهذه الصور المقدمة إمام المتلقين له . لذلك فأن الشخصية التي تتكون نتيجة هذه المحاكاة ويستفيد منها الإنسان في الواقع من الممكن أن توظف في الشخصيات الدرامية إذا أراد المؤلف أن يحاكيها ويقدمها بوصفها تمثل واقعا ملموسا له دوره في انتاج ثقافة معينة، لذلك فأن المحاكاة عند اليونان أسهمت في تطوير الفنون ومن ضمنها المسرح، الذي انتج الشخصيات الدرامية اليونانية بمختلف مسمياتها (المأساوية أو الكوميدية)، ومن هما فأن (أرسطو) يشير الى هذه الخاصية بقوله" لما كان المحاكون انما يحاكوه أفعالاً، اصحابها هم بالضرورة أما اخيار، أو اشرار لأن اختلاف الاخلاق يكاد ينحصر في هاتين الطبقتين إذ تختلف أخلاق الناس جميعا بالرذيلة والفضيلة فأن الشعراء يحاكون أما من هم افضل منا، أو أسوأ، أو مساوون لنا، شأنهم شأن الرسامين "(5) الذين يقدّمون صورةٍ من محاكاة نماذج من الحياة العامة تقع في هذه المستويات الثلاثة التي اشار إليها أرسطو وهي الأعلى، أو الأدنى، أو المتساوي يحاكيه من صور الشخصيات الانسانية التي انطلقت في القرنين(الخامس والرابع قبل الميلاد)بمجموعة من الأعمال المسرحية لعدد من كتاب المسرح الاغريقي والذين تطورت على أيديهم،  فالدراما " اليونانية كما نعرفها والتي تطورت حديثا نسبيا ظهرت بعد أن كان لدى اليونان تراث ممتد وثري من الشعر الملحمي والغنائي وغيره من الشعر غير الدرامي، كانت الدراما جوهرياً أبداعاً لأثينا الكلاسيكية، كان كل كتاب المسرح الذين اعتبرت أعمالهم من الكلاسيكيات لاحقا نشيطين في أثينا في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد (زمن الديمقراطية الأثينية) ويعود تاريخ كل المسرحيات عبر الزمن إلى تلك الفترة"(6) التي جسدت صورة الانسان في المسرح الاغريقي ومن بينها مسرحيات الثلاثي (اسخيلوس وسوفوكلس ويوربيدس).

إنَّ ما يميز المسرح الاغريقي درامياً أن موضوعاته قد تناولت حكايات متنوعة ومتغيرة عن بعضها البعض ومختلفة من كاتب الى أخر، حسب اعتقاداته ورؤيته لطبيعة تكوين الصورة الدرامية في هذه المسرحيات، لذلك فقد تميزت المسرحية اليونانية بالاتي:-

1- إنّ المسرحية اليونانية تعود نشأتها وجذورها الى المجال الديني الطقسي المستمد من العبادات اليونانية القديمة وهي قائمة على المحاكاة وهي المصدر الرئيس والخاصية ذات التركيز على الأفعال النبيلة التامة المستمدة بعضها من هذه الجذور الدينية ودورها في بلورة الحدث الدرامي التي شكلت بدورها صورة البطلة في النص المسرحي الاغريقي.

2- إنَّ المسرحية اليونانية ذات أثر وعظي وتأثير توضح أهمية الجانب الطقسي الديني أمام مصير الانسان والصراع المتبادل على الظهور في صورة الصراع الدرامي في المسرح الاغريقي.

3- تميزت المسرحية اليونانية بالتركيز على عنصر التطهير من أجل خلق جو من الترتيب والحضور بعيداً عن مشاهد الدماء أمام الجمهور لإيصال صورة من مصير البطل الدرامي، وأن الشخصية الدرامية فيها دائما مسيرها نحو مصيرها وبفعل القدرية .

4- تميزت المسرحية اليونانية بان الشخصية الدرامية المقدمة تدور في فلك نظام من الأخلاق والتي عدها (أرسطو) شرطا أساسيا في الكتابة الدرامية، وتقدم بأسلوب الشعر (7).

هذه الميزات في المسرح الاغريقي ساعدت على إيجاد صيغ درامية تقدم من خلالها الشخصية في موضوعات تهتم بجانب بناء صورة الانسان في المسرحية وكيفية كلن الظهور الدرامي في المسرح عند اليونان، ولكن هل ان الصورة تأتي بشكل واحد بين صورتي (الانسان) بجنسيه الرجل والمرأة عند (ارسطو) في كتابه (فن الشعر)؟ أم أن (أرسطو ) يعطي هذه الصفة فقط للرجل على حساب المرأة في مجال الفن الدرامي الاغريقي من خلال بداً من الاخلاق التي تحكم تصرفات الشخصية الدرامية في مآسي اليونان وإنّ "الاخلاق عند (أرسطو) تختلف عند الرجل وعند المرأة وفي الصغير والكبير ثم من الاخلاق ما هو فطري وما هو مكتسب ونزوع الشخص إلى خصائص بعينها يصبح طابعاً يميزه عن غيره من شخصيات المسرحية، ويجب أن تتوافر في شخصية البطل أربع سمات أهمها النبل الذي يجعلنا نرثى له ونعجب به ثم أنسجام صفاته المكتسبة مع خلقه الفطري، والتشابه بينه وبين ما ترويه المأساة عنه، ثم التمسك والاصرار، وبنصح (أرسطو ) مؤلفي المآسي بأن لا يقعوا في تصوير العواطف"(8)، ان الاختلاف الذي ينبه إليه (ارسطو ) بين الرجل والمرأة في الاخلاق والدور الذي يقومان به بحسب النص الدرامي وهو يرجع هذا الى الخطأ الذي تمارسه المرأة في تشكيل العقدة المسرحية.

وهذا الخطأ في شخصية البطلة أو البطل، هو جاء نتيجة فهم (أرسطو) لأحداث المآسي اليونانية التي قد يكون الدور المسرحي في النص المأخوذ في موضوعاته في بعض الاساطير اليونانية، و"ارسطو يقول:أن هذا البطل ينتقل من السعادة الى الشقاء .. ويقول: أن هذا الانتقال لا يكون سببه أن البطل شرير أو سيء الخلق، لأنه لو كان كذلك لما اثار فينا مشاعر الرأفة به والعطف عليه، وكذلك يجب ان لا يكون الانتقال من السعادة الى الشقاوة من حظ الشخص الطيب الخالي من النقص، لأن هذا لو حدث لا يثير فينا إلا الاحساس بالدهشة، وأرسطو يرى أن بطل المأساة لابد أن يكون وسطاً بين هاتين الحالتين، فيكون فيه جانب الخير وجانب الشر، وهو الذي يجلب على نفسه الشقاوة بخطته وسوء احكامه "(9) وهذا ما استقاه من قراءته لدراما الاغريق في مسرحيات مثل الثلاثية الاورستية وشخصية الانسانية للمرأة التي تمثلت بدور حملت معه بسوء سلوكها وتصرفاتها .مما تمثلت بدراما اغريقية تبين دورها وافعالها التي رفضتها فلسفة (أرسطو) عن أن المرأة حسب رأي (أرسطو) ليس لها الحق في القيادة أو تقرير مصيرها حتى وأن كانت صائبة في رأيها .إنَّ المسرحية الاغريقية قسمها ارسطو إلى عدّة عناصر وهي " الحبكة، والشخصية، واللغة الفكرة، والمرئيات المسرحية، الغناء، وتشكل هذه العناصر في مجموعها وحدة متكاملة لا تكاد تنفك عن بعضها البعض فلا وجود لاحد بمعزل عن الاخر (...) والشخصية أو الأخلاق التي تدل على الجانب الأخلاقي الذي يصدر عن الشخصية ويحدد نوع إرادتها ومقدراتها الفعلية "(10) في تطبيق هذه الأفعال في العمل الدرامي .

وتعد الشخصية هي الصورة الدرامية التي توضح جانب تشكلات في الدور الإنساني التي تبرزها الأفعال التي تقوم بها الشخصية المسرحية على مستوى النص المسرحي عند الإغريق، وبيّن ارسطو من خلال كتابه فن الشعر هذه التشكلات الانسانية في فقرة الأخلاق ويقول أن العادات التي هي جزء من الأخلاق فإنها تأتي على أربعة تصورات:-"

1- إنَّ تكون العادات تؤثر بالفعل الدرامي في الاعتقاد أي تكون حال كل واحد من هذه العادات .

2- ذلك الذي يصلح وأن العادة التي هي للرجل قد توجد إلا أنها لا تصلح للمرأة ولا أيضاً أن ترى فيها البتة .

3- الشبيه بذلك:أن الذي له العادة غير ذلك الذي له عادة جيدة إن كان يصلح أن يفعل أيضا كما تقدم فقيل.

4- وأما الرابعة فذاك المتساوي وذلك أنه كان أنسان مما يأتي التشبيه والمحاكاة سادياً"(11) .

إنّ هذه العادات التي يرى فيها (أرسطو)أربع مسارات تعطي الصورة الملائمة للشخصية الدرامية وهي التي تقوم على تحديد معين للأخلاق والصفات التي تنطبق على جنس دون آخر كما في النقطة الثانية التي يميز بها بين الجنسين . حتى وأن كانت داخلة ضمن صفات الدور الذي تمارسه النساء في حال أقدمت المرأة على ممارسة هذا الدور .

 

أ. د. محمد كريم الساعدي

..........................

الهوامش

1- علي جواد الطاهر، الخلاصة في مذاهب الادب العربي، ط1، بيروت: دار الرائد العربي،  1984،  ص 13.

2- نفسه، ص 14.

3- نفسه، ص 16.

4- جبار عودة العبيدي، ود. صلاح مهدي القصب، مدخل في الدراما وتدرجها التاريخي، صنعاء:دار الفتح للنشر والتوزيع،  1992، ص 6 .

5- ارسطو طاليس، فن الشعر، ترجمة: عبد الرحمن بدوي، بيروت: دار الثقافة ،  1973، ص7، ص8.

6- مارتن بانم، موسوعة المسرح، المجلد الثالث، ترجمة: محمود كامل، علي الغفاري، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2018، ص247.

7- ينظر: د. جبار عودة العبيدي، ود. صلاح مهدي القصب، مصدر سابق، ص14-15.

8- دريني خشبة، اشهر المذاهب المسرحية، القاهرة:وزارة الثقافة والارشاد القومي، الادارة العامة للثقافة، ب، ت ، ص 6.

9- نفسه، ص 8.

10- باسم الهاشمي، الخصائص التأليفية في الدراما، دمشق:افكار للدراسات والنشر والتوزيع، البصرة: دار الفنون والآداب ، 2018، ص19، ص20.

11- ارسطو طاليس، مصدر سابق، ص 115.

 

علي رسول الربيعيلقد تناولت في دراسات سابقة الادعاء القائل بأن الجماعات ذات الأمتيازات ستهيمن في أطار التداول حتما على الأقليات المحرومة، لأن هذه الجماعات سوف تهيمن على مجريات النقاش العام؛ وجوابي هو: أن هناك أسباباً كثيرة تنبع من الحالة المثالية للتداولية نفسها لصالح أشكال النقاش التي لا يحدث فيها  مثل هذا. لكنني قلت إن هناك مشكلة أعمق هنا، وهي مسألة ما إذا كانت فكرة المداولة ذاتها - فكرة اتخاذ القرارات من خلال عملية محاججة  منطقية تسود فيها الحجج  الأكثر وزنا في النهاية - لاتكون منحازة ضد الجماعات المحرومة. هذا هو مطلب يونغ في حقيقته عندما تقول أن المداولات  تمنح أمتياز  للخطاب "الرسمي والعام"، بوصفه خطاب "نزيه و "ينطلق من المقدمات الى الخلاصة بطريقة منظمة تحدد بنية الاستدلال".  تؤكد ساندرز، أيضاً، أن المداولات تتطلب حديثًا "منطقيًا، وموجهًا لمشكلة مشتركة" بدلاً من الحديث "العاطفي والمتطرف الذي ينتج المصالح الخاصة" وينحاز اليها.[1] يؤكد كلاهما أن قواعد التعبير المقبولة ذات طبيعة تميزية ضد والأقليات والنساء ايضا كمثال لاسيما في المجتمعات التقليدية، التي يجب يفسح لها المجال لتقديم وجهات نظرها ومطالبها بطريقة أو أخرى. وفقًا لـ يونغ وساندرز، فإن ما تحتاجه المجموعات المحرومة ليس المداولة على الإطلاق، ولكن أشكال التفاعل السياسي الأخرى التي يمكن أن تظهر فيها وجهات نظر هذه الجماعات واهتماماتها الخاصة بوضوح أكبر، وهو ماتقوم بتفصيله يونغ وساندرز.[2]

لسوء الحظ ، قدم مؤيدو الديمقراطية التداولية روايات مختلفة إلى حد ما عن أساليب التفكير التي يتطلبها التصور التداولي المثالي. مستوحاة إحدهن من عمل جون راولز، حيث قدمت تلك الروايات ببلاغة في سلسلة من المقالات كتبها جوشوا كوهين يصف فيها الإجراء التداولي المثالي بأنه ينطوي على "التفكير العمومي".[3] ويتطلب هذا من المشاركين في المداولات أن يقتصروا على المجادلة بشأن المقترحات التي يفضلونها بطريقة محددة: يجب عليهم تقديم أسباب، يعتقدون أنه يجب على الآخرين قبولها، بغض النظر عن التزاماتهم الشخصية المختلفة. وكما يقول كوهين:

"لن يؤدي الأمر ببساطة إلى تقدم الأسباب التي تجعل المرء  في الموقع الصحيح أو المقنع: فقد يتم رفض مثل هذه الاعتبارات من قبل الآخرين الذين يعتبرون أنفسهم في الموقع المعقول والمقبول. يجب على المرء بدلاً من ذلك أن يجد أسبابًا  يقبلها الأخرين ويخضعون لها، والاعتراف بهؤلاء الآخرين على قدم المساواة، وإدراك أنهم يمتلكون ما يمكن أن يعد  التزامات معقولة، ومعرفة شيء عن هذه  الالتزامات التي  لديهم- على سبيل المثال، قد يكون لديهم التزامات أخلاقية أو سياسية التي تفرض ما يعتبرونه التزامات  جوهرية."[4]

المطلوب أن تبدأ المداولات، وفقًا لوجهة النظر هذه، من خلال تقديم حجج مفادها أن كل شخص لديه سبب للقبول، أو  بمعنى آخر حجج تحتكم الى التي أرض مشتركة - ايً  لمبادئ العدالة المشتركة، أو أفكار تتعلق بالصالح العام. فمثلا ، المطلوب أن يكون هناك احتمال كبير للتوصل إلى توافق في الآراء - إذا كان الجميع يحتكم فقط الى الأسباب التي يمكن لأي شخص آخر قبولها، فمن الصعب أن نرى كيف يمكن أن يكون هناك اختلاف جوهري حول ما يجب القيام به.  يحاول كوهين  أن يفلت من هذا الاستنتاج  من خلال الإشارة إلى أنه قد يكون هناك خلاف حول الوزن النسبي للاعتبارات التي اجتازت اختبار العقل العام، وبالتالي قد لا يزال يتعين إجراء تصويت بالأغلبية في نهاية المداولات. لكن مع هذا الرأي، فإن الجميع يؤيدون الأسباب الكامنة وراء القرار الذي تم التوصل إليه؛ إنه فقط ان البعض يعطون أوزان مختلفة لها وبالتالي يصلون إلى استنتاج عملي مختلف.

من الواضح تمر وجهة نظر راولز- كوهين بألوان متعددة لأختبار العقلانية والشرعية التي أشرت إليها في البداية. ستكون القرارات التداولية عقلانية بمعنى أنها مبررة لأسباب مشتركة بين الجميع في المجتمع المعني، وتأتي شرعيتها مباشرة من هذا المصدر نفسه. لكن في الوقت نفسه، يبدو أنها معرضة بدرجة كبيرة للنقد الذي وجهه باحثون مثل ساندرز ويونغ. لأنه يتطلب من الجماعات المحرومة عندما يطرحون قضاياهم أن يقييدوا أنفسهم  بالحجج المطلوب أن تكون  مقنعة للجماعات المحظوظة أو المهيمنة ذات الأغلبية.  وبصوغ أكثر دقة، على الرغم من أنهم لا يُمنعون رسميًا  وشكلياً من تقديم حجج معقولة من وجهة نظرهم الخاصة فقط، لكن عليهم أن يكونوا مستعدين للأنتقال إلى التفكير بالجانب العمومي إذا كان يعولون على ان تكون معقولة ومقبولة، وبالتالي يستوفون شروط الإدراج في المداولات كأشخاص.

ومع ذلك، أعتقد أن وجهة نظر المداولة هذه مقيدة للغاية: فهي تقدم وصفًا متجانسًا جدًا لنوع التفكير والأستدلال الذي يجب أن يكمن وراء قرار ما إذا كان يجب تمرير بقية مستلزمات الشرعية الديمقراطية. بادئ ذي بدء، ما لم نقتصر الديمقراطية التداولية على مجموعة فرعية صغيرة من القرارات التي قد يتعين على مجتمع سياسي ديمقراطي اتخاذها، يجب أن تكون الإجراءات التداولية مرنة بما يكفي للتعامل مع العديد من أنواع مختلفة من القضايا. وفي حالة وجود بعض المشكلات ، يكون نطاق التفكير المنطقي بالمعنى الذي يطرحه راولز- كوهين محدودًا للغاية. تتطلب بعض الأسئلة، على سبيل المثال، أولاً وقبل كل شيء أن يحدد الأشخاص تفضيلاتهم وبعد التداول يمكن أن يُبلغ الأشخاص أعضاء التداول  قرارهم النهائي فيما يخص الأفضليات المعبر عنها. إن المعلومات الأساسية  المطلوبة او التي تكون الحاجة اليها للوصول إلى قرار في حالة كهذه هي معلومات حول ما يفضله معظم الناس، وفي هذه المرحلة لا يكون الحديث إلا عن مدى ملاءمتها. قد يكون الموضوع الذي يدور حوله النقاش أو التداول  مفضلاً بشكل كبير لدرجة أنه لا توجد حاجة لمزيد من المداولات.  أما إذا كان هناك خلاف كبير، فقد نحتاج إلى تسوية إجراءمعين لحلها. في الحالة الثالثة، يجب أن يكون هناك حجة منطقية حول سبب كون هذا الإجراء هو الإجراء المناسب لاستخدامه في هذه المشكلة. لكن النقطة الأساسية هي لا يتعين على المشاركين تقديم أسباب موضوعية لدعم الموضوع أو القضية  التي يفضلونها في مثل هذه الحالة ؛ فقد يكفي أن يذكروا تفضيلاتهم والاتفاق على إجراء عادل للتوصل إلى قرار. ليست هناك حاجة  لينتقل الناس إلى أسس أخلاقية عالية وتقديم الأسباب التي تجتاز اختبار راولز- كوهين فقط.

قد تكون المشكلة ، في حالات أخرى، هي أن الناس ينتقلون إلى أسس أخلاقية عالية بسرعة كبيرة، بمعنى أنهم يجدون أنفسهم يجادلون حول قواعد أخلاقية متضاربة ومع ذلك يعتبرونها اساسية. تكمن الصعوبة في أنه إذا طبقنا اختبار راولز- كوهين، فسيتم تقليص كلا الجانبين في صمت لأنهما يعلمان أن الحجج التي يريدون تقديمها لن تكون مقنعة لأولئك الذين يختلفون معهم. وهكذا، فإن المدافعين المؤيدين للحياة عادةً ما يبنون حججهم على افتراضات دينية حول قدسية الحياة التي لايمكن توقع أن يشاركهم فيها  العلمانيون. إذا كان للمداولات أن  تمضي قدماً هنا، فيجب أن تتخذ شكل البحث عن حلول لا يجدها أي من الطرفين بغيضة أو غير مقبولة تمامًا. تحدث جوتمان وطومسون، في مناقشة توضيحية للقضية، عن "اقتصاد الخلاف الأخلاقي".[5] يتضمن هذا أولاً وقبل كل شيء اعلان أنك تحترم الأسباب التي قدمها خصومك على الرغم من أنك لا تشاركهم فيها أو لاتؤيدها، وأنك تدرك عمق وصدق التزاماتهم. ثم ينطوي على إيجاد حلول عملية لا تسيء إلى هذه الالتزامات بشكل صارخ.

سوف تنطوي المداولات بالفعل، في بعض الأحيان، على التماس مبادئ جوهرية يشترك فيها الجميع تقريبًا في المجتمع السياسي. ويبرز هكذا  بشكل واضح في النقاش حول السياسة التعليمية مثلا، عندما يتبين أن هناك اتفاق عام  على  مبدأ تكافؤ الفرص حول  ضرورة  أتاحة  فرص نفسها لتعليم الأطفال بغض النظر عن جنسهم أو طبقتهم أو خلفيتهم العرقية. لكن بدلاً من التذرع بهذا المبدأ لأنه يجتاز اختبار الرفض المعقول، يمكن ان يتم تبنيه وتطبيقه لأنه تبين أثناء المناقشة أن هذا المبدأ يؤيده الجميع بالفعل. بمعنى آخر، يبدأ الناس في النقاش حول التعليم من مجموعة متنوعة من وجهات النظر، يرتبط بعضها ارتباطًا وثيقًا بقيمهم الشخصية أو معتقداتهم الدينية، لكنهم سيدركون مع تقدم النقاش أن الحجج التي يقدمونها لا ترضي الآخرين. وبدلاً من أن تكون المداولات شرعية فقط عندما يقتصر المتداولون على التفكير العام بمعنى راولز - كوهين ، فإن الاقتراح هنا هو أن البحث عن اتفاق سيكون بمثابة مرشح (فلتر) على أنواع طبيعة وأسباب والبواعث التي تسود النقاش، ويتم التخلص من الأسباب الخاصة بجماعة بعينها على وجه التحديد لأنه يتضح لمؤيديها أنهم لن يحظوا بموافقة واسعة. ليس من الضروري تحديد أنواع الأسباب المسبقة المسموح بها لتحديد السياسة مسبقًا،اذا يمكن تعتمد عملية التداول  بدلاً من ذلك لتحديد الأسباب المقبولة عمومًا.[6]

يمكن القول عن طريق الانتقاد هنا أن الديمقراطية التداولية لا تتطلب سوى إقناع الأغلبية بصحة سياسة معينة: قد يكون الإجماع هو المثل الأعلى، لكننا نعلم أنه في معظم الحالات، لا يمكن تحقيق ذلك، ولذا يجب أن يتم اتخاذ القرارات بأغلبية الأصوات. وعلى المنوال نفسه، فإن المبادئ التي تعبر من المرشح- الفلتر-  التداولي تحتاج فقط إلى مبادئ تحضى بدعم الأغلبية - إذا كان بوسعي أن اضمن  أن معظم جمهوري يوافقون على  ذلك ، فلا داعي للقلق من الآخرين، طالما أهتمامي هو أن حججي يجب أن تسود في النقاش. إذا طبقنا معيار راولز- كوهين، على النقيض من ذلك، أنا مضطر أن أعثر على أسباب مقنعة للجميع، وهذا يعد قيدًا أقوى على التداول من الذي أقدمه.

حسنًا، أوافق على أن المداولة الديمقراطية يجب أن تشمل أكثر من مجرد البحث عن أي حجج تجلب إليها أغلبية  المشاركين في التداول. يجب أن تهدف العملية التداولية إلى اكتشاف نتائج السياسة التي تتمتع بأوسع دعم ممكن، على الرغم من أنه من غير الواقعي افتراض أن الإجماع الصارم سوف يتحقق على الإطلاق. وبالتالي، وبحساب بسيط، إذا تبين أن 51 في المائة من هيئة التداول ستدعم النتيجة (ا )، لكن 80 في المائة ستدعم النتيجة (ب)، والتي لا تختلف اختلافًا جذريًا عن ا، ولكنها تتجاهل العناصر التي يرى العديد من 29 في المائة أنها مرفوضة تمامًا ، ثم يجب أن تتوج المداولات الجيدة باختيار( ب). ما يحفز هذا الاختيار في المقام الأول هو احترام المشاركين في التداول. لديهم أسباب مخلصة لرفض (ا) أسباب لا أشاركهم بها ولا أؤيدها، ولكن يمكنني التعرف عليها وأعترف بها  كأسباب خاصة بهم . إذا كان هناك بديل مثل ب  يستوعب هذه الأسباب دون مطالبتي بالتخلي عن الكثير، فيجب أن أؤيد ذلك. علاوة على ذلك، ينبغي عليً أن أفعل ذلك ليس فقط احتراماً لأولئك الذين لا أوافق معهم، ولكن من أجل تعزيز جو عام من الثقة داخل هيئة التداول. في المرة القادمة، قد أتحول إلى أقلية لديها أسباب قوية وصادقة للاعتراض على السياسة التي تتطلب دعم الأغلبية، وسأريد أن يتم الاستماع إلى أسبابي وإذا أمكن ذلك

اقتراحي، إذن، هو أننا يجب أن نفهم التداول والتشاور ليس كمطلب  نقصر فيه أنفسنا على تقديم الأسباب والحجج التي نثني بها على أنفسها أمام أعضاء هيئة التداول، ولكن نقدمها كمطلب من أجل الوصول إلى اتفاق على شروط  ترضي الأعضاء الأخرين وقناعاتهم.[7] هذا المطلب، كما اقترح، سيكون مرشحًا  لأزالة بعض الحجج في سياق النقاش دون استبعادها مسبقًا. وبهذا الفهم حققنا إرضاءًا لكيفية عمل التداول، دعنا نعود إلى التحدي الذي تطرحه كلا من يونغ وساندرس، حيث يقولن أن التداول أو المداولات منحازة بطبيعتها ضد الجماعات المحرومة لذلك يتطلب هذا أستخدام أشكالًا أخرى من التواصل. إن وجهات نظرهم تستحق الأهتمام ، لذا  ودعونا ننظر في التهم الموجهة ضد التداول أولاً، ثم مزايا البدائل المقترحة.

من بين التهم الموجهة إلى المداولات أو التداولية من قبل يونغ وساندرس هي أن التداولية تعطي الامتياز للخطاب المنطقي وحسابات العقل البارد على حساب الكلام العاطفي والمتحمس؛ وأن التداول أو التشاور  يفضّل التفكير الرسمي والمجرّد على حساب الاهتمامات الملموسة لفئات معينة؛ وكذلك أنه يفضّل الكلام "المعتدل" على حساب الكلام "المتحمس". يكشف تفحص التهمة الأولى أنها تعتمد على انفصام زائف بين العقل والعاطفة وبالتالي هي خاطئة، بمعنى أن كل الكلام السياسي والحجة يجب أن تنقل مشاعر والتزامات المتحدث،ولكن أيضا إعطاء أسباب إما إيجابية بالنسبة لبعض المقترحات، أو سلبًية ضد بعض البدائل. صيحة الألم ليست تدخلاً سياسياً، إلا إذا كانت مرتبطة ضمنيًا أو صريحًا ببعض المقترحات لتخفيف الألم. صحيح أن بعض المتحدثين يقولون في بعض الأحيان، "إن هذا الوضع لا يطاق"، ويبينون السبب وراء عدم إمكانية تحمله، لكن  يكون هذا ذو معنى منطقي فقط في سياق يقدم فيه المتحدثون الآخرون وسائل اصلاح او علاج  يقترحونها. ولكن عندما نتحرك من الاحتجاج أو الغضب نحو الحلول، يجب تطبيق قوانين أو شرائع العقلانية القياسية - فمن الواضح أنه من غير المعقول أن تقترح كحل، سياسة تجعل الأمور تسوء فعليًا  بالنسبة للمجموعة المتأثرة، أو التي أخضعت بعض المجموعات الأخرى لأنواع المعاناة أو الحرمان التي كانت سببا في الاحتجاج بدايةً. يعد الكلام العاطفي مهماً لأنه يوضح للآخرين مدى قوة المجموعة المعنية حول الموقف الذي يجدون أنفسهم فيه، ولكن الكلام العقلاني مهم أيضًا، بسبب الحاجة إلى إقناع الآخرين بأن العلاج الذي تقترحه هو بالفعل علاج.[8] يبدو لي، في الواقع، إهانة للمجموعات المحرومة أن أقترح  أن قواعد العقلانية الجدلية  معبأة ضدهم، لأنه يعني ضمناً أنهم لا يستطيعون تقديم حجج متماسكة للتغييرات التي يريدون إحداثها.

وهناك تهمة أخرى هي أن التداول يأتي لصالح أو يفضل "خطابًا رسميًا وعامًا" وبهذه الطريقة  يعبر عن موقف تميزي ضد المتحدثين الذين يرغبون في لفت الانتباه إلى بعض المظالم الملموسة أو مخاوف مجموعة معينة. مرة أخرى أعتقد أن هذا يخلق انفصام زائف. تتخذ الحجة السياسية،  في أغلب الأحيان، شكل ربط الموقف الذي تجد جماعة معينة نفسها فيه بمبدأ عام تم تطبيقه في الماضي على جماعات أخرى ويحظى الآن بموافقة واسعة النطاق.

أخيرًا، لدينا تهمة أن المداولة تحبذ الكلام المعتدل على الخطاب المتطرف، وهو ما أخذه هنا لكي أكوًن ملاحظة  ليس  حول  طريقة الكلام  المفضلة ولكن عن جوهرها ؛ التهمة ، بمعنى آخر، هي أن المطالب والمقترحات الراديكالية المتطرفة غير مواتية، وتفضل الاقتراحات التوفيقية. أعتقد، بطريقة ما، أن هذا الاتهام صحيح بالفعل. خذ قضية مثل العمل الإيجابي الذي يحمل الناس طيفًا واسعًا من الآراء فيه - في أحد الجوانب، هناك رأي مفاده أن أصحاب العمل لهم حق التمتع  بالحرية التامة في استخدام أي شخص يحلو لهم، حتى لو كانوا متحيزين جنسياً أو عنصريًا ؛ في المقابل، هناك رأي مفاده أن العدالة تتطلب منا تطبيق حصص عرقية وجنسية صارمة لضمان تمثيل كل جماعة  في كل فرع من فروع العمل بالتناسب التام مع حجمها؛ بين هناك عدد من المواقف التي يمكن أن نصفها بأنها معتدلة. لنفترض أن أعضاء مجتمع سياسي يحملون آراء موزعة بالتساوي عبر هذا الطيف. من المرجح أن تكون نتيجة المداولات (الجيدة) واحدة من الآراء المعتدلة - لأسباب لابد أن تكون واضحة من وصفي السابق للعملية التداولية - سيتخلى الناس عن الحجج القائلة بأنهم لا يتلقون سوى القليل من الدعم العام، وسيبحثون عن حل لا يسيء بشكل صارخ لالتزامات الآخرين، وهكذا دواليك. وسوف يبحثون عن حل هذا لا يسيء بشكل صارخ لألتزامات الآخرين، وهكذا دواليك. ولكن بعد ذلك يمكن القول أن هذا هو بالضبط ما تتطلبه الديمقراطية في مثل هذه الحالة. إن الشكوى من أن أحد وجهات النظر المتطرفة - مثل وجهة نظر التي تبنى " الكوتا" أو المحاصصة بقوة، والتي قد تجتذب بالفعل دعم بعض أعضاء الجماعات العرقية المحرومة - لم يتم تبنيها، هو بالحقيقة شكوى بشأن الديمقراطية نفسها، وليس بخصوص التداول كإجراء. تقول ساندرز، في مرحلة ما، في البيئات التي توجد فيها تفاوتات جسيمة في السلطة والوضع والمكانة، قد تكون الدعوة إلى حل وسط قريبة من وضع خطير في مايؤدي الى قمع منظورات الفئات المهمشة. ومثل هذا القمع اذا ما حصل فأنه ليس حلاً ديمقراطيا ابدأً.[9] ولكن هناك فرق حاسم بين قمع منظور - عدم السماح له بالدخول في النقاش الديمقراطي، أو تجاهله عند طرحه - وهو أمر غير ديمقراطي بالفعل، وبين عدم اتباعه عند التوصل إلى قرار نهائي. باستثناء الحالات التي يكون فيها لكل شخص التفضيلات نفسها، أو يمكن أن يتفق مع مجموعة الأحكام نفسها، فلا يمكن للديمقراطية أن تساعد إلا أن تكون عملية حل وسط يتخلى فيها المشاركون عن جزء من مطالبهم الأولية من أجل التوصل إلى اتفاق. الأدعاء المقدم باسم الديمقراطية التداولية هو أنه يسمح بالنظر في كل منظور ووزنه في سياق المداولات، دون أن يكون بالطبع قادراً على ضمان أن أي منظور معين سوف يسود في النتيجة النهائية.[10]

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.............................

[1] sanders, 'Against Deliberation', p. 370.

[2] أن المداولات والمفاوضة يستبعد أحدهما الآخر بشكل قياسي في معظم مناقشات الديمقراطية التداولية. انظر ، على سبيل المثال:

J. Elster, 'The Market and the Forum: Three Varieties of Political Theory' in J. Elster and A. Aanund (eds), The Foundations of Social Choice Theory (Cam­ bridge, Cambridge University Press, 1986).

على النقيض من ذلك ، يفسح هابرماس في مجال عمله مجالاً للمساومة ضمن سرد أكثر تعددية للتداول. ومع ذلك ، فهو حريص على الإصرار على أن المفاوضة يجب أن تنظم لضمان العدالة بين الطرفين - يجب أن يكون لكل منهما "فرصة متساوية للتأثير على بعضهما البعض خلال المفاوضة الفعلية ، حتى يتسنى لجميع المصالح المتأثرة أن تلعب دورها وتؤدي إلى فرص متساوية من السائدة "

(J. Habermas, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy (Cambridge, Polity

Press, 1996), pp. 1667).

ما إذا كان يمكن وصف "المفاوضة" المقيدة جدًا بشكل صحيح على أنها مساومة. النقطة العامة هي أنه يجب على منظري التداول أن يكونوا انتقائيين بشأن ما سوف يعتبرونه مداولات إذا كانت العملية سوف تسفر عن نتائج تفي بالمعايير الأخلاقية ذات الصلة.

[3] J. Rawls, Political Liberalism (New York, Columbia University Press,1993),

J. Rawls, 'The Idea of Public Reason Revisited', Lecture VI; Univer­sity of Chicago Law Review, 64 (1997), 765-807; ).

J.Cohen, 'Deliberation and Democratic Legitimacy' in A. Hamlin and P. Pettit (eds), The Good Polity (Oxford, Blackwell, 1989),

Cohen, 'Pluralism and Proceduralism', Chi­cago-Kent Law Review, 69 (1994), 589-618;). 

[4] Cohen, 'Procedure and Substance in Deliberative Democracy’ in Benhabib (ed.), Democracy and Difference, p.100.

[5] Gutmann and Thompson, Democracy and Disagreement, ch. 2.

[6] هذا الاستنتاج يحتاج إلى تأهيل من جانب واحد: بعض الأسباب مستبعدة بمتطلبات التداول نفسها. من بين هذه الأسباب المستبعدة تلك التي تتحدى مساواة أعضاء هيئة التداول ، على سبيل المثال الحجج العنصرية التي تتمثل أهميتها في أنه ينبغي حرمان بعض الأشخاص من الحقوق المتساوية في الجنسية بحكم عرقهم ، وتلك التي تنطوي على تهديد بالعنف أو غيره من أشكال الإكراه. عند تقديم هذه الأسباب ، لا يمكن المضي في المداولات في شكل نقاش حر ومفتوح بين متساوين. في المقابل ، لا يجب استبعاد الأسباب التي تستدعي المثل العليا والقيم التي قد لا يشاركها الآخرون. كل ما تتطلبه المداولة هو الاستعداد لتبديل الموقف في حال تبين أن أسباب من هذا النوع لا تكون مقنعة.

[7] لا ينطبق هذا الشرط الأخلاقي إلا بشرط أن يتقابل الآخرون ، بأنفسهم يسعون إلى الاتفاق على شروط تحترمنا ومعتقداتنا.وهذا يعني على وجه الخصوص أن المجموعات المحرومة غير مطالبة بإظهار الاحترام للأسباب التي يقدمها أعضاء المجموعات  صاحبة الأمتيازات والمستفيدة إلا إذا كانوا واثقين إلى حد معقول من أن هذه الأخيرة سوف ترد بالمثل ، ولا تعتمد ببساطة على قوتهم التفاوضية المتفوقة للفوز باليوم. أنا ممتن لإيمي غوتمان لإصرارها على هذه النقطة.

[8] أنظر : Gutmann and Thompson, Democracy and Disagreement, pp. 135-7.

[9] Sanders, 'Against Deliberation', p. 362.

[10] في قراءة بديلة لادعائها ، قد تقول ساندرز إن القرار لا يعتبر ديمقراطيًا ما لم يعالج مطالب الفئات المهمشة. لكن هذا يتطلب منا أن نطبق معيارًا جوهريًا للعدالة على النتائج وأن نعتبرالقرارات ديمقراطية فقط اذا استوفت المعايير ، بغض النظر عن الإجراء الذي تم اتباعه. هناك مشاكل متوقعة مع هذه الخطوة. حتى لو كنا نعتقد أن الديمقرراطية التداولية هي  إجراء القرار السياسي الذي من المرجح أن يؤدي إلى نتائج عادلة ، فمن الخطأ ربط الاثنين من الناحية المفاهيمية بهذه الطريقة.

 

 

نحاول في هذه الورقة تقديم صورة عامة عن الدور الذي لعبه العلم الحديث (1) في تشكل ما سمي ب"ما بعد-الحداثة" postmodernism، وذلك بالانطلاق من الفرضية التالية: إن المعرفة العلمية قد ساهمت، ولازالت تساهم في تشكيل صورة العالم، والذات، والعلاقة ما بينهما على جميع مستويات النشاط البشري (خصوصا منه الغربي) الثقافية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية...إلخ. من ثمة، فإن لما بعد-الحداثة، شانها في ذلك شأن الحداثة، مظهرها العلمي، فما هي أبرز سمات هذا المظهر؟ وكيف عملت على "تفكيك" deconstruction الصور الذهنية الناتجة عن الحداثة؟

وصف "جون- فرنسوا ليوتار" (2) Jean-François Lyotard ما بعد-الحداثة قائلا: "إنها مشهد جديد يحط الرحال بروية." لم يقل عنها حقبة، ولا قال عنها نفيا لحقبة. إنها انتقال من العالم "كتمثل" representation، إلى العالم"كمشهد" (أو "كديكور"). فالتمثل يحيل على "ذات متمثلة"، مقابل "موضوع" ماثل أمامها، في مرمى يدها، تتملكه كشيء من "خلقها"؛ أما المشهد فأكثر انفتاحا من حيث هو يضم المشاهد نفسه، كما في عروض الشارع: صباغة ومسرحا وموسيقى...إلخ  وصف كهذا لا يحيد كثيرا عما ذهب إليه الفيزيائي "فيرنر هايزنبرغ" (3) Werner Heisenberg حين عنون الفصل السادس من كتابه "الجزء والكل" بعنوان قوي الإيحاء، وهو: "الرحيل نحو أرض جديدة". لقد شبه هذا الفيزيائي الكبير الانتقال من الفيزياء الكلاسيكية بمفاهيمها، وتصوراتها الأساسية (عن المكان، والزمان، والموقع، والسرعة، والكتلة...إلخ) إلى الفيزياء الحديثة، برحلة "كريستوف كولومبو" من أوروبا إلى أمريكا. فكما كان هذا الأخير واعيا بأن المؤن والعتاد التي بحوزته ما كانت لتكفيه إن شاء العودة إلى موطنه، فإن الفيزيائي الحديث ملزم بإعادة مراجعة شاملة لمفاهيم العلم الكلاسيكي، بل والتخلي عنها إن هو أراد إحراز تقدم في فهمه وتفسيره لما استجد من دروس التجربة. لذا فإن ما بعد-الحداثة تعبير عن انتقال من صورة picture عالم إلى أخر، انتقال من أرض "صلبة" إلى أخرى"سائلة"(4). فما هي يا ترى أهم ملامح هذه الصورة؟

أولى هذه الصور الصلبة جسدتها مقولة "الجوهر" و"الهوية" الملازمة لها. فالتغاير والتعاقب الظاهري ما كان لهما أن يشكلا موضوع تفكيرنا لولا هذا الثبات الذي يتوارى خلفهما. لازمت هذه الصورة الفكر الفلسفي منذ نشأته، بل لازمت بنية لغتنا، من حيث هي لغة "شيئية" langage chosifié، لغة صيغت خلال مسار طويل من التطور للتعبير عن "فعل الفكر" في الواقع. وبما أن الفكر ينحو "بطبيعته" إلى إيقاف المتحرك، موضوعا كان أو ديمومة، فإن بنيته لابد لها أن تعكس الثبات و"تقول" الاستقرار. لقد مثل السكون والثبات الحالة المثلى بالنسبة لمفكري اليونان، ولمن جاءوا بعدهم لأنها تلائم تصوراتنا الاعتيادية وحدوسنا المباشرة. ففي عالم تبدو أحداثه خاضعة لنوع من العود الأبدي، يصير من اليسير، بل من المنطقي التفكير بافتراض "الجوهر" و"الهوية". هذا ما يفسر القرب الوثيق لعلم القدماء (علم الإغريق، وعلم من تلقوا تأثيرهم) من تجاربنا الحسية المألوفة، يكفي استحضار هندسة "إقليدس"، وستاتيكا "أرخميدس"، فرغم ما مثله علمهم هذا من تقدم كبير في فترتهم تلك، إلا أنه ظل  سجين رؤيتهم للكون، ولخصائص الأشياء، وطبيعتها. وحتى حين أعاد الفكر العلمي الكلاسيكي، ممثلا في فيزياء "جاليلي" و"نيوتن" النظر في الإرث النظري الإغريقي، بترييضه mathématisation  للطبيعة، بإسقاط الكيفيات وإحلال الكميات محلها،  مساويا بذلك ما بين الحركة والسكون، رافضا أي أولوية أنطولوجية للأخير عن الأولى، فإنه لم يزح نهائيا مفاهيم ومقولات ذلك الإرث. يكفي للتدليل على ذلك العودة إلى التعبير الفلسفي عن الفيزياء الكلاسيكية كما جسدته فلسفة "كانط". حافظ، كما هو معلوم، هذا الأخير على مجمل المقولات الأرسطية، حتى وإن جردها من "التزامها" الانطولوجي بجعلها من صميم "الذات الترسندنتالية"، مستفيدا في ذلك من الثورة الكوبرنيكية: بدل أن تدور الذات حول الموضوع، أضحى هذا الأخير تابعا لها. هذه الذات المساوية لنفسها (ثبات هويتها باعتبارها شرط كل معرفة ممكنة، وطابعها الجوهري) خصها "لابلاس" بمكانة متميزة حين أبعد فرضية "الإله" الشهيرة في حواره مع "نابليون بونابرت"، طارحا من الناحية المبدئية تقدم متصاعد تدريجيا نحو تملك "الحقيقة النهائية" vérité ultime للكون، وهو ما توحي به استعارة "مارد لابلاس الخارق" Démon de Laplace. هذا الإيمان الراسخ هو ما دفع علماء القرن التاسع عشر إلى الاعتقاد بأنه لم يبقى هناك الكثير لبلوغ ذلك المسعى، مسعى "الحقيقة النهائية"! ما زكى هذا الاعتقاد وقواه هي تلك النجاحات التي حققتها نظرية "نيوتن" الكونية، ونظرية "ماكسويل" الكهرومغناطيسية، لدرجة لم تبقى معها سوى تفاصيل صغرى ستحسم إن عاجلا أم أجلا، هذا ما ظنه علماء القرن التاسع عشر، لكن ما أغفله هؤلاء هو، كما يقول المثل الألماني،: "أن الشيطان يتوارى خلف التفاصيل". لقد كانت "جزئية" "الجسم الأسود"، أي التفاعل ما بين المادة والإشعاع، الشيطان نفسه الذي عبد الطريق "لمشهد" "جون-فرنسوا ليوتار" و"رحيل" "فيرنر هايزنبرغ" !

من المثير أن أغلب الأعمال التي مهدت لتفكيك الحداثة والتأسيس لما بعدها صيغت ما بين أواسط القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. فإلى جانب أعمال "ماركس"، "نيتشه" و"فرويد"، اقترح هنا اسم "ماكس بلانك" Max Planck حتى وإن لم يعي حجم ما أفضت إليه معادلته الشهيرة إلا بعد مضي زمن ليس بالقصير(شأنه في ذلك شأن "كوبرنيك"، مع الاختلاف الكبير بين العالمين وهو أن الثاني مات دون أن يعي بأنه قد أحدث ثورة). صحيح أنه قد يبدو غريبا نوعا ما وضع "بلانك" ضمن لائحة من ساهموا في مشروع ما بعد الحداثة، لكن ما يجب الانتباه إليه هو النتائج الفلسفية التي تمخضت عن فكرته "تكميم" تبادلات الطاقة ما بين المادة والإشعاع. فالثابت الكوني المعروف باسم "ثابت بلانك" سرعان ما صار كونيا بعد أن تمكن الفيزيائي الفرنسي "لوي دو برويل" Louis de Broglie من تعميمه ليس فقط، كما كان، على الضوء لوحده، بل شمل أيضا عموم المادة، لتكتسب بذلك فيزياء الكوانطا صفة "النظرية الإطار" théorie cadre (كما يسميها "برنار دي سبانيا)، أي النظرية الأساس التي يمكن اعتمادها لتفسير جميع الظواهر: المجهرية منها و الماكروسكوبية، الحية منها وغير الحية. لقد نتج عن هذه الفيزياء تفكيك لمقولتي "الهوية" و"الجوهر": فالنسق الفيزيائي الكوانطي ليس خليطا من الجواهر والخصائص، فهذه الأخيرة، على الأقل بالنسبة للتأويل الارثدوكسي أو تأويل مدرسة "كوبنهاجن" المعمول به عالميا، هي نتاج تفاعل أجهزة قياس مع النسق، فالموضوع قبل هذا التفاعل لا هوية له؛ ذلك لان الحديث عن سرعته وموقعه، طاقته وزمنه هو حديث خال من أي معنى. فالمعنى ليس سابقا وحاضرا باستمرار في إنتظار "ذات منفعلة" تلتقطه، بل هو تفاعل ما بين ما أسميه "بالنص الكوانطي" texte quantique  وما أسميه أيضا"بالذات المؤولة" sujet interprétant . إن هذا الانزياح عن المعنى الواحد والأوحد، الذي يعتبر سمة من بين سمات الحداثة، هو ما تعكسه تعدد تأويلات نفس النظرية. فلأول مرة في تاريخ العلم ستحتاج نظرية لتأويل يمكنها من اكتساب دلالة ويمكنها من الكشف عن ما تريد إخبارنا به، وربما هذا ما يعكسه قول الفيزيائي "ريتشارد فينمان" حين قال: "في فيزياء الكوانطا لا نعلم عن ما نتحدث بالضبط". فالتجربة الواحدة قابلة لقراءات متعددة، ولنماذج نظرية مختلفة، نماذج تصل حد التناقض والتضارب !  وهو ما يعرف لدى الابيستمولوجيين المعاصرين ب "التحديد الأدنى للنظريات من طرف التجربة". يكفي هنا استحضار تجربة الشقين المسماة "بتجربة شقوق يونغ" fentes de Young ، والتأويلات المتضاربة التي أفضت إليها. هذه المعطيات، وغيرها كثير، تفسر لنا ما كتبه الفيزيائي و الابيستمولوجي "هيرفي تزفيرن" Hervé Zwirn حين قال:" إن المسعى المتمثل في وضع معيار نهائي يمكن على الأقل من تحديد الخطاب العلمي بالنسبة لكل أنواع الخطابات الأخرى، الميتافيزيقية، واللاهوتية والسحرية، تعترضه عوائق لا يمكن تخطيها."(5) فالخطاب العلمي هو على هذا الأساس خطاب من بين خطابات أخرى، حيث لم تعد الذات تحتل موقعا شبه "الاهي" ، موقعا "لابلاسيا" (نسبة للعالم "لابلاس") خارج العالم، بقدر ما أضحت "ذاتا محايثة" لموضوعها، مما أفقد العلم سمته المتمثلة في "الموضوعية القوية" objectivité forte ، لتتحول بذلك إلى "موضوعية هشة" (أو بلغة  الفيلسوف والسوسيولوجي "زيجموند باومان" "موضوعية سائلة" ) objectivité forte مميزة لفكر ما بعد-الحداثة (6). لقد حل ما أسميه "بالملاحظ المحايث" observateur immanent مكان "الملاحظ الترنسندنتالي"، ملاحظ هو جزء لا يتجزأ من موضوعه، ملاحظ في تفاعل دائم مع الواقع منذ ملايير السنين من التطور البشري؛ إننا جميعا نسبح داخل "حقل كوانطي" champs quantique شبيه بفكرة "الواحد" الافلوطيني Un plotinien، نسيج يجمعنا كذوات-عالم sujets-monde حيث "المركز في كل مكان دون أن يكون في مكان بعينه" (7) كما قال "نيكولاي دو كيوز" Nicolas de Cues . مع هذا "الملاحظ المحايث" إذن، سيفقد العقل الحداثي طابعه الكوني ليصير "عقلا سياقيا" raison contextuel رهين شروط، منها يستمد مقولاته ومبادئه. وعليه، أضحى الحديث عن نمط واحد من العقلانية ضرب من الوهم وتكريس لمركزية "عقل غربي" صدر عن مقدمات تخص نشأته وسياقاته النظرية في مختلف أبعادها، تماما كما هو شأن العلم الما بعد-حداثي حيث شروط ومقتضيات التجربة هي ما يحدد شكل الواقع، وما ينتظر من ذاك الواقع.

إن هذه الاعتبارات، وغيرها لم نشر إليها في هذه الورقة المختصرة، هي ما يجعلنا نقول بأنه إذا كان العلم الكلاسيكي، علم "جاليلي" و"نيوتن"، قد لعب دورا أساسيا في بناء فكرة الحداثة في تجلياتها المختلفة، فإن العلم الحديث، المتمثل في فيزياء الكوانطا، هو ما فعل فعله "السحري" في تفكيك مقولات الحداثة، والتأسيس لما بعد-الحداثة. لهذا أكرر ما كتبته في تمهيدي لترجمة كتاب الفيزيائي وفيلسوف العلم "إيتيان كلان" (رحلة قصيرة في عالم الكوانطا): "ما لم نفهم الثورة المفاهيمية التي واكبت حدث ظهور فيزياء الكوانطا، لن نتمكن من فهم عصرنا هذا بتحولاته القيمية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والفلسفية و العلمية. إن لم يتم ذلك سنبقى سجناء مفاهيم حداثة منهارة...حداثة نشأت من داخل العلم الكلاسيكي وانهارت بانهياره !"

 

الأستاذ "كمال الكوطي"، باحث في فلسفة العلوم.

......................

الهوامش

1- نقصد بالعلم الحديث علم القرن 20 و21، في مقابل العلم الكلاسيكي، علم "جاليلي" و"نيوتن" وصولا إلى نسبية "أينشتاين".

2-Lyotard Jean-François : Le postmoderne expliqué aux enfants, Editions Galilée, 1988.

3-Heisenberg Werner : La partie et le tout , Editions Flammarion, 2016, p,. 129

4-أخدنا هذه الاستعارة من أعمال الفيلسوف و السوسيولوجي "زيجموند باومان".

5-Zwirn Hervé : Les limites de la connaissances, 2000, Editions Odile Jacob, p,. 46.

6- أخدنا مفاهيم "الموضوعية القوية" و"الهشة" عن الفيزيائي والفيلسوف الفرنسي "بيرنار دي سبانيا" Bernard d’Espagnat.

7- De Cues Nicolas : La docte Ignorance, Editions Flammarion, Paris, 2013 , p,. 21