zouhair khouildi"البحث في الحقيقة الأساسية بصدد شيء ما بأنه موجود إنما هو في الواقع بحث في الوجود ولكنه بحث يمضي في اتجاه ظل غير مطروق ضرورة في كل البحث السابق في وجود الموجودات"1

يمكن للمرء أن يقر بأن الله موجود وبأن الإنسان طيب بطبعه ولكن في ذات الوقت يجب منح الاعتراف لأي شخص يعتقد ماهو مختلف عن ذلك بل يمكن أقرار بشرعية تبنيه للرأي المناقض طالما الأمر يتنزل ضمن قناعة ورأي واعتقاد ووجهة نظر وموقف وجودي وتصور شخصي وحكم ذاتي. على خلاف ذلك توجد قضايا مشتركة حقائق يقينية مثل: " أنا كائن مفكر" و"3+4 = 7" و" يتشكل الثلج إذا بلغ الماء درجة حرارة مساوية للصفر". لكن لو أخذ الإنسان هذه القضايا على أنها اعتقادات فإنه من الممكن التمسك بكونها حقائق مع الإبقاء على حق الآخرين في بناء رؤية متباينة والاعتراف بمشروعيتها. لكن كيف يمكن أن أعرف بأن الذي أراه حق هو كذلك على صعيد الواقع؟ وكيف أكون على يقين من أن الرأي هو بالفعل مجرد رأي؟ وماهي المعايير التي تميز بين الحقيقة والوهم؟ أليس اتفاق الناس هو الذي يضمن حصول اليقين بإمكانية بلوغهم الحقيقة؟ والى أي مدى يمثل الإجماع بالمعنى المعرفي معيارا صائبا؟

والحق أنه لا يمكن اعتبار إجماع الأغلبية مقياسا موضوعيا يدل على صحة معلومة معينة والآية على ذلك أنه لو وجد شخص واحد يقول بدوران الأرض والبقية بسكونها فإن قوله يظل يمثل الحقيقة في عصره (غاليلي). لكن إذا كانت حقيقة معينة لا تجد الترحيب من قبل الأوساط العلمية ولا تحظ بإجماع الأغلبية ضرورة فإنها تظل على الهامش ولن تتحول الحقيقة (بألف لام التعريف) يجب أن يكون الكل معترفا بها وفرضت نفسها على المؤسسات العلمية والاجتماعية. كما يمكن القول بأن القاعدة الديمقراطية للأغلبية ليست سوى الجهل المؤقت الذي يعترف به الناس إراديا وذلك لأنهم يحتاجون دوما إلى توجيه ويرون بلوغ الحقيقة أمرا صعبا ولا يوجد من هو قادر على قولها والتمسك بها مهما كانت الضغوطات والمخاطر والمحن، فهل يرضى المرء بأن تحكمه الاعتقادات؟

بطبيعة الحال يمكن استخلاص عدد من المعايير للحقيقة من المذاهب التي تعاقبت على تاريخ الفلسفة:

-التطابق adéquation أو الانسجام correspondance بين الذهن والشيء.

- الاتساقcohérence بين الحكم العقلي والواقع الخارجي. (حقيقة مادية) (حقائق الواقع).

- الاتساق cohérence بين الفكر وقوانينه الداخلية. (حقيقة صورية). (حقائق الفكر).

- الحقيقة تحولت إلى خاصية لغوية propriété du langage أو طريقة في التسمية والتعبير.

 - البداهة évidence (العقلية وليست الحسية) هي علامة دالة على الحقيقة.

- الحدس والاستدلال والوضوح والتميز هي معايير عقلية للإقرار بحصول الذات المفكرة على الحقيقة.

- الحساب أو العد calculer في العقلانية الرياضية هو دليل على ابتكار الحقيقة.

- الاختبار أو التثبت expérimenter في العقلانية التجريبية هو دليل بناء الحقيقة.

- المنفعة أو الفائدة intérêt هي معيار الحقيقة في الاقتصاد وفي جهة أخرى النجاعة أو الفاعلية efficacité هي معيار الحقيقة في السياسية.

على هذا الأساس ينبغي التمييز بين حقائق يقرها القلب عن طريق الإيمان والتصديق وحقائق يثبتها العقل من خلال البرهنة المنطقية والتحقق التجريبي كما هو الشأن عند باسكال. كما يمكن التفريق بين الحقائق المكتشفة أو الاكتشافات découvertes والحقائق المبتكرة أو الاختراعات inventions. وكذلك التفرق بين حقائق عارضة وحقائق ضرورية وحقائق فارغة من المعنى وحقائق دالة على المعنى. بناء على ذلك تتطرق الوضعية المنطقية إلى حالات الأشياء وجداول الوقائع وبنية تمثل المعنى بين التأييد والتكذيب.

زد على ذلك يمكن التأكيد على تحول الفكر إلى من تأمل ونظر الى ملكة حكم وتمييز بين الأحكام التحليلية التي تنطلق من الكلي إلى الجزئي والأحكام التأليفية التي تصعد من الجزئيات إلى الكلي وبين أحكام الواقع وأحكام القيمة. لكن كيف يمكن القبول بحقيقة معرفة لا تمتلك قيمة وتفسيرعالم لا يمتلك حقيقة والوجود حياة ضمن واقع مليء بأشكال اللاّمساواة والتفاوت؟

تعتبر نهاية القرن 19 وبداية القرن العشرون العصر الذهبي للاعتقاد في التقدم الحتمي والجيد للمعارف ووجدت دائما أجيال من العلماء المتحمسين الذين يعتقدون في الحقيقة النهائية للنظريات المبرهن عليها رياضيا والمثبتة تجريبيا والمتحقق من صلاحيتها الصورية وصلابتها الواقعية. على الرغم من نشوب صراعات بين الماديين والوضعيين وبين الواقعيين والاسميين إلا أن هؤلاء العلماء الفيزيائيين ما انفكوا يذكروننا بأن العلم يسير في اتجاه الاكتمال مع بقاء بعض النقاط فقط التي يجب تعديلها لكي يكتمل المشهد.

بيد أن سنوات جاءت فيما بعد كذبت هذه المزاعم وقضت على الأمل وجعلت كل حلم برسالة العلم يتبخر، وبات التصور الكلاسيكي للحقيقة الذي يفيد "تطابق الشيء مع الفكر" يعاني من عدة صعوبات ونقائص.

إذا عدنا إلى العصر الكلاسيكي نجد أن توماس هوبز هو أول من فرق بين الحقيقة والأنطولوجيا وجعل مسألة البحث عن الحقيقة انشغالا نظرية المعرفة وبناء على ذلك باعد نظرية المعرفة عن نظرية الوجود.

لقد اعتبر هوبز الزوج المفهومي الذي يتكون من: "الصادق والكاذب" من محمولات الكلام وليس من خصائص الأشياء وبيّن بأنه عندما ينعدم الكلام تنعدم الحقيقة وينعدم الغلط وبالتالي تكون الحقيقة من مشمولات الإنسان وليس من مشمولات المطلق ولا تنتمي إلى روح الأشياء بل تندرج ضمن أشياء المادة.

لقد فتش الفلاسفة بالانطلاق من هذه المسلمات عن المعيار الذي يجب امتلاكه لكي يتم التعرف على الحقيقة. وكان جواب رونيه ديكارت متمثلا في البداهة العقلية وما يرافق ذلك من وضوح وتميز والتي تظهر بالخصوص في المجال الرياضي حينما تكون الأفكار واضحة بذاتها ومتميزة عن غيرها ولا يجد الفكر نفسه إلا مرغما على التصديق بها واعتبارها أفكارا حقيقية. لكن لايبنتز نقد هذا التوجه وبين بأن ديكارت أسكن الحقيقة في نزل البداهة غير أنه فوت على نفسه فرصة تمكيننا من العنوان. لو كانت البداهة حسب ديكارت معيارا للحقيقة فكيف يتسنى لنا التعرف على بداهة الحقيقة؟

ي يوجد عدد كبير من البديهيات حسب لايبنتز منها العقلي الصحيح ومنها المضلل والخاطئ مثل البديهيات الحسية والخيالية. كما أن مفهوم التطابق بين الشيء والفكر الذي يتبناه ديكارت موروثا عن أرسطو نفسه لا يطرح هو الآخر عدد قليل من المشاكل لأنه من الذي يقول لنا بأن الحكم الحقيقي هو المطابق مع الواقعة réalitéو لا يعلمنا ان كانت هذه المطابقة تتعلق بالمساواة الرياضية والطباق الهندسي congruence géométrique فكيف نطابق بين عبارة مصاغة بالألفاظ مع واقع تم بنائها بواسطة الأشياء.

الآن إذا انطلقنا من الأكسيولوجيا بوصفها تفكير في القيم فإننا نستخلص بكون الحقيقة قيمة وبأنها معيار يتعدى الواقع المعطى ويوجه الفكر نحو المثال النموذج ويضبط مراتب للمعرفة ويعطى للإنسان مشروعا.

بهذا المعنى لا يتحرك الحكم بالسلب أو بالإيجاب ضمن دائرة الأسس والأصول والجواهر والطبائع وإنما يتنزل ضمن سلم المعايير ونسق القيم ويرتبط بالغايات والأهداف ويحدد مرجع المعنى ودائر الفائدة والصلاحية. كما أن الأطروحة التي ترى في اللغة مجرد مرآة عاكسة للواقع هي من أكثر التصورات التي تسمح بإمكانية القول بأن مفهوم الحقيقة هو ترجمة للوجود. لكن يبدو من المستحيل أن نشيّد اقتصاد في التفكير بالاعتماد على العلاقات التي يمكن أن يقيمها الكلام مع الواقع. على هذا الأساس ابتعد الكثير فلاسفة عن جعل الكلام نسخة رمزية عن العالم وفضلوا النظر إليه كأداة اصطلاحية تساعد على اللحاق بركبه بشكل مستمر.

كما أن نفي القيمة يتضمن بدوره تناقضا داخليا: كل من يصرخ بانتفاء القيمة عن الحقيقة هو في الواقع يفكر من خلالها بطريقة ضمنية وبالتالي يكون من القيمي القول بأنه لا توجد قيمة من أجل إثبات قيمة أقل ومن قيمة أكبر. من هذا المنظور لا يمكن القيام بتجريد البعد الأكسيولوجي من النظام القيمي في تعاليه واستقلاليته الذاتية على أقل تقدير. لكن لماذا يريد الإنسان الحقيقة؟ أليس لكي يجعل من البحث عن الحقيقة مشروع وجوده؟ وهل كل حقيقة تمتلك قيمة بالضرورة؟ وماذا لو نتحدث عن عدمية الحقيقة وحقيقة العدم؟

ينظر الإنسان إلى الحقيقة بوصفها قيمة ومسألة مرغوب فيها ولهذا السبب يكرس حياته الفكرية للبحث عنها من جهة تعريفها ومناهجها ومعاييرها ولكنه ما يلبث أن يمنحها مشروعية احتلالها مكانة مرموقة في سلم القيم الأخرى (الخير والجمال) وما ينفك عن اعتبارها موضع النظر المعرفي وحكم المنطقي والقرار الوجودي والاختيار الأخلاقي والالتزام السياسي والحماسة العاطفية والتأييد التجريبي وتحتاج إلى عقل منفتح ومتحرر. لكن ما الذي يجعل الحقيقة قيمة مرغوبا فيها؟ من أين تستمد قيمتها؟ هل من طابعها العقلي الخالص أم من طابعها العملي التطبيقي؟ وهل يقتصر الميدان العملي على البعد النفعي أم يضم البعد الأخلاقي؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

........................

المرجع:

1- غادامير (هانز جورج)، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا، ليبيا، طبعة أولى، 2007،

-  Gadamer J-H, Vérité et Méthode. Les grandes lignes d’une herméneutique philosophique (1960), une nouvelle traduction par Pierre Fruchon, Jean Grondin et Gilbert Merlio, Edition du Seuil, Paris, 1996.

 

fatima almomaniيتنزل مبحث الأخلاق ضمن سياق أكسيولوجي، يتحدد ضمن الفعل الإنساني استنادا للأفق الاجتماعي أو مرجعية الثقافية التي ينتمي إليها الإنسان. لذلك يمكن تعريف الأخلاق باعتبارها جملة من القيم وقواعد السلوك التي تستهدف الخير، بل هي جملة من النواميس الاجتماعية ينضوي تحتها الفرد. غير أن الوعي المفاجئ برتابة الزمن ورجات الحياة وصدماتها مبعث للتفلسف لموضوع الأخلاق. و نظرا لعمق مسألة الإنسان في علاقته بالأخر فتظهر لنا أن المجال العلمي و القيمي هو المحدد لهذه العلاقات سواء كانت علاقات صداميه أو علاقات مصالحة.

وفي نفس هذا المبحث الأخلاقي صدر للدكتور التونسي نبيل الفرجاني (أصيل مدينة قابس تحديدا منطقة شنني) كتاب بعنوان׃" السياسي والمواطن تجربة وال ما بعد الثورة "المطبوع في دار النشر نقوش عربية بتونس سنة 2015، وفيه 176 صفحة من الحجم المتوسط.

 " السياسي والمواطن تجربة وال ما بعد الثورة"، هو عبارة عن تجربة الكاتب عندما شغل منصب والي بولاية مدنين بالجنوب الشرقي للبلاد التونسية بعد الثورة من فيفري 2011 إلى غاية أفريل 2012 . هي فترة كل ما تتصف بها أنها فترة حرجة لقرب الجغرافي لولاية مدنين للحدود الليبية. يحتوي هذا الكتاب على عشرة أبواب بين فيها المؤلف الخيط الناظم لمضامين كتابه، وهو عبارة على تجربة سياسية وإدارية للمؤلف.عرف تراوح بين "الأنا" وهو السياسي و"الـ-نحن" هو المواطن وبين هذا وذاك ثمة تنافر وتصادم من جهة، ومن جهة أخرى تقابل و التعاون. قد منحنا الكاتب أيضا فرصة المشاركة لتجربته كوالي بل تجربته كإنسان ثم كسياسي في "زمن هوت فيه السلطة وتداعت فيه هيبة الدولة" كما قال الأستاذ فاضل موسى.

 

من التجربـــــة إلى الكتابــة

هنا كأننا أمام محامي يرافع في جلسة بالمحكمة، فالتجربة هي التي أعطته توكيلا للكتابة. فمن وجهة نظر المؤلف و من خلال تجربته كوالي بولاية مدنين. فإن هذه التجربة أثمرت رجلا جمع بين السياسي المسؤول وبين الإنسان المواطن إذ يقول׃« كلما تخلصت من السياسي الذي يشغلني لبست ثوب المواطن الذي يسكنني وكلما نسيت ٲني رجل سياسة تذكرت ٲني إنسان« ص 13.

وإننا وان نظرنا إلى واقع الإنسان ألفنا أنه واقع سلطوي بالأساس وان حياة الإنسان فيه تبدأ بالسلطة وتنتهي في إطارها دون أن تنتهي السلطة، ومن ثمة فان الواقع الإنساني هو واقع نفوذ، سلطة، عنف حتى وان توارى وراء خطابات الحرية، العدالة، الحق׃ وبالتالي فالسلطة تستعص على كل تحديد، محصنة، متمنعة، تتخفى׃ تطأ عندما تحضر وتقسو حينما تغيب فهي تعلمنا الخشية، الإرعاب، الرهبة و الفزع حضورا أو غيابا.

إن السلطة هي التأثير الإنساني  الذي نتحمله ونخضع له أو نمارسه. بمعنى هي إنسانية بالضرورة قد تزعجنا إذا كانت للآخرين وقد تبهجنا إذا كانت لنا كل ذلك تمارسه السلطة في الموقع الذي تعرف بالجسد الاجتماعي الذي يحمل أثارها ومفاعيلها وتحفر فيه أخاديد لا تمحى وهو الذي يجعلها تتحرك بحركته وتأخذ هيأته لتكون نسيجا متشابكا. لقد تبين لنا بأن السلطة ظاهرة ملازمة للوجود المدني، السياسي وإنها مبثوثة في شتى المجالات بما في ذلك الميدان المعرفي إذ تعترضنا حيثما ولينا وجهنا، مستخدمة أجهزة وأنظمة ومعايير إيديولوجية تجمع بين الترغيب والترهيب من ناحية وبين الحق والقوة، وبين العنف و اللاعنف من ناحية أخرى.

إن أبرز ما يحرك مساءلتنا في هذا الأثر، هذا الكتاب هو مشكل السياسي والحياد و علاقة السياسي بالمواطن والمصلحة الوطنية. لكن كيف لنا أن نعرف ما نوع هذا التعامل، هل هو تعامل مرتبط بالمصالح والمفاسد المتحولة والمتغيرة والمتجددة حسب تحول الواقع وتغيره وتجدده، والمتنوعة بتنوع فئات المجتمع وطبقاته وطوائفه وأحزابه، أم هو خطاب مرتبط في الوقت نفسه بثوابت الدين وقيمه وأخلاقه؟

إذا كانت الدولة هي أكثر أشكال السلطة التي تطورا ارتباطها بالمؤسسات والقانون، فإنها موطن إحراج يتعلق بالأساس الذي يجب أن تنبني عليه سلطتها والذي يجب أن يكون تشريعا لهذه السلطة ويجعلها موضع موافقة المواطنين. فلما كان الإنسان يسعى إلى ضمان حقه في البقاء مكانه في الطبيعة، فإن العقل يقضي بأن يتفق الأفراد على التنازل على السياسة لصالح سلطة مشتركه تضمن لهم حقهم الطبيعي في الحياة.

يقول أقلاطون׃«أغلب الناس عند السلطة يصيرون أشرارا». أية علاقة تربط بين الإنسان والقيم؟ وأي إنسان هذا الذي تقوم حياته على أساس قيمي؟ هل هو الإنسان الفاعل المريد أم هو الإنسان الخاضع التابع؟ هل هو الإنسان في جوهره كما يجب أن يكون أم هو الإنسان المتواجد في التاريخ بتنويعاته وتناقضاته؟ و هل أن السؤال عن الأول يلغي السؤال عن الثاني أم هو يستلزم ويعقد وجوده ويطرح رهان تحرره مما هو كائن؟ إن تحرير الإنسان من الاغتراب السياسي ليس رهين الحلول السياسية وحدها وما اقتضته من استعمال للقوة لضمان العيش بل يتجاوز ذلك إلى جعل الحياة أكثر أخلاقية ليتحقق فيها حسن العيش.

لقد آمن الانسان بأن مصير الإنسان بيد الإنسان وأن الذات الإنسانية ليس لها خيار سوى تأسيس وجودها النوعي. وهذا الإنسان حضوره في العالم وفي المجتمع يستلزم منه تكيفا اجتماعيا آليته الأساسية مبدأ الأخلاق. فالسؤال عن علاقة المجتمع بالفرد و علاقة الإنسان بالسلطة هو البحث عن كيفية تطبيق المفاهيم الأخلاقية. وكيف نبرر السلطة التي يمارسها الحكام. حدثنا أيضا عن تجربته مع اللاجئين على الحدود، تجربته مع المجتمع المدني، تجربته مع المواطنين مباشرة في عدة زيارات ميدانية. فكان بمثابة صوت للمواطن أينما حل وقد عمل على « إيصال نتيجة المشاورات حتى ترى المقترحات النور وتتحول من أفكار إلى أفعال». ص 63.

وعلى ضوء ذلك فإن هذا الكتاب هو كتاب يساءل العقل بل هو انصهار كلي بما في واقعنا من تردي العلاقة بين السياسي والمواطن بتونس ككل في وقتها الراهن ألا نحتاج إلى تأسيس عقد أخلاقي بين السياسي و المواطن؟.

 

هل الدولـة بحاجة إلى أخــــــلاق

يعتبر الإنسان "حيوان سياسي" بمعنى أنه لا يستقيم له وجود مدني دون"وازع" أو "سلطة سياسية" تنظيم حياته الاجتماعية، بهكذا شكلت المسألة السياسية موضوعا استقطب الفلاسفة. بحيث يتنزل التفكير في البراكسس الإنساني على تنوعه وبالنظر إلى مجالات صرفه وإلى الغايات التي يطلبها وإلى الوسائل التي يسخرها، وإلى القيم والمعايير التي تسنده وتكسبه معنى، و بالفعل إذا نظرنا إلى الواقع الإنساني ألفينا أنه واقع سلطوي بالأساس.

لقد رادف كل فلاسفة الأنوار  بين "المدني" و "السياسي" أي بين المدني والدولة باعتبار كون الدولة هي الأداة الممثلة بصورة فعلية للفعل السياسي داخل المجتمع وهي التي تحافظ على مكاسب "المدنية" أي العقد. لكن هيجل أعلن النظر في علاقة "المدني" بالدولة بل عارض بينهما إلى حد اعتبر أن الدولة أسمى من المجتمع المدني أي أن الدولة أشبه ب"الصورة" أو "المثال" أو "الفكرة" والمجتمع المدني أشبه بالمادة. يعني المجتمع المدني هو انتظام مجموعة بشرية ضمن إطار مشترك يضبطه القانون وتحفظ فيه الأملاك الخاصية وأمن الأفراد. وبالمقابل فإن الدولة هي أكثر "ماهوية" فهي تحقق الفكر  في الواقع وهي "واقعية الفكرة الأخلاقية" وصورة العقل وتستند هذه القراءة إلى فهم خاص للتاريخ إذ اعتبر هيجل لان التاريخ يعكس تطور العقل أي أن كل شكل حضاري في مختلف مراحل التاريخ يجسد مسيرة. و من ثمة فإن لا قيام للدولة بدون مجتمع مدني تستمد منه مواردها وقواها ومبررات نفوذها ومن جهة أخرى لا وجود لمجتمع بدون دولة تحميه من عيوبه الخاصة وتحميه من مخاطر الفوضى التي يسببها مشاكل التنافس. لان مآل المجتمع الخالي من الدولة هو "الفوضى" ومآل الدولة التي تسيطر على المجتمع وتكتم أنفاسه هو "الاستبداد". بحيث لا يمكن أن نتصور الاجتماعي بدون السياسي لان السياسي هو أصل الممارسة الاجتماعية.

 من البديهي فإن الدولة تحتاج إلى هيئة تهتم بشؤونها وتعمل على تسيير وتنظيم حياة الأفراد في وسط إطار اجتماعي. اختراع الدولة هو أساس تحرير الإنسان من هيمنة الإنسان بحيث يصبح مفهوم الدولة بما هي مؤسسة حقوقية قانونية، وهو استخلاص استبدال النفوذ الشخصي بسيادة القوانين على أنه محصلة وعي الإنسان بقيمة الحرية وسعيه إلى جعلها أساس الممارسة السياسية من جهة. ومن جهة أخرى، هذه القوانين لا تقوى على ضبط العلاقات الاجتماعية لذلك تنظيم علاقة الفرد مع الفرد، علاقة الفرد بالمجتمع تستند للأخلاق في التنظيم السياسي. كيف يمكن للدولة التي تقتضي طاعة  المحكومين أن تكون شرط لتحريرهم من استعباد الإنسان للإنسان؟ ألا تؤول الطاعة في كل وجوهها إلى الهيمنة؟ قد تنزلق الدولة الديمقراطية أيضا فتصبح "جهاز قمع" لأنه لا مجال للحديث عن حرية دون مساواة اجتماعية وبالتالي فإن الوجود السياسي للإنسان هو وجود يحميه العنف، هو عنف الدولة وهو متسم بسمات "العنف الشرعي". و في هذا السياق، فالدولة بحاجة إلى أخلاق وهو ما آمن به بعض الفلاسفة ابتداء من أرسطو، الذي رأى في "علم الأخلاق" ضرورة في التنظيم السياسي بمعنى أن علم الأخلاق هو علم عن طريقه نتمكن من تنظيم الحياة الإنسانية. وصولا إلى العصر الحديث مع كانط، ربط السياسة بالأخلاق  بحيث ترتبط الإرادة بالواجب الأخلاقي وهذه الإرادة هي إرادة خيرة وهي مجموعة الإرادات الخاصة هي إرادة حرة لأنها تخضع لمبدأ الاختيار الذاتي باعتبارها هدفا لا غاية.كانط يتحرك في نفس منحى روسو ويختلف عن هوبس الذي يرى أن الأفراد يتنازلون عن حرياتهم لفائدة مجلس واحد أو شخص واحد الذي هو "التنين الكبير" عن طريق الخوف لأنهم غير أحرار.

عادة ما تستند الدولة إلى نظام سياسي، فشكل النظام الذي يمثل الدولة في سياساتها ﻻينبغي أن يخرج عن إطار القيم الأخلاقية في تعاطيه السياسي العام والذي يمثل انعكاسا للدولة على كافة المستويات. فمن الخطأ فصل السياسة عن اﻻخلاق. فالعلوم السياسية تتضمن الأخلاقيات. إن مفهوم الدولة في تكوينها يقوم على الأخلاق لو افترضنا أن لديك دار للسكن فهذه الدار تخضع لحدود جغرافية محددة بينك وبين دار الجار اﻻخر فالحدود بينك وبين الأخر ﻻتقوم إﻻ بالتوافق والخضوع إلى المنطق الأخلاقي في مثل هذه المشتركات. فالحدود هي لحفظ الحقوق بين الأطراف و الاستقلالية في المكان فالقانون الذي يحدد الحقوق يقوم على الأخلاقيات.

 يجدر القول، أن الإنسان يحتاج إلى دولة بغية تحقيق الأمن و العدالة، ويحتاج إلى الأخلاق لتنظيم العلاقات بين الفرد والمجتمع، بين الفرد والسلطة لتبرير اللجوء إلى العنف بالدفاع عن قيم أخلاقية ضد نزوع بعض الأفراد إلى خرقها.

 يقترن التفكير في الأخلاق والسياسة بمفهوم الدولة، فبحيث نعلم جيدا أن فهم الدولة هو تبين موقعنا كمواطنين داخلها وتبين مواقع دواخلنا كرعية عند راعينا. فوحدة مفهوم الدولة تتميز بالكثرة من جهة الممارسات السياسية و الممارسات الأخلاقية من جهة أخرى في ما معناه انه لا دولة فوق التاريخ و لا دولة فوق الأخلاق.

 فالدولة وباعتبارها جهازا متكاملا تحتاج في تنظيم أمورها و تسيير دواليبها إلى هيئة أو مجموعة تسهر على تنظيم حياة أفرادها باعتبارهم أحد المكونات الأساسية لكيان الدولة. و ذلك في شخص ما يعرف بالسلطة الحاكمة و ذلك عن طريق عديد الأساليب على غرار سن القوانين و تحقيق المصلحة العامة و العديد من الأساليب لتنظيم الحياة الاجتماعية و علاقة الفرد بالفرد و علاقة الفرد بالدولة في حد ذاتها. فالحكم و السلطة ضرورة فرضتها علينا الطبيعة منذ الأزل حتى في المجتمعات الحيوانية لا البشرية. و منذ القديم كانت الأفراد تعيش ضمن تنظيمات مستبدة خاصة من الناحية الأخلاقية لتطرح هنا الأطروحة نفسها بنفسها ما مدى ضرورة الأخلاق في الدولة كجهاز في علاقة مباشرة مع الأفراد أي هل تكفي ممارسة الدولة لأعمالها بعيدا عن الأخلاق؟

فإذا قبلنا بان الدولة في قطيعة مع الأخلاق خاصة لوعدنا بالتاريخ لألفينا أن الأنظمة السياسية و الأجهزة الحاكمة قديما معتبرين أن تلك الأجهزة الحاكمة تمثل الدولة لذلك نرى أن أنظمة الحكم استبدادية كانت تطغوا على العالم وهذا ما بينه هوبز في هذا الموضع أنه نتيجة الفوضى التي كانت سائدة في المرحلة الطبيعية ( قانون الغاب ) فكر الأفراد في تأسيس دولة بالتنازل عن كل حقوقهم إلى حاكم قوي يرد عليهم المظالم و يوفر لهم الحماية و الاستقرار، كما يتجلى ذلك الحكم الملكي في فرنسا زمن لويس14 الذي قال :"الدولة هي أنا " «L’Etat, c’est à moi» و في الديكتاتوريات الحديثة و المعاصرة مثل نازية " هتلر "، و فاشية "بينوتشي" في الشيلي و من مميزات تلك الأنظمة التي تأخذنا مباشرة إلى مصطلح الدكتاتورية. ففي معناها إنها الحكم في الدولة في غياب الأخلاق حيث أن تلك الأنظمة لم تعرف في تلك الفترة أي اهتمام للأخلاق في أساليب الدولة و علاقتها بالفرد بل اهتمت كثيرا بالقوة الحاكمة حيث كان نظام الحكم الفردي يستعمل طرق وأساليب تتنافى مع حقوق الإنسان كقمع الحريات الأساسية، و منع النشاطات السياسية المعادية للنظام القائم قصد الحفاظ على امتيازات الحكام دون مراعاة مصالح و حقوق الشعب و يظهر ذلك في نظرية العقد الاجتماعي عند هوبز و نظرية القوة و الغلبة عند ابن خلدون في وصفه لكيفية قيام الدولة و سقوطها و كذلك المفكر الايطالي ماكيافيلي الذي رأى بدوره أن ضرورة الفصل بين الدولة و الأخلاق باعتبار أن الدولة المحرك الرئيسي لها هو المصلحة المادية و السلطة حيث يؤسس جون لوك تصوره لإشكالية مشروعية الدولة من خلال اعتبار أن تلك المشروعية لا تستمد من أي سلطة خارجية كما قد يعتقد في نظرية الحق الإلهي التي ترى بأن مشروعية الحاكم تستمد من تفويض الهي لتستمد الدولة بذلك مشروعيتها بصبغة إلهية كرمز للقوة التي تأسس داخل الشعب نوعا من الرهبة و الخوف. يمكن أن يصل لحد تقديس الدولة بحد ذاتها حيث ينطلق " فيبر" من مقولة ماركسية مفادها "كل دولة تنبني على القوة " فتبعا لهذا نجد الدولة تستمد سلطتها من القوة التي تمارسها بهدف بسط هيبتها وسيطرتها لأجل الحفاظ على النظام العام والاستقرار الاجتماعي حيث تكون هذه القوة حكرا على الدولة وهذا ما دفع " فيبر" إلى أن ينعتها ب "العنف المشروع". و العنف الذي كانت تستعمله الدولة في تلك الفترات كان يفرض على الفرد احترامها فرضا لا اختيارا في ضل غياب الأخلاق في الدولة بحد ذاتها و في معاملاتها تجاه الفرد عبر ترسيخ فكرة تقديس الدولة في ذهن الأفراد حيث أن ماكيافيلي يرى أن فساد الدولة و تدهور العمل السياسي يعود إلى تدخل الأخلاق و الدين لذلك يفصل بين السياسة و الأخلاق. لكن التاريخ يشهد أن مجمل الأنظمة التي قامت على القوة و اللاأخلاق و تخلت عن الأخلاق و تحقيق القيم في الحكم كانت نهايتها بالفشل.

 الدولة مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً راقي الأخلاق فلا حياة ولا تقدم من دون رقى، والمجتمع لن يتغير إلا إذا تغيرت الدولة وامتلكت إرادة الفعل. وخلافا لما سلف، يعتقد البعض الأخر أنه من الضروري مراعاة القيم الأخلاقية في الدولة و ممارساتها، سواء تعلق الأمر بالعلاقة التي تربط الحاكم والمحكومين على مستوى الدولة الواحدة، أو على مستوى العلاقات بين الدول. ومعنى ذلك، أن على الحاكم أن يستبعد كل الوسائل اللاأخلاقية، وأن يسعى إلى تحقيق العدالة و الأمن وضمان حقوق الإنسان الطبيعية والاجتماعية . و هذا ما دعا إليه أغلب الفلاسفة منذ القديم، فهذا "أرسطو " يعتبر السياسة فرعاً من الأخلاق، ويرى أن وظيفة الدولة الأساسية هي نشر الفضيلة وتعليم المواطن الأخلاق. ثم حديثا الفيلسوف الألماني "كانط"، الذي يدعو إلى معاملة الإنسان كغاية في ذاته وليس كمجرد وسيلة، كما دعا في كتابه "مشروع السلام الدائم" إلى إنشاء هيئة دولية تعمل على نشر السلام وفك النزاعات بطرق سلمية وتغليب الأخلاق في السياسة، وهو ما تجسد لاحقا في عصبة الأمم ثم هيئة الأمم المتحدة، كما دعا إلى ضرورة قيام نظام دولي يقوم على الديمقراطية والتسامح والعدل و المساواة بين الشعوب والأمم. ومن بعده ألج فلاسفة معاصرون على أخلاقية الممارسة السياسية، أبرزهم الفرنسي "هنري برغسون" والفرنسي "برتراند رسل".فالدولة إنما وجدت لأجل تحقيق غايات أخلاقية منعدمة في المجتمع الطبيعي، وعليه فأخلاقية الغاية تفرض أخلاقية الوسيلة . كما أن ارتباط الدولة بالأخلاق يسمح بالتطور والازدهار نتيجة بروز الثقة بين الحكام والمحكومين، فينمو الشعور بالمسؤولية ويتفانى الأفراد في العمل. ثم إن غياب الأخلاق وابتعادها من المجال السياسي يوّلد انعدام الثقة والثورات على المستوى الداخلي، أما على المستوى الخارجي فيؤدي إلى الحروب، مع ما فيها من ضرر على الأمن والاستقرار وإهدار لحقوق الإنسان الطبيعية، وهذا كله يجعل الدولة تتحول إلى أداة قمع وسيطرة واستغلال.

 فلا يمكن إنكار أهمية دعوة الفلاسفة إلى أخلاقية الدولة، إلا أن ذلك يبقـى مجرد دعوة نظرية فقط، فالقيم الأخلاقية وحدها كقيم معنوية لا تكفي لتجعل الدولة قوية قادرة على فرض وجوده وفرض احترام القانون، ولا هي تستطيع أيضا ضمان بقاءها واستمرارها لذلك فغاية الدولة يجب أن تهدف إلى تجسيد القيم الأخلاقية وترقية المواطن والحفاظ على حقوقه الأساسية، دون إهمال تحقيق المصالح المشروعة التي هي أساس حل المشكلة: وهكذا يتضح، أنه لا يمكن إطلاقا إبعاد القيم الأخلاقية من الدولة رغم صعوبة تجسيدها في الواقع، فالأخلاق بدون قوة ضعف، والقوة بدون أخلاق ذريعة للتعسف ومبرر للظلم. وعليه فالدولة الناجحة هي التي تتخذ من القوة وسيلة لتجسيد القيم الأخلاقية.

الإنسان مدني بالطبع لهذا كان لابد أن يعيش الإنسان في جماعة و أن تكون له مع هذه الجماعة مقتضيات الحياة السعيدة ومن هنا كان قيام المجتمع بحاجة إلى السياسة لتضع نوع الحكم الملائم له و بحاجة إلى الأخلاق لتنظيم علاقة الفرد بجماعته و بغيره من الأفراد.

 

خــــــــاتمة

يبدو الإنسان هو الكائن الوحيد الذي تخير لأفعاله أساسا قيمي تمثل الخير قيمة تسعى الإرادة إلى تحقيقها وليس يعني هذا أن كل القيم أساسها عقلي وإنما اتخاذ موقفا واعيا يسعى إلى السمو بالإنسان إلى منزلة يكون فيها جدير فيها بإنسانيته إن القول بوضع الإنسان للقيم هو "أمل فلسفي" يريد أن يجعل الإنسان كائنا راقيا بحق وطبيعة هذه القيم هي أن تكون كلية وعامة. إن التنظير الفلسفي للمجتمع المدني يمثل فضاء السلطة على أساس قيمي فأضفى قيمة على التعاقد والالتزام والتنازل وجعل التعقل مبررا منطقيا لاختيار هذا النموذج ونبذ سواه من النماذج السلطوية الأخرى. الإنسان في هذه المقاربة واضع للقيم لأنه بناء على إرادته الحرة نموذجا مدنيا يضمن تجسيم الجوهر الإنساني ألا وهو الحرية.

في نهاية الرحلة ما يجدر قول، أن ما يتصف به صاحب هذا الكتاب، من الالتزام والمسؤولية و الأخلاق في الوقوف بجانب الحق ومناصرته، والانحياز للمبادئ والقيم الإنسانية. فـأن يكون السياسي موضوعيا معناه أن يتحرى الحق في أعماله و معاملاته، الحق الذي يخدم مصالح المجتمع الذي يعيش فيه، بل في المجتمعات التي يباشر التعامل معها. و هذا يفرض على السياسي أن يسلك مسلك الوضوح في الإعلان عن نتائج أعماله قياما بواجب الالتزام تجاه مجتمعه ووطنه لا أن يسلك مسلك التبرير دفاعا عن مصالحه الشخصية أو الحزبية أو الفئوية الضيقة.

 

د. فاطمة المومني

......................

مقدمة كتاب جديد للكاتبة

 

zouhair khouildi"لكي أوضح ما اعنيه وأقربه إلى الأفهام بإعطائه اسما، فقد رأيت أن أسمي أحدهما استباق العقل والآخر تفسير الطبيعة"1.

لقد انقسم العالم مع حلول عصر النهضة على أوروبا إلى عدة أجزاء وانفصل الإنسان جذريا عن الطبيعة وأثبت تفوقه على الكائنات الحية بالفكر واللغة واختفى نموذج الإنسان الذي يحمل في ذاته صورة عن العالم. لقد حمل لنا القرن السابع عشر نبأ تفجر الثورة العلمية مع غاليلي وديكارت ونتج تطور في الأفكار والنظريات وصارت معرفة الطبيعة تقوم على الملاحظة والقيس mesure وليس على التأمل كما كان عند الإغريق والجدل الفكري بالاعتماد على أدوات اللغة.

بيد أن مساهمة فرنسيس بيكون (1561-1626) في التنظير للمنهج التجريبي وجعل العلم الفيزيائي تجريبيا هو أمر لا يمكن إنكاره في تاريخ العلوم وأهم من ديكارت لكونه أول من نقد العلم الأرسطي وأسس نظرية العلم التجريبي.

يعتبر بيكون الابن الطبيعي للملكة إليزابات ومن ساهم في شهرة الكاتب المسرحي الانجليزي شكسبير ولقد تقلد على توماس مور عدة مناصب في الدولة قبل أن يتم طرده من الحياة العمومية بالنظر إلى أن الفلاسفة ليس لهم حظ في السياسة ولكنه دافع على نفسه وسجل اسمه في تاريخ العلوم كواحد من العظماء.

لكي يتمكن المرء من التأثير على الطبيعة والاستفادة منها وتسخيرها والتحكم في ظواهرها وقواها يكون من الملائم حسب بيكون أن يلم المرء بمعرفتها ويدرك خفاياها ويفسر عناصرها ويحدد قوانينها ويكشف عن شبكة علاقاتها. فالإنسان حلم بالطيران في السماء من محاكاة الطيور ولكنه لم يتمكن من الارتفاع في الجو إلا بعد أن قام باستخلاص قوانين الميكانيكا ومقارنته بين مسار حركة الأجسام في الأرض وشروط حركتها في الفضاء.

ربما التمفصل بين العلم والتقنية والعلاقة الجدلية بينهما هي جعل من الغرب قوة في العالم بعد الخروج من فترة الإحياء وعصر النهضة وخوض تجارب التحديث والثورات العلمية الكبرى والدخول في عصر التنوير. في حين أن أدى الفصل التاريخي بين النظرية والتجربة العملية لدي الإغريق إلى تعطيل أي تأثير ناجع في الوسط الطبيعي وعطل تقدم العلوم. كما تجد العلوم طريقها إلى التطبيق في الآلات ويسمح ذلك بحدوث اكتشافات جديدة. بناء على ذلك تشكل الاختراعات العلمية والابتكارات التقنية علاقات جدلية بحيث أن كل اختراع يرتكز على اختراعات سابقة.

يفرق فرنسيس بيكون بين ثلاث طرق يشتغل وفقها الفكر العلمي بصفة عامة هي العنكبوت والنمل والنحل ويعتبر عمل النحل متفوقا من الناحية المنهجية على عملي النمل والعنكبوت ويبرر ذلك بتأكيده أن طريقة العنكبوت في العمل هي طريقة دغمائية تستخلص كل شيء من العمق الخاص بها، أما طريقة النملة فتميل إلى التجريبية بما أنها ترضى بتكديس ما تعثر عليه هنا وهناك . غير أن طريقة النحلة هي الطريقة العليا والأكثر نجاعة بما أنها تصنع العسل من الأشياء التي تجدها في الطبيعة وتقوم بتأليف بارع للطريقتين.

كما يقسم العلوم حسب ملكة المعرفة إلى ثلاثة مجموعات:

- الفلسفة وهي علم العقل الذي يضم الرياضيات التطبيقية والفيزياء

- التاريخ وهو علم الذاكرة

- الشعر وهو علم الخيال

لقد ظلت عبارة فلسفة الطبيعة تعني الفيزياء وقد أكد ذلك فيما بعد نيوتن في كتابه "مبادئ رياضية لفلسفة الطبيعة" ولكن بيكون كان له السبق في أشار إلى أن العلوم ماهي سوى صور متعددة عن الحقيقة بما أن حقيقة الوجود وحقيقة المعرفة يمثلان نفس الشيء ولا يختلفان سوى في اختلاف الشعاع المباشر والشعاع المنعكس. يصرح في هذا السياق: " ينبغي أن تتبع الكتبُ العلومَ ولا أن تتبع العلومُ الكتبَ".

بعد ذلك يحرص بيكون على اصطياد الأوهام وتنقية الوقائع، اذ يرى أن نظرية المعرفة تتضمن بالضرورة بعدا نقديا وبالتالي لا يمكن الإقرار بوجود مذهب حول الحقيقة دون مذهب حول الخطأ. بناء على ذلك يسمى بيكون أوهاما أو أشباحا كل الأخطاء التي يقع على الفكر البشري وينبغي عليها ان تفاديها إذا ما أراد بلوغ المعرفة الحقيقية. بهذا المعنى يفرق بين أربع أنواع من الأوهام حسب مصدرها:

- أوهام القبيلة: الأحكام المسبقة التي يتقاسمها المرء مع المجموعة التي ينتمي إليها.

- أوهام الكهف: عالم المظاهر والضلال الذي تشكل منزلة الفرد وطبيعته الخاصة.

- أوهام الفضاء العمومي: الأخطاء الناتجة عن عجز اللغة وحدودها في التعبير.

- أوهام المسرح: أضغاث الأحلام والتأويلات الخاطئة التي ت النفوذ.

في هذا السياق يصرح بيكون:" لاشيء أكثر اتساعا من الأشياء الفارغة".

غير أن القنص يفيد معنيين عند بيكون : الأول هو اصطياد الأوهام قصد التخلص منها، والثاني هو قنص الوقائع قصد الإمساك بها وأخذها وتناولها والاستفادة منها وبالتالي يكون القنص هو النشاط والفاعلية التي تقوم على تجميع وتكديس الوقائع عن طريق الملاحظة. فكيف أدى ذلك إلى تشكل منطق جديد؟

لقد أطلق بيكون على الكتاب الكبير الذي ضم مشروعا جديدا تسمية الأورغانون الجديد وكلمة أورغانون تعود إلى المنطق الأرسطي والذي كان يفيد الآلة أو الأداة وبالتالي حافظ على اعتبار المنطق آلة تفكير.

لقد سعى بيكون في هذا الكتاب إلى تجاوز المنطق الأرسطي وذلك باعتماد الاستقراء بدل الاستنباط.

لقد استخدم أرسطو الاستنتاج كثيرا في منطقه ويتمثل في استخلاص نتيجة معينة من عبارات أولية بالاعتماد على الاستدلال وجعل من القياس نمط استنتاجي يتكون من مقدمة كبرى ومقدمة صغرى ونتيجة.

لا يساعد الاستنباط من وجهة نظر بيكون على تقدم العلوم طالما أنه يقتصر على أخذ فكرة ثانية من فكرة أولى تتضمنه القضية العامة التي تعلنها المقدمة الكبرى. انه لا يعمل على الإبداع بالمعنى الفعلي للكلمة.

على خلاف ذلك يمثل الاستقراء نوعا من الاستدلال الذي يوسع المعرفة ويساعد على تقدم العلوم وذلك حينما ينطلق من عدد من الوقائع الملاحظة الجزئية ويقوم بمقارنتها وتبويبها ويستخلص منها قضية عامة.

إذا كان الاستنباط يمر من العام إلى الجزئي فإن الاستقراء هو تعميم عقلاني ولا يخضع للصدفة والاتفاق.

 لقد تحدث أرسطو بكل تأكيد عن الاستقراء ولكن كان ذلك ضمن القياس المنطقي ومنحه مجرد معنى تشميلي وجعله وسيلة لتلخيص المجموع المعطى من المعلومات. أما بيكون فقد أبقى الاستقراء إمكانية مفتوحة على معرفة المزيد من الوقائع وأداة تحريضية مهمتها التدعيم والتعزيز في قدرات أثناء تكيف العقل مع الطبيعة.

لقد ترتب عن هذا التجديد المنهجي رهانا عمليا تمثل في تأليف بيكون لرواية خيالية عنونها بالأطلنتيك الجديد وتحدث فيها عن جزيرة مثالية ومعزولة عن بقية العالم الفاسد ويحكمها العلماء ومنظمة وفق مبادئ المعرفة الجديدة واحتاجت إلى معلومات نافعة حول جميع الأشياء تستخلص من دراسة استقرائية للطبيعة.

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

............................

المراجع:

1- فرانسيس بيكون، الأورجانون الجديد، إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة، ترجمة عادل مصطفى، دار رؤية، القاهرة، مصر، طبعة 2013. ص13.

 

nabe  odaتطورت الثقافة (والثقافة تعني الإبداع الروحي والإبداع المادي للمجتمع) في عصرنا على التنافر بين الفلسفة والدين، كانعكاس للتنافر بين الإيمان والمعرفة، بين العقل والنقل، بين التفكير والتكفير، وهنا لا بد من سؤال: هل يمكن ان يحتل الدين، أي دين كان، مكان المعرفة؟ أي مكان العلوم والأبحاث؟ هل باستطاعة الدين وكهنته من كل الأشكال ان يعطوا التفسيرات الكاملة للظواهر الطبيعية مثلا؟ او للفيزياء في مجالاتها الشاملة؟ او لأي علم آخر من العلوم الإنسانية التي لا يمكن ان نتخيل استمرار وجود الحياة والمجتمع البشري بدونها!!

نشأت الفلسفة في اليونان القديمة (بلاد الاغريق) على قاعدة تفسير الظواهر الطبيعية عقلانيا بعيدا عن ربطها بآلهة تتحكم بها. لذلك عرفت باسم الفلسفة الطبيعية.. طبعا الى جانب الاهتمام بعلم الأخلاق والقانون وشكل الدولة والتقسيم الاجتماعي وعلم المنطق .. الخ.

الفلاسفة الإغريق في وقتهم حسموا بموضوع أن عالمنا قائم على العقل وليس على النقل. على العلم وليس على الإيمان بالخوارق. الإيمان هو عملية نقل، ظاهرة تنقل بالوراثة وليس بالوعي. لا انفي أهمية الدين الأخلاقية كمحاولة لوضع قواعد تعامل اجتماعية بين البشر، لكننا نواصل منذ ستة آلاف من السنين التمسك بما أثبتت الفلسفة الإغريقية بطلانه ورفضت جعله معيارا فكريا سائدا تفسر به الوجود الإنساني والطبيعة.

في الفكر العربي نجد ان إخوان الصفا اقروا أن الفلسفة هي محبة العلوم وأوسطها معرفة حقائق الموجودات حسب طاقة الإنسانية وآخرها القول والعمل بما يوافق العلم ... اليوم يسود النقيض لفكرهم المتنور!!

ديكارت (ابو الفلسفة الحديثة) قال ان الفلسفة كلها بمثابة شجرة جذورها الميتافيزياء وجذوعها الفيزياء وغصونها المتفرعة عن هذا الجذع هي كل العلوم الأخرى. أي ربط الحصان أمام العربة وليس وراءها، كما يفعل الفكر الديني.

الفلسفة الماركسية التي اعتبرت بجدارة فلسفة القرن العشرين لم تكن اختراعا بل كانت دمجا بين مادية الفيلسوف الألماني المادي لودفيغ أندرياس فيورباخ ( 1804 – 1872). كان في البداية تلميذاً للفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيغل (١٧٧٠١٨٣١) ثم أصبح من أبرز معارضيه. ويعتبر هيغل أحد أهم الفلاسفة الألمان حيث يعتبر أهم مؤسسي حركة الفلسفة المثالية الألمانية في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي. لقد اعتمدت الفلسفة الماركسية على ثلاث قوانين فلسفية رئيسية،اقتبستها من هيغل وهي: قانون نفي النفي ووحدة صراع المتناقضات وتحول الكم إلى كيف.

حظيت فلسفة هيغل بتأثير كبير وهام على الفكر الحديث، وكان كارل ماركس ابرز الفلاسفة الذين تأثروا واقتبسوا من هيغل فلسفته الجدلية قالبا اياها رأسا على عقب: إذ أن جدلية هيغل هي عبارة عن عملية أو ديناميكية تمضي وفقها جميع القضايا من الأمثل فالأمثل نحو “الفكرة المطلقة” وقد سميت “بالجدلية المثالية”. بينما منهج ماركس الفلسفي الجدلي رأى بأن جدلية الأفكار ليست سوى انعكاسا لجدلية المادة. لذلك اتخذ من مفهوم الجدلية المادية (المادة تسبق الفكرة) أساسا ومنبعا لحركة التاريخ وتطوره. اذن هيغل قدم مساهمة عظيمة حول الجدلية، عبر فكره المثالي (الفكرة المطلقة) بينما ماركس أخذ حسب تفسير الماركسيين الجوانب العقلانية لجدلية هيغل معترفا بمساهمة هيغل في تعميق مفهوم الجدلية بقوله: لقد أصبحت الجدلية بين يدي هيغل روحية لكن هذا لا يمنع بأنه أول من بين أنواع الحركة العامة للجدلية بجميع خصائصها، وقال لينين قائد ثورة اكتوبر الاشتراكية وزعيم البلاشفة في روسيا ان هيغل كان في جدليته موضوعيا أكثر منه مثاليا.

رغم ذلك لا نشهد ان التطور الفلسفي والثقافي قد ترك آثاره على تطور الفكر العربي او تطور فلسفة عربية. بعض رجال الكهنوت يدعون ان الدين هو فلسفة، لكنها ادعاءات لا تصمد أمام الواقع الفكري البسيط. وإذا اعتبرناها فلسفة فهي لا تفسر أي شيء بطريقة علمية إنما بالاعتماد على الفكر العجائبي والخرافي.

الفكر الماركسي واجه ويواجه اليوم نقدا حول العديد من القضايا التي كانت تبدو نهائية، مثلا الفكر المادي التاريخي يواجه اليوم إشكالية كبيرة، بل والبعض يعتبر المادية التاريخية كنظرية خاطئة لم تثبت نفسها.

طبعا ما اريد تأكيده في هذه العجالة الى ان مجتمعا لم يستوعب التطور الفلسفي والثقافي من عصر الإغريق مرورا بعصر التنوير وصولا الى عصرنا الراهن، وقمع فلاسفته واعتبر فكرهم كفرا وزندقة، هو مجتمع يعيش في الظلام الحالك، حتى لو ملأ الدنيا صراخا وابتهالا وعبادة.

السؤال المقلق والمفتوح : هل يمكن ان ترقى ثقافة روحية وثقافة مادية بظل سيادة فكر ديني يتمتع بجبروت كامل وسيادة مطلقة، وتطور أشكال إرهابية بغلاف ديني؟ هل يمكن ان نشهد عودة الى نشوء فكر فلسفي عربي في الواقع المتهافت الذي يعيشه عالمنا العربي؟

رؤيتي ان التاريخ اخرج العرب من حسابه. ولا أرى ان الفكر العربي والثقافة العربية مؤهلة في الظروف المؤلمة السائدة في العالم العربي على إحداث تحول ثوري ينقل الشعوب العربية من الانعزال الى المشاركة في حركة التاريخ . أين نحن من حركة الثقافة العالمية؟ من الإبداع الروحي والإبداع المادي. لا حضارة بلا ابداع مادي، أي إنتاج الخيرات المادية وتوفيرها للمواطنين عبر تحقيق رفاهية اجتماعية. لدينا مبدعون لكنهم أول من يقمع من جهاز السلطة ولا قراء لتعويضهم عن جهدهم الفكري والتفاعل معهم. لدينا طاقات علمية لكنها تغادر أوطانها بحثا عن أسواق عمل تناسب تخصصاتها. مجتمعاتنا تعاني اليوم من فقر في ألاختصاصات، أي تفتقد للقوى المفترض ان تقود عصر تنوير عربي.

ان الإفرازات التي يخلفها هذا الواقع تعيث اليوم فسادا ودمارا للطبيعة والإنسان!!

 

نبيل عودة

 

ibrahim telbasilkhaلا شك أن وجهة النظر الدينية تنظر إلى الأخلاق على أنها تقوم على الدين . ولقد ظهرت هذه النظرة بالطبع، من الناحية التاريخية فى صور مختلفة ومتنوعة، تبعا لمعتقدات الناس الدينية،وتبعا لتحضرهم أو تخلفهم النسبى . ولقد كانت صورتها الساذجة جدا تقوم على أساس الاعتقاد بأن ما هو صواب أو خطأ تحدده ببساطة، إرادة الله . ولقد صورت الله فى صورة تشبه البشر بوصفه عقلا ضخما أو وعيا عظيما خلق العالم وحكمه . وربما وجدت صورتها الأكثر تحضرا فى المذاهب العميقة الغامضة للمثالية المطلقة absolute idealism  . غير أن التصور الشائع لله قد حل محله فى هذه المذاهب مصطلح المطلق الميتافيزيقى . وإن كان هذا المطلق، مثل الله، هو مصدر القيم الأخلاقية وغيرها من القيم. الشئ الواحد المشترك بين جميع هذه الصور هو القول بأن الأساس الدينى للأخلاق، يعنى الإيمان بأن التفرقة بين الخير والشر الأخلاقيين، تضرب بجذورها بطريقة ما، فى تصور العالم على أنه يمثل نظاما أخلاقيا .

والميزة الكبرى لمثل هذه النظرة الدينية هى تقديم أساس متين للأخلاق وسط الطبيعة غير المتغيرة للعالم، وليس أساسا مهتزا وسط رمال الطبيعة البشرية المتحركة . فالقيم والقوانين الأخلاقية هى بالضرورة موضوعية، وتكون القيمة موضوعية – حسب تعريف ستيس – إذا كانت مستقلة عن أية أفكار إنسانية أو مشاعر أو آراء للبشر . وسوف تكون هناك مجموعة واحدة من القيم والمعايير الأخلاقية صحيحة وصالحة للبشر، لا تختلف من عصر إلى عصر ومن ثقافة إلى ثقافة لأن هذه القيم والمعايير تنطلق من عند إله لا يتغير، أو من غرض ثابت، أو من مطلق واحد   أزلى.

أما العقل الحديث – الذى قفز من الموضوعية إلى الذاتية – فهو لا يؤمن بالأساس الدينى للأخلاق، ويزعم أن جميع الأخلاقيات لابد أن تكون نسبية . غير أن القول بالذاتية يعنى التمسك بالنسبية وأن الأغراض تختلف من شخص إلى أخر أو من مجتمع إلى مجتمع . فتعريف " الخير "، مثلاً بأنه ما يسر الناس أو يخدم أغراضهم، أو ما يقفون تجاهه موقف حب أو استحسان، سوف ينتج بالضرورة أن يبدو الفعل الواحد أو الشئ الواحد خيرا عند شخص وشرا عند شخص آخر تبعا لمواقفهم أو ما يشتهون . وذلك لا يعنى فحسب أن آراء الناس ومواقفهم تجاه الصواب والخطأ مختلفة، بل إن ما هو حق أو صواب عند شخص سيكون بالفعل خطأ عند آخر، وينتج عن ذلك، فى نظر ستيس، انهيار       للأخلاق .

ولذلك يدافع ستيس عن الإيمان بالأساس الدينى للأخلاق، ويرى أن وجهة النظر القديمة عن الأخلاق التى تقيمها على الدين، تعطينا فهما أعمق وأصدق للأخلاق والعالم معا، أفضل من وجهة النظر الطبيعية المحضة . ويعتقد أن "برجسون" كان على حق عندما ذهب إلى أن للأخلاق مصدرين : أحدهما هو الضغط الاجتماعى social pressure  للنظرة النفعية الخالصة . وهذا المصدر، بالطبع، دنيوى وطبيعى . أما المصدر الثانى فهو يكمن فى التصوف الذى يتحد مع الدين فى هوية واحدة . والغايات الأخلاقية التى تنبع من هذين المصدرين تناسب الواحدة منها الأخرى، وتنسجم وتتناغم معها، وتنصهر تماما فى المجتمع    البشرى .

ويقول بعض أنصار النزعة النسبية إن أساس الأخلاق ينبثق من "العاطفة" ويقول بعضهم الآخر بأنه ينبثق من "العادات" . ويكفى هنا أن نفهم المبادئ العامة التى ينطوى عليها هذان الموقفان . فوفقا للرؤية الأولى فإن مشاعر كمشاعر الامتعاض أو الاستياء ينبثق منها الفكرة القائلة بأن الأشياء أو الأفعال التى نستاء إزاءها هى غير أخلاقية وفاسدة. والسيد وستر مارك WESTER MARK المفسر الكبير لهذا النمط من الرأى وأحد ممثليه، يضيف جديدا  قائلا : " ليس لنا أن نقول بأن أى امتعاض هو مصدر عدم الاستحسان أو الاشمئزاز الأخلاقى . بل إن الامتعاض النزيه اللامتحيز هو فقط مصدر هذا الاشمئزاز ". لكننا لسنا فى حاجة إلى أن نقحم أنفسنا فى هذا التفكير الدقيق . يمكننا أن نرى بسهولة تامة، أنه إذا كان هناك فعل ما فى مجتمع ولنقل إن هذا الفعل هو اللواط أو مضاجعة الذكور وكان هناك امتعاض إزاءه من الأغلبية فإننا سوف نعتبر ذلك خطأ كما تقول هذه الجماعة أو المجتمع . أما إذا لم يكن فى مجتمع آخر مثل هذا الشعور بالامتعاض إزاء اللواط فإننا لن نفكر فيه على أنه يمكن أن يكون مرفوضا أخلاقيا . إذا فمصدر الإلزام الخلقى والأوامر الخلقية هو المشاعر . وحيث إن مشاعر البشر متغيرة، فإن القوانين الأخلاقية التى تعتمد عليها تكون متغيرة أيضاً . وبالتالى ليس هناك معنى للسؤال عما إذا كان جنس بشرى على صواب فى استحسانه لحدث معين لأن مجرد استحسانه هذا هو الذى يصنع الصواب ويخلقه خلقا .

ووفقا لوجهة النظر التى تقول بأن العادة هى مصدر الأفكار والمعايير الأخلاقية فإن ما يحدد "الخطأ" فى مجتمع ما هو عادات هذا المجتمع بمعنى أنه إذا كان هناك شئ ضد عادات هذا المجتمع فبالتالى يمكن أن يقال بأن هذا الشئ "خطأ" كما أن "الصواب" هو ما يتفق مع عادات هذا المجتمع. حقا إن المعيار الأخلاقى تحدده ببساطة العادات الاجتماعية فى منطقة معينة وزمن معين . ولأن العادات متغيرة فالمعايير الأخلاقية التى تعتمد عليها متغيرة تبعا لذلك. هنا أيضا لا يمكن القول بأن مجموعة من العادات هى الأفضل أخلاقيا من مجموعة أخرى غيرها لأن "الصواب" و"الخطأ" ينبثقان من هذه العادات، فالعادات هى التى تصنع الصواب وتخلقه خلقاً وهى أيضا التى تصنع الخطأ وتخلقه خلقا .

ويحاول ستيس إثبات أن العقل الحديث قد ارتكب خطأ عندما ظن أن جميع الأخلاقيات لابد أن تكون نسبية .   ويرى أن التفكير فى العالم الحديث قد سار فى ثلاث خطوات: الخطوة الأولى أنه يقبل وجهة النظر الطبيعية عن العالم . والخطوة الثانية أنه يستنتج الذاتية من المذهب الطبيعى، والخطوة الثالثة أنه استنتج النسبية من الذاتية . وهذا العقل الحديث قد ارتكب خطأ فادحا عندما افترض أن النسبية تنبع من الذاتية . فإذا كانت الحجة الأساسية للنسبية الأخلاقية تتأسس باستمرار على هذه الواقعية المزعومة للطبيعة البشرية التى تقول بتنوع واختلاف الأغراض، والرغبات، والحاجات، والاشتهاءات وألوان النفور بين البشر، فإن ستيس يرفضها ويرى أن أصحاب هذه الحجة لابد أن يفترضوا على الأقل أن هناك أغراضا هى بمعنى ما شائعة بين جماعات بشرية هائلة . وكذلك بين الأمم، بل ربما بين جميع الثقافات وكل الحضارات . ويعتقد أن هناك - على الأقل -  ثلاثة أغراض إنسانية مشتركة بين الناس هى مصادر القواعد العامة للسلوك وهى :

أولا : المحافظة على الذات : وهذا هو مصدر عدد من القواعد العامة للسلوك التى يمكن أن تسمى قواعد الحيطة والحذر أو قواعد الأمن والسلامة .

ثانيا : صحة البدن : هذا الغرض البشرى المشترك يؤدى إلى ظهور قواعد هائلة للبدن، وهى واحدة بالنسبة للناس جميعا تحت عناوين مثل : الوقاية وتعزيز الصحة العامة، ومنع تفشى الأمراض، ونظام الغذاء . وهى تشمل أيضا قواعد العلاج، وعلم الطب ويمكن أن نطلق عليها اسم "القواعد الطبية" .

ثالثا : السعادة : ويمكن أن يسمى هذا الغرض أيضا باسم : الرفاهية، إثراء الحياة، تحقيق الذات، وفرة الحياة وخصوبتها، القدرة، صحة الأرواح .. الخ . والقواعد التى تؤسس عليها تسمى بالقواعد الأخلاقية .

ولم يتوقف ستيس عند هذا الحد الذى جعل فيه الأوامر الأخلاقية كلية وعامة للناس جميعا، بل نجده يجعل من التصوف أساسا للحياة الأخلاقية. فما دامت ماهية الدين توجد فى تجربة القديس الصوفية، فإن أساس الأخلاق لابد أن يكون فى تلك التجربة. ولابد أن نرى الحافز الأخلاقى ينبع من تلك التجربة، وذلك لأن التجربة، طبقا لرواية كل من مر بها، لا هى معرفية فقط،ولا انفعالية فحسب، وإنما هى فوق ذلك كله قيمة . إنها الغبطة، والنعيم، والسكينة، والسلام . وهى أيضا – أو أنها تتضمن كجزء متكامل مع ذاتها -  الرحمة اللامتناهية والحب الذى لا حد له للبشر جميعا . وإن مثل هذه الرحمة وهذا الحب هما أساس أخلاق رفيعة.

إن الرؤية الصوفية هى الرؤية الموحدة التى ترى "الكل فى واحد" والتى تتجاوز جميع التمييزات . وبالتالى التفرقة بين إنسان وإنسان، فالذاتية بمعنى الإحساس بأننى ذات واحدة وأنك ذات أخرى، قد اختفت أو تلاشت . ومن مثل هذه الذاتية تنشأ جميع الشرور ولا سيما الكراهية، والحقد، والحسد، والغيرة من الآخرين . ومن يمر بالتجربة الصوفية يرى أن ذاته هى عين ذات الآخرين جميعا، وأنها فيهم وهى فيه . ولا يوجد عنده مثل هذه التفرقة بين "الأنا" و"الأنت" كأن يكره الآخر ويحب نفسه، أو يسبب ألما للآخر، بينما يطمح هو بالمتع، فهو يعيش فى الناس جميعا، والناس جميعا يعيشون بداخله، ومن ثم فإن رغبته وحبه ليسا لنفسه بل للناس جميعا . وهذا هو ما يجعل التصوف أساس الحياة الأخلاقية، كما أنه هو الذى يزودنا بأساس الدين .

لكن قد يسأل سائل : ما فائدة ذلك كله للبشر الذين لم يمروا، ولا يمكن لهم، أن يخبروا ببصيص من هذه الرؤية الموحدة عند المتصوفة ؟ لا شك أن رؤية الصوفى هى أساسا رؤية خاصة به، ومن ثم فإن ما يبدو خيرا للصوفى سوف يكون خيرا للصوفى، لكن ما المبرر الذى يجعلنا نقول إنه خير لنا كذلك؟

يذهب ستيس فى إجابته عن هذا السؤال إلى أن تجربة الصوفى ليست فقط موجودة بالقوة عند كل الناس، بمعنى أن فى استطاعتهم أن يمروا بها بشروط معينة، إذا أخضعوا أنفسهم، مثلا، لنظام طويل صارم . وإنما هى موجودة الآن عند جميع الناس بالفعل، رغم أنها موجودة عند معظمهم بدرجة دنيا . فما يسميه الناس عادة بالشعور الدينى هو "رؤية معتمة من خلال زجاج مظلم" لما يراه الصوفى فى ضوء مبهر . إن الإلهام الصوفى ينبع من تجربة دينية مشتركة بين الناس جميعا بدرجات تختلف نسبتها بين الوضوح والإعتام . وطالما أن هذه التجربة واحدة، من حيث الأساس عند الناس جميعا – والاختلاف هو فرق فى الدرجة – فإن الأخلاق التى تنبع منها سوف تكون واحدة فى كل مكان، وبالنسبة للناس جميعا رغم أن بعضهم سوف يدركونها بوضوح أكثر، فى حين أن غيرهم سوف يدركونها على نحو معتم .

 

أ.د. ابراهيم طلبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا - مصر

 

hatam hamidmohsinبرزت المدرسة الاقتصادية النمساوية في تضاد مع المدرسة التاريخية الآلمانية، وكان كارل مينجر طور رؤيته الميثدولوجية على النقيض من تلك الجماعة المنافسة. سنناقش اولا المعتقدات الفلسفية للمدرسة التاريخية لأن هذا سيعمق فهمنا للموقف النمساوي المقابل.

بعد ذلك، سنفحص بعض التأثيرات الفلسفية على مؤسسي المدرسة النمساوية، وبالذات فرانز برينتانو واتباعه. كان برينتانو رائدا فلسفيا نمساويا برز في اواخر القرن التاسع عشر. هو فضل العودة الى ارسطو، وسوف نركز على الجذور الارسطية للمدرسة النمساوية.

اما الشخصية الثانية في المدرسة النمساوية بعد مينجر هو ايغين بوم بارك والذي تأثر بمدرسة فلسفية مختلفة وهي المدرسة الاسمية nominalists التي ترى ان الافكار الكونية العامة هي مجرد اسماء ليس لها واقع مطابق. سنفحص باختصار تأكيده على الوضوح المفاهيمي.

اما لودوج فون مايسز وهو اكبر اقتصادي نمساوي في القرن العشرين وجد نفسه هدفا لهجمات فلسفية. الحركة الوضعية المنطقية اخضعت اتجاهه الاستدلالي الى نقد شديد. فلاسفة حلقة فيينا جادلوا بان العلوم هي تجريبية . الاستدلال لا يمكن ان يعطينا معرفة جديدة حول العالم دون استعمال اسس غير استدلالية.

قبل البدأ في مناقشة النمساويين، نرى من الضروري ملاحظة انه في التاريخ الفكري يكون من الصعب تحديد المصدر الذي اثّر على مفكر معين. من المألوف للمرء رؤية التشابهات بين العقائد، ولكن ماعدى حالات خاصة، لا يستطيع المرء الحصول على اكثر من فرضية مقترحة. اذا كان المؤلف يعلن صراحة انه تاثر بشخص ما، فهنا سيكون بعيدا عن التخمين. لكن لسوء الحظ، المفكرين الذين ندرسهم الان نادرا ما كانوا واضحين حول مصادرهم الفكرية . ما سنعرضه هنا يطمح للمعقولية. لا وجود لتفسير تاريخي لا خلاف عليه.

 

المدرسة التاريخية الالمانية

ضمت هذه المدرسة ادولف واغنر، كارل كنيز، غوستاف شمولر بالاضافة الى آخرين. وعلى الرغم من ان معظم الناس يعتقدون ان الجماعة اقتصرت على القرن التاسع عشر لكنها في الحقيقة استمرت الى ما هو ابعد. ويرنر سمبارت وهو اهم عضو في المدرسة التاريخية توفي عام 1939. سمبارت كان مطلعا على مايسز ومعلما للودوج لاشمان. اقتصادي اخر متحمس للمدرسة التاريخية كان اوثمار سبان الذي عاش حتى عام 1951.لوقت قصير كان سبان معلما لفردريك هايك، لكن هايك طُرد لاحقا من حلقة سبان.

رؤية المدرسة التاريخية للاقتصاد تختلف ليس فقط عن المدرسة النمساوية وانما ايضا عن الاقتصاد الكلاسيكي. اعضاء الجماعة رفضوا قوانين الاقتصاد وحتى المبادئ الاساسية كقوانين العرض والطلب. هم اعتبروا الاقتصاد كموضوع تاريخي وتطبيقي.

بطريقة ما هم اعتبروا الاقتصاد علم ادارة الدولة، وهو نفس اسلوب ارسطو الذي اعتبر فيه الاقتصاد دراسة ادارة المنزل . هنا هم استمروا كتقليد للتجاريين الالمان في القرن السابع عشر والثامن عشر، وهو ما سمي بـ Cameralists.هم كانوا اقل اهتماما بالنظرية الاقتصادية منه الى تطوير قوة الدولة، خاصة الدولة البروسية، او بعد عام 1871، الامبراطورية الالمانية التي كانت فيها بروسيا جزءا اساسيا.

هذه الرؤى لا يمكن اعتبارها لاول وهلة مرتكزة على الفلسفة، مع ذلك، وكما يبدو ان التيارات الفلسفية القوية ساعدت على انتاج المذاهب المتميزة للمدرسة التاريخية.وبالاخص كان اعضاء المدرسة تأثروا الى حد ما بأهم واعظم الفلاسفة في القرن التاسع عشر وهو فردريك هيجل.

كان هيجل على اطلاع جيد في الاقتصاد. هو قرأ الاقتصاديين البريطانيين بعناية بما فيهم ادم سمث و جيمس ستيوارت. هو لم يرفض السوق، بل على عكس ذلك،  اعتقد ان الملكية والحق في الاشتراك بتبادل حر كانا من العناصر الهامة جدا للمجتمع الجيد.

اعتبر هيجل تطور السيادة شيئا ضروريا لكل فرد ضمن المجتمع. وبهذا الجانب هو لم يختلف عن عمانوئيل كانط. الفرد لكي يصبح مستقلا ذاتيا يحتاج الى الملكية، التي من خلال تطويرها تتحدد شخصيته. كذلك، هو يحتاج الى عمل القرارات. التبادل يوفر للناس الفرص التي يحتاجونها.

غير ان هيجل لا يمكن اعتباره مؤيدا للسوق الحر سواء في المعنى النمساوي الكامل التطور او في الشكل الاقل قوة لدى معظم الاقتصاديين الامريكيين. حرية التبادل تحصل ضمن المجتمع المدني، لكن المجتمع المدني يخضع لسيطرة الدولة.

في تصوره المفصل عن النظام الملائم للمجتمع، استخدم هيجل احدى اهم معتقداته الفلسفية. وهي الرؤية التي اثرت على الاتباع الرئيسيين لكانط – جوهان فتش و فردرش شيلنك بالاضافة الى هيجل. ذلك يسمى عادة بـ مذهب العلاقات الداخلية.

طبقا لهذا المبدأ، كل شيء في الوجود انما يتصل مع غيره في وحدة مترابطة. فاذا كانت هناك علاقة بين مادتين، فسوف لن تكون أي منهما نفس المادة لو تغيرت العلاقة بينهما. العلاقة تولّد خاصية اتصالية تكون جزءا من جوهر الحامل لها.

مثال للتوضيح، افرض انا لا اعرف الرئيس كندي. لو حصل لي ان التقيت به، انا سابقى نفس الفرد. كوني غير مطلع على الرئيس كندي ليس جزءا من جوهري.

المؤيدون للعلاقات الداخلية ينكرون هذا. هم يعتقدون ان جميع خاصيات الوجود هي ضرورية له. لقائي مع الرئيس كندي يؤثر على جميع خصائصي الاخرى. الفرد الذي قابل الرئيس هو فرد مختلف عن الفرد الذي لم يقابله مهما كان الاثنان متشابهين.

كذلك، علاقات كل مادة منفردة تغطي جميع الكون. كل شيء مرتبط بكل شيء اخر.

مذهب العلاقات الداخلية له نتائج هامة جدا في العلوم. طالما كل الاشياء مترابطة، فان المعرفة التامة باي شيء تتطلب المعرفة بكل الأشياء الاخرى. الطريقة المتميزة للاقتصاد تجري عبر استخدام النظريات او النماذج.هذه النظريات تدرس مجموعة معينة من العوامل بمعزل عن بقية العالم.

مناصرو مذهب العلاقات الداخلية يعتبرون هذه الطريقة غير شرعية. دراسة عوامل معينة بمعزل عن غيرها يضمن ايجاد صورة ملتبسة. بدلا من ذلك، يجب على الاقتصادي ان يكون اقرب ما يمكن للصورة الكلية لكل شيء مرتبط مع الاقتصاد.

وهكذا، يجب ان لا ينفصل الاقتصاد عن المواضيع الاخرى المرتبطة بالمجتمع. انه يجب ان يُدرس مجتمعا مع التاريخ والعلوم السياسية والاخلاق وغيرها. كل نظام اقتصادي يوجد ككيان مندغم ضمن مجتمع معين. لا وجود لقوانين عالمية للاقتصاد طالما هي تفترض مسبقا ان الاقتصاد يمكن ان يُدرس منفصلا عن بقية المجتمع. في الاغلب، قوانين الاقتصاد هي مقتصرة على انواع معينة من المجتمعات.

فكرة ان الاقتصاد هو في ترابط داخلي مع مؤسسات اجتماعية اخرى هي تطبيق لذلك الصنف من منطق هيجل:الوحدة العضوية. في الحيوان، الاجزاء تعمل بالارتباط مع اخرى، وهي تخضع لكل الاعضاء.هذه بالضبط الطريقة التي يعمل بها الاقتصاد طبقا للمدرسة التاريخية.

هيجل لم يعتقد ان الوحدة العضوية هي أعلى صنف. لكنها قد تصح قدر الامكان على العلوم. اذا كان حديثنا عن الوحدة العضوية منصبا على الاقتصاد فان هيجل طبق هذه الفكرة بشدة على مكان آخر. في دراسته المبكرة "فلسفة الطبيعة"، الجزء الثاني من الانسكلوبيديا، هو انتقد اسحق نيوتن. كانط نظر الى فيزياء نيوتن كمثال للمعرفة، ولكن بالنسبة الى هيجل، عانت نظريات نيوتن من عيوب اساسية. نيوتن ميز بشدة بين الفيزياء والمجالات الاخرى للمعرفة:نظامه اعتمد فقط على مجموعة محددة من الافتراضات. بالمقابل، اشاد هيجل بجوهانس كبلر الذي حاول جلب قوانين علم الفلك الى مطابقة مع المعتقدات الصوفية حول الارقام.

حاول هيجل عمليا تطبيق ما تعلمه في النظرية. في اطروحته للدكتوراه سعى لتوضيح ان العدد الضروري للكواكب في النظام الشمسي كان سبعة. عدد الكواكب لم يكن فقط سبعة وهو ما يتعارض مع مذهب العلاقات الداخلية. وبعد نشر الرسالة بوقت قصير، اُكتشف كوكب اخر. مع ذلك، لم يغير هيجل نظرته بان جميع العلاقات ضرورية.

لايزال هناك جزء من فلسفة هيجل يغلق الطريق امام علم الاقتصاد. علماء الاقتصاد والعلوم الاخرى يضعون القوانين، يطبقون هذه القوانين على المستقبل بالاضافة الى الماضي. مثلا، طبقا لقانون الطلب، الزيادة في الكمية المطلوبة من السلع تقود الى ارتفاع سعرها، مع بقاء الاشياء الاخرى ثابتة. القانون ينطبق ليس فقط على زيادة الطلب في الماضي وانما على الزيادة في المستقبل.

هيجل شكك بامكانية التنبؤ بالمستقبل. الفيلسوف يستطيع فقط تلخيص الماضي، هو لا يستطيع كشف التقدم المستقبلي للروح المطلقة. وكما عُرف عنه القول في مقدمة "فلسفة الحق""بوم اثينا القديمة تبسط جناحيها فقط عند حلول الظلام"، بمعنى ان الفلسفة تفهم الظروف التاريخية فقط عندما تصبح في الماضي.

قد يحاجج البعض ان هيجل ذاته، لاسيما في فلسفة الحق، حاول فعلا الوصول الى قوانين للتطور التاريخي. لهذا السبب سعى كارل بوبر للسخرية منه كـ "تاريخاني" historicist.ولكن في الحقيقة ان رؤيته للتاريخ تتفق تماما مع الشك حول المستقبل .

ان قوانين هيجل في التاريخ كنمو في الحرية كانت وصفا للماضي. هو لم يحاول التنبؤ بتطور المستقبل. لا شك ان احدا يستطيع القول ان المستقبل، مهما يكن، سيُحكم بروح العالم. ومن الصحيح ايضا ان المرحلة الاخيرة من الديالكتيك هي الفكرة المطلقة ذات الوعي الذاتي الكامل . لكن هذا لا يسمح بالطبع بالتنبؤ باتجاه او حدث معين.

التشابه هنا مع المدرسة التاريخية يبدو واضحا. سمبارت واخرون من اعضاء المدرسة التاريخية ايضا حاولوا توضيح مراحل التطور التاريخي.عملهم كان منسجما كثيرا مع رفض القوانين العالمية.

 

فرانز برينتانو Franz Brentano

وقفت المدرسة النمساوية موقفا معارضا تماما للمدرسة التاريخية الالمانية. بالنظر للاختلاف الواسع بين المدرستين في الاقتصاد، ربما يتوقع المرء اختلافات هامة في الخلفية الفلسفية. هذا في الحقيقة هو ما يمكن العثور عليه. الفيلسوف الرائد الذي اثر على كارل مينجر كان فرانز برينتانو. هو رفض بعزم راسخ فكرة العلاقات الداخلية الى جانب ما تبقى من نظام هيجل.

برينتانو الذي كان استاذا للفلسفة في جامعة فيينا خلال الشطر الاخير من القرن التاسع عشر، كان زميلا وصديقا لمينجر. برينتانو امضى حياة النضج كقس روماني كاثوليكي ولكن بعد نزاع ثيولوجي، تخلى عن الكنيسة واُجبر على الاستقالة.

ساهم تدريبه الاكاديمي في خلق اهتمام قوي لديه بارسطو.هو نظر بازدراء لكانط وهيجل معتبرا اياهما مفكرين رجعيين.المهم بالنسبة لنا هنا هو رفضه مفهوم العلاقات الداخلية.

هو لم يؤمن بان كل شيء مرتبط داخليا بكل الاشياء الاخرى وانه لا يمكن دراسة اي شيء بشكل منفصل.على عكس ذلك، هو يرى ان الذهن متميز بشكل حاد عن العالم الخارجي. ايضا، برينتانو وسع اتجاهه التحليلي التجزيئي الى الذهن نفسه. هو ميز فعل الوعي عن اشيائه.

دراسة برينتانو للذهن "السايكولوجي من وجهة نظر تجريبية"كانت من اشهر اعماله الفلسفية وشكلت مساهمة حيوية لفهم نظرية ارسطو في القيمة. برينتانو طبق في هذا العمل فكرته العامة عن الذهن على مفهوم القيمة. اتجاهه في الذهن اطاح بالفكرة السائدة عن المشترك الذهني لدى جميع الفلاسفة تقريبا منذ ديكارت. هو عارض بالذات خصائص التجريبيين البريطانيين.

فلاسفة مثل جون لوك وديفد هيوم كانوا تبسيطيين بالقول ان الافكار هي صور تتأكد في الذهن بواسطة اشياء خارجية. عند حصول الانطباعات، يوافق الذهن دون معارضة. التجريبيون اعترفوا بالقوى الفعالة للذهن بدرجة ما. ولكن لكي تعمل القوى الفعالة، كان يجب على الذهن اولا امتلاك افكار اثّرت فيه.اي، افكار فطرية.

ان عمل الذهن في التصورات، طبقا للوك وهيوم، كان اوتوماتيكيا من حيث الجوهر. اذا راى شخص شيئا معينا، فان فكرة ستدخل الى ذهنه. مختلف الافكار التي يراكمها الفرد هي مرتبطة بقوانين الارتباط. هناك مجال صغير للذهن ليعمل بطراز مستقل. في الحقيقة، هيوم انكر وجود فكرة منفصلة للذات:كل ما يمكن تحديده هو تيار من التصورات.

برينتانو رفض كليا الموقف اعلاه. "افكار" التجريبيين لا تشير في الحقيقة لفعاليات ذهنية: بل، الى المدى الذي توجد فيه، انها كانت اشياء لنشاط الذهن.على سبيل المثال، انا افكر بالكرسي، عملي الذهني هو ليس صورة للكرسي موجودة في ذهني. ما يقوم به ذهني هو التفكير بالشيء. التفكير هو فعل، "عمل" ذهني، كما كان دائما. عبّر برينتانو عن العمل الذهني بالقصدية intentionality: في شعاره الشهير القصدية هي "علامة العقل".

 

مينجر وبوم بارك Menger and Bohm-Bawerk

طبق مينجر مفهوم القصدية على القيمة الاقتصادية. هو لم يعتبر القيمة شعور بالمتعة او الألم ياتي لذهن المرء اوتوماتيكيا عند تصور الاشياء.على عكس ذلك تماما، التفضيل في نظام مينجر هو حكم:انا احب(س) (او اكره س). الحكم في الموضوع هو فعل التفضيل:مثلما قصدية الفكر تقبض على الشيء، كذلك حكم التفضيل "يتجه"نحو غاية. وبتعبير مختلف قليلا، لكي تفضل شيء ما هو ان تقيمه او تضعه في ميزان القيمة.

بالمقابل، وليم ستانلي جيفوس كانت لديه فكرة مختلفة كليا للقيمة. هو ساوى القيمة بالمنفعة او المتعة، مقاسة بالوحدات. هو اعتقد ان الشيء يخلق عدد معين من وحدات المتعة في ذهن الانسان حينما يحصل اتصال ملائم معه . شخص من هذا النوع لا يمارس اي نوع من التقييم.

لم يكن مينجر المفكر النمساوي الوحيد الذي تأثر بالفلسفة. المناصر له بوم بارك ايضا عرض افكارا فلسفية في اعماله.كما مينجر، هو رفض موقف المدرسة التاريخية القائل بعدم وجود قوانين اقتصادية صالحة عالميا. في مقال هام له بعنوان "السيطرة ام القوانين الاقتصادية"، انتقد الادّعاء بان الدولة لديها المقدرة على ضمان الازدهار الاقتصادي دون اعتبار للقوانين الاقتصادية.في موقفه هذا يكون رفض ضمنا القول بان جميع العلاقات داخلية. هذه الرؤية كما لاحظنا سلفا تحبط امكانية القوانين العلمية.

بوم بارك تاثر بفيلسوف القرون الوسطى وليم اوكام.السؤال هنا هو ان المفاهيم بحاجة لتعقّبها الى اصولها في التصور، او مصدرها النهائي. اذا كان هيجل، مثلا، يشير الى الروح المطلقة، فان المحلل وفق تقاليد بوم بارك سوف يسأل:من اين جاءت هذه الفكرة؟هل يمكن للمرء توضيح كيف وصلت من التجربة عبر التجريد؟اذا لم يستطع، فان المفهوم يجب ان يُرفض باعتباره لا معنى له.

بوم لا يؤمن بان كل مفهوم يجب ان يشير مباشرة لشيء ما متصور بالحواس.مصدره اوكام لم يقل بذلك ابدا، طالما ان الله غير متصور واوكام كان مسيحيا روحانيا.بل ان الموقف اكثر تحديدا.المفاهيم التي لا تشير لشيء ما متصور يجب اشتقاقها من مفاهيم لأشياء متصورة.

باستخدام هذه الطريقة من التحليل، يكون بوم بارك قد حطم جهود المدرسة التاريخية في وصف روح العصر وفي اقتراح "قوانين" خاصة بثقافات معينة. هدف بوم في التحليل كان عمليا. هو رغب بمعرفة اي استخدام علمي يمكن توظيفه للمفاهيم.بهذه الطريقة، مع انها ليست ضمن اطار فلسفي، تكون اجراءاته مشابهة للبحث في الفلسفة الحديثة للعلوم عن تعريفات عملية. بوم انتقد الاقتصاد الماركسي، هو اعتبر ماركس غير قادر على توضيح اسعار الانتاج عبر استعمال اسعار العمل. هو انتقد في الواقع كل جملة في اشتقاق ماركس لنظرية القيمة.

حتى الآن وصفنا الطريقة التي اثّرت بها الافكار الفلسفية على تعامل مينجر وبوم مع مختلف قضايا النظرية الاقتصادية. لكن الفلسفة اثّرت عليهما في قضايا واسعة ايضا. الرؤية النمساوية للطريقة في الاقتصاد تكشف عن معتقدات فلسفية متميزة.

كل من مينجر وبوم اكدا كثيرا على سلوك الفرد فقط، وهو الموقف الذي وضعهما مرة اخرى في تضاد مع المدرسة التاريخية واصولها الهيجلية.طبقا لمبدأ الفردية الميثدولوجية فان الدول والطبقات والوجودات الجمعية الاخرى يمكن اختزالها الى الافراد في علاقتهم مع بعضهم. اقوال مثل "فرنسا اعلنت الحرب على المانيا عام 1870 هي اختصار لأقوال حول افراد معينين.

مع ذلك، في اواخر القرن التاسع عشر لم تؤخذ هذه المسألة كمسلمة . المدرسة التاريخية رفضت الفردية الميثدولوجية والتحقت بمعارضتها هذه مع اشهر مؤرخ الماني في تلك الفترة وهو Otto von Gierke. وحتى في فترات لاحقة نجد الاقتصادي النمساوي Othmar Spann اعتنق رؤية كلية مشابهة.

سبان، اعتقد ان اعتبار الافراد كفاعلين منفصلين هو امر سخيف . الافراد يوجدون في علاقات تشكل شخصياتهم. يجب النظر الى هذه العلاقات ككل غير قابل لتحليل اخر. بعض الاقتصاديين اليوم يؤمنون بهذه الرؤية.

ماهي الجذور الفلسفية للفردية الميثدولوجية؟ هنا يجب العودة الى ارسطو في The Nicomachean Ethics حين أكّد على فعل الانسان الفردي.

 The philosophical origins of Austrian Economics, Mises Institute, 17.6.2006

 

حاتم حميد محسن

 

zouhair khouildi"إن عالمنا يضم الانسجام بطبيعة الحال إلا أنه يرتبط باللاانسجام، وهذا بالضبط هو ما قاله هراقليطس: يوجد الانسجام في اللاانسجام ويوجد اللاانسجام في الانسجام"1

يشهد الوضع البشري تأزما لافتا نتيجة الهشاشة الإنسانية على المستوى النفسي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي بعد تفشي التوتر بين الغرائز والمؤسسات واشتداد نزعات التدمير الذاتي والعنف والاضطهاد المسلطة على الغير وتزايد الآفات الاجتماعية مثل البطالة والانتحار والفقر والركود وسطوة الاستبداد والفساد وهو ما اقتضى استعجال التدبير والتوجه الفلسفي نحو معالجة دقيقة ومتأنية لهذه المشاكل قصد تأهيل شروط الوجود وتجويد فن الحياة. غير أن الإشكاليات التي تطرح يمكن أن تصاغ على النحو التالي:

بماذا يتصف الوضع البشري في اللحظة الراهنة؟ هل تبدو عليه علامات الفوضى أم ملامح النظام؟ وأيهما الأحسن بالنسبة إليه النظام الذي يتسبب في اندلاع الفوضى أم تفشي الفوضى التي تستوجب إعادة تركيز قواعد النظام؟ وكيف السبيل للإبقاء على الفوضى الخلاقة والنظام المرن؟ وبعبارة أخرى هل يراوح الوضع البشري مكانه بين النظام والفوضى أم من زاوية الفكر المركب يمكن تجديل العلاقة بينهما؟

على هذا الأساس يمكن معالجة المشكل الفلسفي الذي وقع اثارته حول شروط وجود الانسان بتحليل العناصر المقترحة التالية :

- تدهور الوضع البشري وانحداره من النظام والتمدن إلى الفوضى والهمجية

لقد ساهم تردي النظام وانغلاقه وشموليته الى تفجر بركان مدمر من الفوضى

- استعجال الخروج بالوضع البشري من الفوضى إلى النظام

يمكن للفوضى الخلاقة أن تمثل شرط إمكان التوق إلى النظام المعقول

- بناء علاقة جدلية بين الفوضى والنظام بالنسبة إلى كل وضع بشري تتكامل فيه الحاجة إلى الثورة والحرية والحق مع مطلب تشييد الدولة وبناء المؤسسات وتركيز المدنية والتحضر.

ربما جملة المهارات المطلوبة التي يستلزمها التفكير في سؤال الوضع البشري بين النظام والفوضى هي:

تحديد مفاهيم: الوضع البشري، النظام ordre، الفوضىdésordre، البين بين entre deux.

النظام قد يفيد العقلانية والتقنية والهوية والعولمة والكونية والترتيب ولكنه قد يشير إلى إرادة التحكم والاستبداد والهيمنة والآلة المنفلتة والوحش الكوني والسطوة التاريخية والتنظيم الحربي للمجتمع.

الفوضى قد تفيد اللاّنظام والكاووس والتشتت والانقسام والتفكيك والضعف والنواقص الكبرى والحرية المميتة وتحمل نتائج غير أكيدة وعواقب غير مرحب بها ولكنها قد تشير إلى لعبة الصيرورة وإرادة الانعتاق والرغبة في التحرر وتتحول إلى مبدأ كشفي وعامل خلاق وفرضية تقدم وأحد دروب الحياة.

يجدر بالفكر الفلسفي أن يجري تمييزا بين طبيعة بشرية Nature humaine تتصف بالوحدة والتجوهر والماهية ووضع بشريCondition humaine يتسم بالتعدد والتنوع والاختلاف والزمانية والتاريخية. ثم أن يشتغل على الحقل الدلالي للنظام وفق مفردات البنية والمنظومة والسلطة والجهاز والمؤسسة والعقلنة وينتبه إلى التداعيات الكارثية التي تنجز عن الفوضى في الأوضاع السيايسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية مثل النزعات التدميرية والعدوانية والعدمية والعنصرية وتفشي الجهل والأمية والتصحر والهدر.

يساعد التدبير الإيتيقي للأوضاع البينية على تغليب إرادة الحياة والنزعة البنائية والتسلح بالأمل والرغبة في الوجود الأشرف ويمكن من الانتصار على النزعات اللاانسانية ونحت رؤية منفتحة للعالم وربط هوية ومصير الكائن البشري بالمواقف الايجابية التي يتخذها في وجوده وتحميله مسؤولية السكن في الكوكب.

بناء على ذلك يوجد معنيان للفوضى: المدمرة والخلاقة، ويوجد معنيان للنظام: الشمولي والضروري.

فهل تستقيم الحياة البشرية في ظل فوضى بلا نظام ونظام بلا فوضى؟ ألا يجب تخطي المراوحة العقيمة بين نظام يمنع الفوضي وفوضي تسقط النظام؟ وكيف ينتج المرء الفوضى البناءة التي تحتج على شمولية النظام دون تدميره ويشيد النظام الضروري الذي يحد من الفوضى المدمرة دون القضاء عليها؟

المرجعيات التي يمكن استخدامها فهي علوم النقد والتحليل النفسي، علم الاجتماع، علم الاقتصاد السياسي، الأنثربولوجيا الثقافية، الفكر المركب، الإيتيقا، السياسة الحيوية، فلسفة الرجة والأنطولوجيا والايكولوجيا.

بقيت الرهانات المستهدفة من ممارسة التفكير الفلسفي في فوضى لا تخلو من نظام يحولها الى قوة ثورية وحركة ابداعية وفي نظام يحتاج الى فوضى تجدده وتبعثه من سباته الأنثربولوجي وتوقظه من غفوته.

يكمن مدار النظر في العالم المشترك الذي يجمع بين العالم الذاتي والعالم الموضوعي ويتعدل ميزان العمل ضمن الوجود البيني (البيذاتية، البيثقافية، البيشخصية، العتبة، اليكاد، النقد، التركيب، التأليف، التعقيد) في سبيل معالجة أزمات الوضع البشري وإدخال الفوضى إلى النظام من أجل تطويره تفاديا للشمولية والعودة إلى النظام من أجل عقلنة الفوضى تجنبا العنف والحرب وبروز النزاعات المدمرة والممارسات التمييزية.

" يفضي بنا الوعي بتعدد الأبعاد الى الفكرة التي مفادها أن كل رؤية أحادية البعد وكل رؤية متخصصة ومقطعة هي رؤية فقيرة. يجب وصل هذه الرؤية بالأبعاد الأخرى...والمطابقة بين التعقيد والاكتمال."2

هناك شيء آخر أكثر أهمية من التفرد والاختلاف ويتمثل في البحث عن الوضع الذي يكون فيه الأنا ذاتا وذلك بأن يكون تابعا ومستقلا في نفس الوقت ويكون كل شيء تقريبا بالنسبة إلى ذاته ولاشيء تقريبا بالنسبة للكون وبالتالي يدمج تمركز على ذاته ضمن تصور مركب للذات الكونية يجمع بين التنظيم الذاتي والفوضى الخلاقة وبين الاستقرار والاختلال وبين الانسجام واللاانسجام وبين الاستقلال والتبعية. فكيف يمكن البحث عن الاستقرار في الوضع البشري من خلال إعادة ترتيب موجات الاختلال التي تجتاحه؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.......................

 الهوامش والاحالات:

1- موران (أدغار)، الفكر والمستقبل، مدخل إلى الفكر المركب، ترجمة أحمد القصوار ومنير الحجوجي، دار توبقال، الدار البيضاء، المغرب، طبعة أولى، 2004.

2- موران (أدغار)، الفكر والمستقبل، مدخل إلى الفكر المركب، مرجع مذكور، ص70.

 

nabe  odaكلمة ابستمولوجيا- نظرية المعرفة (بالإنجليزية - Epistemology) تستعمل للدلالة على علم المعرفة. وهي مؤلفة من جمع كلمتين يونانيتين: logos بمعنى دراسة وepisteme بمعنى: معرفة. أما في العربية، فاختلف العلماء على استعمال كلمة علم كبديل عن المعرفة.

فلاسفة الغرب أطلقوا عليها تعريف اضافي بانها "دراسة نقدية للمعرفة". اما "علماء العرب" (معظمهم شيوخ دين يسمون ب "العلماء") فاختلفوا على استعمال كلمة علم كبديل عن المعرفة لأنهم "بانفتاحهم الهائل" يتقيدون بعلمين فقط: علم قديم هو علم الله، وعلم محدث وهو مكتسب عن طريق التعلم (اقرأ التلقين).. وكفي الله العرب وعلمائهم شر علم المعرفة لمليون سنة أخرىّ!!

هذا الموقف يطرح إشكالية العلاقة بين المنطق المعرفي والوحي كطريقة للمعرفة!!

نحن في هذه الحلقة أمام فرع فلسفي يتناول مضمون وحدود المعلومة، بإطار أسئلة مركزية:

 ما هي المعلومة؟

كيف تكتسب؟ 

 وما هي العلاقة بين الواقع والمعلومة؟

تاريخ الفلسفة مليء بمذاهب مختلفة ومتعددة ومتناقضة حول المعرفة، بدءا من الفلسفة الإغريقية وبأبرز فيلسوف سقراط الذي كان يعتقد بأن فطنة الكائن البشري إنما علَّتُها تلك الروح العاقلة القوَّامة على الجسد ويعتبر سقراط أول منظر للعقلانية ومؤسس علم الأخلاق.

 

فلسفة المعرفة عند الفارابي (870-950)

 لم يضع الفارابي نظرية خاصة ومستقلة في المعرفة الإنسانية، أفكاره في نظرية المعرفة جاءت منثورة التوزيع بين طيات مؤلفاته..

في كتابه "الجمع بين رأي الحكيمين" يكتب على إن المعرفة التي تحصل عليها النفس البشرية تكون عن طريق الحس. فالحواس هي إدراك الجزئيات، ومنها تحصل الكليات التي هي التجارب على الحقيقة. حتى العقل عند الفارابي ليس شيئاً غير التجارب  وكلما كانت هذه التجارب أكثر كانت النفس أتم عقلاً.

مثلا ديكارت الذي يعتبر أبو الفلسفة الحديثة شكك في المعرفة الحسية سواء منها الظاهرة أو الباطنة، وكذلك رفض المعرفة المتأتية من عالم اليقظة، وله قول يعبر عن فلسفته للمعرفة: "كلما شككت ازددت تفكيرا فازددت يقينا بوجودي".

الماركسية أحدثت قفزة في نظرية المعرفة ببداية طريقها، النهج كان التحرر من الوعي الإيديولوجي المقلوب. والطريق إلى ذلك هو قلب المقلوب وهذا بالضبط هو المقصود بعبارة ماركس الشهيرة: " ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم الاجتماعي، بل وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم".

بهذا القلب للعلاقات الواقعية المقلوبة، يكون ماركس قد أحدث ثورة هامة في نظرية المعرفة البشرية. عن طريق هذه الثورة المعرفية الجذرية، استطاع ماركس الانتقال من دائرة الايديولوجيا إلى دائرة علم التاريخ... لكن علم التاريخ الماركسي المشهور أكثر بصيغة "المادية التاريخية" خلفته التطورات التاريخية وراءها. وهو موضوع يحتاج إلى تضافر جهود واسع لفهم إشكالية نظرية التاريخ عند ماركس.

النقاط الأساسية التي تعالجها نظرية المعرفة هي العلاقة بين طبيعة المعلومة وبين الانجازات الحقيقية ، الصادقة والمبررة. موضوع آخر هو هل يمكن بشكل عام ان نعرف شيئا، أي هل الشك هو صحيح والى أي مدى؟

إليكم قصة حاولت فيها ان انهج على أساس نظرية المعرفة الديكارتية والتي تتطلب الحصول على مثبت يقيني حول الجريمة التي يحاكم على أساسها المتهم، بامتحان صعب عن طريق التفكير الديكارتي الذي يقتضي ان يكشف إذا كان يوجد شيء ما يمكن ان يكون واثقا منه، من هنا فضل ديكارت العقل المستقيم عن العقل الإلهي كمصدر للمعرفة.. السؤال القضائي هنا ليس كون المتهم الذي يحاكم هناك شك ما بتهمته، إنما هل يوجد إثبات مرجح انه ارتكب الجنحة؟

 

نجح الدفاع.. وفشل المتّهم !!

وجهت لصالح تهمة قتل مراد عمداً. كانت التهمة واضحة ومثبتة بالتأكيد في الكثير من تفاصيلها. هناك شهود ادعاء سمعوا التهديد وشاهدوا الضحية برفقة المتهم في ليلته الأخيرة.. بعدها لم يعد مراد إلى البيت واختفت آثاره.

المشكلة التي واجهت المحكمة ان جثة مراد، الذي من المفترض انه قتل حسب الإدعاء.. لم يعثر عليها. مراد اختفى والجثة غير موجودة. ليس من عادة مراد ان يتأخر عن البيت بدون اتصال للتبليغ عن سبب تأخره، كما يقول أبناء عائلته.

إذا وقعت جريمة قتل فأين الجثة؟

أين أداة القتل؟

كل المعلومات والشهادات المجموعة تشير إلى ارتكاب جريمة قتل.. ولكن لا أثر لارتكاب جريمة، لا الأداة ولا الجثة... ولا اعتراف من المتهم!!

صالح قال انه سيخفي مراد عن الوجود.  هذه الأقوال مؤكدة من عدد من شهود الادعاء.. وكانت محاولة من صالح لقتل مراد في السابق.. عوقب عليها صالح بالسجن لمدة سنة ونصف السنة.. تحت بند الاعتداء العنيف ولكن رغبة صالح بإخفاء مراد من الوجود لا تعني تلقائياً انه قتله.

أين اختفى مراد إذا كان حياً؟

كل الإعلانات في الصحف والبحث عنه في الأماكن التي اعتاد على ريادتها لم تسفر عن شيء.

وجد مع صالح مسدس، تبين انه مرخص، أثبت الكشف ألمخبري انه استعمل قبل فترة تقع ضمن الفترة التي اختفى فيها مراد. بل ووجدوا بقعة دم صغيرة جداً على ملابس صالح، بيّن فحص الحمض النووي انها من دم مراد.

إذن شبهة ارتكاب جريمة قتل مسألة واردة.

هل تكفي الأدلة التي بيد الشرطة؟

الشرطة تدعي انها إثباتات كافية لارتكاب جريمة، خاصة وان المتهم صالح، حسب كل الأدلة، هو آخر من كان برفقة مراد.

صالح يصرّ انه أطلق رصاصتين أثناء الصيد عندما هاجمه خنزير برِّي وشهد على صحة أقواله صيادان كانا برفقته.

هل يمكن محاكمة قاتل بلا جثة بالاعتماد على دليل لم تثبت جهة استعماله في جريمة ما؟

لست رجل قانون لأجيب على هذه الأسئلة، إنما يهمني ما حدث فعلا في سير المحاكمة.

صالح حافظ على صمته وموقفه انه لا يعرف شيئاً عن مصير مراد بعد ان تركه في تلك الليلة، حيث التقيا وتصافيا عن خلافات الماضي، وقد شاهدهما الكثيرون سويةً يتضاحكان، كما أفاد صالح في أقواله وأكد ذلك شاهدان أيضا...

أوكل الدفاع عن صالح لأحد أفضل محامي الجنايات.

النيابة العامة كانت واثقة انها عبر الدلائل التي تملكها، وعبر الشهود، بأن المحكمة ستدين صالح بالقتل عمداً.. حتى بدون وجود الجثة، اعتماداً على وجود بقعة الدم على ملابس صالح... التي ادعى صالح انه لا يعرف كيف وصلت قميصه، لأن مراد كان معصوب الأصبع مسبقاً من جرح، وان وجودهما معا في تلك الليلة، التي شوهدا فيها سوية يتضاحكان، كانت إشارة واضحة إلى انتهاء الخلاف بينهما.

محامي الدفاع أصرّ انه بدون جثة كل الدلائل بلا قيمة.. وتعتمد على تأويلات وليس على حقائق مثبتة.

في جلسة التلخيص لجأ محامي الدفاع إلى مقلب معين ليثبت براءة موكله صالح. قال في مرافعة دفاعه:

- المحكمة الموقرة.. اليوم سأفاجئكم.. خلال دقائق سيدخل قاعة المحكمة من بابها السيد مراد الذي يُتهم موكلي بقتله.. رجاء انظروا إلى مدخل القاعة.. ها هو مراد يدخل...

نظر المحامي إلى مدخل القاعة، كذلك نظر القاضي..ووقف ممثل النيابة ونظر نحو المدخل.. ونظر الحضور في المحكمة نحو المدخل..

وبعد نصف دقيقة من الانتظار دون ان يظهر مراد، تابع محامي الدفاع:

- بالطبع لم يدخل أحد.. أوهمتُكم بأن مراد سيدخل إلى القاعة، لأنكم غير واثقين من مقتله.. كلكم نظرتم نحو باب المدخل.. كلكم توقعتم ان يدخل مراد.. لذا أدعي أمامكم، انه في هذه المحكمة، يوجد شك معقول بأن أحدا ما قُتل. وانأ أصر ان تصدر المحكمة قراراً ببراءة موكلي.

 جاء يوم إصدار قرار الحكم. دخل القاضي، جلس مكانه، قرأ تفاصيل الملف ورقمه، ثم قال انه قرر إدانة المتهم صالح بقتل مراد عمداً...

لم يستطع محامي الدفاع الصبر:

- كيف يجوز يا سعادة القاضي ذلك، ألم تنظروا جميعكم إلى باب المحكمة توقعاً بدخول مراد؟

رد القاضي:

- حقا.. هذا صحيح. كان لدينا شك في القتل، نظرنا كلنا نحو باب قاعة المحكمة. لكن المتهم صالح هو الوحيد الذي لم ينظر نحو الباب!!

 

raheem alsaidiتحدثت في مقال سابق عن تشابه واختلاف بين منطق أرسطو ومنطق العالم الآخر مستندا الى نصوص أرسطو التي وردت إلينا والى نصوص القران الكريم التي تزخر بجانبها الميتافيزيقي الأخروي، وهي محاولة يمكن تنميتها لتشبه ما قام به الغزالي باستنباط أشكال القياس وصوره من القرآن الكريم، وتبين ان بعض المقولات أو الأسس المنطقية بين الجانبين تختلف ويتشابه بعضها الآخر .

ان الحديث عن العالم الآخر هو أكثر الأشياء واقعية ولا ينتمي الى جانب الطوباويات، وحتى مع تجنب احد أهم الشذرات العرفانية التي تقرر ان الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، فان الواقعية التي يسحبها العالم الآخر من لحظتنا الراهنة، تتمثل بوصفها واقعية بعيدة المدى أو واقعية الغاية أو واقعية الحتمية أو الهدف أو النتيجة أو فهم التجربة التاريخية وكلنا ننتظر العبور الى تلك الواقعية، فان طلقناها أو سخرنا من حتميتها فذلك يعني لا واقعية التعامل مع المصير الذي جربه غيرنا منذ آلاف السنوات واستعد بعضهم له بغض النظر عن نوعية الاستعداد من بناء قبور الأهرام أو التعبد الحقيقي أو الزائف .

أظن بان الاعتراض الذي قد يساق في هذا المجال والذي يُتَصَوَر منه أن لا جدوى من مقارنة بين المنطق الواقعي والمنطق المفترض (عالم الآخرة الخلاب) أو الذي يشار إليه بالنص والتغير والاختلاف ونحن لم نجربه بعد، ويحطم قوة هذا الاعتراض هو العالم الواقعي الآخر والشبيه بالعالم الأخروي والمتعلق بالفضاء الخارجي الذي تختلف بعض مقولاته ومنطقه أيضا لخروجه عن أسس الطبيعة التي نعرفها بعالمنا الأرضي، والذي أصبح أمرا ملحا بعد محاولات غزو الفضاء ولهذا فان منطق أرسطو ببعض الأجزاء يعجز عن التعامل مع ذلك العالم، هذا بالإضافة الى العالم المنطقي الالكتروني، الذي لم يتحقق بعد والمتمثل بالتطور العلمي المدهش والذي يحول الاستحالات الى حقيقة مدهشة والى تكثيف الزمن وتداخل الأمكنة وتبدل منظومة الإضافة والملك وسواها من المقولات المنطقية باعتماده على آلية الأخلاق التطبيقية التي بدأت بالنظر الى تبني الآلة للإنجاب أو الى إيجار الأرحام بالإضافة الى التغيرات الأخرى بسبب العلم . وما يهمني هنا هو إكمال اختلاف المقولات بين منطقي أرسطو ومنطق العالم الآخر، ويمكن القول :

إن مقولة الاين الأخروية هي غير محدودة، وتبدو في منطق أرسطو بشكلها الجزئي محدود اما في المنطق الآخر فهي شاملة، والاين هو هيئة تعرض الجسم بسبب نسبته الى المكان وكونه فيه، وهو سؤال عن مكان ويسمى أينا مثلما يكتب أصحاب المنطق لوقوعه جواب الاين، وفي المنطق الأخروي سوف تختلف النقلة بشكل عام لذا سيختلف الاين بشكل جذري فالنقلة هناك بشكلها الأولى تعد مقيدة ومسيرة ثم لا تلبث ان تصبح فيما بعد مفتوحة وسوف تختلف عن آلية أين المنطق الأرضي لخضوعها لامتيازات العالم الإلهي الخالد . والاين الأرسطي إذا كان بنوعيه الأول مثل وجود الماء في البحر والثاني غير الحقيقي مثل وجود سالم في البيت فانه سيختلف عن (أين) يمثل وجود اللبن في الأنهار والأشجار وسط كثبان المسك أو طيران الإنسان في عالم الجنة أو نقلته المهولة بشكل سريع، أو تداخل الأزمنة والأمكنة أو (أين العقوبة) المتمثل بالنار و(أين الجائزة) المتمثل بالجنة، ويبدو ان للأمكنة في العالم الآخر نفس الملامح التي نراها في ديكور المنطق الأرضي فهي تجسيدات يمثل اغلبها الطبيعة ولكن بلمسات تركيبية اعجازية أو غير مألوفة .

ويمكننا فهم بقية المقولات على هذا النحو كما في مقولة المتى، الوضع، الملك، الفعل، الانفعال والتي يمكن مقارنة تشكيلها بتشكيلات الآخرة المختلفة .

وبشكل مختصر وعجول يمكن الإشارة الى بعض الاختلافات بين منطقي أرسطو ومنطق العالم الآخر أو توافقهما .

1. إن أحداث (تجميع ذرات الأجساد وإحياء العظام وهي رميم التي تنتمي الى العالم الآخر، ويوم تبدل الأرض غير الأرض التي بينها القران و تجمع الأرواح في أماكن معينة وبعث من في القبور)، لا تنتمي الى منطق العالم الأرضي الأرسطي . خذ مثلا قوله سبحانه (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ. وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ . وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ . وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ . وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (التكوير – 29) هل يمكن لمنطق أرسطو التعامل مع هذه الصور المتعلقة بمنطق العالم الآخر أو ما تعلق به .

2. العلل الأربع الأرسطية المادية و الصورية و الغائية و الفاعلة لها وجودها في منطق العالم الآخر.

3. كل شيء محدد وجاد واستقرائي في منطق العالم الآخر، وقواعد البيانات لا تترك شيئا، وتستند على المعطيات المنطقية الأرضية من قدرات الإنسان المتفق عليها وحرية إرادته واختياره ونوعية الفعل والسلوك الذي أنتجه والذي يخضع لقواعد السلوك التي اتفق عليها بوساطة قواعد المنظومة الدينية الصحيحة أو القواعد العقلية التي يتعارف عليها العقلاء .

4. على هذا فمجالات الحرية معدومة تقريبا في بداية الأمر، والفرد بانتظار فرز حصيلة أفعاله السابقة، لان لا فعل جديد له، اللهم إلا ذلك الذي يتصل بمساحة رحمة وهبها الله له وهي تخص الولد الذي يدعو أو العمل الصالح أو الصدقة الجارية، كما يرد في النص الديني .

5. سيكون الجزء المهم في تعريف الأشياء في العالم الآخر هو وجود هوية وماهية وملامح ثابتة للأفراد لهذا فان الصورة ستكون ملازمة للمادة في العالم الآخر .

6. إن مفهوم (لهم فيها ما يشتهون)الأخروي الذي أشار له القران يمثل أساسا مختلفا لأسس المنطق الأرضي، بل يمثل الثيمة الملازمة لبيئة ومنطق العالم الآخر، مما يعني الدخول الى مساحة ومنطقة الإعجاز وتبديل الكثير من القوانين التي تعارف عليها البشر في عالمهم الأرضي .

7. إذا كان منطق أرسطو يتعامل مع القضية وفق كونها صادقة أو كاذبة فان المنطق الأخروي يتعامل على هذا النحو،  في العالم الآخر سيصبح وجود الإنسان هناك بمثابة نوع من التصديق اما مرحلة معيشته بالعالم الأرضي إنما هو نوع من التصور

8. بعض قضايا القران في الدنيا أو الآخرة، تختلف عن منطق أرسطو على وفق الإعجاز، وهنا نحن نتعامل مع قضايا بشكل حدث او زمن او فعل، فقضية أماتهم ثم أحياهم أو صورة إبدال الجلود أو إحضار الأنفس أو أن تكلمهم أيديهم لا يمكن إدراجها بمنطق أرسطو إلا وفق كونها قضايا تختلف تماما عن منطق الأرض . ومع ان التناقض هو اختلاف القضيتين فان في الآخرة يرد انه(لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا) سورة الأعلى/13 .

9. التناقض، اختلاف القضيتين.. بحيث يلزم من صدق کل منهما کذب الأخرى.. و بالعکس. وفي العالم الآخر وحتى عالمنا يعطينا القران نماذج عديدة لنقض هذا الجانب كما في برودة نار إبراهيم، كلام الموتى، إحياء الميت ...الخ. كما ان القضية موجبة کلية (کل ميت.. لا تعود إليه الحياة) و(کل نار محرقة)!!. لکن القرآن الكريم يقول: (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ).- سورة البقرة-259.

هذه بعجالة بعض الأفكار التي تتعلق بهذا الموضوع الحيوي والذي يصلح بمثابة عنوان لطلبة الدراسات العليا لغرض التوسع بالأفكار واقتحام تفاصيل العالم الآخر، وما زالت هناك مقارنات بين منطق أرسطو ومنطق العالم الآخر إلي نستند بتصوره على القران الكريم، كما في التصور والتصديق والمعرفة والقياس والاستدلال والقياس والبرهان، وكل ذلك وفق تغيرات بيئية او وجودية جوهرية يتداخل معها القدرة والإعجاز والآلية الدائمية الجديدة (الآخرة) لا العالم الوقتي المحدود، القلق، الذي لا يمكن لأحد الراحة فيه من دون شعور بفقدان الأمن الوجودي والنفسي والمستقبلي .

 

الدكتور رحيم الساعدي

 

zouhair khouildiقبل أن يبذل الإنسان مجهودا فلسفيا أو علميا لمعرفة العالم المحيط به، والذي يشكل أحد عناصره، انتابته مشاعر التعجب والذهول والاندهاش من النظام الذي تبدو عليه الطبيعة وتسير وفقه الكائنات والأشياء وخاصة الحركة المنتظمة للأجرام والكواكب والترتيب الذي توجد عليه الظواهر الحية.

لقد قاد التفكير في نظام الكون الفلاسفة إلى اعتبار الكائن الحي خاضع إلى قانون معين يتحكم في تطوره الداخلي والانتباه إلى قدرة الحياة على مقاومة كل الاعتداءات المتأتية من الوسط والى التعامل مع الطبيعة بوصفها كوسموس.

ماهي العلاقة بين اللوغوس وفكرة الطبيعة؟ وكيف تصورت الفلسفة الإغريقية العالم؟ وماذا كان يقصد الإغريق فلسفيا بكلمة كوسموسِCosmos ؟ وهل كان مفهوم الطبيعة غائبا بشكل تام في المحاورات الأفلاطونية أم أنه سجل حضوره في جميع المحاورات بصورة لافتة ؟ كيف يمكن الانتقال من مستوى المعنى المتداول إلى مستوى المعنى الفلسفي والعلمي؟ وماهو هذا النظام القائم الذي يسمح بالتأليف بين الطبيعة بوصفها مجموع الكائنات والطبيعة بوصفها ماهية الشيء؟ أي النظام الداخلي يجعل ذلك الشيء على ماهي عليه؟ هل الطبيعة هي النظام العقلي أم الترتيب الكوني؟ من أين جاءت فكرة ماوراء الطبيعة عند أفلاطون؟ هل يوجد فعلا؟ أين يوجد؟ وماهي خصائصه؟ أليست الطبيعة هي الخارجية المحضة؟ ماهي الحركة الطبيعية عند أرسطو؟ ألا توجد حركة ضد الطبيعة؟ كيف أكمل حاول كل من ديمقريطس وأبيقور ولوكراس تأسيس التصور الوضعي للطبيعة؟

لقد عُرف على الحكماء السبع اهتماما لافتا بالطبيعة من جهة أصلها وعناصرها وتحولاتها وبالخصوص طاليس وديموقريطس وأمبيذوكلس وهرقليطس وبارمنيدس وعُرف أيضا على سقراط وأفلاطون تخليهم عن دراسة الطبيعة وتركيز الاهتمام على المفاهيم والمعاني ودراسة الإنسان.

في البداية امتلك لفظ كوسوموس عند ما قبل السقراطيين دلالة جمالية وارتبط بالمظهر الأنيق للإنسان ولكن تغيرت دلالته مع أفلاطون وأرسطو والأبيقوريين والرواقيين وأفلوطين وصار يفيد النظام الجميل والتناغم الحسن والتدبير الجيد للأشياء والتنضيد المنسق للكائنات، ولقد عبر ألكسندر كوريه عن ذلك بالصياغة التالية: في الكوسموس " يوجد مكان لكل شيء وكل شيء يحوز على مكان"1.

لقد كان التساؤل حول الطبيعة حاضرا بقوة عند أفلاطون وقد تسجد ذلك في بحثه عن مسائل الولادة والتشكل والنمو بالنسبة للكائنات في الكوسموس وربطه مفهوم الفيزيس بالأصل والمسار والنتيجة، وأعطى أهمية ثابتة للمسائل الفيزيائية ودرس بعناية جملة الأسئلة المعرفية التي لها علاقة مع الطبيعة.

في نفس الاتجاه شكل الصانع demiurge ، في محاورة الطيماوسTimée ، الطبيعة حسب المنظور الغائي وتماشيا مع بعض الاعتبارات الكونية التيولوجية وبالاعتماد على مادة غير محددة واتجهت الأنظار نحو سماء الأفكار ومكان المثل وتشكل العالم المعقول من مثل ثابتة ومطابقة لذاتها بشكل مستمر وبالتالي تسموا عن كل تغيرات الصيرورة وتكتفي الأشياء المحسوسة بمشاركتها.

لقد أضاف أفلاطون إلى النظام الجمالي للكوسموس فكرة جديدة هي النظام الرياضي حيث تم تصور مثل الكائنات في صورة أعداد وأشكال هندسية وتم التعامل مع الوحدة والكثرة والمحدود واللاّمحدود. وبالتالي لا يمثل الكوسموس الإطار الجميل للحياة فقط وإنما مجال العدالة أيضا والتناسب الرياضي بين الكائنات والمكان الذي يتضمن نسبيا كل القيم (الحقيقة معرفيا والخير أخلاقيا والجمال فنيا).

لا شيء يعلو على الكوسموس بالنظر إلى كونه ممتلئ ومغلق ويتمتع بالمرتبة الأنطولوجية الأولى ويمثل النقطة المرجعية لكل الأشياء ولكل الأفعال البشرية وبالقياس إلى أن الإنسان يمثل جزء من الكون وكائن طبيعي مثل بقية الكائنات ويعكس طبيعيا التناسب القائم بين العالم الصغير والعالم الكبير.

لقد بحث أفلاطون عن إمكانية خطاب حول العالم الفيزيائي المتميز بالحركة والتغير ويكون متعال عن الدوكسا وثابتا ومنسجما ويجب أن تمنح الطبيعة هذا الثبات في الخطاب ولقد وجد في الصورة منبع المعقولية التي تمثل الأساس الأنطولوجي للعالم المحسوس ومصدر مشروعية النظام القائم في الكون.

لقد استبدل أفلاطون نظرية المثل بنظرية الصور من أجل ضمان معقولية العالم المحسوس وإعادة النظام الى الكون والانتهاء بطبيعة الإنسان وكان ذلك في محاور الطيماوس والقوانين والكريتياس.

لقد برزت القاعدة الايكولوجية الأولى منذ الإغريق حينما تمت الدعوة إلى المحافظة على نظام الطبيعة وتناسقها والعيش في تناغم مع هذا النظام وفي وئام مع النفس لكي يجد الإنسان سبيل السعادة، أضف إلى ذلك يجب أن تكس القوانين المنظمة للمدينة والعلاقات البشرية نظام الكوسمومس وترتيبه.

لقد أكد لنا أفلاطون في الجمهورية بأن المدينة تكون عادلة إذا ما أعيد تأسيسها على نظام الطبيعة التفاضلي وبما أن العالم السفلي يتبع للعالم العلوي فإن المجتمع ينقسم إلى طبقات ويجب أن تتبع السفلى منها العليا وأن يكون الحكماء مقتدرين على معرفة نظام الكوسموس وترتيب الطبيعة.

علاوة على ذلك ذكر أفلاطون في محاورة الفيدون الاستعداد الخارق للعادة لهذا الشكل من المعرفة الذي يسمى بحث في الطبيعة وهذا العلم القادر على معرفة علل كل واقعة، والمعرفة عند كل واحد بلماذية التغير والاختفاء وبوجودها".a96. كما ميز أفلاطون بين علل حقيقية وشروط ضرورية.

اللافت للنظر حسب أفلاطون أن الفوضى أو اللاّنظام الذي يمكن مشاهدته في الحياة لا يرجع إلى الطبيعة ولا يدوم فيها وإنما يعود إلى تدخل الإنسان فيها وسوء تدبيره وجهله بنظام الكوسموس.

إذا كان العالم المنظور في محاورة الفيدون متناقضا مع مملكة المثل وسبب وقوع الشرور بالنسبة للإنسان فإنه في محاورة الجمهورية لم يعد في تناقض مع العالم المعقول ويشكل علاقة ندية معه. أما في محاورة الطيماوس فإن خلق الكائنات الفيزيائية يصبح مرتبط أساسا بنظرية المثل والماهيات2، وينتج عن ذلك تشكل عالم حسي ومرئي بمواصفات جسم حي يمثل صورة محسوسة لإله معقول3.

في الحقيقة لقد ساعدت المعجزة الإغريقية على التخلص بشكل نسبي من الطبيعة السحرية وبناء نظرة علمية تقوم على فكرة الفيزيس من حيث خضوع جميع الأشياء إلى القانون ومفهوم الكوسموس باعتباره النظام القائم للكون و" لقد قبل أفلاطون عندئذ القوة المهيمنة للطبيعة من أجل تحويلها إلى تصور عقلي والإحساس بسعادة الحياة في هذا الكون الجميل جدا والمحاط بالتناغم والروح الإلهية"4

اللافت للنظر أن النقد الفلسفي من قبل أفلاطون للمحاكاة السفسطائية كانت نتيجة التخوف من فقدان الطبيعي من الأشياء والحرص على تعميق التفكير الفلسفي في دلالة الفيزيس بوصفه ماهية الكائنات.

لكن إذا كان أفلاطون ركز فلسفته على النظر إلى الطبيعة بوصفها نظام الكون وأدرج طبيعة الأشياء ضمن عالم المثل ودعا إلى تأسيس المدينة على الحق الطبيعي فإن أرسطو بحث في الطبيعة من جهة كونها ماهية الشيء، وفي الظاهر يبدو وكأن أرسطو قد انطلق من نظرة بيولوجية للكون حينما اعتبر الكوسموس نظام الطبيعة التام والمكتمل ولما تساءل عن تشكل بعض المسوخ monstruosités والبشاعة في الطبيعة وفسر حدوث ذلك بتدخل الصدفة التي تتحكم في العالم السفلي في حين أن العالم العلوي تحكمه قوانين كلية ومبادئ ثابتة وتتحرك عناصره حركة دائرية مطلقة لا بداية لها ولا نهاية.

لقد أعاد أرسطو مرات كثيرة عبارات: الطبيعة لا تفعل شيئا عبثا والطبيعة تشكل ماهو أفضل دائما وذلك لأن كل شيء يخضع لقانون تطوره الداخلي الذي يسميه الفيزيس ويرى أن كل شيء يمتلك فضيلة خاصة به وأوجدته الطبيعة من أجل والآية على ذلك أن فضيلة النار هي الإحراق ما يلقى فيها.

" تقال الطبيعة في معنى أول على كون ما ينمو ...وبمعنى آخر فهي العنصر الأول والمحايث الذي ينبع منه ما ينمو. وهي مبدأ الحركة الأولى لكل كائن طبيعي، فهو قائم فيه بالذات...وتقال الطبيعة أيضا على المعدن الأول الذي يتكون أو يصدر منه شيء مصنوع، والذي هو عديم الصورة والقدرة على أن يتقبل من التغير ما يخرجه من عين قوته. فمثلا البرنز هو طبيعة التمثال والأشياء البرنزية، والخشب طبيعة الأشياء الخشبية. وهكذا دوليك. ففي كل واحد من هذه الأشياء تبقى المادة الخام هي هي. وفي هذا المعنى تطلق كلمة الطبيعة أيضا على عناصر الأشياء الطبيعية، سواء جعلنا هذه العناصر هي النار أو التراب أو الهواء أو الماء أو مبدأ آخر، أو بعض هذه العناصر أو كلها مجتمعة... وفي معنى آخر تطلق كلمة الطبيعة على جوهر الأشياء الطبيعية..."5.

 كما توجد عند أرسطو غائية طبيعية وتحكم علل أربعة مادية وصورية وفاعلة وغائية الطبيعة ولذلك اتفق الإغريق على تماهي الطبيعة والعقل وبين الطبيعة والكل وأسند إلى الحكيم مهمة الكشف عن القوانين العقلية.

لكن التصور الإغريقي للطبيعة قد وقع في تناقض حاد، فهو من جهة يرفض وجود أي شيء خارج الكوسموس ومن جهة ثانية يقول بوجود العالم العلوي وتكونه من مادة أثيرية ووجود الماوراء؟ متى تكتسب الطبيعة قيمتها الحقيقية؟ هل عندما تكون أزلية وقديمة أم لما تكون مخلوقة من طرف الله؟

لقد أدى التفكير في الطبيعة بوصفها كوسموس إلى تأليهها والتعامل معها على أساس امتلاكها لماهية إلهية وبهذا المعنى نظر أفلاطون إلى العالم من حيث هو كائن حي كبير، بينما أقر أرسطو بفكرة التراتبية الطبيعية ورفض القول بوجود الماوراء وفكرة الخلق من عدم وكذلك النقص في الطبيعة.

لقد كشف أرسطو في كتاب الميتافيزيقا عن أربع معان للطبيعة وهي كالآتي: القوة والأصل والمبدأ والماهية ومن المعلوم أن هذه الركائز والدعائم هي التي يتصف بها الفيزيس وبالتالي تعني الطبيعة الوحدة بين المادة والصورة ويمكن أن تطلق أيضا على المادة بمفردها وعلى الصورة لوحدها.بشكل تأليفي إن " الطبيعة هي جوهر الكائنات التي تمتلك في ذاتها ومن حيث هي كائنات مبدأ حركتها"6.

بعد ذلك يدعم هذا التصور الاجتماعي الإحيائي7 في الكتاب الثاني من الفيزياء حينما يصرخ بأن " الطبيعة هي مبدأ وعلة حركة وسكون الشيء، الذي تمكث فيه مباشرة، بالماهية وليس بالعرض"8.

لقد بدأ كل شيء مع أرسطو وليس مع أفلاطون وبالخصوص الحديث عن ماهية الطبيعة بوصفها كليةtotalité وتوالدgénération ونظامOrdre بل إن الفيزيس phusis ليس شيئا ولا مجموعة من الأشياء وإنما مبدأ أو علة يسمح بتفسير الطريقة التي تأتي بها الأشياء إلى الوجود وتظل كماهي عليه.

عندما عرف أرسطو الطبيعة باعتبارها مبدأ الحركة الأولى بالنسبة إلى كل كائن طبيعي فإنه كان يقصد النموcroissance ويكون التوالد أيضا حركة وبالتالي يضيف الحركة الباطنية لشيء معين إلى حركة مجموعة من الأشياء وفق نظام معطى بشكل مسبق يشكل ترتيب الكوسموس. هكذا تمتلك الطبيعة معنى حينما تذهب من الطابع Naturé إلى المطبوع9Naturant وليس العكس. وبهذا المعنى نقول طبيعة عن التوالد لكل ما هو بصدد النمو10.

 تبعا لذلك تقدم الميتافيزيقا والفيزياء تفسيرا ديناميكيا للطبيعة بوصفها مبدأ من الناحية الميتافيزيقية وباعتبارها علة من الناحية الفيزيائية، ولذلك تحصل الكائنات والأشياء الطبيعية على مبدأ وجودها من ذاتها على خلاف الإنتاجات الفنية التي تحصل على مبدأ وجودها من الخارج. وفي نفس الاتجاه تتعارض الطبيعة مع التقنية .

 من المعلوم أن دراسة الطبيعة من قبل أرسطو قد تم التركيز فيها على النفس وذلك لأن المادة لوحدها لا تنتج شيئا بل يجب إخراجها من حالة اللاّشكل والهيولى ومنحها صورة وصبها في شكل لتتخذ هيئة، في حين أن النفس أهم من المادة بل انه بالاعتماد على النفس تكون المادة طبيعة وليس العكس.

لقد "تصور أرسطو الطبيعة من حيث هي فكر فنان على درب الاكتمال"11. على خلاف ذلك ذهبت الميتافيزيقا الدينية إلى تغيير معطيات المشكل وجعل الطبيعة من خلق الله وبالانطلاق من لاشيء. وبالتالي لا يمثل الاستعمال الدارج للطبيعة في شيء السياق البيولوجي وكذلك المجال الفيزيائي.

- توجد رابطة عميقة بين الفكرة الأولية لللّوغوس أو بين العقل وفكرة الطبيعة ترتب عنها قيام تصور كوني للطبيعة محمل بمعان ثقيلة ومنجم من أفكار.

- يوجد تعارض بين الطبيعة والتقنية وبين الطبيعة والقوانين كشف عنه السوفسطائيون في حين أن الفلسفة قربت كثيرا بين الطبيعة والقانون Nomos.

- كلمة فيزيس phusis الإغريقية وكلمة natura اللاّتينية تدلان على القدرة على النمو الكامنة في كل الأشياء أي القوة الحاضرة بصورة كلية في الكائنات وتسيطر على الإنسان نفسه بوصفه جزء من الطبيعة.

- لقد أسس التصور الأفلاطوني المعنى الأول للطبيعة الواحدة أو فكرة الطبيعة أما التصور الأرسطي فقد ربط الطبيعة بالحركة وحلت القوة الكونية والدينامية مكان النظام القائم الأفلاطوني والثبوتية وترتب عنه وجود عدة طبيعيات متصورة كماهيات بما أن كل ماهية يقال عنها طبيعة والطبيعة الأولى هي الماهية.

- الطبيعة إلهية بذاتها أو تطفح بالآلهة بمعنى أنها تشارك في العنصر الإلهي الموجود فوقها.

- ظل الصراع بين الطبيعة كشيء مقدس والطبيعة كمبدأ للقوة والنمو.

بهذا المعنى" يقع تنظيم تعدد الأشياء في مجموع، الكوسموس، ويخضع هذا المجموع إلى قوانين وبهذا المعنى أقام أرسطو تعارضا بين الطبيعة والصدفة"12.

 

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

.................

الإحالات والهوامش:

[1] Koyré )Alexandre( , études newtoniennes, éditions Gallimard, Paris, 1968.

[2] Platon, Timée, 27ds.

[3] Platon, Timée, 92c.

[4] Evangélie Maraguianou, la nature chez Platon, in Cahiers de la revue de théologie et de la philosophie, n°18, Lausanne (Suisse), 1996 .p405.

[5] Aristote, physique,

[6] Aristote, Métaphysique, Delta, 4, 1015a 14-15, traduit par J. Tricot, édition Vrin, 1981, p.257.

[7] Conception sociomorphique

[8] Aristote, physique, tome1, livre II , 192b, traduit par H. Carteron, les belles lettres, 1966, p59.

[9] Aristote, physique, livre II , op.cit, 193b,

[10] Aristote, Métaphysique,I, op.cit,p258.

[11] Godin (Christian), le cours de philosophie, éditions du Temps, Paris, 1998.p273.

[12] Lenoble (Robert), histoire de l’idée de nature, éditions Albin Michel, 1969.p217.

 

المراجع والمصادر

Godin (Christian), le cours de philosophie, éditions du Temps, Paris, 1998.

Lenoble (Robert), histoire de l’idée de nature, éditions Albin Michel, 1969.

Koyré )Alexandre( , études newtoniennes, éditions Gallimard, Paris, 1968.

Cahiers de la revue de théologie et de la philosophie, n°18, Lausanne (Suisse), 1996.

 

raheem alsaidiبين منطق أرسطو ومنطق العالم الآخر أو منطق الآخرة توافق واختلاف في القواعد العامة أو المقولات أو اختلاف البيئة وتنوعها وفقا لاختلاف النتائج التي آل إليها الإنسان أو لاختلاف طبيعة الموضوع وفق ثنائية الدنيا والآخرة أو الوقتي والدائم وبين الجزئي وشبه المطلق،فالاختلاف الذي نلمسه في جمع المتناقضات التي يقر بها المنطق الأرضي قد لا نجده عند الحديث عن الهوية التي هي وحدة واحدة لا تتجزأ في المنطق الثابت الأخروي او في جوانب التناقض والتضاد والثالث المرفوع،وقواعد جديدة تماما تفرضها الطبيعة الأخروية الجديدة،فأنت ترى بان حرية الاختيار ستسلب في أول الأمر لأنها أخذت فرصتها في منطق العالم الأرضي، ومجال ممارسة الفعل الإنساني وإنتاج هذا الفعل سيتوقف لاستنفاده في العالم الأرضي، وهكذا يمكننا التعاطي مع البيئة المنطقية الأخروية فتختلف على هذا الأساس المقولات من أين وكيف وإضافة ...الخ . ويتبع لهذا الاختلاف اختلافات معرفية وتقديرية (من المقادير) واختلافات في القدرة والاستطاعة .

 إن المنطق الذي يعد طفولة الرياضيات هو ابن الأرض والطبيعة وهو الديكور الفكري الذي يمثل مجموعة العلاقات بين كل من الطبيعة ومعارف الإنسان .

ويعرفه الجرجاني بوصفه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر ومع الفرق بين الآلية والآلة، فإنني اعتقد ان المنطق إنما هو الآلية التي تمثل الأسس أو القواعد الطبيعية التي تنظم العلاقات أو الصفات أو الماهيات في عالمنا الأرضي والتي تتجنب وقوع الذهن في الأخطاء  . فالشيء طبيعي أولا ومنطقي ثانيا ولأنه طبيعي فهو منطقي لا العكس . كما يقول أستاذي البروفيسور مدني صالح .

إن أرسطو (384- 322 ق. م) درس أهم مظاهر المعرفة في عصره فلاحظ انها أسست على عشرة أسس، وقد جمعها أرسطو وشرحها وسماها المقولات والمقولات هي معنى كلي، إلا انه لم يجعل المنطق في قسم العلم النظري لان موضوعه ذهني لا وجودي، فهو علم قوانين الفكر .

وجمعت المقولات ببيت شعر (قمر غزير الحسن ألطف مصره- لو قام يكشف غمتى لما انثنى)

فالقمر هو الجوهر، وغزير هو الكم، والحسن هو الكيف، وألطف هي الإضافة، ومصره هو الاين، وقام هو الوضع، ويكشف هو الفعل، وغمتى هو الملك، ولما هو المتى، وانثنى هو الانفعال .

وهذه التوليفة تشير الى محاولة إحاطة أرسطو بكل ما يشكل عاملا في التأثير على المعرفة الإنسانية فكأنها الديكور وعلى هذا فيمكننا القول ان مقولات أرسطو إنما هي أسس الديكور (المادي والمعنوي) الذي تجري فيه او تتعامل معه المعرفة والتي ترسم ملامح القواعد المعرفية بشكل أولي .

وما بين هذه القواعد وقواعد العالم الآخر بعض من الاتصال والانفصال أو بعض من التوافق والاختلاف فنظام الماهيات هناك أو الجواهر يمكن ثلمه أو تطويعه مع الاحتفاظ بقانون الهوية، وإذا كان السؤال في العالم الآخر عن أسبقية الوجود والماهية فان أسبقية الوجود هي الأرجح مع الالتفات الى ان خلود كل من الوجود والماهية معا هو أمر نلاحظه في اغلب الآيات القرآنية . ولو طبقنا مقولات أرسطو على العالم الآخر فان موضوعة الديكور الطبيعي سوف تختلف هناك في عالم ينقلب فيه :

• إن الجوهر وفق أرسطو هو كل ما له صفه الاستقلال بذاته مثل العناصر، كالماء والهواء والنار،وهذا الجوهر هو الأصل، وما عداه من المقولات التسع أعراض له وتتطابق هذه المقولة مع النظام العام الأخروي ففي ذلك العالم هناك صفة الاستقلال التي تصنف وفق مفهوم الهوية (أ=أ) بكونه من أهم قواعد المنطق والذي يتوافق أيضا مع مفهوم التعريف، تلك الآلية التي استخدمها سقراط،فالتعريف يعني القول بماهية الشيء التي تعني ان خصائصه تختلف عن الخصائص الأخرى، لكنها في العالم الآخر قد تنطبق على الإنسان لاختلافه أو لاختلاف تعامل الذات الإلهية معه على وفق سجله الذي حمله معه من المنطق والعالم الأرضي، إلا انها قد لا تنطبق على الأجناس الأخرى مثل موارد الطبيعة والماديات وهنا ستحال القضية الى مفهوم الكليات فيصح التعامل مع مادة بعينها بكليتها، والجوهر سيكون مستقلا في المنطقين (الأول والآخر ) وإذا وصف الجوهر بمنطق أرسطو بأنه متحيز وقابل للبقاء لزمانين ولا يتداخل (أي لا يدخل جسم بآخر) ويحدث عن عدم وانها تنعدم فان بعض هذه الخصائص قد لا توجد في العالم الآخر .

• الكم: ويعني لا محدودية الزمان والمكان، وإذا كان الكم الأرسطي هو المنفصل أو المتصل فهل يمكننا التيقن من ان العالم الآخر يخضع بتقلباته المختلفة الى قواعد أرسطو المنطقية، كلا بالتأكيد مع وجود منطق جنة وسعها السموات والأرض أو مع بقاء كم الأعمار الخالدة سواء بجانبها الايجابي ام السلبي  .

• إن الإضافة التي تعني نسبة الشيء الى الشيء كما بين الأب وابنه فإنها قاعدة ثابتة في المنطق الأخروي حتى مع وجود الهروب الذي يصوره القران بفرار الإنسان من أمه وأبيه وزوجته وأولاده نتيجة الم وخوف العذاب .ومن الإضافة إضافة الصغر والكبر للكم والعلو والسفل للاين والأقدم والأحدث للمتى والانحناء والانتصاب للوضع ...الخ وهذا يعني ان الإضافة تتداخل مع بقية المقولات .

• اما الكيف فان نوعية الكيف المختلفة جدا عن كيف العالم الأرضي وتغير الكثير من الكيفيات الى صورة حيوية ومغايرة وجميلة وخلابة، فلا يصح إشغال أو توظيف منطق الأرض (من زاوية الكيف) على منطق العالم الآخر لان مقياسه مختلف، فهو متميز جدا ومرتفع عن مقاييس الأرض في (الجمال – المحبة – السكينة – السلام –الشعور – الأحاسيس- – النوايا) ....الخ . إلا ان بعض الكيف يعد ثابتا في العالم الآخر فهناك خجل وتغيرات الخوف والحزن والياس والهلع وتغير في الأشكال وكيفيات الطعوم السيئة أو الجيدة كالحلاوة والمرارة أو كل ما هو سيء بشكل خاص .

وسوف نتابع ان شاء الله هذا الموضوع في مقال آخر .

 

الدكتور رحيم الساعدي

 

hashem mosawiيطرح الكثير من المفكّرين العرب، وعلى رأسهم المرحوم المفكّر العراقي “هادي العلوي” هذا السؤال: هل هناك حاجة لأن تكون لدينا مدرسة عربية في الفلسفة.. رغم أن الفلسفة هي فكر كوني يبحث في الوجود كوجود وكموجود.

هل هناك مدرسة عربية في الفلسفة. وهل ثمة وجود وضرورة وجود لماهية قومية للفكر والمعرفة والحقيقة.

هل ثمّة مدرسة عربية للفلسفة؟ البداهة والمنطق وعلم المعرفة (الأبستمولوجيا) تؤكد ما ينفي هذا السؤال وهذه المسألة. فالفلسفة فكرٌ كوني (أبستمي) يتعيّن بالرأي المجرّد المتجرّد (Ordoxa بالإغريقية) وليس بمجرّد الرأي Doxa، وهو يبحث في الحق – لذاته، والحقيقة لذاتها، بمنأى ومعزل عن أية نزعة ماهوية، قومية، أو دينية، أو أيدولوجيا قبلية أو بعدية. والفلسفة بطبعها وطابعها تقوم على السؤال والترحال المعرفي. في ضوء المعرفة وتعالي الفكر وحرية البحث والنظر والتساؤل.

إذاً لماذا ندعو إلى وجود مثل هذه المدرسة العربية للفلسفة؟ وهل ثمّة عودة إلى إشكالية منطق يونان ولغة عدنان القديمة – المتجددة؟

كلا، ليست غاية المدرسة العربية للفلسفة التأكيد على نزعة قوموية ضيقة، وإنما عن دور معرفي، كوني، إنساني، إسهامي، يُحرّر الإنسان العربي ويُحرّر الإنسانية.

الفلسفة، كالتاريخ أدوار وأطوار، وبهذا المعنى يُمكننا أن نتحدّث عن طور إغريقي ودور عربي وإسهام ألماني وفرنسي دون الوقوع في إسار النزعة القومية التشوفية الضيقة Chauvinism.

والفلسفة في العصور الحديثة غدت مقترنة ليس فقط بلغة المنطق، وإنما بمنطق اللغة وبعلوم اللغة والدلالة والمعنى والقيمة. ولهذا لم تعد لغة عدنان في تعارض مع منطق الإغريق ولا لغة العرب مع لغة الإنسان، في السعي إلى الحقيقة الكونية الواحدة – المتعددة.

هل يسوغ لنا واقعنا الحضاري، الفكري والعملي المادي والمعنوي، هذا الادعاء بالكونية وتحرير الإنسان والإنسانية؟

يقول الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز إنَّ أفضل الأشياء الوسطية أو الأمور الوسطى ولكأنّه في طرحه وجمعه هذا يُقدّم لنا المفتاح والمفهوم الذي يقوم عليه الدور العربي في الفلسفة والحضارة قديماً وحديثاً وهو الوسطية، فالوسطية سمة الأمة العربية التي تجمع في موقعها وخصائصها ورسالتها الوسطية والتواصل التاريخي بين الماضي والحاضر (التاريخانية) وعلاقة الجغرافيا بالوسط، والحضارات التالدة بالجديدة، والبيئة بالمجال والفلسفة بالحكمة (والفلسفة هي طلب الحكمة والإحكام والحاكمية) في الدعوة إلى المدينة الفاضلة والمدنية الفاضلة.

قد لا يُجيز لنا الظاهر والعيان الكلام عن دور وطور عربي في تجديد الإنسانية وتحرير الإنسان. لكنّ الإمكانيات والطاقات المتوّفرة تُخوّلنا الادعاء بدور قديم – جديد، يقرن الإمكانية بالفعالية والطاقة بالقوة والثروة بالثورة، والإنسان بالإنسانية، أما إذا اقترن مشروعنا العربي بمشروعنا الإنساني في سعينا إلى الفعالية والمشروعية والكينونة الحقة.

الأمة العربية قوية بإمكاناتها وطاقاتها، ودورها ورسالتها، وإن كانت ضعيفة ومُستضعفة بسياسات أنظمتها ودولها وقادتها. وربّ قادة أكبر من شعوبهم في الدور والمكانة، بل رُبّ قادة وأنظمة أصغر من أممهم العظيمة، فليست اليابان أكبر من الصين عدداً ومساحةً، ولكنّ قادتها (الميكادو) جعلوا من جزر اليابان أمّة عظيمة، ومن المؤسف أنّ الأمة العربية العظيمة (بامتدادها الحضاري) لا تجد في الأنظمة السائدة والقادة ما يُناسب ويُطابق إمكاناتها العظيمة.

كيف تأتّى للعربي البدوي في النهضة العربية – الإسلامية الأولى أن يقود (بأسلوب أو بآخر) حضارات العالم الكبرى (من ساسان ويونان وتركمان)، فيما ترزح أمتنا العربية الحاضرة في حالة من الضعف والتأخّر والتخلّف، وهي القوية بإمكاناتها وطاقاتها ورسالتها ودورها الإنساني؟

هل وصلنا إلى “نهاية العربة والعروبة” ونهاية التاريخ، كما يرى بعض أبناء هذه الأمة – ناهيك عن أعدائها؟ هل في عقوق هؤلاء الأبناء حقيقة، وآية لنهاية التاريخ أم علامة لبداية التاريخ، وعودٌ على بدء، في العود الأبدي – الأزلي للحضارة الإنسانية؟

فمُنذُ أن وجد هيدغر أنَّ اللغة مسكن الكينونة صار المفهوم (أو الأفهوم) مُرادفاً للمعنى، والدلالة والإشارة والقيمة والبنية، وليس مُرادفاً للماهية، أو الذاتية أو مُطابقاً لمبدأ الهوية (الشيء بما هو هو) بالمعنى المنطقي أو بالمعنى الوجودي الحصري ontique. وقد اعتبر هيدغر الفكر Dinken أشمل من الفلسفة. فالفلسفة “اصطلاح” نظامي عقلاطي (لوغوقراطي)، بينما الفكر انفتاح وعلاقة ودينامية وجدلية، بين الفكر واللامُفكّر فيه والعقل واللامعقول، والهوية والاختلاف والكلمات والأشياء.

والحال هذه أصبحت الفلسفة مُتعدّدة – لا تقوم على جدلية الاختلاف والائتلاف فحسب – بل تنطوي في صيرورتها الحاضرة على بُعد معرفي جديد يقوم على مبدأ الفروعية PlurididciPlinarite في علاقة الفلسفة بحقول المعرفة المتشابكة والمتداخلة المُعقّدة من فلسفة المرئي والمسموع (الصوت والصورة) إلى فلسفة اللامرئي الحدثي والميتافيزيقي مروراً بفلسفة “الصمت” و “الموت” والذكاء المصنعي، والمنطق الرياضي، وفلسفة العلم، وفلسفة الفلسفة (الأبستمولوجيا) والسبرنطيقا التأويلية ألخ.. وبناءً على هذه التطورات أصبحت الفلسفة لا شخصية depersonalise، ولم تعد تقترن بأسماء العلم (الكانطية، أو الهيغلية، أو الماركسية وغيرها).

والفلسفة والحال هذه تختص بما هو كلّي وكوني طلباً للحق – لذاته والحقيقة – لذاتها أو الفكر المحض في مجالها الخاص ونطاقها المعرفي.

وإشكالية الترجمة أوسع وأكثر تعقيداً من ترجمة النصوص، بالمعنى التكنوقراطي، فالنفس أوسع من النص، والروح أشمل من الحرف والقراءة أعقد من الكتابة وبالمنطوق الحسابي (التكنوقراطي) إذا اعتبرنا أن لا فلسفة إلا بعد الترجمة، فلابد أن نجد ما يُقابل ذلك بالقول بأن لا ترجمة إلا بالفلسفة. إن فعل الفلسفة لم يعد في هذا العصر اللغوي بامتياز من داخل الفلسفة ومن خارجها بحاجة إلى عصر تدوين للدخول إلى عالم الحقيقة والمعرفة. وإلا يُصيبنا ما أصاب حمار بوريدان الذي احتار ما بين الماء والطعام (العلف) فمات جوعاً وعطشاً إذ لا داعي لهذه المعادلة والمفاضلة ما بين الفلسفة والترجمة، لأن إناطة الفلسفة بالترجمة رغم أهميتها مع وجود الفارق التراكمي الهائل بيننا وبين الغرب – ناهيك عن حالة التسارع في إنتاج المعارف الجديدة – تعني أن تمضي حياتنا الحاضرة والمستقبلية بالترجمة فمتى نُبدع ونبتكر ونُساهم في الكونية؟ وهل الترجمة تُعارض الإبداع؟ الأجدى، والحال هذه، ليس الدخول في لعبة التسارع واللامجدية وإنما التفلسف انطلاقاً من الوضع والظرف المحلي، الذي ترفد فيه الكوني ويرفدنا في جدلية الخاص والعام. وإذا كان الغرب يتقدم بالتقنية فإنه يتقهقر بالنزعة التكنوقراطية، وإذا كان يتقدم في السيطرة على الطبيعة فإنه يتخلّف في الحفاظ على البيئة والمجال. وإذا كان يتقدم بالاقتصاد فإنه متأخر في مجال القيمة والحاجة. وإذا فصل السياسة عن الأخلاق فإنه بحاجة إلى وصل السياسة بالفضيلة وإذا تقدّم بالمادة فقد تراجع في المجال القيمي – الحيوي (الروحي) وفي كل هذا بمقدور الفلسفة العربية أن تُسهم في تحرير الإنسان والإنسانية، كونها تقوم على الوسط والوسطية: فالثقافة المُبدعة هي التي تأتي من الوسط وتقوم على الوسطية.

وأخيراً، وليس آخراً الفلسفة العربية المُعاصرة قائمة في كل المقولات والمقالات المنطوية على البحث في الحق – لذاته والحقيقة – لذاتها في تواضع البحث عن الحقيقة، وعدم ادعاء امتلاك المعرفة واحتكار التسمية.

لعلّ أهمية الدور الفلسفي والعلمي للعرب تكمن بادئ ذي بدء في معنى العقل نفسه، مناط وأس وأساس الفلسفة، فالعقل يعني بالعربية “الربط” (عقل الشيء أي ربطه) والفلسفة الحديثة تقوم على الترابط والجدل ما بين الذهني والعيني، العقلي والحسي والمختلف والمؤتلف والقدسي والدهري، والمتعالي والمحايث، في ذاتية الشيء والظاهرة.

 

الأصول والفروع:

يعتقد أعلام المدرسة العربية للفلسفة والمعرفة (مَعْلَم) بالدور الكوني الطليعي للفكر العربي الذي من شأنه إذا توفّر له المشروع الذي يُوطّد ويُعزّز مشروعية هذه الأمة في دورها الإنساني الكبير، لتحرير الإنسان والإنسانية بتحرير الحداثة وما بعد الحداثة من حالة اللاطبعنة واللاأنسنة واللاقدسنة التي تشوب مجتمع الاستهلاك وحضارة السوق في العصر الحديث. وتجد المدرسة العربية للمعرفة (مَعْلَم) جذورها في النهضة العربية – الإسلامية الأولى، والفلسفة الأولى، في بحثها عن الحق – لذاته والحقيقة – لذاتها (كما عرّفها الفارابي “المعلم الثاني”) مثلما تجد جذورها في منطق اليونان، والحضارات القديمة، وفي التجريبية العربية، وفلسفة ابن رشد والرشدية، وابن سينا والسينوية، والخلدونية وعلم الاجتماع والتاريخ، والشيرازي رائد الوجودية الأولى المؤكدة على علاقة الأذهان بالأعيان والوجود بالحركة الجوهرية.

كما تجد أصولها في عصر النهضة الثانية، مع الطهطاوي المعلم النهضوي الأول، وكل رجالات ونساء النهضة العربية الثانية، أما رموز وأعلام المدرسة العربية الراهنة للفلسفة فهم كثر، ولذلك لا طائل ولا معنى من الحديث عن عدم وجود قول عربي ومدرسة عربية في الفلسفة. فالفلسفة العربية حاضرة ولا ريب (من وجودية عبد الرحمن بدوي حتى فكر عبد الرحمن مرحبا) كما هي موجودة في منطق النص، ونقد الذات، ونقد النقد في مساهمات الفلاسفة والمفكرين العرب، بأسمائهم الكبيرة وقاماتهم العالية المديدة.

وهي موجودة وحاضرة في القول الفلسفي وفلسفة الاختلاف مع مفكرين يجمعهم الاتفاق، في اختلاف مشاربهم وأطروحاتهم “واختلاف أمتي رحمة”، من شيخ الفلاسفة الدكتور عبد الرحمن مرحبا الذي يُعيد في كتابه الكبير “الفكرانية” الأهمية لقوة الفكر، والرأي في علاقة الفكر بالوجود، بالتأكيد على كينونة الفكرة والهوية والتجربة التي تعيّن ماهية الشيء كما تعين ماهية الإنسان (فأفلاطون هو فكر أفلاطون، وأينشتين هو فكر أينشتين كما أن الكتاب هو فكرة الكتاب، واللوحة فكرة اللوحة، وفي هذا الطرح – الجمعي ريادة فكرية أكيدة).

المفكر العربي العلماني هادي العلوي في كتبه التي تربو على العشرين يُشير بشكلٍ واضح إلى ضرورة وجود فكر عربي فلسفي مُعاصر نابع من كينونة الفكرة والهوية والتجربة الذاتية.

كما نجد في مساهمة علم النفس المعرفي، فلسفة ميتا-بسيكولوجية في كتابات رائد النقد السيكولوجي – المعرفي المفكر علي زيعور. ونجده في الكتابة العلمية، في مجال فلسفة النص وأبستمولوجيا ما بعد – الحداثة والألسنية وفلسفة العلوم عند الفيلسوف سامي أدهم صاحب “ما بعد الفلسفة”. كما هي موجودة في الدعوة إلى الفكر المحض الباحث عن الحق – لذاته والحقيقة – لذاتها عند د. جميل قاسم. وفي النقد السوسيولوجي الفلسفي (هشام شرابي وعبد الله العروي، نديم البيطار، وحليم بركات) وفي أدبيات التنمية المستقلة والمستدامة (سمير أمين وغيره) وما يوحّد رواد المدرسة العربية للفلسفة هو منطق الاختلاف والاعتراف بالذات والآخرين في فلسفة عربية تقرن المحلية بالعالمية، ولغة عدنان بمنطق اليونان والألمان والهند واليابان وغيرهم من شعوب الأرض قاطبة في السعي إلى تحرير الإنسان وتحرير الإنسانية، بمنأى عن سياسات الهيمنة والسيطرة و”الاستعمار والإمبرياليات القديمة” والمستحدثة.

يرى بعض أساتذة الفلسفة (خصوصاً في الجامعة اللبنانية) أ، لا وجود لفلسفة حديثة أو معاصرة في العربية، وإن كانت هناك محاولات في الفكر، ولكن شتان ما بين الفكر والفلسفة؟ ويرى هؤلاء أن إمكان الفلسفة في العربية – يكاد بل هو ينحصر ويقتصر على الترجمة من اللغات الفلسفية الحديثة، بحيث يكون المترجم – كما يذهب الباحث التونسي فتحي المسكيني – هو الفيلسوف من حيث كونه ناقل أو حامل أو فاعل الفكر الفلسفي؟ أو الفلسفة.

في المقابل يرى آخرون – ومنهم د. جميل قاسم – أن طرح هذا السؤال سؤال “الإمكان خطأ باعتبار أن الفلسفة العربية ليست ممكنة فحسب، بل هي موجودة ومتحققة في الكثير من الكتابات والمحاولات الفكرية – الفلسفية (كتابات عبد الله العروي، الجابري، حسين مروة، حسن حمدان، مطاع صفدي، علي حرب، علي زيعور، ناصيف نصار، سامي أدهم، هشام شرابي، عادل فاخوري، زكي نجيب محمود، وصادق جلال العظم) حيث أن الفلسفة لم تعد فلسفة نظامية Systematique، بل غدت مع تطوّر العلوم (علوم الإنسان والطبيعة) فلسفة في الفلسفة، أو لا فلسفة (فلسفة – مضادة للفلسفة)، وذلك مع صيرورة عامل اللغة كمفهوم تكويني للقول الفلسفي.

علوي” هذا السؤال: هل هناك حاجة لأن تكون لدينا مدرسة عربية في الفلسفة.. رغم أن الفلسفة هي فكر كوني يبحث في الوجود كوجود وكموجود.

هل هناك مدرسة عربية في الفلسفة. وهل ثمة وجود وضرورة وجود لماهية قومية للفكر والمعرفة والحقيقة.

هل ثمّة مدرسة عربية للفلسفة؟ البداهة والمنطق وعلم المعرفة (الأبستمولوجيا) تؤكد ما ينفي هذا السؤال وهذه المسألة. فالفلسفة فكرٌ كوني (أبستمي) يتعيّن بالرأي المجرّد المتجرّد (Ordoxa بالإغريقية) وليس بمجرّد الرأي Doxa، وهو يبحث في الحق – لذاته، والحقيقة لذاتها، بمنأى ومعزل عن أية نزعة ماهوية، قومية، أو دينية، أو أيدولوجيا قبلية أو بعدية. والفلسفة بطبعها وطابعها تقوم على السؤال والترحال المعرفي. في ضوء المعرفة وتعالي الفكر وحرية البحث والنظر والتساؤل.

إذاً لماذا ندعو إلى وجود مثل هذه المدرسة العربية للفلسفة؟ وهل ثمّة عودة إلى إشكالية منطق يونان ولغة عدنان القديمة – المتجددة؟

كلا، ليست غاية المدرسة العربية للفلسفة التأكيد على نزعة قوموية ضيقة، وإنما عن دور معرفي، كوني، إنساني، إسهامي، يُحرّر الإنسان العربي ويُحرّر الإنسانية.

الفلسفة، كالتاريخ أدوار وأطوار، وبهذا المعنى يُمكننا أن نتحدّث عن طور إغريقي ودور عربي وإسهام ألماني وفرنسي دون الوقوع في إسار النزعة القومية التشوفية الضيقة Chauvinism.

والفلسفة في العصور الحديثة غدت مقترنة ليس فقط بلغة المنطق، وإنما بمنطق اللغة وبعلوم اللغة والدلالة والمعنى والقيمة. ولهذا لم تعد لغة عدنان في تعارض مع منطق الإغريق ولا لغة العرب مع لغة الإنسان، في السعي إلى الحقيقة الكونية الواحدة – المتعددة.

هل يسوغ لنا واقعنا الحضاري، الفكري والعملي المادي والمعنوي، هذا الادعاء بالكونية وتحرير الإنسان والإنسانية؟

يقول الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز إنَّ أفضل الأشياء الوسطية أو الأمور الوسطى ولكأنّه في طرحه وجمعه هذا يُقدّم لنا المفتاح والمفهوم الذي يقوم عليه الدور العربي في الفلسفة والحضارة قديماً وحديثاً وهو الوسطية، فالوسطية سمة الأمة العربية التي تجمع في موقعها وخصائصها ورسالتها الوسطية والتواصل التاريخي بين الماضي والحاضر (التاريخانية) وعلاقة الجغرافيا بالوسط، والحضارات التالدة بالجديدة، والبيئة بالمجال والفلسفة بالحكمة (والفلسفة هي طلب الحكمة والإحكام والحاكمية) في الدعوة إلى المدينة الفاضلة والمدنية الفاضلة.

قد لا يُجيز لنا الظاهر والعيان الكلام عن دور وطور عربي في تجديد الإنسانية وتحرير الإنسان. لكنّ الإمكانيات والطاقات المتوّفرة تُخوّلنا الادعاء بدور قديم – جديد، يقرن الإمكانية بالفعالية والطاقة بالقوة والثروة بالثورة، والإنسان بالإنسانية، أما إذا اقترن مشروعنا العربي بمشروعنا الإنساني في سعينا إلى الفعالية والمشروعية والكينونة الحقة.

الأمة العربية قوية بإمكاناتها وطاقاتها، ودورها ورسالتها، وإن كانت ضعيفة ومُستضعفة بسياسات أنظمتها ودولها وقادتها. وربّ قادة أكبر من شعوبهم في الدور والمكانة، بل رُبّ قادة وأنظمة أصغر من أممهم العظيمة، فليست اليابان أكبر من الصين عدداً ومساحةً، ولكنّ قادتها (الميكادو) جعلوا من جزر اليابان أمّة عظيمة، ومن المؤسف أنّ الأمة العربية العظيمة (بامتدادها الحضاري) لا تجد في الأنظمة السائدة والقادة ما يُناسب ويُطابق إمكاناتها العظيمة.

كيف تأتّى للعربي البدوي في النهضة العربية – الإسلامية الأولى أن يقود (بأسلوب أو بآخر) حضارات العالم الكبرى (من ساسان ويونان وتركمان)، فيما ترزح أمتنا العربية الحاضرة في حالة من الضعف والتأخّر والتخلّف، وهي القوية بإمكاناتها وطاقاتها ورسالتها ودورها الإنساني؟

هل وصلنا إلى “نهاية العربة والعروبة” ونهاية التاريخ، كما يرى بعض أبناء هذه الأمة – ناهيك عن أعدائها؟ هل في عقوق هؤلاء الأبناء حقيقة، وآية لنهاية التاريخ أم علامة لبداية التاريخ، وعودٌ على بدء، في العود الأبدي – الأزلي للحضارة الإنسانية؟

فمُنذُ أن وجد هيدغر أنَّ اللغة مسكن الكينونة صار المفهوم (أو الأفهوم) مُرادفاً للمعنى، والدلالة والإشارة والقيمة والبنية، وليس مُرادفاً للماهية، أو الذاتية أو مُطابقاً لمبدأ الهوية (الشيء بما هو هو) بالمعنى المنطقي أو بالمعنى الوجودي الحصري ontique. وقد اعتبر هيدغر الفكر Dinken أشمل من الفلسفة. فالفلسفة “اصطلاح” نظامي عقلاطي (لوغوقراطي)، بينما الفكر انفتاح وعلاقة ودينامية وجدلية، بين الفكر واللامُفكّر فيه والعقل واللامعقول، والهوية والاختلاف والكلمات والأشياء.

والحال هذه أصبحت الفلسفة مُتعدّدة – لا تقوم على جدلية الاختلاف والائتلاف فحسب – بل تنطوي في صيرورتها الحاضرة على بُعد معرفي جديد يقوم على مبدأ الفروعية PlurididciPlinarite في علاقة الفلسفة بحقول المعرفة المتشابكة والمتداخلة المُعقّدة من فلسفة المرئي والمسموع (الصوت والصورة) إلى فلسفة اللامرئي الحدثي والميتافيزيقي مروراً بفلسفة “الصمت” و “الموت” والذكاء المصنعي، والمنطق الرياضي، وفلسفة العلم، وفلسفة الفلسفة (الأبستمولوجيا) والسبرنطيقا التأويلية ألخ.. وبناءً على هذه التطورات أصبحت الفلسفة لا شخصية depersonalise، ولم تعد تقترن بأسماء العلم (الكانطية، أو الهيغلية، أو الماركسية وغيرها).

والفلسفة والحال هذه تختص بما هو كلّي وكوني طلباً للحق – لذاته والحقيقة – لذاتها أو الفكر المحض في مجالها الخاص ونطاقها المعرفي.

وإشكالية الترجمة أوسع وأكثر تعقيداً من ترجمة النصوص، بالمعنى التكنوقراطي، فالنفس أوسع من النص، والروح أشمل من الحرف والقراءة أعقد من الكتابة وبالمنطوق الحسابي (التكنوقراطي) إذا اعتبرنا أن لا فلسفة إلا بعد الترجمة، فلابد أن نجد ما يُقابل ذلك بالقول بأن لا ترجمة إلا بالفلسفة. إن فعل الفلسفة لم يعد في هذا العصر اللغوي بامتياز من داخل الفلسفة ومن خارجها بحاجة إلى عصر تدوين للدخول إلى عالم الحقيقة والمعرفة. وإلا يُصيبنا ما أصاب حمار بوريدان الذي احتار ما بين الماء والطعام (العلف) فمات جوعاً وعطشاً إذ لا داعي لهذه المعادلة والمفاضلة ما بين الفلسفة والترجمة، لأن إناطة الفلسفة بالترجمة رغم أهميتها مع وجود الفارق التراكمي الهائل بيننا وبين الغرب – ناهيك عن حالة التسارع في إنتاج المعارف الجديدة – تعني أن تمضي حياتنا الحاضرة والمستقبلية بالترجمة فمتى نُبدع ونبتكر ونُساهم في الكونية؟ وهل الترجمة تُعارض الإبداع؟ الأجدى، والحال هذه، ليس الدخول في لعبة التسارع واللامجدية وإنما التفلسف انطلاقاً من الوضع والظرف المحلي، الذي ترفد فيه الكوني ويرفدنا في جدلية الخاص والعام. وإذا كان الغرب يتقدم بالتقنية فإنه يتقهقر بالنزعة التكنوقراطية، وإذا كان يتقدم في السيطرة على الطبيعة فإنه يتخلّف في الحفاظ على البيئة والمجال. وإذا كان يتقدم بالاقتصاد فإنه متأخر في مجال القيمة والحاجة. وإذا فصل السياسة عن الأخلاق فإنه بحاجة إلى وصل السياسة بالفضيلة وإذا تقدّم بالمادة فقد تراجع في المجال القيمي – الحيوي (الروحي) وفي كل هذا بمقدور الفلسفة العربية أن تُسهم في تحرير الإنسان والإنسانية، كونها تقوم على الوسط والوسطية: فالثقافة المُبدعة هي التي تأتي من الوسط وتقوم على الوسطية.

وأخيراً، وليس آخراً الفلسفة العربية المُعاصرة قائمة في كل المقولات والمقالات المنطوية على البحث في الحق – لذاته والحقيقة – لذاتها في تواضع البحث عن الحقيقة، وعدم ادعاء امتلاك المعرفة واحتكار التسمية.

لعلّ أهمية الدور الفلسفي والعلمي للعرب تكمن بادئ ذي بدء في معنى العقل نفسه، مناط وأس وأساس الفلسفة، فالعقل يعني بالعربية “الربط” (عقل الشيء أي ربطه) والفلسفة الحديثة تقوم على الترابط والجدل ما بين الذهني والعيني، العقلي والحسي والمختلف والمؤتلف والقدسي والدهري، والمتعالي والمحايث، في ذاتية الشيء والظاهرة.

الأصول والفروع:

يعتقد أعلام المدرسة العربية للفلسفة والمعرفة (مَعْلَم) بالدور الكوني الطليعي للفكر العربي الذي من شأنه إذا توفّر له المشروع الذي يُوطّد ويُعزّز مشروعية هذه الأمة في دورها الإنساني الكبير، لتحرير الإنسان والإنسانية بتحرير الحداثة وما بعد الحداثة من حالة اللاطبعنة واللاأنسنة واللاقدسنة التي تشوب مجتمع الاستهلاك وحضارة السوق في العصر الحديث. وتجد المدرسة العربية للمعرفة (مَعْلَم) جذورها في النهضة العربية – الإسلامية الأولى، والفلسفة الأولى، في بحثها عن الحق – لذاته والحقيقة – لذاتها (كما عرّفها الفارابي “المعلم الثاني”) مثلما تجد جذورها في منطق اليونان، والحضارات القديمة، وفي التجريبية العربية، وفلسفة ابن رشد والرشدية، وابن سينا والسينوية، والخلدونية وعلم الاجتماع والتاريخ، والشيرازي رائد الوجودية الأولى المؤكدة على علاقة الأذهان بالأعيان والوجود بالحركة الجوهرية.

كما تجد أصولها في عصر النهضة الثانية، مع الطهطاوي المعلم النهضوي الأول، وكل رجالات ونساء النهضة العربية الثانية، أما رموز وأعلام المدرسة العربية الراهنة للفلسفة فهم كثر، ولذلك لا طائل ولا معنى من الحديث عن عدم وجود قول عربي ومدرسة عربية في الفلسفة. فالفلسفة العربية حاضرة ولا ريب (من وجودية عبد الرحمن بدوي حتى فكر عبد الرحمن مرحبا) كما هي موجودة في منطق النص، ونقد الذات، ونقد النقد في مساهمات الفلاسفة والمفكرين العرب، بأسمائهم الكبيرة وقاماتهم العالية المديدة.

وهي موجودة وحاضرة في القول الفلسفي وفلسفة الاختلاف مع مفكرين يجمعهم الاتفاق، في اختلاف مشاربهم وأطروحاتهم “واختلاف أمتي رحمة”، من شيخ الفلاسفة الدكتور عبد الرحمن مرحبا الذي يُعيد في كتابه الكبير “الفكرانية” الأهمية لقوة الفكر، والرأي في علاقة الفكر بالوجود، بالتأكيد على كينونة الفكرة والهوية والتجربة التي تعيّن ماهية الشيء كما تعين ماهية الإنسان (فأفلاطون هو فكر أفلاطون، وأينشتين هو فكر أينشتين كما أن الكتاب هو فكرة الكتاب، واللوحة فكرة اللوحة، وفي هذا الطرح – الجمعي ريادة فكرية أكيدة).

المفكر العربي العلماني هادي العلوي في كتبه التي تربو على العشرين يُشير بشكلٍ واضح إلى ضرورة وجود فكر عربي فلسفي مُعاصر نابع من كينونة الفكرة والهوية والتجربة الذاتية.

كما نجد في مساهمة علم النفس المعرفي، فلسفة ميتا-بسيكولوجية في كتابات رائد النقد السيكولوجي – المعرفي المفكر علي زيعور. ونجده في الكتابة العلمية، في مجال فلسفة النص وأبستمولوجيا ما بعد – الحداثة والألسنية وفلسفة العلوم عند الفيلسوف سامي أدهم صاحب “ما بعد الفلسفة”. كما هي موجودة في الدعوة إلى الفكر المحض الباحث عن الحق – لذاته والحقيقة – لذاتها عند د. جميل قاسم. وفي النقد السوسيولوجي الفلسفي (هشام شرابي وعبد الله العروي، نديم البيطار، وحليم بركات) وفي أدبيات التنمية المستقلة والمستدامة (سمير أمين وغيره) وما يوحّد رواد المدرسة العربية للفلسفة هو منطق الاختلاف والاعتراف بالذات والآخرين في فلسفة عربية تقرن المحلية بالعالمية، ولغة عدنان بمنطق اليونان والألمان والهند واليابان وغيرهم من شعوب الأرض قاطبة في السعي إلى تحرير الإنسان وتحرير الإنسانية، بمنأى عن سياسات الهيمنة والسيطرة و”الاستعمار والإمبرياليات القديمة” والمستحدثة.

يرى بعض أساتذة الفلسفة (خصوصاً في الجامعة اللبنانية) أ، لا وجود لفلسفة حديثة أو معاصرة في العربية، وإن كانت هناك محاولات في الفكر، ولكن شتان ما بين الفكر والفلسفة؟ ويرى هؤلاء أن إمكان الفلسفة في العربية – يكاد بل هو ينحصر ويقتصر على الترجمة من اللغات الفلسفية الحديثة، بحيث يكون المترجم – كما يذهب الباحث التونسي فتحي المسكيني – هو الفيلسوف من حيث كونه ناقل أو حامل أو فاعل الفكر الفلسفي؟ أو الفلسفة.

في المقابل يرى آخرون – ومنهم د. جميل قاسم – أن طرح هذا السؤال سؤال “الإمكان خطأ باعتبار أن الفلسفة العربية ليست ممكنة فحسب، بل هي موجودة ومتحققة في الكثير من الكتابات والمحاولات الفكرية – الفلسفية (كتابات عبد الله العروي، الجابري، حسين مروة، حسن حمدان، مطاع صفدي، علي حرب، علي زيعور، ناصيف نصار، سامي أدهم، هشام شرابي، عادل فاخوري، زكي نجيب محمود، وصادق جلال العظم) حيث أن الفلسفة لم تعد فلسفة نظامية Systematique، بل غدت مع تطوّر العلوم (علوم الإنسان والطبيعة) فلسفة في الفلسفة، أو لا فلسفة (فلسفة – مضادة للفلسفة)، وذلك مع صيرورة عامل اللغة كمفهوم تكويني للقول الفلسفي.

 

د. هاشم عبود الموسوي

 

raheem alsaidiوحده القران الكريم من يقدم النصوص التي تختصر المسافات والأمكنة، ومن ذلك فلسفة تاريخ بنمطين او صورتين او منهجين، تتعلق الأولى بالماضي والثانية بالاتي او المقبل او المستقبل .

وإذا أوجبت الأسئلة نفسها، فهل يصح التحقق من هذا التوليف، اقصد ان يكون للمستقبل تاريخا ما؟. وجواب التساؤل مفيد ان لم يكن بتساؤل آخر، ولكن الاحتكام الى النص القرآني ذاته سيوفر علينا جدلا مطولا .

ولابد أولا من إقرار ان الأزمنة في القران مختلفة باختلاف الموضوع فالإنسان البسيط يخضع لزمن ما، والسوبر إنسان يتعامل مع زمن آخر كما في إمكانيات عمر نوح او عروج النبي الأكرم او صورة العزير الذي أماته وأحياه الله وهذا يشمل المسيح والخضر (عليهم السلام جميعا)، وكلها إمكانات تتجاوز الزمن الكلاسيكي، بالقياس الى نثار كبير ومختلف ومتعدد من الأناس على مر التاريخ الذين خضعوا أمما وأفرادا الى زمن اعتيادي نمطي، ولكن حتى أصحاب السوبر زمن سايروا وعايشوا أصحاب النمط الزمني التقليدي، وعلى كل حال فما يعنينا هنا ان نقول ان الزمن الماضي وهو مادة كبيرة ومهمة زخرت بأفكار فلسفة التاريخ المهمة في القران، وقد تطرق لها الكثير من الباحثين وعلى راسهم المفكر محمد باقر الصدر في سنن التاريخ وعماد الدين خليل ومحمد تقي المدرسي والمهدي المنجرة ومطهري ومالك بن نبي وآخرون حول هذه المسالة

ان المصطلح الذي أحاول تنضيجه لا صلة له بمصطلح إبراهيم عيسى بكتابه تاريخ المستقبل،لان كتابه لا يعدو كونه مجموعة من المقالات والتي يحلل فيها عيسى الوضع الراهن والإجابة على تساؤل ما نحن فيه من انحدار وتدهور، كما انه يبتعد عن تنظيرات ا.ج هوبزباوم المؤرخ والمنظر للتاريخ، بكتابه دراسات في التاريخ الذي قدمه بشكل تحليلي البروفيسور متعب مناف في تفكيك جميل وفق تصور (صناعة الغد)  وبسؤال ملح وهو هل للتاريخ من مستقبل؟ والدكتور متعب مناف وضح كيف استطاع هوبزباوم ان يغطي الإجابة من خلال فصول الكتاب الستة التي تطرح فهم ( خارج وداخل التاريخ، معنى الماضي، وما الذي يمكن ان يقوله التاريخ لنا عن المجتمع المعاصر و التطلع الى الأمام بين التاريخ والمستقبل  وأيضا موضوعة هل تقدم التاريخ؟ ومن كل هذا لم أرد من تقديم مصطلح مغاير في فلسفة التاريخ، إلا للإشارة الى الزمن الزئبقي في القران الكريم والذي يقدم ديناميكة تناول الحدث بتصور يختلف عن تصورات الآخرين، فالإشارة الى يوم القيامة المستقبلي بصيغة الماضي، مثلما توثقه الآيات: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ) [الشعراء: 90-94]. والكلمات (وَأُزْلِفَتِ، وَبُرِّزَتِ، وَقِيلَ، فَكُبْكِبُوا) جميعها جاءت بصيغة الماضي.

هي إذا تقنية اختص بها القران، وعند الاطلاع على نصوص قرآنية مستقبلية موثقة بنص تاريخي مثل القران سوف نفهم تصور الزمن في هذا الكتاب فنحن هنا أمام تنوعات منها :

• متحدث قديم جدا، هو الأقدم انزل كتابا بكلمات قديمة .

• يمكنك ان تتحدث في فلسفة تاريخ القران (متعلقاته) اما فلسفة تاريخ الله وكلامه فلا يمكن الحديث فيها لأنها من المحالات .

• الزمن في القران دائري (وأنا هنا أتعامل مع نصوص تصور لنا هذه الدائرية )، فالماضي يمكننا رؤيته بالتوافق مع المستقبل والحاضر معا، ولا فائدة أو شاهد اكبر من قصة الإسراء والمعراج  يمكننا إدراجه لتوضيح هذه القضية، فالحاضر (النبي) اجتاز المستقبل البعيد بسنوات ضوئية مهولة وشاهد الماضي والمستقبل معا هناك .وأظن بان التطور العلمي اليوم يتحدث عن هذه القفزات العلمية ولكن بصورة بطيئة .

• في القران هناك تداخل الزمن القريب والبعيد والبعيد البعيد وأيضا أزمنة يمكن ان نقراها في كل وقت وهي توحي بالقدم أو بالمستقبل بمعنى انها لم تتحقق بعد .

وبالعود الى المصطلح الذي يتلخص بفلسفة تاريخ المستقبل في القران سيكون علينا تأكيد ان المصطلح سيعني :

1. وجود السؤال الفكري الخاص بتاريخ المستقبل وهو : مثلا أ- كيف يمكن التعامل (راهنيا)  ب - مع نص قراني تاريخي ج- يشير الى مستقبل قريب وبعيد د- وكلما نظرنا إليه مازال يتمتع بالمستقبلية، خذ مثلا قوله تعالى ( قال أنظرتي إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين )الأعراف 14. والعديد من الأسئلة التي يمكنها تقديم تصور مهم عن مستقبل التاريخ أو تاريخ المستقبل مثل هل يمكن الاستفادة من النص القرآني المستقبلي بتحسين المنظومة الإنسانية وما مدى الحرية الإنسانية التي نلمسها بذلك النص وما هو ارتباطها بمصائر الأمم وهل نحن داخل كينونة الحتمية وجزء منها أم نحن شركاء ببعض الحتميات وهل تختلف الحتميات ...الخ .

2. وجود الحدث المستقبلي الدائم، من قصص وحوارات قرآنية وبيانات المصير وصور العذاب الحتمي، والية التذكير بالماضي في السرد القرآني المستقبلي .

3. وجود الأسس والسنن التاريخية المستقبلية الثابتة التي تعني انها أسس عقلية تتسم بالثبات ولهذا فهي قواعد أخروية في العالم المستقبلي الأخروي الثاني، مع ان منطق العالم الآخر يختلف عن منطقنا الأرضي .

4. هنا سيكون الحديث عن منطقين مستقبليين وجدا في القران يمكن استعراضهما بفلسفة تاريخ المستقبل الأول هو فلسفة تاريخ المستقبل الدنيوي الذي يوجد بحوادث قرآنية مختلفة والثاني تاريخ المستقبل الأخروي وهو محض بناء ينتمي الى العالم الآخر وفيه تفاصيل تحتاج الى انتباه وجهد لإعادة تركيبها .

5. قد يتعين قراءة الحدث الذي أورده القران في مرحلة (ما بعد التاريخ) على أساس فهمنا لمنطق استباقي والتحضير له فكل شيء محدد وجاد وقواعد البيانات لا تترك شيء ومجالات الحرية معدومة تقريبا، واختلاف المنطق هناك يرسم آلية من اختلاف الزمان والمكان وقد تكون بعض القواعد متبعة مثل ان تكون المقدمة الصحيحة تعطي نتائج صحيحة وبالعكس ولكن اجتماع النقيضين يمكن ان يرد في المنطق الأخروي وإذا ورد قانون الهوية، فقد لا توجد قوانين معينة أو العكس، وبشكل عام فان موضوعة المنطق الأخروي المختلف تحتاج الى وقفة أخرى، ولكن الأساس الذي يمكن إتباعه هو ذلك الجانب المعكوس أو العكسي والذي يمكن لنا تطبيقه من عالمنا الراهني لغرض تجريبه على التاريخ المستقبلي باعتباره يشكل نوعا من تجريب الاستشراف أو محاولة فهم النص المستقبلي القرآني ومعالجته بأسس فلسفة التاريخ، فيبدو هنا وكأنه حالة معاشه وحدث مر وليس مستقبلا فقط ولم يحدث بعد .

6. هذه الصورة ترتبط بضرورة فهم اننا أمام حالة من التوافق بين الحتميات الموجودة المرتبطة بالمابعد بين والرغبات الراهنية التي يطمح لها الإنسان اليوم، وإذا اجلنا الإجابة عن هذه القضية الملحة بالتفصيل، فان هذه العملية أو هذه الآلية هي في صلب قضية فلسفة تاريخ المستقبل، لان نقاش مصير الإنسان مثلا يمكننا مداولته بالاستناد الى الرؤية التي تتحدث عن الغيب المقبل والمستقبل المسرودة (أصلا ) في الكتاب التاريخي (القران )، إذا فهو حقا كتاب فيه نبأ ما قبلكم وما بعدكم .

7. أيضا من لوازم قراءة فلسفة تاريخ المستقبل ان بإمكاننا معايشة ذلك الوجود المختلف بعدد من الزوايا منها الصوفي والعرفاني والاشراقي والروحاني بشكل عام واعتقد بان المرور على هذه الفئة سيجعلنا أمام منفذ لا تنتهي منعطفاته، فهؤلاء يهربون من الجانب الراهن الى المستقبل البعيد اللذيذ بطرق مختلفة، هم يلتهمون المعارف والعوالم بنهم ولذة، وهو المستقبل الذي يرونه وحدهم، مما جعل بعضهم حالة شاذة لا يستوعبها الغير وقد استأصلهم المجتمع أو بعضهم بطريقة غبية .  وكان أكبرهم هو ذلك الذي اجتاز المسافات المهولة للوصل الى سدرة المنتهى وهو النبي الاكرم، وهناك تصور آخر ربما لا ينتمي بشكل مباشر الى الجانب العرفاني وهو طريقة معايشة الماضي والمستقبل على حد سواء، ولكن هذه اللوازم هي من تصورات الحاضر للمستقبل على أي حال .

اعتقد بأنها إشارات لفكرة مهمة تحرك الجانب التاريخي والمستقبلي على حد سواء، وتثير الأذهان لضرورة تصور التاريخ المكتوب حول المستقبل في القران واليات ومنطق ذلك التاريخ، وتتعلق بدراسة المنطقين الأخروي والراهني، وقد بدأ هذه الأخير بالتصدع نتيجة للتطور العلمي والتكنولوجي ودمج المختلفات والمتغيرات العديدة ، وفيه ما يمثل إعادة توجيه الإرادات وتقويتها وربطها بالغيب الذي لا مجال لمحوه أو إهماله بتصورات الخدر اللاواقعي، وأيضا سبر أغوار المستقبل، وهي محاولة تتبعها أخر إن شاء الله .

 

د. رحيم الساعدي

 

hatam hamidmohsinفي مرحلة حاسمة من السيرة الفكرية لهيجل،ومن اجل توضيح العلاقات البارزة بين ديالكتيك هيجل ودراسته للاقتصاد سنجد انفسنا امام الفشل الواضح لمصادرنا واننا مجبرون على الوثوق كليا بالفرضيات. ربما من حسن الحظ ان روزنكرانز Rosenkranz (1) قد احتفظ على الاقل  بالتاريخ الحقيقي الذي ابتدأ به هيجل دراسة الاقتصاد.

جميع المواد التي حازها روزنكرانز قد ضاعت كليا . من المؤكد انه ليس مصادفة ان يختفي هذا القسم من اوراق هيجل بدون اثر، لم يكن هناك حتى شخص واحد من تلاميذه المقربين امتلك اقل ما يمكن من الفهم للمشاكل الاقتصادية، ناهيك عن مدى اهمية ذلك في تطور نظام هيجل وميثدولوجيته. طلابه لم يلاحظوا حتى الدليل الواضح لهذه الدراسات في الاعمال المنشورة مثل(الفينومولوجي، وفلسفة الحق، وغيرها).

ان تخّلف المجتمع الالماني وحتى مع وجود اعظم فيلسوف عبقري، هيجل ذاته،فان الانعكاس الفكري للكراهية الاجتماعية يبدو،في شكل مثالي مقلوب.

بالنسبة لطلابه،الذين امضوا سنواتهم الاولى اثناء فترة الإحياء ، كان هناك فشل واضح في استيعاب مشاكل الاقتصاد واهميتها لفهم مشاكل المجتمع. وهذه المنطقة المعتمة تنسحب على  جناح اليمين المحافظ  للهيجليين بقدر ما هي  لليبراليين الوسط  واليسار. الطريقة الخجولة التي عالج بها الليبراليون القضايا الاجتماعية الكبرى عام 1830 انعكست ايضا في الضحالة الواضحة امام المشاكل الاقتصادية. حتى بدايات 1840 كان اشتداد الصراع الطبقي قد ايقظ اهتمامات معينة في القضايا الاقتصادية بين صفوف الهيجليين ، وحتى بعد ذلك نحن نجد فقرا في المعرفة والدراسات الجادة التي هي ربما اسوأ بكثير من دراسات هيجل. الترتيبات الفلسفية للجماعات الاقتصادية لكل من الكلاسيك والطوباويين المتأثرين بالهيجليين من بين جماعة "الاشتراكيين الحقيقيين"وايضا بواسطة لاسال لم تكن متطورة الى ما وراء السطحية الرسمية.

 ان الاعمال المبكرة لمؤسسي المادية الديالكتيكية لماركس وانجلس كانت ايذانا باكتشاف ليس فقط التحقيقات العميقة والمفصلة لمشاكل الاقتصاد السياسي، وانما ايضا الادراك الواعي بان هذا هو الميدان الذي به تُدرس المشاكل الكبرى للديالكتيك، و هنا تكمن المهمة العظمى في تناول التراكم المادي، لكنه لم يُحل  ديالكتيكيا من جانب البرجوازية الكلاسيكية للاقتصاد السياسي ومن جانب الطوباويين،في اكتشاف مبادئه وقوانينه الاصلية ، والتقدم من هناك نحو تحليل القوانين الديالكتيكية لحركة المجتمع. ومنذ بدايات كتابات انجلس اللامعة في المجلة السنوية الرنيسية-الالمانية ، كان الارتباط بين الاقتصاد والديالكتيك – يتجسد بوضوح في عنوان المجلة. وبعد وقت قصير من تخصيص ماركس كل انتباهه للمشكلة في "الاقتصاد والمخطوطات الفلسفية"، كان القسم الاخير منه يحتوي على نقده  لفينومولوجيا الذهن لهيجل. في هذا،رغم نقد ماركس الذكي والحاسم لمثالية هيجل، لكنه يكشف الدور الايجابي والمهم للاقتصاد  في تكوين ديالكتيك هيجل،خاصة استخدامه لصنف العمل الذي يسير فيه على خطى الكلاسيك الانكليز. هذا العمل نجح فيما بعد بسلسلة من الكتابات النقدية العنيفة ضد برونو بور، ماكس ستنر، برودون، وغيرهم والتي تحتوي على عدد كبير من الملاحظات العميقة والتنويرية.

من المعتاد لانتهازية منظمة الاشتراكية الدولية الثانية ان نسبة كبيرة من هذه الكتابات بقيت في الارشيف يعلوها الغبار، لم يتم الاعتراف بقيمتها من اي احد. بروز الانتهازية ترافق مع اختفاء اي فهم للديالكتيك ومع النمو الكبير للضحالة الميتافيزيقية التي خلقت مناخا كان فيه من السهل لي وتشويه الفرضيات ذات الصياغة الواضحة للاقتصاد الماركسي.

 البلاشفة فقط هم من كافح  بثبات ضد هذه الانتهازية على جميع الجبهات. على الرغم من ان لينين لم يتوغل في جزء كبير من اعمال ماركس في هذا الحقل، لكنه كان الوحيد الذي استوعب اهميته التامة.

"انه من المستحيل تماما فهم رأس المال لكارل ماركس،وخاصة فصله الاول، بدون الدراسة المفصلة والفهم الدقيق لكل منطق هيجل. وبالنتيجة،لاحقا وبعد نصف قرن لا احد من الماركسيين فهم ماركس".

روزنكرانز،الليبرالي المعتدل والتابع لما يسمى تيار الهيجلية الوسط في زمن تشظي المدرسة، بالطبع لم تكن لديه فكرة عن اهمية دراسات الاقتصاد الهيجلية. لكي نعطي القارئ فكرة تامة لم تتوفر معها الوثائق ، نقترح اقتباس كل شيء ذكره روزنكرانز حول الموضوع في سيرته الذاتية، كتّاب السيرة اللاحقين استنسخوا بالضبط من روزنكرانز. ان اكتشاف مخطوطات هيجل في العقود الاخيرة زادت من معرفتنا بدرجة كبيرة عن دراسات هيجل الاقتصادية في جينا المدينة الالمانية،ولكن بالنسبة لسنوات فرانكفورت فنحن في ظلام كبير .

يرى روزكرانز ان اهتمام هيجل بالاقتصاد بدأ في فرانكفورت، وان الظروف في انجلترا هي بالاساس منْ اثار فضوله. هو قرأ بانتظام الصحف ووضع ملاحظات مفصلة عنها(والتي ضاعت بالطبع).يذكر روزنكرانز:

"في نفس الوقت هو انتقل قريبا من الميدان المباشر للاحداث السياسية ووجد مصلحته فيها تتزايد كثيرا. وفوق كل ذلك هو كان معجبا جدا بعلاقات التجارة والملكية خاصة في انجلترا،ذلك جزئيا بسبب الاعجاب العام الذي كان سائدا في القرن السابق تجاه الدستور الانجليزي الذي اعتبره العديد من الناس كمثال، وجزئيا  بسبب عدم وجود بلد آخر في اوربا يستطيع انعاش هذا التنوع في اشكال التجارة والملكية كانجلترا،كما لا يوجد في اي مكان اخر فيه مثل هذا التنوع العظيم بالعلاقات الشخصية . وكما تبين مقطوعات مختارة من الصحف الانجليزية ،ان هيجل اتبع بحماس كبير النقاشات البرلمانية حول قانون الفقراء،او اعانات الفقراء التي بواسطتها حاول ارستقراطيو الثروة والنبلاء  خدمة الجماهير الفقيرة."

هذا المقطع تبعه المزيد من التفاصيل عن اهتمام هيجل بنظام السجون البروسية.

لسوء الحظ لم يذكر روزنكرانز اي تاريخ ، خاصة عندما يرى قارئ هذا الكتاب انه اساء ترجمة موقف هيجل تجاه انجلترا.نحن لا نمتلك اشارة واحدة من هيجل تفيد بدعم رؤية روزنكرانز بان هيجل كان معجبا جدا بالدستور الانجليزي او انه اعتبره مثالا. من المفهوم جدا انه لم يهتم كثيرا بانجلترا. بالعكس،التعليقات على الترجمة التي كتبت بعد وقت قصير من وصوله الى فرانكفورت ونقده اللاذع للسياسات المحافظة لانجلترا تبدو انها برزت كصدى للثورة الفرنسية. وهكذا،اهتمام هيجل بانجلترا يبدو تزايد بالارتباط مع بحثه في طبيعة وقوانين المجتمع البرجوازي اثناء بقائه في فرانكفورت. انه من المهم والملفت اكتشاف اللحظة التي بدأ بها هيجل هذه الدراسات،وفي ضوء التغيرات السريعة نسبيا في رؤى هيجل خلال سنوات الازمة في فرانكفورت ،فان معرفة التاريخ الدقيق تصبح ضرورية جدا.

لكن اهتمام هيجل لم يكن مقتصرا على الاقتصاد الانجليزي، هو ايضا درس النظرية الاقتصادية. في هذه النقطة يشير روزنكرانز بالقول:

"جميع افكار هيجل حول طبيعة المجتمع المدني،حول الحاجة والعمل، تقسيم العمل وثروة الملكيات العقارية، الفقر،الشرطة ،الضرائب وغيرها هي بالنهاية تركزت على التعليق حول الترجمة الالمانية لكتاب ستيوارت حول الاقتصاد السياسي الذي كتبه بين 19 فبراير و 16 مايو عام 1799،والذي بقي سليما. انه يحتوي على عدد من الرؤى الرائعة في السياسة والتاريخ والعديد من الملاحظات الذكية.

كان ستيوارت داعما للنظام التجاري. وبعاطفة عالية وتوضيحات ملفتة، هاجم هيجل موت هذا النظام وسعى للحفاظ على روح الانسان في وسط المنافسة،ومكننة العمل والتجارة.

ولكن حتى من هذه الخلاصة الناقصة نحن نستطيع ان نرى ما هي الوثيقة الهامة التي فقدت. من الواضح تماما ان هيجل تعامل مع مشاكل الاقتصاد من زاوية نقده للايجابية الميتة(اغتراب الانسان) وسوف تكون لدينا صورة اكثر وضوحا عن موقفه المبكر تجاه المجتمع البرجوازي لو توفرت لدينا هذه التحقيقات الاولى في النظرية الاقتصادية.

عامل اخر هنا وهو ان تفسير روسنكرانز يثير مشكلة غير قابلة للحل. في الجملة الاخيرة يدّعي روزنكرانز ان هيجل اراد انقاذ روح الانسان المحاطة بآلية المجتمع البرجوازي. هذا يشير الى ان افكار هيجل كانت تسير في خطوط مشابهة لافكار الرومانسية المحافظة . وفقا للتطور الاخير في رؤية هيجل والسمة العامة لما رايناه في مواقفه الاجتماعية والفلسفية،هذا يبدو غير محتمل جدا. من الصحيح تماما ان هيجل لم يضع ملاحظته الا لاحقا بان العقلاني هو حقيقي والحقيقي هو عقلاني. ولكن في المعنى العام ربما قيلت لتشكل التكرار غير الواعي لجميع افكاره من فرانكفورت فصاعدا. عند فحصنا لملاحظات هيجل الاقتصادية في مدينة جينا الالمانية سيكون من الملائم الاشارة الى قربه من الافكار النفعية  للاقتصاديين الانجليز الكلاسيك الذين كانوا راغبين جدا في كشف جميع رعب وفضائح المجتمع الرأسمالي،مع تأكيدهم بان الرأسمالية كانت ضرورة تقدمية.لهذا السبب نعتقد ان روزنزكرانز قد اساء فهم هيجل. ولكن طالما اننا لا نستطيع  تقديم برهان غير قابل للرفض عن ادعائنا،وطالما كانت هناك امكانية مطلقة بان تأييد  هيجل ربما كان ميلا قصير الاجل نحو الاقتصاد الرومانسي ، فاننا نستطيع فقط اعتبار رفضنا لتفسير روزنكرانز هو مجرد فرضية . مع ذلك،نحن نعتقد ان القارئ الذي اتبع كامل التطور في افكار هيجل سيقبل ان هذه الفرضية صحيحة.

في الحقيقة، من غير الممكن تقدير تأثير مبادئ ستيوارت الاقتصادية المعينة على هيجل. ليس فقط لأن التعليق ضاع واننا لا نستطيع معرفة اي الاقسام اثارت اهتمام هيجل،اي منها قبله واي رفضه ، وانما ايضا بسبب قرائته لستيوارت لم تقد لاي محاولة مباشرة لتطبيق المبادئ الاقتصادية الجديدة المكتسبة على المجتمع البرجوازي. ما قلناه انفا حول عدم استمرارية فترة فرانكفورت ينطبق بشكل قوي هنا. كون هيجل صرف ثلاثة شهور حول مشاكل الاقتصاد فهو ببساطة قد التفت الى عمله الرئيسي في فرانكفورت،"روح المسيحية". بالطبع ،كما سنرى،ان هذه المقالة لا تتجاهل مشاكل المجتمع،ولكن افكارها المباشرة هي مختلفة والتغيير في رؤاه السوسيواقتصادية فقط يجعله  محسوسا في بعض الاماكن وحتى في اغلب المصطلحات الفلسفية العامة.في مخطوطات جينا هناك دليل ان هيجل قرأ بالاضافة الى ستيوارت اعمال ادم سمث.وبالنظر للتجريد الكبير لمقولات هيجل حول الاقتصاد، فان اهتمامه الخاص في المشاكل العالمية الكبيرة ،جعل من الصعب رؤية تاثير التفاصيل.

 من المحتمل جدا ان دراسة ادم سمث كانت نقطة التحول في تطور هيجل. المشكلة التي تكشف التوازي المدهش بين فكر هيجل والاقتصاديين الانجليز الكلاسيك هي مشكلة العمل كوسيط مركزي للفعالية الانسانية،كطريقة رئيسية يمكن ان تتحقق بها هوية الشيء =الموضوع(باستخدام تعبير هيجل في ذلك الزمن)،كفعالية تلغي موت الموضوعية،وكمحرك رئيسي للعملية والتي تحول البشرية الى منتج لفعاليتها. وانه من المحتمل جدا ان هذه المشكلة تبرز لاول مرة عند قراءة ادم سمث،طالما لا دراسة الاقتصاد الالماني الذي كان متخلفا جدا في سياق تطور الراسمالية،ولا قراءة ستيوارت يمكنهما حقا توفير المحفزات الضرورية.

 اول دليل وثائقي بان هيجل قرأ ادم سمث وجد ضمن مخطوطات بعض المحاضرات التي القيت في جينا في عام 1803- 1804 والتي نُشرت منذ وقت ليس ببعيد . يشير هيجل هنا الى اعلان ادم سمث عن تطور قوى الانتاج خلال تقسيم العمل في المصانع وهو كتب اسم سمث في الهامش. ولكن منذ بدايات 1802 في "نظام الاخلاق"،نجد موقفا مشابها اقل تطورا نحو العمل وتقسيم العمل ،يشغل موقعا مركزيا. لهذا السبب  من المؤكد ان هيجل كان مطلعا على ادم سمث منذ بداية فترته في جينا وانه لهذا تغلب وان جزئيا على بعض عيوب ونواقص نظريات ستيوارت.

نعتقد الان ان اهتمام هيجل بالاقتصاد الانجليزي الكلاسيكي انما يبدأ من فترة مبكرة، اي من الوقت الذي كان فيه يعمل سلفا في (Fragment of a system ).من الصحيح جدا ان ذلك العمل لا يعطينا اي مساعدة ابدا طالما الاجزاء الناجية  تحتوي فقط على اشارات صغيرة جدا للمشاكل الاقتصادية ونحن ليس لدينا فكرة حول الكيفية التي فكر بها هيجل بالهيكل الكلي للمقالة ،ولا كم هي بعيدة عن الاكتمال. ولكن اثناء التفسيرات الغامضة جدا في فلسفة الدين هناك مقطع جدير بالملاحظة ربما يساعد في القاء الضوء على الجانب الشديد العتمة من التطور الفكري لهيجل.

في هذا الجزء يتعامل هيجل مع مكانة الدين في حياة الانسان،مع الغاء الموضوعية،والايجابية الميتة في العلاقة بالناس والاشياء. المشاكل الاجتماعية والفلسفية التي يثيرها هذا القسم تحتاج الى المزيد من التحليلات المفصلة. هنا يجدر التاكيد على نقطة واحدة.يكتب هيجل:

"ولكن من الضروري ان (الانسان)يجب ايضا ان يضع نفسه في علاقة دائمة مع الاشياء وبهذا يحفظ موضوعيتها الى النقطة التي تتحطم  بها كليا".

في اسلوب فرانكفورت المالوف لنا سلفا،يحلل هيجل علاقة الانسان بالملكية ومن ثم بديالكتيكية الايجابية والحياة. في هذا الجزء هو يجد حلا بنظرية التضحية .هو يستمر:

"الانسان سيبقى غير قادر على توحيد نفسه مع الحياة اللامتناهية لأنه سيحتفظ بشيء ما لنفسه، هو سيبقى في حالة من الهيمنة على الاشياء او في حالة من الاعتماد عليها. هذا هو سبب تخلي الانسان عن فقط جزء من ملكيته كتضحية،لأن مصيره ان يحوز على ملكية وهذا المصير ضروري ولا يمكن نبذه ابدا... فقط عبر هذا التحطيم غير النافع ، خلال هذا التدمير لأجل التدمير،بالفعل هو يعمل جيدا في هذا التدمير الذي يخلقه لاغراضه الخاصة. في نفس الوقت هو استكمل موضوعية الاشياء عبر تحطيم غير مرتبط بهدفه الخاص،عبر ذلك الغياب التام للعلاقات الذي يسمى الموت. هذا التدمير غير الهادف لاجل التدمير احيانا يحدث، حتى عندما تبقى ضرورة التدمير الهادف للاشياء،وانه يثبت كونه العلاقة الدينية الوحيدة للاشياء المجردة".

لاول وهلة هذا المقطع هو بالتأكيد غامض بما يكفي. التضحية يُعتقد كطريقة دينية خارج "المصير"الضروري لعالم الملكية للمجتمع البرجوازي. ما يهمنا هو التمييز بين التضحية التي يُنظر اليها "كتدمير بلا معنى"،"التدمير لاجل التدمير"،ومفهوم "التدمير الهادف" الذي يبقى غير موضح في هذا السياق.الجزء الذي نقتبس منه هو الصفحة الاخيرة، اي،الاستنتاج لمخطوطة هيجل.اذا كان هيجل لا يفصح عما يعنيه بما يبدو من مفهوم هام ،هذا يمكن توضيحه فقط بالقول انه يجب ان يكون تم توضيحه في الاجزاء المبكرة من المقال،والتي هي الان مفقودة .ولكن قيل ما يكفي للاشارة الى ان "التدمير الهادف"يشير الى العلاقة اليومية العادية للانسان مع اشياء العالم.مسألة التضحية هي بالتأكيد ترفع الانسان الى ما وراء ذلك العالم.

ما يهمنا هو المفهوم المقابل لـ"التحطيم الهادف"للاشياء. يجب علينا اللجوء الى "نظام الاخلاق"الذي كُتب بعد سنتين في جينا. من الواضح ان الفكرة مرتبطة بالعمل. هيجل يعرّف العمل في "نظام الاخلاق"في لغة مشابهة للفيلسوف الالماني شيلنك، باعتباره "تحطيم للشيء"،وتحطيم هادف .اول ثالوث ديالكتيكي انطلقت منه افكاره هو: الحاجة،العمل ،المتعة. العمل عرّف كالتالي:

"تحطيم الشيء او الفكرة،ولكن بما ان اللحظة (ليست نهائية او مطلقة) لكي يستبدل هذا التحطيم بشيء اخر او فكرة اخرى...انه لا يحطم الشيء كشيء عموما وانما يتم بطريقة يوضع فيها شيء اخر محله... فان هذا التدمير هو عمل.

هذا التعريف لا يحتوي على كلمة "هادف"ولكن لو اتبعنا بعناية خط التفكير الهيجلي سنرى كيف هو يتحرك من العمل الى وسائل العمل ومن وسائل العمل الى المكائن، من الواضح ان الفكرة حاضرة وما هو مفقود هو فقط الكلمة لأنها تحمل اكثر مما هو مطلوب في هذا السياق. الارتباط بين العمل والهدفية يبقى حقيقة اساسية في فكر هيجل.

لذلك،نحن نعتقد ان تصور العمل والذي هو صنف ضروري جدا في نظام اخلاق جينا كان حاضرا سلفا في الاجزاء المفقودة من جزء النظام في فرانكفورت. وهذا يجعل من المحتمل جدا ان  هيجل درس ثروة الامم لآدم سمث كتمهيد للعمل اللاحق (نضيف ان اعمال كل من ستيوارت و سمث كانا متوفرين في المانيا في ذلك الوقت بمختلف الترجمات).

عندما نأتي لدراسة رؤية هيجل الاقتصادية في جينا سنرى كم هو متورط بعمق بافكار من هذا النوع والتي كانت متراجعة وفق المستويات الانجليزية.الافكار الاكثر تقدما التي حصل عليها من دراسة ادم سمث والاطلاع الكبير على حقائق الاقتصاد الانجليزي في الحقيقة مكنته من تصور تناقضات اقتصادية معينة في الراسمالية، خاصة العداء بين العمل وراس المال وهو قادر عل نقاش هذه بصراحه.لكنه لم ينجح ابدا في الكشف عن لغز الاستغلال الراسمالي الحقيقي، هو في الواقع لم يتعامل معه عن قرب كما هم الاقتصاديين البرجوازيين الانجليز. هذا العائق لم يتمكن من التغلب عليه والسبب ليس خافيا: وهو ان معرفته بالصراع بين راس المال والعمل جاءه فقط من قراءة العلاقات الاقتصادية الدولية وليس من تجربته الشخصية،او من الرؤى الواقعية للراسمالية في الحياة العادية. اي ان العائق هنا هو مرآة فكرية للاقتصاد الالماني البدائي.

بالطبع، حجم العائق اتسع مرة اخرى بمثالية هيجل الخاصة،وبالذات بقلبه للعلاقات بين القانون والدولة من جهة والاقتصاد من جهة اخرى. ولكن كما لاحظنا،مثاليته هي ذاتها تتجذر في نفس الروح. وهكذا فان التخلف الاقتصادي الالماني ليس له اي تأثير مباشر على هيجل،ولم يشوه ايضا بشكل مباشر العديد من افكاره اللامعة حول المجتمع البرجوازي.تاثيراته هي متنوعة ومعقدة واحيانا تؤثر سلبا على فكره بطرق غير متوقعة.في مقطع طويل وهام في Fragment of a system يعتبر هيجل الاقتصاد،والحياة الاقتصادية للناس،ترتيباتهم بفعل علاقاتهم الاقتصادية مع بعضهم البعض كـ "مصير"لا فكاك منه.

جزء من تصور هيجل  للمصير في فرانكفورت هو فكرة ان الكفاح  ضد القوى المعادية تكون له نفس النتيجة كما لو تتجنبه. هذا في الحقيقة هو التعبير عن حتمية المصير. ومهما كانت الصوفية في العديد من مقولات هيجل في هذا الجانب،لكنها تحتوي على الكثير من الحقائق الجوهرية حول التاريخ والمجتمع قياسا بما وُجد لدى الفلاسفة الالمان الاخرين في زمانه: اعني رفضه للفكرة الشائعة بان الانسان يستطيع السمو فوق عمره ومجتمعه، اي انه يستطيع اتخاذ موقف نظري او عملي من زاوية خارجية لمجتمعه.

في هذا المعنى جرى التعامل مع الملكية في "روح المسيحية"كمصير حتمي. في روح المسيحية هو كان مهتما فقط بهروب يسوع من الاقتصاد حين نصح يسوع  الشاب الغني للتخلص من ملكيته لينال الخلاص وفقا لما ورد في العهد الجديد. طالما ان الملكية والمقتنيات لايمكنها ان تشكل ظروف جميلة للحياة فان يسوع يهرب بعيدا عنها.هو يقول:

"ان مملكة الله هي ظرف فيه يحكم الله،فيها تلغى كل القرارات والحقوق ،ومن هنا تأتي كلماته للشاب الغني اذهب وبع مالديك – من الصعب للغني الدخول في مملكة الله- ولنفس السبب ايضا رفض القس لكل الملكيات والشرف. هذه العلاقات مع الاب والعائلة والملكية لا يمكن ان تصبح جميلة،ولذلك انها يجب ان لا توجد ابدا،لكي على الاقل لا توجد ايضا الحالة المضادة لها في الوضع الراهن.

من كتاب (هيجل الشاب) للكاتب جورج لوكاس الصادر عام 1938.

 

حاتم حميد محسن

.......................

الهوامش

(1) كارل روزنكرانز من اشهر الباحثين الهيجليين في القرن التاسع عشر، هو كان بروفيسور الفلسفة لعدة سنوات في جامعة  Konigsberg،ورغم انه هيجلي لكن فهمه لهيجل كان متأثرا بدراسته لكانط، حيث انه نظر لهيجل بعدسة كانطية، وكذلك بسبب دراسته للثيولوجي البروتستانتي.

ملاحظة: كتاب (هيجل الشاب) في محتواه العام يتحدث عن التطور الفلسفي لفردريك هيجل، وفيه يتحدى العديد من القراءات التقليدية لهيجل كمثالي محافظ. هو يرى ان هيجل كان اقل اهتماما بالهروبية او الرومانسية قياسا بالتحليلات السوسيواقتصادية. لوكاس يقلل من الجانب الميتافيزيقي لهيجل، ويصر على انه تأثر بالمادية وبالعلمانية المضادة للمسيحية.هو يرى ان هيجل كان شابا راديكاليا نظر الى الديمقراطية الراديكالية المباشرة لليونان كنموذج للتقليد.

 

 

zouhair khouildi"نحن لا نعرف، نحن من يبحث عن المعرفة، أننا نجهل ذواتنا ولنا سبب معقول عن ذلك . نحن لم نبحث البتة عنها - فكيف يمكننا العثور عليها في يوم من الأيام؟... لهذا نحن دوما في الطريق .. نحن الذي يتوفر على القدر الكافي من الجدية؟"1

يتساءل المرء دائما في حياته من حين إلى آخر أو لمرة واحدة عن طرق البحث عن الحقيقة ولكن الفلاسفة قد تفطنوا إلى جدية هذا التساؤل على غرار أفلاطون في الجمهورية (الكتاب السابع) وكذلك في محاورة المينون ولقد التفت رونيه ديكارت في مقال عن المنهج (الفصل الأول) إلى هذا الأمر ومن بعده فعل دافيد هيوم في تحقيق في الذهن البشري (الفصل الثاني عشر) وكذلك باسكال في الأفكار Pensées.

صحيح أن الفيلسوف يحب تأمل الحقيقة كما يرى أفلاطون ولكن الحقيقة ليست متاحة دون مجهود وهي لا تعرض نفسها وتوجد بشكل جاهز أمام الأعين وفي متناول اليدين كما بين هيدجر ولا يمكن للفكر أن يحصل عليها بسهولة بل لكي يكون تأمل الحقيقة ممكنا حسب كانط يجب أن يقطع الفيلسوف مسارا صعبا وأن تتوفر فيه جملة من الشروط، إذ لا يتعلم المرء الحقيقة بل يتعلم فنون التفتيش عنها وذلك بالشروع في تخطي الظن Doxa والتعالي عن المظاهر وتفكيك الأحكام المسبقة واجادة فن الحكم الصائب.

الدرس الأول الذي يمكن تعلمه من أمثولة الكهف هو أن العالم المرئي الذي نعيش فيه هو حصيلة التجربة الحسية وهو مجرد مظهر خادع وتوجد العديد من الأشياء الحقيقية وراء هذه المظاهر وفي العالم المعقول.

كما أن المعرفة الحقيقية تبدأ بالحوار مع الذات وعن طريق التفكير مع الذوات العاقلة الأخرى وتعمل على انتزاع النفس من التجربة الحسية والخروج من عالم الظن والاعتقاد إلى عالم الماهيات حيث المثل الثابتة.

إن الخروج من عالم المحسوس يسمح بالعودة إلى الذات طالما أن الحقيقة لا تكون ممكنة إلا إذا كانت نورا باطنيا بالنسبة إلى النفس وبالنظر إلى أن المعرفة تذكر والجهل نسيان، وبهذا المعنى يفترض أن تسيطر الذات على أهواء الجسد حتى لا يتعكر صفو النفس عند تأمل المثل وحتى تمارس التفكير عبر أسلوب التهكم والسخرية من المعارف الرائجة والآراء المتداولة وتطبيق فن التوليد بوصفه بيداغوجيا للحقيقة.

في هذا الصدد" إن صورة الخير الجوهرية في عالم المعرفة هي حد أبحاثنا وآخر ما يمكن فهمه...وكل من رام أن يتصرف بحكمة، فردا أو مجموعة، يجب أن يضع نصب عينيه صورة الخير الجوهرية"2.

عندما يشعر بالملل والانفعال ويكف عن الاعتراف بوجود أحكام مسبقة يكتشف بأنه سجين مسلمات ضمنية أقوال مشهورة حصل عليها من الموروث وعن طريق التقليد وبحكم الانتماء إلى المجموعة. لكن وقوع الإنسان ضحية الأحكام المسبقة قد لا يعني بالضرورة السقوط في مصيدة الأفكار العامية والأخطاء المعرفية بل يمكن أن يعبر هذا الحكم المسبق أحيانا عن قوة روحية وشرط للفهم.

عندما يشمله التصديق يأخذ الحكم المسبق المكان الذي كانت تحتله الحقيقة ويشرع في التمدد في مساحات الذهن ويتربع على عرش الفكر ويحدد مضمون الوعي ويرسم وجهة نظر الذات وأسلوبها في الحياة. وفي المقابل تعجز القناعة الخاصة أن تصبح الحقيقة حينما تعتمد على شدة التماسك الذاتي وقوة التأييد الجماعي وتأخر الثورات العلمية نتيجة غياب محاولات الاجتهاد والتجديد وندرة المتشككين في قناعتهم الخاصة.

لما يحوز المرء على ظن فإن ذلك يعني ضرورة الحيازة على الحق بشكل مسبق والتعامل معه على أنه غلط وزيف ولو تم منحه حق التواجد وبالتالي إتاحة الفرصة لكل شخص بأن يرى الحقيقة التي تتوافق مع وجهة نظره. لكن علاوة على تغير الحقائق من ذات إلى أخرى حسب الأهواء والميول والانطباعات توجد حقيقة مستقلة عن الكل وصالحة للجميع ومتعالية على التاريخ ولا تخضع وصيرورة التغير وجدلية الهدم والبناء تسمى عند أفلاطون المثال. بالقدر الذي يكون فيه الحكم المسبق رائجا وراسخا يقترب من الحقيقة واليقين ويصمد أمام النقد ولا يقدر التفكير العقلي من الكشف عنه ولا يتم التخلص منه إلا بمشقة وعناء. جملة القول أن الحقيقة لا تشرق بأوراقها ولا تتجلى عن طريق مكوناتها الذاتية بل تبحث دائما وأبدا عن متقبل الناس لها وتقتضي إتباع سبل أثناء التفتيش عنها.

قد يملك الناس استعدادا فطريا نحو الحقيقة ولكن هذه الحقيقة ليست حاضرة بصورة مباشرة وليست واضحة للفكر بما في الكفاية بل تقتضي معرفتها الخضوع إلى تربية قاسية وحوار عقلي يلتزم فيه الفكر بجملة من القواعد. أعلن عنها رونيه ديكارت بين حاجة الفلسفة الماسة إلى التقيد بصرامة ودقة المنهج بقوله:" الذين لا يسيرون إلا ببطء شديد يمكنهم التقدم بأكثر حزم إذا ما اتبعوا دائما الطريق المستقيم"3.

بناء على ذلك نميز بين حقيقة جزئية تنطبق على مجال دون آخر والحقيقة الكلية التي تشمل كافة أنحاء العلم. فالحقيقة الجزئية يمكن أن تقع في الغلط وتخطئ ويتم تبكيتها ورفضها وتجاوزها واستبدالها بأمر آخر وربما يتنزل اعتقاد الإغريق بأن العبودية واقع طبيعي مشروع في هذا الصدد الذي قامت البشرية بإلغائه. بينما الحقيقة الكلية هي ضرورة أبدية وقانون كوني ولذلك ساد الاعتقاد عند الإغريق في مركزية الأرض وكان من الصعب الفصل بين ما تراه التجربة المحسوسة وما يتم تصوره على مستوى النظر العقلي وبين قوانين الواقع ومبادئ التفكير إلى أن جاءت الثورة العلمية وحطمت الكوسموس وقامت بترييض الفضاء.

من هذا المنطلق لا تسطع الحقيقة من شدة بداهتها بل يمكن أن تتعرض إلى التزييف والتعتيم والإخفاء وقد لا يتمكن الناس من العثور عليها ورؤيتها وقد لا تراودهم فكرة التفتيش عنها من حيث الأصل ويعيشون حياة العادة والتقاليد ويأخذون معارفهم ومعلوماتهم من الظن السائد والحس المشترك والتفكير الجماعي.

كما أن الحقيقة قد تتعرض إلى الإتلاف والمخاتلة والتنصل من طرف سيئي النية ويحل محلها الكذب على الذات والدسيسة والمغالطة والتلبيس والصفاقة ويدخل العامة في سجن الحياة اليومية والكهف الأفلاطوني.

غير أن الحقيقة لا تستعمل القوة لكي تفرض نفسها على الناس وإنما تترك المجال للحجة والإقناع وتطلب الاعتراف والتقدير والاحترام من خلال الرأي السديد ومجاورة الحرية والحق.

اللاّفت للنظر أن المرء يستعمل كلمة حقيقة بمعنى المعرفة ويربطها بفكرة الفضيلة ويطالب بقول الحقيقة من أجل أن يكون صادقا ويتجنب الكذب بوصفه رذيلة بالمعنى الأخلاقي وخلف وتغليط بالمعنى المنطقي.

أن يكون المرء منفعلا بالحقيقة ومنشغلا بأمرها هو أن يفيد ذلك أمرين:

- أن يفتش الفكر دائما عن المعرفة اليقينية وأن يصحح الأخطاء بشكل متواصل مثلما يقوم العلماء.

- التوقف عند الأحداث الهامة وتنقية الوقائع من الأكاذيب مثلما يفعل القاضي والمؤرخ والطبيب.

بهذا تتطلب الحقيقة عندئذ التحلي بالصرامة والدّقة والإخلاص والوفاء والنزاهة والموضوعية والحيادية.

بناء على ذلك يتطلب العثور على كنز الحقيقة وبلوغ سرها الدفين قيام المرء بشغل منهجي لا ينتهي ولا يكتمل وذلك من خلال قطع مسار شاق وطريق طويلة والتسلح بصراط دقيق، ولقد شهدت الفلسفة عبر تاريخها الطويل بروز جملة من المناهج وعدد من المسارات وتتبع مجموعة من المنعرجات وتمر بعدة مضيقات ولذل تسعى الفلسفة الى توفير مجموعة من الشروط يمكن ذكر أهمها:

- لكي تكون العبارة حقيقية فإنه من الضروري أن تفيد معنى معين (نداء، تحية، طلب، إخبار).

- لكي تكون القضية حقيقية فإنه من الضروري أن يتم البرهنة عليها بتقديم جملة من الحجج.

- لكي تكون الفكرة حقيقية فإنه من الضروري أن تكون نافعة الممارسة ومؤثرة في الواقع.

أما المناهج التي تم استخدامها في البحث عن الحقيقة فإنه من المفيد الإشارة إلى الارتياب والنقد والشك والجدل والتحليل والتأليف والاستدلال والتجريب والاستقراء والافتراض والاستنباط والتأمل والحدس ويمكن إضافة مناهج المعاصرة على غرار التاريخية والفنومينولوجيا والبنيوية والتأويلية والتفكيكية.

على هذا النحو شكل مشروع البحث عن الحقيقة مبدأ تكوينيا للتفكير الفلسفي بل إن الفلسفة بأسرها من جهة تاريخها ومفاهيمها قد اعتمدت عليه من أجل تحديد ذاتها وتطوير آلياتها ورسم مقاصدها وأغراضها.

لقد صاغ أفلاطون مثلث الأفكار الذي حدد معالم البحث عن الحقيقة في المشروع الفلسفي برمته من خلال ما يلي:

- يحوز المشروع على معنى: مجهود الفكر البشري في سبيل بلوغ حقيقة أصلية يكلل دائما بالنجاح.

- لا تظهر الحقيقة للعيان إلا حينما يفكر فيها المرء ويمتلكها عن طريق العبارة ولا يمكن إعادتها إلا في صورة فكرة أجنبية.

- تعرف الحقيقة من حلال ديمومتها وكونيتها وعدم توافقها مع نسبية الآراء البشرية الأخرى.

غير أن الحقيقة يتم اكتشافها في التاريخ عبر توفر جملة من الشروط التاريخية التي تساهم في إنتاجها. لذلك حاولت الرّيبية الاحتراس من الأحكام المسبقة بالتوقف عن الحكم وتعليقه وتأجيل الحسم في القضايا الشائكة وتبنت الموقف اللاّأدري ومارست في الأثناء التفكير والتحري والغوص في الأعماق وتقليب الأمور على جميع جوانبها والتحقيق والتدقيق والانخراط في وضعية جذرية من الشك المذهبي الذي يضع كل شيء بين معقفين وأعلنت إفلاس الموقف الوثوقي وعجزه عن بلوغ الحقيقة والاستماتة في الدفاع عن وجاهتها. بيد أن الشك الريبي لا يعني الإقرار بكون جميع الأشياء خاطئة ولا يفيد انكسار المعرفة واليأس من بلوغ الحقيقة وإنما هو القول بأن المرء لا يعرف إن كانت الأشياء كاذبة و خاطئة أو صادقة وصالحة، وبالتالي يستوجب السؤال الشهير: ماذا تعرف؟ الإجابة بأن المرء لا يعرف إلا أمرا واحدا وهو أنه لا يعرف إن كان على صواب أو على خطأ وبالتالي عليه ألا يثق في الحقائق اليقينية ويبقي الحكم عليها معلقا. ويقدم المذهب الريبي مع بيرون وسكتوس أمبيروكوس جملة من الحجج على سلامة نظرته المنهجية:

-التناقض بين الآراء

- التراجع إلى ما لانهاية

-ضرورة قبول مصادرات غير مبرهن عليها عند الانطلاق.

- الدوران في حلقة مفرغة بتعريف الواحد بالآخر.

- كل رأي هو نسبي وتخالف الآراء بين الناس وبين الذات وذاتها.

يعرف لالاند في معجمه الريبية بكونها" المذهب الذي لا يُمكن الفكر البشري من بلوغ أي حقيقة بالاعتماد على يقين، بالنظر إلى أن الفكر لا يستطيع أن يحكم على الإطلاق على أي شيء بالنفي أو بالإثبات"4.

غير أن الريبية تم دحضها من طرف العلم المعاصر حينما أثبت تناقضها الداخلي وطرحها فكرة لا تكون في المتناول وأدمجها في النظرية العلمية وبالتالي تكون قد أقرت حقيقة واحدة وتتمثل في كون جميع الحقائق نسبية. لكن الفلسفة تداركت الأمر بإعلانها وجود المعارف الحقيقية بشكل مطلق فيما يسمى العلم اليقيني بالعالم وقسمت المنهج إلى المثال الذي يقر بقدرة الفكر على بلوغ الحقيقة الكلية من جهة أولى والى مجموع المعارف التي ينتجها الفكر حول الواقع من جهة ثانية. كما أن تشكلت الفلسفة بماهي علم دقيق وعادت ترنو إلى الحصول على المعرفة اليقينية بصورة مطلقة وتتسم بالكلية والضرورة والموضوعية، لكن كيف يتجنب العلم في مستوى تفسيره للطبيعة الأحكام المسبقة والآراء السائدة؟ وماهو المقياس المتبع؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

....................................

الإحالات والهوامش:

 [1] Nietzsche F, La généalogie de la morale, traduit par Henry Albert, collection Idées, édition Gallimard, mercure de France, 1964 , p07.

 [2] أفلاطون، الجمهورية، ترجمة خنا خباز، دار القلم، بيروت، لبنان، دون تاريخ، ص205.

[3] Descartes René, Le discours de la méthode (1637), édition Vrin, Paris, 1966.p02.

[4] Lalande André, Vocabulaire technique et critique de la philosophie, volume 2, édition PUF, 1926-1992, p949.

 

المصادر والمراجع:

أفلاطون، الجمهورية، ترجمة خنا خباز، دار القلم، بيروت، لبنان، دون تاريخ، ص205.

 Descartes René, Le discours de la méthode (1637), édition Vrin, Paris, 1966.

 Lalande André, Vocabulaire technique et critique de la philosophie, volume 2, édition PUF, 1926-1992.

Nietzsche F, La généalogie de la morale, traduit par Henry Albert, collection Idées, édition Gallimard, mercure de France, 1964.

 

zouhair khouildi"بهذا الانعطاف لفك الرموز القديمة فإن الايمان ليس صرخة ولكن فهم"1

لم تمنع استقلالية الخطاب الفلسفي بول ريكور من الاهتمام بالدين في العموم من وجهة نظر تأويلية نقدية ، ولم تشكل صعوبة الطريق المؤدي الى فهم الديني عائقا أمام تفكيك العلاقات الموروثة والمترسبة بين التيولوجي والأنثربولوجي وتطبيق المنهج الفنومينولوجي المنحدر من هوسرل وهيدجر على الحياة الدينية وتطعيمها بقراءة هرمينوطيقية للوجود الديني تتحرك ضمن دائرة تأويلية متكونة من مساري التفسير والفهم ومنفتحة على مناهج علوم اللسان والذهن والمجتمع. في هذا السياق تتكون اشكالية المداخلة من ابراز مواطن التوتر بين الفلسفي والديني في النصوص الريكورية وتقصي مزايا وحدود طريقة التجسير التصالحي بين النقائض التي اتبعها بول ريكور بغية استثمار ما تجود به التقاطعات بين الذاكرة والنسيان وبين المقدس والدنيوي وبين الاثم والغفران من كشوفات أنطولوجية وما تسبعده من أوهام كوسمولوجية وأغراض ايديولوجية.

لقد كان رهان ريكور هو التخلص من آفة الشر وتخطي مأزق الخطأ وإماطة اللثام عن العمق الخير الذي يوجد في فطرة الانسان وعن البراءة الأصلية التي تتميز بها الطبيعة البشرية، وظل شغله الشاغل استخراج الأبعاد الاتيقية للقصص الديني من خلال ازالة الأسطرة عن المقدس وتشفير اللغة الرمزية وبناء علمانية ثالثة تخرج من مضيق اللاهوت القروسطي للدولة الدينية والتصور اللائكي المعادي للإيمان وتضع الخطوط الأساسية لقيام دين مدني يتوافق مع التصور الجمهوري لدولة الحقوق.

بناء على ذلك فرضت المقارنة بين الهرمينوطيقا الفلسفية والهرمينوطيقا الدينية نفسها وكان استدعاء كل من أوغسطين والاكويني وأنسلم وديكارت وسبينوزا وكانط وهيجل وماركس ونيتشه وبرجسن وهيدجر وبولتمان ومارسيل وياسبرس وتيليش وفرويد وألياد وميسراحي وغرايش ولاكوك وفانسان أمرا لازما للتفكير في الوضع الهرمينوطيقي للدين.

لقد حرص ريكور على تخليص الدين من المعنى السياسي والتركيز على الأبعاد الكونية والقاع الانساني الذي تكتنزه اللغة التوراتية في مستواها الشفوي المحكي أو في المدونة العقدية المكتوبة. كما بشر بحسن الضيافة بين القراءات والاجتهادات للنص المقدس وشرع للاختلاف والتعدد والتنوع في التعامل مع الإلهي تأملا وعرفانا ومناجاة وتفكرا وممارسة اجتماعية وتعبدا فرديا. هكذا يكمل الحوار البيديني ما تحقق من بيذاتية وبيشخصية وبيثاقية وبيمنهاجية وبينصية وتتحول قيم التعارف والصفح والشهادة والشكر والمروءة إلى عناصر تكوينية للإتيقا السردية.

أطروحة البحث لا توجد فلسفة دين قبل بول ريكور بل مجرد أفكار فلسفية متناثرة حول الدين تناولت قضايا اللاهوت وحاولت البرهنة على وجود الله وبحثت عن الروح والموت والحياة الأخرى والغفران.

يمكن حصر الخطوط العامة للتناول الريكوري للمسألة الدينية في التمفصلات التالية: لقد بحث ريكور عن أسرار فطرية التدين وصعوبة الطريق نحو الديني ضمن رؤية تيولوجية هرمينوطيقية للوجود الديني وحاول تفكيك العلاقات الملتبسة بين الفلسفة والتيولوجيا وطبق منهجا فنومينولوجيا لدراسة الحياة الدينية يقوم بالأساس على ازالة الأسطرة عن المقدس ويجري تجارب من الحوار البيديني ويتحرك ضمن المضيافية الاتيقية. فماهي المسلمات الاتيقية لفلسة الدين عند ريكور؟ وماهي الشروط الضرورية لقيام فلسفة الدين في حضارة أقرأ؟

من الضروري احداث تقاطع بين الهرمينوطيقا الفلسفية والهرمينوطيقا الدينية وتفكيك الأنطوتيولوجيا والاقرار بالمبادىء التالية:

- لا يمكن الحديث عن فلسفة في حضارة اقرأ بالمعنى المستقل عن اللوغوس الاغريقي وعن نمط من التفلسف النقدي الحر عند العرب الا بالكف عن النظر الى الفلسفة العربية كونها تعريب للفلسفة اليونانية وتحقيق إضافة خصوصية في التيولوجيا ( كلام وفقه وحديث) والانتباه إلى أهمية فلسفة اللغة وفلسفة الدين وفلسفة الثقافة وفلسفة الطبيعة عند الناطقين بلغة الضاد.

- يجب أن تقر الهرمينوطيقا الدينية بشرعية الاختلاف بين الديني واللاديني وتتوجه نحو البحث عن دين بلا مذاهب وترتقي إلى ماوارء الملل والنحل والطوائف مادام الأمر يتعلق بتدبير النص وتفسير الكون وعقل الوجود وفهم الذات في كونيتها.

- لقد تحولت الرؤية المقاصدية للدين إلى عائق معرفي ولم تعد تمثل الفهم التقدمي لقضايا الإيمان بل مجرد قراءة تقليدية للتراث تتحرك في حلقة مفرغة ومن الضروري تثويرها والانطلاق نحو قراءة أنطولوجية عبر تقاطع مناهج التفسير ومناهج الفهم ضمن دائرة هرمينوطيقية.

- نزع تأويل النص الديني من قبضة السلطة السياسية بما أن أزمات التأويل هي أزمات سلطوية ومنح الفلاسفة والعلماء شرعية الاستنباط والتحليل والتدبر في اطار قراءة عقلانية نقدية.

- تعاني فلسفة الدين من تصارع بين الاعتقاد والاعتقاد وتنازع بين تثبيت القداسة وخلع الهالة وتوتر بين الإقرار بالايمان وحيرة الروح أمام التباس تجربة المطلق وتلك هي هشاشة وضعيتها الهرمينوطيقية وموانع تشكلها كاختصاص معرفي قائم الذات.

جملة القول أن ما يوجد الى حد الآن في الثقافة العربية هو مجرد أفكار فلسفية حول الدين تتراوح بين الشك والاثبات وأن فلسفة الدين بالمعنى الحقيقي للكلمة لم تر النور بعد. فماهي العدة المفهومية الضرورية والعمل الابستيمولوجي اللازم لتحقيق هذا التأسيس الفلسفي؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...........................

الهوامش:

[1] ريكور بول ، صراع التأويلات، دراسات هرمينوطيقية، ترجمة منذر عياشي، دار الكتاب الجديد المتحدة، طبعة أولى، 2005.ص.438.

 

المراجع:

ريكور (بول) ، صراع التأويلات، دراسات هرمينوطيقية، ترجمة منذر عياشي، دار الكتاب الجديد المتحدة، طبعة أولى، 2005.

 

 

zouhair khouildiاستهلال: "لا شك في أن ظاهرة الأفقHorizon ذو أهمية رئيسية بالنسبة لبحث هوسرل الفنومينولوجي .. إن الأفق ليس تخما صارما وإنما هو شيء يتحرك مع المرء ويدعوه إلى التقدم إلي الأمام "1.

لقد دشن الفيلسوف وعالم الرياضيات الألماني أودموند هوسرل 1859-1938 الحركة الفلسفية التي اصطلح على تسميتها فنومينولوجويا والتي ارتكز منهجها بالأساس على رد المعطيات إلى الوعي وعلى كذلك استخلاص الفلسفة من الميتافيزيقا التي أضاعت طريق الذهاب إلى الأشياء في حد ذاتها.

لقد بقيت هذه الفلسفة تمجد التمثل وتعرف الوعي بواسطة القصدية وتسعى لكي تشكل المنهج الوصفي الأكثر صرامة ودقة بالنسبة للظواهر. لقد أحدثت محاضرة هوسرل من على مدرج السوربون سنة 1929 والتي جاءت بعنوان تأملات ديكارتية رجة في صف الفلسفة الفرنسية وأثرت بصورة عميقة على أبحاث ليفيناس وسارتر وغاستون برجر. بيد أن طرافة الفنومينولوجيا في فرنسا أنها اصطبغت بالمنحى النفسي عند موريس مرلوبونتي وجسدت تأثير هوسرل من خلال هيدجر على ليفيناس وسارتر وبول ريكور.

احقاق للحق ينبغي القول بأن الفنومينولوجيا مثلت في بداية القرن العشرين وعيا جديدا بالأزمة التي يعاني منها العالم ودشنت محاولة جدية للتفكير في الأزمة والبحث عن مسارات مستحدثة تنشر الأمل والانعتاق.

لقد سعت الفنومينولوجيا الى تخطي العديد من الأزواج الميتافيزيقية ضمن تأليف جدلي بينهما على غرار ثنائيات الطبيعة والقانون ، وكذلك الجسد والنفس، ثم التجريبية والعقلانية، وأيضا الذات والعالم، ووجهت الأنظار الى الخبرة المعيشة والحياة اليومية وقضية المعنى وأعلنت الحرب على الوضعانية والعلموية.

لكن ما المقصود بالفنومينولوجيا؟ كيف تم الانتقال بها مع مرلوبونتي من عالم المفارقة الى عالم المحايثة؟ وهل ساعدت على اكتشاف قارة الذاتية مع ليفيناس؟ وبأي معنى طعم ريكور المبحث بالتأويل والسردية؟ وماذا يحدث على صعيد الفكر لو وضعنا هرمينوطيقا ريكور بين فنومينولوجيا مرلوبونتي وايتيقا لفيناس؟

ماهو في ميزان العقل ليس استعادة الفلسفة الفنومينولوجية بصورة مذهبية والاكتفاء بعرض فكري تحليلي لأبنيتها النظرية وإنما استخدام المنهج الفنومينولوجي في وصف التراث ودارسة الواقع الذي يعيشه المرء.

 

1- موريس مرلوبونتي:

" ليس الإدراك الطبيعي علما، ولا يطرح الأشياء التي يحمل عليها ولا يقوم بالابتعاد عنها لكي يلاحظها وإنما يحي معها، انه الرأي أو الإيمان الأصلي الذي يربطنا مع العالم مثلما نرتبط بالوطن الذي يخصنا"2

لقد خالف مرلوبونتي (1908-1961) كل من برجسن ولافال وألف أطروحة خول فنومينولوجيا الإدراك سنة 1945 مقبولة باللغة الفلسفية المتداولة وتتضمن فلسفة شاملة تعتمد على الإدراك الحسي للإطلال على الوجود وتأخذ بعين الاعتبار تجربة الإنسان في العالم وتستلهم في حدوساتها العناصر الفلسفية التي وفرها علم النفس الشكل. لقد أكد مرلوبونتي على خاصية الذاتي بالنسبة إلى الجسد الخاص وذلك بأن نفى عنه أن يمثل عضو المعرفة بالعالم والتعامل معه بوصفه قصدية دالة. لقد أوضح ،على خلاف الاختزال الديكارتي للجسم إلى الامتداد، بأن الجسد هو كلام متكلم يحمل المعنى في العالم الذي يحضر فيه. على اثر تحليله للعالم المدرك بين مرلوبونتي عن عدم كفاية الأطروحات العقلانية التي تقتصر على رؤية شغل العقل في التجربة الإدراكية وكشف عن خطأ نظرية المعرفة عند كانط لما قامت بالخلط بين الزمان والمكان.

على هذا النحو لا يكون الإحساس مجرد قبول المعطيات من الخارج وإنما هو انفتاح على العالم وتلخيص للمدركات الحسية أكثر منه تأليف وموجز عن المحسوسات أكثر منه إحاطة واختصار أكثر منه استيعاب. لقد بلور مرلوبونتي عن طريق تحليل للإدراك الحسي من زاوية الجسد الخاص نظرية جديدة في الذات، وحرص على أن تُختَزَل الذاتية وتُرَد فنومينولوجيا الى الزمانية في حد ذاتها وأن تكون الفنومينولوجيا بحثا متأنيا ومنهجا وصفيا يظل وفيا لما يسبق مبدأ الكوجيتو الانعكاسي أو المجال الذي يأتي قبل البعد التفكيري ويقصد الجانب من الذات الذي يهب نفسه لذاته وذلك من حيث البدء باعتباره ملتزم بالعالم .

على هذا الأساس يستثمر مرلوبونتي حقول متنوعة من علوم الانسان لمواجهة الاتجاهات الموضوعاتية والوضعية ويعتمد دون دراية منه على الفلسفة العينية للروح عند برجسن التي تتأسس على مفهوم التعبير وذلك في كتبه المتقدمة وخاصة مؤلفات "بنية السلوك"1942 وفنومينولوجيا الادراك 1945و"الانسانوية والإرهاب"1947 و"المعنى واللاّمعنى"1948 و"تقريظ الفلسفة"1953 و"مغامرات الديالكتيك"1955.

في هذا السياق يصرح بأن " الوعي ليس له ماهو باطني ، انه لا يوجد خارج العالم وخارج الكلمات"3، وبالتالي لا يكون الإدراك perception حصيلة تفاعل سببي بين ذرات من الإحساس وإنما هو بعد فاعل من حيث انفتاحه الأولي على العالم المعيش ويترجم قول هوسرل بأن "كل وعي هو وعي بشيء معين".

مهما كانت أطروحة مرلوبونتي طريفة وجديدة إلا أنها بقيت تتحرك على أرضية الفلسفة المثالية وتحترم المقولات التي بلورتها على غرار ثنائيات الذات- الموضوع والطبيعة-العالم والوعي – الوعي بالذات.

بهذا المعنى يوجه عناية كبيرة بمشكل الفن ويضع مسالة التعبير الفني في مركز اهتمامه الفنومينولوجي ويضعها في منزلة البناء التكويني للإدراك والعلاقات التي يمكن أن يشيدها كل من الإنسان والعالم معا.

ربما يكون مرلوبونتي قد اقتدر على تخطي ثنائية الذات والموضوع في كتاباته المتأخرة وبالخصوص في مؤلفات "علامات" 1960 و"العين والفكر" 1960 و"المرئي واللاّمرئي" 1964 و"نثر العالم" 1969.

 لقد تم اختراق الفنومينولوجيا عن طريق صعود حدس ميتافيزيقي بصورة خاصة يتمثل في معطى اللحم الذي يوجد في منطقة وسطى بين الواقعة والماهية وبين المادة والفكر ويشكل اللاّمرئية التي تشكل المرئي ويمثل العمق الغامض الذي يسمح بظهور الأشياء واللاّمعرفة الأولية التي تدفع الرغبة إلى كسب المعرفة. لقد حاول مرلوبونتي دفع الحدود الداخلية للفنومينولوجيا من حيث هي دراسة موجهة للظواهر وتقييد للفلسفة لكي ترتقي إلى مستوى فلسفة الفكر ومن أجل أن تتحول إلى ميتافيزيقا من نوع جديد ومعاصر. لقد تعامل مع الفنومينولوجيا بوصفها إنكار للعلم وأكد على أهمية العودة إلى الأشياء من الناحية المنهجية وحاول إعادة التفكير في العلم في حد ذاتها وذلك بإضفاء المعنى والقيمة على تجربة الإنسان في العالم.

لقد مر مرلوبونتي بتجربة التدريس وكان أستاذا ناجحا في تعليم الفلسفة بالرغم من فشل الرفقة التي جمعته بجان بول سارتر وتميز بإعطائه الأولوية للإدراك وتثمينه للحضور المتجسد في العالم وتدشينه التجربة اللغوية لفنومينولوجيا الكلام واهتمامه بالفنون والانتباه إلى دور العلاقات البيذاتية في تشبيك حركة التاريخ وتأكيده على أهمية التصالب الحي في الانتقال من اللاّمرئي إلى المرئي وفي إنتاج المعنى من اللاّمعنى.

على سبيل الختم لقد كانت" خشية الفلسفة من اللاّمعنى هي خشية الخطر الكارثي الذي لا انعطاء معه لمعنى أصلي ولا بقاء بعده لمطلب غائي ولذلك كان صبرها على إنشاء المعنى بقدر حرصها على استبعاد اللاّمعنى"4. لقد استخدم مرلوبونتي فنومينولوجيا الكلام من أجل أن يبين أن التعبيرية expressivité تمتحن قدرات الذات المتسجدة في العالم على بلورة أنشطة رمزية وأفعال إدراكية تتجاوز المستوى العضوي للجسم الموضوعي وتبلغ درجة الأنشطة العقلية التي تقوم برفعها إلى مستوى الحياة الثقافية.

هكذا يتحول الكلام إلى نواة الثقافة وذلك لما يتمتع به من دور في امتحان العلاقة بين الفكر والمعنى وبين الذات والعالم ويتجلى ذلك بوضوح في الاستعمالات الأدبية للغة وإمكانيات الجسد الخاص في التعبير فنيا. فما يمكن أن يضيف ليفناس الى فنومينولوجيا الادراك الحسي عند مرلوبونتي؟

 

2- عمونيال ليفيناس:

" يرحب الوعي الأخلاقي بالغير... تبدأ الأخلاق عندما تحس الحرية بأنها اعتباطية وعنيفة بدل أن تسوغ ذاتها بواسطة ذاتها"5.

لقد مثل ليفيناس (1906-1995) وجها ساطعا في سماء الفلسفة الفرنسية في القرن العشرين بالرغم من أصوله الروسة اليهودية وتأثره بالفيلسوف اليهودي الألماني أودمنود هوسرل الذي ناقش حوله في سترازبورغ أطروحة دكتورا حول نظرية الحدس في الفنومينولوجيا ، وبعد ذلك لم يستبعد تعلقه بنظريات هيدجر وسارتر.

على الرغم من المساعدة التي قدمها له جان فال للتدريس في السوربون فإن الكتاب الذي ساهم في شهرته هو الكلية واللانهائي الذي ألفه عام 1961 ولم تعترف به الجامعة إلا ثلاثة سنوات قبل تقاعده عام1973.

لا يمكن إدراج ليفيناس ضمن سلسلة فلاسفة الأخلاق الفرنسيين بالرغم من أن المبحث الأول في فلسفته هو الإيتيقا وذلك بحكم المصادر الفنومينولوجية لتفكيره وبسبب استبداله الأنطولوجيا والميتافيزيقا بالإيتيقا.

لقد جعل من وجه الغير الظاهرة الأولى وبالأحرى التجربة التأسيسية للفلسفة الفنومينولوجية ولكن ليفيناس لم يتصور الوجه على أنه وجه واحد بعينه وإنما يذكر بأن الأمر يتعلق بوجه الآخر في العموم والإطلاق.

كما أن تجربة الوجه لوجه ليست موعد للتحابب والتوادد بل هي أمر أخلاقي ومعطى إنساني. بهذا المعنى إن كل نزاع مع الغير لا يمكن إدراكه إلا على قاعدة حضور الغير بالنسبة إلى الأنا ذاته وما يتضمنه هذا الحضور من مسؤولية يتحملها الأنا تجاه الغير ومسؤولية الغير إزاء الأنا الذي يلتقي به وجها لوجه.

لقد آمن ليفيناس بأن ماهية التجربة الإنسانية هي ملقاة على قارعة الطريق وأن كل أمر واقع يتفرع عنها، وانطلق من موضوع الكلام لكي يثمن فعل القولLe dire على المضمون المقيلle dit ويبرر ذلك بأن فعل القول هو الكلام الحي بوصفه قول للغير، بينما مضمون المقيل ليس سوى المحتوى الكوني للرسالة.

الكلية عند ليفيناس هي النسق والعقل الكلياني الذي ينسب بالخطأ الى هيجل، أما اللانهائي فهو الكسر والاختراق والاستراحة والأرق وحضور بصورة عاجلة لأمر متعال في ذواتنا على هيئة نظام وترتيب ويمثل تعال الأخر والله في ذات الوقت بالنظر إلى أن الآخر يظل دائما وأبدا آخر. بناء على ذلك ان اللانهائي ليس البتة نفيا للنهائي وإنما هو ذاتية الذات من وراء القصدية . كما أن الذاتية ليست تقية باطنية بما أن الوعي ينثني على ذاته في كل امتحان من أجل الوعي وبما أن أخلاق الوعي الباطني تحتاج إلى نقد بالنظر إلى سقوطه في فخاخ النفاق. على هذا النحو تعيش الذاتية توترا في اتجاه الآخر ولكنها ما تلبث أن تعمل على استقبال هذا الآخر وتلقي عليه التحية وتقوم بالترحيب به وذلك لكونها تتحدد بواسطة الخارجية.

أما اللانهائي فهو شكل الآخر من حيث هو آخر حيث الظهور يتلاعب بتناهي العقلانية التي حددها كانط. فالآخر لا يستطيع أن يدخل في أطر المطابق أي لا يمكن إدراجه ضمن المساحة الخاصة بمقولات الذهن.

والآية على ذلك أن خارجية هي مضافة إلى المَقوَلة وأن حرية الذات وفكرها هي من تبعات ظهور الغير وتنتج عن انفصاله الجذري وأخذه بعين الاعتبار عدم إمكانية إرجاعه واختزاله إلى عدد من المقولات.

على هذا الأساس تعارض فلسفة ليفيناس سعي سبينوزا إلى جعل فلسفته تستهدف كل من الحكمة والغبطة بواسطة التراتبية وتجميع التنوع في وحدة نسقية شاملة وتصغي إلى درس أنبياء اليهودية وفلسفة الوجود عند كيركغارد وتقترح تحليلات معمقة للحساسية بغية إعادة تشكيل للذات من جديد أمام حضور الغير.

إن نكتة الإشكال عند ليفيناس تتمثل في تحول الذات إلى رهينة عند الآخر بما أن الأنا يتضمن هذا الآخر. علاوة على أن الذاتية المقتلعة هي بالأساس ذاتية عطوبة وهشة بما أنها منفعلة ومعذبة في ذات الوقت.

ليست العطوبية إمكانية المعاناة والعذاب والتألم بل هي بالخصوص معاناة الأبرياء التي هي بالنسبة إلى الوعي الإنذار الأكثر حدة بأن ينتقل إلى منظور الآخر ويتحمل مسؤولية كل الشر الحاضر في العالم. بناء على ذلك لا تتمثل المسؤولية في الإحساس بالذنب بل التصريح على الشرف والإقرار بالكرامة الإنسانية.

من هذا المنظور تتحول العطوبية الى امكانية للاستمتاع ويصبح العناق ردا فنومينولوجيا معكوسا على الاهانة والجرح والطعنة ويتم تشييد فنومينولوجيا المحبة بالاعتماد على تجاوز لاإجتماعية الشهوة وتلاشي العناق بسبب وجود آخر كجسد شهواني وحنون إلى انتظار الثراء في الزمن التام والحلم بالأبدية السعيدة.

يترتب على ذلك أن " الحكمة التي يطمح إليها التفكير الجديد والحياة التي تعبر عليها لا تتوقف على معانقة الكون. لقد صرح المرء، بعد أن شجب الجميع الزهد الفكري للمخبر، أن مغزى الدلالات أو العقلانية قد بنيت أيضا بوصفها المعرفة أي الهدف الشامل – المتضمن – لخارجية معينة"6

لقد ترك ليفيناس فلسفة مضادة للميتافيزيقا تصف نفسها بأنها إعادة تأويل إيتيقي للميتافيزيقا وتحصل على معناها بالمراهنة على العلاقات الايتيقية بين الذات والغير من خلال تشييد علاقات بينذاتية وبيشخصية إنسانية . لقد أصبحت الفنومينولوجيا إيتيقا تصرح بأولوية الروحي وتقطع مع كل محاولة تتجاوز للايتيقا.

فماهو الدرس الفنومينولوجي الذي استفاده ريكور من ايتيقا ليفيناس؟

 

3- بول ريكور:

" لا يمكن للفنومينولوجيا أن تنجز برنامجها في التكوين دون أن تتكون هي نفسها عبر تأويل معين لحياة الأنا"7

يغطي الأثر الذي تركه بول ريكور (1913-2005) معظم المشكلات الفلسفية لعصرنا باستثناء المشكلات التي تطرح ضمن دائرة العلوم الطبيعية والدقيقة. لقد ساهم في تشييد فلسفة الوجود لما شارك كارل ياسبرس في تأليف دراسة متأنية بعنوان فلسفة ولما دخل في نقاش مع غابريال مرسيل واستلهم الأفكار الأخلاقية من جان نابير وليفيناس. بيد أن ريكور ظل على اتصال قوي بفنومينولوجيا أودموند هوسرل وقام بترجمة أفكاره التوجيهية من أجل الفينومينولوجيا عام 1950 والتي عرفت فيما بعد بالأفكار 1، كما بقي منشدا إلى فلسفة مارتن هيدجر وبالخصوص في الوجود والزمان وأيضا "كانط ومشكل الميتافيزيقا".

ما يثير الاستغراب أن أثرا كبيرا لم يطرح أبدا مشكل الله بالرغم من كون مؤلفه يعتبر فيلسوفا مسيحيا ويعرف باهتمامه بالهوامش والتخوم وتناوله لمسائل تفسير الكتاب المقدس واعتنائه بالرمز والأساطير.

لقد بين ريكور أن فنومينولوجيا الدين غير كافية اذا ما لم يتم تطعيمها بهرمينوطيقا النص المقدس وبهذا المعنى خلت فلسفة الدين من كل الاعتبارات الميتافيزيقية وحرصت على تطبيق المنهج الهرمينوطيقي وأقرت بلاّشخصية الإيمان وطابعه المستتر وجانبه الملغز الذي كان كيركجارد قد بين بعده اللاّفلسفي.

لقد كانت فنومينولوجيا الفعل أول اهتمامات ريكور ولقد جعل من الفعل محرك كل كتبه بالتعارض مع التأمل المحض أو مع النظرية الخالصة. بما أن الإنسان يتحدد بواسطة فعله فإن الفلسفة مطالبة بتوضيح هذا الفعل وبدراسة الكلام على أنه استعارة حية وحركة داخل السرد وضمن إطار زمانية وجود متغيرة.

من المعلوم أن موضوع الأطروحة التي ناقشها بول ريكور في نهاية الأربعينات من القرن الفارط كان يدور حول "فنومينولوجيا الإرادة" ويتمفصل إلى قسمين هما "الإرادي واللاّإرادي" و"التناهي والإثم".

من البديهي أن يبلور ريكور الإيتيقا بوصفها البعد الأساسي للتفكير وصلة الإرادة بالأنا والجسد واللاوعي والحياة على نمط الرد الأولاني الذي شيده هوسرل من خلال الأشكال المختلفة للتجربة المعيشة على غرار التردد والاختيار ، والعاطفة والعادة. بهذا الفعل أجاب ريكور على العدمية التي وقع فيها سارتر.

في سياق ذلك تناول ريكور مسألة الشر ودرس الكيف التي تجعل من طبيعة الإنسان تتضمن إمكانية إتيان الشر وفسر ذلك بهشاشة الإنسان من خلال قراءة تراجيدية لهذه الهشاشة عبر الأساطير القديمة والدينية.

إذا تعذر على الفيلسوف فهم الشر بواسطة المفاهيم وتحليل الأفكار فإنه يمكن اعتماد مقاربة تفك الرموز. لقد مثل ذلك المرة الأولى التي ينقل فيها ريكور الفنومينولوجيا إلى الدرب الهرمينوطيقي ومحاورة فرويد في محاولة قرأ فيها الحياة اللاواعية والرموز الثقافية في كتاب "في التأويل ، محاول حول فرويد" 1965.

والحق أن الفنومينولوجيا الوصفية ليست البتة تجربة وصفية محضة وإنما تتضمن اختيارا مترويا للثوابت وانعطافا نحو الهرمينوطيقا التي تنكب بدراسة العلامات وفك الرموز وتفسير الأساطير وقراءة القصص.

لقد تفطن هوسرل إلى وهم القول بشفافية الوعي بالنسبة إلى ذاته ، في هذا الإطار سعى ريكور إلى التظنن حول أطروحة اللاوعي وصلته بالوعي التي قدمها جاك لاكان في التفسير البنيوي إزاء النص الفرويدي.

لقد بنى ريكور تصوره للذات التي تتخلى عن تمركزها على ذاتها وتنخرط ضمن جدلية بين الأركيولوجيا التي تحيل إلى الرمزية وقوة الدوافع والتيليولوجيا التي تسمح بالوعي بالتطور في اتجاه النموذج المثالي. لقد أفضى الانتباه الهرمينوطيقي إلى أهمية النص وضرورة منحه العناية اللائقة والتزام ريكور بالتفكير في اللغة واستكشاف ديناميكيتها الداخلية وقدراتها الذاتية على الابتكار الدلالي في الاستعارة الحية 1975.

لقد قام ريكور بالتعريج على النظريات الألسنية والفلسفة التحليلية وفلسفة اللغة لكي يظهر للعيان حياة الكلام في استعماله الاستعاري وبالتحديد في التجربة الشعرية وما يتولد عنها من إعادة تشكيل وإنشائية. لقد أوضح ريكور التمفصل بين السردية والزمانية في كتابه الزمن والسرد بأجزائه الثلاثة 1983-1985 بالانطلاق من دراسة تتقاطع فيها اعترافات أوغسطين وفن الشعر عند أرسطو وتقوم الحبكة بوظيفة ضرورية عند التفكير في الزمان وتسمح بالقول بأن التاريخ في عمقه هو تجربة سردية تستند إلى التخييل.

لا يمكن ايجاد حل للمعضلات التي يطرحها الزمان بالنسبة إلى الفيلسوف ويقترح ريكور إعادة تشكيل الزمان بواسطة السرد والانطلاق من حقيقة أن الزمانية هي تأشير على تناهي الوعي ولاإكتمال الفلسفة. لقد قاد التفكير حول مشكلة العدالة ريكور إلى إحداث تقاطع بين الإيتيقا والسياسة وذلك بالتأكيد على مهام السياسي العادل لتنجب العنف واللاّتسامح والحرب واتخاذ إجراءات تحترم الحق وإرادة العيش المشترك.

لقد طرح ريكور في كتاب "عين الذات غيرا" 1990 مفهوم الهوية بين وصف عين الذات والتزام الإنية وأسند إلى الذات الفاعلة من حيث وجود من أجل مشروع مهمة الإقرار بالذات عبر علاقة تكاملية بالغير.

لقد ضمت نظرية ريكور في الأخلاق قسما أولا أطلق عليه تسمية إيتيقا صغرى تجيب على مطلب السعادة من حيث هي المقصد المشروع من الوجود الأحسن وقسما ثانيا يشمل الأخلاق المعيارية التي تتحرك ضمن مبدأ الواجب ويمكن التعبير عنه بمبدأ الاحترام . بناء على ذلك لا تدور الإيتيقا الصغرى في فلك معيار العادل إلا من خلال خوضها تجربة تراجيدية للفعل. هكذا تتجاوز الفنومينولوجيا الهرمينوطيقية لدى بول ريكور علم الأنا الفنومينولوجي عند هوسرل نحو فلسفة للفعل تكون في ذات الوقت ألسنية وأخلاقية وأدمجت في داخلها المعطيات الفلسفية الكبرى دون أن تكون متسامحة مع أي تجاوز ميتافيزيقي مأمول.

لقد عني ريكور بفنومينولجيا الذاكرة ما يلي: "من المهم في نظري أن نقوم بوصف الطاهرات الذاكرية من وجهة نظر القدرات التي تشكل الظاهرات تحقيقها الفعلي السعيد."8 وأشار الى أن القدرات هي الامكانيات الأساسية التي يملكها الانسان القادر على الكلام والتصرف والسرد وتحمل مسؤولية أعماله والتذكر والصفح والاعتراف وتمكنه حينما يضعها من الانتقال من ذاكرة جريحة الى ذكرة جيدة وسليمة.

 

خاتمة

" لقد عثر الوعي الفنومينولوجي في داخله نفسه على طريق نحو الخارج ، نحو المتعالي، انه في ذات القوت منغلق على ذاته وبالرغم من ذالك منفتح على المتعالي لكن بفضل ماهيته المحايثة الخاصة"9

لقد تبين بالكاشف أن الفنومينولوجيا في بنيتها الأساسية تقوم بدراسة الظواهر من خلال تحليل مباشر للتجربة المعيشة عن طريق ذات عارفة وأنها تبحث عن معنى هذه التجربة في ما تتحدث به هذه الذات وما تكتبه عنها عندما تلتقي بهذه التجربة وتعيشها من الداخل بعد تخليها عن كل الأحكام المسبقة . بهذا المعنى يرتكز المنهج الفنومينولوجي على رصد ومتابعة الحقيقة دون الإيمان بوجودها بصورة مسبقة في الموضوع الذي تقوم بدراسته وتدعو الباحث إلى الالتصاق بالتجربة التي يعيشها ويلغي كل إمكانية تأويل.

على هذا النحو يمكن تصنيف الفنومينولوجيا ضمن النماذج البنائية والنظريات التكوينية التي تنتج رؤية للعالم تشرع للكثرة والتنوع والتعدد في مستوى الواقع والحقيقة والمعنى دون إغفال الكلية الجامعة.

 لقد اضطرمت نيران الفنومينولوجيا فومضت أنوارها أركان المعرفة وأضاءت أروقة الوجود وتمخضت في العديد من التيارات والاتجاهات في الفلسفة المعاصرة وشملت مناهجها نظرية المعرفة ونظرية القيم.

 إذا كانت فنومينولوجيا مرلوبونتي قد رهنت حضور الفلسفة في التاريخ بانتشال معنى العالم ووصفت علاقات التصالب بين الإنية والغيرية وبين الحرية والحتمية وبين النزعة المضادة للإنسانية والإنسانوية التراجيدية وأدخلت السؤال إلى تربة الدلالة واتخذت أسلوب الكلام مطية للإطلالة على المعقول في الجسد بأرضه ولحمه وانتهت إلى الأنطولوجيا الاستقرائية10 ، وإذا كانت فنومينولوجيا ليفيناس قد وقعت مفهوم الغير في الفلسفة المعاصرة وحلت معضلة الأنا والآخر عبر الوساطة الايتيقية للوجه وتناولت قضايا الألم والانتشاء والحياة والموت وجعلت من الحياة اليومية فرصة لانتظار القادم ضمن تسامي النور والعقل ودعت إلى الاضطلاع بالمسؤولية والفعل في الوجود ضمن اشتباك الحدث بالزمن وانتصار خصوبة غريزة الحب على إرادة التدمير وتفشي أنطولوجيا العدمية11، فإن فنومينولوجيا بول ريكور قد حرصت على نحتت ورشات تفكير عديدة ورسمت لنفسها رهانات غير معهودة وخاضت غمار الرمز والأسطورة والمخيال والاستعارة والأدب والخطابة وحاولت المزج جدليا بين ابستيمولوجيا العلوم الانسانية وأنطولوجيبا الفهم وبين سيمونيطيقا الفعل والهرمينوطيقا الدينية وانتهت الى بناء فلسفة الفعل واعادة تشكيل مفهوم الهوية السردية ونحت البديل الإيتيقي وانارة الإقرار الأنطولوجي للكائن البشري. فهل غطت فنومينولوجيا الذاكرة على ابستيمولوجيا التاريخ؟ وألا يجدر بالمرء رصد منعرج فنومينولوجي حاد للعقلانية السردية؟ وبأي معنى ظل العقل الهرمينوطيقي يتحرك ضمن الدوائر المرسومة فنومينوجيا؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.......................

الإحالات والهوامش:

[1] غادامير (هانز جورج)، الحقيقة والمنهج،الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناطم وعلى حاكم صالح، دار أويا، ليبيا، طبعة أولى، 2007. ص344.

[2] Merleau-Ponty (Maurice), Phénoménologie de la perception, p371.

[3] Merleau-Ponty (Maurice), Phénoménologie de la perception, édition Gallimard, 1945, réédition « Tel » , Paris, p213.

[4] العيادي عبد العزيز، مسألة الحرية ووظيفة المعنى في فلسفة موريس مرلوبونتي، دار صامد، تونس، طبعة أولى، 2004ص328

[5] Levinas (Emmanuel), Totalité et infini, essai sur l’extériorité, le livre de poche, coll. « Biblio essais », Paris, 1990.p83.

[6] Levinas Emmanuel, Altérité et transcendance, édition Fata Morgana, livre de poche, biblio essais, Paris, 1995, p104.

[7] Ricoeur (Paul), Du texte à l’action, Essais d’herméneutique II, édition du Seuil, Paris, 1986.p61

[8] ريكور (بول)، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، ليبيا، طبعة أولى، 2009، ص55

[9] Dastur ( Françoise) , de la phénoménologie transcendantale à la phénoménologie herméneutique, in Paul Ricœur , les métamorphoses de la raison herméneutique, sous la direction de Jean Greisch et Richard Kearney, les éditions du cerf, 1991, p41

[10] العيادي عبد العزيز، مسألة الحرية ووظيفة المعنى في فلسفة موريس مرلوبونتي، مرجع مذكور، ص416

[11] ليفيناس (عمونيال) ، الزمن والآخر، ترجمة منذر عياشي، دار نينوى، دمشق، سورية، 2015، ص57,

 

المصادر والمراجع:

Merleau-Ponty (Maurice), Phénoménologie de la perception, édition Gallimard, 1945, réédition « Tel » , Paris,

Levinas (Emmanuel), Totalité et infini, essai sur l’extériorité, le livre de poche, coll. « Biblio essais », Paris, 1990.

Levinas Emmanuel, Altérité et transcendance, édition Fata Morgana, livre de poche, biblio essais, Paris, 1995, p104.

Ricœur (Paul), Du texte à l’action, Essais d’herméneutique II, édition du Seuil, Paris, 1986.

Paul Ricœur , les métamorphoses de la raison herméneutique, sous la direction de Jean Greisch et Richard Kearney, les éditions du cerf, 1991,

العيادي عبد العزيز، مسألة الحرية ووظيفة المعنى في فلسفة موريس مرلوبونتي، دار صامد، تونس، طبعة أولى، 2004

ريكور (بول)، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، ليبيا، طبعة أولى، 2009،

ليفيناس (عمونيال) ، الزمن والآخر، ترجمة منذر عياشي، دار نينوى، دمشق، سورية، 2015،

غادامير (هانز جورج)، الحقيقة والمنهج،الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناطم وعلى حاكم صالح، دار أويا ، ليبيا، طبعة أولى، 2007.

 

 غادامير (هانز جورج)، الحقيقة والمنهج،الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناطم وعلى حاكم صالح، دار أويا ، ليبيا، طبعة أولى، 2007. ص344.

Merleau-Ponty (Maurice), Phénoménologie de la perception, p371.

Merleau-Ponty (Maurice), Phénoménologie de la perception, édition Gallimard, 1945, réédition « Tel » , Paris, p213.

 العيادي عبد العزيز، مسألة الحرية ووظيفة المعنى في فلسفة موريس مرلوبونتي، دار صامد، تونس، طبعة أولى، 2004ص328

Levinas (Emmanuel), Totalité et infini, essai sur l’extériorité, le livre de poche, coll. « Biblio essais », Paris, 1990.p83.

Levinas Emmanuel, Altérité et transcendance, édition Fata Morgana, livre de poche, biblio essais, Paris, 1995, p104.

Ricoeur (Paul), Du texte à l’action, Essais d’herméneutique II, édition du Seuil, Paris, 1986.p61

 ريكور (بول)، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، ليبيا، طبعة أولى، 2009، ص55

Dastur ( Françoise) , de la phénoménologie transcendantale à la phénoménologie herméneutique, in Paul Ricœur , les métamorphoses de la raison herméneutique, sous la direction de Jean Greisch et Richard Kearney, les éditions du cerf, 1991, p41

 العيادي عبد العزيز، مسألة الحرية ووظيفة المعنى في فلسفة موريس مرلوبونتي، مرجع مذكور، ص416

 ليفيناس (عمونيال) ، الزمن والآخر، ترجمة منذر عياشي، دار نينوى، دمشق، سورية، 2015، ص57

 

zouhair khouildi"لما كانت الحقيقة الالهية خافية علينا، فإن سؤالا يطرح عن كيفية معرفة ماهية الخير والصفات الأخرى في الاله؟ وكيف نعرف ماهية الحكمة وماهية الخير المطلق؟"1

لقد أقامت التجربة الدينية منذ البدء علاقة مع أفكار المنح والتلقي والإرسال والاصطفاء والانتقاء والقبول والاختيار من جهة أولى ومتنت صلة شخصية بين الإنسان والله تتصف بالإلزام والخضوع من جهة ثانية.

لقد شهد المعطى الديني تاريخا متقلبا تميز بالمراوحة بين السقوط في الانحراف والهرطقات عن طريق الخروج والإلحاد والتمرد والعزم على التصحيح واستعادة الجوهر المكنون بالعودة إلى الطبيعة أو الوحي.

لقد جمع الديني بين الابتكار والكذب وبين تحقيق الوعي وتمثل الوهم وبين درك الواقع وإنتاج الاغتراب. ولقد ظل الديني حاضرا بشكل مستمر وكوني في الحياة الإنسانية وذلك لما يقوم به من وظائف حيوية للمجموعات البشرية ولما يوفره من حماية للأشكال الاجتماعية التي ظهرت في الحالة الطبيعية ، والتي تميزت بالنزاع والتناحر والدخول في حالة الحرب من أجل المحافظة على البقاء وخشية الموت العنيف.

إذا كان الصراع القاتل بين أعضاء المجموعة يهدد وجودها بالفناء ويترتب عن النزاع الداخلي الهلاك الحتمي فإن الاحتكام إلى منطق المقدس والإيمان بوجود قوة خارقة وجعلها موضوع للقداسة قد يمثل انفراجا ويضع حدا للعنف ويوقف النزاع ويساهم في تنظيم العلاقات بين الأفراد ويوطد السلم الأهلي.

لقد تم تثبيت المؤسسة الدينية في الحياة الإنسانية بطريقة بطيئة ومعقدة وتم تنزيل نصوصها التأسيسية بصورة لا تقبل التراجع والمقاومة. ولقد أشار الباحثون إلى البعد المزدوج للديني من حيث هو أساس جوهري وليس مجرد صفة محمولة وكذلك من جهة إشارته إلى حقيقة واقعية وليس مجرد أسلوب وجود.

 بيد أن الظاهرة الدينية تسببت في التفرقة بين أعضاء المجتمع البشري من خلال تعدد القناعات وتكاثر المذاهب وصراع التأويلات وتمسك كل فرقة بالاعتقاد في امتلاك الحقيقة المطلقة والطريق القويم للمطلق.

بهذا المعنى أصبح الدين جزء من المسار العام للثقافة والاجتماع وحاول في العديد من المرات الانفصال عن السياسة والتربية والقانون والاقتصاد والعلم واقتصر على التجلي في نسق من الاعتقادات والشعائر.

لقد أدى التمييز بين الدين والسياسة إلى تشكل الإطار النظري والسياق المعرفي لظهور الدراسات المقارنة بين المعتقدات والأديان والبحث في أوجه التقارب وأسباب التباعد ونقاط الاتفاق ومجال التنازع والفروق.

لقد ترتب عن ذلك مواجهة العلوم الإنسانية للعديد من الصعوبات عند محاولتها ضبط جملة من المقولات التي تخص وقائع الدين وتجارب الإيمان ونصوص الحياة وتتردد بين مناهج التفسير ومطالب التأويل.

على هذا الأساس حري بنا أن نتدبر السؤال الذي يخصنا والذي يطرح وفق الصيغة التالية: هل يجوز بدء هرمينوطيقا العلمنة في حضارة إقرأ؟ وبماذا تتميز هرمينوطيقا العلمنة حول الإسلام بماهو دين مدني؟

تؤدي القراءة الهرمينوطيقية للتجربة التأسيسية الكبرى للدين الإسلامي من خلال التأليف النقدي بين رواية الوحي والحديث إلى ضبط جملة من المباني الأصولية والكلامية والفلسفية لحدث النداء وأفق الاستجابة وتجربة تقبل الرسالة وواقع انتشار الوحي حفظا وترتيلا وتدبرا في الزمان التاريخي ويرنو الى الأزل وذلك بعرض الموازنة التطبيقية التي تشتغل على تطوير جملة من المفاهيم ضمن الحقول البحثية التالية:

-         عقلنة الوعي بالذات في سردية الإسلام

-         تاريخية الوجود المكتوب بلغة الضاد

-         أنطولوجيا الأثر الفني في القرآن

-         دنيوية الإيمان الديني عند المسلمين

-         أنثربولوجيا الأبعاد المدنية في الإسلام

أن يكون الهرمينوطيقي على يسار الإسلام حقيقة لا مجازا، بالجوهر وليس بالعرض، هو أن يكون فكره ثورة على الماضي الشمولي وخلخلة لمنطق القداسة ويجمع في علمنته بين الواقعي والراهن والافتراضي ويجعل من لغة الضاد الجوهر الخلاق في التمثيل الذاتي التاريخي خارج حدود الحداثة الكولونيالية.

أن تلتزم الذات المتحدية بآداب المقاومة وتنشط الذاكرة الخصبة من التاريخ الإبداعي للفكر الذي يخصها يعني أن تواجه الكولونيالية بفكر لاكولونيالي وتعمل على إعادة بناء الشخصية النقدية ومدارها الحضاري.

فهل بمقدور المغلوب أن يتكلم؟ هل يستطيع المؤمن التفكير بحرية؟ وهل بإمكان المتكلم أن يؤول عالمه وأن ينتصر في كل منازلة هرمينوطيقية على متحديه؟ هل تتطلب هرمينوطيقا العلمنة في الإسلام السردي تضحية بالذات من أجل إنقاذ المقدس من دنيوته المحتومة أم تضحية بالمقدس من أجل العناية بالذات؟

الهامش:

1-هيك (جون)، فلسفة الدين، ترجمة طارق عسيلي، دار المعارف الحكمية، بيروت، طبعة أولى، 2010، ص40.

كاتب فلسفي

 هيك (جون)، فلسفة الدين، ترجمة طارق عسيلي، دار المعارف الحكمية، بيروت، طبعة أولى، 2010، ص130.

 

hatam hamidmohsinالانتقادات الشديدة للاقتصاد السياسي الليبرالي الكلاسيكي لم تقتصر فقط على ما كان سائدا في القرن التاسع عشر بل استمرت وبزخم اكبر في القرن العشرين ايضا،وهو ما سنعرضه مع بعض الردود في هذه الورقة.

 

ثلاثة اقتصاديين معارضين لإقتصاد السوق

كانت الانتقادات ضد اقتصاد السوق في النصف الاول من القرن العشرين تسير على جبهتين،جبهة الجزئي micro وجبهة الكلي  macro(1). الهجوم الجزئي كان ذاته مرتكزا على افتراض ان المنافسة التامة هي شرط ضروري لكي تعمل الاسواق بشكل مقبول، وان التوزيع العادل هو شرط ضروري كي تكون الاسواق عادلة. هذا قاد الى استنتاج وهو، طالما ان المنافسة التامة لم تكن قائمة في اي مكان بالعالم، والتوزيع العادل يتحدد فقط من جانب الخيار الاجتماعي، فان الاسواق الحرة لا يجب الوثوق بها في تعظيم الرفاهية. هذا الاستنتاج اشترك به كل من الاقتصاديين "المنطقيين" المعارضين للسوق كما سماهم paul) samuelson)(2)، والاقتصاديين الرياضيين المهتمين بالتخطيط.

اما الهجوم الكلي كان بقيادة جون ماينرد كنز،بعد ان ادى الكساد الكبير في الثلاثينات الى فقدان تام للثقة في نظام حرية الاسواق. في الحقيقة،كان ذلك قبل عدة سنوات من ادّعائه نهاية عدم التدخل "The End of Laissez Faire"عام 1926. وكما متوقع هو اقترح في (النظرية العامة للاستخدام والنقود وسعر الفائدة،عام 1936) ان الاقتصاديات الحديثة تميل لتجد نفسها في جو كئيب من توازن البطالة، وان العلاج يكمن بين ايدي الحكومات، في دورها كمنقذ للحضارة البرجوازية.

كلا القوتين،الجزئي والكلي اتحدتا لاحقا تحت راية الاطروحة الكلاسيكية الجديدة بقيادة ساملسون. وهكذا فان المسمار الاخير قد دُق في نعش الليبرالية الكلاسيكية .. فهل كان ذلك؟

للاجابة على هذا السؤال سنحقق مع جماعة ممثلة من ثلاثة اقتصاديين كان لهم دور في سبات الليبرالية الاقتصادية في النصف الاول من القرن العشرين. سنأخذ من النوع الادبي (literary economists)  ارثر بيغو. ومن الرياضيين المخططين (mathematical economists) سنتناول اوسكار لانغ الذي حاول تأسيس "اشتراكية السوق"في بولندا السوفيتية. اخيرا، سنسلط الضوء على بول ساملسون، الرياضي الذي أسبغ على الليبرالية الناعمة رداءاً علميا .

 

آرثر بيغو(1877-1950)

كتاب آرثر بيغو (اقتصاد الرفاهية،1924) هو من اكثر الكتب نجاحا في الاقتصاد السياسي واكثرها ايذاءاً. سار بيغو على خطى (جون ستيوارت مل) الذي هو اول من صنف مظاهر فشل السوق بالتركيز على المعرفة غير التامة،والآلية المعيبة للاسواق ورأس المال غير القابل للتجزئة (3).كان من المنطقي لبيغو ان يبين ان هذه الانواع من الفشل قادت الى تأثيرات اجتماعية ايجابية وسلبية واقتراح تدخلات حكومية لتصحيح تلك العيوب. في الجزء الثاني الفصل الثامن من كتابه وضع تمييزا حاسما بين صافي الناتج الاجتماعي وصافي الناتج الخاص للامة واقترح مختلف انواع التدخلات الحكومية  لردم الهوة بين الاثنين .

المقصود بصافي الناتج الاجتماعي هو ما يُصنع من مساهمات تراكمية للدخل القومي، اما صافي الناتج الخاص هو المساهمات التي تكون اما اكبر او اقل من صافي الناتج الاجتماعي والتي هي يمكن بيعها واضافة حصيلة البيع لمدخول الفرد المسؤول عن فعالية الاستثمار.

اعتبر (بيغو) اللامساواة بين الناتج الخاص والناتج الاجتماعي كأمر ثابت. وان التدخلات الحكومية وحدها منْ يزيل تلك الفجوة.

من الواضح ان الصناعيين،عموما مهتمون ليس في صافي الناتج الاجتماعي وانما فقط في صافي الناتج الخاص لعملياتهم.ولذلك، فان المصلحة الذاتية لا تميل لإيجاد المساواة بين قيم صافي الناتج الاجتماعي الحدي للاستثمار في مختلف الصناعات(ص 151). يستمر بيغو لاحقا ليضع قائمة بالحالات التي لا يتساوى بها  صافي الناتج الاجتماعي مع صافي الناتج الخاص"لأن الخدمات الثانوية تُنجز لاطراف ثالثة يصعب فيها تقنيا المطالبة  بمدفوعات".امثلته في ذلك، اضاءة البيوت،الكراجات الخاصة لوقوف السيارات في المدن،الطرق وخطوط الترام، الغابات الخاصة،منع التدخين،البحوث العلمية. بعدها أدرج بيغو الاستثمارات التي فيها الناتج الخاص اكبر من الناتج الاجتماعي، مثل الالعاب المؤذية للجيران ، الازعاج الناتج عن المصانع في المناطق السكنية،الازدحام في المدن، تمويل الحروب في الخارج، إلزام المرأة بالعمل في المصانع قبل او بعد الولادة. هو اخيرا ذكر الخسارة السايكولوجية للمستهلكين عند رؤيتهم الآخرين يستهلكون سلعا افضل واحدث مما لديهم . يرى بيغو ان اي انتاج او استهلاك له بعد اجتماعي يحتاج تصحيح بالمكافآت والضرائب. بيغو لم يذكر ابدا ان المنافسة كقوة تصحيحية يمكنها تحقيق المساواة بين الناتج الاجتماعي و الناتج الخاص، بل كان في تضاد مع الاقتصاديين اللاحقين للمدرسة الرياضية الذين اكدوا بان هذه الظاهرة الكريهة من اللامساواة سوف تختفي مع وجود المنافسة التامة. مذهب بيغو ربما اصبح العقيدة المقبولة للاقتصاديين (قبل ان يثبت رونالد كوس Ronald Coase خطأه).

 

آدم سمث والتوازن العام  

لنعد الآن الى المدرسة الرياضية للاقتصاديين الذين حاولوا ان يكونوا حياديين فيما يتعلق بمزايا السوق الحر والاقتصاد الموجه وبالنتيجة هم اساءوا لنظام الحرية الاقتصادية.

من المفارقة ان المقترحات الاكثر اتقانا للتخطيط الجمعي كانت مرتكزة على نظرية التوازن العام General Equilibrium theory لـ ليون ولرس (1834-1910)، النظرية التي كشفت عن مدى صحة حدس آدم سمث في رؤية ان جميع الاجزاء المختلفة للاقتصاد تميل باستمرار لتكون منسجمة(4).

كان والرس ذاته رجل القناعات الاجتماعية الراسخة. هو كان قادرا على طرح نموذج لتوازن اقتصاد  تنافسي خالص، اي القول بان الاقتصاد يكون في افضل وضع (optimum) لأن هناك تناسب تام بين جميع منحنيات الطلب والعرض. هو استنتج ان احدا لا يحتاج لسوق واقعي كي يصل الى افضل وضع اجتماعي، وهو الدرس الذي ادركه حالاً اتباع والرس، بما فيهم اوسكار لانك.

الاكتشاف الاعظم لأدم سمث كان بروز نظام في المجتمعات الانسانية  هو الأبعد احتمالا  ولا هدفية ، وحيث لا احد يتولى تصميمه او حكمه. هذا يرفعهُ الى نفس المستوى العلمي لشارلس دارون، الذي عمم هذه الفكرة لنشوء النظام عبر تطبيقها على الطبيعة ككل. سمث يرى المصلحة الذاتية باعتبارها تمنح الحافز الضروري:"انها ليست طيبة القصاب او صانع البيرة او الخباز منْ يجهز لنا وجبة العشاء، وانما هو ما يتعلق بمصلحتهم الذاتية". ولذلك وبدون اي معرفة، فان كل فرد يعمل وبشكل ضروري لجعل العائد السنوي للمجتمع اكبر ما يمكن. الفرد عموما لا يقصد تعزيز المصلحة العامة، ولا يعرف المقدار الذي يعزز به هذه المصلحة، هو في هذه وكما في عدة حالات تقوده يد غير مرئية لتعزيز غاية لم تكن في باله. ليس الفرد وحده من لايعلم بالنظام العام الذي يرسخه، وانما هو لا يستطيع متابعة الكيفية التي يعمل بها هذا النظام على مستوى التفاصيل لأن تقسيم العمل واستخدام النقود يحجبان عن عينه الشبكات الرابطة . وفي ضوء التعقيدية الهائلة للنظام الاقتصادي،يبدو اننا نعيش في مجتمعات ليست منظمة كثيرا :لأن حدس سمث ينطوي على ان كميات الطلب والعرض يجب ان تتطابق، وان الاستثمارات يجب ان تجد الادخارات الضرورية، وان مؤسسات النقود يجب ان تساعد الناس حينما لا يتزامن دخلهم المخطط  مع انفاقهم المخطط – كل ذلك يتم تلقائيا. ان رؤية سمث، لم تكن مرتكزة على الايمان بوجود تناغم ميتافيزيقي في المجتمع، كما يقول بعض نقاد الليبرالية الكلاسيكية. ما الهدف من كتاب آدم سمث "تحقيق في طبيعة واسباب ثروة الامم"اذا كان كل شيء يتم في احسن العوالم الممكنة ولأجلها؟. في عام 1926 كتب كنز مقالة بعنوان "نهاية عدم التدخل". هو اراد الغاء "المبدأ الميتافيزيقي" الذي ارتكز عليه عدم التدخل الحكومي.

لا صحة لما يقال ان الافراد يمتلكون "حرية طبيعية"توجيهية في نشاطاتهم الاقتصادية.لا يوجد هناك ميثاق يمنح حقوقا دائمة لامتلاك الملكية او اكتسابها . العالم لم يُحكم من فوق بحيث تتطابق دائما المصلحتين الخاصة والاجتماعية. انه ليس استنتاجا صحيحا من مبادئ الاقتصاد بان المصلحة الذاتية التنويرية دائما تعمل باتجاه المصلحة العامة. وكذلك ليس صحيح ايضا ان المصلحة الذاتية هي عموما تنويرية. من المألوف جدا ان الافراد الذين يعملون على انفراد لتعزيز اهدافهم الخاصة هم اكثر جهلا واكثر ضعفا لتحقيق تلك. التجربة لا تبين ان الافراد حينما يشكلون وحدة اجتماعية، هم دائما أقصر رؤية مما لو كانوا يتصرفون منفصلين(1926،صفحة 287-288).

انها عبارات بعيدة عن الاتفاق مع آدم سمث (ومع واقع الاسواق) وهي ربما يصعب تصورها.

 

نوعان من التوازن العام

لندع جانبا معارضة كنز الميتافيزيقية للاسواق ولنرى ماهي الطريقة التي تساهم بها رؤية آدم سمث في نظرية التوازن العام للاقتصاد .النظام في اقتصاديات السوق بعيد عن الكمال، لكن ذلك ممكن من حيث المبدأ وضمن حدود. انه ليون والرس Leon Walras 1834-1910 اول من  فتح الطريق ليثبت رياضيا  بان مثل هذا النظام كان منسجما حقا. وبالاستعانة بنموذج  مرتكز على افتراض المنافسة التامة، هو بيّن ان اقتصاد السوق قد يصل حالة التوازن العام، حينما تكون جميع متساويات سمث(الطلبات والعروض،الاستثمارات والادخارات،عرض النقود وما موجود منها في اجراءات التبادل) تبقى ثابتة (5).

الآن،برز من نموذج والرس نوعان مختلفان كليا. الاول يستخدم فكرة المنافسة التامة، وان كانت غير واقعية كاداة لاكتشاف تشوهات الحياة الواقعية: النموذج ساعد في تشخيص النتائج غير المتوقعة وردود الافعال لأي تغيير في السياسة او اصلاح مؤسسي لو استمرت القيود في بقية الاقتصاد وربما تجعل للتغيير او الاصلاح  نتائج سلبية. مثلا، ليس كل ازالة للرسوم على الاستيراد يجعل التجارة الكلية حرة، لأن هذا التحرير الجزئي قد يزيد درجة الحماية في بقية الاقتصاد. هذا الخط من التفكير يعرف اليوم بـ "التوازن العام التطبيقي"،يتبع الميثدولوجية البوبرية (نسبة الى كارل بوبر) في عمل تنبؤات مُراقبة وتكذيبها عبر الملاحظة او التجربة. هذا الاتجاه استعمله ملتن فريدمن و غاري بيكر والعديد من انصار مدرسة شيكاغو. وهكذا،عرض فريدمن عام 1957 نموذجا احصائيا كذّب فيه نظرية كنز في وظيفة الاستهلاك، اما بيكر في عام 1981 كان قادرا على طرح توضيحات اقتصادية للتغيرات الديموغرافية التي ترفض التفكيرات السوسيولوجية العادية.

النوع الآخر للتوازن العام هو المدرسة الرياضية المجردة. الاستنتاج المحير لاقتصاديي هذه المدرسة حول التوازن العام هو ان تصوّر آدم سمث للنظام الناشئ  لا يمكن تطبيقه على العالم الحقيقي لأن المنافسة التامة غير موجوده، وعليه،يصبح من الضروري التدخل المستمر لجعل الاسواق تعمل واقعيا لرفاهية الناس . اولئك الاقتصاديون يعانون من احادية النظرة. فكرة آدم سمث عن اليد اللامرئية هي ان الاسواق اللامركزية،حتى في ظل المنافسة غير التامة،قادت الى تنظيم اكثر فعالية ورتابة من ذلك المفروض بسيطرة مركزية. لذا فان البعض يريد القول بان نظرية التوازن العام يجب استخدامها لكي تبين ان الاسواق الواقعية هي أقل شأناً من نظام الاقتصاد المخطط . طبقا لتلك النظرية،الافضلية الاجتماعية المثلى يمكن بلوغها فقط عبر اسواق المنافسة التامة مع عدالة التوزيع في الدخل. وبما ان الاسواق الواقعية ليست ذات منافسة تامة ولا هي عادلة في التوزيع، فانها يجب اما ان تُستبدل بنموذج مصمم وخالص او تبقى على الاقل تحت مراقبة واشراف مستمرين لكي يمكن تعظيم وظيفة الرفاهية الاجتماعية التي يريدها اولئك النقاد . منظرو التخطيط، مثل لانك، ستكون لديهم سلطة تخطيطية تستخدم نموذج السوق الاقتصادي لتسهيل حساباتهم ولكي يمكن فرض توزيع عادل. لا احد من الاجتماعيين الليبراليين مثل ساملسون سيسمح للسوق بالبقاء  الاّ باعادة التنظيم والتصحيح المستمرين له . هم دائما يرون السوق مجرد آلية تخطيطية، بدلا من ان تكون مؤسسة اجتماعية مستقلة،وهم يعتبرون المنافسة التامة كهدف قابل للتحقيق بدلا من رؤيته كمجرد وسيلة تحليلية. حين نأتي للحكم على حرية السوق من وجهة نظر التنظيم او النتائج، فان فريق التوازن العام للمدرسة الرياضية يتضح انه يزخر بالاشتراكيين الحقيقيين .

ان التقدم في الاقتصاد العلمي في القرن العشرين ارتبط باسماء جون هايك وبول ساملسون وكينيث ارو وامارتيا سين والعديد من المنظرين المتميزين الآخرين، الذين قدّموا بالفعل لنا وسائل لتجنب الاخطاء النظرية الشائعة او المنطقية. ولكن للمفارقة ان نتائجهم  الايجابية محدودة،بسبب انهم يقيمون اساسا في جو من التجريد الرياضي والحيادية الفلسفية المضادة اساسا لنظام آدم سمث في "الحرية الطبيعية".

 

اوسكار لانك (1904-1965)

هو اقتصادي بولندي رياضي ذو اتجاه شيوعي. في مقال له "حول النظرية الاقتصادية للاشتراكية (1936-1937) عبّر بدون شك عن تفوق الاقتصاد الاشتراكي على نظيره الرأسمالي. بدأ لانك هجومه على Ludwig von Mises المعارض للاشتراكية.في صفحة (53) اوضح مسيز انه  في عام 1920 و 1935 سيكون من المستحيل عمليا على دول الكومنويلث الاشتراكية اتخاذ قرارات حول ما تنتجه من تشكيلة البضائع الاستهلاكية بدون وجود اسعار نقدية وملكية خاصة ،فضلا عن  صعوبة تقييم بضائع الانتاج في ظل مختلف التركيبات الممكنة من الخدمات الانتاجية لعرض الاستهلاك.لذا هو اعلن ان "الاقتصاد الاشتراكي لا يستطيع حل مشكلة التخصيص الرشيد للموارد".

(لانك) ادرك الحاجة لمواجهة هذه التحديات التي جسدها مسيز ليثبت ان الاشتراكية هي ترتيب اجتماعي صالح للعمل .

هو بدأ بتوضيح لـكيفية حدوث "التوازن بالسوق التنافسي". اذ استخدم مناورة والرس في المنافسة التامة ليوضح كيف ان جميع الاسواق في الاقتصاد الحر تكون فارغة، اي، جميع الطلبات والعروض تكون متطابقة. ذلك بسبب ان المستهلكين يعظمون منفعتهم الكلية ، والمنتجين يقللون الى اقصى حد تكاليف الانتاج للحصول على الربح، ومالكي الموارد يبيعون خدماتهم. الاسعار التي تؤدي الى توازن سعري يتم الوصول اليها بالتجربة والخطأ. الاقتصاد المخطط،حسب قوله،يمكنه العمل كما يعمل اقتصاد السوق. قواعد الانسجام في القرارات والفاعلية في الاقتصاد الاشتراكي هي بالضبط مثل تلك التي تحكم السلوك الحقيقي لرجال الاعمال في سوق المنافسة التامة (صفحة 123).

هيئة التخطيط المركزي تتولى اساسا وضع جدول بالاسعار المحاسبية التي سوف تُصحح في نهاية الفترة المحاسبية اذا كان هناك فائض او نقص في اي سلعة .ولكن منْ يرشد الانتاج ليس خيار المستهلك: مقياس الافضلية "يُثبّت من قبل هيئة التخطيط المركزي بينما نظام الاسعار يُستعمل لتوزيع سلع الاستهلاك المنتجة". (صفحة 70). على سبيل المثال،الهيئة  تخصص قيمة عشر وحدات نقدية لإنتاج مائة الف قبعة شهريا، بينما تخصص قيمة ثمان وحدات نقدية لإنتاج مائة وخمسون الف قبعة شهريا (ص68).

عبر الاستدلال من اسعار المستهلك الناتجة عن التجربة والخطأ، سيتم وضع اسعار الخدمات الانتاجية بحيث يكون لدى مصنع القبعات  ما يكفي من مكائن ومعدات اخرى. (لانك) لم يذكر الكيفية التي تثبت بها هيئة التخطيط امتلاكها للمعرفة التكنلوجية المسبقة لربط الموارد بالانتاج النهائي. كذلك كما يشير مسيز (1935) ستكون هناك ترابطات تكنلوجية معقدة بين الموارد في عملية الانتاج التي يجب اختيارها، وهناك ستكون حاجة لخيارات حول ما اذا كان بالامكان تطبيق استعمالات متعددة للموارد، مثل بناء جسر او قنال او حفر منجم فحم (6).اخيرا هناك مشكلة سعر الفائدة. في المدى القصير توضع اسعار الفائدة وفق حركة العرض والطلب على الائئتمان في النظام المصرفي الاشتراكي. اما في الاجل الطويل،فان الهيئة ستقرر كم تحتاج من رأس المال للتراكم وبهذا تطرح التوفيرات المسبقة قبل توزيع الدخل المتاح لاستعمال المواطنين.

هذه الاسئلة  تمت الاجابة عليها بالقول: "ان هيئة التخطيط المركزي لديها معرفة واسعة بما يحدث في كامل النظام الاقتصادي قياسا باي معرفة يمتلكها رجل الاعمال الخاص، وبالنتيجة،ربما هي قادرة للوصول للتوازن السعري الصحيح بسلسلة قصيرة من التجارب المتعاقبة قياسا بما يقوم به السوق التنافسي. (ص 67). رغم ما يبدو من عيوب في السوق الاشتراكي لكن (لانك) يبدو مقتنعا بان النظام ينتمي لنفس العائلة ولذا يطرح السؤال بوضوح:

لماذا نغير كامل النظام الاقتصادي اذا كان بالامكان الحصول بالضبط على نفس النتيجة من نظامنا الحالي، وذلك فقط عبر اجباره للابقاء على المستوى التنافسي؟ (ص 123).الجواب: "الاقتصاد الاشتراكي هو فقط  منْ يستطيع توزيع الدخل ليحقق اعظم رفاهية اجتماعية" عبر تأسيس مساواة حقيقية. السلطات ستكون صائبة في الافتراض ان "منحنيات المنفعة الحدية للدخل ستكون ذاتها لدى كل الافراد". الاساس في هذا الافتراض هو ان "الفروقات في الحساسيات الموجودة في المجتمع الحالي هي ناتجة اساسا من الفوارق الاجتماعية بين الطبقات". المساواة في الدخل دون التأثير على الفاعلية ستتحقق عبر دفع دخل نقدي متساوي لجميع المواطنين ومن ثم فرض اسعار للمهن ذات الامتيازات مثل"المتعة والآمان".

ايضا النظام الاشتراكي يمكنه وضع اسعار كي تلتقي الكلفة الخاصة مع الكلفة الاجتماعية، انه يستطيع ضبط الميل الحدي للتوفير كي يترك مجال للاستهلاك، ولكي يبدد مخاوف كنز، يستطيع النظام ايام الركود الحفاظ على الاستخدام عبر"برامج جريئة للاستثمار العام)، وستختفي دورة الاعمال من دراسة الاقتصاد الاشتراكي.

(لانك) اعترف بواحدة من عيوب الاشتراكية وهي ان كفاءة المسؤولين الحكوميين كمدراء للانتاج  تكون اقل بالمقارنة مع القطاع الخاص . لكنه قلل من شأن هذه المخاوف معتبرا هذا الموضوع يعود للسوسيولوجي وليس للنظرية الاقتصادية.

 

بول ساملسون 1915-2009

سنتاول نقد ساملسون - وهو احد عمالقة النظرية الاقتصادية - للاقتصاد السياسي. عمله في مجال النظرية العليا خاصة في الاقتصاد الرياضي ترك بصمات دائمة على الموضوع (7). هو ركز جهوده العملية على كتابة ومراجعة كتابه التدريسي"الاقتصاد" وهو افضل كتاب تدريسي في القرن العشرين.حياته العملية تُوجت بجائزة نوبل للاقتصاد عام 1970.

في كتابه "اسس التحليل الاقتصادي،1947"وضع عبارة "الرياضيات لغة"ليشير الى اتجاهه في النظرية الاقتصادية: الرياضيات لا تسمح فقط بالعرض المحكم للنظريات الاقتصادية وانما تساعد ايضا في ضمان الانسجام الداخلي واكتشاف المتقابلات وتعميم النتائج.

في الفصل الثامن من "اقتصاد الرفاهية"حاول ساملسون حل مشكلة الكيفية التي ترتكز بها سياسة الرفاهية على النظرية الاقتصادية بالاستعانة بالرياضيات. نقطة البدء لديه كانت ان معظم الاقتصاديين شعروا بان "المنافسة التامة بدرجة ما جسدت موقفا مثاليا". مصطلح "مثالي"قصد به " حالة التوازن". لكن المنافسة التامة لم تكن كافية: كان لابد للمرء من رؤية ان "المنافسة التامة هي مثلى عندما يكون توزيع الدخل ملائما".

لذا لدينا الآن ثلاثة عناصر لتعظيم الرفاهية الاجتماعية في اقتصاد مغلق(لا يوجد فيه صادرات ولا استيرادات، كل ما يحتاجه البلد من سلع تُصنع محليا): منافسة تامة،توازن ثابت،وتوزيع اخلاقي – جميعها شروط اصطناعية عالية في اي موقف قابل للتصور. بالطبع، استحالة تحقيق هذه الشروط  في اي موقف لسوق واقعي دفع ساملسون بسرعة للمطالبة بالتصحيح والتدخل والتنظيم.

1- المنافسة التامة تعني : لا متعامل يستطيع التأثير على الاسعار، وان السلع والموارد تامة التجزئة، وان هناك معلومات تامة. (في الحقيقة، بناء المنافسة التامة لم يُلاحظ في الواقع وانما جرى تعريفه ببطء كوسيلة تحليلية على مدى سنوات).

2- تعظيم الرفاهية سيتحقق عندما يكون الاقتصاد في توازن مستقر.

3- التوزيع العادل يصعب تعريفه حتى بالنسبة لساملسون.لاحظنا كيف ان (لانك) ارتكب كثير من التحريفات محاولا اختراع طريقة لمساواة الدخل دون التأثير على الفاعلية. (ساملسون استخدم بناءاً آخراً لحل المشكلة:دالة الرفاهية الاجتماعية).

لننظر في الشرط الثالث. دالة الرفاهية الاجتماعية Social Welfare Function التي تجسد رؤية اخلاقية عامة كنوع من الرفاهية التي يسعى اليها المجتمع. مختلف الناس يعطون للرفاهية الاجتماعية مختلف الاشكال : مثلا، قد يهدف احد ما الى اكبر مساواة ممكنة بين اعضاء المجتمع. حاليا، اصبحت فكرة ضرورة وجود وظيفة رفاهية اجتماعية كي يمكن تقييم عدالة الترتيبات في المجتمع  بواسطة مراقب اخلاقي خارجي تواجه معارضة من الفرديين الحقيقيين.اذا نظرنا الى سياسات ساملسون التطبيقية، فان خطر التنوعية الفكرية اصبح واضحا. هناك ثروة من المقالات يمكن الاختيار منها في سبعة اعداد من مقالات علمية هامة لبول ساملسون.في العدد الثاني،مقالة بعنوان "حقائق الاقتصاد الحديث والفردية" هو انكر "مبدأ الانسجام " كونه غير عملي كليا. (السوق الحر هو عملية متناسقة). في العدد الثالث نجد مقالة حول "الحريات الفردية والحريات الاقتصادية في الاقتصاد المختلط"حيث هو يعرض كتاب فردريك هايك "الطريق الى العبودية"كرؤية شديدة التبسيط. في العدد الرابع، في مقالة بعنوان "الليبرالية في المواجهة"هو يشير الى ان آدم سمث كان خاطئا بالقول ان "نظام السوق التنافسي المتعلق بالافراد(الذرات) الذين بسعيهم لمصالحهم الضيقة،سيقود عبر يد  لامنظورة الى تحقيق الخير للكل".(هو بالتأكيد لم يقرأ نظرية العواطف الاخلاقية).

 

حاتم حميد محسن

...................

الهوامش:

(1) فصل الاقتصاد الى جزئي وكلي هو في الحقيقة غير ثابت. ساملسون في كتابه "الاساسيات" 1947،1971،وسّع تحليلاته الاساسية الجزئية من سلوك المستهلك،كلفة الانتاج، الى دراسة اسئلة الاقتصاد الكلي  مثل النقود،الرفاهية،نظرية رأس المال، دورة الاعمال،والنظام الكنزي. هو تنبأ بظهور الاقتصاد التحليلي"حتى للمشاكل الكبرى للتنمية الاقتصادية".هو بهذا حسّن نموذج الاقتصاد الكنزي الكلي،المبني على اسس ضعيفة من الاقتصاد الجزئي، لأنه افتقر الى سوق العمل، وعرض قرارات الاعمال كغير عقلانية، ووصف التوقعات في اسواق الاستثمار باعتبارها لا يمكن التنبؤ بها.

(2) هذا الاتجاه الادبي اخذت به المدرسة النمساوية،وهو يستخدم المنطق واللفظ بدلا من الرياضيات عند دراسة الظواهر الاقتصادية،لأن اصحاب هذا الاتجاه يرون عدم وجود استمرارية في الفعل الانساني بينما الرياضيات تتطلب علاقات دائمة بين المتغيرات.

(3) كان (مل) يميل الى استخدام التدخلات التشريعية بدلا من الادارية لتصحيح فشل السوق. انظر تحليل لمقال مل حول "المركزية"1862 في pedro Schwartz 1972،فصل 6،"التدخل الحكومي"صفحة 146-150.

(4) في كتاب walras(1926,1953)،كان Arrow و Debreu هما اول من اثبت رياضيا ان المنافسة التامة في الاقتصاد ممكنة منطقيا.

(5) نموذج والرس يتألف من نظام من معادلات تزامنية تمثل مختلف الاسواق في الاقتصاد . هو بيّن ان تلك المعادلات يمكن حلها لجميع الاسعار والكميات لأن عدد اللامعروف من الاسواق  هو نفس عدد المعادلات، مع استثناء واحد: ان عرض النقود والطلب عليها كقياس للقيمة النسبية ليس له معادلة خاصة يمكن حلها ولذلك كان غير معروف. هذا يعني بالنسبة لوالرس ان النقود هي مجرد قناع ليس له تأثير (في توازن)  الاقتصاد الحقيقي . المؤلفون اللاحقون اكملوا البرهان بان التوازن الناتج في هذا النموذج الرياضي ليس فقط معروفا وانما ايضا متفرد وثابت.

 (6) Amarty Sen اشار الى ان نظام (لانك) في التخطيط يمكن تنظيمه عن طريق توجيه سؤال للمنتجين حول كمية السلع التي سينتجونها ضمن جدول بمختلف الاسعار، وتوجيه سؤال للمستهلكين لمعرفة مدى استعدادهم للدفع لجدول المنتجات. وفي وقت لاحق،وعبر التجربة والخطأ سيتم بلوغ حالة الانسجام.

(7) أعاد ساملسون بناء نظرية سلوك المستهلك والرفاهية الاقتصادية،وحوّل نظرية التجارة الدولية.مساهماته في نظرية نمو رأس المال كانت ابداعية. كان ساملسون هو منْ وضع الاساس للتقدم اللاحق في نظرية المال واسواق رأس المال، فميّز بدقة عالية الاختلافات والارتباطات بين الستاتك والداينمك. اطروحته في الاقتصاد الكلي الكلاسيكي والكنزي اصبحت هي الدوغما السائدة.

 

zouhair khouildi"أنا صديق سقراط وأفلاطون ولكن محبتي للحقيقة أكبر" .. شيشرون

من سلبيات الديمقراطية، حسب إشارة أفلاطون في كتاب الجمهورية، أنها تجعلنا نرضى بالاعتقادات بدل المعارف ونتأثر بقوة الاقتناع لدى خطيب بدل نور الحقيقة لدى فيلسوف. لهذا ينبغي ألا نخشى من حيازتنا لأقل قدر من المعلومات التي تدخل في توجيه رأينا حول المعارف التي حصلنا عليها وتحديد قيمتها بغض النظر عن مخاطر التقنية وذنوب المتهم والنظام الاقتصادي الأكثر نجاعة وعدالة والسياسي الأكثر كفاءة.

بناء على ذلك نحن نتمسك بالاعتقادات الموروثة والآراء الجاهزة بدل عزمنا على الخوض في المسائل والبحث عن الحقائق ونقلل من شأن الشكاك ومجهود الحيارى وتردد المرتابين بينما نعظم من قدر من يدافع بحماسة عن وجاهة قناعاته وصواب مسلماته. في حين أن الحق يمتلك ميلا فريدا نحو مواجهة الاعتقاد الأكثر صلابة ويسعى إلى تغيير الفكر على الرغم من عناده واستبساله في الدفاع عن وجوده.

والحق أنه لا يوجد طاغية يفرض علينا التعامل مع الاعتقادات بوصفها حقائق وإنما نحن الذين نسلم بذلك لكونها دارجة في الحياة اليومية ومتعارف عليها في التفكير العمومي للبشر وتمثل قاعدة الحس المشترك. كما لا يتحلى المرء بالمرونة النقدية ولا يغادر الأرض الصلبة لليقين إلا إذا عزم يوما ما على تغيير القناعات الموروثة وتثوير الاعتقادات البالية والتخلي عن الآراء المتداولة والبحث الشخصي عن الحقيقة بممارسة التفكير واتخاذ قرار مضاد للسلطة المعرفية القائمة والذهاب في اتجاه معاكس لمتطلبات الرأي السائد.

من مفارقات الحقيقة يمكن ذكر ما يلي:

- من المتعارف علية أن الفلسفة بحث عن الحقيقة، ولكن من بين الفلسفات من ينكرها والآية على أن المرء لا يدري إن كان الوجود موجودا أم لا، وان كان موجودا لا يدري أن كان العقل قادرا على معرفته أم لا، وان كان العقل قادرا لا يدري إن كانت اللغة قادرة على التعبير عن ذلك أم لا.

- يريد الإنسان إدراك الحقيقة ويسعى في سبيل ذلك ولكنه يقع فريسة الخطأ والكذب.

- يقضي كل حياته في الأوهام ويجد في ذلك متعته وسعادته ويشعر بأن الحقيقة قد تجلب له الألم والشقاء.

- ينظر المرء إلى عدة معطيات على أنها حقائق بالرغم من أنه لم يقم بامتحانها والتثبت منها.

- توجد هناك حقيقة واحدة والاختلاف يولد من تعدد الطرق المؤدية إليها.

- الحقيقة غاية العقل البشري ومطلوبة بشكل بديهي ولكن الطريق إليها وعر.

- أشد الناس ادعاء للحقيقة هو أبعدهم عنها وأقربهم إلى الجاهل الذي يجهل جهله.

- لا تمثل الحقيقة معطى جاهز قابل للاكتشاف بل تحولت إلى قيمة يجب ابتكارها.

- إذا كانت الحرية هي ماهية الحقيقة فإن نقيضها ليس الخطأ فقط بل العنف والعبودية والجهل.

هكذا يخوض الإنسان مغامرات الحقيقة متجولا بين الظن واليقين ومترددا بين الاعتقاد والمعرفة ومنتقلا بين الشك والطمأنينة ومراوحا بين النسبي والمطلق ومتأرجحا بين الجزئي والكلي وبين التجربة والعقل وتظل أحكامه معلقة بين الذاتية والموضوعية وبين التاريخ والنسق ويبقى فكره سائرا بين الانفتاح والانغلاق.

لكن كيف يمكن للمرء أن يعرف الحقيقة؟ وماهي العلامات المشيرة إليها والرموز الدالة عليها؟ هل أن ماهو حقيقي هو مشع ومتجلي دائما وأبدا؟ ألا يمكن أن يكون سرا محتجبا ومخفيا وموجودا في وضعية متكتمة؟ وهل القناعات الشخصية هي دائما في تعارض وعدائية مع الحقائق أم الخطر يأتي من الأوهام والأكاذيب؟ بأي معنى تستطيع المعرفة العلمية بلوغ إلى الحقيقة؟ كيف يشكل الإجماعUnanimité  معيارا للحقيقة؟ هل يمكن الشك في ماهو نافع على صعيد المعرفة ولكن ضار في العمل؟

من الضروري أن توضع عملية النظر المعرفي ضمن السياق التاريخي وامتلاك الشروط التي من خلالها يأتي للمرء الذهاب إلى الحقيقة بدل الاعتقاد في إمكانية الاستحواذ عليها وامتلاكها من حيث الأصل وبصفة تامة ونهائية، والانتباه إلى أن الحقيقة لا توجد في الجوهر والماهية وإنما في العلاقة والحكم وتتغير بالابتعاد والاقتراب. كما يرنو المرء إلى الاقتدار على الفصل المفهومي بين الحقيقة واللاّحقيقة ورسم الحدود التي تباعد وتقرب بين الحق من ناحية أولى والخطأ والكذب والوهم ثانيا وتجاوز المراوحة بين النفي والإثبات من خلال اللاإحتجاب . لكن على ماذا يتأسس مطلب الحقيقة؟ ولماذا يبحث حينئذ الإنسان على الحقيقة؟ وماذا لو فضل البحث عن الخطأ؟ وهل يوجد إنسان يمكن أن يضحي بحياته من أجل الحقيقة؟ وما المقصود بالحقيقة الحقيقية؟ ألم تقع الريبية في الخطأ حينما وضعت كل قيم الحقيقة موضع شك؟ ووفق أي قيمة يمكن للمرء أن يقوم بالنفي والإثبات؟

 

د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفي