zouhair khouildiاستهلال: "الخيال أهم من المعرفة، فهو رؤية مسبقة لجاذبية الحياة المستقبلية" - ألبرت أينشتاين-

لقد درجت الفلسفة منذ القديم على تهميش الخيال والنظر إليه بازدراء وتحقير على مستوى المعرفة وعلى مستوى الوجود. فقد وضع جنب إلى جنب مع الحس والظن واعتبرت المدركات الخيالية خالية من كل معنى ودلالة وقريبة من الوهم واللاّحقيقة والدرجة الصفر من المعرفة. كما وقع التعامل مع الوجود الخيالي بوصفه اللاّوجود وبصورة أخرى الوجود الشبهي وذلك لتضاده مع الوجود الحقيقي والواقعي.

هذه النظرة الميتافيزيقية للخيال ساهم في تشكلها تنزيل العقل منزلة السيد المطلق وتفضيل لغة المفهوم ومنزع التجريد على الإنصات إلى دروس التجارب والرجوع إلى الوقائع الخام والاحتكام إلى لغة الحياة. كما نظر الحس المشترك إلى الإنسان المتخيل نظرة سلبية واعتبره غارقا في أوهامه تقوده تمثلاته وتهيئاته وخواطره ولا يقودها ويوجد دائما خارج ذاته وبعيدا عن الواقع ومبحرا في عوالم وبحار غريبة.

لئن أنهت الفلسفة النقدية عند عمونيال كانط رحلة العذاب الذي عاشتها ملكة الخيال طوال تاريخ الأنساق الأنطولوجية التقليدية وميزيت بين الخيال التكراري والخيال المبدع وأسندت إلى الخيال المتعالي مهمة التأليف بين مقولات الذهن ومعطيات التجربة الحسية تحت توجيه أفكار العقل فإن المقاربة الفنومينولوجية قد أعادت الاعتبار لهذه التجربة الإدراكية وسلكت هذا السبيل للإطلالة على الزمان والوجود في العالم.

لقد انطلقت الفنومينولوجيا أثناء تتبعها طرق اشتغال ملكة الخيال من سجلات المعرفة واللغة والدين والفن والأحلام والوعي والذاكرة والانفعالات والأهواء وميزت بين فعل التخيل وملكة الخيال وتجربة المخيال.

من هذا المنطلق فإن الإشكاليات التي تطرح ههنا يمكن إثارتها من خلال التساؤلات التالية: ماهو الحقل الايتيمولوجي الذي تتحرك ضمنه مفردات خيال وتخيل ومخيال ومخيلة؟ ما علاقة الخيال بالواقع؟ ماهو دور العاطفة في اشتغال ملكة التخيل؟ هل الخيال ملكة الخطأ دوما؟ ألا يمكن أن نتحدث عن الحقيقة بالنسبة إلى الخيال؟ وهل ثمة اتفاق بين الفلاسفة حول الخيال؟ ولماذا تعودت الميتافيزيقا الغربية على كبت طاقة الخيال؟ وبأي معنى ارتبط قدر الخيال بالحواس والوهم؟ وكيف أمكن للخيال التحرر من قبضة العقل؟ وما المقصود بالخيال المبدع؟ وأي معنى يمكن إسناده إلى مفهوم المخيال؟ وماهي التجربة الفنومينولوجية التي ينطبق عليها فعل التخيل؟ كيف تم الانتقال مع فنومينولوجيا المخيال من الاعتناء بالمفاهيم إلى معالجة الصور والرموز والحقول والأشكال والعلامات؟ وهل يمثل المخيال جهاز تحكم أم تجربة تحرر وانعتاق؟ ثم ما الفرق بين الإدراك الحسي والتمثل الخيالي وبين الوعي الانعكاسي التأملي والصورة المتخيلة ؟ ألا يوجد تناقض بين الخيال الشعري والخيال العلمي؟ ماهي العناصر المكونة للخيال المبدع؟ ألم يؤسس الخيال طبيعة ثانية في الإنسان بعدما أسس العقل طبيعة أولى؟ هل يعني الخيال الغياب أم الحضور؟ ألا يعد الخيال ذاكرة لا يمكن التحكم فيها ؟ والى أي حد يكون من الضروري ممارسة التخيل لبلوغ المعرفة؟

إذا كان الغرض هو التحليل الفلسفي للمسلمات الضمنية لهذه الاستشكالات واستخراج التبعات الإيتيقية فإنه من الحري بنا أن نقوم بتقسيم هذا المبحث الذي نعتزم الخوض فيه إلى جملة من اللحظات المنطقية التالية:

- الخيال بين التصور والوعي

- تجربة التخيل والإبداع الفني

- المخيال بين التفكير والافتراض

من المفيد المراهنة على التأسيس الفنومينولوجي للخيال وتخليصه من النظرة التقليدية المزدرية وإعادة الاعتبار إلى هذه الملكة من زاوية دورها العرفاني والعلمي وتأثيرها السياسي والاجتماعي.

 

1- ملكة الخيال ونظرية المعرفة:

" الخيال هو إمكانية إبرام كل الأنواع غير الشرعية من الزواج والطلاق بين الأشياء"

  - فرانسيس بيكون-

لقد دأب التناول الفلسفي التقليدي على إدراج مفهوم الخيال ضمن دائرة المعرفة المشتركة ووضعه في إطار الفانتازيا والوهم وتم الحط من قيمته وتحميله مسؤولية وقوع الإنسان في الغلط وعلامة إصابته بالجنون ولكن في الأثناء تم الرفع قليلا لهذا الاستخفاف وتعامل مع الخيال باعتباره ملكة الصور ويلعب دورا تكوينيا للفهم في إنتاج المعرفة ويساعد المرء على اكتساب درجة من الذكاء والانتباه إلى الواقع. لقد طرحت الفلسفة منذ بداياتها الأولى مشكل الخيال أو الفانتازيا ضمن إطار الموقف الأول الذي يعمل على بلورة ظرفية متعينة ترتبط بالنشاط العرفاني للإنسان ومن ناحية ثانية في سياق الموقف الذي يعتبر الخيال من الأمور غير مجدية وغير نافعة أي من الأشياء الضارة والمعرقلة في مستوى معرفة الحقيقة.

والحق أن التخيل في المعنى العام هو القوة التي تستعيد بها النفس نماذج أو صور الإحساسات الماضية والأشياء الغائبة. كما يفيد التخيل في المفهوم الضيق تركيب صور في الذهن أو صور ذهنية. ولقد درج الخيال على تحويل الصورة إلى شيء. في الواقع عندما نحتفظ في ذهننا بصورة لشيء. فإننا نرى صورة ذلك الشيء كما أننا نرى الشيء نفسه. وبالتالي فإن الصورة هي عبارة عن فضاء يمكن أن نهتم به معرفيا.

من المعلوم أن أفلاطون نصص على ضرورة التمييز بين الخيال والإحساس بالرغم من تصنيفه لهما ضمن الدرجات الدنيا من سلم المعرفة واعتبر اعتقاد معرفة الصورeikasia مجرد خطأ يقع فيه الإنسان لا يوجد إلا في ذاته وفسر ذلك في نهاية الكتاب السادس من الجمهورية وفي محاورة الثياتات بأن صورة التمثال المنحوت تخدع العيون وتبتعد عن الحقيقة الواقعية مرتين تحت تأثير الممارسة المشوهة للمحاكاة. لقد وضع أفلاطون مركز الخيال في الكبد من حيث هو عضو لامع يقدر على قبول الصور وإظهارها وإنتاج مظاهر تمنحها الحواس ولكنها تبقى محددة بشكل تام من فوق على غرار تحديد الآلهة للألوهية1.

هكذا استقرت منذ أفلاطون نظرية في الخيال تعتبره مستقلا كليا عن التجربة الحسية، لكن أرسطو سيعيد الارتباط بين الخيال والإحساس وسيعثر على الصلة الضامنة لهذا الترابط بينهما في وظيفتها العرفانية بتأكيده على حقيقة أن :" إن الخيال هو حركة معينة تنتج بواسطة الإحساس حينما يكون متحركا"2.

 والحق أن الخيال حسب أرسطو يتدخل بشكل بارز في مسار المعرفة حينما يساهم في صناعة الصور الموحدة للموضوع المدروس وذلك بالانطلاق من محسوسات خاصة مثل الطعوم بالنسبة إلى حاسة الذوق والروائح بالنسبة إلى حاسة الشم والأصوات بالنسبة إلى حاسة السمع والألوان والأشكال بالنسبة إلى حاسة النظر ومن محسوسات مشتركة على غرار الكتلة والشكل والحركة ومن محسوسات عرضية3. لقد أعاد أن أرسطو في كتاب النفس دمج الإحساس بالخيال وحدد فعل التخيل بأنه تمثيل شيء وهو غائب. بعد ذلك تعامل الرواقيون مع الخيال باعتباره ملكة رأي وحددوه بأنه مجرد إحساس عفوي ومباشر يدخل الاضطراب على استعمال التمثلات ويسبب للنفس الأمراض والتوتر ويلقي بها في بيداء الوهم والفانتازيا. بناء على ذلك لقد أرجع أرسطو أصل كلمة فانتازيا phantasiaإلى لفظ phaos النور في كتابه النفس4.

إذا كان الإحساس يظل متحركا وفي حالة نشاط دائم فإن الخيال يمكن أن يتعرض للسحق والكبت ولكنه ينبعث مجددا إلى النشاط حينما يخمل الإحساس تماما مثل اليقظة التي تفسر الرؤى التي تظهر في الحلم. على كل حال ترسخ رأي أرسطو القائل بأن "الخيال امتداد لنشاط الأحاسيس حتى عند غياب الموضوع".

كما منح الرواقيون إلى الخيال وظيفة إيتيقية وذلك حينما ربطوا سبب ترك الفضائل والإقبال على الرذائل بانشداد النفس إلى المتخيلات وغفلتها عن الجليّات وعجزها عن الفعل وفق قواعد الإرادة وتحت هداية العقل. ولهذا السبب دعا الرواقيون إلى مواجهة الخيال بغية إنقاذ العقل وتحرير الإرادة من غلبة الأهواء.

لقد اهتمت المدرسة التجريبية كثيرا بالصورة الذهنية وربطت بين الإدراك الحسي والخيال وفسرت كلية الحياة النفسية بالاعتماد على هذه الصورة المتخيلة. كما تسعى الوظيفة التخيلية إلى المحافظة على الشيء في الصورة الذهنية وتتعامل مع الصورة بوصفها ما يتبقى من الإدراك الحسي بعد انعكاس الانطباع في الفكر واستمراره داخل الوعي. وبالتالي تستوعب الصورة عملية إعادة إنتاج للموضوع المدرك وتودعه في الفكر مثل تودع نسخة مطابقة للأصل في دفتر متكون من قوائم عن الانطباعات الحسية والتمثلات الخيالية. بناء على ذلك تمثل الصورة الذهنية سندا ماديا للإدراكات الحسية والانطباعات المرتسمة في الخلايا العصبية. لقد تعاملت السيكولوجيا التجريبية مع الفكر بوصفه وعاء مليء بالصور وتحدثت عن الخيال التجريبي الذي يُعبّر عن موضوع غائب بواسطة صور ذهنية ولقد فرق ديفيد هيوم بين الانطباعات (إدراكات العالم الخارجي) والأفكار (إدراكات العالم الباطني) ويعرف الأفكار بوصفها الصور الضعيفة عن الإنطباعات في التفكير والإستدلال وأشكال محرفة من إعادة إنتاج الإحساسات بعد غياب الأشياء.

" بعد أن يكون الموضوع قد أزيل، أو تكون العين قد أغمضت، ونظل محتفظين بصورة الشيء الذي رأيناه، ولو بوضوح أقل مما كانت عليه حينما نراه. هذا ما يسميه اللاّتينيين الخيال نسبة إلى الصورة التي تتكون في الرؤية ويطبقون الشيء نفسه ولو على نحو غير ملائم على كل الحواس الأخرى."5

لقد حمل هوبز الفانتازيا القدرة على التمييز الذهني بين الأفكار التي يوفرها الحس السليم الاجتماعي6.كما أن الربط بين الخيال والإحساس لم يوفر للفلسفة التجريبية فضاء إشكاليا حتى تتمكن من تغيير النظرة السلبية وإنما اقتصر الأمر عندها على النظر إلى الإحساس بوصفه مصدر الفكر وجعل كل ذهن مقيدا بملكة الصور وتم إسناد مهمة الوصل إلى ملكة الخيال بين التمثلات المستقلة عن نظام الأشياء.

غير أن الثورة الكوبرنيكية التي أحدثها ديكارت وكانط في الفلسفة الحديثة تجسدت في إعطاء الخيال مكانة بارزة في المنهج الفلسفي وتعاملت معه بوصفه أهم المواضيع لكل فلسفة عقلانية نقدية تُثمّن حرية الذات وتنطلق من تلقائية الذهن وتعطي قيمة للتجربة الحسية وتلتزم بالوقائع المادية وتمتحن مسلماتها الضمنية.

لقد منح ديكارت في التأمل الثاني للخيال منزلة ايجابية وقام بالتمييز بين العقل بوصفه حس سليم يضطلع بوظيفة تصور الطبائع اللاّجسمانية والخيال باعتباره من يتأمل شكل أو صورة الشيء المادي وتعامل مع الخيال بوصفه ملكة جسمية للروح تؤشر على خصوصية الفرد في وجوده الحسي ووحدة النفس والجسم.

غير أن ديكارت ينفي في التأمل السادس أن يكون الخيال ملكة جسمانية بكامله وقادر في جميع الأحول على بناء معارف صحيحة ويبين أنه يمكن أن يقع في الخلط ويعجز عن تصور العلاقات المعقدة للواقع، ويضيف إليه القدرة على بناء الأشكال وبلوغ الحقيقة الحسية حينما يستند على قوة الفكر ويقف عند الحد الأوسط ويبلور أحجاما مشابهة للأشياء وبالتالي لا يجب اعتبار الخيال مغاير للفكر بل الوسيلة التي من خلالها يحل الفكر في الجسم ويقدر الجسم بدوره على أن يحتل مكانا في الفكر, لقد عزز ديكارت هذا التطور بتأكيده في كتاب الانفعالات على الدور البيداغوجي والأخلاقي الذي يقوم به الخيال للحد من القوى المنفلتة للعواطف الجياشة والأحاسيس الجارفة وجعل الخيال ملكة عاقلة موجهة ضد بعدها اللاّمعقول.

لقد واصلت الفلسفة الحديثة نفس التصور حول أهمية الربط بين الإحساس والخيال وحددت هذا الأخير بكونه القدرة التي تمتلكه النفس لكي تتمكن من تشكيل صور عن الأشياء وحرصت على التمييز بين الخيال الانفعالي الذي يتأتي من الجسم والخيال الفاعل الذي يتأتى من النفس ويقدر على التحكم في الخطأ والغلط. في هذا السياق ربط سبينوزا الخيال بالتخمينات الخرافية التي يقع فيها المرء وتصوره في وجود الخرافة نتيجة التأثر بالخوف والابتلاء بالاعتقاد الضعيف بقوله:" كل ما نتخيل أنه يقود إلى الفرح فإنا نجد في الحصول عليه، وكل ما نتخيل أنه مناقض له أو يقود إلى الحزن فإنا نجد في إقصائه أو تحطيمه"7.

الغريب في هذا الوضع الحديث للفلسفة هو موقف مالبرانش في كتابه البحث عن الحقيقة الذي اعتبر فيه الخيال مجرد تجربة جنون تنتج مجانين ويمثل خطرا أخلاقيا ومعرفيا وذلك لتعارضه التام مع العقل وعدم قدرته على الخضوع للقواعد وبالتالي يجرف الإنسان بعيدا عن سبيل الحق ويقربه من الأهواء الهائجة.

جملة القول أن الخيال في الفلسفة الحديثة هو ملكة تمثل الأشياء التي لم يقع تسلمها في اللحظة من المحسوسات. من المعلوم أن الفكر التجريبي أكد على الفكرة المركزية التي ترى بأن الخيال هو الخاصية الأساسية التي تمنح القدرة على بلورة علاقات بين الأشياء ذاتها الأكثر تباعدا عن بعضها البعض. فماهو الدور الذي يؤديه الخيال الإبداعي في نظرية الفن في الزمن الذي تشكلت فيه الحداثة الجمالية؟

 

2- فعل التخيل والخلق الفني:

"الأعمال الفنية هي إشباع خيالي لرغبات لاشعورية وشأنها شأن الأحلام ، وهي مثلها محاولات توفيق، حيث إنها بدورها تجهد كي تتفادى أي صراع مكشوف مع قوى الكبت"8

لا يستعيد الخيال صور عن الإحساسات الماضية ولا يقتصر على التكرار السالب والتفريق والاستحضار وإنما يجمع عناصر متباينة من إحساسات مختلفة ويؤلف مجموعات جديدة ويبتكر عن طريق استكشاف الفروض والأفكار من وراء الظواهر وتجاوز حدود الواقع والقفز في ميدان الحرية وممارسة الابتكار.

لقد تفطن أفلوطين في "التاسوعيات" بأن الخيال يمكنه أن يجري تشكيلا لصور عامة تساعد العقل على الصعود من مرتبة الإحساسات الكثيرة إلى المفاهيم الموحدة وتتيح اشتقاق الأشياء الحسية من الواحد.

لم يعد الخيال ملكة إنسانية فحسب وإنما أصبح لحظة من الوجود تماما مثل العقلnous والنفسpsyché. يحتاج الواحد إلى وجود عدد معلوم من الوسائط لكي تساعد على ولادة عالم الكثرة الذي يتكون من الموجودات الحسية. اللافت للنظر أن الخيال تماما مثل النفس يمثل المرتبة الوجودية الأقل بالمقارنة مع الوسائط الأخرى وفي هذا السياق يصرح أفلوطين:" من خلال الخيال تشكل النفس المادة وتمنحها حياة"9. بهذا المعنى إذا كانت عقلانية القرن 17 عملت على إقصاء الخيال من ميدان المعرفة فإن تحالف آخر قد انعقد بصفة نهائية وحصرية بين الفن من جهة والخيال من جهة أخرى وقد أعاد هذا التحالف ما كان قائما في العصر الهيلينستي من اعتراف نظري بما تشير إليه الفانتزايا من صور تمنح الخطيب أو الشاعر القدرة على الإقناع والتأثير في السامعين. لقد ترتب عن ذلك ارتبط الخيال بالملكة التي تقول الشعر ولكنها تعاني من نقص في التشريع الذوقي وتحتاج إلى خصائص معيارية للتمييز بين الجيد والرديء وبين الجميل والقبيح. لقد ألف كانط في مذهبه الجمالي بين الأطروحة الأرسطية التي تثبت الوظيفة العرفانية للخيال والأطروحة الأفلاطونية المحدثة التي تعول على الخيال في عملية الربط بين الأشياء والمواضيع بوصفه أداة عميقة. لقد ميز كانط بين الخيال التكراري الذي يمتلك قدرة على استحضار مواضيع في الفكر كان الحدس قد انتبه إليها في مرحلة سابقة والخيال الإبداعي10 الذي يحوز على ملكة من الحدوسات الخالصة على غرار المكان والزمان11. بعد ذلك وضع كانط الخيال في "نقد ملكة الذوق" إلى جانب الذهن والعقل في قلب نظرية الحكم واعتبره واحد من الملكات التي تتيح تجربة استيطيقية للجميل والرائع بواسطة اللعب الحر12.

اللافت للنظر أن الفلسفة النقدية مع كانط في نقد العقل الخالص قد تمكنت بشكل مبهر من إعادة الاعتبار لملكة الخيال ونظرت إلى الخيال المتعالي على أنه شرط إمكان التأليف بين الحدوسات الحسية والمقولات الذهنية عن طريق التخطيطاتSchèmes . على هذا النحو لا تمثل التخطيطات صور-نسخ للوقائع المادية ولا تعيد إنتاج المعطى الحسي بل تعد شرطا صوريا خالصا للحساسية وتقوم بتمثل منهجي وتقوم ببناء الموضوعات والتركيب بين الأشكال والمضامين وبين الحدوسات والأطر وبين التمثلات والبني.

لقد ربط كانط قوة الخيال الخلاق بمجموعة من الأفكار الجمالية على غرار العبقرية والإلهام واللعب والحرية ومنحه دورا بارزا في التجربة الاستيطيقية وأكد على أن الجميل هو رمز للأخلاقيةmoralité .

لقد ساهم تشكل المفاهيم الكانطية الجمالية في ميلاد النزعة الرومانطيقية وقيام الفلسفة المثالية الألمانية مع فيخته وشيلنغ وهيجل. في هذا الصدد يمكن ذكر المحاولة التي قام بها فيكو Vico حينما قام بثمين للوظيفة العرفانية للخيال وكشف عن وجود كليات خيالية universaux fantastiques تصل بين الشعر وتطور أشكال المعرفة الاجتماعية. من جهة ثانية لقد أكد شيلينغ على الوظيفة العرفانية للتخيّل وتعامل مع الخيال بوصفه المكان الذي يتوحد فيه المثالي والواقعي ، والطبيعة والروح بصورة أصلية واعتبره المنبع الذي ينبثق منه الفن من حيث أداة الفلسفة. في نفس الاتجاه جاءت محاولة هيجل في جعل الفانتازيا تقوم الوظيفة الإبداعية بتمييزها عن ملكة الخيال الذي ظل السابقون يتعاملون معها بوصفه ملكة إبداعية خالصة13.

لقد طور فريدريك شليجل ضمن إطار الفكر الرومانطيقي مذهب الخيال الفني حينما أطلق عليه تسمية "تنفس الروح"، وجعل مفهوم الخيال يلخص كل النشاط الذي بواسطته يقدر الإنسان على إدراك العالم وإنتاج آثاره، ولذلك نصص على إمكانية التطابق بين تاريخ الوعي وتاريخ الخيال وإنتاجاته الشعرية14. لقد فتحت هذه إشارة شليجل الطريق إلى الفكر للخروج من الأزمة التي تعرضت لها المثالية الألمانية في منتصف القرن التاسع عشر نحو تأسيس نظرية في الخيال تدرس النشاطات المختلفة والعميقة التي ترتبط بالإنتاجات الثقافية التي تتشكل على مستوى الوعي والتمظهرات المادية التي تتجلى على مسرح التاريخ.

 بيد أنه يمكن التمييز بين خيال خلاق يقتصر على إنشاء أشكال جديدة بالجمع بين الصور والأشكال وخيال تجديدي تختص مهمته في الاستشراف والاستباق والافتراض وإعادة بناء واقع جديد مغاير للواقع السائد.

 كما تعامل فرويد مع الخيال بوصفه مصدر الإلهام وخزان الإبداع وكشف عن تأثير الميولات اللاشعورية في السلوكات المنحرفة التي يقترفها الناس وعن ضرورة باطنية تتعلق بالحياة النفسية للإبداعات الفنية. " لقد اتضح أن مملكة الخيال ملجأ يتأسس خلال الانتقال المرير من مبدأ اللذة إلى مبدأ الواقع، كي يقوم محل إشباع الغرائز التي ينبغي الإقلاع عليها في الحياة الواقعية. ينسحب الفنان كالعصابي من واقع غير يرضي إلى دنيا الخيال، لكن بخلاف العصابي، يعرف كيف يعود منه لكي يجد مقاما راسخا في الواقع"15

ما يجب الانتباه اليه هو انتقال البحوث النفسية من دراسة اللاوعي عن الأفراد إلى الاهتمام به عند المجموعات ومن ربطه بالجانب الفزيولوجي العضوي الى تقصي دلالات أبعاده الرمزية والثقافية. لكن كيف ساهم ظهور اللاشعور الجمعي في نحت الفكر المعاصر لمفهوم جديد هو المخيال الاجتماعي؟ وماهي الوظائف الابستيمولوجية التي أصبح يقوم بها هذا التوقيع المستحدث في ميدان العلوم الانسانية؟

 

3- وظيفة المخيال في الفلسفة المعاصرة:

" لا نستطيع تملك السلطة الخلاقة للخيال إلا ضمن علاقة نقدية مع هذين الشكلين من أشكال الوعي الخاطئ ( الإيديولوجيا واليوتوبيا)"16

 لقد قام جان بول سارتر بنقدcritique وإعادة بناءreconstruction جملة البحوث التي تتمحور حول الخيال17 وظلت تتحرك ضمن دائرة الفكر الوضعيpositivisme وطرح نظرية نادرة عن المخيال18 قام باستلهامها من فنومينولوجيا هوسرل19 مثنيا على قوة مداهمة للواقع التي يمارسها الخيال على الأشياء والتي تمكن الوعي البشري من القدرة على التعالي على العالم كما هو معطى وتمنحه الحرية والتجاوز.

لا تفرق الفنومينولوجيا عند سارتر بين التخيل والإدراك الحسي إلا بالدرجة وليس بالنوع . في الواقع ليست الصورة شيئا يمكن أن يكون موضوعا للوعي بل تعني بالأساس علاقة تربط الوعي بشيء معين أو بعبارة أخرى هي الطريقة التي يظهر بها شيء معين للوعي. وبالتالي" لا يتميز كل من الخيال والذهن مطلقا بما أن المرور من الواحد الى الآخر ممكن بواسطة تطور الماهيات المحتوية في الصور."20

في كلتا الحالتين التخيل أو الإدراك الحسي يبقى الشيء الذي أتخيله أو أدركه خارج الوعي فلا يمكن للإنسان القول بأن الشيء يوجد في إدراكه أو في مخيلته ويملك صورة مصغرة عنه. بناء على ذلك يساهم الخيال الخلاق في الإبداع الفني ويرتبط ميدان الجمال بوظيفة التخيل . علاوة على أن التأمل الفني يبتعد عن العالم الواقعي المادي ويعانق عالم الجمال الخيالي بل يخلق عالما جديدا. كما أن صفة الجمال لا تنطبق على الرغبة في الواقع السائد ولا يتوقف على إعطاء صور وفية عنه بل تستوجب نفي العالم في بنيته الأساسية وتعدم وجوده المادي وترتمي في تجارب من الخيال حيث تعتبره النبع الذي يتدفق منه الإلهام والحدس ومصدر الهام قريحة الفنان وابتكار رموزه وأشكاله. من هذا المنطلق ،الذي يتحرك فيه سارتر على أرضية فنومينولوجية هوسرلية تعود إلى الأشياء كما هي، يصرح " أن الواقع ليس جميلا البتة- فالجمال صفة لا يمكن أن تنطبق إلا على ماهو خيالي وتستوجب نفي العالم في بنيته الأساسية..."21

والحق أن مفهوم المخيال يتعلق بالأفراد والجماعات ويتمثل في مجموع التمثلات والتصورات التي تترسب بالتنشئة ويتم تناقلها عبر الأجيال عبر المثاقفة التي يتم تعميمها عن طريق الدين والأدب والفنون والأساطير واللغة المتداولة والخطاب السياسي ووسائل الاتصال الحديثة وأنظمة الدعاية والإشهار.

من موقع مغاير في الفلسفة المعاصرة يحاول أرنست بلوخ أن يؤسس مفهوم المخيال ضمن استعادة تأويلية للفلسفة الهيجيلية والجدلية الماركسية بغية تطوير نظرية لليوتوبيا تتسلح بمفهوم معاضد لها هو مبدأ الأمل.

علاوة على ذلك عرف القرن العشرين ظهور نظريات جديدة حول المخيال خارج إطار اللقاء الذي تم بين بالديالكتيك والفنومينولوجيا تتقاطع فوق أرضية نفسية تحليلية مع كارل يونغ وأنثروبولوجية بنيوية مع غاستون باشلار والتي استعادها جاك لاكان بإعادة تأويل المدونة التحليلية النفسية التي تركها فرويد.

لقد تم وضع مفهوم المخيالimaginaire مكان مفهوم الخيالimagination ولقد ترتب عن هذا التغيير الدلالي فقدانهما لقسم كبير من الخصائص التي حملها عليهما الفكر الغربي طوال تاريخه الطويل ووقع إعادة تعريف المفهومين بحيث لم يعد الخيال يعني ملكة من بين ملكات أخرى وإنما الذخيرة الكبيرة للأساطير والرموز والإبداعات الشعرية وبالتالي هي ملكة قادرة على تحليل إنتاجاتها بالكف عن الصعود إلى مصادرها الأولى وأصولها الخفية وذلك بالعمل على إدراك دلالتها بواسطة بناها الداخلية الفارقية.

كما تعامل فرويد مع الخيال بوصفه مصدر الإلهام وخزان الإبداع وكشف عن تأثير الميولات اللاشعورية في السلوكات المنحرفة التي يقترفها الناس وعن ضرورة باطنية تتعلق بالحياة النفسية للإبداعات الفنية.

" لقد اتضح أن مملكة الخيال ملجأ يتأسس خلال الانتقال المرير من مبدأ اللذة إلى مبدأ الواقع، كي يقوم محل إشباع الغرائز التي ينبغي الإقلاع عليها في الحياة الواقعية. ينسحب الفنان كالعصابي من واقع غير يرضي إلى دنيا الخيال، لكن بخلاف العصابي، يعرف كيف يعود منه لكي يجد مقاما راسخا في الواقع"22

إذا كان باشلار قد اعترف للخيال بوظيفة تكاملية مقارنة بالفكر العلمي لمساعدته على التجريد والافتراض وبناء الأحلام وبناء التجارب واستنتاج القوانين لكونه يمثل عاملا محركا للتقدم والتطور فإن لاكان يحمل موقفا جذريا تجاه المقولات التقليدية ويتعامل مع المخيال بوصفه المكان الذي توضع فيه الصور الخاطئة والمشوهة التي يشكلها الأنا عن ذاته منذ المرحلة التي يبدأ فيها بالنظر إلى ذاته عن طريق المرآة والتي يبدأ فيها الأنا تثبيت كل طاقاته الليبيدية حول رغبات محددة تخص علاقة العالم الفردي بالمحيط الخارجي.

لقد تم تأشير تجارب المخيال في ثبت الهوية بواسطة طبائع خاطئة لا يمكن العلاج منها والتي توقع المرء في جملة من الإخفاقات المتواصلة وتراكم الفشل والإحباط وتسقطها في تجارب متعاقبة من خيبات الأمل. على خلاف ذلك يبقى التاريخ الحقيقي للأنا يجري في مستوى الرمزي الذي يختص بالحركية والبنية الفارقية التي تسعى جاهدة إلى الربط بين النسق الداخلي الذي تتكون منه اللغة وطابع الاتفاق الاجتماعي.

هكذا يكون لكل مجتمع متخليه المشترك بين الأفراد الذين يتكون منهم ولكن شخص المخيال الاجتماعي الذي يخصه ويحدد نمط سلوكه وطبيعة فعله وحدود اجتهاداته وطريقة رد فعله عند الشعور بالمخاطر. لكن هل يساهم المخيال في تجييش الناس وتضخيم الأحداث أم يعمل على تلطيف الواقع وتجميل العالم؟

 

خاتمة:

" هكذا تتشابك روابط متعددة بين الاجتماعي والنفسي عبر وساطة المخيال"23

بقيت الفلسفة لفترة طويلة تعتبر الخيال ملكة تشكيل الصور في مستوى ثان وتقرنه بالفانتازيا وتجعل منه ملكة للجمع بين الصور في لوحات وفق التتابع الذي يحاكي وقائع الطبيعة لكن دون أن يمثل أي شيء في الواقع ودون أن يعكس الموجود وبهذا المعنى توزع بين خيال تصويري وخيال تكراري وخيال إبداعي.

إذا كان الخيال التكراري يلعب بطريقة انفعالية وبإتباع المجرى الطبيعي للترابطات والاقترانات فإن الخيال التجديدي يستمد تمرده على الواقع من قدرة الفانتازيا على تشكيل تجميعات رهيبة ووحشية وينتج جملة من المواد العجائبية التي تدهش العقول وتحير القلوب وتشوش بداهة النظر في العيون وتعبر عن حرية الفكر وقدرته على خلق صور غير متوقعة وغير منتظرة ومتناقضة مع مقولات المنطق المعتاد.

أما المتخيل الاجتماعي فقد ربطه علماء الأنثربولوجيا في الحقبة المعاصرة بالزمن الآتي والقدرة الاستشرافية بالمستقبل وذلك من أجل الانعتاق من الحاضر البائس والتخلص من سيطرة الواقع وإنشاء مملكة الخلاص الجماعي وذلك بإعادة توليد العالم وذلك بانتظار ظهور المخلص والخروج عن المألوف والانفلات من التاريخ بالانجذاب الجماعي إلى سلوكات انفعالية وإنشاء نظام اجتماعي أشبه باليوتوبيا.

لقد سبق لفرويد أن ربط بين الحالات الوجدانية للشعوب والتمثلات السياسية وبين الدوافع اللاشعورية الجماعية والمضامين المتخيلة أثناء الصراعات بين القوى الاجتماعية وأقر بوجود استثمارات وجدانية للمتخيلات أثناء حالات الشدة وعند التعرض للخطر من اجل تكثيف نقاط المقاومة والمحافظة على الذات.

كما يؤكد فرويد على أن عمليات إنتاج الحلم هي عمليات إنتاج خيالي تعبر عن عمليات لاشعورية دفينة وان رجوع الإنسان إلى التخيلي في السخرية والنكتة هو بمثابة بحث اقتصادي عن مصدر اللذة والتخلي المؤقت عن بذل الجهد في عملية الكبت والمقاومة وما يرافق ذلك من تخلص من الإرهاق وتفادي الألم.

لقد كانت وظيفة الخيال متمحورة حول الابتعاد والتجاوز والإثارة والانزياح والتكثيف والتدمير وتم استعماله في عمليات التدمير والهدم والإغارة على الواقع قد إعادة تشكيل العالم وإعادة البناء لواقع جديد. كما ظل المخيال يساهم في إقامة الروابط بين غرائز الأفراد والمؤسسات الاجتماعية تفاديا للضغوط الخارجية والكبت الباطني ويدعم الشكل السائد من الحياة أو يعمل على إضعافها واستبدالها بأغيارها.

في هذا السياق تحدث جيلبر دوران عن المخيال الرمزي24 وبحث عن البنى الأنثربولوجية للمخيال ضمن مشروعه الناقد للأنطولوجيا النفسية والتائق نحو بناء تأويلية رمزية تقوم بوصف فنومينولوجيا لمحتويات المخيال وتتجاوز التمييز الذي تجريه الخطابة الكلاسيكية بين معنى حقيقي ومعنى مجازي وتشتغل على الترسيمات الذهنية الأصلية والنماذج الأساسية لكل مخيال إنساني وتقر بقابلية البنيات الأنثربولوجية للتغير والتحول وضرورة تجميع الموارد اللغوية الأولية التي يستعملها المخيال الرمزي في الإبداع وقصد بناء المخيال الرمزي العام وتستنتج عدم إمكانية ترجمة النموذج الأصلي إلى لغات مغايرة عن رحمه الأول. لكن إلى أي مدى يساعد نقد المخيال على استخراج النواة الأساسية التي سيكون عليها المجتمع البشري في المستقبل؟ وبأي معنى يحمل في رحمه الردود الممكنة على تحديات يمكن أن تواجهها الحضارة الراهنة؟وما الفرق بين الوظائف الاجتماعية للمتخيل الفردي والوظائف النفسية للمخيال الاجتماعي؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

........................

الهوامش والإحالات:

[1] Platon, Timée, 71a, sq

[2] Aristote, de l’âme, III, 3, 429a 1

[3] Aristote, de l’âme, III, 3, 429b 18-30

[4] Aristote, de l’âme, II, 3, 429a 2

[5] هوبز (توماس) ، اللوياثان،الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة، ترجمة ديانا حبيب حرب/ بشرى صعب، دار الفارابي، بيروت، الطبعة الأولى، 2011. القسم الأول، في الإنسان، 2 في الخيال، ص.27.

[6] Hobbes Thomas , Léviathan, 1651 , I,8

[7] سبينوزا (باروخ)، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، الجزء الثالث: في أصل الانفعالات وطبيعتها، القضية 28، دار الجنوب، تونس، طبعة أولى، 1991، ص193.

[8] فرويد (سغموند)، حياتي والتحليل النفسي، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، طبعة 1981، ص75.

[9] Plotin, Ennéades, IV, 4, 13.

[10] Kant (Emmanuel), critique de la raison pure, §24

[11] Kant (Emmanuel), Anthropologie de point de vue pragmatique, I,

[12] Kant (Emmanuel), critique de la faculté de juger, taduit par A. Philonenko, Librairie Philosophique, J. Vrin, Paris, 1982.

[13] Hegel, Encyclopédie, §455-457

[14] Schlegel Friedrich, le développement de la philosophie, V

[15] فرويد (سغموند)، حياتي والتحليل النفسي، مرجع مكور، ص75.

[16] Ricœur (Paul), De Texte à l’action, essais herméneutiques, II, édition du Seuil, Paris,1986, p391.

[17] Sartre (Jean Paul), l’imagination, édition PUF, Paris, 1936

[18] Sartre (Jean Paul), l’imaginaire: psychologie phénoménologique de l’imagination, édition Gallimard, Paris, 1940, IV,

[19] Sartre (Jean Paul), l’imaginaire, op.cit, IV,

[20] Sartre (Jean Paul), l’imagination, op.cit, p13.

[21] Sartre (Jean Paul), l’imaginaire, op.cit, IV,

 [22] فرويد (سغموند)، حياتي والتحليل النفسي، مرجع مذكور، ص75.

[23] Ansart (Pierre), l’imaginaire social, Encyclopédia Universalis, lien : http://www.universalis.fr/encyclopedie/imaginaire-social/

[24] Durand Gilbert, l’imaginaire symbolique, édition PUF, Paris, 1964, 1998.

[25] دوران (جيلبير)، الخيال الرمزي، ترجمة علي المصري، المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع، مجد، بيروت، 1991.

 

 المصادر والمراجع:

باللسان الفرنسي:

Ansart (Pierre), l’imaginaire social, Encyclopédia Universalis, lien : http://www.universalis.fr/encyclopedie/imaginaire-social/

Durand Gilbert, l’imaginaire symbolique, édition PUF, Paris, 1964, 1998.

Kant (Emmanuel), critique de la faculté de juger, taduit par A. Philonenko, Librairie Philosophique, J. Vrin, Paris, 1982.

Sartre (Jean Paul), l’imagination, édition PUF, Paris, 1936

Sartre (Jean Paul), l’imaginaire : psychologie phénoménologique de l’imagination, édition Gallimard, Paris, 1940

Ricœur (Paul), De Texte à l’action, essais herméneutiques, II, édition du Seuil, Paris,1986,

 

باللسان العربي

دوران (جيلبير)، الخيال الرمزي، ترجمة علي المصري، المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع، مجد، بيروت، 1991.

فرويد (سغموند)، حياتي والتحليل النفسي، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، طبعة 1981،

هوبز (توماس)، اللوياثان-الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة، ترجمة ديانا حبيب حرب/ بشرى صعب ، تحقيق رضوان السيد، دار الفارابي، بيروت، الطبعة الأولى، 2011.

سبينوزا (باروخ)، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، الجزء الثالث: في أصل الانفعالات وطبيعتها، القضية 28، دار الجنوب، تونس، طبعة أولى، 1991،

 

بداية يمكن تقسيم السببية الى شكلين مختلفين من حيث الطبيعة، احدهما ابستمولوجي، والاخر انطولوجي. وعادة ان الذين يبحثون في السببية انما يقصدون بها الشكل الانطولوجي لا الابستمولوجي.

كما يمكن تقسيم السببية الانطولوجية الى طبيعية وميتافيزيقية. وبذلك نحصل على ثلاثة اشكال مختلفة: طبيعية وميتافيزيقية واعتقادية، فالسببيتان الاولتان وجوديتان، فيما ان الاخيرة ابستيمية معرفية، وهي التي لم يُلق حولها شيء من الضوء، رغم انه يتوقف عليها اثبات السببيتين الوجوديتين الانفتي الذكر، بل واثبات كل شيء؛ سواء كان وجودياً ام معرفياً او قيمياً.

فمن الناحية الابستيمية ان السببية الاعتقادية هي الاساس المعتمد عليه في الكشف عن السببيتين المتبقيتين.

وسبق للمنطق الارسطي ان ذكر بان للعلية حالتين ممكنتين لتحقيق البرهان: حالة ما يسمى (البرهان اللمي)، وفيه انه يتضمن العلية في التصديق والوجود معاً. وحالة ما يطلق عليه (البرهان الإني) المتضمن للعلية في التصديق دون الوجود. وكما قال ابن سينا: ‹‹إذا كان القياس يعطي التصديق بأن كذا كذا ولا يعطي العلة في وجود كذا كذا كما أعطى العلة في التصديق؛ فهو برهان إنّ. وإذا كان يعطي العلة في الامرين جميعاً حتى يكون الحد الاوسط فيه كما هو علة للتصديق بوجود الأكبر للاصغر أو سلبه عنه في البيان، كذلك هو علة لوجود الأكبر للاصغر أو سلبه في نفس الوجود، فهذا البرهان يسمى برهان لِمَ››[1]. وقال أيضاً: ان ‹‹برهان اللم هو الذي ليس إنما يعطيك علة اجتماع طرفي النتيجة عند الذهن والتصديق بها فقط تكون فائدته ان تعتقد ان القول لِمَ يجب التصديق به، بل يعطيك أيضاً مع ذلك علة اجتماع طرفي النتيجة في الوجود فتعلم ان الأمر لِمَ هو في نفسه كذا فيكون الحد الاوسط فيه علة لتصديقك بالنتيجة وعلة لوجود النتيجة... واما برهان الإنّ فهو الذي إنما يعطيك علة اجتماع طرفي النتيجة عند الذهن والتصديق فيعتقد ان القول لِمَ يجب التصديق به، ولا يعطيك ان الأمر في نفسه لِمَ هو كذلك››[2].

ومن خلال هذين النصين يتبين ان المشترك بين اللمي والإني هو علة التصديق، وهي علية ابستيمية حاضرة سواء في حالة البرهان الإني، او في حالة البرهان اللمي الذي يزيد على ما في الاول بلزوم العلية في الواقع او الوجود الخارجي. وبذلك يكون للعية شكلان مختلفان: ابستيمي وانطولوجي.

واذا كانت السببية الاعتقادية هي اساس اثبات السببيتين الوجوديتين؛ فمن البداهة ان اول ما تعالجه هو السببية الطبيعية للظواهر الفيزيقية، ثم يأتي دور الكشف عن السببية الميتافيزيقية بعد ان تستنفد الاولى اغراضها، ولم يعد من الممكن الكشف عن اي مظاهر تجريبية او شهودية ضمن سلسلة الاسباب والمسببات الطبيعية.

ان العلاقة بين السببيات الثلاث تفرض على الباحث سؤالاً مفاده: كيف يمكن للسببية الاعتقادية ان تكون الاساس الابستيمي لسائر السببيات، بل وانها قابلة لتفسير ما لا يعود الى السببية باطلاق؟

ان السببية الاعتقادية تختلف جوهراً عن السببيتين الاخريين، كما وتختلف عن قضايا المعرفة الاخرى، فهي لا تمثل في حد ذاتها قضية معرفية، بل هي وظيفة ذهنية تعمل على تعليل القضايا وتفسير الاعتقادات بجعلها تتخذ طابعاً ابستيمياً، وبدونها تنعدم الابستيما كلياً، فتصبح المعرفة ليست سوى حالات نفسية وفسيولوجية صرفة فحسب.

وعليه فالسببية الاعتقادية قادرة على تفسير حتى القضايا القائمة على منطق مبدأ عدم التناقض. فالقضية القائلة بان (أ) اما ان تكون موجودة او غير موجودة، ولا يمكن ان تكون موجودة ومعدومة في الوقت نفسه، هي قضية معتقد بها تبعاً للسببية الاعتقادية المجردة، بمعنى ان للذهن قدرة كاشفية تفسر لنا بان التناقض المنطقي مستحيل وفق الحدس العقلي البديهي.. فلدينا سبب ابستيمي كاف للاعتقاد بان (أ) لا تكون متناقضة، ويتمثل هذا السبب الابستيمي بمبدأ عدم التناقض حسب المثال المعروض.

كذلك عندما نعتقد بمبدأ السببية العامة ونقول بان لكل حادثة سبباً ما، وان من المحال ان تكون هناك حادثة من غير سبب مطلقاً، فهذا التصديق مرهون ابستيمياً بالسببية الاعتقادية، فهي الوحيدة التي يمكنها ان تبين لنا لماذا علينا الانصياع لهذا التصديق.

واذا كان من الممكن في كثير من الاحيان تحديد سبب ما نصدق به، فانه في احيان اخرى لا نعرف لماذا نسلم بتصديق بعض القضايا المعرفية، فكل ما يمكن قوله بهذا الصدد هو اننا نرى هذه القضايا صحيحة فحسب، او اننا نؤمن بها وفق الحدس الكشفي الوجداني. فمثلاً قد نحدس صفة المكان بانه غير متناه، لكن ما الذي يجعلنا نعتقد بهذه الصفة؟ فكل ما يمكن قوله هو ان هناك سبباً ما يدعونا الى مثل هذا الاعتقاد، وقد يكون هذا السبب غير معروف للبعض، كما قد يكون متعيناً لدى البعض الاخر.

كذلك لماذا نؤمن بان تسلسل العلل الى ما لا نهاية لا يتقبله العقل عادة، هل لمجرد مبدأ البساطة والاقتصاد[3]، ام لأن رؤيتنا الكاشفة تبدي لنا ذلك فحسب، مثلما ان هذه الرؤية الكاشفة تبدي كيف تتمظهر لنا الاشياء الحسية التي امامنا مع علمنا بان حقيقتها الفعلية ليست كذلك، لكننا مع ذلك نراها هكذا؟..

وعندما نتقدم خطوة نحو الوجود الخارجي، ونقول بان هناك واقعاً موضوعياً خارج الذهن، فهذا الاعتقاد غير قائم على الاستدلال، وهو لا يجد له سبباً معرفياً محدداً يمكن الاتكاء عليه وفق السببية الاعتقادية، فهو لم يأت عبر القضايا المعرفية كسائر الحالات، فنحن نراه بحسنا الخارجي وان لم نمتلك عليه دليلاً، فكل ما هنالك نعلم بان غريزتنا الفطرية تدفعنا بقوة للاعتقاد بهذا الواقع وفق هذه السببية الابستيمية، حيث ليس بمقدورنا ان نرى الامور الا بالشكل الذي نراها خارجاً عنا[4]. فعلى صعيد الرؤية الصورية المحضة، لدينا حالة من الاتحاد بين الذات والوجود، ومن ذلك ينكشف لنا بحسب هذا الاتحاد اننا ازاء واقع خارجي، فنحن نرى هذا الواقع امامنا مباشرة من دون حجاب، فهو مشهود لدينا في مرآة المكان الثلاثية الابعاد، وهو ما يجعلنا نؤمن بوجوده وفق هذه الرؤية المرآتية المتحدة. بمعنى ان هناك جسراً للتحول من الرؤية المباشرة الى التصديق، وهو الجسر المتمثل بالسببية الاعتقادية.

ينطبق ما سبق عرضه على القضايا الاحتمالية، فمثلاً عندما اريد ان احدد لون كرة في صندوق امامي، وليس لدي من علم مسبق سوى انها اما ان تكون سوداء او بيضاء، ففي هذه الحالة اجد من المبرر له منطقياً ان يكون احتمال أيّ من اللونين المذكورين يساوي نصفاً، بمعنى ان هناك سبباً معرفياً يجعلني احدد هذه القيمة، ويتحدد هذا السبب بكوني لا امتلك من المعلومات ما يجعل احتمال احد اللونين للكرة اكبر من الاحتمال الاخر.

وفي حالات معينة يحصل لدينا ما يبرر ظاهرة الترجيح الاحتمالي، مثل ان نعلم مسبقاً بان هناك ثلاث كرات، اثنان منها بيضاء مع واحدة سوداء، فعند السحب العشوائي، نعرف بان قيمة احتمال ان تكون الكرة المسحوبة بيضاء هو ضعف قيمة احتمال الكرة الاخرى، اي انها تساوي (2\3) في قبال قيمة احتمال ان تكون الكرة سوداء (1\3). فهذه المعرفة منطقية صرفة كما تبررها السببية الاعتقادية، بمعنى ان لدينا سبباً منطقياً كافياً لتبرير هذه النتيجة.

لكن في حالات اخرى قد لا نعرف بالضبط ما هو نوع الكرات الموجودة في الصندوق، فلنفترض ان لدينا الف كرة، وكنا مترددين بين ان يكون في الصندوق كرات بيضاء او غيرها، وسحبنا منها عشوائياً كل الكرات باستثناء واحدة، وتبين ان كلها بيضاء، فما هو احتمال ان تكون الاخيرة بيضاء ايضاً؟

هذه مشكلة واجهها الفكر الغربي، ضمن اجابتين مختلفتين، ذاتية وموضوعية، احداهما تفيد ان لدينا ما يبرر الترجيح لصالح الكرة البيضاء، فيما ان الاجابة الثانية انكرت ان يكون هناك سبب يجعلنا نرجح هذه الكرة على غيرها، وبالتالي فاحتمالها سيساوي احتمال الغير، وهو النصف. وهو الجواب الذي ذهب اليه عدد من المفكرين الغربيين، كما التزم به المفكر الصدر في (الاسس المنطقية للاستقراء) طبقاً لإشراطه ان يكون الترجيح المعرفي قائماً على السببية الانطولوجية بمفهومها العقلي[5]. وهو المعنى الذي يقوض ظاهرة الترجيح وفق الاعتماد على مبدأ التعلم من التجارب السابقة. مع ان من البداهة ان لهذه التجارب دوراً في التأثير على معارفنا، وبالتالي فهناك ما يبرر الاعتقاد بترجيح مثل هذه الاحتمالات وفق السببية الاعتقادية. ويعتبر هذا النوع من الاحتمالات الترجيحية موضع اهتمام العلم التنبؤي، كما تعتمد عليه مراكز البحوث والشركات التجارية التي تبني توقعاتها على النتائج الاحصائية، كشركات التأمين وما اليها. فلو ان هذه المراكز والشركات التجارية التزمت بالاجابة الثانية؛ لضيعت عليها الكثير من النتائج المثمرة.

ونعتقد ان لهذا النوع من الاحتمال اهمية خاصة في البحث الميتافيزيقي، فهو فعال وقابل للتوظيف حتى مع نكران مبدأ السببية العامة وافتراض ان من الممكن صدور الحوادث الوجودية من العدم المحض. بمعنى ان القضايا الميتافيزيقية تتقبل منطق الترجيح الاحتمالي من دون ان يتوقف ذلك على هذا المبدأ الوجودي ضمن شروط معينة.

ويشهد الواقع الموضوعي علاقات لزومية بين الحوادث والظواهر ضمن قوانين محددة، وان ذلك يجعلنا نعتقد بقوانين السببية الخاصة وفق الاستقراء والتجربة، فالسببية الاعتقادية ترى كافيتها لتبرير مثل هذه القوانين، ولولاها ما كان هناك ربط بين تلك العلاقات سوى ما يناط بالعادة النفسية.

ان بين السببيتين الطبيعية والميتافيزيقية ارتباطاً وثيقاً، فالعلاقة بين السبب والمسبب لدى الظواهر الطبيعية تمتلك تأثيراً (ميتافيزيقياً) غير محسوس، ورغم ذلك يمكن الاستدلال عليه بالاستقراء. كما ان سلسلة توالي الظواهر الحسية لا تستمر بلا حدود، فهي لا بد ان تنتهي في النتيجة الى الحافة التي تطل على عالم الميتافيزيقا. وحينها نفترض بان هناك سبباً ميتافيزيقياً لتفسير وجود هذه الظواهر طبقاً للسببية الاعتقادية.

من جانب اخر تمتلك السببية العامة صفة (الضرورة)، وميزتها انها لا تخضع للاستدلال التجريبي. فالفارق الوجودي بين التأثير والضرورة هو ‹‹ان التأثير ليس بشيء كينوني، بل هو فعل يحتاج الى فاعل مؤثر وفق مبدأ السببية العامة، ويمكن الاستدلال على خصوصية هذا المؤثر (غير المحسوس) عبر منطق الاحتمال والدليل الاستقرائي. في حين ان الضرورة ليست بكينونة ولا بفعل، بل أمر عدمي اعتباري، فكل ما تعنيه ان الشيء يظل على حاله من الوجود او العدم دون ان تكون له قابلية على التغير مطلقاً، وهي من هذه الناحية العدمية غير خاضعة للاستدلال››[6].

وعموماً لولا السببية الاعتقادية ما كان لنا ان نعرف الاسباب الكامنة وراء الظواهر الطبيعية، ومن ثم الاعتراف بالاسباب الميتافيزيقية المجهولة.

لقد اعتمد الفلاسفة القدماء على مبدأ السببية الانطولوجية عندما ارادوا الكشف عن شيء من عالم الميتافيزيقا، وعلى رأس ذلك اثبات المسألة الالهية. فالادلة التي استخدموها في هذا الصدد متقاربة؛ مثل دليل المحرك غير المتحرك لارسطو، ودليل الترجيح للممكن من العدم، كذلك دليل الحدوث الذي اعتمد عليه الكلاميون ضمن دليل حاجة الحوادث الى فاعل.

لكن حديثاً واجه هذا المبدأ اعتراضات عديدة فلسفية وعلمية. فعلى الصعيد الفلسفي اعترض التجريبيون على كون هذا المبدأ يواجه مشكلة التعميم، بمعنى انه لا يمتنع ان تكون هناك حالات لا تخضع له، فتحصل حوادث من دون اسباب مطلقاً، وهي حالات لو كانت موجودة لكانت نقضاً صريحاً للمبدأ بما لا يمكنه ان يطال العالم الميتافيزيقي. بل هناك من ادعى بان العلم المعاصر الفيزيائي يعتبر العالم الجسيمي لا يخضع لهذا المبدأ اطلاقاً، كالذي اشار اليه الفيلسوف الوضعي ريشنباخ في (نشأة الفلسفة العلمية).

وكثيراً ما يحصل الخلط بين مسألة الحتمية ومسألة السببية. فالسببية لا تعني الحتمية، فقد تكون هناك حتمية ما من دون سببية، كما قد تكون هناك سببية من دون حتمية. فالوجود بما هو وجود يعتبر محتماً وان لم يخضع للسببية الا بالمعنى العدمي السالب، بمعنى انه لم يصدر عن العدم المحض. وفي القبال قد نجد سببية من دون حتمية، وما اكثرها، فمثلاً ان توقعاتنا عندما نرمي قطعة نقد متماثلة الوجهين باعداد كبيرة هي ان تكون نسبة احتمال كل منهما تقترب من النصف باضطراد، بمعنى كلما زادت الرميات كلما زاد الاقتراب من الاحتمال النصفي. ويشير هذا المثال الى وجود سببية طبيعية مؤثرة وان لم تتضمن الحتمية الصارمة. فمن اليسير ان نفسر بحسب السببية الاعتقادية بان وراء النتائج الحاصلة سبباً طبيعياً هو تماثل الوجهين مع حيادية الظروف تقريباً.

لكن ماذا لو لم تتحقق النتيجة المتوقعة؟ فهذه الحالة ممكنة وان كانت مستبعدة للغاية، ولو تحققت لأمكن تفسيرها استناداً الى عوامل المصادفة والعشوائية الصرفة، فهي من وجهة نظر السببية الاعتقادية كافية لتفسير الحالة من دون ان يؤثر ذلك على الموقف المبدئي من عموم التوقعات التي تظل تقارب النصف وفق التفسير المشار اليه سلفاً.

ومن الاعتراضات الفلسفية الاخرى على مبدأ السببية الانطولوجية؛ ما قدّمه عمانوئيل كانت بان هذه السببية لا تتعدى عالم الظواهر، فهي مرتبطة بالزمان، لكن الزمان دائم لدوام الجوهر المادي، لذلك فهي لا تتجاوز العالم الطبيعي الفيزيائي. ومع ذلك قدّم الفيلسوف تصورات متناقضة؛ من قبيل مصادرته الميتافيزيقية حول العلية الحرة للشيء في ذاته كأساس لسببية الظواهر الطبيعية الحتمية[7]. وبغض النظر عن هذا التناقض الصارخ يمكن تطوير اعتراض (كانت) من الناحية الفيزيائية، فبحسب بعض التصورات القائمة على نظرية الكوانتم يكون الزمان متلاشياً لدى المفردة الكونية؛ كالذي ذهب اليه ستيفن هوكنج وجيمس هارتل. واذا كان الزمان مفقوداً وغائباً بداية الانفجار العظيم[8]، فمعنى ذلك ان الحوادث قد جرت من دون اسباب.

وهناك مخاضات فيزيائية اخرى تعترض على هذا المبدأ من الناحية الفيزيائية، لكنها لا تنال من حقيقته شيئاً وفقاً للسببية الاعتقادية، كالذي تطرقنا اليه في عدد من الدراسات[9].

ان ما يهمنا في هذا المبدأ هو البحث الميتافيزيقي المتعلق بالاسباب التي تقف خلف الظواهر الطبيعية، فهل هي اسباب ضمنية ذاتية ام خارجية مستقلة؟

بمعنى هل ان نشأة الكون قابلة للتفسير ضمن اطار القوانين الفيزيائية والاسباب الطبيعية من دون حاجة الى عوامل خارجة عن الكون ذاته، ام لا بد من افتراض هذه العوامل كمؤثرات ميتافيزيقية؟

هذا ما سنسلط عليه الضوء في دراسة مقبلة وفقاً لمنطق السببية الاعتقادية..

 

 يحيى محمد

مفكر وباحث

..........................

[1] ابن سينا: البرهان، تحقيق ابو العلا عفيفي، ص79.

[2] ابن سينا: النجاة، مطبعة السعادة بمصر، الطبعة الثانية، 1357هـ1938، ص66 و67. كما لاحظ هذا المعنى أيضاً عند الفارابي في رسالته تحصيل السعادة، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن، 1345هـ، ص5.

[3] للتفصيل انظر: يحيى محمد: منهج العلم والفهم الديني، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2014م.

[4] للتفصيل انظر: يحيى محمد: الاستقراء والمنطق الذاتي، دار افريقيا الشرق، المغرب، الطبعة الثانية، 2015م.

[5] للتفصيل انظر: الاستقراء والمنطق الذاتي.

[6] انظر: يحيى محمد: السببية والزمن الفيزيائي، موقع فلسفة العلم والفهم.

[7] للتفصيل انظر: يحيى محمد: مفارقات نقد العقل المحض.

[8] للتفصيل اانظر: ستيفن هوكنج: تاريخ موجز للزمان، ص119 وما بعدها. كذلك: بول ديفيز: الجائزة الكونية الكبرى، ص111ـ114. والتدبير الالهي، ص65 وما بعدها.

[9] انظر: منهج العلم والفهم الديني. والاستقراء والمنطق الذاتي. كذلك: السببية والزمن الفيزيائي.

 

jamil hamdaouiالمقدمة: يعد أفلاطون (427 أو428/ 348أو 347 ق.م) [1] من أهم الفلاسفة اليونانيين الذين أرسوا دعائم الفلسفة الميتافيزيقية من جهة، والفلسفة الاجتماعية والسياسية من جهة أخرى. وقد انتقل من المرحلة الحوارية السقراطية إلى المرحلة النسقية الميتافيزيقية. ويعد أفلاطون أيضا من الفلاسفة العقلانيين السباقين إلى بناء أول أكاديمية فلسفية قائمة على الزي الموحد، والرغبة في التعلم، وكان لا يدخلها إلا من أتقن الرياضيات والهندسة .ويعني هذا أن الفلسفة، عند أفلاطون، مبنية على المقاييس العقلية والرياضية والمنطقية والبرهانية الصارمة، فلا مجال للشعر والتخييل والسفسطة والمحاكاة المجازية الزائفة.

وكان أفلاطون يقدم دروسه الفلسفية، في أكاديميته الرياضية، بطريقة شفوية وحوارية، دون الاعتماد على الكتابة.وبهذا، يكون سباقا إلى تمثل الفلسفة المشائية قبل تلميذه أرسطو[2]. والسبب في ذلك أن أفلاطون يعتبر الكتابة فعلا مغلقا ومحدودا ومتناهيا، لا يسمح بتبليغ الأفكار الفلسفية العميقة بطريقة ديدكتكية وبيداغوجية مجدية ومؤثرة ومقنعة.وبهذا، يكون أفلاطون سباقا إلى تأسيس التعليم الحواري الشفوي الناجع والهادف، بعد أن استوعب، بشكل جيد، طريقة معلمه سقراط.

وقد خلف لنا أفلاطون خمس وثلاثين (35) حوارا متنوعا[3]. وقد تناولت هذه الحوارات موضوعات عدة، مثل: الإنسان، والصداقة، والشجاعة، والحكمة، والسفسطة، والبلاغة، والخطإ، والفضيلة، والواجب، والمدنية، واللغة، والروح، والسرد، والحوار،والحب، والعدالة، والجمال، والعلم، والأفكار، والوجود، واللذة، والقانون، والفلسفة، والمعرفة...

وقد عرف أفلاطون بعداوته الشديدة للديمقراطية الأثينية من ناحية، وانتقاده الحاد للسوفسطائيين من ناحية أخرى. وقد تأثر كثيرا بالفلاسفة الذين سبقوه، أمثال: هرقليطيس، وسقراط، وبراميندس، وفيتاغوراس...كما تأثر كثيرا بالشاعر هوميروس صاحب ملحتمتي(الأوديسا) و(الإلياذة)،وإن كان أفلاطون عدو الشعر والخرافة والأسطورة (الميتوس).

وقد تناول أفلاطون مجالات فلسفية متعددة، مثل: الميتافيزيقا، والكوسمولوجيا، والأخلاق، والسياسة، واللغة، والبلاغة، والجدل، والفن، والجمال، والسفسطة...

وكان أفلاطون أصغر بست سنوات من صديقه الفيلسوف إيسوقراط (Isocrate).

ويعد أفلاطون كذلك المؤسس الحقيقي للفلسفة الغربية حسب الفيلسوف الإنجليزي وايتهايد(Whitehead).ويعني هذا أن الفلسفات الغربية كلها مجرد هوامش وحواش وتعليقات وتذييلات، انطلقت من كتابات أفلاطون المختلفة، ومحاوراته الفلسفية العديدة[4].

 

المبحث الأول: التصور الميتافيزيقي

لم تصل الميتافيزيقا اليونانية ذروتها إلا مع أفلاطون صاحب نظرية المثل العليا، على الرغم من كونه لم يستخدم مصطلح (الميتافيزيقا)، وقد أرجع هذا العالم النسبي والمتغير إلى عالم الماهيات والمثل، وهو عالم حقيقي ومطلق، يعلوه الخير الأسمى. بمعنى أن العالم السفلي الذي نعيش فيه هو عالم وهمي وظني وزائف، يعكس ظلال العالم الحقيقي ألا وهو عالم المثل، وهو عالم حقيقي ويقيني ومطلق.ولايمكن الوصول إلى هذا العالم إلا بالتأمل الفلسفي، وتمثل الجدل الصاعد والهابط. ومن ثم، فقد كانت النفس الإنسانية مستقرة في عالم المثل، ثم هبطت إلى العالم السفلي، لتجد نفسها مسيجة بقيود الحس والجسد. وما عليها سوى أن تتذكر عالمها الأول لترتبط به، وتتحرر من قيود الحس والجسم والبدن؛ لأن المعرفة تذكر، والجهل نسيان. وقد أورد أفلاطون (أسطورة الكهف) للتعبير عن ثنائية العالم السفلي والعالم العلوي، كما يتضح ذلك جليا في هذا الحوار الدرامي التشخيصي:

"سقراط: تخيل رجالا قبعوا في مسكن تحت الأرض على شكل كهف، تطل فتحته على النور، ويليها ممر يوصل إلى الكهف . هناك ظل هؤلاء الناس منذ نعومة أظفارهم، وقد قيدت أرجلهم وأعناقهم بأغلال، بحيث لا يستطيعون التحرك من أماكنهم، ولا رؤية أي شيء سوى ما يقع أمام أنظارهم، إذ تعوقهم الأغلال عن التلفت حولهم برؤوسهم . ومن ورائهم تضيء نار اشتعلت عن بعد في موضع عال، وبين النار والسجناء طريق مرتفع . ولتتخيل على طول هذا الطريق جدارا صغيرا، مشابها لتلك الحواجز التي نجدها في مسرح العرائس المتحركة التي تخفي اللاعبين، وهم يعرضون ألعابهم .

غلوكون: إني لأتخيل ذلك

سقراط: ولتتصور الآن، على طول الجدار الصغير، رجالا يحملون شتى أنواع الأدوات الصناعية التي تعلو على الجدار. وتشمل أشكالا للناس والحيوانات وغيرها، صنعت من الحجر أو الخشب أو غيرها من المواد. وطبيعي أن يكون بين جملة هذه الأشكال من يتكلم ومن لا يقول شيئا.

غلوكون: إنها حقا لصورة عجيبة، تصف نوعا غريبا من السجناء.

سقراط: إنهم ليشبهوننا. ذلك أولا لأن السجناء في موقعهم هذا لا يرون من أنفسهم ومن جيرانهم شيئا غير الظلال التي تلقيها النار على الجدار المواجه لهم من الكهف، أليس كذلك؟

غلوكون: وكيف يكون الأمر على خلاف ذلك ما داموا عاجزين طوال حياتهم عن تحريك رؤوسهم؟

سقراط: كذلك فإنهم لا يرون من الأشياء التي تمر أمامهم إلا القليل .

غلوكون: بلا جدال.

سقراط: وعلى ذلك، فإذا أمكنهم أن يتخاطبوا، ألا تظنهم يعتقدون أن كلماتهم لا تشير إلا إلى ما يرونه من الظلال؟

غلوكون: هذا ضروري.

سقراط: وإن كان هناك أيضا صدى يتردد من الجدار المواجه لهم، فهلا يظنون، كلما تكلم أحد الذين يمرون من ورائهم، أن الصوت آت من الظل البادي أمامهم؟

غلوكون: بلا شك.

سقراط: فهؤلاء السجناء إذن لا يعرفون من الحقيقة في كل شيء إلا الأشياء المصنوعة.

غلوكون: لا مفر من ذلك.

 سقراط: فلتتأمل الآن ما الذي سيحدث بالطبيعة إذا رفعنا عنهم قيودهم وشفيناهم من جهلهم . فلنفرض أننا أطلقنا سراح واحد من هؤلاء السجناء، وأرغمناه على أن ينهض فجأة، ويدير رأسه، ويسير رافعا عينيه نحو النور.

عندئذ تكون كل حركة من هذه الحركات مؤلمة له، وسوف ينبهر إلى حد يعجز معه عن رؤية الأشياء التي كان يرى ظلا لها من قبل. فما الذي تظنه سيقول، إذا أنبأه أحد بأن ما كان يراه من قبل وهم باطل، وأن رؤيته الآن أدق، لأنه أقرب إلى الحقيقة، ومتجه صوب أشياء أكثر حقيقة؟ ولنفرض أيضا أننا أريناه مختلف الأشياء التي تمر أمامه، ودفعناه تحت إلحاح أسئلتنا إلى أن يذكر لنا ما هي. ألا تظنه سيشعر بالحيرة، ويعتقد أن الأشياء التي كان يراها من قبل أقرب إلى الحقيقة من تلك التي نريها له الآن؟

غلوكون: إنها ستبدو أقرب كثيرا إلى الحقيقة.

سقراط: وإذا أرغمناه على أن ينظر إلى نفس الضوء المنبعث عن النار، ألا تظن أن عينيه ستؤلمانه، وأنه سيحاول الهرب والعودة إلى الأشياء التي يمكنه رؤيتها بسهولة. والتي يظن أنها أوضح بالفعل من تلك التي نريه إياها الآن؟

غلوكون: أعتقد ذلك.

سقراط: وإذا ما اقتدناه رغما عنه ومضينا به في الطريق الصاعد الوعر، فلا نتركه حتى يواجه ضوء الشمس، ألا تظنه سيتألم وسيثور لأنه اقتيد على هذا النحو، بحيث أنه حالما يصل إلى النور تنبهر عيناه من وهجه إلى حد لا يستطيع معه أن يرى أي شيء مما تسميه الآن أشياء حقيقية؟

غلوكون: إنه لن يستطيع ذلك، على الأقل في بداية الأمر.

فاستطردت قائلا: إنه يحتاج، في الواقع، إلى التعود تدريجيا قبل أن يرى الأشياء في ذلك العالم الأعلى. ففي البداية، يكون أسهل الأمور أن يرى الظلال، ثم صور الناس وبقية الأشياء منعكسة على صفحة الماء، ثم الأشياء ذاتها. وبعد ذلك، يستطيع أن يرفع عينيه إلى نور النجوم والقمر، فيكون تأمل الأجرام السماوية وقبة السماء ذاتها في الليل أيسر له من تأمل الشمس ووهجها في النهار.

غلوكون: بلا شك.

سقراط: وآخر ما يستطيع أن يتطلع إليه هو الشمس، لا منعكسة على صفحة الماء، أو على جسم آخر، بل كما هي ذاتها، وفي موضعها الخاص.

غلوكون: هذا ضروري.

سقراط: وبعد ذلك، سيبدأ في استنتاج أن الشمس هي أصل الفصول والسنين، وأنها تتحكم في كل ما في العالم المنظور، وأنها، بمعنى ما، علة كل ما كان يراه هو ورفاقه في الكهف .

غلوكون: الواقع أن هذا ما سينتهي إليه بعد كل هذه التجارب.

سقراط: فإذا ما عاد بذاكرته بعد ذلك إلى مسكنه القديم، وما كان فيه من حكمة، وإلى رفاقه السجناء، ألا تظنه سيغتبط لذلك التغير الذي طرأ عليه، ويرثي لحالهم؟

غلوكون: بكل تأكيد.

سقراط: فإذا ما كانت لديهم عادة إضفاء مظاهر الشرف والتكرم على بعضهم البعض، ومنح جوائز لصاحب أقوى عينين ترى الظلال العابرة، وأقوى ذاكرة تستعيد الترتيب الذي تتعاقب به أو تقترن في ظهورها، بحيث يكون تبعا لذلك أقدرهم على أن يستنتج أيها القادم، أتظن أن صاحبنا هذا تتملكه رغبة في هذه الجوائز، أو أنه سيحسد من اكتملت لهم ألقاب الشرف ومظاهر القوة بين أولئك السجناء؟ ألن يشعر بما شعر به أخيل عند هوميروس، من أنه يفضل ألف مرة أن يكون على الأرض مجرد خادم أجير عند فلاج فقير، ويتحمل كل الشرور الممكنة، ولا يعود إلى أوهامه القديمة أو العيش كما كان يعيش من قبل؟

غلوكون: إني أوافقك على رأيك هذا، فخير له أن يتحمل أي شيء من أن يعود إلى تلك الحياة.

سقراط: فلتتصور أيضا ماذا يحدث لو عاد صاحبنا، واحتل مكانه القديم في الكهف، ألن تنطفئ عيناه من الظلمة، حين يعود فجأة من الشمس .

غلوكون: بالتأكيد.

سقراط: فإذا كان عليه أن يحكم على هذه الظلال من جديد، وأن ينافس السجناء الذين لم يتحرروا من أغلالهم قط، في الوقت الذي تكون عيناه فيه مازالت معتمة زائغة، وقبل أن تعتاد الظلمة، وهو أمر يحتاج إلى بعض الوقت، ألن يسخروا منه، ويقولوا إنه لم يصعد إلى أعلى إلا لكي يفسد أبصاره، وإن الصعود أمر لا يستحق منا عناء التفكير فيه؟ فإذا ما حاول أحد أن يحررهم من أغلالهم . ويقودهم إلى أعلى، واستطاعوا أن يضعوا أيديهم عليه، ألن يجهروا عليه بالفعل؟

غلوكون: أجل بالتأكيد.

 

والآن، فعلينا، يا عزيزي غلوكون، أن نطبق جميع تفاصيل هذه الصورة على تحليلنا السابق . فالسجن يقابل العالم المنظور، وهج النار الذي كان ينير السجن يناظر ضوء الشمس، أما رحلة الصعود لرؤية الأشياء في العالم الأعلى، فتمثل صعود النفس إلى العالم المعقول . فإذا تصورت هذا فلن تخطىء فهم فكرتي، مادام هذا ما تريد أن تعرفه . ولست أدري إن كانت فكرتي هذه صحيحة أم لا، ولكن هذا ما يبدو لي على أية حال، فآخرما يدرك في العالم المعقول، بعد عناء شديد، هو مثال الخير، ولكن المرء ما أن يدركه، حتى يستنتج حتما أنه علة كل ما هو خير وجميل في الأشياء جميعا، وأنه في العالم المنظور هو خالق النور وموزعه، وفي العالم المعقول هو مصدر الحقيقة والعقل . فبدون تأمل هذا المثال لا يستطيع أحد أن يسلك بحكمة، لا في حياته الخاصة ولا في شؤون الدولة. "[5]

يتبين لنا، من خلال هذا النص الدرامي، أن أفلاطون يقسم العالم إلى قسمين: عالم حسي متغير  ونسبي، وعالم مثالي مطلق ومفارق لماهو مادي. ويعني هذا أن الإنسان ينتقل، في مساره المعرفي، من المعرفة الظنية القائمة على الوهم والاعتقاد الزائف الذي يذكرنا بمعرفة الأشباح والظلال التي تتراقص أمام مشاهدي الكهف؛ والمعرفة الحسية الواقعية التي تقوم على إدراك الأشياء عبر الحواس الخمس؛ والمعرفة العقلية أو الميتافيزيقية التي تدرك الأشياء المعقولة من خلال البحث عن العلل والأسباب.

 والمهم " أن الفلسفة قد اكتسبت على يد أفلاطون صبغة ميتافيزيقية، فأصبحت تعلو على كل من علم الطبيعة وعلم الأخلاق، وإن كان أفلاطون نفسه لم يستخدم لفظ (الميتافيزيقا) للإشارة إلى مشكلات ما وراء الطبيعة".[6]

ويذهب الفيلسوف اليوناني أفلاطون إلى أن الحقيقة اليقينية لا توجد في الواقع المادي الحسي النسبي، بل توجد في عالم المثل الذي يتسم بالطابع التجريدي والمفارق للعالم المادي المتغير والمزيف. بينما عالم المثل هو عالم ثابت ويقيني وأصيل وجوهري. ومن ثم، فالوجود الحقيقي - حسب ( أسطورة الكهف) لأفلاطون- ليس هو الوجود الذي نعيش فيه، فهو مجرد نسخة مزيفة من عالم حقيقي هو عالم المثل الذي لايتم إدراكه إلا بالتأمل العقلي المجرد. كما أن المعرفة الحقيقية واليقينية والمطلقة لا توجد في عالمنا المحسوس والمتغير والنسبي، بل توجد في عالم المثل الذي يحتوي بدوره على قيم متكاملة ومطلقة كالعدل، والحق، والخير، والجمال. وتتسم هذه القيم بكونها قيما خالدة وحقيقية وكلية ومطلقة. بينما قيم البشر هي قيم زائفة ونسبية ومتغيرة، مادامت ترتبط بالعالم النسبي الذي هو انعكاس مشوه للعالم الحقيقي المثالي. ومن ثم، فالقاضي العادل الحقيقي لايوجد إلا في عالم المثل، بينما في عالمنا المتغير لا يوجد سوى قاض نسبي غير كامل في قيمه وعدالته وفضائله. وهذا الحكم ينطبق على الجميل والخير، وعلى باقي القيم الأكسيولوجية والفضائل الإنسانية المعروفة لدينا. وعلى هذا الأساس طرد أفلاطون الشعراء من جمهوريته الفاضلة لأنهم يحاكون عالما نسبيا غير حقيقي[7].

ومن هنا، ينطلق أفلاطون من تصور مثالي مفارق لعالم المادة والحس والتجربة والظواهر الملموسة في تبيان مصدر الحقيقة اليقينية والصادقة.

 

المبحث الثاني: الفلسفة السياسية والاجتماعية

 يؤسس أفلاطون، في (جمهوريته الفاضلة)، مجتمعا متفاوتا وطبقيا، إذ وضع في الطبقة الأولى الفلاسفة والملوك، واعتبرهم من طبقة الذهب. في حين، وضع الجنود في الطبقة الثانية، وجعلهم من طبقة الفضة. أما الطبقة السفلى، فقد خصصها للعبيد، وجعلهم من طبقة الحديد؛ لأنهم أدوات الإنتاج والممارسة الميدانية. ويعني هذا أن أفلاطون كان يأنف من ممارسة الشغل والعمل اليدوي والممارسة النفعية، وكان يفضل إنتاج النظريات وممارسة الفكر المجرد. كما طرد أفلاطون الشعراء من جمهوريته الفاضلة؛ لأنهم يحاكون العالم النسبي محاكاة مشوهة، وكان عليهم أن يحاكوا عالم المثل بطريقة مباشرة، دون وساطة نسبية أو خادعة تتمثل في محاكاة العالم الوهمي بدل محاكاة العالم الحقيقي.

وهكذا، يتبين لنا أن فلسفة أفلاطون فلسفة  سياسية واجتماعية بامتياز،  تعنى بالقضايا السياسية في مختلف توجهاتها، مع التعريف بأنظمة الحكم، والبحث في المفاهيم الحقيقية للقانون والحق والعدالة والمساواة.

وبذلك، يكون أفلاطون قد تجاوز المعطى النظري الفلسفي المجرد ليقدم لنا تصورات فلسفية واجتماعية وسياسية في كتابه (الجمهورية). وقد كان أفلاطون أول من أسس الفلسفة السياسية على أسس العقل والحكمة، كما ترى أميرة حلمي مطر في كتابها (الفلسفة السياسية من أفلاطون إلى ماركس): "تحاول الفلسفة السياسية أن تجيب عن السؤال الآتي وهو كيف يمكن للقوة أن تتوافق مع المعقولية في المجتمعات.

والسياسة في أكثر معانيها انتشارا هي علم القوة وتنظيمها في المجتمعات.أما الفلسفة فهي تنظيم مستمر لعملية التعقل واكتشاف المبادئ المنظمة للتطبيق العملي.

ولما كانت الأداة التي يمكن لها تحقيق هذا التوفيق بين القوة والعقل في المجتمع هي الدولة، فقد يحدث أن تنجح الدولة في إخضاع القوة للعقل، وقد تهدف إلى أن يكون مثلها الأعلى هو تتويج للعقل مقعد القوة، ولكن يحدث في الغالب أن تفشل في ذلك. ولقد كان أفلاطون هو أول من عنى بالبحث عن إمكانية هذا التوفيق، بل كان أول من دعا إلى هذا الهدف في فلسفته السياسية."[8]

ويعني هذا أن أفلاطون كان أول فيلسوف غربي تناول السياسة في أبعادها العلمية والفلسفية والمجتمعية، بالتوقف عند مفهوم السياسة، وغاياتها وأهدافها، والبحث في فلسفة الحق والعدالة والمساواة والإنصاف، ومناقشة القوانين والأنظمة السياسية، وتبيان إيجابياتها ومساوئها.

 

 المبحث الثالث: الأسلوب والمنهج والكتابــــة

 تتميز الفلسفة الأفلاطونية، على مستوى الأسلوب والكتابة والمنهج، بثلاث خاصيات أساسية هي: النسقية، والحوارية، والجدلية.

 

المطلب الأول: الخـــاصيــة النســقـــية

 جاء أفلاطون، بعد معلمه الحكيم سقراط، ليقدم تصورا فلسفيا عقلانيا مجردا وميتافيزيقيا، في شكل نسق متكامل وجودا ومعرفة وقيما. وإن كان هذا النسق المتكامل عبارة عن تصور مثالي؛ لأنه أعطى الأولوية للفكر والعقل والمثال، كما يتجلى ذلك واضحا وجليا في محاوراته التي وصلت إلى خمس وثلاثين محاورة. بينما المحسوس لا وجود له في فلسفته المفارقة لكل ماهو نسبي وغير حقيقي. ومن ثم، يعد أفلاطون أول من تمثل الكتابة النسقية في مؤلفاته وأبحاثه الفلسفية، بل كان سباقا، في الفلسفة اليونانية بصفة خاصة، والفلسفة الغربية بصفة عامة، إلى بناء أول صرح نسقي فلسفي متكامل وشامل، يضم تصورات متماسكة حول الوجود والمعرفة والقيم، بعد أن تخطى المرحلة السقراطية القائمة على المنهج الحواري التوليدي من جهة، والكتابة التساؤلية التناسلية المبنية على السخرية والتهكم والتضمين من جهة أخرى.

ومن هنا، فقد قسم أفلاطون العالم الأنطولوجي، ضمن تصوره النسقي، إلى قسمين:  العالم المثالي والعالم المادي،  فالعالم  المادي هو عالم متغير ونسبي ومحسوس. وقد استشهد أفلاطون بأسطورة الكهف ليبين أن العالم الذي يعيش فيه الإنسان هو عالم زائف ووهمي ونسبي ومتغير، وأن العالم الحقيقي هو عالم المثل الذي يوجد فوقه الخير الأسمى الذي يمكن إدراكه عن طريق التأمل العقلي، والتفلسف المستمر. فالطاولة التي نعرفها في عالمنا المحسوس غير حقيقية. في حين، توجد الطاولة الحقيقية في العالم المثالي.

 وتوجد المعرفة الحقيقية في عالم المثل الذي يحتوي على حقائق مطلقة ويقينية وكلية، أما معرفة العالم المادي، فهي نسبية تقريبية وجزئية وسطحية، كما تدرك المعرفة في عالم المثل عبر التفلسف العقلاني. ومن هنا، فالمعرفة - حسب أفلاطون- تذكر، والجهل نسيان. ويعني هذا أننا كلما ابتعدنا عن العالم المثالي إلا وأصابنا الجهل. لذا، فالمعرفة الحقيقية أساسها إدراك عالم المثل، وتمثل مبادئه المطلقة الكونية التي تتعالى عن الزمان والمكان. ومن ثم، فأصل المعرفة هو العقل، وليس التجربة، أو ذلك الواقع المادي الحسي الذي يحاكي عالم المثال محاكاة مزيفة ومشوهة.

وعلى مستوى الأكسيولوجيا، فجميع القيم الأخلاقية، من خير، وجمال، وعدالة، هي قيم نسبية في عالمنا المادي، ومطلقة حقيقية في عالم المثل المطلق والأزلي.

وعليه، فالكتابة النسقية عند أفلاطون كتابة بنيوية متكاملة وشاملة، تحوي مجموعة من العناصر التي تتضافر فيما بينها من أجل بناء تصور معرفي موضوعي، يقوم على المعرفة والبرهان والاشتغال العقلي. وبالتالي، يتميز هذا النسق بالانغلاق والتناهي والاتساق والانسجام.ويتحول هذا النسق كذلك إلى براديجم(Paradigme) علمي مستوف لعناصره الجزئية، ضمن كلية تصورية شاملة وجامعة ومانعة، خالية من التناقض على مستوى طرح الأفكار ومناقشتها.

وتتأسس الكتابة النسقية على العقل واللغة والطبيعة والجوهر والموضوع، والاهتمام بالرياضيات والهندسة والمنطق والفيزياء، والبحث عن الحقيقة المطلقة والمعرفة اليقينية، والتعبير عن الرؤية الفلسفية المتكاملة الموحدة، ضمن تصور بنيوي كلي شامل، يتسم بالانسجام المنطقي، وعدم التناقض الفكري، وتوحيد العناصر والأجزاء والخطابات الفرعية الصغرى في إطار نسق بنيوي كلي شامل.

ويعني هذا أن الكتابة النسقية كتابة مقايسة بنيوية بامتياز، تستند إلى العقلانية والموضوعية، والخضوع للمقاييس والمعايير الأكاديمية السوية. وبالتالي، تنحصر هذه الكتابة " داخل براديجم سوي ومغلق يزودنا بقواعد أخلاقية جاهزة وأبدية.[9]"

وعليه، فالكتابة النسقية هي " مقايسة كلية داخل خطاب نهائي[10]". كتابة تكشف عن الحقيقة الموضوعية كيفما كان نوعها أو موضوعها، مع ارتباط وثيق بالعلم والمنطق والرياضيات والهندسة والقواعد العامة، والتزام صارم بالمعايير البرهانية والعلمية والمنطقية الصحيحة، مع السعي الحثيث من أجل إنشاء براديجمات بنيوية منطقية سوية للمقايسة والتحليل والبناء العلمي والمعرفي.وبالتالي، فهذه الكتابة هي كتابة بناء وإصلاح وتشييد وتعليم، تهدف إلى الخلود، وبناء اليقين الكوني، وتنوير الأجيال المتعاقبة ذهنيا وعقليا ومنطقيا وأخلاقيا وعلميا. علاوة على كون هذه الكتابة تشيد أسسها على ثلاثة عناصر بنيوية أساسية موحدة ومتكاملة هي: الوجود، والمعرفة، والقيم.

ويلاحظ أيضا على الكتابة النسقية مدى التزامها بالصرامة العلمية الموضوعية، وانغلاقها البنيوي على المقاييس السوية السليمة، وعدم انفتاحها على الشعري والروحاني والذاتي والإنساني، واهتمامها بالإدراك المعرفي والعقلانية المفرطة على حساب الإنسان والذات والهوية والشذوذ، وارتباطها بالثقافة المركزية، وعدم الإنصات إلى الغير والآخر والهامش والمحيط.

وقد تأثر كثير من الفلاسفة الغربيين بالنسقية الأفلاطونية السوية، كأرسطو، وديكارت، وكانط، وليبنز، وجون لوك، ودافييد هيوم، وهيجل، وغيرهم... إلى أن جاءت الفلسفات المعاصرة البديلة والشاذة (الهيرمونيطيقا والوجودية والفينومنولوجيا) التي اهتمت بالروح، والإنسان، واللاعقل، والدهشة، والشعر، والذوق، والمجاز، والهوية، والمقصدية، والصورة، والذات، والغير، والتأويل،والأخلاق، والحوار، والبيئة، والانفتاح،والتهجين...[11]؛ ففجرت الأنساق الكلاسيكية المتمركزة على المعرفة الوضعية، واستبدلتها بجوهر الإنسان، والدفاع عن الهامش، والميل نحو فلسفة التفكيك والتقويض والشذوذ، كما نجد ذلك جليا عند هانز جورج غادامير، وجان بول سارتر، وجاك ديريدا، وفريدريك نيتشه، ومارتان هايدغر،وميشيل فوكو...

 

المطلب الثاني: الخاصــيـــة الحــوارية

من المعلوم أن مؤلفات أفلاطون عبارة عن محاورات متنوعة ومختلفة المواضيع والأساليب والكتابة[12]، باستثناء مؤلفه (دفاعا عن سقراط) الذي اتخذ طابع مونولوج على لسان سقراط[13]. وتتضمن هذه الحوارات مجموعة من الإشكاليات الميتافيزيقية والمجتمعية والسياسية التي أصبحت هي المواضيع نفسها التي ناقشتها الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة.

ويعني هذا أن أفلاطون لم يستعمل الكتابة وسيلة للتعليم كما بين ذلك في محاورته (فيدرون)، أو أداة للتحكم والتوجيه كما في كتابه (السياسة)، أو آلية للتواصل والتبليغ، بل استعمل المنهج الحواري السقراطي في المحادثة والتعليم والتخاطب، وتوصيل آرائه الفلسفية الميتافيزيقية والسياسية والمجتمعية.لذا، اختار شخصية معلمه سقراط ليكون لسان فلسفته، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على مدى إعجابه بسقراط، وانبهاره بمنهجه في الحوار والجدل وبناء المعرفة، وفي محاججة خصومه تأثيرا وإقناعا وإفحاما.

وقد اختار أفلاطون الحوار الدرامي لأنه ألصق بالإنسان. وبالتالي، فهو منهج تفاعلي يربط الذات المتلفظة بالذات المتلقية، ضمن جو إنساني تخاطبي وتداولي حميم، على عكس الكتابة التي تكون خارج الإنسان ومنسلخة عنه. ومن هنا، فالحوار الأفلاطوني له بعدان: بعد درامي من جهة، وبعد فلسفي من جهة أخرى.

ويطرح الحوار الأفلاطوني كذلك قضية فلسفية معينة، مثل: الجميل، والشجاعة، والقوة، والسياسة، والسعادة، والفضيلة، والخير، فيناقشها المتلفظ مع المتلقي في ضوء رؤية حوارية توليدية ودرامية ممتعة، أو ضمن رؤية جدلية صعودا وهبوطا، والهدف من ذلك كله هو تحصيل الجواب الممكن أو المحتمل، أو إيجاد حل لهذه المشكلة المستعصية اعتمادا على أجوبة أفلاطون الشخصية، أو أجوبة الفلاسفة الذين سبقوه أو جايلوه وعاصروه.

وإذا كان أفلاطون فيلسوفا عقلانيا برهانيا، إلا أنه قد وظف الحوار التوليدي مثل أستاذه سقراط، كما يظهر ذلك جليا في مجموعة من محاوراته الفلسفية، مثل: محاورة جورجياس، ومحاورة فيدر...

ويقوم الحوار الأفلاطوني على الكتابة الدرامية، والالتزام بثنائية السؤال والجواب، والإشارة إلى السياق التداولي والتلفظي، واستحضار الشخصيات المتحاورة مرجعيا. وغالبا، ما تكون شخصيات فلسفية معروفة في الحقل الفلسفي اليوناني، كسقراط، وجورجياس، وهيبياس، وأوطيفرون، وغيرهم...

ومن ثم، يتميز الحوار الأفلاطوني بالخاصية السقراطية، من تهكم، وسخرية، وتجاهل، وتوليد، وتناسل، وتضمين، وتصحيح للمعارف والمسلمات، وميل إلى النقض الجدلي...

وقد تحول الحوار الأفلاطوني السقراطي إلى جدل فلسفي يقوم على الانتقال من حالة إلى أخرى، أو من فكرة إلى أخرى صعودا أو هبوطا. وفي هذا، يقول زكريا إبراهيم:"وأما المنهج الفلسفي الذي اتبعه أفلاطون، في معظم محاوراته، فهو منهج الحوار السقراطي الذي لم يلبث أن استحال على يديه إلى منهج جدلي (دياليكتيكي)، يتم فيه الانتقال من الأفراد إلى الأنواع، ومن الأنواع إلى الأجناس، ثم من الأجناس إلى المثل أو النماذج الأزلية التي تشارك فيها شتى الموجودات.وهكذا، كان أفلاطون ينتقل (مثلا) من الجمال الحسي إلى الجمال الخلقي، ثم من الجمال الخلقي إلى الجمال العقلي، لكي ينتهي في خاتمة المطاف إلى الجمال بالذات أو مثال الجمال.ولما كانت الفلسفة في نظره هي مبدأ الانسجام أو التوافق في الحياة والفكر معا، فقد أصبحت الفلسفة عنده حكمة يمتزج فيها العلم بالعمل، ويلتبس فيها النظر العقلي بالفضيلة الأخلاقية .وتبعا لذلك، فإن ما يسمو بعقل الفيلسوف فوق مستوى الرجل العادي هو في نظر أفلاطون البحث الذائب عن الحق والجمال، وما الجمال عنده سوى الخير نفسه !".[14]

وهكذا، يتبين لنا أن أفلاطون قد تمثل منهجا حواريا، في جل محاوراته العديدة، يقوم على منطق الاستفسار والتجاهل من جهة، والاعتماد على ثنائية السؤال والجواب من جهة ثانية، متأثرا  في ذلك بأستاذه سقراط الذي كان يعتمد على المنهج التوليدي في بناء المعرفة الفلسفية .

 

المطلب الثالث: الخاصية الجدليـــة

 استعمل أفلاطون منهجا جدليا قائما على الجدل الصاعد والجدل الهابط أو النازل. ومن ثم، فالجدل عند أفلاطون هو جدل حب وتربية، وليس جدل صراع دياليكتيكي مثالي بين المتناقضات، كما نجد ذلك عند الفيلسوف الألماني هيجل، أو جدلا ميكانيكيا كما عند فيورباخ، أو جدلا ماديا كما عند كارل ماركس.

ويتحقق الجدل عند أفلاطون بالانتقال من الكثرة والمحسوس إلى الوحدة والمعقول حتى نصل إلى العلة الأولى أو الخير الأسمى.

وكان الجدل عنده هو المنهج الذي به تتجرد النفس من المحسوس، وترتفع إلى المعقول، دون استخدام المحسوس، وإنما يتم من خلال الانتقال من فكرة إلى فكرة بواسطة فكرة.

 وينقسم الجدل عند أفلاطون إلى نوعين: جدل صاعد من العالم المحسوس إلى الخير الأسمى، وجدل هابط من الخير الأسمى إلى العالم المحسوس. ومن ثم، فالجدلي هو الذي يحسن السؤال والجواب.

ويستند الجدل إلى آليتين منطقيتين: آلية استنتاجية تقوم على طرح الفرضيات والأفكار التخمينية، والاستدلال عليها وفق مقايسة عقلية وتحليلية برهانية بهدف الاستنتاج المنطقي، وتحصيل الحقائق اليقينية ؛ وآلية التقسيم التي تعتمد على تجزيء الموضوع إلى أفكار وقضايا وعناصر فرعية، وتصنيفها إلى أنواع وأنماط والبرهنة عليها .

 

الخاتمة:

 وخلاصة القول، يتبين لنا، مما سبق ذكره، أن فلسفة أفلاطون فلسفة مثالية مفارقة للمادة والحس،تنطلق من فرضية أساسية تتمثل في أن عالم المثل هو العالم الحقيقي والأصل، بينما العالم المادي هو عالم زائف ومشوهونسبي ومتغير. وقد تجاوز أفلاطون كذلك المعطى الميتافيزيقي النظري الفلسفي المجرد ليقدم لناتصورات فلسفية واجتماعية وسياسية مهمة في كتابه (جمهورية أفلاطون).

ويلاحظأيضا أن التصور الأفلاطوني يقومعلى عدة ثنائيات: العالم المادي في مقابلالعالم المثالي؛ وانشطار الإنسان إلى روح من أصل سماوي، وجسد من جوهر مادي؛وانقسام المعرفة إلى معرفة ظنية محسوسة في مقابل معرفة يقينية مطلقة.

 وعلىالمستوى الاجتماعي، أثبت أفلاطون أن هناك تفاوتا اجتماعيا وطبقيا وثقافيا وفكريا. فهناك عامة الناس الذين يعدون سجناء الحواسالظنية من ناحية. ومن ناحية أخرى، هناك الفلاسفة الذين ينتمون إلى العالم المثالي، ويتجردون من كلقيود الحس والظن، ويتجنبون عالم الممارسة.أي: هناك الفلاسفة، والملوك، والجنود، والعبيد.وبتعبير آخر، هناك أهل النظر(التفكير النظري) في مقابل أهل العمل (العمل اليدوي والحرفي).

وفيما يخص الكتابة والمنهج والأسلوب، فقد وظف أفلاطون كتابة نسقية قائمة على الحوار والدراما والشرح الفلسفي المرسل القائم على الخطاب والقصة. كما استعمل المنهج الحواري السقراطي في التربية والتعليم والتبليغ، والمنهج الجدلي الدياليكتيكي في استقراء الوقائع والاستدلال عليها.

 

جميل حمداوي

........................

[1] -François Châtelet, Platon,Gallimard, coll. « Folio », 1965 (réimpr. 1990), 254 p.

[2] - Marie-Dominique Richard, L'Enseignement oral de Platon, Paris, Le Cerf, 1986.

[3] -Victor Goldschmidt, Les Dialogues de Platon, Paris, PUF, 1935.

[4] -A. N. Whitehead, Procès et réalité, 1929, p. 63; Process and Reality: An Essay in Cosmology (1929). 1979 édition corrigée, éditée par David Ray Griffin& Donald W. Sherburne, Free Press.

[5]- أفلاطون: جمهورية أفلاطون، ترجمة: حنا خباز، دار القلم، بيروت، لبنان، دون تحديد لتاريخ الطبعة، ص:206-209.

[6]- زكريا إبراهيم: مشكلة الفلسفة، مكتبة مصر، الطبعة الأولى سنة 1971م، ص:22-23.

[7]- انظر أفلاطون: جمهورية أفلاطون، المرجع المذكور سابقا.

[8] - أميرة حلمي مطر: الفلسفة السياسية من أفلاطون إلى ماركس، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة السادسة، 1999م، ص:3.

[9] -عبد المنعم البري: (نهاية الفلسفة النسقية عرض لوجهة نظر ريتشارد رورتي/Richard Rorty)، مجلة فكر ونقد، المغرب، العدد:14، سنة 1998م، ص: 48-49.

[10] - عبد المنعم البري: (نهاية الفلسفة النسقية عرض لوجهة نظر ريتشارد رورتي/Richard Rorty)،ص:48-49.

[11]- Richard Rorty. L'homme spéculaire. Edition Seuil, Paris, 1990, pp. 154-158.

[12] -Pierre-Maxime Schuhl, L'Œuvre de Platon, Paris, Vrin, 1954.

[13]- أفلاطون:محاكمة سقراط(محاورات أوطيفرون، الدفاع، أقريطون)،ترجمة: عزت قرني، دار قباء للطبع والنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية 2001م،صص:101-136.

[14]- زكريا إبراهيم: نفسه، ص:22-23.

 

تقديم: انطلق طه عبد الرحمان في معالجته لقياسية الخطاب الطبيعي، من فرضية مفادها، أن القياس هو البنية الاستدلالية لكل قول طبيعي، وقصد ب"القول الطبيعي"، كل قولٍ سواء أكان حقيقية أو مجازا، وميَّز في القول المجازي بين نوعين من المجاز، "القول الاستعاري" و"القول غير الاستعاري"، وفي هذا النوع بالذات تبرز قيمة أو صفة القياسية، إذ يتم قياس القول المستعار من القول الحقيقي، واعتبر القول غير الاستعاري راجعا إلى دلالة المفهوم في القياس. أما بالنسبة للقول الحقيقي فهو البنية القياسية الصريحة.

وقد عمد طه عبد الرحمان إلى توضيح المقصود بالاستدلال القياسي، وحدده بكونه "هو كل ما يتضمن الآليات الضرورية لتوليد الخطاب الطبيعي بشتى أنواعه". ليخلُص في النهاية إلى أن القياس ضرورة يفترضها الخطاب الطبيعي، الذي يستجيب لمعيار الالتباس الذي تعرفه اللغات الطبيعية.

فالقياس بهذا المعنى، يعطي لكل قول أساسَه الاستدلالي، فأقوالُنا ليست بريئة من القياس، وبالتالي فالقياس الاستدلالي آلية تُشتَقُّ بها الأقوالُ بعضُها مِن بعض، وتُوَّلَدُ الواحدة منها مِن الأخرى، وهذا ما عبَّر عنه طه عبد الرحمان بكونه "يفتح آفاقا قياسية أخرى".

وقد حدد عناصر الاستدلال القياسي انطلاقا من علاقة المشابهة التي تقوم عليها، ومن ثمة اعتمد مبدأ المماثلة كعنصر أساسي لتحقيق القياس.

والطريقة التي اعتمدها في معالجة هذا الطرح، انطلقتْ من تحديده للخصائص المنطقية لعلاقة المماثلة التي قد تتحول إلى مشابهة، وقد عرّف المماثلة بكونها: "علاقة الذات بالصفات، وعلاقة الصفات الإنسانية بالصفات الإلهية". وليُوضّح هذا الأمر استعان برأي أهلِ الكلام الذين تفرقوا إلى مذاهب شتى في مسألة إثبات الصفات أو إنكارها، فنجد:

• أن أهل التمثيل: يُجوِّزون على الخالق سبحانه بعضا من أوصاف الخلق.

• أن أهل التعطيل: يتميزون بسلب الصفات.

• أن أهل التأويل: يُخرجون الألفاظ من معانيها الحقيقية إلى معاني أخرى.

• أن أهل الإثبات: يتقيدون بما جاء في الكتاب والسنة.

ليخلُص طه عبد الرحمن مِن كل هذه التَّبايُنات الى:

- أن إشكال المماثلة وربطها بالصفات الإلهية يقوم على شروط عقلية ومنهجية تفرض التقصي والتقويم.

- العلاقات المنطقية التي تصاغ في إطار هذه النظرية يمكن نقلها إلى مجالات أخرى، على سبيل المثال، ربط تراثنا الإسلامي بالإنتاج الغربي، والاختلاف إنما يَكْمُنُ في تحديد الصفات التي نتماثل بها مع ثقافة الآخر.

وقد تَدَرَّجَ الدكتور طه عبد الرحمان في فك رموز هذه النظرية، في محاولته لعرض التنسيق المنطقي الذي وضعه لنظرية المماثلة الكلامية، وميَّز في هذا الصدد بين مجموعة من المتغيرات:

- متغيرات الذوات: والتي يَقْصِدُ بها الأفراد ومتغيرات الصفات أو المحمولات، ووظَّفَ مجموعة من الرموز للدلالة على الجهات.

بدأ بتحديد خصائص المماثلة المشتركة بين النظريات الكلامية، وانطلق في ذلك من مسلمة مفادها أن:

- كل ذات تتصف بصفات.

- المماثلة بين الذوات تثبت بطريق الصفات.

أما عن خصائصها فقد لخصها في أربع خصائص هي:

  خاصية الانعكاس: وتتجلى في مبدأ الهوية، وعبر عنه بلفظ هو.

  خاصية التناظر: وهي أن كل مايماثل غيره، فهذا الآخر أو الغير يماثله كذلك.

  خاصية التعدي: وهي أن مِثْلُ المِثلِ مِثْلٌ.

  خاصية التبادل: وهي أن كل المِثْلَيْنِ ينوب أحدهما منابَ الآخر.

وتحدث طه عبد الرحمان عن مسلمة أخرى تفيد استحالة الجمع بين المِثْلَيْنِ، وهذا رأي المتكلمين، وسماه طه بالهَذِيَة، وقصد به كون الشيء هو الذات المتعيِّنَة، ووظف مفهوم آخر ليعزز طرحه وهو مفهوم الحَيْثِيَّة.

ليخلُص في النهاية إلى: أن المِثليْن يمكن أن يتساويا في الحيثية ويختلفان في الهذية، لذلك دعا إلى وجوب إخراج صفات الزمان والمكان المحددة للهذية، والاقتصار على الصفات المكونة للحيثية.

وانتقل للحديث عن أصناف المماثلة الكلامية حسب ما يقتضيه الخطاب الطبيعي، وأشار إلى اختلافها وأرجع هذا الاختلاف إلى تباين واختلاف شروطها، وبالتالي حدد أصنافها في ما يلي:

- المماثلة الكلية: وهي أن يكون الأمران أو الشيئان مشتركان في جميع الصفات: وحددها طه عبد الرحمان في النقط التالية: ما وجب، وما جاز، وما استحال. ويرى أنه يمكن الاقتصار على إحداها وقياس الآخرين بها.

- المماثلة الجزئية: وهي أن يشترك الشيئان في بعض الصفات.

- المماثلة الذاتية العامة: أن يشترك الشيئان في صفات ذاتية أو ما يسمى بالصفات النفسية من غير الصفات المعنوية. والمتكلمون يخرجون منها صفات العموم.

- المماثلة الذاتية الخاصة: أن يشترك اللفظان في أخص الصفات.

وبعد عرض الدكتور طه لأصناف المماثلة الكلامية، انتقل إلى النظر في الأنساق المنطقية للتراكيب ليبرز خصائصها، ولخص أصناف المماثلة في الخطاطة التالية:

أصناف المماثلة

 المهملة                                    المقيدة

الكلية                 الجزئية               العامة               الخاصة

وقد ميز بين مجموعة من الأنساق التي تتكون منها المماثلة الكلامية، وعمد في تحديده لكل نوع من الأنساق إلى الانطلاق من مسلمات، وهذه الأنساق هي:

1- نسق المماثلة الجزئية: ولتوضيح المقصود بهذا النوع من النسق، انطلق من مسلمة مفادها أن المتماثلين تماثلا جزئيا أحدهما يسد مسد الآخر في صفات معينة. إذ أن وجود صفة وقعت بها مماثلة فهي بالضرورة محددة لصفات هي بمثابة أوجه لتحقق هذه الصفة في الشيئين المتماثلين.

فهذه المسلمة في مقام برهانٍ يدل على تميز المماثلة المهملة الجزئية بمجموعة من الخصائص والمبادئ وهي:

- مبدأ اتحاد أوصاف المثلين.

- مبدأ تماثل متحدي الأوصاف.

- خاصية الانعكاس.

- خاصية التناظر.

- خاصية التعدي.

وهذه الخصائص الأخيرة هي نفسها الخصائص التي حددها للمماثلة الكلامية في شموليتها.

2- نسق المماثلة الكلية: والمسلمة التي تتصدر هذا النسق، هي أن هناك نسق يجمع بين المماثلة الكلية والمماثلة الجزئية، وهذه الأخيرة هي لازمة عن المماثلة الكلية.

3- نسق المماثلة المقيدة العامة: هذا النسق يعتبر المثلين مشتركين في كل الصفات الذاتية .

4- نسق المماثلة المقيدة الخاصة: وفيه يشترك المتماثلان في أخص الصفات ويستوجب تحديد العلاقات القائمة بين الصفات، ويدخل ضمنه مبدأ التداخل والتكافؤ.

وبالتالي فإن المماثلة الذاتية الخاصة، ترجع إلى المماثلة الذاتية العامة.

بعد هذا العرض لخصائص وأنساق المماثلة الكلامية خلص طه عبد الرحمان إلى استنتاجات من قَبيل:

• أن بعض دواعي المماثلة تقارب مقاربة شديدة ما جاء به المعاصرون في المسألة نفسها.

• أنها تقارب الاجتهاديْن العلميَّيْن، الإسلامي والمعاصر، وهذا طبيعي إذا ما اعتبرنا مسألة المماثلة، أثارت اهتمام مجموعة من المفكرين والمناطقة، الذين عدد طه أسماءهم ك (فريجه، وراسل، وجيش..)، وذلك من خلال تفكرهم في مجموعة من القضايا الفكرية الهامة.

• واستخلص كذلك أن من بين القضايا المشتركة، قضية الاثنية وما تعرفه هذه القضية من إشكالات.

وإلى جانب ما ذكرناه سالفا فقد تطرق طه عبد الرحمان كذلك إلى إشكالات أخرى تلتصق بنظرية المماثلة وهي:

المماثلة والخرق الكلامي، حيث تحدث عن علاقة الصفات بالذات، وتكون هذه العلاقة في ثلاث حالات هي، (مماثلة للذات/ أو مباينة لها/ أو لا مماثلة ولا مباينة). وهذا يستدعي مبدأ الثالث المرفوع، ويعني به، أن القول كيف ما كان نوعه، لا واسطة بين صدقه وكذبه. وخرقُ هذا المبدأ يجعله تمييزا له في المنهجية المنطقية لعلم الكلام. ومثال ذلك ما قدمه الدكتور طه في قوله "الاسم لا هو عين المسمى ولا غير المسمى..."

فعلى الرغم من المعارضة الشديدة التي تلقاها مبدأ الثالث المرفوع، فإن طه عبد الرحمان يرى أن هناك أحوالا كثيرة للموجود، يكون فيها بين الإثبات والنفي، ولا يرتفع فيها الثالث. وهذا ما أطلق عليه اسم "منطق القيم الكثيرة"، وينتقد طه المتكلمين في اعتمادهم قيما ثلاثة وهي: الصدق، الكذب، الواسطة. ويعتبر أن أنسب نسق منطقي لصوغ أو بناء مبادئ المنهجية الكلامية، هو أن لا يبطل في مبدأ الثالث المرفوع، وكذلك مبدأ عدم التناقض. ويضيف إلى مبادئ المنطق الكلامي أصحاب القول.

يقترح طه عبد الرحمن لصوغ نسق يلغي عمل المبدأ الثالث المرفوع مع مراعاة عدم السقوط في التناقض، العمل وفق خطوتين:

1- تعيين  ثلاث قِيَّمٍ لمواقفَ قوليةٍ ثلاثةٍ معلومة.

2- يَشترط في التراكيب أمورا هي كالآتي:

- أن يكون القول صحيحا، إذا نال قيمة الصدق لكل القيم التي تستند إلى أجزائه.

- أن يُبْطَلَ مبدأ الثالث المرفوع، ويكون مبدأ عدم التناقض كذلك باطلا.

من الأمور التي تطرق إليها طه عبد الرحمن هي: المماثلة وعلاقتها بنظرية العوالم الممكنة، وحدد مفهوم العالم الممكن في كونه الحالة الشاملة للموجودات، فكل عالم ممكن هو بمثابة مجموعة من القضايا تتميز بالاتساق والاستيفاء.

أهم ما تعالجه هذه النظرية، هو وضع الذوات فيها، وهذا يطرح مسألة المماثلة، فهي تجسيد لتماثل الذوات وتباينها عبر العوالم. وهنا نجد تعارض الموقف الكلامي مع المُحْدَثِين الذين يعتبرون تغير العوالم يفضي لا محالة إلى تغيير الذوات.

حصَّل الدكتور طه عبد الرحمان في كتابه الماتع (في أصول الحوار وتجديد علم الكلام) مجموعة مهمة من الاستنتاجات، أشار فيها إلى أهمية القياس في السياق التخاطبي، وأنه  يستمد مسلماته من الخطاب الطبيعي، وفيه تتم جميع العمليات، وأن المعالجة التي قام بها المتكلمون لعلاقة الذات بالصفات تتسم بالقصور، وأنه لا بد من استرجاع واستعادة بعض الجوانب المنهجية في علم الكلام، لأهميتها في تمثل الدراسات الحديثة.

 

الحسين بشـوظ – كاتب من المغرب

.................................

قراءة في كتاب:  في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، لعبد الرحمن طه، الفصل الثالث: الاستدلال الكلامي القياس والمماثلة. المركز الثقافي العربي، ط2، 2000، الدار البيضاء.

 

hatam hamidmohsinالفلسفة السياسية هي النظريات والافكار التي تسعى لدراسة تأثير مختلف المثاليات السياسية على المجتمع، وانعكاس ذلك في صياغة الافكار الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. تتراوح الاسئلة التي تشغل اهتمام الفلسفة السياسية من وصف الحالة الحقيقية للانسان على المستوى الوجودي، الى انواع النظم الاجتماعية الضرورية لترويض وتنظيم الطبيعة. في هذا السياق، هناك قدر من الحقيقة في القول ان الاجوبة او الرؤى التي تطرحها تلك الفلسفات هي ليست بالضرورة اصلية. افلاطون، وهو تلميذ سقراط كان منشغلا تماما بالفلسفة السياسية ووضع لنفسه مهمة تصور مجتمع يعمل بشكل سليم. مجتمع افلاطون المثالي كان يتكون من الحكام والجنود والجماهير. جميع هذه الاصناف ضمن المجتمع صُممت في عمر الشباب لتلعب دورا اجتماعيا  يساهم ايجابيا في تحسين الميدان الاجتماعي. في سياق تاريخ الفلسفة السياسية، برز افلاطون كواحد من اهم المنظرين السياسيين الموهوبين ان لم يكن احسنهم. ومع انه يفحص بدقة حاجات المجتمع، هو كان قادرا على تمييز حاجات المجتمع بالاضافة لحاجات الفرد. هو قهر ايغو الانسان حينما اعترف بان الفرد لا يستطيع البقاء بمفرده وان جميع الناس يعتمدون على بعضهم لكي يعيشوا حياتهم. فكرته عن الجماعة المنظمة كانت محط اهتمام العديد من النقاشات في الفلسفة السياسية وكانت نقطة الانطلاق التي بواسطتها خلق العديد من الفلاسفة السياسيين بيئتهم الاجتماعية المثالية. مع ان نظرياتهم ليست متطابقة مع نظرية افلاطون، لكن علامات لنظام افلاطون كانت بالتأكيد حاضرة.

توماس هوبز الفيلسوف السياسي للقرن السابع عشر لديه بعض النظريات والافكار مشابهة تماما لنظريات افلاطون. رؤية هوبز لدولة الطبيعة كانت بدائية جدا: هو شعر انه في دولة الطبيعة تسود حرب الجميع ضد الجميع. في دولة الطبيعة كانت العدالة مستحيلة لأنه بدون مجموعة من القيود والهياكل،سيكون لكل فرد الحق بعمل اي شيء يرغبه وستكون الفوضى امرا حتميا .

الطريقة الوحيدة للهروب من حالة الفوضى التعيسة كانت ان يوافق كل الناس على ميثاق اجتماعي. شروط الميثاق هي ان يُعطى الحاكم المطلق الحرية الكاملة في التعامل مع المواطنين. الملك مُنح له الخيار في حماية حياة المواطنين. ومن المفارقة ايضا ان الملك لديه الحق في سلب حياة مواطنيه (حين يصبحون عرضة القتل). لحسن الحظ لم يتخل المواطنون عن حقهم في المقاومة، وفي الحقيقة، سُمح لهم ولكن(دون جدوى) . بما ان الملك يحافظ على حياة الاكثرية ويمارس سلطة مطلقة ،فان الميثاق سيُعتبر ناجحا وبالتالي سيُخلق المجتمع المدني.  الميثاق الذي اُقترحه هوبز  في (التنين) قصد به المحافظة على مصلحة السلم العام . وبما ان الناس لا يقتلون بعضهم، فان الصالح العام سيتم بلوغه والملكية المطلقة ذاتها ستعتبر ناجحة.

هناك تشابه واضح بين افكار هوبز ونظرية افلاطون في المجتمع المدني. افلاطون اشار الى الاعتمادية المتبادلة داخل المجتمعات وفيما بينها وان لا حياة لأحد بدون هذه الاعتمادية او بدون المجتمع الموجه. هوبز استخدم افكار افلاطون في الاعتمادية الى الحدود القصوى حينما اشار الى ان الرجال والنساء سيقتل بعضهم لكي ينجوا بحياتهم. لماذا؟ لأن الناس الآخرين لديهم ما نحتاجه لكي نحافظ على حياتنا، سواء كانت ملكية او طعام او غيرها. ولكن لماذا نحن حقا بحاجة الى المجتمع المدني؟ لأن الناس انانيون ويرغبون بعمل اي شيء ممكن حتى وان انتهكوا الاخرين من اجل انفسهم . فقط في المجتمع الذي توضع فيه القيود والقوانين على الناس، سيعمل الافراد الى جانب بعضهم  بدلا من القتال لأجل البقاء  وسيستخدم كل فرد ما لديه من موارد وخبرة لمصلحة المجتمع . طريقة هوبز في حكم  مجتمع كهذا تختلف عن طريقة افلاطون لكنها لاتزال تنبع من نفس الاساس. الملكية التي يصفها هوبز ستُمنح حرية كاملة في التصرف ويناط بها اتخاذ ما يلزم لتحقيق ما هو افضل للمجتمع ككل .ونفس الشيء بالنسبة لحكام افلاطون الذين هم مسؤولون عن توحيد الجماعة بأمل تأسيس مجتمع مدني قوي ومزدهر. الفرق الواضح بين تصوري هوبز وافلاطون للحكام هو ان حاكم افلاطون سيكون مختارا طبيعيا بسبب حكمته المتأصلة، بمعنى اخر، حاكم افلاطون يولد حكيما وقصد به ان يكون في موقع الحاكم، اما حاكم هوبز هو احد المواطنين يتم اختياره ويُعترف به كحاكم مطلق في ميثاق المجتمع.

الكس دي توكفيل Alexis De Tocqueville هو فيلسوف سياسي بارع في القرن التاسع عشر برزت افكاره من الاصول الفلسفية لافلاطون، توكفيل جاء من ارستقراطية فرنسا وذهب الى امريكا اساسا لدراسة نظام العقوبات. ولكن بدلا من متابعة اعماله، وجد نفسه مفتونا بالنظام السياسي الذي شغل امريكا. عمله"الديمقراطية في امريكا" جسّد مقارنة سياسية بين الارستقراطية والديمقراطية. بدلا من دراسة الناس في دولة الطبيعة البسيطة، كما فعل افلاطون وهوبز،ركز توكفيل على الحاضر وعلى البناء السياسي الافضل للناس في المجتمعات القائمة سلفا. هذه الطريقة في بناء فلسفة سياسية كانت مختلفة عن طريقة هوبز وافلاطون، مع ذلك انها كانت فعالة في تحليل ومعرفة  نوع  البناء الاجتماعي الذي يساهم في تحقيق الصالح العام للافراد ضمن مجتمع معين.

توكفيل كان مسحورا بمقدار الحرية السياسية التي يمتلكها كل الناس من ادنى الى اعلى طبقة. هو كان مندهشا بالكيفية التي تدار بها امريكا للحفاظ على مثل هذا النظام السياسي القوي بدون امتلاك سيطرة مركزية حزبية لها القول المطلق والنهائي في تمرير القوانين. ما يدهشه كثيرا هو اشتراك الناس حتى اولئك المنحدرين من الطبقة الفقيرة في رسم القواعد والقوانين التي تستطيع الحكومة تمريرها. هذا كان واضحا  في النظام القضائي الامريكي حيث كل فرد كان قادرا على ان يكون قاضيا ويقرر مصير الافراد الاخرين. هو كان مندهشا بان الفرد اثناء المحاكمة لم يكن يُستمع له من قبل محلف منفرد، وانما يُعطى الفرصة ليضع قضيته امام هيئة محلفين من زملائه من كل الطبقات الاجتماعية والمالية. هذا وفر للمدّعي فرصة متساوية بالعدالة طالما يتم اختيار القاضي عشوائيا من كل طبقات المجتمع بصرف النظر عن منزلته الاجتماعية والمالية. هو اُعجب في هذا النوع من النظام القضائي الذي يستطيع حماية حقوق الافراد ويحافظ على إعلان الامة  في الصالح العام. كان يرى ان القاضي المختار هو اقرب الى مفهوم افلاطون في "الحراس" الذين كان عليهم الدفاع عما اسسه المؤسسون القدماء. ومن الاشياء الاخرى التي ذهل بها توكفيل هي السهولة التي يصوت بها المواطنون الامريكيون عن آرائهم. اي، رغم افكارهم، هم اكثر رغبة في اتباع القواعد والقوانين التي تضعها الامة، حتى لو لم تكن منسجمة مع فلسفتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعينة. هو توصل الى الاستنتاج التالي:

"طالما ان الاغلبية لم تتقرر بعد، فان النقاش سيجري، ولكن حالما يصبح اعلان القرار لارجعة عنه فان كل شخص سيصمت،والمعارضون بالاضافة للاصدقاء متحدون في الموافقة على صوابية ذلك القرار ..".

بما ان القرارات كأي من القواعد والقوانين التي يجب ان تُمرر يتم اقرارها من جانب الاغلبية بعد دراسة السلبيات والايجابيات، فان الناس اكثر رغبة للخضوع للقرار لأنه يُدرس ويُحلل  ويُعرض من كلا الجانبين وليس فقط من جانب الملك الهوبزي ذو القول المطلق. هو استنتج، ان غياب الملك هو لضمان ان هدف الخير العام لا يتضرر بالعدالة. الطريقة التي تتعامل بها امريكا مع مواطنيها تسمح بتعديل القوانين وبالفرص المتساوية لكل من يريد النجاح بصرف النظر عن التاريخ العائلي السابق للافراد.

هنا ربما يبرز تشابه آخرمع جمهورية افلاطون حينما يوجه توكفيل انتباهه للكيفية التي يعمل بها الناس في امريكا مع بعضهم في محاولة بناء جماعة قوية: بدلا من القتال فيما بينهم لأجل البقاء،هم واعون باهمية اعتمادهم على بعضهم . شخص واحد لا يستطيع تمرير القوانين في امريكا، تصويت الغالبية مطلوب لكي تمرر القوانين والحوكمة، والتي ستكون لمصلحة الخير العام وليس فقط للفرد. توكفيل استكشف الخير العام لامريكا وكان قادرا على التشخيص الدقيق لسبب استمرارية التقدم في النظام السياسي الامريكي في مثل هكذا اطار ديمقراطي بدون اي انفجارات فوضوية كبيرة . بعد شرحه للشعب وللنظام السياسي، اصبح استنتاجه واضحا : الناس الذين جاؤوا الى امريكا جاؤوا من مختلف الاصول واجتمعوا الى بعضهم بحثا عن الخير العام. الخير العام في عقلية امريكا كان الاستقلال، والاستقلال يوجد فقط وكليا في المجتمع الديمقراطي. الناس الذين قدموا الى امريكا جاؤوا من اماكن القمع وانظمة الحكم الملكية وكانوا يخشون جدا من هكذا حكم. مع الآباء المؤسسون لامريكا الجميع متفقون  انهم ارادوا نظاما آمنا يمنع اي نوع من الملكية، وهو ما قاد الى تجسيد الخير العام لجميع المواطنين.

هذا الاتفاق،مع انه مختلف جدا في المحتوى،لكنه كان مساويا الى فكرة ميثاق هوبز التي بواسطتها يجب ان يُنظم كل المجتمع ،اي عبر اتفاقية يبارك بها الجميع. ما اثار الالتباس لدى توكوفيل هو لماذا كانت هذه الترتيبات الديمقراطية ممكنة في اوربا. في دراسته المقارنة هو اراد معرفة  لماذا النظام الديمقراطي في امريكا بالذات كان حيويا هناك، ولكن ليس في قارته اوربا. التبرير الذي جاء به كان ملفتا. هو استنتج ان الطرق الارستقراطية في اوربا كانت راسخة جدا في النظام السياسي لدرجة ان اي محاولة لتطبيق اسلوب الديمقراطية الامريكية ستسبب صراعا اكثر من الاطراء في ميدانها الاجتماعي. الناس في اوربا مسحورون بماضي الاسلاف والثقافة. ولأن هذه المجتمعات تقود الحياة بمثل هذه التمايزات الاجتماعية فان اي مسعى للمساواة التامة سيقود الى اضطراب اجتماعي كبير.

جلب الناس من جميع الطبقات الاجتماعية العليا والدنيا الى النقطة التي لم يعودوا بها منفصلين وفق القيود المالية او العائلية سيسبب فوضى في المجتمع. الناس ذوي النسب القريب جدا لقلوبهم، سيدفعهم الشعور برغبة الايذاء والقسوة  الى خلق فوضى عارمة تتجاوز بثقلها فوائد الوحدة الاجتماعية المتوقعة عادة بوجود  المساواة  والاستقلال. الديمقراطية لن تكون لمصلحة الدول الاوربية او لمشاعر التقاليد القوية التي تتمسك بها تلك الامم . الخير العام لاوربا ليس بالضرورة هو ذاته في امريكا. توكفيل استنتج الجواب، والذي بالنسبة له بدا صائبا جدا عند مقارنة الاتجاهين مع هيكل الحكومة. هو كان عمليا  عندما قرر ان يبني مُثله الاجتماعية على المواقف المتجسدة للناس بدلا من محاولة البدأ من موقف مختلف جدا مرتبط بالمراحل البدائية الطبيعية للانسان. مع ان هذا المظهر من بحثه يختلف عن ذلك السائد لدى افلاطون وهوبز، لكنه لايزال يسمح له ليأتي بحل مشابه للفيلسوفين السابقين. طريقة توكفيل للنظر للمجتمع سمحت له ادراك ان الديمقراطية ربما هي احسن طريقة لبلد معين لبلوغ خيره العام،لكنها  ليست مناسبة لدول اخرى.

ماركس، كما افلاطون وهوبز وتوكفيل لديه رؤية عن كيفية ان انقسام الجماعة بالطبقة الاجتماعية سيأخذ بناءا اجتماعيا جديدا يكون مفيدا لكل المواطنين ضمن المجتمع وليس فقط للارستقراطيين. مجتمع ماركس المثالي سيكون "لاطبقي". هو رأى هيكل المجتمع نتيجة للتاريخ الذي سياتي في النهاية الى حالة من التوازن. النقطة الاساسية في رؤيته للمجتمع الطبقي كانت نهاية الرأسمالية. يرى ماركس، ان الرأسمالية هي طريقة استخدمتها البرجوازية لاستغلال العمال كي تزيد قيمة انتاجهم. لكن ماركس شعر بان الرأسمالية احتوت على بذور فناءها: النهم في المنافسة والسيطرة على انتاج السوق. الرأسمالية السائدة بين المنتجين لانتاج المزيد من السلع سيقود بالنهاية لخروجهم من الاعمال، لكن مع قلة المنافسة هذه سيكون هناك القليل من البروليتاريين المقهورين. هذا غيّر المجتمع بقوة من كونه رأسماليا الى جماعة اشتراكية. وبالنهاية سوف ينتقل هذا المجتمع المتغير باستمرار  من مجتمع اشتراكي الى مجتمع لاطبقي تماما.

اعتقد ماركس جازما ان التصنيع كان العنصر الرئيسي للمجتمع اللاطبقي الجديد. هو يرى ان المزيد من المكائن التي تتولى الجزء الاعظم من الانتاج سوف تحرر الانسان من القسوة التي يتحملها العمال. وبما ان المكائن تستطيع انتاج الكثير في فترة اقصر، هو رأى ان هناك  انتاجا كافيا يسمح لكل شخص بحياة اكثر سخاءا. وعليه، فان كل شخص لديه امكانية الوصول الى هذه الحياة المختلفة، ولذا فان المجتمع سيتغير من الارستقراطية الى المجتمع اللاطبقي. هذا المناخ اللاطبقي سيكون مناخا شيوعيا وحيث لا احد يمتلك الارض،اذ ستكون  الملكية والسلع المنتجة  تحت وصاية الدولة وليس افراد المجتمع . نظرية ماركس للدولة باعتبارها لجميع الملكيات، هي من حيث الجوهر، وضعت كل عضو في الدولة على قدم المساواة. وبسبب ان الدولة تملك كل الملكيات،فهي قادرة على توزيع كل البضائع على جميع المواطنين. هذا كفل تلبية رفاهية جميع المواطنين وليس فقط النخبة،وبالتالي تحقيق الصالح العام.

بسبب حساسية ماركس تجاه حاجات البروليتاريا و حاجات الطبقة الوسطى، فان فلسفته السياسية اكتسبت هدفا تيلولوجيا في الخير العام الموجه للجميع وليس فقط للنخب من المواطنين  الذين يسيطرون على وسائل الانتاج . ذهنية ماركس وضعته في نفس الصف مع افلاطون وهوبز وتوكفيل. هو بحث عن وسائل تحسين الجماعة فكانت الشيوعية المفهوم الاخير الذي برز ضمن تفكيره منذ ان شعر ان هذه الفلسفة السياسية يمكنها حقا تعزيز حياة الجميع بمثل هذه البيئة. مع ان هوبز سعى الى الحكم الملكي بقائد منفرد يقود الدولة، وديكوفيل اكتشف ان ما هو خير لدولة معينة ليس بالضرورة خير لاخرى، ماركس شعر ان الحكومة الشيوعية ستعمل افضل ما يمكن وفق مفهومه للدولة، هم جميعهم يشتركون بهدف مشترك.

ما هو واضح في الفكر السياسي لهؤلاء الفلاسفة هو البحث عن الدولة التامة. هم يشتركون في نفس الهدف وهو البحث عن الحل النهائي الذي يحل المأزق الذي تواجهه دولهم: وبالنهاية، هم كانوا يبحثون عن الفلسفة السياسية التي تلبي طموحات الخير العام. ما يميز بينهم من حيث الجوهر هو الطريقة التي اعتمدوها في محاولة الوصول الى تيلولوجيا سياسية واجتماعية. افلاطون كان الاقدم في افكاره وطموحه كان مرتكزا على المعرفة التي اكتسبها من استاذه سقراط. رؤيته في متابعة الخير العام لجماعة الناس وليس فقط للفرد كانت الفكر المؤسس الذي كان له تاثير عميق على العديد من الفلاسفة السياسيين اللاحقين. هوبز وتوكفيل وماركس جميعهم كان لهم تأثير هائل ليس فقط على الفلسفة السياسية وانما ايضا على تاريخ الافكار. غير ان اصل تفكيرهم يكمن في بحث افلاطون عن الخير العام. كتابات هوبز وتوكفيل وماركس كانت "الاغصان" المتفتحة من النبتة التي زرعها افلاطون والذي تدين له الفلسفة السياسة كثيرا. بدون التحقيقات الاولى لافلاطون سوف لا يكون لدينا الاساس القوي الذي سمح لنا اليوم للبحث عن وسائل للاقتراب نحو هدف تحقيق الخير النهائي للمجتمع. 

Pathways school of philosophy, pathways to philosophy

 

حاتم حميد محسن

          

emadadeen ibrahimان العلاقة بين الفلسفة والايدولوجيا هي علاقة متشابكة ومتداخلة وهامة في نفس الوقت ولا نستطيع أن نغض الطرف عنها أو نتجاهلها . وهذه العلاقة محورية لكون الفلسفة والايدولوجيا تركزان علي المعرفة وتوثران في الإنسان ومستقبله. والسوال المطروح بقوة ما طبيعة العلاقة بين الفلسفة والايدولوجيا ؟ هل هي علاقة تنافر وصدام ام علاقة انسجام وتوافق؟ الإجابة هي علاقة تداخل وتشابك لا غني عنها بعض الفلاسفة يروا أن الايدولوجيا عندما تدخل في الفلسفة تفسدها ، والبعض الآخر يري عكس ذلك. وهناك عبارة مشهورة لدينيس ديديروا توضح طبيعة هذه العلاقة وهي (لم يسبق لفيلسوف أن قتل رجل دين (مؤدلج) لكن رجل الدين المؤدلج قتل كثيرا من الفلاسفة . فالايدولوجيا بناء علي ذلك هي فكرة قاتلة أو تودي في النهاية إلي القتل، في حين أن الفلسفة هي فكرة مسالمة محبة في النهاية. والحقيقة أن هذه العبارة ليست دقيقة كل الدقة لان بعض الفلسفات قد تحولت الي أيديولوجيا قاتلة .  ويجب أن نشير إلي ملحوظة هامة وهي إذا كانت الفلسفة صعبة المراس ولا تسلم بالتحول إلي أيديولوجيا بيسر إلا أنها قد تتحول إلي أيديولوجيا بأسرع مما يتحول العلم، فهي معرفة والمعرفة لا ضابط من نظرية علمية أو عدة نظريات يحكمها بل المعرفة خاضعة للخطابات ولنظام توزيعها واستهلاكها في المجتمع.كما أن الفلسفة تفكير في التفكير ولذا فالنقد جزء منها لذاتها أو غيرها ومن ثم فهي بطبيعتها تنقض أدلجتها كل ما بدأت تتادلج ، ولكنها تتادلج كلما ابتعدت عن المفاهيم واقتربت من تناول المفاهيم وتوظيفها.و نلفت الانتباه هنا إلي حقيقة هامة وهي إذا نظرنا إلي الميتافيزيقا التي كانت عليها الفلسفة برمتها واستمرت إلي العصر الحديث حتى هايدجر وهوسرل وفوكو ، فأننا سنحكم لأول وهلة علي الفلسفة بأنها ليست إلا نمطا من الايدولوجيا، وليس ما قام به أولئك الفلاسفة إلا نقض أيديولوجيا الفلسفة بايدولوجيا بديلة. ولكن بمحاولة الفلسفة الأوروبية التخلص من الميتافيزيقا القديمة (الايدولوجيا) علي مستوي فعل التفلسف لم تستطع أوروبا التخلص في أفق الفلسفة المتحولة الي أيديولوجيا متجسدة التي تحولت فيها الماركسية إلي أضخم أيديولوجيا نافية للأخر ومنتهكة لكرامة الإنسان.و يشبه مونرو علاقة الايدولوجيا بالفلسفة بعلاقة التبسيط بالعلم ، وعندما يري العلم عبر التبسيط لا يعرف غالبا وإن كان التبسيط مدينا للعلم بأصله ويكتب في مكان آخر (الايدولوجيا تشكلت في الفلسفات) . أما (ميشيل سير) فيري إمكانية كون القول الفلسفي أيديولوجيا فيما يكتب ، ويجوز أن يكون القول الفلسفي أيضا أيديولوجيا. ومن أكثر المخاوف التي تطرح ضد تفريغ الفلسفة من الايدولوجيا أن فعل التفريغ يودي إلي انتشار الفلسفات العدمية والفوضوية. من هنا نري أن العلاقة بين الفلسفة والايدولوجيا هي علاقة متداخلة ومركبة لا نستطيع أن نفصلها أو نتجاوزها. وهذا العلاقة هي من الأهمية بمكان حتى أننا لا نستطيع أن نغفلها.

zouhair khouildi"يُبيّن هذا اللاّيقين عينه أن مفهوم التأويل ـ مثل مفهوم الوجود عند أرسطوـ يُقَال على أنحاء عدة"1

لقد فرق أبو هلال العسكري بين التفسير والتأويل في كتابه الفروق اللغوية حيث أفاد بأن التفسير هو الإخبار عن أفراد أحاد الجملة ووضع كل شيء منها موضعه  وإفراد ما انتظمه ظاهر التنزيل، بينما التأويل هو الإخبار بمعنى الكلام على وجه يحتمل الحقيقة أو المجاز  أي الإخبار بغرض المتكلم بكلام2 . 

لكن ثمة فرق بين التأويل ومنهج التأويل أو التأويلية، إذ " التأويل هو استخلاص المعنى الكامن انطلاقا من المعنى الظاهر أي أنه بعبارة أخرى الانطلاق من المعاني المجازية بحثا عن المعاني الحقيقية"3، بينما منهج التأويل يمارس على النص الديني بوصفه من أهم المجالات الحافلة بالرموز والاستعارات والتي لا يخلو في كثير من الأحيان من الغموض والتناقض الظاهري. زد على ذلك ينصب على نصوص أخرى مأخوذة من الفلسفة والأدب والشعر والفن والقانون... وتعتبر تقنية التأويل من أفضل الطرق  التي يعتمدها التحليل النفسي لسبر أغوار اللاّشعور انطلاقا من معاينة التصرفات اليومية العادية ومن تفسير الأحلام."4

لا توجد اختلافات كبيرة في المعنى عندما يتم ترجمة كلمة تأويل من لغة إلى أخرى سواء من العربية أو الفرنسية أو الألمانية أو الأنغليزية وإنما تظهر الفوارق والتباينات التي تصل إلى حد الصراعات والسجال والتطاحن عندما يتم استعمال هذه التقنية أو الصناعة أو الفن أو المنهج أو الاختصاص أو النظرية العلمية  وعندما توضع جنبا إلى جنب مع مفاهيم مرادفة على غرار التفسير والفهم والتوضيح والهرمينوطيقا.

والحق أن ريكور قام بزرع الهرمينوطيقا في الفنومينولوجيا وواصل مسيرة الصعود إلى الأصلي ولكن بالرجوع إلى العالم الموجود سلفا والتفكير في الذات من خلال عالم التمثلات وجملة من الأفكار والمعايير وبالانتقال من العالم المعطى بشكل بدئي والعالم المؤول الذي يتشكل من شبكة من العلامات والرموز والقواعد وتدعو إلى التفكير والمقارنة والتكوين والتشكيل وإعادة التشكيل والشروع في الحكم والتعيير.

لقد ركز بول ريكور في الفلسفة التأويلية ذات المصادر الفنومينولوجية على ما تتضمنه اللغة الألمانية من ثراء دلالي وخاصة الزوج المفهومي Auslegun  وverstehen  ولعل المقصود بهما في هذا المقام هو التأويل والفهم، وبالرغم من الاختلاف الدلالي البسيط بينهما فإن استعمالهما ظلا مستقرا مع اختلافات طفيفة في جميع السياقات سواء تعلق الأمر بالفيلولوجيا أو القضاء أو الدين أو علم النفس أو علم الاجتماع. ولهذا تأسست الهرمينوطيقا Hermeneutik بوصفها الاختصاص العلمي القادر على إعطاء هذا الزوج المفهومي نوعا من الدقة بحيث جعلتهما من أفضل الطرق الممكنة للشرح والتمثيل والتوضيح والإبانة5.

علاوة على ذلك يذكر ريكور مصطلحات أخرى تندرج ضمن الحقل الهرمينوطيقي وتحمل استعمالا مرادفا للتأويل والتفسير مثل لفظ Bedeutung والقريب من الدلالة Deutung ولفظ التفسير Erklären الشبيه بالفهم verstehen. لكن مشكلة الترجمة لا يثيرها التأويل Auslegen بل لفظ الدلالة Deutung. هذا الثراء اللغوي والتنوع الدلالي يكشف عن جذور الهرمينوطيقا بوصفها منغرسة في تراث خصب تفجر عند الألمان ولكنه ضارب في الحضارات القديمة ويعود إلى اللغات والثقافات الشرقية والدينية. في هذا الصدد يعالج ريكور مقالا شهيرا لفيلهايم ديلتاي حول الهرمينوطيقا 6ظهر سنة 1900 وأبان فيه عن التزامه بتلبية مطلبين من مطالب الفكر الألماني وهما: أولا الاهتمام بتحصيل الأشكال الكبرى للوجود الإنساني في فرادته وهي ما يسميه فردنة الوجود الإنساني ويتجذر بعمق ضمن النزعة الرومنطيقية، وثانيا يطمح إلى إعطاء هذا الاهتمام صورة علمية بالرغم من إعلان المواجهة مع النزعة الطبيعانية الوضعية وعزمه على تشييد خصوصية في مستوى المنهج والمفاهيم وبناء الموضوع لعلوم الفكر7.

غير أن اتجاه التفسير واتجاه الفهم ما لبثا أن التقيا في مستوى التطور النقدي الذي عرفته الفيلولوجيا الكلاسيكية والتفسير التوراتي حينما كان الفكر يطارد الفريد ويلتزم بمطلب العلمية على أرضية الكتابة. بطبيعة الحال، تمثلت وظيفة الهرمينوطيقا في منح حقل خلفي فلسفي لهذه الاختصاصات الفرعية الجزئية ولقد أطلق ديلتاي على هذا الحقل الخلفي اسم "نظرية في الفهم"8 أكثر اتساعا من تأويل الوثائق المكتوبة.   هكذا يتوجه الفهم إلى كل العلامات الخارجية للحياة النفسية ويتم تطبيقه على كل التعبيرات9 الغريبة ويتحرك موضوعانيا من الباطن إلى الخارج ويصعد من الإنتاجات الخاصة إلى العلامات الموضوعية.

لم يفتك هذا المشروع القيمة العلمية إلا بالاستناد من حيث المبدأ على ثلاثة براهين:

1 العلامات هي وقائع تتساوى من حيث القيمة الوقائع التي تشيد عليها علوم الطبيعة موضوعيتها.

2 العلامات لا تعطى في حالة متفرقة بل في سلاسل مترابطة تمنح مواضيع الحياة صورة نسقية.

3 فردنة العالم الإنساني حصل على درجة عليا من الموضوعية بواسطة التثبيت بالكتابة وما يشبهها.

لكن أين تكمن نقاط الاتصال والانفصال بين فعل الفهمverstehen  وفعل التأويلInterpretation ؟

يصرح ديلتاي في سعيه لاكساب الهرمينوطيقا العلمية التي نالتها العلوم الطبيعية ما يلي:" نسمي تفسيرا  exégèse أو تأويلا interprétation  الفن الذي يعتني بفهم التجليات الحياتية المثبتة بطريقة دائمة"10. لكن لماذا تميز الوضع الهرمينوطيقي قبل ديلتاي بعدم الاستقرار وسوء التفاهم العميق بين المؤولين؟

لقد كان ف . شلايرماخر يعتقد أن وضع حد للاعتباطية والخصومات بين التأويلات يقتضي الاعتماد على اختصاص موحد Kunstlehre يمتلك قواعد مشتركة على غرار الفيلولوجيا الكلاسيكية والتفسير الديني. لكنه ظل بعيدا عن العثور على هرمينوطيقا عامة تمثل فنا صارما للفهم وتلبي مطمح العلمية تلبية تامة والآية على ذلك أنه نحا في اتجاه إخضاع النصوص إلى قواعد ووصفات جاهزة وتطبيقها بشكل تعسفي.

اللافت للنظر أن مشروع قيام هرمينوطيقا عامة قد عرف ثورة كوبرنيكية،على شاكلة ما حدث للفلسفة الميتافيزيقية على يد كانط، تمحورت حول تركيز قواعد التأويل، وخاصة العلاقة الدائرية بين الكل والأجزاء، على العملية المركزية للفهم وليس على تنوع النصوص وتعدد المصادر وتشتت التجارب.

في نفس الاتجاه تحرك ديلتاي نحو دمج الروح النقدية عند كانط مع النزعة الرومنطيقية عند شلايرماخر محاولا العثور على عبقرية الإبداع في المؤلفات ولقد أضاف إليها كشوفات المدرسة التاريخية الألمانية لدى درويزن وليسنغ  وتالك و بوبر وما ألت إليه من إسقاطات النزعة التاريخية وتظنن النزعة النسبوية. ولكنه انشد إلى التطور الملحوظ الذي عرفته علوم الطبيعة ومسلماتها الضمنية حول المادية والوضعية وحرص على إبرام ميثاق شرف بين علوم الفكر والتأويلية وإعطاء مسألة التأويل منزلة المنهج العلمي.

غني عن البيان أن مشكل معنى الحياة البشرية يعتبر المشكل الجوهري الذي اهتمت به الفلسفة الغربية وتميزت به عن غيرها وقد ارتبط عند دلتاي بالوجود البشري في حد ذاته من حيث تمظهره في التاريخ ولقد تجلى بطريقة علنية حينما قام بطرح مسألة فهم الحقيقة التاريخية وبحث عن امكانيات تأويل الماضي ضمن رؤية للعالم تتبنى موقفا من الحياة،لكن ما الذي تعنيه النظرة التاريخية للعالم عند دلتاي وهيدجر؟

" تتميز النظرة التاريخية للعالم بصورة معينة بالفعل الذي يجعل من المعرفة النسبية للتاريخ هي التي تحدد الإدراك المباشر للعالم والدازاين. وتتأسس على الطابع التاريخي لتطور العالم والدازاين الإنساني"11

هذا الادعاء بالعلمية التي يجب أن تتميز بها الهرمينوطيقا قام مارتن هيدجر بمساءلته رافضا إعطاء منزلة ابستيمولوجية عليا لعلوم الفكر ومدافعا على فهم الدازاين بوصفه السائل الوحيد والأول عن معنى الوجود.  لقد فجر هيدجر ثورة كوبرنيكية ثانية في كتابه "الوجود والزمان" الصادر سنة 1927 وجدت تعبيراتها التامة حينما أعاد توظيف الزوج المفهومي Auslegen  وverstehen وفق استعمال أنطولوجي جديد.

لم يعد فعل الفهم عند هيدجر نمط معرفة بل أصبح نمط كينونة وتمثل بالأساس في قدرة الدازاين على إلقاء إمكانياتها وتخطي وضعياتها الخاصة والاهتمام بعمق الوضعية الأساسية والتوجه نحو الوجود في العالم. وبالتالي أن يضع الدازاين لنفسه مشروعها مستقبليا يعني أن يلقي بنفسه على الحافة وأن يصير كائنا ملقى.

ما يهمنا هنا هو التأويل الذي يأتي في مرتبة ثالثة إلى جانب الوضعية الأساسية والفهم ويشكل منزلة أنطولوجية ويمثل تطويرا لتجربة الفهم مشيرا إلى عملية التوضيح explicitation  والتجلي والإفصاح. ما يتم توضيحه هو خاصية التمفصلات التي يتعرض لها الدازاين من حيث هو كائن ملقى به العالم يوجود في وضعية ويعيش تجربة فهم وبالتالي يتحول إلى ذات تستجدي الفهم من الوجود وشرفة الوجود المفهوم. لقد أضحى الدازاين هو السهم الذي يلقى به في اتجاه نواة الرحى والمفتاح التأويلي للنصوص والتراث، والبحث عن شجرة أنسابه وجذوره وينابيع انحداره هاهو هيدجر يبحث عن تأسيس جديد للتأويلية خارج تربة الإبستيمولوجيا وفوق الأرضية التي تحركت فوقها الأنطولوجيا الأساسية ووطنت مفاهيمها ومنهجها.

بعد ذلك واصل هانز جورج غادامير المسيرة وحمل مشعل القول الهرمينوطيقي وثمن المقولات الهيدجرية حول تناهي الفهم والثيمة الأنطولوجية وأضاف إلى ذلك معالجة مشكل المواجهة بين التجربة الهرمينوطيقية والحاجة إلى التماسف النقدي قصد حسن استثمار المسلمات الضمنية للعلوم الإنسانية12.

ما قام به غادامير هو استعادة السؤال الذي كان قد طرحه ديلتاي وفق منظور مابعد هيدجري وتنزيله ضمن ثلاثة حقول كبرى هي الفن والتاريخ واللغة وزاد على ذلك في مرحلة لاحقة حقل الديني أو الإلهي .

لقد منح غادامير الأولوية للحقيقة الفنية على الحكم الذي تشكله ملكة الذوق وتبني من خلالها وعيا جماليا وأقر بأن الوعي الذي يعرضه شغل التاريخ يسبق موضوعانية الوثائق التاريخية والسير الذاتية وبين أفضلية الطابع اللغوي الكوني للتجربة البشرية على المنهاجية اللسانية وعلى الأبعاد العلاماتية والدلالية.

كما دعا إلى عرض مملكة الأشياء على المخزون اللغوي للمتحاورين عبر لعبة الأسئلة والأجوبة وخوض غمار التجربة اللغوية والنظر إلى العلاقات بين الذوات عبر وساطة الرموز وبمحاورة عوالم النصوص.

لقد قام غادامير بتجميع شروط نظرية تأويلية ولكن هذه المرة وفق منظورية جديدة وهي احتياطي الحقيقة والمتثمل هنا في شيء النص والذي يسبق ويحتوي مسائل المنهج وبالتالي رفض القول بالتعارض بينهما.

في هذا المقام ينتبه ريكور إلى أن نظرية التأويل لم تأخذ في فرنسا المكانة الهامة التي لقيتها في ألمانيا والأسباب التي تعود إلى صعوبة تأسيس نظرية عامة في التأويل على نظرية عامة في الفهم في اللسان الفرنسي وذلك نتيجة تعثر الترجمة والخلط بين الكانطية والرومنطيقية وانشداد مفهوم التأويل في الثقافة الفرنكفونية إلى الأثنولوجيا البنيوية عند شتراوس وسيميائية غريماس وبارت والتحليل النفسي عند لاكان.

غني عن البيان ظهور إرادة في العلوم الإنسانية تسعى إلى تحقيق استقلالية علوم التأويل عن علوم الطبيعة لدي علوم العلامة التي تحاول فك الارتباط مع النموذج الطبيعي والارتقاء من الأشكال المموضعة للحياة الفكرية إلى إبداعية أصيلة للحياة من خلال تمفصلات مبتكرة داخل علوم العلامات واللغة العادية.

يحاول ريكور، في هذا الصدد، تشكيل مثلث منهاجي دائري يتكون من أفعال لغوية للتفسير والفهم والتأويل وذلك بتشييد اختصاص يتضمن ويستوعب المواجهة بين التفسير البنيوي والفهم الوجودي وجعل نظرية التأويل تعود إلى الإبداعية الرومنطيقية وتنبه إلى الإضافات الجديدة في العلوم الإنسانية وتستفيد من نظرية الفعل ونظرية النصوص السردية ونظرية التاريخ المنحدرة من فلسفة اللغة التحليلية.

على خلاف الهرمينوطيقا الألمانية التي كرست التعارض بين التفسير والفهم تحركت نظرية التأويل في الثقافة الفرنسية فوق أرضية مغايرة ونادت بالجدلية بين فعل التفسير وفعل الفهم ضمن تجربة تأويلية. ولقد تأثرت بالشكل الذي قبلت به الفلسفة الفرنسية فكر هيدجر الأنطولوجي ومزجته بمسحة نتشوية ولم تخض مواجهة مع السير الذاتية ومع علوم الفكر بل مع التراث الميتافيزيقي والمسلمات الأنطو- ثيولوجية. ولقد راهنت على المصير الجديد الذي ينتظر النمط الغربي في التفلسف وغضت الطرف عن الإشكال الذي تطرحه العلاقة بين الأنطولوجيا والإبستيمولوجيا وفتحت بذلك ورشة كبيرة أمام التأويل حينما طبقته على النصوص الكبرى للتراث13 les grands textes de la tradition وحاولت تفكيك الواجهة النسقية لكي تحرر الفكر الحقيقي من كل السلاسل المكبلة والعراقيل الذاتية التي تمنعه من النقد والتجريب والإبداع.

على هذا المنوال قامت الهرمينوطيقا بقراءة وإعادة قراءة النصوص الكبرى للفلسفة les grands textes de la philosophie وخاصة عند الإغريق والعرب والأوروبيين محاولة التحرر من الإمكانيات اللغوية المهدورة لإنتاج المعنى والطاقات غير المستثمرة التي ارتبطت بالحجة الكسولة التي ترتب عنها إعلان نهاية الميتافيزيقا. فماهو المستقر الأساسي الذي أرست فيه عملية إعادة بناء الاختصاص التأويلي في حضارة إقرأ؟

 

د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

.................................

الإحالات والهوامش:

[1] Ricœur (Paul), Lectures 2, la contrée des philosophes, éditions Seuil, Paris,1992,p.456.

[2]  العسكري (أبو هلال)، الفروق في اللغة، الباب الثاني، من قبيل الكلام التفسير والتأويل، نسخة محملة

[3]   سعيد جلال الدين، معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، دار الجنوب للنشر، تونس، طبعة أولى، 1998. ص90.

[4]  سعيد جلال الدين، معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، المرجع نفسه، ص.90.

[5] Ricœur (Paul), Lectures 2, la contrée des philosophes, op.cit.,p.451.

[6] Schleirmacher, Herméneutique,1809-1810,Traduit par C. Berner, Paris/ Lille, le Cerf –PUL, 1987.     

[7] Geisteswissenschaften

[8] Théorie de la compréhension

[9] Expression-Ausdruck

[10] Diltey Wilhelm, le monde de l’esprit tome I, édition Aubier, Paris 1947.

 [11] Heidegger (Martin), les conférences de Cassel 1925, traduit par J-C Gens, édition Vrin, Paris,2003,p143.

[12] Gadamer J-H, Vérité et Méthode. Les grandes lignes d’une herméneutique philosophique (1960), une nouvelle traduction par Pierre Fruchon, Jean Grondin et Gilbert Merlio, Edition du Seuil, Paris, 1996.

[13] Ricœur (Paul), Lectures 2, la contrée des philosophes, op.cit,p.455.

 

المصادر والمراجع:

   Schleirmacher, Herméneutique,1809-1810,Traduit par C. Berner, Paris/ Lille, le Cerf –PUL, 1987.     

   Diltey Wilhelm, le monde de l’esprit tome I, édition Aubier, Paris 1947.

 Gadamer J-H, Vérité et Méthode. Les grandes lignes d’une herméneutique philosophique (1960), une nouvelle traduction par Pierre Fruchon, Jean Grondin et Gilbert Merlio, Edition du Seuil, Paris, 1996.

Ricœur (Paul), Lectures 2, la contrée des philosophes, éditions Seuil, Paris,1992.

Heidegger (Martin), les conférences de Cassel 1925, traduit par J-C Gens, édition Vrin, Paris,2003,

العسكري (أبو هلال)، الفروق في اللغة، الباب الثاني، من قبيل الكلام التفسير والتأويل، نسخة محملة

الرابط: https://ia801407.us.archive.org/1/items/FP52567/52567.pdf

  سعيد جلال الدين، معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، دار الجنوب للنشر، تونس، طبعة أولى، 1998. ص90.

 

zouhair khouildi"يجب أن ينبع الانخراط الفلسفي من خصوصية الفكر الفلسفي وأن يكرس حدوده ضمن هذا المعنى"1

من هو الفيلسوف على الوجه الحقيقي؟ ومن يحدد وجهه المطلوب؟ هل هم نقاد الثقافة أم غيره من الفلاسفة؟ ألا يضع إبداعه من ذاته ويستمد مشروعية وجوده من ريادته في مجاله وتوقيعه لأعماله؟ 

لا يوجد معيار متعال وقبلي يمكن اعتماده للتمييز بين الفلسفي وغير الفلسفي ولا توجد حقائق نهائية ومناهج تامة التكوين وإنما كل معدات الفلاسفة ملقاة على عارضة الطريق وتعبث بها رياح التغير وتسبح في يم الصيرورة ويظل الجميع ينتظر التغيرات العاصفة بأن تساعد على ولادة الفيلسوف بصورة فجائية.

ماهو بديهي أن المرء لا يولد فيلسوفا وأن الناس لا يعتنقوا الفلسفة مثل اعتناقهم للمعتقدات الدينية والأفكار السياسية وإنما يشتغلون بالفلسفة بحكم الظروف والوضعيات وأحوال الوجود التي يعيشونها في حياتهم.

يمارس العصر الذهبي الذي كانت فيه آراء الفلاسفة مهمة ومطلوبة وكانت نظرياتهم ذات قيمة إغراء كبيرا والسبب هو الاعتبار الذي كانت تلقاه مقترحاتهم ونصائحهم لتحسين الأوضاع والنظر إليها بوصفها بدائل ناجعة واستحسان رؤاهم وتمجيد أقوالهم بشأن الأحداث والتعامل معها على أنها جدية وحاسمة.

غير أن تحولات العصر عصفت بهذه المكانة والأخطاء التي ارتكبت قلصت من مساحة التقدير التي كانت ممنوحة للفلاسفة وبالخصوص التحالف مع السلطة المستبدة والبحث عن الغنائم والثروة والموقع والنفوذ.

لقد تم استبدالهم في البداية بالمثقفين والصحفيين والخبراء ولكن جاء دور الفنانين والممثلين والشعراء والسنيمائيين وعارضات الأزياء وملكات الجمال والرياضيين والمهرجين لكي يحتلوا مكان الفلاسفة في لفت الانتباه وكسب الشهرة والتأثير في الرأي العام وفي منح الشرعية للسلطة والتحالف مع الرأسماليين.

بيد أن الحاجة إلى تدخل الفيلسوف ظهرت بشكل واضح وتعاظمت بصورة حيوية بالنظر إلى تسارع الأحداث وضبابية المشهد وغياب المرجعيات وانهيار الثوابت وتعطش الإنسان المعاصر للمعنى والفهم.

لقد طُلِب من الفيلسوف اليوم التعليق على الأحداث ومقاربتها بأسلوب فلسفي وطرح الأسئلة اللائقة بزمنه واجتياز مرحلة تفسير العالم إلى الإسهام في التغيير والكفاح ضد الجهل والأمية والتعصب والإرهاب. لكن الفيلسوف هو قبل كل شيء الشخص الذي يبدع أشكالا جديدة من الحياة ويترجم من خلال ذلك بعض من الأشياء الخصوصية التي تمثل علاقته الذاتية بالعالم عبر ثقافته الفلسفية وما توفره من مفاهيم ونظريات.

تبعا لذلك " إن كل إنسان – إذا كان فيلسوفا- يطمح إلى الكل ويسعى لتحقيقه في صورة كلية، مهما تكن هذه الصورة متهافتة أو جزئية أو غامضة. وكلما تفتح هذا الكل واكتمل واتضح، رأينا أمامنا عملا من أعمال الفلاسفة الأعلام. ولكن ما من إنسان يمكنه أن يكون فيلسوفا على نحو ما يمكنه أن يكون عالما في الرياضيات، أو مبدع عمل أو انجاز خاص يقف تجاهه وينظر إليه من الخارج، وينفصل عنه جذريا"2.

من الأمارات التي تدل على ميلاد الفيلسوف هو اهتمام الفكر بالعصر الذي ينتمي إليه من جهة التعاطف الوجداني والالتحام بالناس والالتزام بقضاياهم وطلب التغيير ومن جهة الاهتمام العقلي وما يقتضيه ذلك من حركات تأويل ونقد وتفكيك وتشخيص وقراءة وفهم وإنتاج المعنى وتنقية للحقائق واستشراف الآتي.

يتراوح التدخل الفلسفي في الواقع بين إزالة الشر وزرع الخير وبين الالتزام الكلي برؤية نقدية للمجتمع وحمل خيار جذري يواجه أزمات العصر بكل الوسائل القووية الممكنة، وبالتالي إن " الفيلسوف كنوع من الأطباء هو يشخص الشر والمعاناة وفيما لو تطلب الأمر يقترح علاجات كي تعود الأمور إلى حالها."3

الفلسفة موجودة في الواقع وحاضرة بقوة على الصعيد العلمي ومتغلغلة في الثقافة والتربية والتعليم ولكنها لا تمارس احتكارا على الصعيد السياسي ولا تهيمن على مستوى التشريع الدستوري وسن القوانين وتظل متأخرة من جهة قراءة الأحداث التاريخية ومتخلفة على عصرها من جهة التغيير ومستبقة دائما على جهة التنظير وصناعة سرديات كبرى وإنتاج الأوهام الجماعية والأجدر بها الاهتمام بالراهن وتنشد الحضور.

الفيلسوف بإطلاق لا ينخرط في لعبة عقيمة ولا يدعي حذلقة جوفاء ولا يمارس ترفا فكريا ولا يحتمي بأبراج الأنساق المجردة هربا من مكر التاريخ ونهشة الواقع ومآسي الحياة وتعثرات الميادين وإنما هو مفكر أصيل  يشعر بأن كل ما يوجد في الكون يصلح لكي يكون بيته ويتفلسف على هدي التاريخ ويعي ضرورة وجوده بالنسبة إلى زمنه ويفتح الأماكن المغلقة ويهتم بإنارة الدروب المظلمة ويوسع الآفاق ويتدبر الارتقاء بأحوال الوضع البشري ويمنح العناصر المتحركة أبعادها الجوهرية ومقاصدها الكلية.

" بيد أن المفكرين الذين لهم شأن في تاريخ الفلسفة هم أولئك الذين يكافحون ويصارعون، أولئك الذين لا يدعون أن السر قد كشف لهم القناع عن وجهه، والذين ندرسهم فلا نتعلم منهم مادة معرفية فحسب، بل يشدوننا في مجرى الصراع الدائر في داخلهم ويعينوننا على تجربة دوافعهم ومطامحهم."4

غير أن هذا الاهتمام بالواقع لا يعني انغماس الفيلسوف فيه إلى حد التماثل مع المتداول والرائج والسائد من الفكر فيه ولا يدل كذلك على الانعكاس ورجع الصدى والتحول إلى مرآة ناقلة لما يحدث في المجتمع. فالفيلسوف لا يأخذ المكان الذي يحتله المؤرخ بصنعته التي لا يتقنها أحد غيره ولا ينافس خبير الإعلام في ميدانه التخصصي وقدرته على قنص المعلومة وتخزينها وإذاعتها وإخبارها وإنما هو يحاول سبق زمانه ويتفاعل بحس مرهف وايجابية مع المستجدات ويزود بفائض القيمة واقتدار على اختزال أحداث الواقع في معادلة معلومة ويبلور منجزات دالة ويقوم بأفعال اعتبارية كونية وينحت أصالة الوعي اللائق بمعاصريه. فهل يمكن أن يكون أي كان فيلسوفا؟ وأنى بالدراية الجيدة بتقنيات التفلسف أن تجعل بمتقنها فيلسوفا حقا؟

 

د زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

.......................

الإحالات والهوامش:

[1]  بيتر إنغلمان، آلان باديو و سلافوي جيجيك، الفلسفة في الحاضر، ترجمة يزن الحاج، دار التنوير، طبعة أولى، 2013،ص15.

[2]  ياسبرز (كارل)، تاريخ الفلسفة بنظرة عالمية، ترجمة د عبد الغفار مكاوي، دار التنوير، بيروت، طبعة أولى، 2007،ص49.

[3]  بيتر إنغلمان، آلان باديو و سلافوي جيجيك، الفلسفة في الحاضر، مرجع مذكور،ص80.

[4]  ياسبرز (كارل)، تاريخ الفلسفة بنظرة عالمية، مرجع مذكور،ص82.

 

المراجع:

بيتر إنغلمان، آلان باديو و سلافوي جيجيك، الفلسفة في الحاضر، ترجمة يزن الحاج، دار التنوير، طبعة أولى، 2013.

 ياسبرز (كارل)، تاريخ الفلسفة بنظرة عالمية، ترجمة د عبد الغفار مكاوي، دار التنوير، بيروت، طبعة أولى، 2007.

 

fatima almomaniليس الغرض في التفلسف في مسألة الكرم باعتباره فعل يقوم خلافا لبقية الأفعال الإنسانية. وإنما الاستئناف ومساءلة فعل الكرم في حد ذاته. وتبعا لطبيعة هذا الفعل أن يكون موضوع تحاور نقدي بين الفلسفات بل من أهم المفاهيم التي يمكن أن يفضي إليها التفلسف ففكرة الكرم باعتبارها دال على عطاء دون أخذ أو على عطاء بدون حساب إي يقوم على الاختلال بين ما أعطى وما أخذ وهو شرط إدراك الخلل الحقيقي الذي فيه انتقاء الكرامة البشرية ومن ثمة موضوع الكرم لا يمكن فهمه إلا كانفتاح عن الأخر وهو اختلاف في ذاته أي هو حرية ما هو متناهي والحرية إنشاء إبداع لظاهرة ما.

فما حلتنا اليوم أن نسأل عن الكرم؟ وما معنى هذا الانفعال الذي نسميه كرم في حياتنا؟ وكيف يتماهى الكرم أو فعل الكريم مع الحرية باعتبار كليهما ابتداء لا سابق له؟

فعل الكرم فعلا نأتيه دون أن ننتظر منه شيئا أي الكرم فعل لا يقابله رد فعل فليس ثمة توازن منشود بين ما نعطي وما يمكن أن يقابل العقل أي أن الكرم عطاء دون أخذ لأنه لو تعلق الأمر بعطاء وأخذ لآل إلى عملية حسابية ولكان ما هو متوقع مقابل ما أعطى يصبح الأمر عملية تبادلية المطلوب فيها أن يتساوى المعطى والمأخوذ.

يقول ديكارت׃« وهكذا فالرأي عندي إن الكرم الحق الذي يجعل المرء يحترم نفسه كل الاحترام الذي هو جدير به إنما في جزء منه يتمثل من ناحية في أن يعرف المرء أن لا شئ يمتلكه حقيقة هذا الاستعداد الحر للإرادة volonté وفي أنه يعلم انه ليس ثمة ما يدعو إلى الشكر والتوبيخ إلا استخدام السيئة أو الحسنة لتلك الإرادة ومن ناحية أخرى يتمثل الكرم في أن يشعر المرء في داخله بعزم وتصميم صلب ferme ثابت على حسن استخدامها. ومعناه انه لا يفتقر فقط الإرادة إرادة المبادرة في كل ما يبدو له أفضل وانجازها وذلك المعنى اتخاذ الفضيلة منهجا» 1 .

يقسم أرسطو الفضائل إلى قسمين׃ فضائل عقلية وتظهر جليا في العلم والحكمة والفن ثم الفضائل الأخلاقية وهي الشجاعة والعفة والكرم، وهي فضائل تكتسب بالإرادة الواعية والتربية الحسنة. فالفضيلة عند أرسطو ترتبط بمفهوم الوسط أي بين بين فمثلا الشجاعة وسط بين الجبن والتهور، والعفة وسط بين المجون والمجون، من ثمة يعرف أرسطو "الفضيلة بأنها ملكة خلقية إرادية تجعل صاحبها قادرا على تخطي الإفراط والتفريط واختيار الوسط بينهما، بناء على مبدأ عقلي."

الكرم يتحدد بمقدار׃ فما فوق الكرم يصبح تبذيرا، وما تحت هذا المقدار يصبح شحا. أي أن مسألة الكرم عند الجاحظ واقعة في إطار "التكميم"la quantification". إذا كان الكرم هو إتلاف تلك الموجودات إلا يكون الكرم دال على التعالي البشري في الوجود المادي لنتبين في هذا الإطار كيف إن الكرم في أخر المطاف هو فعل حر، بحيث نجد في كتاب"انفعالات النفس" لديكارت الذي يتناول في جزء منه إشكال الكرم وإشكال العلاقة بين الاحترام والكرم باعتبار إن العنصر المشترك بينهما هو التقائهما في معنى الحرية ويعبر عنه ديكارت بالاستخدام الحر للاختيار والسيطرة على إرادتنا وهذه الحرية بصفتها في مستوى ما هو أمره بأيدينا فان هذه الحرية وهذا الاختيار يتمثل في أننا نريد ما نستطيع وبالتالي تكون لدينا السيطرة على إراداتنا يقول ديكارت׃« تتمثل عظمة الحرية في السهولة الكبيرة التي نجدها في اختيار أفعالنا». ألا يصبح إشكال الكرم إذا ما وصلناه بإشكال احترام الذات؟ هو عين إشكال الكرامة بمعنى لا يحترم ذاته إلا الكريم يقول ديكارت׃« فان الرأي عندي إن الكرم الحق الذي يجعل المرء يحترم نفسه كل الاحترام».

إن إشكالية الكرم والاحترام يلتقيان عند موضع واحد وهذا الموضع هو الحرية بما هي اختيار. مبدأ الكرامة هو مبدأ المساواة بين البشر وهو لا يقبل إي مساومه بمعنى إن الكرامة لا ثمن لها وخاصية الكرامة أنها ليس لها ما يكافئها وما يضاهيها أي أن الإنسان يصبح غاية في ذاته ولذاته. والكرامة تقضي باختراق مبدأ السببية ومبدأ الهوية لان الكريم والكرم يكمنان في الفعل الذي لا ينتظر جزاءا. فكأننا نحن أمام أفعالا لا أسباب لها هي أفعال تخرج عن التوقع السببي وتخرج عن التجديد السببي لان الكريم هو الذي يعطي دون أن يستبقي شيئا خلافا للإيثار فالكرامة إذن تكرم فهي لا سبب لها ولا علة لها تماما كما أن الكرامة ليس لها كفؤا.

يذهب كانط إلى أنه يجب التسليم بعلية أو سببية (السبب معناه هو الخيط الرفيع الذي يجمع بين طرفين) وهذه القضية عند كانط هي مسلمة وموضوع التسليم أو المصادرة هو تأكيد العلة الحرة من ناحية وتأكيد العلة الطبيعية من ناحية أخرى فكلاهما مسلم به قبليا. وشرط إمكان هذه العلية (الحرية) أن تكون مثل الفعل الكريم أو مثل المبادرة الكريمة أي لا سبب لها فهي ابتداء بإطلاق أو أنشاء بإطلاق فكان الحرية هي الفتح بإطلاق.

إن فعل الكرم قد ينتفي بمجرد أن تكتشف على أسباب له مادية أو لا مادية واعية أو غير واعية وهو ما لا يمكن افتراضه في مجرى الحياة العادية لا يمكن أن يتنزل في سلسلة سببية فيكون التكرم خوفا أو طمعا أو انتظارا نتيجة ما مثل׃ رضا الوالدين،أي كل هذه الأفعال يمكن أن يطرح بشأنها سؤال لماذا؟ ويمكن أن يجاب عنه لعله كذا لسبب كذا سوى كان السبب نفسيا كراحة الضمير أو التنفيس الوجداني ولكنها ليست من قبيل التكرم وإنما من قبيل التقرب من غاية أما الفعل الكريم فهو ينأى بذاته عن التنزيل عن تلك السلسلة السببية فكأنما هو فعل لا بداية له ولا يمكن أن يكون سببا فهو الابتداء بإطلاق أو ما يسميه أندري جيد" الفعل بإطلاق أو العفوي".

كما يسميه كانط الحرية أي الفعل بإطلاق ليس له علة سببية فالإنسان الحر هو الكريم والكريم والكرم ليس له غاية مرجوة. ففعل الكرم باعتباره فعل ابتداء يعلو عن كل سببية فهو الفعل الذي يبتدئ به السبب فهو السبب الأول على النحو الذي بينه كانط في كتابه نقد العقل المحض عند حديثه عن الحرية بالمعنى الكوسمولوجي يقول "اعني بالحرية  بالمعنى الكسمولوجي للكلمة قدرة المرء أن يشرع بذاته".

فقد تبين لنا من خلال ديكارت التماهى بين الفعل الحر والفعل الكريم بين الحرية والكرم ورأينا بالخصوص مع كانط كيف أن تلك الحرية هي الابتداء بإطلاق وإذا الفعل الحر لا يمكن تفسيره على هذا النحو لان تفسيره يفسده أي يخرج عن طبيعة فإذا كان الأمر كذلك كان لزم القول بتعالي الحرية وبالتالي تعالي الفعل الكريم عن العقلنة لان العقلنة تعني إدراج شئ ما في سلسلة سببية׃ فهل فلسفة الكرم باعتبارها فلسفة الحرية هي فلسفة اللاعقلانية أو فلسفة فوق العقلانية؟ وهذه العقلانية الأرقى المفترضة كان لابنتيز سماها "مبدأ العلة الكافية". هذا المبدأ يتجاوز المنطق الصوري هو مبدأ ميتافيزيقي في مقابل مبدأ الهوية وهو أرقى من مبدأ الهوية ويمكن أن نصوغه على النحو التالي׃rien ne se fait sans raison "ليس ثمة من شئ لا علة له" فان هذا يتجاوز عند لابنتيز فكرة مبدأ الهوية ليرتقي إلى ما هو أرقى من العلوم الصورية ولا سيما الحقائق العينية هذا التحليل يعني بأننا نقر بأن لكل شئ سبب وعندما نقول "كل"tout نعني به كل ما هو موجود وكل ما يمكن أن يوجد.

إذن مبدأ العلة الكافية هو المبدأ الشامل من المبادئ المنطقية لأنه لا يستثني شئ من الوجود بل يقر بأن ما من شئ واقعي موجود في أعيان أو ممكن قائم في الأذهان إلا وله سبب ولا يمكن أيضا أن نقول إن فكرة عدم الوجود أو العدم غير المنطقية لان اللامنطقي هو الفكرة المتناقضة تناقضا ذاتيا مثل "فكرة المربع المستدير". مع ذلك إن وجود العالم ليس ضروري بقاء العدم على الدوام ليس الضرورة فنحن إذن من الوجود إلى العدم تنتقل من ممكن إلى ممكن أخر في حين إن طرح إشكال الوجود والعدم هو طرح وجود هذا التوازن׃ أليس ذلك يعني إن إيجاد الوجود هو العلامة على الحرية بإطلاق وبالتالي هو الاسم الأخر للجود أي للكرم.

إشكالية الكرم هي في نهاية الأمر، هي إشكالية الحرية التي يكون بها الإنسان صورة لله وبالتالي إشكال الكرامة باعتبارها تعني أن لا نعامل الإنسان أبدا باعتباره وسيلة وإنما باعتباره ذاته ولذاته وإذا كان الأمر كذلك فإن إشكال الكرم لا يستوفي إشكال الحرية وإنما إشكال الكرامة إذ يرد كل شئ في نهاية الأمر إلى الحرية فنجعلها أمر أرقى من المعقول دون أن يكون معقولا. فاللامعقول هو ما يناقض قوانين المنطق والكرم لا يناقض قوانين المنطق وإنما يتجاوزها هي قوانين لا تحكمه ولا هو تناقضه فكأنما إشكال الكرم فوق إشكال المنطق والعلم لأنه إشكال الحرية ومعنى ذلك إن ليس للعلم ولا للمنطق سلطان على الحرية.

كيف يؤول الأمر في مفهوم الكرم مع كانط إلى فكرة الابتداء باعتبارها العنصر المشترك بين مفهومين الحرية والكرامة حيث إن كليهما لا تمام له إلا بغياب المحدد السابق والمحدد اللاحق. فكانط في جدلية المتعالية لنقد العقل المحض تحدث عن الحرية بالمعنى الكسمولوجي أي بالمعنى الوجودي فهي كنه الإنسان ذاته وليس كما في نقد العقل العملي هي شرط إمكان الفعل الأخلاقي فليست الحرية بالمعنى العملي وإنما بالمعنى  الكوسمولوجي وعندها ندرك العلاقة الوطيدة بين الوجود البشري من ناحية باعتباره حرية وبين إشكالية الكرم باعتبارها إشكالية الحرية من ناحية أخرى.

يقول ابن العربي" إن الكرم جود ليس الجود إلا مقلوب الوجود" فما يمكن إذن أن يكون العلاقة بين الكرم بما هو جود أي هبة عطاء دون سؤال والحرية والوجود. فالقاسم المشترك بين هذه المعاليم الثلاث هو الارتقاء عند موضع غياب العلة أي عند منطق اللاتحدد، اللاتعين بحكم غياب الدوافع والأغراض والعلل والأسباب.

إذا طرحنا إشكال الكرم على هذا النحو انتهينا إلى انه يلتقي مع إشكال الحرية وإشكال الخلق الإلهي الميتافيزيقي (ومالا سبب له يجل عن التعقل) فان الأمر يعود في كل مرة إلى معنى الاهتداء والابتداء دون تحديد سابق فكأنما هو إنشاء عن عدم وإذا اعتبرنا ذلك الإنشاء بما هو ابتداء بإطلاق يربو عن التعليل والتفسير وبالتالي العقلانية باعتبارها عملا تتسلسل فيه الأسباب والمسببات׃ فإذا كان الأمر كذلك فهل يعني أن إشكال الكرم يتحدى العقلانية التقليدية فلا يوقعه مبدأ الهوية ولا مبدأ التناظر ولا مبدأ التوازن؟ فهل يعني ذلك إن إشكال الكرم يظهر فشل العقلانية الكلاسيكية أم انه يدعو إلى عقلانية أرقى؟

إن انخرام التوازن الذي حدد الكرم باعتبار أن الحرية المعنية هاهنا هي وجود الإنسان نفسه فكأنه وجود ناتج في نهاية الأمر عن الوجود الرباني معنى ذلك أن الحرية هي قدر الله في الإنسان وبالتالي وجب أن نميز بين مرحلتين مرحلة الإيجاد أو الخلق ومرحلة الوجود.

ومن ثمة يمكن القول بان إشكال الكرم باعتباره يتماهى أساسيا مع إشكال الحرية فهو أساس الوجود البشري انطولوجيا وتاريخيا.

إذا لازم في استشكال مسألة الكرم باعتبارها عطاء دون أخذ فإن الكرم من الأفعال التي لا يمكن تعقلها ولا عقلنتها من خلال مبادئ الفكر التقليدية مثل مبدأ الهوية في المنطق أو مبدأ التوازن في العلوم الميكانيكية .

ما يحرك مساءلتنا  لفعل الكرم هو في الحقيقة لازمة إن الكرم هو فعل يتماهى أساسيا مع الحرية بما هو فعل حر فعل ابتداء ليس له غاية مرجوة. لكن فعل الكرم ينتفي بمجرد أن تكتشف له عن أسباب مادية أو لا مادية واعية أو غير واعية.

 

....................

 1-« Ainsi je crois que la vraie générosité, qui fait qu'un homme s'estime au plus haut point qu'il se peut légitimement estimer consiste seulement partie en ce qu'il connaît qu'il n'y a rien qui véritablement lui appartienne que cette libre disposition de ses volontés, ni pourquoi il doive être loué ou blâmé sinon pour se qu'il en use bien ou mal, et partie en ce qu'il sent en soi même une ferme et constante résolution d'en bien user c'est à dire de ne manquer jamais de volonté pour entreprendre et exécuter toutes les choses qu'il jugera être les meilleures; ce qui est suivre parfaitement la vertu. » Descartes, Les passions de l’âme, 1649, ART. 153

 

hatam hamidmohsin"تعتمد السعادة على انفسنا"، اكثر من اي شخص آخر. ارسطو اعتبر السعادة كهدف مركزي في حياة الانسان وهدف بذاتها، ولذلك هو خصص مجالا اوسع لموضوع السعادة اكثر مما فعل اي مفكر آخر قبل العصر الحديث. عاش ارسطو في نفس فترة كونفشيوس،  لكنه في الجانب الآخر من العالم،  توصل الى استنتاجات مشابهة. ذلك ان السعادة تعتمد على إعداد وتنمية الفضيلة وان فضائل ارسطو هي نوعا ما اكثر فردانية من الفضائل الكونفوشيوسية ذات الصبغة الاجتماعية . غير اننا سنرى، ان ارسطو كان مقتنعا بان الحياة السعيدة حقا تتطلب تحقيق نطاق واسع من الظروف،  بما فيها الرفاهية الفيزيقية والذهنية. بهذه الطريقة هو ادخل فكرة علم السعادة بالمعنى الكلاسيكي،  كحقل جديد من المعرفة.

اساسا،  يجادل ارسطو ان الفضيلة تتحقق بالمحافظة على الوسط،  الذي هو عبارة عن التوازن بين حدّين متطرفين. عقيدة ارسطو في الوسط تذكّرنا بالمسار الوسطي لبوذا،  لكن هناك اختلافات هامة بين الاثنين. بالنسبة لارسطو يمثل الوسط طريقة لانجاز الفضيلة،  لكن بوذا يشير للمسار الوسطي بالطريقة السلمية للحياة التي توفّق بين حدّي الإنكار الشديد للذات والبحث عن المتعة الحسية.المسار الوسطي كان اقل المتطلبات للحياة التأملية وليس مصدرا للفضيلة ذاتها.

 

ارسطو: خلفية تاريخية موجزة

يُعد ارسطو احد اعظم المفكرين في تاريخ العلوم والفلسفة الغربية، بمساهماته الكبيرة في المنطق والميتافيزيقا والرياضيات والفيزياء والبايولوجي وعلم النبات والاخلاق والسياسة والزراعة والطب والمسرح. هو كان تلميذا لافلاطون الذي بدوره درس على يد سقراط. وبالرغم من اننا لا نمتلك اي من كتابات ارسطو الخاصة الموجهة للنشر،  لكننا لدينا نسخ من المحاضرات التي القاها على طلبته. في هذه المحاضرات كان ارسطو يمارس تأثيره العميق عبر العصور. في الحقيقة،  رؤية القرون الوسطى اعتُبرت احيانا "رؤية ارسطو العالمية"اما توما الاكويني فهو يشير لارسطو بـ "الفيلسوف"باعتباره لا فيلسوف غيره.

كان ارسطو اول منْ صنف مجالات المعرفة الانسانية الى موضوعات متميزة مثل الرياضيات،  البايولوجي،  الاخلاق. بعض هذه التصنيفات لا تزال تُستعمل حتى اليوم،  مثل نظام التصنيف المستخدم في البايولوجي species-genus system . هو كان اول من ابتكر نظاما منطقيا للتفكير تتقرر فيه صلاحية الجدال  بهيكله بدلا من محتواه. انظر في الاستنتاج التالي: كل الناس يموتون،  وبما ان سقراط انسان، لذلك فهو سيموت. هنا نستطيع رؤية انه طالما الاساس صحيح،  فان الاستنتاج يجب ان يكون صحيح ايضا،  لا يهم لو استبدلنا اي شيء في مكان "الناس" او "يموتون"(1). طراز ارسطو في المنطق سيطر على هذا المجال من التفكير حتى ظهور المنطق الرمزي الحديث في اواخر القرن التاسع عشر.

كان ارسطو مؤسسا لمؤسسة التعليم والبرامج العامة Lyceum، وهي اول مؤسسة علمية مقرها في اثينا – اليونان. والى جانب استاذه افلاطون،   كان ارسطو من اشد المحرضين على تعليم الفنون الليبرالية التي تؤكد على تعليم كل الفرد بما فيه شخصيته الاخلاقية،  بدلا من مجرد تعليم عدد من المهارات. طبقا لارسطو،  هذه الرؤية للتعليم هي ضرورية اذا اردنا انتاج مجتمعا من الافراد السعداء والمنتجين ايضا.

 

السعادة كهدف نهائي للوجود الانساني

من اهم اعمال ارسطو هي عمله في الاخلاق Nicomachean Ethics))(2) وفيه يعرض نظرية في السعادة لا تزال تصلح ليومنا هذا . السؤال الاساسي الذي يسعى ارسطو للاجابة عليه في هذه المحاضرات هو"ما هو الهدف النهائي للوجود الانساني؟ ما هو الهدف او الغاية التي يجب ان نوجّه نحوها كل نشاطاتنا؟ في كل مكان نرى الناس يبحثون عن السعادة،  الثروة،  السمعة الحسنة. ولكن مع ان كل واحدة من هذه لها قيمة،  لكن اي منها لا يمثل الخير الرئيسي الذي يجب ان تهدف له الانسانية. لكي يكون الفعل غاية نهائية،  يجب ان يكون نهائيا ومكتف بذاته،  " هو المرغوب دائما بذاته وليس لأجل اي شيء آخر"(Nicomachean Ethics, 1097a30-34)،  ويجب ان يكون قابلا للتحقيق بواسطة الانسان. يدّعي ارسطو ان كل شخص تقريبا يتفق بان السعادة هي الغاية التي تلبي كل هذه المتطلبات. انه من السهل رؤية اننا نرغب بالنقود،  المتعة،  الشرف فقط بسبب اننا نعتقد ان هذه الخيرات سوف تجعلنا سعداء. ان كل الاشياء الخيرة الاخرى هي وسائل  للحصول على السعادة،  بينما السعادة هي دائما غاية بذاتها.

الكلمة اليونانية التي تُترجم عادة الى السعادة هي eudaimonia،  وكأي من الترجمات الاخرى من اللغات القديمة،  هذا المصطلح ربما يحمل بعض الالتباس . المشكلة الرئيسية هي ان السعادة (خاصة في امريكا الحديثة) يتم تصورها كحالة ذاتية للذهن، كما عندما يقول احد انه سعيد عندما يتمتع بالماء البارد في يوم حار،  او الاستمتاع عبر "الذهاب مع اصدقاء". بالنسبة لارسطو السعادة هي غاية نهائية او انها هدف يحتضن حياة المرء كلها. هي ليست شيء يمكن الحصول عليه او فقدانه في بضع ساعات، كالاحساس بالمتعة. انها تشبه القيمة النهائية للحياة لحد اللحظة، تقيس مدى الخير الذي نمارس به مقدرتنا الكاملة كنوع انساني. لهذا السبب،  لا يستطيع احد التصريح بانه عاش حياة سعيدة الا لحين انقضاء حياته،  تماما كما لا نستطيع القول ان لعبة كرة القدم كانت "لعبة عظيمة"ونحن لازلنا في منتصف اللعبة. يقول ارسطو"مثلما ان يوما جميلا لا يصنع ربيعا،  كذلك اليوم الواحد او الفترة القصيرة لا تجعل الانسان سعيدا"(Nicomachean Ethics, 1098a18).

 

الرؤية الهرمية للطبيعة

لكي يوضح ارسطو السعادة الانسانية، فهو يرسم رؤية للطبيعة مشتقة من التحقيقات البايولوجية. حين ننظر للطبيعة،  نلاحظ ان هناك اربعة انواع مختلفة من الاشياء، كل نوع يُعرّف بهدف مختلف:

معدني: الصخور،  المعادن والاشياء الاخرى غير الحية. الهدف الوحيد الذي تسعى له هذه الاشياء هي عدم الحركة. انها بلا حياة وبلا روح.

نباتي: وتشمل النباتات والاشياء الاخرى في الطبيعة. هنا يبرز نوع جديد من الاشياء، شيء ما حي. لأن النباتات تبحث عن الطعام والنمو،  فهي لها روح ويمكن القول انها تكون راضية عندما تحقق هذه الاهداف.

حيواني : كل المخلوقات التي ندرسها تعود لمملكة الحيوان. هنا ينشأ مستوى اعلى من الحياة : حيوانات تسعى الى المتعة والتكاثر، ونستطيع، مثلا،  التحدث عن كلب سعيد او حزين،  بمقدار ما هو في صحة تامة ويمارس حياة سارة.

انسان: ما الذي يجعل الانسان مختلفا عن بقية الحيوانات؟ يجيب ارسطو: العقل. فقط الانسان قادر على التصرف طبقا للمبادئ،  وبعمله هذا يتحمل المسؤولية عن خياراته. نحن نستطيع لوم شخص ما لسرقته شخص اخر طالما يعرف انه خطأ،  لكننا لا نستطيع لوم الحيوان لأنه لا يعرف اي شيء افضل من ذلك.

 ان الوظيفة المتميزة للانسان هي التعقل: بتعقل الاشياء نحقق الغايات،  نحل المشاكل،  ومن ثم نعيش حياة مختلفة نوعيا عن النباتات والحيوانات. الخير بالنسبة للانسان مختلف عن خير الحيوان لأنه يمتلك قدرات مختلفة . حين نمارس طاقتنا العقلانية تكتمل طبيعتنا ككائن انساني. لهذا السبب، لا تشكل المتعة لوحدها سعادة الانسان، لأن المتعة هي ما يبحث عنه الحيوان اما الكائن الانساني لديه امكانات اعلى من الحيوان. الهدف هو ليس الحط من حوافزنا الفيزيقية،  وانما توجيهها بطرق تتلائم مع طبيعتنا كحيوانات عاقلة. وهكذا يضع ارسطو تعريفا للسعادة كالتالي:

وظيفة الانسان هي ان يعيش نوع معين من الحياة،  وهذه الفعالية تنطوي على مبدأ عقلاني،  وظيفة الانسان الخيّر هي الآداء الخير والنبيل لهذه الفعالية،  واذا تم آداء اي فعل بشكل حسن فهو يتم وفق التميز المناسب : اذا كان الامر هكذا، عندئذ فان السعادة تصبح فعالية للروح متطابقة مع الفضيلة (Nicomachean Ethics, 1098a13).

 

السعي للسعادة كممارسة للفضيلة

في الاقتباس اعلاه نستطيع ملاحظة خاصية هامة اخرى في نظرية ارسطو : وهي الربط بين مفهوم السعادة والفضيلة. يقول لنا ارسطو ان العامل الاكثر اهمية في جهود تحقيق السعادة هو امتلاك شخصية اخلاقية جيدة – ما يسميه"فضيلة تامة". لكن كوننا فضلاء لا تعني موقفا سلبيا: يجب على المرء التصرف طبقا للفضيلة . ولا يكفي ايضا امتلاك عدد قليل من الفضائل، وانما يجب الكفاح لامتلاكها جميعها.

طبقا لارسطو،  السعادة تأتي من انجاز كل الاشياء الخيرة كالصحة والثروة والمعرفة والصداقة اثناء الحياة كلها،  والتي تقود الى كمال الطبيعة الانسانية واغناء حياة الانسان. هذا يتطلب منا عمل خيارات،  بعضها ربما صعب جدا. عادة الخيارات الاقل خيرا تأتي بمتعة فورية وتكون كثر اغواءا،  بينما الاكثر خيرا يكون مؤلما ويتطلب نوعا من التضحيات. فمثلا،  ربما من الاسهل واكثر متعة امضاء ليلة في مشاهدة التلفزيون،  لكننا نعلم انه  من الافضل لو امضينا الليلة نبحث في ورقتنا الخاصة. تطوير شخصية جيدة يتطلب جهدا قويا مع الرغبة لعمل الشيء الصحيح،  حتى في اصعب المواقف.

مثال اخر هو تعاطي المخدرات، والتي اصبحت من اخطر المشاكل في مجتمع اليوم. مقابل سعر بسيط يستطيع المرء ابعاد ذهنه عن المشاكل ويمارس استرخاءا عميقا عبر تناول شيء من المخدرات. هذه المتعة المؤقتة  ستقود حتما الى ألم طويل المدى. بعد عدة ساعات ستشعر بالتعاسة وستحتاج لتناول المخدرات مرة اخرى،  والذي يقود بدوره الى حلقة لا متناهية من الحاجة للمخدر ثم الراحة. الادمان بالنهاية سيستنزف اموالك ويضع عبء على عائلتك واصدقائك. جميع تلك الفضائل كالكرم والاعتدال والصداقة والشجاعة وغيرها – التي تصنع الحياة الخيرة تبدو وبوضوح غائبة عن حياة مستخدمي المخدرات.

ينتقد ارسطو بقوة ثقافة المتعة السريعة instant gratification التي تسيطر على مجتمع اليوم. لكي ننجز حياة الفضيلة التامة،  نحتاج لعمل خيارات صحيحة وهذا يتطلب ابقاء عيوننا مفتوحة نحو المستقبل، ونحو المحصلة النهائية التي نريدها لحياتنا ككل. نحن سوف لا ننجز السعادة بمجرد التمتع باللحظة. لسوء الحظ،  معظم الناس لا يستطيعون التغلب على هذا بانفسهم. يذكر ارسطو"ان جماهير واسعة من البشر هي خاضعة بالمطلق لرغباتها،  مفضلة حياة ملائمة للبهائم"(Nicomachean Ethics, 1095b 20 ). ولاحقا في الاخلاق يوجه ارسطو الانتباه الى مفهوم الـ akrasia،  او ضعف الرغبة. في عدة حالات تؤدي الآمال الساحقة لبعض المتع العظيمة الى حجب تصور المرء لما هو خير حقا. لحسن الحظ،  هذا الميل الطبيعي يمكن علاجه من خلال التدريب،  والذي يعني بالنسبة لارسطو التعليم والتوجه المستمر نحو الفضيلة التامة. هو يصف ذلك بالقول،  رماة السهام الثقيلين  ربما يصبحون افضل في الممارسة حينما يحافظون على اهدافهم نحو المستقبل.

لاحظ ايضا انه لا يكفي التفكير بعمل الشيء الصحيح،  او حتى النية بعمل الشيء الصحيح: نحن يجب ان نعمل ذلك الشيء فعلا. وهكذا،  فان التفكير بكتابة رواية امريكية عظيمة شيء وكتابتها بالفعل شيء آخر. عندما نفرض شكلا او نظاما على جميع تلك الرسائل لكي ننتج حقا قصة او مقالة مقنعة،  فنحن انما نجسد امكانيتنا العقلانية،  والنتيجة من ذلك هي احساس بالانجاز العميق. وكمثال آخر عندما نمارس المواطنة عبر التصويت،  نحن نجسد قدرتنا العقلانية بطريقة اخرى،  عبر تحمل المسؤولية تجاه جماهيرنا. هناك اعداد هائلة من الطرق بها نستطيع ممارسة فضيلتنا الممكنة اللامرئية،  وسيبدو ان انجاز السعادة الانسانية التامة هو الذي يجلب جميع هذه الطرق مجتمعة في خطة حياة عقلانية شاملة.

 لا تزال هناك فعالية اخرى حسب ارسطو يشترك بها القليل من الناس  لكي يعيشوا حياة سعيدة حقيقية: هي التأمل الفكري. بما ان طبيعتنا عقلانية،  فان الكمال النهائي لطبيعتنا هو تفكير عقلاني. هذا يعني امتلاك فضول فكري يديم الدهشة الطبيعية للمعرفة والذي يبدأ في الطفولة لكنه يختفي حالا بعد ذلك. يرى ارسطو ان التعليم يجب ان يكون حول تربية وغرس الشخصية،  وهذا يستلزم عنصرين عملي ونظري. العنصر العملي هو اكتساب الشخصية الاخلاقية،  كما ذكرنا اعلاه. اما العنصر النظري هو عمل الفيلسوف. هنا لا توجد مكافأة ملموسة،  وانما التحقيقات النقدية للاشياء ترفع اذهاننا فوق عالم الطبيعة واقرب الى مكان الآلهة.

 

الصداقة

يرى ارسطو،  ان الصداقة هي من بين اهم الفضائل في تحقيق هدف السعادة. بينما هناك مختلف انواع الصداقات،  فان الأعلى هي تلك المرتكزة على الفضيلة. هذا النوع من الصداقة يرتكز على رغبة الفرد بحصول الافضل لأصدقائه بصرف النظر عن المنفعة او المتعة. ارسطو يسمي هذا "نوع تام من الصداقة بين الناس الخيرين والمتشابهين في الفضيلة". هذا النوع من الصداقة يستمر طويلا ويصعب الحصول عليه لأنه نادر وسيأخذ جهدا كبيرا لكسب صداقة تامة وفاضلة . يلاحظ ارسطو ان المرء لا يستطيع امتلاك عدد كبير من الاصدقاء بسبب ما تتطلبه الصداقة الفاضلة من وقت طويل وعناية. ارسطو يقيّم الصداقة عاليا لدرجة يجادل فيها ان الصداقة تتجاوز العدالة والشرف . اولا،  الصداقة تبدو ذات قيمة كبيرة لدى الناس لدرجة لا احد يختار البقاء بلا صديق. الناس الذين يقيّمون الشرف عادة يبحثون اما عن المديح ام انهم لديهم قوة اكثر مما يقومون به،  لكي يحصلوا على مكاسب فردية من هذه العلاقات. يعتقد ارسطو ان حب الصداقة اكبر من هذا لأنها يمكن التمتع بها كما هي .

التأكيد على المتعة هنا هو جدير بالملاحظة: الصداقة الفاضلة هي تلك الاكثر متعة لأنها تضم كل من المتعة والفضيلة، وهكذا تحقق طبيعتنا العاطفية والفكرية.

 

الاعتدال The Golden Mean

 يُشار احيانا لأخلاق ارسطو بـ "الاخلاق الفاضلة" لأنها ينصب تركيزها ليس على الوزن الاخلاقي للواجبات او الالتزامات،  وانما على تطوير الشخصية واكتساب الفضائل كالشجاعة والعدالة والاعتدال وحب الخير والحصافة. كل من يعرف ارسطو سمع بمذهبه في الاخلاق كونه يمثل الاعتدال بين الافراط والنقص. الشجاعة،  مثلا،  هي الوسط بين عدم التهور(خوف قليل جدا) وجبن مفرط (خوف كثير). العدالة هي الوسط بين اعطاء او الحصول على الكثير جدا واعطاء او الحصول على القليل جدا. حب الخير هو الوسط بين اعطاء ما لا يستحقون وعدم اعطاء شيء ابدا لأي شخص. ارسطو لا ينصح بان يكون الانسان معتدلا في كل الاشياء طالما يجب على المرء في كل الاوقات ممارسة الفضائل. لا يستطيع احد التبرير "انا يجب ان اكون قاسيا تجاه جاري اليوم لأني كنت لطيفا جدا معه في السابق". الوسط هو وسط بين رذيلتين وليس وسطا بين كثير جدا وقليل جدا.

ان الوسط هو "نسبي لأنفسنا"يشير بان وسط فرد ما ربما التطرف لدى شخص آخر. المصارع ميلو كما يذكر ارسطو يحتاج الى الطعام اكثر من الشخص العادي، كذلك بالنسبة للاخلاق الفاضلة. يرى ارسطو ان بعض الناس وُلدو برغبات أضعف من الاخرين،  هؤلاء الناس يكون الوسط لديهم هو الفرار من المعركة لأن الحد المتطرف يعني التعرض للذبح او ارتكاب الانتحار.هنا نلاحظ المرونة في تفكير ارسطو،  فهو بعد ان يضع القواعد الاخلاقية،  يقوم بارخائها لكي يأخذ بالاعتبار التباين واحتمالية وجود طباع معينة.

ان مذهب ارسطو في الوسط ينسجم مع الطرق القديمة للتفكير التي تصورت العدالة كحالة من التوازن بين قوتين متضادتين. في علم الفلك القديم، الكون يستقر كنتيجة للتسوية بين قوتين متضادتين من الفوضى والنظام. الفيلسوف اليوناني هيرقليطس تصور العيش الصحيح كعمل طبقا للوغس،  مبدأ الانسجام بين المتضادات. افلاطون عرّف العدالة في الروح كتوازن ملائم بين اجزائه. وكما افلاطون،  اعتقد ارسطو ان الشخصية الفاضلة هي في نفس الخط مع الجسم الصحي. طبقا للنظرية الطبية في زمانه،  تتألف صحة الجسم من توازن ملائم بين الخصائص المتضادة للحر والبرد والجفاف والرطوبة. هدف الفيزيائي هو خلق توازن ملائم بين هذه العناصر،  عبر تشخيص التدريب الملائم ونظام تغذية والذي  يختلف تبعا للافراد.

ونفس الشيء، بالنسبة للروح: ابداء الكثير من العاطفة يقود الى افعال متهورة من الغضب والعنف والذي سيكون مؤذيا لرفاهية الفرد الذهنية وللاخرين كذلك،  لكن عدم ابداء اي عاطفة هو انكار للطبيعة الانسانية ويؤدي الى مظاهر مرضية من الكسل والسلوك غير الاجتماعي. الممر الصحي هو "الممر الوسط"مع انه يجب التذكر انه ليس الوسط بالضبط،  لأن الناس الذين ولدوا بطبيعة عاطفية مفرطة سيكون لديهم وسط مختلف عن اولئك المتجهمين ذوي الطبائع اللاعاطفية. يستنتج ارسطو "ان خيرية الشخصية هي حالة مستقرة للروح ترغب او تختار الوسط نسبيا، هذا الوسط يتقرر بالقاعدة او اي شيء يستخدمه الانسان الحكيم".

 

استنتاج

طبقا لارسطو السعادة هي:

- الهدف النهائي والغرض من الوجود الانساني

- هي ليست المتعة ولا هي الفضيلة. انها ممارسة الفضيلة.

- السعادة لا يمكن تحقيقها الا عند نهاية الحياة. ولذا هي هدف وليست حالة مؤقتة.

- السعادة هي كمال الطبيعة الانسانية. طالما الانسان حيوان عاقل، فان السعادة الانسانية تعتمد على ممارسة العقل.

- السعادة تعتمد على اكتساب الشخصية الاخلاقية.

- السعادة تتطلب التأمل الفكري،  لأن هذا هو البلوغ النهائي لقدراتنا العقلانية.

 

حاتم حميد محسن

........................

الهوامش

(1) الاستنتاج الذي يبدأ من العام وينتهي بالخاص (او من الكل الى الجزء) يسمى بالجدل النازل،  على عكس الجدل الصاعد الذي يبدأ من الخاص وينتهي بالعام،  حيث سنبدأ في مثالنا من ان سقراط سيموت،  وبما ان سقراط انسان اذاً كل انسان سيموت.

(2) The Nicomachean Ethicsهو الاسم الذي اعطي لأشهر اعمال ارسطو في الاخلاق. ويتألف من عشرة كتب ارتكزت بالاساس على محاضراته. Nicomaches هو ابن سقراط الذي قام بنشر الكتاب. هذا العمل اعتُبر من اهم الاعمال الفلسفية في التاريخ،  وكان له تأثيرا بارزا على اوربا في القرون الوسطى واصبح لاحقا له الدور الحاسم في تطوير جميع الفلسفة الحديثة.

emadadeen ibrahimمما لاشك فيه أن العلاقة بين الأسطورة والفلسفة متداخلة وهي علاقة متشابكة لا يستطيع أحد أن ينكرها وأن يغفل أهمية تلك العلاقة. بعض الفلاسفة يروا أن الأسطورة هي المقدمة الطبيعية والأساسية لظهور التفكير الفلسفي. بمعني أن التفكير الفلسفي انبثق عن التفكير الأسطوري. وهذا واضح وجلي في بلاد اليونان. حيث سبق التفكير الأسطوري ظهور التفكير الفلسفي. فالتفكير الأسطوري كان يدور حول الآلهة وصراعاتها علي جبل الاولمب. وبعض الفلاسفة والمفكرين يرون أن الأسطورة عامل مشترك في الفكر الإنساني، لان بداية هذا الفكر كانت مثل الطفل الرضيع الذي يحبو أولا ثم يمشي علي قدميه ثم يشب عن الطوق حتى وصل هذا الفكر إلي ما نحن عليه الآن. ويجب أن نشير إلي أن الأسطورة والفلسفة علي اتصال دائم ومباشر، ولقد تطورت الأسطورة علي مر التاريخ ومع ذلك ظلت تحظي باهتمام الفكر البشري بداية من عصر الصيد وهي المرحلة التي سبقت العصر الحجري حيث تبدو الصلة والعلاقة بين الأسطورة والفلسفة غامضة لان عقيدة الإنسان في تلك المرحلة انصبت علي الاهتمام بموارد حياته وفي مقدماتها الحيوانات. وفي مقدماتها الحيوانات، وفي العصر الحجري ظهرت التمائم التي يعتقد أنها تجلب الرزق. وإذا أردنا أن نعرف الأسطورة لغة فهي الأحاديث المنمقة أو المزخرفة التي لانتظام لها، فهي مشتقة من السطر من الشئ بمعني الصف من الكتاب والشجر والنخل ونحوها. كما أنها في اليونانية مأخوذة من (Mutho) وتعني حكاية تقليدية عن الآلهة والأبطال. هذه الحكاية تتحدث عن الآلهة وأعمالهم ونشأتهم، وهي من اجل هذا المعني اتخذت قديمًا من اجل تفسير كل الظواهر الغير مألوفة. والأسطورة تحكي قصصا مقدسة تبرز ظواهر الطبيعة مثلا أو نشوء الكون أو خلق الإنسان وغير ذلك من الموضوعات التي تتناولها الفلسفة. إذا موضوعات الأسطورة تعتبر أيضا مادة خصبة للفلسفة لكن التناول مختلف، الأسطورة تعتمد علي الخيال والأشياء الغير مألوفة، والفلسفة تعتمد علي العقل والمنطق في تناول الموضوعات. ولا يستطيع احد أن ينكر هذا التداخل بين الأسطورة والفلسفة. ومن أهم الأساطير في بلاد الرافدين أسطورة جلجامش التي تحكي عن موضوع الخلود، كذلك قصة الطوفان التي جاء ذكرها في القران والتوراة. وللأسطورة أنواع متعددة منها الأسطورة التاريخية، والأسطورة الدينية والأسطورة التفسيرية. وإذا كانت الأسطورة تصدر عن حالة عاطفية تتخطي العقل لتنتج صورا ذهنية مباشرة تعكس تلك العلاقة بين الذات الموضوع، فان الفلسفة تنظر للموضوعات برؤية عقلية.  ويجب أن نشير إلي حقيقة هامة وهي أن ظهور الفلسفة في بلاد اليونان إعلانا عن إحداث قطيعة في التفكير الأسطوري والانتقال من الخطاب الشفوي الأسطوري إلي الخطاب الفلسفي الذي يعتمد علي الاستدلال العقلي.ورغم هذا إلا أن الأسطورة وظيفتها في تاريخ الفكر البشري هذه الوظيفة لا نستطيع أن نغفلها أو نغض الطرف عنها، وفي مقدمة هذه الوظائف تفسير الظواهر الطبيعية والاجتماعية والثقافية في مجتمع ما خاصة المجتمعات البدائية. وللتفكير الأسطوري سمات تختلف تماما عن التفكير الفلسفي. التفكير الأسطوري له خاصية القبول المطلق لفكره معينة وبالتالي الرفض المطلق للأفكار الاخري، وهذا عكس التفكير الفلسفي الذي يقبل الرأي الآخر ويغترف به. كذلك التفكير الأسطوري لاعقلاني أما التفكير الفلسفي فهو عقلاني. وخلاصة القول أن الأسطورة والفلسفة بينهما ووشائج قربي ويعتبر بعض المفكرين أن الفلسفة قد اكتشفت في الأسطورة البناء الوجودي والصورة الأصلية التي تعبر عن ارتباط الإنسان بالواقع والحياة . ولقد اعتبر فلاسفة اليونان أن الأسطورة هي الحقيقة في صورتها الرمزية وعلي الفلاسفة أن يرفعوا الحجاب عن هذه الحقيقة الرمزية، فكان الأسطورة تخفي الحقيقة وتأتي الفلسفة لإظهارها.

 

لقد غُيّبت البساطة المعنوية للإسلام بفعل التعقيد المستحدث والمتراكم طوال القرون الماضية، لذلك كان لا بد من تعقيد مضاد يعود بنا إلى البساطة الأولى النقية.. لقد كان الإسلام واحداً من دون تعدد في عقيدته وسياسته وطقوسه واجتماعه وأخلاقه ومعرفته.. ومع توالي الزمن ذهبت هذه الوحدة وحلت محلها جملة «إسلامات» متضاربة في نواح مختلفة، وهي كثيراً ما تتداخل فيما بينها إلى يومنا هذا: فهناك إسلام مذهبي، وإسلام سياسي، وإسلام طقوسي، وإسلام قومي، وإسلام أخلاقي، وإسلام وجداني شخصي، بل وحتى إسلام عجائز نابع من دين الأمهات.. وهكذا توالى تعدد الإسلامات «الفاهمة»، وكل واحد منها يحمل تعارضات وتناقضات بعضها يتنكر للبعض الآخر. فالإسلام المذهبي يحمل إسلامات مذهبية كثيرة ومتعارضة، وكذا الحال مع الإسلام السياسي، إذ يحمل إسلامات سياسية متناكرة.. ومثل ذلك سائر التنوع في الإسلامات الأخرى. لكن رغم هذا التعدد في الإسلامات الفاهمة إلا أنها تتأسس على إسلام فاهم واحد هو الإسلام المعرفي الإبستيمي، فلولا الأخير ما كان للبقية من شيء. لذلك كان لا بد من البحث في طبيعة هذا الإسلام منهجياً باعتباره يمثل البنية التحتية لسائر النظائر.

***

إن البحث المنهجي في الإسلام هو مهمة علم الطريقة، اذ يتكفل بدراسة مناهج الفهم ويوضح العلاقة فيما بينها وبين تأسيساتها القبلية، ومن ثم بين هذه التأسيسات وبين الفهم. فهو يمارس التفكير في المنهج لا بالمنهج. وهو بهذا يقوم باجتراح آفاق جديدة للتفكير وفتح أبواب للدراسة الأكاديمية لم تكن معهودة من قبل. فمن الناحية المنطقية يتوقف الفهم على المنهج المتبع، وهو ما يشكل مادة البحث لعلم الطريقة. إذ يتولى العلم الأخير الكشف عن طبيعة المناهج التي تتناول الفهم بالدرس والتحليل. وفي جميع الأحوال يكون الفهم مسبوقاً بالمنهج أو الطريقة.

فالغرض من هذا العلم هو اخضاع الدراسات الإسلامية تحت هيمنة البحث المنهجي الإبستيمي والقطيعة مع كافة ضروب التفكير المذهبي، حيث يتحقق التفكير في المذهب لا بالمذهب، وبالتالي إنقاذ الدين منه.

وطبقاً لهذا العلم ينبغي قلب التفكير المذهبي وتصييره منهجياً وفقاً للقاعدة الكوبرنيكية. فبدلاً من الرضوخ إلى الإجترار القائم في جعل المنهج ينتظم وفقاً للتفكير المذهبي؛ لا بد من قلب المعادلة بجعل المنهج هو الأساس وتحويل المذهب وتصييره إلى أنماط من التفكير المنهجي المتعدد الآفاق.

فهذا العلم يتعامل مع التراث الإسلامي بوصفه مجموعة من الأجهزة المعرفية التي تشترك فيها المذاهب، كما وينقسم إليها المذهب الواحد، فهي بذلك تخترق الحدود المذهبية وتلغي حدودها. والمقصود بالجهاز المعرفي هو ذات معنى الدائرة المعرفية، وهو ليس علماً ولا مذهباً محدداً، بل هو نسق يخترق العلوم والمذاهب، وميزته إنه قائم على أركان خمسة أساسية، هي المصدر المعرفي والأداة المنهجية والمولدات أو الموجهات، كذلك الفهم والإنتاج المعرفي.

فنحن نحتاج الى فحص المسلمات الدينية ومراجعتها على الدوام؛ بعيداً عن الإعتبارات المذهبية والآيديولوجية، كما وبعيداً عن الأساليب المتبعة في التلقين وخلق الكادر الاستفتائي الذي لا يجيد غير الاستفتاء وتحصيل الجواب الجاهز من دون معرفة طرق الفهم والتفكير. الأمر الذي يكرّس ظاهرة التقليد المستشرية في مجتمعاتنا الإسلامية. وليس المهم ان يتلقى الفرد المعلومة، بل الأهم أن يتعلم كيف يفكر لاصطيادها.. كالفقير لا ينبغي ان يُعطى سمكة، بل يُعلّم كيف يصطاد السمك، كما يقول المثل..

وتأتي دقة علم الطريقة من كونه يتدرج من البنية الأساسية العميقة للفهم إلى السطحية مروراً بالبنية الوسطى. فالبنية الأساسية هي شرط إمكان المعرفة وإن لم يعِها الباحث أو يفكر فيها. فلا تتأتّى معرفة هذا الشرط من دون «حفر» للوصول إلى أقصى منابع توليد الفكر.

فالبناء الفوقي للفكر بكافة مظاهره وأشكاله، ومنها ما يتعلق بالفهم الديني، قائم على البناء التحتي، وأن هذا الفهم بتجلياته المختلفة، سواء تعلّق بالقضايا السياسية أو الإجتماعية أو الإقتصادية أو غيرها، كلها رهينة الفهم المتجذر تحتياً والمتصف بالكلية والشمول.. وإن بدا خفياً على مَن خضع له في الفهم وتوليد المعرفة.

ويمتاز علم الطريقة بأنه يتضمن الجمع بين فن التأويل المسمى الهرمنوطيقا، والإبستيميا العلمية. فهو يتضمن فن التأويل بإعتباره يعترف بأن كل فهم ليس بقدرته ان يتعالى على حدود التأويل والتأثر بالقبليات. وهو بذلك ينزع النزعة الذاتية كالذي تؤكد عليه الأدبيات الحديثة ونظريات التلقي، لكنه في الوقت نفسه يحمل الجذور الإبستيمية ليحافظ على المعاني العلمية دون ان يترك للهرمنوطيقا فوضى الفهم المنفتح بلا ضوابط ولا حدود، وبالتالي فهو يعمل على تضييق الممارسة الهرمنوطيقية قدر الامكان، لكنه يعترف باستحالة القضاء عليها. وبالتالي يمكن إعتباره جسر العبور من الهرمنوطيقا إلى الإبستمولوجيا وبالعكس.

وهو علم يكشف عن التواصل المعرفي بين محددات الموضوع المدروس وما يتطلبه من أسس وقوانين وسنن وقواعد اجرائية سابقة تعمل على افراز النتائج النهائية. فهو يقوم برصد الممارسة المعرفية من الخارج، ومنها الفهم الديني، عبر تحديد ما تستند إليه من تلك الأسس والقواعد والأدوات المنهجية. وبالتالي فهو لا يندرج ضمن مجرى الممارسة المشار إليها، بل يكشف عن أبعادها باستقالية تامة، وهي الأبعاد التي تعبّر عن العلاقة الكائنة بين الخارج والداخل، أو القبلي والبعدي، ومثل ذلك العارض والذاتي.

وفي الأساس هو علم يتناول القبليات بالفحص والتدقيق. وللقبليات أهمية هي كونها تتيح لنا الفهم والتفكير حتى وإن لم نتعقلها، فنفكّر بها وإن لم نفكّر فيها. وبالتالي فهي شرط لامكان الفهم والتفكير.

ومن القبليات ما تشكل قواعد كبرى هي تلك التي يبحثها علم الطريقة، وهي تختلف عن القواعد التي تعالجها الدوائر المعرفية بالبحث والتحليل، إذ تتصف الأولى بالكلية والشمول خلافاً للثانية التي تتصف بالضيق والجزئية. كما أن الأخيرة تتأسس على الأولى من دون عكس.

ولهذا العلم مسلمتان اساسيتان إحداهما تكامل الأخرى، وتنص الأولى على إعتبار الفهم غير النص، او ان الفهم غير الدين، فالفهم فهم والدين دين، فلا الفهم يتحول ديناً، ولا الدين يصير فهماً. كما تنص الثانية على كون الفهم هو نتاج مشترك لكل من النص والقبليات، بمعنى أن للذات البشرية دوراً في إنتاج الفهم مثلما للنص هذا الدور، ولأن للذات دوراً في التأثير على الفهم؛ لذا يصبح الأخير قابلاً للتشكل بأشكال مختلفة بلا حدود. والفهم من هذه الناحية شبيه بالعلم في علاقته بالطبيعة. فكل منهما قائم على موضوع خارجي هو الشيء في ذاته، وإنه لا سبيل للتعرف على هذا الشيء من غير أدوات الذات البشرية وقبلياتها وإعتباراتها، سواء أدى ذلك إلى الابتعاد عن معرفة كنه الشيء أو الاقتراب منه.

وبذلك ترتبط اشكالية علم الطريقة على الصعيد الديني بالفهم. فالنص ذاته يُحدث امكانات للفهم متعددة ومفتوحة بلا حدود. إذ يتالف النص من ألفاظ وسياق ومجال، وهذه العناصر الثلاثة تضفي عليه امكانات للمعاني المختلفة حتى مع فرض ثبات سائر العوامل الخارجية، كتلك المتعلقة بالواقع. فطالما كانت هناك معاني مختلفة للألفاظ، وهي تشكل العمود الفقري للنص، فذلك يجعل من الفهم متشعباً ومفتوحاً على مصراعيه. وبالتالي تعتبر هذه الحالة سنة من سنن الفهم التي لا تتوقف على شيء، ولا تنضبط بضوابط وقواعد. فالفهم هنا هو فهم تكويني أو وجودي وفقاً للتعبير الغاداميري، فهو فهم مفتوح وسيال مسترسل بلا حدود، سواء كان فهماً منضبطاً بقواعد محددة أم لا. فأي نص عندما يدخل ساحة الفعل والوجود فسيواجه الفهم المفتوح بلا حدود من الناحية السننية أو الوجودية. ورغم ان حالة الفهم المفتوحة ليست حتمية، بمعنى انه لا يمتنع ان يتفق الكل على فهم محدد للنص دون زيادة ولا نقصان، لكن إحتمال حصول ذلك هو من المستبعد لدى الجماعات البشرية كذوات قارئة. ولا شك إن هناك عوامل عديدة تلعب دوراً في زيادة إنفتاح الفهم وتعدده، مثل غموض النص وإجماليته، ومثل مساحة رقعة النص، وهي سلاح ذو حدين، فقد تكون المساحة ضيقة ومجملة مما يجعل النص قابلاً للتأويلات الكثيرة، كما قد تكون المساحة واسعة فتضفي أبعاداً تقريبية لتضييق دائرة التأويل، لكنها في الوقت ذاته قد تفتح مجالاً أكبر للتأويل بقدر وساعة الرقعة ذاتها.

على أن الفهم يجري على نحوين، فهو إما أن يتعلق بالنص مباشرة، أو ينشأ عبر التوسل بأفهام أخرى، وغالباً ما يحصل الأخير. فالذي يفسّر القرآن مثلاً؛ يلجأ إلى التوسط بسائر التفاسير لينتهي إلى ما يعتقده من نتائج، ونادراً ما يبدأ التفسير بالاعتماد المباشر على النص من دون هذا التوسط. ويتحقق مثل هذا الحال في العلم الطبيعي مع بعض الإختلاف كما سنشير. فقد يُخضِع العلماء نتائجهم النظرية وفق التجارب والملاحظات المباشرة، كما قد يستعينون في ذلك بسائر النظريات المعتبرة أو المسلم بها. فمثلاً إن أينشتاين بلْوَر نظريته عبر الاستعانة بجمع نظريتي نيوتن وماكسويل، وأن من أتى بعده استعانوا بنسبيته كمسلمة أساسية لإبداء وجهات نظرهم العلمية حول الكون، ومثل ذلك التوسط بنظرية الكوانتم، أو التوسل بهذه الأخيرة بمعية النسبية لدى الذين حاولوا توحيد قوى الطبيعة الأربع. وسواء جرت الممارسة العلمية بشكل مباشر أو غير مباشر فإن مؤسسة العلم تتقبلها من دون تحفظ، خلافاً لما يجري في الفهم. فالمؤسسة الدينية تتحفظ غالباً من ممارسات الفهم المباشر؛ بحجة التخوف من عدم استيفائها لشروط البحث الإجتهادي، وترى ان من ضمن هذه الشروط هو الإستفادة من البحوث التراثية. وأحياناً تكون هذه الدعوة مجرد غطاء لتمرير التقليد ورفض كل طرح جديد. وعليه فإن تفاسير القرآن الحديثة المقطوعة الصلة عن الأعمال التراثية هي غير مقبولة لدى الأوساط الدينية واعتبارها تفاسير متهورة، فهي بالنتيجة تغرّد خارج السرب.

كذلك قد يكون الفهم لا يتعلق بالنص ذاته وانما بفهم مثله، فيكون فهماً للفهم. وهو من هذه الناحية يُعد فهماً غير مباشر للنص، وانه يتعامل مع نظيره بجعله نصاً يستحق الممارسة الفهمية، كالذي يزاوله الشرّاح في تفسير ما يقدّمه الآخرون من فهم مباشر للنص. وبذلك ينشأ «فهم الفهم». وقد يتسلسل الحال عبر الأفهام العمودية التي يتركب بعضها على البعض الآخر، فإذا كانت السلسلة ثلاثية الأفهام فإن آخرها يوصف بأنه (فهم فهم الفهم)، وقد يزداد التراكب ضمن السلسلة بلا حدود، حيث تكون رباعية أو خماسية أو أكثر. كما قد تتخذ الأفهام من البعض إنموذجاً ارشادياً (برادايم paradigm)، فالذين يتأثرون بنظرية معينة، قد يرفعونها الى المستوى الارشادي ضمن ممارساتهم النظرية الأخرى، وقد يحصل ان تكون شخصية فكرية معينة هي محور الإرشاد النظري أو جعلها مجالاً مركزياً للتقليد، وربما يُضفى عليها القداسة المعرفية لمنع تجاوزها والتحول إلى غيرها. وكل ما ذكرناه ينطبق على مجالات التفكير الأخرى غير المتعلقة بالنص، كالمجال العلمي والفكري والأدبي.

 

مفكر وباحث

 

ibrahim telbasilkhaأولاً: حياته ومؤلفاته: فرنسيس بيكون فيلسوف إنجليزي متعدد المواهب، موسوعي، برز في ميادين السياسة والقانون والأدب والفلسفة والعلم، وحقق لنفسه أرفع المناصب في بلده ، وكان أبوه السير نيقولا بيكون وأمه لادي بيكون وهي سيده قد عرفت بالتقوى والعلم . درس في جامعة كمبردج وهو في الثانية عشرة من عمره، وخرج منها بعد ثلاث سنوات دون أن يكمل دراسته، وقد نفر مما يدرس على طريقة أرسطو والمدرسين ، وفي سن الثامنة عشرة مات أبوه ولم يورثه شيئًا فتحول إلى دراسة القانون لعله يصل عن طريقه إلى منصب ما. وفي سن الثالثة والعشرين صار عضوًا بالبرلمان وكاد يعين في منصب النائب العام لولا أنه انتقد سياسة الضرائب في البرلمان فأضاع على نفسه المنصب، وتعلم أن الإخلاص في السياسة غير مجز.

وعينه جيمس الأول محام عامًا، ثم نائبًا عامًا وأخيرًا وزيرًا أول في سن السابعة والخمسين. ومنح لقب بارون ثم فيكونت، لكنه في الستين أدين بالرشوة وجرد من ألقابه ووظائفه ومنع من تقلد الوظائف العامة، وأسقطت عنه عضوية البرلمان، وحكم عليه بالسجن لكنه لم يقضي فيه غير أيام بسبب شيخوخته، وشغل نفسه بقية عمره بتدوين الكتب وخدمة العلم.

ومن أهم مؤلفاته: "رسالة في تقدم العلم" و"حكمة القدماء" و"تنمية العلوم" و"الأرجانون لجديد" و"أحكام القانون" .... إلخ.

والحق أن لبيكون أهمية دائمة كمؤسس للمنهج الاستقرائي الحديث وكرائد لمحاولة تنظيم الإجراء العلمي تنظيمًا منطقيًا.

ثانيًا: المنطق الجديد عند بيكون:

 

1- نقد العقل:

لقد وضع فرنسيس بيكون نصب عينيه مهمة إقامة منهج علمي جديد يرتكز على الفهم المادي للطبيعة وظواهرها وكان على شعور تام وإحساس صادق بحاجة عصره إلى المنهج، ولذلك فقد صمم على أن يكون فارسًا في هذا الميدان.

رأى بيكون أن التجربة الحسية هي منطلق المعرفة الأول ثم يأتي بعدها عملية استخراج النتائج والتي يجب أن تتم بحذر وعلى مهل. وقد دفعه ذلك إلى توجيه انتقادات حادة إلى المدرسيين والقدماء لاكتفائهم بالتأمل النظري حول الطبيعة وإهمال ملاحظة ظواهرها المختلفة عن طريق التجربة الحسية. ولهذا طالب بيكون بضرورة إصلاح المنطق الأرسطي وتعديله بل والاستعاضة عنه بمنطق جديد.

ووجد بيكون أن الطريقة المثلي هي أن يجمع الباحث بين التجربة والتفسير العقلي. فالتجربة المحضة أشبه بعمل النمل الذي يقتصر على الجمع والتكديس، والعقلية المحضة أشبه بعمل العنكبوت الذى لا يستفيد في نسيجه شيئًا من خارجه. أما الفيلسوف الحق فيجب أن يكون كالنحلة التي تجني من كل جانب ثم تقوم بهضم ما جمعته وتحويله بفعل طبيعتها الخاصة إلى شيء جديد تمامًا.

ويقرر بيكون في نقده للعقل وقدسية الأقدمين أن العقل أداة تجريد وتصنيف ومساواة ومماثلة: إذا ترك يجرى على سليقته انقاد لأوهام طبيعية فيه، ومضى في جدل عقيم، وهذه الأوهام ليست مجرد أخطاء في الاستدلال، بل هي عيوب في تركيب العقل يجب التحرر منها، وقد حصر بيكون هذه الأوهام الطبيعية في أربعة أنواع:

 

1- أوهام القبيلة:

وهي ناشئة من طبيعة الإنسان، لذا كانت مشتركة بين جميع أفراده. فهى تقع لنا لمجرد كوننا بشرا، أنها مرتبطة بطبيعتنا البشرية، وبقبيلة الإنسان أو جنسه: فنحن ميالون بالطبع إلى تعميم بعض الحالات دون الالتفات إلى الحالات المعارضة لها، وإلى تحويل المماثلة إلى تشابه، وإلى أن نفرض في الطبيعة من النظام والاطراد أكثر مما هو متحقق فيها وإلى أن نتصور فعل الطبيعة على غرار الفعل الإنساني فنتوهم لها غايات وعللاً غائية، وكل هذا يفسح المجال أمام تولد الخرافات والمعتقدات أو الأساطير الخاطئة.

 

2- أوهام الكهف:

هذه الأوهام ناشئة عن الطبيعة الفردية لكل منا، فهي أوهام كل فرد باعتبار أن لكل إنسان كهفًا خاصًا به وحده يرى كل شيء من خلاله. والمقصود بها تدخل الاستعدادات الخاصة بكل فرد وعوامل ثقافته وتربيته وبيئته الاجتماعية وكذلك السلطة التي يكتسبها من يحترمهم ويعجب بهم في تحديد نظرته للأمور وإصداره الأحكام. هذه الأوهام إذن صادرة عن التربية والاستعدادات الأصيلة والعلاقات الاجتماعية.

 

3- أوهام السوق:

ترتبط تلك الأوهام بتحكم الألفاظ في تصوراتنا للأشياء، وهي تنشأ من التجارة واجتماع الناس بعضهم بعض مما يؤدي إلى سيطرة لغة أهل السوق والعامة من الناس. ونتيجة لذلك تتواجد ألفاظ لأشياء غير موجودة أو تكون الألفاظ غامضة ومتناقضة. وهكذا يمكن أن تستبد بنا الألفاظ فيصعب علينا الخلاص من سحرها وتأثيرها. ولعل هذا ما يفسر لنا طابع القداسة الذي كانت تحمله بعض الألفاظ في المجتمعات البدائية.

 

4- أوهام المسرح:

وهي الآتية مما تتخذه النظريات المتوارثة من مقام ونفوذ. وهنا يحمل بيكون على أرسطو وأفلاطون وغيرهما من الذين يفسرون الأشياء بألفاظ مجردة كما يقول. وهذه الأوهام ليست فطرية في عقلنا، بل تأتيه من الانقياد للآراء الخاطئة.

تلك هي المعوقات التي يجب التحرر منها للوصول إلى الحقيقة. لكن هذه المهمة السلبية لا تكفي بحد ذاتها، بل لابد من منهج جديد في البحث. وهكذا اتجه بيكون بعد نقده للعقل إلى وضع خطوات هذا المنهج الجديد الذي اتفق على تسميته بالمنهج الاستقرائي.

 

2- المنهج الاستقرائي:

المنهج الاستقرائي يمثل القسم الإيجابي من المنطق الجديد عند بيكون ويعد منهجًا جديدًا لاكتشاف المعرفة الحقة في مقابل القياس. فإذا كان المنهج القديم يرمى إلى ترتيب الموجودات في أنواع وأجناس، فإن المنهج الجديد يهدف إلى تحليل الظواهر المعقدة إلى عناصرها البسيطة وقوانينها. ويتم ذلك من خلال خطوات معينة هي خطوات الاستقراء:

 

أولاً: مرحلة الجمع:

في هذه المرحلة نقوم بعمل سجل بتاريخ الظاهرة المراد دراستها تدون فيه كل المعلومات التي يمكن جمعها عن هذه الظاهرة وذلك عن طريق:

1- تنويع التجربة: وذلك بتغيير موادها وكمياتها وخصائصها وع:للها الفاعلة.

2- تكرار التجربة: مثل تقطير الكحول الناتج من تقطير أول.

3- مد التجربة: أي إجراء تجربة على مثال تجربة أخرى من تعديل في المواد.      

4- نقل التجربة: من الطبيعة مثلاً إلى الفن كأيجاد قوس قزح في مسقط ماء، أو من فن إلى آخر، أو من جزء إلى جزء آخر.

5- قلب التجربة: مثل الفحص عما إذا كانت البرودة تنتشر من أعلى إلى أسفل بعد أن نكون عرفنا أن الحرارة تنتشر من أسفل إلى أعلى.

6- إلغاء التجربة: أي طرد الكيفية المراد دراستها، وإذ أننا قد لاحظنا أن المغناطيس يجذب الحديد خلال أوساط معينة فعلينا أن ننوع هذه الأوساط إلى أن يقع على وسط أو أوساط تلغي الجاذبية.

7- تطبيق التجربة: أي استخدام التجارب لاستكشاف خاصية نافعة مثل تعيين مبلغ نقاء الهواء وسلامته في أمكنة مختلفة أو فصول مختلفة بتفاوت سرعة التنفس.

8- جمع التجارب: أي الزيادة في فاعلية مادة ما بالجمع بينها وبين فاعلية مادة أخرى.

9- صدق التجربة: أي أن تجرى التجربة لا لتحقيق فكرة معينة. بل لكونها لم تجد بعد، ثم ينظر في النتيجة ماذا تكون؟ مثل أن نحدث في إناء مغلق الاحتراق الذي يحدث في الهواء.

ثانيًا: مرحلة الترتيب:

بعد الانتهاء من هذه الخطوات التسعة (مرحلة الجمع) نقوم بترتيب المعلومات التي حصلنا عليها وتوزيعها في ثلاثة جداول رئيسة:

1- جدول الحضور: تسجل فيه التجارب التي تبدو فيها الكيفية المطلوبة، وتستبعد الظواهر التي لا توجد في تجارب هذا الجدول والهدف من هذا الجدول هو فحص ظاهرة أو صفة بعينها والبحث عن جميع الأمثلة التي توجد فيها بشرط أن تكون هذه الأمثلة متنوعة ومختلفة إلى أكبر حد. وقد درس بيكون ظاهرة الحرارة فوضع في جدول الحضور 27 حالة توجد فيها الحرارة كأشعة الشمس والصواعق والأجسام الحية والاحتكاك........ إلخ.

2- جدول الغياب: تسجل فيه التجارب التي لا تبدو فيها الكيفية والتي تكون أشبه ما يمكن بتجارب جدول الحضور. وهنا نجد بيكون وقد أحصى الحالات المقابلة التي ذكرها في جدول الحضور أي الحالات المقابلة التي تغيب أو تختفي فيها الحرارة . ولقد رصد في هذا الجدول 27 حالة مقابلة 27 حالة التي ذكرها في جدول الحضور مثل كسوف الشمس حيث تختفي الأشعة وتغيب الحرارة.

3- جدول المقارنة: تسجل فيه التجارب التي تتغير فيها الكيفية، فتستبعد الظواهر غير المتغيرة، فتكون الصورة المنشودة هي الباقي وقد قام بيكون بإحصاء جميع الحالات التي توجد فيها الحرارة، بدرجات مختلفة تزيد وتنقص مع محاولة البحث عن سبب زيادة الحرارة أو سبب نقصها في الحالات التي جمعها.

 

ثالثًا: مرحلة العزل أو الاستبعاد:

وفيها نستبعد كل الخصائص العرضية التي لا تصلح لأن تكون علة حقيقية للظاهرة، أي التي لا تستوفي الشروط الحقيقية للعلية. فلقد وجد بيكون بعد إحصاء الحالات فى الجداول التي أشرنا إليها أن الحركة هي علة الحرارة ووصل إلى هذه النتيجة بعد أن وجد أنه كلما وجدت الحركة وجدت الحرارة وكلما اختفت الحركة اختفت الحرارة، وكلما تغيرت سرعة الحركة تغيرت نسبة الحرارة ، بمعنى أنه كلما تغيرت الحركة سرعة أو بطئًا تغيرت درجة الحرارة تغيرًا متوافقًا معها من حيث الزيادة والنقصان.

 

رابعًا: مرحلة التحقيق أو الإثبات:

وفيها يتم تحقيق الغرض وإثبات صدقه، وبالتالي الوصول إلى قانون عام. فالعلة التي وصل إليها بيكون في المرحلة السابقة وهى "أن الحركة علة الحرارة" هي علة مؤقتة أو هي فرض على يجوز صحته وفساده. ولذلك يحاول بيكون في مرحلة التحقيق هذه أن يعطي طريقة لإثبات صحة هذا الفرض.

هذه هي خطوات المنهج الاستقرائي عند بيكون، ولا شك أن هذا الوصف المفصل الذي قدمه لنا بيكون حول منهجه يعد تقدمًا حقيقيًا بالنسبة لعصره ولكن من الملاحظ أيضًا أن بيكون لم يفهم الاستقراء الفهم الحديث الذي يجعل منه منهجًا للقانون الطبيعي الذي يعلق ظاهرة بأخرى. ومن ثم أصبح منهجًا يوضح صور الكيفيات وبالتالي يقف في مرحلة وسط بين الفلسفة القديمة والفلسفة الحديثة.

ولذا نجد أن كثيرًا من الباحثين قد نقدوا هذا المنهج ، منهم من أنكر على بيكون جدة منهجه، ومنهم من أنكر محاولته الميتافيزيقية في معرفة الخواص الذاتية للأشياء بعد تحديد صور كيفياتها، ومنهم من أنكر عليه إغفاله للفروض التي هي ألزم ما تكون للمنهج التجريبي.

ولا شك أن عدم اهتمام بيكون بالفروض يعد نقصًا في المنهج التجريبي وهو الذي ترك مجالاً أمام جون ستيوارت ليأتي فيعدل من منهج بيكون تعديلاً كبيرًا ويضعه على أسس جديدة لا تزال مستعملة حتى اليوم.

 

ثالثًا- تصنيف العلوم:

لم يكن ما يريده بيكون من العلم هو زيادة معلومات الإنسان عن الطبيعة وإنما هو العلم الذي يسيطر به الإنسان على الطبيعة ويغير به نوع حياته على الأرض. والحق أنه نفذ إلى ماهية العلم الاستقرائي، وحاول أن يرسم بناءه، ووضع تصنيفًا له، وأفاض في شرح طرقه التجريبية.

حاول بيكون ترتيب العلوم القائمة بحسب قوانا المدركة التي يحصرها في ثلاث قوى: الذاكرة والمخيلة والعقل.

الذاكرة: موضوعها التاريخ، والتاريخ قسمان: تاريخ مدني خاص بالإنسان، وتاريخ طبيعي خاص بالطبيعة. والتاريخ المدني ينقسم إلى قسمين: تاريخ كنسي، وتاريخ مدني بمعنى الكلمة ينقسم بحسب الوثائق التي نستخدمها من مذكرات وتراجم سياسية وأدبية وعلمية وفنية. والتاريخ الطبيعي ينقسم إلى ثلاثة أقسام: وصف الظواهر السماوية والأرضية ووصف المسوخ التي تكشف عن القوى الخفية في الحالات العادية، ووصف الفنون باعتبارها وسائل الإنسان لتغيير مجرى الطبيعة.

المخيلة: موضوعها الشعر، والشعر ينقسم إلى شعر قصص، وشعر وصفي وشعر تمثيلي، وشعر رمزي وهو عبارة عن تأويل للقصص والأساطير واستخلاص ما تنطوي عليه صورها من معان وهو تأويل قديم كان شائعًا في عصر النهضة.

العقل: موضوعه الفلسفة، والفلسفة تتناول ثلاثة موضوعات: الطبيعة والإنسان والله. فهناك الفلسفة الطبيعية التي تنقسم إلى ما بعد الطبيعة أو علم العلل الصورية والغائية، وإلى الطبيعة أو علم العلل الفاعلية والمادية وهي تنقسم إلى الميكانيكا والسحر.

وهناك الفلسفة الإنسانية أو الفلسفة الخاصة بالإنسان وتنقسم إلى ما يتناول النفس (علم العقل أو المنطق وعلم الإرادة أو الأخلاق)، وما يتناول العلاقات الاجتماعية والسياسية.

أما الفلسفة الإلهية أو اللاهوت الطبيعي يمهد له بعلم الفلسفة الأولى، أو علم المبادئ الأولية مثل أن الكميات المتساوية إذا أضيفت إلى كميات غير متساوية نتجت كميات غير متساوية، وأن الحدين المتفقين مع حد ثالث منهما متفقتان، وأن كل شيء يتغير ولكن لا شيء يفنى وما إلى ذلك، وهذا العلم هو الجذع المشترك بين علوم العقل.

لكن ترى إلى أي حد يمكن قبول تصنيف بيكون هذا للعلوم،؟ من الواضح أن هذا التصنيف ينطوي على نقاط ضعف عديدة:

1- أنه تصنيف ذاتي يعتمد على قوانا المدركة.

2- يظن بيكون أن الواحدة من قوى المعرفة تكفي لقيام علم واحد، وهذا خطأ ذلك أن العلم الواحد تتضافر في إقامته القوى جميعًا مع وجود تفاوت بين العلوم.

3- أنه يضع القوى الإدراكية في مرتبة واحدة في حين أن العقل أرقى من القوى الإدراكية الأخرى.... إلخ.

وقد انكر عليه النقاد محاولته الميتافيزيقية فى معرفة الخواص الذاتية للأشياء بعد تحديد صور كيفياتها، ومنهم من انكلر عليه اغفاله للفروض التى هى ألزم ماتكون للمنهج العلمى .

راجع كتاب " اتجاهات فى الفلسفة الحديثة " لكاتب هذه السطور

 

ا.د. ابراهيم طلبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا

لنظرية المكان والزمان لدى الفيلسوف الالماني عمانوئيل كانت تاريخ يعود الى ما قبل شروعه بكتابة (نقد العقل المحض) عام 1770 . ففي البداية تبنى نظرية لايبتنز، ثم بعدها نظرية نيوتن خلال منتصف الستينات من القرن الثامن عشر. فنيوتن صوّر لنا المكان والزمان بانهما مطلقان وموضوعيان بغض النظر عن الاشياء التي يؤطرانها، وبالتالي فهما مقومان لها، وهي النظرية التي مال اليها اغلب الفيزيائيين قبل القرن العشرين لهيمنة الرؤية النيوتنية. في حين انهما لدى لايبتنز يمثلان علاقات بين الاشياء، فوجودهما لازم ولاحق عن وجودها، وبدونها ينتفيان، وهو موضع الخلاف مع النظرية الاولى. لكن (كانت) انتهى في الاخير الى نظرية ثالثة مختلفة، فهما لديه يشكلان حدسين سابقين على وجود الاشياء.

لقد برزت نظرية (كانت) الجديدة قبل كتابة (نقد العقل المحض) اواخر الستينات من القرن الثامن عشر، كما يظهر من رسالة له عام 1770، وهو ذات الامر الذي سيتكرر في (النقد) من دون اختلاف جذري . فقد ردّ على النظرية الاولى القائلة بان المكان والزمان مطلقان مستقلان ومقومان للاشياء المتحققة، معتبراً انهما بهذه الفكرة ليسا بشيء، وانهما لا يوجدان الا ليضما في ذاتهما كل ما هو متحقق؛ بوصفهما قائمين بذاتهما وسرمديين غير متناهيين. كما ردّ على النظرية الثانية القائلة بانهما ملازمان للاشياء، معتبراً انه بحسب هذه الفكرة يجب على النظرية ان تنكر على التعاليم الرياضية القبلية المتعلقة بالاشياء المتحققة مصداقيتها، او على الاقل يقينها الضروري، لأن مثل هذا اليقين لا يمكن ان يكون بعدياً. لذلك رأى انهما قبليان وسابقان على وجودها.

ومن حيث التفصيل، ميّز (كانت) بين المكان والزمان وفقاً للخارج والداخل، فأحدهما خارج الذات والاخر داخلها. فخاصية المكان خارجية خلافاً للزمان. ففارق المكان عن الزمان هو ان الاول خارج عنّا ولا يمكن ان يكون شيئاً فينا، فيما ان الزمان متعلق فينا ولا يمكن ان يحدس خارجياً. كذلك فان المكان ينفرد بالتعين بشكل دائم، في حين ان الزمان وكل ما هو في الحس الباطن يجري بلا توقف. فالزمان ليس سوى صورة لحدسنا الباطن.

ورغم ان (كانت) اعتبر الزمان ذا صفة ذاتية واضحة لدى الذات البشرية دون ان يكون شيئاً خارج ذاتنا، لكن هذا لا يقلل من موضوعيته، فهو يشير الى ان له علامة دالة على شيء خارجي واقعي هو جوهر الظاهرة، وكما يعرفه بأن له أحوالاً ثلاثة: الدوام والتتالي والمعية. فالزمان صورة دائمة للحدس الباطن. وهو يدوم ولا يتبدل لأنه لا يمكن ان نتصور التتالي والمعية فيه الا كتعينات للظواهر، فالمعية والتتالي هما العلامتان الوحيدتان في الزمان. وان الدائم الذي تتعين جميع علاقات الظواهر الزمنية بالنسبة اليه وحسب هو جوهر الظاهرة، اي واقعي الظواهر الذي يظل – على الدوام - أسّاً لكل تبدل.

ان لهذا الفيلسوف عبارات موهمة تبدي انطباعاً بان للمكان وجوداً واقعياً خارج الذات البشرية، فيما انها تتحدث من منطلق الحدس الذاتي للانسان. فاحياناً يوحي لنا بوجود مكان موضوعي خارج عنا... ومثل ذلك فيما يتعلق بواقعية المبادئ الرياضية وغيرها من المقولات القبلية، من قبيل قوله: ان ‹‹امكان التجربة هو ما يعطي جميع معارفنا القبلية واقعاً موضوعياً››. وحتى المكان والزمان رغم انهما قبليان لكنهما ‹‹سيكونان من دون مصداقية موضوعية ومن دون معنى او دلالة ان لم نُظهر تطبيقهما الضروري على موضوعات التجربة››. فمعرفتنا القبلية عن المكان ستكون وهماً ‹‹ان لم ننظر الى المكان كشرط للظواهر يشكل مادة التجربة الخارجية››. ومثل ذلك قوله: ‹‹يدلل مجرد الوعي بوجودي الخاص وعياً متعيناً امبيرياً على وجود الموضوعات في المكان خارجاً عني››. ان المكان ‹‹يشكل اساساً للظواهر الخارجية بالضرورة›› أو انه شرط لامكان الظواهر.

وبعيداً عن هذه العبارات الموهمة تحدّث (كانت) عن المكان بدقة باعتباره اساس الحدوس الخارجية، وبحسب تحديده انه ‹‹تصور ضروري قبلي يشكل اساساً لجميع الحدوس الخارجية››. ومن وجهة نظره انه لا يمكن الكلام عن المكان الا من وجهة نظر الانسان، فاذا خرجنا من الشرط الذاتي فلن يعني تصور المكان شيئاً. وعليه فللمكان صفة مزدوجة تظهره واقعياً وذاتياً في الوقت نفسه. وعلى حد تعبيره: ان ‹‹للمكان واقعية امبيرية بالنسبة الى كل تجربة ممكنة، ومع ذلك في الوقت عينه له مثالية ترسندالية››. والمكان هو صورة جميع ظواهر الحواس الخارجية، اي هو شرط ‹‹الحساسية الذاتي الذي به يكون حدس خارجي ممكن لنا››. وهو مفصول الصلة عن الشيء في ذاته. فهو لا يمثل خاصية للاشياء في ذاتها ولا في العلاقات فيما بينها.

ان ما يثير الاهتمام هو ان هذا الفيلسوف يبدي بان هناك عالماً خارجياً هو غير الواقع الموضوعي المتعارف عليه، فهو واقع نسبي يخص الحس والحدس الخارجي، فهو الارض الذي يقف عليه المكان والزمان، حيث يعتبرهما موجودان في الحواس فقط، اما خارجها فلا حقيقة لهما قط. فمثالية المكان والزمان تختلف عن خداع الحواس، حيث لهما واقع موضوعي هو الواقع الامبيري المربوط بالحس وليس الواقع المطلق. وتختلف هذه المثالية للمكان لديه عن مثالية الالوان والطعوم وسائر الكيفيات الثانوية. فهذه الاخيرة لا تعتبر خصائصاً للاشياء، بل تمثل تغيرات في ذاتنا. في حين يعتبر المكان مزيجاً من الواقعية والمثالية، فواقعيته امبيرية لكل تجربة ممكنة فحسب، وليس للشيء في ذاته، ومثاليته ترسندالية، اي قبلية محضة. وعلى هذه الشاكلة فيما يخص الظواهر، اي انه يعتقد بان للظواهر صفة موضوعية خلافاً للكيفيات الثانوية.

ان المكان والزمان وكذلك الظواهر كلها ليست باشياء ولا توجد خارج ادراكاتنا الحسية. فالمكان والزمان ليسا تعينات للاشياء في ذاتها، بل لحساسيتنا، كذلك فان الظواهر التي فيهما هي مجرد تصورات لا اشياء في ذاتها.

***

لكن نتساءل اذا كان للمكان دلالة على الحدس الخارجي، فلماذا لا يكون موجوداً خارجاً فعلاً؟ لماذا لا يكون وعاءاً للظواهر كتعبير عن وجودها الخارجي ايضاً، وان كان من المحال الكشف عن حقيقتها كما هي لاعتبارات الانطباع الذاتي للذهن البشري؟ ما الذي يمنع فيلسوف بروسيا من ان يقر بوجود هذه القضايا مع الاعتراف بقبليتها؟ لماذا هذا التحوير للفلسفة العقلية؟ ما الذي سيخسره هذا الفيلسوف لو انه تماشى مع الفطرة السليمة والغريزة البشرية ضمن حدسها المدهش، وذلك بالاعتراف بوجودها خارج الذات؟.. فما المانع يا ترى؟

لقد عرض هذا الفيلسوف مبررين منفصلين في نفي ان يكون للمكان والزمان واقع موضوعي مطلق كشيء في ذاته، احدهما يتعلق بالجدل الترسندالي الميتافيزيقي حول ما اذا كانت حقيقتهما تنطوي على سلسلة نهائية او لا نهائية. فطبيعة العقل البشري تثير هذا الجدل غير المنتهي، بدلالة ان التاريخ الفلسفي يشهد الجدل المشار اليه على الدوام من دون الوصول الى حقيقة يجمع عليها الفلاسفة، لذلك صادر هذه القضية واعتبرها سالبة بانتفاء الموضوع. ومن ذلك انه اجاب على مشكلة الانقسام اللامتناهي للخطوط وما اليها ضمن المكان من خلال انكاره ‹‹على المكان وفي الوقت نفسه على كل الرياضة المصداقية الموضوعية››، اذ لا يمكننا ان نعرف لماذا والى اي مدى يمكن ان نطبقها على الظواهر.

هذا هو التبرير الاول، وسنخصص دراسة مستقلة تتضمن مناقشته لارتباطه بالمحور المركزي في فلسفة (كانت) حول القضايا الميتافيزيقية.

أما التبرير الثاني فمختص بعلاقة الحدس الرياضي بالمكان والزمان. فقد اعتبر هذا الفيلسوف ان القضايا الرياضية هي قبليات تتصف باليقين والتركيب، وهي تتضمن عدداً كبيراً من القضايا الحدسية المؤطرة بالمكان والزمان. لذا فقد تساءل: لو كان المكان والزمان موضوعين خارجيين؛ كيف يمكن ان يصادف الحدس الرياضي بقضاياه الكثيرة تطابقاً مع ما موجود خارج ذواتنا البشرية؟ فمثلاً ان قضايا الهندسة معروفة بصفات التركيب واليقين والضرورة والكلية المطلقة، وانه بضرورتها وكليتها المطلقة لا يمكن ان يكون مصدرها التجربة الخارجية، او الحس والحدس الامبيري، كما لا يمكن ان تكون مجرد مفاهيم صرفة، باعتبار ان هذه الاخيرة غير قابلة لأن يُشتق منها نتيجة جديدة، فهي – في حد ذاتها – تحليلية محضة. وبالتالي لم يبق لدينا الا الحدس القبلي لهذه القضايا، اذ من المحال تصورها من دون ان تكون مؤطرة بالبعد المكاني. لكن لو كان للمكان واقع خارجي لكان يعني اننا نصادف تطابقاً ضرورياً بين ما نبنيه في اذهاننا للقضايا الهندسية على كثرتها وبين وجودها في الواقع الموضوعي. وذلك على خلاف الحال فيما لو افترضنا المكان داخلنا، فيكون حدسنا القبلي متعلقاً بقضايا الرياضة ضمن ذواتنا واحساساتنا الخاصة من دون ان نفترض لها وجوداً خارجياً مستقلاً.

فالمثلث الذي نتصوره في ذاتنا ونحدد نتائجه الفعلية ليس له صلة بمثلث موضوعي مفترض خارج هذه الذات، والا كيف يكون ما هو ضروري في شروطنا الذاتية لبناء مثلث مصادفاً بالضرورة لمثلث في ذاته؟

ان هذه المصادفة في التطابق بين العالمين الذهني والواقعي هي ما استشكلها هذا الفيلسوف، مما اضطره الى الغائها بالغاء الموضوع الخارجي، اي ليس هناك مكان خارجي، او كشيء في ذاته، ومن باب اولى ليس هناك قضايا رياضية خارج الذات البشرية واحساساتها، باعتبارها مؤطرة بالمكان كما في الهندسة، او بالزمان كما في الحساب الرياضي. وبالتالي فجميع هذه الحدوس هي ذاتية صرفة من دون ان يكون لها مصداقية موضوعية خارج الحقل البشري.

ويمكن تحليل الدليل الكانتي المذكور الى عدد من القضايا التالية:

1ـ ان القضايا الرياضية هي حدوس تركيبية يقينة وضرورية، سواء على مستوى الهندسة او الحساب الرياضي.

2ـ ان الاصل في الهندسة هو الحدس المكاني، فلولاه ما كان للهندسة ان تكون. وان الاصل في الحساب هو الزمان، ولولاه ما كان للحساب ان يكون.

3ـ ان الحديث عن اي مطابقة بين الحدس الرياضي والموضوع الخارجي يعتبر غير مقبول، حيث لا يوجد ما يبرر هذه المصادفة طالما انهما من عالمين مختلفين.

4ـ وبالتالي ان ما يقابل الحدس الرياضي له خصائص حسية بشرية من دون مصاديق خارجية صرفة، وهو ما يفترض ان يكون المكان والزمان ذاتيين حسيين من دون موضوع خارجي.

***

ويمكن تسليط الضوء على النقاط السابقة من خلال النقود التالية:

أولاً: يلاحظ ان القضايا الرياضية وان كانت قبلية تتصف باليقين والضرورة بالفعل؛ لكنها ليست تركيبية كلها، فالحساب الرياضي لا يمكن اعتباره من القضايا التركيبية. ولسنا نقصد بالاخيرة ما يساوي القضايا الاخبارية (البعدية) كما هو الشائع عنها لدى الفلاسفة، فربّ قضية تركيبية هي غير اخبارية، كما هو حال القضايا الهندسية الصرفة، رغم ان كل قضية اخبارية قبلية او بعدية هي تركيبية بالضرورة، فالعلاقة بينهما هي علاقة عموم بخصوص. فالقضايا التركيبية هي أعم واكبر من القضايا الاخبارية، فقد تكون القضايا التركيبية من القبليات الضرورية – سواء كانت اخبارية او غير اخبارية -، كما قد تكون من البعديات؛ وكلها اخبارية .

لقد شعر (كانت) بان القضايا الرياضية تبدو كأنها تحليلية لقيامها على مبدأ عدم التناقض، لكنه مع ذلك اعتبرها تركيبية، واعترض على الفلاسفة الذين حسبوا القضايا التي مسندها المبدأ المشار اليه تتصف بالتحليل. واستدل على تركيبية الحساب الرياضي بالاستناد الى الحدس الحسي لا غير.

فمثلاً ان القضية الحسابية (7+5=12) هي بنظر (كانت) تحتوي على نتيجة جديدة وليست تحصيل حاصل، فمفهوم (12) ليس مجرد نتاج تصورنا لجمع السبعة مع الخمسة. فتحليل مفهومنا للعددين مع مفهوم الجمع لا ينتج لنا العدد (12)، بل لا بد من الجمع الحسي لينبثق هذا العدد. بدليل انه لو كان العددان كبيرين لما استطعنا ان نعثر على حاصل الجمع بمجرد تحليل تلك المفاهيم من دون الاستعانة بالحدس المشار اليه. مع ذلك فان (كانت) لا يعتبر هذه القضية امبيرية، وانما هي قبلية لكونها ‹‹مصحوبة بضرورة لا يمكن ان نستمدها من التجربة››، فلولا هذه الضرورة لكانت امبيرية كسائر القضايا الحسية .

وهنا يركز (كانت) على الحيثية الواقعية للجدة، وهو صحيح كما يرى. لكن الحال يختلف من حيث المنطق، فالحس هو شرط منبه على المعرفة الرياضية وليس منتجاً لها، وحال هذه القضية كحال علاقة المبادئ العقلية الاولى بالاستقراء الحسي كما جاء لدى التصور الارسطي، اذ اعتبرها منكشفة بالاستقراء كشرط منبه لا منتج. فبحسب ارسطو ان هذه المبادئ هي اقدم واعرف من جميع المعارف بما فيها الحسية أو القريبة عن الحس ، وانه لا يمكن البرهنة عليها اطلاقاً، ومع هذا فهو يعتبر إكتشافها يأتي عن طريق ممارستها من خلال الإستقراء الناقص، فيكون الاستقراء الحسي منبهاً عليها . ويمكن اعتبار المعارف الرياضية جارية على هذه الشاكلة، اذ لا تعاني مشكلة ما تصادفه القضايا الاستقرائية من تعميم، او انها لا تخضع لهذه الاشكالية التي تعترض القضايا الحسية والتجريبية، الامر الذي يؤكد طابعها العقلي الصرف.

وبعبارة اخرى، ان الاصل في الجمع الرياضي يخضع لما ينبه عليه الحس عبر لحاظ عدد من القضايا الخارجية المحدودة الكفيلة بتبيان طبيعته العقلية الصرفة، خلافاً للقضايا الاستقرائية والحسية، اذ تحتاج الى ملاحظات عديدة ونواجه فيها مشاكل منطقية تتعلق بالاثبات والتنبؤ والتعميم، وهو ما لا ينطبق على الحساب الرياضي. وبذلك يثبت ان حواصل الجمع ليست جديدة من الناحية المنطقية رغم جدتها من حيث الواقع.

فالطفل - مثلاً - يحصل على نتيجة جديدة عند إدراكه للخمسة من خلال حاصل جمع الاثنين مع الثلاثة. في حين من الناحية المنطقية فإن هذا الجمع لا يترتب عليه أي اثر جديد سوى اختلاف التعبير. وكذا حين نجمع عدداً كبيراً مع آخر مثله سنحصل على نتيجة نعتبرها جديدة بحسب إدراكنا الخاص، رغم أنها منطقياً ليست جديدة. وبالتالي فجدة النتيجة اوعدمها إذا أخذت بحسب المعنى المنطقي فستكون ثابتة لا تتغير، ولو أخذت بحسب المعنى الواقعي، فإنها تكون نسبية متغيرة. فما هو جديد لإدراكي الآن؛ لا يكون كذلك فيما بعد، كما قد لا يكون جديداً لإدراك زيد من الناس مثلاً .

وعلى العموم ان الحيثية الواقعية للجدة تكون سابقة - زماناً - على الحيثية المنطقية عند الانسان. فأول ما تنشأ معارف الانسان جملة من خلال العادة عند الطفولة. فالعادة لدى الطفل هي أساس معارفه لا المنطق، وهو لا يميز من الناحية الذهنية بين ما تفعله المبادئ العقلية – كالرياضية - وغيرها من المعارف، فكلها تأتي وفق الإنطباعات، وكل معرفة تتزود بالإنطباع الأقوى تكون أكثر وضوحاً وتأثيراً عليه من الناحية الاعتقادية. ويظل هذا الحال حتى يصل إلى مرحلة التمييز المنطقي للقضايا، فيبدأ تمايز المبادئ العقلية عندها بالوضوح والضرورة، وهي المرحلة التي يحددها بياجيه وقت المراهقة أو ما يقارب سن الثالثة عشر، حيث تتشكل المعارف بشكل مستقل عن الإنطباعات النفسية.

ثانياً: للرياضيات المجردة طابع منطقي متعال عن المكان والزمان. فالهندسة الرياضية وان كان لا يمكن تصورها من غير مفاهيم الابعاد المكانية؛ لكنها تظل متوقفة على الافتراضات الهندسية دون تعيناتها الموضوعية. فهي غير معنية بما عليه شكل الواقع الموضوعي للمكان، لذلك فانها تتقبل صوراً مختلفة بحسب الافتراضات العقلية المجردة.

وهنا يظهر خطأ (كانت) عندما ربط هذه الهندسة بنوع خاص من المكان هو المكان الاقليدي، ومن ثم كان مضطراً لاعتبار الاخير قبلياً خلافاً للاعتبارات المنطقية وربما الفيزيائية ايضاً..

كما تظهر سذاجة التحليل الكانتي عندما اسند الاصل في الرياضيات الكمية الحسابية الى الزمان. فالكم هو تكرار محض، وكل تكرار يفترض الزمان سلفاً، حيث التتالي بين الآنات. وقد خلط (كانت) بين الرياضيات المجردة والتطبيقية القائمة على الحس والواقع، ومن حيث الرياضيات المجردة فانه لا علاقة لها بالزمان، كما ان الزمان وان كان من القبليات بالفعل، الا انه عارض على الاشياء، وفي الاصل انه عارض على الوجود العام، وهو من القبليات الحدسية وفق تقسيمنا . وكل شيء نفترضه ثابتاً او متغيراً فان الزمان يعرض عليه، اذ ليس له حقيقة مستقلة في ذاته، خلافاً لتصورنا للمكان، فحدسيته تبدي استقلاله في ذاته. وبالتالي فهناك تفكيك بين هذين البعدين. ورغم انني اتجاوز - هنا - وجهة النظر الفيزيائية الحديثة التي تتعامل مع الزمان كشيء في ذاته متصل بالمكان، لكن لا بد من لحاظ ان التحليل الفيزيائي هو تحليل قائم على النظرية بحسب الاعتبارات التي تقبّلها الفيزيائيون، وهي تحتاج الى شيء من التقويم المنطقي عند النظر اليها فلسفياً، مما يخرج عن مجال بحثنا الحالي .

ثالثاً: رغم ان الذات البشرية مختلفة عن عالم الواقع الموضوعي الخارجي، فانه من حيث المبدأ لا مانع من وجود شيء من التطابق بين الرؤية الذهنية وهذا الواقع، ومن ذلك علاقة الحدس الرياضي به. فوضع التطابق بين العالمين لا يحتم وجود مصادفة غريبة كما يدعي (كانت)، بل على العكس انه يفترض شيئاً من الاعجاز الادراكي المبرر، فهو كالاعجاز المتعلق بتكيف الكائنات الحية مع البيئة، او بغرابة غرائزها الفطرية المستقلة عن الاكتساب البيئي. فنحن نرى الاشياء بما يتمم غرض التكيف مع طبيعة الواقع الموضوعي، وكل فرد منا يستخدم حدسه في رؤية هذه الاشياء كموجودات خارجية مستقلة عنّا .

صحيح انه من الناحية المنطقية والعقلية لا يمتنع ان تكون الظواهر والمكان الذي يؤطرها مجرد صور ذاتية تخلو من الواقع الموضوعي، لكن هذا الافتراض تستبعده غريزتنا البشرية، فهي تحتم علينا التعامل مع الاشياء باعتبارها مستقلة عنّا، حتى انها لم تترك مجالاً لعقول الناس في ان يبثوا فيها روح التردد والتشكيك، أو ان يعاملوها بمستوى ما يعاملون به سائر القضايا.

فهذه الحالة الطبيعية هي بمثابة الاصل الذي يجب مصادرته ما لم يعارضه دليل قاطع. فهي كالصورة التي نرى فيها انفسنا في المرآة، اذ لا يمكن انكار نسبتها الينا، ولولا ان الادلة العلمية تُظهر بانها صورة غير مطابقة لنا بالتمام والكمال؛ لكنّا افترضنا التطابق بتبرير مستمد من حدسنا. وكذا هو حال علاقة الذهن بالواقع الخارجي. فمع ان الادلة العلمية تبدي ان ما يظهر لنا من ظواهر موضوعية هي مصطبغة باللون الذاتي للادراك البشري، وهو ما يجعل العلاقة تخلو من التطابق، لكن ذلك لا يبرر سلب هذه الظواهر ومصادرة واقعيتها الموضوعية مطلقاً. فالصور الذهنية منفعلة بتأثير عاملين: واقع الظاهرة الموضوعية من جهة، وطبيعة الذات البشرية من جهة ثانية. بمعنى ان الحقيقة الواقعية للظواهر هي ثابتة مهما اختلف تصورنا عنها.

***

ان اغرب ما في فلسفة (كانت) هي انها تتخلى عن بداهة الحدوس الخارجية والقضايا الواضحة الوجدانية فيما تفترض اشياءاً ليست واضحة ودون ادنى دليل، مثل افتراض الارادة الحرة للشيء في ذاته. فلا ادري ايهما اقرب للحدس والقبول العقلي: حرية الشيء في ذاته ام واقعية الظواهر الحسية والعلاقات الموضوعية للسببية ومثل ذلك الامتداد المكاني؟!

لقد امتازت هذه الفلسفة بالتكلف والتصنع، فهي ليست متسقة مثل فلسفة باركلي المثالية، كما انها ليست متسقة مثل الفلسفات الواقعية المتنوعة. وبالتالي فهي تحتاج الى تقويم وتعديل ينقذها من هذا الانحراف عبر المصادرة الذهبية التالية:

يجب التمسك بكل ما يبدو بديهياً ووجدانياً ما لم نجد دليلاً قاطعاً على خلافه. فالشيء الذي نحدسه خارجاً يبرر لنا التصديق به وإن خلا من الدليل والبرهان.

 

يحيى محمد

مفكر وباحث

 

zouhair khouildi"أن نتفلسف هو أن نكون في الطريق، الأسئلة في الفلسفة هي أكثر جوهرية من الأجوبة"1

كارل يسبرس فيلسوف مظلوم بحق فهو لا يذكر في تاريخ الفلسفة إلا ضمن إطار الوجودية المؤمنة مع غابريال مرسيل وسيرين كيركارد وكذلك انتمائه إلى حقبة تاريخية تضم مارتن هيدجر وماكس فيبر.

بيد أن أهم من ذلك هو مراسلاته مع محبة الحكمة حنة أرندت وإشرافه على أطروحتها حول "الحب عند القديس أوغسطين" وإيثاره الصمت الفلسفي وعدم التعاون الفكري مع السياسة النازية الصاعدة في ألمانيا.

لعل المشهور من كتبه هو "مدخل إلى الفلسفة" و"عن الحقيقة" و"الإيمان الفلسفي" و"كبار الفلاسفة" و"خطب ومقالات فلسفية" ولكن ما يلفت النظر من تأليفاته ويدعو إلى التمعن والدراسة المستفيضة هو كتاب "فلسفة الوجود" الذي منعه النازيون وترجم فيما بعد إلى الفرنسية بالذنب الألماني ويمكن إثره ذكر كتاب "فلسفة" بأجزائه الثلاث:"الموقف الروحي من العصر" و"العقل والوجود" و"التوجه نحو العالم".

 فلسفة الوجود التي شيدها كارل يسبرس ليست مجرد مسيرة للوعي الفردي في الحضارة الغربية وإنما هي بالإضافة إلى ذلك نداء إلى كل أشكال الوعي البشري لكي تشارك في اليقظة الكونية بلغة مشتركة2.

غير أن فيلسوف الوضعيات القصوى3 فضل السير على درب التفلسف واشتغل بفن السؤال على اختيار النسق وبناء المذهب وتقديم الأجوبة وحجته على ذلك أن الأمر الأهم في الفلسفة هو الأسئلة لأن كل سؤال يفترض جوابا وكل جواب يتحول إلى سؤال جديد وبهذا المعنى احتفل بالأشياء التي تعترض في طريقه.

لقد بحث كارل يسبرس عن الفلسفة الخالدة وسماها الفلسفة بالمعنى الصحيح ولم يجد تعريفا آخر لها غير فعل التفلسف ولكنه وضع عدة شروط أساسية لكي يستكمل هذا الفعل أصالته ويتكامل مع شمولية الكائن ويسطع معناه وتتحقق غايته ويبلغ مقاصده وهي على النحو الآتي:

-رؤية الواقع البشري في منبعه الأصلي من الوجود واستيعاب الروح التاريخية الفعالة.

-ادارك الواقع في المواقف الفكرية للبشر والأفعال الجوهرية التي يقوم بها تجاه أنفسهم.

-الانفتاح على الكوني بكل صفاته ونطاقه ودون الوقوع في الأبدية والشمول والكليانية.

- المبادرة على التواصل الحقيقي مع الناس عن طريق الحوار المقنع والصراع الفكري.

- مواجهة أشكال الإخفاق والفشل والعجز بتدعيم اليقظة العقلية والنهوض والتذكر والتعلم.

- التركيز على بؤر التي تنبجس منها الحقائق والمشاركة الحرة من طرف الإنسان للواقع.

 لكن "ما هذه الفلسفة التي ولو كانت كونية فإنها تتجلى في صور ولو كانت غريبة؟"4

خلاصة ما يمكن قوله حول قيمة النظرة العالمية ليسبرس حول تاريخ الفلسفة هي مطالبته بأن يكون هذا التاريخ فلسفة قائمة الذات وتدرك الحقيقة بوصفها الكوني الأبدي وتستوعب الماضي وتحس بالواقع بوصفه نقطة مرجعية للفعل وتستجيب للوجود الحاضر وتحدد العالمية في الامتداد في الزمان والمكان والمرآوية وتعدد الظواهر وتتعامل معها باعتبارها طريق ملكي نحو الكونية وتشترط الرؤية العيانية.

كما يصور يسبرس عملية التدرج في المسار التاريخي من الجزئي والخاص الى الجوهري والأساسي بالقيام بعمل مضني قصد تحصيل المعارف والاقتراب من العقل الكلي وبلوغ الحاضر الأبدي للتاريخ وينقسم هذا العمل الشاق الى خطوات ثلاث وهي كالآتي:

- المعرفة التجريبية بالوقائع والقضايا والأبنية والسياقات والتأثيرات.

- تمييز الأشكال والصور وابراز الشخصي والنسقي في المجموعات.

- الاستيعاب والفهم بالجدال والتحاور والتواصل الشخصي والمعايشة 5.

أليس المطلوب هو إعادة الاعتبار للفيلسوف الكبير كارل يسبرس؟ ألم يصرح بأن "هناك معارف دقيقة تتخطى الزمان. ولكن هل هذه المعارف هي كل شيء؟ وهل تنحصر الحقيقة في ادراك العلاقات الدقيقة أم بجانب المعرفة الموضوعية المضبوطة ومن فوقها معرفة أخرى ممكنة تضيء كل أحوال الكوني وجهاته، معرفة لا تتوقف ولا تنغلق على نفسها، بل تتيح للحرية أن تنكشف وتتكشف لذاتها؟"6

 

د زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

...................................

الهوامش والإحالات:

[1] Jaspers (Karl), introduction à la philosophie, initiation à la méthode philosophique, traduction Jeanne Hersch, édition Plon, 10-18, Paris, 1966.

[2] Paul Ricœur et Mikel Dufrenne , Karl Jaspers et la philosophie de l’existence, édition du seuil, 1947, réédition 2000, collection la condition humaine, 1949.

[3] Ricœur (Paul), Gaberiel marcel et Karl Jaspers, philosophie du mystère et philosophie du paradoxe, édition du Seuil, Paris, 1948.

[4] Jaspers (Karl), introduction à la philosophie, initiation à la méthode philosophique, op.cit.p10.

[5] كارل يسبرس، تاريخ الفلسفة بنظرة عالمية، ترجمة د عبد الغفار مكاوي، دار التنوير، بيروت، طبعة أولى، 2007،ص62. (بتصرف).

[6] كارل يسبرس، تاريخ الفلسفة بنظرة عالمية، مصدر مكور، ص.57.

 

المصادر والمراجع:

كارل يسبرس، تاريخ الفلسفة بنظرة عالمية، ترجمة د عبد الغفار مكاوي، دار التنوير، بيروت، طبعة أولى، 2007. (بتصرف).

-Jaspers (Karl), introduction à la philosophie, initiation à la méthode philosophique, traduction Jeanne Hersch, édition Plon, 10-18, Paris, 1966.

-Paul Ricœur et Mikel Dufrenne , Karl Jaspers et la philosophie de l’existence, édition du seuil, 1947, réédition 2000, collection la condition humaine, 1949.

-Ricœur (Paul), Gaberiel marcel et Karl Jaspers, philosophie du mystère et philosophie du paradoxe, édition du Seuil, Paris, 1948.

 

 

fatehi alhabowbi«إن السلطة المدنيّة لا ينبغي لها أن تفرض عقائد الإيمان بواسطة القانون المرعي، سواء تعلّق الأمر بالعقائد أو بأشكال عبادة الله ».

 

جون لوك: من كتاب رسالة التسامح

عاشت مختلف القوى والتيّارات الفاعلة في المشهد السياسيّ ونشطاء باقي مكوّنات المجتمع المدني في تونس ودول الربيع العربي، ردها من الزمن، على وقع تجاذبات أفضت إلى صراعات كانت تخبو حينا وتشتعل أحيانا، وأدّت إلى مزايدات دينيّة وسجالات حماسيّة، ساخنة وصاخبة حول مسالة التنصيص في الدستور الجديد من عدمه على إعتماد الشريعة الإسلاميّة كمصدر أساسيّ أو لعلّه وحيد للتشريع. ولئن كانت هذه السجالات المحتدمة عنوانا بارزا للمناخ الديمقراطي الذي أصبحت تتّسم به الحياة السياسيّة في تونس، فإنّ ما يلاحظ في شأنها أنّها مثّلت حالة انقسام حاد في المجتمع واستقطابا ثنائيّا ما بين حركة "النهضة وما يدور في فلكها من أحزاب وجمعيّات ذات بعد ديني تتبنّى رؤى تراوح بين الوسطيّة والتطرّف، وتنشغل بالماضي أكثر من اهتمامها بالحاضر أو المستقبل، وبين بقيّة الأحزاب وخاصة منها الأحزاب الوطنيّة التقدّمية والحداثيّة والتحديثيّة، ذات البعد اليساري وحتّى الوسطي والليبرالي، التي ترنو إلى المستقبل أكثر ممّا تلتفت إلى الماضي السحيق، بغثّه وسمينه، وانتصاراته وانكساراته، ونجاحاته وإخفاقاته، وحقيقته وأساطيره.

اللّافت في هذا السياقّ أن دول الربيع الثوري العربي غدت فريسة يتصارع عليها الكواسر والجوارح ، والكلّ ينهش الوطن بما تيسّر له من "أنياب"، إن على مستوى الممارسة السياسيّة أو على مستوى الطروحات التي تستأثر بالإهتمام وتقترحها أطراف ذات خلفيّة دينيّة، مهوسة، غباءً أو انتهازيّةً، بالحلم بإمكانيّة" تأخير عقارب الساعة ، والعودة إلى"أمجاد الخلافة التي إستنفدت كل أغراضها وانتهت صلوحيتها وأصبحت من التاريخ الأليم، بعد فشل مدوّ في الحفاظ على وحدة الأمّة الإسلاميّة، بما جعلها فريسة سائغة للإستعمار.

من هذه الطروحات التي تنمّ عن لبس في المفاهيم أو إزدواجيّة في الخطاب أو مراهقة فكريّة وسياسيّة، طرح خيار الدولة المدنيّة بمرجعيّة دينيّة. وهو طرح لا يستقيم إصطلاحا باعتباره تشويها ومسخا للدولة المدنيّة بما هي مدنيّة تغاير نمط الدولة العسكريّة وتختلف جوهريّا مع الدولة الدينيّة التيوقراطيّة، بل وتتمايز عنها من حيث هي دولة القانون والمؤسّسات والممارسة الديمقراطيّة والمساواة والعدالة والحقوق والحريّات لكلّ مواطنيها دون تمييز ودون تسييس للدّين، للنأي به عن التدنيس، ودون تديين للسياسة، لضمان إبعادها عن التقديس.

فنظام الدولة -خلافا لما يعتقد هؤلاء- إمّا أن يكون مدنيّ بقيادة مدنيين، أوعسكريّ بقيادة العسكر أو دينيّ بقيادة رجال الدّين. ولا يمكن أن يجمع صفتين في ذات الوقت فيكون مدنيّا ودينيّا او مدنيّا وعسكريّا في آن معا. وهو ما تطالب به بعض الأطراف المحسوبة على الإسلاميين أو لعلّهم الإسلامويين، إن أردنا الالتزام بدقّة التعبير المناسب لتوصيفهم.

ولعلّنا نزيل بعضا من هذا اللّبس، بالرجوع إلى ما صاغه الوعي النقدي الغربي حول مفهوم الدولة كظاهرة اجتماعيّة تعود نشأتها الأولى إلى الحضارات القديمة. وذلك بآعتماد نظريّة الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز Thomas Hobbes بآعتباره من أهم المفكّرين السياسيين في التّاريخ الإنساني، لا سيما وهو المكرّس الحديث لتقليد العقد الاجتماعي المؤسّس لمدنيّة الدولة.إضافة إلى نظريّة جون لوك Locke John باعتباره من أشهر مؤسّسي الليبراليّة وآخرُ الفلاسفةِ المنظّرينَ للدولةِ المدنيَّةِ بمفهومها الأكثر إنتشارا -راهنا- إذا صرفنا النظر عن نظريّة المفكّر التنويري الفرنسي جون جاك روسو فيما يتعلّق بالعقد الاجتماعي. وقد أعتمد الفيلسوفان الأنجليزيان على فكرتين أساسيتين، هما الحالة الطبيعيّة والعقد الاجتماعي، لتوضيح آليات بلوغ الحكم المدني الديمقراطي المنشود.

فأمّا الفكرة الأّساسيّة الأولى، وهي الحالة الطبيعيّة، فهي عند هوبز لا تعدو أن تكون إلّا حالة يسودها الخوف بما تبثّ من رعب في قلوب الجميع، وما يميّزها من صراع الجميع ضد الجميع، لا بل ومن حالة حرب تستشري داخل المجتمع ما دام الإنسان عدوّاً لأخيه الإنسان، ولا يسعى إلّا لتحقيق مصلحته الخاصّة ومنفعته الشخصيّة. فيما هي عند جون لوك Jean-Jacques Rousseau ، حالة سلام للجميع ومساواة بين الجميع. وبالتالي فالنّاس جميعا لهم الحقّ في الملكيّة التي سعى لوك حثيثا إلى المحافظة عليها في سياق تشكيله للمجتمع المدني وفق ما جاء، إن في كتابه (بحث في الحكومة المدنيّة) أو في كتابه (رسالة في التسامح).

لقد ناضل جون لوك طويلا، لا فقط ضدّ التيوقراطيّة التي تزعم أنّ سلطة الملك إنّما هي سلطة مطلقة، وهي حقّ وتفويض إلهيّ ، بل وكذلك ضدّ الإنجليكانية التي تزعم أنّ سلطة الملك إنّما هي سلطة روحيّة بقدر ما هي زمنيّة/ سياسيّة/دنيويّة. وبموجب ذلك فمن حقّ الملك أن يفرض على الشعب معتقداً أو شكلاً عباديّاً دون غيره.

وهنا تقفز إلى الأذهان الصفة المزدوجة للسلطة الحاكمة-بصرف النظر عن طبيعتها الملكيّة أو الجمهوريّة- بآعتبارها سلطة دينيّة وسلطة سياسيّة في ذات الوقت. ممّا يؤدي بالضرورة إلى الحكم المطلق. ومعلوم أن السلطة المطلقة هي بتعبير "اللورد أكتون"، مفسدة مطلقة.

لتفادي هذه المفسدة المطلقة التي يفرزها الحكم الفردي الذي دعا إليه توماس هوبز من قبله، نشر جون لوك سنة 1690 أشهر مقالتين سياسيتين فى عصره في كتاب بعنوان "مقالتين عن الحكومة (Two Treatises on Government). وكان من ضمن الآراء التي وردت فيه، أنّ الوظيفة العليا للدولة إنّما هي حماية الثروة والحريّة. ونتيجة لذلك يصبح من واجب الشعب تغيير الحكومة القائمة أو تبديلها بأخرى، فيما إذا لم تحفظ حقوقه وحريّته. مما يعني أن جون لوك قد جعل القانون هو الذي يقرّ السلطة ، التي باتت مقيّدة بحكم الأغلبية ولم تعد مطلقة اليدين كما نظّر لها هوبز، ومن قبله أرسطو Aristote وأفلاطون Platonالرافض للنظام الديمقراطي . علاوة على أنّ رأس الدولة، عند لوك، هو غير معني بمعتقدات رعاياه -مواطنيه بالمفهوم الحديث- طالما لم تتعارض على مستوى الممارسة مع أيّ من أهداف ًالمجتمع السياسيّ.

وهذا الطرح الديمقراطي لجون لوك يناقض جوهريّا ما نادى به توماس هوبز الذي أسّس للحكومة المطلقة القائمة على حكم فرد، أو مجموعة أفراد تتوفّرعلى حقوق مطلقة، وتلتزم بها الرعيّة /المواطنون، وجوبا. وليس للمواطنين الحق في تغييرها، بالمقاومة، إلّا في صورة ما إذا أخفق الحاكم في توفير الأمن لهم. وهنا تبرز ضرورة توفّر قوّة السلطة في نظريّة هوبز التي يعتبرها المبرّر الوحيد لشرعيّة الحكم. ورغم نبل غاية توماس هوبز من ذلك، حيث كان يرمي إلى حماية الفرد، وتوفير الإطمئنان له و ضمان ملكيّته وحريّته، وحفظ أمنه وسلامته واستقرار النظام في ظلّ الدولة الرأسماليّة التي أسّس لها، وسط صراعات دينيّة وسياسيّة واقتصاديّة واضطرابات وتوتّر إجتماعي. إلاّ أنّ هذه الرؤية، رغم أنّ لها ما يبرّرها على أرض الواقع في حينه، فإنّها تنصهر، بداهة رغم ذلك، في منطق و تمشّ لا يختلفان كثيرا عمّا دعا إليه ونصح به الفيلسوف الإيطالي ما كيافلّليNicolas Machiavel ، في كتابه الصادم "الأمير"، خدمة للملوك والأمراء، حتّى يطيلوا في مدّة حكمهم.

أمّا رؤية جون لوك التي جاءت للحدّ من السلطة المطلقة للحاكم في اتّجاه منحها تدريجيّا للشعب أو المواطن/ الإنسان، فإنّها تتّفق مع ما سيدعو إليه الفيلسوف الألماني نيتشة Friedrich Nietzsche لاحقا في غير السياق السياسي بل في سياق فكري محض. وخلاصته أنّه "من أجل التسليم بسلطة الإنسان المطلقة فإنّه لابد من إزاحة الإله أو الحكم عليه بالموت. ويجدر فهم الإله هنا، على انّه كل سلطة أقوى من الإنسان، ومن ضمنها الحكومة وخاصّة تلك التي تتوفّرعلى نفوذ مطلق بمواصفات توماس هوبز، ولا تختلف كثيرا عن الحكومة الدينيّة. وهي الحكومة التي إكتوت شعوب كثيرة-أغلبها عربيّة- بنار حكمها الشمولي السلطوي والقمعي الفاشي الذي يعتمد على الدوام الهراوة الغليظة وسلاسل السجون بدل العصا و الجزرة، وذلك لعدائها التاريخي للديمقراطيّة بآعتبارها، نتاجا للحضارة الغربيّة. وانطلاقا من هذه الرؤية المزعومة، فإنّه لا يجوز إسقاط الديمقراطيّة كآليّة للحكم، على حضارتنا العربيّة الإسلاميّة، لتكون بديلا عن اعتماد الشورى والبيعة. وهو زعم خاطئ وواهم ويتموقع خارج مسارالتاريخ وصانعيه في كل زمان ومكان.

وأمّا الفكرة الاساسية الثانية وهي فكرة نظريّة العقد الاجتماعي، التي حلّت محلّ نظريّة الحقّ الإلهي في العصور الوسطى،.فقد تبلورت وأكتست شكلها الحديث عند مفكري القرن السابع عشر والثامن عشر، وخاصة عند الثلاثي توماس هوبز ثم جون لوك وأخيرا جون جاك روسو. وخلاصتها أن الدولة قد أوجدها الإنسان ولم تنشأ إلّا كحتميّة لإرادة الأفراد التعاقديّة. ويبقى الإختلاف فيما بينهم منحصرا فحسب، في ماهيّة العقد الإجتماعي.

فهو عند توماس هوبز يترجم، في جوهره، عن التعاقد بين الأفراد فيما بينهم وليس بين الأفراد والحاكم . بما يجعلهم يفوّضون أمرهم نهائيّاً إلى سلطة مطلقة هي سلطة الحاكم. وبموجب ذلك يتنازلون عن أيّ حقّ وأيّة حريّة قد تلحق ضرراً بالأمن العام. وهو ما يعني في نهاية التحليل، أنّ الحاكم غير مقيّد بأيّ التزام. وبفضل هذا العقد الإجتماعي ينتقل النّاس مباشرة من حياة الطبيعة التي هي حالة من الفوضى العارمة و العامة والحرب الشاملة التي يشنّها الكلّ ضدّ الكلّ، إلى الحياة المطمئنّة في مجتمع سياسي، يخضع لسلطة عليا ويتّسم بالسلم والأمن والإستقرار. ويخضع فيه الدّين وجوبا وبشكل تام إلى سلطان القانون وسلطة الحاكم وليس العكس.

اللّافت هنا أن نظريّة توماس هوبز قد اختصرت المجتمع في الحاكم وتجاهلت حقوق الأفراد وجعلت كامل السلطة بيد فرد واحد. وهو ما يتعارض مع فكر أرسطو الذي لا يؤمن بالحكم المطلق أيّاً كانت صفات الحاكم، ولا يثق به حتّى ولو كانت السلطة بيد حاكم فيلسوف كما يقول. حيث يرى أنّ القانون هو الضامن الوحيد لنظام الحكم الصالح.

أمّا مفهوم العقد الإجتماعي عند جون لوك، فهو إتفاق ثنائي، طرفاه الأفراد؛ وقد تعاقدوا مع بعضهم البعض، من ناحية، و الحاكم الذي اتفقوا على أختياره طوعا، من ناحية ثانية. بما يعني التزام الحاكم بقيود تعاقديّة، وهو ما يؤدّي بالنتيجة إلى تقييد سلطة الدولة حتّى لا تكون مطلقة. وذلك لضمان المحافظة على مصالح النّاس وحقوقهم وحرّياتهم؛ عبر تطبيق القانون، الذي يكون وثيق الصلة بالدولة وليس بالإيمان. ولذلك فقد أكّد لوك على وجوب الفصل بين السلطة الدينيّة والسلطة المدنيّة ، لحماية حقوق النّاس ممّن يسلّطون عليهم ظلما وقهرا باسم الدين.

لعلّي بهذه العجالة فيما يتعلّق بمفهوم الدولة عند جهابذة الفكر السياسي، من أفلاطون إلى جون لوك، مرورا بالفيلسوف أرسطو والمفكّرالإجتماعي توماس هوبز،قد رفعت بعض اللّبس القائم حول مدنيّة الدولة بمرجعيّة دينيّة من حيث هي صيغة هجينة، تتعارض مع الفكر السياسي والإجتماعي عموما، ولا سيما منه، الفكر السياسي المعاصر و الحديث.

 

المهندس فتحي الحبّوبي

 

nabe  odaتشكل الثورة العلمية التكنولوجية انقلابا اجتماعيا واقتصاديا في حياة المجتمع البشري.هذا الانقلاب لم يأخذ مكانته بشكل كامل في الأدبيات الاقتصادية – الاجتماعية لليسار عامة واليسار الماركسي (الشيوعي) خاصة وبالتحديد.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا بالغ الأهمية: هل يمكن التعامل مع النظام الرأسمالي بنفس العقلية التي سادت المجتمعات البشرية قبل الثورة العلمية التكنولوجية؟

هل تشكل الماركسية في عالم اليوم المتطور، أداة إيديولوجية يمكن ان نبرمج على أساسها نهجا سياسيا حزبيا بنفس المسار الذي ساد القرنين السابقين القرن التاسع عشر والقرن العشرين؟

تعالوا أولا نلقي نظرة توضح عمق التحولات العلمية التكنولوجية.

كان العامل سابقا، الصناعي أو الزراعي، يعمل كل حياته دون ان يتبدل شيئا من أدوات الإنتاج أو من العلوم والتكنولوجيا التي تتعلق بنوع عمله أو إنتاجه، إذا تبدل شيء ما فهو غير ملموس ولا ينعكس على العامل نفسه إلا بشكل سطحي وفردي. أي ان أدوات عمله لم تتغير، ظروفه المعيشية ظلت خاضعة لزمن طويل جدا لنفس الشروط الاقتصادية التي لم تتأثر بأي تطور يغير من مردود إنتاجية العمل.

منذ أواسط القرن العشرين نلاحظ ان التطور العلمي التكنولوجي بدأ بقفزات هائلة، أدوات الإنتاج تتبدل وتطورت سنويا أو ما دون ذلك احيانا.. العمل العضلي يخلي مكانه للعمل الفكري حتى في الصناعات الثقيلة. أدوات تنفيذ المهمات المهنية تتطور باستمرار. إنتاجية العمل تضاعفت بشكل لا يمكن مقارنتها مع المراحل السابقة. العامل المهني اليوم يجدد أدوات إنتاجه بسرعة تزيد عشرات المرات عن القرن التاسع عشر. مثلا، ما طور في القرن التاسع عشر كله يتطور في القرن العشرين كل سنة تقريبا.. وفي القرن الحالي (الواحد والعشرين) بسرعة أكبر.

الجانب الهام هنا، والحاسم كما اعتقد جازما، هو ان التطور العلمي والتكنولوجي احدث انقلابا بتركيبة وتفكير ووعي ومعلومات ومعارف كل الطبقات الاجتماعية بما فيها الطبقة العاملة. لم تعد الطبقة العاملة هي الطبقة التي صاغ ماركس نظرياته الاقتصادية والفلسفية بناء على فهمه لواقعها. بمعنى أكثر اتساعا، المجتمع البشري لم يعد نفسه المجتمع البشري الذي حلله ماركس واستنتج من واقعه الكثير من أحكامه النظرية.

التأهيل ومستوى المعرفة للعامل اختلفت. المهنية أصبحت مميزا هاما للعامل. المعرفة التكنولوجية أصبحت ضرورة لا قيمة للعامل بدونها. مستوى المعارف وطابع العمل وشروطه والعلاقة بين العامل وصاحب العمل بدأت تختلف بسرعة عاصفة. الموضوع لم يعد مجرد بيع قوة عمل، هذا التعريف البدائي سقط. العامل لم يعد مجرد قوة عضلية، بل عامل مهني يملك ثقافة تكنولوجية وعلمية لا إنتاج ولا إنتاجية بدون ان يأخذ دوره الإنتاجي وشروط عمل وامتيازات كانت حلما في السابق.

إذن لا تطور اقتصادي فادر على المنافسة الاقتصادية بدون الارتباط بالتطور العلمي التكنولوجي.

ونسال هنا: الم تنسف هذه التطورات ما تصر عليه الأحزاب الشيوعية من مفاهيم القرن التاسع عشر عن الصراع الطبقي ألتناحري؟!

لم يعد العامل هو ذلك العامل المعدم، الخاضع لاستبداد المشغلين. نحن أمام عامل من نوع آخر.. هنا لا بد من التنويه ان احتياجات العمال للعمل كان مقابلها احتياج صاحب المصنع (الرأسمالي) للعمال المهنيين .. أي بات نوع من التوازن بين الاحتياجات المختلفة.. لذا نجد ان الأجور بدأت تقفز.. الواقع المعيشي والاجتماعي للعمال بدا يتطور. الطبقة العاملة لم تعد مجرد بروليتاريا معدمة . أول من استعمل اصطلاح "البروليتاريا"، اقتصادي بريطاني واصفا فئة العمال المسحوقين وقد ميزهم عن العمال المهنيين، أي الفئة الطبقية الأرقى ماديا واجتماعيا. حسب بعض المصادر أصل التعبير من العصر الروماني حيث وصفت أفقر الفئات الاجتماعية المعفية من الضرائب ب "البروليتاريا". فهل يمكن استمرار استعمال هذا الاصطلاح للعمال المعاصرين اليوم؟

قصور الماركسيين يتضح بقوة متراكمة ومتضاعفة يوما بعد يوم، لم يفقهوا المعنى الفعلي لدور العلم والتكنولوجيا في تغيير مضامين المجتمع البشري التي حددت مفاهيمهم النظرية (الماركسية). في فترة ما رأوا ان التطور التكنولوجي سيولد أزمة بطالة حيث تحل الماكينة الحديثة مكان العامل. لم يروا ان الماكينة الحديثة تعني مضاعفة الثروة الوطنية وليس ثروة الرأسمالي فقط، وتعني رفع مستوى الحياة لدرجة وصول مجتمعات رأسمالية كثيرة إلى مستوى من الرفاهية الاجتماعية ومن الحريات الديمقراطية التي لم يكن لها انعكاس موازي في النظام الاشتراكي. إذن سقوط النظام الاشتراكي لم يكن صدفة، بل إفلاسا لكل أسلوب إنتاجه وتوزيع ثروته.

المعنى ان النظام الرأسمالي عزز سطوته الاقتصادية والاجتماعية بوصفه نظاما أكثر تأهيلا لإدارة المجتمع وتطويره.

لا أدافع عن النظام الرأسمالي إنما أسجل حقائق نعيشها. وأنا على ثقة ان أخطاء الأنظمة الاشتراكية وعدم تحررهم من ماركسية القرن التاسع عشر نحو ماركسية مناسبة لعصر التطور العلمي والتكنولوجي، وبناء نظام ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان ، قادهم إلى السقوط.

المستهجن ان المفكرين الماركسيين ذهبوا بعيدا عن فهم الواقع العلمي التكنولوجي برؤيتهم ان ذلك سيعمق الصراع الطبقي.. كان من المضحك التمسك بهذه الصيغة البلهاء في زمن لم يشهد أي صراع طبقي إطلاقا عدا النضالات الطبقية لتحسين شروط العمل والأجور، التي لا يمكن القول عنها انها صراع طبقي.. والهستدروت في بلادنا (تنظيم عمالي إسرائيلي)هي نموذج لمثل هذه النضالات الطبقية. المستهجن أكثر ان مفكر فيلسوف ماركسي سوفييتي هو هنريخ فولكوف   استنتج ان التطور العلمي التكنولوجي يضع الإنسان في خطر، معتمدا على عالم اجتماع لاهوتي من ألمانيا الغربية هو يوحيم بودامير الذي قال ان التهديد ليس من النظام الرأسمالي أو الحروب أو الاستغلال بل من التكنيك والصناعة المعاصرة "!!". لقاء مستهجن بين ماركسي سوفييتي وعالم اجتماع لا هوتي!! وطبعا يسجل قولا لماركس جاء فيه: "ليس العامل هو الذي يشتري وسائل وجوده ووسائل الإنتاج بل وسائل الوجود هي التي تشتري العامل لكي تضمه إلى وسائل الإنتاج"، هذه الجملة ربما كانت صالحة حتى أواخر القرن التاسع عشر، لكنها ما تزال تسيطر على ماركسيي الزمن العلمي والتكنولوجي بلا أي تغيير أو تفكير عقلاني. بل ويصر الماركسيون على رؤية ماركسية صالحة للقرن التاسع عشر بقول ماركس: "ما هو من صفة الحيوان يصبح من نصيب الإنسان ويحول ما هو أنساني إلى ما هو من صفات الحيوان" أي لم يتغير شيئا في اغترابهم عن عالم الثورة العلمية التكنولوجية.

أكثر من ذلك ظل ماركس يرى ان التطور العلمي التكنولوجي ، الذي كان بطيئا في عصره بحيث من الصعب احيانا ملاحظته إلا كل عقدين من السنين، يصر على معارضة العلم والتكنولوجيا بالإنسان ، ويصر بأن "أهميتها كاذبة" لأن رؤيته ان العمل ذاته أهم من الآلة. هذه الأفكار القديمة للأسف تبنى عليها سياسات حركة كان لها دورها العظيم.. من هنا رؤيتي اننا نعيش مرحلة اقتصادية جديدة لا يمكن وصفها بالنظام الرأسمالي التقليدي ، بل نظام "ما بعد الرأسمالية" وربما يجد احد الاقتصاديين تسمية مناسبة. ربما عليهم ان يعيدوا النظر بقدس أقداسهم .. بالتحرر مما لم يعد مناسبا لمرحلتنا التاريخية بكل ما تحمله من نهضة علمية، تكنولوجية، اقتصادية ، اجتماعية ، فكرية وثقافية، إلى اتجاه آخر لماركس لم يولوه أهمية كبيرة حيث يقول ماركس: "ان العصور الاقتصادية تختلف عن بعضها البعض ليس بما تنتج بل كيف تنتج وبآية أدوات عمل". كلام سليم يتناقض مع أقواله الأخرى . إذن الأداة لم تغير أسلوب الإنتاج فقط، بل غيرت الإنسان الذي يستعملها وغيرت مضمون النظام الذي أنتجها. وهذا ما يجب ان يؤخذ في تطوير النظريات الاقتصادية والاجتماعية، وصياغة الفكر السياسي المعاصر.

 

نبيل عودة

 

zouhair khouildi"نفهم من خلال هذه الشروط لماذا لا يختص نشاط التأويل فقط بملازمة المنهج كما وصفه هيدغر. فما يقتضيه ليس شيئا آخر سوى تجذير الفهم كما يمارسه كل من يفهم."

جورج هانز غادامير – مقدمة حول مبادئ الهرمينوطيقا

لقد جاء في تعريفات الجرجاني أن التفسير في الأصل يعني الكشف والإظهار وهو أن يكون في الكلام لبس وخفاء، فيؤتى بما يزله أو يفسره. وإذا كان الإيضاح يتم بإتيان كلام يبين المراد ويزيل الإبهام فإن التفسير أعم من ذلك ويكون بذكر المرادف المشهور. ويستعمل التفسير في الألفاظ ومفرداتها بينما يستعمل التأويل في المعاني بغية التوفيق بين ظاهر النص وباطنه أو صرف النظر عن المعنى الظاهر إلى محتمل.

إذا كان الهدف من التفسير هو التوضيح والشرح والإبانة والتعيين والتعليل والتحديد والتخصيص وذلك بأن يصير الشيء معقولا والمجهول معلوما ويصبح السر الخفي مكشوفا وذلك بتعيين المدلول بما يدل عليه بماهو أظهر منه فإن الغرض من التأويل هو فهم الدلالة والمطلب والمقتضى والتفاهم مع المقصود.

تُرسَمُ الهرمينيطيقا بأنها متعة الحقيقة من خلال لذة المعنى. ولقد عُرِفَت منذ نشأتها بفن التفسير أو علم التأويل، ولقد أجمع المؤرخون على أصولها الدينية ولكنها قامت بثورتها الداخلية واستقلت عن منابتها.

لقد أشارت الأديان التوحيدية الثلاث إلى وجود طبقات من المعنى للنص الديني وشرعت تعدد القراءات ولقد انطلق سبينوزا من المجاز والاستعارة والقصص والسرد والحكاية من أجل تشييد قراءة تاريخية نقدية للكتاب المقدس وأنتج بذلك شغلا هرمونيطيقيا افتتاحيا دون أن يدري. من المعلوم أن منهج تفسير الكتاب المقدس يحاكي منهج تفسير الطبيعة الذي يعتمد على ملاحظة الظواهر ويقوم بجمع المعطيات اليقينية وينتهي إلى تعريف الأشياء الطبيعية. بناء على ذلك يحرص سبينوزا على تفادي الوقوع في الخطأ ويضبط منهج تفسير الكتاب المقدس بمبادئ ومعطيات يقينية قصد توضيح محتواه وتحصيل معرفة تاريخية دقيقة ولذلك يحاول استخلاص قواعد المنهج من الكتاب نفسه ومن تاريخه النقدي ويعتمد على العقل والنور الطبيعي في تكوين فكرة عما يتجاوز حدود الفهم البشري وبهذا المعنى يرفض أن ينسب إلى الكتاب تعاليم إلا التعاليم الواضحة التي يثبت صحتها الفحص التاريخي ويضع في سبيل ذلك ثلاث شروط:

- يجب أن تفهم طبيعة اللغة وخصائصها التي دونت بها أسفار الكتاب المقدس والتي اعتاد مؤلفوها التحدث بها. وبذلك يمكننا فحص كل المعاني التي يمكن أن يفيدها النص حسب الاستعمال الشائع.

- يجب تجميع آيات كل سفر وتصنيفها تحت مواضيع أساسية عددها محدود، حتى نستطيع العثور بسهولة على جميع الآيات المتعلقة بنفس الموضوع، وبعد ذلك نجمع كل الآيات المتشابهة والمجملة، أو التي يعارض بعضها البعض.

- يجب أن يربط هذا الفحص التاريخي كتب الأنبياء بجميع الملابسات الخاصة التي حفظتها لنا الذاكرة، اعني سيرة مؤلف كل كتاب وأخلاقه والغاية التي كان يرمي إليها ومن هو وفي أي مناسبة كتب كتابه وفي أي وقت ولمن وبأي لغة كتبه...

بيد أن الهرمينوطيقا بالمعنى الحديث للكلمة بدأت مع عالم اللاهوت والفيلسوف الأماني شلايرماخر وذلك لكونه أول من اعتبر المعنى يأتي من وجهة نظر القارئ وليس من وجهة نظر النص في حد ذاته. في نهاية القرن 19 ميلادي قام ديلتاي باكرا بتأطير معظم الأعمال والأفكار والرؤى في الهرمينوطيقا المعاصرة وذلك حينما قام بالتمييز بين فعل"فسر" expliquer وفعل "فهم"comprendre. لقد أدت هذه الازدواجية المنهجية في طريقة اشتغال الفكر الهرمينوطيقي إلى فصل صارم بين علوم الطبيعة من جهة وعلوم الروح من جهة أخرى وهو ما سيتم تسميته عند المؤرخين بالعلوم الإنسانية في مرحلة لاحقة.

اللاّفت للنظر أن الألفاظ الفرنسية أكثر دلالة ووضوح من الألفاظ الألمانية (erklären , verstehen)، التفسيرex-plication يعبر عن وجهة نظر خارجية ويشتغل على الأسباب والدوافع، بينما يكشف الفهم compréhension عن وجهة نظر داخلية ويبحث في القيم والغايات التي تتحرك نحوها الأفعال البشرية. فإذا كانت الظاهرة الفيزيائية يحكمها قانون وتقبل للتفسير فإن الظاهرة الإنسانية تتميز بالوعي وتقتضي الفهم. لكن يمكن أن نتناول الفعل البشري والخطاب والعمل الفني بوصفها أشياء على الطريقة الوضعية.

لقد فجر هذا الفصل في ألمانيا صراعا بين المناهج في نهاية القرن 19 ميلادي وظن العلماء أن أسلوب التفسير وأسلوب الفهم هما طريقتان في العلم غير قابلتين للرد وفندت الوضعية وجود أنظمة كثيرة للحقيقة. على خلاف التفسير الذي يتحرك ضمن دائرة الوحدة، فإذا وجد تفسير أن للظاهرة الطبيعية أو الإنسانية فهما بالضرورة تفسيران متعارضان فإن التأويل لا يمكن البتة أن يقتصر على الوحدة بل يرنو إلى التعدد ولا يعكس النزاع بين التأويلات ضعف الفكر البشري بل يعبر عن خصوبة وثراء المعنى ولا نفاذيته.

لقد أتاح هذا المنعرج للفيلسوف الألماني هانز جورج غادامير الفرصة لكي يستعمل صفة الهرمينوطيقي للإشارة إلى نمط من التفكير ينتمي إلى دائرة علوم الصور والأشكال ويضع شروط إمكان وحدود التلاقي بين الناس فيما بينهم وملاقاتهم للعالم. ترنو الفلسفة الهرمينوطيقية إلى الكف عن شغل الفصل بين الإنسان والطبيعة والعزوف عن إحداث التفرقة بين الناس وتحرص على تأسيس التلاحم والتواصل والتفاهم بينهم.

لقد وضعت هذه الفلسفة كل ثقلها في الكلام واعتبرته قوة الوصل الذي فقده العلم وفائض المعنى الذي أضعفته الحقيقة الوضعية. كما منحت التجربة اللغوية حقيقة يمكن تقاسمها وليس استيعابها وإرسالها فقط. فكيف أثر المنهج الهرمينوطيقي على الدراسات التاريخية والأدبية والدينية في الحقبة المعاصرة؟

 

د زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

.....................

المصادر والمراجع:

سبينوزا (باروخ)، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة د حسن حنفي، دار التنوير، بيروت، طبعة 2005.

معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، تأليف د جلال الدين سعيد، دار الجنوب، صفاقس، الجمهورية التونسية، طبعة 2004،

- Schleirmacher, Herméneutique,1809-1810,Traduit par C. Berner, Paris/ Lille, le Cerf –PUL, 1987.

- Diltey Wilhelm, le monde de l’esprit tome I, édition Aubier, Paris 1947.

- Gadamer J-H, Vérité et Méthode. Les grandes lignes d’une herméneutique philosophique (1960), une nouvelle traduction par Pierre Fruchon, Jean Grondin et Gilbert Merlio, Edition du Seuil, Paris, 1996.

 

zouhair khouildi"ضمن أية شروط يجد الفيلسوف، في هذا الوضع، الاشارات لمشكلة جديدة، لفكر جديد؟ .. أي وضع هو ذاك الذي يكون، فعليا، وضعا فلسفيا، وضعا للفكر الفلسفي؟"1

الفلسفة هي الرواق الفكري الذي يحتضن التنوع والاختلاف والتعدد ويسهر على العيش المشترك بين الذوات المتجسدة في العالم ويحقق التفاهم بين العقول الباحثة ويبني جسور التواصل بين الكائنات البشرية.

بيد أن الفلسفة تواجه هذه الأيام تحديات كبيرة وتقترب من مصيرها المحتوم وتعد نفسها في حضارة إقرأ لمعركة حاسمة مع الآلة الجهنمية التي تصنع ظاهرة الإرهاب وتجعلها نمطا مترحلا عبر العالم بأسره. اذ يتعرض النوع البشري إلى خطر إرهابي دائم وتنامي نزعات اليأس والتشاؤم وتفاقمت الأزمة الروحية بعد فقدان الأمل وتكاثر موجات الانطواء على الذات من طرف الهويات والاثنيات وغطى العدم الحياة.

على هذا الأساس تبدو محاولات الفلاسفة والمفكرين والعلماء والباحثين والمثقفين ضرورية قصد إضاءة المناطق المظلمة من الحياة اليومية والتشهير بالفضيحة والعار والتدخل بغية معالجة الجروح والأسقام. من المعلوم أن مدنية الإسلام تجلت بصورة باكرة لما توجه مبلغ الرسالة من أم القرى إلى يثرب وأطلق عليها اسم المدينة وآخى بين سكانها من الأنصار والوافدين عليها من المهاجرين وكتب دستور للأمة يرسم علاقتها بغيرها وجعل من طلب العلم فريضة وكان يدعو بالحسنى والتراحم ويأمر بالعفو في كل فتح وينصح بالرفق والتعمير ويرفض العدوان والتخريب والثأر وانتصر إلى روح الحضارة على العادات.

من البديهي أن تمثل القراءة المتشددة غلوا في الشأن الديني وتشريعا للعنف والتدمير باسم العقيدة ومن المفروض أن تتباين القراءة المنفتحة معها وتعمل على مواجهتها بالحجة والحكمة والعقل والقوة اللازمة.

من المعلوم أن حضارة إقرأ ليست امبراطورية قامت على الغزو بالقوة وحد السيف وتميزت بالاستبداد الشرقي كما تذكر الأدبيات الغربية بل هي حضارة علم ومدنية وأفادت كثيرا في خروج الغرب نفسه من التوحش إلى التحضر وساهمت مع جهود ثقافات أخرى في تطور العلوم وتشييد جملة من القيم الكونية.

علاوة على أن الإرهاب يمثل خطرا داهما على الدول والمجتمعات والأديان وينشر الفوضى والفقر ويفقد الشعوب سيادتها ويبشر بنماذج حكم تتراوح تقل أو تفوق عن نموذج الدولة ويعولم الفتن ويشعل الحروب.

إذا كان الإرهاب صناعة العولمة المتوحشة وأداة تستعملها الدول المهيمنة للاعتداء على الثقافات وتدنيس المقدسات ونهب خيرات الدول الفقيرة فإن الخيار المتبقي لحضارة إقرأ هو التخلص من شروط الاغتراب والعمل على تشريح التخلف والتدميرية والاعتصام بفلسفة المقاومة التي تنشر الأنسنة الثقافية ومبدأ الأمل.

كتاب مدنية الإسلام في مواجهة عولمة الإرهاب يتنزل في هذا السياق المناهض للهمجية والعنف والتسلط ويعارض الارتداد نحو الماضوية المقيتة والانغلاق والتعصب ويتصدى لكل محاولات الإلحاق والاختراق والذوبان في الآخر الامبريالي ويفكر بجدية في طبيعة العلاقة بين الإسلام والغرب باحثا عن علاقة ندية بين العرب والعجم وبين البيان القرآني والمنطق الفلسفي ومحاولا تخطي الصراع نحو الاحترام المتبادل.

من شروط مقاومة الإرهاب هو التركيز على الأبعاد المدنية في الدين الإسلامي والكف عن الاستعمالات النفعية التي يستنجد بها دعاة السلطة والمنفعة في وضعيات تاريخية معلومة والقيام بنقد الأبعاد المشوهة والمظلمة التي كرست الجمود وغلبت المطلقات والأحكام والحدود على الأبعاد الدنيوية ومقتضيات الحياة.

الخطوة الثانية هي التخلص من الإيديولوجيا واليوتوبيا في ذات الوقت في قراءة النصوص والكف عن إحياء التقاليد والانغلاق على التراث والتوجه نحو الانفتاح على العالم دون الوقوع في فخ استيراد نماذج حداثية مسقطة ومشاريع تنموية فاشلة والعمل على بناء حداثة خاصة بالسردية العربية والقصص القرآني.

الخطوة الإستراتيجية الثالثة هي تخليص الديمقراطية العربية من أمراضها الهيكلية والبحث عن شروط الانعتاق من التبعية الثقافية وتحقيق الاستقلال الحضاري للأمة وذلك بالابتعاد عن سياسة التدمير الذاتي والصراع على الوجود والإيمان بسياسة حفظ الكيان والمشاركة في الارتقاء بالوجود الجماعي للبشرية.

ينقسم الكتاب إلى بابين، يتضمن كل باب قرابة ستة عشر فصلا، يدرس الباب الأول المعنون بمدنية الإسلام والانفتاح على العالم المسألة الحضارية ويهتم بالإسلام والعرب بين الوحي والتاريخ ويخوض في تفكيك صورته الخاطئة في الثقافة الغربية، أما الباب الثاني فقد جاء بعنوان الفلسفة والديمقراطية في مواجهة الإرهاب ويركز على عبثية العنف السياسي ويدعو إلى قيام سلم أهلي ضمن ثورة ثقافية تقوم بها الكتلة التاريخية التي تتكون من الحشود والمثقفين العضويين والتي تنشد إرجاع الحقوق إلى أصحابها وتمكين الشعوب من تقرير مصيرها بنفسها ويدعو إلى التسلح بقيم العدالة والمساواة والحرية والاعتراف.

من المنطقي أن تشهد أمة إقرأ الاستئناف الحضاري والبدء الفلسفي الثاني وأن يتخلى الغرب عن مركزيته الحضارية وتتعادل الأمم المتنافسة ويتكافئ منطق المعرفة مع منطق المصلحة وتنتصر ثقافة الحوار على لغة الصراع وينتقل مدار صناعة الكونية من الغرب إلى الشرق مجددا وترسل شمس الضاد أنوارها على العالم وحركة التأويل في تجربة تنويرية كبرى تخطى كل حدود الملة وتلامس الجواهر الروحية الأخرى.

في المجمل ليس المطلوب راهنا أن يغير العرب والمسلمون من نظرتهم إلى الكون فقط ويسهلون عملية الاندماج مع بقية شعوب العالم فحسب وإنما أيضا أن يبادر الغرب بتغيير صورتهم النمطية وإسقاط عديد الأحكام المسقطة. كما أن الفلسفة قادرة أن تفعل الكثير في مجال مكافحة الإرهاب والتصدي للتلاعب بالعقول والغزو الثقافي والاغتراب الحضاري شريطة أن تمتلك كل حقوقها وأن يؤمن الناس بقيمتها في تنوير الجمهور. فمتى نكف عن ترديد "أن القلب للشرق والعقل للغرب" ونرى عالم بلا هيمنة ومجتمع دون تفاوت واقتصاد من غير تمييز وتدين بلا نفاق وأخلاق دون شرط وسياسة خالية من العنف والكذب؟

 

د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

.........................

المصدر

(كتاب مَدَنِية الإسلام في مواجهة عولمة الإرهاب، تأليف د زهير الخويلدي- صادر عن دار أكتب – لندن- طبعة أولى- 2016- يحتوى على 406 من الصفحات).

 

المرجع:

1)   بيتر إنغلمان، آلان باديو و سلافوي جيجيك، الفلسفة في الحاضر، ترجمة يزن الحاج، دار التنوير، طبعة أولى، 2013، ص20

تقع القبليات في قبال البعديات. ويُعدّ عمانوئيل كانت أول فيلسوف ميّز بشكل واضح وصريح بين ما هو قبلي وما هو بعدي، في كتابه (نقد العقل المحض)1 ، وكما اشار الى ان هذا التمييز في المعرفة قد كان غامضاً جداً حتى لدى من وصفهم بالمفكرين المحترمين. فهو تمييز منهجي له علاقة بالمعرفة الترسندالية وما يمكن ان يُقبل منها وما لا يُقبل.

وتعتبر القبليات اساس وجود البعديات، وهي تنقسم الى حدسيات ومفاهيم محضة او مقولات. فالفكر البشري يتعامل مع الحدس الحسي المتمثل بالصور الفيزيقية مباشرة، لكن هذه الصور ما كان لها ان تتشكل من غير الحدس الحسي المحض المتمثل باطاري المكان والزمان، كذلك ما كان لها ان تتحدد بشكلها المعهود من دون قوانين تنظيمية تعود الى المقولات او المفاهيم العامة. فهذه المفاهيم هي ما تجعلها متماسكة الارتباط، لذلك هي قبلية غير مستمدة من الحس والتجربة، وبالتالي تعتبر ضرورية للمعرفة الموضوعية. فكل تجربة ادراكية ممكنة بحاجة اليها، وكل ظاهرة فيزيقية تخضع الى اطارها وتنظيمها. انها ذات القوانين الذهنية التي تتقوم بها الظواهر الفيزيقية، وهي غير القوانين الجزئية المتعلقة بالظواهر المتعينة امبيرياً، اذ لا يمكن ان تستمد بكاملها من المقولات على الرغم من انها تخضع لها جملة، لذلك لا بد من الاستعانة بالتجربة للتعرف عليها، كالذي يفيده (كانت).

هكذا فالحدس والفاهمة العقلية يلتقيان لدى الظاهرة الفيزيقية، وهي ما تشكل التجربة الادراكية الممكنة، فلولا القبليات الحدسية - كما في اطر المكان والزمان - لما تشكل الحدس الحسي، ولولا المفاهيم التنظيمية للمقولات العقلية القبلية لما كان بالامكان ادراك الظاهرة او اي تجربة ممكنة.

واذا كانت الظواهر منشؤها الحس او التجربة فان المعارف القبلية تتعالى عليها، فهي مفاهيم وحدوس تتولد لدينا بشكل مستقل عنها. بل انها تتضمن مبادئ امكان هذه التجربة بعامة، وبالتالي فهي ضرورية للمعرفة الموضوعية، ومن التناقض محاولة ردها الى القضايا الحسية والتجريبية.

ان التجربة هي أداة المعرفة للظواهر، فمن خلالها ان الشيء الوحيد الذي يمكن ان يعطى لنا في معرفة هو هذه الظواهر. وبالتالي فكل معرفتنا تبدأ مع التجربة.

ويقصد (كانت) بالتجربة ليس المعنى المتداول لدينا، بل هي ‹‹معرفة بالاشياء من خلال الادراكات››. فهي ليست ممكنة الا بتصور اقتران ضروري للادراكات. او انها تأليف مركب لهذه الادراكات في وعي واحد.

ان لموضوعات التجربة اهمية بالغة لدى (كانت). فهو يهب المقولات القبلية قيمة عندما تشتبك معها، والا كانت المفاهيم فارغة، فرغم اننا نفكر بواسطتها، لكن هذا التفكير لا ينتج شيئاً سوى اللهو بالتصورات من دونها. حتى المكان والزمان رغم قبليتهما فانهما يعتبران من دون معنى ومصداقية ان لم تظهر تطبيقاتهما الضرورية على هذه الموضوعات.

هكذا ان القوانين القبلية لدى (كانت) مشروطة بالموضوعات او التجربة الممكنة، وهي في ذات الوقت اساس لها. فالتجربة لا تتأسس من غير مقولات، ومن خلالها تتحقق ما تسمى الظواهر الفيزيقية. اذ تستند التجربة الى وحدة هذه الظواهر التي تؤلفها المفاهيم الذهنية، ومن دونها لن تكون هناك معرفة قط، بل مجرد شتات بلا روابط او تأليف. وفي القبال لولا امكان التجربة لاصبحت جميع معارفنا القبلية بلا واقع موضوعي ولا معنى لها. وبالتالي فامكان التجربة هو ما يعطي لجميع معارفنا القبلية واقعاً موضوعياً.

وبحسب (كانت) انه على الرغم من ان المبادئ القبلية لا تبدأ من معارف اعلى واعم، لكنها مع ذلك بحاجة الى دليل، وهو يرى انه لا يمكن لهذا الدليل ان يتوغل موضوعياً اكثر من معرفة الموضوع (الظاهري)، بل انه يشكل بالاحرى اساساً لهذه المعرفة. وبالتالي فانه لا يمنع من ان يكون بالامكان ان نستمد دليلاً من المصادر الذاتية التي تجعل معرفة موضوع بعامة ممكنة، بل جعل ذلك ضرورياً، اذ بدونه ستحوم على المبدأ شبهة ان يكون مجرد زعم باغت.

إذاً، فالاستدلال على القبليات لا يتعدى كون الظواهر الحسية تتوقف عليها، فتتشكل بذلك المعرفة الموضوعية من دون ان يكون هناك مجال للمعرفة خارج عن هذا الاطار الفيزيقي، فليس من معرفة ممكنة لنا الا معرفة موضوعات تجربة ممكنة وحسب، وما عدا ذلك ندخل في مرحلة العقل الترسندالي الجدلي الميتافيزيقي. بمعنى ان النشاط العقلي للمبادئ القبلية يمكن ان يتجاوز بطبيعته المجال الحسي، لكن مع ذلك تبقى المعرفة غير ممكنة علمياً من دون هذا المجال. ففقر استدلالاتنا العادية تتولد من خلالها مملكة واسعة من الامكان2 ، وهي لا تطابق كل ما هو متحقق سوى جزء صغير منها هو ذلك المتعلق بموضوعات التجربة.

وعموماً ان الحقانية المتعلقة بالقبليات لدى (كانت) هي غير الحقانية البديهية المتصفة بالاطلاق والتجريد. ورغم ان هذا الفيلسوف يعتبر المبادئ القبلية ضرورية وكلية، لكن اعتبارها مشروطة في مستوى الحس والتجربة يجعل منها غير بديهية ولا كلية مطلقة.

لقد تصدى (كانت) لنقد الاتجاه العقلي كما يتمثل لدى لايبتنز في تفسيره العقلي للقبليات. فهي لدى لايبتنز كفيلة بان تمكننا من معرفة ما وراء الحس او العالم المعقول، فالفكرة السائدة لدى العقليين هي ان هناك تطابقاً بين العالمين الذهني والواقعي، وان القوانين العلمية هي انعكاس لقوانين الوجود والواقع بفضل مبدأ السنخية الذي تمسك به الفلاسفة القدماء، وهو ما لم يتقبله (كانت) ونقد لايبتنز عليه، وهنا تتجلى ثورته في اعتبار العقل هو المحور الاساس الذي تدور حوله الاشياء وليس العكس، وهي الثورة التي شبهها بعمل كوبرنيك عندما عكس الحال المألوف من سكون الارض ومركزيتها الى حركتها حول الشمس.

***

يمكن تلخيص نظرية (كانت) فيما احتج به حول ضرورة القبليات بالنسبة للمعرفة الموضوعية قبل نقدها، وذلك حسب النقاط المجملة التالية:

1ـ تمتلك المعرفة الموضوعية للظواهر الطبيعية حاجة متبادلة ومشتركة بالنسبة الى القبليات والحسيات، فالقبليات ليس لها معنى ان لم تطبق على الحسيات، فيما لا يمكن للاخيرة ان تولد معرفة موضوعية من دونها. فهذا الربط بين الطرفين هو ما يشكل الاساس في نظرية (كانت) حول اهمية القبليات ودورها في تشكيل المعرفة الموضوعية، فعلى القبليات يتأسس فعل المعرفة الموضوعية للاشياء، وبدونها ليس هناك اي معرفة ولا امكان تجربة ممكنة. كما ان من غير الموضوعات الحسية تصبح القبليات بلا قيمة او معنى.

2ـ ان ارتباط القبليات لا يتجاوز معرفة الموضوعات الظاهرية او الحسية، وبالتالي فكل تعميم لها على موضوعات اخرى ميتافيزيقية سيكون مجرد زعم بلا دليل. فالحاجة الى القبليات مرهونة في الذهن بخصوص المعرفة الموضوعية، وغير ذلك فليس عليه دليل ولا هو ظاهر للذهن البشري.

3ـ تعتبر القبليات ذاتية المنشأ، فليست هي بديهية ولا تجريبية. فلقد توسط (كانت) بين العقليين والتجريبيين في موقفه من هذه القبليات ومبادئها، فهو يخالف العقليين الذين اعتبروها بديهية، كما يخالف التجريبيين الذين ردوها الى التجربة. في حين انه يرى هذه المعايير لا تتجاوز النواحي الذاتية دون الموضوعية.

ومن حيث النقد، يلاحظ ان نقطة الضعف لدى (كانت) تتمثل في التضييق الحسي المتأثر بالنزعة الهيومية، فهو يقيد القضايا القبلية بموضوعات التجربة الممكنة. وهذا التضييق يجعل امكانية تطبيقها على القضايا الميتافيزيقية امراً غير ممكن، وهو الحال الذي ينسجم مع جعلها ذات نشأة ذاتية مشروطة ومسؤولة عن تشكيل وتنظيم الصور الحسية التي يحدسها الذهن فحسب، كما هو الحال مع قانون السببية العامة. فمع انه يعتبر هذا القانون يتصف بالضرورة والكلية الصارمة، لكن معيار الضرورة والكلية يوجد حصراً في قانون التجربة الممكنة، ولا تمتد علاقة الضرورة في الوجود الى ما بعد حقل هذه التجربة، ولا ما يتجاوز الزمان، فمعنى الضرورة هو وجود الموضوع في كل زمن، وحتى في هذا الحقل لا يصدق المبدأ المشار اليه على وجود الاشياء كجواهر؛ لأن هذه لا يمكن ان تعد قط بمثابة مسببات امبيرية ولا بمثابة شيء يحصل وينشأ، بل هي دائمة ثابتة. فالضرورة لا تختص الا بعلاقات الظواهر وفقاً لقانون السببية الدينامي.

ورغم ان (كانت) قد اسند المعرفة التجريبية الى المفاهيم القبلية، لكن هذه الاخيرة لا تمتلك مصداقية موضوعية، وبالتالي فلا مصداقية للمعرفة المتوقفة عليها. فهو يعترف بان هذه المفاهيم ذاتية من دون بداهة عقلية، لذا فهو يؤسس لشروط المعرفة الممكنة؛ فيما ان فلسفته تفتقر الى شرط امكان هذا التأسيس، حيث اعتماده على المعايير الذاتية. وهي لديه ليست يقينة وان وظيفتها لا تتجاوز الربط من دون كشف موضوعي.

فمن المعلوم ان هناك حاجة لجعل اساس المعرفة محكماً. فهو هدف تنشده الفلسفات غير الشكية للحفاظ على مصداقية المعرفة الموضوعية. ففي الغالب تعترف هذه الفلسفات بان هناك تراجعاً في المعرفة الاستدلالية ينتهي عند حد معين اخير يمثل اساس المعرفة قاطبة، ويشترط فيه ان يكون محكماً كي لا يتعرض البناء الفوقي الى الاختلال والشك المطبق. وهو الحال الذي يصدق مع كل من الفلسفات العقلية والتجريبية غير الشكية. لكن في اوساط هذه الاخيرة ظهر تحليل عميق جعل من التجربة الخالصة غير كافية لتحديد هذا الاساس، لذلك تم التعويل على وجود قابلية للمراجعة المستمرة من دون بداية تنتهي عندها المعرفة (الاستدلالية)، كالذي اضطر اليه ريشنباخ في اعتماده على العلاقة الدورية بين الاستقراء وحسابات الاحتمال من دون التوقف عند حد معين3 . وتعتبر هذه النتيجة اضطرارية بالنسبة الى المذاهب التجريبية الخالصة، لكن نقطة الضعف فيها هي ان التراجع إلى ما لا بداية له يفضي بالمعرفة الى الاقتراب من الحد الصفري، وبالتالي تنعدم القابلية على الترجيح4 . لذلك كان لا بد من الاستناد الى بداية محددة، لكن هذه الاخيرة لا تصلح ان لم تكن بديهية تتصف بالوضوح، كالذي تعول عليه المدارس العقلية، خلافاً للمذاهب التجريبية ومثلها نظرية (كانت) النسبية.

ان مصدر الخلل في التفكير الكانتي هو التضييق الخاص بالقبليات الضرورية. فصدق المبادئ القبلية وضرورتها الكلية يأتي من الاطلاق او اللامشروط، اذ لو كانت مشروطة بالحس والتجربة لكانت في حاجة الى دليل، وهكذا يتسلسل الحال حتى ينتهي الى اساس غير مشروط، او تفضي النتيجة الى خلل وفشل في المعرفة قاطبة كما اسلفنا. وكونها واضحة لدى الذهن البشري من دون شروط حسية فانها غنية عن الدليل، فهذه هي طبيعتها الحدسية التي تفرض نفسها على الذهن البشري كصفة اعجازية لجعل المعرفة ممكنة. لذلك تكون الموضوعات بحاجة اليها، فعلى الاقل حاجتها الى مبدأ عدم التناقض، بل والحاجة الى مبدأ السببية العامة التي نفى عنها (كانت) البعد الحدسي، وألبسها لباس الربط الصوري فحسب.

لقد كان ينبغي على (كانت) ان يصادر كل قضية ذهنية واضحة ما لم يدل الدليل على خلافها، فيما انه افترض المفاهيم الضرورية للمقولات واعتبرها ذاتية المنشأ، لذلك اعتبر وظيفتها لا تتعدى الربط مع الجانب الحسي، وهو الربط الذي غرضه منع القضية من ان تمتد الى فتح الباب على القضايا الميتافيزيقية..

لقد ناقش (كانت) مصدر المبادئ القبلية، وانتقد من يقول بانها موضوعة من قبل الله لتسهيل مهمة المعرفة، فاعتبر هذا الرأي لا يتناسب مع فكرة الضرورة كما في السببية. وقد اضطره ذلك ليبرر ان الموضوعات التي تطبق عليها السببية هي موضوعات ذاتية دون ان تكون خارج الادراك البشري. وبحسب استدلاله فانه تساءل: كيف يمكن للقوانين القبلية ان تجعل الطبيعة تنتظم وفقها؟ فهذا اللغز يجد جوابه لدى (كانت) من خلال اعتباره ‹‹القوانين لا توجد في الظواهر، بل فقط بالنسبة الى الذات التي تلازمها الظواهر، من حيث لها فاهمة، مثلما ان الظواهر لا توجد في ذاتها، بل فقط بالنسبة الى تلك الذات الفاهمة من حيث لها حواس. لكن الظواهر هي مجرد تصورات وليست اشياءً في ذاتها، بل تكشف عن اشياء لا نعرف ما قد تكون عليه في ذاتها، وهي من حيث هي مجرد تصورات لا تخضع لأي قانون اقتران سوى ذلك الذي تمليه القدرة التي تقرن›› عبر الفاهمة.

والنتيجة التي تتمخض عن هذا التوجه هي عدم تخلص هذا الفيلسوف من اسر المثالية الذاتية، فما يتحدث عنه من كلية وضرورة بعض القضايا القبلية كما في السببية انما هي مشروطة في العالم الذاتي دون ان تتجاوز هذا العالم. بل ان وصفها بالضرورة والكلية هو وصف مقيد. فهذه الضرورة لا تعكس شكل العلاقات الواقعية او الوجود الخارجي، فهي ضرورة لا تتعدى صور الارتباط الذهني او الذاتي للفاهمة. وبالتالي تصبح معارفنا جميعاً اسيرة المثالية الذاتية دون ان تشير الى شيء خارج الذهن. فالقبليات باعتبارها ذاتية غير موضوعية تُظهر لنا الاشياء كما تبدو وفق طبيعة جبلتنا دون ان يشير ذلك الى اي بعد خارجي موضوعي.. الى درجة يفترض فيها (كانت) انه لو كانت لدينا صور اخرى للحدس غير الزمان والمكان، وصور اخرى للفاهمة غير صور التفكير السياقية او المعرفة بالمفاهيم، لكنا رأينا الامور بطريقة اخرى رغم اننا لا نتصورها او نفهمها، وحتى لو فهمناها فانه لن تنتمي الى التجربة من حيث هي المعرفة الوحيدة التي نتوصل من خلالها الى الموضوعات. وبالتالي اذا كانت لدينا ادراكات اخرى فذلك لا يمكن ان تقرره الفاهمة حيث لا عمل لها الا مع تأليف ما هو معطى.

 

يحيى محمد

مفكر وباحث

........................

1- اعتمدنا في كل ما يتعلق بتفصيل نظرية عمانوئيل كانت على كتابه: نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة، مركز الانماء القومي، بيروت، عن مكتبة الموقع الإلكتروني: www.4shared.com.

2- يمكن ان نقلب القضية المذكور ونقول: ان صور الامكان الذهني لدينا واسعة للغاية لذلك فانها تبعث على فقر استدلالاتنا.

3- ريشنباخ: نشأة الفلسفة العلمية، ترجمة فؤاد زكريا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية، 1979م، ص112ـ115.

4- للتفصيل انظر: الاستقراء والمنطق الذاتي، دار افريقيا الشرق، الطبعة الثانية، 2015م.