محمود محمد عليعندما وضع أرسطو تصنيفه للعلوم ميز بين ما كان منها علماً نظرياً غايته المعرفة كالفيزيقيا الرياضيات والفلسفة الأولي، وما كان منها عملياً غايته السلوك مثل الأخلاق والسياسة، وما كان منها إنتاجيا غايته إنتاج شئ جميل أو مفيد، مثل فن الشعر. أما المنطق فلم يذكره ضمن هذه العلوم . ولعل السبب في عدم اعتباره علماً من العلوم، هو أن موضوعه أوسع من أي منها . لأنه يدرس التفكير الذي يستخدم فيها جميعاً، بل يدرس أيضاً التفكير الذي لا يدخل في نطاق العلم، كالتفكير الشائع عند جمهور الناس، والذي يستخدم في البلاغة، وكذلك يقدم المنطق القواعد التي تجنب الإنسان الخطأ وترشده إلي الصواب . ومن هنا فقد عُد المنطق عند أرسطو مقدمة للعلوم تساعد علي التفكير السليم .

ويقال عن أرسطو أنه الواضع الحقيقي لعلم المنطق ؛ حيث كان له العديد من المؤلفات المنطقية التي جمعها تلاميذه وشراحه، وأطلقوا عليها أسم " الاورجانون arganun (أي الأداة أو الآلة)، وظل هذا الاورجانون المنهج الوحيد للتفكير حتي مطلع العصور الحديثة .

وقد جري العرف علي ترتيب الاورجانون الأرسطي طبقاً لاندرنيقوس الرودسي (القرن الأول ق.م) في ستة كتب علي النحو التالي: المقولات، ثم العبارة، ثم التحليلات الأولي، ثم التحليلات الثانية، ثم الطوبيقا، وأخيراً كتاب السوفسطيقا .

ويقوم هذا الترتيب علي أساس تحتويه المؤلفات . فيتناول كتاب المقولات دراسة الحدود، ويتناول كتاب العبارة القضايا، ويتنول كتاب التحليلات الأولي الأقيسة، ويتناول كتاب التحليلات الثانية الأقيسة الضرورية، ويتناول كتاب الطوبيقا الأقيسة الاحتمالية، ويتناول كتاب السوفسطيقا الأقيسة المموهة القائمة علي المغالطة (أي الأغاليط الصورية).

إلا أن أرسطو لم يتبع هذا الترتيب في مؤلفاته . ولا يوجد أي دليل يؤيد الرأي الشائع القائل بأن أرسطو قد أعتبر كل هذه المؤلفات (فيما عدا التحليلات الأولي والثانية) فصولا متتابعة في مؤلف مرتب عن المنطق .

وموضوع هذا المقال هو " القطائع المعرفية في التحليلات الأولي الأرسطية"، وفيه نحاول أن نطبق هذا المبدأ المعرفي " يمر العلم في انتقاله من مستوي الممارسة التلقائية العفوية إلي مستوي الصياغة النظرية لقواعد العلم بما يسمي القطيعة المعرفية ".

ولتوضيح ما يعنيه هذا المبدأ نقول مع أستاذنا الدكتور " حسن عبد الحميد" في بحثه الرائع بعنوان " التفسير الابستمولوجي لنشأة العلم": "أن أي علم علي الإطلاق قد مر في تاريخه بمرحلتين أساسيتين ومتميزتين: مرحلة الممارسة اليومية التلقائية التي يغلب عليها الطابع الإيديولوجي، ومرحلة الصياغة النظرية للقواعد الأساسية والمبادئ العامة التي تجعل من المعرفة معرفة علمية بالمعني الدقيق للكلمة . أو هو الانتقال مما هو ضمني إلي ما هو صريح وواضح، فالطفل أو الرجل الأمي – علي سبيل المثال - يستطيع كلاهما أن يستخدم اللغة استخداماً صحيحاً نسبياً وبدون حاجة إلي تعلم قواعد النحو الخاصة بهذه اللغة أو تلك، ولو سألنا أحدهما أن يستخرج قواعد اللغة التي يتحدث بها، وأن يصيغها صياغة نظرية، لما كان هذا في إمكانه، والسبب في ذلك أننا ننقله في هذه الحالة من مستوي الممارسة اليومية للغة إلي مستوي الصياغة النظرية لقواعدها" .

والانتقال هنا هو انتقال من مستوي الممارسة اليومية العفوية للمعرفة إلي مستوي الوعي بالقواعد النظرية التي تنظم هذه المعرفة وقد أصبحت علماً . وهذا الانتقال من المستوي الأول إلي المستوي الثاني لا يتم إلا عن طريق " قطع الصلة" بالممارسات اليومية ذات الطابع الحدسي والتلقائي التي تسيطر علي المعرفة قبل أن تتحول إلي علم.

والقطيعة المعرفية هي الحد الفاصل الزمني اللحظي أو هذا التغير السريع الذي ينتج عنه أمراً جديداً كل الجدة، ولكنها عبارة عن مسار معقد متشابك الأطراف تنتج عنه مرحلة جديدة متميزة في تاريخ العلم ؛ ومعالم القطيعة المعرفية التي تحدثها الثورات العلمية داخل العلم يمكن تتبعها علي ثلاثة مستويات: مستوي لغة العلم من جانب، ومنهجه من جانب آخر، ومستوي نظرية العلم من جانب ثالث .

ويمكن تطبيق هذا المبدأ المعرفي علي الكتاب الثالث من الاورجانون الأرسطي، وهو كتاب التحليلات الأولي ؛ حيث أن هذا الكتاب يمثل ثورة داخل ميدان المنطق، وهذه الثورة قد أنجزها أرسطو بمفرده ونقل بها هذا الفرع من فروع المعرفة من مرحلة الممارسة العفوية (والتي تمثلت في التفكير المنطقي في الفكر الفلسفي اليوناني السابق علي أرسطو في القرن الخمس والنصف الأول من القرن الرابع ق.م وبالأخص لدي الأيليين والسوفسطائيين وصاحب الأكاديمية "أفلاطون") إلي مرحلة الصياغة النظرية، والتي تسمي بالقطيعة المعرفية .

وبالتالي يمثل كتاب "التحليلات الأولي" مرحلة القطيعة المعرفية ليس فقط مع كل صور الممارسات السابقة للفكر المنطقي عند الأيليين والسوفسطائيين وأفلاطون، بل إن هذا الكتاب يقطع الصلة بينه وبين مؤلفات أرسطو المنطقية .

والمتفحص لكتاب التحليلات الأولي يجده مختلفاً تمام الاختلاف عن كل ما سبقه من تراث منطقي – أي بدون أن يلغيه أو ينفيه، بل يتعداه ويتجاوزه .

1- ونستطيع أن نجمل الجدة المنطقية التي تميز هذا الكتاب فيما يلي:

2- لغة جديدة كل الجدة صاغها أرسطو للتعبير عن نظرية القياس وقواعده وأشكاله وضروبه، وهي لغة المتغيرات .

3- منهج جديد استخدمه أرسطو لأول مرة في تاريخ علم المنطق، وهو المنهج الاستنباطي .

4- نظرية مكتملة في الاستدلال المنطقي التحليلي هدفها العلم الاستنباطي البرهاني.

ولقد بقي علم المنطق كما صاغ أرسطو نظريته ووضع لغته وحدد منهجه كما هو حتي منتصف القرن التاسع عشر تقريباً، وهذا حدا بالفيلسوف الألماني "كانط" Kant (1724-1804) حينما لاحظ في مقدمة الطبعة الثانية لكتابه " نقد العقل الخالص" بأن المنطق لم يتقدم خطوة واحدة منذ أيام أرسطو، وأن نظرية القياس – وهي صلب المنطق الأرسطي – قد وجدت صياغتها الأخيرة والنهائية في كتاب التحليلات الأولي.. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

علي محمد اليوسفتقديم: كنت في مقالة سابقة (الفلسفة التحليلية الانجليزية) اشرت على قدر المستطاع ثغرات الفلسفة التحليلية، ونزعة تجيير ريادة فلسفة التحليل اللغوي لها ، وطموحات سقفها العالي الذي لم يتحقق منه القليل، في محاولتها وصول هدف تخليص تاريخ الفلسفة من سقوطها الموغل بالاخطاء المتراكمة القائمة على مخاتلة اللغة وخداعها في عدم التعبير الصادق عن القضايا الاشكالية المعلقة بالفلسفة على مدى قرون طويلة. وأرتأت التحليلية الانجليزية الاضطلاع بمهمة المعالجة والتصحيح، فكانت جهودها الاستعراضية بهذا المجال أسقطها في مشاكل عزلة المنطق اللغوي في وقت أعلنت فيه عن نفسها الفلسفة الرائدة الام لكل الفلسفات السابقة عليها قاريّا.

أدعاء ريادية قيام التحليلية الانجليزية بدور الفلسفة التي تتوخى فرض نفسها على مباحث الفلسفة الحديثة والمعاصرة في فلسفة اللغة، في وجوب أعتماد منهج التحليل النقدي المنطقي اللغوي لتصحيح مسار الفلسفة الذي أكتنفه الغموض وفقدان بوصلة الاتجاه الصحيح في معالجة مباحث ومفاهيم الفلسفة الموروثة المغلوطة. هذه الريادية لم تكن تمتلك مقومات أستئثارها المتفرد الذي كان أصلا مشتتا بين الواقع والطموح في فلسفات وتيارات غطّت دول اوربا والولايات المتحدة.

من المسائل التي نجد أهمية لها فرش أرضية عرض أختزالي لما أرادت التحليلية الانجليزية أنجازه ولم تثمرجهودها بذلك وهي:

- لم يكن منهج التحليل بالفلسفة يمثل فتحا جديدا من حصة فلاسفة الانجليز حصرا بل كان له وجودا تاريخيا سابقا على فلسفة التحليل الانجليزية. فمنهج التحليل أعتمده السفسطائيون ما قبل سقراط. وأعتمده العديد من فلاسفة اليونان مرورا بجميع عصور الفلسفة تاريخيا. وصولا الى الفلسفات الحديثة في دول اوربا وانجلترا وامريكا، ما وضع ريادة التحليلية الانجليزية في أدعاءها فرادتها وسبقها الريادي الاولي لمنهج التحليل لا يقوم على سند حقيقي وسط هذا التشتت الفلسفي عالميا وتاريخيا.

- أعتمدت كل فلسفات التحليل في اوربا وامريكا مركزية تحليل اللغة بالاعتماد على فلسفة اللغة والتحول اللغوي ونظرية المعنى. ومنهج التحليل اللغوي ليس منهجا مفهوميا ولا مصطلحا فلسفيا غير متفق عليه، بأستثناء حقيقة التحليل الفلسفي يقوم على مبدأ تحليل معنى اللغة. لكنما الاختلافات الفلسفية العميقة ظلت مزامنة التحليل في تنوع مضامين تلك التيارات الفلسفية.

- أصطدام فلسفة التحليل الانجليزية بجدار العلم الطبيعي التجريبي عندما حاولت التحليلية أعتماد تحليل اللغة بمنهج يقوم على ربط كل من المنطق والرياضيات بالعلم الطبيعي، وهذا التوجه كان اشار له جوتلوب فريجة في مؤلفاته العديدة في الرياضيات. ولم تأخذ التحليلية بمبدأ أن مسار العلم الطبيعي مع الفلسفة هو مسار التوازي وليس التقاطع ولا حتى التداخل ، لذا كان طموح التحليل التداخل مع قضايا العلم الطبيعي ليست سهلة ولا متاحة ببساطة فلسفية حينما غرقت التحليلية في تحليل نحو اللغة وقواعد التعبير بغياب تحليل قضايا الفلسفة.

- أختطت فلسفة تحليل اللغة في اوربا فرنسا والمانيا على وجه التحديد ، وكذلك في الولايات المتحدة الامريكية، مسارات عديدة ومتباينة حد الاختلافات العميقة، بعيدا منفصلا عن الميراث الريادي الذي نسبته التحليلية الانجليزية لنفسها. ومن الجدير ذكره أن تقاطع تحليلية الاميركان كانت مزدوجة في أنفصالها التام عن تحليلية الانجليز من جهة وتحليلية فرنسا من جهة أخرى وسبب ذلك هو توجه الفلاسفة الاميركان وضع كل فلسفات اوربا الحديثة والمعاصرة في فلسفة اللغة والتحليل في خدمة هدف أعادة الحضور المنسي للبراجماتية الاميريكية الفلسفة العجوز على أرضها الجغرافية في هجرة الفلاسفة الاوربيين أليها وأستقبالهم العمل في الجامعات الاميريكية..

- سقوط التحليلية الانجليزية في طوق العزلة الفلسفية سببه أعتماد روادها الثلاث جورج مور، بيرتراندراسل، وايتهيد، وأنضم لهم لاحقا كلا من فينجشتين وكارناب، وكانت تتوزعهم الاهتمامات التحليلية التالية:

* التحليلية مرتكزها المنهجي الفلسفي البحثي هو فلسفة اللغة حصرا.

* أعتماد محاولة ربط علم الرياضيات والمنطق في تحليل اللغة بغية تحقق المقاربة العلمية التي كان رائدها راسل بامتياز.

* محاولة معالجة مشاكل القضايا الفلسفية الكبرى العالقة المتواثة عبر تاريخ الفلسفة من خلال الوصول الى ضبط معنى الدلالة اللغوية.

* الاقتراب نحو تمازج الفلسفة بالعلم في محاولة التكامل والالتقاء مع بعض طروحات العلوم الطبيعية دونما جدوى.

* الوضوح في لغة التعبير الفلسفي نزولا الى درجة لغة الكلام العادي وهو ما تبناه جورج مور.

* الانطلاق من معالجة الجزء وصولا الى الكل في معالجة القضايا الفلسفية المعقدة الشائكة.

التحليلية الفرنسية والعداء للتحليلية الانجليزية

أتسمت الفلسفة الفرنسية التحليلية بالنفور من تيارات التحليلية الانجليزية تحديدا، من حيث أن الفلسفات الفرنسية ذات الارث العميق باصول تاريخ الفلسفة الذي ساهمت كثيرا بصنعه، كانت دائما تعتمد معالجة القضايا الفلسفية الكبرى بمنهجية التركيب الشامل ولم تتجه نحو الاهتمام بمعالجة الجزء للوصول الى كليات كما تفعل التحليلية الانجليزية. مناهج الفلسفات الفرنسية على ثرائها المتنوع الغزير كانت تناقض تماما منهجية التبسيط اللغوي في التحليلية الانجليزية وأبتعادها عن ملامسة عمق القضايا الكبرى، في أنهمامها تحقيق مبدأ الوضوح الذي يصل أحيانا الى كلام الناس الجاري كما طرح ذلك جورج مور يسنده بهذا المسعى فينجشتين المتأخر.

من جهة أخرى وجدت الفلسفات الفرنسية التي أعتمدت مركزية فلسفة اللغة أنها أقرب الى توجهات الفلاسفة الاميركان الذين كانوا هم أيضا ينظرون لتحليلية الانجليز أنها أستنفدت كل جديد يمكنها قوله. لذا وجد الفلاسفة الفرنسيين ملاذهم في لقاء فلاسفة الاميركان كما فعل بول ريكور صاحب التاويلية ومثله جاك دريدا صاحب التفكيكية في تواجدهم على الارض الامريكية والتدريس بجامعاتها تحديدا قبل عودتهم الفرنسية ثانية.

فريجة وراسل وقسمة الرياضيات بينهما

أعتمد راسل باقرار منه لا لبس فيه غاية الاعتماد على كتابات ومؤلفات جوتلوب فريجة في مجال الرياضيات على وفق منهج التحليل." حاول فريجة أظهار أن الرياضيات ومصطلحاتها يمكن أن يتم تحليلها باستخدام مصطلحات تعود الى المنطق، وحقائق الرياضيات ماهي الا اختصاصات تعريفية لحقائق المنطق"1، كما يؤكد فريجة " أن دقة معظم البراهين الرياضية لمعاصريه والسابقين عليه، هي دقة وهمية، وأن الرياضيين لم يحققوا أكثر من مجرد التاكيد التجريبي لاسس الرياضيات "2. كما يؤكد فريجة بنزعة شديدة " هناك مزايا للمعرفة الرياضية، وهي الوضوح التي عجزت وجهات نظر معاصريه من الرياضيين والفلاسفة أمتلاكها، ويصف هذا الامر بالفاضح الذي يكشف عن جهل فلسفي"3 ماذا نستخلص من عبارات فريجة الاب الروحي للتحليل السابقة:

- أعتماد فلاسفة التحليلية الانجليز الرواد على فريجة بأهمية العودة الى الرياضيات وفق منهج تحليل اللغة غير مسبوق، وأن المنطق الرياضي يقود الى حل مجمل قضايا الفلسفة الخاطئة الموروثة التي سببها الرئيس غموض وتعقيدات اللغة التي حجبت خلفها حقيقة قضايا الفلسفة ومشكلاتها.

- تبني كلا من فينجشتين وجورج مور أن الوضوح اللغوي حتى على صعيد المنطق والرياضيات، هو منهج مطلوب في تصحيح متراكمات الاخطاء الفلسفية المعيبة الفاضحة على حد تعبير فريجة. حيث تراجع فينجشتين في أستهوائه طرح الوضوح قوله مامعناه لا يستر عيوب اللغة غير الصمت حينما تعجزنا اللغة التعبير بوضوح المعنى... وتلقف مور هذا التوجه في دعوته أن لغة الحوار العادي الجاري بين الناس هو الكفيل بتخليص مشاكل الفلسفة من التعقيّد والابهام الذي يضيّعه تعبير اللغة الفلسفي الغامض.

- أن مشكلة اللغة في تعقيد المعنى أصبحت هي مشكلة سابقة على جميع مشاكل القضايا المعقدة فلسفيا. وأصبح السائد المتداول عند فلاسفة اللغة المعاصرين معظمهم، أن التراكم اللغوي الخاطيء الذي رافق تاريخ الفلسفة جعل من اولوية ازالة ركام الاخطاء هو باب الانفراج الذي تنفذ منه الفلسفة وتدخله لمعالجتها أخطاء المشاكل التعقيد اللغوي بالفلسفة والابهام اللغوي بالفلسفة قبل كل شيء آخر.

- ليس من السهل ولا من المطلوب فصل الترابط القائم ما بين اللغة كاصل جوهري ترتكزه التحليلية من جهة، وبين منطق الرياضيات الذي ورثته عن فريجة من جهة أخرى. وهذا المسعى يجعل من مقاربة الفلسفة للعلم في تكامل معه لها ما يبرره أيضا بالاستناد الى توصية فريجة تحت هذا العنوان.. أنه من الاخطاء الفاضحة التي تسم الفلسفة هو في أهمالها هذا التوجه المعيب. وتنبه راسل الى أهمية كتاب فريجة العظمى (التصورات) الذي نشره عام 1879.

- في فترة لاحقة من تطور التحليلية الانجليزية تمحور جورج مور بالتحليل اللغوي القائم على اللغة التي أطلق عليها اللغة الجارية بين الناس، بينما أنفصل عنه راسل بتبنيه لغة المنطق القريب من الرياضيات، وبالرغم من التعبير البادي عن أقتراب راسل من منطق العلم الا أن النتيجة كانت خلق اتجاهين أحدهما أستغلاق فلسفة مور بأهمية تبني الوضوح البسيط في اللغة، يقابله راسل بمساعدة فينجشتين ووايتهيد على الاقتراب نحو لغة مثالية قريبة من أبتداعهم ميتافيزيقا لغوية رغم كل الادعاءات في تبنيهم المنهج العلمي..بل ودعوتهم خلق لغة اصطناعية غير اللغة التواصلية الحالية.

جورج مور والتحليلية

تميز جورج مور كما ذكرنا في سطور سابقة تاكيده أهمية اللغة الجارية بين الناس، مستنتجا من ذلك أن الادراكات الحسية المشتركة العامة لاتخطأ كونها ادراكات(فطرية) لا يمكن التشكيك بها لانها تحمل أجماعا سيسيولوجيا متفقا عليه لا يحتاج لبرهان منطقي يثبته. وأدراكات الفطرة صادقة كونها لا تتعارض مع الحس المشترك الذي يعارضه فلاسفة المثالية مثل بيركلي، والحس المشترك عند مور معرفة ثابتة لا يجوز أن تكون موضع تساؤل شكي.4

تعقيب

من منطلق نقدي مادي علمي لا يؤمن به مور دليل قوله (لا يوجد ما هو مادي) يسعى مور محاربة المنطق المثالي بمنطق مثالي آخر لا يخرجان كليهما معا عن الالتقاء بالمحصلة النهائية في هدف مثالي مشترك. الشيء الجدير بالتشكيك بصحة مثالية مور، هو في أعتباره وأعتماده وجود ادراكات (فطرية) مرددا نفس أفكار ديكارت وكانط حول فطرية الادراكات غير الخاطئة لأنها مجمع على صحتها البديهية التي لا تحتاج البرهنة عليها، وفي معرض تخطئتنا هذا المنهج المثالي نجده يتمثل في منحيين:

الاول لا يوجد أدراكات فطرية يولد الانسان مزودا بالاستعداد التام بها. تصلح أن تكون استدلالا منطقيا في الحكم على صدقية ما تشير له من مدركات وظواهر. فكل خبرة ننعتها بالفطرية هي بالاصل تكونت من تراكم خبرة مكتسبة من الواقع والعالم الخارجي مخزّنة بالذاكرة والذهن... مقولة جون لوك نكرانه لافكار فطرية وعدم وجود ادراكات قبلية عن الاشياء والعالم الخارجي مقولة صحيحة من حيث وسيلة أكتساب المعرفة يكون من خلال الاندماج بالحياة التي لا توجد معرفة قبلية لها سابقة على التجربة فيها. الافكار الفطرية التي يكون مزودا بها الانسان هي في حقيقتها تراكم خبرة مكتسبة وخير دليل تعلم الانسان اللغة، وتعلمه كيف يكون استعمال النار الخاطيء هو نشوب الحرائق وهكذا.

الثاني الاجماع الادراكي على صواب وصحة معارفنا لا يمنحها حقيقتها الثاوية فيها على أنها زائفة غير صادقة. فالاجماع على المسائل التي نجدها بديهية الادراك بصحتها لا تحتاج برهان يؤكد تلك المصداقية لا يمكننا الاخذ به باعتباره من مقولات ميتافيزيقية نسبة الصح والخطأ فيها متساويان قبل أمكانية الحسم بينها أيهما الاصح... المعارف الحقيقية الصحيحة تكتسب شرعيتها من التجربة العلمية وليس من سيسيولوجيا الحكم الجماعي عليها. الادراكات الجماعية هي الاحساسات غير اليقينية التي لا تستطيع تحويل الزيف والاكاذيب الى حقائق مسّلم بها تقود الحياة.

صحيح جدا أننا نصادف بالحياة ظواهر وأمور تلقى الاجماع السيسيولوجي بالحكم على صحتها لكنما لا يجعل من هذا الاجماع قانونا علميا يمكن أعتماده على الدوام. بديهيات الحياة ليست هي كل الحياة التي نتعامل بها معرفيا، ففي معرض تعزيز مور وجهة نظره الادراكية في بديهيات الاشياء التي لا تحتاج الى برهان يرد على عبارة هيوم في الشك قوله لا يمكن لاحد أن يعرف وجود أي موضوع، وكان رد مور عليه " أن على هيوم أخذ بيده قلما ويقول أعرف أن هذا قلم".5

من المفارقة الغريبة أن هذا المثال المادي الذي يسوقه مور في دحضه المثالية الشكية لهيوم هونفسه مور صاحب مقولة (لا يوجد اشياء مادية). فهل المثالية والمادية منهجان لا فرق بينهما لدى جورج مور؟. كان مور على أقتناع كامل بأن مشكلات الفلسفة لا تحلها المعالجات المنطقية التنظيرية، ولا بمجرد أزدياد المعرفة العلمية، وأنما مفتاح الحل هو توجيه عناية مركزة للحس المشترك واللغة العادية.6

نعود تكرار متناقضات مور المثالية فهو بالوقت الذي يهاجم مثالية بيركلي قوله "الموضوعات الفيزيقية توجد فقط، عندما يتم ادراكها"، يذهب الى الجزم القاطع أن كل ما أنكره الفلاسفة المثاليون هي صادقة في حقيقتها، وبرهانه على ذلك هو أعتماد الحس المشترك واللغة العادية.من الملاحظ أن مور في أفكاره الهجومية على الفلسفة المثالية فهو في حقيقة الامر لا يغادرها في ممارسته التحليل بالمنهج المثالي الذي يعتمده ولا يلتزم بالنقيض المادي له.

تحليلية بيتراندراسل

هناك ما لا يمكن حصره من أختلافات فلسفية بين راسل من جهة وفلاسفة التحليلية الانجليزية الاخرين من جهة اخرى، وأبرز ما يمثله راسل في تمايزه التحليلي نجده:

- رغم نزعة راسل العلمية ألا أنه أعتبر الميتافيزيقا مبحثا فلسفيا مهما لا يمكن تجاوزه. كما سعى أن تكون الفلسفة التحليلية والعامة تنظيرا منطقيا لا علاقة تشده بالواقع والحياة، معتبرا ليس من مهام الفلسفة تغيير الحياة وأنما التعبير المتسائل عنها ومعنى الوجود والانسان. وهي قضايا لا يمكن أعتبارها دخيلة وتجديد فلسفي لم يكن تاريخ الفلسفة قائما عليه..

- ربط راسل بين المنطق الذي أعتبره " ماهية الفلسفة" وما لا يكون منطقيا لا يكون فلسفيا،" وأعتبر التحليل المنطقي عملية ذهنية نضطلع بها حين نحاول توضيح التصورات والعبارات سواء في مضمار الفلسفة أم في مضمار الحس المشترك"7

- التحليل عند راسل نوع من الاختزال الفكري" أو الرد سواء كان هذا الرد فيزيائيا أو لغويا أو رياضيات، ويستهدف الرد تطهير الفلسفة من الكيانات الوهمية التي درج الفلاسفة أشاعتها وبثّها في الكون، وأستعار عن اوكام الاختزال أو ما يطلق عليه الاقتصاد بالفكر الذي اراد راسل من خلاله رد الرياضيات الى المنطق في كتابه أصول الرياضيات" 8

- أنكر راسل على مور الحس المشترك بأعتباره نوعا من المطلق الابستمولوجي، معتبرا الحس المشترك صورة فجّة غير منقحة للمعرفة العلمية، فالعلم عند راسل يذهب أبعد مما يذهب له الحس المشترك.9

تحليلية فينجشتين

كان دافع فينجشتين الفلسفي الاول في منهج تحليل اللغة، بعيدا عن التشتيت والتطرف الذي سلكته فلسفات وتيارات عديدة في توظيفات وأستخدامات وأجتهادات خارج مركزية تحليل اللغة من أجل تحقيق "هدف تحليل اللغة في توضيح المشكلات الفلسفية، معتبرا أزالة غموض اللغة كفيل كشف زيف المشكلات الفلسفية او هي ليست مشكلات أساسا."10

ويضيف فينجشتين بلهجة اكثر صرامة " ان معظم القضايا والاسئلة التي كتبت عن امور هي ليست كاذبة فقط، بل هي خالية من اي معنى، فمعظم الاسئلة التي يتداولها الفلاسفة انما هي ناشئة عن حقيقة كوننا لا نفهم منطق لغتنا، واذن فلا عجب اذا عرفنا ان اعمق المشكلات الفلسفية ليست مشكلات على الاطلاق ". عليه لا نجد غرابة في توكيد فينجشتين الاختزالي تعبيره "الفلسفة ماهي الا تحليلات نقدية للغة" تقوم على توضيحات لغوية. الغرابة في تعبير فينجشتين أن ما أعتبره منهجا تحليلا تقويميا لقضايا فلسفية ورثناها خاطئة ووصلتنا معقدة بلا معنى، لم يأخذ طريقه المنهجي التحليلي بالتطبيق من حيث أن تحليل اللغة دخلت في نفق تصحيح معاني عبارات اللغة قبل تصحيح أفكار الفلسفة التي لم يطالها منهج التحليل التطبيقي.

اننا لا نغالي اذا ما قلنا منهج التحليل اللغوي استنفد طاقته في تحليل غموض وتعقيدات تعبير اللغة ولم تصل في تطبيقها المنهجي التحليلي قضايا ومشكلات الفلسفة لكشف الزيف الذي يعتريها مستشريا فيها. تحليل اللغة الذي اراده فينجشتين منهجا تقويميا لانحرافات معاني التعبير اللغوي بالفلسفة، جعل فلاسفة التطرف في فلسفة اللغة يذهبون مذاهب وطرق شتى باسم منهج تحليل اللغة وخير دليل على ذلك هو تاويلية بول ريكور وتفكيكية جاك دريدا. فكانوا مهوسين في البحث عن فائض المعنى باللغة وليس اهتمامهم تصحيح تعبير أخطاء لغة تعبير الفلسفة عن قضايا ومشكلات خاطئة. في مصطلح العاب اللغة الذي ابتدعه فينجشتين يكون تحليل اللغة مرتبطا بتحليل العالم الخارجي، والوحدة التحليلية الاخيرة التي لا يمكن تحليلها الى أصغر منها أطلق عليه"الواقعة الذرية"، وتحليل الفكر عنده يتوقف على ارتباطه بتحليل اللغة، طالما أن اللغة هي الصياغة اللفظية أو الجهاز الرمزي الذي تعبر به عن الافكار والمعاني.11

معيار فينجشتين في صدق اللغة أو زيفها هو في مدى مطابقتها الواقع الخارجي. مما حدا بتوهان الفلاسفة في تحديدهم المقصود بالعالم الخارجي قبل البحث عن صدقية تعبير اللغة، وزاد الارباك الفلسفي عباراته مثل "أن جملة الوجود الخارجي هي العالم " و"الوجود الخارجي هو وجود وعدم وجود الوقائع الذرية "12

خاتمة

يمكننا الذهاب مع بعض الفلاسفة والمفكرين الذين نقدوا التحليلية الانجليزية، والتحليلية الفلسفية بصورة عامة، أنها أخذت في نهاياتها بعد رحيل فينجشتين وراسل وقلاسف تحليلية آخرين عديدين تقع في متناقضات حول الاسس التي أعتمتها في أوج ظهورها الى أن فلسفة العقل، وفلسفة اللغة ونظرية المعنى، والمنطق، والرياضيات في تعالقها وتداخلها الفلسفي أنصهرت بمجموعها في ما سمي الفلسفة التحليلية، الا أن حقيقة الواقع التنظيري الفلسفي أبانت بوضوح عن جملة أمور جعلت من التحليلية مرحلة عابرة في تاريخ الفلسفة وليس كما تنبأ لها راسل أن تكون أم الفلسفات جميعها ، وفيلسوف التحليلية هو سيد الفلاسفة.

من العيوب التي رجعت التحليلية مناقضة نفسها بها هي الميتافيزيقا، وكذلك سردية الدين، والعودة الى أعتماد منطلقات الوضعية المنطقية التي في البدء خرجت عليها، والاهم من كل ذلك أنها وقعت في الفخ الذي حذرت منه هو أن التحليلية منهج وليس هدفا. وفي الوقت الذي نادت به وبأصرار فلسفي عنيد أن التحليلية ستكون مفتاح حل مشاكل وقضايا الفلسفة الكبرى التي أوقعتها اللغة في اللامعنى أو الزيف أو على أقل تقدير الازدواجية في التعبير. ثم الوضوح اللغوي الذي طالبت به أرتد عليها في أن التحليلية أضاعت المشيتين كما يقال في هذا المنحى فلا هي نجحت في منهجية وسيلية وضوح اللغة ، ولا هي احتفظت بمكانتها التي تقوم على المنطق اللغوي المعقد.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.....................................

الهوامش:

1- احمد محمد عطية/الفلسفة التحليلية ،ماهيتها، مصادرها ، ومفكروها ص68

2- نفسه ص 73

3- نفسه ص 74

4- نفسه ص 78

5- نفسه 76

6- نفسه ص 75

7- نفسه ص 84

8- نفسه ص 86

9- نفسه ص 87

10- نفسه ص 94

11- نفسه ص 96

12- نفسه ص 97

  

 

كوثر فالحقراءة في فكر صوفي غير متصوّف

اكتشفتُ المفكر العراقي عبدالجبار الرفاعي صدفة، وأنا أُنقّب عن آثار شلايرماخر في فكرنا العربي المعاصر. أضعتُ شلايرماخر، ووجدتُ لاهوتيًا وفيلسوفًا يقاسمني الدين والهواجس، همُ الانتقال من تدين الشكل إلى تدين الجوهر. فنعم الرحلة هي، ولتطل ما شاء الله لها ان تطول!

 يُفكّر عبدالجبار الرفاعي خارج جغرافيا العقيدة أو الطائفية، بل أحيانًا خارج جغرافيا الدين نفسه. فكره من الدين داخل الدين. لذلك فهو يعلو فوق سجون الـ "هنا، اذ يؤسّس الرفاعي لفلسفة دين، بعيدًا عن أسوار القراءات وعراقيل التخصصات. قد لا أبالغ إن قلتُ إني أجدُ فيه "بول ريكور" آخر. هو لاهوتي الحوزة وفيلسوف الجامعة، هو الأكاديمي البيداغوجي والمنظر التربوي. هو المفكر الموسوعي المتنور، في ظل جامعات فلسفة عربية أنهكها إرث التخصّص ورذيلة القطائع المعرفية التي لا نكاد نجدها إلا في أوطاننا العربية المريضة بعصاب الانتماء الواحد.

هو المؤمن و كفى!

لن أعود إلى ما قيل عن كتبه السابقة، وقد أسهب الباحثون في ذلك من شتى بلاد العرب. لكني أتمنى أن أقف عند مقاربته "التصحيحية" للتصوّف. بجرأة قد تزعج الكثيرين، ينتفض الرفاعي ضد تصوّف الاستلاب، مناديًا بتصوّف حرية، حتى نروي "الظمأ الانطولوجي"، الذي يجد فيه الرفاعي أصلَ ما نعانيه من اغتراب، ولنقل من تطرّف؛ منشؤه سوء فهم لوظيفة الدين، وسوء قراءة لنصوصه.

هل التصوّف هو الحل؟

إذا  كان الحلُّ في الهروب نحو الأعلى فقد انهكنا الهروبُ إلى الخلف، نحو ماضي نتوهمه فردوسيًا. فهل تغيير الباردايم المكاني باتجاه صاعد هو الحلّ للحاضر المريض؟

  يجيب الرفاعي من خلال هندسة عرفانية صاعدة هابطة، لا تبرح الأرضَ وتتخطى المكان. هو بذلك يقدّم لفهمٍ جديد لتجربة التصوّف؛ اذ يرى الرفاعي أن التصوّفَ في معناه التقليدي متعاليًا على الواقع و مستلِبًا للإنسان. بدلًا عن ذلك يقدّم هو لتصوّف يتأسّس انطلاقا من الواقع، لا يغادره إلا ليعود اليه. تتجلى أطروحةُ الرفاعي بوضوح في مداخلته: "التصوّف بصيرة ملهمة انطفأ ضوؤها في زوايا العزلة و الغياب عن العالم"، المقدمة  ضمن كتاب: "الصوفية اليوم  قراءة معاصرة في مجتمع التصوّف ونماذجه" عن  مؤسّسة فريدريش ايبرت (2020). ينطلق الرفاعي في مداخلته هذه من قراءة "تطورية" للدين، بدءا بلحظة التأسيس وانتهاءا بفوضى التأويلات، يرى فيها الرفاعي: "اهدارًا للمعنى الروحي الأخلاقي و الجمالي للدين" (ص16). ويرجع الرفاعي جمود المعنى هذا لتبعات المأسسة الفقهية والابستيمولوجيا  الكلامية للدين، منتفضًا ضد ادعائها الإجابة عن كلِّ الأسئلة ومتحدّثا عن: "عمليات الوضع"، وكأننا بصدد "موضعة فقهية كلامية" للدين تحشره داخل زاوية المعنى النهائي. يكتب الرفاعي: "ترسخت صلة  الفقه بالسلطة وتفاعلت مع مختلف الأزمنة فانعكس ذلك على الفقه باتساع مساحة التحريم وضيق مساحة الإباحة… وكان من نتائج زحف الفقه على الفضاء الروحي والأخلاقي خارج حدوده ضمور العقل وإخضاع كل شيء في حياة المسلم إلى الموقف الذي يقرره الفقه  …أُنهك العقل بفرض حدود لتعبيره عن أفكاره، وتبعًا لذلك ضاق فضاء المعنى في الدين بسبب شح حضوره في الفقه". ( ص 20). موقفه تنديدٌ بانغلاق الدلالات وانغلاق الإمكانات عبر الاقتصار على جدلية عقيمة لا تبارح ثنائية التحليل والتحريم. ينادي الرفاعي اذن بالانتقال إلى رحابة الهرمنيوطيقا بعيدًا عن أحفوريات الخطابات الفقهية.

كما ويرفض الرفاعي الترخيصَ للإجابات الفقهية كقواعد دين وأنماط تدين، من دون أن يغفل التنديدَ بالزواج السعيد بين بعض الفقهاء ورجال السياسة، ومعترضا على الشكل الثاني للمأسسة: السياسية  هذه المرة، والتي يعدّها الرفاعي شرعنةً للسلطة باسم الدين ومطالبا بدولة العقل. لكن ينبغي أن نوضح أن الرفاعي لا يرفض الفقهَ أو التصوّف، بل يرفض "تصلبَ المعنى" ووصايةَ الفقه أو السياسة على الدين. باختصار الدين عنده قضيةٌ هرمنيوطيقية.

من زاوية أخرى، نجد عند الرفاعي اهتمامًا بالتجربة الدينية التي خصّها بمجلد كبير1، حيث يلتقي مع مفكرين تأويليين من أمثال ديلتاي وشلايرماخر. الدين عنده تجربةٌ متسامية، لكنها لا تأخذ معنى انتفاء الموجود أو الأنا في الكينونة المطلقة كما هو الشأن في الصوفية، بل بوصفها تجربةً انطولوجية. هي إذن تجربة فردية، تجربة متوحد داخل الجموع، خلافًا لمتوحد ابن باجة المنعزل. هي تجربة الأنا مع النحن داخل المطلق.

في السياق نفسهِ، يذهب  الرفاعي للحديث عن التجربة الدينية مزاوجًا بين خطاب وجودي وخطاب صوفي عرفاني، وهذا واضح في تعريفه للتجربة الدينية وحديثه عن جلال الدين الرومي. نقرأ قوله:  "لذلك لا يُفهم الايمان إلا في فضاء الايمان، ولا تُفهم التجربة الدينية إلا في فضاء التجربة الدينية، فما لم نتحقق  بهذه التجربة ليس بوسعنا تقديم فهم واضح لها، مثلما لا يفهم الحب إلا من يتذوق الحب ولا يفهم البهجة إلا من تشرق نفسه ابتهاجا بالنور، ولا يفهم القلق إلا من يمزقه" (ص 22). ليسترسل في صفحات لاحقة مصرّحًا بخصوص مولانا جلال الدين: "ينبغي ان نستقي من الرومي تدفق قلبه بالعشق الإلهي، وما يصوره بيانه من لوحات متلألئة بالمحبة والجمال والتراحم والسلام وكل معنى انساني بهيج". ص28 . والشواهد على ذلك  كثيرة لا يسعنا المجال هنا لنعود اليها جميعا. لنقول باختصار: إن التجربة الدينية عنده هي: "رحلة الكينونة إلى الحق". ص23.

هو العاشق إذن، فلِمَ ثورته على التصوّف!

لا يرفض الرفاعي التصوّفَ بقدر ما يرفض الاستعباد. إذ يميز المفكر العراقي بين تصوّف الاستعباد وتصوّف الحرية على أساس الثراء الروحي. التجربة الدينية كما يصفها هو تتعالى على الفعل باتجاه الكينونة. تتعطل المادةُ وتنطلق الروح. هنا يكمن الفرقُ بين تصوّف الاستعباد وتصوّف الحرية. لينتقل الرفاعي للتمييز بين شكلي التصوّف هذين. تصوّف الاستعباد تصوّف تبعية لشيوخ طريقة هو:  "خسران للذات". (ص 24). كونه تصوّف دراويش، كما يرى الرفاعي، الذي  يربطه بعصر الانحطاط والعزلة ،كنوع من مازوشية اجتماعية، تحت غطاء طقوسية دينية. انه استنزاف للتجربة الدينية.

 يتحدث الرفاعي بلا تردّد عن: "وثنية صوفية"، كما هو الشأن عند المولويين الذين يجدهم الرفاعي يعانون مرضًا روحيًا وأخلاقيًا. يسمح بعدها الرفاعي لخوفه أن يخونه متوجسًا عودةَ: "دراويش فوضويون يتسكعون في الأسواق والشوارع بين الناس، بهيئة ولباس غريب من أسمال بالية أو قطع مزركشة بألوان متناشزة". (ص 25 ). ليطمئن قلبك فدراويشنا اليوم غارقون في الاستهلاكية، ودروشتهم مناسباتية فقط.

يذهب بعد ذلك الرفاعي ليندّد  بـ "ميثولوجيا التصوّف". (ص 26)، مقدّمًا لمقاربة سوسيولوجية تقيم الدين على أساس عبادة الأسلاف، أو فلنقل مع الرفاعي: "عبادة الأقطاب". لهذا الغرض يعود الرفاعي بجلال الدين الرومي إلى التاريخ ويحرّره من شطحات الميثولوجيا؛ كأننا به يجعل من التصوّف ظاهرةً تاريخية تسلبها كلَّ تعالٍ على الزمان والمكان والواقع الذي كانت تعيش فيه بكلِ ظروفه المتنوعة. يبرئ الرفاعي الرومي من إثم الدراويش وذنب المشيخة، ويجعله ملهمًا وليس معلّمًا باهتًا، مدافعًا بذلك عن تصوّف الحرية. إنه تصوّف واعٍ، تصوّف "يوقظ الانسان داخل الإنسان". (ص 31)، هو إذن تصوّف يزاوج بين المعرفة والعرفان. فهل مازال لأهل الوجد وأهل النظر أن يلتقيا؟

إجمالا التصوّف عند الرفاعي ذريعة للمطالبة بلاهوت جديد. لاهوت مسكون بالحياة، يبتهج بالفرح،  يرحب بالتعدّد، ينشد السلامَ الروحي. خلافًا للاهوت الموت، المولع بالتحريم، الغارق في الاجترار.

فهل لمشروعه ان يكتمل، وإنسان ما بعد الإنسانية يلوح في الأفق؛ منذرًا بإنسان غارق في المجهول؟

هل ستلفظنا الأرض الرحبة التي يرغب الرفاعي في أن يعيدنا إليها، أم ستلتقطنا السماء وقد طال الهجران؟

 

د. كوثر فاتح

دكتوراه في الفلسفة التأويلية / الهرمنيوطيقا - أكاديمية فاس - مكناس، المغرب.

....................

1-  المجلد الثاني من مجلدات "موسوعة فلسفة الدين" التي يحررها ومازالت تصدر، بعنوان: "الايمان والتجربة الدينية".

 

علي محمد اليوسفبدايات التحليلية: مارس برويقوس الفيلسوف السفسطائي تفسيره التحليلي على الكلام العادي المتداول حول بعض القضايا بين الناس وما هو المقصود منها منذ ماقبل سقراط الذي قام هو الاخر استخدام التحليل بدوره في تحليله التصورات الاخلاقية مثل التقوى والشجاعة والعدالة والنزاهة، تلاه افلاطون الذي قام بتحليل قيمتي العفة والاعتدال والشجاعة والفضيلة، ويعتبر منطق ارسطو محاولة جبّارة في التحليل الفلسفي.1، وقام سقراط بتحليل دلالة معاني كلام الناس وكان يسعى اكتشاف الماهيات الخلقية منطلقا من تحليل السلوك العملي وهو واقعة ملموسة...كما أتخذ الرواقيون من التحليل محورا قامت عليه فلسفتهم، فقسموا الموجودات الى جواهر وأعراض، وأهتموا بصفة خاصة بالتحليل الفلسفي وأصل اللغة والمشكلات التي أثيرت حولها، كما تحدثوا عن مقولات الجنس والعدد والزمن، وقال لا يونز عنهم : أن الفلسفة الرواقية على الاخص هي التي قامت بالتحليل المنطقي للغة وأستمرت نتائج هذا التحليل تحديد المقولات النحوية.2

وفي الفلسفة الحديثة "يمكن القول أن البداية الحقيقية للتحليلية المعاصرة أو المنهج التحليلي جاءت على يد فريجة فيلسوف اللغة السويسري الذي أصدر كتابه أسس الحساب عام 1884 الذي مهد لانبثاق المنهج المنطقي الذي أعتمده أقطاب التحليلية الانجليزية مور، وراسل، ومعهم فينجشتين وكارناب" 3، ووصف راسل ريادة فريجة قوله " نحن ندين بالفضل في كل مسائل التحليل المنطقي لفريجة".

الفلسفة التحليلية الانجليزية موضعها ومحط تركيزها وتحليلاتها كان سعيا وراء اللغة، واستبعاد ما يشوب التعبيرات اللغوية من غموض وخلط أو زيف ، وتتميز عن الفلسفة القارية السائدة في غرب اوربا للناطقين بالانجليزية. كما كشفت الدراسات المعاصرة حول التحليلية الانجليزية مسائل مهمة منها، أن كتابات راسل الفلسفية حول التحليلية بالتعاون مع وايتهيد في الرياضيات والمنطق كانت نتيجة تأثرها بكتابات فريجة. وتبني جورج مور الوضوح اللغوي ولم يكن هدفه السعي الى معالجة قضايا فلسفية هامة خارج دعوة تبسيط اللغة.

هذا الاستشهاد البسيط الذي اوردته هنا يؤكد بوضوح تام أن التحليلية الانجليزية لم تولد من أختراع فلسفة انجليزية لم يكن لها وجودا فلسفيا سابقا عليها، كما أراد تصويرها راسل أنها قمة عبقرية الفلسفة التحليلية الانجليزية وهو أدعاء في غير محله لا معنى له ومكابرة ليس لها رصيد في تاريخ الفلسفة كما نرى لاحقا. حيث لا يخلو عصر فلسفي من منهج التحليلية الذي هو بالاصل يتابع فائض المعنى اللغوي وليس مهمة تصحيح مسار الفلسفة الذي حرفته اللغة في مخاتلة التعبير الزائف.

التحليلية الانجليزية

يتهم النقاد والمهتمون بقضايا الفلسفة أن الفلسفة الانجليزية التحليلية بزعامة جورج مور وبيتراند راسل، وايتهيد أنهم ومعهم فلاسفة آخرين غيرهم بذلوا جهودا كبيرة طيلة عشرين عاما في محاولتهم تحقيق أحد الهدفين التاليين:

الاول ربط التحليلية المنطقية التي هي تيار أكثر ميلا نحو التكامل مع العلم بزعامة راسل في تبنيه المنطق التحليلي القائم على الرياضيات ساعده وايتهيد، والمنطق الذي ساعده فيه فينجشتين المنظم متأخرا الى المنطقية التحليلية الانجليزية بعد انفصاله عن حلقة فينّا معتبرا "قضايا المنطق والرياضيات تحصيل حاصل وصادقة بالضرورة، وهي خالية من المعنى لكنها مع ذلك صادقة كونها عبارات مفهومة، لكنها ليست صورا للواقع وهي تتعلق ببناء اللغة" 4 ، هنا تعبير فينجشتين المناصر لراسل في التحليلية يختلف تماما بينهما من حيث أن فينجشتين كان يرى بالتحليلية فلسفة لغوية مجردة قوامها ومجال اشتغالها نحو وقواعد اللغة، بينما وجد راسل التحليلية هي محاولة ربطه المنطق اللغوي بالرياضيات التي هي قريبة جدا من النزعة العلمية بغية تصحيح الخاطيء بالفلسفة... 

الهدف الثاني الذي حاولت التحليلية الانجليزية فيه أعتماد التحليل اللغوي بزعامة جورج مور الذي يعتبر رائد التحليلية المعاصرة " ربط التحليل الفلسفي بكل من الادراك العام والادراك الفطري وحكم بالكذب على كل قضايا تعارضها" 5 ورغم تاكيد مور أهمية أعتماد فلسفة اللغة الجارية التواصلية بين الناس لكنها التحليلية هي ايضا لم تتمكن من أخراج تحليل اللغة الى ميدان تحليل الواقع والحياة، وبقي هذا التيار يعبّرعن كيانات غير واقعية خالية من المعنى وفارغة المضمون حسب تعبير فينجشتين الذي تحوّل كثيرا في كتابه المتأخر بحوث فلسفية عما كان جاء به في (رسالة منطقية فلسفية) مخطوطته اللغوية الاولى.

كما أستنفدت التحليلية الكثير من طاقتها وقواها الفلسفية في بحثها عن الالفاظ التي تشكل معضلات سجالية نقاشية لا يمكنها الخلاص من فلك الدوران حول مركزية تحليل اللغة المجردة عن الواقع والحياة، ومقدار ما تثيره تلك الالفاظ من مشاكل لغوية أختلافية. ما دعى فينجشتين أعتبار هذا التحليل اللغوي يدور في مركزية قضايا ميتافيزيقية تحاول خلق كيانات غير واقعية خالية المضمون فارغة المعنى.

مستقبل الفلسفة التحليلية

تناول كولنجوود التحليل في كتابه "مقال في المنهج الفلسفي" نزعتين في التحليلية الفلسفية هما النزعة النقدية، والثانية النزعة التحليلية التي ترى أنه لم يبق للفلسفة شيئا من مباحث فلسفية بظهور طغيان فلسفة اللغة والعقل ونظرية المعنى الا مهمة تحليل المعرفة التي لدينا بالفعل، قضايا العلم وقضايا الحس المشترك.6

أن النزعتين النقدية والتحليلية وجدتا نفسيهما أمام جدارالاصطدام بحقيقة أن التحليلية لا يمكنها زج نفسها بقضايا العلم الطبيعي التي لا تجانسه لغة البحث اللغوي الفلسفي، ولا قضايا لا تهتم بالواقع والحياة، بل ينصب أهتمامها على تحليل (الكلام والاقوال) على مستوى التحليل اللغوي الصرف. بمعنى رضخت التحليلية في مآلها الاخير أن تكون فلسفة لغة شكلية عادية لا فلسفة لغة مضمونية ذات حمولة فلسفية تلازم العلم في نزعته التجريبية، وليس بمقدورها ما هو أكثر من تحليل اللغة بتجريد لا يقترب من مباحث العلوم الطبيعية الا فيما يدّعيه ولم يدركه..

بضوء هذا المآل التي رست عليه التحليلية" يكون الفيلسوف العلمي التحليلي – وليس العالم الذي يمارس أحد انواع وتخصصات العلم الطبيعي التجريبي - قد أفرغ العلم من محتواه ومضمونه ليصبح العلم مجرد معادلات صورية لا علاقة لها بالظواهر الخارجية " 7 ولم تسجل التحليلية الانجليزية على العلم الطبيعي مناطق فراغ يمكنها هي القيام سد تلك الفراغات بالاستعانة بفلسفة التحليل في ملئها.

التقدم العلمي في مساره المتوازي مع الفلسفة عموما، جعل النزعة العلمية بالفلسفة تسقط في فضاء الفلسفة اللغوية ذاتها وليس خارجها لا في العلم ولا في واقع الحياة. ولم يستطع العلم الطبيعي استيعاب تلك النزعة العلمية الفلسفية التحليلية ومجانستها معه دونما أمتلاكها الحد الادنى من المؤهلات بضوء تاكيدات تحليل الفلسفة اللغوية على المرتكزات التي فرضت عليها ولم تبتدعها وهي:

- تأكيد الفلسفة التحليلية أنه يتوجب على مباحث الفلسفة أن يكون مرتكزها تحليل اللغة بما هي لغة نحوية وقواعد أسوة بغيرها من الفلسفات التي تشتغل على فلسفة اللغة والمعنى واللسانيات والتحول اللغوي. بفارق أن التحليلية الانجليزية تناولت مواضيع لها وشيجة صلة بالعلم في ناحيتين هما المنطق والرياضيات.. وكلاهما ارادا الاعتياش على العلم الطبيعي وفشلا.

- مهمة التحليل اللغوي لبعض قضايا العلم لا يتوخى منها منافسة العلم التجريبي، بل توّخي الحد الادنى من التحليلية اللغوية الفلسفية أن تكون فلسفة علم بالمعنى الدال أنها فلسفة لغة علمية وليست فلسفة علم طبيعي تنافس الخصوصية العلمية التجريبية في وجوب الالتزام التام في عدم توريط فلسفة التحليل اللغوي في مطبات أختصاصات العلم الطبيعي.

- "لا يفهم فيلسوف العلم التحليلي الدلالة الواقعية المادية بل كل مايهمه الدلالة الصورية فحسب، وهذا يشير الى نزعة صورية تتجه نحو ابتلاع المنطق المادي الذي يجعل الظواهر والوقائع مدار حديثه، وتحويل المنطق الى صورة رمزية بحتة لا علاقة لها بالواقع " 8 وليس أدل على هذا التوجه من أستمساك راسل بالرياضيات دون جدوى وفينجشتين بالمنطق اللغوي الذي تركه في مؤلفه الثاني" تحقيقات فلسفية" لصعوبته التجريدية مثل الرياضيات ليعود المطالبة بوضوح لغوي وقد سانده بهذا المسعى المتأخر جورج مور الذي هو الآخر طالب وجوب الابتعاد عن لغة فلسفية معقدة تهويمية بعيدة عن الوضوح المجتمعي الذي يجعل من الفهم العام للفلسفة التحليلية متاحا للجميع وليس للنخبة فقط.

- تكريس مهمة الفلسفة التحليلية في محاربة وأسقاط جميع الفلسفات الزائفة التي شهدها تاريخ الفلسفة على مر العصور. كما أن من المسائل المهمة أن الفلسفة التحليلية ليست فلسفة قائمة على وضوح ركائزي موحد من حيث النسق اللغوي المفهومي بخصائص مميزة كما نجده مثلا في البنيوية والتاويلية وأخيرا بالتفكيكية.، بل التحليلية هي فلسفة توزعت على عدد كبير من الفلاسفة الذي يعبّر كلا منهم عن فهمه الفلسفي الخاص للتحليل.

لذا تشتت التحليلية الى ما يقرب أكثر من خمسين تيارا فلسفيا عالميا كل فيلسوف فيهم ينظر لفلسفة التحليل بما يراه يمّثل فلسفة مميزة عن غيره، وضاعت جهود هذا الجمع الكبير الفلسفي في الوصول الى فهم تحليلي مشترك يجمعهم. وأنعكس هذا التشتت على فلاسفة أميركان تحليليين وفرنسيين وألمان أيضا.

خصائص فلسفة التحليل

رغم تشتت تيارات الفلسفة التحليلية في سبل وطرق شتى لا تجانس يجمعها ألا أنه تم استخلاص بعض الصفات التي لاقت أجماعا عليها من قبل فلاسفة التحليل هي:

- أعتراف وأقرارالتحليلية بدور اللغة الفعال بالفلسفة أو مايمكن تسميته بالمنحى الشعوري المتزايد نحو اللغة ما ألجأ بعض المفكرين والنقاد نعت التحليلية أنها فلسفة لغة مثل غيرها لا أكثر.9، وطرحت التحليلية رؤيتها أن اللغة ليست وسيلة فحسب بل هي بوصفها هدفا من أهداف البحث الفلسفي ايضا، ومن المهم التنويه أن فلسفة التحليل لا تعتمد لغة موحدة في حل بعض قضايا الفلسفة. حيث دعا البعض أعتماد لغة اصطناعية بديلا عن لغة الفلسفة العادية، وعارضهم آخرون في التاكيد على أعتماد اللغة الجارية التواصلية التي تتسم بالوضوح ابرزهم فينجشتين وجورج مور. وبولغ في أعتماد اللغة الى حد جعل التحليلية تخرج من ثياب خصوصيتها اللغوية التي تود الاقتراب العلمي الذي لم تحقق منه شيئا يذكر.

- الاتجاه نحو تفتيت المشكلات الفلسفية الى أجزاء صغيرة لحلها جزءا بعد آخر.، وتشمل "الاجابة على المشكلات الكبيرة بالفلسفة المشتقة من التحليلات الدقيقة الفرعية الجزئية التفصيلية كي تكون التحليلية فلسفة بدون أفتراضات مسبقة" 10 وهو هدف ولد تنظيريا فلسفيا وليس فلسفيا تطبيقيا منهجيا.

- الخاصية الثالثة هي أن التحليلية فلسفة معرفية تتجه نحو كشف العالم الخارجي، وذلك بفحصه من أجل أكتساب المعرفة التي ترغبها التحليلية معرفة علمية وواقعيتها الابستمولوجية، وأن لا تكون أمتدادا للنزعة التجريبية المنطقية الانجليزية بزعامة جون لوك وبركلي وهيوم ومن قبلهم بيكون.

- الخاصية الرابعة هي المعالجة البين ذاتية لعملية التحليل. بهذه الخاصية أرادت التحليلية التمايز عن الفلسفات التي تتسم حول مركزية الذات مثل الفينامينالوجيا التي تتصور التحليل هو النفوذ الى الجوهر أو الماهية، وتتميز أيضا عن الوجودية التي تدور حول مركزية الذات (البعد الوجودي) وتعتبر هذين المنحيين الفلسفيين لا يقومان على تحليل اللغة ولا يرتبطان بها بشكل موضوعي، ما يجعل منها فلسفات ذاتية عديمة الجدوى بالنسبة لفلسفة تحليلية تعتمد اللغة في تحقيق معرفة نسقية تقترب من مباحث العلم. 11

راسل وبيان التحليلية

جاء على لسان بيرترانرسل في كتابه " مشكلات الفلسفة" أن" الفلسفة التحليلية ثورة جاءت لتعيد الفكر الانجليزي الى مرآه الاصيل وهو الاتجاه التجريبي. ولا يعني ذلك أن التحليل مجرد صورة من الصور التجريبية، أنما هي ثورة وضعت الفلسفة ذاتها موضع التساؤل، وهي بجانب ذلك كونها فلسفة علمية هي فلسفة عن الفلسفة، والفيلسوف التحليلي هو فيلسوف الفلاسفة " 12

لنا التعقيب التالي على بيان راسل المتفائل جدا:

- لا نجد في التحليلية الانجليزية على وجه الخصوص والتحديد أنها فلسفة علمية تقود فلسفة العلم حسب تعبير راسل، فقد رفضت النزعة العلمية الطبيعية كلا من المنطق والرياضيات التحليلية كفلسفة انجليزية لا تمتلك هذين المجالين في محاولتها سحب العلم وراءها وليس العكس الثابت على ارض الواقع في سحب العلم الفلسفة وراءه. أرادت التحليلية الانجليزية الاعتياش على العلم بهاتين الميزتين وفشلت. ولا يوجد من يتقبّل الادعاء الفلسفي الانجليزي أن التحليلية أنجبت فلسفة العلم من رحمها، ولا يوجد ما يثبت هذا الادعاء البعيد جدا عن تمرير مقبوليته الزائفة المصطنعة..

- قضايا الفلسفة منذ نشأتها الاولى في الصين والهند واليونان والرومان والى منتصف القرن العشرين، هي قضايا تهتم بمحورية الانسان كوجود وطبيعة وحياة على الارض وفي الكوني، وقضايا الفلسفة شمولية عابرة للعنصرية الشعبوية المدانة عصريا حداثيا، وهو ما أخفقت التحليلية الانجليزية تحقيق النزر اليسير منه مقارنة بمنجزات تاريخ الفلسفة الحديثة في مختلف بلدان العالم.. فقد ضربت التحليلية الانجليزية على نفسها طوقا من العزلة.

ولم تكن الفلسفة في يوم ما على أمتداد رقعة جغرافيا العالم أن أدعت أنها فلسفة بلد بعينه هي فوق كل تاريخ الفلسفة عامة وهي مفلسة من أثبات وجودها على أرضها كما هي تحليلية راسل التي يعتد بجوهرها الانجليزي العلمي الذي لم يتحقق منه شيئا.

لقد كان لفلاسفة اليونان والالمان والفرنسيين وغيرهم الباع الاكبر والفضل الأعم في نشر تيارات فلسفية هي من الاهمية والريادة التي لا يستطيع راسل التغاضي عنها ولم يقولوا أنهم أخترعوا فلسفة تخص بلدهم وتتويجها سيدة على فلسفات العالم وأنها فلسفة (ثورة) فوق فلسفة العالم وفيلسوف التحليلية هو فيلسوف الفلاسفة بالعالم كما ورد في بيان راسل.

- بأعتراف فلاسفة تحليل أنجليز على عكس طاؤوسية وتعالي بيرتراند رسل أقروا بأن التحليلية وصلت في مآلها الاخير أن تكون فلسفة لغة خالصة تنشد تحقيق معرفة علمية لم تستطع الحصول عليها لا في أعتماد رياضيات راسل ولا في أعتماد تجريبية أسلافه العلميين كما هي عند بيكون ولوك وصولا لديفيد هيوم.. كون قضايا العلم غير الفلسفية هي من أحتكار تخصصات العلوم الطبيعية. فعن أي أحياء وانبعاث موروث فلسفي أحيته التحليلية الانجليزية ممثلا بنزعة التجريب عند بيكون وجون لوك وبيركلي وهيوم، بعدما فشلت التحليلية الانجليزية تحقيقه بالتواصل الميراثي معهم ، ما حدا بفلاسفة أميركان وفرنسيين والمان أختراعهم تيارات فلسفية مجددة أيضا تقوم على فلسفة اللغة والمعنى قبل التحليلية الانجليزية وبعدها، ولم يعتبروا أنفسهم فلاسفة نجباء انجبتهم تحليلية راسل الانجليزية الثورة التي أقتلعت جذور الفلسفة من أصلها بالتبشير بفلسفة هي أم فلسفات العالم المعاصر كما في بيان راسل.

ميراث التحليلية

كتابات جون لوك وبيركلي وهيوم الفلسفية المنطقية التجريبية كانت تندرج تحت عنوان ما يسمى فروع فلسفة المعرفة، وكان المفترض أن تحلل هذه النزعة ضروب الادراك المختلفة بما في ذلك الخيال والاعتقاد.13 ولم يكن بيركلي تجريبيا تحليليا، وليس صحيحا عنه أنه أنكر وجود الاشياء المادية كما هو عند لوك، وأنتقد مور مفهوم بيركلي للتحليل الذي أقتصر على التحليل اللفظي فقط، في ربطه بين الواقع الفيزيائي والواقع الذهني. وكان لوك فيلسوفا تحليليا تناول القضايا التي يقول بها الناس كما هي ليحلل معانيها، وكان يؤكد عمل الفيلسوف هو القيام بازالة ما يعيق المعرفة الانسانية. 14

كما أستندت المثالية الالمانية الى منهج التحليل بالعودة الى الميتافيزيقا، فقام كانط بتحليل القضايا العلمية ونتج عنها التحليل المتعالي الذي عدّه علم الصور القبلية التي يتألف منها العقل. الذي يقوم على تحليل المعرفة للكشف عن المباديء والمقولات المعرفية التي تجعل المعرفة ممكنة وتقول بأستحالة الميتافيزيقا. ومن الجدير أن زكي نجيب محمود أعتبر كانط أضخم رجال التحليل في تاريخ الفكر كله. وينسب لكانط أنه أول فيلسوف أستخدم لفظة تحليل.

بين الفلسفات القارية والتحليلية

لم تهتم اوربا نفس الاهتمام الفلسفي بالتحليل الذي أولته له الفلسفة الانجلوساكسونية الحديثة لها على حساب قضايا فلسفية أخرى. وعلى سبيل الاستشهاد العابر نجد الخلاف كان شديدا بين جاك دريدا المحسوب على الفلسفة القارية الاوربية، وبين جون سيرل الامريكي صاحب التحليلية على الطريقة الامريكية في محاولة بعث وتجديد أصالة الذرائعية الامريكية القارة، الذي أتهم فيلسوف التفكيكية دريدا بأنه ظلامي ليرد عليه الاخير بنعت سيرل الفيلسوف السطحي. والحقيقة التي تقال في أمانة أن جون سيرل فيلسوف موسوعي متعمق ولم يكن سطحيا في تحليله الوعي وفلسفة العقل. ألا أن الحقيقية الثابتة التي تتجاوز هذه الانتقادات الافتعالية تؤكد أن التفريق الانفصالي مابين الفلسفتين القارية الاوربية والانجلوساكسونية، هو تفريق مفتعل لا قيمة حقيقية له حينما سقط معظم فلاسفة اوربا المعاصرين في أحضان الجامعات الامريكية منهم دريدا وبول ريكور واخرين عديدين.غالبية فلاسفة اوربا الحديثين قصدوا حاضنة التفريخ الاميريكية الاكاديمية.

الاهم من هذا التمازج نجده في حقيقة أن الفلسفات القارية الاوربية كانت من التنوع والتشكلات المختلفة والازدهار ما جعل التحليلية التي مصدرها الحديث الفلاسفة الانجليز كانت عاجزة تماما أن تكون الفلسفة المحتواة لتيارات تفلسف اللغة وفائض المعنى، في مسار التحول اللغوي واللسانيات الذي أنبثق من اوربا حصرا. في وقت لم يستطع فلاسفة الانجليز أبتداع فلسفية حديثة غير التحليلية التي أخذتها عن اوربا وأرادت توطينها مركزيا في انكلترا، ما وضعها بين مطرقة الفلسفات الاوربية وسندان الفلسفات الامريكية التي لم تكن تعتبر التحليلية الانجليزية تطورت وجاءت بجديد غير الدوران حول مركزية أفكار راسل ومور التي لم تجد لها فضاءا يحتويها خارج انكلترا ولا في أمريكا ماجعل راسل يضجر من الفلاسفة الاميركان في اعتباره لهم لقطاء الفلسفة البراجماتية الامريكية الخسيسة..

كما تتضمن الفلسفة القارية الاوربية مجموعة من الاراء والتنويعات التي ظهرت في القرنين التاسع عشر والعشرين، من بينها المدارس التي تتضمنها المثالية الالمانية ، والظاهراتية، والوجودية ، والتاويلية، والبنيوية، وما بعد البنيوية، علاوة على أفكار فرويد بالتحليل النفسي والنظرية النقدية في مدرسة فرانكفورت والاراء المتعلقة بالماركسية.

خاتمة

نحاول في الختام التعرض الى أبرز خصائص الفلسفة التحليلية الانجليزية، ويبقى هناك غير الذي نذكره الكثير مما قيل ويقال عنها:

- مركزية اللغة في التحليلية الانجليزية لا يجعل منها فلسفة لغة تتسم بالوضوح وتعرية الزيف اللغوي المستتر بالغموض والتعقيد كما أعلنت هي عن ذلك في تسويق نفسها، وعدم استطاعتها توخي مناقشة قضايا فلسفية هامة تضارع ما حققته الفلسفات القارية الاوربية وعلى وجه التحديد في فرنسا.

- التاثير اللغوي الذي تبنته التحليلية جعلها تضيع وتتشتت في الفلسفات القارية التي لم تجعل من اللغة محورا مركزيا في مقاربتها العلم الطبيعي كما فعلت التحليلية الانجليزية بل كان مسعاهم تطوير فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات في بحث قضايا فلسفية متنوعة لم تحاول التحليلية الانجليزية الاقتراب منها، .

- مهمة تاثير التحليلية الانجليزية على مسار تجسير هوة انفصالها عن الفلسفات القارية الاوربية قام الاضطلاع بها الفلاسفة الاميركان أمثال رورتي وسيرل وسانتيانا وكارناب في مرجعيتهم وارتباطهم بحلقة فينّا، ولم يهتموا بمناقشة الجزء وصولا الى الكل في منهج فلسفي تحليلي.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

الهوامش:

1- احمد عبد الحليم عطية/ الفلسفة التحليلية ، ماهيتها، مصادرها، ومفكروها، ص 50

2- نفسه ص 53

3- نفسه ص 19

4- نفسه ص 17

5- نفسه ص 34

6- نفسه ص 37

7- نفسه ص 37

8- نفسه ص 40

9- نفسه ص 42

10- نفسه ص 43

11- نفسه ص 45

12- نفسه ص 53

13- نفسه ص54

14- نفسه ص 56

 

 

 

 

حاتم حميد محسنفي عام 2002 أعلنت اليونسكو عن تحديد يوم عالمي للفلسفة في ثالث خميس من شهر نوفمبر من كل سنة. هذه المناسبة تشكل احتفالا بموضوع الفلسفة وتأكيدا لقيمتها. ما مدى ملائمة هذه الدراسة القديمة للعالم الحديث؟ سنعرض هنا أربعة اسباب تجعل الفلسفة من الأهمية بمكان لاتقل عن أي وقت مضى.

1- الفلسفة هي أساس التفكير النقدي

مع ان المجتمع يختلف كثيرا اليوم عما كان عليه حين وضع المؤسسون الكبار للفلسفة الغربية بصماتهم،  لكن الأسئلة التي نواجهها اليوم هي بنفس القدر من التحدي. الفلسفة الحديثة تضع التفكير النقدي وحل المشاكل في الصدارة لكي تجعل هناك معنى لهذه المشاكل الخطيرة. كتب الكسندر ليفسلي في موقع هافينجتون بوست، "ان الفلسفة ليست مجردة، الفلسفة تضع الأسئلة المهمة على الطاولة وتعمل لإيجاد جواب. انها تشجعنا للتفكير النقدي حول العالم، هي أساس كل المعرفة وعندما تُستعمل بشكل صحيح يمكنها ان تعطينا فوائد هائلة".

2- العلم لا يستطيع الاجابة على جميع الاسئلة

بفضل التقدم العلمي والتكنلوجي، نحن نميل بقوة للعلوم، نعيش بطريقة مختلفة جدا مقارنة بما كنا عليه بدون ذلك. بدءاً من الثلاجة التي نستخدمها لحفظ الطعام الى الطائرة، لا مجال لإنكار اهمية  التقدم العلمي لبقائنا كنوع بشري. لكن أهمية العلم لا تعني إنكار قيمة الفلسفة. في الحقيقة، ان الاثنين يسيران يد بيد."العلم للأسف لايمتلك كل الأجوبة. تماما مثل أي حقل آخر له حدوده. نحن لا نستطيع اشتقاق كل شيء من التجربة، والفلسفة ليست ميتة .. فمثلا، العلم لا يستطيع تقرير القيم الانسانية. التجريبية لا يمكنها تقرير لماذا يجب علينا التصرف بأخلاقية، ولا لماذا يجب علينا ان نقدّر السعادة الانسانية على البؤس الانساني. نحن لا نستطيع خلق تجربة تختبر طبيعة الحقيقة او استحصال المعرفة"، يذكر الفوتوغرافي الامريكي بلوغر ديفد "الفلسفة في جوهرها تكافح  لمعرفة ما هو حقيقي وذو قيمة، وماذا يعني ان نعيش حياة تستحق وذات مغزى . ذلك شيء ما خارج الحدود بالنسبة للعلم لأن العلم يستطيع ان يخبرنا عن الأشياء تجريبيا لكنه لايستطيع وصف كيف يجب ان نعيش: العلم يساعدنا ان نعيش أطول بينما الفلسفة تساعدنا ان نعيش أفضل".

3- الفلسفة لها معنى خاص في عالم الأعمال

للوهلة الاولى، وكما في الفلسفة  قد لا يبدو العلم "الناعم" ملائما خصيصا للأعمال،  بروفيسور الفلسفة في مدرسة فرانكفورت للادارة والمالية كرستين تيفينس توضح بان كل منْ يريد النجاح في التحدي، او يقود وظيفة في الأعمال، في الادارة العامة، السياسة، او المجتمع الأوسع يحتاج مجموعة حاسمة من المهارات. وتضيف، "انت ستحتاج النظر بسرعة في قضايا معقدة، تضع جنبا الى جنب حججا مقنعة مؤيدة ومعارضة للمقترحات، تختار الملائم من غير الملائم من المعلومات، تفحص انسجامية وصوابية ورقة السياسة، تقرر أي المشاكل حاسمة وتحدد القضايا التي لاتزال تُفهم بشكل سيء. هذه المهارات من التحليل الصارم والحجة السليمة والفحص النقدي كلها أساسية للفلسفة: لا وجود لموضوع يدرّب قدراتنا على التفكير المنهجي والمنسجم أفضل من الفلسفة".

هذه المهارات غير محددة بعالم الأعمال، انها يمكن تطبيقها عمليا على أي سياق سواء كان مهنيا او شخصيا.

4- الفلاسفة القدماء يستمرون في التأثير على الانسانية

بينما افلاطون وارسطو كان لهما الفضل في صياغة مستقبل الحضارات، ولازال لتأثيرهما صدى حتى اليوم،  تؤكد مجلة (الناشرون الاسبوعية) الامريكية "بأن فلاسفة اليونان القديمة مثل افلاطون وارسطو ربما بدوا مبالغ فيهما لكنهما في الحقيقة احياء جدا. قبل 24 قرنا هما وضعا أسس الثقافة الغربية وان افكارهما ورؤاهما لاتزال تفرض سمات اساسية لعالمنا حتى الان، بدءاً من الطعام الذي نتناوله وحتى المعلومات التي نشاهدها في الانترنيت".

وبينما ينظر البعض الى كونفشيوس فقط كجمل وعبارات، لكن عمله كان هاما جدا ويبقى كذلك اليوم. هذا مفيد جدا خصيصا للطلاب في حقول مثل العلوم السياسية والدبلوماسية والسياسة الدولية. فمثلا، طبقا للجغرافية الوطنية، قامت الحكومة الصينية الحديثة بصياغة المزيد من روحها الشعبية على بلاغة كونفشيوس، مثل "طاعة الامبراطور، التنظيم الهيراركي، الولاء". ومن جهة اخرى، تعرض افلام الأبطال الخارقين الاخيرة مثل رجل الستيل (حول السوبرمان) والليل المظلم (الرجل الخفاش) معضلات أخلاقية ترتكز على قضايا فلسفية قديمة مثل مأزق العربة(1).

لذا، بينما تبدو الفلسفة لبعض الناس تفتقر للجاذبية على الورق، لكنها ذات قوة استثنائية وإمكانية فذة. انها لا ترمز فقط  لتغيير العالم، بل انها ربما تغير حياتنا. احد الطلاب يصف كيف ان كورسا في الفلسفة ساعده في تغيير حياته،  يقول "بينما كنت مرة اكره الفلسفة،  لكني الان اتخصص بها. انا لدي القناعة بان الفلسفة تعطينا الأدوات لنصبح مفكرين جيدين، وهي بهذا تصبح المهارة الأكثر أهمية في الحياة.

 

حاتم حميد محسن

.................

الهوامش

(1) معضلة العربة trolley problem تصف مأزقا اخلاقيا فيه خمسة أشخاص وُضعوا مقيّدي الأيدي على سكة قطار وكانت عربة القطار تتجه نحوهم، المتحكم بحركة القطار كان لديه خيار واحد هو توجيه العتلة نحو مسار آخر، لكن هذا المسار سيموت فيه شخص واحد. وهنا تبرز المعضلة هل يستمر القطار في مساره الاول فيقتل خمسة اشخاص ام يأخذ المسار الآخر فيقتل شخصا واحدا فقط؟

 

حاتم حميد محسنان أصل المجتمع، او الظهور التطوري للتنظيمات الاجتماعية الانسانية المتميزة هو من الموضوعات الهامة ضمن البايولوجيا التطورية والانثربولوجي وعلم آثار ما قبل التاريخ. ومع ان القليل عُرف بشكل مؤكد، لكن النقاشات منذ هوبز وروسو عادت مرة اخرى لما طُرح من اسئلة فلسفية واخلاقية وتطورية .

الاصول الاجتماعية في الطبيعة

يمكن القول ان أهم نظرية في الاصول الاجتماعية للانسان هي نظرية توماس هوبز الذي جادل في كتابه اللفياثان (الفصل 13) انه بدون حكومة قوية فان المجتمع سينهار الى حرب الجميع ضد الجميع. في مثل هذه الظروف، لن يكون هناك مكان للصناعة لأن ثمارها ليست مؤكدة وبالنتيجة لا ثقافة ولا ملاحة ولا فائدة من السلع التي يمكن نقلها عبر البحار ولا وسائل للحركة وإعادة الحركة، هذه الأشياء تتطلب مزيدا من السلطة، لا معرفة في الارض، لا حساب للوقت، لا فن ولا رسائل، لا مجتمع، وما هو اسوأ من كل ذلك، الخوف المستمر وخطر الموت العنيف، وحياة الانسان تصبح منعزلة وفقيرة وكريهة ووحشية وقصيرة.

إبداع هوبز كان المساهمة في تأسيس مجتمع على أساس "عقد اجتماعي" يتنازل فيه رعايا التاج بجزء من حرياتهم مقابل الأمن.

اذا كانت فكرة هوبز مقبولة، ذلك يعني ان المجتمع لا يمكن ان يبرز قبل الدولة . هذه المدرسة من الفكر بقيت مؤثرة الى اليوم. أحد البارزين في هذا الشان وهو الاركولوجي البريطاني (كولن رنفرو) يشير الى ان الدولة لم تنشأ الاّ بعد وقت طويل من تطور الانسان العاقل . الممثلين الأوائل لنوعنا الانساني طبقا لرنفرو ربما صحيح كانوا حديثين من حيث تركيب الجسد، لكنهم لم يكونوا حديثين معرفيا وسلوكيا. فمثلا، هم افتقروا للقيادة السياسية، التعاون على نطاق واسع، انتاج الطعام، دين منظّم، القانون او الصناعات اليدوية. كان الناس مجرد صيادين وجامعي بذور يشبهون كثيرا القرود يأكلون حيثما يجدون الطعام في ما يجاورهم. يقترح رنفرو بشكل مثير للجدل ان الصيادين الى هذا اليوم يفكرون ويخلقون صداقات وفق خطوط لا تختلف كثيرا عن نظرائهم البدائيين اللاّ انسانيين. بالذات هو يقول هم لا"ينسبون اي معنى رمزي للأشياء المادية" ولذلك السبب هم "يفتقرون لذهن متطور كليا"، لكن انثوغرافيو جامعي البذور يؤكدون ان بحث الناس عن الطعام له مؤسسات اجتماعية – لاسيما حقوق وواجبات مؤسسية مقننة في انظمة رسمية للقرابة. الطقوس المتقنة مثل افتتاح الاحتفالات يساعد في ترسيخ العقود والالتزامات بشكل مستقل عن الدولة. علماء آخرون يضيفون بانه بمقدار ما نتحدث عن "الثورات الانسانية" – فان التحولات الكبرى في التطور الانساني لم تكن في ثورة العصر الحجري الحديث وانما في صعود الثقافة الرمزية التي حدثت في نهاية العصر الحجري الوسيط.

الفوضوي والانثربولوجي (برير كلاستر) يجادل بالضد تماما من موقف هوبز، قائلا ان الدولة والمجتمع غير منسجمين : المجتمع الحقيقي يكافح دائما ليعيش ضد الدولة.

جان جاك روسو

كما هوبز، جادل روسو بان المجتمع وُلد في العقد الاجتماعي. بالنسبة لروسو، السيادة منوطة بكامل السكان الذين يدخلون مباشرة في عقد مع آخر. "المشكلة"، هو يقول "هي ان تجد شكلا من الارتباط يدافع ويحمي بقوة مشتركة شخصية واموال كل مشارك، وبينما كل شخص يوحّد نفسه مع الكل، لكنه لايزال يطيع نفسه فقط، ويبقى حرا كما كان من قبل"(جان جاك روسو، العقد الاجتماعي والخطابات G.D.H.cole، لندن و ملبورن، الجزء الاول فصل 8).

هذه هي المشكلة الاساسية التي يوفر العقد الاجتماعي حلا لها. فقرات العقد، كما يوضح روسو، يمكن اختزالها الى واحدة "نقل كامل للملكية لدى كل مرتبط مع جميع حقوقه، لكل الجماعة. كل انسان، في إعطاء نفسه للكل، لا يعطي نفسه الى أي شخص، وبالنتيجة يكسب مردود مساوي لكل خسارة يتحملها، ومن ثم يزيد سلطة الحفاظ على ما يمتلك". بكلمة اخرى، كل واحد منا يضع نفسه وكل سلطاته تحت توجيه الرغبة العامة، وفي ظل مقدرتنا العامة، نحن نقبل كل عضو كجزء لا يتجزا من الكل. وهنا، بدلا من الشخصية الفردية لكل طرف متعاقد، هذا الفعل من الانتساب يخلق هيئة أخلاقية وجمعية مركبة من عدة أعضاء لأن الجمعية تحتوي على اصوات وتستمد من هذا الفعل وحدتها وهويتها المشتركة وحياتها ورغبتها. بهذا يعني، كل عضو بالجماعة لا يكتسب فقط قدرات الكل وانما ايضا ولأول مرة، الذهنية الرشيدة: المسار من دولة الطبيعة الى الدولة المدنية ينتج تغييرا كبيرا في الانسان، باستبدال العدالة بالغريزة في سلوكه، وإعطاء أفعاله السمة الأخلاقية التي افتقر اليها في السابق. عندئذ، فقط عندما يحل صوت الواجب محل الدوافع الفيزيقية وحق النهم والشهوة، فان الانسان الذي فكّر فقط بنفسه، يجد انه مجبر للتصرف بمبادئ مختلفة، ويستشير عقله قبل الاستماع الى ميوله.

السير هنري سومنر مين

في كتابه الهام (القانون القديم، 1861) جادل مين انه في الاوقات المبكرة، كانت الوحدة الاساسية للمنظمة الاجتماعية الانسانية هي العائلة البطريركية او الذكورية.

ان الدليل المشتق من التشريعات المقارنة يؤسس الرؤية للظروف البدائية للعرق الانساني والتي تُعرف بالنظرية البطريركية. وباعتباره خصما للافكار الفرنسية الثورية والافكار الاجتماعية الراديكالية الاخرى، كان دافع مين سياسيا. هو سعى لإضعاف ميراث روسو والمؤيدين الاخرين لحق الانسان الطبيعي بقوله انه في الأصل، لم تكن لأي فرد اية حقوق ابدا "كل انسان يعيش في الجزء الاكبر من حياته تحت استبداد بطرياركي، كان عمليا مُسيطر عليه في جميع أفعاله بنظام ليس حكم القانون وانما بالنزوة. ليس فقط اطفال البطرياركي عرضة لما يسميه مين بـ "الاستبداد"، وانما ايضا زوجته وعبيده ايضا تأثروا بنفس المقدار. ان فكرة القرابة، طبقا لمين كانت ببساطة طريقة لتصنيف اولئك الذين تعرّضوا بالاكراه للحكم العشوائي المستبد. لاحقا، اضاف مين سمة دارونية للجدال. في كتابه "نسب الانسان" اوضح دارون تقارير بان ذكر الغوريلا البري يحتكر لنفسه اكبر عدد ممكن من الاناث اللواتي يمكنه الدفاع عنهن. مين وافق على تفكير دارون بان "الانسان البدائي" ربما عاش في جماعات صغيرة، لكل واحد عدة زوجات يتولى حراستهن بدافع الغيرة ضد الرجال الاخرين.لكي يوضح بالضبط معنى "البطريركية" أعلن مين ان "الغيرة الجنسية التي يتمتع بها الذكور من خلال السلطة، تعمل كتعريف للعائلة البطريركية".

لويس هنري مورغان

في كتابه البارز، المجتمع القديم (1877)، والذي يبدو في عنوانه صدى لكتاب القانون القديم لمين، يقترح لويس نظرية مختلفة كليا. أصر لويس بانه طوال الفترات الاولى من التاريخ الانساني، لم يكن هناك وجود لا للدولة ولا للعائلة. هو يفترض ان جميع اشكال الحكومة تُختزل الى خطتين عامتين اثنين مستخدما كلمة خطة plan بمعناها العلمي. الخطتان في اساسهما متميزان جوهريا. الاولى، في ترتيب الزمن،  تتأسس على الافراد، وعلى علاقات شخصية خالصة، و يمكن تمييزها كمجتمع. العشيرة هي وحدة هذا التنظيم، تتخذ مراحل متعاقبة من التكامل. في الفترة القديمة، العشيرة وجماعة القربى والقبيلة واتحاد القبائل شكّل شعب الامة. وفي فترة لاحقة حدث التحام للقبائل في نفس المنطقة ضمن امة في كونفدرالية قبلية تشغل مناطق مستقلة. وهكذا بعد فترة طويلة من ظهور العشائر، حدث التنظيم العالمي المهم للمجتمع القديم، وبقي مع الاغريق والرومان بعد ظهور الحضارة. اما الخطة الثانية تأسست على الاقليم وعلى الملكية، ويمكن تمييزها كدولة (مورغان، 1877. المجتمع القديم. شيكاغو:شارلس H.Kerr صفحة6).

طبقا للويس بدلا من العائلة والدولة، حلت العشائر التي يُطلق عليها حاليا "clan" وترتكز اساسا على مكان اقامة الام وعلى نسب الام. هذا المظهر من نظرية ليوس، نال القبول من كارل ماركس وانجلس، لكنه حاليا يلقى معارضة.

فردريك انجلس

اعتمد انجلس على افكار لويس في اطروحته عام 1884 بعنوان (اصل العائلة، الملكية الخاصة والدولة) في ضوء بحوث لويس هنري مورغان. كان الاهتمام الرئيسي لانجلس هو الموقف من المرأة في المجتمع القديم، وبالذات اصرار لويس على ان العشيرة الامومية سبقت العائلة كوحدة اساسية للمجتمع. "جماعات حق المرأة"، كتب انجلس في استبيانه عن الامومة التاريخية المعاصرة، "اصبحت المحور الذي تدور حوله كل العلوم". جادل انجلس بان الجماعة الامومية مثّلت مبدأ للتنظيم الذاتي الحيوي جدا والفعال لدرجة لم تسمح بأي مجال للسيطرة البطريركية او الدولة الاقليمية. العداوة الاولى التي ظهرت في التاريخ الانساني تتزامن مع ظهور الخصومة بين الرجل والمرأة في الزواج الاحادي، والقمع الاول للنساء من جانب الرجل.

اميل دوركهايم

دوركهايم كان يرى انه لكي يوجد اي مجتمع انساني يجب ان يقاوم الميل الطبيعي للجنسين للاتحاد بشكل غير شرعي. هو جادل بان النظام الاجتماعي يفترض سلفا الاخلاقية الجنسية التي يُعبّر عنها في المحضورات ضد الجنس مع اناس معينين او اثناء فترات معينة في المجتمعات التقليدية خاصة اثناء الحيض.

احدى الحقائق المؤكدة هي ان كامل النظام من المحضورات يجب ان يمتثل بشكل صارم للافكار التي امتلكها الانسان البدائي حول الطمث، لأن جميع هذه التابوات تبدأ فقط مع بداية سن البلوغ ومع اول علامة لظهور الدم تكون تلك المحرمات قد بلغت شدتها.

كتب دوركهايم عام 1898، بان تابو سفاح القربى ليس اكثر من مثال معين عن شيء اكثر اساسية وعالمية – وهو الإعداد الطقسي "للمقدس" من "المدنس". هذا يبدأ كانفصال بين الجنسين كل واحد منهما – على الاقل في المناسبات الهامة – هو "مقدس" او "منفصل" عن الآخر. "الجنسين"، كما يوضح دوركهايم، "يجب ان يتجنبا بعضهما بنفس العناية عندما يهرب المدنس من المقدس والمقدس من المدنس".

النساء كأخوات يتصرفن انطلاقا من دور الكائنات "المقدسة"المستثمرة بنوع من سلطة العزل لتبقي السكان الذكور على مسافة". دماء الطمث لديهن تضعهن في صنف بعيد، يشكل "نوعا من الفعل الرافض الذي يجعل الجنس الآخر بعيدا عنهن". بهذه الطريقة، ينشأ البناء الطقسي القديم ليؤسس لأول مرة "مجتمعا" منظّم اخلاقيا .

سجموند فرويد

وصف دارون المجتمع الانساني القديم بشكل مشابه لمجتمع القرود، حيث سيطرة ذكر واحد او اكثر يحرسون بدافع الغيرة مجموعة من الزوجات. في اسطورته "الحشد البدائي"، اخذ فرويد لاحقا كل هذا كنقطة بدء ولكن افترض فيما بعد تمردا شنّه أبناء الطاغية. كل ما كان موجود هو أب عنيف وغيور يحتفظ بجميع النساء لنفسه ويطرد ابنائه بعيدا عندما يكبرون .. وفي يوم ما يأتي الاخوة المطرودون مجتمعين ليقتلوا آبائهم وبهذا وضعوا نهاية للحشد البطريركي.

بعد هذا، تأتي عصابة من الاخوة لتأخذ الحيازة الجنسية لأمهاتهم واخواتهم لكنهم فجأة يتغلب عليهم الندم. في حالتهم الشعورية المتناقضة هذه، اصبح أبوهم الميت الآن أقوى من الاب الذي كان حيا. وكطريقة لتذكّره، نقض الاخوة أفعالهم عبر منع القتل و أكل "الطوطم"معلنين ادّعائهم بالمرأة التي اصبحت حرة لتوها. بهذه الطريقة، تأسس لأول مرة التابوان الاساسيان الاثنان للمجتمع البدائي لا تأكل الطوطم ولا تتزوج الاخوات .

ارنست غيلنر

الانثربولوجي ارنست غيلنر كتب، ان الكائنات البشرية ليست مبرمجة وراثيا لتكون أعضاء في هذا النظام الاجتماعي او ذاك. انت يمكنك ان تأخذ رضيعا وتضعه في أي نوع من النظام الاجتماعي وسوف يعمل بشكل مقبول. ما يجعل المجتمع الانساني متميزا هو ذلك النطاق الرائع من مختلف الاشكال التي يتخذها عبر العالم. لكنه، في اي مجتمع معين، يكون نطاق السلوكيات المرخصة مقيد جدا، وهذا يعود ليس لوجود نظام خارجي قسري يفرض العقوبات ويمنح المكافئات وانما لأن القيود تأتي من الداخل، من مفاهيم أخلاقية إجبارية معينة يتشرّبها أعضاء النظام الاجتماعي. يتولى المجتمع تكريس هذه المفاهيم في نفسية كل فرد باسلوب جرى تحديده لأول مرة من قبل اميل دوركهايم، أي، بواسطة وسائل الطقوس الجمعية . لذلك، فان مشكلة المجتمع الأصلي تُختزل بمشكلة اصول الطقوس الجمعية (غيلنر، 1988، اصول المجتمع).

كيف تأسس المجتمع، وكيف تنوعت سلسلة من المجتمعات، بينما في نفس الوقت مُنع اي منها من الاستغلال الفوضوي لذلك التنوع الواسع للسلوك الانساني؟ كيفية عمل هذا توضحه النظرية، وهي واحدة من النظريات الاساسية للانثربولوجيا الاجتماعية. الطريقة التي تمنع بها الناس من عمل مختلف الاشياء، غير المنسجمة مع النظام الاجتماعي الذي هم أعضاء فيه، هي انك تعرّضهم للطقوس. العملية مبسطة: انت تجعلهم يرقصون حول عمود الطوطم حتى يغرقون في الاثارة ويصبحون هلاميين وسط هستريا من الهيجان الجمعي، انت سوف تعزز حالتهم العاطفية بأي وسيلة، بكل الوسائل السمعية والبصرية المتوفرة والادوية والموسيقى وغيرها، وحالما يصلون الى الذروة، انت ستطبع في أذهانهم نوع المفهوم او الفكرة التي سيصبحون لاحقا عبيدا لها.

 

حاتم حميد محسن

.......................

The origins of society, from Wikipedia, the free encyclopaedia

 

 

علي محمد اليوسفيذهب أحد الفلاسفة تعريفه " الوعي أنه الفكر الانساني، وحيث لا وجود لوعي لا وجود لفكر ولا للغة"1. الوعي هو تجسيد تفكير العقل لمدركاته بوسيلة تعبير الفكرواللغة في تلازمهما تحقيق قصدية الوعي. الوعي من غير قصدية هو تغييب للفكرواللغة وادراك المحيط وفقدان السلوك المجتمعي. وفي عجز هذه الحلقات التعبيرية الايفاء في الافصاح عن موضوع الوعي. والشيء الاهم أن قصدية الوعي هي ليست من أختراع الوعي ولا خاصية ذاتية له حتى اذا انتسبت اليه، فالقصدية هي السمة التي يخلعها تفكير العقل على الوعي كي لا يكون تهويما عبثيا لا قيمة يحملها ولا حدود معرفية تحده. الوعي هو تفكير العقل القصدي المعبّر عنه بالفكر واللغة بموضوع.

يوضّح هوسرل صاحب مقولة قصدية الوعي التي أخذها عن استاذه برينتانو، "أن القصدية هي من عمل الوعي وحده"2، وهذا التعبير الالتباسي يجعل من الوعي حامل دلالة المعاني التاويلية الخاطئة التالية في حال اعتبار هوسرل القصدية صفة ذاتية للوعي وليست صفة يكتسبها الوعي من ترابطه بمنظومة العقل الادراكية:

- الوعي هو الذي يحدد القصدية وليس تفكير العقل يخلق الوعي القصدي في تعبير الفكر واللغة عنه في مدركاته التي يعيها موضوعات له..

- الوعي ليس ناتجا عن تفكير عقلي، بل الوعي تخلقه الادراكات الحسية وغير الحسية خارج منظومة العقل الادراكية..

- والوعي يسحب فكره ولغة تعبيره بملازمتهما معه باستقلالية عن تعالقه بمنظومة العقل الادراكية.

هذه بعض الاخطاء التعريفية التداولية في معنى الوعي الذي هو خاصية انسانية يحوزها الانسان الفرد على مستوى ادراكه لذاته ولموضوعه، وعلى مستوى الجماعة في تعاملهم الادراكي مع مواضيع الوعي كلا من وعيه الخاص به. الوعي صفة انفرادية يمتلكها كل انسان سوي طبيعي في افصاحه عن موضوع.

من الامور التي أغفلها هوسرل أن قصدية الوعي لا يحددها الوعي بمعزل عن الافعال والردود الانعكاسية التي يصدرها تفكير الدماغ عن الشيء الحسي أو عن الموضوع المدرك ، كما أن الوعي لا يمتلك تجريد الفكر واللغة المصاحبتين له اللتين هما  تصنيع عقلي ذهني، فالوعي ناتج ترابط تجريد الفكر مع تجريد اللغة بما تمليه عليهما منظومة العقل الادراكية بمجملها التي أحدى حلقاتها الوعي. الوعي تجريد يكتسب كل خصائصه الادراكية من منظومة العقل.

الوعي هو تجسيد ادراك العقل بوسيلة تعبير الفكر واللغة، والوعي حلقة ترابطية لا تكتسب محتواها الا من خلال ادراك العقل لموضوعاته، رغم ما يحمله الوعي من تجريد فكري لغوي، من حيث فهمنا الوعي هو محصلة ادراك تعبير الفكر واللغة عنه.

الادراك والوعي

الادراك مرحلة متقدمة بدئية على الوعي مصدره الاحساسات لم يكتسب القيمة الافصاحية التي تصدر عن العقل ولا يخلقها الوعي ذاتيا في الادراك، فالادراك هو الاحساسات الاولية الصادرة عن الاشياء الواصلة على شكل انطباعات تصورية بالذهن... والوعي هو الحصيلة النهائية لمنظومة العقل الادراكية في البوح عن تلك الخلاصة بتعبير الفكر واللغة... بمعنى الوعي هو آخر مرحلة ادراكية صادرة عن العقل عليه نستطيع القول أن الوعي هو المرحلة الاخيرة من سلسلة المنظومة  الادراكية في حقيقة تمثيل الوعي لأرادة العقل النهائية حول موضوع أو شيء.

بمعنى الوعي الذي يشترك تجريديا مع الذهن والذاكرة كحلقات ترابطية معه في سلسلة الادراك العقلي الا أنه يتقدمهما بالادراك المستمد من العقل. هذا لا يعني أن الوعي لا يتشارك الفهم الاندماجي المتداخل والمعنى المتبادل مع الذهن والذاكرة والفكر واللغة.. لكنما نجد الوعي يتقدمهما بالافصاح الفكري اللغوي الملازم له. وربما يتشكل الوعي من ادراك عقلي فكري صامت لا يحتاج لغة التعبير الافصاحي عن محتواه ويبقى تفكيرا استبطانيا لا يبوح عن نفسه ولا يعبر لغويا عن موضوع تفكيره..

الحواس وما تبعثه من أحساسات حسيّة خارجية، ومنظومة الجهاز العصبي الناقل والمستلم لردود الافعال الدماغية الواردة والصادرة الانعكاسية، وصور ما ينطبع بالذهن من أحساسات صورية عن المدركات الخارجية، والذاكرة بنك معلومات تخزين الخبرات التراكمية المكتسبة، والفكر واللغة في تعبيرهما عن المدركات، من مجموع هذه الحلقات يخرج تفكير العقل بمقولاته التي لا رجعة ولا تعديل يطرأ عليها ليجسدها (الوعي) لا غيره في الافصاح عن مدركاته، بهذا المعنى من أهمية الوعي يكون هو استنساخ ادراكات تفكير العقل ونقلها حسب المطلوب منه عقليا بتعبير اللغة والفكر. ورغم كل هذه الميزات التي يحملها الوعي فهو ليس موضوعا يمكن ادراكه عقليا منفردا. الوعي خاصية ذاتية يعرف بها الانسان حقيقة نفسه وادراك موضوعاته لكنه لا يكون موضوعا مدركا لغير حامله كخاصية انفرادية.

حلقات منظومة العقل الادراكية هي تجليّات ترتبط بيولوجيا بدماغ الانسان لكنها تبقى في حقيقتها الترابطية تجريدا لا معنى لواحدة بانفصالها المستحيل عن هيمنة العقل ورقابته التكاملية لجميع الحلقات الادراكية التي تتصل به.

الذهن أو الذاكرة أو الوعي تبقى حلقات تستمد قيمتها من ارتباطها بمنظومة العقل الادراكية لكنها لا تمتلك الاستقلالية البيولوجية عن تلك المنظومة في أحتفاظها بالصفة التجريدية فقط. عندما نقول (وعي) فلا يمكننا تصور ماذا يعني الوعي من غير أعتباره حلقة ادراكية ترتبط بيولوجيا بالدماغ وتعبر عن نفسها بتعبير الفكر واللغة المجردتين ايضا عن موضوع.

الوعي خاصية يمكن للفرد حاملها ادراكها لكنها من المستحيل أن تكون موضوعا مدركا من غير صاحبها. بمعنى الوعي يعي ذاته ويعي موضوعه لكنه لا يكون موضوعا لغيره قبل تعبير الفكر واللغة عنه. ثمة مقارنة تقريبية تفيدنا كيف يحمل الوعي صفتي البيولوجيا والتجريد معا، فالوجود حسب تعريف كواين هو أن توجد قيمة متغير متصل. ولو نحن حاولنا أسقاط هذا المعنى على مفردات متصلة متغيرة مجردة مثل الذهن والذاكرة والوعي فلن نتمكن من اكسابها صفة الوجود – البايولوجي العضوي ولا المادي المستقل – فهي موجودات غير وجودية تستمد قيمتها في متغيراتها الاتصالية بتفكير العقل لكنها لا تكتسب صفة الموضعة العضوية كموجود بالمعيار الذي حدده كواين، وتبقى هذه الانواع من التجليّات الادراكية تحمل صفتي الارتباط البيولوجي مع مجردات منظومة العقل الادراكية التي تبدأ بالحواس وتنتهي بالدماغ لكنها في حقيقتها ليست مواضيع مدركة بل هي تجريدات في منظومة العقل المعرفية..

الوعي الذات والانا

على حد تعبير أحد فلاسفة اللغة يعتبر الوعي هو وعي شيء ما، وكل وعي هو وعي الذات بنفس وقت وعي لشيء آخر. لو نحن أمعنا التدقيق التاويلي في العبارة لوجدنا حين يكون الوعي مجردا من قصديته فهو لا يعدو كونه أدراكا بلا معنى أكثر من تمثيله انعكاسا ماديا لصور الاشياء المدركة بالانطباع في الذهن الاستقبالي لها. والذهن ليس مرجعية الوعي في فهم المدركات، الذهن لا يفكر بالاحساسات الواردة اليه المنطبعة فيه بمعزل عن تفكير الدماغ أوبالنيابة عنه. الدماغ هو الذي يمنح قبول مرور انطباعات الاحساسات بالذهن بعد فلترتها باهميتها أم لا.

الوعي القصدي هو خاصية انسانية يتفرد بها الفرد، وقصدية الوعي التي أعتمدها هوسرل لم تعد هي القصدية التي أعتمدها جون سيرل، ولا هي وعي الانا التي أعتمدها كانط بأعتباره الانا نوعا من الوعي القصدي المتسامي المتعالي الذي لا يتحدد بموضوعه الادراكي. وفي تجاوز كانط للفهم الديكارتي في الكوجيتو لمعنى (الوعي بالذات) أشار الى أن الذات المتسامية التي هي الانا العليا لا يمكن أن تكون موضوعا بتاتا. وهو ما لا يمكن نكرانه في انطباقه كمعيار فلسفي يطال الوعي مقبول منطقيا فلسفيا..

هذا الاشكال الذي وضعه كانط في معنى وعي الذات القائم على تسامي الانا، يسحبنا مضطرين الى مناقشة متى كان وعي الذات (الانا) موضوعا كي لا تكون الانا العليا موضوعا؟، الا في حال ربط الوعي الذاتي بالانا المتعالية المتسامية كما يرغبه كانط، وعي الذات سواء بالتعالي الأنوي أم بغيرها فهو خاصية انفرادية يمتاز بها الانسان، ولا يمكن أن يكون الوعي موضوعا، لأنه لا يدرك الا من صاحبه فقط... الموضوع موجود مستقل خارج وعي الانا له وادراكه،وموجود خارج الادراكات التي لا تكون وعيا تفكيريا عقليا به.

وبالتاكيد لو لم يكن الوعي هو وعي بموضوع آخر لما توفرت الحاجة الى أن يكون الوعي قصديا مشروطا بتلك الخاصية الهادفة تحقيق معرفة معنى موضوعه. وعي الذات يقود الشخص الى سلوكية قصدية خاصة بصاحبها. الانا هي اساسا وعي ذاتي لا يمكن أن يكون موضوعا مدركا من غيره. ويوجد العديد من اشكال وعي الانا التي يحتازها ويمتلكها الانسان ولا تكون موضوعا مدركا من غير صاحبها مثال ذلك الضمير، النفس، العواطف، الاحساسات، الاحاسيس، السلوك، الرغبات ، الغرائز، الماهية وهكذا.جميع هذه الموضوعات الادراكية وغير الادراكية تبقى تجريدات مفاهيمية مطلقة لا معنى لها الا من خلال الوعي الادراكي بها والتعبير عنها بفكر ولغة تحمل دلالة المعنى عنها كمواضيع وليس كمفاهيم مطلقة مجردة.

الوعي: المجتمع والحاسوب

الوعي ليس ادراك تعبيري قصدي متجرد عن معنى قصديته الواقعية. بل هو ذلك الوعي القصدي الذي يقود صاحبه الى سلوك مجتمعي يجعل من الانسان جزءا فاعلا بالحياة. "والكيان الذي لا يملك الادراك من حيث هو علاقة مع العالم، والذي لا يقدر على التفاعل الاجتماعي هو كيان غير قادر على القيام بسلوك لغوي بشري حتى لو كان انسانا"3

أن عجز الحاسوب أن يكون كائنا لغويا مستنسخا تماما عن لغة الانسان لا يصبح انسانا في امتلاكه خاصية اللغة، ليس لأن الحاسوب لا يمتلك روحا وأنما لعدم أمتلاكه جسدا يجعله يعيش داخل مجتمع يؤثر فيه ويتاثر به.4

نلاحظ هنا تاكيد أن الوعي القصدي هو فعالية حيوية مكتسبة من العقل، ولا فائدة منها ما لم تكن سلوكا ضمن مجتمع، أي حسب تعبير هيدجر وعي الذات حقيقته هي وجود- في – عالم. هذه المقولة الهيدجرية التي نتداولها على أنها تمثل انتهاء الوعي الى استقرار انطولوجي محسوم ممثلا في الوجود في عالم يتفاعل معه وبذلك يجد الوعي دلالته الطبيعية في قصدية وصوله الاندماج في عالم هو عالم الناس والمجتمع.. أنه لمن الغريب أن يعود هيدجر في نفس كتابه الكينونة والزمان ليدحض المعنى الشكلي الظاهري للعبارة في محاولته التماهي مع مقولة كانط في الانفراد المتعالي للذات في الانا العليا التي لن تكون موضوعا بتاتا، مؤكدا هيدجر  تصحيح الفهم الخاطيء الذي يقوم من خلال عبارته أن قصدية الوعي في تموضعها الوجودي في عالم يعني أن وعي الانسان هو أصلا خارج العالم. بهذا التعبير اراد هيدجر حل مشكلة أوقعنا باكبر منها.

بتلك العبارة المزدوجة المعنى يضع هيدجر الانسان في منطقة محصلة التجاذب الصفر في وجود الانسان الذي يتقاذفه اللاوجود بين عالمين وجود (في) داخل مجتمع ووجود (خارج) ذلك المجتمع بنفس الوقت ...هذا الخلط الازدواجي مصدره عدم التفريق بين جوهرين متلازمين لكنهما لا يمثل أحدهما الاخر بايولوجيا، فالوعي هو تجريد ملازم للانسان منفصل عنه وملازم ومتحد فيه. فكيف يكون الانسان كينونة وجودية هي داخل مجتمع ومنفصلة عنه خارجيا بنفس الوقت؟؟ الانسان وجود بايولوجي فيزيائي يحمل خصائص عديدة أحداها هو (الوعي) وحينما يكون هذا الوعي مندمجا في وجود مجتمعي، فهذا الوعي يكون تجريدا صادرا عن انسان فرد منعزلا بطبيعته البايولوجية عن مجتمعه ككيان فردي. بعبارة اكثر توضيحا كما أننا لا يمكننا أختزال كينونة الانسان باللغة والفكر فقط، فيكون هنا معنا نفس الشيء لا يمكننا أختزال كينونة الانسان بمفردة الوعي الادراكيية التي تتموضع بالاشياء بمعزل عن التاثير الوجودي في صاحبه الذي هو الانسان.. الوعي هو سلوك انساني تسيّره الارادة الانسانية المعنية به. والسلوك الاندماجي التكيّفي مع المجتمع الذي يقوده الوعي لا يجعل من كينونة الانسان ذائبة بهذا التواصل الاندماجي عبر التواصل السلوكي، وأنما الاندماج يطال الوعي ولا يطال الانسان اذا جاز الفصل بينهما. 

افلاطون واللغة

أنه لمن العبقرية حقا أن يعتبر افلاطون النص المكتوب لغويا ليس سوى صورة مشوّهة للسلوك البشري، وعلى نفس هذه الفكرة أنكر جون سيرل فيلسوف العقل والوعي القصدي المعاصروفلاسفة آخرين معه "ان المعالجة التي تتم في الحواسيب ليست هي بالفعل سلوكا لغويا بشريا"5، لنفس الاسباب التي كنا مررنا عليها سريعا ونؤشرها الان هي:

- لغة الحاسوب هي ليست لغة مجتمعية بمعنى أمتلاكها كل خصائص لغة التواصل الطبيعية، كون الحاسوب لا يمكنه أن يكون كيانا يعيش ضمن مجتمع يتفاعل معه كما يفعل الانسان..

- لغة الحاسوب في تمكينها خاصية توليد الاشتقاقات اللغوية ألا أنه أي الحاسوب لا يستطيع التحكم في العبارة التي أوصلت المعنى للمتلقي أم لا، بمعنى الحاسوب لا يمتلك وعيا أدراكيا يجعله يتحكم بطول وقصر عبارة اللغة في مخاطبته الاخر تواصليا تحاوريا. بمعنى التكافؤ الندي مع الآخر. لغة الحاسوب لا تمكنه من أختيار السلوك اللغوي المندمج مع المجتمع. ولا يتمكن أمتلاك العواطف والضمير والقيم الاخلاقية والدينية وغير ذلك.

- لغة الحاسوب تفتقد أهمية الالتزام بما يترتب على الجملة والعبارة الصادرة عنه كما هو عند الانسان في تحديده موعد لقاء مثلا واين ومتى؟، وكذلك الايفاء بالوعود التي يقطعها الحاسوب على نفسه من خلال لغته ولا يعرف معنى الالتزام بما يترتب عليها من تنفيذ أجرائي مستقبلي.

ولعل تعبير كوندياك في تناوله أصل اللغة يشير الى مثال في غاية الدلالة عن السلوكية اللغوية قوله " الصرخة التي تنطلق من شخص ليست متمثلة في وعي الشخص، وأنما متمثلة في وعي الشخص المتلقي الذي يراقب الصرخة. وليس هناك لغة فردية ولا بد من وجود مجتمع كي تولد اللغة "6 هذا يقودنا التسليم بصحة الفهم السيسيولوجي المنحدر عن تأصيل اللغة انثروبولوجيا.

الختام مع هيدجر

في كتابه "رسالة حول الانسانوية" يذهب هيدجر الطعن وادانة اللغة التواصلية الطبيعية أن تكون وسيلة تعبير فهم الانسان عالمه ووجوده قائلا "ليست اللغة في جوهرها الوسيلة التي يكشف الكائن الحي بواسطتها عن نفسه، وهي ليست ايضا التعبير عن كائن حي، لهذا السبب نحن لا يمكننا التفكير بطريقة تتلاءم مع جوهر اللغة انطلاقا من قيمتها كاشارة ولا حتى قيمتها كدلالة، فاللغة هي السبيل الموضح للوجود نفسه والمواري له في آن واحد"7

ومن غرائب تحقق الوعي الذاتي عند هيدجر نجده لا يقوم على منطق اللغة بل على ما اطلق عليه (الوجدانية) التي تقوم على حوار ما بعد معنى اللغة التي هي رمزية بها يصل الكائن البشري الى الواقع. ومؤكدا هيدجر أن الخطابية اللغوية التي هي الميزة الخاصية بالانسان الذي من خلالها يتموضع وجوده في الخارج أصلا. وبالوجدانية التي تتجاوز تعبيرات اللغة الشكلية تنفتح أمام الكائن العيني (الانسان) أبواب العالم الذي يعتبر تحليل شكل اللغة محاولة في غير محلها.8

لنا التعقيب التالي:

- الاقتباسان يحتويان على تناقضات لا يمكن لفيلسوف مثل هيدجر تصدر عنه  ويقترفها. ويمكن لأي قاريء لتلك العبارات التوقف عند متناقضاتها التي لا يمكنه تمريرها. ولا نجد حاجة تكرارها فهي واضحة لا تحتاج توضيح.

- كيف تكون اللغة" هي السبيل الموضّح للوجود نفسه، والمواري له – يقصد أخفاءه -  في آن واحد؟؟ مامعنى اللغة التي أجملها هيدجر بالاشارة أن تكون وسيلة سحرية تلبس طاقية الاخفاء في حجبها الوجود عنا تارة والتعبير عنه تارة اخرى بنفس الآن؟ هل من الممكن أن تكون اللغة تعبيرا عن وجود هو غير موجود؟ بمعنى هل تمتلك اللغة خاصية غير تجريد الفكر المعبر عن موضوع.؟ ماهي الوسيلة التعبيرية التي نزيح عنها اللغة كي تعّبر هي عن وجود حقيقي يمكننا التعامل معه كما يرغبه هيدجر؟

من المقبول فلسفيا أذا قلنا أن اللغة ليست تعبيرا امينا دقيقا عن موجودات الوجود، في تركها خلفها نقائص في النص أو أي خطاب لغوي هي فراغات تتوزع بنية النص المخفي والمسكوت عنه والمراوغة والاحتجاب، فراغات تحتاج ملء تاويلي نقدي يحمل فائض معنى قرائي لها ، فيكون كلامنا أن اللغة ليست بريئة في تعاملها المخاتل وهو ما يجمع عليه فلاسفة اللغة واللسانيات اليوم. أما أن يعتبر هيدجر اللغة ليست وسيلة تعبير عن الوجود بنفس وقت أخفاءها هذا الوجود فهو طرح يحتاج توضيح فلسفي من صاحبه هيدجر وألا وقع تعبيره الفلسفي في منطق اللامعنى الذي لا قيمة له..

- ما هو بديل اللغة التي هي ليست وسيلة الانسان في فهم وجوده والعالم والطبيعة من حوله الواردة في تعبير هيدجر"ليست اللغة في جوهرها الوسيلة التي يكشف الكائن الحي بواسطتها عن نفسه، ولا هي وسيلة التعبير عن كائن حي " هل يمتلك هيدجر وسيلة غير لغوية تساعدنا التعبير عن أنفسنا وعن الاخرين؟ يعني في أعدامنا اللغة المتاحة طبيعيا لنا هل نتوفر بمساعدة هيدجر على منطق فلسفي لغوي أو غير لغوي يضعنا أمام حقيقة فهم أنفسنا والعالم من حولنا؟ بالتاكيد لا.

- اذا أعتبرنا على خلاف رغبة هيدجر أن ما هو أعلى من اللغة والمتجاوز المتعالي عليها يمثل (الوجدانية) كما اشار له في عبارتيه السابقتين، معتبرا هذه الوجدانية أسمى من جوهر اللغة الاشارة التي نتعامل بها بلا معنى ولا فائدة. وتعقيبنا على هذا التخريف هو حقيقة اللغة هي جوهر شمولي مطلق وخاص أشمل من كل مفردات علم النفس، الوجدانية التي يرغبها هيدجر بديلا متعاليا على اللغة لا تكون في حقيقتها غير لغة خرساء لا تمتلك لغة التعبير عن نفسها قبل التعبير عن حاملها. عليه نجد ما هو متاح لفيلسوف بوزن هيدجر التفلسف في نطاق منطقي يقبله العقل بدلا من تخاريفه الفلسفية المليء بها كتابه الزمان والكينونة.

- كيف تكون خطابية اللغة بلا وجدان حينما تجعل الانسان يتموضع وجوده في الخارج أصلا على حد تعبيره، ويضيف " الوجدانية التي تتجاوز تعبيرات اللغة الشكلية تفتح أمام الكائن العيني الانسان أبواب العالم الذي يعتبر تحليل شكل اللغة محاولة في غير محلها " لا أجد فيلسوفا واحدا يستطيع الخلاص من هذه التعبيرات التي لا معنى ترابطي لها ولا هي جديرة حتى بالوقوف عندها. أنها بعض من اسطورة ملابس الامبراطور الجديدة التي لم يسبق لأحد شاهدها ولا سمع بها ولا أكتشف غير عرّيها الفاضح.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.............................

الهوامش:

1- فلسفة اللغة، سيلفان اورو، جاك ديشان، جمال كوغلي، ت:د. بسام بركة ص 310

2- نفسه ص311

3- نفسه 321

4- نفسه 321

5- نفسه 321

6- نفسه 321

7- نفسه ص 353

8- نفسه ص 351

 

حضور التكنولوجي في الممارسة التشكيلية لفيرونيك جومار

لقد منح التطور التكنولوجي جملة من المتغيرات المعيشية واقعا وأسلوبا، سواء في علاقة الفرد بذاته، أو الفرد بالفرد، كما من الفرد بالمجتمع. هذا التطور المرتبط بمفهومي "الحاجة" و"الضرورة" في معناهم الشامل، يمكن له أن يسهم في تغيير أسلوب التواصل والتفاعل مع الآخر، عاكسا في أصله مدى استيعاب هذا التطور سواء بشكل واع أو غير واع.

فهذه الإمكانات الممنوحة من التطورات التكنولوجية على اختلاف مجالها وأغراضها، تعكس شكلا ونمطا جديدا في الحياة، لتكون آلية تفتح أفق المعرفة وتتعدد عبرها أشكال التعبير والتواصل، فتكون بذلك منتجا لجملة من الوسائط التكنولوجية المساهمة إلى حد كبير في تحقيق هذه الأغراض.

عبر تكثف استعمال الوسائط التكنولوجية على اختلافها، وتدخلها في عدة ميادين، يمكن هنا أن نستقرئ دورها في عملية التشكيل، وخاصة منه في حضورها كوسيط تشكيلي أو كمكون للمنجز الفني، والذي يمكن أن يطرح جملة من المحايثات الدلالية والمفهومية، ذات الصلة بشكل حضور التكنولوجي في الممارسة الفنية، وهو الإطار الذي تتنزل فيه تجربة الفنانة الفرنسية "فيرونيك جومار".

فالوسيط  التكنولوجي يمكن أن تختلف فيه المميزات والخصائص، إلا أنه يمكن أن يكون آلية منفتحة على كل ما هو حسي ومادي، وهو ما يمكن أن نعبر عنه بمواطن اشتغال وتفاعل الوسيط ضمن حلقة وجوده، في إطار واقع وتفاعل بين المادي الملموس والمرئي المحسوس. فهذه الإمكانات، يمكن أن تسهم إلى حد كبير في دعم التجربة الفنية المعاصرة، وتفتح لها أفقا جديدة في التعبير كما من إمكانية خلق لمفاهيم إنشائية، جمالية، فلسفية ...، من داخل هذه المنظومة المتغيرة.

 1- فيرونيك جومار وتطويع الوسيط التكنولوجي:

من الوسائط التّكنولوجيّة التي استدرجتها فيرونيك في منظومتها التّشكيليّة هي المعدّات الكهربائيّة التي لعبت دور أساسي في الشّبكة المفاهيميّة والفكريّة لديها، نتيجة حضورها المكثّف في أغلب أعمالها، أين نجد المعدّات الكهربائيّة بجميع أنواعها، حيث وقع تضمينها كمقوم من مقومات البناء التشكيلي. لقد أضحى الوسيط التكنولوجي كعمل إنشائي قائم بذاته، وذلك من خلال عرضه وتقديمه كشيء محسوس وملموس، شيء عيني يكون تارة على الجدران وطورا في الزّوايا وأخرى متدّلية، فهو وسيلة تأثيث، به يكتسب الفضاء دلالة .

إن اشتغال "فيرونيك" على مكوّنات متنوّعة من مصابيح وأنابيب النيّون، يمكن أن يعكس تركيز الفنّانة على ظاهرة المدّ أو مرور للتيار الكهربائي، أي مقومات ظهوره التي تعود بالضّرورة إلى الكبلوّات والأسلاك التي تحدّد حيز العمل فتشكّل إطاره.

كأنّ فيرونيك هنا تبيّن إمكانات الوسيط الذي اتّخذ دور المادّة القابلة للتّشكيل والتّحديد،  فهو الخطّ تشكيليّا والسّلك ظاهريّا.  فالضّوء ليس موضوع بحث بقدر ما هو مادّة قابلة للصّياغة والتّوظيف الإنشائي فهو محور العمل، وكما مثله فلافين في قراءة لعمل فيرونيك، وكأنّها تقول هنا الضّوء، ضوء القرن العشرين هذه مكوّناته ومقوّمات ظهوره، فهي تقوم بتفكيك هذا الوسيط كمادّة وكمفهوم ومحاولة لفهم الكيفيّات .

إذن فيرونيك تتجاوز حدود الإضاءة دون أن تتجاوز تركيبة الوسيط، لتدنو إلى إمكانيّة التّحوير ومحاولة الإضفاء على مستطاع المادّة عن طريق التّجربة وفتح مجال الاختبار، التّجربة التي تنوّعت بتنوّع الفضاءات والمصابيح، حيث اعتمدت على مجموعة متنوّعة منها نجد مصابيح الهالوجين: تستعمل لإضاءة الفضاءات الكبرى، بالإضافة إلى الفوانيس الكهربائيّة المتوهّجة، كما نجد أنابيب الفلوريسنت أو النيّون أحاديّة وثنائيّة التوهّج. هذه الخصائص كانت حافزا لفتح المجال على عالم الإلكترونيّات، عالم النيون الكهربائي الذي بان مع بدايات القرن العشرين مع الفيزيائي والكيميائي الفرنسي جورج كلود، ليلعب هذا الظّهور الدّور الأساسي في ولوج الضّوء إلى فضاء العرض أين أصبح وبالتّحديد في العشرينات، الوسيط الأكثر توظيفا نتيجة انجذاب الفنّانين إلى عروض الإعلانات التّجاريّة أين استدركوا أنّه وسيط يتميّز بمقاييس جماليّة تشكيليّة، ليظهر في فضاءات العرض في هيأة منشئ نابض بالدّلالات والمعاني التّعبيريّة تجمع بين الضّوء والحركة والكلمة والحرف التي تعكس من خلال إنارتها رسائل نقديّة سياسيّة وأبعاد فلسفيّة تدعو إلى التمعّن .

تسعى فيرونيك عبر المحايثات المفهومية والدلالية إلى إيقاظ فكر المتلقّي وتحفيز حواسه من خلال التّجربة، أيّ من خلال التّواصل والتّعامل مع الوسائط حسب خصوصياتها وفضاء تموضعها، والتي تزيد من فاعليّة التّجاوب الذي يرتبط بالحجم وقوّة الإشعاع أو التوهّج الذي يكون تارة خافتا وطورا قويّا إلى درجة انعدام الرؤية النّاتج عن تأثّر العين بقوّة الإشعاع، لتتأقلم بعد برهة من الزّمن، وهذا بدوره يطرح مسائلة تًعنى بفيزيولوجيا الرؤية ووسائطها.

يأخذ الضّوء مع فيرونيك دور تشكيلي استيطيقي فعّال، لأنّ المصابيح المكشوفة والعارية هنا هي العمل بذاته على المستوى الفكري والمادّي، فهو مصدر من مصادر الضّوء وهو تقنيّة من تقنيّات نشوئه الاصطناعي والمعاصرة لزمانها، كأنّها هنا تحاول أن تظهر طبيعة الشّيء في وجوده المادّي والحسّي. فأن تمسك بمصباح كهربائي مثلا يختلف على أن تقف أمام مصباح يبلغ نصف حجمك، بالإضافة إلى تبدّل الفضاءات والأمكنة التي تتيح بدورها فرصة الغوص في تجربة جديدة تحاول إعادة الاكتشاف والتّفاعل مع الخصائص الحسيّة، وتجاوز كلّ ما هو مرئي لينغمس في حوار مع المادّة، حوار تفاعلي لا يتطلّب الفهم أكثر ممّا يتطلّب الانتباه والتّواصل الحسّي. بالرغم من البساطة والوضوح مع أنابيب النيّون ذات الألوان العاديّة الروتينية التي اعتدنا عليها. فالضوء بالنسبة لفيرونيك جومار هي علاقات ومفاهيم تجمع بين الاستقطاب والبثّ والتدفّق والتفاعل... فهو منهج ومسار خاصّ أرادت من خلاله الباحثة أن يكون مادّة نظرا لما يتمتّع به من خصائص فيزيائيّة وصناعيّة، تختلف عن الوسائط الأخرى بالرّغم من التّشابه الذي يجمعها.

 فالضّوء وكيفيّات حضوره بحسب الصّياغات التي أوردتها والمواضيع المطروحة، لا يتمحور في الإنارة والإضاءة فقط، فهو يعتبر عمل تشكيلي ذو مكانة بارزة، وهذا ما ذكره النّاقد الفنّي ميشال جوثي  فهو العمل بذاته.  لقد عملت فيرونيك على توظيف الضوء كشكل من الوسائط البصريّة التّشكيليّة المتميّزة، بالإضافة إلى كونه مصدر إثارة انطباعية وإيحاءات مختلفة ذات قيمة جماليّة تكون من داخل المسار البنائي البصري وضمن مبدأ التبسيط والاختزال.

في هذا الإطار نتبيّن أنّ الفنّانة تشتغل على الاختلافات المفهوميّة والفكريّة والجماليّة التي قامت بطرحها بأساليب مختلفة، كما تهدف من خلال هذه الاختلافات إلى استدعاء المشاهد من أجل تجريب الفضاء فيزيائيّا وحسيّا. قامت فيرونيك باستفزاز المشاهد وحثه على الدّخول نتيجة اعتمادها الامتلاء الضّوئي في فضاء معتم، وهذا التناقض بين الضّوء والظّل يعكس القدرة على إعطاء الملمس البصري للشّكل والفضاء بكل أبعاده، و يقوم بجذب المتلقّي بكل مدركاته الحسيّة نتيجة القيمة الحسية للضوء.

تعكس أعمالها دقّة في التّرتيب والقياس، مصابيح متجاورة ومتراتبة بنظام تأثيثي، محدثة في تتاليها شكل هندسي، ذاك المربّع الذي ينبض بالإشعاع كصيغة للتّعبير عن مساحة الشّكل الحقيقي الذي يفرضه الضّوء، ومنه إلى المساحة الضّوئية المسقطة في الأسفل التي تعتبر من تشكّلات الضّوء، كأنّما بذلك بيان لمفهوم الثّقل أو الكثافة بالنّسبة للتجمّع الضّوئي.

إذن فالعنونة "سولاريوم" لا ترجع إلى العمل المثبّت فحسب بل تعود إلى مكان العمل ككلّ أيّ ذاك القبو وما يحتويه من فراغ، والحاوي بدوره للعمل فهو يتجاوز ذلك الإطار الظّاهري والمعدني ليكون حاو ومحتو للفضاء، وهذا يؤكده الصّحفي والنّاقد الفرنسي لورنس جومار في مجلة أرت براس .

2- الوسيط التكنولوجي والمدرك الحسي:

إنّ اكتشاف الكهرباء جعل من الضّوء مادّة قابلة للاستدراج كمادّة حقيقيّة ضمن المجال الإنشائي، ومنه إلى بناء المعنى التّشكيلي، وهو ما يتجلّى في تجربة الفنانة "فيرونيك جومار"،  ضمن اشتغالها على مفهوم الضّوء كمادّة حاملة للعديد من الإمكانات أين اهتمّت بالتدفّق غير المادّي وكيفيّة الامتداد والتحرّك. فهي تقوم بتفكيك مكوّناته الفيزيائيّة وتحويلها إلى مدركات حسيّة بسيطة كالكثافة والاهتزاز والصّوت والجاذبيّة والفضاء والزّمن والحيز كما تجلى في منجزها الفني "خطّ الضّوء".

هذا الأسلوب الذي قامت به الفنّانة، يعتبر طرحا في التعامل مع الوسيط بوصفه استمالة للمدركات الحسية. ففي تفعيل الضّوء الكهربائي ضمن شكل تراكبي، عبر تنظيم جملة من المصابيح الكهربائية، والمتكونة من اثنان وأربعون عنصرا من المصابيح المتراتبة بشكل عمودي، تتفاعل عبر رصد الصوت والحركات، لتكون بذلك شكلا تفاعليا مع المشاهد، عبر ترجمة الحركة أو الصوت في حركة ضوئية متبدلة  ومباشرة.

"خطّ الضّوء" إنّما هو مسار تفاعلي مكتمل بحضور المشاهد، ليضحى موضوع تأملي يرتقي به الوسيط ويحقّق اكتماله في التّحديث وامتلاءاته الماديّة والمفهوميّة، عبر استيعابه لمضمون الحركة بشتى أشكالها، وترجمتها ضوئيا، فيصبح بذلك المسموع مشكلا مرئيا ووسائطيا.

 هذه القيمة الفنيّة لإمكانات الوسيط أضحت الطّرف المساير لأفعال المشاهد كدلالة عن صيرورة زمانيّة وموقعيّة متحوّلة، بها يمكن إحداث نوع من الإثارة التي تستفزّ نوعا ما المشاهد بحسب عنصر المحاكاة التي يفرضها الضّوء على المدركات الحسيّة، والتي يفرضها الصّوت على الضّوء، وتُمثّل هي الأخرى بالضّوء ذاته.

إذن الضّوء وسيلة للتّعبير، وهو كمادة تشكيلية بحسب ما جاء في أعمال فيرونيك، ليحمل كوسيط تشكيلي إلى الخبرات الإستيطيقيّة والأبعاد الفكريّة المعاصرة، كلغة خاصّة تُحدّدُ بمدى تضمينه في التجربة التشكيلية كمنحى للتّعبير والتّبليغ عن معناها بأسلوب محسوس، يقوّمه الإدراك وتحدّده طبيعته على اختلافها، لتضحى خطابا والية في الإنشاء والتفاعل، فالانفتاح.

2062 الضوء 1

2062 الضوء 2 

منى صيود – تونسية

باحثة برمحلة الدكتوراه

.......................

الهوامش:

1- La lampe n’éclaire pas l’œuvre, elle ne fait pas même partie de l’œuvre, elle est l’œuvre. Michel Gauthier, article, www.veronique-joumard.tn.

2- «  Car le terme de solarium déborde le cadre de l’œuvre et s’applique a l’espace quelle travaille : c’est tout le cube du sous sole du Credoc qui est solarium, un monochrome de chaleur et de lumière ». Laurent Goumarre, article http://www.veronique-joumard.net/.

 

 

 

أثرت التكنولوجيا تأثيرا كبيراً على حياة الإنسان فقد أصبحت التكنولوجيا اليوم جزءًا أساسيًا منا، مما يؤثرذلك على معتقداتنا ورغباتنا، وخططنا وأهدافنا، ورؤيتنا لما نحن علية، وما قد نصبح عليه بعد أيضاً، فقد أصبحت التكنولوجيا في كل شئ حولنا فلا يستطيع الفرد العيش بدونها، وتتعلق أهم الأسئلة الفلسفية اليوم بكيفية التعايش مع العلوم والتكنولوجيا، وتعد فلسفة التكنولوجيا واحدة من التخصصات الأكثر حداثة والتي لاقت رواجاً كثيرا في القرن العشرين، ومن ثم فالتكنولوجيا كأى مجال لا يستطيع أن ينجو من تحليل ونقد فلسفي، وتتعلق أهم الأسئلة الفلسفية اليوم بكيفية التعايش مع العلوم والتكنولوجيا، لذلك سوف اقوم بعرض بعضاً من أفكار واحداً من اهم فلاسفة ذلك المجال وهو:

دون إدDon Ihde 1934

هو استاذ الفلسفة المتميز في ولاية نيويورك جامعة Suny Stony Brook فقد كانت فلسفتة تدور حول التكنولوجيا في تطورها وعلاقتها المتداخلة بالثقافة والعلم والبيئة والإنسان وما ينتج عنها من تطورات تؤثر في حياة الفرد فقد كانت الأسئلة المركزية في فلسفتة تأتي على النحو التالي: ما هو الدور الذي تلعبة التكنولوجيا في التجربة البشرية اليومية؟ وكيف تؤثر المصنوعات التكنولوجية على وجود الناس وعلاقتهم بالعالم؟ وكيف تنتج الأدوات التكنولوجية المعرفة البشرية وتحولها؟ ويستحدم دون إد المنهج التاريخي في عرض قصة الفلسفة وتطورها وعلاقتها بالعلم والتكنولوجيا، وله ما يقرب من الأثنتي عشر كتابا منها: "المدخل إلى فلسفة التكنولوجيا - Philosophy of Technology: An Introduction1998، التقنيه والعملTechnics and Praxis، التكنولوجيا وعالم الحياة من الأرض للسماءTechnology and the Lifeworld: From Garden to Earth (1990) Arun Kumar Tripathi, Technologcaly Mediated Lifeworld,p1.

تعريف التكنولوجيا Technology:

كلمة يونانية الأصل، تتكون من مقطعينTechno وهي تعني المهارة والفن أما Logy فيعني العلم فالتكنولوجيا تعني جملة الأشياء المصنوعة من الإنسان من أجل تغيير العالم الخارجي طبقاً لإحتياجاته ومتطلباته ومن هذة الوجة تزيد التكنولوجيا من فاعلية الإنسان"مراد وهبة، المعجم الفلسفي، ص210"، وهي أيضاً علم التقنيات وهو يدرس الطرق التقنية من جهة ما هي مشتملة على مبادئ عامة أو من جهة ما هي متناسبة مع تطور الحضارة وأهم المسائل التي يبحث فيها هذا العلم ثلاث: المسألة الأولى وصف الفنون الموجودةفي زمان معين وصفاً تحليلياً دقيقاً، والثانية:هي البحث في شروط كل مجموعة من القواعد الفنية وقوانينها لمعرفة أسباب انتاجيتها العملية، أما الثالثة: هي دراسة تطور الطرق التقنية في أحد المجتمعات الإنسانية أو في المجتمع الإنساني العام وتسمى دراسة هذة المسائل الثلاث بعلم التكنولوجيا العام .جميل صليبا، المعجم الفلسفي، ج1، ص332.عرفها جندورن Gendorn” " بأنها النظرية العلمية الى تعززقدرة المجتمع على إنتاج السلع والخدمات والتي تتجسد في المهارات الإنتاجية وتنظيم الآلات"

وقد فرق دون إد بين التقنية والتكنولوجيا. فالتكنولوجيا بالنبسة له "مركب عيني يتكون من بعض العناصر المادية، ويجب إدراجها في مجموعة العمل أو الاستخدامات التي ربما جعلها الناس لهذه التكنولوجيا"ويقول إد بالرغم من اتساع هذا التعريف إلا إنه أضيق كثيراً من التعريفات التي جعلت التكنولوجيا معادلة لأي تقنية عقلانية أو حسابية "val disk, philosophy of Technology,An Introduction,p29 وقد ميز بين التكنولوجيا والتقنية فقال" التكنولوجيا ليست تقنية، والتقنية يمكن أن تكون بدون تكنولوجيا ولكن لكل تكنولوجيا تقنية فعلم التقنية هو الذي يقود التكنولوجيا الحديثة ويطورها في تميز من أي تكنولوجيات تقليدية قديمة"ويرى إد أن التحديد الفلسفي والانثروبولوجي يرى معظم صور أو أشكال الثقافة المادية مرتبطة بالتكنولوجيا فلم يكن للبشر البدائيين ثقافات إنسانية سابقة للتكنولوجيا ولكن كان لديهم ثقافة مادية ونماذج عمل معقدة مثل الأدوات الحجرية وفؤس الحر وغيرها من الاشياء التي سمحت لأسلافنا بأن يمارسو عملهم في عالم الحياة. دون إد، موجات جديدة في فلسفه التكنولوجيا، ص5.

فالتكنولوجيا هى وسيلة الفرد لتحقيق غاياته، واستخدام الطبيعة ومواردها تساعد في تحقيق تلك الغاية وهنا يأتي دور العلم ونظرياته لتطبيق ما توصل إلية من نظريات على ارض الواقع فالتكنولوجيا تابعه للعلم

وهناك عدة أبعاد للمعرفة التكنولوجية عند إد

1- معرفة بالتقنيات وهذة المعرفة خاصة بالمهندس أو الفني "اي معرفة صنع الألة والطريقة التي تعمل بها"

2- المعرفة التقنية النظرية ويقصد بها معرفة القوانين والمبادئ الفزيائية أو الكميائية أو الكهربائية التي تسمح لأي تقنية بالقدرة على فعل ما تفعلة ويختص بها " العالِم" 

3- وأخيراً المعرفة العملية أو استخدام المعرفة التي تمر عبر مجموعة واسعة من الأعمال البشرية لتحقيق اقصى فائدة من هذة التكفقًا ل إد، هناك علاقة تكافلية بين العلم والتكنولوجيا، حيث يعتمد البحث العلمي بشكل كامل على تطوير الأدوات العلمية، والتطور التكنولوجي.نولوجيا.

don Ihde,the structure of technology knowled,p73."

ويقدم إد افكاره حول الدور الذي تلعبة التكنولوجيا في حياة الإنسان ويتساءل عن السبب وراء إهمال تاريخ التكنولوجيا رغم أن وجودها سابق لكل من وجود الفلسفة والعلم، يشير إد إلى أن الصمت فيما يتعلق بالتكنولوجيا يأتي من داخل الفلسفة نفسها، فعادة ما تعتبر الفلسفة نفسها نوعاً من الهندسة "المفاهيمية"أكثر من كونها هندسة "مادية " Don Ihde,InstrumentalReealism,p10 ويرى إد أن الظهور المتأخر لفلسفة التكنولوجيا يرجع إلي التحيز العميق جدا الذي يربط الفلسفة والعلم في اللحظة النظرية ويؤثرها، ويري إد أن هذا التحيز يبدو واضحاً عند فلاسفة اليونان قبل عند فلاسفة اليونان قبل الميلاد، وأيضاً عند الوضعية المنطقية في القرن العشرين ولكي يكشف دون إد هذا عمق هذا التحيز يبدأ بعرض نقدي لقصة الفلسفة منذ بدايتها ليؤكد علاقتها بالعلم ويفسر دورهما وعلاقتهما بالتكنولوجيا ويقول" مع بداية الفلسفة اليونانية بدأ سؤال التأمل والنقد والإستدلال بداية من طاليس 585ق.م ويستطيع الفرد أن يزعم أن الفلسفة المبكرة كانت علمية نظراً للأسئلة الموجهة مباشرة إلى الطبيعة، حتى وإن كانت الطبيعة من حيث هي مطلق، فارتباط الفلسفة والعلم يمكن رؤيته في كل من القديم والحديث في عصري النهضة والتنوير في التاريخ الغربي والعلم لم يكن تجريبياً إلا بمعناه الحديث، يتحكم في المتغيرات ويستخدم المقاييس ليدل على حكم كمي أو رياضي عن شئ ما وفضلاً عن كل هذا وبشكل خاص يتطلب التكنولوجيا والآلات فاليونانيون الكلاسيك مفكرون علميون يقصهم تماما معنى التجربة والمعالجة الآلية .دون إد، مدخل إلى فلسفة التكنولوجيا، ص3

التكنولوجيا والانسان:

تظهر العلاقة بينهما من خلال البيئة، فتسمح التكنولوجيا بتعديل البيئة وتكييفها وهذا التعديل ليس محايدا أو معتدلاً إنه قوة تحول وترقى للبشر بواسطة التكنولوجيا فالبشر في استخدامهم لأبسط التكنولوجيات أحدثو تعديلات بالنسبة للبيئة والنتائج قد تكون جيدة أو سية اعتماداً على الاستخدام الإنساني للتكنولوجيا، ويؤكد إد " أن التكنولوجيا مرتبطة دائما بالبشر فتصور الإنسان زائد التكنولوجيا لا يعتمد على مجرد الإستخدام، وإنما يعتمد على القدرات المدخلة فيها بوصفها مرتبطة بالامكانات المعقدة المفتوحة لإشتراك الإنسان.

وفي كتابه ما بعد الظواهر، يوجد تحليل لأنواع مختلفة من العلاقات بين الإنسان والتقنيات والعالم.وقد حقق في الطرق التي تلعب بها التقنيات دورًا في العلاقات بين الإنسان والعالم، بدءًا من "التجسيد" "القراءة"، إلى "التفاعل" و "الخلفية".

وقد بدأ إد بالعلاقات التجسيدية

ورأى انه في علاقات التجسيد، تشكل التقنيات وحدة مع الإنسان، وهذه الوحدة موجهة إلى العالم: فنحن نتحدث مع أشخاص آخرين عبر الهاتف، بدلاً من التحدث إلى الهاتف نفسه، وننظر من خلال المجهر بدلاً من النظر إليه. ويخطط إد لهذه العلاقة على النحو التالي:

(الإنسان - التكنولوجيا) -> العالم.

العلاقات التأويلية

العلاقات التأويلية، هي العلاقات التي يقرأ فيها البشر كيف تمثل التقنيات العالم، مثل فحص التصوير بالرنين المغناطيسي الذي يمثل نشاط الدماغ، أو صفير جهاز الكشف عن المعادن الذي يمثل وجود المعدن. هنا، تشكل التقنيات وحدة مع العالم، وليس مع الإنسان الذي يستخدمه يتم توجيه البشر إلى الطرق التي تمثل بها التقنيات العالم. تخطيطيا كالآتي:

الإنسان -> (التكنولوجيا - العالم).

العلاقات التبادلية

وهو نوع ثالث من العلاقات بين الإنسان والتكنولوجيا والعالم، والذي يسميه إد علاقة التغيير، يتفاعل البشر مع التقنيات، ومع العالم في خلفية هذا التفاعل. ومن الأمثلة على ذلك التفاعلات بين الإنسان والروبوت، أو الحصول على المال من أجهزة الصراف الآلي، أو تشغيل الجهاز. في الواقع، يمكن اعتبار هذه العلاقة مجالًا مركزيًا لتصميم التفاعل. يمكن أن يكون مخططًا كـالإنسان -> التكنولوجيا (العالم)

 What can we learn from Don Ihde?,course in University of Twente,p1-2 .

التكنولوجيا والثقافة:

يرى إد أن كل تكنولوجيا هي تجسيد للثقافة التي نشأت فيها والتكنولوجيا تشكل اساليباً للرؤية ويرى إد أن كل جانب من جوانب التكنولوجيا عندما يقتبس من مجتمع فإنه ينشر إمكانيات منقولة غير حيادية ويذيعها .

التكنولوجيا والتقدم:

يرى إد أن التكنولوجيا أقدم من العلم والفلسفة فماضي التكنولوجيا فماضي التكنولوجيا يعود إلى عصور سحيقة قبل التاريخوصور هذا البماضي ساهم فيها أجدادنا بتكنولوجيات أكثر تعقيدا وتنوعا واختلافا مما نظن أوو نفكر فية، ويعتبر إد أن تطور التكنولوجيا هو الحركة الفاصلة في عصور ما قبل التاريخ عن العصور التاريخية ويرى إد في ذلك التاريخ ثلاث متغيرات تشرح الثورات التكنولوجية وتصفها وهم:

1- تكنولوجيات الزمان

2- تكنولوجيات المكان

3- تكنولوجيات اللغة

وقد تطورت تكنولوجيا الزمان من التقويم القمري إلى الساعة الآلية ففي هذا التطور بدأ تجريد الزمان من فلكيتهوأصبحت التكنولوجيا مقياساً ضد المقياس السماوي وقد أصبح تكميم الزمان وتكنلجته واحداً من الأبنية العميقة للعلم في عصر النهضة والعلم الحديث، فالتكنولوجيات التاريخية ترد لأصلها في فلسفات " العمل" وفلسفات العمل هي أصل او منبع فلسفة التكنولوجيا التي ظهرت متأخرة رغم أن وجود التكنولوجيا سابق لوجود الفلسفة، والظاهرة المقترنة بالتكنولوجيا بالمعنى الحديث هي التقدم وقصص التكنولوجيا هي عادة قصص التقدم وكثير منها في نغمة يوتيوبية وتقيس الظواهر بشكل كمي وتقيس الظواهر بشكل كمي تلك الظواهر التي تحدث بالنظر إلى نهضة علم التقنية فهي قصة تؤكد أنه مع نهضة العلم يتم هدم كل الخرافات والأديان.دون إد، مدخل إلى فلسفة التكنولوجيا، ترجمة فريال حسن، ص6.

التكنولوجيا والعلم:

وفقًا ل إد، هناك علاقة تكافلية بين العلم والتكنولوجيا، حيث يعتمد البحث العلمي بشكل كامل على تطوير الأدوات العلمية، والتطور التكنولوجي.

ويقول إد أن استخدام العلم النظري هو المحرك الذي يدفع بالتكنولوجيات ويطورها في أشكال من التطبيقات وإذا كانت هذة التطبيقات هي التي أدت إلى تأثر الكوكب بأثار التكنولوجيات وأحدثتها فالعلم هو الأساس بالنسبة لهذا التطورويقول أيضاً أن العلم النظري حر وهو في ذاته قيمة محايدة وعندما تكون نظريات العلم مطبقة فهذا التطبيق للعلم يمكن إستخدامه خيراً أو شراوهذا معناه أن في المستوى التطبيقي أسئلة القيمة من " الخير والشر" تصبح فعالة وهذا معناه ببساطه أن مشكلات التكنولوجيا هي ببساطة مشكلات استخدام تطبيق العلم وليست مشكلات العلم في حد ذاته.ويرى إد أن تكنولوجيات العلم الحديث هو علم تجريبي يناقض أصوله اليونانية فالتجريب يتطلب الآلات أو الأدوات أي التكنولوجيات .دون إد، مدخل الى فلسفة التكنولوجيا، مرجع سابق، ص9

وفي النهاية يرى إد أن العلم والفلسفة في علاقة ترابط بالتكنولوجيا والعمل ويرى ضرورة إعادة تفسير الكثير من العلم الحديث في ضوء تكنولوجياتة ويؤكد على تنوع التكنولوجيا الإنسانية ويرى أن الثابت في قي أساليب الخبرة الإنسانية هو تكنولوجياتها فالعلاقات المتضمنة استخدام التكنولوجيات تزيد وتحول بشكل ليس حياديا جملة خبراتنا الشعورية عن البيئة والعالم.

 

نيرة محمود محمد الشيخ

ماجستير فلسفة

..................

المراجع

1- مراد وهبة، المعجم الفلسفي، القاهرة، دار قباء، 2007.

2- جميل صليبا، المعجم الفلسفي، بيروت لبنان، دار الكتاب اللبناني، ج1، 1982.

3- دون إد، مدخل إلى فلسفة التكنولوجيا، ترجمة فريال حسن خليفة، القاهرة، مكتبة مدبولي، ط2، 2006.

4- جان كير برج اولسن، إيفان سلنجر، سورين ريس، موجات جديدة في فلسفة التكنولوجيا، ترجمة شوقي جلال، القاهرة، المركز القومي للترجمة، ط1، 2018.

5-Val Dusek,philosophy of Technology,An Introduction,newyork,Blackwell,2006

-Ihde, Don,InstrumentalReealism,Newyork,Indianaprees,1991.6

7- What can we learn from Don Ihde,course in University of Twente https://www.futurelearn.com/courses/philosophy-of-technology/0/steps/26324

8-Ihde Don, The Structure of Technology Knowledge,New York International Journal of Technology and Design Education 7: 73—79, 1997.

9- Arun Kumar Tripathi, Technologcaly Mediated Lifeworld, Institute for Philosophy, at Dresden University of Technology https://ubiquity.acm.org/article.cfm?id=1670827

 

 

علي رسول الربيعيتُثير مسـألة الحداثة الغربية وعلاقة العالم غير الغربي معها نقاشا مستمرُا وطُرحت حولها رؤى  كثيرة ومناهج عديدة؛ كذلك هناك دراسات وصفية وتحليليلة كثيرة عن تاريخ الحداثة واصولها، وافكارها ومدارسها، ومفكريها. سوف لن أتناول ايً من هذا. لكن ساقوم أبتداءً، من موقع التفكر في السياقات التاريخية والأطر الفكرية للحداثة، بنقد الآراء التي تواجه التقاليد المحلية المتعددة بحداثة غربية واحدة لأدافع عن فكرة أمكانية وجود انماط أو خيارات أخرى من الحداثة، وجود انماط من حداثات عديدة داخل العالم الغربي وخارجه. ثانيًا، آمل أن أقدم فكرة تقريبية عما يعنيه أن يكون هناك أمكانية لأنماط أو اشكال عديدة من حداثات حقيقية أخرى غير الحداثة الغربية الواحدة السائدة. أخيرًا، الفت النظر الى الحذر من الخلط بين أنماط الحداثات العديدة وبين ما أسميه خليطًا من الحداثة الغربية الرفيعة التفكير وتقليدًا محليًا جامدًا بالقدر نفسه.

فهم الحداثة

أبدأ بالتمييز بين طريقتين لفهم صعود الحداثة، ووجهتا نظر مختلفتين حول كيف يختلف التكوين الاجتماعي الحديث عن سابقاته، أسمي أتفاقا مع الفيلسوف، تشارلز تايلور، الأول النظرية الثقافية، والثانية النظرية الثقافية للحداثة.[1] لايحتاج تفسير التحول من مجتمع ما قبل حديث إلى مجتمع حديث، على أساس الفهم الثقافي، إلى أيً اشارة إلى المقولات الثقافية؛ بينما المطلوب بالنسبة للنظرية الثقافية للحداثة أن تستحضر الثقافة لوصف وتفسير التحول المجتمعي.

هناك صعوبة المضي قدمًا  في النقاش دون توضيح معنى مصطلح "الثقافة" المراوغ رغم أن الأمساك به بشكل تام ونهائي بعيد المنال. نقصد بـ " الثاقفة "هنا تكوينًا فكريًا معقدًا، وهو مجموعة من الأفكار والصور التي تحول كائنات بيولوجية إلى بشر تعيش وتختبر حياة ذات معنى. إنها شبكة من التفاهمات والتمثيلات حول الذات وعلاقتها بأنفسنا والعالم الطبيعي، وتشمل مفاهيم الخير والشر، الصواب والخطأ، الفضائل والرذائل، إلخ. إن ثقافتنا هي التي تقرر ما إذا كنا ننظر إلى الطبيعة على أنها مقدسة أو ذات مغزى جوهري، ومتخلصة من السحر والوهم أم لا. فالثقافة هي التي تحدد إلى أي مدى ننظر إلى أنفسنا كأفراد وكذلك القيمة التي نضفيها على شخصياتنا أيضًا. بمعنى، تكون أشكال الأجسام البشرية متطابقة من الناحية الفسيولوجية في كل مكان، لكن يعتمد على الثقافة كيف تقدم نفسها، وما هي الأعمال التي تؤديها، وكيف ترتبط ببعضها البعض. ونظرًا لأن الثقافة شبكة معقدة من الصور والأفكار والمفاهيم، فهي موجودة  في كل مكان يوجد فيه الانسان. يُعتقد على نطاق واسع لا يمكن أن توجد الأفكار والتمثيلات إلا في اذهان الناس فقط. لكن هذا ليس صحيحا. فعلى الرغم من أن الثقافة أفكار، إلا أنها ليست ذهنية ولا توجد إلا في رؤوس الناس فقط. صحيح أنها موجودة في الذهن، ولكن بصرف النظر عن وجودها في الحالات والأنفعالات الجسدية، تتجسد في الممارسات الجماعية أيضًا. تتولد الثقافة وتتغذى من المجتمعات ويوجد الكثير منها كمعرفة عملية وغير واعية ويفترض مسبقًا أنها الخلفية الأساسية للتمثيلات الأكثر وضوحًا التي شكلها قسم من تلك المجموعة.

نظريات الحداثة الثقافية

يمكن تفسير الانتقال إلى الحداثة، من قبل النظريات الثقافية، دون اللجوء الى الثقافة بالمعنى المبين أعلاه. يوجد مثال على هذه النظرية في مقدمة كارل ماركس لنقد الاقتصاد السياسي. اقترح ماركس، في واحدة من أكثر المقاطع شهرة في أدب العلوم الاجتماعية، نظرية من مرحلتين للتحول الاجتماعي والتاريخي، والتي يتم بموجبها تحديد التغيير في البنية الفوقية القانونية والسياسية والأيديولوجية للمجتمع عن طريق تغيير أكثر جوهرية في علاقات الإنتاج التي هي، بدورها، دالة على طبيعة قواها المنتجة. المقصود من المصطلحين الرئيسيين، "القوى المنتجة" و"علاقات الإنتاج"، امتلاك مضمون ثقافي. إن السمة المميزة للمجتمع الحديث، بوصفه "حديث"، هي مستوى عالٍ من القوى الإنتاجية ونوع من التنظيم الإنتاجي الأنسب للحفاظ على هذا المستوى من الإنتاجية. يصبح المجتمع حديثًا عندما يكتسب التكنولوجيا المتقدمة، وتتجاوز إنتاجيته عتبة معينة. لا شك أن الحداثة لا تستنفد بالتكنولوجيا المتقدمة ونمط معين من الاقتصاد، لكنها تتبع هذا التغيير التكنولوجي لأن التحول الثقافي، أي التغيير في كيفية تصور الذات والعالم والقواعد التي تحكمها هي مجرد ظاهرة ثانوية التكنولوجيا الحديثة والبنية الاقتصادية المصاحبة لها. ليس التفسيرات الثقافية الأخرى غير شائعة في العلوم الاجتماعية، فيمكن، على سبيل المثال، تعريف المجتمعات الحديثة بالتصنيع والتحضر، أو فهمها من حيث بعض الممارسات السياسية والإدارية، أو تصور أنها جزء من عقلانية مفيدة أو مزاج علمي.

تشترك جميع النظريات الثقافية في سمات اساسية تتمثل في التمييز الحاد بين الثقافة من ناحية ونظام للتكنولوجيا / المؤسسات الاقتصادية والسياسية من ناحية أخرى. واسمحوا لي أن أسمي هذا النظام المحدد ثقافياً بالمجمع التكنولوجي المؤسسي أو مجمع تكنولوجيا المعلومات. يشكل، على سبيل المثال، المستوى العالي من التكنولوجيا، والاقتصاد الرأسمالي، والدولة البيروقراطية معًا مثل هذا المركب من تكنولوجيا المعلومات.

تفسيرات النظريات الثقافية

تسفر النظرية الثقافية،عن ثلاثة تفسيرات مختلفة. التفسير الأقوى، المرتبط بالماركسية المبتذلة ومنظري التحديث البسيطة  الذي يقول: أن مجمع تكنولوجيا المعلومات هو ما يشكل الحداثة وله أولوية سببية صارمة، ويتبعه التكوين الفكري بمجرد ظهوره بالضرورة. ليس للثقافة أي فعالية سببية ضمن هذا المخطط. علاوة على ذلك، يجب على كافة المجتمعات عبور هذه العملية بمنطق صارم مع  القليل من الخيارات. لا بد أن يتأثر كل مجتمع، عاجلاً أم آجلاً، أولاً بمركب تكنولوجيا المعلومات هذا، وعندما يحدث ذلك، لابد أن يكتسب "نظرة حديثة". تحتوي هذه النظريات على تكهنات جذرية لكافة المجتمعات البشرية: سوف تمحي الحداثة جميع الاختلافات الثقافية والحضارية لإنتاج توحيد عالمي.

وهناك تفسير ثان يلقي بظلاله على التحيز الغائي القوي للأول لكنه يحتفظ ببقية النظرية. يواجه كل مجتمع خيارًا وجوديًا من وجهة النظر هذه: فعليه إما اختيار الحداثة أو رفضها. إذا اختار المجتمع ذلك، فسيكون قد اختار الحزمة بأكملها؛ ولا يمكنه التراجع بمجرد أن يسير فيها. نظرًا لأن التوقعات تتبع مجمع تكنولوجيا المعلومات، فإن اختيار أحدهما يعني أيضًا اختيار الآخر.

تولد هذه التفسيرات ارتباطًا وثيقًا بما أسميه الأيديولوجيات المزدوجة للحداثة والتقليد. تظهر هذه الإيديولوجيات بشكل خاص عندما يُنظر إلى الحداثة بوصفها هجوم على  جماعة تجد صعوبة في التعامل مع تكنولوجيا المعلومات المعقدة، وهو أمر شائع في المجتمعات التي يغلب عليها الخضوع لتقاليد محلية تعتقد أنها مطلقة الصحة وذات قيمة وصلاحية كونية. تشترك أيديولوجيات الحداثة والتقليدية في الكثير على الرغم من الاختلافات فيما بينها. يعرّف الإيديولوجي الحداثي التقاليد بوصفها نقيض الحديث، وليس من المستغرب أن يجدها بلا قيمة. ترد إيديولوجيات التقليد على الحداثيين بالاسلوب نفسه؛ حيث ينظر الحداثيون الى التقليديين بوصفهم عبدة اعْمِياءَ للماضي، غارقون بشكل غير عقلاني في ممارسات اجتماعية هرميًة تتعارض مع الحرية الفردية. بينما ينظر التقليديون إلى الحداثيين على أنهم لا قيم لهم ينتقلون من رغبة عابرة إلى أخرى، يؤلهون العقلانية الأداتية، ويتغاضون عن الأهمية الأكبر والأعمق لعالمهم الحي المُعاش. ومع ذلك، يشترك كلا المنظرين في الفهم نفسه لكيفية تحول مجتمعات ما قبل الحديثة ودخولها إلى الحداثة. إنهم يقبلون الحداثة كظاهرة غير ثقافية في الأساس. إنهم، في الواقع، يؤيدون التفسير نفسه للنظرية الثقافية للحداثة.

ينتج عن التفسير الثالث للنظرية الثقافية ما أسميه خليطًا من الحداثة والتقاليد. يحافظ هذا التفسير، مثل التفسيرين الأولين، بصرامة على التمييز بين مجمع تكنولوجيا المعلومات والثقافة. ومع ذلك، فإنه يرفض غائية التفسير الأول والرابطة السببية بين مجمع تكنولوجيا المعلومات والثقافة التي يجيزها التفسير الثاني. فمن الممكن، من وجهة النظر هذه، الوصول إلى مجمع تكنولوجيا المعلومات دون الأسس الثقافية المرتبطة به. يُنظر إلى هذا النظام المعقد والثقافي على أنهما منفصلان وغير مرتبطين سببيًا. إن هذا الرأي جذاب بشكل لا لبس فيه لأنه يوفر مزيجًا سريعًا من التقاليد والحداثة. ونظرًا لأنه يتم تعريف الهوية الثقافية من حيث التقاليد المحلية بدلاً من مجمع تكنولوجيا المعلومات، فإنه لا يُنظر الى هذا الحل "الترقيعي" بوصفه هجوم على المجتمعات غير الغربية. بل على العكس تماما، فقد يتم طرحه بأعتباره مثالا يستحق السعي والمتابعة. تعد حيازة مجمع تكنولوجيا المعلومات مصدرًا للتمكين، الذي يُعتقد أنه صفة مهمة للغاية لعلاقات القوة الحقيقية في العالم المعاصر. يمكن لكل مجتمع غير غربي أن يكون حديثًا وتقليديًا في آن واحد، ويستمد قوته من أفضل ما في العالمين. لا يبدو أن استراتيجية تأكيد الذات هذه تمنح التمكين دون الإضرار بالهوية المحلية فحسب، بل إنها تضعف التعارض بين "حداثتهم" و"تقاليدنا" أيضًا. إن الأمثلة التي تتبادر إلى الذهن هي السهولة الواضحة التي يرغب فيها قسم من المجتمعات التقليدية الحصول على المزيد من الطاقة النووية أو امتلاك تكنولوجيا معلومات عالية في الوقت الذي يطالب فيه اللباس التقليدي للمرأة.

قال عالم الاجتماع البارز سرينيفاس أنه قابل شخصًا لم ير أي تناقض في قيادة الجرافة لكسب قوته والانغماس في السحر الأسود التقليدي من أجل سعادته.[2] كان هذان القطاعان من حياته منفصلين تمامًا. يسهل العثور على أمثلة لأشخاص يحملون مواقف دينية سحرية تجاه التكنولوجيا التي يعملون فيها. ويوفر استخدام التكنولوجيا الحديثة لنشر وجهات النظر غير الحديثة مثالاً آخر.

إن كثيرا ما يكون هناك ارتباك وعدم تمييز بين هذا الخليط من الحداثة والتقاليد، بما في ذلك "تحديث التقليد" وبين معنى الحداثة الأخرى لكنها في الحقيقة ليس حداثة أخرى أو بديلة. وهذا لسبب لا لبس فيه، كما هو الحال في أي خليط، وهو الجمع بين الحداثة الغربية وتقليد محلي.

ألخص ذلك بالقول: إن النظرية الثقافية للحداثة منفتحة على ثلاثة تفسيرات، اثنان منها يولدان أيديولوجيات الحداثة والتقليدية، والثالث ينتج حلًا خليطًا غالبًا ما يتم فيه الخلط بينه وبين الحداثة الأخرى.

باختصار، تفرز النظرية الثقافية حداثة "سامية"، وتقاليد راسخة، ومتشددة بالقدر نفسه، وحل هو عبارة عن خليط يجمع بين الاثنين. يعرّف كل من هذه التفسيرات التحديث بالتغريب.

النظريات الثقافية للحداثة

ترفض النظريات الثقافية للحداثة التمييز بين الثقافة ومركب تكنولوجيا المعلومات. وجدت أن التمييز بين المؤسسات والثقافة غير مستدام. على أقل تقدير. لكن لما ذلك؟ لأن المؤسسات هي ممارسات ملزمة أو مقيًدة بقواعد. وأن جميع الممارسات، بما في ذلك التي تحكمها قواعد محددة، تتشكل جزئيًا من المعتقدات التي يشير بعضها بشكل مباشر أو ضمني إلى القيم التي تعطي هذه الممارسات اتجاهًا معياريًا – وهو سبب وجودها، ووجهة نظرها. وهناك فهم محدد للذات من قبل المشاركين فيها على القدر نفسه من الأهمية للممارسات الاجتماعية. باختصار، لن تكون ممارسة معينة كما هي بدون وجهة نظرها الداخلية أوفهمها الذاتي. إنه لمن الضروري كما في ممارسة التصويت أن يتم التوصل إلى قرار أو إصدار حكم. ومن الأهمية بمكان أن يرى الناخبون أنفسهم كذوات قادرة على اتخاذ خيارات معقولة أيضًا. بدون وجهة نظرها هذه والفهم الذاتي، يضع الناس علامة على ورقة ولكن لا يصوتون. يكشف كل هذا عن ادعاء مألوف في العلوم الاجتماعية التأويلية بأن الممارسات الاجتماعية لها مغزى.

والآن، يعني هذا القول اعتراف بالصلة بين المؤسسات والتكوينات الثقافية ذات الخصوصية. وبعد كل شيء، ليست الثقافة سوى شبكة من المعاني التي تغذي كلاً من فهم الذات وغاية الممارسات. إننا نشيرعند الحديث عن مجموعة محددة من الممارسات الاجتماعية  إلى أنظمة ثقافية معينة أيضًا. إن هذا صحيح، إلى حد ما، حتى بالنسبة للتقنيات لأنها تنطوي أيضًا على بعض مفاهيم وأغراض ذاتية خاصة وليست ثقافة محايدة على الإطلاق كما تبدو. إذا كان كل هذا صحيحًا، فلا يمكن تعريف الحداثة من منظور ثقافة معقدة محايدة لتكنولوجيا المعلومات فقط. إنها بالضرورة نظام ثقافي / معياري يشمل مجمع تكنولوجيا المعلومات. لذلك يرتبط مجمع تكنولوجيا المعلومات من الناحية المفاهيمية بنظرة ثقافية وأخلاقية، بالنسبة للنظرية الثقافية. لا يعني هذا أنه يجب عليهم تشكيل نظام متماسك بإحكام معًا، كما هو الحال في العلاقات في المنطق الشكلي. ولا حاجة لأن تكون هذه العلاقات سببية. إنها علاقات أكثر مرونة، مثل الخيوط الضعيفة لشبكة او نسيج (و بالمناسبة هذاهو السبب في أننا كثيرًا ما نشير إلى الثقافة على أنها شبكة). وأعطي أمثلة على ذلك. يفترض مشروع العلم الحديث بأكمله كما أشار إليه ماكس فيبر على أنه خيبة أمل العالم، أي تشيوءه. ويتطلب فهم خلفية العلوم الطبيعية أن العالم الطبيعي يتكون من كيانات منفصلة بدون هدف أو معنى جوهري. ويكمن المعنى في الذوات المنفصلة عن العالم الخارجي حصريًا من الآن فصاعدًا. ينطوي هذا الفصل الجذري بين الذات والأشياء على موقف من درجة معينة من التحكم الأداتي في الطبيعة وإخضاعها. إذا لم يكن الغرض من الطبيعة خاصًا بها لإنه  مستمد من البشر بالكامل ، فيمكن للبشر أن يعطيه أي غرض يراه مناسبًا. وإذا لم يظهر أي غرض  فيها أو لها، وإذا كان الأمر كذلك، فيمكن التأثير فيها والتلاعب بها حسب الرغبة، بل حتى يمكن تدميرها. إن البشر فقط بوصفهم يمتلكون هذا النوع من الذاتية الحديثة يمكنهم إنتاج العلم والتكنولوجيا. أنظر مثلا الرأسمالية، وهي نظام اقتصادي مصمم لتوليد الأرباح، يعتمد تحقيق هذه الغاية باستمرار الادخار وإعادة الاستثمار في الإنتاج، والذي يكون بدوره ممكنًا عندما يتم تقليل الاستهلاك والإشباع للرغبات فقط. لا يمكن أن يعمل هذا النظام إلا من قبل أنواع معينة من الناس، على سبيل المثال، من قبل أولئك الذين يجب أن يعيشوا دون التخلي عن العالم وفقًا لأخلاق ضبط النفس على الرغبة والعاطفة، أيً عليهم اتباع ما أسماه فيبر بالزهد الدنيوي الداخلي.

يبدو للوهلة الأولى، يجب أن تكون الحداثة غربية بشكل لا مفر منه بالنسبة للنظريات الثقافية. إنها ولدت في الغرب، ويجب أن تظل مرتبطة به. إذا كانت التكنولوجيا والمؤسسات الاقتصادية قد نشأت في الغرب، فيجب أن تكون الثقافة التي ارتبطت بها منذ ولادتها كذلك. وإذا كان الأمر كذلك، يبدو أننا نصل إلى النتيجة نفسها التي توصلت إليها النظريات الثقافية القائلة بوجود حداثة غربية فريدة واحدة فقط. وإن الطريق الوحيد للتحديث هو التغريب بالنسبة للمجتمعات غير الغربية.

لكن هذا الاستنتاج حول النظريات الثقافية للحداثة خاطئ. لا تحتاج النظريات الثقافية إلى الاعتقاد بأن الحداثة ظاهرة فريدة وشاملة وغربية لا مفر منها. ما تم ترسيخه وتقريره حتى الآن هو: أن الحداثة في الأصل، نظام ثقافي معقد، كانت غربية بشكل حصر لكن لم يثبت أنها يجب أن تظل غربيًة. من المؤكد أن هذه النقطة حول الأصول الغربية للحداثة تفرغ  أو تخض من خطوة أخرى لتأكيد الذات من جانب المجتمعات غير الغربية أي من الممكن أن تنبت الحداثة في أماكن مختلفة إما في وقت واحد أو في أوقات مختلفة. يمكن لكل مجتمع، من وجهة النظر هذه، أن يكون حديثًا دون أن يكون غربيًا لأن كل مجتمع له مسار إلى حداثته الخاصة، ويحمل في ذاته بذور حداثته الفريدة.[3] ونظرًا لأن النظريات الثقافية تشير ضمنيًا إلى الأصول الغربية الفريدة للحداثة، فإنها تدحض الرأي القائل بأن مناطق مختلفة من العالم قد طورت مفاهيمها المميزة والفريدة من نوعها للحداثة. ومع ذلك، فهي متوافقة تمامًا مع الفكرة القائلة بأن الحداثة نشأت في الغرب، وانتقلت إلى أجزاء أخرى من العالم. ويتفق معها الرأي القائل بأن الحداثة الغربية قد تغيرت في رحلتها إلى أجزاء أخرى من العالم من خلال اتصالها بالتقاليد الثقافية غير الغربية. لقد تغيرت الحداثة حتى داخل المنطقة الجغرافية المسماة الغرب، أي أوروبا وأمريكا الشمالية بمرور الوقت. تطورت الحداثة الأخرى داخل الغرب وخارجه، أي الحداثة التي تتحدى  وتختلفت عن الحداثة الغربية المبكرة، بمرور الوقت.

طورت الشعوب في الغرب الجغرافي، من خلال العمل على طرق مختلفة للابتعاد عن ماضيهم  حداثاتهه الآخرى. لقد تولدت مفاهيم مختلفة عن التنوير، وتطورت حركات مناهضة للتنوير مثل الرومانسية، وبُذلت عدة محاولات إبداعية للتوفيق بين الرومانسية وتقاليد التنوير؛ باختصار، لا يمكن مساواة الحداثة الغربية بأي مفهوم واحد للتنوير. ظهرت الحداثة الأخرى في المجتمعات غير الغربية، عندما حاولت الشعوب غير الغربية التحرر ليس فقط من النظم والممارسات السابقة ولكن من قيود صيغة معينة من الحداثة الغربية المفروضة عليهم أيضًا.

بمجرد قبول فكرة أن الحداثة نشأت في الغرب ولكنها هاجرت إلى مكان آخر، هناك ثلاثة احتمالات مختلفة تتنافس. أولاً، فشلت الحداثة عند وصولها في أن تترسخ لأن النظم الثقافية غير الحديثة كانت راسخة بعمق، ومرنة للتغيير، ولا يمكن استبدالها بسهولة. ثانيًا، وجدت الحداثة الغربية مكانًا آمنًا ومستوعبًا في هذه المجتمعات بسهولة. فساعد عدد من الآليات على مرورها بسلاسة. كان هناك تحول تدريجي أما بالمحاكات العمياء أو الإغواء المطلق. شملت المؤسسات التي حصل فيها هذا على نطاق واسع البيروقراطية والقوات المسلحة ومراكز التعليم الحضرية. بالإضافة الى أنه تم تبني التغريب لأسباب ذرائعية بحتة أيضًا. لقد بدأ شيء مشابه لهذه العملية في وقت مبكر في أواخر القرن السابع عشر كما حصل في الدولة العثمانية ومصر والهند.[4]

كان هناك سبب أوآخرلأستيعاب للحداثة الغربية في بعض مجتمعات العالم غير الغربي. فربما تضمنت الحداثة الغربية العديد من العناصر التي تتوافق مع البنى الأسطورية العميقة داخل الحضارات غير الغربية. وإذا كان لأي سمة من سمات الحداثة الغربية بنية عالمية أعمق على عكس الاختلافات السطحية فإن استيعابها كان مجرد إجراء شكلي.[5] أخيرًا، هناك احتمال ثالث وهو: عندما بدأت الحداثة الغربية في التفاعل مع الأنظمة الثقافية المحلية، بدأ شيء مثل الثقافة الهجينة أو التركيب في الظهور عن طريق التكيف الإبداعي، والذي لا يمكن العثور على نظير له في الحداثة الغربية ولا في التقاليد المحلية الأصلية. تشبه هذه الظواهر الجديدة الكيانات الغربية الحديثة والتقليدية ويمكن الخلط بين إحداهما والأخرى ولكنها تهرب من الشبكة التفسيرية والخطاب المتعلق بكليهما. تنتمي هذه المجموعة من الظواهر المطورة حديثًا، والتي تم تشكيلها من قبل الأنظمة الثقافية الغربية الحديثة والأنظمة التقليدية المحلية الأصلية، إلى ما يمكن تسميته بالحداثة  الأخرى أو نمط اخر من الحداثة.

لكن من المهم إعادة التأكيد على الاختلافات بين الحداثة الأخرى (أو الحداثات الأخرى) والمزيج  المكون من الحداثة الغربية والتقاليد  المحلية الأهلية.

نشير إلى نقطتين إضافيتين. أولاً، لا يعني التغيير البنيوي تحولاً شاملاً. فقد تكون الممارسة حديثة مع الاحتفاظ بعناصر تقليدية، مثل الممارسة التقليدية التي تحتفظ بهويتها الأساسية على الرغم من أنها استوعبت بعض العناصر الحديثة. ما يهم هو الشكل الثقافي الأساس. فإذا تغير ذلك، لا يحدث السطح الخارجي فرقًا كبيرًا في هويته. على سبيل المثال، تغيير الموقف تجاه أنواع معينة من الملابس أو الأطعمة أنه مجرد  تغيير سطحي. قد يرفض الشخص أكل أنواع معينة من اللحوم الحمراء إما لأنها محظورة تقليديا أو لأسباب صحية. عندما لا يؤكل لحم  على اساس الصحة، تغير في الشكل الثقافي الأساسي لحظر أكل ذلك الحم. ثانيًا، يمكن العثور على دليل التغيير في الشكل الثقافي الأساس من خلال فحص طبيعة أو عادات  المجتمع وأعتقاداته الراسخة. لا تحدث التغييرات الثقافية الأساسية عندما يقول الناس أنهم أصبحوا مختلفين أو عندما يتم تغيير معتقداتهم ولكن تحدث مع تغيير في الفهم المدرج في ممارساتهم الاجتماعية.

من الواضح أيضًا لا تزال  تمثل الحداثة الأخرى على الرغم من اختلافها جذريًا عن التقاليد الأصلية والحداثة الغربية السائدة صيغة من الحداثة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن أي نقاش حول الحداثة الأخرى ( أو الحداثات)  يطرح بطبيعة الحال السؤال: ما هي الحداثة؟ ما هو الشيء المشترك بين كل الحداثات؟ ليس من السهل الإجابة عن السؤال، لكن سأقدم وجهة نظري الأوليًة حوله. يجب تحديد أي حداثة بالميزات التالية:

1- قبول درجة معينة من عدم سحرية الطبيعة.

2- ميل واضح لتجنب المعاناة والرغبة في الرفاهية المادية.

3- اعتماد مبادئ مختلفة لتحديد الهوية الذاتية للأفراد والجماعات التي ينتمون إليها، وبالتالي توليد أنواع جديدة من الهويات الجماعية والفردية التي تنطوي علاقتها على شكل من أشكال الحرية للأفراد.

4- شكل من أشكال المساواة بين الأفراد والجماعات.

5- القبول بأن الأختلافات بين الأفراد والجماعات أمر حتمي ومعقول. في الواقع، يمكننا القول، (2) - (4) وربما (5) يشكلون معًا الفكرة الحديثة للعدالة الاجتماعية.

6- وجود درجة معينة من قدرة الشخص على فحص شاعره وردود فعله ودوافعه (= أسباب التمثيل) وكيف تؤثر هذه الأشياء على ما يفعله أو يفكر فيه في موقف ما، وبالتالي التساؤل النقدي.

7- الاعتقاد بأن البنى الاجتماعية تعتمد على الفاعليًة البشرية إلى حد ما على الأقل.

تفرز هذه السمات معًا أو تفترض مسبقًا مفهومًا معينًا عن الذات وكيفية ارتباطها مع الذوات الأخرى ومع بالعالم الطبيعي. يولد هذا معًا إمكانية التوافق مع مجموعة محدودة ولكن واسعة من الترتيبات المؤسسية أيضًا. توفر الحداثة الغربية السائدة تفسيرًا واحدًا لهذه المجموعة المعقدة من الميزات. المطلوب أن تفسرها الحداثات الأخرى وتوضحها بشكل مختلف، وتخصيص أوزان مختلفة لكل منها.

النقاط الأخرى الجديرة بالذكر لتوضيح موقفي هي: أولاً، أعتقد أن أي تشكيل اجتماعي غير غربي قد استجاب للحداثة الغربية في كل من الطريق الثلاث المذكورة سابقًا. ويتضمن ايً تشكيل اجتماعي غير غربي معاصر على مجموعة من الممارسات غير الحديثة التي لم تتأثر الى حد كبير والتي أظهرت مرونة ملحوظة في التغيير بالإضافة إلى مجموعة من الممارسات الحديثة ذات الطابع الغربي تمامًا. بالإضافة إلى هذه المجموعات - وهذا هو المضمون الرئيس لهذه المحاولة- فأنها تتضمن مجموعة  مميزة عن الحداثات الأخرى. فمن وجهة نظري، ليس كل سمة مهمة من سمات المجتمعات غير الغربية يمكن فهمها بوصفها تعبر عن منظور حداثة فريدة تمامًا.  بدلاً من ذلك ، فإن وجهة نظري هي: لطالما حجبت إعادة النظر في سمات مجتمعنا من حيث الفصل المباشر بين التقاليد الغربية الحديثة / التقاليد المحلية الأهلية الأصلية، وجود مجموعة ثالثة مهمة في المجتمعات غير الغربية أيضًا. ثانيًا، لا يلزمني أي مما قلته حتى الآن بإصدار حكم قيمي قوي على أي من هذه المجموعات الثلاث. ليس من نطاق هذا  الطرح هنا الإسهاب في الحديث عن الخير أو الشر الموجود في هذه  المجموعات. على أي حال، لا الحداثة الغربية ولا التقاليد المحلية الأصلية جيدة أو سيئة بالكامل. وينطبق الشيء نفسه على الحداثات الأخرى.

أنه من الشائع عن الحداثة الغربية السائدة أنها فتح فضاءات تحررية غير مسبوقة ولكن كذلك أشكال جديدة من السجن. يترافق مع رفض الحداثة للتسلسل الهرمي مع بعض الأشكال غير المقبولة للتمايزات والتسويات وعدم المساواة. وكما تهتم الحداثة بتجنب المعاناة وبالرفاهية المادية لكنها ولدت اهتمامًا مفرطًا بالراحة المادية وعززت الخوف العصبي من أي ألم أو معاناة. لقد شجعت الاستقلالية الفردية ولكن البحث عن الذات بلا رحمة أيضًا. شددت على الحاجة إلى أن تكون عقلانيًا ولكنها عززت أشد أشكال التفكير الأداتي في الوقت نفسه.  لقد أنقذت الأفراد من خلال فتح مساحة خاصة لهم من التدخل الاجتماعي المستمر ونظرة بالمراقبة الدائمة من قبل المجتمع، ولكن جعلتهم غير مكترثين بالشأن العام أيضًا. لقد ولّدت أشكالًا جديدة أكثر انفتاحًا من الانتماء، لكن أنتجت استبعادات جذرية وكراهية للأجانب كذلك. إن هذه الطبيعة المتناقضة هي سمة من سمات الحداثة، أبتداءً من الحداثة الغربية المبكرة إلى تجسيداتها اللاحقة. وينطبق ذلك على الحداثة عندما وصلت إلى شواطئ المجتمعات غير الغربية أيضًا. وكما نعلم جميعًا، حتى الحداثة الاستعمارية كان  لها وجه نعمة، فقد زرعت بذور التحرر حتى عندما كانت منشغلة في خنقنا.

هذه لحظة مناسبة لتوضيح موقفي التقييمي لمواجهة ما أسميته حل "المزج أوالخليط". بمعنى، إن الخليط أمر حتمي ومرغوب فيه. إنه أمر لا مفر منه لأن البشر مخلوقات معقدة ذات احتياجات ورغبات متنوعة لا تهتم كثيرًا بشأن الاتساق والترابط أنها تهتم أكثرفي كيفية تلبية هذه الاحتياجات والرغبات. يميل الناس إلى استكشاف جميع أنواع المصادر المتنوعة. لذلك لا يمكننا الاستغناء عن  المزيج  أوالخليط. تزدهر حياة الإنسان من خلال الخليط هذا، لأن يصبح التفاعل والتبادل الثقافي من دونه مستحيلاً. يبدأ كل اقتراض ثقافي على شكل خليط. ومع ذلك، قد تكون الخلطة هي أيضًا نتاج لدرجة ما من قصر النظر وبالتالي، عدم التفكير والضحالة المصاحبة له. والأسوأ من ذلك، عندما تكون الأمور المخلوطة متعارضة بشدة وفي صراع عميق  فأنها تفصل المجتمعات والأفراد عن بعضهم البعض ما لم يتم على مستوى مختلف آخر، تشكيل ظاهرة جديدة تؤدي إلى تهدئة التوتر داخل كيانات ممزوجة أو مُرقعة سابقًا. ، لا تستطيع الخلطات بحكم طبيعتها التوفيقية بين الصراعات العميقة داخل الكيانات المنفصلة التي يتم تجميعها عرضيًا بشكل أو بآخر. لذا، يجب أن نبحث في مكان آخر للحصول على حلول دائمة تلبي أعمق احتياجاتنا.

ثالثًا، ليس لدي فكرة ثابتة عن الحداثة الأخرى، بل عن أي حداثة أخرى. قد تكون الحداثة الأخرى ظاهرة محلية للغاية، داخل مدينة على سبيل المثال. إذا كانت هناك حداثة باريسية، فلماذا لا توجد حداثة في القاهرة وبغداد والشام؟ قد يكون لها انتشار وطني. على سبيل المثال، إذا كان هناك حداثة يابانية، فمن المؤكد أنه يمكن أن تكون هناك حداثة عربية أيضًا. في الواقع، قد تتواجد العديد من الحداثات العربية أو الآسوية أو في أماكن أخرى. أخيرًا، قد يكون هناك وجود عالمي حقيقي لحداثة مختلفة عن الحداثة الغربية السائدة.

لم يكن في نيتي تقديم إدانة شاملة لتقاليد المجتعات غير الغربية أوماقبل الحداثة  أو الحداثة الغربية. إن هذا المقال هو نداء للاعتراف بالحداثة الأخرى وأمكان اشكال نشؤها التي قد  لا يلاحظها أحد بسبب سيطرة إطار مبسط  يفصل بشكل ثنائي على خيالنا ،يقسم عالمنا إلى الحداثة الغربية والتقاليد المحلية الأصلية. أصبح هذا الإطار الراسخ الآن عادة معطلة للعقل، يمنعنا من رؤية الأشياء كما هي. سيكون هذا المقال قد حقق هدفه إذا كان، ولو بطريقة صغيرة، قد ساهم في تحريرنا من هذا الإطار المحدود.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

......................................

[1] Charles Taylor, 'Two Theories of Modernity', Public Culture, vol. II, no. l,1999, pp. 153- 74.

[2]  M.N. Srinivas, Social Change in India, New Delhi: Orient Longman, 1966, pp. 54-5.

[3] هناك وجهة النظر تقول أن المجتمعات غير الغربية طورت حداثاتها المبكرة  ولكن تم ايقاف  مساراتها، أو أحبطتها، أو اغتصبت من قبل الحداثة الاستعمارية الغربية ، أنظر:

Sanjay Subrahmanyam, 'Hearing Voices: Vignettes of Barly Modernity in South Asia, 1400-1750', Daedalus, vol. 127, no. 3, 1998, pp. 75-104.

[4]  Misra, B., Modernization of Indian Tradition,Rawat Publications, 1988, p. 89.

[5]Ashis Nandy, The Tao of Cricket: On Games of Destiny and the Destiny of Games, New York: Viking, 1989.

 

محمود محمد عليكتب الفيلسوف الإنجليزي "برتراند راسل" Bertrand Russell رسالة  في غاية الروعة عن العلاقة بين المنطق والتصوف؛ حيث عقد فصلاً هو من أجود ما كتب في حياته الفلسفية، أراد أن يميز بين قطبى الرحى في حياة الإنسان الثقافية الذين هما بصورة مجملة التصوف في ناحية، ومنطق العقل في ناحية أخرى، ففى الحالة الأولى يكون الإدراك مباشراً وبغير مقومات، وفى الحالة الثانية الإدراك قائم على " التحليل "، بينما يرفض أصحاب الحالة الأولى كل ضروب " التحليل "، وأطلق " راسل " على بحثه ذاك عنوان " المنطق والتصوف " Mysticism & Logic، ثم جعل العنوان نفسه عنواناً لكتاب يضم ذلك الفصل من فصول أخرى، وإنه لما يفيدنا في هذا المقال أن نوجز ما قاله " راسل " فى العلاقة بين المنطق والتصوف " ؛ يقول " رسل " : لقد سار الإنسان في محاولته أن يتصور العالم من حيث هو كل واحد مدفوعاً بدافعين مختلفين كل الاختلاف، وقد يتلاقى هذان الدافعان معا في إنسان واحد، وقد لا يتلاقيان، فأولهما هو الذى يحفز الإنسان إلى النظر إلى الوجود نظرة المتصوف، وأما الثانى فيحفزه إلى النظر بوسيلة العقل نظرة العلماء، ولقد استطاع أعظم الرجال أن يبلغوا قمة العبقرية بالدافع الأول وحده . كما استطاع أيضاً أعظم الرجال أن يبلغوا قمة العبقرية بالدافع الثانى وحده . ولكن أعظمهم جميعاً هم أولئك الذين اجتمعت لهم عناصر المعرفة العقلية، وعناصر الإدراك الصوفى في آناً معاً .

ويوضح برتراندراسل ذلك قائلاً:" تطورت الميتافيزيقيا، أو محاولة إدراك العالم ككل بوسائل الفكر، منذ البدء عبر وحدة وتصارع دافعين إنسانيين، أولهما يحث الناس على التصوف، فيما يحثهم الثاني على العلم . لقد حقق بعض الأفراد ما هو عظيم ضمن الدافع الأول وحده، فيما حققه البعض الآخر عبر الدافع الثاني وحسب : فإذا أخذنا " ديفيد هيوم" مثلاً، كان الدافع العلمي عنده هو الغالب دون منازع، فيما نجد عند " بليك " العداء حيال العلم يتعايش مع رؤية صوفية عميقة . لكن الأفراد الأكثر عظمة والذين هم الفلاسفة كانوا يشعرون بحاجة لكل من العلم والتصوف : فمحاولة خلق تناغم مّا بين الاثنين ـ التي وسمت حياتهم، والتي يجب أن تكون دائماً كذلك، بما فيها من توقد غير مستقرـ هي التي جعلت الفلسفة تبدو، بالنسبة لبعض العقول شيئاً يفوق بعظمته العلم والتصوف " .

ثم يعطينا برتراندراسل أمثلة للخصائص التي تميز دافِعيْ العلم والتصوف مأخوذة من حياة فيلسوفين عظيمين امتزجت حياة كل منهما بقوة بما أنجزه . هذان الفيلسوفان هما هيرقليطس وأفلاطون ؛ حيث  يقول ": لقد كان هيرقليطس، كما يعرف الجميع، يؤمن بمقولة التدفق الشامل: الزمن يبني جميع الأشياء ويحطمها. ومع أنه ليس من السهل معرفة كيف توصل إلى آرائه، إذ لم يبق لدينا منه سوى شذرات، يمكننا القول إن بعض ما قاله يوحي بأن المراقبة العلمية كانت ينبوع آرائه. يقول: " الأشياء التي يمكن أن تُرى، أو أن تُسمع، أو يتم تعلمها هي التي أُثمنها أكثر" إن لغة كهذه هي لغة أمبيريقية، تشكل فيها المراقبة الضمان الوحيد للحقيقة. وكذلك قوله إن " الشمس جديدة في كل يوم"، واحدة من تلك الشذرات ؛ تكشف بوضوح، رغم طابعها المُتناقض، أنها كانت تستلهم التفكير العلمي، فمما لا شك فيه أن هيرقليطس، عبر ذلك الحكم، كان يحاول تحاشي صعوبة فهم كيف أن الشمس بمقدورها التحرك من الشرق إلى الغرب. ولا بد أن تكون المراقبة العيانية أيضاً هي ما أوحى له بنظريته المركزية، القائلة بأن النار هي الجوهر الوحيد الثابت والذي تمر بفضله جميع الأشياء المرئية عبر مراحل. ففي الاحتراق نرى تحول الأشياء التام، فيما يتصاعد اللهب والحرارة في الهواء ثم يتلاشيان. يقول "هذا العالم، والذي هو واحد بالنسبة للجميع لم يصنعه أي من الآلهة أومن البشر، لكنه كان دائماً، وهوالآن، كما سيكون دائماً، من صنع النار الحية، ثمة مكيال يُضئ، فيما يخمد مكيال آخر. تحولات النار هي، قبل أي شئ آخر، بحر؛ ونصف البحر أرض، ونصفه الآخر زوبعة تبقى هذه النظرية، رغم أنها قد أصبحت مرفوضة من قبل كل العلوم، علمية في روحها. كذلك يبقى علمياً حكمه الشهير الذي يستشهد به أفلاطون " لا يمكننا النزول مرتين في النهر الواحد؛ لأننا ننزل دائماً في مياه جديدة" . غير أننا نعثر أيضاً على حكم آخر ضمن تلك الشذرات " نحن نهبط في النهر الواحد ولا نهبط ؛ لأننا موجودون وغير موجودين"

ويري راسل أن مقارنة هذه العبارة الصوفية، بتلك التي يذكرها أفلاطون، العلمية، تظهر إلى أي حد يتزاوج فيه الدافع الصوفي بالدافع العلمي في نظام هيرقليطس. فالتصوف، في جوهره، شئ أكثر من محض توتر أوسع وأعمق في الإحساس حيال الطريقة التي يجري بها فهم الكون؛ وهذا الإحساس قد أدى بهرقليطس، على أسس علمه، إلى ذلك النوع من الأقوال الغريبة والمؤثرة عن الحياة والعالم، كقوله : الزمن طفل يلعب بالنرد، القوة الملكية هي قوة الطفل. فالمخيلة الشعرية، لا العلمية، هي من يقدم الزمن باعتباره سيداً طاغياً يتحكم في العالم، بكل ما ينطوي عليه الطفل من طيش ولا مسؤولية . والتصوف أيضاً هو ما جعل هيرقليطس يؤكد على وحدة المتناقضات : " واحد هما الخير والشر"، كما يقول: كل الأشياء عند الرب لطيفة وخيرة وعادلة، لكن البشر يحسب البعض منها خاطئاً والبعض الآخر صحيحاً. ترتكز أخلاقية "بيليك وهيرقليطس " على الكثير من التصوف. صحيح إن التحديد العلمي هو الذي ألهم حكمه التالي : طبع الإنسان هو مصيره ؛ بيد أن المتصوف وحده منْ يمكنه القول : "تساق كل بهيمة بالصفعات إلى المرعى، وكذلك : يصعب نزاع المرء مع رغبة قلبه. كل ما يُرغب الحصول عليه، يتم شراؤه على حساب الروح، وأيضاً : "الحكمة واحدة. إنها معرفة الفكرة التي تُرَص فيها الأشياء بعضها ببعض .

ويزيد راسل في مضاعفة الأمثلة، فيقول :"  ثمة مقاطع عند أفلاطون –من بين تلك التي تُبين الجانب العلمي من عقله- تشير إلى معرفته الواضحة بذلك الأمر. أكثر تلك المقاطع أهمية هو ذلك المقطع الذي يشرح فيه سقراط، الذي كان شاباً، نظرية الأفكار لبارمنيدس. فبعدما أوضح سقراط أن هناك فكرة للخير، لكن ليس ثمة من فكرة لأشياء كالشعر أو الطين أو القذارة، ينصحه بارمنيدس بالمضي وأن لا يزدري حتى بالأشياء الوضيعة. وقد كشفت تلك النصيحة عن الطبع العلمي الأصيل. إذ لا بد من تركيب الرؤية الصوفية للواقع السامي للخير مع هذا الطبع اللامتحيز، إذا ما كانت الفلسفة تطمح في تحقيق أعظم ممكناتها. بيد أن إخفاقها على هذا الصعيد هو ما جعل الفلسفة المثالية هزيلة، فاقدة للحياة، وبلا مادة. فعن طريق التزاوج مع العالم يمكن لمُثلنا جلب ثمارها : لكن إذا ما انفصلت عنه، فستظل تلك المُثل عارية. غير أن التزاوج مع العالم لا يعني القيام به عبر مثالية تهرب من الواقع، أو تعلن بدءًا بأن على العالم التطابق مع رغباتها

ثم  يدلل " راسل " على ذلك ببارمنيدس الايلى الذى يصف تصوفه بأنه تصوف منطقى ظهر عند كثير من المتصوفة الميتافيزيقيين من يوم " بارمنيدس " إلى " هيجل " وتلاميذه المحدثين وأساسه هو أننا لا نعرف اللاوجود وما لا نعرفه ليس موجوداً ؛ يقول رسل :"  كذلك فإن لبارمنيدس نفسه نوعاً من التصوف الخاص، المُثير للاهتمام، والذي كان يستولي على فكر أفلاطون ؛ أي التصوف الذي يمكننا تسميته بـ " المنطقي"، ما دام يتجسد عبر نظريات في المنطق. فكما هو واضح يجد هذا الشكل من التصوف، بالقدر الذي يتعلق فيه الأمر بالغرب، جذوره عند بارمنيدس، كما أنه يستحوذ على طرق تفكير المتصوفة الميتافيزيقيين الكبار منذ أيامه وحتى هيجل ومريديه المعاصرين. فالواقع، مثلما يقول، لم يُخلق، ولا يمكن تحطيمه، ولا تغييره، أو تجزئته؛ فهو مُثبت ضمن حدود سلاسل كاملة القدرة، لا بداية له ولا نهاية؛ ما دام المجئ إلى الوجود والخروج منه قد تم إبعادهما عنه، وأزالهما عنه الإيمان الحقيقي. فالمبدأ الجذري الذي يوجه بحثه قد عبر عنه بحكم يمكن أن يجد مكانته عند هيجل : “لا يمكنك معرفة ما هو غير قائم -أمر مستحيل- وليس بمقدورك النطق به؛ ذلك لأنه شئ واحد ذلك الذي يمكنه الوجود وما يمكن التفكير به أيضاً لا بد من أن يكون ما يُقال وما يفكر به موجوداً، ذلك لأنه قادر على أن يكون، وليس من الممكن لما هو غير كائن أن يكون”. تنتج عن هذا المبدأ استحالة التغيير، لأن ما جرى في الماضي يمكن قوله، وهو ما زال قائماً تبعاً لذات المبدأ "

ويستطرد راسل قائلاً:" إن أحد الجوانب الأكثر إقناعاً في التجلي الصوفي هو الوحي الظاهري بوحدة جميع الأشياء، وذلك ما ولد مذهب وحدة الوجود في الدين والتوحيد في الفلسفة. ثمة منطق متقن، كان قد بدأ مع بيرمنيدس وبلغ ذروته عند هيغل وأتباعه، قد تطور تدريجياً، للبرهنة على أن الكون هو كلية واحدة لا تتجزأ، وما يظهر وكأنه أجزاء له، إذا ما تم التعامل معه باعتباره جوهراً يتمتع بالوجود الذاتي، ما هو إلا وهم. فالإيمان بوجود واقع يختلف تماماً عن عالم الظاهر، واقع واحد، لا ينقسم ولا يتغير كان قد أُدخلَ على الفلسفة الغربية من قبل بارمنيدس ليس لأسباب صوفية أو دينية، على الأقل اسمياً، ولكن على أسس الحجة المنطقية القائمة على استحالة اللا-وجود، وبأن غالبية النظم الميتافيزيقية اللاحقة كانت حصيلة لتلك الفكرة "

ثم يؤكد رسل أن :"  المنطق الذي تم استخدامه للدفاع عن التصوف يظهر بأنه خطأ في المنطق، وهو معرض للنقود التقنوية، وذلك ما قمت بشرحه في مكان آخر. لن أكرر هنا تلك النقود، ما دامت طويلة ومعقدة، لكني سأحاول القيام بتحليل للحالة الذهنية التي تولد عنها ذلك المنطق الصوفي. يتولد الإيمان بواقع مختلف تماماً عمّا يظهر للحواس بقوة لا تقاوم في بعض الأمزجة، والتي هي مصدر غالبية التصوف والميتافيزيقيات. فحينما يتغلب مزاج كهذا، ينتفي الشعور بالمنطق، وبالتالي فإن أكثر المتصوفة إندفاعاً لا يستخدم المنطق، بل يسعى مباشرة للكشف عن رؤيته الداخلية. غير أن التصوف المدفوع إلى هذا الحد قلما نعثر عليه في الغرب. فعندما تتواصل قناعة بمثل هذه القوة الانفعالية، يبحث الفرد المُمارس للتفكير عن أسس منطقية لصالح الإيمان الذي يجده في نفسه. لكن عندما يكون ذلك الإيمان قائماً سلفاً، سيكون هذا الفرد منفتحاً حيال أية أرضية توحي بنفسها ".

وأخيراً يري رسل أن :"... المتناقضات المُبرهن عليها بصورة واضحة ضمن منطقه هي في الحقيقة متناقضات التصوف، وتشكل الهدف الذي يعتقد بأن على منطقه بلوغه، إذا ما أراد له أن يكون منسجماً مع رؤيته الداخلية. وقد كان الناتج المنطقي هذا سبباً في جعل غالبية الفلاسفة عاجزين عن وضع العالم العلمي والحياة اليومية ضمن اعتباراتهم. فلو كانوا مهتمين بأخذ ذلك في نظر الاعتبار، لكان في مقدورهم، ربما الكشف عن الأخطاء التي يتضمنها منطقهم، غير أن غالبيتهم لا تعير اهتماماً لفهم عالم العلم والحياة اليومية، بل تدينه باعتباره غير واقعي لصالح عالم “حقيقي” يقع فيما وراء الحواس. بمثل هذه الطريقة تمت مواصلة المنطق من قبل أولئك الفلاسفة الكبار والذين كانوا من المتصوفة. لكن ما دام التعامل مع المألوف قد أُخذَ كونه ضامناً لتلك الرؤية المُفترضة للانفعال الصوفي، فقد جرى تقديم عقائدهم المنطقية بنوع من الجفاف، وتم احتسابها من قبل مريديهم وكأنها مستقلة عن أي تجلّ مُفاجئ كانت قد انبثقت عنه. ورغم ذلك ظل أصلهم مُلتصقاً بهم وبقوا، لكي أستعير كلمة نافعة من “سانتيانا”، “خبثاء” إزاء عالم العلم والحس العام. بهذه الطريقة وحسب يمكننا التعامل مع ذلك الرضا الذي قبل بموجبه الفلاسفة تناقض عقائدهم مع جميع الحقائق العلمية العامة التي تبدو أكثر استقامة وجدارة بالإيمان. يُظهر المنطق الصوفي، كما هو الأمر في الطبيعة، حالات الخلل المُتأصلة في كل ما هو خبيث. إن الدافع المنطقي، الذي لا يمكن الشعور به عندما يهيمن المزاج الصوفي، يعاود التأكيد على نفسه ما إن يتلاشى ذلك المزاج، ولكن مع الرغبة في الاحتفاظ بتلك الرؤية المُضمحلةِ، أو على الأقل البرهنة على أنها لم تكن سوى رؤية داخلية، وبأن ما يناقض ذلك الدافع ما هو إلا وهم. إن نشوء منطق كهذا لا يخلو من المصلحة، فهو يستلهم كراهية معينة حيال العالم اليومي الذي يسعى لتطبيق نفسه فيه. من الطبيعي أن لا يؤدي موقف كهذا إلى الوصول لأفضل النتائج. فكل واحد يعرف أن قراءة مؤلف ما من أجل دحضه وحسب ليست بالطريقة الصحيحة لفهمه؛ كما أن قراءة كتاب الطبيعة ضمن الاعتقاد بأن كل شيء فيها وهمي هي بالدقة ما لا يوصل إلى الفهم. فإذا كان منطقنا يجد العالم اليومي مفهوماً، لا ينبغي أن يكون عدائياً، بل يجب عليه استلهام قبول أصيل له، بطريقة لا نعثر عليها عادة عند الميتافيزيقيين ".

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

 

محمد كريم ابراهيمما هو الحب بالضبط؟ ما هو هذا الشعور الذي يجعلنا منجذبين للأقرباء والغرباء؟ السؤال الذي حير الفلاسفة والعلماء منذ نشأة الحضارات، ولا يزال يحيرنا حتى في عصر ما بعد الحداثة، في عصر العلم والمعلومات. كيف نستطيع أن نطورها ونخلقها في الآخرين متى ما شئنا؟ وكيف يمكننا أن نكسرها فيمن لا نريد لهم الخير؟ السؤال الذي ألهم العديد من السحرة والمشعوذين وعلماء الخيمياء سابقاً للأحتيال على الناس الفضوليين من أجل المال. لكننا نريد أن نعلم في هذا المقال بالضبط ما هو مجموع الذي قاله الفلاسفة عن الحب؟ وما الذي توصل إليه العلم حتى الآن؟

يمتلك الناس اليوم وجهات نظر متناقضة للحب، فتارة يعتقدون بأن الحب هو دائماً ما يكون جيداً ويؤدي إلى تحقيق منفعة للمجتمع ويقوم بربط أعضاءه ويساهم على فهم الآخرين لأفراده، ويبعدهم عن الكراهية والغضب وإقامة المجادلات والحروب. فلدينا عدة نصوص وكتب وأفلام ومسلسلات تظهر الجانب الإيجابي من الحب وكذلك نسمع قصص حقيقية كثيرة عن الحب في عصرنا المعاصر تشرح تأثيرات الإيجابية للحب على المرء والمجتمع.

وتارة أخرى يعتقدون بأن الحب غير عقلاني وسيئ، حيث يمكن أن يؤدي إلى الغيرة والحسد ويجعل الواقع في فخه يتصرف بطريقة غير منطقية، ولدينا أيضاً العديد من القصص على مر العصور، والعديد من الأفلام والمسلسلات الأخرى التي تشرح كيف يتصرف هؤلاء "الواقعين في الحب" بشكل ينافي عادات المجتمع ويقومون بأفعال يضرهم ويضر طرف الآخر وبالتالي يضر المجتمع ككل، مثل قيام المحب بقتل حبيبه أو حبيبته، أو حب المرء لأشخاص متزوجين ويقوم عنده بقتل زوجة حبيبه وبالعكس، أو حتى حب الرجل لطفلة صغيرة حباً جنسياً.

لكننا مهما أختلفنا في نظرتنا إلى الحب، يمكننا الاتفاق على شيء أساسي وهو أنه نحن كبشر قادرين على الشعور بالحب (على أقل أغلبنا) والتصرف بشكل إيجابي لمن نحبهم سواءاً كانوا أشخاص في حياتنا (موجودين سابقاً مثل العائلة والأقارب والقادمون لاحقا مثل الأصدقاء والمحبين والأولاد) أو لأشياء مادية ذات قيمة لنا (مثل حب المال، و حب الذهب والمجوهرات)، السؤال هو لماذا نشعر بالحب تجاه تلك الكيانات؟ ما هو تفسيره من ناحية العلمية في المجالات البايولوجية والنفسية؟ هل يمكن تعريف الحب تعريفاً مطلقاً خارج عن المنظور الشخصي؟

قبل الخوض إلى جوهر المقالة، يجب علينا أن نربط كلمة متشابهة وملتصقة بالحب، وهي "الجمال". مثل الحب تماماً، نحن أيضاً قادرون على الإحساس بالجمال في العالم الذي نعيش فيه، فنحن قادرون على رؤية منظر طبيعي جميل، ووصف لوحة جميلة، ثم سماع موسيقى مثيرة، والتأثر بقصيدة مؤثرة. لقد خلق هذا الإحساس الغريب في عقل الإنسان عديد من الأوجه لها على مر العصور مما جعل الأمر صعباً على فلاسفة تحديد معناها.

فالجمال في زمن ما أُعتبر شعوراً داخلياً ومرة أخرى أُعتبر كخاصية مادية للأشياء التي نراها، ودمج نفسه في جميع المشاعر الإنسانية الأخرى، مرةً تقدم نفسه كمتعة جنسية (مثل متعة النظر إلى الصور الخلاعية وأعتبارها جميلة)، ومرةُ يتقدم كنظرة للطبيعة مثل النظر إلى مناظر طبيعية من الأشجار والأنهار والحيوانات، ومرةً أخرى تظهر بشكل خلاق كإنشاء الرسام للوحة جميلة، أو كأفكار تجريدية فلسفية جميلة ممسوكة من قبل صاحبها، إلى آخره من الأشياء التي يراها الناس جميلاً. ويمكن أن نسأل نفس الأسئلة العلمية والفلسفية عن الجمال كما سألناها عن الحب، وقد تفيدنا تلك الأسئلة أن نربط بعض صفات الحب والجمال معاً، وفصلهما في خواص أخرى، وكذلك يمكن أن تغير نظرتنا إلى هؤلاء الذين نحبهم وسلوكياتنا بأتجاههم.

الحب في نظر العلم

نأتي لنضع الجمال إلى الجانب ونحلل الحب لنعرف القليل عن تركيبته الأحيائية:

يقول لنا العلم أن الحب هو شعور محفز (كالشعور بالجوع) يقودنا نحو التكاثر والارتباط الاجتماعي، وهو متحكم بالكامل عن طريق الهرمونات (مواد كيميائية في جسم) وناقلات عصبية (مواد كيميائية تساعد على نقل الإشارات بين الأعصاب). يقسم العلم الحب إلى ثلاث أجزاء كل واحد منها مُسيطر من قبل هرمونات وناقلات عصبية معينة [1]:

1- الشهوة: كما هو معروف من الاسم، هي رغبة جنسية تجاه أشخاص نحبهم ونريد إنجاب أطفال معهم أو فقط ممارسة الجنس معهم. يتحكم في هذا الشعور هرمونين جنسيين (تستوستيرون) و (استروجين) في كلا الجنسين [3].

2- الإنجذاب: يشعر المحب بالإنجذاب والإعجاب، حيث يختار الشريك المناسب للقضاء أوقاته معه أو معها، والعوامل التي تؤثر على أختيارنا هي: الأشخاص الذين يشبهوننا، وأشخاص ذات جمال جسدي وذات قيمة اجتماعية معينة، ثم امتلاك تصرفات متجانسة، والتفكير بأفكار متماثلة. تتحكم في هذه المشاعر النواقل العصبية (دوبامين، نورابينفرين، سيروتونين)، وهذه النواقل تلعب دوراً أساسياً في دائرة العصبية اللذية التي يشعر فيها الشخص بالسعادة [2].

3- التعلق: وهو إرتباط الشخص وتكوين علاقة طويلة المدى مع المحب (كالحب بين الأصدقاء والأزواج)، ينتج هذا الشعور من فعالية هرمونات (اوكسيتوسين، وفازوبرسين). هذه الهرمونات تفرز أيضاً عند الأمهات مع أطفالهم حديثي الولادة، وهي التي تجعلهن أن يكونوا ارتباط مع أولادهم أثناء الرضاعة [1].

هذا التصنيف وترتيب هو بالطبع نظرية علمية قابلة للإدحاض من قبل أدلة علمية أخرى. كذلك نرى هنا أن نظرية تنقصها بعض النقاط الأساسية ولا يمكنها تفسير كل أنواع الحب، مثلاً كحب الشخص للأشياء جامدة المعينة أو لحيوانات أليفة يمتلكها. بالإضافة إليه، فهي لا تعطينا السبب الرئيسي للشعور بالحب ولماذا هذا شعور نُقش على سطور نيوكليوتيدات جيناتنا وانتقل من جيل إلى آخر حيث أصبح شعوراً عاماً موجوداً لدى جميع الناس من كل الرقع المختلفة والأزمان متنوعة.

الحب في قبضة الفلاسفة

ويمكن للقارئ أن يستنتج بأن الفلسفة كانت لها قطعة كبيرة من كعكة الحب، فقد حاول كثير من الفلاسفة تعريف الحب وتفسيره وتحديد قيمه إلا أن محاولتهم باءت بالفشل أما بسبب نقص الأساس العلمي فيه أو بسبب شدة شخصنة التعريف للمُعرف.

في الفلسفة، هناك ثلاث أنواع أيضاً من الحب:

1- فيليا (philia): وهي كلمة اغريقية تعني الحب، وبالأخص الحب الغير جنسي، مثل حب الأصدقاء والعائلة والأغراض.

2- ايروس (eros): كلمة أغريقية ايضاً، ولكنها تعني بالضبط الحب الجنسي والحب الرومانسي الذي يدور مثلاً بين الأزواج.

3- اغابي (agape): أو ما يسمى باللاتينية كاريتاس (caritas)، والذي سُمي بعد ذلك بالحب المسيحي، فهو حب روحي تجريدي مثل حب الآلهة والكيانات الميتافيزيقية الأخرى.

أعتقدَ أفلاطون وسقراط أن حب الأجساد ليس حباً على الإطلاق بل عبارة عن غريزة وشهوة آتية من طبيعة البشرية، والحب الحقيقي السامي هو حب الأرواح بين الأشخاص أو حب "هيئة الجمال" نفسها وليس ما يُمثلها من أجساد وأشياء في الواقع الملموس. فقد أسقطا ايروس من تعريفهما للحب تماماً [5].

أرستوفنيز، الكاتب المسرحي الإغريقي، ظن بأن الحب هو رغبة الإنسان للكمال، للالتقاء بنصفه الثاني الذي فصله الإله زيوس عنه. فالجنس بالنسبة له هو ألتحام الأجساد معاً من أجل الكمال، لأنه ظن أن الإنسان خلق وله أثنان من كل شيء مما لديه الآن (أربع أرجل وأقدام، ورأسين، وإلى آخره) [7].

أما ارسطو، شرح الحب في فلسفته كفضيلة نبيلة يتوجب وجوده في كل إنسان، وإلا أصبح فاسداً أخلاقياً. وظن أن حب الإنسان لنفسه يجب أن يسبق حبه للناس الآخرين. أعتقدُ بأنهُ أراد أن يقسم الحب إلى مراحل تسلسلية حيث يأتي حب الإنسان لذاته أولاً ثم حبه للناس حباً غير جنسياً (فيليا) ثم بعد ذلك يبدأ الحب الجنسي (ايروس) [4].

كيركغارد قدمَ أولوية اغابي على فيليا وايروس في فلسفته وفي حياته الخاصة أيضاً، فقد ترك حبيبته ولم يتزوجها خوفاً على تأثير مسيحيته ودراسته الفلسفية في خلق زواج تعيس بينهما [6].

شوبنهاور ونيتشه كان لديهما نفس النظرة إلى الحب، وهي أن الحب آت من غريزة الإنسان البشرية، ويجب أن يتواجد الجنس أو الرغبة في الجنس في كل أنواع الحب، وحتى في حب الآلهة، وربما في حب الأصدقاء أيضاً. لا وجود لفيليا وأغابي في فلسفتهما [8].

وأيضاً من ناحية علم النفس، خلق الحب فوضى عارمة في هذا المجال ولا توجد نظرية مناسبة أو مثبتة علمياً حتى الآن يمكن أن تُفسر غاية الحب عند الإنسان. فسر علم النفس على الأغلب مشاعر الحب والجمال كغايات بذاتهم، حيث أدت إلى دراسة الحب ومشاعره ومحاولة وصفه والسلوكيات الناتجة منه، فبذلك قاموا بإنكار حقيقة تلك المشاعر (فالآن نحن نعلم بأنها وسيلة لغرض معين، مثل الشهوة جنسية تعدُ وسيلة لغاية إنجاب الأطفال) وترك أسبابها الحقيقية.

تعريف الحب

يجب علي هنا أن أتدخل وأُعرف الحب تعريفاً صادقاً خالياً من الشوائب الفردية ومدعماً بأحياء البشرية والطبيعية والنفسية والعلمية، فنقول بأن الحب: هو شعور بامتلاك أشياء (حية كانت أم جامدة) التي تكون مفيدة مادياً وجسدياً للفرد، أو على الأقل السيطرة على تلك الأشياء. أعلم يا عزيزي بأن في البداية يبدو التعريف مبهماً نوعاً ما، إلا أن الأمثلة تستطيع أن تظهر لنا هذا التعريف بصورة أفضل.

نأتي أولاً إلى مثال الحب الذي يحصل بين الولد والبنت وفيه يستخدم كلمة الحب بشكل شائع. نرى بأن التعريف يفسر هذه العملية البشرية كشعور يشعر به الفرد للاقتراب من الشخص الثاني لغرض منفعة الفرد من الشخص الثاني (وهي منفعة تكاثرية لإنجاب الأطفال بين هذين الفردين). هناك فقط خلل بسيط يمكن أن يحدث في هذا الأمر، إلا وهو تقييم الفرد بما هو مفيد أو مضر له بالحكم عن طريق المشاعر. فمثلاً نرى الحب المثليين بينهم لا يؤدي إلى منفعة تكاثرية ولكنها مبنية سوى فقط على مشاعر النشوة الجنسية فيحكم الشخص المثلي على تلك المشاعر بالشيء النافع له والذي يجلب لعقله النشوة (توجد كثير من الأمثلة التي قد تظهر الحب على أنها نقية لا يملك في باطنه منفعة فيزيائية حقيقية للفرد المحب ولكن نرى أن هؤلاء المحبين عادة لديهم مشكلة أخلاقية أو مشاكل أخرى في حياتهم، بالحكم على الخير بمشاعر الممتعة وعلى الشر بالمشاعر الضارة لذلك لا نقبل هذه الحالات كإدحاض لتعريف). هذه مشاعر الحب هي التي تؤدي إلى ترابط الأزواج وضمان انتقال جيناتها إلى الجيل الجديد. معنى السيطرة هنا تظهر بعد الأرتباط والزواج (غالبا) وهي تكون على شكل سيطرة الزوج لمكان ذهاب الزوجة مثلاً، أو سيطرة الزوجة على أموال زوجها، فهل يا ترى لو أختفى هذه السيطرات والمنافع، سيبقى ذاك الشعور بالحب؟ أشك في ذلك.

كذلك نضرب مثال مقارب وهو حب الأم والأب لأبنائهم. المسألة عينها سهلة التفسير، فشعور الأب والأم بالحب لأبنائهم يزيد من فرصة بقائهم ومساعدة الأباء والأمهات لهم في بدايات الأمور وصعاب مسيرة الحياة لكن نرى في بعض الأحيان يفتقد هذا الشعور بسبب عدم "سيطرة" الأباء والأمهات على أبنائهم في مراحل المتقدمة من الطفولة.

ماذا عن حب الاصدقاء؟ لا داعي لتطبيق التعريف على هذا الموقف. الكل يعلم بأن حب الأصدقاء يأتي من منفعة بعضهم من الآخر، فالصداقة دائما تكون مبنية على مصالح مشتركة أو تكون آتية من خلال سيطرة الصديق على صديقه.

إن كنت قد فهمت واستوعبت التعريف حتى هذا الحد، فأنك إذاً ترى أنه ينطبق مباشرةً على حب الأشياء الجامدة (على عكس نظريات العلمية القائمة) كحب المرأة للمجوهرات وحب الرجل للسيارة أو البيت. كل تلك المشاعر تحفز المحب على الحفاظ والاعتناء على تلك الأشياء، والشعور بالأسى والحزن في حال فقدانهم كشعوره بفقدان فرد من العائلة!

الحب هو شعور مستوحى من منطقية العقل الباطني، فنحن نسعى بجد لأختيار ومطاردة أشياء ذات الفائدة علينا ولكن لا يمكن أن يقوم المرء بتلك التصرفات من دون الشعور بالمتعة تجاه ذلك الشيء أو الشخص، بالطبع هو يمكن أن ينتج من برمجة المجتمع لعقلية الفرد الذي يعيش فيه ليحب شيء ما لم يكن ليوجد من دون إحياء المجتمع له، مثلاً حب المرء لطعام مجتمعه وإن كان مقززاً للشخص العادي (مثل الصينيين وحبهم لأكل الصراصير).

تعريف الجمال

إذا كان الحب هو امتلاك شيء ذو الفائدة الشخصية لنا، إذاً يعرف الجمال: كشعور المرء بمشاعر تجاه أشياء يتحسسها (سواءاً بالنظر كالنظر إلى طبيعة، أو بالسمع كسماع موسيقى جميلة، أو بالشم كالشم رائحة ورد المعطرة، أو حتى تفكير في شيء جميل) من بيئته الواقعية بما يفيده ويكون ذات منفعة له (أي لا يملكه بعد وأنما متحفز أتجاه ذاك الكيان) إن كان بالقرب منه، أو التصرف بشكل أيجابي نحو هذه الأشياء. بإختصار، الجمال هو رؤية ما تحبه. على سبيل المثال، يشعر الفرد بالجمال عند رؤية مناظر طبيعة خلابة، لماذا؟ لأن هذه الطبيعة التي ينظر إليها الإنسان مليئة بمواد تفيده شخصياً، مثل وجود أشجار ذو ثمار، ووجود حيوانات يمكن أن يأكله الشخص وماء ليشربه، وكذلك عادة يوجد إضاءة جيدة من الشمس لإنبات النباتات. لذلك نستنتج أن هذا الشعور بالجمال الذي يشعر به المراقب يجعله يتصرف نحو هذه البيئة المفيدة ويحاول أن يتقرب منها ويحافظ عليها.

مثال آخر على رؤية المرء للوحات الفنية الجميلة، فهو يستمتع بالنظر إليها ويشعر بالفرح والسرور بالقرب منها، نعلم بالطبع بأن هذه اللوحة بذاتها ليست بفائدة لذلك الفرد، إذاً لماذا كل هذا الشعور بالجمال؟ يعطينا النظرية تفسيراً جيداً لهذه الظاهرة، نحن نعلم بالطبع أن لوحات هي تمثيل للواقع، فهي ليست جميلة بحد ذاتها (إلا إذا كانت ذو قيمة المالية للفرد)، وهكذا فأن ما تصفه اللوحة سواء كانت الطبيعة أو امرأة جميلة أو فكرة ملهمة أو عاطفة مؤثرة، كلها يمكن أن يكون ذو المنفعة لذلك الشخص الذي يرى الجمال في اللوحة.

الجمال في ظل هذا التعريف هو شعور فردي غير قابل للمقارنة (خصوصاُ في هذا الزمن). قد تكون مناظر الطبيعة للفلاح شيئاً مقرفاً للنظر إليها إذا لم يكن أرضها خصبة للزراعة، وكذلك يشعر مالك المعامل بالجمال عند رؤية البنايات ومنشئات مصانعه، وكذلك لشخصية سياسية معينة إذا كان يستفيد من سقوط الأمبراطورية ونظام القائم في البلد، فهو يشعر بالجمال عند رؤية الدمار والخراب.

بحث عن تناقضات لإدحاض التعريفين

نستنتج من تعريف الجمال أنه لا يمكنك كره شيء تراه جميلاً. ولعل الحسد يأتي على بالك الآن كمثال إدحاضي لهذا الاستنتاج، فالإنسان يحسد الآخر الذي ربما يكون أجمل منه أو أفضل منه أو يمتلك أشياء جميلة أكثر منه، فعندئذ يلتقي رؤية الجمال عند الحاسد بالكراهية. لكن الحاسد نفسه يعترف بجمال الآخر، ولا يكرهه لجماله أو جمال أغراضه بل يكره وجود الجمال عند الآخر وغيابه عنه، فلو كان عنده ذلك الجمال لما كرهه، لذلك يتمنى زوال ذلك الجمال عند الآخر ولكنه في نفس الوقت يطمح أن يكسب هذا الجمال، مما يشير إلى أن مشاعر الكراهية متجهة إلى كيان المحسود وليس إلى جماله وممتلكاته.

الحب والجمال قد يكونان دائرتان عصبيتين مورثتان وملتصقتان مع الطبيعة البشرية، فنحن مبرمجون بشكل لا واعي لاقتناء أشياء مفيدة لنا والحفاظ عليها عن طريق مشاعر الجمال والحب.

ماذا عن نظرية الحب، ما الذي نحتاج إليه لإدحاضها؟ ربما عن طريق الإثبات بوجود شيء ما يمتلكه الفرد أو يسيطر عليه ولكنه يكرهه، لا أعتقد إن مثل هذا الشيء موجود. حتى الأسياد يحبون عبيدهم بالرغم من إظهار الكراهية والعداء والقساوة لهم. فبعد كل هذا، فهُم حاربوا من أجلهم حرباً أهلية دامية في أمريكيا، أو ليس نحن نحارب من أجل ما نحبه أو من أجل ما تفيدنا!؟

بعض الأحيان نبدأ بكره الأشياء التي خرجت من سيطرتنا أو فقدناها من عندنا. نشعر بالكراهية والغضب تجاه أنفسنا لفقدانهم بسبب أخطائنا، ومن ثم كراهية للأشخاص الذين قرروا تركنا أو الأشخاص الذين سرقوا منا تلك الأشياء، أو نكره الأشياء نفسها عندما تتعطل عن وظيفتها والتي ما عادت تفيدنا. كراهية الزوج لزوجتها الخائنة وضربها لها عندما لا تصبح نافعة هي مثال على الحب التي خرجت عن سيطرتنا أو فقدناها لسبب أو لآخر.

الحب هو عبارة عن لعبة سيطرة الأنظمة. من الذي يسيطر على نظام من، هذه هي اللعبة. والعلاقة بين الذكر والأنثى هي علاقة هيمنة أحداهما على الآخر، حيث تُحب الأنثى الذكر لأنها تستطيع السيطرة عليه عن طريق الجنس وإجباره على التوفير متطلبات الحياة الأساسية والاجتماعية لها، الأساسية كالغذاء والمسكن، والمتطلبات الاجتماعية كالمجوهرات والملابس الفاخرة، بينما يحب الذكر الأنثى لأنها تحت سيطرته وتفعل ما يريده (جنسياً على الأقل) وتعتني بأطفاله. العلاقة الناجحة بين هذين الكائنين هي العلاقة ذات المنفعة الدائمة للطرفين وذات سيطرة المتوازنة للنظامين. فإذا أصبحت هذه المعادلة غير متوازنة وسيطر أحدهم أكثر على الآخر من دون منفعة الأخير، فسوف تنهار علاقة، لا شك في ذلك.

الخاتمة

 لا تزال تلك التعاريف في خطى التطور، فهي لا يمكنها تفسير بعض الظواهر (وإن كانت ظواهر قليلة، يجب على هذه النظرية تفسيرها لكونها متوافقة مع النظريات العلمية)، فمثلاً، لا تفسر لماذا نرى الجمال في قوس قزح أو لماذا نحبه بالرغم من أنه ليس ذو فائدة لنا، ربما بسبب المطر الذي يسبقه وهو يعطينا فكرة عن الخيرات التي ستأتي بعده، فأرتبطت فكرة حب قوس القزح معه. أعتقد أنني على صواب لأن هناك بعض من الأشياء نحبها لارتباطه بشيء نستفاد منه كحُب مفتاح الصندوق الذي نملك فيه الذهب. وكذلك لا يفسر مثلا جمال الموسيقى؟ لماذا نرى الموسيقى جميلا مع العلم انه بلا فائدة لنا؟ وماذا لو كان رجل غير مثلي يظن بأن رجل آخر جميل؟ كيف تفسر النظرية هذا؟ كيف يختلف الشعور بالحب عن الشعور بالسلطة والشعور بالسيطرة؟ ما هي درجات الحب؟ وكيف يحب الشخص شيئاً أكثر من الآخر؟

ربما يبدو هذا التعريف للحب والجمال نازع للسحرية والغموضية الممتعة من هذه المشاعر. شخصياً لا أظن ذلك وحتى لو نزع كل الخلابة عن الحب والجمال فأنه أضاف إلى تفكيرنا كيف نحب ولماذا نحب الآخرين والأشياء التي نمتلكها، وربما حفز القارئ على التنقيب في أسباب حبه لأشخاص وأشياء في حياته، وجعلهُ يقترب أكثر منهم من أجل إحياء تلك المشاعر عنده وعندهم. نعرف الآن حقيقة هذه المشاعر وارتباطها بالواقع وطبيعة الإنسان. ويمكن أيضاً أشتقاق نظريات أخرى من هذا التعريف للحب والجمال، بالأخص مضادهما، القباحة والكراهية. لنترك ذلك للمقال القادم.

 

 محمد كريم إبراهيم – محلل وكاتب عراقي

......................

المراجع:

1- Katherine Wu. 2017. Love، Actually: The science behind lust، attraction، and companionship. Science in the News.

2- The Handbook of Evolutionary Psychology، edited by David M. Buss، John Wiley & Sons، Inc.، 2005. Chapter 14، Commitment، Love، and Mate Retention by Lorne Campbell B. and Bruce J. Ellis.

3- Bancroft J (September 2005). "The endocrinology of sexual arousal". The Journal of Endocrinology. 186 (3): 411–27.

4- Annas، J.، 1977، “Plato and Aristotle on Friendship and Altruism”، Mind، 86: 532–54.

5- Linnell Secomb. 2007. Philosophy and Love: From Plato to Popular Culture. Edinburgh University Press. ISBN 978-0-7486-2368-6.

6- Michael Strawser. 2015. Kierkegaard and the Philosophy of Love. Reading religion.

7- Plato. Cobb، William S. trans. & editor. The Symposium and the Phaedrus: Plato's Erotic Dialogues. SUNY Press، 1993.

8- Willow Verkerk. 2014. Nietzsche on Love. Philosophy Now.

 

علي محمد اليوسفكيف يتسنى لنا التاكد ان ما ماهو قبلي معرفي زائفا منطقيا لغويا كونه لا يخضع لتجربة التحقق منه؟ يذهب اصحاب الفلسفة المنطقية التجريبية يتقدمهم رودولف كارناب(1891 – 1970) الى أن كل ماهو قبلي معرفي مستقل عن التجربة لا معنى له ولا يدل على شيء في تعبير اللغة الزائف عنه.

عليه ذهب فينجشتين أن اللغة منطق زائف بدلالة عدم تعبير منطق اللغة التركيبي عن تجربة حسية نثق بها. وزيف منطق اللغة لا يمكن الحديث عنه بزيف لغة اخرى تجانسها الخاصية الزائفة وتشاركها بها..لذا وجد بعض الفلاسفة يتعذر الكلام عن اللغة باللغة. رغم رفع شعار البعض اننا يمكن التحدث عن اللغة بما وراء اللغة. كلغة ثانية تقوم بمراجعة وتصحيح أخطاء الفلسفة ليس في شكلية اللغة وأنما فيما تعنيه بمضمونها الواصل الينا وعلينا يترتب مهمة نقده وتصحيح الاخطاء فيه.

ويؤكد بعض أصحاب مدرسة المنطقية الجديدة بالضد من النظرة التقليدية التي ترى في زيف اللغة لا جدوى التحدث عنها، قائلين اننا يمكن أن نتحدث عن اللغة بلغة ثانية، وأن الفلسفة برمتها تقوم على شرح معنى لغة بلغة اخرى. واشترطوا دعاة المنطقية الجديدة كي نخلص من الوقوع في ازدواجية الشك باللغة علميا يتوجب عليها أن تكون اللغة في أدنى درجات الواقعية المقبولة حوارا بين اثنين (كلاما). والجمل والعبارات المتعلقة بالامور النفسية وقضايا الفلسفة تكون فارغة بلا معنى لعدم امكانية التحقق منها تجريبيا. طبعا كانت هذه النظرة الساذجة رافقت حلقة فيّنا التي اسسها موريس شليك عام 1924.

هذه المفارقة الشكيّة باللغة كزيف لا يمكن خلاص اللغة منه الا بالانحياز الى المحتوى المضموني للغة التي تحمله دلاليا عن المدركات باستقلالية عن شكل لغة التعبير عنه وهذا مطلب صعب التحقيق كون اللغة شكلا ومحتوى هو دلالة واحدة لا يمكن الفصل بينهما ، والمادة أو الموضوع المضموني لا يمكننا نعته بالزيف في عجزنا تحقق تماثله مع اللغة ولا في تقاطعه مع زيفها، زيف اللغة غير المتحقق منه لا يمنحنا تفويضا بمصادرة حقيقة الوجود المادي بوصمه بالزيف بسبب عدم امكانية اللغة التعبير عنه بمصداقية تمثيله والتحقق التجريبي العلمي منه. كما يضعنا هذا الافتراض التعسفي أمام تمرير الالتفاف غير المبرر أن كل تعبير لغوي هو تعبير موصوم بالزيف الملازم له ولا توجد هناك لغة بريئة صالحة صادقة كوسيلة تعبير. كل معرفة يدركها العقل تعبيرا لغويا لا تمّثل منتهى التماثل التطابقي الصادق بين اللغة والمعنى...لذا لا يمكننا الحكم على علاقة كل تعبير عن الاشياء والمواضيع على مر العصور انه صيرورة زائفة من التحولات والانتقالات التي اضطلعت اللغة توصيلها لنا الى وقتنا الحاضر، ولو كان أخذ الفلاسفة أن كل تاريخ الفلسفة زائفا في تعبير زيف اللغة، لما كانت الفلسفة وجميع معارفنا تقوم اليوم وفي الماضي على نقد المعنى المضموني بالفلسفة ولا تقوم على نقد شكل ومنطق تعبير اللغة عنها ولو أن شكل اللغة لا يعبر عنه الا بمضمون لغوي يلازمه ولا يفارقه حسب التعالقية بينهما.

على طول مسيرة تاريخية نشأة الفلسفة كان النقد يلاحق افكار وتفكير معنى اللغة  كدلالة لمحتوى معيّن أكثر من أنهمامهم بشكلية تركيب منطق التعبير اذا ما كان زائفا علينا تركه أو كان صحيحا يمكن البناء عليه. نسبية المصداقية تلاحق كل شيء يحيط بنا من موجودات العالم الخارجي الى الانسان الى الطبيعة الى العقل وهكذا. نقد اللغة على امتداد تاريخ الفلسفة هو نقد المعنى في البحث عن معنى آخر.

العالم والوجود لم تبنه اللغة كتفكير ولن تبنيه مستقبلا، لأن ادراكاتنا وتصوراتنا لما وراء تعبير اللغة يجعل من الشك بكل شيء واردا مقبولا لا بل واجبا مفروضا.أن نشك باللغة هو أن نمارس الشك بكل شيء بالحياة التي نحياها وما يتفرع عنها من تساؤلات مفتوحة لا يقع على عاتق ومسؤولية تعبير اللغة الزائف عنها وحدها وما نحصل عليه من نقد تصحيحي في مجال اللغة يتوقف عليه تصحيح مسار الفلسفة والعالم من حولنا معرفيا بحمولة نقد المعنى... هذه النظرية الافتراضية لا تمتلك مشروعية التسليم الحذر بها. صحيح جدا فهمنا العالم يقوم على افصاحات اللغة، لكن في عمق اللغة نعثر دائما على ما هو أهم من أيهام المعنى المفصح عنه.

مركزية تحميل اللغة أخطاء الحياة وكل شيء يحيط بنا ندركه تجريدا لا تحل مشكلات الانسان ولا مشكلات العالم من حولنا. وخير دليل أن ما أنجزه العلم من تقدم هائل لم يكن يضع في حساباته تقاطع زيف لغة الناس ولا زيف لغة المنطق وعلوم المعرفة الانسانية هي سببا في تعثر مساره الانجازي.

لذا ليس غريبا أن يستعمل العلم لغة خاصة تقوم على لغة الرياضيات والفيزياء وغيرها بالمعادلات. كون العلماء يعرفون مأزق اللغة المعرفية في العلوم الانسانية والفلسفة أنها وصلت مرحلة الطريق المسدود. ولذا لا مجال عبور أستحالة أن تكون فلسفة اللغة هي مفتاح حل مشاكل الانسان على كافة الصعد أضافة الى أستحالة دمج الفلسفة مع الكلية العلمية الشاملة التي قرع طبولها فلاسفة الوضعية المنطقية وخرجوا منها خالي الوفاض من العرس اللغوي الذي اقاموا الدنيا به ولم يقعدوها. يرى كارناب وهو من رواد الوضعية الجديدة (حلقة فيّنا) :" الموضوع الوحيد للتجربة هو الاحساس، وتكون النتيجة أنه يكون ليس بمقدور الانسان الخروج من جلده ليمسك الواقع"1. كما يعتبر "مشكلة الواقع والحقيقة مشكلة زائفة لاننا لا نلتقي الا باحساساتنا، وأما وجود الاشياء الخارجية التي يظن أنها مختلفة عن أحساساتنا فهو أمر لا يمكن التحقق منه"2

هذا التعبير بكل ما يحمله من تعبير فلسفي اشكالي جدالي يحتمل أوجه قراءات عديدة تضعنا بعضها أمام الاستنتاجات التالية:

- اولا شك التمييز بين أن تكون اللغة أحساسات داخلية هي صادقة أكثر من تعبيرات اللغة المنطوقة أو المكتوبة.وصواب منطق الاحساسات غير المفصح عنها لغويا لا بالصوت ولا بالكتابة يكون هو المعوّل عليه في منحنا حقيقة تطابق الاحساسات اللغوية مع دلالاتها الغير قابلة لتحقق منطق التجريب في انعدام تطابق اللغة غير الزائف المنطقي عما تعبر عنه، وهذا العجز يجعل الانسان يراوده الاحساس النفسي في رغبة الخروج من جلده في محاولته اليائسة الامساك بالواقع ليؤكد أن الاحساسات اللغوية عن ذلك الواقع أصدق من تعبير اللغة القاصر ولا تحتاج الاجهار باللغة المنطوقة أو المقروءة الزائفة عنه.، الذي يعدم لغة التعبير العادية، ويعتمد صدقية لغة الاحساسات التي لا يمكن ترجمة صدقيتها بتعبيرها الحقيقي عن الاشياء كونها لغة صمت ادراكي عقلي...أن ندرك صدقية الادراكات على زيف تعبيرات اللغة هي مشكلة لا تجد حلا لها بالصمت الادراكي.

لذا يكون عجز الاحساسات في ابتداع اللغة التماثلية في المطابقة الصادقة مع الاشياء تكون بالمحصلة أحساسات زائفة ايضا لعدم القدرة من التحقق التجريبي لها. تحقق تجريب صدقية وعدم زيف الاحساسات يفوق صعوبة امتحان اللغة في وصمها بالزيف القاصر عن الالمام المنطقي الصحيح في التعبير..

عدم تشاكل الاحساسات مع تمثيلها التعبير عن الاشياء يصدمنا بأحساسات زائفة مثلها، يعطي تفويضا للعلم بوجوب ترك محاولة الفلسفة التقاطع معه ولا حتى مسار التوازي معه. كون حقيقة تقاطع الفلسفة مع العلم لا تمتلك مقومات التحقق من الامكانية وكذلك توازي مسار الفلسفة مع العلم لا يعطي العلم تبعية فلسفية له أو وصاية فلسفية عليه. أمام هذا اليأس في المنطقية الجديدة عمدوا الدعوة في وجوب أدماج كل العلوم والفلسفة والرياضيات بما أطلقوا عليه (العلم الكلي).

- اللغة التي نتعامل بها زائفة وغير حقيقية فاقدة لميزة تحققها الادراكي في التماثل المتطابق بالاشياء والمعارف حسب الوضعية المنطقية، والاحساسات التي هي لغة استبطانية يحكمها الادراك العقلي لا علاقة ترابطية تجمعها بحقيقة ما تعبّر عنه، بما يجعل من عجز وزيف اللغة كلاما وكتابة، أقل بكثير من أرجحية تغليب زيف الاحساسات غير المتحقق منها. وبحسب المناطقة الجدد نفهم عنهم لا فرق بين زيف الاحساسات غير المتحقق منها، بالمقارنة مع الشك باللغة الزائفة التي لا تمثل واقعا أو حقيقة اكثر من كونها منطق لغوي تركيبي لا يمتلك تجريبية التحقق منه. لا في شكل تعبيري ولا في محتوى مضموني كون الاحساسات لغة ادراكية استبطانية غير مفصح عنها فكيف يمكن لنا الحكم على مصداقيتها غير المنظورة ولا المتعينة أنها أكثر حقيقية من زيف اللغة التعبيرية عن الاشياء؟. وبهذه الحالة لا يكفي أن يكون التعبير عن الصدق الاحساسي متمثلا مجازيا في عدم أمكانية الانسان الخروج من جلده في محاولته الامساك بالواقع. صدق الادراك لا يلغي زيف تعبير اللغة. وادراك الشيء على حقيقته بما تعجز اللغة الالمام والاحاطة به، لا يجعل من الادراكات الصادقة وسيلة فهمنا العالم وخلاصنا من زيف اللغة.

ما ذكرناه عن الاختلاف بين اللغة التعبيرية والاحساسات على لسان المناطقة الوضعيين الجدد لا يلغي حقيقة أن احساسات اللغة عن الشيء هي نفسها لغة التعبيرعنه. من حيث أن جوهر كل تفكير أو حقيقة كل أحساس في رغبة التعبير عنه لغويا يكون بوسيلة لغوية بأي شكل من اشكال التعبير اللغوي عنها. ونضيف أكثر أن لا غرابة مما يعتبره الوضعيون بابا مقفلا امام معرفتهم حقيقة تماثل اللغة مع الواقع الشيئي حين يجعلون من الاحساسات كما يذهبون له تصطدم في محاولة معرفتها حقائق الواقع والاشياء بأحساسات حقيقية أو زائفة غيرها. كون اللغة هي بالاساس في كل اساليب وتنوعات استعمالها واستخدامها هي تجريد مرتد من الواقع تجاه الانسان على شكل احساسات لغوية تصورية. فتعبير اللغة عن الواقع لا يتيح أمام الانسان الامساك بما تعبر عنه اللغة من احساسات. اللغة تجريد أستدلالي في أدراك الواقع، ويبقى الواقع مدركا حسّيا ربما لا يحتاج الانسان غير الحواس في معرفته وهو طريق أعمى.

أدراكات الاحساسات للاشياء التي تعجز اللغة ترجمتها بامانة وصدق أنما تكون بالنتيجة زائفة لعدم تحققها في مدركاتها كلغة تواصلية ندركها عليه تكون الاحساسات ليست أكثر مصداقية من اللغة لأنها هي اللغة. الثانية اذا عدنا الى أن حقيقة الاحساسات هي لغة خاصة بها استبطانية لا يمكن التحقق منها تجريبيا تصبح الادراكات الاحساسية الصامتة للاشياء لا قيمة لها ولا معنى. كون قدرة الفهم اللغوي تقوم على حوار أو على تعبير لغوي في محاولة تماثل الاشياء مع التعبيرعنها وهذا ما لا يتوفر بالاحساسات المجردة في حال تسليمنا أنها لغة تجريدية ايضا. لا يمكن لصدقية الادراك ترجمة توقه وشغفه المستميت في تعبيره عن الواقع الانطولوجي بمعزل عن زيف لغة التعبير. خلاص الادراكات من زيف اللغة محال. عدم التماثل الحقيقي بين تعبير اللغة والشيء في وجوده الذي يجعل التعبير عنه صوريا حواريا أو أحساسا أستبطانيا صامتا لا يمنحنا تفويضا أن يكون لامعنى اللغة سببه يكمن في منطق من النسق اللغوي التركيبي الادراكي الذي لا يمكننا التحقق منه أن لا يكون زائفا.

الشك الذي يطال اللغة والاحساسات بالادانة الزائفة لا يعفي أن تكون محصلة كل شيء بالحياة غير حقيقي زائف، كون اللغة ربما تكون أصدق تعبير عن واقع غير حقيقي نعيشه ولا نستطيع أدراكه والتعبير عنه بمصداقية من غير تجريد اللغة. بمعنى بدلا من ادانتنا اللغة بالزيف لماذا لا ندين كل موجودات الحياة والانسان ومعرفتنا الطبيعة والفلسفة ما عدا الرياضيات والعلوم أنها تمظهرات زائفة ليست حقيقية ولا متحقق منها تجريبيا حتى نتماشى مع نظرية الوضعية المنطقية التجريبية ... وبذا نضع أنفسنا في شك مطلق مطبق يطال كل شيء. خاصة عندما يقر الوضعيون الجدد (أن مشكلة الواقع والحقيقة مشكلة زائفة) لأنها تنتهي بالاحساسات التي لا يمكن التحقق منها ولا يمكنها التعبير بغير ملازمتها اللغة، التي يعتبرونها هي الاخرى زائفة، وليس هنالك من دليل أن الاحساسات الادراكية هي تعبير لغوي صامت صادق أكثر من تعبير اللغة التواصلية .. فتصبح اللغة والاحساست اللغوية غير المفصح لا يمكن التحقق منهما كليهما كحقيقة استدلالية صادقة وانهما يتبادلان صدقية التعبير وزيفه عما ندركه حسيا ونحس به أستبطانيا. وبهذا لا تكون ثقتنا بصدقية الاحساسات على الشك بزيف اللغة ليس في محله.

الحقيقة التي يتجاهلها المناطقة الجدد هو عدم امكانية انفصال الاحساسات الادراكية عن اللغة باعتبارهما كليهما لغة واحدة، فالاحساسات غير المفصح التعبيري بواسطتها عن الاشياء هي لغة صامتة لا تمتلك امكانية التعبير، وهي تجريد ايضا كما هي اللغة التعبيرية المفصح عن نفسها تجريدا ايضا. بمعنى أن فلاسفة المنطقية على خطأ كبير في أعتبارهم الاحساسات الصامتة اكثر صدقية من اللغة التعبيرية عن الاشياء. والخطأ الآخر هو محاولة أستبدال مصداقية الاحساسات عوضا عن اللغة الزائفة لا يدركون عدم أمكانية الفصل بين اللغة والاحساسات المرتبطة بها في تعبيرهما الصامت بالاحساسات أوالمفصح عنه بتعبيرات اللغة. فرق اللغة عن الاحساسات هي أن اللغة تعبيرظاهري خارجي يمكننا ادراكه بخلاف عن الاحساسات الصامتة في عدم قدرتها الانابة عن اللغة في الادراك. وما عدا هذا الاختلاف فأن اللغة الصامتة هي ادراك احساسي صامت ايضا.

لا شك أن العديد من مباحث العلوم الانسانية لا ينطبق عليها منهج التجريب النقدي الذي تعتمده الوضعية المنطقية التجريبية، وكل ما يحيط بنا من عالم خارجي يخرج عن منهجية التجريب العلمي والرياضي يكون لا محالة موضع شك يحمل معه مطلب الادانة أو التصحيح.

اللغة لا تكمن حقيقتها في التماثل المتحقق منه في تعبيرها الصادق المحكم عن الاشياء، بمقدار ما تكون حقيقة اللغة أنها سلسلة لا متناهية في التصويب وتخليصها من براثن خطأ لا تدعي اللغة معصوميتها منه.. اللغة ملازمة لأخطاء كل موجود من حولنا، لذا ملاحقة المعنى باللغة يتجاوز شكل منطق التعبير كما يتجاوز كل المضمرات الاحساسية التي لم تستطع اللغة التعبير عنها. من هنا كانت أهمية النقد والتصحيح في معنى اللغة وما تحمله من مضمونية معرفية لم تسلم من النقد التصويبي الذي طالها على مر العصور والاجيال.

أننا غالبا ما نتناسى حقيقة عندما نقول لغة أنما نقصد بها معرفة فكرية وليس لغة مجردة بلا معنى لانها لغة مجردة مرتين مجردة في تعبيرها عن الواقع ، وثانيا مجردة في تجريدها الاغترابي عما تعجز حمله من مضمون ومحتوى استدلالي بها وعنها.

أعتبر كارناب (1891 – 1970) أحد مؤسسي المدرسة المنطقية انه " لا دور للفلسفة كعلم كلي انطلاقا من رفض كل عنصر تركيبي في المعرفة، ويجد كارناب قضايا العلم بعدية دائما وتستمد معناها من النسق المنطقي الذي تندرج فيه، كما أدان كارناب الفلاسفة الذين يعمدون وضع قيود على الاستعمالات اللغوية، بل واجبهم تحديد الشروط التي بها تصدق العبارات منطقيا وتتحدد بها مدلولاتها. (ويكيبديا الموسوعة).

بضوء ما جاء به كارناب نجد ليس سهلا أن تكون الفلسفة علما من تكوينات العلم الكلي في جمع المعارف والعلوم باستثناء ما يتعلق بقضايا الميتافيزيقا وهو ما يسعى له بعض الفلاسفة. الفلسفة لن تكون علما ولا حتى جزءا من طموح تكوين العلم الكلي الشمولي بمجرد أمتلاكها لغة المنطق العلمي التجريبي.

كما أنفرد ريشنباغ وهو أحد اعضاء المنطقية في معارضته مفهوم كارناب قائلا (يخطيء كارناب وزملاؤه حين يريدون تحقيق اليقين المطلق، اذ ليس هناك من يقين بل يوجد أحتمال، واذا ما تاسس البحث على اساس الاحتمال فلا بد من تعديل مبدا التحقق الذي قدمته المنطقية التجريبية)3.

ويعتبر ما جاء به جورج مور مع تعاطف بعض فلاسفة المنطقية التحليلية  تنظيمهم النقد الانشقاقي التام عن وضعية منطقية تجريبية حلقة فينا التي اسسها موريس شليك عام 1924، بما أطلق عليه مور الاتجاه التحليلي الذي اراد راسل الاستئثار به في تعميمه منطق الرياضيات على الفلسفة وفشل بذلك. على أثر هذه الانشقاقات النقدية تفرعت المنطقية الجديدة على عدة اتجاهات فلسفية تتجاذبها وهي:

- اتباع كارناب الذين يسيرون على هدى ما انتهى له في المرحلة الاخيرة من تفكيره الفلسفي، وسعوا نحو التوصل الى تعريفات دقيقة للمفاهيم الاساسية التي يستخدمها العلم في اطار لغة صورية.4

- المدرسة التي تتتبع جورج مور التي اقامت منطقها الفلسفي على اللغة العادية التي تؤكد على ان الاتفاق مع اللغة المشتركة بين الناس، هو الشرط الاساسي للتحليل العلمي الصائب.5

- اتباع فينجشتين الذين يعتبرون الفلسفة نوعا من العلاج المنطقي للخلاص من المشكلات الزائفة التي ينبغي رفضها تماما بالاعتماد على النظريات الوضعية الجديدة.6 طبعا ليس معنى هذا التصنيف الذي اكدناه يلغي اسهامات انشقاقات فلسفية عديدة خارج ما جاء به كارناب ومور وفينجشتين تبناها فلاسفة عديدون غير هؤلاء.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

............................

الهوامش:

1- أ.م. بوشنسكي ، الفلسفة الاوربية المعاصرة، ت: د. عزت قرني، سلسلة عالم المعرفة ص87

2- نفسه ص 88

3- نفسه نفس الصفحة

4- نفسه ص 90

5- نفسه نفس الصفحة

6- نفسه نفس الصفحة

 

محمود محمد عليالإسلام دين، والدين وحي، والوحي يقين وإيمان، والفلسفة نشاط فكري، أداة تحليلية، مصدرها الإنسان، ومركزها العقل، ووظيفتها الأولي تدور حول عدم التسليم، فهل ثمة علاقة بين الدين الإلهي والشك البشري؟، هل ثمة علاقة بين النص الذي يحمل الحقيقة والأداة التي تختبر الحقيقة وتحللها؟، وهل هي علاقة فهم الدين بالفلسفة أم إصلاح الفلسفة بالدين؟، هل تتدين الفلسفة أم يتفلسف الدين؟، هل هي محاولة لإيجاد علاقة بين ضدين كما يقول بذلك أهل النقل أو بعضهم؟، أم أن العلاقة قائمة بالضرورة بين الكتاب والحكمة أو القرآن والفلسفة كما يقول أهل العقل أو بعضهم؟، ما هي العلاقة بين الإسلام والفلسفة؟، النص والواقع؟، التجربة التاريخية للمسلمين في هذا الميدان ماذا تقول؟، كيف نفهمها؟ وكيف نضبطها؟ هل هي علاقة تنافس وتنافر وعداء؟، أم تفاهم وتسامح وتكامل؟

وللإجابة علي تلك الأسئلة نقول تشير التجربة التاريخية إلي أسبقية الفلسفة علي الأديان السماوية القامة؛ لا سيما المسيحية والإسلام، كما تشير إلي أن نشأة الفلسفة منذ بداياتها الأولي جاءت مقترنة بالدين وملامسة له ومفكرة فيه وبه، ولذلك قيل الفلسفة بنت الدين، وأم العلم .

ظهرت الفلسفة في بداياتها لدي قدماء الشرقيين، كما يشير هيرودوت ومارتن برنال في كتابه أثينا السوداء، كما انتقلت إلي اليونان؛ حيث ذاعت وازدهرت، وتحولت إلي واحد من أهم العلوم النظرية القديمة، وجاء الإسلام ليجعل من التدبر العقلي واجباً دينياً، ويحرر العقل الإنساني من سلطة الكهنة والأسلاف والأوصياء، ويطلق ملكاته للبحث والتفكر والإبداع، وذلك بتحريض مباشر من نصوص الوحي الإلهي، يقول المفكر الإسلامي محمد عبد الله دراز في كتابة الدين :" أليس موضوع الفلسفة هو نفسه موضوع الدين؟ أو ليست المشكلة التي تعالجها الفلسفة هي بعينها المشكلة التي انتدبت الأديان لعلاجها، فمطلب الفلسفة هو معرفة أصل الوجود وغايته، ومعرفة سبيل السعادة الإنسانية في العاجل والآجل، هذان هما موضوع الفلسفة بقسميها العلمي والعملي، وهما كذلك  موضوع الدين بمعناه الشامل للأصول والفروع .

ويعارض البعض رؤية دراز وغيره من المتحمسين للعلاقة التكاملية بين الفلسفة والدين  ويرون تناقضاً بينهما في مصادر المعرفة؛ فالفلسفة تعتمد علي العقل، والدين يعتمد علي الوحي، والعقل بشري نسبي، يعتبره البعض يصوب ويشوبه الخطأ، والوحي إلهي مطلق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويرد أبو حامد الغزالي بالمفارقة ويقول في كتابه " معارج القدس" :" العقل كالأساس، والشرع كالبناء، ولن يُغني أساساً ما لم يكن من بناء، ولا يثبت بناء ما لم يكن أساس، فالشرع عقل من خارج، والعقل شرع من داخل، وهما متعاضدان، بل متحدان، والمعني نفسه يؤكد الغزالي غير مرة حيث يقول في كتابه الشهير " إحياء علوم الدين " :" وظن من يظن أن العلوم العقلية مناقضة للعلوم الشرعية، وأن الجمع بينهما غير ممكن، ظناً صادر عن عمي في عين البصيرة .

وقد شهد العالم الإسلامي ظهور عدد كبير من الفلاسفة كأبو يعقوب الكندي، وأبو نصر الفارابي، والشيخ الرئيس ابن سينا، وابن رشد، وغيرهم كثيرون، وقد تنوعت إسهاماتهم الفلسفية بين نقد الاتجاهات الفلسفية اليونانية علي نحو ما فعل الغزالي في تهافت الفلاسفة، والتمييز منها بين المقبول منها والمرفوض وفق رؤية المفكر المسلم هو ما فعله ابن رشد في كتابه " فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال"، كما حاول فلاسفة الإسلام الذب عن الفلسفة، ونفي التعارض بينها وبين الإسلام، والتوفيق بين الفلسفة والشريعة، وبيان التشابه بينهما، وحاجة كل منهما للآخر وهو ما أكد عليه كل فلاسفة الإسلام.

ورغم ذلك التفاهم بين الفلسفة والدين بشكل عام وبين الفلسفة والإسلام بشكل خاص، إلا أن تاريخ العلاقة بينهما قد شهد صراعات فكرية وعقدية وسياسية، وصلت إلي حد تكفير الفلاسفة واتهامهم بالإلحاد والزندقة بل وتنفيذ أحكام بالإعدام في حقهم، عقابا لهم علي أفكارهم، يقول الدكتور توفيق الطويل في كتابه " قصة الصراع بين الفلسفة والدين " :" أنه لا يحدث نزاعا بين الدين والفلسفة إلا إذا اجتمع أمران؛ الأول أن تكون لدي رجال اللاهوت سلطة تمكنهم من اضطهاد العقل وأهله، فإن أعوزتهم السلطة قنعوا بالغيبة وانتقموا بالنميمة، والثاني أن يكون هناك عقل يجرئ علي اقتحام منطقة الحرام التي حرمها رجال اللاهوت، وارتياد أفاقها، والانتهاء منها إلي اكتشاف مجهول أو إنكار مألوف".

وهناك وهم كبير لدى كثير من الناس بأن الفلسفة تتعارض مع الدين، وهو قول يقوم على غير ذي أساس، لأن الفلسفة هي نشاط عقلي يسعى لإدراك الكون الذي نعيش فيه، وتحليل العلاقة بيننا وبين هذا الكون، والدين بدوره يقوم بتفسير هذا الكون، كما يحدد كيفية تعاطينا مع الحقائق الموجودة فيه، سواء كانت مادية أم روحية·

لذلك أعتقد أن هناك علاقة وثيقة بين الفلسفة والدين قد تميز الدين الإسلامي بقيامه على منظومة تشريعية متماسكة ركينة، على نحو غير مألوف في الأديان الفارطة . كما امّاز هذا الدين بتوليفة عقدية متكاملة واضحة المعالم، برغم بنيتها الميتافيزيقية الخالصة .

ونحن نعلم أن العقل المجرد يضيق بالميتافيزيقا ولايرضى مصالحة تربطه بها،ورغما عن ذلك وجدنا أن ميتافيزيقا الإسلام لقيت نفوذا غير مسبوق لدى العقل الفلسفي الإسلامي؛ فلم يلفظها، بل عقد معها قراناً توفيقياً أقره وشهد عليه جمهور فلاسفة العرب والمسلمين.

وفي واقعنا المعاصر تعود المعركة بين العلوم الشرعية والعلوم العقلية، وتتخذ أشكالا ومسميات أخري مثل: الإسلام والعلمانية، والإسلام العصرانية، والإسلام والمادية، الإسلام  والحداثة، وغيرها من المعارك .

ويحاول العقلاء من الطرفين إيجاد صيغة عصرية لبيان ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال وفض الاشتباك وتجاوز العثرة الحضارية، إلا أن محاولاتهم إلي الآن ما زالت تلقي المصير نفسه والذي لقيه ابن رشد ورفاقه وغدا لناظره بعيد.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

.............

1- خالد إبراهيم المحجوبي: جدلية الفلسفة والدين... مقال..

2-الإسلام والفلسفة .. قراءة ثانية .. يوتيوب..

3-احمد السعداوي: الدين والفلسفة ووهم التعارض.. ... مقال..

 

 

ماجد الغرباوي1أفهم النقد الثقافي، بأنه: تحري الأنساق المضمرة في النص الأدبي، والتعرف على مرجعياتها وبيئتها وسلطتها المعرفية، ودورها في بناء النص وتشكيله وأسلوبه. أو أنه مصطلح يراد به: الكشف عن الأنساق المضمرة في النص الأدبي بما فيها النسق الثقافي المهيمن، ومستوى معاناة المجتمع من إكراهاته وسلطته. فالنقد الثقافي يعمل بمنهج نقدي إركيولوجي، مستفيدا من معطيات العلوم الإنسانية، على تقصي تلك الأنساق ضمن المنسي واللامفكر فيه، والمهمّش، والمهمل، والمحرّم، والممنوع، وما ترسب في أخاديد الوعي، وصولا للكشف عن كيفية تشكل مفاهيمها ومقولاتها المؤسسة، ومدى تأثيرها في بناء النسق الدلالي للنص.

النص الأدبي وفقا للنقد الثقافي، وثيقة غير مرئية، تتضمن أنساقا يتجلى فيها العمق التاريخي، والبعد الاجتماعي والأنثربولوجي والنفسي والسياسي والفكري. فالنص ليس مجرد فيض من المشاعر، والصور الشعرية الجميلة بل تجلٍ لأنساق ثقافية مضمرة، تتحكم في توظيف مختلف الأنواع البلاغية من مجاز واستعارة وكناية وبديع وجناس وطباق وترادف، في بناء النص، وأسلوب الخطاب، وطبيعة المتلقي. فالثقافة الغائرة وقبليات الكاتب تفرض سلطتها على نسق النص وبنائه، لتخفي وتظهر ما يتلاءم معها. يعي الكاتب ذلك أم لا، بل بعضها عصي على الإدراك لولا مناهج النقد وقدرتها على التنقيب في حقول النص ومساراته. 

فعندما يتناول الشاعر المرأة وهمومها في نصوصه، تشاركه فعل الكتابة قبلياته، وما اختزنت ذاكرته من مقولات ومفاهيم وأنساق تتعلق بها، وبالمجتمع والتاريخ والاجتماع البشري، وعلاقتها بالثقافة والبيئة والمقدس والممنوع والمحرم والعادات والتقاليد.. قد يعي الكاتب بعضها خلال فعل الكتابة، لكن إيقاع اللاوعي أقوى تأثيرا. وهنا يأتي دور النقد الثقافي حينما يوظف منهج التفكيك والحفر وينقب في أخاديد المضمر والمنسي والمهمش، داخل النص وخلفياته ومرجعياته، فربما يكتشف ما هو ضد النص، فيكتشف مثلا ذكورية غاطسة في أعماق الكاتب وهو يكتب دفاعا عن المرأة وحقوقها. وهذا ما اتهم به الناقد الثقافي السعودي عبد الله محمد الغذامي في كتابه: النقد الثقافي، نصوص أدونيس، رغم حداثتها. فيعتقد كما جاء في كتابه أن نصوص أدونيس لا تنتمي للحداثة قدر انتمائها لثقافة ذكورية أو فحولية، سلطوية. وهي ثقافة تاريخية ضاربة في أعماق البنى المعرفية والثقافية للمجتمع العربي. أو حينما يكتب الشاعر عن قيم الحرية والوطنية، وينسى ضعفه أمام إغراءات المال والسلطة وحب الظهور والتفاخر.

الناقد الأدبي لا يهتم دائما بخلفية الشاعر قدر اهتمامه بالصور الجمالية في نصه، فهي موضوعه وحقل اهتمامه، من خلالها يستكشف حجم الإبداع في النص، ومستواه مقارنة بنصوص أخرى، فتقتصر أدوات النقد الأدبي ومناهجه على الصور الأدبية، الجمالية، البلاغية في النص وكيفية تركيبها، وثراء مفرداتها. أو أسلوب السرد، وطريقة توظيف الحدث، وحركة الأشخاص في القصة والرواية. فتركيز الناقد منصب على ذات ظاهر النص، لا يتجاوزه إلا بمناهج نقدية أخرى. فالنص الأدبي نص أدبي من أي شخص صدر، ومهما كان إنتماؤه وخلفيته الفكرية والثقافية والعقدية. بينما تستمد قيمة النص في النقد الثقافي من قبليات الكاتب وما يتجلى من مبادئ وقيم يشي بها النص.

من هنا يتضح أن النقد الثقافي يغاير النقد الأدبي، رغم وحدة موضوع اشتغالهما على النص الأدبي. فالنقد الأدبي مهمته تفسيرية بيانية، لكشف أوجه الجمال والإبداع، وأسلوب بناء النص، وطريقة توظيف الأنواع البلاغية، وقراءة نقدية لدلالته ونسقه الجمالي الظاهري، فلا يبتعد الناقد الأدبي عن ظاهر النص وأنساقه الواعية، ولا يتوغل بعيدا عن الوعي غالبا. عكس النقد الثقافي الذي يتجاوز النقد الأدبي ويغور في أعماق النص لتفكيك أنساقه الثقافية والمعرفية بحثا عن حقيقته. فيكون النص طريقا لأنساقه المضمرة في متاهات مترامية أبعد من الوعي.

وإذ كان النقد الأدبي ينتمى لما يعرف بالنظرية الأدبية، فإن النقد الثقافي يستمد قدرته النقدية من العلوم الإنسانية، ومناهج النقد والتفكيك والإركيولوجيا والفلسفة والمنطق، ويستفيد من مختلف علوم اللغة والألسنيات، والتأويل، إضافة للأنثربولوجيا وعلم النفس وطرق التفكير وأسلوب الخطاب.

وكما يختلف النقد الثقافي عن النقد الأدبي فأيضا يختلف عن الدراسات الثقافية التي تهتم بدراسة الظواهر الثقافية، وتاريخها، ومصاديقها وتأثيراتها. فمهمة النقد الثقافي مهمة مركبة، تختلف في مرجعياتها ومناهجها، وتستقل عن غيرها من العلوم والمناهج رغم استفادتها منها. فالنقد الثقافي صار علما مستقلا ضمن علوم اللغة أو أبعد منها.

هذا ما أفهمه من النقد الثقافي في كلماتهم. وهذا القدر صحيح بشكل عام بعيدا عن تداعياته. فالنص، أي نص، ليس بريئا، بل يراوغ ويخفي أكثر مما يظهر، ويضمر أكثر مما يقول، وليس النص الأدبي فيضا من المشاعر والصور الشعرية بل يكتسب ديناميته من أنساقه وثقافته اللامرئية، التي تعكس مرجعيات فكرية وعقيدية وثقافية وسياسية ودينية. والنص الأدبي، كأي نص، عبارة عن صور شعرية وشفرات جمالية ومجازات شكلية تستبطن أنساقا ثقافية يشتغل عليها النقد الثقافي. من هنا تطورت القراءات التأويلية، مستفيدة من التراكم الدلالي للنصوص، خلال تفكيكها، وفقا لمنهج التفكيك الذي يحفر داخل طبقات النص ومخاتلاته، في رحلة لاستكشاف أنساقه التي تتداخل تارة وتتعارض أخرى، أو تتكامل، وقد تشكل دوائر داخلية فتنتج معرفة جديدة. حتى باتت المعرفة التأويلية واستنطاق النصوص أهم حينما تكتشف مرجعياتها، وطريقة أدائها داخل النص. إن ما يمارسه النص، أي نص، من استغفال للقارئ يكتشفه المنهج التفكيكي، ويكتشف دوافعه وغاياته، عندما يتمادى في تفكيك النص أكثر. وكلما زادت مراوغات النص كلما تراكمت دلالاته. فثراء النص يعرف بمقاومة التأويل وقدرته على المراوغة، واستجابته المخادعة لأداة النقد، فكلما عوّل الناقد على إحدى دلالات النص، تبدد يقينه مع مواصلته التفكيك. فالنص القوي لا يعطي نفسه بسهولة، ولا يبوح بأسراره وشبكة دلالاته، حتى أجد النص أكثر خيانة عندما يمارس غوايته ويتستر على الممنوع والمحرّم والمسكوت عنه.

وهذا ينطبق أيضا على النص الأدبي الذي هو موضوع النقد الثقافي، فالنص الأدبي بجميع أجناسه ليس بريئا، بل أكثر قدرة على المراوغة متسترا بالشكل الجمالي، أو بجاذبية السرد كما في القصة والرواية، أو يتوارى خلف الأحدث، فكم أخفى الكاتب على قارئة والمتلقي قضايا، يتوقف عليها فهم أحداث النص ودلالاته، لا يمكن كشفها لولا النقد الثقافي. ولعل أبسط مثال حينما يوظف الشاعر نصا يستدر به تعاطف المتلقي، ليخفي جنايته. أو يراكم ما يخفي دوافعه الجنسية، ويتحدث عن كبت المرأة وحريتها في ممارستها. فعندما تتمتع المرأة بحرية مفتوحة، سيكون الرجل / الشاعر / الكاتب، شريكها. فالدفاع عن مطلق حرية المرأة دفاعا عن جشع جنسي يتوقف إشباعه على مدى حريتها. أو نصوص التصوف والعرفان حينما تتستر على إيروتيكية الكاتب، فترى الناقد الأدبي يحلّق بعيدا مع صورها، مأسورا بصوفيتها ومعانيها ودلالاتها العرفانية، بينما تكشف ذات النصوص عن رغبات جنسية مكبوتة، حينما يتناولها النقد الثقافي، ليفضح دوافعها اللامرئية والغائبة عن ظاهرها. وهذا هو الفارق التطبيقي بين كلا النقدين.

ولا أجد تعارضا بين القراءتين، لكي تصادر إحداهما لصالح الأخرى. فلكل من النقد الأدبي والنقد الثقافي أدواته ومناهجه وغاياته وطرقه في تناول النص الأدبي. لكن الغريب أن الغذامي أعلن بتدشينه النقد الثقافي موت النقد الأدبي بعد استنفاد أغراضه وتآكل المعايير البلاغية، كما يقول. وبات عديم الجدوى، لا يخدم أهداف الحداثة، والاستقلال والتحرر والنهضة، حينما يتلبس الأديب بالوطنية متسترا على تعاطفه مع الاستعمار أو تبرير وجوده مثلا. فقيمة النص ليس بشكله الجمالي وابداعه الفني بل بما يضمر من قيم ومبادئ. فتارة يتستر الشاعر على قيم البداوة والفحولة وهو متلبس بها، شعر بذلك أم لم يشعر. فنصوص أدونيس ونزار قباني مثلا لا تصنف ضمن نصوص الحداثة، كما يرى الغذامي، ولو كتبت بلغتها، ما دام المطمور في أعماقهما قيما ذكورية، سلطوية، وحب التسلط والسيطرة والمال. وهي قيم عاجزة عن تبني قضايا المرأة تبنيا حقيقيا، بل تتستر هذه النصوص على ذكورة غائرة في أعمق اللاوعي. وبالتالي تهاوت القيمة الجمالية للنص تحت مطرقة النقد الثقافي وسلبت النقد الأدبي شرعيته.

بتقديري أن هذه الرؤية لا تبرر موت النقد الأدبي، ويبقى حقلا معرفيا، له موضوعه، واختصاصه، ووظيفته، من خلال دراسة ظاهر النص ودلالالته، وصور البلاغة والجمال، وطرق التعبير، وكيفية بناء النص، وتركيب الجملة، واجتراح الصورة الشعرية، وأسلوب توظيف المفردة الشعرية من حيث ثرائها، ومناسباتها، وموقعها داخل النص. وطبيعة الظواهر الاجتماعية والسياسية والنفسية التي يعبّر عنها. أو ما يسجله من معاناة على صعيد الفرد والجماعة. فالنص الأدبي تجربة شعورية يعيشها الكاتب، ويتمثلها في خياله حينما يكتب النص، فيعبر عن مشاعره أو موقفه أو استعراضه لقضية ما، أو استشراف للمستقبل أو نبوءة. وهذا ما ينتظره المتلقي ويتفاعل مع إيقاعه ولحنه. فنتائج النقد الثقافي نخبوية، عكس نتائج النقد الأدبي، فلماذا يموت الأخير لصالح الأول؟.

الناقد الثقافي يريد فرض إملاءاته على النص الأدبي، وهذا ما يتستر عليه بشكل لا شعوري، فهو ليس شخصا مجردا، موضوعيا، بل متحيزا لقبلياته لا شعوريا، وخاضع لسلطة أنساقه الثاوية بعيدا عن الوعي في قراءاته وفهمه وأحكامه، فلا يمكنه مصادرة النقد الأدبي الذي تبقى مهمته، في دراسة ظواهر النصوص وملاحقة الإبداع والصور الجميلة مشروعة، يتوقف عليها كشف ميزات النص ومستوى أدائه البلاغي والجمالي. النقد الأدبي يرصد نقاط القوة والضعف في النص وفقا لمناهجه: الفنية، البلاغية، البنائية، التاريخية، النفسية، الظاهراتية، الأسلوبية وغير ذلك. وهو  مشغول بالوعي، ولا ينسى اللاوعي والعمق النفسي والأيديولوجي للكاتب حينما يوظف مناهج أخرى، فتجد أغلب النقاد يواصل مسار النقد لتحديد علاقة النص بعمقه النفسي والثقافي، ومدى علاقته بمرجعياته، وواقعه وبيئته وظروفه. فهو أيضا يمارس النقد الثقافي ولو بحدود. وعليه، لا تنتهي مهمة النقد الأدبي بالنقد الثقافي، فلكل واحد وظائفه، ولا يوجد ما يبرر التخلي عن أحدهما لصالح الآخر، خاصة أن النقد الثقافي لم يمر دون مؤآخذات، وبحاجة إلى مزيد من التنظير والمراجعة كي تستتب أسسه، ويرسو على نظرية ومنهج يختص به، فثمة تمادٍ واسقاطات تضر بالنقد الثقافي ومشاغله، ينبغي التخلص منها للتوفر على قراءات موضوعية.

ثمة ملاحظة، إن تمادي النقد الثقافي في التفكيك سيدخل النص وكاتبه والناقد في دوامة الحفر والتنقيب، وبعثرة الأنساق، وتفكيك بناه ونصوصه الداخلية. فعندما يتقصى الناقد الثقافي بنية النص التحتية، وصولا لمقالاتها التأسيسية ومفاهيمها الأولية، ستواجهه علاقة الجدل القائمة بين مقولات البنية الواحده، وبينها وبين البنى والأنساق الأخرى، فلا يقف التفكيك عند حد، وربما يصبح التفكيك لأجل التفكيك، وينقلب النقد إلى فوضى تضر بالنص ومهمة الناقد الثقافي، فلا بد من مبدأ وغاية تعطي للنقد قيمة ومعنى، وتحد من تهوره في التفكيك لأجل التفكيك.

ثم الناقد الثقافي ينسى قبلياته، ومرجعياته وأنساقه، وما تفرضه من سلطة في مسار التفكيك، فالناقد، يحسب نفسه موضوعيا، غير متحيز، لكن الواقع شيء آخر، فهو يحاكم أنساق النص الأدبي وفقا لأنساقه الغائرة، بعيدا عن الوعي. فيُسقط من حيث يشعر أم لا قناعاته الشخصية المتولدة عن بنية معرفية، ومهيمن ثقافي يخصه. وبالتالي هو الآخر يطاله التفكيك ليدخل الناقد في دوامة جديدة من تفكيك الأنساق المضمورة. وهكذا سيتعقد الأمر إذا أخذنا بنظر الاعتبار حال المتلقي وقبلياته، فستتعقد وظيفة الناقد، ويبقى في دوامة التفكيك. من هنا ينبغي للنقد الثقافي تحديد منهج النقد، وعدم الاستغراق في التفكيك، للتخلص من متاهته مع عدم وجود مرجعية ومبدأ ينطلق منه. وربما الاكتفاء بمنهج الحفر الإركيولوجي في بنى وأنساق النص المضمرة يكفي في استظهار ما تستبطنه، ويخدم النقد الثقافي. كما سنتعرف من خلال هذا المنهج على المعرفة وسلطتها، والعلاقة الجدلية بينهما، وحجم تأثر النص بهما.

فالنقد الثقافي معني بتحديد سقف للتفكيك والتنقيب داخل حقل النص الأدبي بما يخدم هدف النقد الثقافي، وهو الكشف عن خلفيات النص الفكرية والثقافية، كما فعل د. علي الوردي، الذي توصل إلى  نتائج مبهرة، حينما فضح الأدب العربي ودوره في تكريس قيم الاستبداد، والبداوة، والظلم. فقد أثبت الوردي في كتابه: أسطورة الأدب الرفيع، أن الأدب العربي أدب مجون وخمرة وتكريس لقيم السلطة والاستبداد والعشيرة. وهذا القدر من النقد الثقافي ضروري لفهم النص في سياق خلفياته، وعدم الاكتفاء بإبداعه وشكله الجمالي، وسياقات النص البلاغية. فهناك حاجة ماسة لتكريس قيم الفضيلة، وفضح قيم الرذيلة والخيانة التي تتستر بالنص الأدبي وجماله.

لا أحد يجادل في شاعرية الشاعر العراقي عبد الرزاق عبد الواحد، وبراعته الأدبية في نصوصه وقصائده، حتى استمات بعض النقاد في الدفاع عن مواقفه انتصارا لإبداعاته، واستدعى كل شعراء السلطة عبر التاريخ لتبرير موقفه الممالئ لصدام حسين. لكن الناقد الثقافي يفهمه بشكل آخر، ويحمله مسؤولية تزوير الحقيقة، وتضليل الشعب من خلال نصوصه الخلابه، عندما اعتبر استبداد الحاكم عدلا، وجريمته بحق شعبه شهامة، وهدر الثروات كرماً، وسلطويته هيبة، وعدوانه شجاعة، وسحقه لانتفاضة العراقيين رجولة، وإذلالهم حكمة، وسحقهم سياسة، وقمعهم ومصادرة حرياتهم ضرورة. فحوّل صدام حسين المثقل بإثم الضحايا، الذي لا تغادر جسده رائحة الدماء البريئة، حوله إلى ملاك يزخر بالفضيلة والفروسية والنبل والكرم والشهامة والمروءة، فأي جريمة أكبر مما ارتكب شاعر السلطة والبلاط؟. خاصة إن قوة نصوصه ستجعلها خالدة، تضيع في طياتها الحقيقة لولا ترصد النقد الثقافي الذي كشف زيفها، وفضح قيم البداوة التي تمجد الظلم والعدوان، تلك القيم الثاوية في أعماقه. بل ويكشف النقد الثقافي عن ذيليته حد الانسحاق، وخضوعه الطوعي لهيمنة السلطة والمال وحب الظهور، لمعالجة نواقص نفسيه في أعماقه.

إن صفة التملق والتبعية وتزوير الحقائق، لا تخص عصرا دون آخر، ولا شاعرا دون غيره، بل أن أجمل النصوص الأدبية أكثرها خيانة، حينما تتستر على بشاعة الواقع، لتطمس الحقيقة، وتزور الوعي. فالأدب العربي متهم بتخلف المجتمع أيضا، حينما ساند الاستبداد والدكتاتور، والقائد الضرورة. ودافع عن شرعية الظلمة وسلطاتهم المفتوحة، وتمجيده لقيم البداوة والعشيرة والعبودية، والتبعية والانقياد، وثقافة القوة والعنف والإرهاب والقتل والسلب. فثناء الشاعر على حروب الخليفة، الخالية من أي مبدأ أخلاقي، يُعد تزويرا للحقيقة، وتسترا على الظلم والعدوان، وإرساء قيّم وضيعه، تبرر وتشرعن سلوك السلطة، مهما تمادت في ظلمها وتعسفها ضد الآخر أو ضد شعبها. وأيضا عندما يتغنى الشاعر بالجواري والأنس والليالي الحمراء والبذخ والإسراف، يتخفي على واقع الظلم والعبودية واستغلال الجواري من قبل السلطان وحاشيته. فيركز على شاعرية الجمال، ويخفي بؤس العبيد والغلمان والجواري وما يتعرضن له من إهانة، وطعن بشرفهن وحيثياتهن. فبدلا من إدانة العبودية وسلوك الخليفة والسلطان يتغنى بجمال الجواري وصوتهن وفتنتهن. فارتكب الشاعر من حيث يدري أو لا يدري جريمة تكريس عبودية الإنسان خدمة لشهوات السلطان. فالأدب من وجهة نظر النقد الثقافي مدان، وشريك في جرائم التاريخ لتزويره الحقائق عندما يتعمد التستر عليها، ويضفي على الجريمة طابعا جماليا. لذا فالنقد الثقافي غامر بالقيمة الجمالية للأدب، ليعضّد جهود النهضة عبر نقد المرجعيات الفكرية والثقافية والفكرية والعقدية المسؤولة عن تخلف المجتمع.

ويمكننا في هذا السياق أن نتساءل عن مشروعية النقد الثقافي في العراق والعالم العربي . بمعنى هل هناك نقد ثقافي عربي أو عراقي . وإجابتنا عن هذا التساؤل الكبير تعدد بتعدد زوايا النظر، فإذا كان المقصود بلحاظ أدوات النقد الثقافي من إطر فكرية وفلسفية ومناهج نقدية، فأغلبها تنتمي لبيئة أخرى، ولن يبقى سوى الإضافات التي جرت على يد أصحاب هذا الفن. لأنه نشأ وترعرع وتطور منذ ثمانينات القرن المنصرم في أحضان البيئة الثقافية الأمريكية.

وإذا كانت زاوية النظر أبعد من أدوات النقد الثقافي فلا شك بوجود منجز مهم، عربي وعراقي، راح يتصاعد وتراكم بمرور الأيام بفعل التنظير والكتابة، وما صدر من كتب ودراسات منشورة، التي منها:

عبد الله محمد الغذامي في كتبه الثلاثة: النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية الغربية. وكتاب: تأنيث القصيدة والقارئ المختلف، وكتاب: نقد ثقافي أم نقد أدبي. إدوار سعيد في كتابه الإمبريالية والثقافة. وكتاب: النظرية والنقد الثقافي، للناقد العراقي محسن جاسم الموسوي.  مدخل إلى نظرية النقد الثقافي المقارن، للباحث الجزائري حفناوي بعلي. تمارين في النقد الثقافي للدكتور صلاح قنصوة. وكتب وأعمال د. عزالدين مناصرة في النقد الثقافي المقارن. وكتاب: النقد الثقافي: ريادة وتنظير وتطبيق “العراق رائدا”، تأليف حسين القاصد. وآخرين.

أما بالنسبة للنقاد الثقافيين العرب فيقع على رأسهم أدورد سعيد، وعبد الله محمد الغذامي، حفناوي بعلي، عز الدين المناصرة، صلاح قنصوه، بل العنوان يشمل كل من كتب في هذا المجال.

وأما بالنسبة للنقاد العراقيين، نذكر د. محسن جاسم الموسوي. وحسين القاصد. حيث أكد الأخير من خلال الأدلة في الفصل الأول من كتابه: (النقد الثقافي: ريادة وتنظير وتطبيق “العراق رائدا”)، على ريادة العراق متمثلة بالجهود التنظيرية للنقد الثقافي، أمثال: د. علي الوردي، د. علي جواد الطاهر، د. محمد حسين الأعرجي. وآخرين، بل وخطّأ بعض ما توصل  له الناقد السعودي الغذامي، حول العراق، وأدان تغافله المتعمد لجهود الوردي وغيره من النقاد الثقافيين العراقيين وريادتهم، مع استفادته منهم. كما أدانه في التستر عن قبلياته وثقافته الغائرة في لاوعيه، والتي في ضوئها مارس نقده الثقافي.

 

ماجد الغرباوي

.........................

* ينظر كتاب: الهوية والفعل الحضاري، ماجد الغرباوي، مؤسسة المثقف في سيدني – استراليا، ودار أمل الجديدة في دمشق سوريا، الطبعة 2019م، ص: 197 وما بعدها.

* نشر المقال مركز نقد وتنوير بعنوان:

مفهوم النقد الثقافي في مشروع المفكر العراقي ماجد غرباوي

28 نوفمبر، 2020

https://tanwair.com/archives/8273

 

 

 

حاتم حميد محسنتُعتبر اللغة جزءاً دائم التطور من الحياة، شيء يتغير مع الاستعمال. انها بالنهاية جزء اساسي من الثقافة وهو ما يفسر ايضا وجود ذلك العدد الكبير من اللغات واللهجات المختلفة . لكن هذا يعطي دفعا للسؤال الهام جدا: ما هو أصل اللغة؟ هل نحن نتعلم اللغة من محيطنا الثقافي/ الاجتماعي ام اننا نولد معها؟ وحتى عندما نرى اللغة جزءاً اساسيا من الثقافة، هناك ما يبدو بعض العناصر البايولوجية ايضا.

معضلة "الطبيعة مقابل التنشئة"

منذ وقت طويل كان الناس يتعاملون مع لغز "الطبيعة مقابل التنشئة". هل الطريقة التي نحن عليها هي بسبب اننا وُلدنا بهذه الطريقة ام بسبب الطريقة التي تربّينا عليها. هناك الكثير من الجدال من كلا جانبي النقاش. اذا كانت شخصيتنا موروثة من الولادة فلماذا لايصبح للتوائم الذين يحملون نفس الجينات الوراثية نفس الشخصية؟ وعلى الجانب الآخر من العملة، لماذا يصبح الاخوة او الأقرباء الذين ينشأون ويتربّون على نفس الطريقة اناساً مختلفين جدا؟

النقاش في اللغويات Linguistics

يستمر هناك ايضا جدال مشابه في عالم اللغويات حاليا. فمن جهة، هناك عقيدة بان اللغة جزء من الثقافة، وفي الحقيقة، هي امتداد للثقافة ذاتها، ولذلك، هي تعتمد عليها كليا. هذه الفكرة تتطابق مع حقيقة ان اللغة تطورت جنبا الى جنب مع الثقافة البيئية. الجانب الآخر من النقاش هو ان هناك عنصر بايولوجي قوي في اللغة. بالطبع، هذا الجدال ممكن فقط عندما نتعقب اللغة الى شكلها المحكي وليس الى التمثيل المصطنع الحالي في شكلها الكتابي. لوحظت اللغة في شكلها المنطوق، كجزء من الاختيار الطبيعي الداروني في الطبيعة. الرجل الذي أعلن هذه الفكرة هو نوم تشومسكي Noam Chomsky، الكاتب الامريكي الشهير في أعماله الليبرالية السياسية، وهو ايضا له الفضل في التطور الهام للّغويات.

فرضية تشومسكي Chomsky’s Hypothesis

اقترح تشومسكي، في نهاية الخمسينات من القرن الماضي فكرة اننا ننطوي وراثيا على حاسة الكلام.هذه الفكرة تأتي مع مفهوم "القواعد العالمية"، وهي سمة معينة تساعدنا في بناء الجمل والدلالات. هذا المفهوم يدعم رؤية تشومسكي باننا يجب ان نكون مبرمجين وراثيا لنتكلم بدلا من التقليد من ثقافتنا وبيئتنا، كلامنا يرتكز على مخطط او وصفة انطبعت فينا منذ الولادة.

هذه الفكرة وجدت عددا كبير من المؤيدين لها، وكنتيجة لذلك، جرى اشتقاق النظرية ونالت الكثير من القبول .

الأسباب التي تدعم فطرة الكلام

حقيقة ان جميع الناس بالنهاية يتعلمون الكلام انما تعتمد على فكرة تشومسكي. ذلك الجدال تعزز بحقيقة ان الطفل المعاق ذهنيا هو دائما قادر على ان يتعلم الكلام في غضون عدة سنوات من تعرضّه للّغة. كذلك، فرضية العمر الحاسم، التي توضح كيف تتضائل القدرة على تعلّم الكلام مع العمر، تثبت هذه الحجة في محاكاة مراحل النضج الطبيعي وتؤشر باتجاه الاشتراك البايولوجي في عملية تعلّم اللغة. استنتاجات بايولوجيا الأعصاب، كتلك التي وُجدت في بحوث مستنتجة من حالات الضرر الذي يصيب مراكز الكلام في الدماغ، ايضا تدعم صحة فكرة "الفطرة" في المقدرة اللغوية.

اخيرا، اكتشاف الجين الوراثي (Foxp2)، يُعتقد انه يحتوي على مظاهر تعطينا القدرة على التحدث، كل ذلك يؤكد وجود عنصر بايولوجي للّغة. غير ان هذه الفكرة واجهت انتقادات ايضا، في تأكيد دور الثقافة والمجتمع في صناعة اللغة.

الحجج الداعمة للاصول الثقافية للّغة

الدعم الاساسي لفكرة ان اللغة تأتي من الثقافة ينبثق من طبيعة اللغة: انه عنصر سوسيوثقافي هام . المنظّرون المنتمون الى هذه المدرسة من الافكار يعتقدون ان الفهم الثقافي دائما مرتبط باللغة، ولا وجود لدافع بايولوجي. تجريبيا، لوحظ ان الأطفال المعزولين عن الاصول السوسيوثقافية للّغة في سنوات تكوينهم الاولى، كانوا غير قادرين ابداً على تعلّم كيفية الكلام . وبعيدا عن إثبات صحة فرضية العمر الحاسم، فان هذه الملاحظة ايضا تستجوب فكرة امتلاكنا لفهم فطري للّغة . هناك اسئلة قوية بشأن دور الذكاء في القدرات اللغوية. بما ان الاعتماد القوي على المقدرة يكمن في العقل، يتبع ذلك ان العكس صحيح ايضا، مفترضا ذكاءً متدرجا تكمن فيه اللغة، وهذا يُضعف العديد من حجج كومسكي.

الموقف من القدرات اللغوية الفطرية

حتى مع وجود حجج لكلا الجانبين من النقاش، تبقى فكرة ان اللغة مشفرة فطريا في جيناتنا تجد الكثير من المؤيدين لها لأنه من السهل ملاحظة الدليل على ذلك حولنا في كل يوم. فمثلا، لم يُعثر على اي جماعة بما فيها الجماعات البعيدة لا تمارس الاتصال. فطريا، الاطفال الرضع يثرثرون كما لو انهم يحاولون الكلام، وبالنهاية يتعلمون الحديث. بالمقابل، حتى عندما تستطيع بعض الحيوانات فهم عواطف الانسان، والبعض ربما يقلّد عدة كلمات او جمل، لكنها لا تمتلك احساس باللغة. حتى بعد التحقق من هذه المقدرة، أكدّت البحوث عمليا انها تطورت قبل انتقال الانسان من افريقيا.

محاولات تجاوز المعضلة

الغريب في ظاهرة فرضية الفطرة، مع انها واضحة لكن طبيعتها المثيرة للجدل تسود بين الناس المتعلمين. قد يكون هناك احساس بالكراهية لفكرة ان اللغة هي مقدرة فطرية وليست شيئا مكتسبا نتيجة العمل الشاق او التشرّب من الثقافة والمجتمع. يبقى الموضوع مسيّسا تقريبا وله استقطاب شديد في كلا الجانبين من الجدال.

هذه القضية تسود في عدد هائل من الكتب لدى كل من طرفي الجدال. اليوم يمكن العثور على مزيد من الكتب التي تساهم في فهم هذه القضية. ومن بين الكتب اللامعة كتاب ستيفن بنكرس (غريزة اللغة). ومع ان الكتاب مطول نوعا ما لكنه يعرض حججا هامة حول فرضية تشومسكي. وعلى الجانب الآخر نجد كتاب (تعليم حواء: مناقشة غريزة اللغة) للكاتب جفري سامبسون وهو كتاب مختصر نجح فيه الكاتب في ان يعرض نقدا شاملا ليس فقط لحجة بنكرس وانما ايضا لجدال تشومسكي بشكل عام. في كتابه "تعليم حواء" يشير سامبسون الى ان حواء لم تولد وهي تعرف، وانما هي كانت جاهلة لكنها متعلم جيد.

استنتاج

حول أصل اللغة يعتقد بعض المنظّرين ان اللغة نشأت كتطور لثقافتنا، بينما آخرون يرون ان هناك فينا فهم فطري معين للّغة.

القواعد العالمية هي فهم فطري للقواعد التي يعتقد بعض المنظرين ان جميع البشر يمتلكونها والتي هي الأساس لفهمنا للغة.

فرضية تشومسكي تقول ان اللغة مغروسة فينا وراثيا بالولادة، واننا فطريا نعرف كيف نتصل.

 

حاتم حميد محسن

.............................

أصل اللغة، The Great Course Daily, June 2020، الدكتورJohn McWhorter، جامعة كولومبيا

 

 

خديجة ناصرييعتبر مفهوم الهوية من بين المفاهيم الفلسفية المبهمة، ينخرط ضمن شبكة مفاهمية معقدة، إذ يتعذر حصره في تعريف محدد أو تصنيفه ضمن إطار معين، وقد يبدو في بعض الأحيان أنّ هذا المفهوم واضح وجلي لكثرة استعماله وتداوله، لكن سرعان ما ينكشف أمام الذات المتفحصة لخبايا هذا المفهوم أنّه يصعب ضبطه في صيغة واضحة المعالم. فمفهوم الهوية مفهوم ترحالي، يستقي قوامه من عدة مشارب معرفية، فلو بحثنا في الذاكرة الاصطلاحية لكلمة هوية يظهر أنّ أول استعمال لها يرجع إلى فلاسفة ما قبل سقراط، وخصوصا مع "برمنيدس" و"هرقليطس"، الأوّل عندما اعتبر الهوية هي وحدة الوجود والفكر، أما الثاني فقد اعتبر جوهر الهوية هو وحدة الأضداد أو اللوغوس. وقد هيمن هذا المفهوم على الخطاب الفلسفي إلى حدود العصر الحديث، ففلاسفة اليونان قد اعتبروا أنّ كل شيء إما أن يكون مطابقا لذاته أو مخالف، بمعنى إما أن يكون هو هو أو ليس هو تماشيا مع المنطق الأرسطي في مبادئ الفكر، وتعدى ذلك إلى القول أنّ الهوية في شكلها الأدنى أي كذات لا تحتاج في وجودها إلى وجود الآخر المختلف، وما يمكن صوغه أنّ التصور اليوناني القديم يؤكد على قضية واحدة وهي أنّ الهوية تتحدد كتطابق والاختلاف كتناقض، وهذا ما لخصه "علي حرب" في قوله:" التفكير الفلسفي اليوناني افتتح التساؤل حول ماهية الوجود، حيث تصوروا الوجود مماثلا بطبيعته لشيء يبقى هو هو على الدوام، بمعزل عن الاختلافات الظاهرة (...) ومن هنا يبدو أنّ مفاهيم الوجود والمعقولية والفكر المحض قد تمثلها الفكر اليوناني بدءا من فكرة الهوية".

وقد استمر حضور هذا التصور حتى عند الفلاسفة والمفكرين المسلمين الذين اعتقدوا في تماهي وتطابق الذات مع نفسها، ولم يسبح هذا التصور بعيدا عن منطق الفكر اليوناني الذي اعتبر أنّ الذات لا تحتاج في تجربة وجودها إلى الآخر المغاير والمتباين عن الذات التي تكتفي بذاتها، فنجد "الجرجاني" في تعريفه للهوية يقول: "الهوية هي الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق". وفي تعريف آخر نجد أنّ "الهوية هي الوجود المحض الصريح المستوعب لكل كمال وجودي شهودي". وهذا ما جسدته الحضارة الإسلامية في زمانها السابق، فعلى الرغم من انفتاح مفكريها على ثقافة الأجناس المغايرة خاصة اليونانية منها إلا أن ذلك لم يثنيهم عن محاولة تبيان تميز الثقافة الإسلامية عن غيرها واكتفائها بذاتها ليس فقط من حيث الأسس والمبادئ الداخلة في الشأن الإيماني العقائدي بل ان الامر تجاوز ذلك للقول بقدسية الموروثات من سنن الأوليين على انها اشتملت على صفة الكمالية والشمولية مستوفية الشروط لتكون نهج الحياة السائرة على الصراط المستقيم، وهي في جلها دعاوى ذات توجه عرفاني أصولي تنكر على العقل القدرة على التذاكر والتفاكر وتتنكر للنص القرآني في خطابه الصريح الداعي لضرورة اعمال العقل بالتدبر و التأمل في الآيات الكونية والنصية وهي مهمة ليست بحكر على زمن او جيل بل هي مهمة كل مسلم في كل الأزمنة والأمكنة لتجديد رؤيته للحياة وصوغ فكره وفق معطيات الزمن الحاضر ومتطلباته بعيدا عن فكرة التبعية للأولين وهذا ما اشتغل عليه العديد من المفكرين في ثقافتنا الحالية ودعوا لضرورة زحزحة العقل وتحريره من الذهنية الوثوقية الثبوتية بالتصدي للفئات التي تحاول مصادرة الحق الذي كفله النص القرآني في عديد من آياته الا وهو اعمال العقل بل وشدد على ضرورة ذلك من أمثال محمد اركون، أبو القاسم حاج حمد، ناصر حامد أبو زيد، ماجد الغرباوي، وغيرهم كثير.

ومع بزوغ فلسفة العصر الحديث تطور الأمر على يد "ديكارت" الذي أسس لفلسفة ذاتية تؤكد بشكل عام تمسك الذات بهويتها تلخص ذلك في الكوجيتو الديكارتي "أنا أفكر إذن أنا موجود"، مستبعدا بذلك احتمال التقاء الذات بالآخر المختلف في سعيها لإدراك حقيقتها ووعي وجودها، فهي لوحدها تمتلك المقدرة على وعي ذاتها وصنع حقيقتها، فالذات هي مصدر كل الحقائق ومنبع كل المعارف. فعلى الرغم من ان ابو الفلسفة الحديثة قد افتتح عصر فلسفي جديد قوامه العقل وبذهنية تجريدية تأملية بصبغة علمية رياضية الا انه لم يحرر الذات من انغلاقها وتقوقعها ولم يسهم في انفتاحها على الاخر بل أكد على تفردها واكتفائها بذاتها وهذا ما أدى الى تضخم الانا الوجودي الأوروبي بشكل خاص والغربي بشكل عام وهو نمط من التفكير جر الإنسانية الى مهالك ومزالق مازالت تبعاتها مطبوعة على جبين الجنس البشري الى حدود الزمن الراهن.

وإذا كانت الهوية قد تحددت ولعقود طويلة من تاريخ الفلسفة على أساس الوحدة والتطابق، فإنّه "منذ المثالية الألمانية، و"هيغل" على الخصوص، لم يعد بالإمكان طرح مسألة الهوية بعيد عن الاختلاف" فلم تعد الهوية مجرد انسجام ووحدة وتماهي، بل أضحت تعبر عن معاني الاختلاف والتمايز، وبذلك فتح إمكانات جديدة أمام الفكر الفلسفي، بزحزحة الاعتقاد بوحدة الهوية، وإحالة الذات للتواصل مع الآخر بعد أن كانت حبيسة نفسها وسجينة أوهامها وخيالاتها. وشهد العالم وفق هذا المسار الفلسفي انفراج وانعتاق للذات فبدأت تلوح في الأفق ثقافة الحوار والتعايش وتقبل الغير على اختلافه وتمايزه مع ان الامر لا يبدو أكثر من بهرجة ظاهرية تغلف جوهر مثقل بالضغينة والكراهية ونكران الاخر ومحاولة طمس هويته واقتلاعه من جذوره وانتمائه وقد تفنن الغرب في انتهاج سبل وحشية مجردة من الصفة الإنسانية قصد الاعلاء من الثقافة الغربية واحتقار ما دونها من الثقافات منها حروب مباشرة ومنها حروب غير مباشرة.

وما نشهده اليوم في العالم العربي هو محاولة لبعث التراث اليوناني في أسوء صوره وأشكاله بنفي الآخر ونبذه والنفور منه وهذا ما حاول "علي حرب" لفت الانتباه إليه "فهوية الأنا لا تستقيم من دون الآخر، والوعي بالذات يمر بالضرورة عبر الغير(...) الغير هو الوجه الباطن لنا، وهو ما كناه أو ما يمكن أن نكونه" ذلك أنّ مفكرينا ومثقفينا مازالوا ينظرون إلى الهوية على أنّها علامة خالدة وأبدية لا يمكن تجاوزها أو تجديدها في حين أنّ واقع الحال يشهد كل يوم موت هويات وولادة هويات جديدة، الشيء الذي يعني أنّ الهوية ليست معطى ثابت يمكن تملكه والتفاخر والتباهي به ، إنّما الهوية تتشكل في لحمة مع الآخر والذي لا يعني الذوبان والانصهار فيه  بقدر ما يعني التمايز عنه بالشكل الذي يسهم في بناء الذات دون إلغاء للآخر. لأنّ "لا ذات بدون آخر ولا آخر بدون ذات (...) فكلاهما في حاجة عضوية ووجودية إلى الآخر، لا انفكاك عنها"

 

ناصري خديجة - الجزائر

..............................

المصادر والمراجع:

1-علي حرب، التأويل والحقيقة، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 2007م، ص198.

2-جميل صليبا، المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، الجزء الثاني، لبنان 1982م، ص 530.

3-عبد السلام بن عبد العالي، أسس الفكر الفلسفي المعاصر، دار توبقال للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، المغرب 1991م، ص89-90.

4-علي حرب، خطاب الهوية: سيرة فكرية، منشورات الاختلاف، الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الثانية، الجزائر، بيروت 2002م ص43.

5- محمد شوقي الزين، الذات والآخر: تأملات معاصرة في العقل والسياسة والواقع، منشورات الاختلاف، منشورات ضفاف، الطبعة الأولى، الجزائر، بيروت 2012م، ص10.

 

علي محمد اليوسفتقديم: بدءا أقر بأن عنونة المقال بين الاتصال والانفصال في الزمان خاطئة من وجهة نظر فلسفية وكوزمولوجية علمية اناقشها في اسطر لاحقة بأعتبارها مجازا في التعبير اللغوي ولا تعبرعن حقيقة فيزيائية وسلامة تطبيقية زمانية يقبلها علم الكوزمولوجيا، علما أن المقولة مأخوذة عن ارسطو نقلا عن المفكر عبد الرحمن بدوي فلسفيا.

فالزمان مفهوم تجريدي شامل لا يتقبّل أن يكون موضوعا لادراك عقلي لا بالماهية ولا بالصفات وأنما يكون أدراكه بالدلالة الادراكية المرصودة لحركة الاجسام والاشياء وتكوينات الطبيعة المتعالقة بالزمان أدراكا تجريديا.. لذا من المتعذر رصدنا الانفصال أو الاتصال داخل الزمان لأنهما ليستا خاصيتان له.فالزمان مفهوم واحد متجانس الصفات والماهية، وكلتاهما غير مدركتان بالانفصال عن بعضهما بل هما استدلال يمكن ادراكه الحدسي بدلالة الزمان كمفهوم ميتافيزيقي.

فالزمان ماهية وصفات لا تتجانس الا مع ذاتها لعدم وجود ما يتجانس معها لا بالاتصال بها ولا بالانفصال عنها. الزمان جوهر نوعي موحد قائم بذاته يدرك بدلالة حركة الاجسام بداخله..

ثم أن الزمان وحدة كليّانية واحدة غير مدركة كمفهوم وماهية وصفات لا يقبل الانقسام والتجزئة ولا يتقبل الاتصال بغيره من ماهيات غير مجانسة له زمانيا غير موجودة حيث لا يوجد فرق ماهوي ولا صفاتي لشيء في الزمان ذاته لا تحتويه الكليانية الماهوية والصفاتية للزمان كجسم غريب عنها بالماهية قريب منها بالادراك الزماني له.

وليس هناك صفات لا تجانسه من غيرمجانسة الزمان لذاته كجوهر غير مدرك عقليا الا بدلالة غيره. بمعنى الزمان هو في حالة أبدية سرمدية ازلية من وجود ملازمة الاتصال الذي لاينفصل ولا يتجزأ بالمزامنة له الذي يرفض القطع أو الانقسام لذا فمقولة الاتصال والانفصال الزمانيين لا معنى لها من الناحية الفيزيائية العلمية كوزمولوجيا. بضوء حقيقة الزمان هي وحدة اتصال كليّانية قائمة بذاتها مكتفية تجانسيا لا تقبّل اتصالا كيفيا (نوعيا) بغيرها وفي عبارة أرسطو تاكيد لذلك قوله (لا يحد الزمان بالزمان) وهي عبارة عميقة المعنى في التعبير عن الوحدة الكليانية المفهومية للزمان.

الزمان مفهوم سرمدي وجودي ازلي مطلق لا يخضع للتجزئة ولا الانقسام، كما هو وحدة كلية نوعية واحدة قائمة بذاتها بخصائصها الماهوية وخصائصها المتعالقة تاثيرا بالاشياء. لذا الماهية النوعية للزمان لا تتقبل الاتصال بغيرها المخالف لها بالصفات الماهوية كنوع. كما لايتقبّل الزمان الانقسام على نفسه ولا الانقسام بمؤثر خارجي طاريء عليه. فالاستدلال بالزمان لا يمكن بغير الاستدلال به نفسه المتجانس به كزمان كلي مطلق، وهو ما يؤكد الزمان جوهرا  واحدا لا يقبل القسمة على نفسه ولا يتقبل التجزيئ بدلالته أو بدلالة غيره. والزمان في ملازمته ادراك الاشياء لا يتغير لا بالماهية ولا بالصفات لانهما صفتان تدركان بدلالة موجودات مقدار حركة الاجسام داخل الزمان ولا تفهمان بدلالة الزمان ذاته، فالانسان لا يدرك كلية الزمان كي يحاول معرفة صفاته او ادراك ماهيته بدلالته هو لا بدلالة الاجسام المتحركة فيه..

فهو وسيلة لادراكات العقل لكنه ليس موضوعا له ولا يتخارج جدليا مع حركة الاجسام داخله. لذا الزمان دلالة ادراكية تزامن الموجودات ولا تتأثر بها بل يبقى ما يدرك من حركة الاجسام داخل الزمان منفصلا تماما عن تعذر الادراك العقلي للزمان منفردا ماهويا بذاته.

أما الانقسام الزماني الوهمي خارج وحدة الزمان النوعية الذي نعيشه في التحقيب الارضي بقطوعات الزمان الموزعة بين ماض وحاضر ومستقبل أنما هو في حقيقته تقسيم زماني وهمي لا حقيقة صلبة ثابتة يقوم عليها الادراك لهذا التقسيم الذي هو التسمية الصحيحة له هو التحقيب الزماني الارضي وليس التقسيم الزماني، فالزمان لا يقبل التقسيم كما ذكرنا لكنما يتقّبل التحقيب الارضي بدلالة غيره التي هي حركة الارض وكواكب المجموعة الشمسية وما ينتج عنه من تغييرات مناخية بيئية...

ولكي نفهم الفرق بين التقسيم والتحقيب زمانيا أنما يكون في معرفتنا المسبقة التمييز بين الزمان الكوني المطلق الازلي، وبين الزمان الارضي المحدود في تحقيبه الزمان تاريخيا الى ماض وحاضر ومستقبل ليس بدلالة الزمن ولكن بدلالة حركة الارض حول نفسها وحول الشمس وحركة القمر والكواكب الاخرى في المجموعة الشمسية حصرا فقط وما يتعدى زمان المجموعة الشمسية يكون زمانا في حكم مطلق الزمان الكوني اللامحدود اللانهائي السرمدي الذي لا يمكنه قبول التحقيب زمانيا كما هو الحال في الزمان الارضي..

ومطلق الزمان ليس هو كمثل محدودية زمان الارض تحقيبا، ومطلق الزمان لا يقبل التحقيب التقسيمي على أي شكل ونوع ويحتفظ بخصائصه الكليّانية الذاتية المتفردة كمفهوم ازلي مطلق سرمدي لا بداية ولا نهاية له، لا يدركه العقل موضوعا ولا الزمان يدرك الانسان موضوعا له.. ولا يوجد زمان تغايره المجانسة الواحدة النوعية معه ويسمى زمانا آخر. بمعنى لا يوجد على الارض وفي الكون اللانهائي غير زمن واحد فقط بماهية وصفات نوعية واحدة.

الزمان وهم التقسيم وحقيقة التحقيب

الاتصال الزماني والانفصال الزماني هما وهمان أصطناعيان لا وجود حقيقة ادراكية يقبلهما العقل العلمي تسنده. وكما المحنا له في سطور سابقة فالزمان الكوني والزمان الارضي هما وحدة كلية نوعية من التجانس الماهوي والصفاتي واحدة لزمان واحد يلتقي بالماهية والصفات كجوهر ويختلف بالدلالة بغيره من مدركات مقدار حركة الاجسام داخله، لذا يكون كل اتصال زماني بدلالة أخرى غير الزمان ذاته لا تكون صحيحة وكذا نفس الحال في عملية الانفصال، فمن المحال أن نجد زمانين منفصلين عن بعضهما لا يمتلكان نفس الماهية والصفات الزمانية النوعية الفيزيائية الواحدة...فالزمان وحدة كلية متجانسة في الادراك كزمان واحد فقط ولا يوجد زمانين مختلفين لا على الارض ولا على المستوى الكوني من حيث وحدة الماهية والصفات غير الادراكية للزمان.. وهنا يتوجب علينا التفريق بين مصطلحين كلاهما باطل مجازيا لغويا ومصطلحا غير متفق عليه، هما الفرق بين التقسيم والانفصال على مستوى أزلية مطلق الزمان اللامحدود من جهة وبين التحقيب الارضي للزمان المحدود من جهة أخرى. وهذا يقودنا قبلها ألى أهمية التفريق بين الزمان الكوني المطلق السرمدي غير المحدود ، وبين الزمان الارضي المحدود بعلاقته مع الارض ومع حركتها الذاتية حول نفسها وحول الشمس وحركة كواكب المجموعة الشمسية من حولها ومعها.

توجد مقولةلارسطو سبق لي تكرارها مرارا (أن الزمان لا يحد بزمان) كون الزمان وحدة ماهوية في كل الحالات ومختلف الظروف من حيث الماهية والصفات التي يمكنها التواصل التعالقي الزماني مع غيرها من أجسام وموجودات الطبيعة لا يكون على مستوى المجانسة النوعية بغير ما هو زماني..وأنما على مستوى حركة مختلف الاجسام داخل الزمان الذي يحتويها كدلالة في معرفة مقدار حركة تلك الاجسام وليس مهمّا صفاتها غير المتجانسة مع الزمان. وأية مجانسة ماهوية او صفاتية لحركة الجسم في الزمان الذي يحتويها يكون محالا ادراكه عقليا لأن معنى ذلك كل جسم متحرك يحتويه الزمان بالمجانسة الماهوية النوعية معه يكون بالمحصلة زمانا أحتواه زمان يجانسه الخاصّية الماهوية وهو محال.

الزمان النوعي المتجانس بصفاته الماهوية لا تربطه بغيره من الاجسام التي تختلف معه بالمجانسة الا بعلاقة مقدار(حركة) تلك الاجسام داخله..كما أن الزمان لا يحد بالزمان المجانس له بالحتمية والضرورة حيث لا يوجد لا متجانس في الزمن يختلف عنه يكون زمانا آخر. كون الزمان كلية ومطلق مفهومي وليس موضوعا لادراك العقل مثل باقي موجودات الاشياء. لا يمكن للزمان أن يخرج عن نوعه في المجانسة الكلية المطلقة الشاملة لذاته فيزيائيا هو وحده، ولا يمكن في حال تحقيق انفصال جزء منه أن يكون دلالة التعريف به على مطلقه الازلي.

فالتوقيت الزمني بالساعة لا يعني أن هذا التوقيت أصبح يمتلك ميزات زمانية مختلفة عن مواصفات الوحدة الكلية الماهية للزمان. فالساعة هي توقيت زمني يرتبط بتحقيب الزمان الارضي في أدراكنا الوقت ولا يكون زمانا آخر خارج وحدة كلية الزمان لافي الماهية المعدومة أصلا في عدم امكانية ادراكها العقلي ولا بالصفات التي ندركها بمقدار حركة الجسم داخل الزمان.آلة قياس مقدار الزمان الساعة او اليوم او الاسبوع وصعودا الشهر والسنة والفصول الاربعة ليست في حقيقتها زمانا مدركا بذاته بل هي  وسيلة ادراك لتحقيب زماني نعيشه على الارض.

ارسطو وتقسيم الزمان

يذهب المفكر عبد الرحمن بدوي في كتابه (الزمان الوجودي) مناقشة مشكلة الانفصال والاتصال الزماني، قوله أن ارسطو الذي شغله هذا الاشكال العصّي على الحل بالهروب الى أمام منه، مستشهدا بعبارته (فالآن- أي الحاضر -  بوصفه حدا ليس هو الزمان، وأنما هو عرض يمكن عده عدديا وذلك لأن الحدود لا تنتسب الى الاشياء التي هي حدود لها،  فعدد هذه الخيول العشرة يوجد خارجها )1 عددا لا يمكن حصره من الخيول.

في مقالتين سابقتين نشرتا لي عن الزمان فلسفيا كنت اشرت توضيح اشكالية فرضية الانفصال والاتصال الزماني وتوضيح حلها، ويكمن سبب هذه الاشكالية في عدم التفريق بين زمانين متجانسين نوعيا ومختلفين تحقيبا تجاهلهما فلاسفة اليونان هما الزمان الكلي المطلق الازلي الكوزمولوجي الذي لا يقبل التجزئة ولا الانقسام كما لا يقبل التعريف بالزمان المطلق بدلالة الجزء غير المنقسم عنه.

أما الافتراض الثاني في عدم قدرة التمييز هو التحقيب الارضي للزمان الذي لا يختلف مع الزمان المطلق ماهويا كونيا كنوع زماني فيزيائي واحد لا غيره، لكنه يتقاطع معه بقابلية الانقسام والتحقيب الزماني كتاريخ زماني ارضي الذي يمكن أدراكه على الارض بدلالة غيره من الاجسام والكواكب والطبيعة والاشياء وتغيرات المناخ.

ولا يمكننا تحقيب مطلق الزمان الكوني بدلالة تحقيب زمانه الارضي. فالزمان الكوني الازلي المطلق يلتقي الزمان الارضي بالماهية والوظيفة الاستدلالية به عن وجود الاشياء.ولا يختلف معه أنه زمان ثان بالمقايسة النوعية الواحدة به فكلاهما دلالة لمعنى واحد هو الزمان.

الشيء الثاني هو ربط ارسطو أدراك الآنية أو الحاضر بقابلية قياسه عدديا وضرب مثالا أن عشرة خيول لاتعني حصر عدد كل الخيول كنوع من الكائنات وهي مسالة مفروغ التسليم بها كبديهة حسابية معرفية. أن معرفة مقياس الزمن بعدد الاشياء المحصورة في آنية زمنية هي الحاضر لا تمثل مقياسا صحيحا للزمان الذي يعتمد معرفته على (مقدار حركة الاجسام في الزمان) وليس على مقدار (عدد) تلك الاجسام في حركتها داخل الزمان الذي يحتويها.

مقدار الزمان يقاس بمقدار المسافة التي تقطعها الخيول بسرعة معينة حصيلتها هو مقدار الزمان الكمّي وليس العددي. الكم خصيصة قياس كل (مفهوم) مجرد يقاس بدلالة غيره لا يمكن ادراكه منفردا ماديا. والعدد خاصية كل مدرك يمكننا تحديده بدلالته الذاتية كنوع من المدركات يعبّر بها هو عن نفسه وليس بدلالة غيره عدديا ايضا.فالمدرك ماديا هو ذلك الشيء الذي يمكننا تحديده بالطول والعرض والارتفاع والزمن.

الزمان المطلق الكوني الذي أثبته انشتاين نسبي بخلاف مطلق زمان نيوتن، والزمان الارضي كتحقيب يتوزعه الماضي والحاضر والمستقبل يكون مقياس الدلالة له بالكتلة والكم والحركة والمسافة والسرعة وليس بعدد الاشياء المتحركة داخله. عندما نقول زمان فنحن نقصد تعبيرا دلاليا عن نوع  واحد هو الزمان الفيزيائي المطلق لا غيره من الاشياء والاجسام التي يحتويها داخله.. ولا يقبل الزمان المجانسة بغيره من الماهيات النوعية للاشياء، فالاجسام داخل الزمان وفي حركتها لا تغادر خاصيتها الاساسية على أنها أشياء يحدها الزمان أدراكا لكنها في حقيقتها منفصلة عنه في عدم المجانسة ماهويا وصفاتيا معه على أنها ليست زمانا لكنها مقدار حركة الزمان بدلالة حركتها هي كاجسام واشياء داخل الزمان يحتويها.

الشيء أو الجسم المتحرك داخل زمان محسوب كمّيا بالمقدار لا يمكن أن يكون زمانا ثانيا نستدل به على الزمان الذي يحتويه كنوع لا علاقة تربطه بغيره من الانواع سوى في مقياس مقدار الزمن بدلالة حركة تلك الاشياء والاجسام داخل الزمان الذي يحتويها. الزمان جوهر نوعي ميتافيزيقي لا يتحدد الا بمقدار حركة الاجسام والاشياء كمّيا وليس عدديا.. كما لا يتحدد مطلقه الزماني بدلالة جزء منه في أدراك كليته كنوع مطلق من الادراك. واشار افلوطين لتلك الحقيقة قائلا " أن الزمان بكليته لا يتفتت، أي لا توجد أزمنة مختلفة بل زمان واحد فحسب".2

حول سرمدية الزمان

ذهب معظم الفلاسفة من بعد ارسطو أن سرمدية الزمان ليست في سبب عدم ادراكنا له لغيابه في مجاهيل الكون الذي لا نهاية مدركة له، بل أعتبروا سرمدية الزمان هي في وجوده الحاضر الدائم الذي يحكم الطبيعة والانسان والحياة، وليس السرمدية هي الازلية التي لا نعيشها ولا ندركها في حاضرنا الزماني الارضي، ولا نهائية الزمان لا تقاس ألا بأدراك الوجود الحاضر الذي يلازمه الزمان بلا توقف ولا انقطاع، معتبرين حقيقة سرمدية الزمان هي الآنية الحاضرة التي بها يحيا العقل وكذلك تحيا بها النفس في حاضر قابل للقسمة، وبذلك نسفوا مقولة كلا من افلاطون وارسطوالسابقة بأن زمن الحاضر وهم زمني غير موجود لعدم أدراكنا العقلي له بدلالة الاشياء والموجودات المدركة حركيا به.ولا حتى بدلالة التحقيب الارضي للزمان في توسيط الحاضربأعتباره نقلة تجسيرية تربط الماضي بالمستقبل من خلال تشظيتها الانشطارية الموزّعة بين الماضي والمستقبل.لذا ذهب ارسطو وافلاطون اعتبارهما الزمان الحاضر وهما افتراضيا لا حقيقة فيزيائية له.

وفي هذه المقولات مغالطة فادراك الاشياء صحيح لا يكون ألا بدلالة الزمان، لكن أدراكنا الاشياء لا يعني أدراكنا الزمان المتلازم معها كينونة جوهرية منفصلة عنها... فالزمان يصبح وهما دلاليا بتحققنا من موجودات الاشياء ادراكا حركيا انكولوجيا والتي لا ندرك زمانها الملازم لها بالادراك المغاير لها بالمجانسة الماهوية والصفات.

رغم أن هذه الفرضية لا تطابق الواقع ولا صحيحة فادراك زمانية الشيء لا تنفصل عن ملازمة الزمان له في ادراكنا للاشياء مكانيا في حالتي حركتها وسكونها وفي حال عدم ادراكنا لها...لكن رغم ذلك تبقى عدم المجانسة بين الاجسام والزمان الذي يحتويها قائما أبدا...فأدراك الشيء بدلالتي المكان والزمان لا يعني أنعدام عدم المجانسة الماهوية والاختلاف بين ماهية الشيء المدرك بأختلافه عن ماهية الزمان غير المدرك الذي يحتويه وبدلالته نعرفه. لا يتجانس الزمان الا مع ذاته كزمان ماهيته الجوهرية هو وحدة كلية من التجانس ذاتيا وباستقلالية ترفض التداخل النوعي غير التجانسي معه بالكيفية والصفات .

الزمان ليس علة وسبب وجود الاشياء وأنما هو دلالة أدراكية منفصلة عن الاشياء كجوهرين غير متجانسين بالصفات وبالماهية. لنرى ما يقوله بعض المفكرين بهذا المجال: (وجرى تقسيم الزمان الى جوهر حقيقي قائم بذاته هو جوهر يقيس الكون والفساد. يليه الزمان الطبيعي الموجود في الحركة وليس له جوهرا قائما بذاته كون الوجود الذي يدركه الزمان عبارة عن كائن وحادث طاريء باستمرار والحاضر غير المنقسم ينتسب للسكون الثابت الذي يقيس الحركة الدائمة وهو العلة المولدة للزمان)3. (ويعتبرون السرمدية جوهرا قائما بذاته وليس جوهرا مقترنا بالزمان الذي هو الاخر جوهر سرمدي قائم بذاته)4. عبارات تحاول خلط الزمان كوحدة متجانسة بذاتها بميتافيزيقا الادراك الشيئي.

الملاحظات التعقيبية النقدية التي يمكننا تثبيتها على هاتين العبارتين:

- وجود الزمان كجوهر ملازم للاشياء ليس تعويضا عن عدم ادراكه بدلالته ادراكنا الاشياء في العالم الخارجي، بمعزل عن ادراك ماهية الزمان وكيف يعمل في تحقق ادراكنا العالم من حولنا؟.أدراك الاشياء والاجسام في ملازمة الزمان لها لا يترتب عليه ادراكنا الزمان منفصلا عنها الذي يحتوي حركة تلك الاجسام كجوهر قائم بذاته. الزمان ليس موضوعا يدركه العقل لوحده بغير دلالة حركة الاشياء والاجسام فيه.

-  الحاضر حسب أدعائهم ينتسب للحركة وليس للسكون، وكل ساكن مدرك يصبح حقيقة، وهو ما لا ينطبق على الحاضر أنه ثبات ودلالة تسير نحو أضمحلال وتلاشي مستقبلي حتمي. وبالتالي لا يكون مقياسا للحركة كونه ساكنا والسكون لا تتولد عنه حركة فالحركة تلزم بالحتمية السببية التعالقية الضرورية أن تسبقها حركة وتعقبها حركة ما بعدها ايضا.. الحركة تتوسط حركتين قبلية وبعدية..

- والأهم هو قولهم الحاضر المنقسم الذي ينتسب للسكون الثابت الذي يقيس الحركة العلة المولدة للزمان، وهو ما يترتب علينا دحضه، فالحاضر غير مدرك لأنه جوهر متشظ غير ثابت ولا ساكن والا كان موضوعا مدركا وليس وهما لاحقيقة له كما يصفه ارسطو وافلاطون. يمكننا وصف تشظية الحاضر الى ماض يحكمه سكون، وبالكس منه الى مستقبل تحمه الحركة والتغيير.

- الحاضر أو الآنية كما ذكرنا هو تشظية يتوزعها ماض ساكن ومستقبل متحرك بسيرورة دائمية لا تعرف التوقف ولا الثبات لذا المستقبل لا يدرك الا بدلالة الحاضر المنقسم المتشظي بين الماضي والمستقبل.

كما أن السكون لا يتولد عنه حركة وكيف يمكن قياس الحركة بدلالة السكون؟ الا اذا أعتبرنا كل ساكن هو رهينة زمانية يتحكم بها الانسان بمعزل عن ملازمة صفة الزمان الساكن لها بلا تداخل انساني. ولا يتحكم بها لا الزمان ولا هي تحتكم لذاتها لافي الحركة ولا في السكون وهو تصور محال يدركه العقل.

الزمان صحيح هو دلالة معرفة مقدار حركة الاجسام ألا أن الزمان بأعتباره أحد قوانين الطبيعة الثابتة يعمل باستقلالية تامة عن ادراكات العقل للاشياء بمعزل عن ادراكه منفردا كجوهر قائم بذاته، ولا يرتبط الزمان بعلاقة انقيادية للانسان. ولا وصاية للانسان على عمل الزمان.

الزمان بين وجوده الحقيقي والوهمي

ورد على لسان عبد الرحمن بدوي مقطعا مفاده " ومن الناس قال كيف يقال عن الزمان الذي لا يتصور وجود شيء الا فيه انه لا وجود له؟ بل له وجود أسبق وأحق من كل ما يوجد فيه. وذاته باقية لا تتغير وذلك هو الدهر"5، بدءا العبارة سليمة جدا ولا يشوبها نوع من الخطأ وهي عبارة تنسب لفلاسفة العرب.

وفي تعليقنا على هذه العبارات المستمدة عن فلاسفة عرب مسلمين، هم يعنون الزمان الارضي المحدود بقابليته على التحقيب الى ماض وحاضر ومستقبل، ولا يقصدون الزمان الكوني الازلي غير المحدود. لذا سيكون التعليق لا يخرج عن المجال الذي أختاروه وهو الزمان الارضي الذي هو تحقيب يتوزعه الماضي والحاضر والمستقبل الذي يقوم على الثوابت التالية:

- اولا الزمان لا يدرك الا بدلالة حركة موجوداته في داخله، وهو ما يؤكد على أن الزمان في كل الاحوال وأينما وجد هو جوهر متجانس مع ذاته فقط غير مدرك ماهويا ولا هو موضوع يدركه العقل.

- ثانيا أن الزمان هو مقدار كمي في قياس حركة الاجسام داخل الزمان وليس مقدارا عدديا للاجسام بداخله. والزمان يدركه العقل بدلالة موجوداته وليس بدلالة ماهيته النوعية هو كموضوع لا يدركه العقل لا في الماهية ولا بالصفات.

- ثالثا ادراك الزمان الارضي بمحتوياته الموجودية داخله، أنما يقوم على تحقيب تاريخي له ندركه على الارض كماض وحاضر ومستقبل. وهذا التحقيب الارضي لا يغيّر في ماهية الزمان ولا في حقيقته كجوهر يحمل دلالة غيره من اجسام يحتويها داخله، وليس كموضوع معرفة  منفردا. لذا يبقى الزمان محتفظا بخصائصه الذاتية غير المعروفة وغير المدركة عقليا، وهذه الذاتية الزمانية تكون في الوقت المزامن لكل الموجودات التي يحتويها بالادراك، تبقى منفصلة بغير المجانسة مع خصائص وماهيات الاشياء التي تتحرك داخله كفضاء زماني محدود تتم بدلالته معرفة مقدار حركة الاجسام.

- رابعا حين يدرك العقل الاشياء بمزامنة الزمان في وجودها فهذا لا ينسحب على أن معرفة وادراك موجوداته يقود بالضرورة الى ادراك زمانها كموضوع يدركه العقل منفصلا مستقلا كما هو ادراكه الاشياء في مقدار حركتها داخل الزمن.

- خامسا القول الزمان لا يمتلك حقيقة وجودية الا فقط بدلالة الاشياء التي يحتويها. وبتجريد الزمن الادراكي عن تلك الموجودات لا يكون هناك بعدها عملية ادراكية للاشياء وليس للزمان صحيحة، الاشياء لا يدركها العقل مجردة عن زمانها ، كذلك لا يدرك العقل الزمان بدلالة أخرى غير حركة الاجسام بداخله التي يحتويها. علما أنه من المحال أن يدرك العقل الاشياء من غير ملازمة زمانها لها، كذلك الاهم محال انفصال الزمان عن موجودات داخله تتعين حركتها بدلالة الزمان وليس بدلالة ذاتية حركية الاجسام التي تمتلكها.

-  سادسا المكان بمجمله الكلي كمفهوم ، والمكان كتجزيء منقسم على نفسه تبقى أستحالة ادراكه خارج أحتواء الزمان له قائمة لا يمكن تجاوزها. الاشياء مكانا تدرك بملازمة زمانها، ولو نحن استطعنا أخفاء شيء مادي بمعزل افتراضي بتجريده عن زمانيته، تكون حصيلة هذه الفرضية المستحيلة توقف العقل عن الادراك لذلك الشيء نهائيا.المكان هو مدرك زماني ايضا والمكان لا يمكن ادراكه بتجريد الزمان عنه.

خاتمة

بعد مغادرة ارسطو مقولته في الآنية أو الحاضر على أنها وهمية وشرحنا تفسيرنا لها على اساس أن آنية الحاضر متشظية في انشطارها الوجودي كزمان يتوزعها الماضي من جهة والمستقبل من جهة أخرى معاكسة، فالماضي يحتم على الآنية تذويتها به، والشد المستقبلي المعاكس يعتبر الحاضر بداية تصنيع مستقبل زماني في حالة من السيرورة منفصل عن الحاضر التوليدي له.

يعود ارسطو القول (الزمان هو المعدود، بمعنى هو العدد المشار له في كل لحظة حاضرة يمر بها، وأن الوجود الحقيقية يقاس بآنات الحاضر فقط)6، وبدورنا نخلص الى أن الاشكالية تتلخص بالاساسيات التالية :

- الزمان الارضي المحكوم بالتحقيب التاريخي الموزع بين ماض وحاضر ومستقبل، هو غيره الزمان المطلق الكوني الازلي ليس على صعيد أختلاف الماهية فالزمن هو الزمن أينما يكون واينما يكون بدلالة معرفة غيره به، لكن تحقيب زمان الارض لايقبله مطلق الزمان الكوني الازلي، وقولنا هذا أن تحقيب الزمان الارضي أصبح يمتلك زمانا مغايرا للزمان المطلق الكوني بالماهية والصفات ليس صحيحا كوننا ندرك زمن الموجودات الارضية ولا ندرك الزمان جوهرا منفصلا عنها.، فالزمان واحد ولا يقاس الزمان بدلالة زمان آخر ولا بدلالة جزء منه وهو مستحيل في أمكانية قسمة الزمان ولا قابلية تجزئته.في مغايرة الوحدة الزمانية الكلية لزمان المطلق أنه لا يتقبّل التحقيب الكوني كما في زمان الارض. تحقيب الزمان الارضي كما قلنا هو بدلالة حركة الارض والمجموعة الشمسية، فكيف لنا وبأي معيار نستطيع تحقيب مطلق الزمان الكوني، هل بدلالة حركة ملايين الكواكب والمجرّات مثلا؟؟ مسألة يرفضها العقل والمنطق.

- الزمان في حالتي الوحدة الكلية المطلقة كونيا غير القابل للانقسام على نفسه ولا الانقسام بدلالة غيره. هو زمان واحد يجمع كل الازمنة بوحدة كلية من الماهية الزمانية، وهذه الوحدة الكلية تقوم على ادراك العقل للزمان بقياس مقدار السكون والحركة بالاشياء والموجودات داخله. كون الزمان ثابت في ملازمته حركة الاجسام. حركة المدرك مكانا لا يجعل من الزمان الراصد له تابعا حركيا له. الزمان يدرك المتحرك مكانا والساكن مكانا في ثباته الزماني، فحركة الجسم لا تسحب معها حركة الزمان بالضرورة التبعية وألا لما كنا نحتاج قياس الزمان بمقدار حركة الجسم داخله.بتوضيح الالتباس الزمان ثابت في قياس مقدار حركة الاجسام التي هي متحركة بلالة احتواء الزمان مقدار حركتها.

- الزمان لا يتغير بالماهية الذاتية له في جميع الاوقات ومختلف الظروف، وكلية الزمان كجوهر ثابت لا يتقبّل القياس بحركة زمنية تجانسه ماهويا بل بحركة اجسام مختلفة عنه بالصفات، من حيث حقيقة الزمان تعرف بدلالة حركة الجسم وتقاس به. والزمان ليس حركة بذاته بل هو دلالة مقدار حركة غيره من الاجسام.

- الشيئ الاخير أن الزمان مفهوم ميتافيزيقي وليس موضوعا مدركا من العقل. بمعنى أن العقل يدرك الاشياء فقط ولا يدرك مزامنة الزمان لها، فهو يدرك محتوى الزمان من أجسام ولا يدرك الزمان كموجود أو ماهية منفصلة لوحدها. وهنا يمكننا تشبيه الزمان كمفهوم ميتافيزيقي بمفهوم الوجود الميتافيزيقي، فالوجود يدرك بمحتوياته ولا يدرك بماهيته كموضوع.

كذلك نحن ندرك الزمان بمحتوياته من الاجسام وليس أدراكه هو كماهية ذاتية يمكن أن تكون موضوعا لادراك العقل. فالزمان ماهية بخصائص انفرادية لا تلتقي مع ماهيات غيره من أجسام يحتويها كأجسام متحركة داخله. وما يجمع الزمان بمحتوياته من الاجسام هو الادراك العقلي بقياس مقدار الزمان الكمي بدلالة حركة الاجسام بداخله.ولا يدرك الزمان مجردا عن محتوياته.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

........................

الهوامش

1- الهوامش 1، 2، 3، ، ،6،5،4 عبد الرحمن بدوي / الزمان الوجودي/ الصفحات 68 - 83

 

 

علي رسول الربيعييبدأ لغز عاطفة الحب من رغبتنا بأن نحب ونكون محبوبين، وأن نعتز بما نحن عليه من هوية لا يمكننا وأن يُنظر الينا على أنه لا يمكن تعويضنا في الوقت نفسه. وينشأ اللغز ايضا عندما نسأل ما هو أساس هذا الحب. يقول الذين يشعروننا أنا محبوبين أنهم يحبوننا لأننا “مميزون” ولأن “لا يوجد أحد مثلنا تمامًا”؛ ويقولون أيضًا إنهم يحبوننا لسمات معينة فينا مثل: ملامحنا، أو مزاجنا الفكاهي، وما إلى ذلك. قد يبدو من الطبيعي أن نستنتج أن حب الآخرين لنا يعتمد على خصائصنا الشخصية ذات القيمة الفريدة.

ومع ذلك، لا يبدو هذا صحيحا. أولاً، لأن الأشخاص أنفسهم الذين يقولون أنه لا يوجد أحد مثلنا يعترفون أيضًا بأن كل شخص بذاته هو فريد من نوعه، وهذا ما يجعل من الصعب رؤية كيف أن مجرد التفرد يمكن أن يجعلنا ذا قيمة خاصة واستثنائية عندهم عندما يكون هناك عدد لا يحصى من الآخرين الذين ليسوا أقل منا تميزًا.

ثانيًا، إذا كانت القيمة التي يضفيها علينا من نحبه مبنية على اساس خصائصنا وشمائلنا فيمكن له أن يفضل أو يتبع شخص آخر يتمتع بشمائل “أفضل” – فشخص أكثر مرحًا، على سبيل المثال، أو يمتلك سمات او ملامح أكثر جمالا أو حيوية- سيكون أكثر جدارة بحبه منا. لكن وجود شخص متفوق علينا من هذه النواحي لا يجعلنا أقل جدارة بالحب؛ إذا كان حبيبنا يحبنا حقًا ولا يتطلع إلى “المقايضة أو الترجيح” بالأفضلية تلك.

ثالثًا، يجب أن يكون الحب مستقلًا إلى حد ما عن سماتنا. فمثلا من المتوقع أن يحب الآباء أطفالهم “بغض النظر عن كيف تكون ملامحهم”. ينعكس هذا الاستقلال أيضًا في الافتراض بأن يظل الحب ثابتًا في مواجهة التغيير في سمات الحبيب وحتى في مواجهة اكتشاف صفة غير مرحب بها عند الحبيب.

رابعًا، قد تبدو السمات التي يدعي الآخرون أنهم يحبوننا من أجلها غير مهمة نسبيًا لما نحن عليه حقًا. فالشخص الذي يقدّرنا فقط على أساس ملامحنا أو وروح الدعابة لدينا، على سبيل المثال، سيركز انتباهه في المكان الخطأ. (يمكن قول الشيء نفسه عن شخص يتهدد حبه لنا اكتشافه لما يعتبره صفة تافهة.

أخيرًا، فكرة أن الشخص عزيز لأن صفاته تجعله ذو قيمة فريدة لا تتناسب مع تجربة حب شخص ما. لأنه يمكن للمرء أن يحب صديقه دون التفكير في أنه “مناسب” له كصديق أفضل من الآخرين الذين ليسوا أصدقاءه حيث يمكن أن يكونوا كذلك؛ ويمكن للمرء أن يعتز بأطفاله قبل كل شيء، ولكن يظل يعتقد أنهم ليسوا أكثر استحقاقًا للحب من الأطفال الآخرين.

إذن، هناك لغز حول الحب هو: ما هو أساس حب الآخرين لنا إن لم يكن يتعلق بصفات أو خصائص معينة؟

هناك لغز آخر عن الحب يتصل بالعلاقة بين الحب والأخلاق. تتطلب الرؤية الأخلاقية المحايدة أن ينظر الشخص الأخلاقي إلى جميع الأشخاص الآخرين بالقدر نفسه من الأهمية. ومع ذلك، يبدو أن كونك محبوبًا ينطوي على تقديرك أكثر من الآخرين. لذلك قد يبدو أن الشخص الأخلاقي حقًا غير قادر على أن يحب شخصًا ما بصدق، لأن تحيزه لحبيبه سيتعارض مع التزامه بالتفكير والتصرف من وجهة نظر أخلاقية محايدة. أوضح الفيلسوف برنارد ويليامز هذه الصعوبة في قضية رجل يمكنه إنقاذ شخص واحد فقط من بين عدة أشخاص في خطر ويختار إنقاذ زوجته، فقط لأنه يعتقد أنه يجوز في مثل هذه المواقف إنقاذ الزوجة ”.

يبدو أن الحب يلعب دورًا أساسيًا في تعليمنا الأخلاقي على الرغم من هذا الصراع الروحي الواضح بين الحب والأخلاق. لقد تم تعرفنا على الأخلاق من خلال تجربة طفولتنا مع المحبة؛ وقد منحتنا علاقات المحبة مع الأشخاص المقربين والأصدقاء في وقت لاحق من حياتنا وعيًا أعمق واستجابة للاهتمام بالآخرين، بما في ذلك أولئك الذين هم خارج دائرة علاقاتنا. اللغز الثاني إذن هو: كيف يمكن لعاطفة تبدو متعارضة جدًا مع روح الأخلاق المحايدة أن تؤدي هذا الدور؟

يتعامل ديفيد فيليمان، أستاذ الفلسفة في جامعة نيويورك، مع هذه الألغاز حول الحب في عدة مقالات في كتابه ( Self to Self). يتناول الكتاب مفهوم الذات، ذاتنا من وجهة نظرنا في سياقات مختلفة: سياق الذاكرة والسيرة الذاتية والتوقع، حيث نبدو مستمرين مع أنفسنا في الماضي والمستقبل؛ سياق صورتنا الذاتية، حيث نأخذ في الاعتبار دوافع معينة كجزء من “من نحن” أو “ما ندافع عنه”؛ سياق الذات المستقلة حيث نعتبر أفعالنا محكومة من قبلنا؛ وسياق المشاعر مثل العار والحب، حيث نشعر بالخجل من أنفسنا ونريد أن نكون محبوبين لأنفسنا. تثير طبيعة هذه الذوات المتنوعة اهتمام فيليمان النظري، ويستخدم أسئلة عنها كأساس لإثبات الأفكار المستمدة من فلسفة كانط الأخلاقية ونظرية التحليل النفسي وعلم النفس الاجتماعي.

إن ما لفت تفكيري في عاطفة الحب هي الرغبة في أن نكون محبوبين. وقد حاولت فهمها من خلال حالة التنافس بين الأشقاء. إن مسألة التنافس بين الأشقاء هي: كيف يمكن لأبي وأمي أن يحبونني بالطريقة التي أريد أن أكون فيها محبوبًا ويحبون أطفالهم الآخرين أيضًا؟ بالنظر إلى أنني أريد أن أكون أعز بشكل خاص، كيف يمكن أن يكون هناك أبناء بجانبي يتم تقييمهم بالطريقة نفسها ؟ تؤدي هذه الأسئلة إلى التنافس لأني أعتقد أن ما أريده هو نوع من المقارنة الإيجابية مقابل إخوتي، ومن ثم نتنافس جميعًا للحصول على هذا التقييم.

يبدو لي أن هذا مثل مشكلة الصراع المفترض في الروح بين الحب والأخلاق الكانطية. يطرح الفلاسفة الذين يعتقدون أن هناك صراعًا من منظور شخص يريد أن يكون محبوبًا السؤال التالي: كيف يمكن لشخص ما أن يحترم جميع الأشخاص بالقدر نفسه بالطريقة التي تتطلبها الأخلاق الكانطية ولايزال يقدرني بوصفي لي خصوصية بالنسبة له. لأنه إذا كان شخص ما يخشى أن تمنعه الأخلاق من أن يكون محبوبًا بالطريقة التي يريدها، فإن ما يزعجه حقًا هو المقارنة بين جميع الأشخاص بوصفهم متساوين أخلاقياً حيث ستهدد تقييمه على أنه له محبة ومكانة خاصة ومميزة عن الآخرين.

لذلك، ما لم نتمكن من معرفة مسألة التنافس بين الأشقاء، فاذن هناك مشكلة عميقة في الوضع البشري. ولابد أن يكمن حل مشكلة التنافس بين الأشقاء في معرفة سبب عدم إجراء مقارنة، لماذا لا يعتمد حب والديك على رؤيتك أفضل أو أغلى من إخوتك. هذا يعني أننا نتعامل مع أسئلة حول القيمة: ما الذي فيك يجعلك غاليًا ولا يمكن استبدالك بآخرين؟ أي نوع من القيمة يتطلب التقدير في حد ذاته، والابتعاد عن المقارنة بالآخرين؟ أعتقد للإجابة عن هذه الأسئلة، أننا بحاجة إلى فهم فكرة كانط التي تقول: أن الأشخاص، كغايات في حد ذاتها، لديهم قيمة لا تُقاس بالقيم الأخرى، ولا تضاهى أو تقارن مع قيمة الأشخاص الآخرين.

نحتاج لفهم وجهة نظر كانط عن قيمة الأشخاص أولاً، إلى فهم فكرة كانط عن الشخصية. فبالنسبة إلى كانط، إن كونك إنسانًا يعني أن تكون مخلوقًا عقلانيًا، سواء على المستوى المعرفي أو العملي. يقدم فيليمان في كتابه Self to Self، تفسير لهذه الفكرة: إن جزءًا مما يجعل شخصًا ما عقلانيًا هو إمكانية تراجعه عن دوافعه والتفكير فيما يجب فعله. لذلك، على سبيل المثال، عندما يكون الشخص متحيرا بين رغبته في البقاء في السرير ورغبته في الالتزام بنظام التمرين، يمكن للفاعل العقلاني أن يسأل، في هذه الظروف، ما إذا كان الشعور بأن البقاء في الفراش والراحة سبب وجيه كافٍ لعدم ممارسة الرياضة. ليس هذا مجرد سؤال حول هذه المناسبة بالذات، فالأسباب التي تدفعه لاتخاذ القرار سوف تنطبق على جميع المناسبات المماثلة. علاوة على ذلك، لكي يكون هذا قرارًا صحيحا في كل الأوقات، يجب أن ينظر إلى الأمور على أنها ثابته حتى يكون لديه سبب لإعادة النظر. وقد كتبت فيليمان أنه بمجرد أن يدرك الشخص قدرته على تبني هذا النوع من المنظور المستمر لرغباته، فإنه سيكون متحفز بشكل لا مفر منه للقيام بذلك والتصرف بناءً على ما يعتقد أن لديه أكثر الأسباب للقيام به. بعبارة أخرى، سوف ينجذب إلى الاستقلال الذاتي حتمًا.

لكن، كما يوضح فيليمان، تتضمن فكرة كانط عن الشخص شيئًا أكثر من مجرد قدرته واستعدادته لتكوين منظور فردي ثابت ما لديه من سبب للقيام بالفعل؛ حيث تتمتع المخلوقات العقلانية بإمكانية الوصول إلى منظور أكثر شمولاً تمكنها من رؤية أشياء معينة، وترى أن هذه الأشياء كافة المخلوقات العقلانية. فعلى سبيل المثال، ليس فقط الشخص الذي يقوم بالحساب يرى أن مجموع 2 و 2 هو 4 ولكن أي شخص يضيف 2 و 2 سيرى أن المجموع 4. يعتقد كانط أنه مثلما تمتلك جميع الكائنات العقلانية منظورًا مشتركًا للحساب، يمكن أن يكون لديهم منظورا مشتركًا حول ما يمكن اعتباره أسبابًا للفعل من قبل أي فاعل عقلاني. يدعي كانط أن بإمكانهم تبني مثل هذا المنظور من خلال التساؤل عما إذا كانت مبادؤهم للفعل قابلة للتعميم. هذا يعني، السؤال عما إذا كانت أسباب تصرفهم من النوع الذي يمكًنهم من السماح بها للجميع باستمرار واعتبارها صالحة في ظروف مماثلة.

إن التصرف وفقًا لأسباب يمكن أن تكون قابلة للمشاركة عالميًا هو ما اعتبره كانط القانون الأخلاقي أو الواجب الأخلاقي المُلزم أو غير المشروط في جميع الظروف ولا يعتمد على ميول الشخص أو غرضه، ايً تصرف وفقًا لطريقة ثابتة يمكن أن تكون قانونًا عالميًا. كان يعتقد كانط أيضًا أنه بمجرد أن يدرك شخص ما إمكانية التصرف وفقًا للقانون الأخلاقي، فسوف ينجذب إلى القيام بذلك. كان لدى كانط عدة أسباب للتفكير في هذا. إحداها، أن التصرف لأسباب يمكن أن تقبلها جميع الكائنات العقلانية أمر جذاب لأنه طريقة لاستقلالية الشخص، بمعنى أن حكم المرء على ما يعتبر سببًا للفعل يصبح القوة الوحيدة التي تتحكم في أفعاله. يرى كانط أن هذه هي الطريقة الوحيدة لتكون مستقلًا تمامًا. وهناك طريقة أخرى، هي أن يقوم المرء، ومن خلال التصرف لأسباب يمكن للجميع قبولها عقلانيًا، بدوره في إقامة علاقة متناغمة معهم، حيث يمكنهم بعد ذلك تأييد الطرق التي ينظر بها المرء إليهم ويتصرف تجاههم. ومن ثم تنطوي النتيجة المذهلة لتعريف كانط للشخصية بالضرورة على طموح للتصرف بشكل أخلاقي.

 

بقلم/ الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

 

هلال محمد الجهادتفاعلاً مع مقالتي الدكتور عبد الجبار الرفاعي حول (سلطة الفصاحة والنحو)[1]

"يتعين استغلال الفرص العديدة التي يتيحها مجتمع المعرفة لمواجهة التحدي الراهن الذي يفرضه الإفراط المعلوماتي المعاصر، وهو تحد لغوي في المقام الأول، وتفجير الطاقات الكامنة في اللغة العربية". تقرير التنمية الإنسانية العربية، UNPD، 2003، ص 121.

هذا التقرير الذي لم تنتبه السلطات صاحبة القرار في البلدان العربية إلى خطورته ومصيريته في حينه، انتهى إلى هذه النتيجة وهو يدق ناقوس الخطر إلى المصير الذي ينتظر العربية والعرب في عصر الثورة المعلوماتية. بعد سبع عشرة سنة، تبدو هذه الخلاصة متفائلة أكثر من اللازم حين تتحدث عن "تفجير الطاقات الكامنة للغة العربية" لأنها لم تذكر ماهية هذه الطاقات ولا كيفية "تفجيرها"، والأهم هو أنها لم تحدد من سيقوم بالتفجير. هذا التفاؤل يندرج ضمن نظرة العرب المثالية إلى لغتهم، التي تضفي عليها قدسية متوهمة، تجعلها أشرف اللغات وأجملها وأفصحها، بل يشتط البعض في المثالية ليقول إنها ستكون لغة العالم كله في النهاية.

على الطرف النقيض، ومنذ أكثر من قرن، ظهرت الطروحات التي تكشف عن عجز اللغة العربية عن اللحاق بالتطور المعرفي والعلمي في القرن العشرين، وأنها ليست أكثر من لغة دينية- شعرية- خطابية، وأن عليها لذلك التراجع إلى مكانيها الطبيعيين (المسجد والمنبر)، فظهرت دعوات التغريب والفرعنة والأشورة والفينقة إلى آخره.

كلا المنظورين يعكس تطرفًا في النظرة إلى اللغة العربية؛ فالطرف الأول يجعلها لغة مثالية متعالية تعالي القرآن الكريم والحديث وغيرهما من النصوص الدينية المؤسسة لمنظومة الفكر الديني العربي الإسلامي، وبالتالي تتحول إلى لغة منفصلة عن الواقع متعالية حتى على متكلميها، والطرف الثاني يحمّل العربية في ذاتها مسؤولية العجز عن الإنتاج المعرفي ما دام أعرابي محمد عابد الجابري، البدوي الشاعر الخطيب يكمن في أعماقها. لكن هذين التطرفين يعكسان أيضًا أن العربية كانت وما زالت تواجه أزمة مصيرية متفاقمة. لذلك ظهر طرح آخر حاول أن يقدم حلاًّ ما، فذهب إلى الدعوة إلى تخليص اللغة العربية من أعبائها التقليدية وتسهيل قواعدها الكثيرة (لم يذكر أحد كيف سيتم ذلك)، وتفعيلها في متابعة التطورات العلمية والمعرفية عن طريق تعريب العلوم والمعارف الحديثة. لكن هذا الحل -رغم الجهود الكبيرة والمنجزات المتحققة- انتهى إلى التراجع والانكفاء كما يبدو، أمام عجزه عن متابعة التسونامي المعرفي ولاسيما في عصر الثورة المعلوماتية.

لنواجه الواقع: اللغة –أية لغة- لا توجد بمعزل عن متكلميها، وبالتالي قيمتها الحقيقية تأتي من قيمتها في اقتصاديات المعرفة. يحيلنا هذا إلى المبحث الرئيس في فلسفة اللغة المتمثل بعلاقة اللغة بالفكر التي درسها وأكد أهميتها الحاسمة بعض علماء اللغة مثل يوهان هيردر وفيلهلم فون همبولدت وإدوارد سابير وتوشيهيكو إيزوتسو وغيرهم، من أن اللغة تؤثر بعمق في رؤية متكلميها للعالم ومفهمته وبالتالي في تفكيرهم. لكنها من جهة أخرى، إيجابية، هذه العلاقة بين اللغة والفكر ذات أهمية حاسمة في الإبداع الفكري والمعرفي، لأن اللغة حسب مفهوم تشومسكي قدرة متأصلة تتيح للإنسان اداء ما لانهاية له من الجمل اللغوية للتعبير عن أفكاره. هذه الفكرة اهتم بها الظاهراتيون، بدءًا بإدموند هوسرل ثم مارتن هايدجر وجعلوها أساس تطوير اللغة والفكر والتعبير لكن بالمعنى الإبداعي: التعبير يعني الوعي باللغة وممكناتها، والإنسان يعبرّ عندما يجعل اللغة تقول ما لم تكن قالته سابقًا. (موريس ميرلوبونتي، تقريظ الفلسفة، 1983، ص 74- 75).

المشكلة إذن ليست في قواعد النحو العربي وشواذها، ولا في أعرابي الجابري الكامن فيها، ولا في قدسيتها المتوهمة، بل في وعي متكلميها وإرادة المعرفة لديهم. وإذا كانت أزمة اللغة العربية في القرن العشرين عبرت عن نفسها في المراهنة على قدرتها على استيعاب المستجدات المعرفية والتعبير عنها من عدمها، فقد فرض القرن الحادي والعشرين تحديًا جديدًا أكثر خطورة وجدية بكثير، هو قدرتها على المشاركة في إنتاج المعرفة في عصر الثورة المعلوماتية.

"لحاقًا أو انسحاقًا"، هذا هو النداء الذي أطلقه نبيل علي خبير المعلوماتية العربي قبل حوالي ثلاثين سنة، لينبه العرب إلى طبيعة الثورة المعلوماتية المقبلة التي ستكتسح المعرفة التقليدية وتدخل البشر إلى عصر جديد لا حدود لإمكاناته ولا رادّ لتحدياته وضغوطه التي سيفرضها على اللغات المحلية. يبدو أن الرجل مات كمدًا وهو يرى تبدد ندائه في مؤلفاته الأربعة عن العرب وعصر المعلومات بين عامي 1993- 2009، في عراء الإصرار العربي على العزلة والإحجام عن المشاركة الفاعلة في الثورة المعرفية العالمية مما شهدنا مظاهر عديدة له لاحقًا، مثل التراجع الحاد في مؤشرات التنمية المعرفية في العالم العربي على كل المستويات (التعليم الأساسي والعالي والبحث العلمي والنتاج الثقافي)، والأهم هو التأثير المعرفي العربي في العالم. ورغم أن نبيل علي حاول تشخيص مظاهر الأزمة المعرفية العربية من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أنه أولى اللغة اهتمامًا خاصًا بوصفها المكون الأهم في نشوء الأزمة، وبداية الحل الجذري لها. لكن الظاهر أن الأزمة تتفاقم والحل ما زال بعيدًا.

دعمًا لنداء نبيل علي، شاركت في مؤتمر المنظمة العربية للعلوم والتكنولوجيا (دمشق، آذار، 2006) ببحث عنوانه (الطاقة المعرفية العظمى) بينت فيه أن أية محاولة لتوطين التكنولوجيا في العالم العربي وتفعيلها تبدأ وتنتهي باللغة العربية نفسها، وكانت إحدى توصيات البحث تأسيس المجمع العربي الإسلامي لبحوث اللغة وتكنلوجيا المعلومات، يكون من أولوياته إطلاق مشروع حوسبة اللغة العربية بوصفها قائدة لغات العالم الإسلامي. لكنه كان نداء آخر ضاع في واد التجاهل وعدم الوعي بالموجة الكاسحة التي بدأت تغرق كل شيء.

لنواجه الواقع مرة أخرى: تمثل شبكة المعلومات العالمية المظهر الأبرز للثورة المعلوماتية المعاصرة، وتتسابق الشعوب على احتلال أكبر مساحة ممكنة من هذا العالم الافتراضي عن طريق إنتاج المعرفة وتسويقها وبالتالي فرض الهيمنة اللغوية بوصفها أداة للتعبير عن هذا المحتوى. والحقيقة أن ما نشهده عبارة عن ساحة معركة كونية يستميت فيها الجميع من أجل الحفاظ على موطئ قدم على الأقل دائم وقابل للتطوير. قياس نسبة المحتوى العالمي على الإنترنت وتصنيفه لغويًّا وموضوعيًّا أمر يشغل منظمات وجهات عديدة في العالم منذ ما لا يقل عن خمسة عشر عامًا، ذلك لأن هذا المحتوى يعكس تحولاً هائلاً في نمط السلوك المعرفي الإنساني يقارن بالثورة الصناعية التي غيرت تاريخ البشر جذريًّا، وخلال هذه السنين لوحظ أن منتجي المعرفة في العالم المعاصر يتنافسون على مضاعفة نسبة حصتهم من محتوى الإبداعي.

أين العرب والعربية من ذلك؟

مع أن عدد العرب يزيد على 400 مليون حاليًّا، والمتكلمون بالعربية في العالم يزيدون هذا الرقم كثيرًا، فإن نسبة المحتوى العربي الرقمي على شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت) يتراوح حول نسبة  3%،[1] وهذه النسبة على ضآلتها لا تعني أن المحتوى الرقمي العربي يعبر عن اهتمام العرب بالثقافة والبحث العلمي والترجمة والتحليلات النقدية والنصوص الأدبية التي عادة ما تشكل حوالي نصف ما ينتجه العالم المتقدم من المحتويات الرقمية، بل يعكس ظاهرة تسود الواقع العربي عمومًا وهي التبعية والتكرار، فنسبة 80% من هذا المحتوى هي عبارة عن (نسخ ولصق وإعادة نشر ومشاركة)، أي أن النسبة ستنخفض إلى 6. 0%. وإذا أضفنا إلى ذلك الكم الهائل من الصحافة الإلكترونية الصفراء والبروباغندا الإعلامية، والجدل حول قضايا سياسية واجتماعية طائفية عقيمة وتعليقات المجاملة والمتابعة على منصات تويتر وفيسبوك، فسينخفض المحتوى العربي الرقمي الجيد الأصيل إلى أقل من ذلك بكثير.

تكشف موسوعة ويكيبيديا (بوصفها الموقع الأبرز لوجود المحتوى الرقمي العربي الجيد نسبيًّا) عن نسبة مساهمة العرب في النتاج الفكري بلغتهم، حيث تضعنا المقارنة أما حقائق أقل ما يقال عنها أنها صادمة: في الويكيبيديا هناك (2,567,509) مقالة بالإنكليزية، مقابل (77,444) بالعربية، ومع ذلك هناك شعوب عددها أقل من العرب بكثير لكن لديها مقالات أكثر من المقالات العربية (تسلسل المقالات العربية 27 من 40 لغة، وتسبقها مثلاً الأوكرانية (127,309 مقالة) والهنغارية (106,219) والتشيكية (107,973 مقالة) والسلوفاكية (101,135) والفنلندية (179,520) وحتى الكتالانية التي هي مجرد لغة محلية إسبانية (133,214 مقالة).[2] وكل هذه الشعوب لا يبلغ تعدادها تعداد متكلمي العربية في بلد مثل العراق أو السعودية أو الجزائر مثلاً.

تتأصل هذه المشكلة الأساسية مرة أخرى، في علاقة اللغة بالفكر التي تكلم عنها عدد من اللسانيين المحدثين، وينبني على ذلك أن أية لغة تتقدم وتفرض نفسها بمقدار ما ينتجه متكلموها من منتجات فكرية نظرية وتطبيقية، وإذا أخذنا الإسهام في ويكيبيديا معيارًا، فهل يعقل أن ينتج متكلمو الكتالانية الذين لا يزيد عددهم عن أحد عشر مليونًا، مقالات علمية ضعف مما ينتجه العرب مجتمعين؟

هذه الإحصائيات تكشف عن أن العرب أنفسهم يفتقرون إلى إرادة المعرفة والمشاركة الفاعلة في تسويق لغتهم. ولا يرجع السبب في ذلك إلى رؤيتهم للعالم التي أسهمت لغتهم نفسها في مفهمته وبالتالي تأسيس علاقة متكلميها به، ولا إلى نحوها وفصاحتها وبلاغتها الرنانة، بل إلى معوقات الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي العربي ومحدداته التي تنعكس على سوق المعرفة العربي، وتحد من طلب العرب على المعرفة، والامثلة على ذلك كثيرة، منها تردي التعليم الأساسي والجامعي وتحول الأساتذة والباحثين إلى مجرد موظفين قتل الروتين فيهم أية رغبة في التفكير والإبداع، والتراجع المستمر للإنفاق الحكومي العربي على البحث العلمي، والعجز عن استثمار كفاءات خريجي الجامعات وإلقائهم إلى هوة البطالة، والإهمال المتعمد للخطط التنموية الراهنية والمستقبلية، فضلاً عن العجز عن حوسبة اللغة العربية وتوظيفها في سوق المعرفة الرقمية بكفاءة.

هناك عامل آخر يسهم بقوة في تفاقم أزمة العربي في عالم اليوم، فمع ما فرضته العولمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعلوماتية من انفتاح اكتسح الحدود التقليدية، كان رد الفعل العربي يميل إلى العزلة أكثر فأكثر، بذريعة الخوف على الثوابت الدينية والقيم والأخلاقيات المثالية التي يتصور أنه يمتلكها، ولكن النزوع إلى التبرير أفرز نفورًا –على الأقل في الخطاب المعلن- من كل ما يحدث في العالم وتفسيره على أنه محاولة من العالم كله لتهديم آخر المعاقل التي يتحصن بها وهو اللغة العربية نفسها. وفي هذا السياق تأتي التوجهات المحزنة للمنادين بـ "حماية اللغة العربية" بذريعة الخوف عليها من الضياع. هذا الشعور المركّب بالاضطهاد المفضي إلى مزيد من العزلة جعل الواقع العربي يبدو زقاقًا موحشًا في القرية العالمية التي أنشأها عصر المعلومات.

فلو أخذنا واقع الترجمة باعتبارها قناة التفاعل بين الثقافات المتنوعة في العالم وسوقًا لتبادل الإنتاج المعرفي، لوجدنا فقرًا مدقعًا في الإنجاز الترجمي العربي. فعدد ما ينشر من الكتب والمقالات المترجمة في العالم العربي سنويًّا يساوي ما تترجمه ليتوانيا التي يبلغ عدد سكانها أربعة ملايين نسمة. ومجموع ما ترجم إلى العربية من عصر المأمون إلى الآن تقديرًا، يساوي ما تترجمه إسبانيا في سنة واحدة. ومعدل الكتب المترجمة 4 فقط لكل مليون عربي، بينما يصل المعدل إلى مئة ضعف هذا في إسرائيل، وما يقرب من أربعمئة وخمسين كتابًا لكل مليون نسمة في هنغاريا مثلاً. ناهيك عن اليابان التي تترجم إلى لغتها ما يزيد على ثلاثين مليون صفحة كل سنة (تقرير التنمية الإنسانية العربية 2003، ص. 67). بينما يعتمد سوق الترجمة العربي إما على مؤسسات الوجاهة لدى الدول العربية المترفة، أو محاولات فردية لمترجمين تبتزهم دور النشر ولا تدعمهم إلا بالفتات. بينما بعض النقاط المضيئة في هذا الزقاق الموحش (مثل دار المأمون في العراق والمنظمة العربية للترجمة في لبنان) أغلقت أبوابها وانطفأت بعد أن قطعت شوطًا معرفيًّا متقدمًا، إما للتغيرات السياسية العنيفة أو شحة التمويل.

هذه المقارنة تعكس فرقًا جوهريًّا بين الشعوب الحية التي تتعامل مع عصر المعلومات بواقعية وتحاول أن تنافس في سوقه دون خوف على ثوابت أو مثاليات، وبين شعوب أخرى ترفض الاستجابة للواقع الذي أظهر نمطًا جديدًا من الإمبراطوريات والدول هي الإمبراطوريات والدول اللغوية المسلحة بعتاد معرفي متطور كل يوم، وينفتح في الوقت نفسه على ما يستجد لحظة بلحظة.

والحل؟

كثيرة هي المؤتمرات الخاصة باللغة العربية التي تنعقد هنا وهناك وتطرح أوجهًا متنوعة لأزمتها ثم تخرج بتوصيات وحلول نظرية سطحية لا تنفذ إلى جوهر المشكلات والمعوقات والمحددات، والأهم أنها لا تملك سلطة اتخاذ القرار ولا تنفيذه. فتتحول إلى حفلات علاقات عامة باذخة غايتها الترويج الإعلامي لا غير. والمؤسي في الأمر كله أن الأكاديميين العرب من ذوي الأسماء الكبيرة والصغيرة يتسابقون للمشاركة في حفلات الزيف المترفة هذه لعلهم يحظون بشيء من فتات سلطات سياسية وثقافية ليست معنية بالأزمات الطاحنة ومنها أزمة اللغة، التي تسحق العربي المعاصر، بل هي السبب الأول لها.

لا أزعم – ولا يستطيع غيري أن يزعم- أنني أستطيع تقديم حل من أي نوع لما تعانيه لغتنا بسببنا نحن، وبسبب قصورنا عن فهم دورنا في العالم المعلوماتي وفقر بضاعتنا في سوق المعرفة، فعلى امتداد الثلاثين سنة الماضية، كان أكثر من فرصة متاحة لنا لفعل شيء ما، لكن الآن هناك شك كبير في أن تطرق فرصة أخرى أبوابنا المغلقة. لنتذكر فقط أن القضية التي نطمح إليها ليست قضية تسهيل النحو، ولا حل مشاكل الإملاء العربي المعقدة مثل كتابة الهمزة، ولا قل ولا تقل، ولا الخلاص من ركام الطنطنة البلاغية علمًا وتعبيرًا، فليس لأحد في ذاته مهما كانت سلطته أن يصدر قرارًا بذلك ليطبق على الفور، وإنما القضية هي إن كان لدينا نحن العرب الشجاعة لتغيير النظرة إلى لغتنا، من كونها مقدسة ذات علوم (نضجت واحترقت) إلى كونها مجرد أداة للتعبير عن الفكر وتنميته وتحفيزه على الإبداع والتفكير فيما لم يفكر فيه بعد، مهما كان ذلك غريبًا أو صادمًا أو مخلخلاً للثوابت المعتادة الراسخة. ومرة أخرى؛ اللغة العربية مثل غيرها من اللغات، ليست كيانًا مجردًا قائمًا بذاته، بل هي وسيلة إنتاج، وهي لذلك تتطور وتؤثر وتنتشر نتيجة عوامل ذاتية وموضوعية أهمها فعل التفكير الذي يوظفها للتعبير عن منجزات المعرفة. بكلمة أخرى إن قيمة أية لغة تأتي من قدرتها على إنتاج المعرفة في عالم يتسابق إلى فرض الهيمنة اللغوية مصاحبةً للهيمنة المعرفية. وفي هذا السياق لا يبدو أن متكلمي اللغة العربية يعون حقًّا ما الذي يجري في العالم اليوم. ولعل هذه المقالة ربما تساعد قليلاً في الكشف عن شيء يقود إلى إدراك الأزمة والوعي بها بشكل واقعي بعيدًا عن التطرف في المثالية أو التعجيز أو العزلة.

يضاف إلى ذلك عاملان جوهريان سيكونان كفيلين بإعادة الحياة إلى لغتنا:

الأول: هو أن نكف عن خوفنا المزمن من الفلسفة وكرهنا لها، والسعي إلى تشكيل رؤية فلسفية عربية تتعمق في دراسة علاقة اللغة بالوعي الذي ينتجها وبالواقع الذي تؤثر فيه؛ فكل المنجزات في ميدان علم اللغة مثلاً تستند إلى أساس صلب من التفكير الفلسفي والعتاد المصطلحي الذي يحدد المفاهيم الأساسية ويجددها، ودون ذلك يصبح أي كلام في اللغة هشيم تذروه رياح الواقع العنيف.

العامل الثاني: هو المنهج؛ ان على العرب التفكير في إنجاز مشروع التحليل المنهجي الشامل للعلاقة بين منظومة اللغة ومنظومة المجتمع ومنظومة الثقافة. المنهج هو المصباح الذي سيضيء الجوانب المعتمة من أنفسنا وواقعنا ودورنا في عالم المعلوماتية ويكشفها لنا لكي نفهمها ونفهم فقرها وفقر رصيدنا من التفكير المنهجي المنظم وفقر رؤيتنا الفلسفية، وبالتالي ضعف إرادة المعرفة العربية. هذا الذي سيطور لغتنا حقًّا ويغنيها ويعيدها إلى الحياة. وقديمًا قيل: الفقر لا يصنع الثورة؛ الوعي بالفقر هو الذي يصنع الثورة.

 

د. هلال محمد الجهاد

أستاذ الأدب العربي في جامعة الحمدانية في العراق

....................................

* المقالة الأولى للدكتور عبد الجبار الرفاعي منشورة في جريدة الصباح في الخميس بتاريخ 12 تشرين الثاني، 2020 ، والمقالة الثانية حول الموضوع منشورة في جريدة الصباح في الخميس بتاريخ 19 تشرين ثاني 2020.  [1]

[1] https://mawdoo3.com/arcontent/

[2] https://en.wikipedia.org/wiki/Wikipedia:Multilingual_statistics هذه الإحصائيات مأخوذة من موقع ويكيييديا نفسه وفيه تفاصيل: