fatima almomani«حسبنا ما كُتِب من شروح لمذاهب القدماء، فقد آن لنا أن نضع فلسفة خاصة بنا» .. ابن سينا

إن الفكر الإسلامي هو فكر ديناميكي، هو تطور بمعنى أنه ليس فكر مجرد في قوالب. فالتفلسف حول إشكالية تاريخ الفلسفة الإسلامية، جعلنا إزاء تفكير فلسفي لا يكتب من فراغ وإنما من منطلق إشكالية أو رؤية خاصة لتاريخ مقاصد الفلاسفة. بحيث يبدأ تاريخ الفلسفة عندما يتجلى الفكر نقاوته المطلقة يعني أن هذه النقاوة هي الماهية والحق والمطلق، ويفترض بدوره بداية دخول الفكر داخل ذاته. هذا يعني أن بداية تاريخ الفلسفة هي ذاتها بداية الفلسفة، وهي اللحظة التي يتمثل فيها الفكر لذاته بوصفه فكرا عاما.

إن تاريخ الفلسفة هو ليس تاريخ لفكر واحد أو منهج واحد أو عقل واحد وإنما هو لتعدد الأفكار والأنساق.وبالتالي يفضي بنا المدخل لتاريخ الفلسفة من ناحية الانتقال من الأسطورة إلى الفلسفة، هو انتقال من الفوضى إلى النظام ومن ناحية أخرى يهيئنا على الرغم من الاختلاف دلالاتها إلى التعامل الفلسفي بالإحكام بالعقل، وهذا التعامل يقتضي الوعي والممارسة للدخول داخل مدار تاريخ الفلسفة.

نحن إذن إزاء فكر فلسفي يسعى للتوفيق بين الشريعة والحكمة استنادا على مفهوم "العقل" من أجل تبرير مسلمات وقع التسليم بها مسبقا׃ فخطاب العقل هو خطاب كوني، حقيقة مطلقة وهو ليس خاص بدين أو مجموعة أو بأي علم هو عام للإنسانية إي للنوع الإنساني والدليل ما نعرف به الإنسان بما أنه "حيوان عاقل". لذا فان الحركية التي تسكن الفلسفة والتطور الديناميكي الذي تعتمد فيها لا يؤدي إلى هدم الأنساق بقدر ما يؤدي إلى ثرائها وخصوبتها. جعلنا إزاء تاريخ مقاصد الفلاسفة، تاريخ لم يكتب من فراغ وإنما نتيجة تفاعل عناصر أدت إلى ولادته، هو زمن الدفاع عن الملة، زمن الدفاع عن مآل الإنسان، زمن الدفاع عن مسألة المعاد.

لم تعتبر مسألة مآل الإنسان بمبحث ثانوي في تاريخ الفلسفة بصفة عامة بل هي مسالة مرتبطة أشد الارتباط بين أقوال ابن سينا في مختلف العلوم بما في ذلك الميتافيزيقا والطبيعيات، أساسا نظرية الوجود، نظرية النفس، نظرية في العقل والتعقل، رأى الفيلسوف في أقوال الشرع، طرق فهم النص الشرعي، إي مسألة الظاهر والباطن وهي هم فلسفي بالأساس׃ مآل الإنسان بعد الموت، مصير الإنسان بعد الموت بصفة عامة بما هو مبحث أصيل في الفكر الفلسفي.

تعتبر مسألة المعاد من بين المسائل التي شكلت هما فلسفيا، لأنها تبحث في مآل الإنسان بعد الموت. ولهذا الاعتبار مثلت الأبحاث التي تتخذ من المثيولوجيا القديمة موضوع كشف أركيولوجي وجنيالوجي لها. قد بلغت إلى إبراز أن الحضارات القديمة بمختلف تجاربها جعلت من الأسطورة الشكل والشأن التعقلي الأول لمدار انحباس السؤال ذاته. ولعين هذا المسعى كانت الفلسفة الكلاسيكية وخاصة الأفلاطونية والأرسطية مجالا ورهانا إشكاليا كنتيجة فعلية لجملة الترسبات المتوارثة داخل الخطاب الفلسفي منذ نشأته. لكن بوادر التغير لأجل إعادة النظر׃ قراءة وتفسيرا وتحقيقا وتأويلا على شاكلة المراسم الكلامية التي استفردت بها المرحلة الوسيطة.كمسألة علاقة المخيلة بالنوة ومسألة الملة بشكل عام. وعلى هذا الأساس فإن مشكلة المعاد التي كان "ابن سينا" قد طرحها في كتاب "الشفاء" "جزء الإلهيات" وكتاب "النجاة" توخي منها هاجسا منطقيا وانطولوجيا داخل منظومة الصياغة الفلسفية كان له إن استفردها في رسالة خاصة لها وهي "الاضحوية في المعاد" ويحاول من خلالها ابن سينا أن يغالب القول الكلامي ويعكس في نفس الاتجاه جملة المحمولات المفاهمية والتي من خلالها يربو إلى تكوين رؤية فلسفية في علاقة مباشرة بالشرع.

كيف يفهم الفيلسوف الشرع؟ وما الذي يميز موقف ابن سينا لهذه المسألة؟

إشكالية مآل الإنسان نجدها بين أقوال ابن سينا، فكأن الرسالة "الاضحوية" هي بمثابة قولا مخصوصا في هذه المسألة ذاتها. وفي هذا الأمر قيام عنصر التفلسف السينوي داخل نص اختلط فيه الرد بالتأسيس والتعليق بالتفسير والنقد بالتأويل وأصبح فيه القول الفلسفي خطابا نقديا يحاول أن يقطع مع القول الشائع.

المعاد هو "الموضع الذي يصير إليه الإنسان بعد الموت"[1]، فالمعاد هو ضرورة أخلاقية. يعني تحلي الإنسان بخصال من الفضائل وضرورة اجتماعية حيث تنتظم أمور الناس ويحفظ حق كل منهم وذلك لتحقيق بناء أمر المدينة ثم ضرورة إنسانية التي أساسها السعادة الإنسانية ومن الأركان الثابتة التي يرسو عليها بناء المجتمع الفاضل.

يرى ابن سينا أن الشارع هدفه هو إفهام الجمهور بمضمون النبوة بحيث يعتبر أن الفيلسوف وحده هو الذي يستطيع أن يقرب هذا الفهم إلى الأذهان وتقريب البعث إلى أذهان الجمهور يتم بواسطة "التخيل" و"التمثيل" (هو خطاب للإفهام ذو وظيفة سياسية موجه للجمهور، وهذا يعني أن الشرع ضروري لكل مجتمع فاضل.وظيفة التمثيل هي وظيفة يقوم بها الفيلسوف إي يتمثل الحقائق، والتمثيل على مستوى الشرع يكون على أخذ الحقائق المجردة التي لا يدركها الفيلسوف ويقدمها للعامة في قالب تمثيل إي ضرب مثال محسوس على أمور مجرده. الفيلسوف يدرك حقيقة الأشياء كما هي في ذاتها بالمنطق وبالقياس البرهاني) و"التحقيق"( أي البحث في الأمور على حقيقتها)، والقصد أن يفهم الجمهور وفق مرجعية معينة إذ يقول ابن سينا׃ « ولنرجع إلى المعقول الصرف الذي سميته مذهب التحقيق» ويكون ذلك بتصوره لأمثلة حسية حتى لا يرى الجمهور الحقائق "بعين استخفاف"( الجمهور لا يدرك إلا ما هو محسوس).

اعتبر ابن سينا النفس جوهرا لأنها تقوم بذاتها وهي صورة بالمعنى الأرسطي فحقيقة الذات الإنسانية تكمن في اعتبارها نفسا لا جسما. إذن النفس علة الوجود وهي غير محسوسة بل موجودة حسب ابن سينا لكن المتكلمين يرو عكس ذلك بحيث تكون النفس من الأمور المجردة بل هي وهميات. لذلك أكد ابن سينا على أهمية النفس لان׃ « البدن عائق عن إدراك النفس سعادتها، فان النفس الكاملة يحول بينها وبين تمام السعادة دنس الجسم»[2]. وبالتالي فان السعادة حسب رأى ابن سينا׃ « السعادة الحقيقية للإنسان يضادها وجودها نفسه في بدنه وان اللذات الجسمية غير الذات الحقيقية»[3].

يقول ابن سينا في كتاب "النجاة" معرفا النفس« النفس كمال أول لجسم طبيعي» ويقول أيضا بأن النفس جوهر روحاني مستقل فليس البدن سوى آلة له، فإن زوال هذه الآلة لا يصيب هذا الجوهر. بهذا إقرار من ابن سينا بالحقيقة الروحانية للإنسان وبالتالي الطبيعة الروحانية للمعاد وكأن النص السينوي بل الرسالة ككل هي الخيط الفاصل الذي يلغي الاختلاف حول المسألة بل حول التصور السينوي نفسه للمعاد، إن كان جسمانيا أو روحانيا.

عرف ابن سينا الإنسان بقوله׃ « الإنسان ليس إنسان بمادته بل بصورته الموجودة في مادته»، إن النفس صورة لمادة هي البدن ووظيفة العقل الفعال هي أن يفيض على هذه المادة فيمنحها صورة خاصة به. فالتشخيص من الأمور الجوهرية للنفس، فهي جوهر قائم بذاته ومتجوهر حتى بعد فساد البدن بحيث تضمن الاستمرارية لذلك عدها ابن سينا (النفس) حقيقية ثابتة في الإنسان "الآنية الثابتة في الإنسان" وميز بين النفس والبدن لكن على مستوى التحقيق فالإنسان يقول" أنا بنفسه لا ببدنه". أعتبر النفس جوهرا لأنها تقوم بذاتها وهي صورة بالمعنى الأرسطي، يتصور ابن سينا النفس تصورا للانا باعتبارها نفسا بالأساس فحقيقة الذات الإنسانية تمكن في اعتبارها نفسا لا جسما.

بهكذا فإن الشئ المعتبر للإنسان هو ذاته الحقيقية وهو الشئ الذي يعرف من خلاله هويته هو النفس لا غير، فالنفس غير قابلة للفساد فهي جوهر سرمدي على عكس البدن والنفس الإنسانية هي "النفس الناطقة ليست منطبعة في المادة ولا قائمة على البدن إي لا تفارق المادة. النفس جوهر مفارق وما هو مفارق لا يوجد في الجسم لكن ما نلحظه من خلال دراستنا لابن سينا نجد تناقض في قوله بحيث يبين في الأول أن النفس جوهر في حد ذاته وفي زاوية ثانية إن الجوهر هو حامل لإغراض النفس. لكن ما يهتم به ابن سينا في هذا الشأن هو إثبات خلود النفس العاقلة أكثر مما يتعقب عن وجه تعلقها بالبدن. إذن المآل الحقيقي عند ابن سينا لا للجسماني وإنما النعيم أو الشفاء يهمان الإنسان من حيث هو نفس إي جوهر إذن نظرية السعادة متوقفة على نفس الإنسان، فالسعادة الحقيقية هي التي ترتبط بها النفس.

ما يمكن أن نخلص إليه في نهاية تحليلنا هو الإقرار بالتدبير الفلسفي الديني أو الانطولوجي والايتيقي لمسألة المعاد. ومن ثمة انقلب النص المتفلسف إلى منطقية انطولوجية جديدة مثلت لحظة ترقي الفيلسوف ذاته نحو هيئة تفلسفه بعد إن كان يترقب معاني القول وهيأته انطلاقا مما قدمته له النصوص الفلسفية الأخرى كنصوص الكندي والفارابي على حد السواء لغاية الارتقاء إلى درجة النصوص الأرسطية.

لقد استطاع ابن سينا تصور المعاد انطلاقا من أسس فلسفية كما أستطاع التعامل مع أقوال الشرع في هذه المسألة من خلال عرض مختلف الآراء التي قيلت بخصوصها ومناقشته للمتكلمين في آيات القران المتعلقة في كيفية تصور البعث. لقد اجتمعت في الرسالة "الاضحوية" كل مؤلفات ابن سينا "الشفاء"، "النجاة" وبصفة خاصة في نظريته في النبوة والوحي وبالتالي كيفية فهم الخطاب الشرعي لمسألة المعاد.

إن الموقف الغالب عمده ابن سينا هو الحقيقة الروحانية، وخلود النفس نتيجة مباشرة لروحانيتها. ولكن النفس لها علاقات بالبدن ونحن نعلم في هذا الإطار تراجع ابن سينا في بعض كتبه حول موضوع النفس والبدن وعلاقتهما بالمعاد وذلك عند تأسيسه لفلسفته المشرقية وتراجعه عن الفلسفات المشائية الأرسطية (المشرقيين والإنصاف، الإشارات والتنبيهات) إي كتب ما بعد "الشفاء".

ركز ابن سينا على معرفة الله، التوحيد ثم مسألة المعاد. فبالنسبة لمسألة المعاد فهو يتعلق بأخرويات فلسفية. ابن سينا في تحليله لظاهرة النبوة أي وجوب النبوة إذ يتوازى تصور المتكلمين مع رأي ابن سينا في موضوع النبوة لكن مع الاختلاف في التصور أما ابن خلدون فهو يقول إن الفلاسفة قد أخطأوا في استخدام النبوة بخلفية فلسفية وسياسية على مستوى الميتافيزيقا يجب أن يطوع وفق إجراء الفلسفة في تناولها لأراء المتكلمين.

إن النبوة عند المتكلمين المندرجة ضمن العناية الإلهية يمكن فهمها على الطريقة الفلسفة. ومن ثمة فإن التطويع الفلسفي لتقبل كلام الله عند ابن سينا يرتبط بمعنى معين بواجب الوجوب الذي هو ضرورة من ضرورات المجتمع المدني. فإن أمر المدينة لا يتدبر إلا بالنبوة لكن من هو المشرع في الواقع هل هو النبي؟ أم الإنسان؟ إن النبوة هي التي تشرع والنبي بما هو إنسان هو الذي يشرع من خلال الله׃إن الأمر المهم في رسالة الاضحوية هو كيفية فهم مضمون التوحيد والمعاد. النبوة تعبر عن العناية الإلهية وتصبح ضرورة في كل مجتمع مدني سياسي لا يبلغ فيه الإنسان كماله إلا إذا حقق النبوة، فالوجوب أصبح من ضمن الضروريات التي يقوم عليها الوجوب الاجتماعي.

رسالة الاضحوية تجتمع فيها أفكار كثيرة لمؤلفات ابن سينا في علوم شتى تتناول الإلهيات، الطبيعيات والانثربولوجيا الفلسفية هي حقيقة الإنسان وماله بعد الموت (المعاد). كذلك تكريس الاضحوية بالتأكيد على وجود النفس ومفارقتها ثم توجد هناك جوانب أخرى تهم بقاء النفس في ما بعد الموت إضافة إلى وجود جوانب تهم نظرية ابن سينا في الوحي والنبوة׃ كيف يفهم الخطاب الشرعي في هذه المسألة (المعاد)؟ إن الموقف الغالب عند ابن سينا هو الحقيقة الروحانية للإنسان إي إن الحقيقة تعود إلى النفس، لكن النفس لها علاقات بالبدن.

كان فصل 6 من الرسالة في وجوب المعاد وذلك حجة على خلود النفس الإنسانية والعقل ثم أوضح أن المعاد هو سعادة النفس أو شقاؤها بعد الموت من دون الجسم فيقول في هذا الإطار׃ « فإذا النفس الإنسانية والعقل غير قابل للفساد فهو إذا بعد الموت ثابت ومن ضروري أن كل ثابت...إما يكون مستريحا أو متلذذا وإما متألما، فان النفس في الحياة الثانية إما مستريحة وإما متلذذ هو إما متألمة... فإذا ليست القسمة ثلاث، بل اثنان، متألم ومتلذذ، والألم السرمدي شقاوة، واللذة السرمدية الجوهرية غير المشوبة سعادة، فالنفس بعد الموت إما شقية وإما سعيدة وذلك هو المعاد»[4].

في هذا السياق يجدر لنا تحديد صعوبة النسق الفلسفي عند ابن سينا. إن للمعاد إذا أصول فلسفية لابد من بحثها لمآل الإنسان بصفة عامة ضمن القول بالنبوة والوحي التي أمكن تعليلها بالاعتماد على الأصول الفلسفية׃ القول بازدواجية المرجعيتين الشرع (النبوة) والفلسفة(قراءة الخطاب) وما بين الاثنين هناك التأويل. بمعنى إذا أمكن للفلسفة أن تقول قولا نظريا في إطار الشرع (النبوة) تطرح مباشرة قضية التأويل׃ في هذا السياق تواجهنا ضرورة أن نبحث في ما يتجاوز التوفيق بين الشرع والحكمة، بل تعليل الواحد بمقتضى الأخر إي تعليل الظاهر الشرعية بالظاهرة الفلسفية.

أما بالنسبة لمناقضة الآراء الباطلة في المعاد، فإن بعث الأجساد يمكن بواسطة التخيل وفق نظرية ابن سينا في النبوة (مرتبطة بالعقل القدسي). إن الإنسان يدرك الحقيقة بواسطة العقل الفعال وان تقريب البعث إلى أذهان الجمهور يتم بواسطة"التخيل" إما بالنسبة للفيلسوف يستعمل ابن سينا "التحقيق" إي البحث في الأمور على حقيقتها أي كما يدركها الفيلسوف أو العقل القدسي في تحديد هذه المسائل بينما يستخدم "التخيل" أو "المحاكاة" في إفهام الجمهور. لو انتفت فكرة المعاد من المخيلة انمحت معها معاني الفضيلة، والعدالة والسعادة.

المعاد هو تصور ابن سينا لمصير الإنسان بعد الموت وهي محتوية على علوم شتى تتناول الإلهيات، الطبيعيات، والانثروبولوجيا الفلسفية وعلم النفس والتأكيد على وجود النفس وتجردها بالأساس. هو جوانب تهم بقاء النفس في ما بعد الموت جوانب تهم نظرية ابن سينا في الوعي وفي النبوة وعلاقة بالبعد الاجتماعي والسياسي ويرتبط بكل ذلك نظرية في العلم.

النظريات السنوية نظرية العقل خاصة وعلم النفس والانثروبولوجيا الفلسفية ذات النزعة الأفلاطونية المحدثة بالأساس تأكيد على حقيقة الإنسان نفسا وعلى حقيقته الروحانية (تأكيد بأن الإنسان نفسا). عمل ابن سينا على التمييز بين الكائن والوجود والفصل بين الماهية والوجود واعتبر أن الوجود يلحق بالماهية.

 

د. فاطمة المـومني –تونس

...................

[1] ابن سينا،رسالة الاضحوية في المعاد، تحقيق الدكتور حسن عاصي، الطبعة الثانية،1978 ص 89

[2] ابن سينا، رسالة في السعادة والحجج العشرة،1353، دائرة المعارف العثمانية حيدر آباد، ص 12

[3] ابن سينا،رسالة الاضحوية في المعاد، تحقيق الدكتور حسن عاصي، الطبعة الثانية،1978 ص 105

[4] رسالة الاضحوية في المعاد، ص 143-144

hatam hamidmohsinمن الواضح ان الفرد الذي يواجه خيارات متعددة بامكانه اختيار اي من تلك الخيارات، وان النتيجة تتقرر بالرغبة الحرة في لحظة القرار بدلا من ان تكون مقررة سلفا باسباب مسبقة. مع ذلك،جميع الاحداث في العالم،تخضع لقانون الفيزياء،بما فيها الاحداث التي تقع داخل الدماغ. اذا كانت جميع الاحداث في الدماغ تحدث طبقا للفيزياء الكلاسيكية، عندئذ فان الرغبة الحرة وفق المعنى اعلاه هي غير موجودة. هذا بسبب ان الفيزياء الكلاسيكية هي حتمية او قدرية: حالة العالم في اي لحظة هي النتيجة الحتمية لحالته في لحظة سابقة،اي، ان الحالة الحالية للعالم هي معلول لحالته السابقة ، وعلة لحالته القادمة. وعليه فان البدائل هي فقط تبدو ظاهريا متوفرة لصانع القرار، لانه في الحقيقة هناك فقط خيار واحد اريد له ليكون هو الذي يقع عليه الاختيار.

في فيزياء الكوانتم (الفيزياء المناصرة للحتمية) ان ما سمي "نطاق الاحتمال" probability amplitude ينشأ طبقا لقوانين مقررة سلفا لكن التحول من العديد من النتائج المحتملة الى نتيجة واحدة حقيقية انما يحدث كليا بالصدفة. التوزيع الاحصائي لفرصة الاحداث هذه تتبع قواعد صارمة، لكن محصلة فرصة اي حدث انفرادي هي لا يمكن التنبؤ بها ولايمكن السيطرة عليها بالرغبة. وهكذا، فان اي قرار هو اما النتيجة المتنبأ بها للاسباب المبكرة (التي ربما تتضمن فرصة أحداث كوانتمية) وهي ليست متحررة من الحتمية، او هو ذاته فرصة لحدث كوانتمي ولم يكن حصل بالرغبة. ومهما كانت الطريقة، فان الرغبة الحرة التي نؤمن بها كمسلمة هي غائبة. اذاً ما هي حرية الاختيار التي نقدرها باعجاب والتي يتبجح بها السياسيون ويحثون عليها دائما؟

 

الاختيار في ظل القدرية

لكي نركز على القضايا الاساسية، لندع فرصة الاحداث جانبا، فكما رأينا اعلاه، ان عشوائية الكوانتم لم تستطع انقاذ الرغبة الحرة. في هذا السياق المبسط، دعنا نحاول رؤية ما اذا كان شعورنا الذاتي بالحرية يمكن تكييفه و تسويته مع القدرية الفيزيائية.

الشيء الذي لا يمكن تجاهله هو اننا نمتلك تجربة عمل الخيارات. في الحقيقة، كل خيار يتألف من مرحلتين. في المرحلة الاولى نحن نتصور بدائل، وفي المرحلة الثانية نحن واعون باننا اخترنا واحدا من تلك البدائل. عادة، الخيار الملتقط هو الخيار الذي نفضل نتائجه على نتائج البدائل المنافسة له، لكن المقارنة بين النتائج لا تتم دائما بوعي. كذلك، كل من الشروط الوراثية المسبقة وتجارب الماضي تلعب دورا في تكوين افضليات الافراد، لذا فان العوامل السببية التي تقود الى عمل خيار معين هي معقدة. الاستنتاج الذي نصل اليه هو انه بالرغم من اننا فعلا نمارس عمل الخيار، او الانتقال من مرحلة 1 الى مرحلة 2 ، لكن هذا لا يعني غياب العوامل السببية المقررة. نحن ايضا لدينا انطباع باننا ربما كان بامكاننا الاختيار بشكل مختلف. ولكن حالما يتم اتخاذ الخيار، كيف سيكون هناك معنى لهذه الفكرة؟ اي، رغم ان صانع القرار يواجه نفس المجموعة من البدائل مرة اخرى،فهو ربما يعمل اختيارا مختلفا في المرة الثانية، بسبب ان الموقف الكلي بما فيه حالة الدماغ والذهن، يكون قد تغير. ولكن مرة اخرى، هذا الخيار هو نتيجة للاسباب السابقة. وعليه، فان وجود الرغبة الحرة بمعنى القوة المستقلة في لحظة القرار الغير مقيدة بالاسباب السابقة، هو غير مطلوب لتوضيح تجربتنا الحقيقية في الاختيار. تجربتنا في عمل الخيار هي منسجمة تماما مع الحتمية لو قبلنا بان التحول من المرحلة 1 الى المرحلة 2 ، او من الخيارات المتعددة الى الخيار الوحيد المتخذ، هو كاي نوع اخر من الاحداث في العالم،يتم نتيجة للاسباب السابقة.

حالما تُفهم الخيارات بالشكل الملائم وفق هذه الطريقة – كونها مقررة فيزيائيا وسببيا – سنستطيع المضي قدما لدراسة فكرة الخيار الحر بطرق اوسع. حينما يسدد الرجل بندقية على رأسي ويطلب تسليم محفظتي، وانا اختار طاعته بدلا من المقاومة، فهذا هو الخيار الاكراهي. بالمقابل، نحن نستطيع القول ان الخيار الحر هو خيار غير اكراهي. بالنهاية، الحرية بهذا المعنى تعتمد على غياب الصراع بين طبيعة صانع الخيار، الشخصية، الرغبات الاساسية والنتائج المقصودة لافعاله. طالما نحن لا نرفض الاعتراف بان طبيعتنا هي نتيجة لشروطنا الوراثية المسبقة وظروفنا الماضية، فان هذه الفكرة للحرية يمكنها بسهولة التعايش مع العمليات المخفية للحتمية الفيزيائية، وايضا مع الرؤية العلمية التامة وحيث القدرية الفيزيائية تُستكمل بواسطة العشوائية الكوانتمية.

 

الانسجامية والمسؤولية الاخلاقية

لانزال امام السؤال، كيف استطيع ان اكون مسؤولا عن نتائج الخيارات الحرة،عندما تتقرر سلسلة الاحداث المسببة لها من خارج ذاتي، او انها بدأت منذ وقت طويل؟ الجواب متضمن في كلمة "مسؤول". رئيس دولة ما ربما يتحمل المسؤولية عن سوء ادارته للاغاثة بعد كارثة طبيعية، حتى عندما لم يكن شخصيا متورطا في اي من الفوضى الناتجة على المستوى العملياتي. وبالمثل، رغم ان العديد من مظاهر وجودي تسحبني في اتجاهات مختلفة واصارع اثناء عمل القرار الصعب ، لكن هناك نسبيا مركز مستقر احدده كذات لي، وهذا الاعتراف يعني اني استطيع تحمل المسؤولية عن كل قرار تم من قبلي، حتى خلال او بعد التنافس بين جميع هذه العناصر. هذا الشيء ملائم لأن الاحاطة التفصيلية بجميع العوامل المسؤولة هو مستحيل عمليا.

ان طبيعة الذات هي بالتأكيد معقدة. بعض الناس لديهم معنى ضيق للذات المسؤولة، بينما اخرون لديهم معنى اوسع ، وحتى التصور الذاتي لنفس الفرد ربما يتغير بمرور الزمن. على سبيل المثال، عندما يتم الامساك بمدمن المخدرات متلبسا بالجريمة ربما يدّعي ان "عاداته جعلته يقوم بذلك"، وفي قول كهذا هو يتعامل مع عاداته كما لو انها ليست جزءا منه. ولكن، عند التأمل في مسؤوليته،يجب على القاضي ان يأخذ بنظر الاعتبار ما اذا كانت عادته تشكلت بمعرفته ام بدونها (ربما احيانا تكون نتيجة لتناول دواء يصفه الطبيب). وبكلمة اخرى، القاضي يجب ان يحدد مسؤولية الجريمة ليس فقط على اساس ان السلوك الاجرامي الاخير كان هو ذاته خيارا ليس قسريا تماما، وانما ايضا على اساس ما اذا كانت بعض افعال المتهم في الماضي ساهمت ليكون في موقف ارتكب فيه الجريمة الحالية.

وعلى عكس هذا المدمن، يكتشف بعض الناس مجالا للحرية – اي ان الخيارات التي يتخذونها هي منسجمة مع طبيعتهم حتى عندما يكونون تحت اكراه قوي. جين بول سارتر ادّعى ان الفرنسيين لم يكونوا ابدا اكثر حرية قبل ان تقع فرنسا تحت الاحتلال النازي. هو يرى ان الاحتلال خلق فرصا للمقاومة، قرار المقاومة او عدمها كان قرارا هاما،وعليه كان الفرنسيون اكثر حرية بمعنى يمتلكون امكانات ثرية من الخيارات الهامة. مجال الحركة المسموح به في ظل الاكراه هو ليس دائما كبيرا بما يكفي لتسمية الخيار بـ "الحر".

ان تبنّي غياب الاكراه بدلا من غياب القدرية كجوهر للحرية سيخرجنا من الصراع مع الرؤية العلمية الشائعة. كذلك تجسد هذه الفكرة اهمية الحرية كشرط يمكّن الفرد ليكون صادقا لذاته، وايضا معيارا للحكم على ما اذا كان من العدل اعتبار الافراد مسؤولين عن افعالهم .

 

حاتم حميد محسن

hatam hamidmohsinشهد تاريخ الفلسفة العديد من الصراعات حول قضايا اساسية، وكان من بين اهم تلك القضايا التي دار حولها جدل كبير هي قضية اصل المعرفة. ما هي اهم الاسس في اي عقيدة انسانية؟ ما هي نقطة الانطلاق الاساسية في اي رؤية للعالم؟من اين تنبع المعرفة الانسانية؟

التجريبيون لطالما ادّعوا ان الخبرة الحسية هي الاساس الاول للمعرفة. الحواس، حسب رأيهم، تقدم لنا كل البيانات الخام حول العالم، وبدون هذه المواد الخام، لن تكون هناك اي معرفة على الاطلاق. الادراك الحسي هو نقطة البدأ في العملية، ومن هذه العملية تأتي جميع العقائد. التجريبية، في أنقى اشكالها تؤمن بان الخبرة الحسية وحدها هي منْ يمنح الولادة لجميع عقائدنا ومعارفنا. المثال الكلاسيكي هو التجريبي الفيلسوف البريطاني جون لوك (1632-1704).

من السهل رؤية مدى مقدرة التجريبية على كسب العديد من المعارك، انه من الصعب تشخيص اي عقيدة معينة لم تأت بوسائل الخبرة الحسية – البصر، السمع، اللمس، الشم، الذوق. من الطبيعي اذاً، الايمان بان الحواس هي المصدر الوحيد والاساس للمعرفة.

ولكن لا اتفاق بين الفلاسفة على ان الحواس تعمل لوحدها في انتاج عقيدة معينة. هناك عقائد لا تأتي عبر تجربة الحواس او لا يمكن اثباتها عبر الادراك الحسي. ولهذا، وجدنا تاريخيا العديد من التيارات الفلسفية المتصارعة تطرح مختلف الاجوبة للسؤال عن المصدر الذي تأتي منه او يجب ان تنطلق منه المعرفة.

العقلانيون ادّعوا ان نقطة الانطلاق الاولى للمعرفة هي ليست الحس وانما العقل. هم اكّدوا انه بدون المعرفة القبلية والمبادئ التي يوفرها العقل، فلن نستطيع تنظيم وتفسير خبرتنا الحسية مهما كانت. سنكون فقط امام حركة واحدة سريعة وكبيرة وغير مختلفة من الاحاسيس التي لاتدل على شيء.

العقلانية في شكلها النقي تؤمن بان جميع عقائدنا العقلية وجميع المعرفة الانسانية تتالف من المبادئ الاولى والمفاهيم الفطرية (مفاهيم ولدنا معها) التي تنشأ وتتأكد بالعقل، الى جانب اي شيء مُدرك منطقيا من هذه المبادئ الاولى.(1)

كيف يمكن للعقل تزويدنا بالمعرفة الذهنية او المبادئ الاولى؟ بعض العقلانيين ادّعوا اننا ولدنا وفي عقولنا العديد من المفاهيم الجوهرية او المعارف الجاهزة للاستعمال. هذه تمنحنا ما يسميه العقلانيون "المعرفة البديهية". من الامثلة على ذلك ربما معارف معينة عن المكان، الزمان، السبب والنتيجة.

نحن طبيعيا نفكر وفقا للسبب والنتيجة. هذا يساعد في تنظيم خبرتنا عن العالم. حيث نعتقد بانفسنا اننا نرى بعض الاشياء هي السبب في حدوث اشياء اخرى، ولكن بالنسبة لخبرتنا الحسية الخام، نحن نرى فقط اشياء معينة تحدث قبل اشياء اخرى، ضمن سلسلة متتابعة من الاحداث . فمثلا، الصخرة تضرب الشباك، ومن ثم الشباك يتحطم .

نحن لا نرى الشيء الثالث الذي يُسمى السببية. لكننا نعتقد بحدوثه. الصخرة التي تضرب الشباك تسببت في كسره. لكن ذلك لم يُمارس مثلما تتم حركة الصخرة او يتحطم الزجاج. التجربة لا تفرض كما يبدو مفهوم السببية علينا. نحن نستعمل المفهوم فقط لتفسير ما نمارس. السبب والنتيجة هما معرفة لا يمكن قرائتها ابدا من تجاربنا ولذلك لا بد من جلبها لتلك التجربة عبر استعدادنا الذهني الفطري لتأكيد مثل هذا الارتباط. هذا هو المنظور العقلاني.

الفلاسفة العقلانيون ادّعوا ان اسس معرفتنا هي افتراضات بديهية او صادقة بالبداهة. الافتراض الصادق بداهة له خاصية غريبة كونه صادقا دون الحاجة لاي دليل خاص من اي نوع، نستطيع فكريا رؤية انه صحيح. امثلة على ذلك:

- اي سطح ذو لون احمر هو ملون.

- اذا كانت (س) اكبر من (ص) وكانت (ص) اكبر من (د) فان (س) اكبر من (د).

حالما نفهم هذه الاقوال، فاننا لا نحتاج الى اي تجربة حسية اخرى، فهي حقيقية.

ديكارت كان مفكرا استخدم الشك كمقدمة لبناء فلسفة عقلية. هو كان مقتنعا بان جميع عقائدنا المؤسسة على خبرة الاحاسيس الخارجية يمكن استدعائها للشك، ولكن بالنسبة لمبادئ بديهية معينة، مثل "انا افكر"، لا مجال لأي شك فيها. ديكارت عندئذ حاول ايجاد مبادئ اولية اخرى ليست عرضة للشك العقلاني يمكنها توفير اساس عقلاني لا يرقى اليه الشك لجميع المعتقدات الشرعية الاخرى (2).

الفلاسفة لا يؤمنون ان ديكارت نجح. لكن محاولاته كانت جديرة بالثناء . العقلانية بقيت فكرة مغرية للافراد المنجذبين للرياضيات و لجمال النظرية الموحدة، لكنها لم يُقصد بها ابدا لتعمل كمسألة تطبيقية.

 

حاتم حميد محسن

............................

الهوامش

(1) عرض جون لوك في (Essay II i2) رفضا مفصلا لوجود اي معرفة فطرية. أصر لوك بعدم وجود اي مبادئ ميتافيزيقية او اخلاقية محفورة في اذهاننا منذ الولادة. هذه الافتراضات، كما يرى، هي في الحقيقة لا تمتلك قبولا عاما من كل البشر، طالما لا تحظى بقبول الاطفال والمعاقين ذهنيا . وحتى لو قبل كل شخص بهذه المبادئ، فان شموليتها ستكون اكثر وضوحا عبر التجارب المشتركة وليس عبر الاحالة الى أصل فطري مفترض. الفطرية هي ملاذ الدكتاتوريين الكسالى الذين يرغبون بفرض افكارهم على الاخرين. ايضا ذكر لوك ان معارفنا لا يمكن ان تكون فطرية لأنه لا يوجد ما هو فطري في اي من الافكار المكونة لها. حسب لوك، الذهن الفارغ مؤثث بافكار من نوعين: اولا بواسطة الادراك الحسي sensation نحصل على افكار عن اشياء خارجية موجودة في عالمنا الخارجي، ثانيا بواسطة التفكير reflection نحصل على افكار عن عملياتنا الذهنية. وهكذا، مثلا، صلب، احمر، عالي، بارد، حلو كلها افكار عن الادراك الحسي، بينما تصور، تذكّر، افتراض، اعتقاد كلها افكار عن التفكير. كل شيء نعرفه او نؤمن به هو مؤلف اما من الادراك الحسي او من التفكير ولا شيء غير ذلك.

(2) الشك المنهجي لديكارت (1650-1596) هو عملية منهجية للشك في حقيقة جميع المعتقدات بهدف معرفة اي العقائد صحيحة. هذا النوع من الشك يختلف عن الشك الفلسفي في كونه يعرّض جميع ادّعاءات المعرفة للتمحيص بهدف فرز الادّعاءات الزائفة من الحقيقية. ديكارت وضع جميع العقائد والافكار والمسائل في شك.هو بيّن ان الاساس او الاسباب لأي معرفة يمكن ان تكون زائفة. الخبرة الحسية هي عادة ما تكون خاطئة ولذا يجب الشك فيها. فاذا كان هناك ما يثبت عدم صحة العقيدة عندئذ سيكون اساسها غير كاف. بعد ذلك انتقل ديكارت الى حجتي الاحلام والشياطين. الاحلام تشبه الحياة، فيها يؤمن الناس انهم كانوا في يقظة. لا يوجد هناك اساس كافي للتمييز بين الحلم واليقظة. يرى ديكارت اننا نعيش في عالم يمكنه خلق الافكار كالاحلام. حاول ديكارت تطبيق طريقته في الشك على وجوده هو لكنه اكتشف انه موجود، طالما انه لا يستطيع الشك ما لم يكن موجودا.

تتأسس المعرفة بالموضوعات (الخارجية) لدى عمانوئيل كانت على عنصرين مترابطين هما الحدوس والمقولات او المفاهيم الكلية العامة، كما فصّل الحديث عنهما في كتابه الشهير (نقد العقل المحض)1 . فهناك حاجة مشتركة بين هذين العنصرين، فاحدهما مضموني والاخر صوري، وكلاهما لا يخضعان للاستدلال الخارجي، كما كلاهما يتضمنان القضايا القبلية، فمن هذه القضايا ما ينتمي الى الحدوس المحضة كالرياضيات واطر الزمان والمكان، ومنها ما ينتمي الى المفاهيم والمقولات والتي يصنفها الى اربعة اصناف رئيسية لكل منها ثلاث مقولات، والمجموع اثنتا عشرة مقولة. والاصناف الاربعة الرئيسية هي: الكم والكيف والاضافة والجهة.

والحدس لدى (كانت) يرتبط بالحس، فيما ان المفهوم يرتبط بالفاهمة. ومن الامتزاج بينهما تتشكل معرفتنا للعالم، حيث تُصيّر المفاهيم فتكون حسية، مثلما تكون الحدوس مفهومة.

ومعنى الحدس هو التصور المعطى قبل اي تفكير. والقاعدة العامة التي يقررها (كانت) تنص بان (كل حدوسنا حسية)، وهي على نوعين: حدس قبلي محض، وهو حدس المكان والزمان ومثل ذلك حدس الرياضيات، وحدس امبيري (امبيريقي empircal) وهو حدس الاشياء الحسية في المكان والزمان. وان الحدس الامبيري ليس ممكناً الا بالحدس المحض المتعلق بهذين الاخيرين. هكذا فللحدوس ثلاثة اشكال، بعضها يتوقف على البعض الاخر، وهي:

1- الحدس الحسي الامبيري، وهو حدس الموضوعات الخارجية.

2- حدس المكان والزمان.

3- حدس الرياضيات.

وليس هناك من حدس رابع، كما ليس هناك حدس عقلي صرف باعتباره غير حسي. حيث لا يمكن وصف الحدس اللاحسي بشيء، او انه بدون موضوع.

ويعتبر الحدس الحسي الامبيري ليس حدساً قبلياً، وانما هو بعدي ومتوقف على حدس المكان والزمان القبليين. وحتى الرياضيات رغم انها تعتبر حدساً قبلياً محضاً الا انها تتوقف على حدس المكان والزمان كما سنعرف. فالاساس بالتالي لكل الحدوس هو حدس المكان والزمان لا غير، وانه من دون الحدس جملة فان معرفتنا ستفتقر الى الاشياء وتبقى فارغة تماماً.

وبذلك فان ما يميز نظرية (كانت) عن المدرسة الحسية هو الجانب القبلي المحض للحدوس، باعتبار ان الاخيرة ترد التصورات جميعاً الى الحس الخارجي او البعدي.

لكن ليس بوسع الحدوس ان تؤسس المعرفة بالموضوعات من غير المفاهيم المحضة او المقولات، اذ لا يمكن التفكير بمجرد الحدس الحسي فحسب، وبالتالي كانت الحاجة الى المقولات والمفاهيم العامة الصرفة.

لقد اجرى (كانت) بحثه حول المقولات بعد نقده وتنقيحه لمقولات ارسطو من دون ان يخرج عن التقليد المتبع لبحثها. فمن وجهة نظره ان مقولات ارسطو مختلطة، ففيها ما يعود الى الامبيري كالحركة، وفيها ما يعود الى احوال الحساسية المحضة كالمكان والزمان، حيث المتى والاين والموضع والقبل والمعية، كما فيها ما لا يعود الى قيد الفاهمة، كذلك فان فيها مفاهيم مشتقة مختلطة بالاصلية كالفعل والانفعال. وبعيداً عن هذا الخلط وضع (كانت) لوحة اخرى للمقولات، فقام بضبطها وتحديدها معتبراً انها تمثل المفاهيم الاصلية الحقة للفاهمة، ولها مفاهيم مشتقة محضة، فصنفها الى اربعة اصناف من المفاهيم الفاهمية، وهي تنقسم الى قسمين، احدهما يتعلق بموضوعات الحدس، محضة او امبيرية، والثاني هو وجود هذه الموضوعات بعضها بالنسبة الى البعض الاخر، او بالنسبة الى الفاهمة. وفي هذه المقولات هناك صنف المقولات الرياضية وصنف المقولات الدينامية، فالاخيرة تتضمن المتضايفات بخلاف الاولى الرياضية. رغم انه اعتبر الرياضيات ضمن الحدس المحض من دون ان يعطي توضيحاً لهذا الاشتراك والاعتبارات التي يتضمنها. فمن حيث الاشتراك يمكن اعتبار الوحدة والكثرة - مثلاً - هي من المفاهيم والمقولات الرياضية العارضة على الشيء ولا تمت الى الحدس، فيما ان مضامين الرياضيات تعتبر حدسية بالفعل.

ان للمقولات طبيعة صورية تضفي الوحدة والتنظيم على الحدوس الامبيرية. فهي مجرد صور من دون موضوعات، او هي صور ذاتية لوحدة الفاهمة انما دون موضوع، وبالتالي لا يمكن ان تكون مفهومة من دون شروط الحساسية ومن ثم صورة الظاهرات. فيمكن لمتنوع التصورات ان يعطى في حدس محض، لكن ربط متنوع التصورات هو فعل لتلقائية ملكة التصور المسماة بالفاهمة. فكل ربط سواء كان ربطاً لمتنوع الحدس ام لمفاهيم متنوعة هو فعل للفاهمة، ويطلق عليه فيلسوف المانيا (التأليف). فالشيء هو ما في مفهومه يتوحد متنوع الحدس المعطى، وكل توحيد للتصورات يتطلب وحدة الوعي في التأليف. فوحدة الوعي التأليفي هي التي تقيم الصلة بين التصورات والموضوع، ومن ثم تقيم مصداقيتها الموضوعية. فهذه الوحدة هي شرط لكل معرفة، من حيث انها رابط. فالربط هو التصور الوحيد من بين جميع التصورات لا يمكن ان يعطى بالاشياء، بل هو فعل الذات تلقائياً، وبالتالي فان المقولة تفترض الربط سلفاً. او ان ما يجعل لمتنوع الحدس المعطى معارف انما يستند الى امكان الفاهمة. ويمكن ارجاع جميع افعال الفاهمة الى احكام، فالفاهمة بمثابة القدرة على الحكم او التفكير، والتفكير هو المعرفة بمفاهيم.

ان الحدس في حد ذاته لا ينتج معرفة بحسب (كانت)، فحدس المكان والزمان مثلاً لا يعتبر معرفة بعد، بل هو حدس معطى قبلياً من اجل معرفة ممكنة. ولاجل تحقق المعرفة، كإن نعرف شيئاً في المكان مثل الخط؛ فيجب ان نخطه وان نحقق من حيث التأليف ربطاً متعيناً للمتنوع المعطى، وبذلك نعرف مكاناً متعيناً متمثلاً بالخط. فالحدس - هنا - يحتاج الى الربط والتأليف الذي هو من فعل الفاهمة.

ويميز هذا الفيلسوف بين الفاهمة والعقل المحض. فالعقل على خلاف الفاهمة لا يتصل بالتجربة ولا بأي موضوع كان، بل بالفاهمة كي يضفي على متنوع معارفها قبلياً وحدة هي الوحدة العقلية. كما ان للعقل علاقة بالمبادئ لا القواعد، فالفاهمة لها القدرة على انشاء القواعد، حيث لها قدرة على توحيد الظاهرات بواسطة قواعد معينة، فيما ان للعقل قدرة على انشاء المبادئ، فهو يعمل على توحيد القواعد الفاهمية تحت مبادئ محددة.

لذلك لا يهتم الاستدلال العقلي بالحدس كي يخضعه لقواعد كما تفعل الفاهمة مع مقولاتها، بل بمفاهيم واحكام. فليس للعقل المحض صلة مباشرة بالموضوعات ولا بحدسها، بل بالفاهمة واحكامها الموجهة بدءاً الى الحواس والى حدسها. فوظيفة العقل هي انه يعمل على تنظيم المفاهيم ويضفي عليها الوحدة. فالوحدة العقلية هي وحدة فاهمية مغايرة لوحدة التجربة الممكنة التي تحققها علاقة الفاهمة بموضوعاتها الحسية. فليس للعقل المحض غرض الا بمعارف الفاهمة من اجل وحدة المفهوم العقلي، اي من اجل الترابط في مبدأ.

وعموماً إن كل مفاهيم المقولات مع كل مبادئها وأياً كانت قبلية امكانها هي ذات صلة بحدوس امبيرية، أي بمعطيات من أجل تجربة ممكنة. ومن دون ذلك لن يكون لها اي مصداقية موضوعية، بل ستكون مجرد لعب للمخيلة او الفاهمة مع تصوراتهما الخاصة.

وبهذا يضيّق (كانت) مفهوم المعرفة الممكنة ضمن الاطار الحسي فحسب من دون ان يستند في ذلك الى دليل. فالمعرفة الممكنة هي دائماً ترتبط بالموضوع الحسي، وبدون هذا الارتباط فلا معرفة ممكنة، ويصبح فعل الفاهمة مجرد تصورات بلا معنى او دلالة. فمن وجهة نظره انه ليس هناك موضوع للفاهمة سوى امكان التجربة.

وخلاصة فلسفة (كانت) حول المعرفة الممكنة هي انه يعتبرها وليدة امتزاج الحدس بالمقولات، فلو كانت المعرفة بغير حدس فلا يبقى اي شيء غير صورة التفكير من دون موضوعات معطاة. كذلك لو كانت المعرفة من غير مقولات فسوف لا تكون اي معرفة باي موضوع، اذ لا يمكن التفكير بمجرد الحدس الحسي، فهو بحاجة الى المفاهيم الصورية كي تتشكل منها معرفتنا بالعالم (الخارجي). كذلك فان المقولات بحاجة الى حدس حسي امبيري لمدّها بالمضمون او المعنى والدلالة. فرغم ان الفكر ليس نتاجاً للحس ولا ينحصر به، لكنه لا يتمتع مباشرة باستعمال خاص ومحض من دون مساعدة الحساسية. فالفاهمة متحدة بالحساسية فتنتج المعرفة الامبيرية.

والنقطة التي اضافها فيلسوف بروسيا بهذا الصدد هي ان هذه المقولات لا تطبق الا على الموضوعات المعطاة في حدس بوصفها ظاهرات فحسب. فرغم ان للمقولات قابلية للتطبيق على اكثر من الموضوعات المعطاة حدسياً؛ لكنها لا تطال اكثر مما هو معطى حسياً، بمعنى انه ليس لدينا حدس خارج النطاق الحسي كي تطالها المقولات. وهي الدعامة الاساسية لمنع اي معرفة ميتافيزيقية ممكنة.

لقد قام هذا الفيلسوف بالرد على النظرية الحسية لدى كل من لوك وهيوم حول اشتقاق المفاهيم او المقولات المحضة من التجربة. فهو ينتقد هذه النظرية لجعلها التجربة اساس المفاهيم المحضة، ويرى ان العكس هو الصحيح، اذ تتوسل الفاهمة بهذه المفاهيم نفسها لخلق التجربة حيث تصادف موضوعاتها. فالمقولات هي شرط امكان التجربة. وهو يشير بذلك الى نزعته الذاتية التي تقطع الصلة عن الواقع الموضوعي لهذه المفاهيم المحضة. مثلما ان اتحادها مع الحساسية يقطع الصلة فيما بينها وبين القضايا الميتافيزيقية.

***

وتواجه نظرية (كانت) سواء في الحدس او المقولات، وكذا العلاقة الرابطة بينهما، بعض الاعتراضات الاساسية، يمكن تسجيلها بحسب النقطتين التاليتين:

1ـ هناك تقليد منطقي يقسم المعرفة الى تصور وتصديق، والاول هو مجرد ادراك بسيط، فيما ان الثاني يزيد عليه بالحكم. ويمكن تطبيق هذا الحال على الحدوس وما تتضمنه من روابط مفهومية او مقولاتية، مما يجعلنا نعيد رسم خارطة الحدوس وعلاقتها بالمقولات وفق هذا التقسيم المنطقي. فهناك حدس صوري، وهو رؤية تفرض نفسها علينا من غير تفكير، وهو قبلي وبعدي، كحدس الوجود والواقع الموضوعي العام والمكان والزمان والصور الحسيّة للأشياء الخارجية. كما في قباله هناك حدس تصديقي يتولّد تلقائياً او ذاتياً بعد الملاحظة او التفكير، وهو ايضاً قبلي وبعدي، مثل حدس الرياضيات واثبات الاشياء الخارجية كما سنعرف.

واستناداً الى هذين النوعين من الحدس المعرفي يكون الربط الذي تتضمنه المقولات ربطاً صورياً وتصديقياً. والاول ينشأ تلقائياً كما هو حال الادراك الحسي، ومن ذلك ان الصور الحسية تأتي عبر منافذ مختلفة للحواس، لكن الحس المشترك يعمل على الربط فيما بينها تلقائياً، بلا ارادة او شعور، فتنشأ لنا صورة موحدة للشيء الخارجي رغم ان التحليل الفلسفي يردها الى مجموعة احساسات مختلفة لاختلاف المنابع الحسية التي لا علاقة لبعضها بالبعض الاخر. فالحس البصري يزودنا باللون والشكل، والحس اللمسي يُشعِّرنا بحالة الشيء ان كانت صلبة او سائلة او غيرها، والحس الشمي يُحسِّسنا برائحته، والحس الذوقي يسمح لنا بتذوق طعمه. فهذا الشتات يتجمع ويتوحد بارتباط بعضه بالبعض الاخر تحت طائلة شيء واحد هو الشيء المدرك او الجوهر.

بل ان الربط الصوري يكون حتى في حالة الحاسة الواحدة، كما في البصر، فما تراه العينان هو رؤية موحدة للشيء لا اثنتين.

فهذا هو الربط الصوري، وقد تحدث عنه (كانت) ضمنياً من دون ان يميزه عن الربط التصديقي المتضمن للوعي الذهني والارادة التصديقية، فهذان العاملان حاضران في عملية الربط خلافاً للربط الاول.

واذا كان الربط التصديقي ظاهراً تماماً باعتباره يربط بين الموضوع والمحمول في القضية التصديقية، فان الربط الصوري قد يكون ظاهراً بالفعل كحال الحدوس الامبيرية للاشياء الخارجية، كما قد يكون نسبي الظهور كحال الحدوس الحسية البسيطة او الفردية، مثل احساسي بهذا اللون الاحمر، حيث يمكن اعتباره احساساً فردياً ليس فيه علامة ربط مع غيره من الادراكات الاخرى، لكن في الوقت ذاته انه مركب لذات اللون المدرك، فهو احساس مكثف وموحد للمعلومات التي تحملها كمات الاشعة الضوئية، فيكون بهذا الاعتبار ربطاً فردياً مركباً.

وبلا شك ان تقسيمنا السابق سيغير من طبيعة مفهوم الحدس الكانتي ومدياته. فقد جاء في تعريفه بانه تصور قبل اي تفكير ممكن. وهو لم يميز بين ما يعود الى الحدس الصوري وما يعود الى الحدس التصديقي. وتعريفه ينطبق على قالبي المكان والزمان والحدس الامبيري باعتبارها من الحدس الصوري، لكنه لا ينطبق على الحدس التصديقي، فالاخير بحاجة الى تحديد مختلف، فمنه ما هو قبلي ومباشر كالحدس الرياضي، ومنه ما يتوقف على معارف سابقة، مثل حدس اثبات الشيء الخارجي لكونه يعتمد على التنمية الاحتمالية، ولأن هذه التنمية لا تفسر اثبات الشيء، وانما ترجيحه وفق المنطق الاستنباطي (الاستنتاجي)، لذا فهناك قفزة بين الترجيح والاثبات القطعي، وهي قفزية حدسية تبررها المعرفة السابقة وان لم تفسرها، وهي ذات اليقين الموضوعي بحسب الاصطلاح الصدري في (الاسس المنطقية للاستقراء).

فالقطع بوجود الاشياء هو من الحدس المتوقف على معرفة سابقة، ومثله التوقعات والتكهنات التي يزيد فعلها التصديقي على مرجحاتها المنطقية، حيث انها ايضاً تعتبر من الحدس الناشئ بفعل المعرفة السابقة.

وبهذا المعنى فان بعض ما اعتبره (كانت) ضمن المفاهيم او المقولات هي من الحدس التصديقي غير الحسي وغير القائم على معرفة سابقة. صحيح ان بعض المقولات هي – بالفعل - روابط عارضة على الحدوس الحسية وليس لها دور في الاستنتاج ولا في الاستكشاف المعرفي الموضوعي، الا ان بعضاً منها يؤدي الدور الاستكشافي بوضوح، وهنا مجال حدسيتها التصديقية، مثل مبدأ السببية العامة.

لقد ارتكب (كانت) ابرز مغالطة عندما اعتبر مبدأ السببية من المقولات المحضة لا الحدوس. فقد حسبه مجرد رابط من دون خاصية الاستكشاف الموضوعي التي هي صفة لازمة له ضمن اطار ضرورته الوجدانية. فهو مبدأ يمتاز بصفة الاخبار القبلي، ومن ثم التحدي، باعتباره يتعالى على التجربة فيما انه يتنبأ بنتائجها المجملة تبعاً للضرورة المشار اليها. وهي الضرورة التي تختلف عن نظيرتها المنطقية في ان مخالفتها لا تفضي إلى التناقض، فلو كان هناك شاهد واحد يعارضها، لانتفت الضرورة، لكن المشكلة هي كيف نثبت وجود الشاهد المعارض؟.. وهنا تأتي صفة التحدي2 .

ان فارق مبدأ السببية عن الرياضيات، هو ان الاخيرة لا تمتلك في حد ذاتها مجال الاستكشاف الموضوعي، بل لها صفة الاستنتاج المنطقي الصرف، فيما ان مبدأ السببية يحمل في ذاته صفة الاستكشاف، بل ويمتلك القابلية على التمدد ميتافيزيقياً3 . فلو اننا افرغنا صفة الاستكشاف عن مبدأ السببية فانه سيكون فارغاً من دون معنى. وبهذا يتميز الحدس السببي عن الحدس الرياضي، رغم ان للرياضيات دوراً قد تمارس فيه الاستكشاف والتكهن بفعل معارف سابقة، كالاستكشاف الرياضي الحاصل لدى الفيزياء المعاصرة ضمن منهجها الرياضي4 ، لكن ذلك لا يتحقق من حيث الذات والبدء والاساس، فالرياضة في حد ذاتها لا تحمل الاستكشاف الخارجي خلافاً للسببية.

ووفقاً لهذا المعنى فان الحدس التصديقي لا يتوقف على الحس ولا يرتبط به دائماً. فالحدس القبلي المباشر وروابطه المفهومية ليس له علاقة بالحس وقيوده. واذا كان هذا الحال واضحاً بالنسبة لاساسيات الرياضة لما تحمله من حدس استنتاجي، فانه لا يقل اهمية بالنسبة لمبدأ السببية العامة، باعتباره يمثل حدساً استكشافياً غير مقيد بالمجال الحسي وآفاقه الضيّقة.

لقد ربط (كانت) نظريته في الحدوس والمقولات بالحس من دون تجاوز، ورمى الى وجود تلقائية انعكاسية للواقع الحسي من دون امكانية للخروج من ضيق هذا السجن المعرفي. وحتى الرياضيات ارجعها الى صورتي المكان والزمان، فبحسب مفاهيمه ان الحدس القبلي لا يتجاوز هذين الاطارين. كما ان روابط المقولات للحدس لا تتجاوز بدورها المجال الحسي، فالمقولات بحاجة الى الحساسية والا اصبحت جوفاء بلا معنى او دلالة. وهذه هي مصادرة (كانت) التي تفتقر الى الدليل، وغرضها إبعاد التفكير الميتافيزيقي عن المعرفة الممكنة مطلقاً، رغم ان هناك من الادلة ما يطعن فيها وينقضها. فمع ان بعض المقولات مرتبطة بالحس من دون تجاوز بالفعل، لكن بعضها الاخر يتعالى على ذلك. ومن وجهة نظر (كانت) ان المقولات المتعالية لا تفيد اي معنى او دلالة ان لم تطبق على الحس كروابط للحدوس الامبيرية. وكما عرفنا ان الروابط على نوعين: صورية وتصديقية، والصورية هي المرتبطة بالحس الصوري، اما الروابط التصديقية فمنها ما له علاقة بالحس فعلاً، فيما ان منها ما لا يتقيد بهذا الجانب، مثلما هو الحال مع مبدأ السببية العامة. وعلة عدم التقيد بالحس لهذا المبدأ تنبع من كونه يحمل حدساً مستقلاً وهاماً هو الحدس الاستكشافي الذي افرغه هذا الفيلسوف من مضمونه، اذ اعتبره مجرد رابط حسي صرف تأثراً بنظرية هيوم النقدية.

2ـ من المؤكد ان الاشكال الثلاثة التي ذكرها (كانت) حول الحدوس لا تنتمي الى حقل واحد، او انها ليست قابلة لان تجمع ضمن حقل الخبرة الحسية. فمن الواضح اننا نتعامل بحسب هذه الخبرة مع الحدس الامبيري، كما نتعامل مع حدس المكان والزمان الحسيين، لكن حدس الرياضيات شيء مختلف تماماً عن الحدسين السابقين. ولا يمكن ان نعتبر حقل الخبرة الحسية بما تتضمن من اشياء موضوعية ضمن حيز مكاني واعتبارات زمانية هو ذات الحقل الذي يضم عالم الرياضيات المجردة، فمبادئ كل منهما تختلف عن الاخرى، وان ما يتحكم في الرياضيات هو مبدأ عدم التناقض خلافاً لما يتحكم في عالم الخبرة الحسية.

لقد ارتكب (كانت) خطأً كبيراً حينما اعتبر الحدس الرياضي حدساً حسياً. وكان الاجدر ان يعده من الحدس القبلي المحض من دون ان يرتبط بالحس، وانه ليس من المفهوم المحض. وقدّم تبريراً ساذجاً حول الموضوع، وهو ان الحدس الرياضي لا ينتج معرفة ما لم تطبق على حدوس امبيرية، فللرياضيات دلالتها في الظاهرات او الموضوعات الامبيرية، وبالتالي لها حدس حسي يتناسب معها، وبحسب وجهة نظره انه اذا بقي المفهوم الرياضي من دون حس فسيكون من دون معنى او دلالة، فالرياضيات لا تعني شيئاً ان لم يكن بالامكان اظهار دلالتها في الظاهرات. فمثلاً لا يكفي التقدير الخاص بالمثلث ان لم يكن له مصداق في التجربة الممكنة، وذلك كي لا يكون مجرد امر خيالي محض. فالتجربة هي وحدها التي تعطى فيها الموضوعات.

ففي الهندسة الرياضية مثلاً هناك حدس بان للمكان ثلاثة ابعاد، وان بين نقطتين يمكن ان نخط خطاً واحداً مستقيماً وحسب.. الخ. فعلى الرغم من ان جميع هذه المبادئ تتولد في الذهن قبلياً فانها لا تعني شيئاً على الاطلاق ان لم يكن بالامكان اظهار دلالاتها في الظاهرات او الموضوعات الامبيرية. وبالتالي كان من الضروري جعل المفهوم حسياً والا سيبقى من دون معنى او دلالة. ويعترف (كانت) ان من الممكن معرفة المثلث من مفهومه في حد ذاته قبلياً، لكن برأيه ان ذلك مجرد صورة موضوع، وسيظل مجرد انتاج للتخيل. والحال ان المكان هو شرط صوري قبلي للتجارب الخارجية، وان التأليف التخيلي الذي نبني فيه مثلثاً يبقى هو هو تماماً ذات التأليف الذي نطبقه في الظاهرة كي نُنشئ منها مفهوماً تجريبياً. وعلى هذه الشاكلة فيما يخص الكم العددي، فقد اعتبر (كانت) ان مفهوم الكم يبحث عن مسند له ومعنى في العدد، كما في الاصابع، او في الحصى، او في الخطوط والنقاط المطروحة امام الناظر. فمع ان هذا المفهوم يتولد قبلياً مع المبادئ الا انه لا يمكن ان يكون له صلة بما يدعى موضوعات الا في التجربة.

وهذه هي العملية الاسقاطية التي مارسها (كانت) في علاقة الصورة القبلية بالحدس الحسي. فهو يعترف بالقضايا القبلية للرياضة، لكن من جهة صورتها فحسب، وبالتالي فهي ليست معارف في حد ذاتها الا وفقاً للحدس الحسي المحض.

فقد اسقط الرياضيات على الواقع الموضوعي بدل البحث عن روابطها القبلية المتعلقة بالحس. وهو الاستثناء الوحيد لديه، حيث تكون المعرفة تامة بروابطها التصديقية الذاتية بلا حاجة للحس. لذلك اعتبر الرياضيات تحمل يقيناً بحسب ذاتها لكونها تحمل مسلمات قبلية خلافاً لغيرها من القضايا المعرفية كمبدأ السببية مثلاً.

لقد اعتبر (كانت) الحدس الرياضي حسياً لارتباطه بقالبي المكان والزمان، فهما اللذان يستوعبان حقائق الرياضيات الحسية. فواقعية الرياضيات تتمثل في افتراضات المكان ومثله الزمان. فالهندسة الرياضية رغم انها قبلية لدى (كانت) لكنها محكومة واقعاً بالحدس المكاني الاقليدي، ولولا هذا الحدس الحسي القبلي لما كان يمكن الحكم يقيناً بهذه الهندسة. والشيء ذاته ينطبق على الرياضيات العددية في علاقتها بالحس والزمان. فهو يرى ان الكم يتأسس على التكرار المتتالي ومن ثم على الزمان والتأليف للمتجانس في الزمان.

وبلا شك ان التعليل الذي قدّمه (كانت) لتبرير حسية الرياضيات هو تعليل ساذج للغاية، بل ان ذلك يجعل منه يتبنى النظرية الحسية الفجة.. فمن الواضح ان الرياضيات المجردة لها عالمها الخاص المختلف عن عالم الحس والتجربة، وان خطأ الحس والتجربة لا ينعكس على خطأ الرياضيات. ان اصرار (كانت) على ربط الرياضيات بالواقع الحسي جعله يضطر الى الاحتفاظ بنوع خاص للرياضيات في الهندسة هي الرياضيات الاقليدية. وهو خطأ بليغ، وكأنه بذلك جعل الواقع الفيزيائي يؤثر على فحوى الرياضيات القبلية، رغم ان للاخيرة خاصية التعالي في اعتباراتها المجردة.

من هنا يمكن الاعتراض على نظرية (كانت) والكشف عن البداهة اللامشروطة للمبادئ الرياضية، وهو ان هذه المبادئ لا تتأثر بتجاربنا الواقعية، فمن خلال فعلها اللامشروط تكون متعالية على هذا الواقع مهما كانت طبيعته. فمثلاً لو اردنا ان نحدد مثلثاً ضوئياً في الفضاء كالذي يزاوله علماء الفيزياء، وبعد التحديد تبين ان زوايا هذا المثلث تساوي اكثر من (180 درجة) من دون وجود قوى خارجية مؤثرة، فماذا يعني ذلك؟ فلو اعتبرنا القبليات الرياضية لا تصدق الا على الواقع التجريبي وفق نظرية (كانت)، لكان يعني ان التحديد القبلي لزوايا المثلث بـ (180 درجة) ليس أمراً صحيحاً، وان الرياضيات ستكون خاطئة باعتبارها لا تتناسب مع الحس التجريبي. أما لو جعلنا من الرياضة متعالية على الواقع والشروط الامبيرية الحسية، فهذا يعني اننا عندما نكتشف بان درجة الزوايا اكثر من قائمتين فسيدلنا ذلك على طبيعة الواقع الموضوعي وليس خطأ الرياضة، اذ سندرك بان صورة الفضاء ليست مستوية بل محدبة، او انها تتبع هندسة ريمان الرياضية، اذ لو كانت مستوية لكانت درجة الزوايا تساوي قائمتين بالضبط، اي (180 درجة). ومثل ذلك لو عرفنا بان درجة الزوايا اقل من قائمتين، حيث سيكون شكل الهندسة الطبيعية للواقع الموضوعي مقعراً ويتبع هندسة لوباتشيفسكي. وكل ذلك يدل على ان الرياضة غير مشروطة ومتعالية على الواقع الخارجي، وان طبيعة الاخير لا تؤثر على مبادئها المجردة، سواء فيما يخص الهندسة الشكلية او الحساب العددي.

أخيراً نتساءل: ما الذي جعل (كانت) يلجأ الى هذه السذاجة في الدفاع عن الحدس الحسي للرياضيات؟ فقد افقد (كانت) بشرطه الحسي بداهة القبليات وحقانيتها الذاتية المتعالية. ونعتقد انه فعل ذلك ليكون حريصاً على مسلكه الحسي النظري، وانكاره للمعرفة اللامشروطة التي تفتح الباب على عالم الميتافيزيقا؛ التي احال العلم العقلي بها دفاعاً عن الاخلاق والدين. فهو مضطر ليمحو اي اثر حدسي خارج الحس بدفاع مستميت كما لو كان فيلسوفاً هيومياً مقنعاً بقناع لايبتنز.

 

يحيى محمد

مفكر وباحث

..................

هوامش

1- اعتمدنا في كل ما يتعلق بتفصيل نظرية عمانوئيل كانت على كتابه: نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة، مركز الانماء القومي، بيروت، عن مكتبة الموقع الإلكتروني: www.4shared.com.

2- للتفصيل انظر: الاستقراء والمنطق الذاتي.

3- انظر حول ذلك دراستنا: السببية والزمن الفيزيائي، موقع فلسفة العلم والفهم، بتاريخ: 6- 5-2015م:

http://www.philosophyofsci.com/index.php?id=107

4- للتفصيل انظر: منهج العلم والفهم الديني.

 

dawd alkabiتعريف: هو: محمد حسين الطباطبائي المعروف بـالعلامة الطباطبائي (1321- 1402هـ. ق) من أبرز فلاسفة ومفكري الشيعة في القرن العشرين. اشتهر بتفسيره المعروف بالميزان في تفسير القرآن. له ایضا كتب فلسفية كبداية الحكمة ونهاية الحكمة وكتابه المعروف أصول الفلسفة والمذهب الواقعي الذي تصدى المطهري لشرحه والتعليق عليه. تخرج من حلقة دروس الطباطبائي الكثير من الأعلام كالمطهري والشيخ جوادي الآملي والشيخ مصباح اليزدي والبهشتي وغيرهم. وقد لعبت مناظراته مع الفيلسوف والمتخصص بالشأن الشيعي "الفرنسي هنري كاربن" دوراً مهما في إيصال الفكر الشيعي وصورة التشيع إلى المجتمع الأوربي. (الموسوعة الحرة).

وهو مؤلف موسوعة (الميزان في تفسير القرآن) الذي نحن ننقل عنه اقواله واستتلالاته الفلسفية في الكثير من القضايا التي فيها اختلافات كبير ورؤى مختلفة، ليس ما بين المسلمين انفسهم لأختلاف فرقهم واهوائهم فحسب، وانما ايضا الاختلاف ما بين الالهيين والماديين والوجوديين وسواهم .

 

العلة والمعلول

يقول الفلاسفة: كل شيء يصدر عنه أمر إما بالاستقلال أو بالانضمام فإنه علة لذلك الأمر ومعلول له، وهي فاعلية ومادية وصورية وغائية فالفاعل مبدأ التأثير وعند وجوده بجميع جهات التأثير يجب وجود المعلول.

وويشيرون الى أنه: يجب المخالفة بين العلة والمعلول إن كان المعلول محتاجاً لذاته إلى تلك العلة وإلا فلا، ولا يجب صدق إحدى النسبتين على المصاحب.

اما الطباطبائي فيرى أن: البراهين العقليّة ناهضة على أنّ استقلال المعلول وكلّ شأن من شئونه إنّما هو بالعلّة، وأنّ كلّ ما له من كمال فهو من أظلال وجود علّته، فلو كان للحسن والجمال حقيقة في الوجود فكماله واستقلاله للواجب تعالى لأنّه العلّة الّتي ينتهي إليه جميع العلل، والثناء والحمد هو إظهار موجود مّا بوجوده كمال موجود آخر وهو لا محالة علّته، وإذا كان كلّ كمال ينتهي إليه تعالى فحقيقة كلّ ثناء وحمد تعود وتنتهى إليه تعالى، فالحمد لله ربّ العالمين. (راجع الميزان ج1ص24)

ونظرية الطباطبائي هي قريبة من نظرية الفارابي الذي يرى ان الموجودات على ضربين:

احدهما اذا اعتبر ذاته لم يجب وجوده، ويسمى ممكن الوجود .الثاني اذا اعتبر ذاته وجب وجوده ويسمى واجب الوجود . وان كان ممكن الوجود اذا فرضناه غير موجود لم يلزم منه محال، فلا غنى بوجوده على علة، واذا وجب صار واجب الوجود بغيره، فيلزم من هذا انه كان مما لم يزل ممكن الوجود بذاته واجب الوجود بغيره، وهذا الامكان اما ان يكون شيئا فيما لم يزل، واما ان يكون في وقت دون وقت. والاشياء الممكنة لا يجوز ان تمر بلا نهاية في كونها علة ومعلولا، ولا يجوز كونها على سبيل الدور، بل لابد من انتهاها الى شيء واجب هو المودود الاول. (راجع سعيد زايد، الفارابي ص83 دار المعارف بمصر).

 

داود سلمان الكعبي

 

hatam hamidmohsinالمعرفة"هي مجموعة من الادّعاءات الصادقة المرتكزة على اسباب مقنعة".(هذا التعريف مشابه للتعريف المألوف للمعرفة كـ "عقيدة صادقة مبرّرة"). الفلاسفة يعرضون مختلف الادّعاءات، ويقدّمون الحجج الداعمة لها. ولكن هل انهم يقدّمون معرفة حول اي شيء؟ هل بالإمكان القول ان "البيان او الادّعاء الفلسفي (س) هو صادق"، او نستطيع القول فقط ان "البيان الفلسفي (س) مدعوم باسباب قوية ومقنعة"؟ هل الموضوعات الفلسفية هي ضمن عالم الاشياء التي نستطيع الحصول على معرفة بشأنها؟

نحن نعرف طبيعة المعرفة التي تقدمها العلوم التجريبية: معرفة واقعية حول العالم واستدلالات او نظريات مدعومة بالملاحظة التجريبية. و نعرف ايضا طبيعة المعرفة التي تقدمها الرياضيات والمنطق: معرفة استنتاجية مشتقة من عدد من البديهيات في احد حقول الرياضيات. ونحن نستطيع تحديد طبيعة المعرفة التي يقدمها السيمانتيك واللغويات:معرفة تفسيرية لمعانى مختلف الكلمات والعبارات في اللغة العادية. هذه المجالات من التحقيق يمكننا تلخيصها بـ "المعرفة الاستقرائية"، و "المعرفة الاستنتاجية"، و "المعرفة السيماتيكية". ولكن ماذا تضيف الفلسفة لمعرفتنا وفهمنا للخبرة الانسانية والمعرفة.

ان المعرفة والحقيقة (truth) مترابطان. الحقيقة، بدورها، تحوز على المطابقة والصلاحية. البيانات او الادّعاءات تشير الى اشياء وخصائص،وهي صحيحة او زائفة اعتمادا على ما اذا كانت الاشياء التي تشير لها تلك البيانات تنطوي على الخصائص المنسوبة لها ، لذا فان البيان او الادّعاء لا يمكن ان يكون جزءاً من المعرفة اذا لم يحقق المطابقة مع بعض الحقائق المستقلة.

الآن لنرى انواع الاستدلالات والبيانات التي تحدث ضمن الفلسفة.

اولا، الفلسفة تقدم ادعاءات مرتكزة على تحليلات صارمة للمفاهيم والعلاقات المفاهيمية. هذه الممارسة تبدو شبيهة بالخيار اللغوي والسيماتيكي اعلاه، لكن الفلاسفة يقدمون "قيمة مضافة"عبر توفير إعادة بناء عقلانية للمفاهيم التي يدرسونها. هم يحسّنون و يعيدوا بناء مفاهيم اللغة اليومية.

ثانيا، الفلسفة ربما تعطي تحليل استدلالي وتطوير متقدم آخر للطرق والانظمة المفاهيمية لمختلف التخصصات، بما فيها العلوم التجريبية. هنا يتظاهر الفيلسوف بتقديم استنتاجات هامة ستحسّن الخصائص الابستمية للممارسات العلمية القائمة. ان الفهم العميق لمنطق التفسيرات التطورية ورياضيات الاختيار الطبيعي هو جهد فلسفي، وهو مساهمة حيوية مؤثرة لفلسفة البايولوجي وللنظرية البايولوجية. هنا، يجب ان نسأل ما اذا كان هناك اساس موثوق لهذه المساهمات . ما هو المجال الذي يمتلك فيه الفيلسوف اساسا متميزا لإعطاء تقييم عقلاني وتوصيات حول هيكل وممارسة العلم التجريبي؟ اساسا، الفلاسفة سيستجيبون بالقول ان المحاججة الفلسفية حول طرق العلوم تنال مصداقية من خلال ما يمتلكه الفلاسفة من منطق و فهم عقلاني .

ثالثا، الفلسفة يمكنها بناء نظريات اخلاقية تمتلك درجة من التبرير تتجاوز الافكار الاخلاقية العادية. عندما يسأل جون رولس،"ما هي العدالة؟"، هو يبدأ بالارتباطات العادية مع المفهوم، ولكن فيما بعد يبني نظرية في العدالة تتجاوز اللغة العادية. وهو يقدم نطاقا من التبريرات الفلسفية الداعمة لنظريته في "العدالة كإنصاف"(1).

المشكلة الكبرى في الاجابة على السؤال الرئيسي- ما هي طبيعة المعرفة الفلسفية- ، هو اننا في الوضع الاعتيادي نقسم المعرفة الى "تجريبي/فكري"و "منهجي/ضروري" (او ما يسميه الفيلسوف الامريكي كوين التمييز بين "التحليلي/التركيبي"). لكن الفلاسفة يبدو يدفعون نظرياتهم قدما بطريقة تشير الى انهم لا تجريبيين ولا منهجيين خالصين. (كانط ) يضع هذه المسألة على شكل صنف المعرفة التي هي معرفة قبلية "تحليلية بالبداهة"، اي، المعرفة المرتكزة على استدلال فلسفي خالص لكنه ليس شكليا خالصا.(كانط يدّعي ان القول"الواقع هو منظّم مكانيا في الابعاد الاقليدية الثلاثة"هو تحليل قبلي(بديهي) صادق يؤكد ان القول هو بالضرورة صادق لكنه ليس صحيح منطقيا ).

احد المواقف المحتملة التي يمكن ان نتخذها هو ان نقيّد مفهوم "المعرفة" فقط بالبيانات المتعلقة بالشؤون التجريبية العامة (حيث كل من الصدق والزيف ممكنان)، ولكن مع افتراض وجود الاصناف الاخرى من الايمان التي لها درجة المصداقية العقلانية ولكن دون المطابقة مع العالم التجريبي. وفق هذا الاتجاه،فان البيانات التجريبية المدعومة بشكل ملائم،يمكن ان تشكل معرفة في العالم التجريبي. البيانات الفلسفية مثل البيانات حول الطريقة العلمية، او طبيعة الجمال، او المبادئ الاخلاقية، يمكن تقديمها بتبرير عقلاني ولكن ليس لها هيكل مرجعي يجيز لها ان تكون "حقيقية"وهي لا تُحسب كمعرفة. اذا اخذنا هذا الاتجاه، فنحن ربما لدينا المبرر بقبول المقترح "العدالة هي الانصاف"، لكننا لا نمتلك التبرير بالاعتقاد انها "صادقة". ولذلك فان البيان هو ليس مثال عن "المعرفة".

هذا الاتجاه يبدو مماثلا لموقف الوضعية المنطقية في بداية القرن العشرين، التي أكدت على نظرية التحقق من المعنى او ان معنى الجملة هو مجموعة الظروف التي تؤسس صدقيتها او زيفها، وهو ما يقود الى ان الثيولوجي والفلسفة و الاخلاق هي بلا معنى. غير ان الرؤيتين ليستا شيئا واحدا لأن هذه الرؤية تقبل بان الخطاب الفلسفي هو هادف وعقلاني، انها تنكر ان البيانات التي يضعها الفلاسفة اما تتطابق او لا تتطابق مع حقائق العالم.

الاستنتاج من هذا الخط من الافكار هو نوعا ما مذهل: الفلسفة لا تقدم معرفة ابدا. لكنها بالفعل تقدم افكارا وبيانات تتأسس على اسباب جيدة،واننا لدينا اسس عقلانية للايمان بهذه البيانات.  

 

حاتم حميد محسن

............................

الهوامش

(1) الفيلسوف John Rawls(1921-2002) من هارفرد، طور تصورا عن العدالة كإنصاف في عمله الكلاسيكي (نظرية في العدالة)،مستخدما عناصر من كل من فلسفة كانط والفلسفة النفعية. هو وصف طريقة للتقييم الاخلاقي للمؤسسات السياسية والاجتماعية. يؤسس رولس نظريته على مبدأين اثنين، مبدأ الحرية ومبدأ المساواة،مبدأ المساواة يقسم الى مساواة عادلة بالفرص ومبدأ الاختلاف. رتّب رولس المبادئ ترتيبا متدرجا من حيث الافضلية، مفضلا مبدأ الحرية على مبدأ المساواة العادلة في الفرص والذي بدوره يسبق في الاولوية مبدأ الاختلاف. هذا الترتيب يقرر الافضلية بالمبادئ عندما تتصادم مع بعضها اثناء التطبيق . مع ذلك، قصد بهذه المبادئ تصورا واحدا وشاملا للعدالة كأنصاف بحيث تضمن حقوق الافراد الاقل حظا في المجتمع . مبدأ الحرية هو مبدأ فيه يعطي كانط احتراما اساسيا وعالميا للفرد حيث يكون الافراد احرارا ومتساوين اخلاقيا، لكن في العالم الواقعي هناك اختلافات في قابليات وخصائص الافراد وبالتالي اختلاف في مساهماتهم والتي في ظل ظروف الحرية ستقود الى اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية. مبدأ الاختلاف يجيز عدم المساواة ويرى فيها مصلحة للجميع. رولس يضع فكرته عن العدالة بين هذين الحدين.

fatima almomaniالمقدمــة: البحث في تاريخ الفلسفة العربية هو بحث في علم قائم بذاته يستدرج الأحداث والتحولات والتطورات للفكر الفلسفي، هذا يعني أن هذا البحث هو بحث في القوانين التي تحول من الفلسفة فكرا كميا تراكميا وهو يظهر لنا جليا الاختلافات والصراعات وتضارب الأفكار يظهر لنا التقارب والتناسخ لبعض المباحث والأفكار الأخرى وهذا يعني إن الفكر الفلسفي هو فكر إلى حد ما تراكمي أي انه يكون ويتأسس نتاجا لما سبق وكذلك نتاجا للنقد الداخلي والخارجي والذي يبرز كمنهج أصيل لهذا الفكر. إن التناول الفلسفي لتاريخ الفلسفة الإسلامية جعلنا إزاء خطاب فلسفي لا يكتب من فراغ وإنما نتيجة تفاعل عناصر أدت إلى ولادته. هذا التاريخ إنما هو تاريخ مقاصد الفلاسفة، هو زمن الدفاع عن الملة، زمن المدينة الفاضلة، أي نقطة تقاطع الفلسفة والدين والسياسة عند الفارابي. وإن ما قدمه الفارابي ليس نظرية للعلاقات الممكنة بين الملة والفلسفة، بين الشيخ والرعية، بل هو تفكير في وضع الفلسفة في حيز عملي ونظري تسيطر عليه الملة، هو مجال الفكر الوسيط ويبلغ الدفاع عن الفلسفة عندما يتجاوز الفارابي الموازاة بين الفيلسوف والنبي، الإمام وواضع النواميس ومن ثمة هو دفاع عن الفلاسفة وأبعاد للمتكلمين والجمهور وتحديد لوضع الملّة بأنها تتوسّط العوام وأشباه العوام من جهة والفلسفة من جهة أخرى. وما يربوا إليه الفارابي هو تكوين رؤية فلسفية في علاقة مباشرة بالشرع، إلى تأسيس المدينة السياسية. لذلك فأهمية فلسفته تتمثل في تناوله لما يمكن أن نسميها مسألة الدينية السياسية أو الفلسفة الدينية السياسية والتي تتمحور حول قضيتين׃ النبوة والمدينة الفاضلة.

 

الملة عند الفارابي

إن مسألة الملة بقدر ماهي شائكة فهي هامة لأنها نقطة تقاطع الفلسفة والدين والسياسة عند الفارابي، ولكنها شائكة لأنها تظهر عند الفارابي بمظهر محاولة التوفيق بين الفلسفة والدين، بين الحكمة والشريعة، بين العقل والنقل ولكنها في واقعها دفاع الفيلسوف عن الفلسفة في زمن الملة.

إشكالية الملة نجدها بين أقوال الفارابي فكان كتاب"الملة" هو كتاب وضع الملة وتم هذا الوضع ك׃ « تحديد أراء وتقدير أفعال يرسمها للجمع رئيسهم الأول يلتمس أن ينال باستعمالها غرضا له فيهم أو بهم محدود». والمقصود بالملة الأنساق الدينية كما ظهرت وتشكلت عند الأمم. فالملل ظهرت بعد أن استلهمت تعاليم الفلسفة القويمة لغاية إيصال مفاهيمها ومضامينها المجرّدة إلى أذهان عامّة تجسيم المبادئ عن طريق فعل الاقتناع على الخطاب وعن طريق تجسيم المبادئ المجرّدة في صور حسية تقدّمها المخيلة حتّى تكون يسيرة على الفهم. والملة تحمل وحيا وهي تشتمل على أراء وأفعال وأن قلنا إنها تتم عن طريق الوحي فإنّ ذلك يعني أنها لا تملك براهينها في ذاتها لأن الوحي كآراء وأفعال. وحسب الفارابي فان الملة ليست مطالبة بتقديم البراهين بل ان براهينها توجد في الفلسفة.

إنّ الملّة هدفها تعليم الجمهور بالإقناع أو بالتخيل أو بهما جميعا، ولأن الملّة تخيل للجمهور الأشياء التي برهنت عليها الفلسفة فلا يتردد الفارابي في إعلان أن الأولى تخدم الثانية وذلك لأنها تابعة لها تبعية فهي تبعية زمنية. إن الملّة إذا جعلت إنسانية تلت في الزمان الفلسفة، لكن إذا كانت الملة مستندة إلى فلسفة "قديمة مضنونة أو مموهة " كانت "ملّة فاسدة " أما عندما تكون الفلسفة التّي تؤسس الملّة "فلسفة يقينية" فأن الملّة بدورها تكون "صحيحة". أن الملة الفاسدة أشبه هي كذلك "بالسيمولاكر" الأفلاطوني فهي تخيل ومثالات لأراء كاذب في حين تكون الملّة الصحيحة أشبه بالعلم إذ هي محاكمة لفلسفة يقينية هي "الفلسفة في الحقيقة" ويؤكد الفارابي ما سبق أن بينه في" رسالة التحصيل" من أن الملة شبيهة بالفلسفة ولكنه يركز هنا على رفع" محنة الفلسفة "׃ «إذ لا يؤمن أن تلحق الفلسفة وأهلها مضرة عظيمة من تلك الملة وأهلها». إن الملة في حال كونها نبوة تكون موضوع تعقل فلسفي يحددها ويؤسسها أي يعتقلها من جهة أصولها ومن جهة غاياتها.

بحث الفارابي في العلاقة بين الفلسفة والملة بحيث يرى أن الملة ليست كالفلسفة النظرية التي تكون مطلقة، الملة إذن هي مقيدة بشرائط نسبية. وواضع الملة له معرفة فلسفية، هي المعقولات النظرية المطلقة والتي لا تتغير. من ثمة الملة خادمة للفلسفة وهي أقل مكانة منها لسبب يقدمه الفارابي مفاده أن الفلسفة كونية في حين إن الملة خاصة لأمة معنية وهو ما يمثل نقدا ضمنيا كزعم الدين أن يكون لكل الناس. وينتج عن ذلك تأكيد تبعية الفقه والكلام للملة إذ ليس المتكلم إلا خادما للملة يصحح <مثالات الحق على أنها هي الحق ولذلك فالفارق بينه وبين الجمهور ليس كبيرا. أما الفقه فأنه يتشبه بالمتعقل. بين الفارابي أن صناعة الكلام والفقه متأخرتان عن الملة، والملة متأخرة عن الفلسفة يعني الفلسفة بالجملة تقدم الملة. ولقد أيد الفارابي موقفه هذا بمثال يرتبط بالصناعة فكما أن الصانع يسبق أدوات الصنع التي يستعملها فإن الفلسفة بالمثل تأتي أولا ثم تتبعها آلاتها وأدواتها التي يستعملها فإن الفلسفة بالمثل تأتي أولا ثم تتبعها آلاتها وأدواتها التي من ضمنها نجد علم الكلام والفقه .فإذا كان هذا العلمان تابعان للفلسفة فإن هذا يفضي إلى اعتبار الفارابي أن رغم المفكرين استعمال الفلسفة للكلام والفقه والملة هم مجرد أدوات للحكمة أدوات بمعنى انها وسائل تعليمية فالفقه إن كان يبحث في استخلاص القوانين والأحكام من النص والدينية لغاية ضبط أمور الناس في ما بينهم فانه لابد أن يعود إلى الفلسفة.

بما أن علم الكلام والفقه علوم خادمة للملة، فإن الملة أيضا تعتبر آلة للفلسفة وهي تخدم الحكمة في تبليغ تصوراتها المجردة استنادا إلى أولا فن التخيل وثانيا فن الإقناع والمقصود بالتخيل هو التصوير والتشخيص المرتبط بالمبادئ والكليات الفلسفية التي لا تستطيع العقول البسيطة استيعابها تحكم عدم تعودها على الرياضة الفكرية التي يمنحها صاحب الملة بعدا ماديا حتى تحصل المنفعة لكل الناس وتصبح بذلك وسيلة للإدراك المعرفي ودفعا للقيام بالأعمال الخيرية علاوة على التخيل .

لم يفرق الفارابي بين الدين والفلسفة بل حاول التوفيق بينهما أو توحيدهما لأنهما بنظرة يهدفان إلى غاية واحدة ويعالجان المسائل ذاتها، والنبي لا يختلف عن الفيلسوف بالوحي لان الفيلسوف يتلقى العلم مثل النبي من العقل الفعال وإنما يختلف عنه بالملكة التي يتصل بها بالعقل الفعال إنها المتخيلة عند النبي والعقل المستفاد عند الفيلسوف، يقول الفارابي ׃ «إن الملة الفاضلة شبيهة بالفلسفة«. الملة وجدت لعامة الناس وهي عبارة عن أراء نظرية نزلت إلى النفس النبوية عن طريق العقل الفعال وبعلاقة مع المتخيلة وبما إن هذه الآراء نظرية لا يمكن لعامة الناس استيعابها.

 

الصلة بين الملة والفلسفة

يبدو طابع فلسفة الفارابي، طابع توفيقي بين الحكمة والملة بين الفلسفة (لغة برهانيه تجريدية) والدين (لغة حسية تصويرية) إذ يصدران عن العقل الفعال، وهذا العقل بنيته تتركب من "عقل هيولاني" (مادة غير متشكلة ليس لها صورة) و"عقل فعال"( هو الذي يهب الصور).

يبحث الفارابي في الصلة بين الملة والفلسفة يبحث فيها أسبقية الملة على الفلسفة وهي تهمنا بصفة خاصة، ماذا تعني الفلسفة الحقيقية بالنسبة للفارابي؟ الفلسفة هي التي تضمن شيئا مطلقا لطبيعة الإنسان. الملة ليست كالفلسفة، النظرية التي تكون مطلقة الملة إذن مقيدة بشرائط نسبية وضع الملة له معرفة فلسفية، هي المعقولات النظرية المطلقة والتي لا تتغير، سيضع ملة واضع الملة يبحث عن الغرض/الغاية ويزن الوسائل التي تسمح بتحقيق السعادة كمعقول نظري مطلق كلي مجرد في الواقع. يرى الفارابي أن الفلسفة خطاب كوني بمعنى أنها تتجه إلى جميع الأمم.حاصل القول، أن الملة خادمة للفلسفة وهي أقل مكانة منها لسبب يقدمه الفارابي مفاده أن الفلسفة كونية في حين أن الملة خاصة لأمة معينة وهو ما يمثل نقدا ضمنيا لزعم الدين أن يكون لكل الناس.

 

السياسة عند الفارابي

إن تحديد وجوه التناسب القائم بين التدبير الإلهي للمدينة الفاضلة والتدبير الإلهي للعالم وبين أجزاء العالم وأجزاء المدينة من شروط تأسيس هذه المدينة، ففي المدينة الفاضلة نجد الفارابي يهتم بالشروط التي يجب أن تتوفر في رئيسها. والاهم هو القدرة على إرشاد الرعية وتعليمها. ويبلغ أهل المدينة الفاضلة السعادة إذا حصلت لهم الخيرات الطبيعية الإرادية وتحصل لهم هذه الخيرات بمعرفة مبادئ الموجودات ومراتبها والسعادة والرئاسة الأولى والأفعال المحمودة المؤدية إلى السعادة.

إن التناول الفلسفي لفلسفة الفارابي السياسية ينتهي بنا القول إلى تحديد وجوه التناسب القائم بين التدبير الإلهي للمدينة الفاضلة والتدبير الإلهي للعالم، غير إن بلوغ هذه المرحلة يستوجب تحديد شروط المرور من العلم المدني للوجود بماهر العلم المدني الذي موضوعه الوجود ويتعلق الأمر بالإخضاع النظري إلى العملي أي بإخضاع ما من شأنه أن يعلم-لا- أن يعمل إلى جهة النظر التي نتناول بها ما شأنه أن يعمل׃ بنية المدينة ووضع الخيال بما يكشف عنه من علاقات مثيرة بين بنية المدينة وبنية المعرفة.

تتنزل الفلسفة السياسية للفارابي في هذا الإطار منزلا متميزا لهذه المسألة-الخيال- بما تكشف عنه من علاقات مثيرة بين بنية المدينة وبنية المعرفة. يتراوح القول الفلسفي الفارابي في الخيال والمخيلة وما بين قول يحدد وضعها في سلم المعرفة وقول يعين وظيفتهما في أسلوب السياسة وفي بنية المدينة. وينجم عن ازدواج التعامل مع هذين المفهومين اشتباه في معنى الخيال وفي وضع المخيلة ضمن جهة يتحدد التخيل كإحدى درجات الإدراك الحيواني كزيف موضوعه وزيف تمثيله لموضوعه أو تبدو المخيلة سيمة القوة الناطقة أن تتفاعل في أقصى درجاتها لتستفيد ما يرد عليها من لدن العقل الفعال من الحقائق الخالصة.

فالتخيل تكريس لمبدأ المشابهة واستغلال له وليست الملة من هذه الناحية باعتبارها نظام الاعتقاد في المدينة إلا نسق المتشابهات، فالتخيل آلية اختزال العالم في بنية المدينة وبعبارة أخرى فإن الوجود المدني هو الذي يؤسس آلية التخيل لكونه هو الذي يعطيها الإحداثيات التي يمكن بالرجوع إليها إعادة بناء العالم. هكذا تكون مدينة الخيال معلقة إلى النظر الإلهي فلا يروح فيها من الخيال إلا بمقدار محاكاته للحقيقة ولا يتدخل اللامعقول إلا بحسبان التعقل النظري وميزانه. منزلة المخيلة من قوى النفس الإنسانية (القوى الحسية، القوى المخيلة، القوى العقلية). قوة النفس الإنسانية تترتب بحسب تعقدها في سلم تصاعدي (الغازية، الحسية، المتخيلة، الناطقة) هو تدرج من قوى دنيا إلى قوى متوسطة إلى قوى عليا.

في كتاب""أراء أهل المدينة الفاضلة"يتكلم الفارابي على المدينة الفاضلة، ويهتم بالشروط التي يجب أن تتوفر رئيسها والشرط الأهم هو القدرة على إرشاد الرعية وتعليمها، والشرط الثاني هو عدم حاجته إلى من يرأسه أو يعلمه لأنه قد حصلت له العلوم والمعارف بالفعل. ولن تحصل هذه العلوم والمعارف إلا للطبيعة العظيمة الفائقة. وهي تحصل عندما ينتقل العقل من عقل بالفعل ثم إلى عقل بالفعل مستفاد. وهذا العقل المستفاد يستطيع أن يتصل بالعقل الفعال ويستمد منه العلوم والمعارف بطريق الفيض وبما أن العقل الفعال فائض بدوره عن السبب الأول أو الله لذا يقال إن الله هو الذي يوحي توسط العقل الفعال. وإذا لم تتوافر هذه الصفات في شخص بعد الرئيس الأول عمل الرئيس الأول عمل الرئيس اللاحق بشرائع الرئيس الأول.

وأهل المدينة الفاضلة ينقسمون إلى طبقات أو مراتب بحسب استعداداتهم الفطرية والآداب التي حصلوها. والرئيس هو الذي يرتب ذلك فيضع كل إنسان في المرتبة التي تليق به. وتتسلسل المراتب في الشرف حسب قربها وبعدها من رتبة الرئيس. ومراتب المدينة الفاضلة تشبه مراتب الموجودات في العالم. فكما أن مراتب الموجودات تبتدئ من الله وتنتهي إلى المادة الأولى، وترتبط وتأتلف بعضها ببعض كذلك مراتب أهل المدينة الفاضلة تبتدئ بالرئيس الذي يشبه الله وتنتهي بالطبقة الدنيا التي تخدم ولا تخدم. ويبلغ أهل المدينة الفاضلة السعادة إذا حصلت لهم الخيرات الطبيعية الإدارية. وتحصل لهم هذه الخيرات بمعرفة مبادئ الموجودات ومراتبها، والسعادة، والرئاسة الأولى والأفعال المحمودة المؤدية إلى السعادة. وهذه الأمور تعرف إما بطريقة البرهان وإما بطريقة التخيل والمحاكاة والطريقة الثانية هي طريقة العامة الذين لا قدرة لهم بالفطرة على تعقلها إما الطريقة الأولى فخاصة بالحكماء.

نرى أن الفارابي ربط سياسة المدينة بالنبي يحدد مجالا لممارسة السياسة مختلفا عن المجال الذي عرفته المدينة اليونانية ويختلف كذلك عن المجال الذي سيفتحه سبينوزا بفصله بين السياسي والديني. لكن لم يتوقف الفارابي في هذا الأمر عند مستوى تأكيده على الكيفية التي يتحول بها الإنسان إلى نبي وبالتالي إلى سياسي فهو بالإضافة إلى ذلك قد جمع في ذات الوقت بين النبي والفيلسوف. فحاكم المدينة الفاضلة هو في ذات الوقت نبي، فيلسوف، سياسي. واستمد الفارابي تصوره هذا انطلاقا من "نظرية الفيض" وعمل العقل الفعال حيث أنه إذا ما وهب الصور للعقل عند هذا الإنسان فهو يصبح فيلسوفا. فهو إذن في نفس ألان فيلسوف ونبي بحسب الملكة التي تتلقى الصور. نلاحظ أن الفارابي ينطلق من نظرة شاملة في إطار منظومة فلسفية متماسكة يعني ينطلق بها من مستوى المعرفة إلى المستوى السياسي والعمود الفقري لهذه المنظومة هو "نظرية الفيض" التي فيها استطاع أن يجعل من الإنسان الفرد يجمع بين خصائص النبي والفيلسوف وجمع بينهما ليعطيهما تصورا خاصا للنبي والفيلسوف والسياسي.

 

الخـــــاتمة

إن ابرز ما يحرك مساءلتنا لتاريخ الفلسفة لهذا الغرض هو في الحقيقة أن نتعقب الفحص عن فكر فلسفي يسعى للتوفيق بين الفلسفة والملة واستنادا على مفهوم "العقل" من أجل تبرير مسلمات وقع التسليم بها مسبقا׃ فخطاب العقل هو خطاب كوني، حقيقة مطلقة، وهو ليس خاص بدين أو مجموعة أو بأي علم هو عام للإنسانية، لكن أهمية مسألة الملة نظرا لأنها نقطة تقاطع الفلسفة والدين والسياسة عند الفارابي.

 

د. فاطمة المومني

 

هل الله قادر على ازالة الشر؟

نعم .. لا .. نعم ولا!!

ترد نظريتان متنافستان حول فلسفة الشر، إحداهما ترى ان ما يحصل من شرور يعود الى حتميات الوجود، فالشر وارد لا محالة تبعاً لمقتضيات الحركة الوجودية، وكان الفلاسفة القدماء هم أول من أشار الى هذه الناحية تبعاً لتنزلات مراتب العلة والمعلول ومن ثم تناقص مراتب الوجود مقارنة بالمراتب العليا التامة، فالكل يغترف بقدر وعائه من بحر الوجود الفيّاض. والشر لديهم هو عدم وجود نسبي، او هو نقص في الوجود كما يلاحظ لدى مراتبه الدنيا او العالم الطبيعي الجسمي. وهو ما يعني حتمية وجود الشر، ويصدق عليه قاعدة (ليس بالإمكان أبدع مما كان)[1]. ولا تختلف النظريات الحتمية الحديثة من حيث المبدأ عن هذه الصورة المجملة. فطالما كانت علاقات الوجود حتمية فالشر وارد لا مفرّ منه، سواء ارتكزنا على اصول ميتافيزيقية، او اصول مادية صرفة.

أما النظرية الثانية فتعود الى الرؤية الدينية التي تعتبر الشرور هي من فعل الله ومشيئته لغرض البلاء واختبار العباد في الدنيا، كالذي تشير اليه الكثير من النصوص القرآنية، وعليه نشأت فلسفة التكليف باعتباره مناطاً باختبار العباد، بما يتضمن من اركان؛ كركن النبوة والرسالة للتبليغ والقاء الحجة، وركن يوم الحساب المتمثل في الثواب والعقاب[2].

في قبال هاتين النظريتين نقدّم اطروحة ثالثة نعبّر عنها بنظرية (عجز المادة الأصلية). وهي ترى بأن ظواهر العالم وحوادثه مدينة في وجودها إلى القدرة الإلهية الشاملة، مع افتراض عدم خلق المادة المشتركة أو الأصلية للكون. فرغم أن قدرة الله هي أساس وجود العالم بمظاهره المختلفة، لكنها – في الوقت ذاته – لا تمثل علة لوجود هذه المادة.

ولا نقصد بالمادة - هنا - المعنى الفلسفي المتمثل بالهيولى، فالأخيرة هي مجرد قوة من دون وجود فعلي، ولا بالمادة بحسب التعريف العلمي لها، وبالتالي فما نقصده هو ابسط مشترك وجودي في الكون وان لم يكتشف علمياً بعد، فقد يكون عبارة عن نفس الطاقة، كما قد يكون هو اساس المادة والطاقة معاً، فحيث ان احداهما تتحول الى الاخرى، فقد يكون المشترك بينهما شيء ثالث يجعلهما يتحولان الى بعضهما البعض، مثل التحول المائي الى حالاته الثلاث الصلبة والسائلة والغازية، فكل حالة لا تعتبر اساس غيرها، بل ان وجود هذه الحالات مدين الى شيء اخر هو الاصل في وجودها، وهو الشيء المعبر عنه بجزيئة الماء (H2O). وهي الجزيئة المختلفة كلياً عن الحالات الثلاث الناتجة عنها.

فعلى ضوء هذه النظرية ان بالامكان تفسير علة وجود الشر، ومثل ذلك علة تطور العالم واستحالة ان يتحقق الخلق دفعة واحدة. فكل ذلك يعود الى طبيعة المادة الأصلية التي يُجرى عليها التخليق والتطوير ضمن حدود ما تسمح به. فرغم ان قدرة الخالق وإرادته حقيقية غير مجازية – أي خلاف ما يعوّل عليه نظام الفلسفة والعرفان-، لكنها لا تتعدى طبيعة المادة التي تتشكل منها مظاهر الكون والحياة والتطور.

وللتمثيل على ذلك نتساءل: ماذا تكون النتيجة لو اننا دعونا مهندساً بارعاً في صناعة الطائرات الى أن يصنع لنا طائرة من حجر وطين لا غير؟ فهل سيجيب دعوتنا أم ان تحقيقها مستحيل كما هو واضح؟!

وبلا شك ان هذه الاستحالة غير معنية بقدرة المهندس وبراعته في الصناعة المذكورة، وانما معنية بقصور المادة الخام المعطاة له. وهو ما نقصده بعجز المادة الأصلية. فهناك استحالة ذاتية لكل ما يتجاوز طبيعة هذه المادة، مثلما هناك استحالة ذاتية تتعلق بخلقها من العدم المحض.

ويرد لدينا بهذا الصدد انواع عديدة للاستحالة، ومن ضمنها ما اشرنا اليه، وفي قبالها انواع الامكانات، وذلك كالتالي:

1ـ الاستحالة المنطقية: وهي التي تستند الى مبدأ عدم التناقض، فكل قضية تتضارب مع هذا المبدأ تعتبر مستحيلة منطقياً، فمثلاً ان الجمع الحاصل بين الواحد وآخر مثله لا يعطينا اكثر من اثنين، مهما كانت القدرة العقلية متوفرة، كالقدرة الالهية، والا وقعنا في الاستحالة المنطقية وتجويز التناقض.

2ـ الاستحالة العقلية: وهي قضايا تختلف عن الاستحالة المنطقية باعتبارها لا تتناقض مع مبدأ عدم التناقض، لكنها مع ذلك تعتبر من المستحيلات التي لا يصدقها العقل اساساً، مثل تولد الاشياء من العدم المحض او بدون سبب اصلاً، ومثل ان تكون لله قدرة على افناء ذاته..

3ـ الاستحالة الواقعية: وهي قضايا وان كانت ليست من الاستحالة العقلية لكنها مستحيلة ايضاً بحكم النظر الى واقع الشيء. مثل ان يتمكن الانسان من السفر في ارجاء الكون كله، وهو بهذه الصورة الجسمية. او مثل ان يعيش في الماء من دون وسائل مساعدة، او مثل ان يبقى حياً من دون رأس..

4ـ الاستحالة النسبية: وهي قضايا تتعلق بالامكانات الواقعية التي لم يتح لحد الان تحقيقها لاستحالة ذلك طبقاً للوسائل المتاحة، مثل سفر الانسان خارج المنظومة الشمسية.. ومثل القدرة على علاج جميع الامراض البشرية..

5ـ الاستحالة المفترضة: وهي قضايا لا تمتلك وضوحاً قطعياً حول استحالتها، بخلاف القضايا السابقة، لذلك تخضع للنقاش إن كانت تتضمن الاستحالة أم لا؟ كتلك المتعلقة بقضيتنا في البحث. وكنموذج عليها الخلاف الحاصل بين الفلاسفة القدماء والمتكلمين حول خرق السببية الطبيعية. ففي احتراق القطن بالنار مثلاً؛ يقول الفلاسفة إنه لو حصلت شروط الإحراق المادية كاملة لتحقق الإحتراق بدون توقف ولا تخلف. بينما يقول مخالفوهم، كالمتكلمين، إنه من الجائز أن لا يحصل الاحتراق حتى مع وجود كامل الشروط المادية، إذ يتوقف الأمر على الإرادة الإلهية بوصفها مختارة، لا بوصفها واقعة تحت أسر الضرورة العلية.

ومن حيث التحليل يعود الخلاف الاخير الى الخلاف المتعلق حول خلق المادة الأصلية المشتركة. كما يعود اليه الخلاف المرهون حول امكانية خلق الكون والحياة الى اخر غايتهما من دون تطور، بل دفعة واحدة، ومثل ذلك ازالة الشرور ابتداءاً مع حصول الغرض من الخلق.

فهذه المسائل بعضها يرتبط بالبعض الاخر، والاساس فيها هو الخلاف المتعلق بحقيقة المادة الأصلية ان كانت مخلوقة ام لا؟ ولسنا نتحدث – هنا - عن ازلية حدوث العالم او ابتدائه، وانما نتحدث عن المادة الأصلية فحسب، فخلق هذه المادة او عدم خلقها لا يمنع كلا الفرضين السابقين. لذا فعلى هذه القضية يترتب الخلاف حول طبيعة القوانين الكونية والتطور ومشكلة الشر الوجودي. فلو كانت المادة غير مخلوقة لكان كل ما ذكرناه من طبيعة الخلق والتطور ومشكلة الشر؛ لا علاقة له بالقدرة الالهية بقدر ما له علاقة بامكانات المادة الأصلية غير المخلوقة، ولكان حال الاستحالة في تجاوز امكانات هذه المادة كحال الاستحالة المنطقية، وهي انها ليست نابعة من عجز القدرة الالهية، بل متعلقة بقصور المادة وضعف امكاناتها.

فالتطور الكوني وطبيعة القوانين ومشكلة الشر كلها مناطة بالمادة المشتركة. فلو ان هذه المادة مخلوقة لما كانت هناك استحالة تتعلق بالخلق دفعة واحدة من دون تدرج وتطور، ومثل ذلك فانه لا توجد هناك استحالة تتعلق بازالة الشر ابتداءاً. بل على هذا الافتراض تصبح القوانين الطبيعية معتمدة كلياً على الارادة الالهية المطلقة كما يراهن على ذلك المتكلمون من امثال الاشاعرة وغيرهم.

أما لو كانت المادة غير مخلوقة، فسيعني ذلك انها الشيء الذي يجري عليه الخلق والتكوين ضمن الحد الذي تسمح به طبيعتها، ومن ذلك ما تسمح به بعض قوانينها الطبيعية في الشرط المادي للتغير السببي، كالذي جاء في مثال احتراق القطن. كذلك كان لا بد من التدرج والتطور، ويصبح وجود الشر ضرورياَ خلال هذه العملية رغم عرضيته القابلة للزوال عند الاكتمال الوجودي. فالشر مرتهن بعملية التطور الموجهة، مثلما ان زواله خاضع لها حتى التكامل. وتشهد على ذلك التطورات غير المنقطعة للواقع الكوني والحياتي والعقلي، بل والاجتماعي ايضاً، فنحن البشر نخضع – بقدراتنا وإراداتنا - ضمن المشيئة الالهية للتطور الخلاق باتجاه الاصلح. وأبلغ ما يدل على التوجه التكاملي هو ما يفيده المبدأ الانساني او الانثروبي (Anthropic Principle‏) كالذي عبّر عنه الفيزيائي كارتر خلال الستينات من القرن العشرين، أي قبل أن يُحوّر الى نظرية التعدد الكوني كملاذ للتهرب من فكرة الضبط الدقيق للتصميم الإلهي[3].

نعود فنقول: إنه من الناحية العقلية لا يمكننا التوصل الى خلق المادة الأصلية او عدم خلقها. كما ان النص الديني المتمثل في القرآن الكريم لا يتحدث عن اصل مادة الخلق، فقد جاء ذكر بعض المواد الاولية كالماء والدخان من دون ان يُذكر حولهما شيء من الخلق او عدمه، فضلاً عن ان لفظة الخلق وردت حول الاشياء التي تُصنع من اشياء اخرى وليس من العدم المحض، كخلق الانسان من طين مثلاً. صحيح ان بعض الآيات القرآنية تُظهر وكأن صورة الخلق تحدث دفعة واحدة مباشرة تلبية لإرادة الله وأمره، كالذي يظهر من قوله تعالى: ((إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ))[4]. فالمتبادر من معنى ((كُنْ فَيَكُونُ)) هو أن يتحقق الشيء دفعة مباشرة، كما راهن عليه المفسرون عادة. لكن بشهادة الواقع ان كل عمليات الخلق والتكوين المطلوبة لا تحدث دفعة واحدة من دون سابقة، بل تدريجية وتطورية. فهذه المعرفة القبلية ترشدنا إلى أن المعنى المقصود من الآية الكريمة ليس هو الظاهر المتبادر، ولا بد من تأويله إلى التدرج أو التطور. ويؤيد هذا الحال سياق بعض النصوص القرآنية التي وردت على شاكلة الآية السابقة[5]، كذلك سائر النصوص التي تتحدث عن خلق السماوات والأرض والإنسان، فجميعها يؤكد حالة التدرج في الخلق وتطوره دون الدفعة المباشرة.

وكما قلنا ان الناحية العقلية لا تعيننا على ترجيح كفة خلق المادة الأصلية او عدم خلقها. لكن لو افترضنا بان المادة الأصلية مخلوقة بالفعل، فحينها سوف يصعب تفسير لماذا تتخذ قوانين الطبيعة شكلاً محدداً للوصول الى غاياتها من دون تغيير؟ ولو قيل بأن هذه الحالة هي الافضل والاصلح من بين الطرق الممكنة للوصول الى الغايات الطبيعية، لأجبنا إنه من الناحية العقلية الصرفة، إن تحقيق الغايات عبر الوسائل الموضوعة يفضي الى الكثير من الشرور والاضرار، وكان من الممكن عقلياً تجنب هذه المترتبات السلبية عبر ابدال القوانين بقوانين اخرى، او الوصول الى الغايات من دون وسائط طبيعية.

ولسنا نذهب في ذلك الى ما يخلص اليه الفلاسفة القدماء من ان الحال دال على حتمية هذه القوانين، بل نرى بأن الإرادة الإلهية متعلقة بأفضل السبل الممكنة لتحقيق الغايات الطبيعية. فمع افتراض قِدم المادة التي هي محل التخليق والتكوين يصبح الموجود هو الأصلح والأفضل. في حين لو افترضنا فكرة خلق المادة الأصلية لأدى بنا الحال الى الاعتقاد بأن أفعال الله لا تخضع للحكمة ولا للأصلحية والأفضلية، كما هو معتقد الاشاعرة مثلاً. كذلك لو لم نعترف بقدرة الله وإرادته الحقيقيتين لأفضى الحال إلى أن تكون قوانين الطبيعة حتمية صارمة كما يصورها النظام الوجودي للفلسفة والعرفان. في حين إن الخيار الثالث يخالف اعتقاد منطق الاشاعرة في نفي حكمة الله ومراعاته لخلقه، كما يخالف قول نظام الفلسفة والعرفان في جعل الإرادة والقدرة الإلهية مجازيتين. وبالتالي جاء الخيار الثالث جامعاً لأمرين لا يجتمعان لدى غيره، وهما عدم خلق المادة الأصلية، والقدرة الإلهية الشاملة. وهو خيار لا يتنافى بالضرورة مع الرؤية الدينية التي تشدد على فكرة البلاء والإمتحان كغاية لخلق العباد. فيمكن لهذه الرؤية ان تنضوي تحت القوانين والخيارات التي شاءها الله مصلحة لعباده؛ كأفضل السبل الممكنة، وبموجبها يمكن للشرور أن تتناقص عند الإلتزام بتعاليم الخير والمُثل الدينية.

هكذا فالاعتراض الذي يرد على الدوام: لماذا لا يمنع الله الشر؟ وما فائدة وجوده ان لم تكن له قدرة على دفعه كلياً؟.. يجد جوابه وفق ما سبق عرضه، وهو ان زوال الشر يأتي على التدريج وفق قوانين التطور الكوني والحياتي والعقلي، ولا محيص من ذلك استناداً الى طبيعة المادة الأصلية المشتركة التي يُجرى عليها الخلق والتصنيع والابداع.

فمن خلال التطور يزول الشر بالتدريج، رغم حدوث الانتكاسات، بل وضرورتها في تعجيل هذه العملية التي تتخذ شكلاً حلزونياً لا خطي. فعلى الصعيد البشري تبعث الانتكاسات على التحدي والجدل الديالكتيكي، ومن ثم فان الشر يبعث على الخير عادة رغم انه لا يقصده ذاتاً، لكنه ضروري للتطور والبناء وفق السنن الكونية والانسانية. لذلك كان العرفاء يقولون: لا فتى إلا أحمد وابليس.

فمثلاً لولا الامراض ما عرف الانسان الدواء، ولولا الطبقية والاستعمار الغربي ونهب ثروات الشعوب ما تم التعجيل بالثورة الصناعية وما ترتب عليها من ثورة معلوماتية، ولولا اضطهاد الكنيسة وفتكها بالعلماء ما تحقق للغرب من مكاسب في سبيل الحرية والتقدم العلمي المستقل. وعلى هذه الشاكلة جاءت بعض الآثار الايجابية التي شهدها الغرب بسبب المآسي التي خلّفتها الحربان العالميتان الاولى والثانية، مثل ترسيخ مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان والمجتمع المدني..

***

أخيراً يمكن النظر الى اطروحة (عجز المادة الأصلية) من خلال البعد العرفاني لوحدة الوجود. فكل ما ندركه يمثل مصنوعات الله وعظيم قدرته. ولو حوّلنا هذه المصنوعات الى تجليات واستعرنا ما يقوله العرفاء حول وحدة الوجود فسيصبح ان كل ما ندركه هو تجليات الحق في العين الثابتة للمادة المشتركة. وعليه يمكن النظر الى بدائع خلق الله بمنظارين كما يصوره العرفاء مع الحفاظ على القدرة الشاملة والارادة الحرة التي صادرها العرفاء من الوجود قاطبة. فيمكن تشبيه الحال بنور الشمس الملقى على زجاجات مختلفة الالوان[6]، اذ تتكشف الوانها وتبرق حين سريان النور فيها، ومن دونه لا يظهر لها لون أبداً. فمع ان النور واحد، لكن الالوان التي تظهر فيها مختلفة. مما يعني ان طبائع الزجاجات تختلف بحسب ما هي عليه من قابليات، وليس بحسب ما عليه نفس النور المتحد في لونه وقوة سريانه في الجميع. وكذا يقال ان اختلاف المظاهر المرئية هي لاختلاف ما تحمله المادة الأصلية من امكانات غير قابلة للحصر والعد، وان التجلي الالهي على هذه المادة هو ما يجعلها تظهر امكاناتها، ولولاه ما ظهر شيء من الصنائع والبدائع اطلاقاً.

كما يمكن تشبيه الحال بمثال النار والفحم. فالفحم بما هو كذلك لا نور ولا نار فيه، لكنه ينقلب بالتدريج إلى جمرة من النار عند وضعه فيها، وبهذا يكون حاملاً لصفاتها[7]. وكذا فإن الحق عندما يفيض بنوره على المادة الأصلية تصبح مشرقة ظاهرة بنوره، لحملها صفاته، بحيث يعبّر عنها بهذا الإعتبار انها (هي هو).

وبلا شك ان المثالين السابقين يعطيان دلالتين مختلفتين للتجلي الالهي. فالمثال الأخير يبدي ان ما يظهر على المادة المشتركة هو صفات الحق، فهذه الصفات هي التي تظهر على المادة فتنورها بنور الحق. فالحق هو الظاهر بصفاته، كالذي جاء في قول العرفاء (كان الله ولم يكن معه شيء، والآن كما كان). أما المثال الأول فيبدي ان ما يظهر انما يعبّر عن صفات المادة المشتركة، وان ظهرت بنور الوجود الالهي. وبحسب هذا المثال ان ظهور الخلائق ليس فيه ما يحمل صفات هذا الوجود، فالحق مخفي بوجودها، فيما انها ظاهرة بفعل الحق. ووفقاً للتعبير العرفاني انها تعتبر من حيث الباطن حقاً، ومن حيث الظاهر خلقاً[8].

 

يحيى محمد

مفكر وباحث

..............................

[1] للتفصيل انظر: الفلسفة والعرفان والاشكاليات الدينية، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت.

[2] للتفصيل انظر: العقل والبيان والاشكاليات الدينية، مؤسسة الانتشار العربي.

[3] للتفصيل انظر: منهج العلم والفهم الديني، مؤسسة الانتشار العربي.

[4] النحل\40.

[5] مثل قوله تعالى: ((قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)) آل عمران\ 47. وقوله: ((إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)) آل عمران\ 59.

[6] صدر المتألهين: الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، مع تعليقات ملا هادي السبزواري ومحمد حسين الطباطبائي، دار احياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1981م، ج1، ص70-71.

[7] انظر: القيصري: مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم، ج1، ص51. و حيدر الآملي: أسرار الشريعة وأطوار الطريقة وانوار الحقيقة، ص213-214. وجامع الأسرار ومنبع الانوار، ص393.

[8] للتفصيل انظر: الفلسفة والعرفان والاشكاليات الدينية.

hatam hamidmohsinتُعتبر الثقافة المتنوعة والمعقدة والمتغيرة باستمرار احدى أهم الخصائص الانسانية المتميزة. واعتمادا على كيفية تعريفنا "للثقافة" تعريفا دقيقا، لاشك ان بعض الحيوانات الاخرى، خاصة تلك القريبة منّا، لديها ثقافة. لكننا نتحدث هنا عن الموسيقا، الفن، الادب وما شابه.

وبسبب ان الثقافة هي جوهرية في تحديد منْ نحن، فلاغرابة في ان نرى الباحثين درسوا الثقافات محاولين الوصول الى نظريات عامة في توضيحها . هذا كان مقتصرا فقط على ميدان الانسانيات (الادب، الانثربولوجيا الثقافية). لكن فيما بعد اتسع ليشمل العلوم الاجتماعية (سايكولوجي، سوسيولوجي)، والآن دخلت الى المعركة العلوم الطبيعية، وبالذات البايولوجي.

فمثلا، احدى المحاولات المبكرة في استيراد ادوات العلوم الطبيعية في دراسة التغيرات الثقافية (او التطور "الثقافي") كانت قد تمت من قبل البايولوجيين الذين استخدموا ادوات رياضية من نظرية وراثة السكان ليدرسوا ما اُطلق عليه بالتطور الجيني الثقافي المشترك. اتجاه آخر اكثر شهرة برز من المصطلح الشهير (meme) (1) لريجارد دارون في كتابه الشهير (الجين الاناني) . نظرية الـ memetics او علم التطور الثقافي وضعها ريجارد دكنز عام 1976 وهي ربما افضل محاولة لتطبيق التفكير التطوري على الثقافة، ومع ان النظرية حظيت بشعبية واسعة لكنها لم تنل دعما كبيرا في الاوساط العلمية. تسعى نظرية "الجين الثقافي" لعقد مقارنة قوية بين التطور على المستوى الثقافي والتطور البايولوجي. انها تبدأ بالتفكير في خصائص الاختيار كعملية تتطلب وجودات تعيد انتاج نفسها، مثل التشابه بين الآباء وذرياتهم. تقول النظرية ان الوجودات التي لها القابلية على الاستنساخ المخلص لذاتها تستطيع توضيح هذا التشابه العابر للاجيال . في مستوى النماذج البايولوجية للتطور يُفترض ان الجينات هي المستنسخ الملائم. الجينات تعمل نسخ لنفسها، وهذه القدرة توضح لماذا الذرية تشبه آبائها . اذا كان على الثقافة ان تتطور، يصبح من الضروري ان تجد بعض اشكال الاستنساخ الثقافي والتي توضح الوراثة الثقافية . الـ (meme) تلعب بالضبط هذا الدور. يضع (دكنز) قائمة باشكال الجين الثقافي كالألحان الجميلة وملابس الموضة وطرق عمل القدور وبناء الاقواس. يُفترض ان جميع اشكال الجين الثقافي هي افكار والعكس صحيح . يرى دكنز ان الافكار يمكن تصورها ككينونات تنتقل من ذهن الى آخر مستنسخة نفسها بمرور الزمن. فكما ان الجينات تعمل نسخا لنفسها طبقا لتأثيراتها على الكائنات الحية الحاملة لها وعلى بيئتها المحلية، كذلك الافكار تعمل نسخا لنفسها طبقا لتأثيراتها على الناس الحاملين لها وعلى بيئتها المحلية. في حلقات العلماء، مثلا، مختلف الفرضيات يتم طرحها، وبعضها يتم الاعتقاد بها بشكل اقوى من غيرها. الفرضية التي تبدأ بذهن واحد او اثنين من العلماء تنتشر حتى تصبح مشهورة بين حلقات العلماء، بينما نجد فرضية اخرى تموت بسرعة. يمكن تمييز الخصائص التي تجعل فرضية تنتشر واخرى تموت . الفرضيات الأصلح ربما لها قوة تنبؤية او بسبب البساطة او لكونها تتكامل جيدا مع الهيكل العام للنظرية.

كان دارون يبحث عن بعض الامثلة خارج التطور البايولوجي لدعم فكرته بان مبادئ التطور الدارونية عبر الاختيار الطبيعي هي قابلة للتطبيق على نطاق اوسع قياسا بتركيزها التاريخي على الجينات وتأثيراتها على القدرات او اللياقات العضوية. اذاً (الـ meme) او الجين الثقافي يُفترض ان تكون وحدة للتطور الثقافي التي "يعاد انتاجها" و "تُختار"في البيئة الطبيعية بواسطة الذهن الانساني.

المشكلة مع هذه الاتجاهات هي انها اما محدودة النطاق او انها عمليا لا تعمل جيدا. هناك في الحقيقة بعض الامثلة الموثقة والمفهومة جيدا عن التطور الجيني – الثقافي المشترك. احد الامثلة هو التحول الى الاغذية المشتقة من الحليب، والتي تطورت بشكل مستقل ولعدة مرات في اوربا والشرق الاوسط قبل حوالي اربعة الى عشرة آلاف سنة . ذلك التحول حفز اختيار اشكال الجين المسؤولة عن انتاج انزيم اللاكتس الضروري لهضم الحليب المستهلك. السلوك الانساني والجينات الانسانية في هذه الحالة سارا جنبا الى جنب. كل منهما يؤثر على الآخر بعلاقة سببية مستمرة. محدودية هذا الاتجاه في دراسة الثقافة انه لا يتسع للكثير من الاشياء التي تقع تحت عناوين الثقافة.

ولهذا جرى اعتبار دراسة الجين الثقافي من جانب البعض كونها متفائلة كثيرا . ان مفهوم الجين الثقافي هو مفهوم مرن بطبيعته ويمكن تطبيقه على اي شيء بدءا من النغمات الجذابة وحتى الدين (انه مفهوم معقد وشديد التباين عادة يشار له بـ memeplex). ولكن سرعان ما برزت عدة مشاكل بشأن فكرة "الجين الثقافي". احداها، ان المفهوم مرن جدا لدرجة لا يُعرف بالضبط ما يُقصد بالجين و ما لا يُقصد به. ايضا، ليس فقط اننا لا نمتلك فكرة عن المادة الفيزيائية للجين الثقافي (على خلاف الجين الذي صُنع من احماض نووية كالـ DNA)، ليس واضحا ما اذا كان الجين الثقافي مرتبطاً بالضرورة بمواد معينة (الممرات العصبية؟والهارد دسك في الكومبيوتر؟). والاكثر اهمية، عندما يقول الناس ان جين X اختير بالافضلية بينما جينY اختير بالضد، فهم ببساطة يعيدون تأكيد ملاحظة (ان X مرغوب، بينما Y ليس كذلك) دون اعطاء اي تفاصيل حول آلية الاختيار. اذا قام البايولوجيون بذلك وفق نظرية التطور هم سيكونون متهمين بالدائرية (كما في "الاختيار يقود الى بقاء الاصلح، الاصلح هم اولئك الباقون على قيد الحياة"). الجين الثقافي لا يمتلك نظرية ايكولوجية، وظيفية في سبب اختيار جينات معينة دون غيرها. بدون هذا، سيكون الاتجاه اقرب الى الصفر في قوته التفسيرية. مجلة علم التطور الثقافي وبعد نشاط قصير، اعلنت عن اغلاقها، والاتجاه باكمله بقي كرمز للثقافة الشعبية، ولكن ليس كبرنامج اكاديمي بحثي فعال.

 

انتقادات اخرى لنظرية التطور الثقافي

البعض من علماء الاجتماع ومنظّري التطور يؤكدون ان مفهوم الـ (meme) لا يصلح لبناء نظرية في التطور الثقافي وذلك للاسباب التالية:

 

1- الوحدات الثقافية ليست مستنسخة

المستنسخون او الـ replicators هم وحدات تقوم باستنساخ ذاتها. هؤلاء النقاد يرون انه لا توجد آلية توضح كيفية استنساخ الاشكال الثقافية. معظم المواد الثقافية"يُعاد انتاجها"بصورة متكررة وفق ارتباط سببي بين جميع هذه المنتجات، لكنها لا يعاد انتاجها بمعنى الاستنساخ من واحد الى آخر، ولذا، فهي ليست meme حتى لو كانت نسخ قريبة من بعضها.

 

2- الوحدات الثقافية لا تشكّل عائلة او سلالة واحدة.

اذا كان الاستنساخ الجيني يستطيع تعقّب نسخة جديدة من الجين لأب منفرد، فان الافكار نادرا ما تُستنسخ من مصدر واحد بطريقة تسمح لنا بتعقّب سلالة معينة بشكل واضح.

 

3- الثقافة لا يمكن تجزئتها الى وحدات منفصلة.

الافكار هي في علاقات منطقية مع بعضها. مقدرة الفرد على اكتساب بعض العقائد يعتمد على ما لديه من مقدرة مفاهيمية. انه من المستحيل الاعتقاد بالنظرية النسبية دون فهمها. والمرء لا يستطيع فهمها دون الالمام بعدة معتقدات اضافية متصلة بالفيزياء. الشيء ذاته ينطبق على العقائد اللاتقنية. اعتمادا على الدين الذي يتحدث عنه الفرد، فان الايمان بالله يرتبط بمختلف العقائد الاخرى المتعلقة بالغفران والبعث والحب وما شابه. فلا توجد برأي هؤلاء النقاد سمات ثقافية صغيرة ومتفردة.

اذا ماذا؟ هل هناك طرق لدراسة التطور الثقافي من وجهة نظر العلوم الطبيعية؟ ورقة حديثة لالبرتو الكس و مسعود Albert Acerbi Alex Mesoudi، نُشرت في "البايولوجي والفلسفة"، تحاول تنقية الهواء من الكثير من الالتباس في حقل التطور الثقافي الداروني (الورقة متوفرة مجانا على الـ pdf). الكاتبان يؤكدان بوضوح : "ان دراسات التطور الثقافي تتميز بفكرة ان الثقافة تتطور طبقا لمبادئ دارونية واسعة. مع ذلك، فان مدى المقارنة بين التطور الثقافي والجيني يبقى عرضة للنقاش". الجزء الاكبر من ورقتهما هو محاولة للمساهمة بهذا النقاش بازالة العديد من الالتباس الذي برز في هذا الحقل حينما يتحدث الناس عن آلية معينة للتطور الثقافي، وبشكل خاص الفرق بين الاختيار الثقافي و "الجذب " الثقافي.

الاختيار الثقافي هو "عملية اختيار من بين مختلف الاشكال (مثل العقائد، الافكار) او النماذج ( الناس الذين يمكن للمرء الاستنساخ منهم). "الخيار البديل هو الموقف الذي تحدث به استمرارية بعض السمات الثقافية ليس بسبب الاخلاص العالي للانسيابية الثقافية وانما بسبب وجود "جذب ثقافي"مستقر. مثال على الاختيار الثقافي هو كيفية اختيار الناس اسم الولادات الجديدة من بين مجموعة كبيرة من الاسماء المرشحة. مثال على الجذب الثقافي هو عندما يحكي الناس قصة، مثل قصة ساندريلا. في الحالة الاولى، الاستنساخ يتم عبر تقليد عالي الطاعة: في الحالة الثانية، "يُعاد بناء"السمة الثقافية، والعملية ذات ولاء ضعيف نسبيا. الكاتبان (Acerbi and Mesoudi ) مهتمان بتفكيك هاتين الفكرتين، جاعلين منهما اكثر حدة، مشيرين بالضبط الى نقاط الاختلاف بينهما ومن ثم يجادلان بحدوث كلا العمليتين وانهما سبب للتطور الثقافي. ماهي الآلية السائدة و في ظل اي ظروف؟ ذلك يصبح سؤالا تجريبيا(مع انه ليس بالضرورة سهلا).

مثال جيد عن الدراسة الميدانية للجذب الثقافي هو ورقة نُشرت من جانب مورن (o. Morin (عام 2013 في "التطور والسلوك الانساني". انها تدور حول الفرق بين النظرات الحادة والمركزة في اللوحات الجميلة والنظرات الغير مركزة . مورن كان قادرا على توضيح ان اللوحات التي تبين نظرات مباشرة هي باستمرار اعيد انتاجها في الكتب بالاضافة الى ان هذه اللوحات ازدادت شعبيتها بمرور الزمن، الشيء الملفت هو ان الرسامين الافراد لم يغيروا اسلوبهم، لذا فان التواجد المستمر للوحات ذات النظر المباشر هو نتيجة للتفضيل الثقافي. مورن يقترح ان المتدربين من مختلف الرسامين قد غيّروا اسلوبهم نحو الاتجاه الجاذب للنظر المباشر وبعيدا عن البديل المضاد، او ان المتدربين استنسخوا اختياريا لوحات النظر المباشر لأنها كانت اكثر شعبية. هذا المثال يبين انه بالإمكان اجراء بحث قوي في دراسات التطور الثقافي، لكنه ايضا يجعل من الصعب الوصول الى آليات للتطور الثقافي: المقترحان اللذان طرحهما مورن يقعان ضمن المعسكرين الاثنين اللذين ناقشهما Acerbi and Mesoudi، المقترح الاول كونه مثال على الجذب الثقافي، الثاني عن الاختيار الثقافي. ولكن اي مركب حدث من الاثنين ؟ انه من الصعب الاجابة. ان الكثير مما طرح في اعلاه اُعلن في افتراض هام وهو: ان التطور الثقافي حدث فعلا طبقا لشيء ما قريب النسب من الآلية الدارونية. ولكن بالضبط، هل الدارونية آلية؟ "الدارونية"هي عامل تعديل معين للتطور، لذا نحن لا نستطيع ببساطة مساواة الدارونية مع التطور. التطور، في معناه الاوسع، يعني التغير بمرور الزمن. كما في الكون تغير منذ الانفجار العظيم (بك بانك). لكن ذلك ليس نظرية في الميكانيكية، انها وصف محايد. الحياة ايضا تطورت بذلك المعنى العام للعبارة، ولكن اذا كان هذا هو ما قاله دارون فسوف لن يكون لدينا علم في البايولوجيا التطورية.

ومن التعريفات الاكثرة شهرة للتطور الداروني والاكثر وضوحا هو الذي عرضه عالم الوراثة من هارفرد ريجارد ليونتن، في مقالة سميت "وحدة الاختيار"، نُشرت في المراجعة السنوية للبايولوجي والسيستيمتك عام 1970. هنا وكما "لاحظ عدد من التطوريين الحاليين، ان برنامج دارون يضم ثلاثة مبادئ

1- ان مختلف الافراد في السكان لديهم مختلف انواع المورفولوجي، السايكولوجي والسلوك.

2- مختلف الانواع لديها مختلف النسب في البقاء والتكاثر في مختلف البيئات (قدرات مختلفة).

3- هناك علاقة بين الآباء وذريتهم في مساهمة كل منهم بمستقبل الاجيال (القدرات القابلة للتوريث).

هذه المبادئ الثلاثة تجسد مبدأ التطور عبر الاختيار الطبيعي. في ظل هذه المبادئ، سيباشر الناس تغيرات تطورية.

وبشكل بياني : التطور (الداروني) = التباينات + القدرات المختلفة + الوراثة.

كيف يتساوى هذا مع فكرة الاعتقاد بالتطور الثقافي كعملية دارونية؟ من الواضح ان هناك تباين في السمات الثقافية. لنستعمل مرة اخرى الامثلة التي عرضناها سلفا من ورقة ACERBI and Mesoudi ، حيث هناك عدد من الاسماء لاختيار اسم المولود الجديد، هناك عدة قصص مثل قصة ساندريلا واخرى مشابهة. هنا نجد كلتا الحالتين نظر مركز ومباشر في اللوحة ونظر غير مباشر، وهكذا. اما بالنسبة للوراثة، فسنواجه اولى المشاكل.عندما يتم استنساخ السمات الثقافية (اسماء المواليد)، فنحن نمتلك طاعة عالية مشابهة للوراثة البايولوجية، و ربما مصحوبة بامكانية "التحول". الاختلاف الحاسم هو ان العديد من هذه التحولات ستكون نتيجة للخيار الواعي من جانب الآباء، وليس نتيجة العمليات العشوائية. ذلك مهم، لانه يفصح عن المحاباة المتأصلة، وبالتالي امكانية الاتجاهية للتطور الثقافي الذي يجعلها سلفا تبدو مختلفة كليا عن اقرانها البايولوجيين. ولكن اذا كنا نتحدث عن عملية "اعادة البناء"المطلوبة في ظاهرة الجذب الثقافي (مثل، اعادة قصة ساندريلا)، عندئذ سينخفض استنساخ الطاعة بشكل دراماتيكي، والعملية الناتجة تبدو حتى اقل دارونية. اخيرا، نحن لدينا قضية القدرات المختلفة. هنا، نعتقد، وحيث تبرز اصعب المشاكل حول فكرة التطور الثقافي الداروني، ولأسباب مشابهة لتلك التي حكمت الجين الثقافي . ما هي السمات الثقافية التي هي اصلح من غيرها، وفي اي بيئة ثقافية ولماذا؟ ليس من الملائم مجرد القول ان السمات الاصلح هي تلك التي "تبقى"بشكل مختلف، لان ذلك يرقى الى التعريف الدائري للعملية. كارل بوبر قال انه اذا كانت الدارونية هذه، عندئذ سوف لن تكون نظرية علمية، وانما "برنامج بحث ميتافيزيقي".

الدارونية "البايولوجية"، تتجنب المسؤولية بسبب شيء ما سمي الايكولوجيا الوظيفية. نحن لا نقول، مثلا، الجسم المشابه يتشكل من حيوانات سابحة سريعة – كأن تكون اسماك او مامالس – تطورت دائما وبمرور الزمن لانها كانت الاصلح. لدينا تفسيرات قابلة للاختبار، مرتكزة على هايدرو ديناميك، توضح لماذا هي اصلح، وفي الحقيقة هي اصلح من البدائل الممكنة. نحن لا نقول ان النباتات القادرة على خزن الماء في اوراقها المعدلة هي اصلح في بيئة صحراوية. نحن نعرف لماذا هي اصلح في تلك البيئات عندما تقارن مع الاوراق العادية والاعضاء الخازنة للماء المتجسدة في نباتات من بيئات اخرى. وهكذا. انها هذه المقدرة على الربط الوظيفي بين الهياكل البايولوجية ومزاياها الاصلح هي التي تجعل نظرية دارون نظرية تنبؤية علمية مقابل القصص التي تبدو معقولة لكنها في النهاية غير قابلة للاختبار. التحدي امام طلاب التطور الثقافي، هو المجيء بتوضيحات ايكولوجية وظيفية لسبب وجود سمات ثقافية معينة اصلح من غيرها في بيئات ثقافية محددة. وايضا نحتاج لمعالجة المسألة اعلاه المتعلقة بآليات الوراثة الثقافية.

في النهاية، لايزال السؤال مفتوحا ما اذا كنا نستطيع تطوير نظرية دارونية متماسكة في التطور الثقافي، او انه من الافضل ترك المقارنة مع التطور البايولوجي والاعتراف بان الثقافة تختلف كثيرا عما يستحقه الحيوان من اطار توضيحي ونظرية خاصة به. بالطبع، التطور الثقافي لا يزال مرتبطا بالتطور البايولوجي، لسبب بسيط وهو اننا في كلتا الحالتين مخلوقات ثقافية وبايولوجية. لكننا ربما امامنا طريق طويل قبل تسوية الاثنين والوصول لتوضيح مقنع عن الكيفية التي ارتبطا بها مع بعضهما.

 

حاتم حميد محسن

...................

المصادر

1- The Philsopher’s Magazine 26 october 2015

2- Stanford Encyclopedia of philosophy Cultural Evolution,

 

الهوامش

(1) مفهوم الـ meme يشير الى فكرة او عقيدة او نظام عقائد او نموذج للسلوك يتغلغل في عموم الثقافة اما عموديا عبر الوراثة الثقافية (كما في حالة الانتقال من الآباء الى الاطفال) او افقيا عبر الاكتساب الثقافي (بواسطة الاقران او ميديا المعلومات او الميديا الترفيهية).الـ meme هي وحدة المعلومات الاساسية، تشبه الجين في ظهور نظرية التطور الثقافي.

مهمة هي الفلسفة التي تبحث عن اطار محدد للمعرفة بلا تجاوز.. ومهمة هي الفلسفة التي تبحث في السؤال المنهجي بدل التفاصيل.. ومهمة هي الفلسفة التي تبحث في نقد العقل ومصادره وقيمه عوض نقد الافكار والمذاهب.. واخيراً: مهمة هي الفلسفة التي تبحث عن امكانية تأسيس علم يخص الميتافيزيقا؛ على غرار ما تم نجاحه لدى علوم الطبيعة والرياضيات.

هذه هي المهمات الاربع التي تكفّل بعلاجها الفيلسوف الالماني الشهير عمانوئيل (كانت) (1724-1804) لدى مشروعه الضخم (نقد العقل المحض). فهو مشروع مكثف حول علاج حدود المعرفة الممكنة. وقد اطلق عليه (كانت) بداية الإعداد له اسم (حدود القدرة الحسية والعقل) كالذي جاء في خطابه المرسل الى صديقه وتلميذه القديم ماركوس هرتس (عام 1771). كما ارسل اليه خطاباً اخر في العام التالي جاء فيه ان بحثه دائر حول مدى المعرفة وحدودها، والتمييز بين الحسي والذهني في النظرية الاخلاقية. وقد تضمن الخطاب بان المشروع يتمثل في جزئين: نظري وعملي[1].

لقد اعتبر (كانت) ان ما قدّمه يمثل ثورة في البحث الميتافيزيقي اقتداءاً بما اجراه علماء الهندسة والطبيعة من ابداع ثوري لافت للنظر، فتمثّلَ اساس البحث لديه في المنهج وليس نظام العلم نفسه. وان ثورته هي على غرار ثورة كوبرنيك في الفلك، وهي الثورة التي قلبت التفكير من ان تكون المجموعة الشمسية هي الى تدور حول المشاهد في الارض الى العكس؛ فيكون المشاهد هو الذي يدور حول الشمس دون ان يكون ثابتاً. وكذا الحال في الفلسفة، ففي السابق اطبق الفلاسفة على الاعتقاد بان معرفتنا يجب ان تنتظم وفقاً للموضوعات، وقد قلب (كانت) هذه المعادلة جاعلاً قوانين الفكر هي الاساس والمركز الذي تتحرك حوله هذه الموضوعات وليس العكس كما كان يُعتقد، اذ تساءل في مقدمة كتابه (نقد العقل المحض): لِمَ لا نقلد ما تم انجازه من ثورة في طريقة التفكير لدى الرياضة والطبيعة؟ فلعلنا نستطيع حل مهام الميتافيزيقا بصورة احسن بعد الفشل الذي لازمنا قروناً طويلة استناداً الى الاعتقاد السائد، وان نفترض ان على الموضوعات ان تنتظم وفقاً لمعرفتنا[2].

هذا هو الفرض الذي افترضه (كانت) في اطروحته المتعلقة بتغيير طريقة التفكير، لكنه استدرك في الحال بانه قد اقام البرهان عليه في الكتاب لا بشكل احتمالي، بل بشكل يقيني انطلاقاً من تصوراتنا للمكان والزمان والمقولات او المفاهيم الاولية[3].

هكذا جاءت محاولة (كانت) لنقد اليات العقل وليس الافكار والمذاهب. والغرض من كل ذلك هو البحث عن امكانية اقامة علم موثوق للميتافيزيقا، او كيف يمكن ان تكون الميتافيزيقا علماً ممكناً على غرار ما هو حاصل لدى علم الرياضة والفيزياء او العلوم الطبيعية اجمالاً؟ وقد انتهى الى انكار هذه الامكانية نظرياً، وان امكن ذلك عملياً وفق ميتافيزيقا الاخلاق. وعليه اعتبر ان افق العقل العملي اوسع من ضيق العقل النظري، فطريق الاخير مسدود تماماً.

مع ذلك رأى هذا الفيلسوف انه لا مهرب من الاسئلة الميتافيزيقية لدى العقل البشري، فهي حالة طبيعية يندفع اليها الانسان ليحاول الاجابة عنها بكل اخلاص. ورغم كثرة المبادرات الفلسفية التي ظهرت طيلة تاريخ الفلسفة للاجابة عن هذه الاسئلة؛ الا انها لم تؤدِّ الى نتائج حاسمة او مقنعة. فالطريق الذي سلكه الفلاسفة هو طريق مسدود، وانسداده كامن في العقل البشري ذاته، دون ان يكون له علاقة بالمبادرات الفلسفية ذاتها. الامر الذي يذكّر بما كان يشير اليه الصوفية من ان العقل مقيد، وانه لا انعتاق منه ولا انفتاح له على الرؤية والكشف الميتافيزيقي الا بالسلوك العملي المتعلق بالذوق والشهود القلبي. فلدى الصوفية انه عندما تتجلى الحقيقة يرتد العقل.. وكل علم انتجه الفكر البشري لا يعول عليه.. وعلوم النظر أوهام وأغاليط عند علوم الالهام[4].

ان احساس (كانت) بالانسداد العقلي جعله يخوض تجربة اخرى تختلف عن تجارب كل الفلاسفة الذين سبقوه، كما تختلف عن تلك التي خاضها الصوفية بعد يأسهم من الطريقة العقلية. فقد وضع نظرية في المنهج تعمل على تقييد فعل الفلسفة وترسيم حدود خارطة المعرفة البشرية. ولسان حاله يقول بان الفائدة التي نجنيها من فعل الفلاسفة السابقين هي بمثابة التجربة الخطأ التي يستفاد منها في تغيير المنهج والمسار، كالفائدة التي تجنى من خيبة التوقع والانتظار عند انكشاف خطأ النظريات لدى العلوم الطبيعية، فالتحقق من ان النظرية خاطئة يمد بالحافز على البحث عن نظريات جديدة، وفيه يتحقق التقدم، كالذي يشير اليه فلاسفة العلم والفيزيائيون[5].

ان لفلسفة (كانت) أعظم الأثر على معاصريه من الفلاسفة والاجيال التي تلته الى يومنا هذا. فالنزعات المثالية التي شهدتها المانيا في عصره كانت متأثرة بمذهبه المثالي، ومنها مثالية فخته وشلنج وهيجل، ومن ثم شوبنهاور. كما ان المدارس التجريبية والتحليلية كانت متأثرة به هي الاخرى، وعلى رأسها الوضعية المنطقية. فقد اخذت هذه المدارس عن (كانت) ان للفلسفة غاية لا تتمثل في الكشف المعرفي، وانما هدفها تحليل المعرفة وضبطها ضمن حدود لا تتعداها. وهو النموذج الذي تقبله العلم احياناً بفعل نشاط الوضعية المنطقية لمنع الفلسفة من التأثير عليه. لكن الحال لم يدم، اذ برز تأثير الفلسفة على علماء الفيزياء وازداد فعله باضطراد الى يومنا هذا. وقد كان لفيلسوف ألمانيا تأثير بالغ على التيارات العلمية، واظهرت نتائج مذهبه انها قابلة للتكيف والتوفيق مع النزعات العلمية ولو بشيء من التأويل والتوجيه، وكان الكانتيون منقسمين الى صنفين: متشائمون ومتفائلون، اذ مال الصنف الاول الى استحالة معرفة العالم بسبب هذا السجن الذاتي لتركيبتنا الذهنية كما صورها (كانت)، فيما ذهب الصنف المتفائل الى ان الله خلق تركيبتنا العقلية لتطابق ما عليه العالم الخارجي. لكن المنظرين ذوي النشاط الثوري ذهبوا إلى امكان ان تتحسن هذه التركيبة وتتطور بل وتستبدل بأُخرى جديدة أفضل. فنحن الذين نخلق سجوننا الذاتية، لكن يمكننا هدمها من خلال النقد أيضاً[6].

لقد واجه (كانت) جدلاً تقليدياً يدور بين مدرستين متعارضتين هما المدرسة العقلية بزعامة ديكارت ولايبتنز وفولف، والمدرسة الحسية بزعامة جون لوك وديفيد هيوم وباركلي. وكان لذلك اثر بالغ عليه قبل كتابة (نقد العقل المحض). ففي البداية تأثر (كانت) بالاتجاه العقلي المتمثل بلايبتنز وفولف، كما يظهر من اول اثر له بعنوان (ايضاح جديد للمبادئ الاولى للمعرفة الميتافيزيقية) عام 1755. ثم تأثر بعد حوالي ثمان سنوات من ذلك الوقت بالاتجاه الحسي التجريبي كما لدى جون لوك وديفيد هيوم[7].

ويعتبر هيوم اهم فيلسوف حاول ان يضفي على التفكير البشري حدوداً لا تتعداها من خلال تحليله للمفاهيم التي يرتكز عليها التفكير الذهني، والتي كان الاتجاه العقلي يجعلها مفاتيح للكشف المعرفي بلا حدود، كما هي الرؤية التقليدية الموروثة منذ اليونان. وكان ابرز المبادئ التي خضعت للتحليل والمناقشة هو مبدأ السببية العامة القائل بان لكل حادثة سبباً ما.

وبلا شك ان تحليلات هيوم قد أثّرت كثيراً على فلسفة (كانت) الى الدرجة التي اعاد فيها الاخير مدار البحث ضمن ذات الاطار الذي جذب هيوم، رغم ان نتائجهما قد اختلفت تماماً، وهو القائل: ‹‹انني لاعترف صادقاً ان ما استذكرته من تعليم ديفيد هيوم كان هو على وجه التحديد العامل الذي أحدث - منذ اعوام كثيرة - أول هزة ايقظتني من سبات جمودي الإعتقادي، ووجّه أبحاثي في مجال الفلسفة التأملية وجهة جديدة››[8].

وقد يكون لمبدأ السببية وما يتضمنه من (الضرورة والكلية) القسط الاعظم من تأثير هيوم على (كانت).

لقد توسط (كانت) في تحليلاته الترسندالية (أو الترانسدنتالية transcendental) بين المدرستين العقلية والتجريبية الحسية، فهو لم يتفق مع ما انتهت اليه فلسفة هيوم وغيره من الفلاسفة الحسيين في رد السببية الى التجربة المحضة، معتبراً ان لهذا المبدأ اعتبارات عقلية سابقة على التجربة هي التي تعمل على تنظيم ارتباطاتها. لكنه في الوقت ذاته لم يتفق مع المدرسة العقلية في ان لهذا المبدأ بداهة مطلقة ومصداقية موضوعية غير مشروطة.

ففي الاساس ان حجر الزاوية التي اعتمدها (كانت) في تأطير المعرفة البشرية انما جاء من خلال مبدأ السببية. فقد ادرك (كانت) - وقبله هيوم - بأن تحليل هذا المبدأ هو ما يخول لنا القرار فيما اذا كان هناك مبرر للتعرف على القضايا الميتافيزيقية، ام انه لا بد من الوقوف عند اطار التجربة الحسية فحسب؟

فلم يكن هناك مبدأ اخر غير السببية يعول عليه عادة في تجاوز القضايا التجريبية الى ما بعدها من القضايا الميتافيزيقية، اذ يكاد يكون هو الجسر الوحيد الرابط بين الاطار التجريبي وما بعده لدى الفلاسفة. وبالتالي يكاد يكون الوحيد الذي يتعين من خلاله الكشف المعرفي الميتافيزيقي، وبدونه يصبح الهدف الفلسفي محصوراً ضمن اطار التحليل من دون تجاوز.

وقديماً كان بعض الفلاسفة يشير الى ان العقل الفلسفي محدود للغاية في جني ثمار المعرفة الميتافيزيقية، فنتائجه الصحيحة مجملة وضئيلة تماماً كالذي قرره صدر المتألهين، فمثلاً يُعرف به أن لسلسلة الممكنات مبدءاً يرجح وجودها على عدمها، فيكون واجباً لذاته. إضافة إلى أن ما يثبته من صفات للواجب يرجع أكثر مفهوماتها إلى سلوب محضة أو إضافات أو غير ذلك من المعلومات التي حقيقتها إدراكات إجمالية للمفاهيم الكلية. لذلك عوّل هذا الفيلسوف الاشراقي على طريق آخر للمعرفة حدده بأمرين: إما إخبار الشارع، أو بواسطة الشهود العياني الذي يتحلى به الأنبياء والأولياء وأمثالهم من العرفاء الكاملين[9].

ان ترجيح وجود الممكنات على عدمها قائم على السببية والتي اعتبرها صدر المتألهين من القضايا المحدودة في الكشف المعرفي الميتافيزيقي. وهذا هو جوهر ما استهدفه (كانت) بالنقد والتحليل؛ ليصل الى نتيجة جديدة لم تطرق على بال احد من الفلاسفة الذين سبقوه، سواء من التجريبيين او العقليين. فمبدأ السببية يشغل القسم الرئيس من تحليل العقل النظري، ومن خلاله يتبين ان كان يمكن تجاوز الاطار الحسي والتجريبي للمعرفة ام لا؟

 

مشكلات نقد العقل المحض

بادئ ذي بدء تتصف النصوص الصعبة الفهم بانها عرضة للتأويلات الكثيرة، خلافاً لغيرها من النصوص السهلة. وتتضاعف المهمة الملقاة على الباحث في النصوص الاولى مقارنة بالثانية، فالنص الصعب يحتاج الى بذل جهد مكثف لتحديد دلالة المفاهيم او افتراضها قبل القيام بنقدها وتقييمها، فيما ان النص السهل لا يحتاج الى هذا الجهد المبذول، بل يتحول الى النقد والتقييم مباشرة. على ذلك يتصف النص الصعب بالمراوغة، فمن المتوقع ان تختلف دلالات النص المفهومة من قارئ لآخر، وقد تكون خاطئة من وجهة نظر صاحب النص نفسه. وتظل عملية الانفتاح على الهرمنة والتأويل محفوفة بالشكوك المحيطة بدلالات النص ومفاهيمه. والمستفيد الوحيد في هذه الممارسة هو الكاتب. فمن الناحية الابستيمية يصعب على سهام النقد ان تصيب نصاً مراوغاً بانفلاته التأويلي.. فهو كالكثبان الرملية المتحركة.

ان النص الصعب يوحي بالتناقضات، لكنه في الوقت ذاته يراوغ في الكشف عن الدلالات والمفاهيم، وهي ما تجلب التشويش على فهم القارئ. ومثلما قد يكون النص متناقضاً فعلاً، فقد يكون القارئ متوهماً في حمله على التناقض، او في تأويله للمعنى ومحاولته تسديد هذه الثغرة.

ان ما سبق عرضه ينطبق بشكل واضح على نص (كانت) في مشروعه النقدي، وهو يعي ترائي التناقضات للقارئ كما تبديها الكتب الابداعية من امثال كتابه الخالد، لكنه عزا ذلك الى تشويه القارئ او قصوره عندما تُنتزع بعض العبارات من سياقاتها ويُقارن فيما بينها فتبدو متناقضة. في حين رأى ان من استوعب الفكرة باكملها سيتمكن من ازالة هذه التناقضات بكل سهولة.

هذا ما ذكره في خاتمة الطبعة الثانية للنقد[10]. فهو استدراك لما تعرّض اليه من حملة نقدية حادة أُتهم بموجبها بمختلف التُهم، ومنها ان كتابه حافل بالتناقضات.

وبلا شك ان هناك اسباباً عديدة تجعل النص الكانتي يتصف بالصعوبة والتعقيد، احدها يتعلق بصعوبة موضوع البحث، خاصة وان (كانت) اعترف في كتابه بانه لجأ الى عدم الشرح والاسهاب في التفاصيل الجزئية كي لا تكون على حساب اقتناص المعاني الكلية التي يريد تبليغها للقارئ من دون معوقات. اضافة الى انه نشر الكتاب على عجل خشية وفاته، فقد دفعه للطبع بعد اربعة او خمسة اشهر من اكمال إعداده الذي طال مدة احدى عشرة سنة، منذ (عام 1770 وحتى عام 1781)[11]. بمعنى انه لم تتوفر الفرصة الكافية لاصلاح عبارات الكتاب. كذلك ان (كانت) ضمّن الكتاب الكثير من مصطلحاته الخاصة، وانه قد تقصّد ان يستخدم لغة معقدة غير معاصرة، مما يجعل القارئ يتيه وسط تعبيراته اللغوية والمفاهيمية المعقدة. فقد فضّل التعابير اللاتينية على الالمانية، مع اعترافه بانه يناقض الذوق والاسلوب الانيق[12]. وهو احياناً يشير الى كونه يبحث عن الالفاظ القديمة المهجورة الميتة[13]. وهي حصيلة طالما اشتكى منها الشراح والنقاد، وان هذه المنظومة الفلسفية تشكل مجالاً خصباً للتأويلات الكثيرة، رغم الاحساس بالعمل الفكري الجبار، اذ فتح باباً من البحث النقدي للعقل البشري المجرد من دون سابقة احد.

ومن وجهة نظرنا ان (نقد العقل المحض) يتضمن احكاماً متناقضة من دون ادنى شك، كما يتضمن قضايا مصادرة واخرى غير معقولة. وقد يخيل للمرء وهو يباشر الدخول الى اروقة معالم هذا الكتاب الترسندالي ان يجد نظاماً منطقياً دقيقاً، خاصة وان (كانت) يشير بوضوح الى ان غرضه من هذا النقد هو ارساء فلسفة ذات احكام سالبة وليست موجبة، وكما قرر فان فلسفة العقل المحض تنحصر في الاحكام السالبة وذلك لتلافي اغلاط التوسع المعرفي غير المنضبط[14].

فهذا هو الهدف الفلسفي كما يراه، وهو جعل معارفنا منضبطة منطقياً ضمن حدود لا تتعداها. ولو تحقق هذا الهدف لكان الكشف العقلي ضيقاً ومحدداً وفقاً للضبط المنطقي المفضي الى الاحكام السالبة.

فمهمة (نقد العقل المحض) هي السلب لتطهير العقل وصونه من الاخطاء، مما يشكل ربحاً كبيراً. والمستهدف فيها هو تصويب معارفنا وليس توسيعها، وذلك بنقد قدرة العقل الخالص نفسها، وعليه يمكن محاكمة الفلسفات القديمة والحديثة على ضوء هذه المهمة العظيمة كالذي يشير اليه صاحب هذه المهمة[15].

ان الاحكام السالبة فارغة بالفعل.. وهنا تكمن اهميتها، اذ لا مجال لاي غلط ممكن عند تطبيقها على القضايا الفلسفية التي تتجاوز نطاق التجربة الممكنة او الحدس الحسي والرياضي المحض. فلا يمكن تلافي اغلاط القضايا التي لا تخضع للمحاكمة التجريبية والحدسية الا عبر الاحكام السالبة. وهذه هي ثمرة البحث النقدي. فلقد استهدف (كانت) تقييد الفعل الفلسفي عبر هذه الفائدة السلبية لرصد الزيادات المعرفية التي لا معنى لها، وهي الفائدة الوحيدة لاي فلسفة للعقل المحض، فهي فائدة سلبية لجعل معارفنا منضبطة التعيين والتحديد من دون توسع، ففضلها هو الاحتراز من الاغلاط وليس كشف الحقيقة[16]. وتعتبر هذه الاثارة التي قدمها (كانت) من خلال الاحتكام العقلي اعظم طعنة تتعرض لها المذاهب الميتافيزيقية. فهي تواجه اشكالية التوسع المعرفي في البحث الميتافيزيقي، فيما ان الاطروحة الكانتية تفرض من منطق العقل ذاته مغالطات الكشف المعرفي خارج حدود التجربة الممكنة والحدس القبلي المحض، ومن ثم يصبح الهدف الفلسفي لا يتجاوز التحليل عبر وظيفة العقل النقدية، بغية تجنب الاخطاء والمغالطات التوسعية، وبذلك يحفظ للفلسفة كرامتها وتقديرها على حد وصف صاحب النقد[17].

ان المهمة الفلسفية التي حملها (كانت) على عاتقه هي مهمة منطقية صرفة. فالمنطق اداة صورية محايدة للكشف عن الحقائق. ومن وجهة نظر فيلسوف بروسيا انه ينبغي على الفعل الفلسفي ان لا يتجاوز هذه المهمة البليغة، وبالتالي فمعنى الفلسفة عنده هو غير ما تعارف عليه لدى الغير.

وبلا شك ان هذا التحليل متأثر بالرؤية الهيومية الى حد كبير، مثلما كان له اثره الواضح على الفلاسفة التحليليين والوضعية المنطقية ازاء الموقف من الوظيفة الفلسفية ونقد القضايا الميتافيزيقية.

ونعتقد ان نتائج الاحكام السالبة واضحة، فهي تتضمن منطق (اللاادرية) لعجز العقل الترسندالي عن ان يحدد احكاماً موجبة، فهو لا يثبت شيئاً ولا ينفيه، او انه عاجز كلياً عن ان يحدد اي موقف خارج الاطار الحسي والتجريبي، كالذي تمسكت به الوضعية المنطقية فيما بعد، لكن هذه الاخيرة اضافت الى الاحكام الترسندالية صفة (اللامعنى)، بمعنى ان النتيجة التي توصلت اليها هذه المدرسة تختلف في تفاصيلها عن النتيجة التي توصل اليها (كانت)، فرغم ان كلا الاتجاهين يمنع اقامة علم للميتافيزيقا نظرياً، الا ان نوع الممانعة لدى الوضعية المنطقية مضاعف، فهي لا تحيل هذا العلم فحسب، بل انها تعتبر القضايا التي تخصها هي قضايا بلا معنى خلافاً لتصور (كانت). وقد يتم توجيه صفة (اللامعنى) الوضعي للقضية الميتافيزيقية بحسب المعنى الضعيف والقوي. فلو تمّ حمل هذه الصفة على المعنى القوي لكان الحكم موغلاً في الايجاب لا السلب، حيث يتضمن نفي المصاديق الميتافيزيقية من الوجود تماماً. اما لو تمّ حمل الصفة المذكورة على المعنى الضعيف، فستكون النتيجة عبارة عن الشك واللادرية المطبقة. ويعتبر المعنى الضعيف هو ما تعوّل عليه هذه المدرسة الفلسفية.

ان كل ما يريد (كانت) ابلاغه للقارئ والمتعلم للفلسفة هو الكف عن البحث في القضايا الميتافيزيقية. فمهمة الفلسفة اساساً هي نقد العقل ومحاصرته نظرياً، ويصبح على الدارس للفلسفة ان لا يتعلم الا ما يتعلق بالتاريخ الفلسفي. وبذلك يوحي (كانت) الى ان هذا التاريخ منقسم الى مرحلتين، هما مرحلة ما قبل (كانت) والمرحلة الثورية (الكانتية)، وتقرر المرحلة الاخيرة انه ليس هناك موضوع خارجي محدد للتفلسف عبر العقل النظري، كما ليس هناك مجال لان يقال فلان فيلسوف، وهي نظرة سلبية تشاؤمية حتمتها الدوغمائية الكانتية بعد سعيها للقضاء على الدوغمائية الميتافيزيقية كما تمثلها المرحلة الاولى.

ان انكار صفة الفلسفة والفيلسوف على المشتغل في القضايا الميتافيزيقية تجد تبريرها لدى الدوغمائية الكانتية. فهي تنكر على الفلسفة ان يكون لديها مسلمات مثلما تنكر عليها ان تفضي الى براهين، وبالتالي فهي غير قابلة للتعلم سوى تاريخياً، واقصى ما يمكن تعلمه هو ان نتفلسف.

اذن تتعلق النقطة الجوهرية في نقد (كانت) بالموضوعات الميتافيزيقية، فهي تُعتبر لب البحث الفلسفي وجوهره. والغريب في الامر ان (كانت) لم يحافظ على المنطق المعقول وراء نقده وتحليله، فقد لا يختلف اثنان انه ينبغي ان ينتهي من وراء تحليلاته التضييقية الخانقة الى منطق اللادرية، فهو المعنى المناسب للاحكام السالبة فيما يخص القضايا الميتافيزيقية، كالذي انتهى اليه ديفيد هيوم من قبل، لكنه على العكس حوّل الحكم السالب الى موجب دون ان يبالي بالتناقض. واذا كان منطق اللادرية او الحكم السالب يفرض على المحلل ان لا يثبت القضية الميتافيزيقية ولا ينفيها، بل يستسلم الى الجهل وعدم القدرة على اثبات شيء، فان (كانت) لم يلتزم بهذه النتيجة المنطقية، رغم انه لم يعمل – نظرياً - على اثبات القضية الميتافيزيقية ولا نفيها، بل لجأ الى حكم موجب اخر هو الرفع وعدم الاعتراف بوجود موضوع للقضية المطروحة في البحث الفلسفي، او نفي موضوع القضية اساساً.

وكمثال للتوضيح نفترض اننا مهما حاولنا ان نصل الى جواب محدد لانضمام زيد الى المدرسة او عدم انضمامه لم نتمكن من ذلك نتيجة تعارض الادلة حوله. فمع ان المنطق قد يجعل احتمالات انضمام زيد وعدم انضمامه واردة ومتكافئة، لكن ذلك لا يخولنا ان نقطع بأن زيداً كموضوع ليس له وجود بالمرة، فدلالة عدم قدرتنا البتة من ان نعطي جواباً محدداً حول انضمام زيد بفعل تكافؤ الادلة لا يفضي لنا بنتيجة اخرى جديدة هي نفي وجود زيد تماماً[18].

والمعنى الذي اردنا بيانه هو ان (كانت) انتهى من تكافؤ الادلة حول اثبات صفة موضوع محدد ونفيها الى نفي الموضوع اساساً؛ استناداً الى بقاء الجدل العقلي الترسندالي دون اعطاء نتيجة راجحة للادلة المتعارضة، فهو لم يحتمل – على الاقل - ان العقل عاجز عن تحديد صفة الموضوع كعجزه عن تحديد اغلب القضايا الميتافيزيقية، وهو العجز الذي لا يدل بالضرورة على نفي موضوعات الميتافيزيقا من الاساس، فعدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود. وبذلك فان (كانت) لم يحافظ على الجانب المنطقي كحد اقل، خلاف ما وعد به من الضبط المنطقي في طرح مثل هذه القضايا. فلقد توسط بمبررات غير كافية للاستدلال على محاور اثبات احكام موجبة، اذ لم يمتلك من الدليل سوى كشفه عن عجز العقل الترسندالي عن اعطاء نتيجة محددة نهائية عبر جدله (التاريخي) الذي لا ينتهي. وربما تكون الوضعية المنطقية اكثر حكمة من (كانت) في هذا الصدد، فعلى الاقل انها من حيث المبدأ لا تنفي ولا تثبت شيئاً يتجاوز الحس والتجربة، وذلك بغض النظر عن اضافة صفة (اللامعنى) على القضية الميتافيزيقية.

قد تكون عظمة فلسفة (كانت) في كونها فتحت طريقاً جديداً للتفلسف، وهو مراجعة احكامنا الفلسفية، فهي اقرب للمنهج منه الى التفلسف. وهي بهذا تمثل فارقة في تاريخ البحث الفلسفي، لذلك قد يكون (كانت) اعظم فيلسوف في تاريخ الفلسفة بعد افلاطون وارسطو الى يومنا هذا من دون استثناء، رغم ان طروحاته امتازت بعدد من المفارقات والتناقضات، وان قراءة نصه الفلسفي توحي خلف السطور انه كان مدفوعاً بتجاذبات من الميول المختلفة، وعلى رأسها الميول الدينية البروتستانتية. فقد حاول ان يفند طرق العقل في تحديد المضامين الميتافيزيقية ليتيح للايمان ان يحل محله. وكما يقول: كان عليّ ان انسخ العلم كي افسح المجال للايمان. وهو يذكّر بان عدم نقد العقل المحض هو مصدر كل جحود للاخلاق، وبالتالي جاءت محاولته لتعيد الثقة بالاخلاق والدين[19]. فهذه هي مشكلة (كانت) التي لم تجعله فيلسوفاً خالصاً كما يُفترض.

ان اهم وسيلة تتخذها الفلسفة مبدئياً هي الضبط المنطقي للوصول الى تحديد القضايا سلباً او ايجاباً، نفياً او اثباتاً، او بقاء الامر معلقاً من دون تحديد وفقاً لطبيعة الادلة المطروحة بلا تناقض ولا مغالطات. فهذه هي مهمة الفلسفة او الشعار الذي تنادي به، وكل مسعى يتجاوزها لا ينتمي الى الفلسفة الخالصة. حتى العلم لا يتخذ الوسيلة التي تسير عليه الفلسفة، فهي تجعل اهم مقدماتها مرتبطة بالجانب المنطقي من دون تجاوز، فيما ان العلم يجيز تجاوز الحدود المنطقية بحثاً عن الثمار النفعية البراجماتية، ولو ادى الامر الى بعض المغالطات المنطقية، كالذي يتبين من موقف العلم ازاء التعميمات العلمية[20].

للاسف ان هذا الحال من الضبط المنطقي لم يلتزم به (كانت) في جدليته حول الموضوعات الميتافيزيقية. لقد اراد ان يظهر تناقضات العقل بأداة العقل ذاته، وابتغى من ذلك القضاء على العقل النظري بمنطق العقل الفلسفي التاريخي، وهو ما يذكرنا بفعل الغزالي في (تهافت الفلاسفة) وكيف انه اراد ان يدحض المقالات الفلسفية وتعجيز الفلاسفة من ان يثبتوا شيئاً من القضايا الميتافيزيقية ومنها المسألة الالهية، وتبيان تناقضاتهم والرد عليهم تعويلاً على مذاهب كلامية مختلفة، مستخلصاً من ذلك تهافت العقل الفلسفي او المجرد في ان يصل الى شيء محدد. وكما اعلن انه يريد الكشف عن تناقضات الفلاسفة ووجوه تهافتهم والاعتراض عليهم كمنكر لا مدع مثبت‹‹فأبطل عليهم ما اعتقدوه مقطوعاً بإلزامات مختلفة، فألزمهم تارة مذهب المعتزلة وأخرى مذهب الكرامية؛ وطوراً مذهب الواقفية، ولا أنهض ذاباً عن مذهب مخصوص بل أجعل جميع الفرق إلباً واحداً عليهم، فإن سائر الفرق ربما خالفونا فى التفصيل، وهؤلاء يتعرضون لأصول الدين، فلنتظاهر عليهم فعند الشدائد تذهب الأحقاد››[21].

هكذا تمّ توظيف الجدل العقلي الميتافيزيقي او الترسندالي لهدم التوسع العقلي او اظهار تناقضاته، مما يفرض القيود المنطقية عليه، كالذي مارسه (كانت)، ومن قبله الغزالي في تهافته، بغض النظر عن الدوافع الدينية التي تقف وراء ذلك، بل وكما توصل اليه فخر الدين الرازي من الاعتراف بعجز الإنسان عن أن يرجح دليلاً على آخر معارض، وقضية في قبال أخرى، مستعرضاً بعض الأمثلة الميتافيزيقية التي استخدمها (كانت) فيما بعد ضمن احتجاجاته على الجدل العقلي الترسندالي[22]. وهناك طريقة اخرى لهذا الهدم والتضييق، كالذي مارسه الامام ابو الحسن الاشعري خلال القرن الرابع الهجري، اذ تكفل من خلال العقل النظري الترسندالي ذاته الى ان يبطل العقل العملي المجرد، وهي عملية معاكسة لغرض (كانت)، اذ قام الاخير بتحجيم العقل النظري ليفسح المجال للعقل العملي ان يتوسع ويدلي بدلوه الفاعل.

لقد واجهت محاولة الاشعري رفضاً من ذوي النزعات العقلية، كما انها رُفضت من ذوي النزعات البيانية كالحنابلة، حيث حاول الاشعري ان يسترضي إمام حنابلة بغداد المدعو (البربهاري) ليطلعه على مناصرته لأهل السنة والسلف لاكثر من مرة[23]، لكنه واجه رفضاً واعتراضاً على طريقته الجديدة في الانتصار لمسلك السلف من خلال الجدل العقلي[24]. ومثل ذلك كانت محاولة فيلسوف المانيا غير مرضية لدى اهل الايمان واهل الالحاد على السواء، فالاخيرون اعتبروا انه يريد ان يبرر لاحلال الدين محل العقل، فيما اعتبره المؤمنون بانه ذو نزعة شكية غير مقبولة، لذلك مُنعت فلسفته من التدريس، وقد وصل الحال لدى رهبان بعض الاديرة ان سموا كلب الحراسة لديهم باسم (كانت)[25]. وكل ذلك جرى خلال عصره المعروف بعصر التنوير.

لا نشك بأن للمنطق براعة فائقة في تأسيس الاحكام السالبة والابتعاد عن الاحكام الموجبة. فكل حكم موجب يحتاج الى ما يكفي من الدليل، لذلك يتصف المنطق بالحياد، وهذه هي صفته الرئيسة، ومن ثم لما كانت الفلسفة تعتمد عليه فلا بد من ان يهبها هذا الحال شحنة سالبة.

وهذا ما بشّر به (كانت)، لكنه لم يف بما وعد به، فاصدر احكاماً دون ان يدلي حولها بادنى دليل، ومن ذلك وصفه للشيء في ذاته باوصاف الهية ميتافيزيقية يجعله يصادم موقفه السلبي اتجاه القضايا الميتافيزيقية وعلى رأسها المسألة الالهية. وهو يعترف بمصادرته لهذه القضية مثلما صادر قضايا اخرى، حيث لم يجد حيالها اي دليل.

ومن الناحية الفلسفية اتهم المعاصرون لهذا الفيلسوف بانه يرمي الى المثالية الذاتية على شاكلة باركلي، او على الاقل فيما انتهى اليه ديكارت من نتائج، وقالوا فيه انه ‹‹باركلي بارع››، او هو ‹‹مجرد صدى للايبتنز››، او ‹‹هيوم بروسيا››[26].

واعتبروا نصه الفلسفي مليء بالتناقضات، ومن ابرزها التناقض الخاص بمسألة العلية او السببية، ويكاد ينطبق هذا الحال على موقفه من الدليل اللاهوتي الخاص بالمسألة الالهية، كالذي عرضناه لدى بعض الدراسات.

وكان على رأس القضايا التي تعرض بسببها الى النقد قضية (الشيء في ذاته)، فهي العلامة الفارقة لدى مذهب (كانت). بل هي ذاتها فرضية الدخول الى عالم الميتافيزيقا الذي أحاله بشتى الوسائل، فيما دخل اليه عبر الوسيط المتمثل بهذا الشيء. وبالفعل ان فيلسوف بروسيا كان بأمس الحاجة الى هذا الافتراض، وذلك ليؤسس البديل المطلوب بعد نقضه للعقل النظري، اي ليشيد من خلاله العقل العملي، وهو ما يجعل نظرية (كانت) براجماتية غير برهانية، اي خلاف سائر المنظومات الفلسفية التي سبقته. فالعقل النظري مقيد فيما العقل العملي موسع، بل عند الربط بين العقلين على معرفة واحدة يمسك العقل العملي بالاولية، ولا يقبل ان يكون العقل العملي خاضعاً للنظري، لأن كل مصلحة هي في نهاية الامر عملية، وحتى مصلحة العقل النظري نفسها ليست كاملة الا مشروطة وفي الاستعمال العملي لا غير[27].

ان الاعتماد على الشيء في ذاته هو ما يشكل نقطة ضعف نظرية (كانت)، وقد كان معاصروه يدركون هذا المعنى، ومن ذلك ما صرح به فخته، كذلك ما قاله معاصره الناقد جاكوبي: ‹‹بدون الشيء في ذاته لا يمكنك الدخول الى بناء كنط، وبه لا يمكنك الاستمرار فيه››[28].

ونرى ان اهم اعتراض يمكن توجيهه الى فلسفة (كانت) هو انها تؤسس لشروط المعرفة الممكنة، فيما انها تفتقر الى شرط امكان هذا التأسيس، فهي غير قابلة للنهوض منطقياً، وذلك استناداً الى مصادراتها التي اشادت عليها بنيانها المعرفي، وطبقاً للبرهان واليقين الدوغمائي الذي ادعاه (كانت) حول فلسفته النظرية، حيث اعتبرها برهانية قطعية. فرغم انه شرّح خارطة العقل البشري وارتباطاته المنظومية، ومن ثم الاحكام التي رآها حقيقية وصحيحة وفق نقده الترسندالي، لكن المعايير المبدئية التي اعتمدها لم تتصف بالكاشفية، بل كانت مهمتها الربط والتأليف فحسب، وهي بالاضافة الى ذلك مشروطة بقيود الموضوعات الحسية، ورغم انه اعتبرها تحتاج الى دليل لكنه لم يقدم حولها دليلاً معتبراً، حتى بدى وكأن هذا الفيلسوف يتبنى نظرية حسية فجة، وانه عمل على تبريرها بمنطلقات عقلية ذاتية من دون ان تكون مورداً لليقين التام او المطلق. في حين تحتاج الفلسفات القطعية الى ان تتأسس على معايير يقينة متعالية على النقد.

***

وعموماً لو قمنا بتحقيق ما قدمه (كانت) من حجج اثباتية فسنصل الى انه لم يثبت لنا شيئاً خارج (الأنا) وفق العقل النظري. فهو لم يتمكن من اثبات الواقع الموضوعي، كما لم يتمكن من اثبات الشيء في ذاته استناداً الى الحجج التي قدمها بهذا الصدد. وبالتالي فانه لم يستطع ان يثبت اي شيء خارج التصورات الذاتية.

لقد سقط (كانت) صريع مبدأ السببية الذي اراد تحليله بعناية. كما وقع في عدد من التناقضات المفضوحة والتي من الصعب توجيهها وتأويلها. ويبقى انه لا بد من التدرج – لدى دراساتنا المقبلة - في طرح ومناقشة ما قدمه من فلسفة جديدة حاولت ان تقلب موازين العقل البشري، ليتبين لنا اين مكامن الخطأ التي سقط فيها هذا الفيلسوف العظيم.

 

يحيى محمد

مفكر وباحث عراقي

...............................

[1] محمود زيدان: كنط وفلسفته النظرية، دار المعارف، مصر، الطبعة الثالثة، 1997م، عن مكتبة الموقع الإلكتروني: www.4shared.com.

[2] عمانوئيل كنط: نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة، مركز الانماء القومي، بيروت، عن مكتبة الموقع الإلكتروني: www.4shared.com.

[3] نفس المصدر.

[4] العطار: تذكرة الأولياء، ج2، ص274 و141. كما للتفصيل انظر القسم الثاني من كتابنا: مدخل الى فهم الاسلام، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، 2012م.

[5] للتفصيل انظر: منهج العلم والفهم الديني، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، الطبعة الاولى، 2014م.

[6] للتفصيل انظر كتابنا: علم الطريقة. كماانظر:

Lakatos, I. The Methodology of Scientific Reserch Programmes, Philosiphical Papers, Volume1, Editted by Jhon Worrall and Gregery Currie, First Published 1978, Reprinted 1984, Cambridge University Press, p.20-21.

[7] عبد الرحمن بدوي: إيمانويل كنت، وكالة المطبوعات، الكويت، الطبعة الاولى، 1977م، عن مكتبة الموقع الإلكتروني: www.4shared.com.

[8] زكي نجيب محمود: ديفيد هيوم، دار المعارف، مصر،1958م.

[9] صدر المتألهين الشيرازي: مفاتيح الغيب، تقديم وتصحيح محمد خواجوي، مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگي، ص473ـ485 و75ـ76. وايقاظ النائمين، مقدمة وتصحيح محسن مؤيدي، مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگي، 1982م، ص40 و72.

[10] نقد العقل المحض.

[11] كنط وفلسفته النظرية.

[12] نقد العقل المحض.

[13] نفس المصدر.

[14] المصدر نفسه.

[15] المصدر نفسه.

[16] المصدر نفسه.

[17] المصدر نفسه.

[18] لقد أورد (كانت) مثالاً توضيحياً مختلفاً ليدل على المطلوب، اذ ذكر بأن القضية القائلة: (ان لكل جسم رائحة طيبة او كريهة) هي قضية خاطئة، حيث يمكن الاعتراض على هذا التقسيم بنفي التعميم واعتبار بعض الاجسام ليس لها رائحة فواحة بالمرة. لكن مثالنا الوارد في المتن هو اقرب للتوضيح لما اراد (كانت) الاستدلال عليه.

[19] نقد العقل المحض.

[20] للتفصيل انظر كتابنا: الاستقراء والمنطق الذاتي، دار افريقيا الشرق، المغرب، الطبعة الثانية، 2015م.

[21] الغزالي: تهافت الفلاسفة، مقدمة ثالثة.

[22] انظر: مدخل الى فهم الاسلام.

[23] أبو الحسن محمد بن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، دار المعرفة، بيروت، ج2، ص18.

[24] للتفصيل انظر: مدخل الى فهم الاسلام.

[25] إيمانويل كنت.

[26] كنط وفلسفته النظرية.

[27] إمانويل كَنْت: نقد العقل العملي، ترجمة غانم هنا، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، الطبعة الاولى، 2008م، عن مكتبة الموقع الإلكتروني: www.4shared.com.

[28] كنط وفلسفته النظرية.

akeel alabodليس كيانا ماديا هذه التي عن طريقها نبحث عن الاستقرار والسعادة، انما هي وجود غير مادي، لا يمكن رؤيته، هي بها تتحرك هذه الكتلة الكثيفة من كيمياء المادة الى فيزياء اللامادة. (اللامادة) كونها محيط افتراضي، اي اعتباري، هنا في البحث فهي تمثل الفضاء غير المادي، اي الوجود الذي يحيط بعالم المادة، رغم ان هذا الوجود بحقيقته ماديا، ولكن فقط لأغراض التوضيح، حيث ان التصور قائم على اساس ان الروح كتلة تعيش بين أمواج بحر أصم.

المعنى من التصور الاعتباري هذا، هو اننا نتحرك كاجسام، ككثافات، ككتل مادية في وجود يحيط بنا، هذا الوجود يشمل على طبقات هوائية مختلفة، هذه الطبقات بها ومنها نتنفس الأوكسجين، ونتزود بالطاقة الضرورية، التي تجمعنا مع كائنات حية، اخرى، تتنفس معنا، ترتبط في حياتنا كما علاقة النبتة بصناعة الكلوروفيل، وكما علاقة الضوء بالحياة والحركة.

إذن هنالك صلة، او علاقة تلازمية بين كيمياء المادة، اي التركيب الكيميائي للمادة، وفيزياء الضوء، والطاقة،  التي تعد مصدرا لحركة المادة.

هذه الطاقة تتكون من الهواء، والماء، والتراب، والنار، وهذه  العناصر والمكونات تتوقف عليها حياة الانسان، والنفس هنا تعود في معناها الى انفاس الانسان؛ فهي تتنفس الأوكسجين، وتطرح ثاني أوكسيد الكاربون الضروري لحماية التوازن البيئي. 

ولذلك قوله سبحانه في سورة الواقعة،" افرءيتم الماء الذي تشربون، ءانتم انزلتموه من المزن ام نحن المنزلون، لو نشاء جعلناه اجاجا فلا تشكرون، أفرأيتم النار آلتي تورون، ءانتم أنشأتم شجرتها، ام نحن المنشئون [1].

والمزن بحسب معجم المعاني الجامع هو السحاب الذي يمطر، اولا يمطر[2].

فهنالك أسباب وعلل تجتمع لكي يكون المطر والماء الذي هو أوكسجين الحياة.

المعنى ان كيمياء المادة، خلقت من هذا النسيج الهلامي الذي يعد بيتا من بيوت الطاقة، والذي مصدره الخلية الحية للجسم البشري، كما باقي الأجسام الحية.

لقد خلقت الروح من نفس الخالق، حيث ورد في سورة الحجر " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين[3].

ثم كان العقل متمما،  حيث قوله في سورة البقرة "وعلم آدم الأسماء كلها"[4].

من هنا يمكننا ان نقول ان النفس لا يمكن ان تحيا بلا جسد، باعتبار ان الجسد هو النسيج المادي الذي يتغذى من مكونات الوجود الذي يحيط به، والنفس تنمو بظل هذا الجسد، فهي متشرنقة معه، تحيا مع الكيان الحي، والإنسان هنا باعتباره نموذجا، فهو يتكون من العقل المرتبط مع الروح، ليتحرك ويشغل نصابه في هذا العالم.

 

عقيل العبود

 

--------------

[1] سورة الواقعة، (٦٧-٧٢).

[2] معجم المعاني، ت ٥.

[3] سورة الحجر اية، (٢٨-٢٩)

[4] سورة البقرة اية (٣٠).

zouhair khouildiاستهلال: "العدالة ليست أن تكون متضامنا مع الشعوب المقهورة ولكن أن يكون لديك حب الحق والرغبة في الاحتفاء بأولئك الذين يلهبهم الجحيم والعمل معهم، بأولئك المعذبين في الأرض بلغة فرانز فانون"1

يتبادر إلى الأذهان إلى أن النخبة هي كتلة متجانسة من الكائنات العاقلة وأنها تحتل قلب الأحداث ومركز القرار وتوجد في البني الفوقية وعلى رأس المؤسسات والأحزاب والهيئات وأنها تمنح الدول الاستمرار وتحافظ على ذاكرة الشعوب وتلاحم المجتمع وصلابة التقاليد وتتمسك بسيادة الوطن وتعتز بالهوية. وتتوزع بين الاقتصادي والاجتماعي وتنتقل بين السياسي والنقابي والحقوقي وتتبادل الأدوار مع المجال الإعلامي والمجال الثقافي وتتحكم بصورة مستمر في التنظيم الإداري والنشاط الأكاديمي في الجامعات.

غير أن كل هذه التصورات مجرد انتظارات لا تأتي وأماني لا تحقق على صعيد الواقع، فنحن أمام نخبة مفككة يكثر فيها اللف والدوران،وتتشكل من كتل متحولة تعرف الكثير من الذهاب والإياب والمنسوب القيمي الذي تمتلكه يشهد بدوره الكثير من الصعود والهبوط وقد أدى ذلك التخبط إلى هروب من الحرية والوقوع في نية سيئة تظهر في صورة التباين بين الأفكار والأقوال والأفعال والفجوة بين التنظير والعمل.

كما يمكن تفريع الموضوع إلى حقول متعددة بما أننا أمام نخب في الجمع وليست نخبة موحدة في المفرد وتتكون من عناصر متحركة وتعلب عدة أدوار ولها الكثير من المصالح وتحتل مواقع في المجتمع متنوعة ويوجد في كل نخبة جانب محافظ يميني يشده للماضي وجانب تقدمي ثوري يتجه إلى الأمام وينشد التغيير.

لقد شملت المداخل المفضية إلى دراسة النخبة اهتماما سوسيولوجيا بمسائل "طباع الشخصية" وبحثا حول "خصائص الذوات الفردية ومحاولة إيديولوجية مفلسة من بعض المنظرين لمعرفة "طبيعة المجتمعات"، وأطلقت العديد من الصفات النوعية مثل الطليعة والصفوة والأنتليجنسيا وخاصة الخاصة والطبقة المهيمنة ومجموع الشخصيات الاعتبارية والبيروقراطية والتكنوقراط والملأ وأولياء الأمور والأشراف والأعيان والعلية كمقابل العوام والسواد الأعظم والشعب والعامة والدهماء والحشود والجموع والطبقة المضطهدة.

اللاّفت للنظر هو توتر العلاقة بين النخبة "المثقفة" و"عامة" الشعب وتبادل نظرات الازدراء والتبخيس، فظهرت بعض النعوت التعزيرية على غرار الشعوبية والنخبوية. غير أن المنطق الثوري حكم بالحركية والتسلق الطبقي وصارت النخبوية دورا طليعيا وأضحت الشعبية حركة نضالية تعبر عن انحياز والتزام.

تحتاج النخبة أكثر من أي وقت مضى إلى نقد ذاتي في مرحلة أولى ويطلب الموقف المعرفي النظر إلى نفسها من زاوية الجمهور والمجتمع المدني لا من زاوية السلطة الرسمية في مرحلة ثانية وبالإضافة إلى ذلك انه من المستعجل بالنسبة إليها أن يتم عرضها على طاولة التشريح وتجرى عليها عمليات النقد والتفكيك لكي تتخلص من الآفات التي تهددها وتخرج من الوضع المقلوب والوعي الزائف الذي تعانيه.

فهل تحتاج الدولة الديمقراطية الحديثة إلى جمهور مستنير أم إلى نخبة فاعلة؟ وهل النخبة العربية مذعورة وخائفة أم هي مدجنة ومهترئة؟ وبأي معنى ترضخ تحت التبعية ومغلوب على أمرها؟ وكيف تمارس المهادنة والمراوغة؟ متى تخرج من وضعها المتأزم وتعود إلى ممارسة دورها الطليعي في القيادة والتأثير؟وبماذا يتم تحديد النخبة؟ هل من خلال العناصر التي تشكل منها أم من خلال الموقع الذي تحتله؟ وأي وظيفة أساسية يطلب منها أن تؤديها؟ ومن يصنع النخبة عندنا؟ هل هو المناخ العام أم سلطة الدولة؟ وماذا لو كانت طبيعة الجمهور هي التي تؤثر في تشكيل النخبة التي تقوده؟ وبأي معنى تمارس النخبة دورا عموميا وذلك بالاضطلاع بتنوير الجمهور ؟ ولم لا يمكن تصور جمهور بلا نخبة أم نخبة بلا جمهور؟ ألا يجدر بالنخبة أن تهتدي بالعقل الجمهوري وأن تتعلم إيتيقا التفاهم وآداب الحوار وفنون التواصل من الشيم الاجتماعية وقيم التضحية والوفاء والضيافة وإرادة العيش المشترك التي يدخرها الرأسمال الرمزي للأمة؟ وما مستقبل النخب في الحالة العربية؟ أي دور استراتيجي لها في حضارة إقرأ؟

في التفارق بين النخبة والجمهور:

"إن تمييز عصر التنوير بين الإيمان بالسلطة واستخدام المرء عقله تمييز مشروع بذاته. فإذا حل نفوذ السلطة محل حكم المرء الخاص، حينئذ تكون السلطة في الواقع مصدر الأحكام المسبقة. ولكن هذا لا يحول دون أن تكون السلطة مصدرا للحقيقة "2.

لقد قيل "كما تكونوا يولى عليك" وقيل أيضا حال النخبة يعكس الظروف المادية التي تعيش فيها وبهذا المعنى تعيش النخب في ظل التفاوت بين الطبقات والاحتدام بينها وتزايد الهوة بين الأثرياء والمعدمين وتفكك الطبقة الوسطى التي كانت تمثل إطار التوازن وفضاء التعايش السلمي بين الأفراد والجماعات.

يمكن التحقق من مجموعة من الفرضيات واختبارها بواسطة تشريح أزمة الجسد الاجتماعي اليوم:

- لا يحترم المجتمع نخبه ولا يمنح مثقفيه الاعتراف ولا يقوم بتقدير مبدعيه ولا يجد المجدد التأييد الضروري من المجال العام الذي يتوجه إليه وما يحضر هو عدم الاكتراث والصد والازدراء.

- لقد وقع افتكاك زمام المبادرة من النخبة من طرف الجماهير وانتصرت إرادة الشعب على النزعة الأنانية وسادت العقلية التضحوية على الروح الاستثئارية وشطبت القوى الشبابية الصاعدة حاجتهم إلى المنقذ والزعامة والقيادة ووقع التعويل على الذات والمضي قدما.

- لا فرق بين النخب التقليدية التي تستمد وجودها من سلطة التقاليد وتمارس دورها في إطار الترسب الاجتماعي والتراكم التاريخي للخبرات والنخب التحديثية التي تعيد إنتاج نظام الهيمنة على الجمهور بوسائل تقنية ووسائط اتصال متطورة وتستبدل المقولات التراثية بمقولات حديثة .

- لا تحل الطريقة التمثيلية أزمة الديمقراطية النيابية بل تزيد من درجة التوتر بين النخبة والجمهور لما تسيء الجماهير اختيار ممثليها وتتنصل الفئة المنتخبة من تلبية رغبات الناخبين ومطالبهم.

ينظر الجميع بالإعجاب ويمنحون التقدير إلى رجال الدين ورجال المال والى رجال السياسة وفي المقابل يعزفون عن تقدير المظلوم والمناضل والشاعر والكاتب والمثقف والمفكر والحكيم والمبدع والمربي باستثناء من ينال منهم شهرة وتشاء الظروف أن يحصل على جوائز مالية ويتوج في مسابقات رسمية.

+ ما نلاحظه هو وجود هوة بين التفكير العلمي للنخبة في شخصياتها الوظيفية والتصورات العامية التي تحدد سلوكها وتفاوت في درجات الوعي الأخلاقي بين الانتماء إلى المجموعة العلمية وساحة المجتمع.فهل يعود هذا التمزق الوظيفي إلى الفجوة القائمة على الصعيد الأخلاقي بين التفكير العلمي والتفكير العادي؟

+ حاولت النخبة عقلنة المعتقدات الدينية وانخرطت في مشروع العلمنة الفوقية التي قادتها الدولة الوطنية ولكن يبدو أنها عجزت عن إنتاج مرجعية أكسيولوجية بديلة عن الرؤية الدينية للكون وفشلت في تحويل بعض القيم مثل الحرية والعدالة والمساواة إلى معايير توجيهية للسلوك بالنسبة للجمهور، بل تبنت معقولية سياسية وإيتيقية ونادت بمنظومة حقوقية هجينة ومستنسخة من تجارب ثقافية مختلفة وحاولت إسقاطها بشكل تعسفي على الذات الجماعية بالرغم من تصادمها مع التمثلات التي يوفرها المكون الحضاري واعتدائها المتكرر على الرأسمال الرمزي للمجتمع (آداب الشدة وإحراجات التفريق)، فألا يعبر مثل هذا التمشي عن حالة من الاغتراب (الغربة)؟ ومتى تكون النخبة الخاصة بنا ثمرة المعقولية الذاتية؟

+ لقد أكدت الفلسفة المعاصرة على الحضور القوي للدين في المجال العام ( دريدا- هابرماس- رولز- تايلور) ودعت إلى التعامل الايجابي مع الظاهرة الدينية في بناء الديمقراطية في المجتمعات التقليدية. غير أن النخبة الخاصة بنا واصلت نهجها الانغلاقي وأصرت على التناقض بين الدين والديمقراطية ووقعت في الخلط بين الإسلام والتيارات السياسية التي تدعي الانتساب إلى الفكر السياسي الإسلامي وتبنت من حيث لا تدري الأحكام المسبقة الخاطئة التي دأب الغرب على إصدارها حولها وساهمت في تشكل الخطاب الاستشراقي الذي حاول أدوار سعيد تفكيكه بالكشف عن آليات الهيمنة التي تمارسها الأجهزة الإيديولوجية للعولمة بقوله: " المفارقة الساخرة تكمن في أن الآراء الغربية حول الإسلام تفضل، إجمالا، أن تقرن الإسلام بما يعارضه مسلمون كثيرون في الوضع الراهن: العقاب، والاستبداد، والأنماط المنطقية المتصلة بالقرون الوسطى والسلطة الدينية"3. فكيف تتخلص النخبة في مستوى نظرتها المعيارية لنفسها من قبضة الخطاب الاستشراقي الذي يقوم بتغطية الإسلام وشيطنة العرب بعبارة أدوار سعيد؟

يترتب على ذلك أن التمركز على الذات وتبني الخطاب الاستشراقي والوقوع في الاغتراب بالمعنى الاجتماعي والاقتصادي والغربة بالمعنى الروحي والوجودي وانتاج ثقافة آمرة تبشر بالمجتمع المغلق والأحكام المعيارية المطلقة هي التي وفرت أرضية التفارق بين النخبة والجمهور وتشكل نظرة استعلائية.

"ولعلنا لا نغالي إلا قليلا في قولنا إن المسلمين والعرب تتم تغطيتهم الإعلامية أساسا ويدور النقاش حولهم ويتم إدراكهم بوصفهم موردي نفط أو إرهابيين محتملين. أما تفاصيل الحياة العربية – الإسلامية والكثافة الشعورية الإنسانية وزحمها النابض قلم يدخل إلا النزر اليسير منها حتى في وعي أولئك الذين امتهنوا تغطية العالم الإسلامية ووضع التقرير عنه. ونجد لدينا عوضا عن ذلك سلسلة محدودة من الكتابة الكاريكاتورية الفجة المختزلة حول العالم الإسلامي معروضة بطريقة من شأنها أن تجعل هذا العالم معرضا للعدوان العسكري"4. فماهي الشروط التي يجب توفيرها لتحقيق المصالحة بين النخبة والجمهور؟

 

في المصالحة بين النخبة والجمهور:

"لقد مكنت الرؤى الميتافيزيقية والدينية عن العالم النخب الفكرية الصاعدة من التعالي على أحداث العالم بما فيها العمليات السياسية وعلى تبني موقف مستقل نحوها جملة واحدة ومنذ ذلك الحين صار الحكام السياسيون عرضة للنقد أيضا"5

+ لقد ميزت الفلسفة المعاصرة مع أرندت وفايل ولوفور وهابرماس بين السياسة والسياسات والسياسي ونزلت الوظيفة الطليعية للنخب ضمن التمثيل الرمزي للدولة في النقاشات العمومية من أجل السيطرة على القرار السيادي وليس ضمن الفهم الذاتي للجماعة التاريخية أو آلية المشاركة السياسية من طرف المجتمع المدني في الحياة المدنية واثبات قدرته في مواجهة التقاليد البيروقراطية. لكن النتيجة هي احتكار النخب صفة التكلم بلسان الشعب وادعائها التمثيل الحقيقي ونزع صفة السياسة عن الجمهور وتحييد السياسي من التدخل في الإطار السيادي للدولة. فكيف تحولت النخب إلى "سدنة" للأنظمة الاستبدادية؟

إذا أردنا تحديد النخبة علينا بالعودة أثناء البحث إلى الكوادر والإطارات والكفاءات في مرحلة أولى والى البرامج المصاغة والتصورات المنجزة والتجارب التكوينية والمخابر العلمية والنظم التعليمية في مرحلة ثانية، ثم الحفر في المسلمات الضمنية والخلفيات والتقاليد والمرجعيات ورؤى العالم في مرحلة ثالثة.

في الواقع يجب التمييز بين الدولة والنخبة ومن المفروض الانتباه إلى أن النظام السياسي الذي يتحكم في دواليب المجتمع هو الذي يجعل النخبة وسيطا ضروريا للتواصل والتأثير على الشعب وفي المقابل تدعي النخبة تمثيل الجماهير والتعبير عن طموحاتها وتطلعاتها ولكنه تتحول إلى أداة طيعة عند السلطة الحاكمة.

"لا نستطيع أن ننكر العنف الذي يختبىء في التمثيل اللاّمتكافىء للقوى الاجتماعية داخل جهاز الدولة وهنا يكمن الصواب الجزئي لماركس : إننا لا نعرف دولة لا تمنح منافع وامتيازات للطبقة المسيطرة"6

لا جدال في أن الدولة تقوم بتأمين الاستمرار الفيزيائي للنخبة وتضمن لها تحقيق مصالحها المادية ولكن في المقابل تعمل النخبة على تحقيق التماثل بين دولة القوة ودولة الحق وتتدعي عملها من أجل مصلحة الجميع وليست دولة الفئة الغالبة على حساب مصالح الفئات الاجتماعية الأخرى وتحتكر العنف لصلحها.

لكن من جهة أخرى بأي معنى يجب القول بأن الدولة هي التي تنظم الجماعة التاريخية وتعتمد على القوة المعرفية للنخب بدل الحق والشرعية؟ وهل مازالت هناك جدوى لدور النخب في المجتمعات العربية؟

لقد كشفت الإنتفاضات والثورات العربية منذ عقود عن خفوت وتراجع إن لم نقل عن صمت مريب وأحيانا عن تواطؤ ماكر وضليع لبعض النخب السياسية والمثقفة في إجهاض مشروع التغيير الديمقراطي الحقيقي ضد كيانات الاستبداد والإفساد في الوطن ولأن جل النخب على اختلاف مشاربها وتوجهاتها السياسية والثقافية والفكرية قد أخلفت موعدها مع هذه اللحظة التاريخية الحاسمة بشكل عام.

يفسر برهان غليون في مقدمة كتابه "مجتمع النخبة" فشل الدولة القومية في تحقيق التحرر السياسي والعقلي بمهربين رئيسيين: المهرب الأول التعلل بضخامة الهجمة الامبريالية بدل إلقاء المسؤولية على القيادة التاريخية والاجتماعية، والمهرب الثاني هو تبرير التراجع بتقاعس الجمهور وجمود الشعب ومحافظته الدينية والعشائرية. "إن الشعب مذنب وان على النخبة المثقفة أن تقوم بدورها في الطلب من الشعب التكفير عن سيئاته تجاه حكامه ومنقذيه. وهذه المقولة موجهة أساسا إلى النخبة المثقفة الجديدة لعزلها عن أية محاولة تعاطف مع الشعب المسحوق ولدفعها لتقف مع الدولة ضد الشعب "7.

كما يطرح على طاولة النقاش فرضية أن "الوعي الاجتماعي لا يشكل امتدادا عفويا أو تطورا تلقائيا لعقل أو لبنيان عقلي ثابت لا في شكله ولا في مضامينه وسواء أكان عربيا أم أجنبيا، قديما أم حديثا، وإنما هو محصلة حية ومركبة لمجموع الممارسات الاجتماعية. ومن هنا يصبح الفكر وتصبح الإيديولوجيا وأشكال الوعي جزءا من استراتيجيات التحول الاجتماعية الشاملة . ولن تعود حسب غليون دراسة الحركات الإيديولوجية وأشكال الوعي مرتبطة بالكشف عن جوهرها الثابت والجامد وإنما تابعة لدراسة السياسة أو السياسات الثقافية التي تعبر عن استراتيجيات مختلف الفئات الاجتماعية في الصراع على حيازة السلطة الفكرية أو الرمزية في المجتمع.إذ تقوم الإيديولوجيا باحتواء المعرفة وتوظفها في الصراع الاجتماعي بشكل رمزي. بناء على ذلك يمكن أن تنتزع الفكرة الإيديولوجيا من سياقها الاجتماعي والتاريخي وتلعب دورا مغايرا وتؤدي وظيفة مناقضة لوظيفتها الأصلية وتتحول الفكرة التحررية إلى وسيلة لممارسة القمع والاستبعاد وتصبح الإيديولوجيا الثورية غطاء نظريا للممارسات الرجعية والمحافظة المطلقة على الوضع القائم. كما لا تتعامل الإيديولوجيا بالمضمون المعرفي للأفكار بل تستخدمها رمزيا وتخضع لمصالح السياسية والأغراض الاجتماعية ومن جهة مقابلة يمكن "للإيديولوجيا الرجعية أن تستعمل العلم والنظريات والمفاهيم العلمية كأساس لها... وليس من المستبعد أن تعكس الممارسة القطرية والطائفية نفسها في إيديولوجيا قومية... أو تأخذ الممارسة المحافظة والمعادية لكل تغيير أو إصلاح لغة الإيديولوجيا الثورية، وإلا الطموح إلى سلطة مادية استهلاكية مظهر الإيديولوجيا الروحانية والمثالية"8.

لقد برزت المفارقة عندما يكون الجمهور وليس النخبة من خلال الانخراط الايجابي في الحراك الثوري والمشاركة الشعبية الواسعة في الاستحقاقات الثورية وبعد ذلك الرضا التام بالمسار الانتقالي وعزوفه عن الاحتجاج والفوضى والتزامه بقواعد النظام وتوجهه نحو العمل هو الذي ساهم بشكل فعلي في نجاح التجربة الثورية في البداية والعملية الانتقالية بعد ذلك. على خلاف ذلك واصلت النخبة مسلسل الصراع على المواقع وسارعت بكل الطرق نحو حصد المنافع وتحركت وفق منطق الغنيمة والمصلحة الفردية فزاد منسوب الملكية والربح والثروة لديها واتسعت الهوة بين الفقراء المضطهدين والأغنياء المحتكرين. في المقابل، أليس المطلوب هو يقظة ضمير لدى النخب؟ وبأي معنى تسبق الجماهير في امتلاك الوعي؟

ماهو الدور العمومي للنخبة؟ وألا يخفي وظيفة إيديولوجية خاصة لفائدة للطبقة الحاكمة؟

"إن التحرر، عقليا كان أو ماديا، وبصرف النظر عن الإيديولوجيا التي يمتشقها والراية التي يرفعها، لا يمكن أن يتحقق ضد الشعب، وإنما معه، وبقدر ما يكون له لا عليه. وكل ما عدا ذلك هو عودة مقنعة للقرون الوسطى ولعقلية النخبة الاجتماعية الملهمة والمعصومة التي تضع نفسها فوق الجماعة، بل بديل عنها"9

يعتقد البعض أن دور النخبة هو إنارة الرأي العام والمجاهرة بالحقيقة في وجه السلطة والانحياز للطبقات المضطهدة وتقوم بتبني مطالبها وتدافع على حقوقها وتحرص على إخراج الجموع من وضع الجهل والتوحش والتبعية والقصور إلى وضع المدنية والحرية والمواطنة والمشاركة الفعلية في الحياة المجتمعية.

غير أن استنطاق الوظيفة الإيديولوجية للنخبة يبين خلاف ذلك تماما ويكشف عن وجوه خفية وأدوار غير معلنة وأسرار في عملية التشكل والصنع وينتبه إلى الدور الخصوصي للنخبة في إضفاء الشرعية على ممارسات السلطة القائمة ورعاية مصالح الأقلية من المتنفذين على حساب المصلحة المشتركة للناس.

كل نظام سياسي تشكل حديثا وأمسك بزمام الحكم في دولة معينة يقوم بصناعة النخبة التي تروج لإيديولوجيته وتمنحه الشرعية وتساهم في نفوذه واحتكاره التكلم باسم الشأن العام وممارسته الهيمنة على المجتمع وتدعمه في تحقيق أغراضه وتتمتع في المقابل ببعض الامتيازات الطبقية والمنافع المادية10.

لا أحد ينكر الدور الايجابي للنخبة على مر العصور والدليل أنه إذا أردنا معرفة حال ثقافة معينة فإنه يجدر بنا قياس درجة التحضر لدى نخبها الإصلاحية ولا ننفي عنها أيضا الدور السلبي الذي يمكن أن تلعبه نخبها المحافظة، ولكن ما نراهن عليه لا يتوقف عند كيل المديح للنخبة ولا يتعدى إلى تحميلها مسؤولية الكوارث التي حصلت للأوطان والتصحر الثقافي ولا ينصب حول شطبها من الوجود وإنما نرو إلى تعبيد الطريق نحو "جمهور النخبة" أو"نخبة الجمهور" مع حذف كل أشكال التعصب عن الجمهور ومظاهر الإقصاء عن المثقف النوعي دون الوقوع في الابتذال الجمهور وتبسيطه وتنميط النخبة وتعاليها.

يتساءل حنفي عن دور الجماهير في الحياة السياسية للدول العربية : "هل تعودت الجماهير في تاريخها الحديث من محمد علي حتى عبد الناصر على أن تعمل في الدولة وتخدم مشروعها الوطني الذي تقوم به الدولة نيابة عن الأمة؟ "11 يربط حنفي الانقلابات العسكرية بسلبية الجماهير وتجنيدها من طرف السلطة الحاكمة وقصر الفترة اللبيرالية ووفودها من الخارج بقوله:" تعودت الجماهير على الطاعة والسلبية والتصفيق للحكام حربا أم سلما اشتراكية أم رأسمالية قطاعا عاما أم قطاعا خاصا التي يعبر فيها الزعيم والقائد والأخ عن مصالح الجماهير؟هل اكتفاء الجماهير بالسعي وراء الرزق والبحث عن رغيف الخبز مع التنازل عن الحرية؟"12. بعد ذلك يفسر تأبد هذه العقلية السلبية بوجود آراء في الموروث القديم تجعل الجماهير مطيعة للحكام وخائفة من الحرية. في المقابل يدعو حنفي إلى مشاركة كافة الطبقات في المطالبة بالخبز والحرية معا وفي الخروج على الظالم وقول شهادة الحق في وجه إمام جائر بعد النصيحة والأمر بالمعروف ويدعو إلى تحمل الأمانة التي شرف بها الله الإنسان وأداء الرسالة التي حملها الإنسان طوعا أو كرها13. علاوة على ذلك يربط تخلف الدول بتخلف المنوال التنموي المعتمد ويبين أن التنمية قد كانت مركزية بفعل الدولة ودون مشاركة شعبية كبيرة أو رقابة ودون إحساس من الناس بأن عائدها لهم فإذا قامت محاولات تنموية جديدة فالأجدر أن تبدأ بإعادة صياغة مفاهيم التقدم والتأخر في الثقافة الموروثة حتى تتأصل مشاريع التنمية في الثقافة الشعبية وتكون نابعة من الناس ومن تاريخهم تحقيقا لمصالح حاضرهم وأملهم في المستقبل."14 فكيف نعيد للنخبة وظيفتها الأصلية وهي خدمة الفضاء العام؟ وهل يرتكز الأمر بالأساس على ادعاء العصمة والريادة باسم بتنوير الجمهور أم يستوجب النقد الذاتي والمراجعة الجذرية والالتزام بالشيم الاجتماعية والأصالة الحضارية ؟

لقد قام عصر التنوير بتشويه مفاهيم السلطة والنفوذ واعترض على أرستقراطية المعرفة وألغى التقسيم التقليدي للمجتمع إلى عامة وخاصة ونادى بجمهورية الحقيقة وديمقراطية المعرفة وحق الفرد في استعمال العقل بطريقة نقدية حرة. غير أن عصر التنوير فشل في تشويه مفهوم السلطة وبقيت النخبة الحكم المسبق الذي لا يمكن تفاديها في التنظيم العقلاني والفعل البيروقراطي لكل مجتمع حسب تعبير ماكس فيبر.

لقد نظر عصر التنوير إلى السلطة بوصفها المقابل للعقل والحرية ورمز للدكتاتورية التي تقتضي الطاعة العمياء والخضوع التام في حين أن هذا الحكم المسبق حسب غادامير يقوم بتحريف مفهوم السلطة في حد ذاتها وذلك لأن جوهر السلطة لا يتأسس على الطاعة والخضوع بل على فعل الاعتراف وامتلاك المعرفة.

فالأشخاص الذين يتمتعون بالسلطة ويشكلون نخبة المجتمع هم الأشخاص الذين يحتلون المقام الأول ويمتلكون معرفة وجدارة وأهلية ويحوزون على كفاءة أكثر من غيرهم ولهم أفضلية في الحكم والرؤية ويضطلعون بالأسبقية وتكون لهم الأولوية في اتخاذ القرارات المصيرية والمشاركة في التدابير الفعالة.

في الواقع لا يمكن أن توهب السلطة لبعض الأشخاص دون مران وتجربة ومعرفة ولا يحق لأي كان أن يتمتع بها دون طلب واجتهاد وبذل بل تستند إلى الاعتراف بالأفضلية ووعي العقل بحدوده ومنح الثقة لرؤية القلة. بالتالي لا يستوي الذي يعلم مع الذي لا يعلم وتم رفع البعض على البعض الآخر درجات ووجهت الدعوة للجمهور إلى طاعة أولياء الأمور ومشاورة أهل الحل والعقد من النقباء في دقائق الأحكام وسياسة الرعية. " وهكذا فإن الاعتراف بالسلطة مرتبط دائما بفكرة أن ما تقوله السلطة ليس غير عقلاني واعتباطي ولكنه من حيث المبدأ يمكن أن يكتشف بأنه قول حقيقي. وهذا هو جوهر السلطة التي يدعيها المعلم والأعلى مقاما والخبير."15

إذا فهمنا سلطة النخبة على نحو صحيح فهي لا تكون ذات علاقة بالطاعة ولا تتضمن القدرة على إصدار الأوامر ولا تستوجب أن تكون مطاعة ولا تستمد من الشخص الذي يمارسها بل ترتبط بالمعرفة وفعل الحرية وقدرة العقل على اكتشاف القول الحقيقي وما توفره هذه التجارب من رؤية أوسع وتعلم بشكل أفضل وتستند السلطة إلى الاعتراف وتتعلق برفعة المقام وأهمية الموقع وتستند إلى التراتبية والنظام.

يمكن مناقشة الأفكار المحافظة التي أتي مجد بها غادامير السلطة والنفوذ والتراث بالعقلانية النقدية عند يورغن هابرماس وتأكيده على الفعل التواصل بين الأفراد العاقلين والمواطنين الفاعلين في الفضاء العمومي ضمن تصور إجرائي تشاركي للديمقراطية يحترم التعدد والاختلاف ويقوم بتسويات وتفاهمات.

لكن كيف يتم الانتقال من شعار "تجنيد الجماهير" سيء الذكر من طرف النخبة من أجل تحقيق مصالح النظام السياسي الحاكم إلى الانحياز للعقل الجمهوري والنضال من أجل مطالبهم والالتزام بالمشاركة في التحرير السياسي والتغيير الفكري للمجتمع؟

 

خاتمة:

" إن الأصنام التي حاربها أنبياء العهد القديم كانت أصنام من حجر أو من خشب أو أشجار أوتلال، وان الأصنام في أيامنا هذه هي الزعماء والمؤسسات وخاصة الدولة والأمة، والإنتاج والقانون والنظام وكل شيء من صناعة الإنسان"16.

صفوة القول أن المطلوب عندئذ هو استبدال البضائع الايديولوجية التي يروج لها بعض الخبراء الإعلاميين ويسوق لها تكنوقراط الدعاية بقوة الأفكار وجرأة المواقف وصدق التخطيطات وجذرية التجارب النضالية والعمل على توحيد النخبة على ضوء مشروع قيمي كوني يتشكل من فعل الأنسنة الثقافية للمجتمع ومسارات تنوير المرن للجمهور بالاعتماد على مراجعات جذرية في الحضور الصادم للسرديات الكبرى وتتحول إلى عماد التوافق والاستقرار للجماعة التاريخية وأساس استمرارية الدولة بالرغم من تبدل الأنظمة السياسية. لكن توجد مشكلة تمنع قيام علاقة تواصلية بين النخبة والجمهور تتمثل في النقطتين التاليتين:

- لقد بينت أحداث الربيع العربي بأن العقل الجمهوري هو النبراس الهادي لحركة الشعب في تعبيره عن إرادته وبالتالي بان بالكاشف أن الجمهور ليس مغيبا وعاطلا بل واعيا ومثقفا ويحتوى على قيم أخلاقية وحس وطني وروح تضامنية قد تكون منقوصة عند النخبة إن لم تكن مفقودة ذاكرتها. لم تظهر النخبة العربية الأمانة المطلوبة في علاقة الثورة العربية وساهمت في توفير إمكانية الانقلاب عليها والتفريط في استحقاقاتها وكانت أدوارها التاريخية والوظائف العضوية معطلة وعديمة الفعالية. علاوة على ذلك ترى النخبة أنها نجحت في الانتقال من زمن الثورة إلى وضعية الدولة وذلك بتأمينها الانتقال الديمقراطي وبناء المؤسسات المدنية وكتابة الدستور التوافقي وتنظيم الانتخابات الحرة وتركيز التبادل السلمي على السلطة ولكن ما حدث على الصعيد التاريخي هو تأجيل الصراع الايديولوجي الحاد بين القوى المتنافسة والهروب من حالة الحرب بابرام الهدنة الاجتماعية وابرام توافقات هشة بين أحزاب سياسية وشرائح اجتماعية متناقضة.

- تبني النخبة هيبتها على العلو والمفارقة والانطواء على الذات وتمارس سلطتها من خلال العلاقة الهرمية مع المجتمع وتعتمد على آلية النفوذ Autorité المبنية على المشروعية التقليدية وحضور الأمس بصورة أبدية في الواقع الاجتماعي الراهن. في المقابل يطلب من النخبة بأن تقوم بدورها الطليعي وأن تسرع في عملية الاتصال الجماهيرية وأن تخرج من برجها العاجي وتنزل إلى الشارع ولا تكتفي بتأويل العالم بل تعمل على تغييره وهو ما يقتضي تشييد علاقة أفقية مع الجمهور.

- من المفروض أن تتحلى النخب بقيم الالتزام والعضوية وأن تكون على قدر عال من المسؤولية.

- من المأمول أن تنصف الجماهير نخبها وأن تكون وفية لقيادتها ورموزها وأن تسير على دربها في طريق الحرية والتقدم.

هل تتعلق الأمور الحيوية عند النخبة والجمهور على السواء بالخيارات أم بالأوليات؟

- على النخبة ألا تختار ما لا يمكن اختياره لأن ذلك قد يؤدي إلى تدمير شروط الحياة الاجتماعية والسياسية وربما ممارسة الحرية قد يؤدي إلى الهلاك الجماعي وبالتالي عليها أن تتحلى بالتواضع وتحترم التعددية التي تتسع للحياة الإنسانية بكل أشكالها الثقافية. " لا يقتصر الأمر على أننا نختار مع من نتعايش ولكن علينا أن نحافظ بفعالية على الطبيعة اللاإختيارية للتعايش الشامل والتعددي... لأنه قد نختار أين نعيش وقرب من نعيش لكننا لا نستطيع أن نختار مع من نتعايش على الأرض"17.

- على النخب أن تكف عن العجرفة والصلف وعن صناعة الأوهام وإطلاق الوعود الزائفة للجمهور والتشدق بالكليشهات الفارغة والشعارات الرنانة وأن ترتب سلم الأولويات لا حسب منفعتها الذاتية ولا وفق النجاعة التي تؤمن لها الاستمرارية بل حسب الطريقة التي تسمح لها باحتواء الأزمة وإنقاذ الجميع من الكارثة وذلك بتذكر المعاناة ومقاومة كل أشكال الاهانة والعار والعوز التي عانت منها الكرامة الإنسانية. بناء على ذلك " كيف نتعامل مع الكارثة عندما نلقي الضوء ونستجمع شجاعتنا لمواجهتها، والأهم نستجمع الشجاعة على التنظيم والتعبئة، أن نوحد أصواتنا لنمارس الضغط على الممسكين بالقوة؟"18 لكن يجب الحذر من أن تؤدي التعبئة المعتمدة على البلاغة الديمقراطية إلى سياسات تكنوقراطية وتوجد في منطقة غير بعيدة عن الثورة المضادة وتكون النخبة شاهدة على غرائز تقدمية فقدت برنامج الرعاية الصحية.

غاية المراد عند فروم "أننا لا نستطيع أن ننتظر موسى جديد أو بوذا جديد وعلينا أن نتعامل مع ما لدينا وربما في هذه اللحظة من التاريخ، فإن كل هذا هو للصالح "19.

بيت القصيد أن النخبة ليست طبقة خاصة موسومة بالعقلانية والنجاعة وتكون في مواجهة مجال عام يسود فيه التفكير اللاعقلاني ويتكون من جمهور من الناس أقل تثقيفا وأكثر جموحا وإنما تساهم مع غيرها في تحقيق التوافق الطوعي بين المواطنين وتحرص على إزالة أشكال سوء الفهم والعنف والحروب. فهل النخبة تقوم بتثقيف الجمهور أم تتعلم منه الشيم الأخلاقية؟ وهل الجمهور هو مجرد ورشة عمل تجري فيه النخبة تجاربها أم أنه يتمتع بالسيادة الذاتية وقادر على قيادة ذاته بشكل عقلاني و التحكم في مصيره؟ وماهي الشروط التي تساعد على تحقيق انتصار نخبة الجمهور على مجتمع النخبة ؟

 

د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

.......................

الهوامش والإحالات:

[1] كورنيل وست، دين النبوة ومستقبل الحضارة الرأسمالية، ضمن كتاب قوة الدين في المجال العام، ترجمة فلاح رحيم، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد بالتعاون مع دار التنوير، بيروت، طبعة أولى2013.صص150-151.

[2] غادامير (هانس جورج)، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا، طرابلس، ليبيا،طبعة أولى، 2007، ص385.

[3] سعيد (إدوارد)، تغطية الإسلام، كيف تتحكم وسائل الإعلام الغربي في تشكيل إدراك الآخرين وفهمهم، ترجمة سميرة نعيم خوري، دار الآداب، بيروت، طبعة أولى 1983- 2011، ص161

[4] سعيد إدوارد، تغطية الإسلام، كيف تتحكم وسائل الإعلام الغربي في تشكيل إدراك الآخرين وفهمهم، مرجع مذكور، ص116.

[5] يورغن هابرماس، السياسي، المعنى العقلاني لميراث اللاهوت السياسي المريب، ضمن كتاب قوة الدين في المجال العام، ترجمة فلاح رحيم، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد بالتعاون مع دار التنوير، بيروت، طبعة أولى2013.ص45.

[6] ريكور ( بول )، من النص إلى الفعل، أبحاث التأويل، ترجمة محمد برادة وحسان بورقية، دار الأمان، الرباط، المغرب، طبعة اولى، 2004. ص269

[7] غليون (برهان)، مجتمع النخبة، معهد الإنماء العربي، بيروت، لبنان، طبعة أولى، 1987، ص09.

[8] غليون (برهان)، مجتمع النخبة، مرجع مذكور، ص. 314.

[9] غليون (برهان)، مجتمع النخبة، مرجع مذكور، ص. 314.

[10] ريكور (بول)، من النص إلى الفعل،

[11] حنفي ( حسن)، الوحي والواقع، تحليل المضمون، مركز الناقد الثقافي، دمشق، طبعة أولى، 2010، ص320

[12] حنفي (حسن)، الوحي والواقع، تحليل المضمون، ص320

[13] حنفي (حسن)، الوحي والواقع، تحليل المضمون،ص321

[14] حنفي (حسن)، الوحي والواقع، تحليل المضمون، ص326

[15] غادامير (هانس جورج)، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، مرجع مذكور، ص386.

[16] فروم (ايريك)، ثورة الأمل، نحو تكنولوجيا مؤنسنة، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، مكتبة دار الكلمة، القاهرة، طبعة أولى 2010، ص206

[17] جوديت بتلر، هل اليهودية هي نفسها الصهيونية؟، ضمن كتاب قوة الدين في المجال العام، ترجمة فلاح رحيم، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد بالتعاون مع دار التنوير، بيروت، طبعة أولى2013.ص134.

[18] جوديت بتلر، هل اليهودية هي نفسها الصهيونية؟، مرجع مذكور، ص154.

[19] فروم (ايريك)، ثورة الأمل، نحو تكنولوجيا مؤنسنة، مرجع مذكور، ص209.

 

المراجع:

ريكور (بول)، من النص إلى الفعل، أبحاث التأويل، ترجمة محمد برادة وحسان بورقية، دار الأمان، الرباط، المغرب، طبعة اولى، 2004.

سعيد (إدوارد)، تغطية الإسلام، كيف تتحكم وسائل الإعلام الغربي في تشكيل إدراك الآخرين وفهمهم، ترجمة سميرة نعيم خوري، دار الآداب، بيروت، طبعة أولى 1983- 2011،

غادامير (هانس جورج)، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا، طرابلس، ليبيا،طبعة أولى، 2007

كتاب قوة الدين في المجال العام، ترجمة فلاح رحيم، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد بالتعاون مع دار التنوير، بيروت، طبعة أولى2013.

فورم (ايريك)، ثورة الأمل، نحو تكنولوجيا مؤنسنة، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، مكتبة دار الكلمة، القاهرة، طبعة أولى 2010

حنفي (حسن)، الوحي والواقع، تحليل المضمون، مركز الناقد الثقافي، دمشق، طبعة أولى، 2010،

غليون (برهان)، مجتمع النخبة، معهد الإنماء العربي، بيروت، لبنان، طبعة أولى، 1987،

akeel alabodلقد لوثت آلة الحروب معالم الحياة، وأجهضت القدرات التي تتمتع بها نفس الانسان وروحه المشرقة، فبدلا من الحفاظ على نقاء البيئة وزراعتها ، صارت السياسات تعمل على احراقها وتخريبها، وبدلا من إعمار الارض بالورد والنخيل، صار التخطيط لإنتاج المواد المشعة والديناميت، وبهذا لم يعد بعد دور يذكر لوزارات البيئة التي يجب ان تتمتع بحق الفيتو، لكي تمنع مصانع الموت وإنتاج السلاح.

وانت تزرع نبتة في الارض يعني انك تتعامل مع الطبيعة من خلال نفسك؛ هذه النفس التي تحمل في كينونتها عشقا ومحبة وارتباطا مع هذا الفضاء، هذا الارتباط به ومن خلاله تتجلى منابع عظمة وجودك الانساني. كونك تريد ان تنبت في هذا العالم جوهر حقيقتك، طبيعة عالمك الجميل.

نفسك هنا بكل أنفعالاتها؛ صبرها، انتظارها، بهجتها، معالم زهوها، يتعلق بانبعاث هذه النبتة الى الحياة.

من هنا يصبح للنفس حاملان، اوكيانان، او منظومتان؛ الاولى تعكس معنى ارتباطك بالطبيعة والبيئة، والثانية تثبت قدرتك على الخلق، ما يمنحك رفعة الخير والإبداع.

فالحياة تصبح اكثر بهجة وهي تحتفي وإياك بهذه الروعة، التي تجلت من خلال وجودك الذي ارتبط بروعة روحك، عبر هذه الآصرة التي اسمها التلازم، فتكاملت لتنتج بك ومن خلالك هذا الكيان الذي من خلاله ترتقي حقيقتك الانسانية، اذ عنوانك هنا يشير الى دائرة ارتباطك وتلازمك مع الخلق، كونك استطعت ان تتنفس هذا الهواء، لكي تشرك به ومن خلاله وجودا اخرا، ذلك هو سويقا وجذرا يبحث عن الخصب والنماء.

والمعنى ان حقيقة روحك هي التي جعلت منك كيانا معطاءا، خصبا يبحث عن الوفرة والنماء، لكي تحيا إشراقة الوجود، ليس بأرضه فحسب، بل بجباله، وامتداداته الجميلة من البحار والمحيطات الى السماء، حيث عالم الكواكب والأفلاك.

 

عقيل العبود

emadadeen ibrahimالوجودية هي تيار فلسفي معاصر يميل الي الحرية التامة في التفكير بدون قيود، ويوكد علي تفرد الإنسان والإعلاء من شانه، وهي ليست نظرية فلسفية واضحة المعالم، بل حركة أدبية وفلسفية ظهرت في القرن العشرين. ويجب أن نشير إلي حقيقة هامة وهي أن مصطلح الوجودية يلتبس على الكثير من رجال الشارع وحتى علي بعض المثقفين، لأنه المصطلح غامض ويجب ربطه بالأدب إذا أردنا أن نفهمه. ولقد بدا ظهور المصطلح في بداية الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين. ولقد ظهرت نتيجة لعوامل اجتماعية وسياسية مرت بها أوروبا بعد الحرب العالمية الأولي . وتعود جذور الوجودية إلي الفيلسوف الدنمركي (سورين كيركجورد) واكتمل المذهب علي يد مجموعة من الفلاسفة منهم جان بول سارتر، كارل ياسبيرز، جبريل مارسيل وغيرهم. وتنقسم الوجودية إلي: وجودية مومنة، ووجودية ملحدة. واهم منطلقات الوجودية هي الإيمان بالوجود الإنساني ويتخذون منه منطلقًا لكل فكرة، فالإنسان هو أقدم شئ في الوجود ووجوده سابق علي كل شئ فالإنسان يوجد أولا ثم تتحدد ماهيته. وهذا الإيمان بوجود الإنسان والإعلاء من شأنه جاء كرد فعل علي تسلط الكنيسة وتحكمها في الإنسان بشكل متعسف. لذا يجعل الوجوديون من الإنسان نقطة انطلاقة في كل أفكارهم، فالإنسان هو محور الكون به تبدأ كل فكرة وتنتهي عنده. والإنسان يشكل ماهيته عن طريق الاختيار بين عدد من البدائل والاختيار من المقولات الهامة في الوجودية، ويرتبط بالاختيار الحرية فالحرية مبدأ أساسي أيضا في الوجودية، لكن الحرية عندهم حرية مطلقة ليس عليها قيود أو ضوابط لذلك أدت إلي فوضي أخلاقية، والسقوط في مستنقع الرذيلة والانحلال. بل أصبحت تدل علي كل وجودي يتمسك بهذه الأشياء. فوجود الإنسان مقدم علي الماهية، ويشكل الإنسان ماهيته من خلال الاختيار والحرية، وعوامل القلق والحصر النفسي والتوتر من المقولات الهامة في الفلسفة الوجودية.يشعر الوجودي بالقلق والاضطراب النفسي والتوتر من خلال المواقف التي يكون فيها في موضع اختيار بين الأشياء. ولقد أنكرت الوجودية القيم الدينية فهي لا تعترف بها بل الإنسان عندهم حر في اعتناق ما يراه من أفكار. ولقد تعرضت الوجودية إلي انتقادات كثيرة منها أنها أعلت من شان الإنسان إلي الدرجة التي لا تري معه أي شئ آخر في الكون وهذا خطا فادح لان الإنسان ليس وحده في هذا الكون بل معه أشياء أو كائنات آخري يتعامل معها ويدخل معها في علاقات متبادلة. كما أنها أهملت القيم والأخلاق وأدت إلي عبثية مفرطة وتجاهل لكل ما هو أخلاقي مما أدي إلي الانحلال والفوضى الأخلاقية. كما أنها لم تعترف بالدين ولذلك تأثرت بالعلمانية وغيرها من الحركات التي صاحبت النهضة الأوروبية ورفضت الدين والكنيسة.

zouhair khouildi" ِلنَجُدَّ في استخراج الدواء ،الذي يجب أن يشفي، من الشر في حد ذاته" .. جون جاك روسو – شذرات سياسية

منذ الوهلة الأولى تعني الطبيعةnature ما يوجد خارج العالم الذي تمت أنسنته humanisé وخضع لتغيرات البشر. بهذا المعنى لا يمكن فصل الطبيعة عن الوسط الصناعيartificiel   milieu الذي اخترعه الإنسان بما أنها الحقيقة الخارجية عن الثقافةCulture أو عن الحضارة civilisation .

من البديهي عندئذ أن تشير الطبيعة في معناها الأول إلى كل ما يوجد بشكل عفوي وكل ما يحمل في ذاته مبدأ وجوده المستقل ويكون قادر على التحكم في ذاته . وبهذا المعنى كان العالم الطبيعي هو الوجود المستقل عن جهود الإنسان وأغراضه. بيد أن الإنسان في حد ذاته يمكن أن ينظر إليه من حيث هو كائن طبيعي. بناء على ذلك يظهر المعنى الثاني وتبرز مفارقة عند التعامل مع الطبيعة البشريةNature humaine   كمشترك بين الأفراد من جهة وما يختص به كل فرد وما يتميز به عن غيره وخاصة استعداداته الفطرية ومؤهلاته البدنية وقواه وملكاته التي تتعارض مع ما يكتسبه بالتربية من جهة أخرى.

اذا كان الأصل الاشتقاقي اللاتيني nascorلكلمة الطبيعة natura يفيد الولادة naitre فإن الطبيعة تعني أيضا كل ما يوجد في صورة سابقة عن ولادة الانسان وبالتحديد ما يمثل الأصلي والتلقائي في الانسانية. فهل يمكن أن يشكل هذا المعطى الأصلي الطبيعة البشرية بالنظر الى كونه خصائص ماهوية للانسان؟ ألا يجب أن نحذف الطابع الاجتماعي والإنتاج التقني وكل ما يترتب عن النشاط الإنساني من هذا التعريف؟ بأي معنى يقال عن كائن معين بأنه كائن طبيعي؟ فهل يجب على البشر أن يقوموا بالعودة إلى الطبيعة أم يتابعوا المغامرة التقنية من أجل إصلاحها؟ وهل الطبيعة منظمة ومتناغمة بصورة دائمة؟ ومن تستمد نظامها وتناغمها؟ وكيف يمكن أن نفكر في المحيط – السماء والأرض والكون-؟ تلك هي الأسئلة الكبرى الذي طرحتها الفلسفة على نفسها منذ العصور الضاربة في القدم وامتدت إلى اللحظة الراهنة. لقد مثلت الطبيعة دوما مجال معرفة الإنسان وفضوله وحب استطلاعه ولكن التغيرات التاريخية التي حدثت دفعته إلى التفكير في الاستغلال والانتفاع والسيطرة في مرحلة أولى وفي الرعاية والحماية تجنبا للإضرار والمخاطر في مرحلة ثانية والتوجه نحو التطوير والتغيير في مرحلة ثالثة . فهل الطبيعة هي دائما على حق؟ وهل المطلوب من الإنسان إدراك هذا الحق؟ هل العلاقة بين الإنسان والطبيعة هي علاقة تعارض وتفاهم أم هي متكاملة ويمكن إيجاد تحالف بينهما؟ بأي معنى يبحث الإنسان من حيث هو كائن طبيعي، طوال وجوده في الكوكب، عن موقع له في العالم؟

لقد دفعت الاضطرابات المناخية إلى إثارة الأزمة الايكولوجية وتركيز الاهتمام على التعهد بالموارد الطبيعية وحماية البيئة من الآفات (التلوث- الانجراف- التصحر- النفاذ) والتحكم في التطور العفوي للكائنات الطبيعية عن طريق التدخل التقني والعلمي قصد معالجة الانحرافات الطارئة في المحيط.

لقد تحدث الفلاسفة عن وجوه متعددة للطبيعة يمكن أن نذكر أبرزها على النحو التالي:

1- هوزيود وماقبل السقراطيين نظر والى الطبيعة بوصفها الكل – الكبيرLe Grand Tout ، إذ تشكل الكون في البدء من الأرضGaïa والفوضىChaos والتعاطفEros. كما صورت الأسطورة الإغريقية الطبيعة على شاكلة أم حنون تمتلك قدرة عجيبة على الجود حيث توجد الأرض بين السماء والبحر.

لقد تشكل خطاب جديد عن الطبيعة غير أسطوري وغير ديني منذ القرن السابع قبل الميلاد يعتمد على التفسير العقلاني السببي ويحتكم إلى التجربة والواقع ويدفع في اتجاه القيام بالمغامرة الأولى نحو الكون.

الفيزيسPhusis هو مشتق من اللفظ Phuein ويفيد فعل الولادةNaitre وفعل النموcroitre وفعل الدفعpousser . لقد اعتبر ما قبل السقراطيين الطبيعة المبدأ الكبير ومصدر كل ماهو موجود ، اذ يرى أناكسيماندAnaximandre أن الطبيعة هي أصل أو لانهائي ينبع منه كل شيء ويعود إليه كل شيء حينما ينحل. بناء على ذلك ثمة طبيعة أبدية تشيد بلا انقطاع أشكال متجددة غير أن شكل الأم يظل سائدا.

هكذا يولد كل شيء من هذا الجوهر الأصلي وحسب معناها الايتيمولوجي تتحول الطبيعة إلى قوة خفية تمنح الأشياء حركتها وبهذا المعنى تكون بمثابة سبب ديناميكية الكون وعلى سكونه أيضا، ولا نعجب من عبارات هراقليطس بأن "كل شيء يصير" و"لا أحد يسبح في النهر مرتين" و"الطبيعة تتقن فن التخفي".

في المجمل تظهر الطبيعة هنا على هيئة صيرورة كونية، إلا أن التحولات منظمة وتتراوح بشكل دقيق بين المتضادات (الحار ضد البارد، والنور ضد الظلام). هذا يشير إلى نظام أو عقل (لوغوس) يشتغل في الطبيعة يمكن اعتبار كل كبير يمثل مصدر الخصوبة والثراء ويسود الكون بصورة تامة. على هذا الأساس لا شيء يحدث خارج هذا الكل الكبير Le Grand Tout ، وبناء على ذلك تكون الطبيعة هي الوجود Etre . غير أن العقلانيين ما قبل السقراطيين عبروا على هذه الفكرة بواسطة الحكاية والشعر.

2- لقد تفطن أرسطو إلى أن العالم في حركة Un monde en mouvement وتوقف عند مبدأ الحركة ونجح في وصف الكيفية التي تظهر بها النباتات والحيوانات والأفلاك والأجرام والنجوم. لقد ساعدت الفضولية التي ليست لها حدود التي يتمتع بها أرسطو على تسديد نظرة نسقية تترجم نقطة منهجية تغطي جل العناصر والكائنات الطبيعية. لقد اختار أرسطو الانطلاق من الجزئي إلى الكلي ومن الواقع في مختلف تنوعاته ضمن مقاربة استقرائية تبحث في موضع محدد بدقة وتستخلص جملة من المبادئ.

لقد قام أرسطو بتراجع أول عن التصور ماقبل السقراطي بحيث لم تعد الطبيعة تعني الكل وإنما جهة معينة من الكون وتتصف بكونها مغلقة ومتناهية وتطابق المجال الذي يوجد تحت القمر ويتناظر مع مجال ما فوق القمر المتكون من طبيعة أثيرية وأفلاك ثابتة وخالدة. تحوز الكائنات في التحت على نقطة مشتركة تتمثل في كونها تحوز على مبدأ حركتها من ذاتها وبواسطة الطبيعة وبالتالي هي كائنات تتحرك ذاتيا. وتتوزع الحركة إلى ثلاثة مسارات: النمو والتغير والفساد. غير أن أرسطو قام بوضع الغائية في الطبيعة وذاع صيت عبارات وصيغ على غرار: الطبيعة لا تفعل شيئا عبثا وعصفور واحد لا يصنع الربيع.

المقصود من ذلك أن أشكال الحياة والأعضاء نفسها تحوز على سبب وجود مشترك ويحصل لهم تكيف مع الوظائف المسنودة إليهم من طرف الطبيعة ويجب تفادي التداخل وقيام عضو ما بوظيفة عضو آخر. لقد جعل أرسطو من الطبيعة رحم ما يمكن أن يتغير وبرنامج تحققه وتمام وجود الكائنات التي تسكنه.

3- الطبيعة هي معيار الخير أو المنفعة عند أبيقور340-270 قبل ميلاد المسيح:

تتكون الطبيعة من جسيمات غير مرئية بالنسبة للعين المجردة وتتخذ أشمالا متغيرة جدا وغير منقسمة وتسمى ذرّاتatomes وتتحرك بشكل مستمر وتسقط وتدور في خلاء لامتناه وتغير مساراتها بالاتفاق وبلا سبب وتصطدم ببعضها وتتكون مجاميع هائلة des gigantesques agrégats من الركام وتتشكل منها بطريقة عجيبة العوالم les mondes . يوجد عدد لامتناه من الذرّات ولكن الطبيعة هي الكل الذي يفهم الكل بما أن الجميع يخضعون لنفس المعلم ولا نجد في الكون إلا الخلاء والأجسام المتكونة من ذرّات.

إن النقطة الحاسمة في الفيزياء الأبيقورية هي هذا الانحراف غير المتوقع للعناصر الجزئية التي تحدث عنها لوكراس 98-55 قبل الميلاد والذي ذكر في قصيدته عن الطبيعة clinamen وبيّن أن التفاوت في السرعة بين الذرّات والذي يستمر في لحظة معينة وفي أمكنة معينة هو تفسير استمرار حركة الدوامة.

المهم في هذا الصدد هو تطوير الأبيقوريين لنظرية غير حتمية للطبيعة وإقرارهم بأن الصدفة وليست الآلهة التي تقود الرقص. بناء على ذلك يجعل أبيقور من الصدفة قانونا أخلاقيا وتتيح له دراسة الطبيعة بأن يعتمدها كمعيار مطلق للخير بحيث حينما يبتعد المرء عن الطبيعي ويقوم بإهماله ونسيانه فإنه يحرم نفسه من كل سعادة ممكنة. بهذا المعنى يدعو أبيقور إلى ترضية الرغبات الطبيعية والضرورية التي تعود إلى حياة الجسم (الغذاء والشراب واللباس...) والى حياة الروح (التدرب على التفكير وحب الحكمة).

في رسالته إلى مينسي يطلب أبيقور من المرء أن يصل إلى حالة يغيب فيها كل اضطراب ويحقق الامتلاء ويجعل من اللذة الخير الواقعي والمنفعة الحقيقية ومبدأ وغاية الحياة السعيدة. بطريقة ملموسة يمنح هذا الامتلاء باللذة وغياب الاضطراب حياة بسيطة بلا تخفي ومكتفية بذاتها. هكذا ترك لنا أبيقور نظرية في الطبيعة هي بمثابة مزيجا بين الأفكار الطبيعوية التي جاء بها ما قبل السقراطيين يرد بها على أفلاطون وأرسطو وقد مثل بذلك الممهد الأول لتيار التقهقر ولفيزياء الكوانتية التي كان مفهوم اللاتحدد مركز ثقلها.

4- الطبيعة هي نظام عقلاني عند الرّواقيين:

إذا كان الرواقيون توصلوا إلى نفس النتائج الإيتيقية التي أقر بها الأبيقوريون وإذا كانوا قد تمسكوا بالحياة وفق نظام الطبيعة ليجلبوا السعادة فإنهم انطلقوا من مقدمات كوسمولوجية متعارضة جذريا مع منافسيهم.

لا توجد ذرّات ولا خلاء عند الرواقيين وإنما مادة تنقسم إلى ما لانهاية ويوصف الكون بأنه متصل وممتلئ برمته والآية على ذلك أنه كائن أو عضوية حية تسكنها روح وتقوم هذه الأخيرة بالنفاذ ومنح الهواء لكل مكوناتها. كما ترفض الرواقية فكرة الصدفة وتتصور العالم في صورة كلية عقلانية خاضعة لنظام متعنت وصلب يسميه كريزيب (281 -205 قبل الميلاد) القدر من خلال تناسج في الأسباب أي نظرة حتمية تكون فيها الأحداث متصلة بواسطة لحمة متشكلة سلفا. على هذه المرتكزات تدعو الإيتيقا الرواقية إلى العيش في توافق مع الطبيعة وهذا يعني أولا أن يحيا المرء في توافق مع طبيعته الفردية وأن يحيا ثانيا في توافق مع الطبيعة الكونية للكل حيث نكون أفراد وعناصر منها. تصادر الرواقية على تناغم بين الطبيعة الكونية والطبيعة الفردية وبالتالي التوافق مع القدر. مارك أوريل (121-180 بعد الميلاد) ينصص على هذا السر الأخلاقي في أفكاره حينما نقد فيزياء أبيقور التي اختزلت العالم إلى فوضى عمياءBouillie informe   ولما أضاف معنى الواجب إلى مطلب اللذة وأكد على أن "الخاص في الإنسان الخير هو أن يحب ويقبل على ما يحدث له بفرح". من الممكن أن يجلب القدر للإنسان الأحداث السيئة ويدير له ظهره ولكن الحكيم الرواقي يؤثر الصمت ويرضى بحاله. تلك هي العقيدة الرواقية لمحبة القدر - التي ندد بها نيتشه – وذلك هو الرضا بنظام العالم الذي يسمى طبيعة.

5- الطبيعة هي أثر الله عند توما الأكويني1225-1274 والمسيحية:

لقد خلق الله الذكر والأنثى في اليوم السادس بعد العالم والكائنات، وأمرهم بالخصوبة والتكاثر وتعمير الأرض والهيمنة على الأسماك في البحار وعلى الطيور في السماء وكل بهيمة تمشي على الأرض. لقد قطعت المسيحية من خلال قصة الخلق بشكل عميق وجذري مع الفكر الإغريقي. لقد تصورت الطبيعة على أنها مخلوقة وحادثة وليست كائنا أبديا ولا ضروريا وإنما تمتلك بداية ونهاية (الآخرة). ولقد أخرجها الله المتعالي والموجود خارج إبداعاته من العدم ومنحها الوجود. بعد ذلك تختلف المسيحية مع الإغريق في القيمة الممنوحة إلى الإنسان فهو لم يعد مجرد كائن طبيعي مطالب بالخضوع إلى نظام الكون بل أصبح كائنا مشرفا ويمثل استثناءا بالمقارنة مع بقية الكائنات الطبيعية الأخرى بما أن صورته على أحسن تقدير وتم المناداة عليه لكي يكون مهيمنا على الطبيعة. لما كان العالم وقع تسخيره من قبل الله لكي يديره الإنسان فإن هذا الأخير لم يقتصر على ذلك وإنما امتلك طموحات وغايات مابعد طبيعية. بهذا المعنى يكشف عن نظام الرحمة ويتوق إلى حياة الخلود المقطوعة عن الكائن هنا. لقد لخص القديس توما الاكويني هذه العقيدة من خلال ما يلي: لقد أراد الله الواحد العاقل والطيب نظاما للعالم وكل الأشياء في هذا الكون خاضعة للعناية الإلهية بينما عظمة الإنسان وتفوقه تكمن في العقل والفكر والقدرة على معرفة ومحبة الله من حيث هو هدف سام للحياة. في حين أن الكائنات الأخرى تظل تحت تصرفه وعلى ذمته يستخدمها مثلما يشاء. بيد أن وضع الطبيعة تحت سلطة الإنسان هو إقرار ضمني بشكل مفارق على تحضير الأرضية لتشكل المرحلة الموالية والتي ستسمى الحداثة التي لن تعتمد على طريق الدين بل طريق العلم.

6- الطبيعة هي امتداد يمكن عده عند رونيه ديكارت:

تحولت الطبيعة مع الفيزياء الحديثة إلى موضوع للبحث وذلك قصد نمذجتها وبلورة قوانين تفسرها.

لقد عبر غاليلي باكتشافه قانون السقوط الحر للأجسام عن هذا التحول الجديد حينما صرح بأن الكون اللانهائي مكتوب بلغة رياضية. في نفس الاتجاه قام ديكارت بتحريك المسألة نحو نقطة أكثر عمقا حينما صرح في كتاب العالم:" لا أعني بالطبيعة بعض النوع الآخر من القوة الخيالية وإنما أستخدم هذا اللفظ للإشارة إلى المادة عينها". بيد أن المادة عند ديكارت هي الامتداد وقد أدرك بواسطة الرياضيات الكلية.

الطبيعة هي مجموع الأجسام الممتدة حسب الطول والعرض والعمق أو الارتفاع وكل ما يتم إنتاجه يمكن تفسيره بواسطة حركة الأجزاء الجسم التي تخضع بدورها لعلاقات السبب والأثر. إن الفيزياء الديكارتية هي فيزياء ميكانيكية تحمل نظرة سببية وتجعل من العالم آلة كبيرة يشبه الساعة التي تدور عقاربها بدقة.

هذه العقلنة الجذرية ليست تأملية بل تمر بسرعة إلى الممارسة والتطبيق وتستنجد بالتجارب للتثبت من صحة النظريات. لقد كتاب ديكارت في خطاب عن المنهج أننا بواسطة المعرفة العلمية يمكننا أن نصبح سادة ومالكين للطبيعة. لقد دعا ديكارت إلى التخلص من علاقة الخضوع الأعمى للطبيعة التي حملت بصمة برمثيوس ضمن مشروعه الإنسانوي الفاشل وتشييد علاقة السيطرة والتملك على قاعدة المعرفة الفزيائية والتقنيات والوسائط في سبيل المحافظة على الحياة. بهذا المعنى كانت الحداثة الغاليلية- الديكارتية ثورة كوبرنيكية: إذا كانت الطبيعة عند الإغريق قوة مستقلة يتعلق بها الناس استجداء للعطاء فإن الإنسان الحديث يقطع جزء من الطبيعة قصد دراسته بطريقة مجردة ويربطه بأهدافه الخاصة.

7- الطبيعة هي كنز مطمور عند جان جاك روسو:

ان نداء الطبيعة عند روسو هو بمثابة صوت من القلب ونجوى تمتلك قيمة البيان، إذا يصرح في كتابه الكبير ايميل:"إذا كانت الطبيعة لا تمنحني إلا التناغم والتناسب فالنوع البشري لا يمنحني إلا الخلط والفوضى". بناء على ذلك الحضارة هي العدو لكونها تفسد الإنسان وتبعده بطريقة لا تعالج عن التكوين الأصلي. لهذا فإن الحداثة عند روسو متعارضة والطبيعي تم قنصه واصطياده ولإنقاذ ما تبقى يجب العودة إلى العصر الذهبي. لذلك يفترض الهجوم المضاد استعادة المفقود وفي هذا الصدد بلور روسو في الخطاب الثاني نوعا من الخيال سمي بحالة الطبيعة وقد قال عنها هي لم توجد البتة ولا يمكن أن تكون قد وجدت ومن المحتمل أنها لن توجد. غير أنه احتاج إلى هذه الفرضية لكي يصف الوضع البشري قبل أن يعمه الفساد من كل ناحية وأن يمجد البراءة الأخلاقية والطهارة والخيرية وأن يشيد بالهدف السامي للإنسان نحو المحافظة على ذاته. فهل يجب العودة إلى هذه الحالة البدائية المثالية؟

لا يدعونا روسو إلى العودة للحياة في العابات مع الدببة والذئاب ولكنه ينادي علينا بأن نعيد إلى المؤسسات البشرية الأوجه الطبيعية في حد ذاتها وأن نجعل التربية تتم وفق الطبيعة من أجل تشكل كائنات مستقلة وفاضلة ولا يتم ذلك بترك المتعلمين على عفويتهم بل بإيقاظ ملكاتهم وجعلها على اتصال مباشر مع العالم والتعبير عن الإحساس بالطبيعة الحقيقية التي لا نرجع إليها بواسطة المعادلات الرياضية وإنما عن طريق العاطفة الجياشة والشعور الصادق والاتصال المباشر والإصغاء العميق لحركاتها وسكناتها. والحق أن قنص اللذة والتمتع باللحظة بلا طموح علمي يعني صيرورة الكائن البشري مشاهدا للطبيعة فتصبح الطبيعة هي الكنز الذي فقده والبوصلة التي تسمح له بالعثور على ينابيع الحياة والفرح والسعادة.

8- الطبيعة هي غابة أدغال لا ترحم عند شارلز داروين:

لقد تتبع شارلز داروين عالم الحشرات والأسماك وأسس مفهوم التطور ضمن نزعة طبيعية استفادت كثيرا من اللاهوت الطبيعي وأقر بأن الوجود الطبيعي للكائنات يتصف بالتعقد وتكيف الأعضاء مع الوظائف ويشهد بين الفينة والأخرى حدوث خلق مكتملا وحسنا خارج إطار نظرية الغائية الأرسطية والعقل الفعال.

يرفض داروين اللوحة المتناغمة التي تقدمها التيولوجيا الطبيعية ويكشف عن تطور الأنواع ووجود أشكال كثيرة من الغرابة والخبث في الطبيعة وبالتالي يتخلى عن المخطط الإلهي البدئي وفكرة التصميم المسبق.

على خلاف ذلك يندلع الصراع في الطبيعة ويشكل الصراع الكوني من أجل البقاء المحرك الأساسي للتطور وينتصر في هذه المعركة الدامية الكائنات العضوية التي تمتلك استعدادات طبيعية على التكيف مع التغيرات في أصل الأنواع. لكن الكثير من الكائنات قد تحافظ على حياتها عن طريق الصدفة وتورث هذه الاستعدادات إلى سلالتها وقد تحصل طفرة لكائنات ثانية دون تفسير سببي ونتيجة تغيرات غير مفهومة.

إن النزعة الميكانيكية العمياء التي يعتمدها داروين حينما يقر بأن المحافظة على البقاء من طرف بعض الكائنات قد يتم بالبقاء للأقوى والانتخاب وأن الأصلح يتحقق بإحداث تغيرات نافعة وتجنب تكييفات عقيمة تحطم منظور الغائية العقلية وتميط اللثام عن الرؤية العلمية للطبيعة من وجهة نظر بيولوجية تطورية.

9- الطبيعة هي نسق بيئي متوازن عند ألدو ليوبولد:

لقد بين مهندس الغابات الأمريكي ألدو ليوبولد أن الصياد الذي يعرف طرق الصيد لن يجهل شيئا عن مسالك الحيوانات في الغابات وفسر كيفية تأثر التفكير الايكولوجي بالصيد ومعرفة عادات فريسته بوضع نفسه مكانها وكان أول الدروس التي قدمها هي التعلم من وجهة نظر الحيوان والإنصات إلى أصوات الكائنات الحية التي تسكن الغابات والجبال والأودية والبحار. يوجد في الطبيعة نسق بيئي متوازن يقوم بوظائف مخصوصة وفق قوانين مضبوطة في شبكة علاقات منظمة وتأثيرات متبادلة بين العناصر المكونة. وتتمثل لعبة الطبيعة في تحديد ماهو نافع وتجنب ماهو ضار بالنسبة للوسط الطبيعي المعطى.

على هذا النحو يدعو ألدو ليوبولد الى تأسيس إيتيقا الأرض تحرص على العناية بحياة الحيوانات والنباتات وتعمل على بلورة توازن في الأرض وتفرض على الجماعة الحياة المشتركة واحترام التعددية الطبيعية.

صحيح أن ألدو ليوبولد يتبنى نظرة براغماتية ولكن الأصح أنه لا يدعو إلى تقاسم الطبيعة والثقافة بشكل عام، ولا يحلم بطبيعة خالية من كل ضرر إنساني وأنه لا يدين بشكل مطلق كل تدخل بشري في الطبيعة.

ما يراهن عليه ألدو ليوبولد هو البقاء في مستوى الاستخدام النافع ومحافظة الأنشطة البشرية على مصالح المحيط وسلامة البيئة من كل تخريب. بهذا المعنى تكون الإيتيقا محلية وتحمل أمرا كونيا على غرار العثور على الشجرة التي يمكن قطعها من أجل تحقيق أرض طيبة. في النهاية تتصف جماعة الحياة البيئية بالاستقرار والجمال والأصالة وكل شيء يظل عادلا طالما تمت المحافظة على الحياة والبيئة والطبيعة.

10- الطبيعة هي مخزون من الموارد لا ينضب عند مارتن هيدجر:

على حافة نهر الرهين يربط قنطرة قديمة من الخشب بين الضفتين. في الجهة المقابلة يوجد مجمع مركزي على أحسن تقويم. هم بنايتان تشكلان صلتين على درجة شديدة من الاختلاف من الطبيعة. إذا كانت القنطرة تسري في الوجوه وتسمح بالتأمل والسكن فإن المجمع المركزي يستثمر مياه النهر لينتج الكهرباء.

حينما تساءل هيدجر عن التقنية في محاولات ومحاضرات فإنه أشار إلى أن التقنية في الحقبة المعاصرة تم الاحتفال بها بشكل تام وتحظى بالقبول من طرف الجميع أما الطبيعة فقد ظلت تعتبر ميدان لاستخراج الطاقة ومراكمتها . لقد وقع التفكير في التقنية على أنها اليد المسلحة للعلم الموروث عن غاليلي وديكارت والتصق بها مصطلح مركب يسمي القشطلت وينقسم إلى مخزون واحتياطي للموارد المتاحة للتحويل والاستهلاك المباشر . في هذا الصدد الإنسان الذي ينظر إلى نفسه كسيد للأرض لم يعد يرضى بمعاملته كمادة يمكن استغلالها بل صار يحمل في داخله منظورا تراجيديا بالحياة. علاوة على أن التقنية الحديثة تحولت الى خطر مطلق يحدق بالحياة ويصيب الوجود بالتصحر والعدمية. بناء على ذلك ظهرت الأفكار الأساسية عن البيئة والايكولوجيا لدى هيدجر. صحيح أن الأسلوب الهيدجري يذكرنا بالمفكرين ما قبل السقراطيين والشعراء وبالتالي يوجد في مكان بعيد عن ناشطي البيئة ودعاة السلام من الخضر ولكنه يتفق مع هودرلين في العبارة الشهيرة: " حيث يكون الخطر يعتقد في وجود المنقذ" . غاية المراد من كتابه الوجود والزمان هو الإسراع بتطوير تصور غير أداتي للطبيعة وإعادة وصل الإنسان حقيقته الأصلية التي تربطه بالبعد الأكثر قربا من الوجود والتي تخفيها العدمية الميتافيزيقية للتقنية في كل يوم.

11- الطبيعة هي شبكة من التفاعلات عند آرنو ناس:

دعا الفيلسوف النرويجي آرنو ناس 1912-2009 إلى مواجهة التلوث وايقاف عملية استنفاذ الموارد الطبيعية وقدم تصورا سطحيا للايكولوجيا حيث الهدف الرئيسي يكمن في استهداف الصحة والنماء للدول المتطورة. بعد ذلك جذّر آرنو ناس أطروحته في مقال ظهر للعيان عام 1973 بعنوان الايكولوجيا العميقة.

اذا كانت الايكولوجيا السطحية تقتصر على توجيه التحذيرات والتنبيه على المخاطر المنجرة عن الإفراط في استغلال الثروات وتكرر الاعتداءات على أديم الأرض وتلويث المحيط واستنزاف الطبيعة فإن الايكولوجيا العميقة تجري محادثة منظورية مع الطبيعة وتبلور شبكة تمنح لكل كائن حي رابط وتضمه مع الآخر في علاقات متداخلة ضمن حقل مليء بأشكال التفاعلات والتعايش والتآنس. غير أن هذا التصور المستحدث يعيد تشكيل التمركز الأنثربولوجي بالرغم من كونه ينفي أن يمثل الإنسان مملكة داخل مملكة ولكنه مطالب بالإصلاح الذاتي من أجل بلوغ حياة تشاركية مع العالم الذي يحتويه. لقد أدت هذه الأفكار إلى بروز تيار فكري جديد يقر بأن كل أشكال الحياة تمتلك قيمة داخلية وحق متساوي في البروز وبالتالي لا يجب اعتبارها وسائل لتحقيق أغراض أخرى وإنما هي أهداف في حد ذاتها . لقد مثلت الايكولوجيا أسلوب حياة وشجعت على الحياة المشتركة للكائنات الحية ضمن اطار جماعي يحترم الفردية.

إن هذه النزعة المساواتية في حقول الحياة تقبل بعض الاخلالات والتدخلات حيث يسمح للانسان بأن يقتل حيوانا نعينا من أجل المحافظة على التوازن البيئي أو عندما لا يمكن توفير غذاء كاملا ودائما في محيطه.

ان مبدأ انجاز عين الذات الذي يتحدث عنه آرنو ناس يشرع للإنسان الارتفاع ومغادرة الأراضي المنخفضة للأنا الفردي وتوسيع دوائر الوعي إلى حد التطابق التام مع الكل الطبيعي والطبيعة الكلية. كما تدعو الايكولوجيا العميقة إلى العناية الكونية بعين الذات وتطوير فكر رواقي جديد للطبيعة يصطبغ بالتصوف والتجريد في حين تظل الايكولوجيا السطحية غير كافية من أجل وزن مجري الأحداث.

12- الطبيعة هي الأرض الأم عند جايمس لوفيلوك:

إذا نظر إلى الكوكب من السماء فإن الصور الأولى التي نحصل عليها تثير فيها الهلع والاستغراب وتتراءى لنا الأرض ضائعة وسط الغموض والعماء. على هذا الأساس حدس رجل العلم البريطاني جايمس لوفيلوك1919 حياته البحثية وتصور الأرض على شاكلة جسم فريد وكائن حي وبالتالي استعاد الفكرة الإغريقية القديمة التي تتحدث عن الأرض الأم وأمنا الأرض والتي عبرت عنها كلمة غايا Gaia. بيد أن جايمس لوفيلوك لا يقوم بتأليه الطبيعة كما هو الشأن مع الإغريق بل قاده طموحه العلمي إلى الفكرة التوجيهية التي تقول بأن الأرض حية وبأن تمتلك القدرة على المحافظة على خصائص الحياتية للكوكب.

الغايا Gaia هي نسق تام ينظم ذاته بنفسه ضمن تفاعلات دائمة بين أجسامه الحية في حين تحافظ الأجسام غير الحية مثل التربة والأحجار على حرارة متوسطة وتركيبة كيميائية للمناخ تكون مواتية للبقاء على قيد الحياة. لقد ساعدت هذه التوازنات المحبذة النوع البشري على العبث بالكون من خلال الفلاحة والصناعة والتمدد العمراني ولكن الأرض لم تجب على ذلك بل دخلت البشرية في حرب منظمة ضد الغايا Gaia.

لا يريد جايمس لوفيلوك شخصنة الأرض بأن يسقط عليها العديد من المشاعر الإنسانية والأفكار المجردة ولكنه يحذر من الخطر الداهم بقوله: حالة تدحرج حقيقية تنتظرنا إذا لم يقم البشر بإحداث تغيير جذري في طريقة تعاملهم مع الطبيعة وإذا لم تطرأ أشياء جديدة. ماذا لينا أن نفعل ؟ يتساءل هذا العالم البريطاني والجواب هو الذهاب إلى ما بعد الاختزال والحد من انبعاث الغاز ثاني أوكسيد الكربون والتجارب النووية والتحكم في التزايد البشري والتقليص من تمدد الكثافة السكانية على الجانب الأخضر من الكوكب.

الحل يكمن في جعل كل من العلوم والتقنية البشر خادمين للطبيعة بدل مسيطرين عليها ومستغلين لثرواتها وذلك بأن يعطوا الأولوية المطلقة للديبلوماسية الإنسانية وتحمل المسؤولية في إجراء حوارات مع الطبيعة بغية نشر ثقافة السلام والحياة بهدوء وطمأنينة في الأرض وتحقيق مصالحة مع فكرة أمنا الأرض Gaia.

 

د. زهير الخويلدي

.......................

المصدر:

Philosophie Magazine, La Nature a-t-elle toujours raison ?, N°94, Novembre, 2015. pp.49-53.

 

ibrahim telbasilkhaلاشك أن تاريخ البشرية مليء بالحماقات والآثام التي اقترفها الإنسان منذ أقدم عصوره وحتى وقتنا الراهن ، وكان دائمًا يستجيب لصوت العنف أكثر مما يستجيب لأي صوت آخر ، وما معاهدات السلام عبره إلا هدنة مؤقتة لاستئناف عنف جديد أكثر قسوة وضراوة. ولا تزال البشرية حتى الآن تتشبث بحماقاتها القديمة الهوجاء ونزعاتها العنصرية التافهة ، فما زالت الدول تصطنع في علاقاتها بعنفها ببعض سبل الإكراه والتعزيز وعليه نقرر أن صوت العنف كان هو الأعلى والأقوى عبر التاريخ.

لكن كبار الفلاسفة لم يكونوا أبدًا بعيدين عن هذا الواقع المأسوى وقد أزعجتهم أزعجتهم هذه الظاهرة فنبذوها وأعلنوا دعواتهم الثورية التحريرية للتخلص من أسر هذا الواقع الأليم وتجاوزه وقدموا لنا تصورات عن خصائص المجتمع الفاضل وسماته.

فلقد دعا أفلاطون في جمهوريته وفلسفته المثالية إلى التعالي على منطق الواقع الفعلي وتجاوزه ودعا الفلاسفة الرواقيون إلى أهمية التحرر مما يفرق بين الإنسان وأخيه الإنسان من فروق في اللغات والأديان والأوطان وذلك من منطلق إيمانهم بدور الدستور الأخلاقي في حياة الناس . وأغسطين الذى رأى أن التعاليم المسيحية كفيلة بتحقيق الدولة المثالية أو مدينة الله ، ودعا الفارابي في كتابه "آراء أهل المدينة الفاضلة " إلى أهمية التعاون بين البشر والمشاركة الفعالة التي تحقق السعادة واستمد دعوته هذه من الدين الإسلامي الحنيف الذي ينص صراحة على تكريم الإنسان وتفضيله على كثير من مخلوقات الله ويدعو إلى مكافحة نوازع العصبية والشعوبية والاتجاه إلى الجامعة الإنسانية التي تربط بين البشر جميعًا أفرادًا أو شعوبًا لأن الناس على اختلافهم فيما بينهم قد خلقوا من نفس واحدة فهم متحدون في الأصل والمصير وواجبهم لذلك أن يتعارفوا أي تنشأ بينهم صلات المعرفة الواعية والمعاملة الحسنة فلا يتفاضلون إلا بالتقوى ومكارم الأخلاق واتجهت دعوة الإسلام منذ البداية إلى الترغيب والإقناع واستهدفت تحقيق السلام في مختلف صوره سواء في علاقات المسلمين بعضهم ببعض أو في علاقاتهم بغيرهم.... إلخ.

ولقد اهتم الفيلسوف الألمانى كانط بمسألة السلام والشروط الضرورية التي تنهي الحرب بين البشر وتقضى على ظاهرة العنف في العالم وفي سبيل ذلك قدم كانط رؤية مستقبلية تحقق أحلام البشرية وآمالها في السلام ، رؤية توفق بين استقلال الحكومات وبين تنظيم دولي يكفل استتباب هذا السلام ، رؤية تعبر عن شرور الحرب وأهوالهما وكل هذا بقصد واعتدال وإدراك للضرورات التاريخية.

ويرى المفكر المصرى عثمان أمين في هذه الرؤى تعبيرًا عن آمال نفس كريمة متفائلة ومثلاً أعلى يرسمه ذهن كبير محيط عرف بؤس الناس وفساد الطباع ولم يغب عنه أن الماضي ممهد للحاضر ولكنه آمن بأن مستقبل الإنسانية يمكن أن يكون أسعد من ماضيها وأن واجبنا دائمًا أن تخضع أمور السياسة لقانون الأخلاق وأن نصغي إلى صوت الضمير وإلى ما في الطبيعة والتاريخ من توجيهات.

وكتب كانط رسالته " مشروع للسلام الدائم" ونص في المشروع على ست مواد أطلق عليها المواد التمهيدية لتحقيق سلام دائم بين الدول. وهذه المواد أشبه بالنواهي فهي تبين الشروط السلبية للسلم ولذلك فقد أضاف إليها ثلاث مواد أخرى أطلق عليها المواد النهائية لتحقيق سلام دائم بين الدول وهذه المواد الثلاث النهائية تنص على الشروط الإيجابية للسلم.

وعرض كانط مواد المشروع على النحو التالي:

أولاً: المواد التمهيدية لتحقيق سلام دائم بين الدول

المادة الأولى: "أن أى معاهدة من معاهدات السلام لا تعد معاهدة إذا انطوت نية عاقديها على أمر ما من شأنه إثارة الحرب في المستقبل".

ذلك أن مثل هذه المعاهدات لا تعدو أن تكون هدنة مؤقتة لاستئناف الحرب من جديد بعد الاستعداد وامتلاك مزيد من الأسلحة، قد تكون رغبة في انتهاز الفرصة في المستقبل ومن ثم لا تكون سلامًا حقيقيًا يقطع دابر كل عدوان ويقضي على جميع أسباب الحرب في المستقبل.

المادة الثانية: " أى دولة مستقلة صغيرة كانت أو كبيرة "لا يجوز أن تملكها دولة أخرى بطريق الميراث أو التبادل أو الشراء أو الهبة". ذلك أن الدولة ليست متاعًا يباع ويشترى وإنما هي جماعة إنسانية لا يحـل لأحد سواها أن يفرض سلطانه عليها أو أن يتصرف في شئونها.

المادة الثالثة: " يجب أن تلغى الجيوش الدائمة إلغاء تامًا على مر الزمان". لأن هذه الجيوش التي تبدو على الدوام متأهبة للقتال تهدد الدول الأخرى بالحرب تهديدًا دائمًا كما تحفزها إلى التسابق في زيادة قوتها زيادة لا تقف عند حد هذا فضلاً عن أننا حين ندفع أجرًا للجنود من أجل قتل الآخرين فإننا بذلك نعاملهم معاملة الآلات أو الأدوات في يد غيرهم وهو أمر لا يتفق مع حقوق الإنسانية وليس الأمر كذلك بالنسبة للتدريبات العسكرية التي يقوم بها المواطنون متطوعين من حين إلى حين ليكفلوا سلامتهم وسلامة وطنهم من عدوان الأجنبي.

المادة الرابعة: " يجب ألا تعطى الدول قروضًا من أجل منازعاتها الخارجية".هذه القروض تعد ذريعة لتدخل بعض الدول في شئون بعضها الآخر ويعد قوة مالية خطيرة وميزانية حرب كبيرة كل هذا يؤدي إلى إضرام نيران الحرب ويمثل عقبة كؤود تحول دون السلام الدائم.

المادة الخامسة: " لا يجوز لأي دولة أن تتدخل بالقوة في نظام دولة أخرى أو في طريقة الحكم فيها". ذلك أن تدخل الدولة الأجنبية في شئون الغير يعد افتئاتًا على حقوقهم وتبجحا في اقتراف المنكر وزعزعة لاستقلالهم ، فالدول كالأشخاص لها حرمتها ولها وحدها حق التصرف في شؤونها.

المادة السادسة: " لا يحق لأي دولة في إبان الحرب أن تستبيح لنفسها اقتراف أعمال عدائية كالاغتيال والتسمم وفق شروط التسليم والتحريض على الخيانة من شأنها عند عودة السلم أن تجعل الثقة بين الدولتين أمرًا مستحيلاً".فهذه شناعات وأعمال منكرات ولابد من الإبقاء على شيء من الثقة حتى إبان الحرب وإلا استحال الاتفاق على أي سلام ووقف القتال، فأضحى القتال حرب إبادة وإفناء.

ثانيًا: المواد النهائية لتحقيق السلام الدائم:

المواد الست السابقة أشبه بالنواهي أما المواد الثلاث النهائية تنص على الشروط الإيجابية للسلم وهي:

المادة الأولى: "يجب أن يكون الدستور المدني لكل دولة دستورًا جمهوريًا".والدستور الجمهوري هو الذي يجب أن يقوم عليه كل تشريع قانوني لأنه قائم على: مبدأ الحرية لأعضاء جماعة ما، ومبادئ تبعية الجميع لتشريع واحد مشترك من حيث هم مخاطبون بهذا التشريع وعلى المساواة بين هؤلاء المخاطبين.

وهذا الدستور الجمهوري فضلاً عن صفاء مصدره من حيث أنه مستمد من المنبع الخالص الذي تنبع منه فكرة الحق يمتاز بأنه يرينا في الأفق البعيد النتيجة التي ترنوا إليها أبصارنا أي السلام الدائم فإذا كان القرار بأن تقع الحرب أو لا تقع لا يمكن اتخاذه إلا برضاء المواطنين وهو أمر لا مناص منه في دستور جمهوري فمن الطبيعي جدًا أنه مادام المطلوب منهم أن يحكموا على أنفسهم بمعاناة شرور الحرب وكوارثها فهم مطالبون إلى أن يترددوا في الأمر قبل أن يقدموا على لعبة خطيرة كهذه.

أما الدستور غير الجمهوري لا يكون الفرد فيه موطنًا وبالتالي تقرر الحرب فيه بأقل قسط من التدبر والتفكير لأن ولي الأمر ليس عضوًا في الدولة بل هو مالكها ولأنه لا يخشى إن وقعت الحرب أن تؤثر في مائدته أو في دور لهوه أو في حفلات بلاطه فهو يستطيع إذن أن يقرر الحرب لأوهن الأسباب.

المادة الثانية:

" ينبغي أن يقوم قانون الشعوب على أساس نظام اتحادي بين دول واحده". فالشعوب باعتبارها دولاً تشبه الأفراد في حالة عدم وجود قانون يعتدي بعضها على بعض بحكم الجوار، ولابد كل شعب لضمان أمنه وسلامته أن يطلب إلى الآخر أن يشاركه في نظام شبيه بالدستور المدني الذي يرى فيه كل واحد ضمانًا لحقوقه ، هذا النظام بمثابة "جامعة أم" ، لكنه لن يكون دولة واحدة مثله في ذلك مثل الأمم نفسها قامت على تعاقد حر بين الأفراد أي جمع شملها في اتحاد سلمي. وهذا الاتحاد حر بالطبع" فما من دولة يجب أن تقهر على الانضمام إليه، بل يكفي أن تعقد إحدى الدول الكبرى ميثاقًا من هذا القبيل مع بعض جاراتها وسرعان ما تسعى كل دولة متمدنة إلى الانتفاع بعثرات نظام يكفل لها سلامتها من كل اعتداء وإذا كان قيام اتحاد شامل للإنسانية جمعاء أمرًا لا يتحقق في مستقبل قريب فهو كالهدف الذي يجب أن ترمي إليه جهود الدول المسالمة جمعاء.

المادة الثالثة: "حق النزيل الأجنبي من حيث التشريع العالمي مقصور على إكرام مثواه". ذلك دون أن يكون لدولة أن تدخل في شئون دولة أخرى، فمن الواجب أن يكون لكل أمة السيادة على تنظيمها الداخلي وبالتالي فإن كل ما يمكن أن يطالب الأجنبي أهل البلد الذي يحل فيه هو ألا يعاملوه معاملة العدو.

فالإكرام هنا معناه حق كل أجنبي في ألا يعامل معاملة العدو من البلد الذي يحل فيه ما دام مسالمًا وليس للأجنبي أن يدعى لنفسه حق الإكرام باعتباره ضيفًا لأن ذلك يقتضي اتفاقات خاصة تبيح له الضيافة بل حقه مقصور على حق الزيارة وهو حق كل إنسان في أن يجعل نفسه عضوًا في المجتمع بمقتضى مشاركته في ملكية سطح الأرض التي نعيش عليها.

تلك هي شروط السلام الدائم التي عرضها كانط في رسالته "مشروع للسلام الدائم، وقد أضاف إليها مادة سرية تكشف عن السخرية التي تناول بها المشكلة كلها. وتنص هذه المادة على أن "أحكام الفلسفة يجب أن توضع فيما يتعلق بشروط السلام الدائم موضع الاعتبار لدى الدول المجهزة للحرب".

ولا يعني كانط بذلك أن الدول يجب أن تفضل مبادئ الفلسفة على فتاوى فقهاء القانون الممثلين لسلطة الدولة لكنه يطالب بأن تستمع الدولة إلى آراء الفلاسفة فلا رجاء في أن يصبح الملوك فلاسفة والفلاسفة ملوكًا وما ينبغي أن يكون ذلك مأمولاً: لأن ولاية السلطة من شأنها أن تفسر حكم العقل وأن تقضي على حريته قضاء لا مرد له لكن الشعوب التي تحكم نفسها طبقًا لقوانين المساواة لا ترضى بأن تنقرض طبقة الفلاسفة أو أن تلتزم الصمت فلا يسمع لها صوت بل تدع لها حرية الجهر بآرائها والتعبير عنها في صراحة.

وهذا أمر لا غناء للملوك ولا للشعوب عنه: لأن فيه إبانة لشئونهم وهداية لسبيلهم أعنى أن الفلاسفة بطبيعتهم عاجزون عن أن يحشدوا الحشود أو أن يتجمعوا في النوادي والأحزاب فلا يمكن أن تحوم حولهم شبهة الدعاية.

وموجز القول: أن كانط قد ارتأى أن كل دولة شخصية مستقلة في الداخل خاضعة لقواعد الحق وأن الحالة الراهنة التي تعتبر فيها الحرب الوسيلة الوحيدة لفض المنازعات وتنظيم العلاقات الدولية هي حالة وهمية يجب العمل على الخروج منها بإيجاد "جمعية أمم" تنضم إليها كل أمة بملء حريتها وتشترك جميعًا في تسوية الخلافات طبقًا لمبادئ العدالة الدولية ولهذا وضع كانط "مشروعًا للسلام الدائم"حيث يعين في عشر مواد الشروط الضرورية لتحقيق هذه الغاية.

 

أ.د. ابراهيم طلبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا

مصر

 

مقدمة: هذا الموضوع يسعى لتحليل العلاقة المعقدة بين الديمقراطية والتنمية، وهو السؤال الذي شغل الاكاديميين وصناع السياسة لعدة عقود. سنبدأ بتعريف المفاهيم الاساسية للديمقراطية، بأدنى وأعلى صورها، وكذلك التنمية. سنسلط الضوء على اهمية الديمقراطية كعملية وعلى التنمية كمحصلة، ثم سنقيّم الارتباطات السببية الأساسية بين الديمقراطية والتنمية ، لابد من مناقشة نظرية التحديث وظهور الديمقراطية، وفكرة ان الديمقراطية شرط مسبق للتنمية، والوقوف على الحجة المعارضة لها بان الانظمة التوتاليتارية هي افضل في تعزيز التنمية. سننظر ايضا في بعض التحديات التي تواجه الديمقراطيات الناشئة ونعرض رؤية جديدة نحو نظرية التحديث. واخيراً سنلخص بعض نصوص الادب التي تشير الى عدم وجود دليل راسخ ونهائي يربط بين الديمقراطية والتنمية .وعلى هذا الاساس، يتم التأكيد على القيمة الداخلية للعملية الديمقراطية، وضرورة التخفيف من التوقعات التي بُنيت على الديمقراطيات (الناشئة) في خلق نتائج تنموية.

 

اولا: تعريف المفاهيم الاساسية

1) الديمقراطية: تعاريف مبسطة

يمكن تعريف النظام الديمقراطي في مستواه الاساسي بمصطلحات اجرائية كـ "ترتيبات مؤسسية للوصول للقرارات السياسية التي يكتسب بها الافراد السلطة بوسائل الصراع التنافسي عبر كسب اصوات الناس"(شمبتر 1942)(1). وبالتوسع في التعريف، يحدد داهل(1971)(2) سبعة معايير اساسية للديمقراطية، و يفضل الاشارة اليها بـنظام الحكم بأكثر من حاكم بولاركي (لا ديمقراطي ولا دكتاتوري) . هذا يتضمن:

- السيطرة على القرارات الحكومية بشأن السياسة المنوطة مؤسسيا بمسؤولين منتخبين.

- انتخابات دورية حرة وعادلة

- اقتراع عام للراشدين

- الحق بادارة الادارات العامة

- حرية التعبير

- حق الحصول على مصادر المعلومات التي لا تُحتكر لا من الحكومة ولا من اي جماعة منفردة

- حرية التجمع (مثل حق الانتساب و تشكيل منظمات مستقلة مثل الاحزاب السياسية وجماعات المصالح وغيرها).

ان تعريف داهل للديمقراطية الشكلية، وان كان لا يزال معتدلا فهو يتضمن الحريات المدنية الاساسية التي هي يجب، وفق المبدأ، ان تضمن ان تكون العملية الديمقراطية جامعة، متحررة من القمع وتمكّن المواطنين من المشاركة باسلوب واع ومستقل. غير ان التركيز في هذا التعريف لازال منصبا على الطعن القضائي، وعلى العملية الانتخابية ذاتها . ولفترة طويلة، كانت المجموعة الدولية تميل لتضع ايمان كبير في الاهمية الحاسمة للانتخابات وما تحققه لعملية الدمقرطة – هناك افتراض ضمني بان الانتخابات سوف لن تكون مجرد حجر اساس وانما هي مولّد اساسي وعلى مر الزمن لإصلاحات ديمقراطية اخرى.

 

2) الديمقراطية: تعاريف اكثر اهمية

من جهة اخرى، وكما يتضح وبشكل متزايد من ظهور الديمقراطيات الجديدة في عدة مناطق من العالم النامي منذ الثمانينات، لا تعني عملية الدمقرطة فقط التحول الى الديمقراطية الشكلية، وانما ايضا تقوية وترسيخ دعائم هذا النظام الديمقراطي. وكما وجد المحللون، الاعتماد على التعريف الاصلاحي للديمقراطية لا يمكنه مواجهة التحديات المحيطة بالانظمة التي باشرت التحول لكنها لم ترسخ بعد هياكلها الديمقراطية الاولية. وبالتالي، يتجه عدد متزايد من خبراء الديمقراطية نحو تعريف اكثر موضوعية للديمقراطية، وهو التعريف الذي يعطي اهمية اكبر لدور واهمية المسائلة.

هناك ثلاثة ابعاد للمسائلة التي تتميز بـ :

1- مسائلة عمودية، تمكّن المواطنين من مسائلة قادتهم السياسيين عبر قنوات الاقتراع في فترات زمنية محددة.

2- مسائلة افقية، تشير الى آليات المسائلة التي توجد ضمن هيئات متميزة للحكومة ذاتها، بموجبها يصبح لمؤسسات الدولة السلطة والرغبة في الاشراف والتوجيه ومعالجة ومعاقبة (ان تطلب الامر)، الافعال غير القانونية الصادرة من جانب مؤسسات اخرى للدولة.

3- مسائلة مجتمعية، تشير للوظائف المستمرة من رقابة المؤسسات المدنية والمنظمات غير الحكومية والاعلام الواسع المستقل على افعال الدولة.

هذا النموذج للديمقراطية التمثيلية الليبرالية – الذي يرتكز على عملية انتخابية عادلة، واحترام الحقوق المدنية والسياسية الاساسية، وتوفير آليات ضرورية للمسائلة تعطي جوهرا للديمقراطية – اكتسب رواجا عالميا متزايدا عبر العقدين الماضيين. وكما تذكر Amartya Sen(1999a) ، ان الديمقراطية اصبحت "قيمة عالمية"(3). هذا الاجماع العالمي الناشيءعرضته مجموعة الديمقراطيات (CD)(4). من خلال إعلانها في وارشو والبيانات اللاحقة. جماعة الديمقراطييات كانت اول منظمة بين الحكومات من الديمقراطيات المؤسسة والدول الديمقراطية التي سعت لتعريف وتقييم ما هية الديمقراطية، بالاضافة الى العمل بشكل جماعي لدعمها وتعميقها حيثما توجد، والدفاع عنها حالما تتعرض للتهديد ، رغم ان بياناتها ليست ملزمة.

ومن جهة اخرى تعرضت هذه الفكرة لليبرالية الديمقراطية للانتقاد في حلقات معينة باعتبارها شديدة النخبوية، وان المشاركة فيها مهملة . هذه النقاشات حول الديمقراطية الموضوعية وضعت اهتماما كبيرا بالعمليات الجمعية والتداولية والتشاركية. وكما يوضح جون كافينتا في، "تعميق الديمقراطية" على عنصر هام في نقاش الديمقراطية يركز على المشروع السياسي في تطوير والحفاظ على مشاركة اكبر للمواطنين في العملية السياسية قياسا بما يوجد عادة في الديمقراطية الممثلة لوحدها. ورغم انها لاتزال بعيدة عن الكمال، لكن المؤسسات في كل من البرازيل بعد الحكم السلطوي وجنوب افريقيا بعد النظام العنصري تقدم امثلة للمحاولات المقصودة نحو حوكمة اكثر اهمية ومشاركة سياسية(بما فيها تقديم ميزانيات تشاركية،مثلا).

 

3) الديمقراطية والتنمية: تحديد ظروف العلاقة

في دراسات التنمية والسياسة المقارنة برزت بعض النقاشات التي تستكشف العلاقة بين الديمقراطية والتنمية. ان اول من بحث الارتباط الايجابي (المستوى العالي) بين الثروة والديمقراطية (القائمة)، كان (مارتن لبست) في مقالته الشهيرة عام 1959"بعض الشروط الاجتماعية المسبقة للديمقراطية"(5)، والتي كانت اقوى العلاقات واكثرها ديمومة في العلوم الاجتماعية. في الحقيقة، ان النظام الديمقراطي لم يسقط ابدا بعد بلوغه مستوى معين للدخل (6055 دولار لكل فرد مقاسا بسلة من حسابات الناتج المحلي الاجمالي لعدة دول) . غير ان قوة العلاقة هذه لا تعني وجود سببية، ولهذا فان الاكاديميين ومحللي التنمية وصناع السياسة انشغلوا لفترة طويلة في ازاحة الغموض عن العلاقة المعقدة بين التنمية والديمقراطية ومحاولة تقرير ان كان هناك ارتباط سببيا بين الاثنين.

الاجابة على السؤال بشأن الارتباط بين الديمقراطية والتنمية سوف تعتمد بالطبع على الكيفية التي يعرّف بها المرء "التنمية". اذا كان المرء يتبع Sen(1999b) ويتبنى تعريف التنمية كـ "حرية" – وهو التعريف الواسع الذي يضم ليس فقط المؤشرات الاقتصادية وانما ايضا الحريات مثل الحقوق السياسية والانسانية، الفرص الاجتماعية، ضمانات الشفافية وحماية الامن، فان الديمقراطية يجب ان تقود الى التنمية. اضافة الى ذلك، النقاشات الاخيرة عن اتجاه التنمية المرتكزة على الحقوق ايضا تركز على المشاركة والمسائلة وعناصر اخرى مشابهة جدا للقيم التي تؤطر الاشكال الموضوعية للديمقراطية. لكن، مع ان هناك قيمة كبيرة في فهم التنمية في مثل هذه الطريقة الشمولية،فان هذا الاتجاه يثير مشاكل مفاهيمية. تعريف التنمية وفق العلاقة مع العديد من الخصائص الملازمة للديمقراطية (بما في ذلك الحقوق والمسائلة) يجعل من الصعب جدا من الناحية التحليلية ايجاد فرق بين المصطلحين او القدرة على ازالة الالتباس في العلاقة بين الاثنين. ولهذا السبب، ربما من المفيد تبنّي تعريف نوعا ما اضيق للتنمية. وطبقا لجوزيف ستجلز عام 2003(6)، التنمية وفق هذه الاهداف تُفهم كـ "تحول للمجتمع" يتجاوز النمو الاقتصادي ليتضمن ابعاد اجتماعية مثل الابجدية،توزيع الدخل، توقعات الحياة، الخ – العوامل التي المّ بها مؤشر التنمية الانسانية. كذلك يجب ان تتضمن التنمية بعض ابعاد إعادة توزيع الثروة.

هناك ايضا نقاش حول ما اذا كانت الديمقراطية"الحقيقية" يمكن انجازها فقط في تلك الانظمة السياسية التي تدعم التنمية، المساواة الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية. ولكن وكما لاحظ العديد من المحللين مثل (شمبتر و كارل 1996)(7) بانه لاشيء متأصل في طبيعة النظام الديمقراطي بحيث يجب ان يقود اوتوماتيكيا الى محصلات معينة. هذا الفهم المفرط للديمقراطية ربما في الحقيقة يشكل عبئا على المفهوم، وانه يضع توقعات غير واقعية حول ما يجب ان ينجزه النظام الديمقراطي فقط لفضيلة كونه ديمقراطي. ان الفرق بين نوع الدولة والنظام يُعتبر اساسيا لهذا النقاش. الوظيفة الاساسية للدولة هي تعزيز النمو الاقتصادي وانجاز نتائج تنموية. نوع النظام يشير الى شكل الحكومة وطريقة عمل القرارات.

هذه الاتجاه اختار تعريف الديمقراطية (كما موضح اعلاه) بالتركيز على العمليات وليس النتائج: لا يجب ان نتوقع من الديمقراطية انتاج افضل محصلة سوسيو اقتصادية لمجرد انها ديمقراطية. وكما جادلت (Sen, 1999a) وآخرون بان العملية الديمقراطية بالفعل لها قيمة داخلية بذاتها، ويجب ان نتوقع ان تصل الى قرارات سياسية بطريقة تضامنية،تشاركية،شفافية ومسؤولية وتمثيل اوسع لمختلف المصالح الاجتماعية.

وحالما تتأسس القيمة الداخلية للديمقراطية، فان السؤال الذي يظل جديرا بالاثارة هو هل الديمقراطية تصنع اختلافا، واذا كان صحيحا، اي نوع من الاختلاف؟ ان الاعتراف المتزايد بالمؤسسات كعوامل رئيسية في رسم نتائج التنمية، وحركة المزيد من الدول الفقيرة نحو الديمقراطية كلاهما زاد من مقدار ملائمة وزخم هذا النقاش الى مدى ابعد. بعض الاسئلة تتضمن التالي. هل التنمية تقود الى الديمقراطية ام العكس؟ ما هي الآلية المؤسسية لخلق الآداء الاقتصادي؟ هل الديمقراطية تعزز التنمية، وهل الحكومات السلطوية ملائمة اكثر للقيام بتلك المهمة؟ وهل التنمية الاقتصادية ضرورية لتمكين الديمقراطيات في العالم النامي كي تتعمق وتصبح راسخة ؟ سنعالج هذه الاسئلة تباعا.

 

ثالثا- الديمقراطية والتنمية: تقييم الارتباطات السببية الرئيسية

1- نظرية التحديث وظهور الديمقراطية

في الستينات والسبعينات من القرن الماضي كان الجدال الذي اكتسب اهمية كبيرة في الاوساط الاكاديمية والحلقات السياسية هو ان الديمقراطية يُحتمل جدا ان تبرز في دول ذات مستويات عالية من التطور السوسيواقتصادي (Lipset 1959: Almond and verba 1936, Moore 1966 ). وتأسيسا على تحليل (لبست) الذي يؤكد على نقطة واحدة وهي ان الثروة الاقتصادية "شرط مسبق للديمقراطية"، فان العديد من المحللين والاكاديميين فسروا هذه العلاقة بما يعني ان التنمية هي شرط مسبق للديمقراطية. هذا الاتجاه التحديثي للدمقرطة فهم بروز الديمقراطية كنتيجة للتحول في البناء الطبقي، صعود البرجوازية، التنمية الاقتصادية، زيادة التمدين، التطور المسبق للقيم الديمقراطية، العوامل الدينية والثقافية الاخرى.

هكذا، طبقا لهذه القراءة، فان ظهور الديمقراطية هو سبب داخلي لعملية التطور الاجتماعي والاقتصادي – هناك تقدم خطي نحو التحديث يبلغ في النهاية ذروته في الديمقراطية. بكلمة اخرى، حالما تكتسب الانظمة اللاديمقراطية مستوى معين او حد اقصى من التطور الاقتصادي والنضج الاجتماعي، فهي ستصبح حتما ديمقراطية. طبقا لاتجاه التحديث، فان، ظهور الديمقراطية يجب ان يُرى كذروة انجاز لعملية طويلة من التحديث، او كأناقة تستطيع الدول الغنية تقديمها في النهاية.

غير ان ما سمي بالموجة الثالثة من الدمقرطة التي اكتسحت معظم العالم النامي بدءاً من الثمانينات خلقت تحديا لهذا المفهوم من "الشروط المسبقة" للديمقراطية.

ومنذ ذلك الوقت، كانت معظم الحركات نحو الديمقراطية الرسمية قد حدثت في بلدان لا يُتوقع فيها مثل هذا التحول نظرا للمستويات الواطئة للتطور الاقتصادي وغيره من المؤشرات السوسيواقتصادية. حيث كما لوحظ في عدد كبير من الدول التي مارست التحول نحو الديمقراطية اثناء الموجة الثالثة كيف انها جاءت في اسفل ثالث مؤشر للتنمية الانسانية. تحولات الموجة الثالثة ايضا رفضت الجدال الثقافي بان الديمقراطية لا تنسجم مع قيم دينية معينة. كذلك، العديد من الانظمة السلطوية كانت قادرة على البقاء حتى بعد وصولها مستوى عالي من التطور، لذا لا يبدو هناك تقدم طبيعي من السلطوية الى الديمقراطية بعد بلوغ نوع تنموي معين "اقصى حد".

استجابة لمحددات نظرية التحديث، نشأ ادب منذ الثمانينات يسعى لفهم التحول الديمقراطي وفق اتجاه عملياتي process- oriented approach . هذا الادب يؤكد على اهمية القرارات، الافكار والتفاعل بين العوامل السياسية المحلية الاستراتيجية في خلق التحول في اماكن غير محتملة، بينما يعترف باهمية العوامل الهيكلية في تشكيل خيارات الفعل بدرجات مختلفة. تركيز هذا الادب هو على تفاعلات النخب. في بعض الحالات، تعبئة اجتماعية واسعة النطاق و (تهديد بالعنف) والاحتجاجات من الاسفل كانت مؤثرة في خلق التغيير الديمقراطي. هذا كان ملحوظا في كل من جنوب افريقيا والفلبين واوكرانيا مؤخرا.

لذا، فان اجماع عالمي واسع نشأ ليؤكد ان التنمية الاقتصادية بحد ذاتها هي غير ضرورية ولا هي شرط كافي لنشوء الديمقراطية. من جهة اخرى، ما وراء هذا الاتفاق العام حول حقيقة ان هناك لا وجود لشروط مسبقة هيكلية لظهور الديمقراطية، فان طبيعة العلاقة بين الديمقراطية والتنمية تبقى قضية مثيرة للجدال . فمثلا، يجادل البعض ان الديمقراطية في الحقيقة شرط هام مسبق لتعزيز التنمية، بينما آخرون اكّدوا على العكس، ان الانظمة السلطوية تناسب المهمة بشكل افضل.سنحاول الان استكشاف كلا الحجتين.

 

2- حجة "الديمقراطية اولا":هل كل الاشياء الجيدة تأتي مجتمعة؟

ان جوهر هذه الحجة هو ان الديمقراطية تساعد في تعزيز التنمية (اكثر مما في العكس) يقوم على اساس بعض الخصائص المؤسسية للانظمة الديمقراطية – اي آلياتها في المسائلة وتزويد نظام المراقبة والفصل بين السلطات. هذه الخصائص تلعب دورا اساسيا في تضييق استغلال سلطة الدولة، من خلال الانتخابات والعمليات الاخرى. هي ايضا توفر انظمة للمكافآت والعقوبات، شفافة، دورية، موثوقة (بالنسبة للقواعد وليس النتائج).

هذه الخصائص المؤسسية(الوظيفية) للديمقراطية توضح لماذا لم تحدث مجاعة في الانظمة الديمقراطية.

من جهة اخرى، كانت موجة التفاؤل الديمقراطي التي صاحبت هذا التحول الهام نحو الديمقراطية في عدد كبير من الدول النامية – والتي وصفها فوكوياما عام 1992(8) بنهاية التاريخ – ربما ذاتها بنت توقعات عالية حول ما يمكن ان تحققه هذه الانظمة الديمقراطية الناشئة توا.

ارثودكسية جديدة ، قلبت افتراضات نظرية التحديث راسا على عقب، نشأت بين المجموعة الدولية (خاصة بين المانحين) بدءا من التسعينات تؤكد ان الديمقراطية ليست محصلة او نتيجة للتنمية وانما هي مكون وعنصر ضروري لخلقها . هذا التفكير يؤطر معظم "برامج الحوكمة الجيدة" التي كرستها المجموعة الدولية. تلك البرامج متعلقة اساسا بقواعد وممارسات بموجبها يتم اختيار الحكومات وتُمارس في ظلها سلطات الدولة. ان الحوكمة الجيدة تؤكد على اهمية الشفافية والمسائلة (الافقية والعمودية)، وهي ايضا تستدعي عمليات صنع قرارات تشاركية تضامنية واسعة كشرط اساسي لتعزيز فعال للتنمية.

 

3- حجة"التنمية اولا": هل الغايات تبرر الوسائل؟

ان هذه النزعة الطبيعية للنظام الديمقراطي في التجزئة والانتشار وتقسيم السلطة بين مختلف اصحاب المصالح بمختلف المستويات، سواء ضمن الدولة او بين مجموعة اللاعبين، ومن ثم جعل عملية صنع القرارات اكثر استهلاكا للوقت، كل ذلك قاد العديد من المحللين للجدال بان الانظمة السلطوية في العالم النامي ربما افضل من الديمقراطية لتعزيز التنمية الاقتصادية.

جوهر هذه الحجة هي ان التنمية تتطلب حكومة قوية مركزية عالية الاستقلال خاصة عندما تحتاج الدول الفقيرة لتلعب مسيرة اللحاق وان السياسات الديمقراطية هي ببساطة شديدة الفوضى ولا يمكن التنبؤ بها لتوفير مثل هذا البناء. في النظام السلطوي، يتمتع اللاعبون في الدولة بافق زمني طويل طالما لا يحتاجون للقلق على السياسة القصيرة الاجل التي تنشأ من الحلقات الانتخابية.

تجربة نمور اسيا (كوريا، تايوان، سنغافورة،هونك كونك) تثبت فرضية ان الانظمة السلطوية هي اكثر فاعلية من الانظمة الديمقراطية في تسريع التنمية الاقتصادية، حيث ان الدولة هي التي تقود النمو الاقتصادي السريع والتحول السوسيو اقتصادي بدءا من الستينات وحتى التسعينات من القرن الماضي. مؤخرا اضيفت الصين وفيتنام لدعم هذا الدليل.

ومن جهة اخرى، ليس من المؤكد ان الحاكم السلطوي سيكون دائما مهتما بلعب دور ايجابي في عملية التنمية. على العكس تماما، الامثلة التاريخية عن الدول السلطوية المضادة للتنمية في افريقيا وامريكا اللاتينية وشرق اوربا والاتحاد السوفيتي السابق كانت غزيرة. في الحقيقة، احدى الانتقادات لـمدرسة افكار (التنمية اولا، والديمقراطية ثانيا)، هي انها تثق بالدليل التجريبي الذي هو محدود جدا وانتقائي بشكل كبير. بمعنى ان المراهنة على فاعلية تنموية كبيرة لهذه الانظمة يتضمن رهانا خطيرا، وانه لا يمكن التحقق منها نظريا كون الغايات تبرر الوسائل.

كذلك، يمكن ايضا اقامة الحجة على ان العديد من الدول السلطوية، المركزية، ذات الاستقلالية العالية في صنع القرار لعبت دورا كبيرا في تعميق سلسلة من الكوارث الاقتصادية، وان مثل هذه الكوارث كانت اما اقل عمقا او حتى ممكن تجنبها لو كانت هناك آلية ديمقراطية فعالة لإبقاء السلطة التنفيذية تحت المراقبة. هذا بالتأكيد ينطبق على ازمة بيسو المكسيك عام 1994 والتي كانت من اعمق الكوارث في المكسيك والمنطقة.

 

4- التحديات التي جسدتها الاقتصاديات الناشئة: نحو اجماع جديد لنظرة جديدة للتحديث

كما لاحظنا اعلاه، ان الموجة الثالثة من الدمقرطة في العالم النامي تؤكد الاعتقاد بعدم وجود شروط مسبقة هيكلية لظهور الديمقراطية. من جهة اخرى، هاك فقط عدد محدود من الدول باشرت التحول الديمقراطي ونجحت في تأسيس انظمة ديمقراطية متماسكة رصينة. مقابل هذه الخلفية، العديد من المحللين توصلوا الى اجماع بان العوامل الهيكلية – مثل الشروط المؤسسية والاجتماعية والميراث – ربما لها تأثير هام على نجاح العملية الديمقراطية. هم يقولون، مع القليل من الاستثناءات (الهند وكوستاريكا)، فان جميع الديمقراطيات التي يمكن اعتبارها متماسكة هي ثرية.

فوق كل ذلك، التماسك الديمقراطي يتطلب تطوير ثقافة سياسية ديمقراطية فيها جميع اللاعبين السياسيين الرئيسيين (سواء النخب او الجماهير)، الاحزاب، جماعات المصالح المنظمة، المؤسسات والقوى تقبل بالرؤية بان الديمقراطية هي (اللعبة الوحيدة في المدينة). بكلمة اخرى، العملية الديمقراطية هي الوسيلة الشرعية الوحيدة للحصول على السلطة. لابد من الاعتراف ان بناء وتقوية مثل هذا البناء السياسي الديمقراطي ملزم في ان يأخذ وقتا طويلا، وهذا هو التحدي الرئيسي الذي تواجهه الانظمة اليوم.

في الحقيقة، ان تأسيس ارتباط سببي بين التنمية وديمقراطية دائمة يشير الى ان بعض رؤى نظرية التحديث ربما هي اكثر فائدة. نظرية التحديث تفترض ان مستويات عالية من التطور الاقتصادي يساهم في استقرار الديمقراطية حالما تتأسس لأنها تُضعف الاستقطاب عبر تخفيف الصراع الطبقي وتكريس عدم التطرف في الصراع السياسي. بما ان زيادة مستويات التنمية يقلل من حجم اللامساواة، فان الصراعات التوزيعية تصبح اقل اهتماما والرؤى لتطوير السياسة بين الناس تصبح اكثر تدرجا. الثقافة السياسية المتسامحة والمعتدلة هي ايضا يتم تسهيلها عبر زيادة فرص التعليم والتي هي ذاتها نتاج للتحديث. كذلك تعجل التنمية الاقتصادية من نمو المجتمع المدني.

في دراسة طموحة ومثيرة للجدل تنظر في العلاقة السببية بين الديمقراطية والتنمية واتجاه هذه العلاقة السببية في 135 دولة (بما فيها الديمقراطيات القائمة والدول التي في طريقها للديمقراطية) بين عام 1950 و 1990 وجد Adam prizeworsk وزملائه (2000)(9)، انه بينما المؤسسات السياسية هامة فعلا، لكن نوع النظام ليس له تأثير هام على النمو الاقتصادي للدول او على الدخل القومي. طبقا للمؤلفين، فيما اذا كانت الديمقراطية تعزز او تكبح التنمية يبقى سؤالا مفتوحا، ونتائج العلاقة بين نوع النظام والتنمية الاقتصادية يبقى بلا حل. الدرس الرئيسي من هذه التحليلات ربما ان مختلف الانظمة السياسية قادرة على تطبيق سياسات متشابهة، وانه ربما لهذا السبب يصبح من المفيد جدا النظر الى انواع الترتيبات المؤسسية التي هي قيد العمل( مثل نظام الحزبين مقابل نظام تعدد الاحزاب) واستراتيجيات تطوير الحكومة، بدلا من نوع النظام السياسي بذاته.

بعض الادب الحديث قام باستطلاع آخر لمعرفة تأثير الدمقرطة على الاهداف التنموية الاخرى، كالنمو والفقر واللامساواة والفساد، فكانت هذه التحليلات توصلت الى ان التأثيرات الايجابية المنسابة من الدمقرطة لمجالات اخرى من الحكومة والتنمية هي ليست اوتوماتيكية وغير مؤكدة، احيانا تكون سلبية كما في حالة الفساد. اذا كان هذا صحيحا، اي، وجود تأثيرات سلبية، وان الديمقراطيات لا تأتي دائما بثمار المساواة وبناء قدرة الدولة، عندئذ لابد من توجيه مزيد من الانتباه الى السياسة والتطبيق. احدى التحديات الرئيسية للمانحين هو ان يكونوا على اطلاع تام بحقيقة انهم، عندما يختارون الكيفية التي يساعدون بها الديمقراطية وتعزيز التنمية، هم ايضا يحتاجون الاخذ بالاعتبار كيف ان نشاطاتهم في مجال معين تؤثر على المجالات الاخرى – وكيف ان هذه بدورها تؤثر او تتأثر بجهود بناء الدولة الواسعة التي ربما تعمل او لا تعمل كليا مع جهود الدمقرطة من جهة وجهود التنمية من جهة اخرى.

 

الخلاصة

استنتاجات العلاقة بين الديمقراطية والتنمية ليست نهائية، هناك مختلف الحجج التي يمكن استخدامها لدعم كلا الرؤيتين: ان المؤسسات الديمقراطية تلعب دور حاسم في تعزيز التنمية والرؤية المضادة ان الانظمة الدكتاتورية ربما اكثر فاعلية في هذا المسعى. خاصة الدول الفقيرة التي تحتاج للحاق بسرعة. النقاش يبقى بعيد عن التسوية. الادب الحالي الذي يسعى لتحديد العلاقة بين الديمقراطية والتنمية يبقى غير ثابت. وهو ما يشير الى مدى تعقيد ولا خطية العلاقة بين هاتين القوتين. كل دراسة تعطي دليلا لإثبات حجتها من حيث صلة النظام الديمقراطي او النظام السلطوي بالتنمية، فكل حجة تُواجه بحجة مضادة.

 

من ورقة في مؤتمر ولتن بارك للديمقراطية والتنمية، للفترة من 23- 25 اكتوبر 2007.

 

حاتم حميد محسن

................

الهوامش

(1) Schumpeter.J.(1942) capitalism, socialism and Democracy: London: Harper perennial.

(2) Dahl, R.A. (1971) polyarchy: participation and opposition. New Haven. CT: Yal university press.

(3) Sen . A (1999a) “Democracy as a universal value”. Journal of democracy 10(3): 3-17.

السؤال الذي واجهتهُ جميع العلوم الاجتماعية، وبقي دون جواب، هو كيف نفسر المفارقة في التشابه الكبير بين الناس كأفراد بينما يختلفون كمجتمعات انسانية في ثقافاتهم وانجازاتهم الاقتصادية؟

الحجة التي يعرضها الكاتب (ويد) هي ان هذه الاختلافات لم تنشأ من اي اختلاف كبير بين الافراد من مختلف الأعراق. بل، انها نشأت من اختلافات ثانوية في السلوك الاجتماعي الانساني، سواء في الثقة، او الطاعة، او العدوانية او السمات الاخرى التي انبثقت ضمن كل عرق خلال تجربته الجغرافية والتاريخية .. انها بسبب المؤسسات – التي هي صروح ثقافية كبيرة ترتكز على قاعدة من السلوك الاجتماعي المتشكل وراثيا – وان مجتمعات الغرب وشرق اسيا هي مختلفة جدا، و المجتمعات القبلية لا تشبه الدول الحديثة، وان الدول الغنية هي ثرية بينما الدول الفقيرة تعاني الحرمان (1).

السؤال لماذا بعض الدول اغنى من الدول الاخرى هو واحدة من اكبر القضايا في الاقتصاد. التفسيرات تراوحت من المادية بأعلى اشكالها الى اللامادية. التفسيرات المادية كانت اقل ميلا الى اقتصاد السوق منه الى التفسيرات اللامادية.

التفسير الماركسي هو تفسيرمادي. تراكم رأس المال هو الذي يخلق الثروة. الماركسيون يجادلون بانه في سياق السوق الحر، فان تراكم رأس المال يفيد فقط القلة، بما يقود الى تركيز غير مقبول للسلطة.

تفسير مادي آخر يوجد لدى غارد دايموند في (Guns, Germs, and Steel)(2). يسأل دايموند لماذا استعمرت اوربا الغربية افريقيا وامريكا، بدلا من العكس. تفسيره المادي يركز على عوامل جغرافية وبيئية. هذه بدورها قادت اوربا الغربية للتمتع بمزايا البنادق والستيل والتي يصعب تبريرها من الناحية الاخلاقية.

العديد من الاقتصاديين يشيرون الى المؤسسات، بما فيها الحرية الاقتصادية، المساواة امام القانون، وفرض حقوق الملكية كعوامل اساسية للاختلافات في الثروة عبر الدول. هذه الرؤية عرضها كتاب (لماذا تفشل الامم لثلاثة من الكتاب)(3). الاختلاف في الظروف الاقتصادية بين شمال كوريا وجنوبها مثال لتبيان اهمية الاختلافات المؤسسية حين تكون العوامل الاخرى متساوية .

كتاب نيكولاي ويد يعبّر عن فرضية مثيرة للجدل وهي ان الاختلافات المؤسسية هي نتيجة اختلافات صغيرة في متوسط البناء الوراثي للسكان، وان هذه الاختلافات تتطابق مع التصنيفات العرقية العادية. من الواضح، ان هذه ليست توضيحات للاختلافات بين شمال وجنوب كوريا، لكن ويد يجادل بانها توضح بالفعل لماذا اوربا الغربية وملحقاتها الجغرافية طورت مؤسسات مرتبطة بالنمو الاقتصادي والديمقراطية بينما لم تتمكن مناطق اخرى من ذلك.

 

العرق والوراثة

باي الطرق تكون الاختلافات العرقية وراثية؟ الكاتب ويد ينظر في عدد من الجينات التي تختلف عرقيا وفق لغة الاحتمالات: هذه المواقع من الـ         DNA المميزة للعرق تسمى AIMs، او علامات بيانات السلالة .. مجموعة من 128 من علامات بيانات السلالة تكفي لتخصيص الناس لعرقهم الاصلي المناطقي، سواء كانوا اوربيين او شرق اسيوين او هنود امريكيين او افارقة.

معظم سمات بيانات السلالة هي وراثية او alleles اي انها اكثر شيوعا في عرق معين دون الاخر. احدى العلامات المميزة التي تحدث في 45% من الاسيويين الشرقيين و 65% من الاوربيين تقول ان الحامل اكثر احتمالا ان يكون اوربيا، لكنه يصعب ان يكون تأكيدا نهائيا او حاسما. عندما يتم ربط نتائج خيط من علامات بيانات السلالة مع بعضها، فبالامكان الحصول على جواب باحتمال احصائي عالي .

الكاتب (ويد) يقول ان هذه الاختلافات الاحتمالية نشأت بسبب "الازاحة الناعمة"في التطور. "الازاحة العنيفة"تتألف من تحول جديد يخلق سمة تمنح مزايا حاسمة بحيث تكون هي السائدة في جميع السكان. بالمقابل، الازاحة الناعمة تحدث عندما تمتلك السمة لمزية، وهذه السمة تنشأ بفعل عدة جينات. الناس الذين لديهم المزيد من الجينات المفضلة لإنتاج تلك السمة يميلون لامتلاك المزيد من الاطفال الذين يبقون احياء. يقول ويد،

عمليات الازاحة الناعمة – زيادة صغيرة في عدة جينات – هو اسهل بكثير لعمل الاختيار الطبيعي مقارنة بما يحصل في الازاحة العنيفة.

ممارسة تربية النبات والحيوان تعتمد على الازاحة الناعمة وليس العنيفة. مربي الدواجن لا يعرف اي جين في طور العمل. ولكن، عبر اختيار الحيوان الداجن في كل جيل، فان المربي بالنهاية يخلق حيوانا لديه عدد كبير من الجينات التي تفضل الترويض.

متى تنشأ عدة جينات مختلفة عبر ضغط الاختيار ومتى تنشأ عشوائيا؟ هذا السؤال يواجهنا عند قراءة كتاب ويد،لكنه لم يُعالج بما يكفي. ربما الجواب معروف، عدم وجود خلفية معرفية ملائمة.

من جهة اخرى، يمكن تصور الاختلافات الناتجة عن ضغط الاختيار، والتي نوعا ما تعمل كتربية مقصودة. ضغوط الاختيار التي تختلف بالمكان تدفع الانسان ليطور مختلف السمات في مختلف المناطق. يعرض ويد امثلة شهيرة، مثل الجينات التي تسمح للجسم بامتصاص السكر او الجينات التي تساعد في مقاومة الملاريا لكنها لها نتائج سلبية.

من جهة اخرى، يمكن تصور تباين عشوائي في مجموعة الجينات. الخصائص الوراثية العشوائية لأي مجموعتين من السكان تميل لتختلف،بالمتوسط، في تناسب مع المسافة بين المجموعتين. ذلك بسبب ان الناس اقل احتمال في ان يتزوجوا من مكان بعيد عن المكان الذي يعيشون فيه. يبدو ان هذا يعطي دفعا لعلامات وراثية مميزة لقارة معينة او لمدينة معينة. لكن، هذا التباين ربما ليس له تأثير هام على سمات الناس الذين لديهم تلك الاختلافات،لأنه لا يعكس ضغط الاختيار.

 

لماذا تختلف المؤسسات تبعا للمنطقة؟

الكاتب يقبل الرؤية بان الاختلافات المؤسسية توضح الاختلافات عبر الدول. ولكن، ما الذي يسبب الاختلافات المؤسسية؟ يجادل الكاتب بان التفسيرات الحالية للاختلافات المؤسسية تترك ظاهرة هامة بلا توضيح وان متوسط الخصائص الوراثية للسكان يجب ايضا ان يلعب دورا.

اذا كانت شمال كوريا وجنوبها توضيحا كلاسيكيا لقوة المؤسسات، عندئذ فان محاولة الامريكيين بناء دولة في العراق هي التوضيح الكلاسيكي لصعوبة زرع المؤسسات. يذكر ويد:

... اذا كانت المؤسسات هي ثقافية خالصة، فيجب ان يكون من السهل تحويل مؤسسة من مجتمع الى آخر. لكن المؤسسات الامريكية لا تُزرع بسهولة في المجتمعات القبلية كالعراق وافغانستان.

الجدال المشار اليه في ذلك المقطع يمكن اعادة توضيحه كالتالي:

1- الامريكيون حاولوا زراعة مؤسساتهم في العراق وافغانستان.

2- تلك المؤسسات انتهت بالفشل.

3- لذلك، فان التفسير هو ربما ناتج عن التركيب الوراثي للسكان.

يمكن الاعتراض على ذلك في ان امريكا لم تنقل فعلا مؤسساتها لتلك الدول. الانتخابات الديمقراطية كانت نُقلت بالفعل. لكن، الانتخابات الديمقراطية هي فقط واحدة من عدة مؤسسات تميز امريكا عن العراق وافغانستان. العديد من المبادئ الهامة للسلوك الرسمي، الافكار الاجتماعية، العادات، والممارسات لم تُزرع ابدا، هذه هي بالتأكيد شروط حاسمة للحفاظ على المجتمع الحر.

دوكلس نورث وغيره من الاقتصاديين لم يولوا اهمية للاختلافات العرقية والوراثية. بدلا من ذلك،هم اعتقدوا بالتوازن المفروض ذاتيا.

في كتاب (العنف والانظمة الاجتماعية)(4)، يجادل المؤلفون الثلاثة بان هناك نوعان مختلفان من انظمة الحكومة المعززة ذاتيا. الاول هو ما يسمونه النظام المقيد، الذي فيه عدد قليل من الجماعات المنظمة تتولى السلطة. الثاني هو النظام المفتوح الذي تتوزع فيه السلطة ويسود حكم القانون. في النظام المقيد، الاوليغارت يحافظون على السلم بين انفسهم بتقاسم الثروة التي يستخلصونها من بقية السكان. ضحايا هذا الاستغلال يبقون تحت السيطرة من خلال القمع. في النظام المفتوح،المجتمع يُحكم بقواعد عامة، وليس بالنخب القمعية. كل شخص قادر على امتلاك ملكية وبحقوق مضمونة.

المؤلفون الثلاثة يشيرون الى النظام المقيد بـ "الدولة الطبيعية". انها طبيعية لأن الغرائز المتوارثة لدى الناس تجعل من السهل تحقيق الولاء بين الجماعات القبلية. القبيلة او الجماعات شبه القبلية تتصارع بسهولة مع القبائل الاخرى وترغب بالدخول في العنف. النظام المفتوح يعمل على استقرار المجتمع والحفاظ على السلم.

ان التحول نحو النظام المفتوح يحدث فقط عندما تتحقق شروط مسبقة. الكتاب الثلاثة يجادلون بان الامة، قبل ان يتأسس النظام المفتوح، يجب ان تباشر فترة فيها يخضع الجيش لسيطرة المدنيين وفيها تتعامل النخب مع بعضها من خلال عمليات قانونية رسمية.

 

استنتاج

يرى الكاتب (ويد) ان اولئك الذين ينكرون اهمية العرق يجب ان يرتكبوا مغالطات فكرية لكي يستطيعوا ذلك .غير ان البعض يرى العكس هو الصحيح،يجب ان يحصل تشويهان اثنان للحقائق لكي نعتقد بصحة فرضية ويد.

التشويه الاول يستلزم الاعتقاد بان الاختلافات في متوسط المجموعات الوراثية يعكس تأثيرات الاختيار بشأن السمات،حينما تبدو عشوائية . الادعاء بان هناك اختلافات في السمات عبر العروق منقادة وراثيا يثير الدهشة نظرا لضعف الدليل.

التشويه الثاني يتطلب مقارنة فرضية متوسط السمات الوراثية مع فرضية التوازن المعزز ذاتيا في توضيح الصعوبة لدى بعض الدول في عمل التحول نحو اقتصاد السوق والحكومات الديمقراطية. الكاتب ويد يكتب كما لو ان التغيير الثقافي والمؤسسي يجب انجازه بسرعة، وعندما يفشل ذلك سوف لن يكون امامنا من خيار سوى العودة الى الوراثة. ان عمليات التغيير الثقافي والمؤسسي هي بالتأكيد جرى فهمها بفقر كبير،وليس بالضرورة ان تكون سريعة.

اعتمادا على كيفية تقدم البحوث، في العقود القادمة ربما لا نحتاج لتشويه للحقائق لنعتقد ان هناك علاقة حقيقية بين المجاميع الوراثية وسمات الشخصية. غير ان مسألة من يقود مختلف الدول لامتلاك مختلف المؤسسات انما هي مسألة تعاني مما يسميه جم مانزي "حجم السببية"(5)، يعني ان هناك عدة تفسيرات مقبولة والقليل نسبيا من البيانات لحل هذه المشكلة. لذا، فالشك سيبقى قائما بقدرتنا على القول ان الاختلافات في معدل السمات الاجتماعية للسكان هي العامل الرئيسي.

 

حاتم حميد محسن

...........................

الهوامش

(1) نيكولاي ويد. الميراث المزعج: الجينات، العرق، والتاريخ الانساني. مطبوعات بنغوين، 2014.

(2) Jared M. Diamond . البنادق، البذور، الستيل: مصير المجتمعات الانسانية. W.W. Norton and company, 1999.

(3) Daron Acemoglu and James Robinson . لماذا تفشل الامم: اصل السلطة، الفقر، والتقدم. Crown Business, 2013

(4) Douglass C. North, John Joseph Wallis, and Barry Weingast. العنف والانظمة الاجتماعية، اطار مفاهيمي لتفسير التاريخ الانساني المسجل. مطبوعات جامعة كامبردج، 2012.

(5) حجم السببية (causal density)، هو مصطلح اطلقه الكاتب مانزي في كتابه (اللامقيّد: النتيجة المدهشة للتجربة والخطأ في الاعمال والسياسة والمجتمع، باسك بوكس،2012) يشير الى مدى التأثير السببي في الظاهرة. فمثلا، اذا درسنا مدار كوكب معين، نستطيع افتراض وجود سبب واحد مهم لحركة الكوكب وهو الجاذبية. حجم السببية هنا ضعيف. في مجال الطب هناك عدة اشياء تتطلب التفكير فيها، لكن مع ذلك يمكن تعقّب العديد من المشاكل. حجم السببية هنا معتدل. اما في الشؤون الانسانية هناك الكثير من الاسباب لكل شيء، هناك اسباب للاسباب، والاسباب عادة تتفاعل بطرق معقدة. حجم التأثير السببي هنا عالي جدا. وهو ما يجعل من الصعب التأكد من حساب كل شيء، مهما كانت درجة التعقيد في الوسيلة الاحصائية المستخدمة لدينا، سيبقى دائما هناك شيء مخفي، لم نفكر به،وستنتهي نتائجنا في مهب الريح.

akeel alabodالمدخل: الزمن معادلة أفقية موضوعها الحركة والطاقة، اما الحركة فهي المسار الذي عبره تستخدم الطاقة لإنجاز الهدف المطلوب، وبهذا تصبح الطاقة المحرك والمصدر الأساس لهذه الحركة.

 

فكرة الموضوع:

ان الانسان غارق في كيان متحرك، متصارع، متصير، اي متحول، خلق في هذا العالم ليس لاجل الارتباط بمصالحه او منافعه، بل لاجل ان يقدم شيئا، ان ينهض بنفسه لمصلحة او خدمة هذا الوجود.

بقي ان نعرف ما نوع هذه الحركة التي تشدنا اليها كل يوم، هل هي فيزيائية مكانية مادية، ام عقلية شعورية، اي غير مادية؟

هنا تتحدد دائرة المسار الذي لأجله تنعقد موضوعة الحركة، فان كانت مكانية فيزيائية، كحركة المهندس عندما يخطط لبناء المكان، تجد ان المسار ينعقد بناء على نوع المكان، وجغرافيته، فيكون افقيا، اما اذا كانت الحركة عقلية، لا مادية، تجد ان المسار يتخذ اتجاها، او منحى عموديا، باعتبار ان حركة الوعي الانساني عمودية الاتجاه اصلا، فالفكر معادلة تصاعدية، تبتديء من الأسفل الى الأعلى، وبالعكس، فقد تكون من الأعلى الى الأسفل، اما من الأسفل الى الأعلى، فمعناها ان هنالك لغة او مفردة تدرجية، تعيش في عالم المادة، ثم تأخذ طريقها الى عالم الوعي، والوعي في هذه الحالة هو المصدر الذي يحدد مسار هذه الحركة، فقد ينتج عالم او فيلسوف او مفكر موضوعا ما، او فكرة ما، لتصل عبر هذا الفضاء اوذاك الى العالم، اقصد الوجود، بغية العمل عليها بحسب درجة الحاجة اليها، فالكيمياوي الذي يجد علاجا للسرطان مثلا بحسب البحث الذي يتم تقديمه، تجد ان العقول المختصة، تتناوله وتسعى للعمل عليه بغية إنجازه وصناعة الدواء الذي تم تعيينه بناء على البحث المقدم من ذلك الكيمياوي.

والمعنى ان العقول ترتبط مع المادة والإبداع بطريقة عمودية، فلا يوجد في بحث الفيزياء مثلا، مسار معين من اليمين الى اليسار، او بالعكس، كما في حالة الجغرافية، بل ان هنالك لغة تبادلية تنعقد بحسب حاجة العقول اليها من كل جانب ومكان بلا حدود.

فالفكر ليس ديكور يتم تحديده بهذا الشكل اوذاك، بهذا النوع من الحركة، اوتلك، بل انه لغة يدخل فيها الحوار والجدل بطريقة لا حدود لها، بغية تنفيذها اوفهمها بشكل واسع.

 

غاية الفكرة:

ان الزمن لا نملكه نحن، بل هو من يمتلكنا، لذلك ترانا نسير تحت إمرته، دون ان نستطع إرجاعه الى الخلف، بل هو من يقودنا ونحن نمشي مثل عربة الحصان خلفه.

هنا ولكي نقلب المعادلة، نحتاج الى اختصار ارتباطنا مع حاجاتنا المادية الأفقية هذه التي تستهلكنا كل يوم، وتحويلها الى نظام عمودي يحركه العقل والإبداع بغية تغيير مفتاح هذا العالم.

 

عقيل العبود

 

zouhair khouildiاستهلال: "بديهي أننا كمثقفين نحمل جميعنا فهما عمليا أو ترسيمة معينة للنظام العالمي... على أنه فقط من خلال المواجهة مع ذلك النظام... تخاض المبارزات وربما ينعقد الفوز فيها أيضا."1

لا يعتبر ادوارد سعيد مجرد مثقف كوني يحتل مكانة فكرية عالمية تضعه إلى جانب عمالقة الثقافة في الكوكب بل تقول سيرته الذاتية عنه أنه فلسطيني منفي حاول الغرب طمس هويته وتزييف جوهر رسالته ومازالت مجهوداته النقدية ومواقفه السياسية وأفكاره الفلسفية تمتلك راهنية وتمثل مادة خصبة للمعالجة.

لم يمنع حل الدولة الواحدة الذي نادى به سعيد من أن يكون منظورا فلسطينيا للصراع العربي الصهيوني ومن التحول إلى أشد المدافعين على القضية في الدوائر الغربية ومن المتمسكين بالحقوق الثابتة والتاريخية بل صار رقما صعبا في الذاكرة النضالية ضد الامبريالية وناطق رسمي باسم المقاومة الأممية ضد الظلم.

لقد حاول تخليص العرب من الصورة النمطية التي دأب الأدبي الغربي على تقديمها عنهم وبذل جهودا لإيقاف مهزلة تغطية الإسلام وإلصاقه بالإرهاب وأدرك على الفور ضرورة إنارة الرأي العام والتعريف بالقضية والتخصص في مناهضة التطبيع مع الواقع المهزوم والمداومة على التشهير بالعنصرية والتمييز. لقد كان دائم التساؤل:" ِلمَ لا نقوم نحن بدراستهم؟ إن تلك هي الوسيلة لمعرفة من هو جارك أو عدوك، اذا كان هذا حاله"2. كما بيَّن سعيد أن الميديا قد غطت التعاليم المنفتحة والمشرقة للإسلام ووضعت مكانها صورة منفرة وعنيفة ولقد شارك خبراء الإعلام في تشكيل صورة همجية ومتخلفة عن العرب والشرقيين وبالتالي تشكل سوء تفاهم مع الآخر وتسربت روح عدائية في نظرتهم إلى بقية العالم وأثرت في تعاملهم مع الشعوب3. على هذا الأساس ماهو الدور الذي يلعبه الكتاب في الدفاع عن القيم الكونية ومعارضة الحرب والانتصار إلى ثقافة السلام؟ كيف يمكن للسلطة أن تنبثق من قلب الممارسة الفكرية والمعرفية؟ هل من داخل الجامعة أم من خارجها؟ لماذا يواجه الكاتب أو المثقف في الشأن العمومي العديد من المشاكل والمخاطر حينما يؤثر الكلام على الصمت ولما يخرج من السكون إلى الحركة وعندما يستجيب للأمر الوجودي وينخرط في غمار السياسة؟ وهل توجد طريقة ملموسة وغير قابلة للبرمجة عن التجارب التي تتشكل منها النضالات اليومية للمثقفين؟

ما يراهن عليه أدوارد سعيد هو إخراج الكتاب والمثقفين والمفكرين من وضعيات الاندماج والخدمة والصمت والتبرير والشرعنة والتواطؤ والتطبيع والتنازل والاستسلام والتزييف والانبطاح وتهيئة إمكانيات التدخل في الحيز العمومي بالتزام ومسؤولية واستكشاف عناصر نضال وأشكال مقاومة في متناول اليد ووضع برامج بديلة بوضوح فكري وترجمة عملية والتصميم على تغيير العقول والواقع.

 

1- الدور العمومي للكاتب:

" لا أحد يكون خارج زمانه...والشخوص ليست رموزا للعبث"4

لا يستمد الكاتب أهليته عند أدوارد سعيد من تلبية دعوة السلطات القائمة ومن الحضور في المناسبات الاحتفالية التي تقيمها الدولة والمشاركة في المسابقات الثقافية واحتلال المراكز الأولى وحصد الجوائز المادية وأوسمة التكريم ونيل التشريفات الرسمية بل من رفض حقه في التصويت ويتم إسقاط عضويته من الجمعيات التي ينشط فيها ويجبر على المغادرة لمناهضته لثقافة الحشد وبقائه ضخما وعصيا عن الضبط.

لا يبلغ الكتاب السقف من الأهلية بالظهور في المناسبات الإعلامية ومن تقديم أنفسهم على أنهم كتاب محترفين ومن إنشائهم قصورهم المعرفية من أنشطتهم المهنية ومن توافقهم مع المزاج العام وخدمتهم الأجندات السياسية عند تناولهم الشأن العام وإنما من انحرافهم عن المسار العام و تغريدهم عن السرب ويزرعون الارتباك في الثقافة الراكدة ويقحمون أنفسهم في صميم التغيرات ويتسببون في حدوث تحولات.

يعترف أدوارد سعيد بصعوبة تحديد الكاتب من جهة التعريف المفهومي والوظيفة التاريخية والموقع السياسي والصورة الاجتماعية ولهذا الأمر يراجع الكثير من الأفكار السابقة ويقوم بتوسيع الآراء السديدة التي تبناها في كتاب "صورة المثقف" ويلجئ إلى التمييز بين كل من الكاتب والمثقف والمفكر والناقد.

إذا كانت الثقافة العربية الإسلامية تستخدم عبارتي المثقف والمفكر أي رجل الثقافة ورجل الفكر بحثا عن قيادة رمزية وسلطة شرعية مضادة لسلطة الحكام الفاقدة للمصداقية والشعبية والتي تعوزها الثقافة والفكر فإن الثقافة الفرنسية تنطلق من الترسب العمومي القائم في مفردة المفكر والذي يطرح أفكراه للنقاش على الصعيد العمومي وتسمح له من التدخل في السياسيات العامة وتفتح شهية العديد من الناس في إبداء الرأي.

في حين أن مصطلح المثقف هو الأقل استخداما في الثقافة الأمريكية ووقع تعويضه بالخبير وشكلت الاحترافية والتخصصية المعيار الملائم للإنتاج الفكري ولم يعد الكتاب يطمحون للوصول إلى السلطة.

في هذا الإطار يحاول سعيد إدماج كلمتي مثقف وكاتب في مفهوم واحد واثبات الانتماء المتبادل للطرفين بالرغم من كشفه لطابع التفضيلي لموقع الكتاب المستقل بالمقارنة من موقع المثقفين المتورطين دائما في النقد وذلك لما ينتجه من أدب تسبغ عليه هالة الإبداع وقداسة الابتكار ولما يتميزون به من قدرة نبوية.

لقد حاول سعيد إدغام الواحد بالآخر وبين أنه"خلال السنوات الأخيرة من القرن العشرين ازداد اكتساب الكاتب لصفات المعارضة المنسوبة إلى المثقف من حيث الجهر بالحقيقة في وجه السلطة والشهادة على الاضطهاد والعذاب ورفع صوت التمرد أثناء النزاعات مع السلطات."5

بيد أن سعيد يكشف عن الوضع التراجيدي أو التوتر المستدام الذي يعيشه الكاتب في الحقبة المعاصرة فهو من جهة أولى مطالب بأن يكون لاسياسيا حفاظا على مصداقيته واستقلاليته وحياديته بشأن الحقيقة وبالتالي يغلب عليه طابع الاستكانة الفكرية بدل الاضطلاع بدور انشقاقي ومهام تصعيدية تجاه السلطة ومن جهة ثانية اتسع النطاق السياسي والعمومي جميع مجالات الحياة وأصبح بلا حدود وغمر مجال الكتابة والثقافة وأصبحت كل معرفة منتجة هي في خدمة سلطة معينة وصار القلم تابعا للسيف ضرورة.

لقد أعيد تشكيل دور الكاتب وتوفرت متنوعات مختلفة في موقعه الجسدي والمجازي وصار بإمكانه القيام بوظائف متفاوتة تصل إلى حد التناقض فهو يعمل على مواجهة الجهل والخرافة بالتربية على قيم التنوير ولكنه يتحول إلى أداة من أدوات التي تستعملها الأجهزة الإيديولوجية للسلطة في معركتها مع خصومها.

لقد دافع سعيد عن الدور العمومي للكتاب في زمن شهد انتصار الاقتصاد المعولم وتسليع كل شيء وفي عصر انتشار التخصص وسيادة الخبراء وفند بذلك الأطروحة التي تقول بأن المثقفين لم يعد لهم وجود وعلى خلاف ذلك بين للعالم أن أفعال الكتاب المرتبط بالشأن العام ومواقفهم مازالت تؤثر وتنبض بالحياة.

إذا كان رجال الاقتصاد والسياسة يضغطون في اتجاه اكتساب المزيد من السلطة والمنفعة فإن عدة شرائح من المجتمع تعتقد بأن المثقف بالمعنى الغرامشي مازال محل ثقة وتعتبره كائنا يجب الإنصات إليه وتنظر إليه بوصفه المنقذ لحظة الكارثة والمرشد زمن الاضطراب والحكيم في وسط الارتباك والتعثر.

لقد تنصلت الدولة الليبرالية الجديدة التي خلفت دولة الرعاية من كل التزاماتها تجاه مواطنيها وتشبع خطابها بالمصالح والسلطات التي تحوز عليها وتستهدفها وتركت الباب مفتوحا أمام المثقفين من أجل الانخراط في جبهة حقوقية تناضل في سبيل بيئة طبيعية وإحراز مهنة إنسانية واحترام الأخلاق الطبية.

لقد وقف سعيد إلى جانب الحركات المنادية بحقوق الأقليات والإنسان وطرح على طاولة النقاش قضايا النسوية والبيئة واعترض على الحروب غير العادلة وغير المشروعة وجسد مقاومة الواقع العولمي الزاحف ووجه الانتقادات الأكثر جذرية إلى النظام العالمي الجديد محاولا قطع الطريق أمام الإرهاب والتمييز العنصري والنزعات اللاّإنسانية وناضل من أجل بناء حقول تعايش بدل من ميادين قتال وحرب.

لا تكمن مهمة الكاتب في الدفاع عن مصالح القوى المسيطرة ولا في ادعاء النضالية المغلقة بالغوص في رطانة الخطاب التخصصي وممارسة التجريد الأكاديمي وإنما عليه بالإسراع بالتدخل الحاسم في الشأن العام والتسلح بامبريالية الفضيلة والاشتباك مع الخصوم المسؤولين عما آلت إليه الأحوال بشكل مباشر.

إذا كان خطاب الخبراء شعائريا واختزاليا وتمنعه البراغماتية والمباشراتية من التأثير وتقديم الحلول فإن المثقفين المستقلين يمكنهم أن يشكلوا شبكات ضغط وبؤر مقاومة تستعمل وسائل الاتصال بطريقة ثورية.

هكذا يمكن للمثقف أن يتحول إلى طاقة فكرية ذات قدرة على الحركة والتأثير باستعمال لغة تسهل عملية التواصل وأيضا بتقديم نفسه تارة كمواطن وطورا بوصفه المعبر بشكل واضح عن وجهات النظر البديلة.

غير أن المثقف- الكاتب مطالب بأن يجمع في دوره المركزي ووظيفته العضوية بين الشهادة على تجربة خصوصية وتدوين هويتها العمومية ويلعب الدور الناطق بلسانها من جهة وأن ينخرط في عملية توعية المواطنين ديمقراطيا ويدعم الأجندة السردية الكونية ويناهض كل أشكال التعصب واللاّتسامح والهمجية ويدافع على الحقوق والحريات ويعمل على استبقاء الجمالي في الفعل الفردي والجماعي من جهة أخرى.

لقد آمن سعيد بلغته وجعلها أداة مقاومة " فاللغة العربية هي في قلب هوية الشعوب ومقاومتها للمشاريع الكولنيالية. لكن العربية تملك خصوصية أن تكون منشطرة بين لغة كلاسيكية ولهجات وطنية تكون في بعض الأحيان غير مفهومة من بعضها البعض. فهل من الممكن أن نجعل من هذه الثنائية ثراء وقوة؟"6

تجمع اللغة بين عبقرية الكاتب الذاتية وخصوبة الثقافة الموروثة ويمكن تحويلها الى وسيلة للاستثبات وأطار لتقرير مصير الجماعة التاريخية التي تنطق بها وتؤدي مهمة معرفة هذه الجماعة لنفسها وبالعالم.

على المثقف أن يتجاوز الأسلوب الجدلي والدور الاعتراضي وأن يختار الوقوف في الموقع الذي يمكنه من دفع الناس إلى التعبير عن مطالبهم ورغباتهم وأن يسعى إلى بلورة جملة من التوقعات والانتظارات وتقديم بدائل تجمع بين العدالة الاجتماعية والمساواة السياسية وتوفر التطور الثقافي والنمو الاقتصادي.

تتمثل رقابة المثقف في"أن جزءا مما نمارسه نحن المثقفين لا يقتصر على تعيين الحالة الراهنة وإنما يشمل أيضا استكشاف إمكانات التدخل النشط، أمارسنا هذا النشاط بأنفسنا أم اعترفنا به لدى آخرين"7.

يقترح سعيد أدوار ثلاث أو مهام نضالية يجب على الكاتب- المثقف أن يقوم بها:

المهمة النضالية الأولى تتمثل في منع اضمحلال الماضي واستباق عمليات إخفائه ويفسر ذلك بالتركيز على الكتابات المتحررة من ضغوطات السلطة واكراهاتها وذلك بالكف عن إعادة صياغة التقاليد وتقديم تبسيطات للتاريخ وفق الذاكرة الرسمية لاستراتيجيات السلطة وتبتكر سرديات بديلة ومنظورات مختلفة.

المهمة النضالية الثانية تستند إلى بناء حقول تعايش بدلا من ميادين قتال بواسطة الجهد الفكري والحوار العقلاني عن طريق مد جسور المثاقفة بين الشعوب والأمم وتنشيط حركة الترجمات والنقل المعرفي. المهمة النضالية الثالثة تقوم على تحويل المثقف الكاتب إلى ذاكرة مضادة وسارد لتاريخ منسي ومهمش ويتمتع بالجرأة والجهد والقدرة على التخيل التي تجعله يمنع الضمير الإنساني من الاستسلام إلى النوم. على هذا الأساس يجب أن يمتلك المثقف خطابا معاكسا للمزاج العام ويواجه الخطاب الإعلامي الذي يبني منطقه بالاعتماد على التضخيم والتزويق وينتصر إلى قيم الحق والعدل ويناصر القضايا المصيرية لأمته. " ان المنزل المؤقت للمثقف هو حومة فن متطلب مقاوم وغير مساوم لا يمكن أن يبحث فيه عن حلول"8. وبالتالي يقبض المثقف في حقل النفي الهش على صعوبة لا مخرج منها ولكنه يقدم على اكتناهها.

على هذا النحو لا يجب أن يعمد الكاتب في خطابه إلى تبرير جملة المصالح الجماعية الطاغية وذلك من خلال إخفائها عن الأنظار أو التغافل عنها بل يفترض أن يقوم بالتنويع في أساليبه التشكيلية ويضاعف حس المعارضة الملتزمة لديه ويبادر بالتشهير بسلبياتها وخلخلتها وتفكيكها بالانتباه إلى تبعاتها الكارثية والوعود البائسة التي تروج لها ويصنع التفاؤل الحذر ويشخص التحديات وينشر أدوات دفاع رمزية ضد التطهير العرقي والرقابة الجماعية والازدراء الاجتماعي ويتصدى لبراغماتية السوق ومنطق الشركة واستراتيجيات الرسملة والسلعنة التي تربط الاستمرار في العيش بالاستمرار في الدفع وترهن القيمة بالفائدة. " هناك بعدا آخر للخطاب الثقافي يتعلق بالقدرة على التحليل بمعنى أن تتخطى القوالب الجاهزة وتضطلع بمهمة تصحيح الأكاذيب التي تصدر عن السلطة وأن تقوم بمساءلتها وبالبحث عن بدائل"9. لكن ماهو الموقف المثير للجدل الذي تبناه أدوارد سعيد من القضية الفلسطينية في طرق التصدي؟

 

2- تلازم الانتفاضة والمقاومة والعودة:

" لا يجوز الاستخفاف بالطاقة التحريرية لذلك الوضع الجديد ولا بالمخاطر التي تتهددها"10

يتضامن سعيد مع قضية اللاجئين الفلسطينيين الذين يعشون وضعية مأساوية في الشتات وفي دول المهجر ويشيد بمجموعة من الأنشطة عابرة للحدود بطريقة افتراضية من خلال استخدام الفضاء الافتراضي بطريقة تفاعلية قام بها مجموعة من الشبان داخل مخيم "الدهيشة" وأسموها "مركز إبداع" حينما تجاوزوا الحواجز وتمكنوا من تقريب المسافات لأول مرة منذ 1948. لقد " انعقدت أواصر تضامن مدهش في وقت باشرت فيه مفاوضات الحل النهائي السيئة الطالع بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في تناول قضيتي اللاجئين والعودة، التي شكلتا – مع قضية القدس – صميم عملية السلام الواصلة إلى مأزقها."11

لقد ساهمت هذه التجارب التواصلية الافتراضية في التعريف بقضايا اللاجئين والمبعدين ومنحتهم منزلة جديدة ومكنتهم من الخروج من حالة الصمت والاستكانة والتشتت والإقصاء إلى التعبير عن الوعي بالذات والحضور الفعلي في المشهد واستئناف المشاركة في الصراع والاشتباك وإعادة تنشيط الإرادة السياسية.

الصراع على فلسطين هو النزاع الأقرب إلى الدار حسب تعبير أدوارد سعيد ويطرح قضايا الهوية والانتماء إلى أمة والوفاء للتقاليد ومسألة حضور الماضي بشكل مكثف والاستنجاد بالذاكرة في مواجهة النسيان ، ولا يمكن حل هذا الصراع العنيد عن طريق إعادة ترتيب دولية تشتغل على محاور جغرافية يمكن تقاسمها تقنيا بين الفلسطينيين والاسرائليين لأنها تسمح للمقتلعين من وطنهم والمحرومين من حق العودة والمهجرين قسريا بأن يعيشوا مجرد بوابين لأرضهم المطوقة من قبل العدو . من هذا المنطلق " يبدو أن المجتمعات الحديثة والمجتمعات البدائية قد حصلت بصورة سلبية عن معنى يخص هويتها"12.

هكذا ينبني المخرج الذي يقترحه سعيد بخصوص القضية الفلسطينية على المبادئ الأساسية التالية:

- القضية الفلسطينية ليست قضية سهلة من نوع قضايا حق في مواجهة حق.

- ليس مقبولا أخلاقيا مطالبة السكان الأصليين بالانسحاب من الأرض فيصيروا لاجئين وأجانب.

- ليس من الحق ولا من العدل أبدا حرمان شعب بأكمله من أرضه وتراثه وقطع أوصاله وتهجيره.

- لا يمكن الموافقة على بأن احتلال فلسطين كان ضروريا لإيجاد حل للمأساة اليهودية من حيث هي اجتماع ألم بل إن مجرد التفكير بهذه الطريقة هو إهانة للألم الفلسطيني والتسبب في مأساة جديدة.

- لقد تقزمت الأهداف التحريرية للفلسطينيين بل تسفهت حينما تحولت على يد مجموعة نخبوية من الأساتذة إلى صناعة أكاديمية عقيمة واختزلت في مبارزة غامضة بين خصوم ملتبسين.

- لا يمكن للسلام أن يتحقق من دون مساواة وطالما أن عمليات الحرب والسلم يتحكم بها الأقوياء تحت راية الامبريالية الحميدة وتحرض على المزيد من الموت والدمار والرعب للمدنيين الآمنين.

- إن النضال الفلسطيني هو من نوع التجارب المتقاطعة التي لا تقبل المصالحة وتبعث على اليأس ولكنه لا يتطلب من المثقف أن يلعب دور الشاهد الصامت على اللاإنسانية المحيطة بالمجتمع.

لم يعش ادوارد سعيد حياة هادئة ومريحة ولم يكتف بالنشاط الأكاديمي ولم يتنصل من انتمائه لهويته وثقافته وإنما لم يتردد في النشاط السياسي وإبداء الحماس والاهتمام بالدفاع عن الحقوق المدنية وممارسة الالتزام الوجودي بقضايا شعبه بالرغم من علمه أن ما سيتعرض له هو الازدراء والاضطهاد والنبذ. لقد فعل سعيد الكثير من الانجازات الرمزية لفلسطين والفلسطينيين لما رفع القضية إلى مكان بارز في المشهد الإعلامي الدولي وحاول تغيير الصورة النمطية التي ظل المثقفون الغربيون ينظرون بها إلى الشرقيين.

" إن التفاعل بين الفلسطينيين والإسرائيليين يتسم بالكراهية والعداء ...إن هذا الواقع لا يمكن تغييره بسحب الناس وراء إلى حدود أو دول منفصلة. إن تورط كل في الآخر...يعود في أساسه إلى العدائية التي مارسها الإسرائيليون منذ اللحظة الأولى التي دخلوا فيها المناطق الفلسطينية...وغزوا الفضاء الفلسطيني"13.

يدافع سعيد على ضرورة قيام دولة علمانية ثنائية القومية بتقديم أربع مبررات، يتمثل المبرر الأول في الهوس الاسرائيلي في التوسع الاستيطاني بالرغم من صغر المحيط الجغرافي وتعويلهم على اليد العاملة الفلسطينية في ظروف سيئة وبأجور زهيدة . أما المبرر الثاني فينحصر في أن عمليات الفصل والسحب والتهجير للسكان الفلسطينيين من مدنهم وقراهم لا تقضي على العداوة بل تضاعف من التمييز والازدراء ويزيد من لهيب العنف. في حين يرتكز المبرر الثالث على أزمة الهوية التي يعاني منها جيل جديد من السكان الفلسطينيين الذي حصلوا على جنسية إسرائيلية وهو ما طرح إشكاليات حول المواطنة وماهية اليهودي. يثير المبرر الرابع الواقع السكاني الذي يشهد تفاوتا ديموغرافيا بين الفلسطينيين والإسرائيليين مما يدفع الدولة العبرية إلى تشجيع هجرة يهود العالم وإدامة سياسة التمييز العنصري بطرد الأصليين.

" الوضع هناك رهيب وينذر بالكارثة وهو يعود برمته إلى الاحتلال الإسرائيلي لمدن الضفة الغربية بينما غزة محتجزة فيما يشبه القفص الكبير... أضف إلى ذلك القدس الشرقية التي جرى ضمّها دون شرعية"14.

لقد أسس ادوارد سعيد ثقافة المقاومة واعتبر انتفاضة 2000 شكلا من أشكال القيام الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي وقدم منظور فلسطيني مختلف حيال الصراع مع الايديولوجيا الصهيونية ينبني على نقد للبيروقراطية الإدارية التي تفشت في منظمة التحرير والأحزاب المكون لها وحالت دونها والسيادة الذاتية والقدرة على معالجة مشاكل حياتية حارقة للمواطن الفلسطيني مثل التعليم والشغل والصحة والنقل. بناء على ذلك تمكن ادوارد سعيد من أن يتحول إلى المتحدث الرئيسي باسم القضية الفلسطيني في الغرب وذلك عن طريق مقالاته وبحوثه وعبر مشاركته في حلقات النقاش ووقفات احتجاجية ضد الجدار العازل.

تمثل استقالة سعيد من المجلس الوطني منعرجا حاسما في موقفه السياسي وضوء اخضرا لكي ينطلق في مناهضة توقيع اتفاقية أسلو ورفض عملية السلام والاستيطان وتوجيه انتقادات كبيرة لفتح وللقائد عرفات.

غير أن المثير للجدل هو اعتبار منظمات الدفاع اليهودية ادوارد سعيد بالأستاذ المتعصب لقضيته ونعته بمعاداة السامية وتهديده وتخويف أسرته بالرغم من دفاعه على فكرة التعايش العادل بين اليهود والعرب وإيمانه بحل الدولة الواحدة وتعاطفه مع الأبرياء وهجومه على شعارات العسكرة وكليشيهات التسليح.

اللافت للنظر أن حل الدولة الواحدة لم يتم اعتماده لما فيه من تسويف للحقوق واعتراف بشرعية الاحتلال ووقع اللجوء من طرف المنتظم الأممي الى حل الدولتين وحصل الفلسطينيون على 12 في المائة من الأرض فقط أي الضفة الغربية وقطاع غزة وبذلك أعلنت العديد من الدول الاعتراف بالدولة الفلسطينية ورفع العلم في الكثير من المحافل الدولية سياسية وثقافية ورياضية ووقع تبادل البعثات الديبلوماسية. فألا يكون المخرج المقترح من قبل أدوارد سعيد ضربا من اليوتوبيا السياسية في استمرار الصراع بشكل حاد؟ ولكن من جهة أخرى كيف ارتبط الإيمان بالمقاومة الثقافية عنده بتأسيس علم مضاد للاستشراق ومناهضة النظرة الغربية للشرق وتبني رؤية الأنسنة الثقافية الجديدة التي انتشرت في أروقة الجامعات الغربية؟

 

خاتمة:

"ما يهمني هو الأنسنة بماهي ممارسة يستخدمها مثقفون وأكاديميون يريدون معرفة ماهم فاعلون وما الذي يلتزمون به كباحثين يرغبون أيضا في ربط تلك المبادئ بالعالم الذي يعيشون فيه كمواطنين"15

من بين المخاطر التي تهدد حركة الأنسنة بماهي تجربة نقدية وفكر ملتزم بالحرية والتنوير يذكر ادوارد سعيد ثلاثة أمثلة وهي الفكر الانتمائي الذي تسقط فيها الايديولوجيا القومية والحماسة الدينية التي تغمر الفكر السياسي والنزعة الاستئثارية التي تميز سرديات الوطنية والانفصالية وتتسبب في موجات تدميرية.

إذا كانت الإنسانوية تعطي العقل والطبيعة والإنسان قيمة كبرى وتدل على الميل إلى الاشتغال بالفنون واللغات والآداب والتاريخ والعلوم فإن الأنسنة عند أدوارد سعيد حركة فكرية وتوجه عام ينخرط فيه الكتاب والمثقفون يقاومون فيه عالما يعج بالاضطراب والعنف ويتدبرون به واقعا متذررا فقد آلهته.

لا تقتصر حركة الأنسنة على الفضاء الغربي بل تخاطب الإنسانية بأسرها وتغرس فيها التربية العقلية والممارسة النقدية والتفحص الموضوعي للظواهر والتأويل التاريخي للنصوص والقراءة المنفتحة للعالم. بناء على ذلك تصارع هذه الحركة كل أشكال الهمجية وتحاول التخفيف قدر الإمكان من وطأة المركزية وذلك بإدخال البعد الزمني إلى الهويات الجماعية والاسترشاد بنماذج راقية والسعي المستمر نحو الحرية.

هكذا تعيد الأنسنة الثقافية صياغة طرق النضال من أجل حقوق الإنسان وفق حاجيات الشعوب من السيادة والكرامة وتعيد تحديد مفهوم المواطنة ضمن أفق سياسي مابعد كولونيالي وتلتزم بالنضال الديمقراطي.

ليست حركة الأنسنة عملية استحواذ وهيمنة ولا تقتصر على وضع فضائل وصفات محمودة على النشاط الإنساني بل هي ممارسة مستدامة تمنح المؤسسات قدرات ثمينة وغنية وتتعامل مع الإنسان ككائن بدئي بعد تفحص دقيق لعلاقاته الميتافيزيقية وتمتلك شكلا من الوعي الحاد بحاجة المجتمع لولادة ثقافة جديدة.

كما يرفض سعيد تبرير الجرائم والحروب والتدخل في الدول الخارجية بادعاء تحقيق الغايات الإنسانية والدفاع عن القيم الكونية وينقد مصطلح "الإنسانية العسكرية" وارتكاب التطهير العرقي والقتل الجماعي.

يحاول سعيد مواكبة التغيرات الجذرية التي طرأت على النظرية الإنسانوية واطلاع جمهور المثقفين والكتاب على الوجه الأنجلوساكسوني للأنسنة الشاملة وخاصة صورتها الجديد في الجامعات الأمريكية على غرار كولومبيا ونيويورك مع جايمس كليفورد وآلان بلوم ونورمان فورستر وجاكسون ليزر.

لقد تأثر سعيد بحركة الأنسانيين الجدد التي قامت بالرد على النزعة المضادة للأنسنة التي تشكلت بمفعول اندلاع الحروب العالمية الأولى والثانية وحدوث أزمة في تصور الإنسان لذاته وتأبد العدائية بين البشر.

ترتبط حركة الأنسنة الثقافية بتمجيد القيم الدنيوية مثل التربية على المطالعة والقراءة الأدبية والنهل من العلوم الأنثربولوجية والتجارب التاريخية للأمم الماضية والاهتمام بالشؤون الفنية والتركيز على الترفيه والمتعة. لكنها تؤمن بالعلمنة في الفضاء الديني وتناضل من أجل ترسيخ قيم العلمانية في الفضاء السياسي وممارسة المواطنة التشاركية وتنبذ الانكفاء على الذات واقصاء الآخر وتوصي بالتحرر والتنوير والنقد.

"ليست الأنسنة طريقة في تدعيم وتأكيد ما عرفناه وأحسسناه دوما ، وإنما هي وسيلة تساؤل وإقلاق وإعادة صياغة للكثير الكثير مما يقدم لنا اليوم على أنه يقينات مسلّعة، ومعلّبة ، مغلقة على النقاش ومشفرة على نحو غير نقدي، بما فيها تلك الموجودة في روائع يجري حشرها جميعا في حظيرة الكلاسيكيات."16، لكن ماذا تراه يقصد أدوارد سعيد حينما يعرف ظاهرة الأنسنة الثقافية الجديدة بكونها "تنافر مضطرب من المدونات غير المحسومة"17 و"تعبير عن تمفصلات الثقافة ذات التشعبات والتطويرات اللاّمتناهية"18؟

 

د زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

...........................

الإحالات والهوامش:

[1] ادوارد سعيد، الأنسنة والنقد الديموقراطي، ترجمة فواز الطرابلسي، دار الآداب، بيروت، طبعة أولى، 2005، صص.156-157.

[2] ادوارد سعيد، الثقافة والمقاومة، ترجمة علاء الدين أبو زينة، دار الآداب، بيروت، طبعة 2006، ص31.

[3] Thomas Brisson, Naissance d’un intellectuel, Revue Critique : Edward W.Said (Jérusalem,1935- New york, 2003), n°793-794, pp531.542

[4] Edward W. Said , Nul n’est hors de son temps, in Manière de Voir Le monde diplomatique, penser est un sport de combat, n°137, octobre-Novembre 2014.

[5] ادوارد سعيد، الأنسنة والنقد الديموقراطي، مصدر مذكور، ص146.

[6] Edward W.Said, la langue arabe, la Rolls et la Volkswagen, in Manière de Voir Le monde diplomatique, comprendre le réveil arabe, n°117, Juin-Juillet 2011, pp70-74.

[7] ادوارد سعيد، الأنسنة والنقد الديموقراطي، مصدر مذكور، ص158.

[8] ادوارد سعيد، الأنسنة والنقد الديموقراطي، مصدر مذكور، ص161.

[9] ادوارد سعيد، الثقافة والمقاومة، مصدر مذكور، ص143.

[10] ادوارد سعيد، الأنسنة والنقد الديموقراطي، مصدر مذكور، ص151.

[11] ادوارد سعيد، الأنسنة والنقد الديموقراطي، مصدر مذكور، ص152.

[12] Edward W. Said, l’orientalisme, l’orient créé par l’Occident, traduit de l’américain par Catherine Malamoud, editions du Seuil, Paris, 1997. p70

[13] ادوارد سعيد، الثقافة والمقاومة، مصدر مذكور، ص20.

[14] ادوارد سعيد، الثقافة والمقاومة، مصدر مذكور، ص121.

[15] ادوارد سعيد، الأنسنة والنقد الديموقراطي، مصدر مذكور، ص23.

[16] ادوارد سعيد، الأنسنة والنقد الديموقراطي، مصدر مذكور، ص48.

[17] ادوارد سعيد، الأنسنة والنقد الديموقراطي، مصدر مذكور، ص48.

[18] ادوارد سعيد، الأنسنة والنقد الديموقراطي، مصدر مذكور، ص48.

 

المصادر والمراجع:

ادوارد سعيد، الأنسنة والنقد الديموقراطي، ترجمة فواز الطرابلسي، دار الآداب، بيروت، طبعة أولى، 2005،

ادوارد سعيد، الثقافة والمقاومة، ترجمة علاء الدين أبو زينة، دار الآداب، بيروت، طبعة 2006،

Edward W. Said, l’orientalisme, l’orient créé par l’Occident, traduit de l’américain par Catherine Malamoud, editions du Seuil, Paris, 1997.

Edward W. Said , Nul n’est hors de son temps, in Manière de Voir Le monde diplomatique, penser est un sport de combat, n°137, octobre-Novembre 2014.

 Edward W.Said, la langue arabe, la Rolls et la Volkswagen, in Manière de Voir Le monde diplomatique, comprendre le réveil arabe, n°117, Juin-Juillet 2011, pp70-74.

Thomas Brisson, Naissance d’un intellectuel, Revue Critique : Edward W.Said (Jérusalem,1935- New york, 2003), n°793-794, pp531.542