تمهيد: "من المفيد جدا، بالنسبة لمن يريد بلوغ الحكمة، أن يكون عقله قد انشغل لبعض الوقت بصورة الانسان الشرير والفاسد بشكل جذري"1

لقد ارتبط السؤال عن المنزلة التي تحتلها الحقيقة في المعرفة العلمية في معظم الأوقات بالتصور العام للواقع الذي يتم التعارف عليه من طرف العقل من ناحية والتفسير المنهجي للطبيعة من ناحية أخرى.

لهذا السبب يبدي التساؤل عن الحقيقة الكثير من التحفظ ويضع جملة من المحاذير أمام كل تعميم متسرع وضد الأحكام الفضفاضة والمواقف الإطلاقية ويحصر اهتمامه بالأطر المختصة وضمن الميادين الدقيقة.

لقد ألهم التفكير في الحقيقة العديد من التأملات الفلسفية، وذلك لالتباس هذا المفهوم وعسر التعرف على ماهيتها وكثرة المناهج التي تزعم البحث عنها. إذ يمكن من جهة الحديث عن قضية صحيحة ولكن يمكن في المقابل الحديث عن صدق مضمونها في إشارة إلى صلة المعرفة بين الأشياء والمثل التي تتجه نحوها.

مفارقة الكذاب الذي عندما يقول: أنا أكذب، يكون قد قال الحقيقة، وعندما يقول الحقيقة فإنه يكذب.

لقد تعارض اتجاهان حول تحديد طبيعة الحقيقة، الأول هو الاتجاه الواقعي الذي يعرف الحقيقة بوصفها تطابق الفكر مع الشيء وذلك بوساطة العقل الإلهي بين العقل البشري والعالم الطبيعي، الثاني هو الاتجاه المثالي الذي يعرف الحقيقة سواء من خلال اتفاق العقول أو بواسطة معيار داخلي يوجد فيها ويسمح بأن تكون عنصرا ضمن مجموع من الحقائق الأخرى في علاقة نسقية على المستوى المعرفي والأنطولوجي2.

بعد ذلك لمع بسرعة اتجاه ثالث هو النظرية البراغماتية التي عرفت الحقيقة من خلال النجاح الذي تلاقيه في مجال العمل وتخلصت من المسلمات الضمنية وأرجعت مجال المعرفة إلى ميدان المصلحة والتداول.

لكن ما علاقة الحقيقة بالقيم الأخرى الأخلاقية والجمالية والحيوية؟ هل هي مجرد قيمة بسيطة من ضمن القيم؟ ماهي المنزلة التي تحتلها ضمن تراتبية القيم؟ هل تزرع القيم الأخرى تحتها وتهيمن عليها من خلال مطلب صحة الأحكام التي يصدرها الفكر حولها؟ وما الفرق بين أساس الميتافيزيقا وحكم الأكسيولوجيا؟ وألا يمكن أن يكتفي الفكر بوجهة نظر المنطق ومقاربة نظرية المعرفة ضمن منهاجية الابستيمولوجيا؟

في هذا الصدد يمكن اثارة المشكل الفلسفي على النحو الآتي: بأي معنى يمثل البحث عن الحقيقة محرك التقدم العلمي؟ كيف تخلت العقلانية العلمية عن الخوض في الحقائق الأبدية والمطلقة واكتفت بماهو جزئي ونسبي؟ هل يتعلق الأمر بالحقيقة من جهة الواقع المعطى أم بقيمة الحقيقة من جهة الواقع المبني؟

1- الحقيقة بين التراسل والتروي:

" كل الناس قادرون على التفكير، قليل من الناس من يستطيع إصدار حكما"3

الحقل الدلالي: Veritas , vérité, vrai

لغة: تعود الحقيقة في لسان العرب إلى لفظ الحق والذي يشار به إلى اسم من أسماء الله الحسنى وأحد صفاته، تفيد الصدق وهو ضد الباطل، إن الله هو الموجود حقيقة ومتحقق من جهة وجوده والهيته.

اصطلاحا: الحقيقة هي الثبات والاستقرار والقطع اليقين والصحة والوجوب وضد التجوز والمجاز.

الدلالة الفلسفية: الحقيقة هي مطابقة ما في الأذهان لما في الأعيان، أي اتفاق الحكم العقلي مع الواقع العيني، أي مطابقة الفكر للواقع بعد مطابقة الفكر للفكر، الأولى حقيقة مادية والثانية حقيقة صورية.

المجالات: - الحقيقة المشخصة للمطلق والوجود المفرد للكلي أي عين الذات وجوهرها.

-  الواقع المادي الذي تشير إليه المعرفة والحالة التي تكون عليها الأشياء.

-  ميزة أو طابع أو خاصية ماهو حقيقي بالنسبة القضايا والأشياء على السواء.

بهذا المعنى يطرح مشكل الحقيقة والحق ضمن الوظيفة المعرفية والقدرة التشريعية لمبادئ العقل وفي إطار العلاقة التي تربط القضية بالدلالة اللغوية والأشياء بالمعاني التجريبية التي تتصل بالواقع الخارجي.

الحقيقة المنطقية هي اتفاقconformité الفكر أو اللغة من جهة الذات العارفة مع الموضوع المعروف.

الحقيقة الأنطولوجية تقتضي بلوغ انسجامcorrespondance بين الموضوع المعروف والنمط المثالي.

الحقيقة الجمالية تطلب التعبير الشفاف عن القدرة اللانهائية لدى الكائن البشري والكشف عن الأبعاد المطلقة من الوجود وترجمة الذائقة الفنية في جملة من الإبداعات والآثار التي تعكس العبقرية والالهام.

 

المعايير

critéres : 1- البداهة العقلية evidence تعتبر عند رونيه ديكارت علامة على الحقيقة من جهة وضوحها وتميزها من جهة فردية وبصورة كلية وتتوقف على قدرة الذهن على تمثل الواقع واتخاذ قرار وإصدار الحكم بشأنه.

2- يفرق عمونيال كانط بطريقة منهجية صارمة بين الحقيقة الصوريةverité formelle التي تستوجب انسجاما مع مستوى صورة العبارات وليس مع المضمون والحقيقة الماديةverité materielle التي تقتضي اتفاقا بين الفكر وموضوعه أي مع المضمون الذي توفره التجربة.

1- تعرضت نظرية الانسجام أو الاتفاق إلى مراجعات كثيرة في القرن العشرين من عدة جهات ولم يعد التطابق أو التمثل أو البداهة هي المعايير التي تحدد ماهو حقيقي وتبعده عن كل ماهو كاذب.

جورج مور يرى أن الحقيقة هي الخاصية التي تتقاسمها اعتقادات صحيحة حول الوقائع من خلال قوله: "أن نقول أن اعتقاد معين هو صحيح يعني القول بوجود في الكون واقعة معينة تتفق مع هذا الاعتقاد".

برتراند رسل يجدد التعريف المنطقي ويركز على الخاصية الداخلية للحقيقة من جهة العلاقة والوظيفة وتم ادخال التعدد والنسبية ضمن القول الصادق وصار اللاتحدد أو الاحتمال دافعا نحو نمو الحقائق وتجددها.

كما ركزت البراغماتية مع ديوي وبرس وجايمس على معايير المنفعة والمردودية والنجاح بالتغلب على العراقيل وتحقيق المفيد والمربح للعقل البشري وبالتالي "ماهو حقيقي هو المفيد والناجح في التطبيق".

كارل ماركس يقلب الرؤية من خلال النزول من المجرد إلى الملموس بحيث لم تعد الحقيقة مسألة نظرية وإنما أصبحت معركة ميدانية تدرج ضمن سياسة المعرفة وإستراتيجية السلطة وتتطلب التزام بالتغيير.

الحقيقة عند فريدريك نيتشه هي حكاية رمزية ولا تقتضي الارتباط بالواقع بل تأويل المجاز والاستعارة ولقد كان أول الذين تخلصوا من الحكم على الحقيقة من زاوية الغلط والوهم وقلبوا الأزواج الميتافيزيقية والتيولوجية وأدرجوا القيمة والمعنى ضمن وجود الحقيقة وبحثوا عن الحقيقة الحقيقية ضمن المظهر.

بيد أن مارتن هيدجر يشترط قيام الحقيقة على الحرية ويعتبر اللاّتحجب هو الإمكان الوحيد لتجلي المعنى وأيده سارتر في القول بالطابع الذاتي والمتحرك وقام بالتأسيس الفرداني الوجودي للحقيقة ضمن المجتمع.

في نهاية المطاف نحت كارل بوبر معيار الدحضانية أو قابلية التكذيب ضمن إطار العقلانية النقدية وبعد بروز العقلانية التطبيقية عند غاستون باشلار واعتبارها المعيار الدقيق لامتحان النظريات وفرز الحقيقة4.

لكن بأي معنى تفقد الحقيقة خاصيتها الكلية إذا ما تخلت عن طابعها النسقي والتحمت بالوجود الحر؟ هل يمتلك الإنسان حريته أم يكون وجوده بأسره حرية؟ إلى أي مدى يمكن التربية على الحرية ؟

 

2- الحرية بين القمع والاغتراب:

" الخوف من الإيمان بالقدر هو أيضا قدر .أنت نفسك، أيها القلق هو ربة القدر القاسية ...أنت هي القيود التي يرسف فيها الأقوى، إن مستقبل العالم الإنساني محدد فيك مسبقا ولن يجديك الخوف من نفسك"5

 

الحقل الدلالي:

-  الحرية هي حالة للكائن ونمط وجود يتجلى من خلاله المرء غير خاضع إلا لإرادته وموجود بصورة مستقلة عن كل ضغط خارجي. بطبيعة الحال الإنسان الحر هو الذي يتناقض مع العبد والتابع والخادم والفاقد لكل حقوقه ومقومات إنسانيته. زيادة على ذلك يشعر الإنسان في الحياة اليومية بأنه حر بشكل بديهي ويظل غير مبال بما يجري حوله وغير مكترث بالعالم الخارجي وقد يجد رضاه في هذا الشعور الباطني بالاستقلالية ويسمي هذا الشعور حرية عدم الاكتراث التي يمكن اعتبارها الدرجة الأولى والمستوى الأضعف من الحرية التي يمكن أن يحس بها الإنسان.

كما أن الحرية هي حالة للكائن يمارس فيها الحكم المعرفي والفعل بصورة واعية وسديدة بتعارض مع الجهل والأهواء ويتبع فيها أوامر العقل وبالاهتداء بنور وشروط الحقيقة محققا بصورة تامة وثاقبة ما يأمل في تطابقه مع طبيعته الخاصة.

1- بالمعنى السياسي تتعلق الحريات بمختلف الميادين: الحرية الفيزيائية، حرية التعبير، حرية الوعي، حرية التفكير، الحرية الدينية (حرية المعتقد + حرية الضمير) حيث لا يخضع الفرد في حياته الخاصة لمراقبة الدولة مع احترامه للقوانين المنظمة للحياة العامة. على هذا الأساس أن يكون المرء حرا هو أن ينتمي إلى مؤسسات المدينة ولا يكون عبدا لأهوائه ويظل في الخارج.

2- المعنى الأخلاقي للحرية تتأسس على السيادة الذاتية للإرادة وحكم الإنسان لنفسه بنفسه وقدرته على التحديد الذاتي عند كانط حيث تمثل مسلمة للعقل العملي وترتبط بالشعور بالكرامة واحترام الإنسانية.

3- المعنى الوجودي يجعل من الحرية شرط تكويني للحقيقة الإنسانية وذلك بالانطلاق من أسبقية الوجود على الماهية والإقرار بأن المرء محكوم عليه بأن يكون حرا وأن يستعمل حريته مطلقة في الدفاع على الحرية والاضطلاع بمسؤولية وجده في الكون وفي خلق قيمه الخاصة به والنضال من أجل حرية الآخر.

4- الحرية تتحقق بالعقل عند ديكارت وتتناقض مع الضرورة حسب سبينوزا ومع الأهواء عند أفلاطون، لكنها تمر بالمجتمع عند هوبز والإرادة الطيبة عند كانط وترتقي إلى مفهوم التحرر أو الانعتاق مع العمل عند هيجل والتاريخ وماركس.

في هذا الصدد هل الحرية هي غاية الدولة كما يتمنى سبينوزا أم نهاية التاريخ كما يعتقد هيجل؟

 

خاتمة:

"إن تجرؤ المرء على التعبير عن وجهات نظر تعتبر مخجلة لمن يفكر فيها لهو خطوة جديدة يخطوها نحو استقلاله، حينها يبدأ أصدقاؤه في الشعور بالخوف. لابد للشخص الموهوب أن يجتاز هو الآخر هذه النار وبعد ذلك سيستقل بنفسه بشكل أفضل"6

إذا أراد الإنسان أن يمتلك عقلا فلسفيا بالمعنى الحقيقي للكلمة ويسير بمقتضى الحكمة في وجوده فإنه مطالب بأن يواجه وضعيات صعبة ويقاوم نار الازدراء ويفرط في سوء الظن بالعالم السائد ويجهد نفسه في التغلب على كل ما يعترضه في طريق الحرية ويكتسب رؤية مختلفة للواقع الاجتماعي الذي يحاصره.

من جهة المبدأ تجتمع الحرية والحقيقة في شخصية الفيلسوف وتتلازم المعرفة مع الوجود وتقترن الصفة بالموصوف ولكن من جهة الواقع يخوض الكائن البشري معركة نضالية من أجل انتزاع الحقيقة من بحر الظلمات التجهيلية وافتكاك الحرية من طبقات الميراث وأنظمة القمع السلطوية. بيد أن الفيلسوف الحر هو الذي تتعارض مواقفه مع السلطة والنفوذ والتقاليد وتتأسس على الصراع الشخصي مع الشر والحمق والجهل وعلى التباهي باظهار التواضع والاستمتاع باكتشاف الأشياء، وهو كذلك من يرفض كل افتراض غيبي ويكف عن اختزال الاعتقاد إلى مجرد ظن ولا يثق في أي حقيقة معرفية سوى ما يوفره العقل7.

لا يكون الفيلسوف العميق غريبا عن حاضره وشاردا عن عصره ولا يصير متوحدا ولا يحرم نفسه من التمتع بألحان الحياة وإنما يتميز بالجد في اللعب ويجمع من جهة قناعته بين الحب والعدل ويجرفه القلق المثمر والحذر الناجح ويجعل من عشق الحقيقة مهنة مناسبة ومن عقله الحر إحساسا نبيلا بتدفق الحياة.

خلاصة القول أن الحرية بالمعنى السلبي هي غياب الإكراه والتغلب على القيود وإزالة العوائق. أما في مستواها الايجابي فتفيد الانتصار على الذات وتجاوز النمط الأول من الوجود والاقتدار على الخلق والإبداع والارتقاء بالإنسانية على عوالم غير معهودة وأشكال من الحياة جديدة ورحبة.لكن ربما "يخفي هذا الشعور بالاستقلال لاشعور بالتبعية". لكن " في اللحظة التي يشرع فيها شخص ما في أخذ الفلسفة مأخذ الجد يعتقد كل الناس العكس"8، فمتى يكون الموقف البشري صادرا عن العقل وحده؟ وهل يساهم العلم في ترشيد الفعل البشري؟

 

د. زهير الخويلدي

..................

الاحالات والهوامش:

1نيتشه ( فريدريك)، إنسان مفرط في إنسانيته، كتاب العقول الحرة 1، ترجمة محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، طبعة أولى،1998، ص51.

 2-Voir Robert Blanché, vérité, in Encyclopaedia Universalis, corpus 23, France S.A, 1992.pp459--460

  1. نيتشه ( فريدريك)، إنسان مفرط في إنسانيته، كتاب العقول الحرة 1،مرجع مذكور، ص151.

4- Les Notions philosophiques, Vérité, édition PUF, Paris, 1990, Tome 2, pp2715-2724

  1. نيتشه ( فريدريك)، إنسان مفرط في إنسانيته، كتاب العقول الحرة2، ترجمة محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، طبعة أولى،2001، ص140.
  2. نيتشه ( فريدريك)، إنسان مفرط في إنسانيته، كتاب العقول الحرة1، مرجع مذكور، ص236.

7-Les Notions philosophiques, liberté, édition PUF, Paris, 1990, Tome 1, pp1470-1481.

  1. نيتشه ( فريدريك)، إنسان مفرط في إنسانيته، كتاب العقول الحرة 2، مرجع مذكور، ص108.

 

المراجع والمصادر:

نيتشه ( فريدريك)، إنسان مفرط في إنسانيته، كتاب العقول الحرة 1، ترجمة محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، طبعة أولى،1998، ص51.

 

نيتشه ( فريدريك)، إنسان مفرط في إنسانيته، كتاب العقول الحرة 2، ترجمة محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، طبعة أولى،2001، ص108.

Les Notions philosophiques, Vérité, édition PUF, Paris, 1990, Tome 2, pp2715-2724

Les Notions philosophiques, liberté, édition PUF, Paris, 1990, Tome 1, pp1470-1481.

 

كاتب فلسفي

 

 نيتشه ( فريدريك)، إنسان مفرط في إنسانيته، كتاب العقول الحرة 1، ترجمة محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، طبعة أولى،1998، ص51.

 

Voir Robert Blanché, vérité, in Encyclopaedia Universalis, corpus 23, France S.A, 1992.pp459--460

 نيتشه ( فريدريك)، إنسان مفرط في إنسانيته، كتاب العقول الحرة 1،مرجع مذكور، ص151.

Les Notions philosophiques, Vérité, édition PUF, Paris, 1990, Tome 2, pp2715-2724

 نيتشه ( فريدريك)، إنسان مفرط في إنسانيته، كتاب العقول الحرة2، ترجمة محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، طبعة أولى،2001، ص140.

 نيتشه ( فريدريك)، إنسان مفرط في إنسانيته، كتاب العقول الحرة1، مرجع مذكور، ص236.

Les Notions philosophiques, liberté, édition PUF, Paris, 1990, Tome 1, pp1470-1481.

 نيتشه ( فريدريك)، إنسان مفرط في إنسانيته، كتاب العقول الحرة 2، مرجع مذكور، ص108.

 

هل يمكن للمرء ان يعيش حالة الأصالة Authenticity ؟. قيل لنا "لكي تمتلك ذاتك عليك ان تكون حقيقيا". ولكن ماذا نعني عندما نقول ان شخص ما هو أصلي او شخص حقيقي جدا؟ اصلانية (1) الشخص تُعرّف عادة بكون الشخص صادق وحقيقي مع ذاته ومع الآخرين، يمتلك المصداقية في كلماته وسلوكه ولن يسمح لأي مظهر للتزييف والتظاهر. معنى الأصلانية اذاً يتوضح بمقارنتها مع اللااصلانية inauthenticity تماما كمقارنة الضوء بالظلام . ولكن غياب اي معايير واضحة للحكم على الاصلانية يجعل الحدود بين الاصلي واللااصلي هي غير مؤكدة وغير آمنة.

ان السعي للاصلانية متصل جزئيا بتحقيق بعض معايير الاستقلالية والحرية او الرغبة في ان نكون المصممين المعماريين لحياتنا. الكفاح لأجل الأصالة الفردية يوفر العلاج للظروف الخارجية، وهو الى حد ما يمثل رد فعل للااصلانية السائدة في الحياة الثقافية والدينية والسياسية اليومية. الرغبة بالأصلانية هي ايضا ضرورية لإكتشاف الحقيقة والعثور على الانجاز في الحياة، بجعلها اكثر شمولية ومعنى . وبشكل عام، ان حالة اللااصلانية يمكن ان تكون مصدراً لتوتر عميق، يدفع الناس للسعي ليصبحوا اكثر اصلانية، وفي انسجام مع حياتهم الداخلية والخارجية.

 

تعريفات

الاصلانية هي مفهوم فلسفي يشير الى الذات الاصلية، الحقيقية للوجود الانساني. المفهوم برز من رؤية ان الكائن الانساني يوجد او يعيش بشكل عام بطريقة غير اصلية، وان المعنى الحقيقي للذات وعلاقتها مع الآخرين(بما فيهم الله) قد ضاع. ولكي يتمكن الانسان من استعادة ذاته الاصلية لابد من اعادة فحص راديكالية للسياقات الثقافية واساليب الحياة المعتادة وطرق التفكير.

وفي علم النفس تشير الأصلانية الى محاولة الفرد ليعيش حياته طبقا لحاجاته الداخلية بدلا من طلبات المجتمع او الظروف المبكرة للفرد.

ان نصبح اصلانيين هي مهمة فردية، طالما ان كل فرد له طريقته الخاصة في ان يكون انسانا، وبالتالي فان ما هو اصلي سيكون مختلفا لدى كل فرد. كذلك، الاصالة الفردية تتحدد ضمن سياقها الخاص وتعتمد على مختلف الخصائص الاجتماعية والثقافية والسياسية والدينية. لكن الطبيعة المتفردة لكل فرد تجعل النظر اليه ليس بصيغة منْ هو وانما بصيغة منْ سيكون، وان كون الانسان اصيلا هي عملية مستمرة وليست حدثا. انها تستلزم ليس فقط معرفة الذات وانما ايضا الأعتراف بالآخرين وبالتأثير المتبادل بين الافراد. اذا كان السعي للاصالة الفردية هو فقط لغرض الانجاز الذاتي، عندئذ فانه سيكون فردانيا ومبنيا على الانا، ولكن اذا كانت الاصالة مصحوبة بالوعي بالآخرين والعالم الأوسع، عندئذ ستكون هدفا ذو قيمة.

 

فلسفة الأصالة

ان مفهوم الأصالة جرى استكشافه طوال التاريخ من جانب العديد من الكتّاب بدءً من فلاسفة اليونان القدماء مرورا بمفكري التنوير وصولا الى الوجوديين والمنظرين الاجتماعيين المعاصرين.

فمثلا يمكن اعتبار قول سقراط "الحياة اللامُختبرة لا تستحق العيش" او "اعرف نفسك" محاولة لدفع الآخرين لاكتشاف الذات الاصلية وطريقة الحياة. العائق الاجتماعي لإنجاز الأصالة او (ادراك الذات) جرى التأكيد عليه من جانب جان جاك روسو (1712-78)، الذي جادل بان الاصالة الفردية انحسرت بفعل الحاجة الى احترام الآخرين في مجتمعات تميزت بالتراتبية الهرمية واللامساواة والاعتمادية المتبادلة. طبقا لروسو، الاصلانية تُشتق من الذات الطبيعية بينما اللاصلانية هي نتيجة لتأثيرات خارجية.

 

مارتن هايدجر

الفيلسوف الوجودي مارتن هايدجر(1889-1976) ذكر بان الاصالة هي اختيار طبيعة وجود الانسان وهويته. هو ايضا ربط الاصالة بوعي الاخلاق لأن وعي المرء بموته الحتمي هو فقط من يقود الى حياة اصلية حقيقية. مشروع هايدجر في ادراك هوية المرء ضمن سياق العالم الخارجي و تاثيراته، ينطوي على علاقات معقدة بين الاصالة واللااصالة والذي يعني انهما يجب النظر اليهما ليس كمفهومين متناقضين لبعضهما وانما كمكملين ومستقلين. يرى هايدجر ان كل من الاصالة واللااصالة هما شكلان اساسيان للوجود في العالم و لا يمكن فصلهما.

 

جون بول سارتر

فيلسوف وجودي آخر هو جون بول سارتر (1905-80) أكّد بان هناك جوهر غير متغير للذات، لكننا نمتلك رغبة حرة تسمح لنا بحرية تامة في تقرير حياتنا من بين الخيارات المتوفرة. طبقا لسارتر، الوجود يسبق الجوهر: وبكلمة اخرى، اول منْ يأتي الى الوجود هو الكائن الانساني الذي يستمر في تعريف ذاته، بدلا من المجيء الى الوجود بطبيعة معطاة سلفا. بالنسبة لسارتر، تتطلب الاصلانية تبنّي المسؤولية الكاملة عن حياتنا، وعن الخيارات والافعال. ولذلك، فان القلق الذي ينتج عن ادراكنا لحريتنا والذي لا مهرب منه هو جزء مكمل لحياتنا الاصلية. لكن يجب التأكيد بان حرية الفرد هي مقيدة بالطبيعة والمجتمع بالاضافة الى محددات الافراد ذاتهم وهو ما يسميه سارتر "حقيقتهم" facticity . اما البرت كاموس (1913-60) ادّعى بان الوعي الكامن في الكون والذي لا يهتم بنا ولا يقدم لنا الخلاص يجبر الفرد للاعتراف بان المسار الوحيد للحرية هو ادراك الذات الاصلية. لكي يكون المرء اصليا، يجب ان يكون واع بحماقة عالمه السخيف الخالي من الهدف والاخلاق الموضوعية، وان يخلق معنى للحياة من خلال التمرد ضد هذه السخافة. هذه الاصالة الفردية تبرز من إحتقار أي عزاء خارجي غير وجودي بما يعني ان الفرد يقيم في منفى ابديا مغتربا عن حياته وعالمه و مجتمعه .

غير ان العالم ليس فيه اي ميول خاصة للخير ولا للشر: انه كما هو. لا قيمة حكمية يمكن الحاقها به، حتى عندما لا يصبح للحياة معنى من منظور الانسان.

 

 كير كيجارد

اما كير كيجارد اعتبر الاصلانية تكمن في عثور الفرد على ايمان اصلي وحقيقي له. هو يرى ان الميديا والبرجوازية المسيحية جسّدتا تحديا للفرد الذي يسعى ليعيش اصالته ضمن المجتمع . هو يرى ان تدخّل الكنيسة والميديا أغلق الطريق امام الناس للوصول الى التجارب الحقيقية والى الاصالة والله. ان ثقافة الجماهير قادت لضياع اهمية الفرد، وبدلا من ان تكون الميديا كمساعد للمجتمع في تشكيل افكاره الخاصة نرى المجتمع يستعمل الافكار المصنوعة اعلاميا، فلابد من استعادة الذات الاصلية التي فقدتها الجماهير.

هذه الرؤى الفلسفية حول الاصالة الفردية تتغير، ولكن هناك فكرة مشتركة للاصالة الفردية كعملية ديناميكية لكينونة لا متناهية في عالم و مجتمع متغيرين بدلا من ان تكون حالة ثابتة للوجود. الاصالة وعدم الاصالة لا يجب النظر اليهما كحالتين منفصلتين، وانما كمفهومين ذوي اعتماد متبادل.

 

بعض الاشتراطات الاساسية

ان مفهوم "الاصالة" هو بناء انساني، وبهذا هو لا يمتلك حقيقة مستقلة عن الذهن. ولكن هل الاصالة ممكنة او مرغوبة؟ السؤال ربما مثير للالتباس كونه يتضمن جوابا مطلقا بنعم او لا، ولا يشير الى اي امكانية "لأصالة جزئية". هذا يرشدنا نحو تفسير لمفهوم الاصالة كمطلق، ولكن بشكل عام البحث عن المطلقات هو بلا طائل. لذا دعنا ننظر في بعض الاشياء التي يمكن ان تقيّد الاصالة المطلقة.

البعض يرى ان الاصالة يستحيل تحقيقها طالما ان اي اصالة حقيقية هي مؤقتة ولا يمكن المحافظة عليها الى ما لانهاية. وكما في الهوية، لا يمكن تعريف او قياس الاصالة بما يكفي لأن العديد من خصائص الفرد هي في تغيّر دائم وبلا نقاط اشارية ثابتة.

الافراد يباشرون تغييرات طوال حياتهم بسيل من المشاهدات والتفسيرات، لذا فان الهوية الانسانية هي ديناميكية و متعددة الأبعاد، انها عمل متواصل بدلا من كونها حالة ثابتة. ولذلك، فان اكتساب بعض معايير الاصالة الفردية هو مشروع دائم مدى الحياة لا يمكن تحقيقه ابدا. الاصالة الفردية تستلزم مبادئ ومُثل يُعاد تقييمها باستمرار من خلال اختبار ذاتي وتفاعل اجتماعي، لذا السؤال الاساسي هو منْ سيحكم على شخص ما بالاصالة او عدمها ؟ كيف نستطيع التمييز بين الاصالة الحقيقية وما هو مجرد عرض للاصالة؟ اذا كانت "اصلانية" المرء يتم تعزيزها وتجسيدها وتسليط الضوء عليها فهي اذاً ليست اصلانية حقيقية . الاصلانية لايمكن التصريح بها او اشاعتها بين الناس او تسويقها وبنائها واستبدالها بانواع اخرى من السلع. انها يجب ان يُعبّر عنها بوضوح وبلا تظاهر.

كونك صادق ونزيه تجاه نفسك والآخرين هي عملية ارتباطية متصلة بالعالم الخارجي بالاضافة الى العالم الداخلي للمرء ذاته. ولكن، لكي يتجنب ازعاج الاخرين، يجب على المرء ملاحظة الحاجة لتقييد التعبير عن الاصلانية في مواقف محددة. لهذا ربما يميز احد بين "الاصلانية الداخلية" و "الاصلانية الخارجية". لكي نتجنب تحميل الاخرين بعبء قضايانا الخاصة، نحن عادة نميل لإخفاء شعورنا الحقيقي. الاصالة الحقيقية هي ليست حول تعبير المرء عن ذاته الداخلية بكل ما تحمل من طيف واسع من العواطف المتغيرة في كل المواقف. الوعي الذاتي غير المتحيز في اللحظة الراهنة هو ذو اهمية كبرى، كونه يعزز وضوح الحوار الداخلي ويُضعف الوصول الى الايغو.

ولكن لا يكفي ان تكون صادقا ونزيها . هناك صفات معينة بدونها سيبقى مفهوم "الاصالة الفردية"قشرة فارغة، معرّفة بشكل غامض وبفهم فقير وبدون تلك الصفات سيصبح السعي نحو الاصالة مؤذيا للعلاقات الفردية وللمجتمع. هذه الخصائص الضرورية للاصالة تتضمن طاقات للاختبار الذاتي غير المتحيز ومعرفة ذاتية دقيقة ومسؤولية فردية وحكم معرفي وتواضع وعاطفة لفهم الآخر بالاضافة الى الرغبة للاستماع للتغذية من الآخرين. انجاز الاصالة الفردية يصبح اكثر تعقيدا بوجود الاوهام والتحيزات بما فيها الخداع الذاتي واماني التفكير والنزعة للسلوك المختلف حين يكون المرء تحت المراقبة.

 

اشكاليات الأصالة

من المفارقة ان يكتشف المرء بعض مقاييس الاصالة الفردية ليس عبر تجنب العالم الخارجي، وانما فقط عبر الانغماس فيه، ومع ذلك تتحقق الاصالة عبر مقاومة التاثيرات الخارجية على الادراك الذاتي للمرء. وطالما ان الانسان يعيش في حالة من عدم اليقين، فان الاصالة سيتم اكتشافها فقط في عدم اليقين هذا. وهكذا فان المأزق الآخر هو ان الاصلانية يمكن بلوغها فقط من خلال الانغماس في عدم اليقين، لكن عدم اليقين يمنع اكتشاف الذات الحقيقية، التي بدونها لا يمكن ان تتحقق المعرفة بالاصالة . كذلك، اي اكتشاف موضوعي للذات يكون ممكنا فقط بدون تحيزات واحكام مسبقة – لكننا جميعا لدينا تحيزات و احكام مسبقة، لذلك لا يمكن ابدا لاي اختبار ذاتي مفصّل وطويل ان يكشف تماما عن الهوية الحقيقية ومن ثم عن الاصالة. كذلك يمكن للظروف الصعبة ان تقود الى شك ذاتي وعدم آمان، فالمعرفة الحقيقية يجب ان تضع ذلك في الحسبان. السؤال هو كيف تعرف حقا ان كنت اصليا ام لا؟ لا يمكن للمرء الواعي معرفة ما اذا كان اصليا اثناء حياته اليومية. ولكن من جهة اخرى، المعرفة الذاتية التامة مستحيلة: لا يمكن للفرد استكشاف كامل الشبكة المعقدة للوعي الانساني. لأن العمليات الادراكية مثل التصور والتحليل والجزء الاكبر من محتوى الذاكرة هي غير متاحة للاطلاع الواعي. النزعة هي لملأ الفجوات بين المعروف واللامعروف بالحقائق المعروفة والافكار حول الشخص لكي يعطي وصفا منسجما . وبالتالي فان الاختبار الذاتي قد يقود الى تصور ذاتي غير دقيق. ان مقدرة الذهن الانساني على فحص كميات كبيرة من المعلومات او المظاهر المتعددة لموضوع معين هي محدودة وتقود مرة اخرى الى فهم غير كامل او الى تجسيد خاطئ لما يُشاهد ويُمارس. المعرفة الانسانية تبقى دائما غير تامة ومؤقتة، ولكن مع ذلك، بدون الوعي الكامل لا يمكن الحصول على اي اصالة تامة، لذا ستكون الاصالة في اية لحظة جزئية فقط. كذلك، سيكون هناك تزامن في الهويات المتعددة للفرد بالاعتماد على الادوار التي يقوم بها في المجتمع بما في ذلك الهويات الفردية والمهنية والثقافية والقومية والدينية. التغيرات في ديناميكيات الهوية تكون معقدة ولا يمكن التنبؤ بها مع التغيرات في المجتمع والاقتصاد والسياسة. هذه العوامل تجعل اي اكتشاف غير غامض للهوية الفردية تحديا صعبا خاصة عندما تكون التحليلات مبسطة او حين يحصل تجاهل للعلاقات المتبادلة المعقدة لمختلف العناصر. هذا يقود الى وهم في فهم الهوية الفردية ومن ثم الى وهم مماثل في الاصالة. ترتكز الاحكام الانسانية والمواقف على تفسيرات للواقع اكثر من ان تكون معتمدة على تفسيرات الواقع ذاته. ان حدود التصور الانساني والافكار والمعرفة الذاتية هي جزء من المشكلة الرئيسية للاصالة الفردية. لا احد يمكنه الوصول الى معرفة ذاتية تامة، معرفة هي ذاتها تُعرّف ويُعاد تعريفها باستمرار على اساس فهم جديد مقابل خلفية العالم ومتطلباته.

 

مشكلة اللغة

عامل محدد آخر للسعي نحو الاصالة يتصل باللغة المستخدمة المعرّضة لسوء الفهم حيث ان الكلمات واللغة ليسا كافيين للتعبير عن الطيف التام لأفكار المرء ومشاعره. الاستعارات والمجازات وايحاءات ورموز اللغة هي المصدر الكبير لسوء الفهم. كذلك، الكلمات والأبنية هي عادة ما تكون غامضة وتحمل اكثر من معنى. لا توجد لغة واضحة تماما تحمل مطابقة مباشرة بين الكلمات والتجربة . ان التحول في افكار الفرد وتصوراته حول نفسه قد لا تكون دائما شمولية، لذا فان تعبير الافراد عن انفسهم في اللغة قد لا يكون منسجما. ايضا اللغة التي تصف الاصالة هي ذاتها ربما تكون اعتباطية وغير واضحة وعادة تستخدم كلمات غامضة مثل "حقيقي"، "واقعي"، "اصلي"، ذات"، "طبيعي". الاتصالات الاصلية تعتمد على قدرة الافراد على تمييز ماهو حقيقي لأنفسهم، وعلى كفاية اللغة في التعبير عن افكارهم، لذا فان قيود اللغة والتفسيرات والتعبير تمنع بناء علاقات اصلية بين الافراد. في مثل هذه الاتصالات لا يتضح ما اذا كانت الاصالة او عدم الاصالة في التفاعلات تعود الى الظروف ام الى اللغة او الموضوع او الى المشاركين وتصوراتهم وتفسيراتهم.

مأزق الثابت والمتغير

مأزق آخر في الاصالة الفردية يتصل بحقيقة ان معظم الصفات الفردية تتغير بمرور الزمن، لكن الاصالة الفردية يُتوقع ان تجسد بعض معايير الانسجام . هذا التناقض الواضح يستلزم تلبية متطلبات كل من التغيير والثبات. وبكلمة اخرى، اذا كانت هوية الفرد تتطور باستمرار، فكيف يمكن للمرء تمييز واكتشاف معنى الاصالة الفردية اثناء حياته؟ ان قيمة الاصالة لا تكمن في استمراريتها وانما في تطورها المتواصل طوال حياة الفرد.

إشكالات اخرى

عوامل اخرى ربما تمنع تطور اصالة الفرد من بينها النقص في فهم الاصالة، البرمجة المسبقة للفرد، الخوف من الرفض والفشل، الضغوط الاجتماعية للامتثال لكي يعيش اصليا. في هذه الحالات، يحاول الفرد اولا السعي لاظهار افضل وجه لديه والتعبير عما هو متوقع منه لكي يمكن النظر اليه بشكل افضل. في عدة مواقف، ربما يتطلب التعاون مع الآخرين بعض التكيّف، اي بعض التسويات غير الاصلية. كون الفرد تحت ملاحظة وفحص مستمرين فهو قد يجسّد اصلانية في افضل الاحوال ولكن ذلك يكون مستحيلا في اسوأ الاحوال. وهكذا، لا يستطيع السياسيون ان يكونوا اصليين طالما هم دائما عليهم الظهور بمظهر الثقة وبلا عيوب بدلا من الظهور بمظهر الشك وهشاشة المصداقية . السياسيون هم على منصة مسرح الحياة حيث يتوجب عليهم اداء فنهم في اقناع وإسعاد جماعات الناس من مختلف القيم والطموحات والعقائد والاحلام والحاجات. لذا، في ميدان السياسة، تصعب المحافظة على الاصالة رغم ان السياسيين يسعون لإبداء مقدرة في التفكير الذاتي والرغبة بضمان الانسجام بين افعالهم ومبادئهم، وبهذا هم ربما قادرين على انجاز الاصلانية في بعض المواقف. مع ذلك، تتوقع الجماهير من السياسيين الوفاء بوعودهم وان العامل الاساسي دائما هو تحقيق الازدهار وتوفير الوظائف والأمن، وبهذا تتراجع الاصالة الى المرتبة الثانية ضمن الاهتمامات الاخرى.

ان محاولة انجاز الاصالة الفردية تزداد سوءا بفعل التقدم التكنلوجي الذي يغمر تصورات الفرد بأوهام الواقع، كالتلفزيون. تكنلوجيا اخرى هي الواقع الافتراضي. الاستخدام السائد للواقع الافتراضي يؤدي بالنهاية الى صعوبة التمييز بين التجربة والواقع الافتراضي وهو ما يفاقم ميول الانسان اللامتناهية للخداع الذاتي والانطباع الزائف. عموما، يرتبط مستقبل التجربة الانسانية بنشوء التكنلوجيات المعززة، بما فيها الذاكرة وتقنيات تعزيز الادراك. الاتحاد بين الانسان والماكنة ربما يجعل من الضروري ايجاد تعاريف جديدة لماهية الكائن الانساني، وخلق مشاكل جديدة متصلة بطبيعة الانسان وهويته، وطبيعة المجتمع ومعنى الوجود والاصالة الانسانية.

اذا كانت الحياة فنا، كما في اي شكل فني آخر، فان المرء يمكنه الاقتراب من الكمال لكنه لايستطيع ابدا الوصول اليه. ان هناك منْ لا يشقى في الاصالة الفردية ابدا، البعض الآخر يكتشفها في افعال محددة، وهناك آخرون يكافحون للاقتراب منها في مجالات الحياة والفن، ولكنهم نادرا ما يصلون اليها .

 

.............................

المصادر

(1) The Limits of Authenticity, philosophy Now, issue 92

(2) RSA (الجمعية الملكية لتشجيع الفنون والتصنيع والتجارة)، عدد حزيران 2010.

(3) Wikipedia, The free Encyclopedia

 

..............................................

الهوامش

(1) استخدمنا تعبير (اصلانية) ان صح تمييزا عن مفهوم (الاصولية ) الدينية او السياسية. الموضوع هنا فلسفي ذاتي يتعلق بوجود الانسان ذاته قبل ان يكون نظرية سياسية او دينية مرتبطة بزمان ومكان معينين.

 

 

 

hatam hamidmohsinكان الشيء الأبرز في التاريخ الاقتصادي هو بداية الايمان المتزايد والمستمر بقوى التغيير الكبرى والمكانة الاجتماعية وفضائل المعرفة المفيدة. لولا ذلك الصعود المستمر في التقنيات الجديدة المرتكزة على الفهم الجيد للعمليات الطبيعية،ما كان بإمكان النمو ان يستمر.

من كتاب (الثقافة والنمو،ص 267-268) للكاتب جول موكر(1).

كتب المؤرخ الاقتصادي جول موكر عملا هاما حول ديناميكية الثورة الصناعية. احتوى الكتاب على عدة افكار مترابطة وهامة:

1- ان النمو الاقتصادي المستديم يتطلب ابتكارات مستمرة تدمج الاكتشافات العلمية مع التقنيات التطبيقية.

2- عملية النمو تتم عبر آليات التغذية الايجابية. الابتكارات الجديدة تعزز الظروف المادية،والظروف المادية الجيدة تعزز التحسينات المؤسسية. هذه التحسينات المؤسسية بدورها تعجّل من اكتساب ونشر المعرفة. المزيد من المعرفة بدوره يعطي دفعا لإبتكارات جديدة.

3- غير ان عملية النمو هي ايضا عرضة لآليات التغذية السلبية.

هناك تصادم مالتيسي (نسبة الى مالتس) بين الزيادة في السكان وتناقص المردود الانتاجي، مثال على ذلك الحوافز المتزايدة  للصيد . اخيرا،نجد هناك مقاومة من اولئك  الذين تعتمد مكانتهم على دورهم كمدافعين عن الحكمة التقليدية.

4- في اوربا الغربية في الفترة بين عام 1500 و 1800 ،برزت حركة فكرية بلغت من القوة ما يكفي للتغلب على جمود الحكمة التقليدية. الخوف من الخروج عن المألوف جرى استبداله بالاعجاب بالتقدم في العلوم والظروف المادية.

القضية الاساسية في جميع الحقول التي تدرس المجتمع الانساني،بما فيها الاقتصاد،هي الدور النسبي للظروف المادية مقابل الانسان كقوة سببية. العديد من الكتاب يركزون على الظروف المادية. فمثلا،هذه الرؤية يمكن ملاحظتها في الكتاب الشهير لجارد دايموند (Gun, Germs, and steel). اولئك الذين يقفون على الجانب الاخر من النقاش ،بما فيهم موكير،يمنحون استحقاقا عاليا للعوامل اللامادية ولاسيما الافكار والثقافة.

يلاحظ المؤلف ان مصطلح "ثقافة"يتخذ عدة معاني. ولكي يكون اكثر دقة ،هو يعرض تعريفه المفضل للثقافة:

الثقافة هي مجموعة من المعتقدات والقيم والافضليات ،القادرة على التأثير على السلوك،والتي تنتقل اجتماعيا(وليس وراثيا) ويتم تقاسمها بين بعض جماعات المجتمع(ص8).

يجادل موكر ان جماعات المجتمع التي طورت في الاساس ثقافة قادت الى الثورة الصناعية كانت نسبيا من النخبة الصغيرة التي جمعت بين الفضول الفكري و الاهتمامات التطبيقية. الفصل الأهم والأطول في الكتاب جاء تحت عنوان "المنافسة وجمهورية الرسائل"(2).

.. جمهورية الرسائل التي بدأت في الظهور في اوربا اثناء الرحلات الكبرى وبلغت ذروتها في عصر التنوير كانت من أعظم وأهم التطورات المؤسسية التي تفسر القفزة النوعية في الآداء الاقتصادي الموجّه تكنلوجيا والذي بشرت به الثورة الصناعية (ص222).

كانت جمهورية الرسائل تمثل شبكة من العلماء والخبراء من مختلف القوميات . احدى اهم القيم لديهم كان "العلم المنفتح" open science وهو ما يعني انهم اتفقوا على ان الاكتشافات يجب ان تُنشر وتُناقش. وبدلا من المنافسة على اساس المعرفة الخاصة ،جرت المنافسة بينهم لأجل المكانة المرتكزة على مساهماتهم في المعرفة المتوفرة لعامة الناس.

... ان النمو في العلم المنفتح كمبدأ مؤسسي مركزي للعالم الفكري لبدايات اوربا الحديثة كان سمة طارئة،ونتيجة لا مقصودة لظاهرة مختلفة:المتخصصون كانوا يحاولون بناء سمعة لهم بين زملائهم(ص183).

لقيت جمهورية الرسائل دعما من قطاع الطباعة وشبكات البريد المطورة حديثا اكثر من الدعم الذي حصلت عليه من المؤسسات القائمة.

.... معظم الجامعات كانت تميل للمحافظة وحماية المعرفة الراسخة، وهو ما قيّد من قدرتها في نقل المعتقدات الثقافية للنخبة(ص189).

لا مفر للمرء من التساؤل عن المدى الذي يمكن ان تستمر به الجامعات في لعب هذا الدور،مع وجود الانترنيت الشبيه المعاصر لقطاع الطباعة  وشبكات البريد.

يقول الكاتب ان روح ومناخ جمهورية الرسائل خلق سوقا مفتوحا للافكار. المشاركون في السوق الجديد كان عليهم استبدال بؤرة الاهتمام الرئيسي في الحكمة التقليدية بمعايير جديدة للافكار الحاكمة.

... الرياضيات كانت الاكثر اهمية من بين الحقول كونها كانت قابلة للتطبيق .. صلاحية المعلومات التجريبية تكمن في تلك المجالات التي فيها التجارب ممكنة،وجمع وتصنيف المشاهدات التجريبية يتم حيثما لاتعمل اي من  الاتجاهات الاخرى (ص 190).

يعترف المؤلف بالفضل الكبير لفرنسيس باكون واسحق نيوتن لما لعباه من دور هام في نشوء جمهورية الرسائل. باكون غرس لدى المفكرين الايمان بالتحسين المادي من خلال تراكم المعرفة المفيدة. نيوتن اعلن بوضوح ان العلم يمكن ان يتقدم الى ما وراء حكمة القدماء.

غير ان المؤلف يتراجع حول القصة المادية.

... الاساس في نجاح اوربا كان حسن حظها في الظروف التي جمعت التجزئة السياسية مع الوحدة الثقافية(ص215).

بدون وحدة ثقافية يستحيل نشر الافكار وتحفيز التطور الناجم من التبادل بين تلك الافكار. بدون التجزئة السياسية، وفقا للكاتب ،سيكون من السهل جدا للقوى الرجعية كبح الافكار الجديدة. وبسبب التجزئة،سيسعى المتمرد فكريا  دائما لطلب اللجوء او الدعم من دولة اوربية اخرى.

ومع ان العديد من الافراد من مختلف الدول الاوربية شاركوا في جمهورية الرسائل،لكن بريطانيا العظمى شهدت اول واقوى انطلاقة صناعية.تفسير المؤلف لهذا ورد ضمن فصل آخر بعنوان "البروتستانتية والاستثناء البريطاني". هو يرى ان البروتستانت والافراد المتشابهين ذهنيا حملوا مشعل رؤية باكون التقدمية للعلم النفعي بما مكّنهم من التأثير عميقا في الارض البريطانية.

 يرى الكاتب ان الصين لم تكن قادرة ابدا على الحفاظ على الحركة الثقافية مقارنة بجمهورية الرسائل. انها لم تستطع التغلب على التشبث بالتقاليد المندغمة بنظام ادارتها العامة للامتحانات الذي يضع اهتماما كبيرا في مقدرة الطلاب على تذكّر الحكمة القديمة.

.... تكونت النخبة mandarinate في الصين من افراد خضعوا طوعا لتلقين ديني شديد من جانب الايديولوجية الارثودكسية. هذه النصوص الغير قابلة للشك والنقد بقيت خط الدفاع الصلب امام جهود المخترعين... وحتى حلول القرن التاسع عشر ما كان بامكاننا العثور على علماء يرغبون بنبذ القيم والمعتقدات التي تطورت منذ الاف السنين وفق رؤية "الحقائق المؤكدة" proven facts(ص305).

يؤكد الكاتب بانه قبل عام 1500 كانت اوربا اكثر استعدادا من الصين في رحلة التقدم الاقتصادي المرتكزة على الابتكارات والعلوم. المفكرون في القرون الوسطى كانوا معزولين عن العالم المادي وغير راغبين في مسائلة الحكمة القديمة. هم لم يكونوا مهتمين بالعمل مع الوسائل والابتكارات الجديدة. باكون ونيوتن ساعدا في خلق المناخ الفكري الجديد،وبالتالي فان ظروف الثورة الصناعية تكون قد خُلقت.

هناك افكار اخرى حول الثورة الصناعية. في مراجعته لكتاب مايروس في Nature ،يشير الاقتصادي براد بلونك الى انه يفضل رؤية مؤرخ اقتصادي آخر وهو روبرت آلن.

... وفقا لرؤية آلن،فان الطريق الوحيد للنمو الاقتصادي الحديث يتطلب مجموعة من العناصر لم تكن مجتمعة في بريطانيا من قبل. من بين هذه العناصر الاجور العالية المصممة امبرياليا ،فحم رخيص قريب من شبكة قنوات النقل،وخطوط تجارية مفتوحة تسمح بالتوسع الكبير في تصدير المنسوجات .

ان الجدل الشائك حول الدور الخلاق للعوامل المادية والعوامل اللامحسوسة لا يمكن تسويته بسهولة. هناك الكثير مما يسميه جيمس مانزي بـ"الكثافة السببية" causal density (3) ،حيث لانزال نرى صعوبة في القبول بان الفحم والقنوات وشبكة التجارة كافية للشروع بفترة طويلة من النمو السريع.

قبل اربعين سنة ،حذّر المؤرخ الاقتصادي Charles kindleberger طلابه بعدم الكتابة عن الثورة الصناعية،حيث لم يعد هذا العمل مجديا كونها قد استُنزفت،غير ان هذا ليس هو واقع الحال ،فهناك العديد من الاعمال الهامة ظهرت في السنوات الاخيرة، وكتاب جول موكر (ثقافة النمو) هو خصيصا من بين تلك الاعمال التي تستحق الثناء .

Ideas and Economic growth, Library of Economics and Liberty, January, 2017

 

.............................

الهوامش

(1) كتاب ثقافة النمو: اصول الاقتصاد الحديث للكاتب جول موكر،صدر عن مطبوعات جامعة برنستون،2016.

(2) جمهورية الرسائل هي جماعة فكرية نشأت في اوربا وامريكا في القرنين السابع والثامن عشر. ساهمت هذه الجماعة في تعزيز الاتصالات بين المثقفين في عصر التنوير او بين الفلسفات كما اعلن عن ذلك في فرنسا. ضمت الحركة في صفوفها الاكاديميين والمثقفين والادباء،امتدت الى ما وراء الحدود القومية مع اعترافها بالاختلافات في اللغة والثقافة. هذه الجماعة العابرة للحدود شكّلت الاساس لجمهورية ميتافيزيقية. ونظرا للقيود المفروضة على المرأة كان اغلب اعضاء الجماعة من الرجال.الرسائل كانت تُكتب باليد،والمراسلة بين المفكرين كانت تتم من مسافات بعيدة. يؤكد المؤرخون  على اهمية جمهورية الرسائل وتأثيرها الكبير على التنوير.

(3) اول من استخدم مفهوم "الكثافة السببية"هو جيمس مانزي. هو يذكر لو انك تدرس مدار احد الكواكب،تستطيع الافتراض ان هناك سبب هام واحد فقط لحركة الكوكب وهو الجاذبية، الكثافة السببية هنا قليلة. في مجال الطب، هناك العديد من الاشياء المثيرة للقلق،مع ان اكثر المشاكل يمكن تعقّبها وبهذا فان الكثافة السببية تكون معتدلة. اما في الشؤون الانسانية،هناك الكثير من الاسباب لكل شيء،هناك اسباب للاسباب،والاسباب عادة تتفاعل بطرق معقدة،فتكون الكثافة السببية عالية جدا،الامر الذي يعني من الصعب بمكان التأكد من حساب كل شيء. لا يهم مدى التعقيد في الوسيلة الاحصائية المستعملة، الاحتمال يظل قائما بان شيء ما لم يؤخذ بالحسبان بقي مختفيا،فتذهب جميع جهودنا هباءاً.

   

zouhair khouildi"إن الوعي المصاحب لجميع الحالات الشعورية هو أساس الهوية الشخصية"1

إذا كانت مسألة الهوية هي ما يسمح بالقول عن شيء معين أنه يظل نفسه فإن هذا المعطى يُقال ويُدرَك ويُتَصور على أنحاء عدة ويتحدد من جملة من الشروط والعوامل والوضعيات.

على هذا النحو توجد هوية اسمية لكل الأشياء المحسوسة التي يتم تصور موضوعاته من طرف الجمهور، لكن كل واحد من الناس يحوز على أفكاره الخاصة حول هذه الأشياء والمواضيع وقد يشار إلى نفس الشيء بأفكار متباينة ويعبر مصطلح واحد عن أشياء مختلفة.

لهذا السبب تتخطى قضية الهوية المجال المنطقي والمعرفي الذي يقتضي التطابق والتماثل وتظل حبيسة مبدأ الهُوهُو وتتنزل ضمن مجال كوني وتستلزم نحت دلالة وجودية وتختص بالاستمرار وتحفظ الكيان.

لقد نقد جورج باركلي المفهوم المجرد للهوية واعتبره صادر عن معنى الترادف المتداول في الحياة اليومية وناتج عن هوية عددية ترجع إدراكيا إلى المنظور المشترك للتجارب الحسية.

إذا كان المفهوم الفلسفي للهوية مجرد وغير مفهوم ويفضي الى مفاهيم التفرد في مادة الأشياء والتخصص في رسم حدود الأفكار وظل مجال اختلاف وعدم اتفاق بين الفلاسفة أنفسهم فإن الاقتراب من التجربة وإثارة مشكل هوية الأشخاص هو الطريق المضمون بغية بلوغ الغاية.

لكن من أين يأتي للمرء الاعتقاد بأنه لم يعد نفس الكائن نفسه وبأن هويته في طور الضياع؟

يعود الفضل إلى جون لوك في إعادة النظر في مفهوم الهوية خارج الدائرة المنطقية وفي قلب الباطنية الإنسانية وفي إثارة المفارقات التي تهز محاولة كل ذات ثبت هويتها بنفسها2.

لقد كان المشكل التقليدي للهوية الشخصية يتضمن مسألتين:

- الأولى تتعلق بمعرفة ما يكونه شخص ما من جهة التعريف وكذلك من جهة بعد وجوده في العالم الطبيعي وما يمثله من زاوية التجربة التاريخية والسيرة الذاتية التي راكمها حول نفسه.

- الثانية تدور حول معرفة الشروط التي من خلالها يمكن لشخص ما أن يكون مطابقا لذاته أو لشخص آخر في لحظتين مختلفتين من الزمن.

لهذا السبب أجرى لوك تحليلا على مفهوم الشخص من حيث هو مفهوم الوجود الواعي الذي حصل على أفكاره الخاصة وإدراكاته في مستوى الشخص الأول أو الأنا بطريقة انعكاسية، وكشف بأن الوعي هو معيار أو شرط كافي وضروري لكي تتشكل به الهوية الشخصية. وبالتالي يكفي أن يكون المرء واعيا بوجوده الشخصي وبوجود شخص آخر حتى يتسنى له الإقرار بأنه يطابق الشخص عينه.

بيد أن لوك يضيف أمرا آخر حينما يقوم باستدعاء الذاكرة معتبرا إياها معيارا حاسما في عملية تشكل الهوية الشخصية، ويبرهن على ذلك بالإشارة إلى أن الوعي لا يكون وعيا بالحالة الحاضرة وإنما يتصل أيضا بالحالات الماضية التي كان عليها الشخص.

 من تبعات ذلك قيام جون لوك برفض فكرتين بديهيتين:

- تتعلق الأولى برفض فكرة أن يكون الشخص أو الأنا جوهرا غير مادي أو روحانيا ، وبالتالي ينفي أن يمثل عنصرا بسيطا يمثل مرجعية كل أفكارنا بالنسبة للشخص الأول.

- تشير الثانية إلى استبعاده أن تكون هوية الشخص مستندة بصورة أساسية على هوية الحيوان وعلى جوهر فيزيائي أو بيولوجي وينتصر إلى استقلالية هوية الكائن البشري.

هكذا ترتكز هوية الشخص حسب جون لوك بصورة حصرية على الوعي أو الذاكرة التي تمتلكها عن ذاتها ، بعبارة أخرى تتحدد وفق معيار بسيكولوجي وليس معيارا فيزيائيا.

 في الواقع لا سبيل عند لوك إلى التمييز بين طبيعة أو هوية الشخص ومعيار الهوية الشخصية أي الوعي أو الذاكرة ، وبالنتيجة ليس ثمة معطى تكويني للشخص وهويته غير الاتصال الذاكريcontinuité mémorielle والحضور التام من الوعي في الوجود .

غير أن موقع جون لوك حسب القراءات المعاصرة يظل يتنزل ضمن النزعة الاختزالية للهوية الشخصية بما أنه بقي يدور ضمن صعوبات جمة وتناقضات لا مخرج له منها.

- إذا ارتبط معيار الهوية بالذاكرة فإن شخص ما فقد الوعي بحدث ماضي ينتهي إلى الانقطاع عن وجوده الشخصي ويتحول إلى شخص مغاير أو يعود طفلا من جديد.

- دائرة المعيار الذاكري بالنسبة إلى الهوية الشخصية وذلك بالوقوع في الخلط بين الذاكرة والذكرى وذلك حينما تسلم الذات بهوية شخصية لم تكن قد شكلتها.

لقد كشف بول ريكور على مفارقات الهوية الشخصية التي تشل التقدم وبين أنها تعلمتها الفلسفة ذات اللغة الأنجليزية والثقافة التحليلية عند جون لوك3 عندما حفظت المعادلة بين الهوية الشخصية والذاكرة وأدخلت الفكرة الغريبة عن التنوع4 ضمن تطابق الشيء مع ذاته وأقر بالنظرة الداخلية دون الوقوع في الجوهرانية وإحلال الذاتية الموضع الذي كانت تتصدره العينية واستخلص بأن الهوية تأتي نتيجة علاقة تحافظ فيها الذاكرة على الدوام والاستمرارية والوفاء للذات بالرغم من تفكك بين الهوية والتطابق بتغير الزمان والمكان . غير أن" لوك لم يثر الحيرة الكبرى على مستوى تماسك حجته ، لقد سجل التقليد الفلسفي لصالحه اختراعه لمعيار الهوية هو معيار الهوية النفسانية وقد أصبح من بعدئذ باستطاعتنا أن نعارضه بمعيار الهوية الجسدية... حيث يسود دوام التنظيم يمكن ملاحظته من الخارج"5

على هذا الأساس، ألم يكشف عندئذ جون لوك دون أن يقصد الطابع المستعصي لسؤال الهوية في حد ذاته؟

لا يمكن طرح مشكل الهوية في علاقة بالإرادة من حيث هي جوهر للنفس ولا يجوز الاقتصار على شغل الوعي الراهن والممكن وإنما يجدر بالمرء البحث عنها مسار متشعب والمراهنة عليها بوصفها فرضية لازمة بالنسبة للحياة الأخلاقية والدينية تستحق الثناء والثواب عن فعل الخير وإتيان الحسن وتحملها مسؤولية عاقبة الأفعال الشريرة التي اقترفتها.

 كما يشير مفهوم الهوية إلى العمل الذي تقوم به الذات بالاعتماد على السرد عبر تاريخها الفاعل والمعذب قصد تكوين صورة عن النفس ذاتها تشكل الأرضية القصصية لإثبات إنيتها.

لقد نتج عن إعادة التشكيل ذاك أن تصير الذات قادرة على إثبات ذاتها من حيث هي تروي قصة حياتها للآخر، وتسمح للآخر بأن يتوسط في ثبت هويتها عبر روايته لقصة حياتها. لقد حاول بول ريكور بلورة تناول جديد لمسالة الهوية من خلال مقاربة تأويلية للذات تجمع بين فنومينولوجيا الذاكرة إيتيقا الاعتراف وتنطلق من تحليلات جون لوك لمفهوم الهوية الشخصية في كتابه محاولة فلسفية تتعلق بالذهن البشري وتعتمد ترجمة من الانجليزية قام بها أتيان باليبار سماها "الهوية والاختلاف" وتتحرك ضمن الخط الذي دشنه أفلاطون في محاورة "السوفسطائي" ويصل إلى مقال مارتن هيدجر المعنون "الهوية والاختلاف" وكتاب جيل دولوز المسمى "الفرق والمعاودة".

يكمن طرافة هذا الشغل في إعطاء المكانة الرئيسية في عملية ثبت الهوية إلى الاعتراف الذي تمنحه الذات إلى ذاتها ومثلما يجري ذلك ضمن عناصر الذهن. ولقد ترتب عن ذلك أن جهود كل من كانط وفيخته وهيجل وهوسرل لا تكون ممكنة إلا بالتمسك بجون لوك ضمن الاتجاه التجريبي والطبيعي والابتعاد عن المرجعية الديكارتية التي تظل تتحرك ضمن سياق ميثي.

لقد أعاد بول ريكور في كل من "عين الذات غيرا" و"الذاكرة ، التاريخ، النسيان" قراءة النص الذي صاغه جون لوك على ضوء الترجمة الجديدة التي أنجزها أتيان باليبار من الأنجليزية إلى الفرنسية معتبرا إياه المحاور الأول الذي يجدر العودة اليه واعتماد التدقيق الذي قام به حول لفظ Mind بالنظر إلى تعامله مع الهوية الشخصية بوصفها هوية زمانية بالمعنى الخاص للكلمة وبحكم ربطه التاريخي بين الهوية الإنسانية والظاهرة الذاكرية دون أن يقوم بتقديم تأويل شامل لفلسفته في أبعادها الابستيمولوجية والأخلاقية والسياسية6.

 في هذا الصدد جعل ريكور التساؤل عن الهوية يطرح ضمن العلاقة التمثلية الحاضرة للأبعاد الماضية وأدخل لوك إلى قلب المقاربة التأويلية وأدخل الذاكرة إلى باطنية الوعي، ولقد قام بتحريك مفهوم الهوية المنحدر من جون لوك ضمن دائرة الشخص من جهة ذاكرته، واعتمد على مفهوم الصورة الموروث عن أفلاطون وأرسطو والذي يشير إلى حضور شيء غائب بملاحظته من الداخل ضمن تصور واحدي للهوية وتمثل معرفي للماضي الحاضر.

لقد أثمر التدقيق الايتيمولوجي التي قام به إتيان باليبار للنص الذي كان لوك قد أنتجه إعادة قراءة له بعيون هرمينوطيقية قامت بتحليل مفصل وعميق لتكوين مفهوم الوعي ولمسألة النفسSelf ووظيفة الذهن Mindأفضت إلى إضافة جون لوك إلى قائمة فلاسفة الوعي الذين صوبوا النظر إلى الذات من جهة الداخل وواحد من الذين شيدوا أرضية قيام فلسفة الذهنPhilosophy of mind وعدم الاكتفاء بالنظر إليه من الزاوية التجريبية التي جرت العادة لدى مؤرخي الفلسفة أن ينظروا اليه منها .

لقد سبق لباليبار أن كتب عن الهوية الشخصية والوعي بالذات في محاولة جون لوك7 مقالا في العدد الرابع من مجلة الميتافيزيقا والأخلاق سنة 1995 وكان قد شارك في يوم دراسي سنة 1992 نظمه مركز تاريخ أنساق الفكر المعاصر في جامعة باريس 1 تحت إشراف كل من بوتو وبلوخ بمداخلة جاء عنوانها كما يلي: إبداع الوعي ، ديكارت ولوك وكوست والآخرون"8.

لقد أدى التدقيق في المعرفة الإنسانية ورسم حدود لملكاتها بواسطة تاريخ أصل الأفكار وقيمة الأحكام المتشكلة من خلالها إلى إعادة إدراك موضوع التجربة خارج إطار ميتافيزيقا الجوهر وعملية طرح الذات التي شيدها الكوجيتو في تأسيسه لذاته وداخل إطار الجمع بين الاعتراف بالذات بواسطة الذات وتحريك ملكة الذاكرة في خدمة طموح بناء الهوية الذاتية.

بيد أن الكشف عن وجود تباين بين تطابقية الهوية وهشاشة الذاكرة التي يداهمها النسيان يسمح بالتفكير في معالجة مسألة الوعي بالذات ضمن حضور الغير بواسطة الشهادة والقص. لقد فرق بول ريكور في كتابه "عين الذات غيرا" بين الهوية التطابقية mêmeté والهوية الذاتية ipséité، ورأى أن العلاقة بين هذين البعدين من الهوية تجري أثناء حدوث التاريخ المروي . لهذا برهن على ذلك بتأكيده أن الهوية التطابقية هي الجزء الذي لا يتغير البتة ويظل كماهو ويمثل الطبع، بينما الهوية الذاتية هي الجزء الآخر من أنفسها ذاتها الذي يتطور نتيجة التغيرات التي يعرفها بمرور الزمن ويمثل الإمساك بالذات واستمراريتها. لقد انتبه بول ريكور إلى تأثير الزمن في تغيير الهوية وكشف عن أهمية تشكيل الهوية السردية تطبيقيا في المجالات التربوية والعيادية والسياسية، وضرب أمثلة على ذلك مثل تواريخ الذات وقصصها المعيشة ومقاربات السير الذاتية وأيضا تجارب التواصل في الحياة السياسية وما تقتضيه عملية الاتصال بالجماهير من تشغيل لآلة صناعة الرأي العام والتلاعب بالعقول وتقديم السياسيين في هيئة زعماء ومناضلين وملهمين. علاوة على ذلك تحيل هذه المقاربات السردية إلى مخططات تساعد الفاعلين على اكتساب مهارات وانجاز مشاريع مهنية في اهتماماتهم بالحياة العامة ومشاركتهم الآخرين ومرافقتهم لعدة شخصيات ويدور ذلك سواء في مجال النشاط الاجتماعي أو ضمن عمل الباحثين في العلوم الإنسانية. 

لقد أدى استثمار السرد في الحياة السياسية إلى جعل السياسة تقنية لصناعة التواريخ وتشكيل العقول وتحويل مهمة رجل السياسة إلى سارد ماهر يستطيع أن يلبس السياسة صورة مهرجان ضخم من حكاية التواريخ بحيث يلعب الإعلام في ذات الوقت دور المؤثر والملهي. هكذا يتحول مفهوم الهوية السردية إلى شرط الإمكان الفهم العميق والفعل الحصيف للإنسان.

جملة القول أن بول ريكور اتبع في مساره الفكري نحو وضع مفهوم جديد للهوية ضمن إشكالية الاعتراف في كتبه "عين الذات غيرا"1990 و"الذاكرة ،التاريخ ، النسيان"2000 و"مسار الاعتراف" 2004، الأفق الذي فتحته قراءاته المعمقة لفلسفة جون لوك على ضوء الترجمة الجديدة التي بلورها أتيان باليبار لكتاب الهوية والاختلاف سنة 1998 وما أظهرته من كيفيات في تنزيل مسألة الهوية الشخصية ضمن منظورية فنومينولوجيا الذاكرة9. بهذا المعنى منح بول ريكور لنظرية جون لوك حول المعنى الزمني للهوية مكانة مفضلة في تطور هرمينوطيقا الذات وانطلق منها للتساؤل بصورة رئيسية حول القدرة التي يمتلكها شخص معين من أجل بلورة علاقة مع ذاته عينها ضمن تجربة نظر من الداخل وحاجته إلى تدخل الغير من المرآة العاكسة وطلب تحقيق الاعتراف المتبادل معه معرفيا وإيتيقيا.

لقد جعل بول ريكور من الوساطة السردية المفتاح الذي يمكن استعماله بغية الخروج من المراوحة بين الهوية التطابقية والهوية الذاتية وتحقيق جدلية بين الإنية والغيرية تعيد تعريف الذات من زاوية حضورها المتجسد في العالم ولقائها التوليدي مع الأغيار عبر مرآة النص.

اللافت للنظر أن شارلز تايلور قد أبان أيضا عن أهمية الأنا المحدد moi ponctuelعند لوك لما حاول إصلاح الذات الديكارتية غير الملتزمة بجعلها تنظر إلى ذاتها من الداخل10.

بهذا المعنى يتراوح مطلب الهوية بين عرض الذات من حيث هي منجزة في وسط ثقافي مستقر وكذلك من جهة كونها متشكلة ضمن تجليات رمزية يمكن ملاحظتها بوضوح من الخارج وبين تأويل للعالم يقوم بتنظيم المعيش بواسطة تمثلات، ويتأرجح وجودها بين أن تكون مجرد قوقعة جوهرانية فارغة تعتنق أوهام اعتقادية متعالية وأن تكون ثمرة حوار تفاعلي وخصب بين فاعلين اجتماعيين يحملون مشاريع حضارية ضمن مؤسسات متنافسة.

هكذا يرتكز المنظور الإجرائي للهوية على مسار بنائي للشأن الاجتماعي في تنظيم تعاوني ضمن أفق تشاركي بين الأفراد والمجموعات يحققون فيه التواصل بين مشاريعهم المشتركة وطموحاتهم الفردية ويبلورون استراتيجياتهم في سياق تطوير الهوية المؤسساتية وإبرام مصالحات بين المتغير والمستمر، وبين الخصوصي والكوني، وبين التباين والتعايش.

لكن متى تتحول الهوية من قضية خلافية وفضاء نزاعي وخطاب حربي إلى ملتقى جامع وأرضية مشتركة وكتلة تاريخية للفعل الحصيف الذي يؤلف بين عناصر لامتناهية التعقيد؟

 

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

......................

الهوامش والإحالات:

1- Locke (Jean), Essay, II, 27, 15, Traduit par Coste, « Car que l’âme (soul) d’un Prince , accompagnée d’un sentiment intérieur (consciousness) de la vie de Prince qu’il a déjà menée dans le monde, vint à entrer dans le corps d’un Savetier, aussitôt que l’âme de ce pauvre homme aurait abandonné son corps, chacun voit que ce serait la même personne que le Prince, uniquement responsable des actions qu’elle aurait faites étant Prince ».

2- Engel (Pascal), introduction à la philosophie de l’esprit, édition de la découverte, Paris, 1994, pp161-164.

3- أنظر ريكور (بول)، الذات عينها كآخر، ترجمة جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، طبعة أولى، 2005، صص،268-270.

4- Voir Locke (John) , Identité et différence, l’invention de la conscience, édition seuil, Paris, 1998.

5- ريكور (بول)، الذات عينها كآخر، مرجع مذكور، ص270

6- Voir Monseau (Nicola), l’identité entre phénoménologie de la mémoire et éthique de la reconnaissance selon Paul Ricœur, in Revue Philosophique de Louvain ,n°4, novembre 2007,pp678-705 .

7- Balibar (Etienne), Identité et conscience de soi dans l’Essai de Locke, dans Revue de Métaphysique et de Morale, n°4, 1995, pp455-456.

8- Balibar (Etienne), l’invention de la conscience. Descartes, Locke, Coste et les autres, dans traduire les philosophes. Actes des Journées d’études organisées en 1992, par le Centre d’histoire des systèmes de Pensée Moderne de l’université de Paris, I, (U.F.R de philosophie), sous la direction de J. Moutaux et O. Bloch, Paris, Publications de la Sorbonne, pp.287-299.

9- Voir Locke (Jean), Identité et différence. L’invention de la conscience, présentée, traduit et commenté par Etienne Balibar, édition du seuil, Paris, collection Points, 1998.

10- Taylor (Charles), les sources du moi, la formation de l’identité moderne, traduit de l’anglais par Charlotte Melancon, éditions du seuil, Paris, 1998 , pp211-232.

 

المصادر والمراجع:

ريكور (بول)، الذات عينها كآخر، ترجمة جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، طبعة أولى، 2005،

Locke (Jean), Identité et différence. L’invention de la conscience, présentée, traduit et commenté par Etienne Balibar, édition du seuil, Paris, collection Points, 1998.

Taylor (Charles), les sources du moi, la formation de l’identité moderne, traduit de l’anglais par Charlotte Melancon, éditions du seuil, Paris, 1998 ,

Engel (Pascal), introduction à la philosophie de l’esprit, édition de la découverte, Paris, 1994

Actes des Journées d’études organisées en 1992, par le Centre d’histoire des systèmes de Pensée Moderne de l’université de Paris, I, (U.F.R de philosophie), sous la direction de J. Moutaux et O. Bloch, Paris, Publications de la Sorbonne,

Revue Philosophique de Louvain , n°4, novembre 2007.

 

hatam hamidmohsinاعتمد الفيلسوف البريطاني بنثام جيرمي (1832-1748) الخطوات التالية لإثبات نظريته الاخلاقية القائمة على محصلة او نتيجة الفعل.

1- الطبيعة وضعت البشرية تحت هيمنة عنصرين سياديين وهما الألم والمتعة.هذان العنصران هما وحدهما يقرران ويشيران الى ما يجب علينا القيام به. فمن جهة، هما يحددان معايير الصح والخطأ،ومن جهة اخرى نجد سلسلة الاسباب والنتائج مرتبطة بإحكام بعرشهما. انهما يحكماننا بكل ما نعمل وبكل ما نقول وما نفكر: اي محاولة نقوم به لتجاهل خضوعنا لهذين العنصرين سوف لن تؤدي الاّ لتأكيد ذلك الخضوع. وبكلمة اخرى،قد يتظاهر الانسان  بانكار سيطرتهما عليه لكنه في الواقع  سيبقى عرضة لهما في كل الأوقات.

ان "مبدأ المنفعة" يعترف بهذا الخضوع،ويفترضه كأساس لذلك النظام،الذي يهدف لبناء اطار للسعادة من خلال العقل والقانون.

ان الانظمة التي تحاول مسائلة ذلك المبدأ انما تتعامل باصوات  بدلا من المعنى،بالهوى بدلا من العقل،بالظلام  بدلا من الضياء.

لكننا لندع جانبا المجاز واللغة الخطابية لأن علم الاخلاق لا يمكن تحسينه بمثل هذه الوسائل.

2- ان مبدأ المنفعة هو الاساس في العمل الحالي. لذلك سيكون من الملائم من البداية ان نعطي تفسيرا واضحا وصريحا لما نعني به. نقصد بمبدأ المنفعة هو المبدأ الذي يؤكد صواب كل فعل مهما كان،طبقا لما يترتب على ذلك الفعل من زيادة او نقصان في سعادة الطرف صاحب الشأن . و بكلمة اخرى،هو المبدأ الذي يعزز او يكبح السعادة. عندما نقول كل فعل مهما كان ،ذلك يعني ليس فقط اي فعل للفرد الخاص وانما ايضا اي فعل للحكومة.

3- المقصود بالمنفعة هي ميل الأشياء لخلق فائدة،متعة،خير،سعادة، او منع حدوث اي ضرر او ألم او شر او لاسعادة للطرف صاحب الشأن. اذا كان ذلك الطرف جماعة بشكل عام عندئذ تكون السعادة للجماعة، واذا كان الطرف فرد معين فالسعادة المقصودة هنا هي سعادة الفرد.

4- ان مصلحة الجماعة هي من اكثر التعبيرات العامة التي تحدث في اطار الاخلاق. لاغرابة من ضياع او التباس معنى الجماعة احيانا. عندما يكون لها معنى،فهو ان الجماعة هيئة مؤلفة من افراد يكونون اعضاء لتلك الهيئة. مصلحة الجماعة اذاً هي مجموع مصالح الافراد المكونين لها.

5- انه من العبث الحديث عن مصلحة الجماعة دون فهم ماهية مصلحة الفرد. يقال ان الشيء الذي يعزز مصلحة الفرد،هو الذي يميل لزيادة المجموع الكلي لمتعته،او يميل لتقليل المجموع الكلي لألمه.

6- الفعل اذاً يقال ملائم لمبدأ المنفعة (المتعلق بالجماعة ككل) عندما يكون ميله لزيادة سعادة الجماعة اكبر من ميله لخفضها.

7- وبنفس الطريقة ، فعل الحكومة (الذي هو نوع معين من الفعل يقوم به فرد معين او افراد معينين) يقال ملائم او ممتثل لمبدأ المنفعة عندما يكون ميله لزيادة سعادة الجماعة اكبر من ميله لتقليلها.

8- عندما يُفترض ان فعل او اجراء معين للحكومة ممتثل لمبدأ المنفعة،فسيكون من الملائم لأغراض النقاش تصوّر نوع من القانون يسمى قانون المنفعة ،ونتحدث عن الفعل قيد السؤال باعتباره ممتثلا لهذا القانون.

9- الانسان ربما يقال مناصرا لمبدأ المنفعة عندما تكون موافقته او عدم موافقته لأي فعل او لأي اجراء،تتقرر وتتناسب مع النزعة التي يتصورها عن الفعل في زيادة او انقاص سعادة الجماعة. بمعنى اخر،تتقرر بمدى امتثال الفعل او عدم امتثاله لقانون المنفعة.

10- الفعل الخاضع لمبدأ المنفعة هو الفعل الذي يقال دائما اما ينبغي القيام به ،او على الاقل ليس من الخطأ وجوب القيام به. اي ان الفعل الصحيح هو على الأقل ليس الفعل الخاطئ. التفسير بهذا الشكل،يجعل هناك معنى لكلمات "ينبغي" ، "صحيح" ، "خطأ"،بينما التفسير بطريقة اخرى سوف لن يجعل لها معنى.

11- هل ان صوابية هذا المبدأ جرى تفنيدها منطقيا؟ ربما حصل ذلك من جانب افراد لا يدركون ما يعنون. هل هو مبدأ قابل لأي برهان مباشر؟ انه لا يبدو كذلك،لأن ما يُستخدم لإثبات اي شيء آخر لا يمكن اثباته هو ذاته. سلسلة الإثباتات يجب ان تكون لها بداية في مكان ما. إعطاء مثل هذا البرهان هو مستحيل بقدر ماهو غير ضروري .

12-  ان الكائن الانساني،حتى اولئك الحمقى والفاسدين،وفي معظم مناسبات حياتهم لم يكن امامهم الاّ الاحتكام لهذا المبدأ. وبحكم التركيب الطبيعي للانسان،فانه عموما وفي اغلب مناسبات حياته يحتضن هذا المبدا بدون التفكير فيه سواء في ترتيب اعماله الخاصة او تلك المتعلقة بالآخرين. وفي نفس الوقت ،كان اغلب الاذكياء يميلون لإعتناق المبدأ خالصا بدون تحفظ. وهناك البعض منْ لم يدخل في جدال مع المبدأ اما لأنهم لايفهمون كيفية تطبيقه او لأنهم منحازون او يخشون من اختباره،او لأنهم لايطيقون التخلي عنه.

13- عندما يحاول الانسان رفض مبدأ المنفعة او الاشتباك معه،فهو انما يقوم بذلك لأسباب تنطلق من المبدأ ذاته دون ان يكون واع بها.  لو أثبت بجداله صحة اي شيء،فهو لا يثبت ان المبدأ خاطئ،وانما يكشف عن سوء تطبيق المبدأ وفقا  للتطبيقات التي هو يَفترض القيام بها . هل بإمكان الانسان تحريك الارض؟ اذا اراد ذلك يجب عليه اولاً ان يجد ارضا اخرى يقف عليها.

14- ان نفي خاصية المبدأ عبر الجدال هو مستحيل،ولكن من زاوية الأسباب التي ذكرناها،او من جهة بعض وجهات النظر الملتبسة او الجزئية عنه،فان الانسان ربما يميل لعدم القبول به. في هذه الحالة،اذا كان هو يعتقد بان الوصول الى قناعة بمثل هذا الموضوع تستحق بذل العناء،دعه يأخذ الخطوات التالية،فهو ربما يصل الى تلك القناعة في هذا المبدأ.

(1)- دعه يقرر ما اذا كان يرغب بنبذ المبدأ كليا،وهنا، عليه ان يتأمل ماذا سيعني تفكيره هذا(خاصة في مسائل السياسة)؟

(2)- اذا كان يرغب بترك المبدأ ، دعه يقرر مع نفسه ،ما اذا كان يريد ان يحكم ويتصرف بدون اي مبدأ،او ان هناك مبدأ آخر يحتكم له ويتصرف طبقا له؟

(3)- اذا كان بالفعل وجد مبدأ آخر، عليه ان يختبر ويُقنع نفسه ما اذا كان المبدأ الذي وجده هو حقا مبدأ معقول و منفصل،ام انه مجرد مبدأ من كلمات،او نوع من العبارة التي لاتعبّر اكثر او اقل من إثبات عواطفه التي تفتقر الى اساس ، وهو ما يُسمى بالنزوة او الميل للهوى.

(4)- اذا كان  يميل للاعتقاد بان قبوله او رفضه لفكرة الفعل بدون اي اعتبار لنتائجه،هو اساس كافي له للحكم والتصرف ، دعه يسأل نفسه ان كانت عواطفه هي معيار للصح والخطا فيما يتعلق باي انسان آخر، ام ان عاطفة كل انسان آخر لها نفس الامتياز في ان تكون معيارا لذاتها؟

(5)- اذا كنا في الحالة الاولى (مبدأ التصرف بدون النظر في العواقب)،دعه يسأل نفسه ما اذا كان مبدأه ليس استبداديا ومعاديا لكل الناس الآخرين من الجنس الانساني؟

(6)- اما في الحالة الثانية ،لنسأل الا توجد هناك  حالة فوضوية ،الا توجد العديد من مختلف معايير الخطأ والصواب التي تتعدد  بتعدد الناس ؟ وحتى بالنسبة لنفس الانسان اليس ذات الشيء الصحيح اليوم لا يكون خاطئا غدا؟ وهل الشيء ذاته الا يكون صحيحا و خاطئا في نفس المكان والزمان؟وفي كل الاحوال،هل هناك نهاية للجدال ، حتى عندما يقول شخصان "انا احب هذا" و "انا لا احبه"،فهل سيكون لديهما اي شيء آخر يقولانه تجاه هذا المبدأ ؟

(7)- اذا قال لنفسه لا ، وان العاطفة التي يقترحها كمعيار يجب ان تتاسس على التفكير، دعه يقول اي سمات يرتكز عليها هذا التفكير؟اذا كان التفكير يرتكز على سمات  ذات علاقة بمنفعة الفعل،عندئذ دعه يقول ان كان هذا لا يتعارض مع مبدأه الخاص به،وانه لا يضطر لطلب المساعدة من مبدأ آخر مضاد لما يؤمن به. اما اذا لم يرتكز التفكير على تلك السمات فما هي السمات الاخرى التي يرتكز عليها؟

(8)- اذا كان هو يتبنّى مبدأه الخاص به جزئيا ومبدأ المنفعة في جزء آخر ، دعه يقول ما مقدار تبنّيه له؟

(9)- عندما يصل الى قناعة مع ذاته وحيث سيتوقف عن الجدال، ليسأل نفسه كيف يبرر لذاته ما تبنّاه حتى الآن؟ ولماذا لا يتبنّى غير ذلك؟

(10)- الاعتراف بان اي مبدأ آخر ملائم غير مبدأ المنفعة ،هو اعتراف  بان كلمة "ملائم" يمكن ان يكون لها معنى بدون الاشارة للمنفعة، هنا دعه يقول ما اذا كان هناك اي حافز آخر لدى الانسان يتصرف بموجبه: اذا كان هناك مثل هذا الحافز،ليقل ماهو ذلك الحافز وكيف يمكن تمييزه عن تلك الحوافز التي تفرض مبدأ المنفعة. اذا كان الجواب بالنفي ولا يوجد لديه حافز آخر، عندئذ ليقل اخيرا ما هو الشيء الجيد الذي يتحقق له من اعتناق ذلك المبدأ الآخر (الذي هو غير مبدأ المنفعة)؟

من الفصل الاول من كتاب بنثام جيرمي (مدخل لمبادئ الاخلاق والتشريعات)

 

...............................

ملاحظة: كتاب بنثام جيرمي (An Introduction to the principles of morals and Legislation)،صدر اول مرة عام 1789. الكتاب برز من اصوله التاريخية في البحث عن المتعة كمحاولة علمية لتقييم المحتوى الاخلاقي للفعل الانساني عبر التركيز على محصلة الفعل و نتائجه.

 

hatam hamidmohsinان الفلسفة القديمة للحديقة (1) يراها البعض تقدّم جوابا مدهشا لتحديات العالم المعاصر.

كانت الايبوقورية اول فلسفة عالمية "خضراء"تأسست على يد الفيلسوف اليوناني القديم ابيقور عام 307 قبل الميلاد. وحينما لجأ الناس الى الفلسفات العلاجية القديمة، او الى فنون الحياة،  اتجهوا نحو الرواقية لطلب المساعدة. غير ان الايبوقورية التي تصر على اننا نتعلم لنكون سعداء بالقليل، هي احسن علاج لحالات القلق الشائعة.

كانت الايبوقورية تعاني من سوء الفهم  لأكثر من الفي سنة. واليوم تُعتبر الايبوقورية كشكل من النقد لأنماط الاستهلاك السائدة. ايبوقور (341-270 قبل الميلاد) أقام مدرسته في حديقته الخاصة. اعضاء المدرسة الذين اتّبعوه تبنّوا مبدأ اللذة كمرشد لهم: الهدف من الحياة هو بلوغ اقصى اللذة. لكنهم ادركوا ان اللذة ليست تحقيق الرغبة بقدر ما هي السيطرة الرشيدة عليها.تأكيد ايبيقور كان على المتعة الذهنية وليس المتعة الفيزيقية،  فهو يرى ان منْ تأكل معه هو اكثر اهمية من الطعام ذاته. الرغبات المفتعلة وغير الضرورية يجب كبحها، واذا كان التعليم والثقافة والحضارة والمشاركة الاجتماعية والسياسية تطلق العنان للرغبات التي يصعب اشباعها وتقود الى اضطراب في ذهن المرء، فهي لابد من كبحها. يرى ايبيقور ان أغنى المتعة هو التحرر من المعاناة."هو أصر بان "المقصود بالمتعة هو غياب الألم في الجسم والقلق في الروح".

يرى ايبيقور ان الهدف من المعرفة هو تخليص الانسان من الخوف، هذا الخوف على نوعين هما الخوف من الالهة والخوف من الموت.

يعتقد ايبيقور، ان للروح القلقة سببان رئيسيان هما الخوف من الموت والرغبات الخارجة عن السيطرة. هو حاول نبذ الاول عبر رفض المعتقدات الاسطورية الخارقة للطبيعة. لا شيء هناك يدعو للخوف من الموت، لأنك عندما تكون حي فان الموت سيكون في مكان آخر، وعندما تكون ميت فانت سوف لن تكون هناك. اذاً حالما يتم طرد الخوف اللاعقلاني للموت فان الايبوقوري يستطيع التعامل مع هذه الحياة المحدودة.وكما بالنسبة للرغبة، تنصح الايبوقورية بميول قريبة جدا من بساطة الزهد الشرقية. فهي ترى ضرورة رفض السعي وراء المتع غير الضرورية للاحاسيس المتجددة والمزيد من الأملاك، وبدلا من ذلك يمكن ان نجد المتعة العميقة في الاشياء البسيطة. لذا لا توجد هناك منافسات في الطبخ في حديقة ايبيقور القديمة،  ولا تذوّق للخمر اليوناني الشهير. الوجبات الغذائية كانت مشتركة، رغم ان الملكية ليست كذلك. ايبيقور ذاته كان مقتنعا بالماء والخبز وشيء من الجبن الجاف. واثناء الحصار المفروض على اثينا احتفظ ايبيقور لجاليته بمخزن للفاصوليا.

مقاطع مكتوبة وُضعت على مدخل حديقة ايبيقور تشي بشيء من روحه السامية:

الراعي والقائم بضيافة هذا المكان، وحيث تجد متعة الخير الأسمى، سيقدم لك كيكا مجانا وماءا نقيا . هذه الحديقة سوف لن تثير شهيتك لتذوّق الفن وانما ستشبعها بمكافئات الطبيعة.الا ستكون ضيفا سعيدا؟".

 

فلسفة ايبيقور

الايبيقوريون يرون ان الفضيلة ذاتها لا قيمة لها، وهي تكون مفيدة فقط عندما تكون وسيلة لنيل السعادة.الفضيلة مطلوبة ليست لأنها مفروضة دينيا او انها نبيلة بطبيعتها وانما لأنها مفيدة للانسان.ايبيقور اعتبر الزواج تهديدا لصفاء الذهن ولذا هو امتنع عن الزواج مع انه لم يفرض تحريمه على اتباعه. الايبيقوريون اعتقدوا بوجود الآلهة لكنهم اعتقدوا ان الالهة مكونة من ذرات مثل اي شيء آخر، ولذلك وبسبب ان الآلهة بعيدة عن اي اهتمام في الارض فلا معنى للصلاة لها او التضحية لأجلها. فالآلهة لم يخلقوا الكون ولن يمنحوا المكافأة او يفرضوا العقوبة على اي شخص.

احدى الوصايا الرئيسية للايبيقوريين هي ان يعيش المرء مجهولا، وهذا كان في تضاد مع الافكار القديمة في البحث عن المجد والشهرة.الايبيقوريون رفضوا فكرة الحياة بعد الموت كما رفضوا الخشية من الموت، لأن الانسان في رأيهم اذا كان حيا فهو موجود،  بينما الموت عدم لأنه لم يأت بعد، وعندما يموت الانسان لم يعد موجودا فلا حاجة للخوف من الموت. هذه الفكرة عن الموت والتي تتألف من اربع عبارات نُقشت على قبور الايبيقورييين وبقيت في العديد من القبور القديمة للامبراطورية الرومانية.

الاخلاق

  في عالم الاخلاق يرى ايبيقور "هناك ثلاثة دوافع للافعال المؤذية بين الناس وهي الكراهية و الحسد و الاحتقار، وان الرجل الحكيم سيتغلب عليها بالعقل". من الملفت ان نرى المُثل الايبوقورية وهي تتحدث مباشرة للعديد من الحاجات المعاصرة. هذه المثل تجسدت في العبارات الشعرية التالية:

"لاشيء يدعو للخوف من الآلهة

لانشعر بأي شيء في الموت

الخير يمكن الحصول عليه

الشر يمكن تحمّله"

هذه العلاجات الروحية الأربع تبين لنا كيف نحقق المثل الايبوقورية في ان نكون سعداء في هذه اللحظة، وكيف نوقف تأجيل متعتنا بها.

كان ايبيقور من المفكرين الاوائل الذين طوروا فكرة العدالة كعقد اجتماعي. هو عرّف العدالة كإتفاق لا يقع فيه الضرر. يجب حماية المجتمع من الأذى في ظل قوانين وعقوبات لكي يبقى المرء حرا في متابعة السعادة. ولهذا فان القوانين التي لا تساهم في حماية او تعزيز السعادة الانسانية هي ليست عادلة.نظرية ايبيقور تؤكد على تقليل الأذى وتظيم سعادة الفرد والآخرين.

يقول ايبيقور : "يستحيل ان تعيش حياة سارة بدون ان تعيش بحكمة وصحة جيدة وعدالة. وانه يستحيل ان تعيش بحكمة وصحة جيدة وعدالة ان لم تعش حياة سارة".

الطبيعة وضعت هدفا لكل افعال الكائنات الحية بما فيها الانسان للبحث عن المتعة، مثلما يبدو من حقيقة ان الاطفال فطريا والحيوانات تميل للحصول على المتعة وتجنب الالم.المتعة والالم هما مصدر افعال جميع الكائنات الحية.المتعة هي اسمى الخير والالم هو اعتى الشرور. المتعة والألم هما نتيجة لإشباع الشهوات او الحرمان منها . يميز ابيقور ثلاثة انواع من الشهوات:

حاجات طبيعية وضرورية: الطعام، الشرب، النوم وهي يسهل اشباعها.

حاجات طبيعية وليست ضرورية:مثل الحاجة الشهوية، انها لا يصعب التحكم بها ولا نحتاج لها لبلوغ السعادة  .

حاجات لا طبيعية ولا ضرورية:وهذه يجب رفضها كليا.

وبما ان الانسان مكوّن من جسد وروح فهناك نوعان من المتعة، متعة للجسد ومتعة للروح، وكذلك هناك ألم للجسد وألم للروح. غير ان ألم الجسد هو الاكثر سوءا لأنه مرتبط اما مباشرة او بشكل غير مباشر بألم الروح. يرى ايبيقور ان لا حاجة للخوف من ألم الجسد لأنه حين يكون شديدا فهو لفترة قصيرة. وحينما يكون لفترة اطول واقل شدة سيكون قابلا للتحمل. هو اعتقد ايضا ان المرء يمكنه تحمّل ألم الجسد بتذكّر مرح الماضي.

اما بالنسبة لمتعة الروح فهي اكبر من متعة الجسد. متعة الجسد تكون اكثر قوة في الحاضر، بينما متعة الروح طويلة المدى،  ويمكن بواسطتها تقليل ألم الجسد .

 

العالم الكوني لإيبيقور

في محاولته توضيح حركة مكونات العالم،  رأى ايبيقور انه بالرغم من ان ذرات هذا الكون تميل للسقوط في خط مستقيم، لكنها تنزع الآن ولاحقا للانحراف والتمايل. هذه الصيغة البدائية للنظرية الذرية للمادة لها دلالات اخلاقية وسايكولوجية عميقة لأن الانحراف في الطبيعة هو الذي يسمح للحرية الانسانية. استلهام ايبيقور للمادة الاساسية ذات السمة غير المنتظمة وغير المتنبأ بها"الحركة الحرة"، جعله يأمل بتحرير الانسانية من سلاسل القدرية.بدون هذا الانحراف، لا احد منا سيكون مسؤولا عن افعاله، طالما هي كانت مقررة سلفا. النتيجة النهائية للعالم القدري هي ان "كل سيطرة و استهجان هي باطلة وحتى الشرير لا يمكن معاقبته بعدالة".

يرى ايبيقور ان كوكبنا واحد من بين العديد من الكواكب.لكن فلسفة ايبيقور ترفض باصرار وجود الاشياء الروحية المجردة المتجاوزة للطبيعة – كتلك التي عرضها افلاطون او التي جاءت في التقاليد المسيحية، وحتى عالم الكون الرواقي الذي يصر على وجود عالم كوني مقرر مملوء بانفاس الله.

 الايبوقورية ترفض بالاساس جميع الافكار المتصلة بالثواب الاخروي. عند نقطة الموت، يعتقد ايبيقور اننا نتحلل الى العناصر الاساسية للكون وهي الذرات.

هذه الشجاعة في مسائلة الافكار حول الدين هي التي دفعت انصاره لتصوير ايبيقور كمحرر وكمنقذ وبطل للانسانية."ولهذا فان الايمان بما وراء الطبيعة جرى نبذه بقوة والتعامل معه بقسوة". ينظر الشاعر الروماني لوكرتيوس Lucretius الى ايبيقور كمحارب لأجل الحرية الفلسفية كونه قلب الدين رأسا على عقب لكي يمنح الانسان مكانة ورمزا كان له تاثيرا تطوريا عميقا بعد عدة قرون لاحقة على الشاب كارل ماركس. رسالة الدكتوراه لكارل ماركس تضمنت الكثير عن ايبيقور. الفكرة الماركسية عن الفيلسوف كاداة للتغيير تستمد جرئتها من تقديس لوكرتيوس لايبقور كمحرر. وان فكرة ماركس عن اليوتوبيا الشيوعية "التي فيها يمارس الانسان القنص في الصباح ويصطاد الاسماك بعد الظهر ويرعى الماشية في المساء وينتقد بعد العشاء"لها طريقتها الايبوقورية المتميزة.

البساطة السعيدة

ان رسالة ايبيقور هي من حيث الجوهر دعوة للتحرر من الخوف الاسطوري من الموت، ومن الرغبة المدمرة. الباحث الفرنسي بيري هادوت Pierre Hadot استاذ الفلسفة القديمة اوضح بان الايبيقورية تشجعنا "لنتعلم ان نكون راضين بما يشبع الحاجات الاساسية، بينما ترفض ما هو غير ضروري. انها صيغة بسيطة لكنها تنطوي على تغيير راديكالي عنيف لحياتنا".

هذا التفكير،  لو تُرجم الى عبارات معاصرة فهو ربما يدفعنا  لتحسين رغباتنا نحو الاستهلاك، ونحو السيارات والمزيد من المواد والادوات. الايبوقورية بالضرورة فلسفة انوية بنتائج من انكار الذات. لذا فان فلسفة الحديقة تعالج السؤال الاخلاقي الملح : كيف نستطيع التعامل مع تهديد الاحتباس الحراري العالمي الناجم عن التصنيع المفرط، وما يعقبه من كوارث التآكل البيئي ؟ ايبوقور اجاب على هذا السؤال قبل وقت طويل من اثارة افكار الحدود الطبيعية كمرشد للفعل:" منْ يفهم حدود الحياة يعرف مدى سهولة الحصول على ما يكفي لإزالة ألم الحاجة ويجعل الحياة باكملها تامة". ايبيقور واتباعه يؤكدون"ان المرء يجب ان يعتبر الثروة المتجاوزة لما هو طبيعي هي ليست اكثر فائدة من الماء الفائض بعد ملأ الخزان ".

رسالة روبرت و اجورد عام 2013 ، (كم  يكفي؟النقود والحياة الجيدة)، هي نقد للنمو الاقتصادي السريع تبدأ باقتباس من ايبيقور: "لا شيء يكفي الانسان الذي يرى مايكفيه هو قليل جدا".

يجب ان نتذكر ان فلسفة ايبيقور هي موغلة بالقدم ورغم وضوحها المعاصر، هي الآن تبدو غريبة.فمثلا، الاعتقاد بالسلطة المطلقة للحواس، جعل ايبيقور يعتبر الشمس ليست اكبر من التفاحة لأنها في العين المجردة تبدو بهذا الحجم .

 

...................

المصادر

(1) philosophy Now Dec 2016/Jan 2017

(2) Wikipedia, the free encyclopaedia

 

الهوامش

(1) سُميت مدرسة ايبيقور بـ "الحديقة"لأنه اقامها في حديقة بيته. كان للمدرسة عدد من المخلصين الموالين لايبيقور،  ومن بين أعضاء المدرسة هرماركس و ايديمونس و كولوتيس و بالينس و ميتردورس. ركز ايبيقور على الصداقة كعنصر مهم للسعادة، وكانت المدرسة تمثل جماعة معتدلة الزهد حين رفضت الميديا و الاهتمام العام لفلسفة اثينا. كانت المدرسة متجاوزة للمحلية الى ما وراء اثينا،  شملت بذلك المرأة والعبيد. بعض اعضاء المدرسة كانوا نباتيين حيث ان ايبيقور لم يتناول اللحم رغم عدم تحريمه له. شعبية المدرسة تزايدت فاصبحت الى جانب الرواقية والشكية احدى اهم المدارس المسيطرة على الفلسفة الهلستينية والتي استمرت بقوة اثناء الامبراطورية الرومانية اللاحقة.

 

hatam hamidmohsinحين نفحص النظرية الاخلاقية وندرك مفاهيمها الاساسية – معرفة العوامل التي يجب استخدامها في عمل الأحكام الاخلاقية، وما اذا كانت مبادئها تُطبّق مباشرة على القوانين او القواعد، وماهي المفاهيم المقترحة للحياة الجيدة – بالتأكيد سنكون في موقف افضل للحكم على اي من المبادئ المتنافسة هي الأقرب لتهيئة  تفسير كامل للظاهرة الاخلاقية.

لسوء الحظ  ربما لا يكفي هذا للاختيار من بين تلك المبادئ. معظم المبادئ الكلاسيكية تؤدي مهمة جيدة في إضفاء العقلانية على معظم ان لم يكن جميع أحكامنا الاخلاقية. غير ان المبادئ هي عادة غير منسجمة مع غيرها. فهل يجب ان نقرر من بينها ليس على اساس كفائتها في توضيح وتبرير الأحكام الاخلاقية وانما على اساس الأفضلية، اي، لأننا "نحب" احد المبادئ دون غيره ؟ نحن على الأرجح نؤمن بالنظرية الاخلاقية التي تقول ان معظم عقائدنا الاخلاقية صحيحة، ثم بنظرية اخرى تقول ان معظم عقائدنا الاخلاقية هي غير منسجمة. بالطبع لا توجد نظرية فيها تبدو جميع عقائدنا صحيحة .

لابد اذاً التأكد من الخلفية الفلسفية للاعتقاد بان النظرية الاخلاقية هي حقا صائبة – اي النظرية التي تمتثل للحاجة القائمة لنا في الواقع – بدلا من مجرد كونها ترتيب منهجي دقيق لما وقع لنا الايمان به. ان النظرية الاخلاقية "الصحيحة"،  التي هي اقرب  لإلتقاط الاشياء التي يجب او لا يجب فعلها حقا، هي ربما تبدو اقل انسجاما مع عقائدنا الاخلاقية العادية قياسا بنظرية اخرى.

القضية التي نعالجها هنا هي البرهان او كيفية اثبات عدد من المبادئ الاخلاقية،  انه برهان لصلاحية النظرية او وجهة النظر الاخلاقية. مصطلح "برهان" له معاني مختلفة ولكن بشكل عام  المقصود به هو عدد من الاقتراحات بدلاً من الانسجام الداخلي وكفاءة النظرية،  هذه الاقتراحات بالذات هي مقنعة في اختيار نظرية معينة او مبدأ معين دون آخر.

هناك مختلف انواع البراهين. بعضها يرتكز على التجربة،  اخرى تعتمد على مفهوم الاخلاق ذاته، والبعض يرتكز على اعتبارات ميتافيزيقية،  بينما نجد براهين اخرى ترتكز على الاحاسيس الفطرية الخاصة او الإلهام. هذه البراهين تُسمى تباعا، التجريبية، المفاهيمية-القبلية،  الميتافيزيقية،  الدينية.

 

البرهان التجريبي Empirical proof

 طبقا لبنثام  Bentham، ان مبدأ السعادة العظمى (سعادة جميع الافراد) لا يخضع لما يسميه هو "البرهان المباشر". مع ذلك، هو يقدّم نوعين من الاقتراحات "غير المباشرة" وهما يراهما  يبرران تماما القبول العام بهذا المبدأ.

اولاً، هو يدّعي انه في معظم مناسبات حياتنا نحن بوعي او بدونه نحتكم لهذا المبدأ ونقبل به . بالاضافة الى ملاحظاته العامة حول هذا، السبب الخاص لديه هو ان اي محاولة لانتقاد المبدأ كما يرى، تفترض وجوده سلفا.

 ثانيا، يجادل بنثام بان جميع المبادئ الاخرى هي سيئة. اما هي تقود الى علاج "تعسفي" و "معادي"للكائن البشري او انها "فوضوية"بمعنى تقود الى التخلي كليا عن المبادئ والنقاشات الاخلاقية.

كلا الاقتراحين يستلزمان الركون الى التجربة. كوننا باستمرار نستخدم مبدأ المنفعة لا يعني بالضرورة اننا يجب ان نقوم بذلك.

جون ستيوارت مل يعرض برهانا تجريبيا مختلفا نوعا ما:

الدليل الوحيد الذي يمكن اعطاءه بان الشيء منظور هو ان الناس بالفعل يرونه،  الدليل الوحيد بان الصوت مسموع هو ان الناس بالفعل يسمعونه. وبالمثل، الدليل الوحيد بامكانية اثبات الرغبة بالشيء هو ان الناس حقا يرغبون به. طالما كل شخص يرغب تحقيق سعادته الخاصة، فان سعادته هي مرغوبة او جيدة. السعادة العامة ليست الا تراكم سعادات كل الافراد. ولذلك، فان السعادة العامة هي أعظم شيء مرغوب او أعظم خير. اخيراً،  كحقيقة سايكولوجية طالما،  ان الناس لا يرغبون ابدا اي شيء عدى السعادة بمقدار ما هي وسيلة او جزء من السعادة العامة، يتبع ذلك ان السعادة العامة هي المعيار الوحيد للاخلاق.

 

الانتقادات المضادة

هناك عدة انتقادات اثيرت ضد مل. قيل ان مل يخلط بين نوعين من المعاني لمصطلح "مرغوب"بمعنى "يمكن ان يكون مرغوبا" مع "ينبغي ان يكون مرغوبا". المعنى الاول هو الذي يشابه استعمال "مرئي" و "مسموع"، بينما صلاحية الجدال تبدو تعتمد على المعنى الآخير"يجب ان يكون مرغوبا". معظم النقاد اعتقدوا ان هذه المغالطة تحطم جدال مل ولكن منذ ايام مل جرى بانتظام تطوير الدفاع عن البرهان واقتراح براهين مشابهة .

نقاد آخرون هاجموا دعوة مل بان الشيء الوحيد الذي نرغبه او الذي يحفزنا بالنهاية هو السعادة (او المتعة). هذه النظرية في التحفيز الانساني تُعرف بالمتعة السايكولوجية. رؤية بنثام بان "الطبيعة وضعت البشرية تحت حكم عملاقين اثنين هما، الألم والمتعة"تعبّر عن نفس الفكرة.هناك مشكلة تؤثر بالذات على النفعيين. كيف يُتوقع مني ان اعزز السعادة العامة اذا كنت متحفزا في المقام الاول لتعزيز فقط سعادتي الخاصة؟

نقد ثالث يتعلق بادّعاء مل بان الخير العام او السعادة العامة ليست الا تراكم للخير الفردي، اي ان  الكل هو ليس الاّ مركب او مجموع اجزاءه .

في تضاد مع هذه الرؤية ربما يجادل البعض انه ربما من الخير لي ان لا ادفع اي ضريبة. انا يجب ان انفق النقود بطريقة اكثر متعة. كذلك سيكون من الخير للناس منفردين ان لا يدفعوا الضرائب. وهل سيكون من الخير العام للمجتمع ان نمتنع عن دفع الضريبة ؟

 

البرهان المفاهيمي القبلي Transcendental proof

 يعرض عمانوئيل كانط  نوعا من البرهان لمبدئه الأخلاقي مختلف كليا ولا يركن الى اي نوع من التجربة. هو يقترح"استدلالا مفاهيميا" . في هذا هو لا يعني تجسيدا منطقيا خالصا. هو كما في الفلاسفة الاخلاقيين الآخرين على وعي بانه لا يمكن اثبات المبدأ الاخلاقي بمثل هكذا تجسيد منطقي خالص. "البرهان" بالنسبة لكانط  يعني نوعا من "التبرير" للمبدأ الاخلاقي وفق اعتبارات مفاهيمية خالصة، او بكلمة اخرى وفق "ان ما هو عقلاني يعني اخلاقي" . برهان كانط يسير كالتالي:

 يجب على المرء  ان يتصرف على اساس من تلك القواعد التي يرغب بها  لتكون ملزمة لكل الناس. لكن مفهوم الاخلاق الذي جاء في هذا المبدأ يفترض مسبقا حرية الاختيار: "يجب" تفترض مسبقا "ما سيكون" . اذا كنا مقرَّرين من جانب اشياء اخرى لنقوم بما نفعل سنكون غير احرار والاخلاق ستكون خيالا. ولكن ايضا من السخف ان نفترض ان رغباتنا هي مستقلة كليا في وجودها، اي لم تنشأ بأي سبب آخر. ان السبب او الحافز لرغباتنا بمقدار ما هو حر سيكون هو الوحيد سمة للرغبة (يكون قانون لذاته). الرغبة الحرة اذاً،  والرغبة الخاضعة للقوانين الاخلاقية،  هما ذات الشيء. اذا كنا احرارا عندئذ نكون ملزمين بقوانين الاخلاق.

 

معنى الرغبة الحرة

يضع كانط تعريفه للرغبة الحرة على اساس 1- ان كل حدث يجب ان يكون له سبب 2- السببية يجب ان تكون طبقا للقوانين، ومن هذين يستنتج كانط ان الخيارات الحرة يجب ان تخضع للقوانين "والاّ فان الرغبة الحرة ستكون سخافة". ولكن "طالما هي مختلفة عن الخيارات غير الحرة"فان القوانين يجب ان تكون من نوع متفرد peculiar . يرى كانط ان القوانين التي تمتثل لها الرغبة الحرة هي متفردة في كونها تُمنح من جانب الرغبة لذاتها. الاشياء غير الحية والجامدة هي دائما تسير باسباب خارجية، بينما الانسان يعمل احيانا طبقا لأسباب داخلية. هذه القوانين الخاصة التي تطيعها الرغبة هي ذاتها قوانين الاخلاق. 

هناك مأزق في جدال كانط كان هو على وعي به وبحاجة للملاحظة، ما يبدو من "حلقة دائرية". فمن جهة، يجادل كانط بانه اذا كانت هناك حرية فهناك اخلاق. ومن جهة اخرى هو يؤسس الحرية على افتراض ان هناك اخلاق (اي اذا كانت هناك اخلاق فهناك حرية). هو يعتقد اننا لا يمكن ان ننكر "الحقيقة الاخلاقية"للحرية، بل يتوجب علينا افتراضها سلفا لكي يكون هناك معنى لكلامنا وافعالنا. نقاد كانط يرون انه من المستحيل تأسيس اي من الاثنين بدون الافتراض المسبق للاخرى، الامر الذي يعني ان تبرير كانط للاخلاق وقع في فخ دائري لا يستطيع الخروج منه.

 

البرهان الميتافيزيقي  Metaphysical proof

كل من هوبز وارسطو يقيمان نظريتهما على تصورات معينة للانسان والعالم. هوبز يعتقد ان الانسان هو اناني بالضرورة وعدواني وغير اجتماعي.

ارسطو يرى ان الانسان بطبيعته هو العكس  حيوان اجتماعي ذو ميول قوية للعيش ضمن جماعة منظمة من اناس آخرين وبأهداف مشتركة. عالم هوبز هو عالم مادي فيه يتحرك الانسان باسباب ميكانيكية تكون فيها رغبات الانسان ثانوية وخاضعة. عالم ارسطو هو هادف، يتحرك ليس فقط باسباب سابقة وانما بالغايات النهائية التي تطمح نحوها كل الاشياء بما فيها الانسان.الهدف الاخلاقي لهوبز "البحث عن السلام والسير نحوه"هو ضروري، كما يرى، بفعل الطبيعة الاساسية للانسان والعالم الذي يعيش فيه.

ما لم يوافق الانسان على هذا الهدف، فان ميوله الطبيعية ببساطة سوف تلقي به نحو الدمار.ولذلك هو يجب ان يبحث عن السلام من خلال عقد اجتماعي. المبدأ الاخلاقي لارسطو في ضرورة سعي الناس للادراك الذاتي الرشيد هو ايضا ضرورة فُرضت عليهم بحكم طبيعتهم الرشيدة.الدافع الاساسي لدى كل واحد منا هو ان يكون معقولا وعقلانيا.

هذان النوعان من البراهين الميتافيزيقية يعتمدان على قبول وجهات نظر الانسان والعالم الذي يفترضانه سلفا . لو اكتشف احد ما ولسبب ما ان ميتافيزيقا اي من البرهانين غير مقبولة، فان المبدأ الاخلاقي المشتق منها افتراضا سيصبح في موضع شك ايضا. لو ان احدا لا يرغب في الصراع مع هذه الرؤى الميتافيزيقية فهو ربما لايزال يسأل حول ما اذا كان الارتباط بين الرؤى الميتافيزيقية والاخلاقية هو ضروري كما جرى وصفه. هل يمكن للمرء قبول المبادئ ورفض الميتافيزيقا؟ هل هناك حقا ربط بينهما؟ على سبيل المثال، هل يمكن لشخص ما ان يقبل مبدأ هوبز ولكن بنفس الوقت يرفض ميتافيزيقيته مستبدلا اياها برؤية ارسطو للانسان والعالم؟ لم يثبت ابداً عدم الانسجام بهذا. السؤال الحاسم لهوبز وارسطو هو ليس ما اذا كان المرء يستطيع قبول المبادئ ورفض الميتافيزيقا وانما العكس. السؤال هو حول ما اذا كان قبول رؤية ميتافيزيقية معينة لطبيعة الفرد والمجتمع هو منطقيا ينطوي على مجموعة محددة من المبادئ الاخلاقية ذات الافضلية على مجموعة اخرى.

 

البرهان الديني Religious proofs

ان مبدأ الفعل الاخلاقي المعبّر عن رغبة الله جرى نقاشه بطرق مختلفة.التبرير الرئيسي لقبول المبدأ هو ببساطة مسألة ايمان ديني يرتكز على شعور خاص او على وحي ديني مقدس وهو الاكثر شيوعا في ادراك رغبة الله. وبصرف النظر عن نوع الانطباع او التجلّي المُعتمد بشأن تبرير هذا المبدأ فهناك عدة مشاكل تبرز في هذا البرهان.

عندما ينكر احد ما وجود الله، عندئذ سوف لن تكون هناك جدوى من تبنّي هذا المبدأ. وحينما يؤمن احد بوجود الله فانه لا يزال يسأل لماذا هو يجب ان يفعل اي شيء ارادهُ الله. الجواب بلا شك سيكون "لأن الله اراد منه ان يعمل هكذا".اذا كان السؤال كيف يمكن للمرء معرفة ان هذا صحيح، فان اللجوء في النهاية سيكون لبعض التجليات. المشكلة اذاً هي مشكلة الواقعية او الموثوقية التي تقوم على تأكيد حقيقة التجلّي. ولكن حتى لو تم القبول بالتجلي، فان هناك مشكلة اخرى اثارها سقراط امام ايوثوفرا والتي سيطرت على هذا المبدأ طوال التاريخ.

هل ان الله يريد منّا اتّباع رغبته فقط لأنه يريدنا هكذا، ام انه يريدنا اتّباع رغبته لأنها هي افضل شيء ممكن القيام به؟اذا كان الأول، عندئذ سيكون الجواب على السؤال "لماذا يجب ان اطيع رغبة الله؟"هو ببساطة "لأنه يقول هكذا"،  وهنا تصبح الأخلاق هي بالضرورة مسألة عشوائية وغير عقلانية. واذا كان الجواب الأخير اني يجب ان اطيع رغبة الله لأنها احسن شيء يمكن القيام به، عندئذ سيبرز هناك معنى للسؤال مرة اخرى عن المبدأ الذي يستعمله الله ذاته كأساس لعمل أحكامه.في هذه الحالة فان المبدأ الاخلاقي سيكون ليس مجرد ان المرء يجب ان ينفذ رغبة الله، وانما لأنه يجب ان يتصرف طبقا لذلك المبدأ الذي بواسطته تتقرر رغبة الله ايضا.

ربما هناك طرق لتجنب هذه النتائج والحفاظ على مبدأ رغبة الله. قد يجادل احد ان تبنّي الخيار الاول لايجعل الأخلاق اعتباطية لأن ما يُطاع هو رغبة الله وليس رغبة الانسان . طالما لا يمكن ان يكون الله خاطئا او غير عقلانيا، كما في الانسان، فان أعلى العقلانية ستكون في طاعة هذه الاوامر فقط لأنها اوامر الله. ومن جهة اخرى للرد على ادّعاء ان رغبة الله اذا كانت عقلانية فهي خاضعة لمبدأ اخر أعلى،  الرد ربما هو ان لا وجود هناك لمبدأ يتجاوز رغبة الله ماعدى حكم الله وحده في ما هو جيد.في هذه الحالة للقول ان الله يرغب بفعل معين لأنه جيد يعني فقط انه جيد وفقا لحكمه هو وحده،  وبما ان ذلك يتم لأسباب لا نستطيع ادراكها فلابد من وجوب القيام بالفعل . غير ان اي من هذه الاجابات لم تضع حدا للجدال بل سيبقى الموضوع  مفتوحا للنقاش.

 

Proving A moral principle, pathways school of philosophy

   

raheem alsaidiان تبعيض مفهوم فلسفة التاريخ الى جزئيات متناثرة، لم يكن منهجي الذي يحمله عنوان مقالي، وما أردته هنا قد يتوافق مع آلية مدرسة الحوليات الفرنسية التي فكت ارتباطات فلسفة التاريخ بالصورة السديمية العامة التي تتحدث عن ما يشبه الكليات في فهم التاريخ، فتحتم عليها البحث في الجزئيات من تاريخ اللصوص والبغايا وتاريخ المدن والكتاب وسوى ذلك .

لكن ما الذي يمكننا تحقيقه من غاية بحث فلسفة تاريخ القبيلة، وهي صورة شعبية ربما لا حمولة فكرية تتخللها او لا يمكنها إضافة الجديد للفكر التاريخي .

هذا السؤال التحدي يحتاج الى إجابة ما، وأظن بان إعادة النظر فيه ينطلق من تصورنا للقبيلة على انها مجتمع صغير او مصغر، بل انها الملهم لمؤسس فلسفة التاريخ ابن خلدون، مع هذا فالموضوع يحتاج الى إعادة البناء من قبل الباحثين او طلبة الدراسات، وترتبط القبيلة بعلوم الاجتماع فهي القواعد الأساسية لفهم المجتمع والتاريخ، فالقبيلة السياسية مثلا، يمكنها تغيير التاريخ بنحو ما، ولا ضرورة للتذكير بقبيلة جنكيزخان وهولاكو وتيمورلنك وقبيلة العثمانيين والصفويين والخوارزميين والساكسون والجرمان ...الخ، والقاعدة العامة انما نسبته 75% من الذين حكموا التاريخ كانوا عبارة عن قبيلة او شبه قبيلة . حتى انها تحولت في كثير من البلدان ومنها العراق اليوم الى القبيلة السياسية، وقد تكون الأحزاب سابقا واليوم تعبر تعبيرا دقيقا عن مفهوم القبيلة السياسية.

ان النظرة الطولية لفلسفة لتاريخ تقدم لنا صورة تختلف من فيلسوف الى اخر لتناول القبيلة في تنظيراتهم فابن خلدون كان واقعيا في استثمارها والخروج بمحصلة لفهم التاريخ بعكس من كان وربما من جاء بعده، فقد يرجع سبب عدم اهتمام اليونان بفلسفة التاريخ لذلك الجانب، اقصد عدم دراسة المجتمع والاهتمام بالعلل البعيدة غير المرئية فاهتمامهم بالعلل الطولية والمرتبطة بالميتافيزيقا جعلهم يهملون العلل العرضية والمتعلقة بالمجتمع وتطبيقاته الإنسانية فاستغرقوا بالعلل التي لا ترتبط بكتل الناس وقواعد حياة التكتلات البشرية والبناء الذي تتركه، وهذا ما تلافى الفكر الأوربي الأخذ به فكانت تنظيرات هيكل ونيتشة وروسو وشبنكلر و توينبي وكارليل وماركس تتحدث عن الكتل البشرية والتجمعات، و كانت بعيدا عن مفهوم القبيلة لان مجتمعهم لم يكن بذلك الاتجاه، مع ان تقسيماتهم تنتمي الى تصورهم للتجمعات سواء أكانت القبيلة ام الدولة ام الحضارة .

كل هذه مقدمة لمحاولة قراءة القبيلة او العشيرة العربية من زاوية فلسفة التاريخ، فذلك التجمع البشري له امتداد في التاريخ، ويجب تخيل كيف نشا واستمر أو امتد وتوزع وتداخل مع غيره او اضمحل او اختلط او تلاشى او توزع بفعل الهجرات في البلدان المختلفة .

وإذ أخذنا العينة التي نريد تطبيقها وهي تخص قبيلة ما في التاريخ مثلا، فهل يمكننا قراءة محرك تاريخ تلك القبيلة، أظن بان الجواب سيكون الإنسان او بمعنى آخر ان في القبيلة العربية على مر التاريخ محرك هو الإنسان (لان ابرز أفراد القبيلة وهو المؤسس، غالبا ما يكون اسمه هو العلامة التي تتميز به القبيلة وتحمل اسمها وفق قوة اسمه ) لكن المشكلة في المحركات الأخرى داخل منظومة الانسان والتي لا تختلف عن المحركات التي نجدها في الدولة والحضارة والمدينة...الخ فهو يحركه الاقتصاد والحاجة والغرائز والعقل والبيئة.

 فالغرائز واللذة (التي أعدها من محركات التاريخ) بنوعيها السلبي والايجابي هي محرك للأحداث التي سوف تصبح تاريخا فيما بعد والتي يحملها أبناء القبائل بقوة (اقصد غرائز الإعداد للزعامة او التعايش وفق إثبات الوجود) بل ويربي نفسه على أسسها (مع انها وجود وهمي لا قيمة حقيقية له) لان الإمام علي يحدد قيمة الإنسان بما يحسنه بقوله قيمة كل امرئ ما يحسنه، واعتقد انها ملهاة وهمية وحرب للغرائز، دافعها الحقيقي ان يثبت الإنسان وجوده بالنسبة للآخرين،اما ما يحسنه فهو كينونته الحقيقية ومقياس ما يحسنه الإنسان هو ما سيتركه من فعل جميل صحيح او علم او صنعة أو نتاج أدبي أو عمل مميز .

اذن فالمحرك الخاص بتاريخ القبيلة أحيانا هي الغرائز وتارة هي العقل وأخرى هي الحاجة، ومن الغرائز ما يخضع الى اثر البيئة او الوراثة، واعتقد بان مشاركة علم النفس هنا بالإضافة الى علم الاجتماع سيكون له الأثر المعرفي الطيب في فهم حكمة التاريخ لكل وحدة مجتمعية عامة والتي تتمثل بالقبيلة .

ويدور في خاطري مقارنة نمط السلوك الخاص بالقبائل الجرمانية اوالساكسونية الغربية بالقياس الى قبائل المغول او قبائل العرب والمسلمين او قبائل الأناضول من العثمانيين او القبائل الامازيغية في المغرب العربي او قبائل القوقاز ....الخ . ومن كل هذا الارخبيل الاجتماعي يمكننا مقارنة كل من الصراعات داخل تلك القبائل، القواعد العامة للعيش والتنافس، الغايات والأهداف الخاصة بالتوسع والانتشار، السنن الطبيعية والكونية الحاكمة لوجودهم، مقادير الوعي والحرية في داخل تلك الكيانات بالإضافة الى دور مفهوم العصبية في داخل تلك القبائل، وهي الجانب الملهم لابن خلدون، الذي لم يستثني صورة القبائل حتى من عنوان مؤلفه الأشهر في فلسفة التاريخ .

ويمكن إجالة الفكر لنعرف كم من التواريخ تغير بطريقة وأخرى بمجرد تضارب الغرائز بين المجتمعات، وكم من الدول والمجتمعات والقبائل اضمحل لمجرد صراعات الغرائز، بعضها اندمج وآخر خضع لنظرية التحدي والاستجابة التي قال بها الفيلسوف توينبي فكثير من القبائل عند دخولها في صدمة ما فهي اما ان تمتصها او تأكلها الصدمة، وما نراه اليوم من القبائل الأصلية في العراق مثلا هو عملية امتصاص وتغلب على الصدمات وإلا فان العراق ببيئته القاسية (بيئة الحرب) لا يمكن العيش فيه بيسر وبعض القبائل كان حيويا يولد وينمو ويصبح شابا، ووفق نظرية شبنكلر المتعلق بحتمية موت الحضارات فان القبائل تستمر وتتجدد وتنزع جلدها أحيانا وهي لا تهرم وتموت الا عندما تدخل مرحلة الخمول، او مرحلة التقسيم الى أجزاء عديدة.

وتخضع قوانين القبيلة الى مفهوم السببية والى سنن التاريخ، فما ينطبق على مفهوم المجتمع من سنن تاريخية مثل سنة التغيير والنصر والاستبدال وغيرها ينطبق على تفاصيل حياة القبائل على مر التاريخ، فهي خاضعة للسنة الكونية . وتخضع القبائل لحتمية البقاء والمصير المرتبط بالدول او الحضارات، ولقوانين السببية

وقد لا تجد الكثير من القبائل صانعة لتاريخها، بمعنى ان الكثير منها لا تعي قضية قضم المستقبل لصنع التاريخ، فالمشكلة الأساسية خصوصا مع قبائل الجنوب انها أسيرة بعض التاريخ ولهذا فان مستقبلها يتوقف أحيانا، ويمكن لنا قراءة الاجتياح الإيديولوجي الشيوعي الذي احتل جنوب العراق بطريقة وبأخرى والقادم من روسيا وبوساطة حزب توده الشيوعي الإيراني والذي استهدف كيان القبيلة العراقية فظهر الكثير من الذين لديهم الاستعداد لخوض تلك المغامرة المشفوعة بالحرية والمشبعة بالتطلع الى المستقبل وتعديل سلوكيات المجتمع الغارق بالفهم الإقطاعي، الا انها مغامرة باردة وصراع بين استعمار فكري وإقطاع برجوازي، ونحن نفهم ان الإقطاع يمثل نوع من الشراكة التي فيها الكثير من السوء وكان يمكن تجنبه، عموما هؤلاء الذين أرادوا حمل مشعل التنوير أرادوا إدخال القبيلة الى سكة جديدة او قبيلة إيديولوجية جديدة ولك ان تتخيل وفق آلية فلسفة التاريخ الى ماذا ستتحول القبائل الجنوبية التي اعتمدتها الشيوعية بكونها الخاصرة البضة التي يمكن اجتياحها، وما أوقف المد الشيوعي هو الدين وليس القبيلة البرجوازية او الإقطاعية او الجائعة.

 وبشكل عام فان القبيلة في جنوب العراق، اعتمدت سننا اجتماعية دون التطلع الى سنن التاريخ، واعتقد بان الهجرات التي خاضتها تلك القبائل جعل منها وحدات بشرية لا تشعر بالحماس الا الى الموطن القريب وهو على عدة أنواع في العراق (الصحراوي- الجبلي – الريفي الجنوبي – الريفي الأوسط) ويبدو ان التوجه الذي أوقف الهجرات التي خاضتها بعض القبائل، كان يلائم ويوائم قابليات بعض القبائل، وهكذا تجد ان بعض القبائل وافقها بيئة دون أخرى، او ان الحاجة هي من أعطى الأدوار لتمارس القبائل وجودها .

ونحن عند الحديث عن فلسفة تاريخ القبيلة لا يمكننا وصف الكثير منها بصاحبة الدور الحضاري، فان نتائج العمران والحضارة هو البناء او النتاج الأدبي او العلمي او الفكري او كل تميز، يمكن للأفراد تذكره خصوصا اذا كان مدونا ومحفوظا كي لا يضيع .

ولو قمنا بوصف بعض القبائل بدورها الريادي او على الأقل بوصفها بالحضارة الاجتماعية فقط، فان الانجازات التي نطالبها بها على الأقل تشمل تقديم جيش من المفكرين او المثقفين او الأدباء والعلماء او على الأقل بعض الأفراد من المتميزين ان لم يكن مجموعة مهمة في تاريخ بلد ما وعندما نقول ان القبيلة تقدم الأفراد الأكثر قوة او جاذبية او تميزا فإنها تقدم أيضا محركا للتاريخ العام وليس المحلي، وخلاف هذا يعني ان كثير من القبائل والتي تشكل الوحدة الثانية بعد الفرد، لم تقدم شيئا الى بلدها او عمرانه او حضارتها وانجازاتها .

وبعبارة أخرى ان الملهاة التي يطلبها الكثير لممارسة السلطة المحلية التي تمثل القبائل، انما هي تقوقع محلي سببه صراع الذوات لإثبات وجودها إزاء تقوقع محلي آخر يشعر أيضا بالندية وضرورة إثبات وجوده (هنا هو التحدي والاستجابة وفق تنظيرات الفيلسوف توينبي)، وهي خاضعة لقوانين تخلقها الصدفة او الحاجة او الاصطفافات، وهي لا قيمة لها بالقياس الى ذلك التاريخ المدون والذي يشمل تاريخ دولة ما او حضارة ما او حتى قبيلة ما تكون منتجة إنتاجا يدون في التاريخ بكونه فيه فائدة، لأنه عبارة عن تاريخ قد يتذكره جيل او أكثر، إلا انه سيكون محدودا اما التاريخ العام فان أفراده يعملون على تحقيقه بطريقتين الأولى هي السلبية ومنها أسلوب الطغيان والثانية أسلوب العلماء والمفكرين والفنانين والأدباء وسواهم وهذا ما يتوجب على القبائل تحقيقه والسعي له .

 

د.رحيم الساعدي

 

عندما ظهرت الطبعة الأولى لكتاب (نقد العقل المحض) للفيلسوف الالماني عمانوئيل كانت تعرّض مؤلفه إلى سيل من الانتقادات التي تتهم نظريته بالمثالية الخالصة؛ مثل تلك التي سبق إليها باركلي[1]. وهذا ما دفعه إلى ان يرد عليها في طبعة الكتاب الثانية والكشف عن اختلاف مثاليته التي اوسمها بالترسندالية عن تلك التي تعود إلى باركلي وغيره.

تعترف المثالية الترسندالية بأنه لا المكان ولا الزمان ولا الظواهر لها وجود خارجي صرف، بل ما يمكن ان يتصفى في الخارج هو عالم مجهول يسميه (كانت) الشيء في ذاته، فموضوعات التجربة (الادراكية) ليست معطاة قط في ذاتها، بل فقط في التجربة ولا وجود لها خارجها.

إن وجود ظواهر في الذهن البشري هي ما تمثل الشيء لذاتنا؛ حيث تحضر مباشرة من دون استدلال، ويتوقف حضورها على جملة من القبليات. وكل هذه المعرفة سواء من حيث الظاهرة أو القبليات تعتبر واضحة دون أدنى شك. وعليها حاول (كانت) تأسيس استدلالاته على الواقع الموضوعي لتجسير الهوة بين الأنا والخارج، أو الذات البشرية والواقع الموضوعي.

لكن هل استطاع (كانت) ان يثبت الواقع الموضوعي؟ كما هل استطاع ان يثبت معه الشيء في ذاته؟ وهل للشيء في ذاته علامة ما في الواقع الموضوعي الصرف؟ فاذا كانت القضايا والمبادئ القبلية ليس لها أي حضور ووجود لدى أي من الواقع الخارجي وعالم الشيء في ذاته، وان كل ما نمتلكه هو الشيء لذاتنا المتشكل بفعل تحديد هذه القضايا لعالم الظواهر عبر الحدس الحسي المباشر، وان الاستدلال على أي من الواقع الموضوعي والشيء في ذاته يفترض أولاً وجود الظواهر التي تتشكل ذاتياً بفعل ذلك الحدس، فالنتيجة هي كيف يمكن ان نثبت اياً منهما ونحن لا نمتلك من ادوات غير تلك التي تتشكل في أذهاننا؟ فكيف نتأكد من وجودهما اعتماداً على تحديدات قضايانا الذاتية، وهي قضايا نسبية لا تمتلك اطاراً ضرورياً شاملاً من الناحية الانطولوجية؛ باعتبار ان أحكامها لا تمتد إلى الواقع الموضوعي الصرف ولا إلى عالم الشيء في ذاته؟

وبعبارة ثانية، ان كل ما نمتلكه هو هذا العالم الذاتي بما في ذلك علاقتنا المفترضة بعالم الظواهر، فكيف يمكن ان نستدل على الواقع الموضوعي والشيء في ذاته، وفيما اذا كانا يمثلان ذات الشيء من دون اختلاف؟

للأسف إن أول ما يواجهنا بهذا الصدد هو اعتقادنا بأن (كانت) يبدي واقعاً نسبياً مزيجاً من الحس والواقع، وهو عالم ينتفي بانتفاء الحس ذاته. انه عالم غير ما نعرفه عن الواقع الصرف الذي يتركه من غير بحث وتحديد. ولدينا من المؤشرات الكثيرة التي تبرر هذه القضية رغم ان (كانت) لم يكن صريحاً ازاءها.

إن لهذا المفكر نصوصاً متضاربة كما تبدو للقارئ، فبعضها يشير إلى ان الظواهر تمتثل في الواقع الموضوعي، فيما يشير البعض الآخر إلى انها تصورات ذاتية. ولو اعتمدنا على التفسير القائل بواقعية الظواهر لأصبحت نظرية هذا الفيلسوف متناقضة تماماً. لكن يمكن ان يجاب على التناقضات بوجود واقع موضوعي نسبي مرتبط بالحس البشري، فهو ليس منتمياً إلى الذات العقلية المجردة كما هو حال المقولات، كما انه ليس واقعياً محضاً كشيء في ذاته.

لذلك نعتقد ان هناك واقعين: الأول هو الواقع الصرف والذي لم يشر إليه (كانت) صراحة في البحث والاثبات، مثلما لم يتعرض إلى تحديد صفاته إن كانت له صفات محددة مميزة سوى ما قد يمثل الشيء في ذاته، وهو الموضوع الفلسفي الذي اولاه أهمية عظمى قبل انطلاقه لمعالجة القضايا الميتافيزيقية. أما الواقع الثاني فهو الواقع النسبي الممتزج بالحس، وهو الذي يلوّح إليه كثيراً.

وفي تعبير له عن الواقع الثاني المرتبط بالحس قوله صراحة: ان ‹‹العدد هو كم الظاهرة، والاحساس هو واقع الظاهرة، والثابت والدائم هو جوهر الظاهرة، والخالد هو ضروري الظاهرة››. فقد عبّر في هذا النص بأن الاحساس هو واقع الظاهرة، بمعنى انه ليس للظاهرة من وجود غير وجودها في الحس.

وحقيقة لو ان (كانت) كان يعترف بالوجود الواقعي المستقل للظواهر الفيزيقية؛ لشكلت نظريته أساس ما صنعته نظرية الكوانتم الفيزيائية. اذ لديها ان الظواهر الطبيعية تخضع لاعتبارات الزمان والمكان والسببية، فيما أعماق العالم الداخلي يخلو من هذه الروابط والقوالب، إلى درجة ان البعض اعتقد بأن العالم الجسيمي كما يتمثل في الالكترون يتحرك بفعل الإرادة الحرة التي لا تخضع لحتميات السببية، وهو ما يقرّب الصورة من فكرة الشيء في ذاته، رغم انه علة تشكل العالم الخارجي، مثلما ان الشيء في ذاته علة وجود الظواهر.

فالمفارقات التي تتضمنها فلسفة (كانت) قد تذكّر بالمفارقات التي حلت في الفيزياء المعاصرة لدى نظرية الكوانتم. فهناك شيء من الشبه بين المنظومتين قد توحي بأن الأخيرة متأثرة بفيلسوف التنوير. ففكرة عدم خضوع العالم الذري تحت نظام السببية الحتمية وكون تصرف الالكترونات هي تصرفات (حرة)، وكون هذا العالم هو أساس عالمنا الكبير الذي تسوده العلاقات الحتمية، كل ذلك يشابه بعض الشيء ما جاء به هذا الفيلسوف من نظرية الشيء في ذاته وكونه أساس الظواهر التي نتعامل معها معرفياً، رغم ان الأول يتصف بالإرادة الحرة فيما يتصف الآخر بالحتمية.

لقد أفرغ (كانت) الواقع الموضوعي من كل ما نتصوره وأبقى فقط على شيء واحد أحد هو الشيء في ذاته. وهو ما جعل مثاليته مختلفة عن المثالية الصرفة لباركلي. بل انه تردد في موضع وجود هذا الشيء إن كان يعود إلى الذات أم إلى الواقع الموضوعي. لذلك لم يوظفه في عملية اثبات هذا الواقع، انما سلك سبيلاً آخر ليدل على الأخير. وفي النتيجة انه دلل على كل منهما بأدلة مستقلة مغايرة من دون ان يوظف اثبات أحدهما في وجود الآخر. وهو ما يؤكد بأن الواقع الذي يريد اثباته هو الواقع النسبي لا الصرف.

وستتضح الصورة أكثر بأن الواقع الذي يريد اثباته هذا الفيلسوف هو الواقع النسبي الذي يلمّح إليه كثيراً، دون الواقع الصرف والمطلق والذي يميل إلى اعتباره حاملاً للشيء في ذاته، وهو بذلك لم يثبت شيئاً سوى الواقع البشري فحسب!

بادئ ذي بدء، لا ينفع الاعتماد في اثبات الواقع الموضوعي على مبدأ السببية، ولا غيره من المقولات، لكونها تشكل لديه روابط صورية مفترضة لتفسير هيئة الظواهر دون ان تكون من الحدسيات. وبالتالي لا نتوقع من هذا الفيلسوف ان يستعين بالمبدأ السببي أو غيره من المبادئ الذاتية لحل هذه المعضلة. لذلك فان له طريقة أخرى غير معهودة للحل. ومع هذا تعرضت نظريته إلى الاتهام بأنها ترْكَب الموجة المثالية كما سبقتها اطروحة باركلي، وهو ما دعاه إلى نقدها ليؤكد بذلك نهجه الخاص في اثبات الواقع الموضوعي، رغم ضعف هذه المحاولة.

لقد أثار (كانت) في اثباته للواقع الموضوعي عدداً من الافتراضات، يمكن ان نستخلص منها مبدأين؛ أحدهما بديهي فيما يحتاج الآخر إلى دليل مستقل. فالأول هو التمييز بين الحدس الداخلي والحدس الخارجي، وهو أمر بديهي. ويبدي (كانت) أحياناً اكتفاءه بهذا التمايز ليقرر ‹‹إن تجربتنا الباطنة ليست هي نفسها ممكنة دون افتراض التجربة الخارجية››. كما يقرر أيضاً: ‹‹يدلل مجرد الوعي بوجودي الخاص وعياً متعيناً امبيرياً على وجود الموضوعات في المكان خارجاً عني››.

لكن من الممكن تفسير مثل هذه النصوص طبقاً للمبدأ الثاني، وهو يتعلق بفكرة الزمان والتغير. فقد أقام (كانت) صلة بين اثبات الواقع الخارجي من جهة، وبين وعي الانسان لوجوده كمتعين في الزمان من جهة ثانية. فتعاقب الحس الباطني للنفس دال على الزمان، حيث تتعاقب الفكرة تلو الثانية، والعاطفة تلو الأخرى. فكل تعين زمني يشترط شيئاً دائماً في الادراك، وان كل تغير يفترض شيئاً دائماً في الحدس كي يدرك بأنه تغير، لكن حيث انه ليس هناك حدس دائم في الحس الباطن؛ لذا فهو موجود في الحس الخارجي.

وبعبارة ثانية، ان كل تغير وتعين زماني يفترض امراً دائماً. فلما كنا ندرك بأن الحدس الداخلي هو متعين وليس دائمياً، فبالتالي لم يبق إلا اعتبار الدائم مناطاً بالخارج لا الداخل. وهو ما يثبت الواقع الموضوعي لوجود شيء في الخارج حيث يتصف بالديمومة.

ومن الواضح ان هذا الاستدلال يفترض فكرة حاجة التغير إلى شيء دائم؛ بما يرتبط بفكرة الزمان. فالزمان لا يستدل عليه بالتعاقب الزمني، بل ان هذا الأخير يثبت قبلية الزمان كشيء دائم لا يجري عليه التعاقب. بمعنى انه لا يمكن ادراك تغير الزمن إلا من حيث افتراض وجود الزمان كشيء ثابت دائم قبلاً. والزمان لا يكون ثابتاً إلا لثبوت شيء آخر هو الجوهر في المكان. فهذه هي مصادرة (كانت) التي تعتبر فكرة الزمان الدائم مرتبطة بفكرة الجوهر الثابت. بمعنى ان ‹‹ادراك هذا الدائم ليس ممكناً إلا من خلال شيء خارج عني وليس من خلال مجرد تصور شيء خارج عني. وبالتالي فان تعين وجودي في الزمان ليس ممكناً إلا من خلال وجود الأشياء المتحققة التي أدلكها خارجاً عني.. ان وعيي بوجودي الخاص هو معاً وعي مباشر بوجود الأشياء الأخرى خارجاً عني››.

وكتعبير آخر على هذا المعنى قول (كانت): ‹‹إني لا أعي مباشرة إلا ما في داخلي، أي تصور للأشياء الخارجة عني›› مع الشك بوجود الأشياء خارجاً ‹‹غير أني أعي وجودي في الزمان من خلال التجربة الباطنة، وهذا أكثر من مجرد وعي بتصوري، إلا انه يساوي مع ذلك وعيي الامبيري بوجودي الذي لا يتعين إلا من خلال الصلة مع ما هو مربوط بوجودي وخارج عني. فوعيي لوجودي في الزمان هو اذن مربوط هوياً بوعي العلاقة بما هو خارج عني. فالتجربة اذن لا الاختلاف، والحسي لا المخيلة هما الذان يربطان بين الخارج وحسي الباطن ربطاً لا ينفصم››.

ويعتبر (كانت) صفة الدوام مرتبطة بالجوهر، فمبدأ دوام الجوهر يعني انه يبقى كما هو ثابتاً على الدوام رغم تبدل الظواهر، وكميته في الطبيعة لا تزداد ولا تنقص. وكل ما يتبدل للظواهر ينتمي إلى وجود هذا الجوهر، فما يتغير هو تعين وجوده، فاعراضه تتغير وهو دائم ثابت. فالأعراض هي تعينات الجوهر، والحركة ملازمة للجوهر المقوم، والدوام شرط ضروري لتعين الظواهر.

فهذه هي ذات النظرية التقليدية لدى الفلاسفة القدماء، وإن كان لصدر المتألهين موقف آخر مغاير لسنا بصدد طرحه هنا. فالجوهر مضايف للعرض بحسب (كانت)، ولو انه تغير لكان الفرض متناقضاً، بمعنى لأصبح عرضاً وليس جوهراً. وإن كان من حيث التحقيق ان اعتبار الجوهر متغيراً كالعرض ليس متناقضاً ولا يجعله ذلك عرضاً بالضرورة، فالصفة التي يحملها وهي كونه موضوعاً للاعراض هي ما تجعله مختلفاً عن العرض، باعتبار ان الأخير لا يمثل موضوعاً لشيء. لكن يظل الجوهر في جميع الأحوال أسّ تبدل الظواهر، ووفقاً لهذا الفيلسوف انه يبقى والاعراض تتبدل، وفيه وحده يمكن تعيين تتالي الظواهر وكونها معاً. وهو لا يطلق إلا على ما نفترض وجوده في كل زمان، أي انه دائم، رغم انه لا دليل على هذا الدوام لكنه واضح وتحصيل حاصل. وعليه انتهى هذا الفيلسوف إلى ان من غير الدائم ليس ثمة علاقة زمنية، كما ان سبب دوام الزمان هو لدوام الجوهر. فالجوهر هو دوام الواقعي في الزمان. فهو يدوم حيث يتبدل الباقي، فالزمان ثابت ودائم كمناسب لشيء ثابت في الوجود وهو الجوهر.

وبحسب (كانت) فان الجوهر هو كالمكان يعتبر من القبليات، فكل شيء لو انتزعناه مما هو امبيريقي فسيبقى شيء لا يمكن انتزاعه، وهو المكان ومثله الجوهر. وبالتالي فهما من القضايا القبلية التي لا تستمد من التجربة. فمثلما ان المكان شرط قبلي لإمكان الظواهر الخارجية. فكذلك هو الحال مع الجوهر الحامل لهذه الظواهر.

فالحامل الأول لسببية كل ما ينشأ ويفنى لا يمكن ان يكون هو نفسه النشوء والفناء. وهذه القضية بنظر (كانت) هي استنتاج موثوق يؤدي إلى الضرورة الامبيرية والدوام في الوجود ومن ثم إلى مفهوم الجوهر. فالجوهر ثابت رغم توارد الصفات عليه، فهو لا ينشأ ولا يتبدل بل تنشأ حالته، والتغير الذي يحصل في حالته لا يمثل صدوراً عن عدم. وعندما يعتبر هذا الصدور بمثابة مسبب لسبب خارجي يسمى خلقاً. والخلق ليس حادثة بين الظواهر، وذلك لأن إمكانه يلغي وحده وحدة التجربة.

لقد ركز (كانت) على اعتبار الدائم يتمثل بالجوهر، ومثله المكان الذي اعتبره الوحيد المتعين بشكل دائم خلافاً للزمان، وان كل تغير أو تحول لحالة معينة - مثل (أ) هنا أصبحت هناك - فانه يفترض شيئاً دائماً في الحدس، وحيث لا يوجد حدس دائم في الحس الباطن كما في الزمان، لذا فهو في الخارج، أي في المكان. اذ ‹‹لا يمكن لمقولة الاشتراك من حيث إمكانها ان تفهم قط بمجرد العقل، ولا يمكن من ثم ان نرى الواقع الموضوعي لهذا الافهوم من دون حدس، أي من دون حدس خارجي في المكان، اذ كيف نريد ان نفكر إمكان ان توجد عدة جواهر›› تتفاعل من دون مكان مفترض سلفاً؟ وذلك كردّ على نظرية لايبتنز.

هكذا لا يمكن ان نرى الواقع الموضوعي من دون حدس خارجي في المكان. فالمكان يتضمن قبلياً علاقات خارجية صورية كشرط لإمكان العلاقات الواقعية ‹‹في الفعل ورد الفعل وبالتالي الاشتراك››. وهو ما يفترض الجوهر ومن ثم الزمان. لذلك فان (كانت) يرى انه لا يمكن ان نفسر الواقع إلا بتصور زمن يكون إما ممتلئاً بهذا الواقع أو فارغاً منه، لكن لو أُهمل الدوام الذي هو وجود في كل زمن فانه لن يبقى لنا من أجل مفهوم الجوهر سوى التصور المنطقي للحامل، ومن خلال ذلك لا يتعين أي موضوع لاستعمال ذلك المفهوم.

من كل ما سبق يمكن اختصار استدلال (كانت) على الواقع الموضوعي من خلال الفقرة التالية:

لقد أناط هذا الفيلسوف اثبات الواقع الموضوعي بالوعي الداخلي في الزمان، وللزمان صفة الديمومة لارتباطه بشيء دائم، ومن المؤكد ان هذا الشيء ليس في داخلنا، بل هو خارج عنا، وهو الجوهر في المكان، وبذلك يثبت الواقع الخارجي.

هذا هو مجمل استدلال (كانت) على الواقع الموضوعي، وهو استدلال يحمل عدداً من الثغرات المخلة، كالذي نستعرضه خلال الفقرات التالية:

1ـ قد يبدو كلام (كانت) حول علاقة الديمومة بالزمان متناقضاً. فالديمومة هي وصف زماني، والزمان ليس له اعتبار خارجي لدى هذا الفيلسوف، لذا كيف يمكن ان يكون شيء يتصف بالدوام وهو داخلي فينا، مع ان حياتنا منقطعة من دون دوام؟

2ـ إن فحوى دليل (كانت) يعتمد على التمايز بين الحدسين الداخلي والخارجي، واننا بالحدس ندرك بأن الأول متعين في الزمان خلافاً للثاني. لكن السؤال الذي يطرح بهذا الصدد: ما الذي يمنع ان يكون الحدس الخارجي المنطوي على الديمومة وهماً، طالما ما زلنا تحت إطار الحدس، وقد يخطئ هذا الحدس، فالحدس الداخلي هو حدس حضوري لا يحتاج إلى دليل، فيما الحدس الخارجي يحتاج إلى هذا الدليل، فقد يكون وهماً ذاتياً مثلما نتوهم أشياء كثيرة، ومثلما نتصور ونحن في عالم الأحلام ان الحياة التي نزاولها هي حقيقة خارجية. ففي الأحلام ليس هناك فارق نوعي بين الحدسين الداخلي والخارجي، حيث كلاهما يعودان إلى الداخل لا الخارج. واذا كان الحدس الخارجي يدلنا على الديمومة الواقعية، فلماذا رفض (كانت) ان يكون للمكان واقعاً في الخارج رغم حدسه الخارجي. أي ما الفرق بين هذين الحدسين؟ لماذا أحدهما يدل على الخارج فيما لا يدل الآخر عليه؟

3ـ إن استدلال (كانت) على الواقع الموضوعي من خلال ربط الدوام الزماني بالدوام الخارجي للجوهر يفترض مبدأ السببية القائل بأن من المحال ان يصدر شيء من لا شيء. فنحن لم نجرب الدوام، وكل تجربتنا الذاتية منقطعة، وبالتالي ما الذي يضمن لنا وجود علاقة بين دوام الزمان والجوهر الخارجي من دون افتراض السببية؟ بمعنى ما الذي يضمن لنا دوام الجوهر وثباته وانه لم يصدر عن لا شيء لولا مبدأ السببية؟ مع ان السببية لدى (كانت) هي من المقولات الصورية التي ليس لها وظيفة الكشف والحدس بل الربط فحسب. بل ان (كانت) لا يعول على السببية فيما يتعلق بالجوهر، فهو يربط السببية بالظواهر فحسب، الأمر الذي اضطره إلى افتراض مبدأ آخر قبلي اطلق عليه مبدأ الدوام الذي وصف به الجوهر وعبّر عنه بأن من المحال ان يصدر شيء من لا شيء. والعجيب ان هذا المضمون هو ذات المضمون السالب للسببية، فمن حيث المضمون الموجب تعني بأن كل صادر يحتاج إلى سبب لصدوره، وهو ما يعترف به (كانت)، أما من حيث المضمون السالب أو العدمي، فهو انه لا يمكن ان يكون هناك صادر من دون سبب مطلقاً، أو ان من المحال ان يصدر شيء من لا شيء، وما الدوام إلا نتيجة المضمون السالب لمبدأ السببية.

وبعبارة ثانية، يستنتج (كانت) من مفهوم دوام الجوهر مبدأ ‹‹لا يمكن صدور شيء عن لا شيء››. فهو ليس سوى استنتاج آخر لمبدأ الدوام، وبالاحرى لمبدأ الوجود المستمر لحامل الظواهر تخصيصاً، وهو معنى الجوهر. فلا شيء يتولد عن العدم، كما لا شيء يعود إلى العدم. ولكون الجوهر دائماً فهو لا يحتاج إلى علة عليا. فمبدأ الدوام هو مبدأ قبلي مثل مبدأ السببية. وحقيقة ان (كانت) لم يقل شيئاً سوى تحصيل حاصل.. فالجوهر دائم وثابت لأنه دائم وثابت.. في حين انه كان يفترض ان يستدل عليه من خلال مبدأ السببية الذي يحيل ان يصدر شيء من لا شيء. واذا كان هذا الفيلسوف يمنع صدور الجوهر من علة خارجية لمبدأ الدوام كما يقول، فكيف أجاز ان تصدر سلسلة الأسباب والمسببات من الإرادة الحرة للشيء في ذاته، رغم ان الأولى تتصف بالدوام الثابت، وان الأخيرة – أي الإرادة - هي علة خارجية غير مشروطة بالظواهر الطبيعية وقوانينها السببية؟!

4ـ لقد ربط (كانت) اثبات الواقع الموضوعي بالمشترك من الجواهر في المكان، لكن هذه العناصر تعتبر لديه من التصورات القبلية، وبالتالي كيف يعتبر هذه التصورات التي ليس لها حقيقة واقعية مطلقة أساساً لاثبات الواقع؟ فهذا الفيلسوف يسلم بالحقيقة الخارجية للظواهر في المكان والزمان، وقد اوهم ذلك البعض بوجود الظواهر في الواقع الخارجي، خاصة وان لدى (كانت) من النصوص ما يبدي هذا المعنى، لكنه سرعان ما يعتبر ذلك من التصورات، وهو رغم هذا يميزها عن الحلم وفقاً للقوانين الامبيرية. اذ يرى ان هناك اختلافاً بين الحقيقة الامبيرية للفكرة وبين الحلم. ومن ثم فهو لا يتجاوز في تقريره الواقع الحسي دون الواقع الموضوعي الصرف. فالذي نفهمه بعيداً عن نصوصه التي تبدي التناقض ان الواقع الموضوعي لديه يتداخل مع الحساسية البشرية، فاحدهما مندمج مع الآخر، وبهما يتشكل الحدس المكاني ومضامينه. بل يخيل إلي ان (كانت) يكاد يتحدث عما يشبه أحوال المعتزلة فيما يخص الظواهر، فيبدي انها ليست حسية باطنية، بل حسية خارجية لكنها في الوقت ذاته تشكل تصورات ليس لها واقع موضوعي حقيقي، حيث يصفها بالواقعية أو حتى الحدس الخارجي والحسي. وهي اشبه بالاعيان الثابتة لدى العرفاء، فلا هي موجودة خارجاً، كما انها ليست معدومة. أو هو يذكر بالوصف الفيزيائي الغريب حول قطة شرودنجر كما روجت إليه مدرسة كوبنهاكن الكوانتية، فاعتبرتها ليست حية ولا ميتة، بل معلقة حتى يُفتح الصندوق. ويعرّف (كانت) الموضوعات الخارجية بأنها ليست سوى مجرد تصورات لحساسيتنا التي صورتها المكان، ومتضايفها الحقيقي هو الشيء في ذاته الذي لا يعرف ولن يعرف.

فمن وجهة نظر (كانت) ان أذهاننا مصممة بالشكل الذي نرى الأشياء الخارجية كما هي وفق عدد من المقولات القبلية، وان هذه المقولات تظهر لنا واضحة جلية، وهو يبدي ان لهذه المقولات واقعاً موضوعياً حيث يشير إلى انه لا معنى ان تكون كذلك ان لم يكن لها واقع موضوعي، فيوهم بأنه يصادر هذه المقولات في نسبتها إلى الواقع الظاهر، في الوقت الذي يغيّبها من عالم الشيء في ذاته. فهناك عالم مزدوج بنوع من المفارقة، فمن جهة هناك عالم يشتمل على الظواهر الطبيعية التي تتأطر بالزمان والمكان وتتضمن علاقات سببية حتمية، وعبارات (كانت) توهم أحياناً بأن هذا العالم هو موضوعي خارجي يقابل عالماً آخر باطني يخلو من تلك الاطر والعلاقات. وكأن هناك مفارقة لدى الواقع؛ ظاهره يناقض باطنه، وان هذه المفارقة المفترضة تشابه ما يدعو إليه العرفاء من وجود عالمين متناقضين، أحدهما ظاهر يمتثل لكل القضايا المنطقية والعقلية والضرورية، في حين ان باطن هذا العالم يتحرر كلياً من هذه القيود دون ان يمتثل لها أبداً. فحتى بخصوص مبدأ عدم اجتماع الأضداد فانه لا يتحكم بهذا العالم الخفي، فهو جامع الأضداد والتناقضات، وهو المتحرر من كل قيد وشرط ووصف، وهو الأحد بلا إسم ولا رسم ولا نعت[2]. وهو بالتالي أشبه ما يكون (الشيء في ذاته) المجهول الهوية واللامشروط بحسب تعبير فيلسوف التنوير (كانت).

5ـ نعتقد ان الأصل في الزمان لا يرتبط بالجوهر المادي ذاته، وانما بمطلق الوجود، سواء كان الوجود ذاتياً أو خارجياً، ودوام الزمان نابع من دوام هذا الوجود باعتباره عارضاً عليه. وبالتالي لا يمكن ان يكون الزمان دليلاً في حد ذاته على الواقع الموضوعي.

6ـ إن من المفارقات التي سقط فيها (كانت) هي انه اعتمد في اثباته للواقع الموضوعي على دوام الزمان، في حين انه قد ذهب فيما بعد إلى ان الزمان ومثله المكان لا تعلم حقيقتهما إن كانت تتضمن الدوام واللانهاية أم لا، وهو المبرر الذي جعله ينكر وجودهما الواقعي. وتنطوي هذه النتيجة على مفارقتين، احداهما اقراره بعدم وجود ما يثبت التسلسل في الزمان، وهو ما يعني العجز عن اثبات الدوام الثابت خلافاً لمصادرته السابقة التي اعتمد فيها على اثبات الواقع الموضوعي. كذلك فانه قد نفى واقعية كل من المكان والزمان وما فيهما من ظواهر، وذلك على خلاف ما أراد اثباته عبر فكرة الجوهر وعلاقته بالزمان.

وبالتالي فما يغزله هذا الفيلسوف هنا ينقضه هناك!

وعموماً نعتقد انه لا سبيل لنا للاستدلال على الواقع الموضوعي جملة؛ كالذي فصلنا الحديث عنه في (الاستقراء والمنطق الذاتي).

 

يحيى محمد - مفكر وباحث

...........................

[1] اعتمدنا في كل ما يتعلق بتفصيل نظرية عمانوئيل كانت على كتابه: نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة، مركز الانماء القومي، بيروت، عن مكتبة الموقع الإلكتروني:

 www.4shared.com.

[2] لدى الصوفية ان هوية الحق تقبل الأضداد والصور لكونها محيطة بالكل وشاملة للجميع، وقد سئل أبو سعيد الخراز: بم عرفت الله؟ فقال: بجمعه بين الاضداد، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن. فهذه الحدود – بحسب ما يراه العرفاء - تصدق عليه من وجه واحد وليس من وجوه متعددة كالذي يتوهمه العقل ويحيله[2]، فالعقل لا ينسب الضدين إلى شيء واحد إلا من جهتين مختلفتين، لذلك كان هناك طور فوق طور العقل المشوب بالوهم، وعلى رأيهم انه ليس لنا الإحاطة بحدود جميع صور العالم وأرواحها وحقايقها ومعانيها، ومن ثم لا يمكن حد الحق، فهو لا يتميز بخصوصية تفصله عن خصوصية أخرى، وإلا كان محدوداً ومقيداً بتلك الخصوصية، وبالتالي فحيث لم تنحصر الصور وتنضبط التعينات غير المتناهية؛ لذا لا يمكن حد الكل إلا بمجمل كليته (انظر حول ذلك: ابن عربي: الفتوحات المكية، دار احياء التراث العربي، الطبعة الأولى، 1418هـ - 1998م، ج1، ص2432. وترجمان الاشواق، دار صادر، بيروت، 1386هـ - 1966م، ص85. وداود بن محمود القيصري: مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم، منشورات انوار الهدى، الطبعة الأولى، 1416هـ، ج1، ص260. ومؤيد الدين الجندي: شرح فصوص الحكم، تعليق وتصحيح جلال الدين اشتياني، انتشارات دانشگاه مشهد، ايران، ص277-279).

 

rasha mahiralbadriملخص المترجمة: المقال يعد شهادة أكاديمية عن أثر النقاش الفلسفي الذي أثاره فكر رولز، أثناء طرحه لكبرى أعماله، وعقب وفاته، وحتى وقتنا الراهن. العنصر الجوهري في الطرح هنا يتمثل في أهمية الفعل الايجابي نحو أمر ما، عودة مغايرة لفلسفة العمل/ الفعل أو ما اصطلحنا عليه بـPraxis الممارسة، تبعًا للفكر الماركسي أو بالأحرى لجرامشي. فلا يتوقف الجدل الايجابي المتطلب بين الإنسان والطبيعة وآليات العمل فحسب، بل بين الإنسان وتفعيل أفكاره على أرض الواقع، أي ارتباط النظرية بالتطبيق وآثار ذلك وفقًا لروح المصطلح. العنصرية أو التمييز القائم بين نوع الإنسان وعرقه، أمر ليس بعيدًا عن واقعنا المعيش، من أين نتج؟ وكيف يتم معالجته؟ وما دور العدالة إنصافًا هنا؟ كيف يكون المجتمع عادلًا؟ هذا ما يحاول المقال الإجابة عنه في يسر ووضوح، وطرح قضية واقعية كمثال من قلب أحداث الولايات المتحدة الأمريكية، أي من السياق المعاصر لرولز وناجل، عبر تضمين أهمية الفعل الايجابي.

 

ملاحظة المحرر:

أحد الفلاسفة المعاصرين الأكثر تأثيرًا في الأمة. على الرغم من أن جون رولز([1]) لم يَذكر مطلقًا، في كتاباته، رؤيته عن مدى صلاحية "العِرق" في القبول بالجامعات، إلا أنه أبدى في محادثة بأهمية الدفاع عن دستورية الفعل الايجابي.

جون رولز الذي توفى في نوفمبر الماض عن عمر يناهز 81 عامًا، وكان أعظم فيلسوف سياسي في القرن العشرين، كان مسؤولًا عن احياء الفكر الفلسفي الجاد حول المسائل الاجتماعية المعاشة في الأربعين سنة الماضية. من بين القضايا التي حظيت بالاهتمام الأخلاقي المتواصل والحجة "الفعل الايجابي"، وبشكل ما، قد أثَّر المناخ الثقافي الذي أنتجه رولز على هذا النقاش.

رولز نفسه لم يكتب أبدًا في هذا الموضوع، ومن العسير القول بأن نظريته في العدالة تضمنت ذلك. أردت توضيح وشرح هذا، رغم أن أفكاره أحدثت تأثيرًا في هذه المسألة.

باديء ذي بدء، تتركز حياة رولز بنحو شبه كامل على ما دعاه بـ"النظرية المثالية"، وقصد بها كل ما يشكل المجتمع العادل بالفعل، والسبب في ذلك. النظرية المثالية تُمَكِّن القول بأن المجتمع يعد ظالمًا، طالما فشل في تحقيق المثل الأعلى، وبعد عنه، لكنها لا تُمَكِّن من معرفة ماذا يجب أن نفعل،كما هو سائد تقريبًا، حينما يكون المجتمع جائرًا ونرغب في تصحيح هذا الجور، و تلك المخالفة التي دعاها بـ"النظرية اللامثالية". ويبدو أن "الفعل الايجابي"، سياسة هدفت التعامل مع العواقب الجائرة لتاريخ جائر. وسيان كان الفعل الايجابي هو في حد ذاته عادلًا أو جائرًا، فهذا بمثابة سؤال جوهري لنظرية غير مثالية في مجتمع مثل مجتمعنا.

في رائعته "نظرية في العدالة" المنشورة عام 1971، يناقش قضيتين فحسب من النظرية اللامثالية: العصيان المدني والاعتراض الواع على الحرب الظالمة. وكلتيهما تصدرتا القضايا العامة والهامة خلال 1960، بسبب حركة الحقوق المدنية وحرب فيتنام. لكن "الفعل الايجابي" بدأ فقط كقضية رئيسية في أوأئل السبعينات؛ عقب التخلص نهائيًا من التمييز القانوني، وعدم البت في حالة "باك"([2])Bakke حتى 1978. آنذاك، أبدى رولز رأيه في محادثة حول أهمية الدفاع عن دستورية "الفعل الايجابي"، لكنه لم يشر إلى ذلك في كتاباته، على حد علمي، اللهم بشكل غير مباشر.

حدثت هذه الإشارة الضمنية في كتابه "العدالة كإنصاف: إعادة صياغة" والذي نشر عام 2001 على أساس الملاحظات التي وزعها على طلابه لسنوات عدة في جامعة هارفارد. في معرض تعليقه على نظرية العدالة، قال هناك: "إن المشاكل الخطيرة الناشئة عن التمييز والتفرقة القائمة على أساس النوع والعرق، ليست في جدول الأعمال... وهذا في الواقع إغفالًا في النظرية؛ لكنه لم يكن إغفال من سبيل الخطأ. ... سواء كان الخطأ الموجود هناك يتوقف على الكيفية التي توضع بها القيم السياسية اللازمة للتعامل مع تلك الأسئلة. العدالة كإنصاف، وغيرها من المفاهيم الليبرالية المشابهة، ستكون بالتأكيد معيبة جدًا، وتفتقر للمصادر اللازمة التي توضح القيم السياسية الأساسية، ولتبرير المؤسسات الشرعية والاجتماعية اللازمة، لضمان المساواة للنساء والأقليات".

ما الذي تخبرنا به نظرية رولز المثالية في العدالة، أيمكن أن تساعدنا في تقرير ما ينبغي علينا فعله تجاه وضعنا الراهن اللامثالي، الشديد الظلم؟ ابتداءً، تمكننا من تمييز الطرق التي يكون بها المجتمع المعيش ظالمًا، فمباديء رولز تتطلب ثلاثة أشياء للمجتمع العادل: لكل شخص حرية شخصية مساوية، ووضع سياسي مساو (أولًا)؛ وأن يكون هناك مساواة عادلة من الفرص في المنافسة الاجتماعية والمزايا الاقتصادية، التي حتما ستوزع على نحو غير متساو في المجتمع الحر (ثانيًا)؛ وأن ذاك التفاوت في الفائدة اقتصاديًا، على سبيل المثال، يكون جزء من نظام اجتماعي اقتصادي يأخذ في الحسبان المستفيدين على نحو أقل، قدر المستطاع، وهذا يتسق مع المبدأين السابقين (ثالثًا).

المبدآن الأوليان يؤثران في الأصل العرقي؛ الرق والتفرقة والتمييز العنصري، انتهاك واضح للمبدأ الأول. بيد أن الوضع الذي جعل "الفعل الايجابي" يبدو كقضية، عقب إلغاء التفرقة القانونية والانخفاض الكثيف للتمييز العنصر الواضح. بالطبع، "الفعل الايجابي" يمكن التصدي لاستمرارية التمييز ضد الأقليات، الخفي أو اللاشعوري، لكن وظيفته البالغة الأهمية الآن في التعاليم العالي، تتمثل في زيادة تمثيل الأقليات المضطهدة تقليديًا في المؤسسات؛ إذ أنهم سيكون عددهم أقل بكثير إذا ما استخدم العرق كعامل في القبول.

 

"أذكر أنه في وقت اتخاذ باك قراره، أبدى رولز في محادثة عن أهمية الدفاع عن دستورية الفعل الايجابي"

 في الوقت الراهن، يتم الدفاع عن الأفضليات العرقية، عادة، بدعوى التنوع. هذا سيان؛ لأنه هو ما أعلن في قرار قبول باك، ولأنه يسمح للجامعات بانصهار الفعل الايجابي لتفضيلات مجموعات كالرياضيين والموسيقيين، والناس بالمصالح الغير عادية. لكن هذا، في اعتقادي، يقلل من السبب الرئيسي للتفضيلات العنصرية، كمحاولة للتغلب على التقسيم الطبقي الاجتماعي المستمر لمجتمعنا على أسس عرقية، باستخدام التعليم؛ لاضافة المزيد من السود في التيار الرئيسي الاقتصادي، والمهني، والسلطة السياسية والنفوذ.

وفقًا لشروط مفهوم رولز، الظلم ذلك الفعل الايجابي ينبغي أن يسعى لمواجهة الشكل الخاص من الفشل لتحقيق المساواة العادلة للفرص. في عمله، يركز رولز، أساسًا، على عدم المساواة الاقتصادية باعتبارها تهديدًا لتكافؤ الفرص. ذاك وُلِد فقيرًا ولا يستطيع أن يتنافس بفعالية مثل رغداء العيش، لشغل المناصب المرغوب فيها؛ لأن أسرهم لا يمكن أن تعطي لهم نفس المستوى من التعليم، ونفس الشبكة من الدعم، والمزايا الثقافية ذاتها، والرعاية الصحية، وهكذا دواليك. من المرجح أن يكون الدافع أقل للنجاح أيضًا، وهذا يعني أن ليس لديهم فرصة متساوية عادلة، حتى لو لم يتم التمييز رسميًا ضدهم.

لكن العِرق سبب مستقل وأكثر عسرًا من المساواة العادلة للفرص في مجتمعنا؛ بسبب الاسترقاق ويليه قرن من التمييز المفروض قانونيًا، والقهر الاقتصادي، وبسبب تمايز هويتهم المادية، والأحكام المسبقة المستمرة من الأعضاء الآخرين في المجتمع، والتي تنفرد بابعادهم. السود يشكلون مجموعة وراثية، يرث أعضائها الحرمان الاجتماعي العام. الضرر القائم اقتصادي وسياسي، والأهم من ذلك، نفسي؛ تبعًا لعلم النفس، من الأقلية فضلًا عن الأغلبية. وطالما أن الانفصال والحرمان مستمر للسود كمجموعة، فإن أولئك الذين ولدوا ببشرة سوداء سيعانوا من الضرر المنتظم في التنافس على الأماكن بمجتمعنا، ذو التنافسات المرتفعة. هذا في حد ذاته جور، والمنتج التاريخي للجور الأسوأ بمراحل كثيرة. التفضيلات العرقية في التعليم توفر طريقة، لمحاولة كسر جمود التعزيز الذاتي في النظام الطبقي الأمريكي العظيم.

المجتمع العادل ليس في حاجة لتفضيلات عرقية، وإذا ما أدخلت إلى مجتمع عادل، فإنها تجعله ظالمًا وفقًا لمعايير رولز. لكن رولز رجل أبيض، من الجنوب، والذي كان بطله التاريخي إبراهام لينكولن، الذي اعتبر الاسترقاق والتمييز العنصري من نماذج الظلم. أعتقد، متحدثًا عن نفسي، أنه كنتيجة طبيعية لعدالته المثالية، هناك ما يبرر اتخاذ تدابير استثنائية مثل "الفعل الايجابي" إذا كان يخدم على المدى البعيد، إصلاح الوضع اللامثالي الواضح، والذي يعد جورًا قد تركوه لنا.

 

الفعل الايجابي: القضية في المساواة لا التنوع

"يجب علينا التوقف عن استخدام "التنوع"، كخط أساسي في تبرير القبول الانتقائي وهو حجة ضعيفة، قلما وجد لها صحة عملية. الأقليات الذين فعلوا ذلك في كلية "البيض"، يعرفون بالفعل كيفية العمل في عالم البيض. الأبعد من ذلك، القيمة الرئيسية من "التنوع" تكون في تعلم الطلاب البيض من الأقليات، وفي هذا استخدام للسود واللاتنيين، لغايات البيض. ومن الصعوبة بمجال، أن يكون مثيرًا للدهشة، تفضيل السود، غالبًا، في جامعتنا الاقتران بسود آخرون، وأنه بعبارات عملية، فشل الاقتراب المادي في تعزيز التنوع الاجتماعي والتعليمي.

إن خصوم الفعل الايجابي قد يكونوا على صواب. المسألة تكمن في المساواة، لا التنوع. عدم المساواة قضية دستورية، والهدف من ذلك التكافؤ العددي. مع ذلك، في بعض الأحيان، تسند المساواة الدستورية بمقتضى بند الحماية المتساوية في التعديل الرابع عشر على الاعتراف وقبول الاختلاف، مثل الفروق بين الجنسين في الطول والوزن، والقوة في معايير الاختيار لضباط الشرطة. تطبيق معيار "اللا فرق" وسيلة للإختيار، غالبًا، ما تَنتج من عدم المساواة، وتحقيق "اللا فرق" في الحصيلة يأتي من عملية، غالبًا، ما تتطلب قبول الاختلاف في وسائل الانتقاء".

 

بقلم: توماس ناجل(**)

ترجمة: رشا ماهر البدري(***)

............................

-  ك. إدوارد رينر، أكاديمي، يناير-فبراير 2003

(*)Nagel (Thomas), John Rawls and Affirmative Action: The Journal of Blacks in Higher Education, Published by CH II Publishers. No. 39 (Spring, 2003), pp. 82-84

(**). من مواليد يوليو 1937، أمريكي الجنسية، أستاذ الفلسفة والقانون في جامعة نيويورك منذ 1980، وتخصص في فلسفة العقل، والفلسفة السياسية، وفلسفة الأخلاق. له العديد من المؤلفات الفكرية المؤثرة، منها: امكانية الإيثار 1970، رؤية من اللامكان 1986، ماذا يعني كل ذلك؟ مقدمة مختصرة جدًا في الفلسفة 1987، أسئلة فانية 1991، المساواة والانحياز 1991، الكلمة الأخيرة 1997، عقول أخرى: مقالات نقدية 1999، الاخفاء والكشف: ومقالات أخرى 2002، الفلسفة العلمانية والنزعة الدينية: مقالات 2010، العقل والكون: لما تصور الدارونيين الجدد المادي للطبيعة كذبة مؤكدة 2012. (المترجمة)

(***). باحثة في الفلسفة الغربية المعاصرة، كلية الآداب، جامعة القاهرة. مصر. Rasha_Maher@live.com

(1). جون بوردلي رولز (1921/2002) أستاذ الفلسفة الأخلاقية والسياسية في جامعة هارفارد منذ 1961. عقب حصوله على دكتوراة الفلسفة من جامعة برنستون عام 1950، ظل يُدرِس فيها حتى 1952 حينما حصل على زمالة فولبرايت Fulbright Fellowshipلجامعة أكسفورد، وكان قد تأثر بالمُنظِر السياسي الليبرالي، المؤرخ أشعيا برلين BerlinIsaiah (1909-1997)، والمنظر القانوني هربرت هارت Hart Herbert (1907-1992). حينما عاد إلى الولايات المتحدة الأمريكية عمل كمساعد، ثم مدرسًا مساعدًا في جامعة كورنيل، وفي عام 1961 أصبح أستاذًا للفلسفة في الجامعة ذاتها. وسرعان ما حقق مكانة قوية في معهد ماساتشوستس Massachusetts للتقنية. في العام نفسه، انتقل إلى جامعة هارفارد ومكث يُدِرس فيها ما يقرب من أربعين عامًا، وتدرب علي يديه، وحضر محاضراته أبرز الشخصيات المعاصرة، الرائدة في مجال الفلسفة الأخلاقية والفلسفة السياسية مثل: توماس هيل Thomas E. Hill (1937+)، توماس ناجل Thomas Nagel (1937+)، باربرا هيرمان Barbara Herman ( - )، أونورا أونيل Onora O'Neill (1941+)، مارثا نوسباوم Martha Nussbaum (1946+)، صمويل فريمان Samuel R. Freeman ( - )، أدريان بايبر AdrianMargaret Piper (1948+)، جوشوا كوهين JoshuaCohen (1951+ )، سوزان نيمان Susan Neiman (1955+)، توماس بوج Thomas Bug (1970+) وغيرهم. بل وأشرف على أطروحات دكتوراة بعضهم.بدأ في نشر أعماله في الجريدة الفلسفية التي طرحها قسم الفلسفة بجامعة برنستون عام 1950، ففي عام 1951 طرح بحثًا تحت عنوان "موجز إجراء الحكم الأخلاقي" Outline of a Decision Procedure for Ethics، ثم عام 1955 طرح "مفهومان للقواعد" Two Concepts of Rules، وظهر بحثه الذي حقق صخبًا شديدًا في الوسط الأكاديمي أنذاك "العدالة كإنصاف" "Justice as Fairness في عام 1957، وتوالت تنقيحات هذا البحث عدة مرات، ردًا على النقد الذي وجه إليه حتى عام 1962. "الحرية الدستورية ومفهوم العدالة"Constitutional Liberty and the Concept of Justice عام 1963، "الاحساس بالعدالة" عام 1963، "الالتزام القانوني وواجب الإنصاف" 1964، "العدالة التوزيعية" 1967، ثم "العدالة التوزيعية: بعض الملاحق" 1968، وعدة أبحاث أخرى ما يقرب من عشرين بحثًا ويزيد، آخرهم "فكرة العقل العام: إعادة طرح عام 1997. تم تجميع تلك الأبحاث وطرحها في كتاب حرره صمويل فريمان S. Freeman تحت عنوان "جون رولز: أوراق مجمعة" عام 1999. وأثناء تلك السنوات طرح أيضًا كتبه الضخام الخمسة كالتالي: "نظرية في العدالة" 1971، و"الليبرالية السياسية" عام 1993، ثم "نظرية في العدالة: نسخة منقحة" عام 1999، و "قانون الشعوب وعودة فكرة العقل العام" 1999، "محاضرات في تاريخ فلسفة الأخلاق" عام 2000، وأخيرًا "العدالة كإنصاف: إعادة صياغة" عام 2001. (المترجمة)

(2). في عام 1972 تقدم شخص أبيض البشرة، مهندسًا، يدعى آلان باك Allan Bakkeوكان عمره 33 عامًا، للالتحاق بكلية الطب جامعة كاليفورنيا، في ديفيز، الولايات المتحدة الأمريكية، ولم يُقبل. كان أحد ألفان ستمائة أربعة وستون من المتقدمين ذاك العام لمائة مقعد فحسب. ورأى أن يقدم طلبًا مرة أخرى في العام المقبل، وتم رفضه ثانية. في تلك السنة الثانية، تم اجتياز اختبار قبول كلية الطب لأقلية ومع معدلات تراكمية لمؤهلات أدني من "باك"، في إطار برنامج خاص بقبول الأقلية. هذا البرنامج حدد 16 مقعد من 100 لفئة دخول الأقليات بعنوان: السود، المكسيكيين، الآسيويين، والهنود الأمريكيين. بعد رفضه للمرة الثانية، في 1974 رفع "باك" دعوى قضائية في المحكمة العليا بولاية كاليفورنيا، ضد الجامعة على أساس أن حقوقه قد تم انتهاكها تحت بند الحماية المتساوية في التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي. دستور ولاية كاليفورنيا، والباب السادس من قانون الحقوق المدنية لعام 1964، الذي يحظر استبعاد أي شخص من برنامج تموله الحكومة الفدرالية على أساس العِرق. أنظر في ذلك:

 http://legal-dictionary.thefreedictionary.com/Bakke+case

(المترجمة)

 

hatam hamidmohsinتنقسم الفلسفة الى ثلاثة حقول: الفيزياء (دراسة العالم الفيزيائي)، الاخلاق (دراسة المبادئ الاخلاقية)، والمنطق (دراسة المبادئ المنطقية). هذه المجالات تستلزم اما دراسة "تجريبية"لتجاربنا، او تحليل "خالص"للمفاهيم."الميتافيزيقا"هي دراسة المفاهيم النقية المتصلة بالتجربة الاخلاقية او الفيزيائية.

الناس يفترضون عموما ان المبادئ الاخلاقية يجب ان تنطبق على جميع الكائنات الرشيدة في كل الاماكن والاوقات. لهذا يجب ان ترتكز المبادئ الاخلاقية على مفاهيم العقل، في تضاد مع الخصوصيات الثقافية والشخصية. ان الهدف من تأسيس ميتافيزيقا الاخلاق هو لتطوير فهم اوضح للمبادئ الاخلاقية، يمنع تشتت الذهن وصرف الانتباه وكذلك لتطوير العديد من المبادئ العامة حول الواجبات الاخلاقية. تنطلق فلسفة كانط في الاخلاق من المبادئ التالية:

1- الافعال تكون اخلاقية فقط عندما تتم لأجل الاخلاق وحدها (دون اي دوافع اخرى مختبئة).

2- السمة الاخلاقية للفعل يُحكم عليها ليس طبقا لنتائج الفعل وانما طبقا للحافز الذي انتجها.

3- الافعال تكون اخلاقية فقط عندما تتم لأجل احترام القانون الاخلاقي (عكس الدوافع الاخرى كالحاجة او الرغبة).

طالما ان المصالح المحددة والظروف والنتائج لا يمكن اعتبارها، فان "القانون"الاخلاقي يجب ان يكون صيغة عامة تُطبّق على جميع المواقف. وبدلا من ان يأمر القانون الاخلاقي بتبنّي افعال محددة، فهو لابد ان يعبّر عن المبدأ بان الفعل يجب القيام به بحافز خالص، بدون اعتبار للنتائج. الصيغة التي تلبي هذه المعايير هي التالي: نحن يجب ان نتصرف بطريقة نرغب فيها ان يصبح المبدأ الدافع لسلوكنا قانونا عالميا. الناس لديهم احساس بديهي بهذا القانون، ومن المفيد للفلسفة ان تحدد القانون بوضوح لكي يحفظه الناس في عقولهم.

انه من المستحيل تقريبا ايجاد امثلة عن الافعال الاخلاقية الخالصة. تقريبا، كل فعل نلاحظه يمكن نسبته الى بعض الدوافع او المصالح التي لا تندرج ضمن الاخلاق الخالصة. غير ان هذا يجب ان لا يثبطنا لأن المبادئ الاخلاقية تأتي من العقل وليس من التجربة. في الحقيقة ان المبادئ الاخلاقية لا يمكن ان تاتي من التجربة، لأن كل التجارب تعتمد على ظروف معينة بينما المبادئ الاخلاقية يجب ان تمتلك صلاحية مطلقة مستقلة عن كل الظروف.

ولأنه يُطبّق في كل الظروف، فان المبدأ الاخلاقي الاساسي للعقل يسمى "الضرورة الحتمية" categorical imperative. الضرورة الحتمية يُعبّر عنها طبقا لنفس الصيغة كقانون اخلاقي: تصرّف فقط بطريقة انت تريد فيها للقاعدة الاخلاقية (المبدأ المحفز) لسلوكك لتصبح قانونا عالميا. عندما ينتهك الناس الضرورة الحتمية، فهم يطبقون على سلوكهم معيار يختلف عما يريدون تطبيقه على كل شخص اخر بصيغة قانون عالمي .هذا التناقض ينتهك مبادئ العقل.

ان الضرورة الحتمية يمكن صياغتها ايضا كمطلب لوجوب ان لا نتعامل مع الكائنات الرشيدة الاخرى مجرد وسيلة لأهدافنا. الكائنات الرشيدة لديها المقدرة للسعي نحو غايات محددة سلفا عن طريق رغباتها، ولكن في متابعة اهدافها، هي لا تعتقد ابدا بانها ذاتها مجرد وسائل لهدف آخر، الناس ذاتهم هدف لافعالهم .. هم "غايات بذاتهم". لو تعاملنا مع الكائنات الرشيدة الاخرى كمجرد وسائل، سنناقض حقيقة ان كل الكائنات الرشيدة هي غايات بذاتها. في هذه الحالة، مبادئنا سوف لن تكون قوانين عالمية، و سوف ننتهك الضرورة الحتمية. طريقة اخرى للاعلان بان الكائنات الرشيدة هي غاية بذاتها هي القول ان الكائنات الرشيدة هي في نفس الوقت الخالق والخاضع للمبادئ التي تنفذها من خلال رغباتها. الضرورة الحتمية ربما يمكن ايضا صياغتها كمطلب لكي نتصرف فقط طبقا للمبادئ التي تكون قوانين في "مملكة الغايات" - او مجموعة قانونية فيها كل الكائنات الرشيدة كانت في وقت ما الخالق والخاضع للقوانين.

الجدال حتى الان اسّس ماهية القانون الاخلاقي، لكنه لم يبيّن لماذا نشعر بوجوب ان نكون اخلاقيين. الاساس للاخلاق هو مفهوم الحرية. الحرية هي المقدرة لمنح قانونك الخاص لرغبتك. عندما نتبع طلبات بعض الحاجات والرغبات او الظروف، سنكون في حالة "فقدان الحرية الاخلاقية"، وان رغباتنا تتقرر بشيء خارج ذواتنا. عندما نتبع الضرورة الحتمية ونختار المبادئ التي قد تكون قوانين عالمية، سنكون في حالة "الاستقلالية الذاتية"نستعمل العقل في تقرير قانون خاص لانفسنا. بكلمة اخرى، نكون احرارا.

حرية الرغبة لا يمكن ابدا اظهارها بالتجربة. انها مبدأ للعقل بان كل شيء نفهمه ربما يتضح على اساس الظروف المسبقة. بكلمة اخرى، العالم الذي نلاحظه ونفهمه هو عالم محكوم بمبدأ ان كل حدث نتج عن حدث آخر. لكن هذا العالم ليس اكثر من صورة يطورها العقل في صنع احساس بـ "الظهور". ان عالم "الاشياء بذاتها" – الاشياء المجسدة للظهور – له نوعيات مختلفة، بما فيها حرية الرغبة. نحن قد لا تكون لدينا معرفة بالاشياء في ذاتها. وهكذا لا يمكن اثبات او عدم اثبات حرية الرغبة. كل ما نعرف هو اننا نمتلك مفهوم لحرية الرغبة وان الاخلاق تتاسس على هذا المفهوم.

 

تحليل ونقد

سنعرض هنا عدد من الانتقادات لكانط. بعض الفلاسفة يرون ان عقائدنا الاخلاقية عند التطبيق مرتكزة على البديهية وليس على العقل. هيجل اشار الى ان المعتقدات الاخلاقية لا يمكن ابدا ان تكون غير مشروطة لأن الاسئلة الاخلاقية يجب ان تُحل في سياق المجتمع الذي نعيش فيه. نيتشة جادل بان العقل ليس مصدرا للحرية الاخلاقية وانما هو عائق للاختيار الحر.

الخيط المشترك في كل هذه الانتقادات هو ان موقف كانط شديد التجريد بحيث يصعب ان يكون نافعا. ككائنات بشرية، نحن نعيش في مكان وزمان معينين. ليس من الضروري او المرغوب لنا ان نفصل عقلانيتنا عن الخصائص الاخرى لشخصيتنا. نحن ربما نفكر في قضايا بطريقة مجردة، وربما نتصور مواقف الناس الآخرين، مع ذلك يجب ان تكون نقطة البداية لنا دائما هي موقفنا الخاص في الحياة.

انها سمة اساسية و"غلطة"شائعة، لو افترضنا وفق افكار التنوير اننا نستطيع تجاهل خصوصياتنا وبامكاننا اكتشاف مبادئ العقل. هذه الغلطة ممكنة لأن فلاسفة التنوير جاؤوا من ثقافة متجانسة نسبيا (اوربا القرن الثامن عشر) ومن موقف طبقة متجانسة نسبيا (الأمن المالي النسبي). هذا التجانس قاد مفكري التنوير للتبسيط المفرط للاسئلة المحددة، مفترضين ان الاجوبة عليها هي "عقلانية" بينما هي في الحقيقة تعتمد على افتراضات ثقافية. فمن جهة، فلسفة كانط وفلسفة التنوير عموما ليست فلسفة الامتيازات . في الحقيقة، افكار كانط هي ثورية في المساواة. طبقا لكانط، الحقائق الاخلاقية لا تأتي من الأعلى عبر الوحي الديني او الالهام. بل، هي ترتكز على اسباب تجعل هناك معنى لكل الناس الذين يسعون للتفكير فيها. ان الحماس الذي يتبنّى فيه الناس الرؤى الاخلاقية يشير الى ان العديد منهم يستمرون بالإيمان في رؤية كانط بان المبادئ الاخلاقية يجب ان تكون مطلقة وعالمية. لاحقا وفي القرن العشرين اصبح الناس اكثر وعيا بالتنوع مما كان ايام كانط. وبالتالي، نحن ربما لدينا ثقة اقل منه بان ما يجعل هناك معنى لنا سيجعل معنى للناس الآخرين. مع ذلك، في ايامنا هذه كما في ايام كانط، يميل الناس للاعتقاد ان عقائدهم الاخلاقية تعني ما هو اكثر من مجرد انحياز ثقافي.

وكما في كل الفلاسفة الكبار، اثار جدال كانط نطاقا واسعا من الردود الايجابية والسلبية . ومهما تصورنا رؤية كانط، سيكون من الصعب التقليل من قيمة التأثير التاريخي "لثورته الكوبرنيكونية" في الفلسفة. حتى اليوم، وبعد مرور قرابة 200 سنة على وفاته، يبقى لجدال كانط حضوره المؤثر في الفلسفة.

Grounding for The metaphysics of morals , sparkNote philosophy guide.

 

zouhair khouildi"ليست جميع الأشياء إلا أسماء أطلقها البشر عليها، واعتقدوا في صدقها، مثل الكون والفساد، الوجود واللاّوجود، النقلة في المكان، وتغير اللون الساطع."

 بارمنيدس، قصيدة في الطبيعة

فلسفة الطبيعة هي عبارة ملتبسة ويعود أصل الالتباس في مظاهره المتعددة إلى ما يلي:

- في الحقبة الكلاسيكية يطلق على الفيزياء اسم فلسفة الطبيعة ويشير المصطلح إلى مضمون علمي بشكل حصري ويمكن الاستناد إلى كتاب نيوتن "المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية" (1687).

- فلسفة الطبيعة في القرن 19 تعني مجموع التأملات للمثالية الألمانية (فيخته- شيلنغ وهيجل).

- يمكن استعمال هذا المصطلح في الإشارة المرجعية إلى شبكة من المشاكل الضرورية في فهم العالم مثل: كيف تصير الطبيعة مدركة؟ هل تصير الطبيعة أمرا مفهوما بالاعتماد على خصائصها أو أن الضروري في معرفتنا لها قد تم حمله بواسطة جهازنا العرفاني؟ وكيف حاز التصور الحديث للطبيعة على التناغم المطلوب؟ وهل ثمة حقيقة في ذاتها تعرف بواسطة الحدس والصورية البشرية أم أن عالمنا ليس شيئا آخر سوى مظهر؟ هل تجريدات الفيزياء مشروعة أم أنها تحرف الواقع؟ وهل تخترق هذه التجريدات العالم أم أنها تهمش معطيات هامة؟ هل الكون محدد؟ كيف يكون متفقا مع تجربتنا في الحرية؟ وألا توجد هوة سحيقة بين الفيزيائي والذهني؟ وهل يقدر العلم على إعطاء تفسير موحد للعالم؟ كيف نفسر النجاح الذي أحرزته الرياضيات والفيزياء الرياضية في مجال فهم العالم الفيزيائي؟

لقد تشكلت هذه الاستفهامات من تقاطع العلم مع الميتافيزيقا ومن اعتماد منجية تعددية تساعد على تثمين كل تفكير فلسفي في الطبيعة. ربما وجهة النظر المفضلة هي تلك التي يلتقي فيها المحدثون مع الإغريق وتتمثل في التصور الهيليني الذي يعي بامتلاك الظواهر دلالة واحدة وتوجد مرتبة. ليست الطبيعة وفق هذا التصور متشكلة من مادة متبلدة ولا تغمر العالم فوضى من الأحاسيس وإنما الوحي الإلهي الذي يمكن الحصول عليه يوجد مبثوثا في الطبيعة وفي باطنية الإنسان. أما الخاصية الثانية للتصور الإغريقي فتتعلق بفكرة الكوسموس وتفيد بأن الواقع منسجم بصورة معينة، فالمسار الوحيد الذي أدركه الإغريق هو المرور من الفوضى إلى الكوسموس وذلك بالحركة نحو النظام الكوني. ولا أحد قادر على الإفلات من هذا النظام الذي يحكم هاديس بما في ذلك الآلهة والبشر، وعلى الأرض أو في السماء، بما أن الكل أطفال من نفس الأم حسب عبارة بندار . هذا التصور التطوري للكون يختلط مع عدد كبير من التجريدات حول الفوضى وتلاشي الطاقة وخاصة عندما نطبق المبدأ الثاني من الديناميكا الحرارية على الكون برمته.

لقد حرصت الحداثة على وضع الطبيعة والإنسان وجها لوجه. فالفكر والجسم عند ديكارت هما جوهران من عالمين مستقلين ولا يمكن رد الامتداد إلى الفكر وكذلك الروح إلى المادة. أما كانط فإن الذهن هو الذي يمنح الطبيعة القوانين التي تساعد على التحكم في ظواهرها، في حين أن الإنسان مقسوم إلى طرفين: من حيث هو كائن حسي ينتمي إلى الطبيعة ومن حيث هو كائن موهوب بالعقل يتخطى الطبيعة وينتمي إلى الروح وذلك لما يتميز به من حرية وإرادة ووعي. فقوانين الطبيعة تتوقف عندما يتعلق الأمر بالروح. منذ القدم تم اعتبار الروح جزء من الطبيعة وهذا في حد ذاته معجزة ويفضي إلى التخلي عن البحث في وضع تعريف واضح للطبيعة إذ كيف يمكن لروح تسكن الطبيعة أن ترسم حدودا لنشاطها؟

من بين المسلمات الضمنية الرئيسية يمكن ان نذكر الاعتقاد في ان الطبيعة مرتبة ومنظمة وتبرهن على وجود معقولية وذكاء تتجلى في التصميم الطباقي والتوازي والبنى السببية والحتمية بأنواعها.

في المجمل يتصف فيلسوف الطبيعة بالواقعية لكي يتم معرفة الطبيعة وفهمها ويكمن المطلب المثالي في بلورة ميتافيزيقا قادرة على جني بطريقة منسجمة المعطيات القادمة من العلوم الصورية والطبيعية ومن البعاد الجمالية والإيتيقية. لم يعد الجدوى في ميتافيزيقا الطبيعة الحديث عن ألغاز العلاقة بين الفيزيائي والذهني ن بين الحتمية واللاّحتمية، بين الفيزياء والرياضيات، بين الكيفيات الأولى والكيفيات الثانية، بين المتصل والمنفصل، بين الحدسي والموضوعي، بين الميكانيكي والرومنسي.

ماذا ينتظر المرء من فلسفة الطبيعة؟ هل ينتظر منها أن تقوم ببناء نظرة جامعة ومنسجمة للعالم؟

ينتظر المرء من فلسفة الطبيعة أن تقوم برفع الطابع الملغز عن الظواهر بتطبيق الرياضيات على العالم الفيزيائي وأن تستمر في استعمال العقل في الوقت الذي تخلى فيه الفنان ورجل العلم عن ذلك وتكيفا مع الموقف الشعري أو الصوفي.لو كان المرء ووعيه ينتميان إلى الطبيعة ولو لم يتعرف ويعترف بوجود بعد ماورائي مفارق للطبيعة فإن فلسفة الطبيعة تنحصر في التصور الواحدي المحايث الذي يمثله سبينوزا.

أما الفكرة التي تعتقد في وجود عالم موهوب بالعقلانية وقابل للتفسير بواسطة نظرية كلية هو برنامج ميتافيزيقي وفرض يساعد على إعطاء معنى للبحث عن تفسير موحد للقوانين المتحكمة في الظواهر. كما أن الواحدية تفترض الاعتقاد في أن كل شيء هو من نوع واحد سواء كان هذا الشيء مادي أو روحاني ، ويترتب عن ذلك رفض التعددية في الجواهر أو العوالم والإقرار بسريان شيء واحد في أرجاء الكون.

يبدو من غير المعقول القول بأن الواحدية المادية قد تم إثباتها إلى الأبد وبالتالي لا محيد عن الوقوع في النسبية والنظر إلى العلوم على أنها مجرد تجميع خفي للقوانين . لذا تعاني الواحدية من مشكل تجريبي ومفاهيمي وتفترض اتصال أنطولوجي بين المادة والروح واتصال ابستيمولوجي بين العلم والميتافيزيقا.

يبدو هذا البرنامج ، من وجهة نظر عرفانية، متفائلا فهو يرفض الريبية من حيث هي موقف متكامل ويعتقد في وجود الحقيقة ويرى أن المكون الأساسي لفلسفة الطبيعة لا يمكن أن يكون نقد وإلغاء الحق. فلا الريبية عند الإغريق ولا هيوم في الأزمنة الحديثة ولا برتراند رسل في الأزمنة المعاصرة تمكنوا من إعطائنا فلسفة في الطبيعة بما أن نظرتهم ظلت بنائية وحاولوا تفادي خطر الذائقة الميتافيزيقية. لقد اقترب الريبيون من الطبيعة لأسباب جمالية وانتبهوا فقط إلى ماهو طريف وعجيب وخلاب واستثنائي وجزئي.

في المقابل يجب اقتراح فروض حول عمق الأشياء وحول الطريقة التي تنبثق بها الأنساق ويجب بذل الجهد بغية تفسير الوجود والصيرورة وتجديد المقولات وحلحلة المشاكل ولقد كان في هذا السياق كل من ديمقريطس وأرسطو ووايتهايد وطوم نماذج مضيئة. لقد تضمنت هذه النزعة التفاؤلية مقاربة عقلانية تثق في قدرة العقل على إنتاج المعرفة وغزو الطبيعة وبناء التقنية تعد إجراء التجارب وصياغة النظريات.

لو قام عالم معين بالبحث عن قانون من اجل تفسير الظواهر أو ربط بعض الظواهر بقانون موجود سلفا فإنه يقوم بذلك تحت قيادة العقل وتوجيهه وينظر إلى عمله العلمي بوصفها معرفة ناجحة وفائدة نافعة. لقد جعل غاليلي من وصف الظواهر الحركة السريعة للتفكير وتخيل القانون الممكن الذي يخضع له الكون.

لقد منح أرسطو ثقته إلى الكلام الطبيعي ورأى في هذه الملكة تجربة مساعدة على الحياة بصورة ضرورية والتعبير والتواصل وعَوّل على التاريخ الطبيعي وظواهر الطبيعية ولغتها في بناء علم الفيزياء والمنطق.

في حين منح المحدثون ثقتهم إلى الرياضيات وتجريداتها ومفاهيمها المبتكرة وطريقتها في إدراك وإرسال الضرورة وساعدتهم النظرة التفاؤلية في إعطاء تصور رمزي للواقع عبر المزاوجة بين التثبت والحدس.

تقوم النزعة التفاؤلية التي تؤمن بها فلسفة الطبيعة على ثلاث ركائز:

1- الفكرة الأفلاطونية عن طيبة الصانع هي التفسير الوحيد والشامل عن وجود العالم الطبيعي.

2- مذهب لايبنتز الذي يرى في العالم الراهن أفضل العوالم الممكنة ضمن فكرة التناغم القبلي.

3- الرأي الذي يبرر وجود الشر في العالم بأنه شيء حسن بما أن السعادة تقضي على الألم.

بهذا المعنى لا يترتب عن القول بالنزعة التفاؤلية المعرفية نزعة تفاؤلية أخلاقية ، على خلاف ذلك تفترض النزعة التفاؤلية المعرفية قيام النزعة الواقعية وما يرتبط بها من معقولية ومن دلالة وحقيقة ونظام وتعتقد في وجود العقل في النظام قبل الطبيعي بصورة تتقدم عن وجوده في العالم بشكل واع.

من هذا المنظور ليس الفكر منضدة فارغة تضع عليها التجربة كل الحقائق بعد جلبها من الظواهر وإنما يثبت الواقعي بأن الأساسي في المعرفة تقدمه لنا الأشياء بذاتها ولذلك ليس العالم ثمرة عملية بنائية للذات.

الموقف المضاد للواعية هو التصورات المثالية في تنوعاتها المختلفة سواء الحسية والاتفاقية والأداتية والفنومينولوجية هي غير محتملة وغير قابلة للترجيح من حيث هي قاعدة معتمدة في فلسفة الطبيعة، وذلك من جهة حاجتها إلى بلوغ التطابق مع التمثلات وتوافق الحدوس والمقولات والمفاهيم مع العالم الخارجي.

لقد حاولت النزعة الواقعية التخلص من هذا اللّاترجيح باستبعاد الأطروحة التي تعارض انتماء الفكر البشري إلى الطبيعة والقول بأن الروح تدرك الطبيعة من الداخل وتعي أنها تكونت بواسطة الآليات عينها التي استعملتها الطبيعة في تكوين بقية الظواهر والعناصر ولكنها تتحكم في القوانين التي تتحكم في العالم.

فهل يقدر تطور الفكر الايكولوجي في الفترة المعاصرة على إعادة الطبيعة إلى بيئتها الأصلية ويقدم إيضاحات عن هذه الالتباسات وينبه النوع البشري بالمخاطر التي تهدد مستقبل الحياة على الكوكب؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...........................

المرجع:

Espinoza (Miguel), philosophie de la nature, ellipses édition ,Paris, 2000,pp-05-06.

 

 

 

مشاكل النظرية: يمكن تصنيف المشاكل المتعلقة بنظرية الانفجار العظيم الى صنفين مترابطين، احدهما مناط بالتنبؤات القائمة على الارصاد والملاحظات الفلكية، فيما يرتبط الثاني بالتفسير النظري للظواهر الكونية الكبرى. وسوف يقتصر حديثنا في هذه الحلقة على مشاكل الصنف الاول، ونؤجل ما تبقى الى حلقة قادمة.

 

مشاكل التنبؤ والرصد الفلكي

وتتحدد هذه المشاكل بالتنبؤات التي لها علاقة بالادلة الرصدية كما عولت عليها النظرية.. وهي ثلاثة كما عرفنا: دليل الازاحة الحمراء واشعاع الخلفية الكونية والعناصر الخفيفة. وسنلقي الضوء على ما ينتابها من خلل وثغرات..

 

أـ الازاحة الحمراء

يعتمد دليل الازاحة على ظاهرة دوبلر وفقاً للانحراف نحو الطرف الاحمر لضوء الطيف عندما تكون النجوم والمجرات مبتعدة عنّا، كالذي سبق عرضه خلال الحلقة الاولى من هذه الدراسة. والمشكلة الاساسية التي يواجهها الدليل المشار اليه هي ان هذا التفسير ليس هو الوحيد المسبب للازاحة الحمراء، فهناك اسباب اخرى تسبب الانحراف اللوني المذكور من دون ان يكون لها علاقة بالابتعاد. فقد تحصل هذه الازاحة بسبب تقدم العمر ولا علاقة لها بمفعول دوبلر. كما قد يفترض وجود غبار يسبب عتمة النجم بدل التعويل على كون النجم بعيداً، تماماً مثلما تحمرّ الشمس والقمر بسبب الغبار في الغلاف الجوي. ويعتقد الفلكيون بان اغلب الخطوط الطيفية الخاصة التي رصدت تعود الى وجود غاز منتشر ورقيق جداً يُظهر الانحراف نحو الاحمر. كما قد يحصل هذا الانحراف بسبب حقل الجاذبية الشديدة التي تنهك طاقة الضوء المغادر منها، كالثقوب السوداء هائلة الحجم في مراكز بعض المجرات. هذا بالاضافة الى وجود اسباب اخرى قد يكون لها صلة بالفيزياء النووية تعمل على توليد الازاحة الحمراء وليس بسبب الابتعاد والسرعات المتفاوتة.

وطبقاً لما سبق شكك عدد من الفلكيين البارزين في ان يكون لهذه الظاهرة صلة بمفعول دوبلر او بتوسع الكون. واغرب ما في الامر هو ان هابل نفسه صاحب الاكتشاف المتعلق بهذا الصدد كان كثير التشكك فيما تعنيه الازاحة الحمراء، ففي اواسط الثلاثينات من القرن الماضي انهمك في جدل محتدم مع عدد من علماء الكون النظريين بشأن التفسير المناسب لانزياح طيف الضوء الوارد من المجرات الهاربة نحو الاحمر. فقد كان هابل يشعر بان قياسات هذا الانزياح لم تكن جديرة بالثقة بسبب الإحكام الذي يجب القيام به لمعادلة نقصان طاقة الضوء الوارد من المجرات المرصودة، فهذا النقصان يجعل الضوء يبدو اكثر وهناً مما يمكن ان يكون. وعليه رفض ان يفسر الازاحة الحمراء كدليل على ابتعاد المجرات عنا بسرع اقل من سرعة الضوء، وقد ادى به الرفض المشار اليه (عام 1936) الى الاستنتاج القائل بان المجرات ساكنة بلا توسع، فتعرّض استنتاجه الى هجوم من قبل العديد من علماء الكون النظريين، رغم ان اعمال هابل الرصدية كانت موضع ثقة واعتماد من دون اعتراض. وهو موقف يذكّر بالمنقول عن وصية الامام الحسن العسكري في بني فضال من الشيعة الفطحية: خذوا ما رووا وذروا ما رأوا..

ومن هذه التشكيكات ما اشار اليه الفلكي البارز هالتون آرب من وجود تجمعات مجرية في السماء يشعّ بعضها انحرافات طيفية مختلفة جداً عن البعض الاخر، فاذا كانت متجمعة مع بعض فانه يصعب ان تكون سرعاتها مختلفة للغاية، كما لا يمكن افتراض ان المسافات بينها شاسعة.

وعلى هذه الشاكلة اكتشف شميدت (عام 1964) ان لبعض اصناف الاجرام مظهر النجوم الا انها تظهر انحرافات طيفية هائلة نحو الاحمر قد تبلغ (300%)، وهي تعني انه اذا كانت هذه الاجرام بعيدة جداً الى الحد الذي يشير اليه انحرافها فلا بد من ان تشع طاقة هائلة خارقة. ويصعب في هذه الحالة تعيين العلاقة بين السرعة والمسافة لشدة البعد. ويطلق عليها اشباه النجوم او الكوازارات (Quasars). فهي اجرام بعيدة جداً عنا، بل هي ابعد النجوم وفي غاية اللمعان والضياء، الى درجة ان الكوازار الواحد يعادل ضياء (100 مجرة)، لذلك لا يُعرف لحد الان مصدر هذه الطاقة الضخمة، فلا يُعرف عن حقول القوى او الجسيمات التي يمكن ان تفسر منابع الطاقة المركزة كهذه. ومن الكوازارات ما يصل بعده الى (10 مليار سنة ضوئية)، ويزداد عددها كلما كانت اكثر بعداً عنا.

وفي مطلع ثمانينات القرن الماضي وجد الفلكيون ان اعتماهم على قياسات الازاحة الحمراء تجعلهم ينتهكون احياناً السرعة الثابتة للضوء كما جاءت بها النسبية الخاصة لاينشتاين، اذ وجدوا ان بعض الكوازارات تبعث على نفثات من المادة تنتقل باسرع من الضوء، وهذا ما جعل البعض لا يتقبل ذلك ويعتبر الكون اصغر بكثير مما مقدر له، بل لم يقترح احد – انذاك- الانقلاب على نظرية النسبية الخاصة في دعواها بثبات سرعة الضوء، وتم رفض اي سرعة تتنافى مع الاخيرة واعتبارها من الاوهام البصرية، كما هو الحال فيما يخص بعض الكوازارات او النفاثات الفائقة السطوع.

وهناك من نقد طريقة هابل وما توصل اليه من نتائج قبل تشكيكه فيها، ومن هؤلاء الفيزيائي الشهير ستيفن واينبرغ الذي شكك فيما توصل اليه الاول من ارتباط بين المسافات والسرعات المجرية. واشار الى انه في (عام 1929) قدّر هابل المسافة لثماني عشرة مجرة فقط اعتماداً على التألق الظاهري لاكثر نجومها لمعاناً، ووازن بين هذه المسافات والسرعات الموافقة لها تبعاً لانحرافات دوبلر، واستنتج بان هناك علاقة خطية بينهما. فهذه هي نظرية هابل التي اعترض عليها واينبرغ قائلاً: >الحقيقة ان فحص المعطيات التجريبية التي كانت بحوزة هابل تجعلني في حيرة حول الطريقة التي استطاع بها ان يتوصل الى هذا الاستنتاج، اذ يبدو انه ليس ثمة ارتباط بين المسافات وبين السرعات المجرية، هذا فيما عدا ميل خفيف الى تزايد السرعات مع المسافات. في حقيقة الامر يجب ان لا نتوقع علامة تامة بين المسافات والسرعات من اجل ثماني عشرة مجرة، وان هذه المجرات قريبة جداً منا، اذ لا يبعد كل منها اكثر من كومة العذراء. ويصعب علينا ان لا نخلص من ذلك ان هابل كان قد عرف الجواب الذي كان يريده، باعتماده على الحجج البسيطة التي سقناها اعلاه، او على التفصيلات النظرية التي ترتبط بها<.

ومعلوم ان ثابت هابل وقانونه يتضمنان بعض المشاكل والانحرافات. فعلاقة القانون بالتمدد لا تصح بدرجة مثالية الا بالنسبة للاجرام المتحركة داخل كون متجانس ومتوحد الخواص. لكن الكون ليس متجانساً تماماً، لذا فبعض المجرات تحيد عن (تدفق هابل) وهو ما يسبب التشتت. وعليه اذا كانت علاقة السرعة بابتعاد المجرات تزودنا بثابت هابل، ففي المقابل ان الانحرافات عن هذه العلاقة تقتضي تقوس الفضاء.

لقد تعرض ثابت هابل الى الكثير من التغير والتبديل نتيجة المزيد من الاكتشافات والملاحظات الرصدية. وفي البداية كان قياس هذا الثابت وبالاً على اكتشافات هابل نتيجة بعض الاخطاء، فخلال الثلاثينات والاربعينات من القرن الماضي تم قياس هذا الثابت بحوالي (170 كم في الثانية) لكل مليون سنة ضوئية من المسافة. لكن سرعان ما تبين بان هذا التقدير خاطئ، وانه على اساسه يكون عمر الارض اكبر من عمر الكون باكثر من ضعفين. وتبين فيما بعد ان تقدير ثابت هابل هو اقل بكثير مما كان يتصور، ومع ذلك نجد تقديرات مختلفة حوله، فتارة يقدر بحوالي (15 كم في الثانية) لكل مليون سنة ضوئية. حيث قدر الفلكيون ابعاد المجرات البعيدة بعشرة امثال ما قدره هابل، وهكذا اصبح الثابت يساوي (15 كم في الثانية) لكل مسافة مليون سنة ضوئية، ولدى بعض اخر انه (16 كم في الثانية)، كما هناك من قدره بانه يتراوح حالياً بين (60ـ70 كم في الثانية) لكل ميجا فرسخ فلكي، اي لكل (3.26 مليون سنة ضوئية)، او يتراوح بين (70-75)، او يحدد بحوالي (66.5)، او حوالي (73 كم في الثانية) لكل ميجا فرسخ فلكي.. الخ. فهذه التقديرات خاضعة للمراجعة بين حين وآخر اعتماداً على اكتشاف المزيد من المجرات وابعادها وتقدير سرعاتها.

ان كل ذلك ينعكس على اختلاف التقادير المتعلقة بقياس عمر الكون، وكذلك الكثافة الحرجة، الى درجة التخبط. فقد قُدرت الكثافة الحرجة بانها تتناسب مع مربع ثابت هابل مقسوماً على ثابت الثقالة الكوني، فمثلاً لو كان هذا الثابت عبارة عن (16 كم في الثانية) لكل مليون سنة ضوئية فستكون الكثافة الحرجة عبارة عن (4.5 x 10-30 غرام سم3)، اي بروتون واحد لكل (400000 سم3) من الفضاء. اما عندما يتغير هذا الثابت فان الكثافة الحرجة ستتغير كذلك. وبالتالي تبقى النظريات الفلكية وعلم الكونيات في تغير وعدم استقرار مع اي اكتشاف جديد.

***

وننتهي مما سبق الى انه لا يمكن التعويل على الازاحة الحمراء ولا على ظاهرة دوبلر في تبيان التوسع الكوني المفترض.

كذلك فان تباعد المجرات عن بعضها البعض لا يدل على نظرية الانفجار العظيم. فكثافة المجرات تعتبر ضئيلة جداً مقارنة بحجم الفضاء المنظور، وفي بعض التقديرات انها حوالي (10%) من الفضاء للكون المنظور. وبالتالي اذا كانت نظرية الانفجار صحيحة كان لا بد من اثبات تباعد سحب البلازما والغازات التي تملأ هذا الفضاء.

ولو عولنا على النسبية العامة لاقتضى ذلك صعوبة اخرى، وهي اثبات تمدد الفضاء ذاته كوعاء هندسي. لكن كيف يمكن اثبات ذلك؟ اذ نعتقد ان الفضاء كوعاء مكاني لا يخضع للتمدد والتقلص والتغير، فكل ذلك نعتبره من المحالات العقلية، وكتعويض عنه يمكن افتراض شيء ما كالاثير هو الذي يتمدد ضمن الوعاء المكاني، ويصبح له ذات الخواص الفيزيائية التي تعزى عادة لهذا الوعاء او الفضاء، ومن ذلك التمدد والتقلص وحمل الطاقات الضخمة كالتي تبشر بها ميكانيكا الكوانتم، فكل شيء يصبح اسير هذا الاثير الكوني، مع ضرورة الحفاظ على وجود الوعاء المكاني من دون ان يكون له خصائص فيزيائية معينة سوى كونه وعاءاً صرفاً ذا ثلاثة ابعاد.

علماً بان الفيزياء الحديثة قد شهدت تبادل ادوار في الخصائص الفيزيائية بين الاثير والوعاء المكاني. ففي الماضي كانت فكرة الاثير هي السائدة وفقاً للنموذج النيوتني، ثم اعقبتها فكرة الوعاء المكاني تبعاً للنموذج الاينشتايني. ورغم ذلك بقي عدد من العلماء البارزين غير مقتنعين بما قدمه اينشتاين من رفض فكرة الاثير، وكان على رأس هؤلاء الفيزيائي الشهير لورنتز. بل ان اينشتاين نفسه قد تحدّث في النسبية العامة عن الفضاء كما لو انه الاثير ذاته من دون مايز. فمن وجهة نظره ان هناك شيئاً ما غير مرئي، وهو حقيقي موجود يعمل على حدوث التسارع، ومن ثم فالاثير موجود، وفي نص له (عام 1920) يعترف ان بدونه لا يمكن تفسير معايير المكان والزمان والفواصل الزمكانية. كما كتب الى لورنتز (عام 1916) قائلاً: ‹‹اتفق معك في ان النظرية العامة للنسبية تعترف بفرضية الأثير››.

واليوم ان الذين عولوا على الفضاء اللامتناهي لا يسعهم منح هذا الفضاء الخصائص الفيزيائية من التمدد والتقلص والتغير، واذا كان لا بد من وجود هذه الخصائص فينبغي ان تكون للاثير وليس للفضاء او الوعاء المكاني الصرف؛ دفعاً للمفارقات والتناقضات..

 

ب ـ اشعاع الخلفية الكونية

لقد واجهت نظرية الانفجار العظيم مشكلة كبيرة تتعلق بالمجرات وعناقيدها الضخمة، فكيف امكن لهذه التكتلات ان تتكون وتتجمع مع بعض في ظروف يفترض انها كانت متجانسة وفي فترة زمنية قصيرة غير كافية لتكوين هذه التكتلات. فالمفترض في مثل هذه الحالة ان يكون الكون مليئاً بطبقة رقيقة من غاز الهايدروجين والهليوم وليس المجرات والنجوم. وهذا ما سنلقي عليه الضوء خلال الحلقة القادمة. لكن ما يهمنا هنا هو ان تشكل المجرات يقتضي ان يسبقه تفاوت في الكثافة المادية التي تعمل على تهيئة صنع هذه الهياكل الضخمة. لذا نسأل: ما هو الدليل على مثل هذا التفاوت؟ وهو الاثر الذي يفترض ان يظهر كبصمة في اشعاع الخلفية الكونية ومن دونه فلا دليل على التوسع الكوني ولا الانفجار العظيم.

هكذا ادرك اصحاب نظرية الانفجار العظيم انه لا بد من ان تظهر اثار من البقع الساخنة على اشعاع الخلفية الكونية، فهي تمثل علامة للدلالة على التكتلات المادية في الماضي السحيق. فلهذا الاشعاع اهمية عظيمة، حيث من خلاله تتم دراسة تشكل المجرات والماضي البعيد، فبعض المناطق حارة فيما البعض الاخر باردة او اقل حرارة، كما انه يحدد لنا المناطق ذات الكثافة العالية مقارنة بالاقل منها، حيث يتولد في بعضها فوتونات اكثر من البعض الاخر، فتكون اكثر كثافة وحرارة، وهو ما ينعكس على اشعاع الخلفية الكونية، باعتباره انعكاساً للماضي ويحمل اثار الكون البدائي. فهذا هو المقصود من عدم تجانس الاشعاع وتناسقه، وهو الفرض الذي عولت عليه نظرية التضخم الكوني كشرط من شروط صحتها، واصلاح لما كانت عليه نظرية الانفجار في نسختها الاولية، اذ لم تضع في الحسبان ان صنع المجرات يقتضي وجود تكثفات مادية سابقة في زمن مبكر جداً من تاريخ الكون. وعليه تداركت نظرية التضخم هذا الحال، بل وقبل ذلك كان هناك احساس لدى بعض علماء الكون النظريين بضرورة وجود تكتلات متفاوتة الكثافة تسبق عملية تكوين المجرات، ومن ثم لا بد من ان يظهر ذلك كبصمة في اشعاع الخلفية الكونية.

لكن ما تفاجأ به الفلكيون هو انه لا توجد مثل هذه التكثفات القوية للاشعاع، كما سنرى..

أما ما توقعه علماء الكون النظريون فهو عدم تماثل شدة الاشعاع في جميع النواحي، اذ قد تحدث تقلبات في هذه الشدة يصحبها تغيرات صغيرة في هذا الاتجاه او ذاك، وتنشأ هذه التقلبات عن الطبيعة الحبيبية للكون لحظة بث الاشعاع، خاصة عند بداية تشكل المجرات مثلاً. كما توجد حالات عارضة تجعل شدة الاشعاع غير متماثلة لاعتبارات مختلفة، فمثلاً ان بسبب حركة الارض بالنسبة الى بقية الكون تتغير شدة الاشعاع قليلاً في السماء. فالارض تدور حول الشمس بسرعة (30 كم في الثانية)، والمجموعة الشمسية تدور بسرعة تقارب (250 كم في الثانية). ولو ان سرعة الارض (300 كم في الثانية) بالنسبة الى التوزيع الكوني للمادة، وبالتالي بالنسبة الى الخلفية الكونية، فان طول موجة الاشعاع الواصل نحو الارض امام حركتها او خلفها سيزيد او ينقص بتلك النسبة الى سرعة الارض، اي ان مقدار التغير يساوي: (0.1%)، لذا تتغير درجة حرارة الاشعاع.

لقد قيست درجة حرارة الاشعاع (عام 1965) فبدت متوحدة الخواص في السماء، ولاحقاً تم اكتشاف ان ثمة تفاوتاً واسع النطاق في درجة الحرارة عبر السماء يبلغ جزءاً واحداً في الالف (1\1000)، وهو ما يعرف بتأثير دوبلر الذي يسببه دوران الارض حول نفسها عبر المجال الاشعاعي المتخلف عن الانفجار العظيم، اذ تبدو السماء اكثر دفئاً بقليل في الاتجاه الذي نتحرك صوبه، فيما تبدو ابرد قليلاً في الاتجاه الذي نبتعد عنه. لكن اذا نحينا هذا التفاوت جانباً والذي يطلق عليه (ثنائي القطب)، فسيبدو الاشعاع وكأنه يأتي على نحو متساو من كل الاتجاهات. ولوقت طويل والمنظرون يشككون في وجود بنية في الخلفية المايكروية على صورة انماط متذبذبة من البقع الحارة والباردة.

لقد اقتضى تشكل المجرات والعناقيد الضخمة ان تسبقه تكتلات صغيرة بداية نشأة الكون، ويفترض ان تنطبع على اشعاع الخلفية الكونية بصورة ذبذبات او تقلبات (fluctuations). وبدأ الوعي بذلك منذ (عام 1967) لدى كل من بيبلز وجوزيف سلك الذين اعتقدا بان وجود تكتلات بدائية متفاوتة قبل صنع المجرات ينبغي ان تُرى كتقلبات في السطوع او درجة الحرارة لدى اشعاع الخلفية الكونية، فلا بد من ان تكون درجة الحرارة او السطوع لدى هذا الاشعاع غير موحدة او منتظمة. وفي (عام 1970) تم حساب الاختلاف في الحرارة فتبين انه ينبغي ان تكون (5 أو 6) اجزاء من الالف. لكن لم تكن القياسات في ذلك الوقت دقيقة بما يكفي لاختبار هذا التوقع. وفي (عام 1973) كشف الراصدون عن ان هذه الاختلافات ليست باكثر من جزء من الف (1\1000). وطوال السبعينات فان الراصدين الفلكيين يخفّضون باستمرار هذه التباينات حتى انها تكاد لا توجد او انها ضئيلة للغاية. وقد انعكس هذا الفعل على عمل المنظرين في تعديل نظرياتهم تبعاً لهذه الحدود التباينية.

وفي النهاية ادرك المنظرون بان هناك القليل جداً من المادة التي لا تكفي لصنع المجرات استناداً الى حاجتها للجاذبية القوية، وبالتالي حاجتها الى مادة كثيرة، في حين ان كثافة المادة التي قاسها الفلكيون انذاك تعادل ذرة واحدة لكل عشرة امتار مكعب فقط. ولا تكفي هذه الكمية الضئيلة من تكوين التكتلات القابلة على صنع المجرات بداية نشأة الكون، وعليه كانت الحاجة الى مائة ضعف ذلك المقدار من المادة لتتاح الفرصة لصنع المجرات عبر الجاذبية. اذ تُقدر كثافة المادة في هذه الحالة بحوالي عشرة ذرات لكل متر مكعب، فهذا ما يمكن ان يوقف التوسع لتتمكن المجرات من التشكل عبر الجاذبية بالسرعة الكافية. وعليه احتاج المنظرون الى افتراض مادة مؤثرة وان لم ترصد فلكياً، وبذلك تم التعويل على ما يسمى المادة المظلمة (Dark Matter) لتفي بهذا الغرض، رغم ان الجذور الاولية المتعلقة بفكرة هذه المادة تعود الى (عام 1932) كما سيأتي الحديث عنها خلال الحلقة القادمة.

لقد جاءت نظرية التضخم الكوني (عام 1980) كصيغة بديلة للصيغة الاولية لنظرية الانفجار العظيم، فافترضت وجود مادة مظلمة تهيمن على الكون كله، حيث بفضل جاذبية هذه المادة الغريبة تتكون المجرات والتكتلات الضخمة، فيما لم يكن للمادة العادية ذلك الاثر على تكوينها، او انه كان لها اثر ضئيل يتمثل بالتكتلات المادية السابقة على صنع هذه الاجرام. لذا جاء افتراض المادة المظلمة كتعويض عما يفترض ان تكون هناك تقلبات قوية للخلفية الكونية، فاكتفى العلماء في البحث عن فروقات بسيطة لتلك التقلبات. واصبحت مهمة المادة المظلمة تتحدد في تفسير كيف امكن للمجرات وعناقيدها الضخمة ان تنشأ بسرعة بعد ان تعسر على الملاحظات الفلكية تفسيرها وفق ما عولت عليه الصيغة الاولية لنظرية الانفجار.

وتتنبأ نظرية التضخم - حتى في صورتها المعدلة - بوجود عدم انتظام ضخم في الكون المبكر بحيث لا يتفق مع التجانس الملحوظ في الموجات المايكروية الكونية (الانفجارات الثلاثة العظمى، ص237). كما انها تفترض بان الكون في مقاييسه الكبرى يتصف بالنعومة والتجانس، لكن تبين خلال منتصف الثمانينات ان في الكون كتلاً وشرائط ضخمة من العناقيد المجرية، ما لا يتفق مع اعتبار الكون متجانساً في مقاييسه الكبرى، ومن ذلك ما اكتشفه الفلكي برينت تولي Tully Brent (عام 1986) من وجود هياكل عنقودية يبلغ طولها حوالي مليار سنة ضوئية، وعرضها حوالي 300 مليون سنة ضوئية، وسمكها مليون سنة ضوئية. ثم توالت الاكتشافات بعد ذلك بما هو اعظم من هذه المقادير بكثير.

وفي (عام 1992) اظهر القمر الصناعي المسمى مستكشف الخلفية الكونية (COBE) ان الفروقات المتعلقة بتقلبات اشعاع الخلفية الكونية هي ضئيلة جداً، فقد نشر هذا القمر لاقطاته الحساسة بهدف رصد اي تفاوتات في درجة حرارة الخلفية الكونية في السماء، وتبين انها اقل مما جرى قياسه خلال السبعينات بمائة مرة، اي انها جزء من مائة الف، وليس جزءاً من الف كما كان في السابق. وتم التأكد لاحقاً من هذه النتيجة بواسطة المعدات الاكثر دقة المحمولة على المناطيد وعلى المسبار WMAP.

وفي جميع الاحوال ظهر ان التفاوتات المعتادة لا تزيد عن بضعة اجزء في المائة الف من الدرجة اعلى او ادنى من متوسط حرارة اشعاع الخلفية الكونية.

هكذا كان عام 1992 متميزاً لدى الداعمين لنظرية الانفجار العظيم، وقد ابرزت الصحف حول العالم هذا الاكتشاف المثير والمتعلق بالاثار الطفيفة في درجة الحرارة للاشعاع الكوني مع توحد الخواص تقريباً. وقد اعتبر ذلك دليلاً يؤيد المبدأ الكوني المتمثل بمجموع مبدأي التجانس وتوحد الخواص. فمبدأ التجانس يعني عدم وجود مركز محدد، فكل شيء متماثل في كل مكان. أما الكون المتوحد الخواص فيعني بان الشكل يبدو نفسه من اي اتجاه. فمثلاً ان مجرتنا درب التبانة لا تتسم بتوحد الخواص.

لقد اثار هذا الاكتشاف رضاً وقناعة للمؤيدين لنظرية الانفجار، فقد اعتبروا هذه التقلبات او التفاوتات الطفيفة للكثافة (10-5) كافية لتكوين المجرات وعناقيدها. وبالتالي كان هذا الحال مرضياً تماماً لدى العلماء على خلفية افتراضهم للمادة المظلمة والتي تم تقدير تأثيرها انذاك بمائة ضعف تقريباً قبال المادة الكونية المرئية وغير المرئية. حيث صورت بانها تشكل حوالي (99%) من كثافة الكون المادية، وفي تقدير اخر حوالي (90%)، واغلب ما تبقى يعود الى المادة غير المرئية كالثقوب السوداء وما اليها، كما هناك من رأى انها تتراوح بين (90 ـ 99 %). فهذه القوة الضخمة المفترضة هي التي عوّضت عن النقص الملاحظ في تقلبات اشعاع الخلفية الكونية، فهي تمثل قوة ثقالية اعظم لتسريع نمو الهياكل الضخمة للمجرات، وبدونها يصعب كيف امكن لها ان تتشكل بسرعة، بل وفي زمن قصير نسبياً يتراوح بين (10ـ20) مليار سنة، فبدون ذلك سيحتاج تكوينها الى اضعاف كثيرة من هذا الزمن المفترض.

اما بنظر الناقدين لنظرية الانفجار فان كل ذلك لم يلغِ المشاكل المتعلقة بتكون المجرات، فحيث ان هذه الاثار طفيفة فانها لا تفسر كيف امكن ان تؤدي الى تكوين الهياكل الضخمة للعناقيد المجرية ضمن فترة زمنية لا تعد كافية، فكيف نمت هذه الهياكل بسرعة، ولا تفسر كيف ان الكون كان اصغر عمراً من بعض النجوم العائدة اليه، فمثلاً تم تقدير بعض نجوم مجرة درب التبانة بحوالي (14 مليار سنة)، وانه تبعاً لبعض القياسات الفلكية يصل عمر بعض المجرات الى عشرات المليارات من السنين، بل ان بعضها يقدر بحوالي (150 مليار سنة)، اي اكثر من عشرة اضعاف ما يقدره الفلكيون اليوم. هذا بالاضافة الى ان هذه النظرية تعجز عن تفسير كيف ان الكميات المتوفرة للعناصر الخفيفة كانت خاطئة كلها.

لم يتوقف الحال على افتراض المادة المظلمة لحل مشكلة التقلبات وتكوين المجرات، فمع ان هذا الحال كان مرضياً تماماً (عام 1992) وما بعده، الا انه اتضح في نهاية التسعينات من القرن الماضي ان شكوكاً تجددت في قياسات اشعاع الخلفية، ما جعل فهم الكون بنظر الكثير من العلماء غامضاً، فاما ان تكون القياسات المعتمدة على هذا الاشعاع خاطئة، او ان هناك ظاهرة فيزيائية مجهولة تعمل على توسعة الفضاء بنسبة (9%) اكثر من المتوقع، مثلما لوحظ من خلال المستعرات العظمى (Supernovae) التي تشير الى التسارع، ومن خلال مشاهدة الاشعاع المذكور. وقد عبّر الفلكي الامريكي المعاصر ألِكْس فيليبينكو بان الكون ربما يخدعنا او ان فهمنا للكون ما زال ناقصاً. وعلى اثر ذلك تم التوصل الى اثبات الطاقة المظلمة (Dark energy) كأحد الاركان الهامة للفيزياء (عام 1998)، وذلك على يد ثلاثة من رواد علم الفلك، وهم شاول بيرلماتر وبريان شميت وآدم ريس، وقد تقاسموا جائزة نوبل في الفيزياء (عام 2011) لتقديمهم الأدلة على تسارع الكون وليس تباطؤه، واليوم تُقدر الطاقة المظلمة بحوالي (73%) من مكونات الكون، فيما تقدر المادة المظلمة باقل من ربع مكوناته.

كان من المهم لدى الفيزيائيين ان لا تنافس هذه الطاقة المادة المظلمة بداية نشأة الكون، اذ لو كان الامر كذلك لكانت هناك حاجة الى وجود مادة كونية مؤثرة بما فيه الكفاية للتعويض عن فقدان اثر المادة المظلمة قبال الطاقة المظلمة المتصاعدة.

***

فبحسب الافتراض الجديد ان الكون بدل ان يتباطأ بفعل المادة المظلمة فانه اخذ يتسارع ويتشتت، ولو كانت الطاقة المظلمة هي السائدة بداية نشأة الكون لما أُتيح للمجرات فرصة الصنع والتكوين. لذا افترض الفيزيائيون وجود علاقة تطورية بين هذه الطاقة وتمدد الفضاء، بل اصبحت العلاقة بينهما جدلية، فاحدهما يؤثر في الاخر، حيث بتمدد الكون تزداد كمية الطاقة المظلمة، وبزيادتها تعمل على المزيد من التمدد الكوني، وهكذا دواليك..

ففي بداية الانفجار العظيم كانت الطاقة المظلمة تقارب الصفر؛ تناسباً مع حجم الفضاء الضيق مقارنة بالفترات اللاحقة، وكانت نسبة الكثافة المادية تقدر بما يقارب الواحد (100%)، وظلت ضمن هذه الحدود حتى عندما وصل عمر الكون الى مليار سنة تقريباً، وحينها كان الكون يتباطأ، لكن مع مرور الزمن تضاءلت هذه النسبة وانخفض التباطؤ ونمت في قبالها كثافة الطاقة المظلمة، وتساوت الكثافتان منذ حوالي (5ـ6) مليار سنة مضت، مما يعني انها وصلت الذروة في التسطح، وبعدها اصبحت الكثافة لصالح الطاقة واخذت تتصاعد باضطراد حتى بلغت اكثر من (72%)، وهو ما يجعل الكون منفرجاً بعد أن كان مقوساً. وبحسب بعض التقديرات فان معدل تمدد الكون يتراوح بين (5ـ10%) لكل مليار سنة. ويُفترض ان المستقبل سيشهد المزيد من الطاقة المظلمة مع شدة الانفراج الكوني، وستبلغ الطاقة قريباً من الواحد في قبال ما يقارب الصفر للمادة، حيث يبلغ توسع الكون اعظم قدر ممكن. وهو الحال الذي يعاكس ما كان عليه الكون في البداية.

وعموماً اصبح الكون بحسب الافتراضين المتوازيين للمادة والطاقة المظلمتين واقعاً بين كماشتي التباطؤ والتسارع، او التكثف والتشتت، وان كان مفعول الاخير صار اليوم يعادل ما يقارب ثلاثة اضعاف مفعول الاول. في حين اقتضت الضرورة ان تكون السيادة للمادة المظلمة بداية نشأة الكون، فبدون ذلك سوف لا يمكن تفسير كيف امكن للمجرات وهياكلها الضخمة ان تتكون، كالذي سنخصص له حلقة تالية.

أخيراً وبعد انتهاء القرن العشرين تم اكتشاف ان اشعاع الخلفية الكونية مختلط بالغبار الدائر في مجرتنا (درب التبانة)، لذا بدا غير متجانس تماماً، فأُصيب الدليل بالضعف ومن ثم ضعف النظرية القائمة عليه.

واهم اشارة بهذا الصدد هو ان الفلكيين وجدوا في مارس (عام 2014) ان نصف الكرة الجنوبي من الارض يحمل استقطاباً للاشعاع الخلفي، وهو التواء الاشعاع يتمثل بمزيد من الدفء والاحمرار، وقد سمي باستقطاب نمط (ب) B-mode. وفي البداية هللوا لهذه النتيجة ظناً منهم انها تدل على اثار الامواج الثقالية التي تنبأ بها اينشتاين من قبل والتي سبّبها التضخم الكوني، وقد اعتبرت من اعظم الاكتشافات العلمية كما اعلنتها صحف العالم انذاك. لكن بعد اشهر من هذا الاكتشاف تبين ان هناك شكوكاً تتعلق بحدة هذا الاستقطاب، واصبح الظن بانه نتاج الغبار الذي يلاقيه اشعاع الخلفية عند مروره داخل مجرتنا. وقد زادت هذه الشكوك فيما بعد، وتم الميل الى هذا الاقتناع المخيب والمتعلق بظاهرة الغبار. وعليه وصفت نظرية الانفجار العظيم وفق هذه الشكوك والاعتقادات بانها متخبطة. وقد دفعت هذه النتائج جماعة من الباحثين الى الاعتقاد بانه وفقاً لها ينبغي للكون ان ينهار على نفسه بعد الانفجار العظيم بفترة بسيطة جداً.

يضاف الى ما سبق هناك مشكلة اخرى لم تحل كما اثارها نقاد نظرية الانفجار العظيم، وهي تتعلق بما يطلق عليه السور العظيم (Great Wall) للمجرات، مثلما تم الاعلان عنه (عام 1989)، فسمْك السور المكتشف انذاك يقدر بحوالي (20 مليون سنة ضوئية). وما زال هناك هياكل اضخم واكبر من السابق كما اكتشفها فريق عالمي مؤلف من فلكيين امريكيين وبريطانيين وهنغاريين، اذ قاموا في مطلع تسعينات القرن الماضي بدراسة المجرات فوجدوا مجاميع عنقودية ضخمة تتحرك ببطئ شديد جداً، بحيث لا تتجاوز سرعتها (500 كم في الثانية). وقد قدروا من خلال هذه الدراسة ان عمرها لا يقل عن (150 مليار سنة)، وهو ما يفوق التقديرات المعاصرة باكثر من عشر مرات. وعلى اثر هذه الاكتشافات الفلكية بدأ العلماء بطرح مفاهيم جديدة مؤسسة على قوانين فيزيائية جديدة لسد الفجوة بين المشاهدات ونظرية الانفجار. وقد اصبحت هذه ظاهرة شائعة في علم الكونيات، فكل تناقض جديد هناك افتراض علمي جديد.

وبحسب التقديرات الفلكية فان السور العظيم لهذه العناقيد يحتاج الى سرعة (2000 كم في الثانية) لكي يتم تكوينه، كما تحتاج هياكله الفائقة للتكوين الى سرعة (3000 كم في الثانية)، والمجموع هو (5000 كم في الثانية). هذا من حيث التوقعات النظرية، اما من حيث الرصد الفلكي فقد لوحظ ان السرعة الحاصلة لا تتجاوز مقدار (500 كم في الثانية)، لذا وجد علماء الكونيات تفسيراً او تأويلاً يخدم نظرية الانفجار العظيم، وهو ان هناك تباطؤاً قد حصل دون ان يدفع بالسرعة المفترضة الى اقصاها. لكن السؤال الذي طُرح بهذا الصدد هو التالي: اين ذهبت الطاقة حينما تحولت من طاقة حركية الى حرارة عند تخفيض السرعة كما يحصل في حالة فرامل السيارة من تحول الطاقة الاولى الى الثانية؟

وكان الجواب هو افتراض انها تنتشر على هيئة اشعة اكس (x)، وبالتالي ينبغي ان تظهر في الاشعة عندما تصل الينا. لكن عند فحصها وُجد انها تقدر باقل من المفترض في تحول الطاقة بمائة مرة، فاين ذهبت بقية الطاقة؟

وكجواب على ذلك خمّن المنظرون بان هناك عملية ثالثة غير معروفة ربما حولت طاقة اشعة اكس (x) الهائلة الى نوع اخر من الاشعة الراديوية. وقد لاحظ علماء الفلك نوعاً من الإشعاع الراديوي الشديد بما يكفي لاحتواء كمية هائلة من الطاقة التي من شأنها أن تنجم عن الفرملة المفترضة، فحيث ان هياكل المجرات كلها تكونت بعد صدور هذا الاشعاع الخلفي فانه يتوقع ان يكون حاملاً شيئاً من طاقة هذه الهياكل الضخمة التي انخفضت سرعتها كما يفترض. لكن النتيجة كانت مخيبة.

 

ج ـ العناصر الخفيفة

لقد اثار موضوع العناصر الخفيفة الكثير من الجدل المتعلق بنظرية الانفجار العظيم. فهناك مشاكل مزمنة تتعلق بالديوتيريوم والليثيوم، كما هناك بعض المشاكل التي تثار حول الهليوم، لكنها ليست بالقدر المتعلق بالعنصريين الاولين. فالتوقعات المتعلقة بهما لم تكن سليمة كما ينبغي. وقد اثيرت بعض هذه المشاكل منذ سبعينات القرن الماضي واستمرت تتفاقم حتى يومنا هذا، كما هو الحال مع الديوتيريوم، فتوزيعه لدى المجرات يتخذ اشكالاً غير منتظمة كما تبين خلال العقد المشار اليه. فمثلاً لوحظ ان هذا العنصر يتوزع لدى مجرة درب التبانة بانماط من الاختلاف من دون تماثل، ففي اتجاه تكثر كميته فيما تقل في اتجاهات اخرى لاسباب غير معروفة، في حين يفترض انه يتخذ شكلاً من التساوي في جميع الاتجاهات. وكما قال الفلكي جيفري ينسكي: >لقد كنا منذ السبعينات غير قادرين على تفسير لماذا تختلف مستويات الديوتيريوم في كل مكان<.

وخلال (عام 2006) اظهر القمر الصناعي الخاص بناسا ان تركيز الديوتيريوم المحلي في مجرة درب التبانة هو أكثر مما كان متوقعاً بكثير. وقد تفاجأ الفلكيون حيث وجدوا كميات كبيرة لم تحرق في النجوم، ليس كما هو المتوقع في السابق..

اما الليثيوم فله مشكلة ثابتة، اذ لم يجد العلماء ما توقعوه من الوفرة المفترضة له، وهم لا يعرفون سبب ذلك على وجه التعيين، وان كانت هناك بعض التكهنات المتعلقة بتحديد السبب؛ مثل افتراض وجود كثرة من الفوتونات ادت الى تدمير الليثيوم. وفي تقرير منشور (عام 2015) تبين بان تقدير العلماء لكمية الليثيوم المفترض هو ثلاث مرات اكثر من المرصود فلكياً.

وبحسب الناقدين لنظرية الانفجار العظيم فان افتراض المادة المظلمة قد خلق عدداً من المشاكل ومن بينها ما يخص العناصر الخفيفة والتناقضات التي تتضمنها التوقعات مقارنة بالملاحظات الرصدية. ففي الماضي كانت التنبؤات حول هذه العناصر معقولة ومتفقة الى حد ما مع الارصاد الفلكية، فاُعتبر ذلك ما يدعم نظرية الانفجار، لكن ابتداء من ابريل (عام 1991) اصبحت المشاهدات الرصدية تتنامى عدداً ضد تلك التنبؤات، فهناك كمية اقل من الهليوم في الكون مقارنة بالتنبؤات المطروحة، وكميات اقل كثيراً من الديوتيريوم والليثيوم. ومعلوم ان نسب هذه العناصر بعضها يؤثر في البعض الاخر، فعندما يكون الهليوم صحيحاً (ويقدر بحوالي 23% في الكون) فان توقع نسبة الديوتيريوم سيصبح في مثل هذه الحالة ثمانية مرات اكثر وفرة من الملحوظ. لذلك تم افتراض انه تعرض للاحتراق في النجوم ولم يبق منه سوى (1\8)، كمحاولة لتعليل النقص في وفرة هذا العنصر.

وبلا شك ان توفر العناصر الخفيفة يعتمد على ما عليه كثافة المادة الكونية، فلو كانت المادة المظلمة مادة عادية فان الحساء النووي للانفجار العظيم سوف ينتج لنا الكثير جداً من الهليوم والليثيوم مع كمية غير كافية من الديوتيريوم، وذلك قبل اكتشاف الطاقة المظلمة او افتراضها. ففي هذه الحالة ستكون نسبة الكثافة او الاوميكا حوالي (02 أو 03) اكثر مما هو مشاهد، اي ان الكون سيكون مقوساً. وبالتالي فان حاجة نظرية الانفجار في صيغتها التضخمية هي ان تبلغ نسبة الكثافة او الاوميكا واحداً ليكون الكون مسطحاً بدل التقوس. لهذا تم افتراض وجود مادة مظلمة غريبة ليس فيها الكترونات ولا بروتونات؛ كي لا تؤدي الى تلك النسبة العالية من الكثافة المادية، ولكي يمكن حل مشكلة تكوين المجرات.

يبقى ما يخص الهليوم، فقد طُرح تفسير اخر يعلل وفرة هذا العنصر وكذلك طابع التجانس الحاصل في اشعاع الخلفية الكونية، فكلاهما يمكن ان يفسرا بنفس السبب طبقاً لنظرية البلازما الكونية بريادة الفيزيائي السويدي هانز ألفن (Hannes Alfven). اذ تتنبأ هذه النظرية بان هناك كمية ضخمة من النجوم هي التي انتجت تلك الوفرة. ففي (عام 1978) اقترح الفيزيائي الفلكي مارتن ريس بان هذه النجوم قد انتجت في بضعة ملايين سنة (24%) من الهليوم كما نراها اليوم. وبعد ان تحول قسط من الهايدروجين الى هليوم انفجرت النجوم الى مستعرات عظمى (السوبرنوفا) وتوزع الهليوم في الفضاء. وفي وقت لاحق تكونت نجوم صغيرة من غاز الهليوم المخصب، وتم امتصاص الطاقة المنتجة للنجوم الضخمة من قبل الغبار ما بين النجوم والتي يمكن ان تظهر في اشعاع الخلفية الكونية.

على ان التنافس بين النظريتين (البلازما الكونية والانفجار العظيم) ما زال قائماً حول طبيعة ما يتميز به اشعاع الخلفية الكونية، فهل هناك تجانس تام لهذا الاشعاع كما تفترضه النظرية الاولى، ام ان هناك تقلبات في هذا الاشعاع كما يفترضه المؤيدون لنظرية الانفجار العظيم في نسختها التضخمية؟..

للبحث صلة..

 

 

hatam hamidmohsinولد ارسطو (ابن الطبيب) في مدينة ستاجيرا بمقدونيا سنة 384 قبل الميلاد، ونال تعليمه في اكاديمية افلاطون. وعندما توفي استاذه افلاطون عام 347 قبل الميلاد، عاد المقدوني الى بلده واصبح مدرسا للاسكندر ابن الملك فيليب ملك مقدونيا. كان تلميذه الذي اكتسب لاحقا لقب "الاكبر" محبا لاستاذه ارسطو ونُسب اليه القول"انا مدين لأبي في الحياة لكني مدين لاستاذي في الحياة الجيدة".

بقي ارسطو مع الاسكندر حتى عام 335 قبل الميلاد، حينما اسس اكاديمية خاصة به هي اكاديمية Lyceum في اثينا. مكث في اثينا حتى عام 323 ق.م حيث اجبرته المشاعر المعادية لمقدونيا على الرحيل. "انا لا اسمح للاثنيين ارتكاب الإثم مرتين ضد الفلسفة" مشيرا الى إعدام سقراط، بعدها هرب ارسطو الى جزيرة chaicis ثم مات بعد سنة في عام 322 ق.م

ان قراءة أرسطو أسهل مما يتصورها البعض، حتى اولئك غير القادرين على قرائته باليونانية الاصلية سيغمرهم الحماس ويكونوا اكثر انجذابا له . الشيء الملفت حول سياسة ارسطو، هو الطريقة التي حمل بها هذا الرجل معرفته الواسعة الى محاضراته. كان ارسطو يجذب انتباه مشاهديه بالقصص الممتعة. لم تصل الينا اية رسائل خاصة بارسطو، بل كل ما تبقى له هو محاضراته التي كان يلقيها لطلابه.

 

ارسطو والسياسة التقدمية

الشيء الاكثر اهمية في فلسفة ارسطو السياسية هو المدى الذي بلغته تلك الفلسفة من حداثة وتقدمية. دراساته تتحدث عبر العصور وتستطيع إلهام الناس بعد اكثر من 2200 عام.لم يكن ارسطو مجرد فيلسوف كتب عن المؤسسات والدساتير المثالية آنذاك، وانما تنبّأ بها كما تبدو في صورتها اليوم.معظم القضايا التي عالجها ارسطو هي قضايا تهمنا حاليا: الارهاب، اللا مساواة، اخطار الجشع المفرط للطبقة الصغيرة الثرية، كما ان الحلول والتحليلات التي عرضها كانت ملائمة لزماننا.من المدهش كيف ان علم ارسطو بالحكومة كان مرتكزا على مُثل جرى التعبير عنها من جانب نشطاء اليسار في الغرب اليوم. فمثلا، الرجل الذي علّم الملك لم يكن صديقا للقوي والثري، وانما كان مؤسسا لعلم سياسي اعلن فيه بجرأة ان "رجل الدولة الديمقراطي الحقيقي يجب ان يدرس الكيفية التي يتم بها حماية الناس العاديين من الفقر الشديد"(السياسة، 132a). ذلك جعله طموحا لليسار الحديث الذي وضع المساواة والعدالة الاجتماعية في قلب الصراع السياسي. كان ارسطو ديمقراطيا اجتماعيا قبل الفي سنة من تأسيس هذه العقيدة الاقتصادية. هو أصر بان "المعايير يجب ان توضع بطريقة تؤدي الى تقدم دائم للجميع"، وكما في سياسي يسار الوسط اليوم، هو كان يرغب باعادة توزيع الثروة على اساس ان هذا سيكون افضل للدولة والامة ككل. هو اوضح ايضا كيف يتم هذا:"الطريق الأنسب كما كتب هو "ان تُجمع كل العائدات النقدية في صندوق وتقوم الدولة بتوزيعه دفعة واحدة". في الحقيقة هو اقترح كيف ان المحتاجين يجب "ان يُجهزوا برأس مال ليبدأو الاعمال" (132a).هذه الافكار ليست بعيدة عن متبنيات الاتجاه الديمقراطي الاجتماعي والليبرالي اليوم.وكما في التقدميين من يسار الوسط اليوم هو كان مقتنعا بقوة بان اعادة التوزيع و تدخّل الدولة لا ينفع فقط الفقراء وانما هو "مفيد للاثرياء ايضا".لم يكن ارسطو معارضا للاعمال بل كان واضحا بالقول "ان النقود تأتي للوجود بهدف التبادل "وليست غاية في ذاتها. هو ميز بين oikonomia "فن ادارة المنزل" و kremastike"فن الثراء".شكوكه حول المصلحة الذاتية المفرطة انعكست في وصفاته السياسية:"اول الخدمات الضرورية للدولة التي لا غنى عنها هي "رعاية او حراسة السوق"، هو يشير هنا الى اخطار تقليص سلطات الدولة.لا حاجة للمرء قراءة كتاب توماس بكتي (راس المال في القرن الواحد والعشرين) او قراءة عمود كروغمان في ذي نيويورك تايمز اذا كان بامكانه قراءة السياسة politika لارسطو. ارسطو يجب ان يكون ملهما ليسار الوسط اليوم لأنه اقام تفكيره السياسي على اساس متين من الاخلاق والخوف على اصحاب الموارد القليلة. في الحقيقة، هذا الاساس الفلسفي جعل ارسطو متفوقا على العديد من مفكري الحاضر. اليوم يلجأ السياسيون الى المنفعة والمصلحة الذاتية. بالنسبة لارسطو كان عكس ذلك، "البحث عن المنفعة في كل مكان لايتناسب مع الانسان الحر"(1338ب).بدلا من ذلك، يجب على علم السياسة ان يرتكز على الاعتراف بان "الحياة الجيدة هي الهدف الرئيسي للمجتمع" (1278ب). ولذلك كتب ارسطو بان"مهمة صانع القوانين هي خلق المجتمع الجيد". وكان ارسطو قد اشار الى ان السياسة هي امتداد للاخلاق"التشريعات هي ما يجب ان نقوم به وما يجب الامتناع عنه، ان غاية علم السياسة يجب ان تكون الخير للانسان". وبكلمة اخرى، نحن لدينا سياسة، ونحن نعلّم الفلسفة السياسية لأننا نريد خلق السعادة الحقيقية او eudaimonia لتحقيق الحالة التي تكون فيها"افعالنا منسجمة مع الفضيلة ومع توفير كامل الحاجيات في حياة تامة (Nicomachean Ethics,1101a).

السياسة ليست فقط حول المصلحة الذاتية وزيادة القوة والسمعة، انها حول الاعتراف بان "الدولة هي من حيث الجوهر جالية".وفي كلام واضح"الدولة ليست مجرد المشاركة في محلية عامة بهدف منع الاضرار المتبادلة وتحقيق تبادل السلع". يعترف ارسطو ان انظمة التبادل والمسائل المالية "هي شروط مسبقة ضرورية لوجود الدولة. لكن حتى لو توفرت كل هذه الشروط، فهي لن تصنع الدولة.لأن الدولة هي شراكة من العائلات والجماعات يعيشون جيدا وهدفها حياة تامة مستقلة".(1280ب).

 

ارسطو والعنف السياسي

بالطبع، ليس كل افكار ارسطو ناجحة دائما، اراؤه حول العبودية والمرأة هي بالذات مثيرة للجدل. لكن هذا لا يعني اننا نضع فلسفته جانبا. فهناك القليل من المسيحيين يؤمنون تماما بالانجيل سواء العهد القديم او الجديد، ومعظم الدارونيين المحدثين الجدد لا يوافقون مع اجزاء من اصل الانواع.

وللغرابة ان اكثر فلاسفة السياسة البارزين كانوا ذوي بُعد واحد او بُعدين. توماس هوبز ركز خصيصا على السلام والأمن، جون لوك كان مهتما بالملكية والحرية. كارل ماركس ركز تفكيره على مهاجمة النظام الاقتصادي غير العادل. بالمقابل، ارسطو، كان حتى اكثر من افلاطون،  مفكرا سياسيا عالج جميع القضايا الكبرى: التعليم، العدالة، الديمقراطية، المساواة، الحرب، السلام، الاضطراب الاجتماعي.

 ما يميز نقاشاتنا السياسية الحالية هو العنف السياسي، والثورات والارهاب. هذه القضايا جرت مناقشتها بحرارة ايام ارسطو. من الجدير بالذكر انه وصل الى نفس الاستنتاجات التي توصل اليها علماء السياسة اليوم. اذا كان علماء السياسة اليوم وجدوا ان الارهاب ينشأ بسبب الحرمان، كذلك ارسطو اعترف بان فقدان النفوذ السياسي يخلق الغضب والتمرد والعنف. مما جاء في كتاباته "الناس ... يلجأون الى الثورات عندما لا يُسمح لهم بتقاسم النفوذ وعندما يُعاملون بلاعدالة وفجاجة"(1316ب) و"الناس الغاضبون يهاجمون حبا بالانتقام وليس لأجل الطموح"، ارسطو اثار السؤال البليغ"كيف بامكان الافراد الذين لا يشتركون في الحكومة ان يكونوا طيبين تجاه الدستور؟"(1268ب).

 بالطبع الجواب بالنفي. لذا، كان ارسطوا مؤمنا اساسا ان الناس المُهمشين المُستبعدين من النفوذ السياسي يلجأون بالنهاية الى العنف. ميكافيلي (1470- 1527)لاحقا كان صدى لارسطو حين اكّد "من الضروري ان تكون لدى الجمهورية قوانين تمكّن الجماهير من التنفيس عن الغضب الذي تشعر به". لأنه عندما لاتوجد مثل هذه الآلية، "فان طرقا قانونية اضافية سوف تُستخدم وهذه بدون شك ستكون لها نتائج اكثر سوءاً "(Discoursi, 1531,p.102).

لكي تتم المحافظة على النظام السياسي السلمي، يعتقد ارسطو انه من الضروري اشراك جميع المواطنين، لأن سبب استمرار النظام هو، لأن اولئك الذين في الحكم "يعاملون من هم خارج المؤسسات بشكل جيد" وهم يقومون بذلك "عبر جلب قادتهم الى المؤسسات" (1308a). ربما يبدو هذا مثاليا وسطحيا.انما ليس كذلك. دراسة حديثة لأبرز علماء السياسة، Arend Lijphart وجدت ان اكثر الدول الديمقراطية التي تشرك اقلياتها الاثنية في عملية صنع القرار كان احتمال ممارسة هجمات ارهابية خطيرة فيها اقل بست مرات قياسا بالدول غير الديمقراطية(نماذج الديمقراطية، 2012، ص 270).

ان منطق المفكر القديم كان واضحا :المزيد من المشاركة الديمقراطية تقود الى القليل من اللامساواة وادنى مستوى من العنف. من الصعب التقليل من القيمة التقدمية لهذه الرؤية خاصة عند مقارنتها مع السياسات العامة اليوم. لو نظرنا في الخمس عشرة سنة الماضية، في عدة دول نجد السياسة المتبعة تميزت بزيادة المراقبة(في بريطانيا على شكل قانون سلطة التحقيق وحفظ البيانات لعام 2014) وتفضيل التعامل مع الارهاب والعنف عبر الاعمال العسكرية. لم تكن هناك اي نتيجة هامة لتلك السياسات .لو استعملنا الارقام من مؤشر الارهاب العالمي لمعهد الاقتصاد والسلام، ونستبعد منه سوريا ونيجيريا فان العالم شهد زيادة في الهجمات الارهابية بنسبة 80%. ولو ادخلنا ضمن الارقام هاتين الدولتين ستكون الزيادة سبعة اضعاف.

حين يكون الرد المفضل على العنف السياسي هو الانتقام، وتشديد الرقابة من جانب البوليس وشن "الحرب على الارهاب"، فان الامر يستحق النظر في خط التفكير الارسطي، "الناس يهاجمون تحت تأثير الغضب والتهور"(1315a). في الحقيقة، لم يمتنع الارهابيون عن ممارسة العنف بعد اعتماد تلك السياسات كما اشارت الاحصاءات السابقة. عظمة ارسطو تأتي من اعترافه بان مشاركة المواطن ومنحه النفوذ السياسي هو الذي يمنع موجات العنف الاجتماعي والانقسام السياسي وليس القوة . وذلك مؤشر على اتجاه ارسطو التجريبي واعتماده على البرهان في ادّعاء الحقائق الواقعية.

 

ارسطو والديمقراطية الدستورية

كان ارسطو تجريبيا دائما، جمع كل شيء بدءا من العينات الحيوانية وحتى الحقائق السياسية: هو كتب تعليقات على ما يقارب 170 دستورا قديما . لسوء الحظ بقي فقط واحدا من هذه الدساتير وهو دستور اثينا الذي اكتُشف في الاقصر في آعالي مصر عام 1879.

من غير المدهش ان نجد ارسطو المتحمس لمعرفة الحقائق وضع برهانه الرئيسي للتأثير النافع لما سماه"الطبيعة الديمقراطية"مستندا في ذلك على دراساته التجريبية وبالذات التحليلات المقارنة لدولة قرطاج الديمقراطية. كتب ارسطو بان البرهان على ان "دستورها منظم جيدا هو ان جماهيرها يرغبون بالبقاء مخلصين للنظام السياسي ولم يحصل فيها باي مقدار لا انقسام اهلي ولا استبداد"(1272ب). نجاح قرطاج في تجنب الثورات وما نسميه اليوم الارهاب كان ناتجا حسب قوله من دستورها المتوازن الذي اختير فيه برلمانها المؤلف من 104 عضوا "من كل الطبقات" و "حسب الجدارة". كذلك، في هذا النظام الديمقراطي الملفت جرت موازنة النواب المنتخبين بـ "الكبار"الذين يختارهم الشعب وبرئيس الحكومة باعتباره أعلى سلطة منتخبة"(1272ب).

ومع ان ارسطو حذّر من ان يتحول الحكم بالشعب الى حكم الغوغاء، هو ذكر دائما "انه من مصلحة النظام الديمقراطي لجميع المواطنين ان ينتخبوا القضاة واستدعائهم للمسائلة". في الحقيقة، هو تحدث عن "موافقة المحكوم"(1318ب) وهو الخط الفكري الذي استنسخه لاحقا توماس جيفرسون في اعلان الاستقلال الامريكي.

نموذج ارسطو في الدستور كان قد اتّسم بالارستقراطية المنتخبة لكنها ارستقراطية مرتكزة على التعقل غير العادي والذكاء وليس على الثروة. ولكن حتى في ظل هذا النظام من الحكومة، يبقى للناس الكثير من القول قياسا بمعظم الانظمة ذات الديمقراطية غير المباشرة: في الدولة المثالية لارسطو"عندما يعرض الملوك مشروعا امام الجمعية العامة، فهم لايجعلون الناس مجرد جالسين ومستمعين للقرارات التي اُتخذت سلفا من جانب حكامهم، وانما يمتلك الناس قرارات سيادية"(1278a).

لماذا يضع ارسطو بممارسته الذكية هذه كل الايمان في الناس العاديين؟لماذا يثق ارسطو بهم في عمل القرارات الجيدة؟ هو اعترف بان بعض الناس اكثر ذكاءا من غيرهم، ولكن اعترف ايضا ان العديد من الافراد الذي يتشاورون مع بعضهم ستكون لديهم معرفة جمعية اكبر مما لدى اكثر الناس حكمة. لتوضيح ذلك نقتبس منه التالي:

"حينما يأتي عدد من الناس مجتمعين سيكون ذلك افضل ليس انفراديا وانما جمعيا، تماما كما في وجبة العشاء العامة التي يساهم بها الكثير من الناس تكون افضل من العشاء الذي ياتي على حساب وكلفة شخص واحد. حينما يكون هناك عدة افراد، فان كل فرد ستكون لديه جزء من الفضيلة والحكمة، وعندما يأتون مجتمعين، تماما مثلما يصبح حشد من الناس بهيئة رجل واحد بعدة اقدام وعدة احاسيس، كذلك يصبح ايضا شخصية واحدة فيما يتعلق بالاخلاق والملكات الفكرية"(1281ب).

ومن هنا هو استنتج "سبب افضلية الجمهور العام في الحكم"، لأن "مختلف الناس يمكنهم الحكم على جزء مختلف". ولهذا السبب"من الضروري للجميع ان يشاركوا في الحكم وفي كونهم محكومين"(1332ب).

من الصعب ان نجد حالة دقيقة وموجزة للديمقراطية اكثر من الصيغة الارسطية. نفس الاتجاه عبّر عنه العالم الايطالي marsilius of padua(1275-1343)."القوانين التي كُتبت للايطاليين عام 1324"يجب ان توضع امام هيئة من المواطنين لغرض الموافقة او الرفض ... لأن المواطن الاقل تعليما يستطيع احيانا تصوّر شيء ما يجب تصحيحه بشان القوانين المقترحة حتى عندما لا يعرف اساسا كيفية اكتشاف القانون"(المدافع عن السلام، ص 80). لكننا يجب ان نتذكر ان هذا المفكر، ومثله ميكافيلي، جاءا قريبين جدا من تعاليم ارسطو وسارا على خطى كتاباته. كلا الرجلين تعلما من الاستاذ المقدوني وهو ما يجب ان نتعلمهُ نحن اليوم .

خاطب ارسطو الناس عبر العصور، كتاباته كانت برهانا بان فلسفة الأساتذة القداماء هي ليست مجرد اثرا تاريخيا وانما هي مرشد غير مقيد بزمان. ارسطو الديمقراطي والمدافع عن العدالة الاجتماعية، والمعارض للدولة السلطوية يجب ان يكون في اول قائمة القراءات لكل من يساند التقدمية والثورية.

 

emadadeen ibrahimالفيثاغورية هي مدرسة فلسفية وأخوية دينية تقوم علي تعاليم ومبادئ فيثاغورث وأتباعه . وقد نشأت في جنوب ايطاليا في القرن السادس قبل الميلاد . والفيثاغورية هي مصطلح يستخدم للإشارة إلي المعتقدات الباطنية والميتافيزيقية التي أمن بها فيثاغورس. والفيثاغورية تم تأسيسها في كروتونا وهو ميناء إغريقي مشهور، وهي اقرب إلي الفرقة الدينية منها إلي المدرسة الفلسفية، فلقد كان أعضائها يتعارفون فيما بينهم عن طريق الإشارات السرية، بل كانوا يشتركون في تمللك الأشياء، وتعاهدوا أن يتعاونوا فيما بينهم، وكانت موضوعات الدراسة في هذه المدرسة تدور حول الحكمة الأربع وهي الحساب والموسيقي والهندسة والفلك. ومن المعتقدات الرئيسية لدي فيثاغورث مذهب تناسخ الأرواح، أي أن روح الإنسان تنتقل عند موته إلي جسم آخر، بشري أو حيواني، وكان يعتقد أن الروح لا تموت وأن كل شي يتحول، وقد تكمن روح الإنسان في جسد حيوان ثم تدعه إلي جسم الإنسان ومثلها الأنفاس تنتقل بين البشر والحيوانات دون أن تفقد ماهيتها، وتبقي الروح هي نفسها دائما مهما انتقلت في أجساد مختلفة . وكان فيثاغورث يعتقد أنه لا يمكن للروح أن تتحرر من الجسد وتفوز بالخلود في السماوات، إلا بعد حياة نقية، والحياة النقية عنده كانت تعني حياة التقشف والزهد. ورغم ذلك الكثير من القواعد التي وضعها فيثاغورث كانت تشبه الطقوس البدائية، فعلي سبيل المثال كان من المحظور علي التلاميذ أن يأكلوا الفول، أو يكسروا الخبز، أو يلتقطوا ما وقع علي الأرض . كذلك كان يعتقد أن الموسيقي بالغة الأهمية في السمو بالروح وعلي ذلك درس التلاميذ نظرية الموسيقي، وكان من تعاليمه أن السماء كلها تتكون من مقياس أو عدد موسيقي . ما فسر فيثاغورث الموت علي أنه انفصال في الذاكرة يحدث عندما تعجز النفس عن تذكر الماضي لكي تتصل بالمستقبل، وكان فيثاغورث أول من نادي بعدم أكل لحوم الحيوانات، لأنه اعتبر أن أكل الحيوانات هو تدنيس للجسم البشري، لذا أكد علي ضرورة أكل الغلال أو الحبوب والفاكهة . ويجب أن نشير إلي أن فيثاغورث هو واحد من هولاء الرجال الذين طبعوا في الأذهان أفكارهم، واثروا في النفس تأثيرا قويًاً لازمان متعاقبة .و من الأسباب الهامة التي يجب أن نلفت إليها الانتباه لظهور عقيدة التناسخ هو أن القرن السادس شهد هزة عنيفة في الجوانب الدينية وفي جميع أنحاء العالم المعروف في ذلك الزمان فقد ظهرت الزرادشتية وغيرها . لكن أهم نحلة مهدت لظهور التناسخ هي النحلة الاورفية والتي اهتمت بعبادة ديونسيوس، وكانت تعتقد ان الإنسان مركب من عنصر إلهي وعنصر أرضي، وأن إتباع بعض التعاليم والطقوس الخاصة بالطهارة يودي إلي خلاص النفس أو ما يسمي بعجلة الميلاد، أي عودة الروح إلي بدن الإنسان أو حيوان وهي فكرة التناسخ التي أخذ بها فيثاغورس. ويستشهد علي ذلك الشاعر (زينوفان) أن فيثاغورث أوقف شخصا عن ضرب كلب كان يعوى، لأنه عرف فيه أحد أصدقائه، ويذكر عنه انه كان يؤمن بوجود نفسه في أجساد أخري. ومع ذلك فهو يري أن النفس منفصلة عن البدن أي أن جوهرها مختلف عن جوهر البدن، النفس خالدة وأزلية، فهي لها وجود سابق علي البدن، والبدن هو سجن للنفس، لذا يجب التطهير والتصفية، وذلك عن طريق إتباع قواعد وطرق معينة في المأكل والملبس، وعبادات معينة تجري علي أيدي الكهنة، ولقد اتبع فيثاغورث هذه العبادات والقواعد لكنه أضاف إليها الزهد، الذي يهدف إلي تطهير الجسد بأحد أمرين: الاشتغال بالعلم الرياضي، واموسيقي.

 

د. عماد الدين ابراهيم عبد الرازق - اكاديمي مصري   

 

zouhair khouildi"إن فعل التفكير هو في حد ذاته مشروع خطير جدا ولكن عدم التفكير هو أيضا أكثر خطورة" .. حنة أرندت

يصعب على المرء دراسة التفكير الفلسفي دون المرور بقضية ماهية الفلسفة وحدّها الجامع المانع ولكن عدد قليل من الفلاسفة حاول تقديم جواب شاف عن السؤال الشائك: ما الفلسفة؟، وهذا الأمر في الحقيقة مثير للاستغراب والدهشة بالنظر لانتماء معظمهم إلى المشروع الفلسفي ومساهمتهم في تركيز دعائمه.

لم يتفق الفلاسفة حول تعريف دقيق ونهائي للفلسفة ولا يوجد أمر معين اختلفوا حوله وتخاصموا أكثر من تعريفها إلى درجة أن بعض المؤرخين نفى إمكانية حصول اتفاق في العمق حول الأساس الذي يقوم عليه المشروع الفلسفي والمضمون الحي الذي تقوم الخبرة الفلسفية بتحليله والمقصد الذي يسعى الفيلسوف من خلال ممارسته وأفعاله وسيرته تحقيقه وبلوغه والمنهج الذي يجدر بكل تفلسف فعلي أن يتبعه ويسلكه.

لم يسبق أن تعرضت الفلسفة إلى التجاهل والاستخفاف من قبل العامة والخاصة لمثل ما تتعرض له زمن العولمة المتوحشة والثقافة الاستهلاكية ومجتمع الفرجة وبعد سيطرة الصورة وظهور أنماط الاستنساخ.

يحوز غالبية الفلاسفة على فن الصياغة الفريدة  للمفاهيم ويحاولون من خلال آثارهم فتح العالم وتحرير الإنسان. لكن أي مكان للفلسفة اليوم؟ ولماذا يبحث الإنسان دائما عن طرق للتفلسف؟ وهل ثمة تلازم بين ازدياد المعرفة الفلسفية والتقدم المادي في الحياة؟ وماذا تبقى للفلسفة من دور تقوم به زمن الاضطراب؟ وما الفائدة المرجوة من تدريس الفلسفة ؟ ولم تصلح الفلسفة في الوجود البشري؟ هل يجب رد الاعتبار إليها ؟ ماهو الثمن الذي يجب تقديمه في سبيل ذلك؟ وهل من شروط يلزم توفيها لتحقيق رقيها؟

من البديهي أن تكمن مهمة الفلسفة عند الاشتغال على مسارات الحقيقة والوجود والقيم من أجل تكوين رؤية للعالم وتشكيل وحدة المعرفة بالانطلاق من الدين والفن واللغة والتاريخ في التفسير والنقد والإبداع.

والحق أن الفلسفة تمثل مصدر تخوف وخشية عند من يجهلونها وتثير القلق والشقاء عند من يدرسونها وتعد من الإفرازات العبقرية للعقول الكبيرة للبشرية والذين نحتوا عظمتها وتاريخا وجعلوا العالم مفهوما.

لقد قدم لنا تاريخ الفلسفة ثلاثة أجوبة كبرى: الأولى تنتمي إلى العصر القديم وتقدم الفلسفة بوصفها طريق نحو السعادة ويمثلها أبيقور والرواقية والريبية، والثانية تنتمي إلى العصر الحديث وتجعل من الفلسفة أسلوب لفتح العينين ويمثلها ديكارت من خلال منهجه الحاسم، والثالثة تنتمي إلى الحقبة المعاصرة وتعتبر الفلسفة فعالية إبداعية ويجسدها جيل دولوز من خلال تصوره للفيلسوف على أنه موقع لمفاهيمه بنفسه.

والحق أن الفلسفة هي ممارسة نظرية (بحثية، استدلالية، مفهومية) غير علمية ولا تخضع إلا للعقل والتجربة، مع حذف كل وحي له مصدر متعال أو ما فوق طبيعي وترنو إلى القليل من المعرفة والكثير من التفكير أو فعل المساءلة، وتضيف عدد قليل من معارفنا وتفكر في ما نعرفه أو نجهله بصورة كبيرة1.

لقد اهتم البعض من الفلاسفة بتأسيس الأخلاق وفق الخير والسعادة والفضيلة وتناول آخرون بالدرس المباحث السياسية كالدولة والسلطة والحرب وبحثوا عن السلم والتعاقد من خلال القانون والمؤسسات.  كما جعل فلاسفة شغلهم الشاغل العلوم من جهة رصدهم رحلة المفاهيم وقيامهم بإبداع النظريات بعد القيام بالتجارب وإنقاذ ظواهر الطبيعة، ولقد صعد قسم آخر بالتفكير الفلسفي نحو الخوض في عالم الميتافيزيقا والمعتقد الديني وبحث في الجواهر المفارقة وحقائق الغيب وحاول البرهنة على وجود الله وعلاقته بالعالم والبشر، واعتنى فريق جديد بالراهن واستفسر عن الزمان والمكان وأحوال الإنسان وشروط وجوده.

يعتقد المتابعون بوجود أسلوب كوني ولغة مخصوصة يعتمدها الفلاسفة وطريقة متفق عليها في الحجاج ولكن  المتمعن في الأعمال الفلسفية يلحظ الفوارق والاختلافات بين المحاورات والشذرات والرسائل والمختصرات والمقالات والدراسات والبيانات وينتبه إلى المراوحة بين اعتماد عبارة واضحة ومحددة تتفق مع اللغة المتداولة والكلام الدارج  وبين توخي لغة صعبة وتعبير ملتو وتقنية دقيقة في الكتابة.

عما يتساؤاون عندئذ هؤلاء الفلاسفة اذا غاب عنهم التفاهم والاتفاق والتواصل وحضر عندهم النسخ والنقد والتجاوز وانتفى العمق الذي يرتكزون عليه وافتقدوا الى الاشتراك في القالب والشكل والصورة والإطار.

بيد أن المتمعن في تاريخ الفلسفة يمكنه استخراج سبع ملامح فلسفية كبرى تميز الفلاسفة عن بعضهم البعض:

1-الفلسفة  بماهي نسقsystème : تجمع هذه العائلة كل الميتافيزيقيين الذي طمحوا إلى العثور على نقاط اصطباغ بالنسبة الى الفكر ورسموا خطوطا ووضعوا الحدود بالنسبة الى المعرفة وكانوا خرائطيين بحق وذلك بأن شيدوا الأنساق الصلبة التي تعانق كلية ماهو كائن. في هذا الصدد لقد ميّز بارمنيدس في شذراته عن الطبيعة بين اللاّوجود من حيث هو غير متصور والوجود بوصفه الدرب الذي يتبعه كل باحث عن الحقيقة، وأيده أفلاطون برسمه الحد الذي يفصل العالم المحسوس والذي يمثل المرئي المتغير والعالم المعقول الذي يتضمن جملة من المثل الثابتة، في حين خط سبينوزا مسارا من خلال تمثل هندسي بالذهاب من الله - الطبيعة بغية الوصول بالحكيم الواعي بالكل إلى درجة الغبطة السرمدية من حيث درجة ثالثة من المعرفة. أما لايبنتز فقد أوجد تصورا متناسقا للكون حيث يحوز كل شيء على سبب وجوده وأين تشكل المونادات العناصر البسيطة التي يتركب منه بطريقة يتناغم فيها ويصبح أفضل العوالم الممكنة. بيد أن كانط رسم حدود المعرفة الممكنة بين الظواهر المرئية والماورء مجال الآمال الميتافيزيقية. بينما قام هيجل ببناء النسق الذي تحقق ضمنه مصالحة الإنسان مع ذاته والعالم مع المطلق. في نفس الاتجاه شيّد شوبنهاور رؤية للعالم تكون فيها إرادة الحياة هي ماهية كل شيء2.

2- الفلسفة بماهي حكمةsagesse : يفرق مجموعة من الفلاسفة بين الحياة العادية والحياة الجيدة ويحاولون تحديد شروط تحصيل السعادة والفوز بالرقي والازدهار ويرون أن بلوغ الحقيقة يتطلب تحقيق التناغم مع العالم ومع الآخرين ويعتبرون العناية بالذات أمرا ضروريا للاكتمال ولكنهم يختلفون في توجيه البوصلة في الحياة وتقديم وصفة التوجه في الوجود وإرساء السفينة على بر الأمان  ولقد آمنوا بأن المنهج هو المبدأ الذي يسري في الكون وبأنه يجتاز اللاّفعل ويتغلب على كل كاتم للصوت ويسمح للمرء بأن يكون خيرا بممارسة الفضائل على غرار الإيثار والرأفة والإخلاص. لقد مثل منهج سقراط عن معرفة الذات قولا افتتاحيا في العناية بالنفس من أجل تزكية الجسد، وأضاف إليه أبيقور مطلب استهداف اللذة من خلال إشباع الرغبات الطبيعية والضرورية. أما الرواقية فقد نادت مع سنيك بلزومية العيش وفق العقل وبلوغ هدوء النفس بتخلصها من الأهواء وزادت عليها مع مارك أورال الفعل من أجل الخير المشترك للمدينة بقبول نظام الكون بفرح والعناية بالذات والرضا بالقدر المحتوم. في بدايات الحداثة ارتبط المنهج عند مونتاني بالتركيز على ما يفعله المرء ويعرفه وبالإخلاص للوجود وللحياة عن بعد. على إثر ذلك عثر أمرسن على الرابط الذي يصل الإنسان بالعالم وذلك عبر تطوير الثقة في النفس بالاقتدار على التفكير الذاتي. تبعا لذلك تكاثرت الأصوات المنادية بالعودة إلى الطبيعة والتواصل معها وتبسيط الحياة وطلب الأساسي من الأشياء بالتعامل مع اللحظة على أنها فرصة واستغلال ماهو حاضر أمام المرء من جهة الزمان والمكان. لقد كان ألبرت كامي معبرا عن هذا المنهج بتنصيصه على تعلم أصعب علوم الحياة في ظل العبث والاستحالة والعدم والوجود في العالم من خلال الجسد والاستمتاع بمظاهر الجمال فيه والتخلي عن كل الأوهام المتراكمة عبر تاريخ الفكر والعثور على درب الواقع وقبول عرضية الوجود وتوجيهه نحو الفرح وتقاسم المتع والخيرات مع الغير وممارسة الحياة كماهي في الحاضر بلا أمل في الخلاص ومن خلال الفعل والمحبة وتأمل الطبيعة من حيث هي المصدر الرئيسي للإلهام والإبداع3.

3- الفلسفة بماهي شعلة ملتهبة  Molotov تحرق كل البديهيات عند مفكيكي الأنساق وهادمي الميتافيزيقا وحفاري قبور الذات، ولقد كان سلاحهم رفض كل أشكال الشرف والمجد والألقاب المفخمة التي كانت تعطى للنبلاء والمختصين والجهابذة والقيام بنفي الطقوس والشعائر والجوائز وكل ما يبعد عن الحياة البدئية. في البدء قام ديوجان اللاّيرتي باعتداء صادم على قوانين وعادات المدينة وواصل جوردانو برينو المعركة مع المؤسسة الكهنوتية بنفي مركزية الأرض وإقراره بلاتناهي الكون وتشكله من عوالم متعددة. في نفس الاتجاه نادى روسو بالعودة إلى الطبيعة الأصلية والطيبة للإنسان مادام التطور الحضاري قد أفسده وسارع ساد إلى مدح ممارسة الرذيلة القصوى وإخضاع جسد الغير إلى قانون رغبة الأنا، في حين دافع كارل ماركس على مجتمع بلا طبقات لكي يتفادى الصراع بين البرجوازية والبروليتاريا وبين المصلحة المشتركة التي ترعاها الدولة باسم النظام العام والملكية الخاصة التي تدعمها الرأسمالية. على هذا الأساس وجه فريدريك نيتشه مطرقته لكي تدك حصون الميتافيزيقا وجعل من الجسد بؤرة إرادة القوة ومسرح إبداع قيم جديدة ودفع بالاقتدار إلى إثبات الحياة في مواجهة الأخلاق الموروثة عن التقليد اليهودي المسيحي. بعد ذلك تأتي محاولة جان بول سارتر في الاعتماد على الحرية بغية رفض الانغلاق في ماهية مجردة وجبرية صارمة والاندراج ضمن التاريخ الحي والاشتغال على إبداع الذات بتجاوزها لذاتها. في زمن لاحق عن ذلك وقع الانتباه إلى مخاطر التخلف الاقتصادي ومواجهته للنموذج الصناعي للتقدم وتبنى أنطونيو نيغري التفكيك من أجل خلخلة الأشكال الجديدة من الهيمنة التي تمارسها الإمبراطورية وانتصر إلى الإمكانيات الهائلة التي تتوفر عليها الحشود من أجل الثورة على الظلم وبناء إمبراطورية مضادة. هذا الأمر لن يكتمل إلا إذا تم خلع الهالة عن الانسانوية الغربية والكف عن معاملة الأفراد بتأديب وانضباط4.

4- الفلسفة بماهي طريق pista  وعر يسلكه العقل أثناء البحث في الواقع عن الحقيقة  ولقد مارسها المغامرون من البحاثة الذين يمحصون ويحققون ويدققون وليس لهم من انفعال غير معرفة العالم وإدراك قوانين الطبيعة وفك رموز الواقع . لقد كانت المواضيع والألغاز التي يهتم بها المدققون كثيرة ومتنوعة مثل تعدد المقاربات وتكاثر الطرق التي تتم بواسطتها الدراسة والبحث والاستقصاء، وبالتالي يوجد من يخير الذهاب مباشرة إلى التجربة ويوجد أيضا من يعتمد على العودة إلى التاريخ والاستفادة من التراث. منذ الإغريق خاض أرسطو في كل شيء وجعل من الفلسفة أم العلوم ودقق في الميتافيزيقا والمنطق والأخلاق والسياسة وقام بتصنيف الظواهر الطبيعية والكائنات الحية ضمن التاريخ الطبيعي. في الأزمنة الحديثة نهض ماكيافيللي لكي يبين طرق الحصول والمحافظة على السلطة وانتبه الى أهمية الاستعمال الجيد للقوة والحيلة عند تغير الظروف وتبدل الوضعيات. بينما دقق هيوم في طبيعة الذهن البشري بالانطلاق من التجربة وقاده هذا التقصي إلى القول بأن أفكارنا متأتية من انطباعاتنا الحسية. في الأزمنة المعاصرة منح دي توكفيل الديمقراطية معنى النظام السياسي والنمط المجتمعي الذي تُحتَرمُ فيه المساواة، في حين أشار ولتر بنيامين إلى مراوحات الحداثة بين الحاجة إلى تمدين وسيطرة الإعلام الجماهيري. كما نقدت حنة أرندت التجربة الشمولية وكشفت عن تفاهة الشر نتيجة غياب التفكير وفقدان معنى المسؤولية. بينما تابع مارسيل غوشيه مسارات الأديان في خلع الهالة عن العالم والسماح بحدوث الديمقراطية. من ناحية مختلفة تساءل بروند لاتور عن الأسس الخفية للعلم والتقنية طارحا مفهوما جديدا للطبيعة ومبينا الأزمة الايكولوجية التي أصابت الكون في أعماقه وجعلت مستقبل الحياة على الكوكب مهدد وعلى الحافة5.

5-الفلسفة بماهي أخلاق moralia نعثر عليها عند نقاد الشيم البشرية وقد فرقوا بين عملية تأسيس الأخلاق والتجارب التاريخية التي تشهد الالتزام بالقيم والمبادئ والقواعد والمعايير الأخلاقية وقد حاولوا التخلص من التصورات المصطنعة للحياة ونقدوا بشدة تفشي الآفات الاجتماعية والأمراض السلوكية. لقد حرص هذا الفريق من الأخلاقيين على إظهار تضارب الأغنياء فيما بينهم ونسيانهم متعة اللحظة الحاضرة ووصفوا الحياة الاجتماعية من حيث هي موجهة بواسطة الاهتمام بالمظاهر وفن الخداع والمفاخرة وبرعوا في إزاحة الأقنعة عن الرذائل والمصالح وزرعوا الفضائل والقيم الحقيقية على غرار الصداقة. لقد انتبه باسكال الى أن سبب بؤس الإنسان هو تمركزه على ذاته بدل محبة الله وسانده فولتير في نقده اللاّتسامح الديني والتعصب بين الطوائف وتقديسه الاختلاف في الآراء والتعددية في الاعتقاد. في نفس الاتجاه كشف ديدرو عن الطابع المنافق للأخلاق في المجتمعات الرأسمالية، وأفرغ سيوران مثاليات الوجود التي كانت تثقل كاهله بالأحمال غير قابلة للتحمل وتصالح مع اليأس والسخرية والعدم، ونبه ديبور من تحطيم مجتمع الفرجة المشاعر الأصيلة و صنع أشكال معاصرة من التبعية والاغتراب والعبودية، في حين أعاد ألان فنكايلكروت الاعتبار الى الأدب ورجع بالفلسفة الى ينابيعها من أجل وضع حد للتفاهة والعار والقذارة التي خلفتها سياسات التمييز العنصري6.

6- الفلسفة بماهي خلقEureka وينتسب إليها خالقو المفاهيم وواضعو المصطلحات وراسمو الحدود ويتمثل هذا الشغل المعجمي تارة بالرجوع إلى لفظ في اللغة المتداولة والقاموس المشترك للفاعلين وطورا بتحكيم منطق البحث اللغوي والتحديد الايتيمولوجي والاستناد على الفضاء الدلالي والتداولي للمصطلح، واللافت للنظر أن كل فيلسوف جديد يظهر يقترن مع توقيعه لمفهوم جديد من جهة الميتافيزيقا أو الإيتيقا. لقد اقترن اسم ديموقريطس بمفهوم الذرة والذي منحها خاصية المادة غير قابلة للقسمة. أما طوماس مور فقد وضع مفهوم اليوتوبيا تخيل فيه إمكانية قيام عدالة اجتماعية بين سكان الجزيرة في حياتهم اليومية. بعد ذلك أبدع لابواتيه مفهوم العبودية الطوعية حيث بين فيه حاجة الناس من تلقاء أنفسهم إلى وازع يحكمهم، ثم جاء دور هنري برجسون في الأزمنة الحديثة لكي يركز على مفهوم الديمومة من حيث هي تدفق الحياة الباطنة وتتعارض مع التفسير العلمي للزمن في الفيزياء الرياضية. بعد ذلك جعل ليفيناس من الوجه الطريقة التي يظهر عبرها الغير في عطوبيته وغيريته بالنسبة إلى الذات، بينما لا يوجد مفهوم واحد يستحق الإبداع من طرف الفلسفة بل حشد من المفاهيم تظهر في شكل ريزوم وجسد بلا أعضاء وأرضنة. على نفس الأرضية وقف جاك دريدا بتوقيعه مفهوم التفكيك من حيث هو حركة للفكر يقلب فيها الأزواج الميتافيزيقية، كما عول رينيه جيرار على الرغبة المحاكاتية في تفسير تفجر العنف في حقل المقدس ذاته، وأعلن جان فرنسوا ليوتار نهاية السرديات الكبرى ودخول البشرية في الوضع مابعد الحديث.  بيد أن يورغن هابرماس يتمسك باستراتيجية الفعل التواصلي ضمن مشروع استكمال الحداثة عن طريق التفاعل الاجتماعي والتلاقي بين الذوات والثقافات ضمن الباراديغم اللغوي7.

7- الفلسفة بماهي لامعروف incognita وقد مارسها بعض المستثمرين explorateurs وكشفوا من خلالها عن وجود معنى خفي وراء المظاهر والبديهيات وبالتالي عزم هؤلاء على الغوص في الأعماق وتقليب الطيات والنفاذ إلى البواطن بغية تسليط الضوء على الأشياء وإنارة المسالك المطمورة والدهاليز المظلمة. لقد قذفوا أنفسهم داخل محيطات مجهولة واجتازوا كل الحدود المعتادة ورسموا دروب جديدة من أجل فهم كينونة الإنسان وما يحيط بها. لقد جعل أوغسطين من الباطنية الأرض الجديدة التي يجب امتحانها وغزوها وقد عثر على هذا الآخر الذي يتقدم عليها ويغمر كامل الحياة الحميمة للمرء وهو الله. من وجهة نظر حديثة استخدم ديكارت منهج الشك للوقوف على أرض النفس والفكر وانتهى به المطاف عند الكوجيتو كيقين أول ومبدأ للفلسفة. في حين وزّع كيركجارد الوجود إلى ثلاثة مستويات الجمالي والإيتيقي والديني، ولقد استفاد سغموند فرويد من فرضية اللاوعي لدى الفلاسفة لكي يحلل التمثلات المكبوتة والعقد الدفينة، بيد أن أدموند هوسرل أعاد الانطلاق من الوعي لكي يصف التجارب المعيشة بواسطة منهج جديد قامت الفنومينولوجيا بنحته ويتمثل في القصدية والعودة إلى الأشياء في حد ذاتها. من هذا المنظور واصل مارتن هيدجر جهود أستاذه في تقويض السؤال الميتافيزيقي عن الوجود ونسيان هذا النسيان بالقيام بتحطيم طبقات الأنطولوجيا التقليدية وتحليل الدازاين  بوصفها نمط وجود الكائن البشري. بينما جدد موريس مرلوبونتي ثقته في الجسد الخاص من حيث هو لوغوس العالم ونقطة التمفصل بين الذات والعالم. بيد أن كلود ليفي ستراوس ظل مشدودا إلى واقع البنى اللاّواعية والقواعد الاجتماعية وعلاقات القرابة التي يفكر من خلالها الناس ويفعلوا8.

 في نهاية المطاف إذا كانت الفلسفة فعالية إبداعية وطريق نحو السعادة وطريقة في فتح الأعين، ألا يكمن الجهل الحقيقي،على حد تعبير كارل بوبر، في رفض البحث المعرفة في ظل غيابها وحجبها؟ كيف صمد سؤال لايبنتز الشائك : لماذا الوجود موجود والعدم غير موجود؟ أمام تراكم الأنساق والمفاهيم والمناهج؟

 

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

........................

الإحالات والهوامش:

[1] Comte-Sponville (André), la philosophie, édition PUF, Paris, 2005, rééditions Point Delta, 2009pp20-21.

[2] Voir Revue philosophie magazine, n°100, juin 2016,dossier, qu’est-ce que la philosophie ?, pp.48-79.

[3] Idib

[4] Idib

[5] Idib

[6] Idib

[7] Idib

[8] Idib

 

المراجع:

Comte-Sponville (André), la philosophie, édition PUF, Paris, 2005, rééditions Point Delta, 2009

Revue philosophie magazine, n°100, juin 2016,

 

nabe  odaهل الوجود يسبق المضمون؟.. سؤال تطرحه الفلسفة وهو موضوع يعرف فلسفيا باللاتينية باصطلاح "أكسيستاليست"  وهي طريقة تبدأ حسبها الفلسفة بالشخص الحي وصاحب الشعور والنشيط، من ابرز مفكريها الفيلسوف والأديب الفرنسي جان بول سارتر الذي طرح رأيه بأن الوجود يسبق الجوهر. لم اجد للاصطلاح ترجمة عربية .

الاصطلاح اللاتيني فيه تشعبات فكرية وفلسفية متعددة. لذلك أكتفي بالتفسير الذي ذكرته اعلاه واضيف يانه يعني أيضا "تعريف الانسان على أساس أعماله". وان "أمله الوحيد بأعماله.. وما يجعل حبه للحياة بهذه القوة الكبيرة هو نشاطه الابداعي". حسب طرح فيلسوف الوجودية والكاتب الفرنسي جان بول سارتر  الذي قال أيضا:  " المبدأ الرئيسي ل"الاكسيستاليست" يعني ان الانسان  لا شيء الا  ما يصنع هو من نفسه".

طبعا عالم البشر لا يقع بعيدا عن عالم الأحزاب، لو راجعنا تاريخ زعماء أحزاب وزعماء دول لوجدنا الآية معكوسة اذ أن "الاكسيستاليست" هنا اصبحت "ما يفعله أعضاء الحزب او رجال الدولة من اجل ان ترتفع أسهم زعيمهم".. أي يتصرفون كالعبيد بنفي كامل لشخصياتهم وهذا ينعكس سلبا على تفكيرهم بتحولهم الى أبواق تكرر ما تلقن به ولا تفكر بما تقول، ونماذج من جعلوا من انفسهم ابواقا بلا عقل  كثيرة والبارز هو تفاهة اقوالهم وبدائية تفكيرهم ومستوى لا يليق بثقافة الإنسان المعاصر . هنا من المفيد ان اذكر ما قاله الفيلسوف الألماني من القرن العشرين كارل يسبرس : بأن "الوجود يجب ان يكون به تعادل بين الايجابيات والسلبيات". طبعا هناك اجتهادات أخرى اوجعت رأسي بها ولا اريد ان اوجع رأسكم بها.

لكن بقي أن اضيف ان الفلسفة الوجودية وممثلها سارتر اهتمت بهذا الموضوع، بصفته يعطي تأكيدا على اهمية الوجود،  وهذا ما تفسرة الطرفة التالية:

كان رجلا يعاشر  زوجة صديقه في الفراش حين سمعوا صوت سيارة الزوج تقف في الفناء خارج البيت. قفز بسرعة واختبأ بخزانة الملابس. دخل الزوج، وظن ان زوجته اعدت له مفاجأة لينام معها، فها هي عارية وجاهزة... بدأ بقلع هدومه وأراد ان يعلق بنطاله بالخزانة، تفاجأ من رؤية صديقه داخل الخزانة عاريا، سأله: ماذا تفعل هنا يا صديقي ولماذا انت عاري؟ اجابه صديقه: حسب فلسفة سارتر الوجودية كل انسان يجب ان يوجد بمكان ما !!

حتى نخترق عمق المقولة كما تظهر في السؤال الافتتاحي أعلاه علينا ان نغوص في عمق  أفكار الفيلسوف الألماني من القرن التاسع عشر هيجل أحد أهم الفلاسفة على الإطلاق وخاصة الموضوع الذي يعرف ب "المستحيل الهيجلي". وهو موضوع اشغل الفلسفة وقاد الى شبكة واسعة من التفسيرات.

الفيلسوف هيجل فكر بأنه قفز خارج التاريخ، وانه يشاهد حركة التاريخ من فوق وسمى ذلك المستحيل، واشتهر باسم "المستحيل الهيغلي"... أي فقط هيجل هو القادر على تلك الرؤية من خارج التاريخ. سارتر رأى ان الانسان المنفرد يعيش بتوحد مخيف، لذلك قال "ان الوجود سابق للمضمون(الماهية)".

فيلسوف أمريكي فسر هذه الشبكة من التعقيد الفلسفي بحكاية طريفة محاولا ان يفسر المضمون لذلك الاصطلاح. اصيغها بلغتي وفهمي لفن القص:

خرج جمال برفقة صديقه جواد الى رحلة. اثناء تجولهم بإحدى المدن وجدا اعلانا على باب كنيسة يقول: كل من يغير دينه الى الكاثوليكية سيحصل منا على الف دولار!!

جمال تحمس وقال لصديقه : تعال ندخل وسنحصل سوية على 2000 دولار!!

-       لن ارتد عن ديني ... قال جواد.

-       انا سأدخل ولن اقاسمك بالألف دولار

-       انت حر.

دخل جمال الى الكنيسة. مرت الساعات وجمال داخل الكنيسة وجواد ينتظره ..

بعد ان كاد جواد يغادر المكان مللا من الانتظار، ظهر جمال فجأة:

-        ماذا جرى بك لتبقى ساعات طويلة داخل الكنيسة؟

-        غيرت ديني .. وتنورت بالإيمان..واشعر بالراحة والاطمئنان

-        حقا؟ يا للغرابة.. كنت سعيدا وغارقا في ملذات الحياة. هل بعت نفسك بألف دولار؟

-        النقود؟.. انا شخص مؤمن الآن... ما قيمة النقود مقابل الايمان؟ الغير مؤمنين من البشر لا يفكرون الا بالنقود؟!

قال احد الفلاسفة: "الايمان السيء هو أيضا ان نرى انفسنا كأصحاب قدرات غير محدودة، وبدون أي قيود على حريتنا".

هل من يراهن على عبثية ذلك؟ هل حقا ان "الانسان  لا شيء الا  ما يصنع هو من نفسه وليس ما يصنعه به الأخرون"؟! مقولة جديرة بالتفكير!!

الذين آمنوا بالماركسية في عقود سابقة ، لا تختلف حالهم عن حال جمال. أشبه بمن غير دينه مجانا، وأبقى الألف دولار لمن يملكون الاف لا تعد ولا تحصى من الدولارات ولا يلتزمون بما أقنعوا جمال به.

ما نراه اليوم ان الطبقات التي يدعون انهم يريدون محاربتها أصبحت تشكل أكثرية داخل صفوف أحزابهم، لأنهم يعرفون من اين تؤكل الكتف...اما طبقتهم العاملة فغائبة عن العضوية وعن القيادة...لا وقت لديها للعبة الألف دولار ... دينها سيبقى عملها!!

ينطبق على هذا الايمان ما كانت تقوم به جارة لنا ، كانت تخرج كل صباح جديد ، وتنظر الى السماء وتقول بصوت مرتفع: "احفظ يا الهي هذا البيت بعيدا عن النمور" وتعود الى داخل البيت. وهكذا مضت الأيام.. والجيران يضحكون من  هذا الرجاء، حتى تجرأت جارة وقالت لها:" يا جارتي العزيزة .. انت تشغلين نفسك بموضوع بعيد عن الواقع، لأنه لا يوجد نمور قريبة من بلادنا، وأقرب نمر الينا يبعد عنا الاف الكيلومترات.. وحتى يصلنا يجب ان يجتاز اراضي وجبال وأنهر وبحار" فردت عليها الجارة: "هل ترين الآن فعالية رجائي"؟

في بداية وعيي كنا نغني في مظاهراتنا العمالية: "عاش حزب الشيوعية وزعيمه ستالين". ترى ما الفرق بين هذه الكلمات ودعوة الجارة من ربها ان يبعد النمور عن بيتها؟

إذن شيء من تفعيل العقل لا يضر. واذا لم يتبق شيء من العقل بل ايمان لخدمة مجموعة انتهازيين، فليحولوا أحزابهم الى طوائف سياسية... هكذا يتطابق الفاعل والفعل والمفعول به!!

 

ليست هناك مسألة ميتافيزيقية اهم من المسألة الالهية، ولا هناك قضية ظلت حاضرة في الفكر الفلسفي والانساني اكثر منها. ونعلم ما لهذه المسألة من انعكاسات خطيرة على مبحثي الوجود والقيم وما يترتب على ذلك من اثار على حياة الانسان وسلوكياته.

وبلا شك يعتمد تحديد هذه المسألة المركزية على نوعية مفاتح البحث الابستيمي الميتافيزيقي والتي تختلف حولها المذاهب الفلسفية. واذا اردنا تصنيفها مبدئياً فسنجد ثلاثة انواع لها، هي ما نصطلح عليها بكل من تعليق الحكم والنفي والاثبات.

ونقصد بالاول ذلك الذي يجعل عالم الميتافيزيقا مغلقاً امام البحث المعرفي الابستيمي، كالذي تلتزم به مدرسة الوضعية المنطقية، ومن قبلها المذاهب الشكية القديمة والحديثة مثل شيشرون وسكستوس ومونتاني وشارون.

كما نقصد بالثاني ذلك الذي يعتبر القضايا الميتافيزيقية وهمية تماماً، كالذي تعتقده المذاهب المادية والالحادية عبر التاريخ والى يومنا هذا.

في حين نقصد بالثالث ما هو عكس الثاني، اذ يذهب الى امكانية اثبات القضايا الميتافيزيقية وعلى رأسها المسألة الالهية، كما هو حال المذاهب الفلسفية القديمة واللاهوتية والكثير من المدارس الحديثة.

وينقسم المفتاح الاخير الى مفتاحين فرعيين خاص وعام. ويتميز المفتاح الخاص بأنه موضع التزام مذاهب معينة دون اخرى، اذ تعول على مبادئ معرفية – كمفتاح للبحث الميتافيزيقي – لا تحظى بقبول الجميع. فمثلاً ان الدليل الانطولوجي على وجود الله، كما طرحه القديس انسليم وصاغه ديكارت وغيره، لا يعتبر مقبولاً لدى اغلب مذاهب الفلسفة الالهية او الاثباتية، ومثله دليل الصديقين كما طرحه ابن سينا ومن بعده صدرالمتألهين الشيرازي، فهو قائم على بعض التعريفات والمسلمات التي لا تحظى بقبول اللاهوتيين والكثير من الفلاسفة الاثباتيين. ومثل ذلك ما طرحه اللاهوتيون من دليل الحدوث، اذ لا يحظى هو الاخر بموافقة الفلاسفة، لذلك اشكل عليه فيلسوف قرطبة ابن رشد في (مناهج الأدلة في عقائد الملة).

أما المفتاح العام للاثبات فيتصف بانه قابل للاشتراك العام والموافقة التامة لسهولة ادراكه والاقتناع به لدى الفلاسفة الالهيين. فعلى الاقل انه يقبل التطبيق على الشاهد، وبالتالي يمكن توظيفه في الغائب. وباعتقادنا انه يمكن حصر المبادئ المشتركة لهذا المفتاح بثلاثة اساسية، هي: السببية الانطولوجية1 ، والمنطق الاحتمالي الاستقرائي، ومبدأ البساطة.. وارى ان اهمها جميعاً هو المنطق الاحتمالي، كالذي سنبرزه في دراسة مستقلة.

ولمفتاح الاثبات اربعة اشكال متفاوتة من المعاني، أهونها ذلك الذي يطمح الى اثبات مبدأ اصلي للوجود يتصف بالعقل اجمالاً، حيث به يفسر وجود سائر الكائنات الممكنة دون ان يدخل في معرفة تفاصيل هذا المبدأ؛ إن كان ذا قدرة وارادة حقيقيتين ام لا؟ وكثيراً ما يلجأ الفيزيائيون الالهيون الى هذا المعنى المجمل مع تفاصيل قليلة مثل استبعادهم للإله الشخصاني. وبالتالي فهو يمثل المعنى الضعيف للاثبات. ويقابله ثلاثة اشكال من المعاني القوية، كلها لا تقف عند حد الاثبات المجمل بل تقرر بعض التفاصيل المتعلقة بالقدرة والارادة الالهية. ويمكن ان نستعرضها كالتالي:

يتميز احد هذه الاشكال بالحتمية الصارمة لنفيه القدرة الالهية جملة وتفصيلاً، فالعلاقة التي تربط بين المبدأ الاول وصادراته الوجودية تخضع لاحوال صارمة كما تتمثل بقوانين العلة والمعلول، حيث يكون المبدأ الاول علة ما دونه من الموجودات. فرغم انه اكمل منها رتبة، لكنه يخضع مثلها تحت سلطة هذه القوانين. وابرز من يعبر عن هذا الشكل هو الفلاسفة القدماء ومن على شاكلتهم.

أما ثاني هذه الاشكال فهو على عكس ما سبق، حيث يتميز باثبات الارادة المطلقة والقدرة التامة على خلق الاشياء من العدم الصرف بلا استثناء، كالذي يسعى اليه اللاهوتيون من مختلف الديانات السماوية عادة.

في حين يتصف الشكل الثالث بالتوسط بين الشكلين السابقين. فرغم انه يعمل على اثبات القدرة والارادة الالهية المتعلقة بظواهر العالم وصوره، لكنه يستثني من ذلك المادة الاصلية التي يُجرى عليها الخلق والصنع والتكوين. وبالتالي يتخذ هذا الشكل طريقاً وسطاً بين مقالة الحتمية الصارمة من جهة، ومقالة القدرة المطلقة على خلق الاشياء من العدم الصرف من جهة ثانية.

هكذا يمكن تصنيف الاشكال الاربعة السابقة الى شكلين اساسيين من معاني الاثبات: ضعيف وقوي. ويتضمن الاخير ثلاثة اشكال مختلفة تقف قبال المعنى الضعيف، فهي تتضمن زيادة في درجات الاثبات مما يجعلها قوية رغم التفاوت فيما بينها، فبعضها يتصف بتمام القوة في المعنى الاثباتي، فيما يتصف البعض الاخر بالتوسط.

وبعبارة ثانية، ان لدينا معان مختلفة في درجات الاثبات: ضعيف وقوي ومتوسط. وليس لهذه الاشكال علاقة بقيمة الادلة المطروحة، فسواء كانت ادلة صحيحة او زائفة، او كانت ممكنة او ممتنعة، فذلك لا يقف حائلاً دون تصنيفها بالشكل المعروض وفقاً لدرجات الاثبات. فالمعنى الضعيف يتصف بانه اسهل اشكال الاثبات مقارنة بغيره، وكلما زاد المعنى قوة كلما دلّ على كونه اكثر ايغالاً او صعوبة، فالضعف والقوة لهما علاقة بدرجات الاثبات دون قيمته.

وعليه يعد الشكل الاول (الضعيف) أهونها، وذلك باعتباره يمثل المعنى المجمل للاثبات من دون تفاصيل.

في حين يتصف الشكل القائل بالقدرة والارادة المطلقتين بأقواها وأصعبها جميعاً. فالسمة التي يتميز بها هذا المعنى هو الخلق من العدم المحض، خلافاً لسائر الاشكال الاخرى، لذلك كان أقواها درجة وأشدها إشكالاً، فهو يبسط القدرة والارادة على خلق كل شيء؛ مادة وصورة، فالعالم باعراضه وجوهره مخلوق لله بلا استثناء.

ويقابل هذا المعنى ذلك الذي يحيل القدرة والارادة كلياً، كالذي يصوره الفلاسفة القدماء. حيث يثبتون واجباً للوجود مع الاعتراف بواجبية غيره ايضاً، وان كان بالعرض لا بالذات، فهما يشكلان علة ومعولاً، وهما بهذا النحو موجودان ازلاً وابداً على حد سواء، ورغم ان العلة هي الاصل في وجود المعلول، لكنها تفتقر الى معان القدرة والارادة الحقيقيتين وفق هذه العلاقة الحتمية، ومن ثم لا مجال للفعل والخلق اطلاقاً.

ويقف بين المعنيين السابقين شكل متوسط هو ذلك الذي يتمسك بالقدرة والارادة المحددتين بخلق ظواهر العالم وصوره دون ان يمتد الى مادته الاصلية. فبحسب هذا المعنى يعتبر العالم بكل كائناته مخلوقاً للمبدأ الاول باستثناء المادة الاصلية التي يجري عليها الخلق والتصوير دون ان تكون محلاً للخلق ذاته، وبالتالي فالارادة الالهية لا تتعلق بها، كالحال الذي يصفه التصور الارسطي في علاقة واجب الوجود بالمادة القديمة؛ التي يعمل على تحريكها واخراج صورها الممكنة باستمرار، ازلاً وابداً. لكن التصور الاخير لا يتجاوز المعنى الحتمي الانف الذكر، فهو لا يطمح الى اثبات الارادة الالهية وقدرتها، بل يكتفي بجعل العلاقة بين واجب الوجود والعالم لا تتعدى الصورة الحتمية لارتباط العلة بالمعلول.

ومن الواضح انه ليس للشكل المتوسط الانف الذكر شهرة مقارنة بالمعنيين الاخرين من المعاني القوية. واحياناً نجد مفارقات لدى بعض المحاولات التي تستند الى المعنى القوي للاثبات رغم انها تتقيد ضمن حدود المعنى المتوسط، كالذي يظهر لدى عدد من اللاهوتيين الكلاميين، وعلى رأسهم ابو القاسم البلخي المعتزلي (المتوفى سنة 319هـ)، فهو يعتقد بأن الأجسام مخلوقة من طبائع لا يمكن تغييرها بعد أن خلقها الله كما هي عليه2 .

ومنطقياً ان فتح عالم الميتافيزيقا لا يحتاج الى اكثر من الكشف عن صدقية المعنى الضعيف للاثبات. ولو تحقق ذلك لكان انتصاراً للمذاهب الميتافيزيقية الالهية على غيرها. وقد كانت هذه القضية هي محطة النظر الفيزيائي كما اوليناها اهمية لدى بعض الدراسات المستقلة.

 

يحيى محمد – مفكر وباحث

..........................

1- انظر حول هذا النوع من السببية مقال: السببية الاعتقادية وقضايا المعرفة، موقع فلسفة العلم والفهم: http://www.philosophyofsci.com/index.php?id=117.

2- للتفصيل انظر: العقل والبيان والاشكاليات الدينية.

 

nabe  oda*الذين يريدون البحث في أسباب المعجزات ولا يكتفون بالتحديق فيها في دهشة  كما يفعل الأغبياء، سرعان ما نعتبرهم ملحدين كفرة – سبينوزا

* لا يعرف التاريخ فيلسوفا قاتل مثل سبينوزا من اجل حرية الرأي والتسامح الديني*

باروخ سبينوزا (1632 – 1677) يهودي هولندي يعتبر من أبرز فلاسفة القرن السابع عشر.

تأثر سبينوزا في مطلع نشاطه بالفيلسوف، الرياضي والفيزيائي الفرنسي رينيه ديكارت (1596– 1650) الملقب ب "أبو الفلسفة الحديثة"، كانت شهرة ديكارت خاصة بموضوع ثنائية الجسد والعقل باعتبارهما شيئين منفصلين ، فيما بعد غير سبينوزا وجهة نظره بتلك الفكرة واعتبر الجسد والعقل كيان واحد غير منفصل.

اختلف مع طائفته اليهودية التي اعتبرت فكره هداما وشتمته، تبرأت منه عائلته واعتبر زنديقا، ووصل الأمر الى محاولة اغتياله ، بسبب اقواله ان اليهودية والمسيحية تستندان على عقائد جامدة وطقوسهما فارغة من المضمون ولا معنى لها، ووجه نقده للتوراة اليهودية رافضا فكرة ان الله اوحى بكتابتها. قراءته النقدية للكتاب المقدس والإنجيل اعتمدت على الفترة التاريخية التي كتبا فيها، مبينا التناقضات في النصوص. أوضح مثلا ان المسيح الذي تكلم باسم الله ووصفه سبينوزا بأنه كان "الناطق الرسمي باسم الله"، دعا الى التخلي عن اليهودية، التي اصبحت محدودة ونقضها المسيح في مواعظه وأقواله.

 بشر المسيح ، حسب سبينوزا، بدين عقل وضع في رأس رسالته المحبة والخير. لكنه اضاف ان المسيحية أيضا تحولت الى الجمود العقائدي والتشدد وتبنت طقوسا فارغة من المضمون ومن أي معنى له قيمة مضيفا: "هؤلاء الذين يريدون البحث في أسباب المعجزات , وفهم ظواهر الطبيعة كالفلاسفة ، والذين لا يكتفون بالتحديق فيها في دهشة كما يفعل الأغبياء ، سرعان ما نعتبرهم ملحدين كفرة" وهذا بالضبط ما حدث له باعتباره كافرا. بنفس الوقت ورغم ما تعرض له سبينوزا من تحرض ومقاومة الا ان التاريخ لا يعرف فيلسوفا قاتل مثل سبينوزا من اجل حرية الرأي والتسامح الديني، واضطر من اجل معيشته ان يصنع ويبيع عدسات النظر.

اشهر كتب سبينوزا كتاب "رسالة فلسفية" نشر بعد موته في 1677. يطرح في كتابه رؤيته الأساسية بأن كل شيء هو جزء من الطبيعة. يعتبر الكتاب أحد أكثر الكتب تأثيرًا ومناقشة في الفلسفة.

 

الله ليس محركا للدمى

ضمن رؤيته الفلسفية طرح ان "الله ليس محركا للدمى" واضعا الله بموازاة الطبيعة، من رؤيته عدم وجود مادتين (الفكر والامتداد)، كما طرح ذلك الفيلسوف ديكارت، بل مادة واحدة هي اساس كل الوجود، وهي ما اطلق عليها تسمية الله او الطبيعة. بالنسبة له الطبيعة هي الله ومن المهم ان ننتبه انه بدمجه بين الله والطبيعة كان يقصد كل ما هو موجود من مادة ومن روحانيات. بذلك اعتبر الله شيء اشبه بقصة من الخيال العلمي، قوة من الصعب معرفتها، وهو مختلف تماما عن الله الذي تعرفه الديانات، "مولانا، ابانا الذي في السموات، رب العالمين"، وهو ليس الله الذي يظن البشر انه يراقب حركاتهم وأقوالهم ولا ينام الليل ليبقى ساهرا على حمايتهم ورعاية شؤونهم. رغم انه لم يكن ملحدا، لكن الكثيرين اعتبروا فكرة قريبا لفكر الإلحاد .. وربما أسوأ.

اذن الإله عند سبينوزا يمتلك صفة الامتداد. هذه الفكرة أوقعت المفسرين في مشكلات عديدة، لأن سبينوزا لم يجب عن الأسئلة التي تثيرها. لكن التفسيرات لفكره أكدت ان الامتداد عند سبينوزا هو امتداد في جوهره رياضي، والرياضة فكر، وليس امتدادًا شيئيًا فيزيائيا، بالتالي فإن الإله حسب سبينوزا يعتبر الجوهر الوحيد الذي يجب أن يكون ممتلكًا لفكرة الامتداد الرياضي الهندسي.

 اذن لم يقصد سبينوزا طرح الامتداد بمعنى كونه حائزًا على جسم معين أو شكل وأبعاد هندسية ويشغل حيزًا من المكان ،بل قصد صفة الامتداد ذاتها بصرف النظر عن أحوالها من الطول والعرض والشكل والمكان. يمكن القول ان الإله عند سبينوزا ممتد بمعنى أن فكرة الامتداد داخلة في جوهره وماهيته ، فلا يمكن أن توجد في الكون صفة ليست موجودة في الإله باعتباره الجوهر الواحد والوحيد الحقيقي. وأكد انه حتى تصرفات البشر افعالهم افكارهم هي امتداد للطبيعة – الله من نظرته ان الكل واحد!!

هنا يمكن الاستنتاج ان سبينوزا يؤكد ان البشر هم امتداد للإله في مختلف تصرفاتهم ، الجيدة والسيئة لأنهم كيان واحد ممتد!

اعتبر كتابه الحادا لأنه لا يلتزم بما نصت عليه التوراة او الكتب الدينية الأخرى. رغم انه يحدد ان الله هو الطبيعة والطبيعة هي الله حسب فلسفته التي اشتهرت بصفة "الواحدي" (من واحد) وهذا يبرز بالأخص في كتابه "رسالة في اللاهوت والسياسة"، حيث شرح سبينوزا معارضته لنتيجة امتلاك الله خواص بشرية. وكتب أن كلمة "الله" تعني نفس كلمة "الطبيعة"، وانه "سواء قلنا .. أن كل الأشياء تحصل نتيجة لقوانين الطبيعة، أو تحصل بقرار وتوجيه من الله، فنحن نتحدث عن الشيء نفسه".

يبدو في كتابه "الأخلاق" أنه يتحدث عن الأخلاق باعتبارها نوعاً من فروع الفلسفة، لكن الكتاب لا يتناول هذا المعنى المعروف لكلمة "الأخلاق" إلا في الجزء الأخير من الكتاب.

لا يحتوي كتاب الأخلاق على مذهب سبينوزا في الأخلاق إلا في نهايته، أما أغلبه فهو بحث في الإله  وفي الإنسان : طبيعته وطبيعة معرفته وأخيراً الأخلاق.

يتعامل  سبينوزا في طروحاته مع الموضوعات الميتافيزيقية (ما وراء الطبيعة – أي الأشياء التي لا تخضع لقوانين الطبيعة) والأنطولوجية (مجال فلسفي يبحث في طبيعة الموجود او الواقع) والإبستمولوجية (اتجاه فلسفي يتعلق بعلم المعرفة) مثل الإله والعالم والجوهر والكمال والمعرفة البشرية والفهم الإنساني، وسبب تسمية الكتاب باسم الأخلاق هو قناعة سبينوزا أن كل مهام الفلسفة وما يمكن أن يطرحه العقل البشري من أفكار، له غاية جذرية بتوجيه الإنسان في حياته من أجل هدف سامي لهذه الحياة الإنسانية وهي السعادة وسلامة الإنسان العقلية والأخلاقية.

فكر سبينوزا يذكرني بحكاية لطيفة عن مسيحي متدين ، لا ينام الا بعد ان يقرأ مقاطع من كلام المسيح في الانجيل. لو قلت له ان زوجته تخونه او انه اذا آمن وأخلص في ايمانه وحبه للمسيح سيشفى، حتى او اصيب بأخطر الأمراض التي تعرفها البشرية، لطلب منك اثباتات، ولن يقتنع الا بقوة الاثباتات التي تقدمها له، اما اذا قلت له ان الانجيل الذي يقرأ به يوميا كتب من شخصية الهية لا يمكن رؤيتها، وان المسيح قام بعجائب مثل احياء الميت وإطعام خمسة آلاف انسان بخمسة ارغفة شعير وسمكتان وحول الماء الى خمر وغير ذلك من العجائب، وانه اذا لم يلتزم بما يقرأ سيتعذب بنار جهنم، فلن يطلب أي اثبات على ما قيل له وسيقبل تلك الأقوال كحقيقة مطلقة غير قابلة للنقض.

يمكن القول ان "ايمان" سبينوزا بالله تعبر عنه الحكاية التالية:

كانت امرأة مع ابنها يسبحان على شاطئ البحر. فجأة جاءت موجة مرتفعة ضربت الشاطئ وسحبت ابنها الى داخل البحر. نظرت الى السماء ورجت الله ان ينقذ ابنها ويعيده لها سالما، فما هي الا لحظة واذا بموجة كبيرة ثانية تضرب الشاطئ وتقذف ابنها على رمال الشاطئ سليما معافى، شكرت ربها وتأملت ابنها سعيدة جدا.. لكنها انتبهت انه يدون القبعة التي كان يضعها على رأسه لتحميه من حر الشمس ، يبدو انها سقطت عن رأسه في البحر حين سحبته الموجة او حين أخرجته الموجة الثانية بعد ان رجت لله ان يعيده سالما ، نظرت الى السماء وخاطبت الله مرة أخرى "يا الهي كان ابني يلبس قبعة أيضا"؟!

تعتبر فلسفة سبينوزا لوهلة اولى شديدة التعقيد، يمكن تفسيرها مثلا بالنص الأدبي ، الذي يعتبر نمطا من توابع الفكر – أي امتداد له، مثلا القصيدة الشعرية هي امتدادا لعقل الشخص صاحب النص وليست شيئا مستقلا عن العقل. او الثمر الذي يملأ فروع الشجرة، هو من توابع جذر الشجرة – أي امتداد لها، لأن كلاهما من نفس المادة.. وليسا مادتان مختلفتان.

تتميز فلسفة سبينوزا عن سابقاتها بإعادة تعريفها للإنسان باعتباره كائنا شهوانيا "الشهوة ليست سوى جوهر الإنسان، بنصه الفلسفي اطلق تعبير "الرغبة والارادة". وهو بذلك انقلب عن الفكر الفلسفي السابق الذي طرح العقل بصفته جوهرا للإنسان، كما برز ذلك في فلسفة أفلاطون وأرسطو، اللذان اعتبرا الإنسان كائنا عقلانيا بجوهره.

سبينوزا اعتبر الرغبة أساسا للطبيعة الإنسانية وجوهرها أي ليس العقل. فسر ذلك باننا لا نطلب الأشياء و لا نرغب فيها لحكمنا بأنها خير أو شر، بل قال ان البشر يطلقون صفة الخير أو الشر بسبب رغبتهم في الشيء وطلبهم إياه أو كراهيتهم له. أي كل ما هنالك عبودية للشهوات.

يقول سبينوزا في كتابه "الأخلاق": ان الأخلاق تشكل الرغبة في ماهية الإنسان، إذ أنها تتجذر في أعماقه، لذلك هي صفة خاصة بالإنسان لأنها ترتبط بعنصر الوعي لديه. فالرغبة هي الوعي بما نشتهيه ونريده ونسعى إليه. و إذا كان الإنسان يعي رغباته فهو يجهل عللها (دوافعها) الحقيقية.

يرى اسبينوزا أن ما يسمى الإرادة هو في الواقع رغبات أساسها جميعا حفظ بقاء الفرد ، فكل نشاط بشري مهما تنوع واختلف صادر عن هذه الرغبة في حفظ البقاء، شعر بذلك الإنسان أو لم يشعر، وفي ذلك يقول :"كل شيء يحاول أن يبقي على وجوده، وليس هذا المجهود لحفظ بقائه إلا جوهر حقيقته، فإن القوة التي يستطيع بها الشيء أن يبقى هي لب وجوده وجوهره، وكل غريزة هي خطة هذبتها الطبيعة لكي تكون سبيلا لبقاء الفرد " ويقول حول نفس الموضوع: "نحن لا نسعى إلى شيء، لا نريده ولا نشتهيه ولا نرغب فيه لكوننا نعتقد انه شيئا طيبا، بل نحن على العكس من ذلك نعتبره شيئا طيبا لكوننا نسعى إليه ونريده ونشتهيه ونرغب فيه"

الإرادة كما يطرحها سبينوزا هي الجهد الذي تبذله النفس من أجل المحافظة على ذاتها. فالإرادة تتعلق إذن بالتفكير العقلي وبالقدرة على الاختيار، أما الشهوة فهي مصحوبة بوعي ذاتها ويعبر عنها بالجهد الذي يبذله الجسم والنفس معا من أجل المحافظة على الذات واستمرارها. أي أن الشهوة هي وعي الإنسان بما يشتهيه ويسعى إليه من أجل المحافظة على ذاته!!

 

ibrahim telbasilkhaيطلق مصطلح "الكانطية الجديدة" على تلك الاتجاهات الفلسفية التى تنادى بالعودة إلى روح فلسفة كانط .. وكان أوتوليبمان  Otto Liebmann(1840-1912) أول من رفع شعار "العودة إلى كانت"  Bak to Kant فى كتابه " كانط والمقلدون " الذى نشر عام 1865 .(8) فكل فصل فى هذا الكتاب ينتهى بقوله: " لذلك فمن الضرورى العودة إلى كانط ثانية " . ولقد ظهرت الخطوة الثانية عند فردريش ألبرت لانجة Feiedrich Albert langa (1828-1875) فى كتابه المشهور " تاريخ المادية "  History of Materialism .

ولقد ظهرت الحركات الفلسفية المختلفة للكانطية الجديدة بصفة خاصة فى ألمانيا فى الفترة من سنة 1870 إلى سنة 1920م ومن أبرز هذه الحركات الفلسفية:

1- المدرسة الفيزيولوجية:  Physiological School عند هرمان فون هلمولتنز Herman von Helmoltz (1821-1894) وفردريش ألبرت لانجه .

2- المدرسة الواقعية: Realist school عند  ألوئيس ريل  Alois Riehl (1844-1924) .

3- مدرسة كوتنجن: Gottingen school عند ليونارد نيلسون Leonard Nelson (1882-1927) الذى اتبع أفكار ياكوب فريز Jacob Fries (1773-1843) .

4- المدرسة النسبية: Relativist school أو السيكولوجية عند جورج زمل Georg Simmel (1853-1918) .

5- مدرسة ماربورج: Marburg school  .

6- مدرسة بادن:  Baden school .

7- المدرسة الميتافيزيقية عند أوتوليبمان ويوهانش فولكت (1848-1930) التى قالت بإمكان قيام ميتافيزيقا نقدية .

والجدير بالذكر أننا نجد أنصار ومؤيدين للحركة الكانطية الجديدة لا فى ألمانيا فحسب بل فى خارجها أيضا، فنجد حركة كانطية جديدة تظهر فى فرنسا ويمثلها رينوفييه Renovvier ونجد حركة كانطية جديدة تظهر فى إيطاليا ويمثلها كل من روزمينى Rosmini وجيوبرتى Giobert وفيورنتينو Fiorentino وتوكو Tocco وماسكى  Masci وشيابلى  Chiappelli، ونجد حركة كانطية جديدة تظهر فى روسيا ويمثلها كل من ففيندنسكبى  Vvdenstky وشيلبانوف Chelpanov .

وقد وقفت الاتجاهات الكانطية الجديدة فى مواجهة المذاهب الميتافيزيقية التقليدية وكانت تؤمن بأن الفلسفة يمكنها أن تكتسب صفات العلم " إن هى سايرت منهج كانط النقدى " . وعلى هذا فقد كان ظهور الكانطية الجديدة تجسيدا لما تنبأ به كانط من أن فكره سوف يأتى أكله خلال مائة عام .

ويمكن القول - بوجه عام - أن الكانطيين الجدد يشتركون جميعا فى عدة مفاهيم توحد بينهم:

1- أنهم ينتسبون جميعا إلى كانط الذى هو فى أعينهم أعظم الفلاسفة وهو عندهم المفكر بألف ولام التعريف للثقافة الغربية الحديثة . وهكذا فإنهم جميعا يقبلون مجموعة كثيرة من مواقفه الأساسية . فهم يرفضون المنهج النفسى ويرفضون الميتافيزيقا ويرون أن الميتافيزيقا تبدو مستحيلة وغير ممكنة، بينما المنهج النفسى وكل منهج تجريبى على العموم ينبغى أن يحل محله فى الفلسفة المنهج الترانسندنتالى . ويرى هذا المنهج أن الفلسفة تنحصر فى جوهرها فى تحليل الشروط المنطقية للمعرفة والإرادة.

2- أنهم جميعا مثل كانط " تصوريون " أى أنهم ينكرون على النحو الذى يرتضيه وحسب تنوعات المدارس وجود الحدس العقلى . وما العقل عندهم إلا ملكة تكوين الكل ابتداء من عناصره وهو لا يحوز قدرة غير قدرة التركيب . وعلى هذا فلا توجد معرفة لمضمون الأشياء ولا الجوهر والاستثناء الوحيد من هذا الإجماع هو حالة " لاسك" حيث وقع تحت تأثير الحركة الفينومينولوجية .

3- أنهم جميعا مثاليون فى نظرية المعرفة، ففعل المعرفة لا يقوم فى عملية إدراك للموضوع، بل فى خلق الموضوع، وكما يقولون " إن الموجود لا يوجد فى ذاته، إنما الفكر وحده هو الذى ينشئه " .

4- أنهم يشتركون فى إحياء الفلسفة وإنقاذ الوعى الأوربى من المذهب التجريبى والتأويلات الوضعية لكانط عن طريق العودة إلى أفلاطون وقراءة كانط من خلاله، وتغليب الجانب القبلى اللاتجريبى اللانفسى النقدى فى فلسفة كانط، وتأسيس الفلسفة على الفكر الخالص كما أسسها كانط على الأفلاطونية، والبحث عن المنطقى والقبلى المستقل عن التجربة فى شتى العلوم الإنسانية فى الجمال والأخلاق وعلم النفس والقانون والاجتماع والتاريخ . واعتبروا الشىء فى ذاته تصورا محددا مستقلا عن العقل، أما عالم الظاهر فإنه عالم واقعى هو عالم الأفكار، وعلى هذا النحو اعتبرت الكانطية الجديدة إحدى صور المثالية .

5- ومن أبرز مدارس الكانطية الجديدة شهرة وتأثيرا على أورتيجا مدرسة ماربورج ومدرسة بادن .. والحق أن دعوة العودة إلى كانط التى رفعها ليبمان ترددت بصفة خاصة لدى مجموعة من فلاسفة هاتين المدرستين ومنهم هرمان كوهين  Herman Cohen، وباول ناتورب paul Natorp، فلهلم فيندلباند  Vilhelm Veindlband  وهنريش ريكرت  Heinrich Rickert فى الفترة من سنة 1870 وحتى سنة 192م . ولقد توافق المناخ الكانطى الجديد لهذه المدارس مع رد الفعل الفلسفى العام فى ألمانيا ضد تقليد التأمل النسقى للمثالية والاتجاهات الميتاعلمية Meta-scientific للنزعة الطبيعية والعلوم الطبيعية .

ولقد تأسست مدرسة ماربورج على يد كل من كوهين وباول ناتورب وكانت هذه المدرسة مرتبطة أساسا بفلسفة العلم واستخدام مناهج المنطق الترانسندنتالى لكانط . وقد عمل كل من كوهين وناتورب أستاذًا للفلسفة فى ماربورج فى الفترة من سنة 1885 وحتى سنة 1912م، وأكدا أهمية دراسة كانط وتبنى الموقف العام لفلسفته وذلك خلال بحثهما فى الخلافات الأبستمولوجية والمنهجية بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية .

كان هرمان كوهين (1842-1918) من أبرز الكانطيين الجدد، وكان أستاذا لأورتيجا، ومن أهم مؤلفاته " نسق الفلسفة – منطق المعرفة الخالص " System of philosophy Logic of pur knowledge" وهو الذى أعطى لمدرسة ماربروج أساسها النظرى بتفسيره المثالى للتصورات الموضوعية العلمية والمقولات الفلسفية على أنها بناءات منطقية . وطبق ناتورب المنهج الترانسندنتالى لتفسير أفلاطون وعلم النفس ومناهج البحث فى العلوم الدقيقة . وطبق آرنست كاسيير آراء مدرسة ماربورج فى تاريخ المعرفة وتاريخ الفلسفة، وهاجم الفكرة القائلة بأن المجردات العلمية انعكاس للواقع، وأحال الواقع المادى إلى مقولات الفكر الخالص واستبدل بقوانينه مقولات مثالية، فالإدراك المعرفى نوع من التفكير الرمزى . ودرس المعرفة العلمية وتاريخ الفلسفة الحديثة واعتبره تقدما مستمرا للصياغات العلمية المختلفة.

ولقد حاول كوهين خلال موقفه المنطقى والترانسندنتالى أن يفند التفسيرات السيكوفيزيقية الطبيعية Naturalist psychophysical للواقع المحسوس وتقدم الوعى الإنسانى فى الفلسفة الكانطية الجديدة عند بعض المفكرين الألمان أثناء هذه الفترة (1885-1912) وخاصة عند هلمهولتز ولانجة . والنزعة الطبيعية بهذا الصدد هى وجهة النظر التى تصرح بأن المعرفة والوعى يعتمدان على الخصائص المادية للطبيعة . وفى عام 1890 كانت وجهة النظر هذه انعكاسا للفلسفة الميتافيزيقية التأملية والمثالية الذاتية Subjective idealism خاصة .

وكان هلمهولتز أحد العلماء البارزين فى ألمانيا .. وقد اهتم بالدراسات السيكولوجية والأبستمولوجية والعلمية عن المكان والزمان وقدم نظرية تجريبية عن الحسى والإدراك .. وكان من أنصار الاتجاه العلمى القائل بوجود قوى نوعية لأعصاب الحس ثم قادة هذا الاتجاه إلى القول بذاتية الصفات الحسية ووصل إلى النتيجة القائلة بأن تصور المكان إنما يتوقف على تكويننا الجسمى . وترتب على ذلك أن درس هلمهولتز إمكانية وجود أكثر من تصور واحد للمكان وبالتالى إمكانية ظهور هندسات أخرى غير إقليدية تلتقى كل واحدة منها مع مجموعة خاصة من أعصاب الحس التى زود بها الكائن الإنسانى . بيد أن هلمهولتز يؤكد فى النهاية أن هذه التصورات الهندسية المتعددة لا يتطابق أى منها بالضرورة مع البناء الواقعى للعالم . وقد اعترف هلمهولتز بفضل الفلسفة الكانطية ووجه الانتباه إلى فائدة "العودة إلى كانط " بالنسبة للأبحاث العلمية .

وحذا لانجه حذو هلمهولتز حيث اعتقد أن معرفتنا عن الواقع المحسوس هى حصيلة ذلك التفاعل بين الكيان العضوى الإنسانى وبين أى واقع آخر يمكن أن يكون غير معروف . وتجربة عالم الموضوعات الفيزيائية (العالم المحسوس) تتحدد بواسطة هذا التفاعل بين البشر، بيد أن الكيان العضوى للإنسان ذاته هو فقط موضوع التجربة ويمكن فهمه بواسطة علم النفس والفسيولوجيا .

ولقد رفض كوهين التفسيرات السيكولوجية عند هلمهولتز ولانجه وأخذ عليهما ما زعماه من أن الفلسفة ينبغى أن تبدأ بتحليل الوعى فتكشف عن تطبيق مقولات الفكر على معطيات الحس وما يتبع ذلك من تكوين عالم للظواهر يختلف عن " عالم الشىء فى ذاته " . فالفلسفة عند كوهين لا ينبغى أن تنشغل بدراسة عمليات سيكولوجية تصل من خلالها إلى نتائج ظنية، بل إنها تنشغل بالاحرى بالمعرفة العلمية ذاتها .

ومن الملاحظ أن فكرة بارميندس الذاهبة إلى أن " التفكير Thinking والوجود Being هما شئ واحد" موجودة عند كوهين فى منطقة، فعنده لا توجد فجوة بين الفكر Thought  والواقع Reality حيث إن الفكر هو جوهر العلم والواقع وأساسهما. وأقام كوهين منطقه على "مبدأ الأصل" The Principle of origin .. واعتقد أن منطق حساب التفاضل والفيزياء الرياضية هو أفضل ما يزودنا بإمكانية معرفة المبادئ الأساسية لواقع الأشياء التجريبية وفهمها وأن العلم النيوتونى أثبت إمكانية المعرفة القبلية للطبيعة والأشياء الفيزيقية عن طريق المفاهيم الرياضية للمكان والزمان .

والمنطق عند كوهين ليس سيكولوجيا وليس صوريا بحتا لأنه يفترض دائما وجود معطيات مصدرها الإدراك أو حتى الحدس الخالص . المنطق عنده ليس فكرا فارغا كما أن أى حكم تقريرى لا معنى لصدقه إلا بالنسبة إلى موقعه داخل نسق من القوانين الكلية تستند بدورها إلى أسس منهجية . إذن صورة الفكر لا تنفصل عن مضمونه، وهذا المضمون ليس شيئا آخر سوى الواقع باعتباره موضوعا وهدفا لها، وتقدم المعرفة يعنى نمو الفكر عن معطياته كما ارتأى كانط . ولا مجال للنظر إلى الأعداد باعتبارها مادة خام تفرض من الخارج، فقد تعلم كوهين من حساب التفاضل والتكامل أن الأعداد اللامتناهية لا وجود لها أساسا كمعطيات خارجية بل هى على الأحرى من خلق الفكر .

إذن وقائع العلم عند كوهين تتحدد بالفكر، لذلك فإن " الأشياء فى ذاتها "– themselves  Things in بالنسبة له ليست أشياء كما هى وكما تعرف بالمنطق وبالفيزياء الرياضية .. ونقد كوهين فى أعماله فكرة كانط عن  " المعطيات المستقلة " لمقولات  " الأشياء فى ذاتها " وقوانينها واكتفى بأن الخاصية اللازمة للطبيعة تستمد من المنطق الرياضى للفكر الخالص وتكون مستقلة عن إدارك الحواس وحاول كوهين عن طريق " المنهج الترانسندنتالى " أن يحطم الحاجز الذى أقامه كانط بين المعرفة القبلية والمعرفة التجريبية أو البعدية بالتمييز بين الإحساس باعتباره مستقلا والفهم باعتباره فعالية تلقائية.

وهكذا نجد أن الكانطية الجديدة عند كوهين لم تكن فقط عودة إلى كانط بل إنها قد تجاوزته أيضا، وقد رفض كوهين فى تجاوزه لكانط التصور الخاص بعالم النيومينا أى عالم الشىء فى ذاته وتجاوز " عالم الفنومينا " أى عالم الظواهر . وذهب إلى أن قوانين الطبيعة لا يمكن أن تفهم باعتبارها مقولات يستطيع العقل عن طريقها أن ينظم المعطيات الحسية Sense- Data التى يتلقاها . والأصح أن فهم القوانين يستمد من عالم الفكر الخالص وحده بعيدا عن المعطيات الحسية الخام . وفى هذا العرض يبدو لنا كوهين فيلسوفا مثاليا وأكثر راديكالية من كانط .

أما باول ناتورب (1854-1924) فقد كان من أبرز مفكرى الجيل الثانى بمدرسة ماربوج . اهتم بأحدث ما ظهر من اكتشافات فى العلوم وخاصة نظرية النسبية فى كتابه

" الأسس المنطقية للعلوم الدقيقة " . وقد حاول ناتورب أن يملأ الفراغ الذى تركه كوهين بين العلم كواقعة معرفية قائمة وبين الوعى الفردى الذى كون هذه المعرفة مخالفا بذلك لزميله كوهين . واستطاع – فى علم النفس – أن يصل إلى نتائج تماثل النتائج التى وصل إليها دلتاى.

" وقد رأى البعض أن ناتورب بحرصه على تحقيق التقارب بين الموضوعى والذاتى، إنما يحقق الوحدة الفكرية والمنهجية للفلسفة بوجه عام، فقد كان ناتورب بحق من أكثر المتحمسين للمنهج بمدرسة ماربورج، يقول ناتورب: " لقد فهمنا من قراءتنا لكانط أن الذاتية لا تظهر إلا مع الموضوعية فهى ترتبط معها بعلاقة وثيقة بالإضافة إلى أن كلتيهما تنبثق عن أسس لا نقول إنها ذاتية أو موضوعية لأنها تتجاوز هذا الاختلاف ".

ونلاحظ من ناحية أخرى أن ناتورب قد فسر الأفلاطونية تفسيرا جديدا ووضع دراسات خاصة عن المشكلات البيداجوجية Pedagogical Problems والسيكولوجية .

وإذا انتقلنا إلى الاتجاه الآخر للكانطيين الجدد وهو اتجاه " مدرسة بادن" لوجدنا أن أتباعها وخاصة فيندلباند وريكرت كانوا يركزون على دراسة الظواهر الإنسانية والاجتماعية باعتبارها دراسات تاريخية أو دراسات ثقافية Cultural Studies كما اهتموا بجانب القيم المختلفة .

فلهم فيندلباند (1848-1915) هو أحد مؤرخى الفلسفة الأكثر شهرة وكان من أكثر المتحمسين للفيلسوف كانط ولرغبته فى إحداث تقدم فى الفلسفة مماثل لتقدم العلوم، وهو صاحب التساؤل الشهير: كيف يتسنى لنا أن يكون فهمنا لكانط دقيقا بحيث نجرؤ على تجاوزه؟.

وفى المحاضرة التى ألقاها فيندلباند عام 1894 فى جامعة ستراسبورج Universtity of Etrasbourg  عن " التاريخ والعلم الطبيعى " قدم بحثا فى الأبستمولوجيا يتسم برؤية كانطية جديدة حيث ميز بين المعرفة المستمدة من العلوم الطبيعية والمعرفة المستمدة من الدراسات التاريخية أو العلوم الثقافية . ولقد عدل فينندلباند عن وجهة النظر التى ترى الواقع كفكر خالص والتى نجدها عند كوهين ومدرسة ماربورج وذلك بفكرته القائلة بأن المشكلة الأبستمولوجية للواقع التجريبى هى مشكلة فى القيم وليست مشكلة منطقية .. وكان فيندلباند أكثر ارتباطا بمسائل القيم من مشكلات المنطق كما وجه اهتمامه إلى التمييز بين العلوم الطبيعية والدراسات التاريخية .(29) التمييز بين علوم " واضعة للقوانين " وبين "علوم مصورة للأفكار "، العلوم الطبيعية واضعة قوانين لأنها تهدف إلى صياغة قوانين عامة أما العلوم الإنسانية ولها مناهج مختلفة فهى " مصورة أفكار " ومنها علم التاريخ، العلوم واضعة القوانين تدرس ما يتكرر على نمط واحد بينما العلوم مصورة الأفكار كالتاريخ مثلا فإنها تدرس ما حدث مرة ولا يحدث ثانية . وإذا نظرنا كيف يفكر كل من العالم والمؤرخ لوجدنا العالم يهدف إلى المعرفة، هذه غاية العلم، أما المؤرخ فيسعى إلى التقييم ومن ثم يمكن أن يعد التاريخ من علوم القيم، فالأحكام الأخلاقية التى يصدرها المؤرخون والتى تشكل ما يعرف باسم " حكم التاريخ " تجعل هذا العلم قريبا من علم الأخلاق .

كما ذهب فيندلباند إلى أن العلوم التجريبية فى معرفتها للواقع إنما تهتم بالعام الذى يظهر فى صورة قانون طبيعى أو الفردى الذى يتحدد من زاوية تاريخية معينة إذن تهتم بالصورة العامة لواقع يتصف بالثبات كما تهتم بالمضمون الذى يتحدد فى أفراد الواقع ويتميز فيه كل فرد عن الآخر، والعلوم التى تهتم بالكشف عن الصور العامة هى علوم تبحث عن قوانين أما النوع الثانى من العلوم فهى التى تهتم بالأحداث المفردة . الأولى تنصب على ما يتصف بالدوام، والثانية تهتم بما حدث لمرة واحدة، الأولى باحثة عن قوانين، والثانية تصف الحالات الفردية.

أما ريكرت فإنه شارك فيندلباند فى رؤيته لأهمية معيار القيم والمعانى وفكرة التمييز بين المعرفة العلمية الطبيعية وبين المعرفة التاريخية .. ورأى أن العلوم الثقافية أو الدراسات التاريخية تبحث وتلاحظ ما هو فردى فى الواقع ولا يكون متضمنا فى المبادئ العامة . والمعرفة التاريخية لا تهدف إلى بلوغ المفاهيم العامة للأشياء بل تتعلق بالتصور الفردى الوحدوى لها .. ولقد حذا ريكرت حذو فيندلباند حيث اعتقد أن الاختلافات الأساسية بين التاريخ " العلوم الثقافية " أو الدراسات التاريخية وبين العلوم الطبيعية تكون فى المنهج، فبينما تهدف العلوم الطبيعية إلى اكتشاف القوانين فإن العلوم الثقافية بالمناهج المقارنة تدرس الظواهر الاجتماعية والإنسانية وتحللها تحت تأثير الاستطيقا والقيم الفكرية والأخلاقية . كما تابع ريكرت فيندلباند فى تأويله وتفسيره للمقولات الكانطية فى ضوء نظرية القيم وفى تفرقته بين العلم والتاريخ .