emadadeen ibrahimالوجودية هي تيار فلسفي معاصر يميل الي الحرية التامة في التفكير بدون قيود، ويوكد علي تفرد الإنسان والإعلاء من شانه، وهي ليست نظرية فلسفية واضحة المعالم، بل حركة أدبية وفلسفية ظهرت في القرن العشرين. ويجب أن نشير إلي حقيقة هامة وهي أن مصطلح الوجودية يلتبس على الكثير من رجال الشارع وحتى علي بعض المثقفين، لأنه المصطلح غامض ويجب ربطه بالأدب إذا أردنا أن نفهمه. ولقد بدا ظهور المصطلح في بداية الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين. ولقد ظهرت نتيجة لعوامل اجتماعية وسياسية مرت بها أوروبا بعد الحرب العالمية الأولي . وتعود جذور الوجودية إلي الفيلسوف الدنمركي (سورين كيركجورد) واكتمل المذهب علي يد مجموعة من الفلاسفة منهم جان بول سارتر، كارل ياسبيرز، جبريل مارسيل وغيرهم. وتنقسم الوجودية إلي: وجودية مومنة، ووجودية ملحدة. واهم منطلقات الوجودية هي الإيمان بالوجود الإنساني ويتخذون منه منطلقًا لكل فكرة، فالإنسان هو أقدم شئ في الوجود ووجوده سابق علي كل شئ فالإنسان يوجد أولا ثم تتحدد ماهيته. وهذا الإيمان بوجود الإنسان والإعلاء من شأنه جاء كرد فعل علي تسلط الكنيسة وتحكمها في الإنسان بشكل متعسف. لذا يجعل الوجوديون من الإنسان نقطة انطلاقة في كل أفكارهم، فالإنسان هو محور الكون به تبدأ كل فكرة وتنتهي عنده. والإنسان يشكل ماهيته عن طريق الاختيار بين عدد من البدائل والاختيار من المقولات الهامة في الوجودية، ويرتبط بالاختيار الحرية فالحرية مبدأ أساسي أيضا في الوجودية، لكن الحرية عندهم حرية مطلقة ليس عليها قيود أو ضوابط لذلك أدت إلي فوضي أخلاقية، والسقوط في مستنقع الرذيلة والانحلال. بل أصبحت تدل علي كل وجودي يتمسك بهذه الأشياء. فوجود الإنسان مقدم علي الماهية، ويشكل الإنسان ماهيته من خلال الاختيار والحرية، وعوامل القلق والحصر النفسي والتوتر من المقولات الهامة في الفلسفة الوجودية.يشعر الوجودي بالقلق والاضطراب النفسي والتوتر من خلال المواقف التي يكون فيها في موضع اختيار بين الأشياء. ولقد أنكرت الوجودية القيم الدينية فهي لا تعترف بها بل الإنسان عندهم حر في اعتناق ما يراه من أفكار. ولقد تعرضت الوجودية إلي انتقادات كثيرة منها أنها أعلت من شان الإنسان إلي الدرجة التي لا تري معه أي شئ آخر في الكون وهذا خطا فادح لان الإنسان ليس وحده في هذا الكون بل معه أشياء أو كائنات آخري يتعامل معها ويدخل معها في علاقات متبادلة. كما أنها أهملت القيم والأخلاق وأدت إلي عبثية مفرطة وتجاهل لكل ما هو أخلاقي مما أدي إلي الانحلال والفوضى الأخلاقية. كما أنها لم تعترف بالدين ولذلك تأثرت بالعلمانية وغيرها من الحركات التي صاحبت النهضة الأوروبية ورفضت الدين والكنيسة.

zouhair khouildi" ِلنَجُدَّ في استخراج الدواء ،الذي يجب أن يشفي، من الشر في حد ذاته" .. جون جاك روسو – شذرات سياسية

منذ الوهلة الأولى تعني الطبيعةnature ما يوجد خارج العالم الذي تمت أنسنته humanisé وخضع لتغيرات البشر. بهذا المعنى لا يمكن فصل الطبيعة عن الوسط الصناعيartificiel   milieu الذي اخترعه الإنسان بما أنها الحقيقة الخارجية عن الثقافةCulture أو عن الحضارة civilisation .

من البديهي عندئذ أن تشير الطبيعة في معناها الأول إلى كل ما يوجد بشكل عفوي وكل ما يحمل في ذاته مبدأ وجوده المستقل ويكون قادر على التحكم في ذاته . وبهذا المعنى كان العالم الطبيعي هو الوجود المستقل عن جهود الإنسان وأغراضه. بيد أن الإنسان في حد ذاته يمكن أن ينظر إليه من حيث هو كائن طبيعي. بناء على ذلك يظهر المعنى الثاني وتبرز مفارقة عند التعامل مع الطبيعة البشريةNature humaine   كمشترك بين الأفراد من جهة وما يختص به كل فرد وما يتميز به عن غيره وخاصة استعداداته الفطرية ومؤهلاته البدنية وقواه وملكاته التي تتعارض مع ما يكتسبه بالتربية من جهة أخرى.

اذا كان الأصل الاشتقاقي اللاتيني nascorلكلمة الطبيعة natura يفيد الولادة naitre فإن الطبيعة تعني أيضا كل ما يوجد في صورة سابقة عن ولادة الانسان وبالتحديد ما يمثل الأصلي والتلقائي في الانسانية. فهل يمكن أن يشكل هذا المعطى الأصلي الطبيعة البشرية بالنظر الى كونه خصائص ماهوية للانسان؟ ألا يجب أن نحذف الطابع الاجتماعي والإنتاج التقني وكل ما يترتب عن النشاط الإنساني من هذا التعريف؟ بأي معنى يقال عن كائن معين بأنه كائن طبيعي؟ فهل يجب على البشر أن يقوموا بالعودة إلى الطبيعة أم يتابعوا المغامرة التقنية من أجل إصلاحها؟ وهل الطبيعة منظمة ومتناغمة بصورة دائمة؟ ومن تستمد نظامها وتناغمها؟ وكيف يمكن أن نفكر في المحيط – السماء والأرض والكون-؟ تلك هي الأسئلة الكبرى الذي طرحتها الفلسفة على نفسها منذ العصور الضاربة في القدم وامتدت إلى اللحظة الراهنة. لقد مثلت الطبيعة دوما مجال معرفة الإنسان وفضوله وحب استطلاعه ولكن التغيرات التاريخية التي حدثت دفعته إلى التفكير في الاستغلال والانتفاع والسيطرة في مرحلة أولى وفي الرعاية والحماية تجنبا للإضرار والمخاطر في مرحلة ثانية والتوجه نحو التطوير والتغيير في مرحلة ثالثة . فهل الطبيعة هي دائما على حق؟ وهل المطلوب من الإنسان إدراك هذا الحق؟ هل العلاقة بين الإنسان والطبيعة هي علاقة تعارض وتفاهم أم هي متكاملة ويمكن إيجاد تحالف بينهما؟ بأي معنى يبحث الإنسان من حيث هو كائن طبيعي، طوال وجوده في الكوكب، عن موقع له في العالم؟

لقد دفعت الاضطرابات المناخية إلى إثارة الأزمة الايكولوجية وتركيز الاهتمام على التعهد بالموارد الطبيعية وحماية البيئة من الآفات (التلوث- الانجراف- التصحر- النفاذ) والتحكم في التطور العفوي للكائنات الطبيعية عن طريق التدخل التقني والعلمي قصد معالجة الانحرافات الطارئة في المحيط.

لقد تحدث الفلاسفة عن وجوه متعددة للطبيعة يمكن أن نذكر أبرزها على النحو التالي:

1- هوزيود وماقبل السقراطيين نظر والى الطبيعة بوصفها الكل – الكبيرLe Grand Tout ، إذ تشكل الكون في البدء من الأرضGaïa والفوضىChaos والتعاطفEros. كما صورت الأسطورة الإغريقية الطبيعة على شاكلة أم حنون تمتلك قدرة عجيبة على الجود حيث توجد الأرض بين السماء والبحر.

لقد تشكل خطاب جديد عن الطبيعة غير أسطوري وغير ديني منذ القرن السابع قبل الميلاد يعتمد على التفسير العقلاني السببي ويحتكم إلى التجربة والواقع ويدفع في اتجاه القيام بالمغامرة الأولى نحو الكون.

الفيزيسPhusis هو مشتق من اللفظ Phuein ويفيد فعل الولادةNaitre وفعل النموcroitre وفعل الدفعpousser . لقد اعتبر ما قبل السقراطيين الطبيعة المبدأ الكبير ومصدر كل ماهو موجود ، اذ يرى أناكسيماندAnaximandre أن الطبيعة هي أصل أو لانهائي ينبع منه كل شيء ويعود إليه كل شيء حينما ينحل. بناء على ذلك ثمة طبيعة أبدية تشيد بلا انقطاع أشكال متجددة غير أن شكل الأم يظل سائدا.

هكذا يولد كل شيء من هذا الجوهر الأصلي وحسب معناها الايتيمولوجي تتحول الطبيعة إلى قوة خفية تمنح الأشياء حركتها وبهذا المعنى تكون بمثابة سبب ديناميكية الكون وعلى سكونه أيضا، ولا نعجب من عبارات هراقليطس بأن "كل شيء يصير" و"لا أحد يسبح في النهر مرتين" و"الطبيعة تتقن فن التخفي".

في المجمل تظهر الطبيعة هنا على هيئة صيرورة كونية، إلا أن التحولات منظمة وتتراوح بشكل دقيق بين المتضادات (الحار ضد البارد، والنور ضد الظلام). هذا يشير إلى نظام أو عقل (لوغوس) يشتغل في الطبيعة يمكن اعتبار كل كبير يمثل مصدر الخصوبة والثراء ويسود الكون بصورة تامة. على هذا الأساس لا شيء يحدث خارج هذا الكل الكبير Le Grand Tout ، وبناء على ذلك تكون الطبيعة هي الوجود Etre . غير أن العقلانيين ما قبل السقراطيين عبروا على هذه الفكرة بواسطة الحكاية والشعر.

2- لقد تفطن أرسطو إلى أن العالم في حركة Un monde en mouvement وتوقف عند مبدأ الحركة ونجح في وصف الكيفية التي تظهر بها النباتات والحيوانات والأفلاك والأجرام والنجوم. لقد ساعدت الفضولية التي ليست لها حدود التي يتمتع بها أرسطو على تسديد نظرة نسقية تترجم نقطة منهجية تغطي جل العناصر والكائنات الطبيعية. لقد اختار أرسطو الانطلاق من الجزئي إلى الكلي ومن الواقع في مختلف تنوعاته ضمن مقاربة استقرائية تبحث في موضع محدد بدقة وتستخلص جملة من المبادئ.

لقد قام أرسطو بتراجع أول عن التصور ماقبل السقراطي بحيث لم تعد الطبيعة تعني الكل وإنما جهة معينة من الكون وتتصف بكونها مغلقة ومتناهية وتطابق المجال الذي يوجد تحت القمر ويتناظر مع مجال ما فوق القمر المتكون من طبيعة أثيرية وأفلاك ثابتة وخالدة. تحوز الكائنات في التحت على نقطة مشتركة تتمثل في كونها تحوز على مبدأ حركتها من ذاتها وبواسطة الطبيعة وبالتالي هي كائنات تتحرك ذاتيا. وتتوزع الحركة إلى ثلاثة مسارات: النمو والتغير والفساد. غير أن أرسطو قام بوضع الغائية في الطبيعة وذاع صيت عبارات وصيغ على غرار: الطبيعة لا تفعل شيئا عبثا وعصفور واحد لا يصنع الربيع.

المقصود من ذلك أن أشكال الحياة والأعضاء نفسها تحوز على سبب وجود مشترك ويحصل لهم تكيف مع الوظائف المسنودة إليهم من طرف الطبيعة ويجب تفادي التداخل وقيام عضو ما بوظيفة عضو آخر. لقد جعل أرسطو من الطبيعة رحم ما يمكن أن يتغير وبرنامج تحققه وتمام وجود الكائنات التي تسكنه.

3- الطبيعة هي معيار الخير أو المنفعة عند أبيقور340-270 قبل ميلاد المسيح:

تتكون الطبيعة من جسيمات غير مرئية بالنسبة للعين المجردة وتتخذ أشمالا متغيرة جدا وغير منقسمة وتسمى ذرّاتatomes وتتحرك بشكل مستمر وتسقط وتدور في خلاء لامتناه وتغير مساراتها بالاتفاق وبلا سبب وتصطدم ببعضها وتتكون مجاميع هائلة des gigantesques agrégats من الركام وتتشكل منها بطريقة عجيبة العوالم les mondes . يوجد عدد لامتناه من الذرّات ولكن الطبيعة هي الكل الذي يفهم الكل بما أن الجميع يخضعون لنفس المعلم ولا نجد في الكون إلا الخلاء والأجسام المتكونة من ذرّات.

إن النقطة الحاسمة في الفيزياء الأبيقورية هي هذا الانحراف غير المتوقع للعناصر الجزئية التي تحدث عنها لوكراس 98-55 قبل الميلاد والذي ذكر في قصيدته عن الطبيعة clinamen وبيّن أن التفاوت في السرعة بين الذرّات والذي يستمر في لحظة معينة وفي أمكنة معينة هو تفسير استمرار حركة الدوامة.

المهم في هذا الصدد هو تطوير الأبيقوريين لنظرية غير حتمية للطبيعة وإقرارهم بأن الصدفة وليست الآلهة التي تقود الرقص. بناء على ذلك يجعل أبيقور من الصدفة قانونا أخلاقيا وتتيح له دراسة الطبيعة بأن يعتمدها كمعيار مطلق للخير بحيث حينما يبتعد المرء عن الطبيعي ويقوم بإهماله ونسيانه فإنه يحرم نفسه من كل سعادة ممكنة. بهذا المعنى يدعو أبيقور إلى ترضية الرغبات الطبيعية والضرورية التي تعود إلى حياة الجسم (الغذاء والشراب واللباس...) والى حياة الروح (التدرب على التفكير وحب الحكمة).

في رسالته إلى مينسي يطلب أبيقور من المرء أن يصل إلى حالة يغيب فيها كل اضطراب ويحقق الامتلاء ويجعل من اللذة الخير الواقعي والمنفعة الحقيقية ومبدأ وغاية الحياة السعيدة. بطريقة ملموسة يمنح هذا الامتلاء باللذة وغياب الاضطراب حياة بسيطة بلا تخفي ومكتفية بذاتها. هكذا ترك لنا أبيقور نظرية في الطبيعة هي بمثابة مزيجا بين الأفكار الطبيعوية التي جاء بها ما قبل السقراطيين يرد بها على أفلاطون وأرسطو وقد مثل بذلك الممهد الأول لتيار التقهقر ولفيزياء الكوانتية التي كان مفهوم اللاتحدد مركز ثقلها.

4- الطبيعة هي نظام عقلاني عند الرّواقيين:

إذا كان الرواقيون توصلوا إلى نفس النتائج الإيتيقية التي أقر بها الأبيقوريون وإذا كانوا قد تمسكوا بالحياة وفق نظام الطبيعة ليجلبوا السعادة فإنهم انطلقوا من مقدمات كوسمولوجية متعارضة جذريا مع منافسيهم.

لا توجد ذرّات ولا خلاء عند الرواقيين وإنما مادة تنقسم إلى ما لانهاية ويوصف الكون بأنه متصل وممتلئ برمته والآية على ذلك أنه كائن أو عضوية حية تسكنها روح وتقوم هذه الأخيرة بالنفاذ ومنح الهواء لكل مكوناتها. كما ترفض الرواقية فكرة الصدفة وتتصور العالم في صورة كلية عقلانية خاضعة لنظام متعنت وصلب يسميه كريزيب (281 -205 قبل الميلاد) القدر من خلال تناسج في الأسباب أي نظرة حتمية تكون فيها الأحداث متصلة بواسطة لحمة متشكلة سلفا. على هذه المرتكزات تدعو الإيتيقا الرواقية إلى العيش في توافق مع الطبيعة وهذا يعني أولا أن يحيا المرء في توافق مع طبيعته الفردية وأن يحيا ثانيا في توافق مع الطبيعة الكونية للكل حيث نكون أفراد وعناصر منها. تصادر الرواقية على تناغم بين الطبيعة الكونية والطبيعة الفردية وبالتالي التوافق مع القدر. مارك أوريل (121-180 بعد الميلاد) ينصص على هذا السر الأخلاقي في أفكاره حينما نقد فيزياء أبيقور التي اختزلت العالم إلى فوضى عمياءBouillie informe   ولما أضاف معنى الواجب إلى مطلب اللذة وأكد على أن "الخاص في الإنسان الخير هو أن يحب ويقبل على ما يحدث له بفرح". من الممكن أن يجلب القدر للإنسان الأحداث السيئة ويدير له ظهره ولكن الحكيم الرواقي يؤثر الصمت ويرضى بحاله. تلك هي العقيدة الرواقية لمحبة القدر - التي ندد بها نيتشه – وذلك هو الرضا بنظام العالم الذي يسمى طبيعة.

5- الطبيعة هي أثر الله عند توما الأكويني1225-1274 والمسيحية:

لقد خلق الله الذكر والأنثى في اليوم السادس بعد العالم والكائنات، وأمرهم بالخصوبة والتكاثر وتعمير الأرض والهيمنة على الأسماك في البحار وعلى الطيور في السماء وكل بهيمة تمشي على الأرض. لقد قطعت المسيحية من خلال قصة الخلق بشكل عميق وجذري مع الفكر الإغريقي. لقد تصورت الطبيعة على أنها مخلوقة وحادثة وليست كائنا أبديا ولا ضروريا وإنما تمتلك بداية ونهاية (الآخرة). ولقد أخرجها الله المتعالي والموجود خارج إبداعاته من العدم ومنحها الوجود. بعد ذلك تختلف المسيحية مع الإغريق في القيمة الممنوحة إلى الإنسان فهو لم يعد مجرد كائن طبيعي مطالب بالخضوع إلى نظام الكون بل أصبح كائنا مشرفا ويمثل استثناءا بالمقارنة مع بقية الكائنات الطبيعية الأخرى بما أن صورته على أحسن تقدير وتم المناداة عليه لكي يكون مهيمنا على الطبيعة. لما كان العالم وقع تسخيره من قبل الله لكي يديره الإنسان فإن هذا الأخير لم يقتصر على ذلك وإنما امتلك طموحات وغايات مابعد طبيعية. بهذا المعنى يكشف عن نظام الرحمة ويتوق إلى حياة الخلود المقطوعة عن الكائن هنا. لقد لخص القديس توما الاكويني هذه العقيدة من خلال ما يلي: لقد أراد الله الواحد العاقل والطيب نظاما للعالم وكل الأشياء في هذا الكون خاضعة للعناية الإلهية بينما عظمة الإنسان وتفوقه تكمن في العقل والفكر والقدرة على معرفة ومحبة الله من حيث هو هدف سام للحياة. في حين أن الكائنات الأخرى تظل تحت تصرفه وعلى ذمته يستخدمها مثلما يشاء. بيد أن وضع الطبيعة تحت سلطة الإنسان هو إقرار ضمني بشكل مفارق على تحضير الأرضية لتشكل المرحلة الموالية والتي ستسمى الحداثة التي لن تعتمد على طريق الدين بل طريق العلم.

6- الطبيعة هي امتداد يمكن عده عند رونيه ديكارت:

تحولت الطبيعة مع الفيزياء الحديثة إلى موضوع للبحث وذلك قصد نمذجتها وبلورة قوانين تفسرها.

لقد عبر غاليلي باكتشافه قانون السقوط الحر للأجسام عن هذا التحول الجديد حينما صرح بأن الكون اللانهائي مكتوب بلغة رياضية. في نفس الاتجاه قام ديكارت بتحريك المسألة نحو نقطة أكثر عمقا حينما صرح في كتاب العالم:" لا أعني بالطبيعة بعض النوع الآخر من القوة الخيالية وإنما أستخدم هذا اللفظ للإشارة إلى المادة عينها". بيد أن المادة عند ديكارت هي الامتداد وقد أدرك بواسطة الرياضيات الكلية.

الطبيعة هي مجموع الأجسام الممتدة حسب الطول والعرض والعمق أو الارتفاع وكل ما يتم إنتاجه يمكن تفسيره بواسطة حركة الأجزاء الجسم التي تخضع بدورها لعلاقات السبب والأثر. إن الفيزياء الديكارتية هي فيزياء ميكانيكية تحمل نظرة سببية وتجعل من العالم آلة كبيرة يشبه الساعة التي تدور عقاربها بدقة.

هذه العقلنة الجذرية ليست تأملية بل تمر بسرعة إلى الممارسة والتطبيق وتستنجد بالتجارب للتثبت من صحة النظريات. لقد كتاب ديكارت في خطاب عن المنهج أننا بواسطة المعرفة العلمية يمكننا أن نصبح سادة ومالكين للطبيعة. لقد دعا ديكارت إلى التخلص من علاقة الخضوع الأعمى للطبيعة التي حملت بصمة برمثيوس ضمن مشروعه الإنسانوي الفاشل وتشييد علاقة السيطرة والتملك على قاعدة المعرفة الفزيائية والتقنيات والوسائط في سبيل المحافظة على الحياة. بهذا المعنى كانت الحداثة الغاليلية- الديكارتية ثورة كوبرنيكية: إذا كانت الطبيعة عند الإغريق قوة مستقلة يتعلق بها الناس استجداء للعطاء فإن الإنسان الحديث يقطع جزء من الطبيعة قصد دراسته بطريقة مجردة ويربطه بأهدافه الخاصة.

7- الطبيعة هي كنز مطمور عند جان جاك روسو:

ان نداء الطبيعة عند روسو هو بمثابة صوت من القلب ونجوى تمتلك قيمة البيان، إذا يصرح في كتابه الكبير ايميل:"إذا كانت الطبيعة لا تمنحني إلا التناغم والتناسب فالنوع البشري لا يمنحني إلا الخلط والفوضى". بناء على ذلك الحضارة هي العدو لكونها تفسد الإنسان وتبعده بطريقة لا تعالج عن التكوين الأصلي. لهذا فإن الحداثة عند روسو متعارضة والطبيعي تم قنصه واصطياده ولإنقاذ ما تبقى يجب العودة إلى العصر الذهبي. لذلك يفترض الهجوم المضاد استعادة المفقود وفي هذا الصدد بلور روسو في الخطاب الثاني نوعا من الخيال سمي بحالة الطبيعة وقد قال عنها هي لم توجد البتة ولا يمكن أن تكون قد وجدت ومن المحتمل أنها لن توجد. غير أنه احتاج إلى هذه الفرضية لكي يصف الوضع البشري قبل أن يعمه الفساد من كل ناحية وأن يمجد البراءة الأخلاقية والطهارة والخيرية وأن يشيد بالهدف السامي للإنسان نحو المحافظة على ذاته. فهل يجب العودة إلى هذه الحالة البدائية المثالية؟

لا يدعونا روسو إلى العودة للحياة في العابات مع الدببة والذئاب ولكنه ينادي علينا بأن نعيد إلى المؤسسات البشرية الأوجه الطبيعية في حد ذاتها وأن نجعل التربية تتم وفق الطبيعة من أجل تشكل كائنات مستقلة وفاضلة ولا يتم ذلك بترك المتعلمين على عفويتهم بل بإيقاظ ملكاتهم وجعلها على اتصال مباشر مع العالم والتعبير عن الإحساس بالطبيعة الحقيقية التي لا نرجع إليها بواسطة المعادلات الرياضية وإنما عن طريق العاطفة الجياشة والشعور الصادق والاتصال المباشر والإصغاء العميق لحركاتها وسكناتها. والحق أن قنص اللذة والتمتع باللحظة بلا طموح علمي يعني صيرورة الكائن البشري مشاهدا للطبيعة فتصبح الطبيعة هي الكنز الذي فقده والبوصلة التي تسمح له بالعثور على ينابيع الحياة والفرح والسعادة.

8- الطبيعة هي غابة أدغال لا ترحم عند شارلز داروين:

لقد تتبع شارلز داروين عالم الحشرات والأسماك وأسس مفهوم التطور ضمن نزعة طبيعية استفادت كثيرا من اللاهوت الطبيعي وأقر بأن الوجود الطبيعي للكائنات يتصف بالتعقد وتكيف الأعضاء مع الوظائف ويشهد بين الفينة والأخرى حدوث خلق مكتملا وحسنا خارج إطار نظرية الغائية الأرسطية والعقل الفعال.

يرفض داروين اللوحة المتناغمة التي تقدمها التيولوجيا الطبيعية ويكشف عن تطور الأنواع ووجود أشكال كثيرة من الغرابة والخبث في الطبيعة وبالتالي يتخلى عن المخطط الإلهي البدئي وفكرة التصميم المسبق.

على خلاف ذلك يندلع الصراع في الطبيعة ويشكل الصراع الكوني من أجل البقاء المحرك الأساسي للتطور وينتصر في هذه المعركة الدامية الكائنات العضوية التي تمتلك استعدادات طبيعية على التكيف مع التغيرات في أصل الأنواع. لكن الكثير من الكائنات قد تحافظ على حياتها عن طريق الصدفة وتورث هذه الاستعدادات إلى سلالتها وقد تحصل طفرة لكائنات ثانية دون تفسير سببي ونتيجة تغيرات غير مفهومة.

إن النزعة الميكانيكية العمياء التي يعتمدها داروين حينما يقر بأن المحافظة على البقاء من طرف بعض الكائنات قد يتم بالبقاء للأقوى والانتخاب وأن الأصلح يتحقق بإحداث تغيرات نافعة وتجنب تكييفات عقيمة تحطم منظور الغائية العقلية وتميط اللثام عن الرؤية العلمية للطبيعة من وجهة نظر بيولوجية تطورية.

9- الطبيعة هي نسق بيئي متوازن عند ألدو ليوبولد:

لقد بين مهندس الغابات الأمريكي ألدو ليوبولد أن الصياد الذي يعرف طرق الصيد لن يجهل شيئا عن مسالك الحيوانات في الغابات وفسر كيفية تأثر التفكير الايكولوجي بالصيد ومعرفة عادات فريسته بوضع نفسه مكانها وكان أول الدروس التي قدمها هي التعلم من وجهة نظر الحيوان والإنصات إلى أصوات الكائنات الحية التي تسكن الغابات والجبال والأودية والبحار. يوجد في الطبيعة نسق بيئي متوازن يقوم بوظائف مخصوصة وفق قوانين مضبوطة في شبكة علاقات منظمة وتأثيرات متبادلة بين العناصر المكونة. وتتمثل لعبة الطبيعة في تحديد ماهو نافع وتجنب ماهو ضار بالنسبة للوسط الطبيعي المعطى.

على هذا النحو يدعو ألدو ليوبولد الى تأسيس إيتيقا الأرض تحرص على العناية بحياة الحيوانات والنباتات وتعمل على بلورة توازن في الأرض وتفرض على الجماعة الحياة المشتركة واحترام التعددية الطبيعية.

صحيح أن ألدو ليوبولد يتبنى نظرة براغماتية ولكن الأصح أنه لا يدعو إلى تقاسم الطبيعة والثقافة بشكل عام، ولا يحلم بطبيعة خالية من كل ضرر إنساني وأنه لا يدين بشكل مطلق كل تدخل بشري في الطبيعة.

ما يراهن عليه ألدو ليوبولد هو البقاء في مستوى الاستخدام النافع ومحافظة الأنشطة البشرية على مصالح المحيط وسلامة البيئة من كل تخريب. بهذا المعنى تكون الإيتيقا محلية وتحمل أمرا كونيا على غرار العثور على الشجرة التي يمكن قطعها من أجل تحقيق أرض طيبة. في النهاية تتصف جماعة الحياة البيئية بالاستقرار والجمال والأصالة وكل شيء يظل عادلا طالما تمت المحافظة على الحياة والبيئة والطبيعة.

10- الطبيعة هي مخزون من الموارد لا ينضب عند مارتن هيدجر:

على حافة نهر الرهين يربط قنطرة قديمة من الخشب بين الضفتين. في الجهة المقابلة يوجد مجمع مركزي على أحسن تقويم. هم بنايتان تشكلان صلتين على درجة شديدة من الاختلاف من الطبيعة. إذا كانت القنطرة تسري في الوجوه وتسمح بالتأمل والسكن فإن المجمع المركزي يستثمر مياه النهر لينتج الكهرباء.

حينما تساءل هيدجر عن التقنية في محاولات ومحاضرات فإنه أشار إلى أن التقنية في الحقبة المعاصرة تم الاحتفال بها بشكل تام وتحظى بالقبول من طرف الجميع أما الطبيعة فقد ظلت تعتبر ميدان لاستخراج الطاقة ومراكمتها . لقد وقع التفكير في التقنية على أنها اليد المسلحة للعلم الموروث عن غاليلي وديكارت والتصق بها مصطلح مركب يسمي القشطلت وينقسم إلى مخزون واحتياطي للموارد المتاحة للتحويل والاستهلاك المباشر . في هذا الصدد الإنسان الذي ينظر إلى نفسه كسيد للأرض لم يعد يرضى بمعاملته كمادة يمكن استغلالها بل صار يحمل في داخله منظورا تراجيديا بالحياة. علاوة على أن التقنية الحديثة تحولت الى خطر مطلق يحدق بالحياة ويصيب الوجود بالتصحر والعدمية. بناء على ذلك ظهرت الأفكار الأساسية عن البيئة والايكولوجيا لدى هيدجر. صحيح أن الأسلوب الهيدجري يذكرنا بالمفكرين ما قبل السقراطيين والشعراء وبالتالي يوجد في مكان بعيد عن ناشطي البيئة ودعاة السلام من الخضر ولكنه يتفق مع هودرلين في العبارة الشهيرة: " حيث يكون الخطر يعتقد في وجود المنقذ" . غاية المراد من كتابه الوجود والزمان هو الإسراع بتطوير تصور غير أداتي للطبيعة وإعادة وصل الإنسان حقيقته الأصلية التي تربطه بالبعد الأكثر قربا من الوجود والتي تخفيها العدمية الميتافيزيقية للتقنية في كل يوم.

11- الطبيعة هي شبكة من التفاعلات عند آرنو ناس:

دعا الفيلسوف النرويجي آرنو ناس 1912-2009 إلى مواجهة التلوث وايقاف عملية استنفاذ الموارد الطبيعية وقدم تصورا سطحيا للايكولوجيا حيث الهدف الرئيسي يكمن في استهداف الصحة والنماء للدول المتطورة. بعد ذلك جذّر آرنو ناس أطروحته في مقال ظهر للعيان عام 1973 بعنوان الايكولوجيا العميقة.

اذا كانت الايكولوجيا السطحية تقتصر على توجيه التحذيرات والتنبيه على المخاطر المنجرة عن الإفراط في استغلال الثروات وتكرر الاعتداءات على أديم الأرض وتلويث المحيط واستنزاف الطبيعة فإن الايكولوجيا العميقة تجري محادثة منظورية مع الطبيعة وتبلور شبكة تمنح لكل كائن حي رابط وتضمه مع الآخر في علاقات متداخلة ضمن حقل مليء بأشكال التفاعلات والتعايش والتآنس. غير أن هذا التصور المستحدث يعيد تشكيل التمركز الأنثربولوجي بالرغم من كونه ينفي أن يمثل الإنسان مملكة داخل مملكة ولكنه مطالب بالإصلاح الذاتي من أجل بلوغ حياة تشاركية مع العالم الذي يحتويه. لقد أدت هذه الأفكار إلى بروز تيار فكري جديد يقر بأن كل أشكال الحياة تمتلك قيمة داخلية وحق متساوي في البروز وبالتالي لا يجب اعتبارها وسائل لتحقيق أغراض أخرى وإنما هي أهداف في حد ذاتها . لقد مثلت الايكولوجيا أسلوب حياة وشجعت على الحياة المشتركة للكائنات الحية ضمن اطار جماعي يحترم الفردية.

إن هذه النزعة المساواتية في حقول الحياة تقبل بعض الاخلالات والتدخلات حيث يسمح للانسان بأن يقتل حيوانا نعينا من أجل المحافظة على التوازن البيئي أو عندما لا يمكن توفير غذاء كاملا ودائما في محيطه.

ان مبدأ انجاز عين الذات الذي يتحدث عنه آرنو ناس يشرع للإنسان الارتفاع ومغادرة الأراضي المنخفضة للأنا الفردي وتوسيع دوائر الوعي إلى حد التطابق التام مع الكل الطبيعي والطبيعة الكلية. كما تدعو الايكولوجيا العميقة إلى العناية الكونية بعين الذات وتطوير فكر رواقي جديد للطبيعة يصطبغ بالتصوف والتجريد في حين تظل الايكولوجيا السطحية غير كافية من أجل وزن مجري الأحداث.

12- الطبيعة هي الأرض الأم عند جايمس لوفيلوك:

إذا نظر إلى الكوكب من السماء فإن الصور الأولى التي نحصل عليها تثير فيها الهلع والاستغراب وتتراءى لنا الأرض ضائعة وسط الغموض والعماء. على هذا الأساس حدس رجل العلم البريطاني جايمس لوفيلوك1919 حياته البحثية وتصور الأرض على شاكلة جسم فريد وكائن حي وبالتالي استعاد الفكرة الإغريقية القديمة التي تتحدث عن الأرض الأم وأمنا الأرض والتي عبرت عنها كلمة غايا Gaia. بيد أن جايمس لوفيلوك لا يقوم بتأليه الطبيعة كما هو الشأن مع الإغريق بل قاده طموحه العلمي إلى الفكرة التوجيهية التي تقول بأن الأرض حية وبأن تمتلك القدرة على المحافظة على خصائص الحياتية للكوكب.

الغايا Gaia هي نسق تام ينظم ذاته بنفسه ضمن تفاعلات دائمة بين أجسامه الحية في حين تحافظ الأجسام غير الحية مثل التربة والأحجار على حرارة متوسطة وتركيبة كيميائية للمناخ تكون مواتية للبقاء على قيد الحياة. لقد ساعدت هذه التوازنات المحبذة النوع البشري على العبث بالكون من خلال الفلاحة والصناعة والتمدد العمراني ولكن الأرض لم تجب على ذلك بل دخلت البشرية في حرب منظمة ضد الغايا Gaia.

لا يريد جايمس لوفيلوك شخصنة الأرض بأن يسقط عليها العديد من المشاعر الإنسانية والأفكار المجردة ولكنه يحذر من الخطر الداهم بقوله: حالة تدحرج حقيقية تنتظرنا إذا لم يقم البشر بإحداث تغيير جذري في طريقة تعاملهم مع الطبيعة وإذا لم تطرأ أشياء جديدة. ماذا لينا أن نفعل ؟ يتساءل هذا العالم البريطاني والجواب هو الذهاب إلى ما بعد الاختزال والحد من انبعاث الغاز ثاني أوكسيد الكربون والتجارب النووية والتحكم في التزايد البشري والتقليص من تمدد الكثافة السكانية على الجانب الأخضر من الكوكب.

الحل يكمن في جعل كل من العلوم والتقنية البشر خادمين للطبيعة بدل مسيطرين عليها ومستغلين لثرواتها وذلك بأن يعطوا الأولوية المطلقة للديبلوماسية الإنسانية وتحمل المسؤولية في إجراء حوارات مع الطبيعة بغية نشر ثقافة السلام والحياة بهدوء وطمأنينة في الأرض وتحقيق مصالحة مع فكرة أمنا الأرض Gaia.

 

د. زهير الخويلدي

.......................

المصدر:

Philosophie Magazine, La Nature a-t-elle toujours raison ?, N°94, Novembre, 2015. pp.49-53.

 

ibrahim telbasilkhaلاشك أن تاريخ البشرية مليء بالحماقات والآثام التي اقترفها الإنسان منذ أقدم عصوره وحتى وقتنا الراهن ، وكان دائمًا يستجيب لصوت العنف أكثر مما يستجيب لأي صوت آخر ، وما معاهدات السلام عبره إلا هدنة مؤقتة لاستئناف عنف جديد أكثر قسوة وضراوة. ولا تزال البشرية حتى الآن تتشبث بحماقاتها القديمة الهوجاء ونزعاتها العنصرية التافهة ، فما زالت الدول تصطنع في علاقاتها بعنفها ببعض سبل الإكراه والتعزيز وعليه نقرر أن صوت العنف كان هو الأعلى والأقوى عبر التاريخ.

لكن كبار الفلاسفة لم يكونوا أبدًا بعيدين عن هذا الواقع المأسوى وقد أزعجتهم أزعجتهم هذه الظاهرة فنبذوها وأعلنوا دعواتهم الثورية التحريرية للتخلص من أسر هذا الواقع الأليم وتجاوزه وقدموا لنا تصورات عن خصائص المجتمع الفاضل وسماته.

فلقد دعا أفلاطون في جمهوريته وفلسفته المثالية إلى التعالي على منطق الواقع الفعلي وتجاوزه ودعا الفلاسفة الرواقيون إلى أهمية التحرر مما يفرق بين الإنسان وأخيه الإنسان من فروق في اللغات والأديان والأوطان وذلك من منطلق إيمانهم بدور الدستور الأخلاقي في حياة الناس . وأغسطين الذى رأى أن التعاليم المسيحية كفيلة بتحقيق الدولة المثالية أو مدينة الله ، ودعا الفارابي في كتابه "آراء أهل المدينة الفاضلة " إلى أهمية التعاون بين البشر والمشاركة الفعالة التي تحقق السعادة واستمد دعوته هذه من الدين الإسلامي الحنيف الذي ينص صراحة على تكريم الإنسان وتفضيله على كثير من مخلوقات الله ويدعو إلى مكافحة نوازع العصبية والشعوبية والاتجاه إلى الجامعة الإنسانية التي تربط بين البشر جميعًا أفرادًا أو شعوبًا لأن الناس على اختلافهم فيما بينهم قد خلقوا من نفس واحدة فهم متحدون في الأصل والمصير وواجبهم لذلك أن يتعارفوا أي تنشأ بينهم صلات المعرفة الواعية والمعاملة الحسنة فلا يتفاضلون إلا بالتقوى ومكارم الأخلاق واتجهت دعوة الإسلام منذ البداية إلى الترغيب والإقناع واستهدفت تحقيق السلام في مختلف صوره سواء في علاقات المسلمين بعضهم ببعض أو في علاقاتهم بغيرهم.... إلخ.

ولقد اهتم الفيلسوف الألمانى كانط بمسألة السلام والشروط الضرورية التي تنهي الحرب بين البشر وتقضى على ظاهرة العنف في العالم وفي سبيل ذلك قدم كانط رؤية مستقبلية تحقق أحلام البشرية وآمالها في السلام ، رؤية توفق بين استقلال الحكومات وبين تنظيم دولي يكفل استتباب هذا السلام ، رؤية تعبر عن شرور الحرب وأهوالهما وكل هذا بقصد واعتدال وإدراك للضرورات التاريخية.

ويرى المفكر المصرى عثمان أمين في هذه الرؤى تعبيرًا عن آمال نفس كريمة متفائلة ومثلاً أعلى يرسمه ذهن كبير محيط عرف بؤس الناس وفساد الطباع ولم يغب عنه أن الماضي ممهد للحاضر ولكنه آمن بأن مستقبل الإنسانية يمكن أن يكون أسعد من ماضيها وأن واجبنا دائمًا أن تخضع أمور السياسة لقانون الأخلاق وأن نصغي إلى صوت الضمير وإلى ما في الطبيعة والتاريخ من توجيهات.

وكتب كانط رسالته " مشروع للسلام الدائم" ونص في المشروع على ست مواد أطلق عليها المواد التمهيدية لتحقيق سلام دائم بين الدول. وهذه المواد أشبه بالنواهي فهي تبين الشروط السلبية للسلم ولذلك فقد أضاف إليها ثلاث مواد أخرى أطلق عليها المواد النهائية لتحقيق سلام دائم بين الدول وهذه المواد الثلاث النهائية تنص على الشروط الإيجابية للسلم.

وعرض كانط مواد المشروع على النحو التالي:

أولاً: المواد التمهيدية لتحقيق سلام دائم بين الدول

المادة الأولى: "أن أى معاهدة من معاهدات السلام لا تعد معاهدة إذا انطوت نية عاقديها على أمر ما من شأنه إثارة الحرب في المستقبل".

ذلك أن مثل هذه المعاهدات لا تعدو أن تكون هدنة مؤقتة لاستئناف الحرب من جديد بعد الاستعداد وامتلاك مزيد من الأسلحة، قد تكون رغبة في انتهاز الفرصة في المستقبل ومن ثم لا تكون سلامًا حقيقيًا يقطع دابر كل عدوان ويقضي على جميع أسباب الحرب في المستقبل.

المادة الثانية: " أى دولة مستقلة صغيرة كانت أو كبيرة "لا يجوز أن تملكها دولة أخرى بطريق الميراث أو التبادل أو الشراء أو الهبة". ذلك أن الدولة ليست متاعًا يباع ويشترى وإنما هي جماعة إنسانية لا يحـل لأحد سواها أن يفرض سلطانه عليها أو أن يتصرف في شئونها.

المادة الثالثة: " يجب أن تلغى الجيوش الدائمة إلغاء تامًا على مر الزمان". لأن هذه الجيوش التي تبدو على الدوام متأهبة للقتال تهدد الدول الأخرى بالحرب تهديدًا دائمًا كما تحفزها إلى التسابق في زيادة قوتها زيادة لا تقف عند حد هذا فضلاً عن أننا حين ندفع أجرًا للجنود من أجل قتل الآخرين فإننا بذلك نعاملهم معاملة الآلات أو الأدوات في يد غيرهم وهو أمر لا يتفق مع حقوق الإنسانية وليس الأمر كذلك بالنسبة للتدريبات العسكرية التي يقوم بها المواطنون متطوعين من حين إلى حين ليكفلوا سلامتهم وسلامة وطنهم من عدوان الأجنبي.

المادة الرابعة: " يجب ألا تعطى الدول قروضًا من أجل منازعاتها الخارجية".هذه القروض تعد ذريعة لتدخل بعض الدول في شئون بعضها الآخر ويعد قوة مالية خطيرة وميزانية حرب كبيرة كل هذا يؤدي إلى إضرام نيران الحرب ويمثل عقبة كؤود تحول دون السلام الدائم.

المادة الخامسة: " لا يجوز لأي دولة أن تتدخل بالقوة في نظام دولة أخرى أو في طريقة الحكم فيها". ذلك أن تدخل الدولة الأجنبية في شئون الغير يعد افتئاتًا على حقوقهم وتبجحا في اقتراف المنكر وزعزعة لاستقلالهم ، فالدول كالأشخاص لها حرمتها ولها وحدها حق التصرف في شؤونها.

المادة السادسة: " لا يحق لأي دولة في إبان الحرب أن تستبيح لنفسها اقتراف أعمال عدائية كالاغتيال والتسمم وفق شروط التسليم والتحريض على الخيانة من شأنها عند عودة السلم أن تجعل الثقة بين الدولتين أمرًا مستحيلاً".فهذه شناعات وأعمال منكرات ولابد من الإبقاء على شيء من الثقة حتى إبان الحرب وإلا استحال الاتفاق على أي سلام ووقف القتال، فأضحى القتال حرب إبادة وإفناء.

ثانيًا: المواد النهائية لتحقيق السلام الدائم:

المواد الست السابقة أشبه بالنواهي أما المواد الثلاث النهائية تنص على الشروط الإيجابية للسلم وهي:

المادة الأولى: "يجب أن يكون الدستور المدني لكل دولة دستورًا جمهوريًا".والدستور الجمهوري هو الذي يجب أن يقوم عليه كل تشريع قانوني لأنه قائم على: مبدأ الحرية لأعضاء جماعة ما، ومبادئ تبعية الجميع لتشريع واحد مشترك من حيث هم مخاطبون بهذا التشريع وعلى المساواة بين هؤلاء المخاطبين.

وهذا الدستور الجمهوري فضلاً عن صفاء مصدره من حيث أنه مستمد من المنبع الخالص الذي تنبع منه فكرة الحق يمتاز بأنه يرينا في الأفق البعيد النتيجة التي ترنوا إليها أبصارنا أي السلام الدائم فإذا كان القرار بأن تقع الحرب أو لا تقع لا يمكن اتخاذه إلا برضاء المواطنين وهو أمر لا مناص منه في دستور جمهوري فمن الطبيعي جدًا أنه مادام المطلوب منهم أن يحكموا على أنفسهم بمعاناة شرور الحرب وكوارثها فهم مطالبون إلى أن يترددوا في الأمر قبل أن يقدموا على لعبة خطيرة كهذه.

أما الدستور غير الجمهوري لا يكون الفرد فيه موطنًا وبالتالي تقرر الحرب فيه بأقل قسط من التدبر والتفكير لأن ولي الأمر ليس عضوًا في الدولة بل هو مالكها ولأنه لا يخشى إن وقعت الحرب أن تؤثر في مائدته أو في دور لهوه أو في حفلات بلاطه فهو يستطيع إذن أن يقرر الحرب لأوهن الأسباب.

المادة الثانية:

" ينبغي أن يقوم قانون الشعوب على أساس نظام اتحادي بين دول واحده". فالشعوب باعتبارها دولاً تشبه الأفراد في حالة عدم وجود قانون يعتدي بعضها على بعض بحكم الجوار، ولابد كل شعب لضمان أمنه وسلامته أن يطلب إلى الآخر أن يشاركه في نظام شبيه بالدستور المدني الذي يرى فيه كل واحد ضمانًا لحقوقه ، هذا النظام بمثابة "جامعة أم" ، لكنه لن يكون دولة واحدة مثله في ذلك مثل الأمم نفسها قامت على تعاقد حر بين الأفراد أي جمع شملها في اتحاد سلمي. وهذا الاتحاد حر بالطبع" فما من دولة يجب أن تقهر على الانضمام إليه، بل يكفي أن تعقد إحدى الدول الكبرى ميثاقًا من هذا القبيل مع بعض جاراتها وسرعان ما تسعى كل دولة متمدنة إلى الانتفاع بعثرات نظام يكفل لها سلامتها من كل اعتداء وإذا كان قيام اتحاد شامل للإنسانية جمعاء أمرًا لا يتحقق في مستقبل قريب فهو كالهدف الذي يجب أن ترمي إليه جهود الدول المسالمة جمعاء.

المادة الثالثة: "حق النزيل الأجنبي من حيث التشريع العالمي مقصور على إكرام مثواه". ذلك دون أن يكون لدولة أن تدخل في شئون دولة أخرى، فمن الواجب أن يكون لكل أمة السيادة على تنظيمها الداخلي وبالتالي فإن كل ما يمكن أن يطالب الأجنبي أهل البلد الذي يحل فيه هو ألا يعاملوه معاملة العدو.

فالإكرام هنا معناه حق كل أجنبي في ألا يعامل معاملة العدو من البلد الذي يحل فيه ما دام مسالمًا وليس للأجنبي أن يدعى لنفسه حق الإكرام باعتباره ضيفًا لأن ذلك يقتضي اتفاقات خاصة تبيح له الضيافة بل حقه مقصور على حق الزيارة وهو حق كل إنسان في أن يجعل نفسه عضوًا في المجتمع بمقتضى مشاركته في ملكية سطح الأرض التي نعيش عليها.

تلك هي شروط السلام الدائم التي عرضها كانط في رسالته "مشروع للسلام الدائم، وقد أضاف إليها مادة سرية تكشف عن السخرية التي تناول بها المشكلة كلها. وتنص هذه المادة على أن "أحكام الفلسفة يجب أن توضع فيما يتعلق بشروط السلام الدائم موضع الاعتبار لدى الدول المجهزة للحرب".

ولا يعني كانط بذلك أن الدول يجب أن تفضل مبادئ الفلسفة على فتاوى فقهاء القانون الممثلين لسلطة الدولة لكنه يطالب بأن تستمع الدولة إلى آراء الفلاسفة فلا رجاء في أن يصبح الملوك فلاسفة والفلاسفة ملوكًا وما ينبغي أن يكون ذلك مأمولاً: لأن ولاية السلطة من شأنها أن تفسر حكم العقل وأن تقضي على حريته قضاء لا مرد له لكن الشعوب التي تحكم نفسها طبقًا لقوانين المساواة لا ترضى بأن تنقرض طبقة الفلاسفة أو أن تلتزم الصمت فلا يسمع لها صوت بل تدع لها حرية الجهر بآرائها والتعبير عنها في صراحة.

وهذا أمر لا غناء للملوك ولا للشعوب عنه: لأن فيه إبانة لشئونهم وهداية لسبيلهم أعنى أن الفلاسفة بطبيعتهم عاجزون عن أن يحشدوا الحشود أو أن يتجمعوا في النوادي والأحزاب فلا يمكن أن تحوم حولهم شبهة الدعاية.

وموجز القول: أن كانط قد ارتأى أن كل دولة شخصية مستقلة في الداخل خاضعة لقواعد الحق وأن الحالة الراهنة التي تعتبر فيها الحرب الوسيلة الوحيدة لفض المنازعات وتنظيم العلاقات الدولية هي حالة وهمية يجب العمل على الخروج منها بإيجاد "جمعية أمم" تنضم إليها كل أمة بملء حريتها وتشترك جميعًا في تسوية الخلافات طبقًا لمبادئ العدالة الدولية ولهذا وضع كانط "مشروعًا للسلام الدائم"حيث يعين في عشر مواد الشروط الضرورية لتحقيق هذه الغاية.

 

أ.د. ابراهيم طلبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا

مصر

 

مقدمة: هذا الموضوع يسعى لتحليل العلاقة المعقدة بين الديمقراطية والتنمية، وهو السؤال الذي شغل الاكاديميين وصناع السياسة لعدة عقود. سنبدأ بتعريف المفاهيم الاساسية للديمقراطية، بأدنى وأعلى صورها، وكذلك التنمية. سنسلط الضوء على اهمية الديمقراطية كعملية وعلى التنمية كمحصلة، ثم سنقيّم الارتباطات السببية الأساسية بين الديمقراطية والتنمية ، لابد من مناقشة نظرية التحديث وظهور الديمقراطية، وفكرة ان الديمقراطية شرط مسبق للتنمية، والوقوف على الحجة المعارضة لها بان الانظمة التوتاليتارية هي افضل في تعزيز التنمية. سننظر ايضا في بعض التحديات التي تواجه الديمقراطيات الناشئة ونعرض رؤية جديدة نحو نظرية التحديث. واخيراً سنلخص بعض نصوص الادب التي تشير الى عدم وجود دليل راسخ ونهائي يربط بين الديمقراطية والتنمية .وعلى هذا الاساس، يتم التأكيد على القيمة الداخلية للعملية الديمقراطية، وضرورة التخفيف من التوقعات التي بُنيت على الديمقراطيات (الناشئة) في خلق نتائج تنموية.

 

اولا: تعريف المفاهيم الاساسية

1) الديمقراطية: تعاريف مبسطة

يمكن تعريف النظام الديمقراطي في مستواه الاساسي بمصطلحات اجرائية كـ "ترتيبات مؤسسية للوصول للقرارات السياسية التي يكتسب بها الافراد السلطة بوسائل الصراع التنافسي عبر كسب اصوات الناس"(شمبتر 1942)(1). وبالتوسع في التعريف، يحدد داهل(1971)(2) سبعة معايير اساسية للديمقراطية، و يفضل الاشارة اليها بـنظام الحكم بأكثر من حاكم بولاركي (لا ديمقراطي ولا دكتاتوري) . هذا يتضمن:

- السيطرة على القرارات الحكومية بشأن السياسة المنوطة مؤسسيا بمسؤولين منتخبين.

- انتخابات دورية حرة وعادلة

- اقتراع عام للراشدين

- الحق بادارة الادارات العامة

- حرية التعبير

- حق الحصول على مصادر المعلومات التي لا تُحتكر لا من الحكومة ولا من اي جماعة منفردة

- حرية التجمع (مثل حق الانتساب و تشكيل منظمات مستقلة مثل الاحزاب السياسية وجماعات المصالح وغيرها).

ان تعريف داهل للديمقراطية الشكلية، وان كان لا يزال معتدلا فهو يتضمن الحريات المدنية الاساسية التي هي يجب، وفق المبدأ، ان تضمن ان تكون العملية الديمقراطية جامعة، متحررة من القمع وتمكّن المواطنين من المشاركة باسلوب واع ومستقل. غير ان التركيز في هذا التعريف لازال منصبا على الطعن القضائي، وعلى العملية الانتخابية ذاتها . ولفترة طويلة، كانت المجموعة الدولية تميل لتضع ايمان كبير في الاهمية الحاسمة للانتخابات وما تحققه لعملية الدمقرطة – هناك افتراض ضمني بان الانتخابات سوف لن تكون مجرد حجر اساس وانما هي مولّد اساسي وعلى مر الزمن لإصلاحات ديمقراطية اخرى.

 

2) الديمقراطية: تعاريف اكثر اهمية

من جهة اخرى، وكما يتضح وبشكل متزايد من ظهور الديمقراطيات الجديدة في عدة مناطق من العالم النامي منذ الثمانينات، لا تعني عملية الدمقرطة فقط التحول الى الديمقراطية الشكلية، وانما ايضا تقوية وترسيخ دعائم هذا النظام الديمقراطي. وكما وجد المحللون، الاعتماد على التعريف الاصلاحي للديمقراطية لا يمكنه مواجهة التحديات المحيطة بالانظمة التي باشرت التحول لكنها لم ترسخ بعد هياكلها الديمقراطية الاولية. وبالتالي، يتجه عدد متزايد من خبراء الديمقراطية نحو تعريف اكثر موضوعية للديمقراطية، وهو التعريف الذي يعطي اهمية اكبر لدور واهمية المسائلة.

هناك ثلاثة ابعاد للمسائلة التي تتميز بـ :

1- مسائلة عمودية، تمكّن المواطنين من مسائلة قادتهم السياسيين عبر قنوات الاقتراع في فترات زمنية محددة.

2- مسائلة افقية، تشير الى آليات المسائلة التي توجد ضمن هيئات متميزة للحكومة ذاتها، بموجبها يصبح لمؤسسات الدولة السلطة والرغبة في الاشراف والتوجيه ومعالجة ومعاقبة (ان تطلب الامر)، الافعال غير القانونية الصادرة من جانب مؤسسات اخرى للدولة.

3- مسائلة مجتمعية، تشير للوظائف المستمرة من رقابة المؤسسات المدنية والمنظمات غير الحكومية والاعلام الواسع المستقل على افعال الدولة.

هذا النموذج للديمقراطية التمثيلية الليبرالية – الذي يرتكز على عملية انتخابية عادلة، واحترام الحقوق المدنية والسياسية الاساسية، وتوفير آليات ضرورية للمسائلة تعطي جوهرا للديمقراطية – اكتسب رواجا عالميا متزايدا عبر العقدين الماضيين. وكما تذكر Amartya Sen(1999a) ، ان الديمقراطية اصبحت "قيمة عالمية"(3). هذا الاجماع العالمي الناشيءعرضته مجموعة الديمقراطيات (CD)(4). من خلال إعلانها في وارشو والبيانات اللاحقة. جماعة الديمقراطييات كانت اول منظمة بين الحكومات من الديمقراطيات المؤسسة والدول الديمقراطية التي سعت لتعريف وتقييم ما هية الديمقراطية، بالاضافة الى العمل بشكل جماعي لدعمها وتعميقها حيثما توجد، والدفاع عنها حالما تتعرض للتهديد ، رغم ان بياناتها ليست ملزمة.

ومن جهة اخرى تعرضت هذه الفكرة لليبرالية الديمقراطية للانتقاد في حلقات معينة باعتبارها شديدة النخبوية، وان المشاركة فيها مهملة . هذه النقاشات حول الديمقراطية الموضوعية وضعت اهتماما كبيرا بالعمليات الجمعية والتداولية والتشاركية. وكما يوضح جون كافينتا في، "تعميق الديمقراطية" على عنصر هام في نقاش الديمقراطية يركز على المشروع السياسي في تطوير والحفاظ على مشاركة اكبر للمواطنين في العملية السياسية قياسا بما يوجد عادة في الديمقراطية الممثلة لوحدها. ورغم انها لاتزال بعيدة عن الكمال، لكن المؤسسات في كل من البرازيل بعد الحكم السلطوي وجنوب افريقيا بعد النظام العنصري تقدم امثلة للمحاولات المقصودة نحو حوكمة اكثر اهمية ومشاركة سياسية(بما فيها تقديم ميزانيات تشاركية،مثلا).

 

3) الديمقراطية والتنمية: تحديد ظروف العلاقة

في دراسات التنمية والسياسة المقارنة برزت بعض النقاشات التي تستكشف العلاقة بين الديمقراطية والتنمية. ان اول من بحث الارتباط الايجابي (المستوى العالي) بين الثروة والديمقراطية (القائمة)، كان (مارتن لبست) في مقالته الشهيرة عام 1959"بعض الشروط الاجتماعية المسبقة للديمقراطية"(5)، والتي كانت اقوى العلاقات واكثرها ديمومة في العلوم الاجتماعية. في الحقيقة، ان النظام الديمقراطي لم يسقط ابدا بعد بلوغه مستوى معين للدخل (6055 دولار لكل فرد مقاسا بسلة من حسابات الناتج المحلي الاجمالي لعدة دول) . غير ان قوة العلاقة هذه لا تعني وجود سببية، ولهذا فان الاكاديميين ومحللي التنمية وصناع السياسة انشغلوا لفترة طويلة في ازاحة الغموض عن العلاقة المعقدة بين التنمية والديمقراطية ومحاولة تقرير ان كان هناك ارتباط سببيا بين الاثنين.

الاجابة على السؤال بشأن الارتباط بين الديمقراطية والتنمية سوف تعتمد بالطبع على الكيفية التي يعرّف بها المرء "التنمية". اذا كان المرء يتبع Sen(1999b) ويتبنى تعريف التنمية كـ "حرية" – وهو التعريف الواسع الذي يضم ليس فقط المؤشرات الاقتصادية وانما ايضا الحريات مثل الحقوق السياسية والانسانية، الفرص الاجتماعية، ضمانات الشفافية وحماية الامن، فان الديمقراطية يجب ان تقود الى التنمية. اضافة الى ذلك، النقاشات الاخيرة عن اتجاه التنمية المرتكزة على الحقوق ايضا تركز على المشاركة والمسائلة وعناصر اخرى مشابهة جدا للقيم التي تؤطر الاشكال الموضوعية للديمقراطية. لكن، مع ان هناك قيمة كبيرة في فهم التنمية في مثل هذه الطريقة الشمولية،فان هذا الاتجاه يثير مشاكل مفاهيمية. تعريف التنمية وفق العلاقة مع العديد من الخصائص الملازمة للديمقراطية (بما في ذلك الحقوق والمسائلة) يجعل من الصعب جدا من الناحية التحليلية ايجاد فرق بين المصطلحين او القدرة على ازالة الالتباس في العلاقة بين الاثنين. ولهذا السبب، ربما من المفيد تبنّي تعريف نوعا ما اضيق للتنمية. وطبقا لجوزيف ستجلز عام 2003(6)، التنمية وفق هذه الاهداف تُفهم كـ "تحول للمجتمع" يتجاوز النمو الاقتصادي ليتضمن ابعاد اجتماعية مثل الابجدية،توزيع الدخل، توقعات الحياة، الخ – العوامل التي المّ بها مؤشر التنمية الانسانية. كذلك يجب ان تتضمن التنمية بعض ابعاد إعادة توزيع الثروة.

هناك ايضا نقاش حول ما اذا كانت الديمقراطية"الحقيقية" يمكن انجازها فقط في تلك الانظمة السياسية التي تدعم التنمية، المساواة الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية. ولكن وكما لاحظ العديد من المحللين مثل (شمبتر و كارل 1996)(7) بانه لاشيء متأصل في طبيعة النظام الديمقراطي بحيث يجب ان يقود اوتوماتيكيا الى محصلات معينة. هذا الفهم المفرط للديمقراطية ربما في الحقيقة يشكل عبئا على المفهوم، وانه يضع توقعات غير واقعية حول ما يجب ان ينجزه النظام الديمقراطي فقط لفضيلة كونه ديمقراطي. ان الفرق بين نوع الدولة والنظام يُعتبر اساسيا لهذا النقاش. الوظيفة الاساسية للدولة هي تعزيز النمو الاقتصادي وانجاز نتائج تنموية. نوع النظام يشير الى شكل الحكومة وطريقة عمل القرارات.

هذه الاتجاه اختار تعريف الديمقراطية (كما موضح اعلاه) بالتركيز على العمليات وليس النتائج: لا يجب ان نتوقع من الديمقراطية انتاج افضل محصلة سوسيو اقتصادية لمجرد انها ديمقراطية. وكما جادلت (Sen, 1999a) وآخرون بان العملية الديمقراطية بالفعل لها قيمة داخلية بذاتها، ويجب ان نتوقع ان تصل الى قرارات سياسية بطريقة تضامنية،تشاركية،شفافية ومسؤولية وتمثيل اوسع لمختلف المصالح الاجتماعية.

وحالما تتأسس القيمة الداخلية للديمقراطية، فان السؤال الذي يظل جديرا بالاثارة هو هل الديمقراطية تصنع اختلافا، واذا كان صحيحا، اي نوع من الاختلاف؟ ان الاعتراف المتزايد بالمؤسسات كعوامل رئيسية في رسم نتائج التنمية، وحركة المزيد من الدول الفقيرة نحو الديمقراطية كلاهما زاد من مقدار ملائمة وزخم هذا النقاش الى مدى ابعد. بعض الاسئلة تتضمن التالي. هل التنمية تقود الى الديمقراطية ام العكس؟ ما هي الآلية المؤسسية لخلق الآداء الاقتصادي؟ هل الديمقراطية تعزز التنمية، وهل الحكومات السلطوية ملائمة اكثر للقيام بتلك المهمة؟ وهل التنمية الاقتصادية ضرورية لتمكين الديمقراطيات في العالم النامي كي تتعمق وتصبح راسخة ؟ سنعالج هذه الاسئلة تباعا.

 

ثالثا- الديمقراطية والتنمية: تقييم الارتباطات السببية الرئيسية

1- نظرية التحديث وظهور الديمقراطية

في الستينات والسبعينات من القرن الماضي كان الجدال الذي اكتسب اهمية كبيرة في الاوساط الاكاديمية والحلقات السياسية هو ان الديمقراطية يُحتمل جدا ان تبرز في دول ذات مستويات عالية من التطور السوسيواقتصادي (Lipset 1959: Almond and verba 1936, Moore 1966 ). وتأسيسا على تحليل (لبست) الذي يؤكد على نقطة واحدة وهي ان الثروة الاقتصادية "شرط مسبق للديمقراطية"، فان العديد من المحللين والاكاديميين فسروا هذه العلاقة بما يعني ان التنمية هي شرط مسبق للديمقراطية. هذا الاتجاه التحديثي للدمقرطة فهم بروز الديمقراطية كنتيجة للتحول في البناء الطبقي، صعود البرجوازية، التنمية الاقتصادية، زيادة التمدين، التطور المسبق للقيم الديمقراطية، العوامل الدينية والثقافية الاخرى.

هكذا، طبقا لهذه القراءة، فان ظهور الديمقراطية هو سبب داخلي لعملية التطور الاجتماعي والاقتصادي – هناك تقدم خطي نحو التحديث يبلغ في النهاية ذروته في الديمقراطية. بكلمة اخرى، حالما تكتسب الانظمة اللاديمقراطية مستوى معين او حد اقصى من التطور الاقتصادي والنضج الاجتماعي، فهي ستصبح حتما ديمقراطية. طبقا لاتجاه التحديث، فان، ظهور الديمقراطية يجب ان يُرى كذروة انجاز لعملية طويلة من التحديث، او كأناقة تستطيع الدول الغنية تقديمها في النهاية.

غير ان ما سمي بالموجة الثالثة من الدمقرطة التي اكتسحت معظم العالم النامي بدءاً من الثمانينات خلقت تحديا لهذا المفهوم من "الشروط المسبقة" للديمقراطية.

ومنذ ذلك الوقت، كانت معظم الحركات نحو الديمقراطية الرسمية قد حدثت في بلدان لا يُتوقع فيها مثل هذا التحول نظرا للمستويات الواطئة للتطور الاقتصادي وغيره من المؤشرات السوسيواقتصادية. حيث كما لوحظ في عدد كبير من الدول التي مارست التحول نحو الديمقراطية اثناء الموجة الثالثة كيف انها جاءت في اسفل ثالث مؤشر للتنمية الانسانية. تحولات الموجة الثالثة ايضا رفضت الجدال الثقافي بان الديمقراطية لا تنسجم مع قيم دينية معينة. كذلك، العديد من الانظمة السلطوية كانت قادرة على البقاء حتى بعد وصولها مستوى عالي من التطور، لذا لا يبدو هناك تقدم طبيعي من السلطوية الى الديمقراطية بعد بلوغ نوع تنموي معين "اقصى حد".

استجابة لمحددات نظرية التحديث، نشأ ادب منذ الثمانينات يسعى لفهم التحول الديمقراطي وفق اتجاه عملياتي process- oriented approach . هذا الادب يؤكد على اهمية القرارات، الافكار والتفاعل بين العوامل السياسية المحلية الاستراتيجية في خلق التحول في اماكن غير محتملة، بينما يعترف باهمية العوامل الهيكلية في تشكيل خيارات الفعل بدرجات مختلفة. تركيز هذا الادب هو على تفاعلات النخب. في بعض الحالات، تعبئة اجتماعية واسعة النطاق و (تهديد بالعنف) والاحتجاجات من الاسفل كانت مؤثرة في خلق التغيير الديمقراطي. هذا كان ملحوظا في كل من جنوب افريقيا والفلبين واوكرانيا مؤخرا.

لذا، فان اجماع عالمي واسع نشأ ليؤكد ان التنمية الاقتصادية بحد ذاتها هي غير ضرورية ولا هي شرط كافي لنشوء الديمقراطية. من جهة اخرى، ما وراء هذا الاتفاق العام حول حقيقة ان هناك لا وجود لشروط مسبقة هيكلية لظهور الديمقراطية، فان طبيعة العلاقة بين الديمقراطية والتنمية تبقى قضية مثيرة للجدال . فمثلا، يجادل البعض ان الديمقراطية في الحقيقة شرط هام مسبق لتعزيز التنمية، بينما آخرون اكّدوا على العكس، ان الانظمة السلطوية تناسب المهمة بشكل افضل.سنحاول الان استكشاف كلا الحجتين.

 

2- حجة "الديمقراطية اولا":هل كل الاشياء الجيدة تأتي مجتمعة؟

ان جوهر هذه الحجة هو ان الديمقراطية تساعد في تعزيز التنمية (اكثر مما في العكس) يقوم على اساس بعض الخصائص المؤسسية للانظمة الديمقراطية – اي آلياتها في المسائلة وتزويد نظام المراقبة والفصل بين السلطات. هذه الخصائص تلعب دورا اساسيا في تضييق استغلال سلطة الدولة، من خلال الانتخابات والعمليات الاخرى. هي ايضا توفر انظمة للمكافآت والعقوبات، شفافة، دورية، موثوقة (بالنسبة للقواعد وليس النتائج).

هذه الخصائص المؤسسية(الوظيفية) للديمقراطية توضح لماذا لم تحدث مجاعة في الانظمة الديمقراطية.

من جهة اخرى، كانت موجة التفاؤل الديمقراطي التي صاحبت هذا التحول الهام نحو الديمقراطية في عدد كبير من الدول النامية – والتي وصفها فوكوياما عام 1992(8) بنهاية التاريخ – ربما ذاتها بنت توقعات عالية حول ما يمكن ان تحققه هذه الانظمة الديمقراطية الناشئة توا.

ارثودكسية جديدة ، قلبت افتراضات نظرية التحديث راسا على عقب، نشأت بين المجموعة الدولية (خاصة بين المانحين) بدءا من التسعينات تؤكد ان الديمقراطية ليست محصلة او نتيجة للتنمية وانما هي مكون وعنصر ضروري لخلقها . هذا التفكير يؤطر معظم "برامج الحوكمة الجيدة" التي كرستها المجموعة الدولية. تلك البرامج متعلقة اساسا بقواعد وممارسات بموجبها يتم اختيار الحكومات وتُمارس في ظلها سلطات الدولة. ان الحوكمة الجيدة تؤكد على اهمية الشفافية والمسائلة (الافقية والعمودية)، وهي ايضا تستدعي عمليات صنع قرارات تشاركية تضامنية واسعة كشرط اساسي لتعزيز فعال للتنمية.

 

3- حجة"التنمية اولا": هل الغايات تبرر الوسائل؟

ان هذه النزعة الطبيعية للنظام الديمقراطي في التجزئة والانتشار وتقسيم السلطة بين مختلف اصحاب المصالح بمختلف المستويات، سواء ضمن الدولة او بين مجموعة اللاعبين، ومن ثم جعل عملية صنع القرارات اكثر استهلاكا للوقت، كل ذلك قاد العديد من المحللين للجدال بان الانظمة السلطوية في العالم النامي ربما افضل من الديمقراطية لتعزيز التنمية الاقتصادية.

جوهر هذه الحجة هي ان التنمية تتطلب حكومة قوية مركزية عالية الاستقلال خاصة عندما تحتاج الدول الفقيرة لتلعب مسيرة اللحاق وان السياسات الديمقراطية هي ببساطة شديدة الفوضى ولا يمكن التنبؤ بها لتوفير مثل هذا البناء. في النظام السلطوي، يتمتع اللاعبون في الدولة بافق زمني طويل طالما لا يحتاجون للقلق على السياسة القصيرة الاجل التي تنشأ من الحلقات الانتخابية.

تجربة نمور اسيا (كوريا، تايوان، سنغافورة،هونك كونك) تثبت فرضية ان الانظمة السلطوية هي اكثر فاعلية من الانظمة الديمقراطية في تسريع التنمية الاقتصادية، حيث ان الدولة هي التي تقود النمو الاقتصادي السريع والتحول السوسيو اقتصادي بدءا من الستينات وحتى التسعينات من القرن الماضي. مؤخرا اضيفت الصين وفيتنام لدعم هذا الدليل.

ومن جهة اخرى، ليس من المؤكد ان الحاكم السلطوي سيكون دائما مهتما بلعب دور ايجابي في عملية التنمية. على العكس تماما، الامثلة التاريخية عن الدول السلطوية المضادة للتنمية في افريقيا وامريكا اللاتينية وشرق اوربا والاتحاد السوفيتي السابق كانت غزيرة. في الحقيقة، احدى الانتقادات لـمدرسة افكار (التنمية اولا، والديمقراطية ثانيا)، هي انها تثق بالدليل التجريبي الذي هو محدود جدا وانتقائي بشكل كبير. بمعنى ان المراهنة على فاعلية تنموية كبيرة لهذه الانظمة يتضمن رهانا خطيرا، وانه لا يمكن التحقق منها نظريا كون الغايات تبرر الوسائل.

كذلك، يمكن ايضا اقامة الحجة على ان العديد من الدول السلطوية، المركزية، ذات الاستقلالية العالية في صنع القرار لعبت دورا كبيرا في تعميق سلسلة من الكوارث الاقتصادية، وان مثل هذه الكوارث كانت اما اقل عمقا او حتى ممكن تجنبها لو كانت هناك آلية ديمقراطية فعالة لإبقاء السلطة التنفيذية تحت المراقبة. هذا بالتأكيد ينطبق على ازمة بيسو المكسيك عام 1994 والتي كانت من اعمق الكوارث في المكسيك والمنطقة.

 

4- التحديات التي جسدتها الاقتصاديات الناشئة: نحو اجماع جديد لنظرة جديدة للتحديث

كما لاحظنا اعلاه، ان الموجة الثالثة من الدمقرطة في العالم النامي تؤكد الاعتقاد بعدم وجود شروط مسبقة هيكلية لظهور الديمقراطية. من جهة اخرى، هاك فقط عدد محدود من الدول باشرت التحول الديمقراطي ونجحت في تأسيس انظمة ديمقراطية متماسكة رصينة. مقابل هذه الخلفية، العديد من المحللين توصلوا الى اجماع بان العوامل الهيكلية – مثل الشروط المؤسسية والاجتماعية والميراث – ربما لها تأثير هام على نجاح العملية الديمقراطية. هم يقولون، مع القليل من الاستثناءات (الهند وكوستاريكا)، فان جميع الديمقراطيات التي يمكن اعتبارها متماسكة هي ثرية.

فوق كل ذلك، التماسك الديمقراطي يتطلب تطوير ثقافة سياسية ديمقراطية فيها جميع اللاعبين السياسيين الرئيسيين (سواء النخب او الجماهير)، الاحزاب، جماعات المصالح المنظمة، المؤسسات والقوى تقبل بالرؤية بان الديمقراطية هي (اللعبة الوحيدة في المدينة). بكلمة اخرى، العملية الديمقراطية هي الوسيلة الشرعية الوحيدة للحصول على السلطة. لابد من الاعتراف ان بناء وتقوية مثل هذا البناء السياسي الديمقراطي ملزم في ان يأخذ وقتا طويلا، وهذا هو التحدي الرئيسي الذي تواجهه الانظمة اليوم.

في الحقيقة، ان تأسيس ارتباط سببي بين التنمية وديمقراطية دائمة يشير الى ان بعض رؤى نظرية التحديث ربما هي اكثر فائدة. نظرية التحديث تفترض ان مستويات عالية من التطور الاقتصادي يساهم في استقرار الديمقراطية حالما تتأسس لأنها تُضعف الاستقطاب عبر تخفيف الصراع الطبقي وتكريس عدم التطرف في الصراع السياسي. بما ان زيادة مستويات التنمية يقلل من حجم اللامساواة، فان الصراعات التوزيعية تصبح اقل اهتماما والرؤى لتطوير السياسة بين الناس تصبح اكثر تدرجا. الثقافة السياسية المتسامحة والمعتدلة هي ايضا يتم تسهيلها عبر زيادة فرص التعليم والتي هي ذاتها نتاج للتحديث. كذلك تعجل التنمية الاقتصادية من نمو المجتمع المدني.

في دراسة طموحة ومثيرة للجدل تنظر في العلاقة السببية بين الديمقراطية والتنمية واتجاه هذه العلاقة السببية في 135 دولة (بما فيها الديمقراطيات القائمة والدول التي في طريقها للديمقراطية) بين عام 1950 و 1990 وجد Adam prizeworsk وزملائه (2000)(9)، انه بينما المؤسسات السياسية هامة فعلا، لكن نوع النظام ليس له تأثير هام على النمو الاقتصادي للدول او على الدخل القومي. طبقا للمؤلفين، فيما اذا كانت الديمقراطية تعزز او تكبح التنمية يبقى سؤالا مفتوحا، ونتائج العلاقة بين نوع النظام والتنمية الاقتصادية يبقى بلا حل. الدرس الرئيسي من هذه التحليلات ربما ان مختلف الانظمة السياسية قادرة على تطبيق سياسات متشابهة، وانه ربما لهذا السبب يصبح من المفيد جدا النظر الى انواع الترتيبات المؤسسية التي هي قيد العمل( مثل نظام الحزبين مقابل نظام تعدد الاحزاب) واستراتيجيات تطوير الحكومة، بدلا من نوع النظام السياسي بذاته.

بعض الادب الحديث قام باستطلاع آخر لمعرفة تأثير الدمقرطة على الاهداف التنموية الاخرى، كالنمو والفقر واللامساواة والفساد، فكانت هذه التحليلات توصلت الى ان التأثيرات الايجابية المنسابة من الدمقرطة لمجالات اخرى من الحكومة والتنمية هي ليست اوتوماتيكية وغير مؤكدة، احيانا تكون سلبية كما في حالة الفساد. اذا كان هذا صحيحا، اي، وجود تأثيرات سلبية، وان الديمقراطيات لا تأتي دائما بثمار المساواة وبناء قدرة الدولة، عندئذ لابد من توجيه مزيد من الانتباه الى السياسة والتطبيق. احدى التحديات الرئيسية للمانحين هو ان يكونوا على اطلاع تام بحقيقة انهم، عندما يختارون الكيفية التي يساعدون بها الديمقراطية وتعزيز التنمية، هم ايضا يحتاجون الاخذ بالاعتبار كيف ان نشاطاتهم في مجال معين تؤثر على المجالات الاخرى – وكيف ان هذه بدورها تؤثر او تتأثر بجهود بناء الدولة الواسعة التي ربما تعمل او لا تعمل كليا مع جهود الدمقرطة من جهة وجهود التنمية من جهة اخرى.

 

الخلاصة

استنتاجات العلاقة بين الديمقراطية والتنمية ليست نهائية، هناك مختلف الحجج التي يمكن استخدامها لدعم كلا الرؤيتين: ان المؤسسات الديمقراطية تلعب دور حاسم في تعزيز التنمية والرؤية المضادة ان الانظمة الدكتاتورية ربما اكثر فاعلية في هذا المسعى. خاصة الدول الفقيرة التي تحتاج للحاق بسرعة. النقاش يبقى بعيد عن التسوية. الادب الحالي الذي يسعى لتحديد العلاقة بين الديمقراطية والتنمية يبقى غير ثابت. وهو ما يشير الى مدى تعقيد ولا خطية العلاقة بين هاتين القوتين. كل دراسة تعطي دليلا لإثبات حجتها من حيث صلة النظام الديمقراطي او النظام السلطوي بالتنمية، فكل حجة تُواجه بحجة مضادة.

 

من ورقة في مؤتمر ولتن بارك للديمقراطية والتنمية، للفترة من 23- 25 اكتوبر 2007.

 

حاتم حميد محسن

................

الهوامش

(1) Schumpeter.J.(1942) capitalism, socialism and Democracy: London: Harper perennial.

(2) Dahl, R.A. (1971) polyarchy: participation and opposition. New Haven. CT: Yal university press.

(3) Sen . A (1999a) “Democracy as a universal value”. Journal of democracy 10(3): 3-17.

السؤال الذي واجهتهُ جميع العلوم الاجتماعية، وبقي دون جواب، هو كيف نفسر المفارقة في التشابه الكبير بين الناس كأفراد بينما يختلفون كمجتمعات انسانية في ثقافاتهم وانجازاتهم الاقتصادية؟

الحجة التي يعرضها الكاتب (ويد) هي ان هذه الاختلافات لم تنشأ من اي اختلاف كبير بين الافراد من مختلف الأعراق. بل، انها نشأت من اختلافات ثانوية في السلوك الاجتماعي الانساني، سواء في الثقة، او الطاعة، او العدوانية او السمات الاخرى التي انبثقت ضمن كل عرق خلال تجربته الجغرافية والتاريخية .. انها بسبب المؤسسات – التي هي صروح ثقافية كبيرة ترتكز على قاعدة من السلوك الاجتماعي المتشكل وراثيا – وان مجتمعات الغرب وشرق اسيا هي مختلفة جدا، و المجتمعات القبلية لا تشبه الدول الحديثة، وان الدول الغنية هي ثرية بينما الدول الفقيرة تعاني الحرمان (1).

السؤال لماذا بعض الدول اغنى من الدول الاخرى هو واحدة من اكبر القضايا في الاقتصاد. التفسيرات تراوحت من المادية بأعلى اشكالها الى اللامادية. التفسيرات المادية كانت اقل ميلا الى اقتصاد السوق منه الى التفسيرات اللامادية.

التفسير الماركسي هو تفسيرمادي. تراكم رأس المال هو الذي يخلق الثروة. الماركسيون يجادلون بانه في سياق السوق الحر، فان تراكم رأس المال يفيد فقط القلة، بما يقود الى تركيز غير مقبول للسلطة.

تفسير مادي آخر يوجد لدى غارد دايموند في (Guns, Germs, and Steel)(2). يسأل دايموند لماذا استعمرت اوربا الغربية افريقيا وامريكا، بدلا من العكس. تفسيره المادي يركز على عوامل جغرافية وبيئية. هذه بدورها قادت اوربا الغربية للتمتع بمزايا البنادق والستيل والتي يصعب تبريرها من الناحية الاخلاقية.

العديد من الاقتصاديين يشيرون الى المؤسسات، بما فيها الحرية الاقتصادية، المساواة امام القانون، وفرض حقوق الملكية كعوامل اساسية للاختلافات في الثروة عبر الدول. هذه الرؤية عرضها كتاب (لماذا تفشل الامم لثلاثة من الكتاب)(3). الاختلاف في الظروف الاقتصادية بين شمال كوريا وجنوبها مثال لتبيان اهمية الاختلافات المؤسسية حين تكون العوامل الاخرى متساوية .

كتاب نيكولاي ويد يعبّر عن فرضية مثيرة للجدل وهي ان الاختلافات المؤسسية هي نتيجة اختلافات صغيرة في متوسط البناء الوراثي للسكان، وان هذه الاختلافات تتطابق مع التصنيفات العرقية العادية. من الواضح، ان هذه ليست توضيحات للاختلافات بين شمال وجنوب كوريا، لكن ويد يجادل بانها توضح بالفعل لماذا اوربا الغربية وملحقاتها الجغرافية طورت مؤسسات مرتبطة بالنمو الاقتصادي والديمقراطية بينما لم تتمكن مناطق اخرى من ذلك.

 

العرق والوراثة

باي الطرق تكون الاختلافات العرقية وراثية؟ الكاتب ويد ينظر في عدد من الجينات التي تختلف عرقيا وفق لغة الاحتمالات: هذه المواقع من الـ         DNA المميزة للعرق تسمى AIMs، او علامات بيانات السلالة .. مجموعة من 128 من علامات بيانات السلالة تكفي لتخصيص الناس لعرقهم الاصلي المناطقي، سواء كانوا اوربيين او شرق اسيوين او هنود امريكيين او افارقة.

معظم سمات بيانات السلالة هي وراثية او alleles اي انها اكثر شيوعا في عرق معين دون الاخر. احدى العلامات المميزة التي تحدث في 45% من الاسيويين الشرقيين و 65% من الاوربيين تقول ان الحامل اكثر احتمالا ان يكون اوربيا، لكنه يصعب ان يكون تأكيدا نهائيا او حاسما. عندما يتم ربط نتائج خيط من علامات بيانات السلالة مع بعضها، فبالامكان الحصول على جواب باحتمال احصائي عالي .

الكاتب (ويد) يقول ان هذه الاختلافات الاحتمالية نشأت بسبب "الازاحة الناعمة"في التطور. "الازاحة العنيفة"تتألف من تحول جديد يخلق سمة تمنح مزايا حاسمة بحيث تكون هي السائدة في جميع السكان. بالمقابل، الازاحة الناعمة تحدث عندما تمتلك السمة لمزية، وهذه السمة تنشأ بفعل عدة جينات. الناس الذين لديهم المزيد من الجينات المفضلة لإنتاج تلك السمة يميلون لامتلاك المزيد من الاطفال الذين يبقون احياء. يقول ويد،

عمليات الازاحة الناعمة – زيادة صغيرة في عدة جينات – هو اسهل بكثير لعمل الاختيار الطبيعي مقارنة بما يحصل في الازاحة العنيفة.

ممارسة تربية النبات والحيوان تعتمد على الازاحة الناعمة وليس العنيفة. مربي الدواجن لا يعرف اي جين في طور العمل. ولكن، عبر اختيار الحيوان الداجن في كل جيل، فان المربي بالنهاية يخلق حيوانا لديه عدد كبير من الجينات التي تفضل الترويض.

متى تنشأ عدة جينات مختلفة عبر ضغط الاختيار ومتى تنشأ عشوائيا؟ هذا السؤال يواجهنا عند قراءة كتاب ويد،لكنه لم يُعالج بما يكفي. ربما الجواب معروف، عدم وجود خلفية معرفية ملائمة.

من جهة اخرى، يمكن تصور الاختلافات الناتجة عن ضغط الاختيار، والتي نوعا ما تعمل كتربية مقصودة. ضغوط الاختيار التي تختلف بالمكان تدفع الانسان ليطور مختلف السمات في مختلف المناطق. يعرض ويد امثلة شهيرة، مثل الجينات التي تسمح للجسم بامتصاص السكر او الجينات التي تساعد في مقاومة الملاريا لكنها لها نتائج سلبية.

من جهة اخرى، يمكن تصور تباين عشوائي في مجموعة الجينات. الخصائص الوراثية العشوائية لأي مجموعتين من السكان تميل لتختلف،بالمتوسط، في تناسب مع المسافة بين المجموعتين. ذلك بسبب ان الناس اقل احتمال في ان يتزوجوا من مكان بعيد عن المكان الذي يعيشون فيه. يبدو ان هذا يعطي دفعا لعلامات وراثية مميزة لقارة معينة او لمدينة معينة. لكن، هذا التباين ربما ليس له تأثير هام على سمات الناس الذين لديهم تلك الاختلافات،لأنه لا يعكس ضغط الاختيار.

 

لماذا تختلف المؤسسات تبعا للمنطقة؟

الكاتب يقبل الرؤية بان الاختلافات المؤسسية توضح الاختلافات عبر الدول. ولكن، ما الذي يسبب الاختلافات المؤسسية؟ يجادل الكاتب بان التفسيرات الحالية للاختلافات المؤسسية تترك ظاهرة هامة بلا توضيح وان متوسط الخصائص الوراثية للسكان يجب ايضا ان يلعب دورا.

اذا كانت شمال كوريا وجنوبها توضيحا كلاسيكيا لقوة المؤسسات، عندئذ فان محاولة الامريكيين بناء دولة في العراق هي التوضيح الكلاسيكي لصعوبة زرع المؤسسات. يذكر ويد:

... اذا كانت المؤسسات هي ثقافية خالصة، فيجب ان يكون من السهل تحويل مؤسسة من مجتمع الى آخر. لكن المؤسسات الامريكية لا تُزرع بسهولة في المجتمعات القبلية كالعراق وافغانستان.

الجدال المشار اليه في ذلك المقطع يمكن اعادة توضيحه كالتالي:

1- الامريكيون حاولوا زراعة مؤسساتهم في العراق وافغانستان.

2- تلك المؤسسات انتهت بالفشل.

3- لذلك، فان التفسير هو ربما ناتج عن التركيب الوراثي للسكان.

يمكن الاعتراض على ذلك في ان امريكا لم تنقل فعلا مؤسساتها لتلك الدول. الانتخابات الديمقراطية كانت نُقلت بالفعل. لكن، الانتخابات الديمقراطية هي فقط واحدة من عدة مؤسسات تميز امريكا عن العراق وافغانستان. العديد من المبادئ الهامة للسلوك الرسمي، الافكار الاجتماعية، العادات، والممارسات لم تُزرع ابدا، هذه هي بالتأكيد شروط حاسمة للحفاظ على المجتمع الحر.

دوكلس نورث وغيره من الاقتصاديين لم يولوا اهمية للاختلافات العرقية والوراثية. بدلا من ذلك،هم اعتقدوا بالتوازن المفروض ذاتيا.

في كتاب (العنف والانظمة الاجتماعية)(4)، يجادل المؤلفون الثلاثة بان هناك نوعان مختلفان من انظمة الحكومة المعززة ذاتيا. الاول هو ما يسمونه النظام المقيد، الذي فيه عدد قليل من الجماعات المنظمة تتولى السلطة. الثاني هو النظام المفتوح الذي تتوزع فيه السلطة ويسود حكم القانون. في النظام المقيد، الاوليغارت يحافظون على السلم بين انفسهم بتقاسم الثروة التي يستخلصونها من بقية السكان. ضحايا هذا الاستغلال يبقون تحت السيطرة من خلال القمع. في النظام المفتوح،المجتمع يُحكم بقواعد عامة، وليس بالنخب القمعية. كل شخص قادر على امتلاك ملكية وبحقوق مضمونة.

المؤلفون الثلاثة يشيرون الى النظام المقيد بـ "الدولة الطبيعية". انها طبيعية لأن الغرائز المتوارثة لدى الناس تجعل من السهل تحقيق الولاء بين الجماعات القبلية. القبيلة او الجماعات شبه القبلية تتصارع بسهولة مع القبائل الاخرى وترغب بالدخول في العنف. النظام المفتوح يعمل على استقرار المجتمع والحفاظ على السلم.

ان التحول نحو النظام المفتوح يحدث فقط عندما تتحقق شروط مسبقة. الكتاب الثلاثة يجادلون بان الامة، قبل ان يتأسس النظام المفتوح، يجب ان تباشر فترة فيها يخضع الجيش لسيطرة المدنيين وفيها تتعامل النخب مع بعضها من خلال عمليات قانونية رسمية.

 

استنتاج

يرى الكاتب (ويد) ان اولئك الذين ينكرون اهمية العرق يجب ان يرتكبوا مغالطات فكرية لكي يستطيعوا ذلك .غير ان البعض يرى العكس هو الصحيح،يجب ان يحصل تشويهان اثنان للحقائق لكي نعتقد بصحة فرضية ويد.

التشويه الاول يستلزم الاعتقاد بان الاختلافات في متوسط المجموعات الوراثية يعكس تأثيرات الاختيار بشأن السمات،حينما تبدو عشوائية . الادعاء بان هناك اختلافات في السمات عبر العروق منقادة وراثيا يثير الدهشة نظرا لضعف الدليل.

التشويه الثاني يتطلب مقارنة فرضية متوسط السمات الوراثية مع فرضية التوازن المعزز ذاتيا في توضيح الصعوبة لدى بعض الدول في عمل التحول نحو اقتصاد السوق والحكومات الديمقراطية. الكاتب ويد يكتب كما لو ان التغيير الثقافي والمؤسسي يجب انجازه بسرعة، وعندما يفشل ذلك سوف لن يكون امامنا من خيار سوى العودة الى الوراثة. ان عمليات التغيير الثقافي والمؤسسي هي بالتأكيد جرى فهمها بفقر كبير،وليس بالضرورة ان تكون سريعة.

اعتمادا على كيفية تقدم البحوث، في العقود القادمة ربما لا نحتاج لتشويه للحقائق لنعتقد ان هناك علاقة حقيقية بين المجاميع الوراثية وسمات الشخصية. غير ان مسألة من يقود مختلف الدول لامتلاك مختلف المؤسسات انما هي مسألة تعاني مما يسميه جم مانزي "حجم السببية"(5)، يعني ان هناك عدة تفسيرات مقبولة والقليل نسبيا من البيانات لحل هذه المشكلة. لذا، فالشك سيبقى قائما بقدرتنا على القول ان الاختلافات في معدل السمات الاجتماعية للسكان هي العامل الرئيسي.

 

حاتم حميد محسن

...........................

الهوامش

(1) نيكولاي ويد. الميراث المزعج: الجينات، العرق، والتاريخ الانساني. مطبوعات بنغوين، 2014.

(2) Jared M. Diamond . البنادق، البذور، الستيل: مصير المجتمعات الانسانية. W.W. Norton and company, 1999.

(3) Daron Acemoglu and James Robinson . لماذا تفشل الامم: اصل السلطة، الفقر، والتقدم. Crown Business, 2013

(4) Douglass C. North, John Joseph Wallis, and Barry Weingast. العنف والانظمة الاجتماعية، اطار مفاهيمي لتفسير التاريخ الانساني المسجل. مطبوعات جامعة كامبردج، 2012.

(5) حجم السببية (causal density)، هو مصطلح اطلقه الكاتب مانزي في كتابه (اللامقيّد: النتيجة المدهشة للتجربة والخطأ في الاعمال والسياسة والمجتمع، باسك بوكس،2012) يشير الى مدى التأثير السببي في الظاهرة. فمثلا، اذا درسنا مدار كوكب معين، نستطيع افتراض وجود سبب واحد مهم لحركة الكوكب وهو الجاذبية. حجم السببية هنا ضعيف. في مجال الطب هناك عدة اشياء تتطلب التفكير فيها، لكن مع ذلك يمكن تعقّب العديد من المشاكل. حجم السببية هنا معتدل. اما في الشؤون الانسانية هناك الكثير من الاسباب لكل شيء، هناك اسباب للاسباب، والاسباب عادة تتفاعل بطرق معقدة. حجم التأثير السببي هنا عالي جدا. وهو ما يجعل من الصعب التأكد من حساب كل شيء، مهما كانت درجة التعقيد في الوسيلة الاحصائية المستخدمة لدينا، سيبقى دائما هناك شيء مخفي، لم نفكر به،وستنتهي نتائجنا في مهب الريح.

akeel alabodالمدخل: الزمن معادلة أفقية موضوعها الحركة والطاقة، اما الحركة فهي المسار الذي عبره تستخدم الطاقة لإنجاز الهدف المطلوب، وبهذا تصبح الطاقة المحرك والمصدر الأساس لهذه الحركة.

 

فكرة الموضوع:

ان الانسان غارق في كيان متحرك، متصارع، متصير، اي متحول، خلق في هذا العالم ليس لاجل الارتباط بمصالحه او منافعه، بل لاجل ان يقدم شيئا، ان ينهض بنفسه لمصلحة او خدمة هذا الوجود.

بقي ان نعرف ما نوع هذه الحركة التي تشدنا اليها كل يوم، هل هي فيزيائية مكانية مادية، ام عقلية شعورية، اي غير مادية؟

هنا تتحدد دائرة المسار الذي لأجله تنعقد موضوعة الحركة، فان كانت مكانية فيزيائية، كحركة المهندس عندما يخطط لبناء المكان، تجد ان المسار ينعقد بناء على نوع المكان، وجغرافيته، فيكون افقيا، اما اذا كانت الحركة عقلية، لا مادية، تجد ان المسار يتخذ اتجاها، او منحى عموديا، باعتبار ان حركة الوعي الانساني عمودية الاتجاه اصلا، فالفكر معادلة تصاعدية، تبتديء من الأسفل الى الأعلى، وبالعكس، فقد تكون من الأعلى الى الأسفل، اما من الأسفل الى الأعلى، فمعناها ان هنالك لغة او مفردة تدرجية، تعيش في عالم المادة، ثم تأخذ طريقها الى عالم الوعي، والوعي في هذه الحالة هو المصدر الذي يحدد مسار هذه الحركة، فقد ينتج عالم او فيلسوف او مفكر موضوعا ما، او فكرة ما، لتصل عبر هذا الفضاء اوذاك الى العالم، اقصد الوجود، بغية العمل عليها بحسب درجة الحاجة اليها، فالكيمياوي الذي يجد علاجا للسرطان مثلا بحسب البحث الذي يتم تقديمه، تجد ان العقول المختصة، تتناوله وتسعى للعمل عليه بغية إنجازه وصناعة الدواء الذي تم تعيينه بناء على البحث المقدم من ذلك الكيمياوي.

والمعنى ان العقول ترتبط مع المادة والإبداع بطريقة عمودية، فلا يوجد في بحث الفيزياء مثلا، مسار معين من اليمين الى اليسار، او بالعكس، كما في حالة الجغرافية، بل ان هنالك لغة تبادلية تنعقد بحسب حاجة العقول اليها من كل جانب ومكان بلا حدود.

فالفكر ليس ديكور يتم تحديده بهذا الشكل اوذاك، بهذا النوع من الحركة، اوتلك، بل انه لغة يدخل فيها الحوار والجدل بطريقة لا حدود لها، بغية تنفيذها اوفهمها بشكل واسع.

 

غاية الفكرة:

ان الزمن لا نملكه نحن، بل هو من يمتلكنا، لذلك ترانا نسير تحت إمرته، دون ان نستطع إرجاعه الى الخلف، بل هو من يقودنا ونحن نمشي مثل عربة الحصان خلفه.

هنا ولكي نقلب المعادلة، نحتاج الى اختصار ارتباطنا مع حاجاتنا المادية الأفقية هذه التي تستهلكنا كل يوم، وتحويلها الى نظام عمودي يحركه العقل والإبداع بغية تغيير مفتاح هذا العالم.

 

عقيل العبود

 

zouhair khouildiاستهلال: "بديهي أننا كمثقفين نحمل جميعنا فهما عمليا أو ترسيمة معينة للنظام العالمي... على أنه فقط من خلال المواجهة مع ذلك النظام... تخاض المبارزات وربما ينعقد الفوز فيها أيضا."1

لا يعتبر ادوارد سعيد مجرد مثقف كوني يحتل مكانة فكرية عالمية تضعه إلى جانب عمالقة الثقافة في الكوكب بل تقول سيرته الذاتية عنه أنه فلسطيني منفي حاول الغرب طمس هويته وتزييف جوهر رسالته ومازالت مجهوداته النقدية ومواقفه السياسية وأفكاره الفلسفية تمتلك راهنية وتمثل مادة خصبة للمعالجة.

لم يمنع حل الدولة الواحدة الذي نادى به سعيد من أن يكون منظورا فلسطينيا للصراع العربي الصهيوني ومن التحول إلى أشد المدافعين على القضية في الدوائر الغربية ومن المتمسكين بالحقوق الثابتة والتاريخية بل صار رقما صعبا في الذاكرة النضالية ضد الامبريالية وناطق رسمي باسم المقاومة الأممية ضد الظلم.

لقد حاول تخليص العرب من الصورة النمطية التي دأب الأدبي الغربي على تقديمها عنهم وبذل جهودا لإيقاف مهزلة تغطية الإسلام وإلصاقه بالإرهاب وأدرك على الفور ضرورة إنارة الرأي العام والتعريف بالقضية والتخصص في مناهضة التطبيع مع الواقع المهزوم والمداومة على التشهير بالعنصرية والتمييز. لقد كان دائم التساؤل:" ِلمَ لا نقوم نحن بدراستهم؟ إن تلك هي الوسيلة لمعرفة من هو جارك أو عدوك، اذا كان هذا حاله"2. كما بيَّن سعيد أن الميديا قد غطت التعاليم المنفتحة والمشرقة للإسلام ووضعت مكانها صورة منفرة وعنيفة ولقد شارك خبراء الإعلام في تشكيل صورة همجية ومتخلفة عن العرب والشرقيين وبالتالي تشكل سوء تفاهم مع الآخر وتسربت روح عدائية في نظرتهم إلى بقية العالم وأثرت في تعاملهم مع الشعوب3. على هذا الأساس ماهو الدور الذي يلعبه الكتاب في الدفاع عن القيم الكونية ومعارضة الحرب والانتصار إلى ثقافة السلام؟ كيف يمكن للسلطة أن تنبثق من قلب الممارسة الفكرية والمعرفية؟ هل من داخل الجامعة أم من خارجها؟ لماذا يواجه الكاتب أو المثقف في الشأن العمومي العديد من المشاكل والمخاطر حينما يؤثر الكلام على الصمت ولما يخرج من السكون إلى الحركة وعندما يستجيب للأمر الوجودي وينخرط في غمار السياسة؟ وهل توجد طريقة ملموسة وغير قابلة للبرمجة عن التجارب التي تتشكل منها النضالات اليومية للمثقفين؟

ما يراهن عليه أدوارد سعيد هو إخراج الكتاب والمثقفين والمفكرين من وضعيات الاندماج والخدمة والصمت والتبرير والشرعنة والتواطؤ والتطبيع والتنازل والاستسلام والتزييف والانبطاح وتهيئة إمكانيات التدخل في الحيز العمومي بالتزام ومسؤولية واستكشاف عناصر نضال وأشكال مقاومة في متناول اليد ووضع برامج بديلة بوضوح فكري وترجمة عملية والتصميم على تغيير العقول والواقع.

 

1- الدور العمومي للكاتب:

" لا أحد يكون خارج زمانه...والشخوص ليست رموزا للعبث"4

لا يستمد الكاتب أهليته عند أدوارد سعيد من تلبية دعوة السلطات القائمة ومن الحضور في المناسبات الاحتفالية التي تقيمها الدولة والمشاركة في المسابقات الثقافية واحتلال المراكز الأولى وحصد الجوائز المادية وأوسمة التكريم ونيل التشريفات الرسمية بل من رفض حقه في التصويت ويتم إسقاط عضويته من الجمعيات التي ينشط فيها ويجبر على المغادرة لمناهضته لثقافة الحشد وبقائه ضخما وعصيا عن الضبط.

لا يبلغ الكتاب السقف من الأهلية بالظهور في المناسبات الإعلامية ومن تقديم أنفسهم على أنهم كتاب محترفين ومن إنشائهم قصورهم المعرفية من أنشطتهم المهنية ومن توافقهم مع المزاج العام وخدمتهم الأجندات السياسية عند تناولهم الشأن العام وإنما من انحرافهم عن المسار العام و تغريدهم عن السرب ويزرعون الارتباك في الثقافة الراكدة ويقحمون أنفسهم في صميم التغيرات ويتسببون في حدوث تحولات.

يعترف أدوارد سعيد بصعوبة تحديد الكاتب من جهة التعريف المفهومي والوظيفة التاريخية والموقع السياسي والصورة الاجتماعية ولهذا الأمر يراجع الكثير من الأفكار السابقة ويقوم بتوسيع الآراء السديدة التي تبناها في كتاب "صورة المثقف" ويلجئ إلى التمييز بين كل من الكاتب والمثقف والمفكر والناقد.

إذا كانت الثقافة العربية الإسلامية تستخدم عبارتي المثقف والمفكر أي رجل الثقافة ورجل الفكر بحثا عن قيادة رمزية وسلطة شرعية مضادة لسلطة الحكام الفاقدة للمصداقية والشعبية والتي تعوزها الثقافة والفكر فإن الثقافة الفرنسية تنطلق من الترسب العمومي القائم في مفردة المفكر والذي يطرح أفكراه للنقاش على الصعيد العمومي وتسمح له من التدخل في السياسيات العامة وتفتح شهية العديد من الناس في إبداء الرأي.

في حين أن مصطلح المثقف هو الأقل استخداما في الثقافة الأمريكية ووقع تعويضه بالخبير وشكلت الاحترافية والتخصصية المعيار الملائم للإنتاج الفكري ولم يعد الكتاب يطمحون للوصول إلى السلطة.

في هذا الإطار يحاول سعيد إدماج كلمتي مثقف وكاتب في مفهوم واحد واثبات الانتماء المتبادل للطرفين بالرغم من كشفه لطابع التفضيلي لموقع الكتاب المستقل بالمقارنة من موقع المثقفين المتورطين دائما في النقد وذلك لما ينتجه من أدب تسبغ عليه هالة الإبداع وقداسة الابتكار ولما يتميزون به من قدرة نبوية.

لقد حاول سعيد إدغام الواحد بالآخر وبين أنه"خلال السنوات الأخيرة من القرن العشرين ازداد اكتساب الكاتب لصفات المعارضة المنسوبة إلى المثقف من حيث الجهر بالحقيقة في وجه السلطة والشهادة على الاضطهاد والعذاب ورفع صوت التمرد أثناء النزاعات مع السلطات."5

بيد أن سعيد يكشف عن الوضع التراجيدي أو التوتر المستدام الذي يعيشه الكاتب في الحقبة المعاصرة فهو من جهة أولى مطالب بأن يكون لاسياسيا حفاظا على مصداقيته واستقلاليته وحياديته بشأن الحقيقة وبالتالي يغلب عليه طابع الاستكانة الفكرية بدل الاضطلاع بدور انشقاقي ومهام تصعيدية تجاه السلطة ومن جهة ثانية اتسع النطاق السياسي والعمومي جميع مجالات الحياة وأصبح بلا حدود وغمر مجال الكتابة والثقافة وأصبحت كل معرفة منتجة هي في خدمة سلطة معينة وصار القلم تابعا للسيف ضرورة.

لقد أعيد تشكيل دور الكاتب وتوفرت متنوعات مختلفة في موقعه الجسدي والمجازي وصار بإمكانه القيام بوظائف متفاوتة تصل إلى حد التناقض فهو يعمل على مواجهة الجهل والخرافة بالتربية على قيم التنوير ولكنه يتحول إلى أداة من أدوات التي تستعملها الأجهزة الإيديولوجية للسلطة في معركتها مع خصومها.

لقد دافع سعيد عن الدور العمومي للكتاب في زمن شهد انتصار الاقتصاد المعولم وتسليع كل شيء وفي عصر انتشار التخصص وسيادة الخبراء وفند بذلك الأطروحة التي تقول بأن المثقفين لم يعد لهم وجود وعلى خلاف ذلك بين للعالم أن أفعال الكتاب المرتبط بالشأن العام ومواقفهم مازالت تؤثر وتنبض بالحياة.

إذا كان رجال الاقتصاد والسياسة يضغطون في اتجاه اكتساب المزيد من السلطة والمنفعة فإن عدة شرائح من المجتمع تعتقد بأن المثقف بالمعنى الغرامشي مازال محل ثقة وتعتبره كائنا يجب الإنصات إليه وتنظر إليه بوصفه المنقذ لحظة الكارثة والمرشد زمن الاضطراب والحكيم في وسط الارتباك والتعثر.

لقد تنصلت الدولة الليبرالية الجديدة التي خلفت دولة الرعاية من كل التزاماتها تجاه مواطنيها وتشبع خطابها بالمصالح والسلطات التي تحوز عليها وتستهدفها وتركت الباب مفتوحا أمام المثقفين من أجل الانخراط في جبهة حقوقية تناضل في سبيل بيئة طبيعية وإحراز مهنة إنسانية واحترام الأخلاق الطبية.

لقد وقف سعيد إلى جانب الحركات المنادية بحقوق الأقليات والإنسان وطرح على طاولة النقاش قضايا النسوية والبيئة واعترض على الحروب غير العادلة وغير المشروعة وجسد مقاومة الواقع العولمي الزاحف ووجه الانتقادات الأكثر جذرية إلى النظام العالمي الجديد محاولا قطع الطريق أمام الإرهاب والتمييز العنصري والنزعات اللاّإنسانية وناضل من أجل بناء حقول تعايش بدل من ميادين قتال وحرب.

لا تكمن مهمة الكاتب في الدفاع عن مصالح القوى المسيطرة ولا في ادعاء النضالية المغلقة بالغوص في رطانة الخطاب التخصصي وممارسة التجريد الأكاديمي وإنما عليه بالإسراع بالتدخل الحاسم في الشأن العام والتسلح بامبريالية الفضيلة والاشتباك مع الخصوم المسؤولين عما آلت إليه الأحوال بشكل مباشر.

إذا كان خطاب الخبراء شعائريا واختزاليا وتمنعه البراغماتية والمباشراتية من التأثير وتقديم الحلول فإن المثقفين المستقلين يمكنهم أن يشكلوا شبكات ضغط وبؤر مقاومة تستعمل وسائل الاتصال بطريقة ثورية.

هكذا يمكن للمثقف أن يتحول إلى طاقة فكرية ذات قدرة على الحركة والتأثير باستعمال لغة تسهل عملية التواصل وأيضا بتقديم نفسه تارة كمواطن وطورا بوصفه المعبر بشكل واضح عن وجهات النظر البديلة.

غير أن المثقف- الكاتب مطالب بأن يجمع في دوره المركزي ووظيفته العضوية بين الشهادة على تجربة خصوصية وتدوين هويتها العمومية ويلعب الدور الناطق بلسانها من جهة وأن ينخرط في عملية توعية المواطنين ديمقراطيا ويدعم الأجندة السردية الكونية ويناهض كل أشكال التعصب واللاّتسامح والهمجية ويدافع على الحقوق والحريات ويعمل على استبقاء الجمالي في الفعل الفردي والجماعي من جهة أخرى.

لقد آمن سعيد بلغته وجعلها أداة مقاومة " فاللغة العربية هي في قلب هوية الشعوب ومقاومتها للمشاريع الكولنيالية. لكن العربية تملك خصوصية أن تكون منشطرة بين لغة كلاسيكية ولهجات وطنية تكون في بعض الأحيان غير مفهومة من بعضها البعض. فهل من الممكن أن نجعل من هذه الثنائية ثراء وقوة؟"6

تجمع اللغة بين عبقرية الكاتب الذاتية وخصوبة الثقافة الموروثة ويمكن تحويلها الى وسيلة للاستثبات وأطار لتقرير مصير الجماعة التاريخية التي تنطق بها وتؤدي مهمة معرفة هذه الجماعة لنفسها وبالعالم.

على المثقف أن يتجاوز الأسلوب الجدلي والدور الاعتراضي وأن يختار الوقوف في الموقع الذي يمكنه من دفع الناس إلى التعبير عن مطالبهم ورغباتهم وأن يسعى إلى بلورة جملة من التوقعات والانتظارات وتقديم بدائل تجمع بين العدالة الاجتماعية والمساواة السياسية وتوفر التطور الثقافي والنمو الاقتصادي.

تتمثل رقابة المثقف في"أن جزءا مما نمارسه نحن المثقفين لا يقتصر على تعيين الحالة الراهنة وإنما يشمل أيضا استكشاف إمكانات التدخل النشط، أمارسنا هذا النشاط بأنفسنا أم اعترفنا به لدى آخرين"7.

يقترح سعيد أدوار ثلاث أو مهام نضالية يجب على الكاتب- المثقف أن يقوم بها:

المهمة النضالية الأولى تتمثل في منع اضمحلال الماضي واستباق عمليات إخفائه ويفسر ذلك بالتركيز على الكتابات المتحررة من ضغوطات السلطة واكراهاتها وذلك بالكف عن إعادة صياغة التقاليد وتقديم تبسيطات للتاريخ وفق الذاكرة الرسمية لاستراتيجيات السلطة وتبتكر سرديات بديلة ومنظورات مختلفة.

المهمة النضالية الثانية تستند إلى بناء حقول تعايش بدلا من ميادين قتال بواسطة الجهد الفكري والحوار العقلاني عن طريق مد جسور المثاقفة بين الشعوب والأمم وتنشيط حركة الترجمات والنقل المعرفي. المهمة النضالية الثالثة تقوم على تحويل المثقف الكاتب إلى ذاكرة مضادة وسارد لتاريخ منسي ومهمش ويتمتع بالجرأة والجهد والقدرة على التخيل التي تجعله يمنع الضمير الإنساني من الاستسلام إلى النوم. على هذا الأساس يجب أن يمتلك المثقف خطابا معاكسا للمزاج العام ويواجه الخطاب الإعلامي الذي يبني منطقه بالاعتماد على التضخيم والتزويق وينتصر إلى قيم الحق والعدل ويناصر القضايا المصيرية لأمته. " ان المنزل المؤقت للمثقف هو حومة فن متطلب مقاوم وغير مساوم لا يمكن أن يبحث فيه عن حلول"8. وبالتالي يقبض المثقف في حقل النفي الهش على صعوبة لا مخرج منها ولكنه يقدم على اكتناهها.

على هذا النحو لا يجب أن يعمد الكاتب في خطابه إلى تبرير جملة المصالح الجماعية الطاغية وذلك من خلال إخفائها عن الأنظار أو التغافل عنها بل يفترض أن يقوم بالتنويع في أساليبه التشكيلية ويضاعف حس المعارضة الملتزمة لديه ويبادر بالتشهير بسلبياتها وخلخلتها وتفكيكها بالانتباه إلى تبعاتها الكارثية والوعود البائسة التي تروج لها ويصنع التفاؤل الحذر ويشخص التحديات وينشر أدوات دفاع رمزية ضد التطهير العرقي والرقابة الجماعية والازدراء الاجتماعي ويتصدى لبراغماتية السوق ومنطق الشركة واستراتيجيات الرسملة والسلعنة التي تربط الاستمرار في العيش بالاستمرار في الدفع وترهن القيمة بالفائدة. " هناك بعدا آخر للخطاب الثقافي يتعلق بالقدرة على التحليل بمعنى أن تتخطى القوالب الجاهزة وتضطلع بمهمة تصحيح الأكاذيب التي تصدر عن السلطة وأن تقوم بمساءلتها وبالبحث عن بدائل"9. لكن ماهو الموقف المثير للجدل الذي تبناه أدوارد سعيد من القضية الفلسطينية في طرق التصدي؟

 

2- تلازم الانتفاضة والمقاومة والعودة:

" لا يجوز الاستخفاف بالطاقة التحريرية لذلك الوضع الجديد ولا بالمخاطر التي تتهددها"10

يتضامن سعيد مع قضية اللاجئين الفلسطينيين الذين يعشون وضعية مأساوية في الشتات وفي دول المهجر ويشيد بمجموعة من الأنشطة عابرة للحدود بطريقة افتراضية من خلال استخدام الفضاء الافتراضي بطريقة تفاعلية قام بها مجموعة من الشبان داخل مخيم "الدهيشة" وأسموها "مركز إبداع" حينما تجاوزوا الحواجز وتمكنوا من تقريب المسافات لأول مرة منذ 1948. لقد " انعقدت أواصر تضامن مدهش في وقت باشرت فيه مفاوضات الحل النهائي السيئة الطالع بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في تناول قضيتي اللاجئين والعودة، التي شكلتا – مع قضية القدس – صميم عملية السلام الواصلة إلى مأزقها."11

لقد ساهمت هذه التجارب التواصلية الافتراضية في التعريف بقضايا اللاجئين والمبعدين ومنحتهم منزلة جديدة ومكنتهم من الخروج من حالة الصمت والاستكانة والتشتت والإقصاء إلى التعبير عن الوعي بالذات والحضور الفعلي في المشهد واستئناف المشاركة في الصراع والاشتباك وإعادة تنشيط الإرادة السياسية.

الصراع على فلسطين هو النزاع الأقرب إلى الدار حسب تعبير أدوارد سعيد ويطرح قضايا الهوية والانتماء إلى أمة والوفاء للتقاليد ومسألة حضور الماضي بشكل مكثف والاستنجاد بالذاكرة في مواجهة النسيان ، ولا يمكن حل هذا الصراع العنيد عن طريق إعادة ترتيب دولية تشتغل على محاور جغرافية يمكن تقاسمها تقنيا بين الفلسطينيين والاسرائليين لأنها تسمح للمقتلعين من وطنهم والمحرومين من حق العودة والمهجرين قسريا بأن يعيشوا مجرد بوابين لأرضهم المطوقة من قبل العدو . من هذا المنطلق " يبدو أن المجتمعات الحديثة والمجتمعات البدائية قد حصلت بصورة سلبية عن معنى يخص هويتها"12.

هكذا ينبني المخرج الذي يقترحه سعيد بخصوص القضية الفلسطينية على المبادئ الأساسية التالية:

- القضية الفلسطينية ليست قضية سهلة من نوع قضايا حق في مواجهة حق.

- ليس مقبولا أخلاقيا مطالبة السكان الأصليين بالانسحاب من الأرض فيصيروا لاجئين وأجانب.

- ليس من الحق ولا من العدل أبدا حرمان شعب بأكمله من أرضه وتراثه وقطع أوصاله وتهجيره.

- لا يمكن الموافقة على بأن احتلال فلسطين كان ضروريا لإيجاد حل للمأساة اليهودية من حيث هي اجتماع ألم بل إن مجرد التفكير بهذه الطريقة هو إهانة للألم الفلسطيني والتسبب في مأساة جديدة.

- لقد تقزمت الأهداف التحريرية للفلسطينيين بل تسفهت حينما تحولت على يد مجموعة نخبوية من الأساتذة إلى صناعة أكاديمية عقيمة واختزلت في مبارزة غامضة بين خصوم ملتبسين.

- لا يمكن للسلام أن يتحقق من دون مساواة وطالما أن عمليات الحرب والسلم يتحكم بها الأقوياء تحت راية الامبريالية الحميدة وتحرض على المزيد من الموت والدمار والرعب للمدنيين الآمنين.

- إن النضال الفلسطيني هو من نوع التجارب المتقاطعة التي لا تقبل المصالحة وتبعث على اليأس ولكنه لا يتطلب من المثقف أن يلعب دور الشاهد الصامت على اللاإنسانية المحيطة بالمجتمع.

لم يعش ادوارد سعيد حياة هادئة ومريحة ولم يكتف بالنشاط الأكاديمي ولم يتنصل من انتمائه لهويته وثقافته وإنما لم يتردد في النشاط السياسي وإبداء الحماس والاهتمام بالدفاع عن الحقوق المدنية وممارسة الالتزام الوجودي بقضايا شعبه بالرغم من علمه أن ما سيتعرض له هو الازدراء والاضطهاد والنبذ. لقد فعل سعيد الكثير من الانجازات الرمزية لفلسطين والفلسطينيين لما رفع القضية إلى مكان بارز في المشهد الإعلامي الدولي وحاول تغيير الصورة النمطية التي ظل المثقفون الغربيون ينظرون بها إلى الشرقيين.

" إن التفاعل بين الفلسطينيين والإسرائيليين يتسم بالكراهية والعداء ...إن هذا الواقع لا يمكن تغييره بسحب الناس وراء إلى حدود أو دول منفصلة. إن تورط كل في الآخر...يعود في أساسه إلى العدائية التي مارسها الإسرائيليون منذ اللحظة الأولى التي دخلوا فيها المناطق الفلسطينية...وغزوا الفضاء الفلسطيني"13.

يدافع سعيد على ضرورة قيام دولة علمانية ثنائية القومية بتقديم أربع مبررات، يتمثل المبرر الأول في الهوس الاسرائيلي في التوسع الاستيطاني بالرغم من صغر المحيط الجغرافي وتعويلهم على اليد العاملة الفلسطينية في ظروف سيئة وبأجور زهيدة . أما المبرر الثاني فينحصر في أن عمليات الفصل والسحب والتهجير للسكان الفلسطينيين من مدنهم وقراهم لا تقضي على العداوة بل تضاعف من التمييز والازدراء ويزيد من لهيب العنف. في حين يرتكز المبرر الثالث على أزمة الهوية التي يعاني منها جيل جديد من السكان الفلسطينيين الذي حصلوا على جنسية إسرائيلية وهو ما طرح إشكاليات حول المواطنة وماهية اليهودي. يثير المبرر الرابع الواقع السكاني الذي يشهد تفاوتا ديموغرافيا بين الفلسطينيين والإسرائيليين مما يدفع الدولة العبرية إلى تشجيع هجرة يهود العالم وإدامة سياسة التمييز العنصري بطرد الأصليين.

" الوضع هناك رهيب وينذر بالكارثة وهو يعود برمته إلى الاحتلال الإسرائيلي لمدن الضفة الغربية بينما غزة محتجزة فيما يشبه القفص الكبير... أضف إلى ذلك القدس الشرقية التي جرى ضمّها دون شرعية"14.

لقد أسس ادوارد سعيد ثقافة المقاومة واعتبر انتفاضة 2000 شكلا من أشكال القيام الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي وقدم منظور فلسطيني مختلف حيال الصراع مع الايديولوجيا الصهيونية ينبني على نقد للبيروقراطية الإدارية التي تفشت في منظمة التحرير والأحزاب المكون لها وحالت دونها والسيادة الذاتية والقدرة على معالجة مشاكل حياتية حارقة للمواطن الفلسطيني مثل التعليم والشغل والصحة والنقل. بناء على ذلك تمكن ادوارد سعيد من أن يتحول إلى المتحدث الرئيسي باسم القضية الفلسطيني في الغرب وذلك عن طريق مقالاته وبحوثه وعبر مشاركته في حلقات النقاش ووقفات احتجاجية ضد الجدار العازل.

تمثل استقالة سعيد من المجلس الوطني منعرجا حاسما في موقفه السياسي وضوء اخضرا لكي ينطلق في مناهضة توقيع اتفاقية أسلو ورفض عملية السلام والاستيطان وتوجيه انتقادات كبيرة لفتح وللقائد عرفات.

غير أن المثير للجدل هو اعتبار منظمات الدفاع اليهودية ادوارد سعيد بالأستاذ المتعصب لقضيته ونعته بمعاداة السامية وتهديده وتخويف أسرته بالرغم من دفاعه على فكرة التعايش العادل بين اليهود والعرب وإيمانه بحل الدولة الواحدة وتعاطفه مع الأبرياء وهجومه على شعارات العسكرة وكليشيهات التسليح.

اللافت للنظر أن حل الدولة الواحدة لم يتم اعتماده لما فيه من تسويف للحقوق واعتراف بشرعية الاحتلال ووقع اللجوء من طرف المنتظم الأممي الى حل الدولتين وحصل الفلسطينيون على 12 في المائة من الأرض فقط أي الضفة الغربية وقطاع غزة وبذلك أعلنت العديد من الدول الاعتراف بالدولة الفلسطينية ورفع العلم في الكثير من المحافل الدولية سياسية وثقافية ورياضية ووقع تبادل البعثات الديبلوماسية. فألا يكون المخرج المقترح من قبل أدوارد سعيد ضربا من اليوتوبيا السياسية في استمرار الصراع بشكل حاد؟ ولكن من جهة أخرى كيف ارتبط الإيمان بالمقاومة الثقافية عنده بتأسيس علم مضاد للاستشراق ومناهضة النظرة الغربية للشرق وتبني رؤية الأنسنة الثقافية الجديدة التي انتشرت في أروقة الجامعات الغربية؟

 

خاتمة:

"ما يهمني هو الأنسنة بماهي ممارسة يستخدمها مثقفون وأكاديميون يريدون معرفة ماهم فاعلون وما الذي يلتزمون به كباحثين يرغبون أيضا في ربط تلك المبادئ بالعالم الذي يعيشون فيه كمواطنين"15

من بين المخاطر التي تهدد حركة الأنسنة بماهي تجربة نقدية وفكر ملتزم بالحرية والتنوير يذكر ادوارد سعيد ثلاثة أمثلة وهي الفكر الانتمائي الذي تسقط فيها الايديولوجيا القومية والحماسة الدينية التي تغمر الفكر السياسي والنزعة الاستئثارية التي تميز سرديات الوطنية والانفصالية وتتسبب في موجات تدميرية.

إذا كانت الإنسانوية تعطي العقل والطبيعة والإنسان قيمة كبرى وتدل على الميل إلى الاشتغال بالفنون واللغات والآداب والتاريخ والعلوم فإن الأنسنة عند أدوارد سعيد حركة فكرية وتوجه عام ينخرط فيه الكتاب والمثقفون يقاومون فيه عالما يعج بالاضطراب والعنف ويتدبرون به واقعا متذررا فقد آلهته.

لا تقتصر حركة الأنسنة على الفضاء الغربي بل تخاطب الإنسانية بأسرها وتغرس فيها التربية العقلية والممارسة النقدية والتفحص الموضوعي للظواهر والتأويل التاريخي للنصوص والقراءة المنفتحة للعالم. بناء على ذلك تصارع هذه الحركة كل أشكال الهمجية وتحاول التخفيف قدر الإمكان من وطأة المركزية وذلك بإدخال البعد الزمني إلى الهويات الجماعية والاسترشاد بنماذج راقية والسعي المستمر نحو الحرية.

هكذا تعيد الأنسنة الثقافية صياغة طرق النضال من أجل حقوق الإنسان وفق حاجيات الشعوب من السيادة والكرامة وتعيد تحديد مفهوم المواطنة ضمن أفق سياسي مابعد كولونيالي وتلتزم بالنضال الديمقراطي.

ليست حركة الأنسنة عملية استحواذ وهيمنة ولا تقتصر على وضع فضائل وصفات محمودة على النشاط الإنساني بل هي ممارسة مستدامة تمنح المؤسسات قدرات ثمينة وغنية وتتعامل مع الإنسان ككائن بدئي بعد تفحص دقيق لعلاقاته الميتافيزيقية وتمتلك شكلا من الوعي الحاد بحاجة المجتمع لولادة ثقافة جديدة.

كما يرفض سعيد تبرير الجرائم والحروب والتدخل في الدول الخارجية بادعاء تحقيق الغايات الإنسانية والدفاع عن القيم الكونية وينقد مصطلح "الإنسانية العسكرية" وارتكاب التطهير العرقي والقتل الجماعي.

يحاول سعيد مواكبة التغيرات الجذرية التي طرأت على النظرية الإنسانوية واطلاع جمهور المثقفين والكتاب على الوجه الأنجلوساكسوني للأنسنة الشاملة وخاصة صورتها الجديد في الجامعات الأمريكية على غرار كولومبيا ونيويورك مع جايمس كليفورد وآلان بلوم ونورمان فورستر وجاكسون ليزر.

لقد تأثر سعيد بحركة الأنسانيين الجدد التي قامت بالرد على النزعة المضادة للأنسنة التي تشكلت بمفعول اندلاع الحروب العالمية الأولى والثانية وحدوث أزمة في تصور الإنسان لذاته وتأبد العدائية بين البشر.

ترتبط حركة الأنسنة الثقافية بتمجيد القيم الدنيوية مثل التربية على المطالعة والقراءة الأدبية والنهل من العلوم الأنثربولوجية والتجارب التاريخية للأمم الماضية والاهتمام بالشؤون الفنية والتركيز على الترفيه والمتعة. لكنها تؤمن بالعلمنة في الفضاء الديني وتناضل من أجل ترسيخ قيم العلمانية في الفضاء السياسي وممارسة المواطنة التشاركية وتنبذ الانكفاء على الذات واقصاء الآخر وتوصي بالتحرر والتنوير والنقد.

"ليست الأنسنة طريقة في تدعيم وتأكيد ما عرفناه وأحسسناه دوما ، وإنما هي وسيلة تساؤل وإقلاق وإعادة صياغة للكثير الكثير مما يقدم لنا اليوم على أنه يقينات مسلّعة، ومعلّبة ، مغلقة على النقاش ومشفرة على نحو غير نقدي، بما فيها تلك الموجودة في روائع يجري حشرها جميعا في حظيرة الكلاسيكيات."16، لكن ماذا تراه يقصد أدوارد سعيد حينما يعرف ظاهرة الأنسنة الثقافية الجديدة بكونها "تنافر مضطرب من المدونات غير المحسومة"17 و"تعبير عن تمفصلات الثقافة ذات التشعبات والتطويرات اللاّمتناهية"18؟

 

د زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

...........................

الإحالات والهوامش:

[1] ادوارد سعيد، الأنسنة والنقد الديموقراطي، ترجمة فواز الطرابلسي، دار الآداب، بيروت، طبعة أولى، 2005، صص.156-157.

[2] ادوارد سعيد، الثقافة والمقاومة، ترجمة علاء الدين أبو زينة، دار الآداب، بيروت، طبعة 2006، ص31.

[3] Thomas Brisson, Naissance d’un intellectuel, Revue Critique : Edward W.Said (Jérusalem,1935- New york, 2003), n°793-794, pp531.542

[4] Edward W. Said , Nul n’est hors de son temps, in Manière de Voir Le monde diplomatique, penser est un sport de combat, n°137, octobre-Novembre 2014.

[5] ادوارد سعيد، الأنسنة والنقد الديموقراطي، مصدر مذكور، ص146.

[6] Edward W.Said, la langue arabe, la Rolls et la Volkswagen, in Manière de Voir Le monde diplomatique, comprendre le réveil arabe, n°117, Juin-Juillet 2011, pp70-74.

[7] ادوارد سعيد، الأنسنة والنقد الديموقراطي، مصدر مذكور، ص158.

[8] ادوارد سعيد، الأنسنة والنقد الديموقراطي، مصدر مذكور، ص161.

[9] ادوارد سعيد، الثقافة والمقاومة، مصدر مذكور، ص143.

[10] ادوارد سعيد، الأنسنة والنقد الديموقراطي، مصدر مذكور، ص151.

[11] ادوارد سعيد، الأنسنة والنقد الديموقراطي، مصدر مذكور، ص152.

[12] Edward W. Said, l’orientalisme, l’orient créé par l’Occident, traduit de l’américain par Catherine Malamoud, editions du Seuil, Paris, 1997. p70

[13] ادوارد سعيد، الثقافة والمقاومة، مصدر مذكور، ص20.

[14] ادوارد سعيد، الثقافة والمقاومة، مصدر مذكور، ص121.

[15] ادوارد سعيد، الأنسنة والنقد الديموقراطي، مصدر مذكور، ص23.

[16] ادوارد سعيد، الأنسنة والنقد الديموقراطي، مصدر مذكور، ص48.

[17] ادوارد سعيد، الأنسنة والنقد الديموقراطي، مصدر مذكور، ص48.

[18] ادوارد سعيد، الأنسنة والنقد الديموقراطي، مصدر مذكور، ص48.

 

المصادر والمراجع:

ادوارد سعيد، الأنسنة والنقد الديموقراطي، ترجمة فواز الطرابلسي، دار الآداب، بيروت، طبعة أولى، 2005،

ادوارد سعيد، الثقافة والمقاومة، ترجمة علاء الدين أبو زينة، دار الآداب، بيروت، طبعة 2006،

Edward W. Said, l’orientalisme, l’orient créé par l’Occident, traduit de l’américain par Catherine Malamoud, editions du Seuil, Paris, 1997.

Edward W. Said , Nul n’est hors de son temps, in Manière de Voir Le monde diplomatique, penser est un sport de combat, n°137, octobre-Novembre 2014.

 Edward W.Said, la langue arabe, la Rolls et la Volkswagen, in Manière de Voir Le monde diplomatique, comprendre le réveil arabe, n°117, Juin-Juillet 2011, pp70-74.

Thomas Brisson, Naissance d’un intellectuel, Revue Critique : Edward W.Said (Jérusalem,1935- New york, 2003), n°793-794, pp531.542

zouhair khouildi"لقد أخذت الحداثة تقترب من تعريف نفسها عن طريق تعارضها مع نفسها عينها".

لقد اتفق غالبية الشُرَّاح على منح بول ريكور لقب "الفيلسوف المسيحي" وهي تسمية كثيرا ما كان يرفضها في محاوراته ويعتذر لكل من يطلقها على فلسفته وذلك لكونه يعتبر نفسه من طينة المفكرين الذين لا يعيرون أي اهتمام وثوقي في قراءاته الدينية بل يحاول قدر الإمكان التمييز بين سجل التفكير التأملي ومجال الإيمان الشخصي ويعرف تفكيره بوصفه فلسفة دون مطلق بل نراه يعول بشدة على هذا التمييز الصارم قصد التخلص من النزعة الألوهية واحترام مفاهيم البنية والاختلاف والغيرية والعلمنة.

لقد وقع اتهام ريكور من قبل بعض المتابعين مثل (Rainer Rochlitz و Annette Wiework وAlain Badiou) بأنه يثبت وجهة النظر المسيحية للذات التاريخية ضد وجهة النظر الفلسفية التاريخية التي تنحدر من أصول يهودية وخاصة في مسألة سياسة الذاكرة العادلة. صحيح أن الفلسفة الريكورية هي مجال الحجاج والدقة ولكنها لا تدعي بلورة الحقيقة المطلقة وصحيح أنها عادت في بعض الأحيان إلى مشاكل الإثم والغفران والخطيئة الأصلية والعطوبية والتناهي وهي مفاهيم مشتقة من الفضاء الديني، إلا أن ذلك لم يكن مراده عقلنة اللاهوت وبناء تأويلية لاهوتية بقدر ما يتعلق الأمر بالكشف عن صعوبات وإمكانيات الصفح وتهيئة سياقات الغفران وتحديد الاستراتيجيات من أجل تحقيق اندماج الذاكرة في محيطها الثقافي والتعامل معها كمطية لبلوغ وضعية إيتيقية متصالحة مع نفسها والتفاعل مع قيم الإيثار والمسؤولية والعيش المشترك. على هذا النحو يمكن القول أن الفلسفة الريكورية طورت النقاش حول الذاكرة والنسيان والصفح منذ قيامها بالجمع بين المسائل الفنومينولوجية والتحليل النفسي وبين الدراسات التاريخية والمقاربات الابستيمولوجية وفكرت في الإيتيقا بجدلنتها مع الأنطولوجيا ضمن منهاج براغماتي تداولي. غير أنها عارضت بين ذاكرة الأحياء والتاريخ المكتوب وطرحت إشكالية تمثيل الماضي وسعت إلى وضع مكان التمشي الوضعاني الحدثاني سياسة الذاكرة العدالة عبر لحظات ثلاثة هي فنومينولوجيا الذاكرة وابستيمولوجيا العلوم التاريخية وهرمينوطيقا الوضع التاريخي. حري بنا أن نبين في هذا المقام أن الذاكرة العادلة ليست تلك القادرة على إحياء الذكريات وممارسة فن التذكر بجدارة وأصالة ولا تلك القادرة على النسيان بالمعنى السلبي بل هي الذاكرة القادرة على الصفح والنسيان بالمعنى الايجابي الذي يؤدي الى التطهر والعلاج والتصالح مع الذات. وآيتنا على ذلك أن الصفح وحده القادر على نحت مفهوم إسكاتولوجيا الذاكرة الذي يستطيع إعادة تأويل أحداث التاريخ الماضية واستكمال الآمال والرغبات وبلوغ ذاكرة سردية سعيدة ومرتاحة وذلك بالعثور على الحاضر والانتباه إلى الراهن والاحتراس من المداهم والمباغت والطارىء. كما يمكن القول بأن الأطروحة التي دافع عليها بول ريكور في هذا المقام تعطي الأولوية الأنطولوجية والأنثربولوجية للذاكرة على حساب جميع الأبنية التاريخية وتعيد الاعتبار إلى للذاكرة الحية ضد تنسيب المؤرخين وزعمهم التقيّد بالموضوعية. كما يثني ريكور بطريقة عقلانية وتحليلية على الذاكرة العادلة والعلاقة الذاتية والحية مع الماضي ويتسلح بمجموعة من المناهج والمقاربات الابستيمولوجية بغية تفادي الفهم المسبق والأحكام المسبقة التي يمكن أن تقع فيها تجربة الذاكرة الحية ويحاول استثمار هذه المعرفة في استنتاج القطب الإيتيقي والسياسي. كما سمحت تحليلات ريكور حول الظواهر الذاكرية بالكشف عن تأثيرات الايديولوجيا على النظرة التي يشكلها الناس حول أنفسهم ورؤيتهم للعلاقات التي تجمع بينهم وللعالم الذي يعيشون فيه ووقفت وراء الطرق التي يختاروا بها معتقداتهم الجماعية بكيفية تمنحهم الحياة والديمومة. لقد تفطن ريكور إلى أهمية الذاكرة في تكوين الهوية وفي تحديد العلاقة المتداخلة بين الهوية الجماعية والهوية الشخصية والنظر إلى الهويات الفردية على أنها تنتمي الى هوية جماعية ولكنها قادرة على التحرر من أطرها الضيقة وأنماطها الثقافية وبناء هويتها السردية المنفتحة. غني عن البيان أن أهمية مفهوم الهوية السردية عند ريكور تكمن في سماحه بالتقاء الزمان والسرد وبين الشعرية والوجود وكذلك بتقاطع التاريخ والذاكرة وانبثاق زمن ثالث هو الزمن المروي وتحول النسيان إلى طريقة لتحصيل السعادة في إطار المجهود السياسي نحو تحقيق العفو العام والمصالحة مع الماضي الثقافي. هكذا تمثل الهوية السردية هذا التفاعل العجيب والتثاقف الخلاق بين الذاكرة الجماعية ومجموعة الذكريات التي تنتمي إلى هوية شخصية عاشت حياة خاصة مليئة بالتقلبات والأحداث الفريدة. كما أن هذه الذاكرة الجماعية تضمن الاستمرار الزمني للأفراد وتسمح لهم بالتواصل وتبادل الرؤى والمشاعر والتطلعات والأمنيات والأحلام والتشارك في القيم عن طريق السرديات والقصص.أضف إلى ذلك تجعل الذاكرة السردية إمكانية تعرف الذات على ذاتها أمرا ممكنا وتظهر الكيفية التي تعتني بها الذات بذاتها وتكتشف كينونتها وتثبت إنيتها بواسطة التعرف على الغيرية الكامنة فيها وتجعل من بنية الأفعال رهينة تحمل الفاعلين الحقيقيين مسؤولية أفعالهم واقتدارهم وعزوهم. على هذا النحو يمكن القول أن التاريخ البشري هو مسرح التجارب والأحداث وفضاء الممكنات والفرضيات والوعود لكونه يصنعها الناس وفق المراوحات التي تفصل وتصل بين الذكريات الشخصية الهشة والمحتملة والذاكرة الجماعية المترسبة والصلبة. على هذا الأساس يمكن الإقرار بخضوع الوعي البشري لنقد للحداثة وانخراطه في ألعاب الزمان وأهواء الأفراد ولأشكال التوسط بين الذات والغير وبين المواطنة والغرباء التي تتبلور في تقاسم الذاكرة عبر صور التكامل والتبادل بين هبة الحياة والخشية من الموت.

رأس الأمر أن ما يسود في فكرة الحداثة أو التحديث عند بول ريكور ليس التوافق مع أفكار الزمن بل هو عدم الرضا وعدم الاتفاق مع الزمان الحاضر. بناء على ذلك يرفض اللاأدرية المتشددة تجاه فكرة الحداثة ويعتبر مديح الحداثة هو التفكير الشمولي الميتا- تاريخي في التاريخ ويرى أن المعنى الحقيقي للحداثة الخاصة بنا هو الاعتراف بالوضع السجالي والمتصارع حوله واللاّنهائي لكل النقاشات الدائرة في الفضاء العمومي ويقدم التراجيدي على السردي ويتخلى عن معرفة تاريخية بالذات تريد أن تكون كلية ويقوم بتفكيك ادعاء التفكير بشكل مطلق في التاريخ ويستبعد عملية تنصيب الحاضر التاريخي حكما مطلقا على كل الأزمنة ويكتفي بالتفكير في الحدود، وُيعرّف الحداثة بكونها مفهوم بعيد عن كل رغبة في انتهاك الحدود من طرف الفاعلين الحقيقيين للتاريخ الحالي والاعتراف بالوجود المدين تجاه التقاليد. ويبرهن على ذلك بقول برنارد بوشارتر:" نحن أقزام يقفون على أكتاف عمالقة. ما الأعظم والأشرف صلابة عملاق أو حداقة نظر القزم؟". في هذا الصدد يضع ريكور جملة من الملاحظات النقدية حول مفهوم الحداثة :

- تبدو التكرارات المتتالية لعبارة حداثة، والحال أن العديد من العصور وصفت نفسها كحديثة.

- تولد فكرة الحداثة حينما تعمل فكرة زماننا من تلقاء نفسها في اختلافها مع الماضي.

- تظهر الحداثة حينما تحدث تمايزات على أساس القبل والبعد والماضي مع الحاضر.

- أول استعمال كلمة حديث كان محايدا وبذلك اقترن بكلمة جديد ومواجهة قدم التقليد.

- استعمل الوعي الغربي كلمة حداثة لينصب نفسه مرشدا للإنسانية نحو التقدم والتطور.

- فكرة الحداثة هي رؤية الحاضر بأعين المستقبل وعدم الاتفاق وعدم الرضا بالموجود.

- التمييز بين الحداثة الغربية والحداثات المغايرة واقتراب الحداثة الغربية من درجة تعريف نفسها بالانقلاب على ذاتها ومراجعة أسسها وتعويض افتقاد الأصالة بالتجذّر في التجربة الحية.

- التركيز في الحداثة على المحدث وتدوين تاريخ تمثلات الذات ومراقبة الحاضر.

- يتضمن خطاب الحداثة التفكير النضالي والسعي إلى التغيير بدل الاستعادة والاسترجاع.

- لم تعد الحداثة أمرا محايدا بالنسبة إلى ما ينظمه وأصبحت تعني تسلسل جملة من الأفكار والوقائع والأحداث لا تتطابق مع التقويم التاريخي بل مع دلالتها في الزمن الفلسفي.

- إن الحداثة هي في نفس الوقت مقيمة لذاتها وذاتية المرجع والإحالة وتقتضي حصول وعي تاريخي للذات والقيام بحركة استخلاص من الحاضر لجملة من القيم الحيوية والجديرة بأن تبقى.

- الحداثة ليست الحدث المفارق الذي ينجز قطيعة وتقدما بل هي الحديث عن التنوير وتاريخ التمثلات والفهم الذاتي لاختلافنا نحن في هذا العصر عن غيرنا الذين سبقونا.

- يغير خطاب الحداثة نظامه في كل مرة يحس فيها بالوقوع في التكرار ولكي يتفادى تقليد القديم وسعيا منه إلى إنتاج التمييز الذي يكرس الاختلاف والفرادة عن بقية العصور.

- الحداثة تمتلك محاسن ومساوئ وتتوقف على تقاطع الكوني والتاريخي ورفع اللاّمقول واقتدار الحاضر أن يتعرف على نفسه في قلب التغيرات ويفكر في ذاته بشكل مختلف.

- تعبير مابعد الحداثة هو مرادف لتعبير الحداثة ويدل سلبيا على إنكار كل مديح للمحدث وناتج عن تغيير المعرفة لوضعها في الوقت الذي تتغير فيه منزلة الثقافة في المجتمع وقد ارتبطت بخطاب نزع الشرعنة عن خطابات الوضعية والتأويلية والدهرنة اللاّهوتية.

- التسمية الذاتية لعصرنا بأنه مابعد حديث تتضمن شحنة سجالية وجرعة تنويرية ولكنها تعاني من تناقض إنشائي وغياب فكرة المعيار وصعوبة الوصول إلى إجماع ووفاق.

- الحداثة مشروع غير قابل للاكتمال تتطلب التوصل من خلف خطابات الشرعنة إلى القوة البلاغية الموظفة في القص بعد فقدان السرد كل صدقية وتوصيفه الشمولي للعصر.

- الأمل الوحيد عند بول ريكور من مشروع الحداثة: "ممارسة العدالة تصاحبها أشكال محلية لاتفاقات مصنوعة من النزاعات التي لا يمكن التغلب عليها تساندها قصص صغيرة".

غاية المراد أن التساؤلات الفلسفية الشائكة حول العنف والازدراء واللاّانساني واللاّمنقال والإرهاب والحياة الجيدة ومعنى الكينونة لا يتم تحسسها وإثارتها وطرحها بدقة إلا بواسطة مناهج متعددة يشترك فيها البحث التاريخي والمقاربة السوسيولوجية مع التحليل النفسي. لقد حاول ريكور جاهدا أن يضع الأسس الصلبة لفلسفة الذاكرة وحاول الحصول على آخر الاكتشافات العلمية في عصر وأصر على إعطاء البعد الأنطولوجي الإيتيقي الحيز الأكبر في مشروعه ولكنه اصطدم بطول المسار الذي قطعه ولذلك ترك العديد من الإشكالية مطروحة وكشف عن العديد من الأجوبة غير المكتملة وقرب الفنومينولوجيا والإيتيقا من فلسفة الحياة.

المخرج المقترح من قبل ريكور هو نحت ذاكرة متوازنة وعادلة تنعم بالهدوء وقادرة على النسيان في علاقة بالعذاب والألم والحزن الذي تسبب فيه التاريخ وعلى التسامح والصفح في علاقة بالإهانة والشقاء والازدراء والشر الذي تعرضت له الذات تحت تأثير السلطة والرغبة.

لكن ألا يعتبر مثل هذا المخرج الريكوري معالجة أخلاقوية لتاريخ عنيف وجراح عميقة ناتجة عن شر أصلي متجذر في الطبيعة البشرية اللاّمعصومة والمصابة بالعطوبية والهشاشة؟ و من يضمن لنا ألا تتعرض هذه الذاكرة مجددا إلى التمويه والتلاعب من طرف السلطة ؟ وكيف تتجسد مساهمة الذاكرة الجماعية في التكوين السردي للهوية ؟ وأليس المطلوب هو التحرر من هذه القيم المطلقة والقناعات المترسخة والروايات الكبرى التي يفرضها التاريخ الرسمي؟ وألم يقع ريكور في تبرير المحو المتعمد للأسباب الحقيقية والصمت المبرمج إزاء الأحداث السياسية الصاخبة؟ والى أي مدى كان منصفا نحو ضحايا التاريخ ورادعا لأنانية الرأسماليين وشمولية الايديولوجيين وتعصب المتدينين؟

في الواقع يستحق بول ريكور أن يكون مفكرا به بصورة عميقة ومتزنة ويليق بأعماله أن تكون مقروءة بأكثر عمق ومؤولة بصورة متنوعة وثرية. وهذا الاهتمام يكون تارة بالاقتناع والتوافق معه وطورا بتبني الرأي المعاكس والسير ضده بإبراز التنافر مع وجهة نظره والتناظر مع نصوصه . جملة القول أنه إذا ما أردنا التفكير بشكل أفضل بما قد بقي غير مفكر فيه عند بول ريكور فإنه حري بنا أن نعرج على عزمه ذات يوم كتابة جزء ثالث من مشروع "فلسفة الإرادة" كان يود تخصيصه للحديث عن مبدأ الخيرية والطيبة والبراءة والشاعرية ويبين فيه طرق الانتصار على الشر والعنف والكذب والتناهي وسبل مواجهة استعصاءات الإثم والذنب ومآسي التاريخ. لكن أليس كل ما كتبه هو صفحة جديدة غير مصرح بها لهذا الكتاب الذي لم يكتب؟

 

د زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

.....................

الاحالات والهوامش:

[1] ريكور بول، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة جورج زيناتي، الدار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، طبعة أولى، 2009، ص.460,

[2] ريكور بول، الذاكرة، التاريخ، النسيان، مذكور في الهامش عدد 21. ص.458.,

[3] ريكور بول، الذاكرة، التاريخ، النسيان، مصدر مذكور، ص.468,

 

المصادر

ريكور (بول)، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة جورج زيناتي، الدار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، طبعة أولى، 2009

Ricœur ( Paul ), Mémoire, histoire et oubli, édition seuil, Paris, 2000

 

zouhair khouildi"انه العنف الذي يشكل القلب النابض والروح السرية للمقدس"1

لقد رحل عن الدنيا يوم 4 نوفمبر 2015 روني جيرار وهو أنثربولوجي فرنسي ولد بأفينيون يوم 25 ديسمبر 1923 وحصل على عضوية في الأكاديمية الفرنسية منذ 2005 وصاحب نظرية الرغبة المحاكاتية وكاشف العلاقة السحرية الخفية بين العنف والمقدس والذي عاصر الجيل الذهبي من البنيونيين الفرنسيين أمثال جاك لاكان وجاك دريدا ورولان بارت ولقد وجه انتقادات كبيرة إلى كتابات كلود ليفي شتراوس والى تفسيرات علم النفس التحليلي الخرافية وميز بين عملية التوسط الداخلي والتوسط الخارجي.

من البديهي أن يشكل الإنسان عند ريني جيرار كائنا راغبا ومن الطبيعي أن يحاكي من ينافسه في موضوع رغبته ويضحي بنفسه لفائدته، ولكن الإشكالي هو ارتباط الرغبة بالعنف والمحاكاة والحاجة إلى التضحية لوقف هذا التدحرج. لكن مما تتكون الرغبة؟ وكيف يتحول موضوع تافه إلى موضوع رغبة؟ وألا يظهر العنف عندما تتنازع الذوات على نفس موضوع الرغبة؟ وكيف تساهم المحاكاة في ظهور أزمة تضحوية وانتشار العنف؟ وما تأويل حضور طقس التضحية في المجتمع؟ على ماذا يدل العنف الملازم للتضحية؟ وكيف تتحول قوى اجتماعية متنازعة إلى قوة موحدة في مواجهة خطر العنف؟ وماهي القراءة الأنثربولوجية عند روني جيرار للعلاقة الشائكة بين العنف والمقدس؟ ألا يلتجىء المقدس إلى العنف من أجل الوقاية من العنف؟ ما دور الديني في بناء اللحمة الاجتماعية؟ هل يشكل المقدس وضعا جماعيا لانتشار العنف أم يساهم في كبح جماحه؟ ما علاقة تفشي العنف في النسيج الاجتماعي بالرغبة والمحاكاة والمازوشية والسادية ؟ وكيف يتمكن الكائن البشري في وجوده الاجتماعي من طرح العنف خارج وضعه؟ والى أي مدى تساهم التضحية في وقف داء العنف؟

" يجب وضع المحاكاة والعنف في أصل كل شيء لفهم الموانع والمحرمات كلها"2 فالإنسان بوصفه أقدر الموجودات على المحاكاة والرغبة ينخرط في رغبة محاكاتية للعنيف في عنفه فيشعر بالخوف من حتفه ويتسبب في تبادل العنف واندلاع الحرب الكلية. غني عن البيان أن الذات لا ترغب في شيء تافه وبشكل عفوي بل وفق منوال الآخر ومن خلال نموذج وبالتالي تتكون الرغبة من ثلاثة أبعاد هي الذات الراغبة وموضوع الرغبة والنموذج الذي ينبغي محاكاته عند الآخر ويتسبب في الأزمة التضحوية وظهور الرغبة المحاكاتية وانتشار العنف في المجتمع واختلاطه بالمقدس. في هذا المقام تبرز التضحية بوصفها ممارسة اجتماعية تهدف إلى حماية المجتمع والمحافظة عليه ويكون العنف التضحوي قد حرف عن موضوعه الأصلي نحو موضوع بديل ويسمح بتفريغ طاقة العنف في موضوع آخر أقل أهمية للحفاظ على تماسك الجماعة ودون المساس بسلامة الأفراد. وبعد ذلك يسمي روني جيرار هذه الظاهرة بالاستبدال التضحوي ويرى أنه فعل سوسيولوجي في عمقه يسيره أفراد من المجتمع ولصالح المجتمع و ذلك بقيامهم بتحويل العنف عن موضوعه الأصلي نحو موضوع بديل لوقف العنف. في هذا السياق يصرح:" المجتمع يبحث عن تحويل عنف يهدد المنتمين إليه نحو أضحية هي قليلة الأهمية...التضحية هي عنف هدفه حماية الجماعة من عنف، إنها خداع العنف... وتمنع التضحية العنف من النمو ، إنها تساعد البشر على الحد من الانتقام...وظيفة التضحية هي المحافظة على السلم العام داخل الجماعة عن طريق توجيه العنف نحو أضحية ملائمة.."3

مجمل القول أن التضحية ممارسة شعائرية يقوم من خلالها الإنسان بمحاكاة الأزمة التضحوية (العنف المؤسس) من أجل منع التحقق الواقعي لتلك الأزمة وذلك بإعادة تفعيل ميكانيزمات الاستبدال التضحوي وتقديم الفداء والتوحد ضد الخطر والتعامل مع الرغبة المحاكاتية بوصفها سبب انتشار العنف وتخليص المجتمع شرور واقعية وافتراضية وحفظ النظام وتماسك المجتمع. إن التضحية هي عنف موجه نحو تخليص الجماعة من التناحر عن طريق تقديم أضحية والقربان الفدائي والذبيح الشعائري. من هذا المنطلق تعتبر التضحية وسيلة وقائية وحرب استباقية لتفادي اشتعال نار الانتقام وتبحث أضحية الفداء إلى كبح العنف المنتشر والمهدد داخل الجماعة وإعادة المجتمع إلى حالته الأولى وإخفاء حقيقة البشر العنيفة عنهم.

غني عن البيان أن دراسة علاقة المقدس بالعنف تتجاوز القراءات الاختزالية والتبسيطية التي ترى في:

- المقدس أصل البلاء ويصدر عنه العنف وبالتالي يجب التخلص من الدين للقضاء على العنف.

- المقدس بريء من العنف ويعمل على نشر المحبة والتعاون والتآلف ومصدر العنف دنيوي.

من المعلوم أن العلاقة بين المقدس والعنف معقدة وشائكة ويمكن أن نعثر في الدين على دوافع إلى ممارسة العنف والاستبعاد ولكن يمكن أيضا أن نجد فيه منابت لتجاوز العنف وتحقيق السلام وخاصة مبادئ التربية وقواعد الأخلاق وطقوس التضحية والاستبدال التضحوي والفداء. في الواقع أن حقيقة الدين هو تجاوز للعنف ونشر للسلام وليس بث الفوضى والعدوانية والتباغض. بناء على ذالك تتمثل " وظيفة الطقوسي هي التطهير من العنف وذلك بتوفير نقاط مرجعية رمزية "4. على هذا النحو يأتي الدين كي يمتص العنف ويغير وجهته ويسير في المسلكية الأخلاقية التي تهدف إلى اللاّعنف ولو باستعمال العنف الرمزي. هكذا يقوم الدين على تأليف بين العنف واللاّعنف ويعقلن عملية الانتقام. لكن ماذا عن المجتمعات التي لا يتأسس نظامها العام على التضحية والفداء والاستبدال التضحوي؟

هنا يحل النظام القضائي محل النظام التضحوي ولكن إذا كانت وظيفة التضحية وقائية وتأتي مانعة للعنف فإن وظيفة النظام القضائي علاجية وتأتي في فترة لاحقة لوقف انتشار العنف بفرض سلطة القانون. إن التضحية محاولة استباقية للوقاية من الانتقام بينما النظام القضائي يشرعن الجريمة والعقاب ويركز الانتقام في يد سلطة عليا تحتكر العنف المشروع لنفسه وتعيد توزيعه في شكل منظومة جزاء وردع. في مجمل القول أن روني جيرار ينصح باستدعاء نموذج كوني لكي يتفادى الخطر الذي يقع فيه غالبية البشر والعودة إلى التعاليم المرسلة إلى المجتمع عن طريق المقدس في حد ذاته ولكن أن يعيش المجتمع في المقدس هو أن يعيش في العنف وبالتالي لكي يعيش الإنسان في المجتمع يجب عليه أن يفلت من مرض العنف ويحقق مصالحة كاملة مع ذاته وذلك بأن يتجاهل العنف تجاهلا تاما. من جهة أخرى ألا يمكن الانتقال من تشابك الاجتماعي مع الديني إلى تفاعل بين الوضع الاجتماعي والبناء التحتي الاقتصادي؟

 

د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

...................

المصادر والمراجع

Réné Girard, la violence et le sacré, éditions Bernard Grasset, Paris, 1972.

Réné Girard, Du mensonge romantique et vérité romanesque, éditions Bernard Grasset, Paris, 1961.

ibrahim telbasilkhaالميتافيزيقا التى وقف الإمام الغزالى عندها وأراد أن يجتث الأساس الذى تقوم عليه، هى تلك المحاولات المستمرة التى بدأت منذ العهد اليونانى القديم ولا تزال لبناء "ما وراء الطبيعة" على العقل . إنها هى المحاولات العقلية لاختراع ما وراء الطبيعة وابتداعه بحيث يأخذ العقل حريته فى الإثبات والنفى غير متأثر إلا بمقاييسه هو التى يفرضها. وإذا كان العقل قد اشتغل بالطبيعة والرياضيات، وإذا كانت الطبيعيات والرياضيات قد أدخلت فى الفلسفة كأجزاء لها فإن الهدف الأول للإمام الغزالى هو جانب ما وراء الطبيعة .

ومما لا شك فيه أن العقل قد أنتج ثمارا يانعة فى الطبيعيات والرياضيات: لقد أقام القواعد المحكمة، ونظم المبادئ المتقنة وانتهى به الأمر إلى أن شيد الطبيعيات والرياضيات على أسس متينة . وكان الأمر كذلك فى هذين الميدانين لأن العقل يعمل فى دائرة اختصاصه ودائرة اختصاصه وإنما هى الماديات والمحسوسات أو ما يتمثل فيهما حينما يوجد خارج الذهن كالرياضيات . وغر هذا النجاح قوما فاعتقدوا أن فى استطاعة العقل أن يجول فى كل ميدان، فى استطاعته أن يجول فى الطبيعة وفى ما وراء الطبيعة، فى العالم وفى ما وراء العالم، فى المادة وفى المجردات، فى عالم الشهادة، وفى عالم الغيب، وكانت النتيجة أن أقحموا العقل فى عالم ما وراء الطبيعة، فكانت الفلسفة الإلهية العقلية وكان الإخفاق التام للعقل فى هذا الميدان.

ولقد حاول الغزالى أن يدلل على إخفاق العقل فى مجال الإلهيات، فبذل جهدا كبيرا فى تفنيد أراء الميتافيزيقيين وإثبات زيف تعاليمهم . فأقبل فى البداية على دراسة الفلسفة وبلغ فيها مبلغا كبيرا، وهذا من منطلق إيمانه " بأنه لا يقف على فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم، حتى يساوى أعلمهم فى أصل ذلك العلم، ثم يزيد عليه ويجاوز درجته، فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم من غور وغائلة ".

كما كان الغزالى يؤمن دائما بأن تفنيد أى مذهب قبل فهمه والاطلاع عليه رمى فى عماية . ولهذا نجده وقد شمر عن ساق الجد فى تحصيل الفلسفة من الكتب بالمطالعة من غير الاستعانة بأستاذ، وكان يفعل ذلك فى أوقات فراغه لأنه كان مشغولا دائما بتصنيف العلوم الشرعية وتدريسها للطلبة ببغداد .

ويعد أن انتهى الغزالى من المطالعة وفهم كتب الفلاسفة وأفكارهم رآهم أصنافا، إنهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام : الدهريون، والطبيعيون، والإلهيون .

الصنف الأول الدهريون :

وهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر، العالم القادر، وزعموا أن العالم لم يزل موجودا كذلك بنفسه بلا صانع ولم يزل الحيوان من النطفة، والنطفة من الحيوان، كذلك كان، وكذلك يكون أبدا . وهؤلاء هم الزنادقة .

الصنف الثانى : الطبيعيون :

وهم قوم أكثروا بحثهم عن عالم الطبيعة، وعن عجائب الحيوان والنبات، وأكثروا الخوض فى علم تشريح أعضاء الحيوان فرأوا فيها من عجائب صنع الله تعالى وبدائع حكمته ما اضطروا معه إلى الاعتراف بفاطر حكيم مطلع على غايات الأمور ومقاصدها ... إلا أن هؤلاء لكثرة بحثهم عن الطبيعة ظنوا أن القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه، وأنها تبطل ببطلان مزاجه فتنعدم، ثم إذا أعدمت، فلا يعقل إعادة المعدوم كما زعموا . فذهبوا إلى أن النفس تموت ولا تعود، فجحدوا الآخرة، وأنكروا الجنة والنار، والقيامة والحساب، فلم يبق عندهم للطاعة ثواب، ولا للمعصية عقاب، فانحل عنهم اللجام، وانهمكوا فى الشهوات انهماك الأنعام وهؤلاء أيضا زنادقة لأن أصل الإيمان : هو الإيمان بالله واليوم الآخر، وهؤلاء جحدوا اليوم الآخر وإن آمنوا بالله وصفاته .

الصنف الثالث : الإلهيون :

وهم المتأخرون منهم مثل : سقراط وأفلاطون وأرسطو، وهؤلاء جملة قد ردوا على الصنفين الأولين من الدهرية، والطبيعية وأوردوا فى الكشف عن فضائحهم ما أغنوا به غيرهم لقد رد أرسطاطاليس على أفلاطون وسقراط، ومن كان قبلهم من الإلهيين ردا لم يقصر فيه حتى تبرأ من جميعهم، إلا أنه استبقى أيضا من رذائل كفرهم وبدعتهم بقايا لم يوفق للنزوع عنها، فوجب تكفيرهم وتكفير شيعتهم من المتفلسفة الإسلاميين كابن سينا والفارابى وغيرهما .

ورأى الغزالى أيضا أن علوم الفلاسفة بالنسبة إلى الغرض الذى تطلبه ستة أقسام : رياضية، ومنطقية، وإلهية، وطبيعية، وسياسية، وخلقية .

الرياضيات : تتعلق بالحساب والهندسة وعلم هيئة العالم، وليس يتعلق شيئا منها بالأمور الدينية نفيا وإثباتا، بل هى أمور برهانية لا سبيل إلى مجاحدتها بعد فهمها ومعرفتها . ولكن قد يتولد منها آفة إذا ظن المتعلم أن جميع علوم الفلاسفة هى فى الوضوح ووثاقه البرهان كالرياضيات . ثم يكون قد سمع من كفرهم وتعطيلهم وتهاونهم بالشرع ما تداولته الألسنة فيكفر بالتقليد المحض ويقول لو كان الدين حقا لما اختفى على هؤلاء مع تدقيقهم فى هذا العلم .

فهذه آفة عظيمة لأجلها يجب زجر كل من يخوض فى تلك العلوم فإنها وإن لم تتعلق بأمر الدين ولكن لما كانت من مبادئ علومهم سرى إليه شرهم وشؤمهم فقل من يخوض فيها إلا وينخلع من الدين وينحل عن رأسه لجام التقوى .

المنطقيات : لا يتعلق شئ منها بالدين نفيا وإثباتا، بل هى النظر فى طرق الأدلة والمقاييس وشروط مقدمات البرهان وكيفية تركيبها وشروط الحد الصحيح وكيفية ترتيبه . إلا أن أهل المنطق عند الانتهاء إلى المقاصد الدينية لا يمكنهم الوفاء بشروط البرهان، بل تساهلوا غاية التساهل .

الإلهيات : فيها أكثر أغاليط الفلاسفة، فما قدروا على الوفاء بالبرهان على ما شرطوه فى المنطق، ومجموع ما غلطوا فيه يرجع إلى عشرين مسألة يجب تكفيرهم فى ثلاث منها، وتبديعهم فى سبع عشرة.

الأولى : إبطال مذهبهم فى أزلية العالم .

الثانية : إبطال مذهبهم فى أبدية العالم .

الثالثة : بيان تلبيسهم فى قولهم :أن الله صانع العالم وأن العالم صنعه .

الرابعة : فى تعجيزهم عن إثبات الصانع .

الخامسة : فى تعجيزهم عن إقامة الدليل على استحالة إلهين .

السادسة : فى إبطال مذهبهم فى نفى الصفات .

السابعة : فى إبطال قولهم : أن ذات الأول لا تنقسم بالجنس والفصل .

الثامنة : فى إبطال قولهم : أن الأول موجود بسيط بلا ماهية .

التاسعة : فى تعجيزهم عن بيان أن الأول ليس بجسم .

العاشرة : فى بيان أن القول بالدهر ونفى الصانع لازم لهم

الحادية عشرة : فى تعجيزهم عن القول بأن الأول يعلم غيره .

الثانية عشرة : فى تعجيزهم عن القول بأنه يعلم ذاته .

الثالثة عشرة : فى إبطال قولهم : أن الأول لا يعلم الجزئيات .

الرابعة عشرة: فى قولهم أن السماء حيوان متحرك بالإرادة

الخامسة عشرة : فى إبطال ما ذكروه من الغرض المحرك للسماء .

السادسة عشرة : فى إبطال قولهم : أن نفوس السماوات تعلم جميع الجزئيات .

السابعة عشرة : فى إبطال قولهم باستحالة غرق العادات .

الثامنة عشرة : فى قولهم : أن نفس الإنسان جوهر قائم بنفسه ليس بجسم ولا بعرض .

التاسعة عشرة : فى قولهم باستحالة الفناء على النفوس البشرية .

العشرون : فى إبطال أفكارهم لبعث الأجساد مع التلذذ والتألم فى الجنة والنار باللذات والآلام الجسمانية .

والمسائل الثلاث التى خالفوا فيها كافة المسلمين ولذلك يكفرهم فيها الغزالى هى :

1-      قولهم بقدم العالم وأزليته .

2-      قولهم أن الله تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات .

3-      إنكارهم حشر الأجساد .

ومن خلال موقف الغزالى من علوم الفلاسفة ومحاولته بيان تهافت آرائهم وتناقض كلمتهم فيما يتعلق بالإلهيات وكشفه لغوائل مذهبهم وعوراته يتضح لنا أن الغزالى لا ينكر الحقائق العلمية، سواء أكانت رياضية أم طبيعية، بل يقول إن الحساب والهندسة والفلك والطبيعيات علوم حقيقية لا شك فى صحة براهينها وفائدة استنتاجاتها . لكن العلم عنده محدد النطاق، فكما أنه لا يجوز بناء العلوم على الاعتقاد كذلك لا يجوز حصر الدين فى أحكام العقل وبراهين المنطق، فالعلم يستند إلى العقل والدين ينطلق من القلب .

فالرياضيات ليست فى حد ذاتها ممنوعة وإنما يمنع عنها الضعيف حتى لا يقوده وضوحها إلى الانزلاق والانسياق مع حسن الظن وراء الفلاسفة فيقلدهم فى أمور الدين كما يقلدهم فى الرياضيات . والمنطقيات أو ما يسميها الغزالى مدارك العقول هى كالرياضيات أمور عقلية مسلمة، إلا أن الفلاسفة ما استطاعوا تحقيق شروط الدليل من المنطق فى الإلهيات كما استطاعوا تحقيقه فى الرياضيات .

ويرى الغزالى أن الفلاسفة قد عجزوا عن الوفاء بشروط المنطق فى الإلهيات لأنهم استخدموا المنطق فى فهم ما لا يصلح لفهمه لقد دفعهم الغرور إلى وزن الأمور الربوبية بميزان العقول أو الظنون وزاغوا عن سبل الحق والهدى " وهكذا يفعل الله بالزائغين عن سبيله والناكبين لطريق الهدى المنكرين الظانين بالله ظن السوء المعتقدين أن الأمور الربوبية تستولى على كنهها القوى البشرية المغرورين بعقولهم زاعمين أن فيها مندوحة عن تقليد الرسل وأتباعهم ".

لقد تصور الفلاسفة الأمور فى الإلهيات على قدر ما وجدوه وعقلوه، وما لم يألفوه قدروا استحالته .. فهم يحكمون بظن وتخمين من غير تحقيق ويقين على صدق علومهم الإلهية بظهور العلوم الحسابية والمنطقية، ويستدرجون به ضعفاء العقول . ولو كانت علومهم الإلهية متقنة البراهين، نقية عن التخمين، كعلومهم الحسابية لما اختلفوا فيها كما لم يختلفوا فى الحسابية .

ولكل هذه الاعتبارات يهاجم الغزالى أنصار الميتافيزيقا لأنهم قد بالغوا فى إيمانهم بقدرة العقل على المعرفة حتى بسطوا سلطانه على الإلهيات نفسها، لقد أخطئوا فى توسيعهم سلطان العقل أكثر ما يمكن أن يتسع له من معارف، ولذلك قد انحرفوا عن الطريق المستقيم .... وإذا كان بعض المؤرخين يعتبرون أرسطو أكبر عقلية فلسفية ظهرت على وجه التاريخ، فهو أيضا أشهر الذين انهار مذهبهم فى عالم ما وراء الطبيعة . ويعد إخفاق عقله هذا الكبير فيما يختص بمعرفة الغيب من أوضح الأدلة على أن عالم الغيب أسمى من أن يتناوله العقل البشرى الخطاء . ولقد كانت الاعتراضات على مذهبه قوية عامة شاملة حتى أن تلاميذه دب اليأس فى نفوسهم من إقامة عالم ما وراء الطبيعة على أساس العقل، فلم يمكنهم أن يردوا على الاعتراضات، ورأوا أنه إذا كان أستاذهم أخفق هذا الإخفاق فى عالم الغيب فأنهم سيخفقون من باب أولى لو حاولوا إقامة مذهب فى الإلهيات جديد .

انصرف إذن تلاميذ أرسطو عن عالم ما وراء الطبيعة واتجهوا إلى عالم الطبيعة والأخلاق ... ولذلك رأى الإمام الغزالى أن طريق الميتافيزيقا طريق مسدود ولابد من محاربة هذا العبث الذى يسمونه "الفلسفة العقلية" لابد من محاربته لأسباب عدة : فهو إضاعة للوقت، وهو تشكيك للبشرية، وزعزعة للإيمان، وليس له من نتيجة إلا التفرق والاختلاف، وتوهين المقدسات على أنه إذا كان الغزالى يلتمس لليونان العذر فى معالجة هذا الموضوع لعدم وجود الوحى المعصوم الذى يهديهم الطريق، وينير لهم الظلام، فليس هناك من عذر للمسلمين وبين أيديهم رسالة السماء ممثلة فى "القرآن الكريم " .

ومن الواضح أن حملة الغزالى إنما كانت موجهة أولا وبالذات إلى العقل . والقضية المتنازع عليها هى قضية استطاعة العقل الوصول إلى المعرفة اليقينية فى عالم "ما وراء الطبيعة" الإمام الغزالى ينكر ويثبت إنكاره بالإخفاء المتتابع للفلسفة، ويثبته أيضا بهدم العقل لكل ما بناه العقل نفسه فى هذا الميدان .

فمجال العقل ضيق وخطاه قاصرة، ولا يمكنه أن يتجاوز حدود هذا العالم إلى العالم الآخر، فهو لا يعرف بالتجربة ما ينفع أو يضر فى الآخرة، ولا يهتدى إلى ما بعد الموت، إنه لا يصل إلى الإدراك إلا عن طريق التجربة ولا مجال للتجربة فى العالم الآخر . وعامة فإن شكوك الغزالى فى أحكام العقل لم تنشأ إلا فى سبيل الدفاع عن حقيقة الدين . ولذلك نجده لم يتردد أبدا فى التضحية بالعقل عندما يتعارض مع سلطان العقيدة فالعقيدة عنده فى المنزلة الأولى والعقل فى المنزلة الثانية، وهو يقصر مهمة العقل من الدين على الشهادة بصدق النبوة إذ أن سلطانه لا يمتد إلى أبعد من ذلك .

وعامة كان الغزالى معنيا ببيان عجز العقل الإنسانى عن إدراك حقيقة الوجود، وأن له حدا يجب الوقوف عنده ... يقول الأستاذ "بلاسيوس" بحق " إن الغزالى حينما سمى كتابه (تهافت الفلاسفة) كان يريد أن يمثل لنا أن العقل يبحث عن الحقيقة، ويريد الوصول إليها، كما يبحث البعوض عن ضوء النهار : فإذا أبصر شعاعا يشبه نور الحقيقة انخدع به، فرمى بنفسه عليه وتهافت فيه، ولكنه يخطئ مخدوعا بأقيسة منطقية خاطئة فيهلك كما يهلك البعوض ".

وقصارى القول إن العقل – فيما يرى الغزالى – لا يمكن الاعتماد عليه فى إدراك ما وراء الطبيعة من أسرار، وإنما يجب الاعتماد فى ذلك على الشرع وحده . ومن هنا أراد الغزالى أن يهدم مذاهب الفلاسفة لاختلاف آرائهم وتباين وجهات نظرهم لاسيما فيما يتعلق بما وراء الطبيعة، ويبين لمن ظن أن مسالكهم نقية عن التناقض وجود تهافتهم ولبس مواقفهم . وأن العقل يمكنه أن يضع براهين وأدلة على إثبات قضية ما وعلى نفيها فى آن واحد كما هو الحال بالنسبة لتصوراته فيما وراء الطبيعة، فهو لا قدرة له على طرق هذا المجال وارتياد آفاقه، إذ لا يمكنه أن يظفر فيه بحقيقة ولا يمكن أن نزن به أية مسألة تتعلق بالأمور الماورائية.

 

لمزيد من المعلومات عن (موقف الغزالى من الميتا فيزيقا) راجع كتاب " رؤى الفلسفة " لكاتب هذه السطور

 

       أ.د.ابراهيم طلبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا - مصر

 

هل ان ما يرغبه الله يكون هو الصواب لأن الله يرغب ذلك، او ان ما يرغبه الله هو بسبب كونه هو الصواب؟ وبطريقة اخرى "هل ان ما هو جيد اخلاقيا امر به الله لأنه جيد اخلاقيا، ام انه جيد اخلاقيا لأن الله أمر به؟". هذا السؤال جسّد مأزقاً للمؤمنين بالله بينما اعتبره آخرون مأزقا زائفا، وهو لا يزال حتى اليوم موضوعا للنقاشات الثيولوجية والفلسفية. سقراط يلتقي ايوثيفرو خارج محكمة اثينا، حيث استُدعي سقراط الى المحكمة من جانب ميليتوس بتهمة انتهاك الاخلاق، اما ايوثيفرو فهو جاء الى المحكمة لمقاضاة والده الذي ارتكب جريمة قتل. ايوثفرو يريد معاقبة والده لأنه يريد اولا تطهير نفسه وعائلته من التلوث الديني الذي تسببت به الجريمة، وثانيا هو يرى من العدل مقاضاة اي مخطئ سواء كان ذلك الفرد قريبا له ام غريب . سقراط يمتدح ايوثيفرو مقترحا عليه ان يكون خبيراً عظيما في المسائل الدينية اذا اراد معاقبة والده على مثل هذه التهمة المثيرة للجدل. ايوثيفرو أعلن بانه يعرف حقا كل ما يجب معرفته حول المقدس. سقراط يطالب ايوثيفرو ليوضح له ماهية القداسة لأن هذا ربما ينفعهُ في محاكمته امام ميليتوس.

في البدأ،يقترح ايوثيفرو ان القداسة او التقوى هي معاقبة منْ يخالف الاديان. لكن سقراط يجد هذا التعريف غير مقنع طالما هناك العديد من النصوص الدينية التي لا تتضمن معاقبة منتهكي الاديان. هو يسأل ايوثيفرو ان يعطيه تعريفا عاما يحدد فيه خاصية واحدة تشترك فيها جميع النصوص المقدسة. سقراط أكّد بان منْ يدعو الى الاخلاق كتبرير لأفعاله يجب ان يمتلك قدراً عاليا من الحكمة. "الحكمة" تشير الى معرفة عميقة بالاخلاق. هذه المعرفة يجب ان تتحقق فيها الشروط التالية:

1- ان تكون دقيقة جدا

2- ان تكون موضحة لماهية الاخلاق

3- ان تقبل بان الاخلاق هي ذاتها في جميع الافعال

4- ان تعترف بسمة او خاصية واحدة (شكل) في جميع حالات الاخلاق

5- ان تميّز بين الاخلاق واللا اخلاق كمتضادين.

ايوثيفرو يقترح ان ما هو مقدس هو ما تتفق عليه جميع الآلهة. لكن سقراط يطرح حجة متقنة يبيّن فيها ان الاثنين (المقدس وما توافق عليه الآلهة) ليسا متساويين. ما هو مقدس توافق عليه الآلهة لأنه مقدس، لذا فان ما هو مقدس يقرر ما توافق عليه الآلهة. يتبع من هذا الاستنتاج ان ما هو مقدس لا يمكن ان يكون نفس ما توافق عليه الآلهة، طالما ان احد هذين الاثنين يقرر ما تتم الموافقة عليه من جانب الآلهة بينما الآخر يتقرر بتلك الموافقة. ايوثيفرو يقترح لاحقا ان القداسة هي نوع من التبادل مع الآلهة، حيث نقدم لهم التضحيات وهم يمنحوننا الصلوات. تضحياتنا لا تساعدهم بشيء وانما هي ببساطة توفر لهم السعادة. لكن سقراط يرى ان القول بان القداسة تسعد الآلهة هو مشابه للقول ان القداسة هي ما توافق عليه الآلهة، وهو ما يعيدنا مرة اخرى الى نفس المأزق. وبدلا من ايجاد تعريف مقنع، يغادر ايوثيفرو معلنا عن عجزه امام سقراط.

 

توضيح المأزق: الخيار الاول

(ما هو صحيح يكون صحيحا لأن الله أمر به)، ويُسمى احيانا بنظرية الامر الديني.

يقوم هذا الخيار على فكرة عدم وجود مستويات اخلاقية عدى رغبة الله: بدون اوامر الله لا لا وجود لشيء صحيح او خطأ.

هذه الفكرة دافع عنها Duns Scotus بالقول ليس جميع الوصايا العشر تعود للقانون الطبيعي. فهو يقول اذا كانت واجباتنا تجاه الله هي حقيقية بالتعريف وواضحة ولا يمكن تغييرها حتى من جانب الله، فان واجباتنا تجاه الاخرين هي اُمرت عشوائيا من الله وهي ضمن قوته بحيث يمكنه تعديلها او استبدالها.

 

المشاكل

هذا الخيار للمأزق يواجه عدة مشاكل

1- لا اسباب للاخلاق: اذا لم يكن هناك مستوى اخلاقي غير رغبة الله، عندئذ تكون اوامر الله اعتباطية (اي مرتكزة على رغبة خالصة). هذا يعني ان الاخلاق هي بالنهاية غير مرتكزة على اسباب."اذا كانت نظرية الامر الديني صحيحة ، فان اوامر الله ونواياه يجب ان تكون عشوائية ، لكن الاخلاق لا يمكن ان تكون معتمدة كليا على شيء عشوائي لأننا عندما نقول ان موقفا اخلاقيا معينا حصل، فهو لوجود سبب لحدوث ذلك الموقف الاخلاقي دون غيره".

2- العشوائية تعني ايضا ان اي شيء يمكن ان يصبح جيدا واي شيء يمكن ان يصبح سيئا بالاعتماد فقط على اوامر الله.

3- الاخلاق طارئة: اذا كانت الاخلاق تعتمد على الرغبة التامة لله، فان الاخلاق ستفقد ضرورتها. اذا لم يكن هناك شيء يمنع الله من حب اشياء مختلفة عما يحبه الله حقا، عندئذ يمكن ان تتغير الخيرية من عالم الى آخر ومن وقت الى آخر.

 

الخيار الثاني:

(ما هو صحيح هو ما أمر به الله لأنه صحيح). هذا الخيار جاء تحت عدة عناوين مثل العقلانية، الواقعية، الطبيعية، الموضوعية.

الخيار اعلاه ينطوي على ان هناك معايير اخلاقية مستقلة، اي ان بعض الافعال هي صحيحة او خاطئة بذاتها وبشكل مستقل عن اوامر الله. هذه الرؤية وافق عليها سقراط وايوثيفرو. مدرسة المعتزلة ايضا دافعت عن الفكرة. اما توما الاكويني فقد ميّز بين ما هو خير او شر بذاته وبين ما هو خير او شر لأن الله أمر به.

 

المشاكل المترتبة على الخيار

سيادة الله

اذا كانت هناك معايير اخلاقية مستقلة عن ارادة الله، عندئذ سيكون هناك شيء ما لا يتمتع الله تجاهه بالسيادة. الله ملزم بقوانين الاخلاق بدلا من كونه مؤسس لها. كذلك، يعتمد الله في خيريته على المدى الذي يمتثل فيه للمستويات الاخلاقية المستقلة. وهكذا سيكون الله غير مستقل تماما.

 

المقدرة

هذه المستويات الاخلاقية ستقيّد مقدرة الله. لا يستطيع الله معارضتها باصدار اوامره وجعل ما هو شر خيرا. هذه النقطة هامة في الثيولوجيا الاسلامية. القيم الموضوعية بدت عاملا مقيدا لمقدرة الله في عمل ما يرغب. لكن الشريعة الاسلامية تخلصت من المشكلة المحرجة وذلك بانكارها وجود القيم الموضوعية التي تعمل كمعيار لفعل الله.

 

الاخلاق بدون الله

اذا كانت هناك مستويات اخلاقية مستقلة عن الله فان الاخلاق ستحافظ على سلطتها بصرف النظر عن وجود الله . هذا الاستنتاج طرحه المنظّر السياسي Hugo Grotius.

 

نظرية مايكل ليفين

ان مأزق ايوثيفرو(احد اشهر حوارات افلاطون) يلخصه مايكل ليفين من جامعة ستي في نيويورك.

وكما كتب ليفين في جوابه لارسطو والذي جاء بعنوان(كيف يمكن للعلوم والفلسفة قيادتنا لحياة اكثر معنى) بعد 24 قرن من اثارة ذلك السؤال، فان المأزق بقي مربكاً لكل من حاول الالتفاف عليه، تماما كما حصل لايوثيفرو في نهاية الحوار بقوله (وقت آخر ياسقراط، انا في عجلة من امري الآن، ويجب ان اذهب).

اول شيء يجب فهمه حول حوار ايوثيفرو هو انه ليس نقاشا ضد وجود الله. سقراط – رغم انه بدا في بداية الحوار مدافعا عن نفسه ضد تهمة انتهاك الاخلاق، والتي من اجلها عوقب بالموت من جانب دولة اثينا – لكنه لم يكن ملحدا. انما، السؤال الذي اثير يتعلق بمصدر الاخلاق ذاتها:"ماهي الفضيلة ، وماهي اللا فضيلة؟"

الشيء الثاني المطلوب فهمه هو ان جدال سقراط قابل للتطبيق بصرف النظر عن الخصائص المحددة للآله ، مادام المرء يفترض ان الاخلاق تأتي من مثل هؤلاء الالهة.

وسواء ركزّنا تفكيرنا على آلهة الاولمبك (كما يبدو في عمل ايوثيفرو) او في الآلهة الاكثر بعدا والأقل تقلباً (النوع الذي يعتقد به سقراط)، فلن يؤثر ذلك على مصداقية النقاش.

تلك المصداقية تقوم على الانقسام التالي: اما ان الاخلاق هي كل ما يأمر به الله، او ان الله يوافق على اشياء معينة لأنها اخلاقية.

لماذا هذا الانقسام بالضبط يشكل مشكلة للبعض، مثل ايوثيفرو، الذي يعتقد ان الاله هو المصدر النهائي للاخلاق؟ السبب هو لو اعتقد المرء بالخيار الاول وهو – ما يسميه ليفن نظرية "الرغبة الخالصة"—عندئذ من الضروري سيعترف المرء ان الاخلاق هي مسألة مقررة بحكم الواقع. اذا كان الله يقرر ان التطهير العرقي والاغتصاب جائزان، عندئذ سيكونان جائزين (هذا معروف جيدا،وقد حدث فعلا في عدة نصوص من العهد القديم، ولكن تلك قصة اخرى).

حينما ينسحب ايوثيفرو من هكذا قبول غير مريح،هو يحاول اعتماد الخيار الثاني، وهو ما يسميه ليفن بنظرية "الرغبة المرشدة". ولكن المشكلة هنا هي ان هذا الطريق يعترف ضمنا بان هناك مستويات اخلاقية خارجية(مستقلة) عن الله ذاته، وبذلك تكون الاخلاق لم تنشأ منه.(وما يفترضه هذا الاستنتاج هو اننا كاناس معرضون للفناء ربما لا نحتاج "الاله الوسيط"،لمعرفة ما هو اخلاقي وما هو غير اخلاقي، نحن نستطيع الوصول اليه عبر مصادر اخرى، كأن تكون على سبيل المثال عبر التحقيق الفلسفي).

بالطبع، كل ما قيل اعلاه هو مشكلة حينما يكون المرء اخلاقيا واقعيا.(البعض يميل نحو النوع الطبيعي للاخلاق الفاضلة، اسلوب الرواقيين).وبكلمة اخرى، لا نعتقد ان هناك قانون اخلاقي مستقل عن خصوصيات بايولوجيا الانسان وثقافته، ولكن من الممتع اللعب الى جانب سقراط وايوثيفرو، طالما الكثير من الناس هم اخلاقيون واقعيون، اما بفعل الطبيعة الفلسفية كسقراط وافلاطون او كمؤمنين بالله كايوثيفرو او اي شخص يتبع الاوامر الدينية في قضايا الاخلاق.

وكما يقول ليفن في بداية ورقته،"الطريقة الصحيحة للتعامل مع المأزق الفلسفي هي ان نكشف الافتراضات الزائفة المخفية التي تسيء فهم البدائل الاخرى لتعرضها اما كمتضادة او شمولية ". من المؤكد ان هناك تراث طويل من اتهام افلاطون بالتورط في المغالطة (اللا رسمية) للمأزق الزائف.

اول شيء للقيام بهذا هو ما قام به توما الاكويني. هو اعترف بان شيء ما هو جيد لأن الله قال ذلك، لكن هذا ببساطة بسبب طبيعة الله ان يكون جيدا، والتي تضمن ان اوامره ستكون حقا اخلاقية.

كويني يعلن بان اله المسيح هو خير بطبيعته (على عكس آلهة الاولمب المزعجين،مع كل ما حملوه من ضعف بشري). ولكن حتى مع افتراض صوابية كويني حول طبيعة الله (المرء سيتجاهل مرة اخرى الكثير مما يتفق عليه العهد القديم)،فان هذا لا يجعلنا بعيدين جدا عن الخيار الثاني : كيف يتسنى لنا معرفة ان طبيعة الله خيرة؟لكي نقرر هذا الحكم بدون ارتكاب الجدل الدائري(وفي نفس الوقت دون الخضوع المخيف للخيار الاول) يبدو اننا يتوجب علينا امتلاك بعض المعايير المستقلة لـ "الخير".

هنا تبدأ المساهمة الاصلية لورقة ليفين في النقاش . مايكل يحلل فكرة استقلالية الاله وفق مستوى معين من القيمة، ويزود اسبابا "لتفكيك"المأزق. هو يبدأ مقترحه بالاعتراف ان خيار "الرغبة الخالصة" هو خيار جامد لا يحقق اي تقدم، وهو يشير الى ان "نظرية الرغبة المرشدة ليست سيئة كما تبدو".

يستنتج ليفين انه "عندما يتم تصور الله كمستقل عن اي شيء آخر وراء ذاته، فان الاستقلالية تعني الانطولوجي والسببي"، لذلك يبقى الله مكتفيا ذاتيا ويتصرف كليا بذاته"، حتى عندما يختار المرء الخيار الثاني من المأزق. طالما ان الاعتمادية الانطولوجية-السببية تنطبق فقط على "الجواهر"، عندئذ "الحل او تفكيك مأزق ايوثيفرو يكمن في الاعتراف بان الخيرية والمستويات الاخلاقية والحقيقة الاخلاقية ليس فيها جواهر .. وانها لا تكشف عن اي قوة سببية".

ذلك يعني، كما يذكر مايكل، انه حتى لو ان الافعال الصائبة هي صائبة بمقتضى شيء آخر غير رغبة الله، فان صوابية الفعل الصائب .. هي ليست ذلك النوع من الاشياء التي يمكنها خلق وتغيير او الحفاظ على الله.

غير ان هذا لا يحل مشكلة ايوثيفرو ابدا. المشكلة التي اثارها سقراط هي ليست حول طبيعة الله، وانما حول طبيعة الخيرية (الاخلاق). حتى عندما يقتنع احد ما بجدال ليفين ، فان المأزق يبقى كما هو، وطالما هو الغى نظرية الرغبة الخالصة ، وان الله لم يكن عرضة للرغبة المرشدة (لأن الصوابية هي ليست جوهرا)، فنحن لا نزال تُركنا باستنتاج ان المستويات الاخلاقية هي خارجية ومستقلة عن الله.

 

هل هناك خيار آخر؟

هناك منْ يرى ان هذا المأزق هو مأزق زائف، ولا يوجد هناك خياران وانما ثلاثة خيارات.

المسيحي يرفض الخيار الاول القائل بان الاخلاق هي وظيفة عشوائية لله، كما يرفض ايضا الخيار الثاني الذي يرى ان الله مسؤول امام قانون اعلى، فلا يوجد هناك قانون فوق الله.

الخيار الثالث هو ان هناك مستوى موضوعي موجود، وهذا المستوى الموضوعي ليس خارجيا بالنسبة لله وانما هو داخلي. الاخلاق تتأسس على السمة الثابتة لله الذي هو خير تام. اوامره ليست نزوات خالصة وانما تتجذر في قداسته. الله لا يمكن ابدا ان يوافق على تعذيب الاطفال مثلا، لأنها ليست مسألة اوامر وانما مسألة طبيعة ذاتية. فالجواب المسيحي يتجاوز المأزق كليا حين يعتبر الاخلاق متجذرة في طبيعة الله وليست سابقة عليه منطقيا.

 

حاتم حميد محسن

.............................

المصادر

1- The philosophers magazine, 05 October 2015

2- Euthyphro dilemma, Sparknotes philosophy guide

3- Wikipedia, the free encyclopaedia

  

zouhair khouildi"ليست الميتافيزيقا فيزياء شديدة التميز لو كانت هذه الفكرة السهلة صحيحة لما كان لدينا الا الاختيار بين الثرثرة الدوغمائية وتهكمات الواقعية"1

في مقابلة قديمة مع جريدة لوموند الفرنسية بتاريخ 14 جوان 1978 كشف المفكر الملتزم فلاديمير يانكلفيتش عن قدر مسلط على الإنسان في وجوده السياسي مرتبط بأجهزة الدولة ومنظومة الحكم التي تسيرها وبالقوى المتصارعة حول المواقع والمنافع، وتبعا لذلك أوضح صعوبة إيجاد مخرج من هذه العبثية.

هذه الوضعية الهشة لم تكن ناتجة عن سوء تقدير من قبل الماسكين بزمام السلطة ولا عن التباس وسوء فهم لوظيفة الدولة في زمن التحولات بل الجميع كان مع العفوية الثورية ووقف الكل ضد عودة الطغيان.

لم يكن الشعب سيء الحظ حينما وجد نفسه في مناخ اقتصادي متدهور زمن التقلبات ولم يتأسف على ضياع الشعور بالمتعة وحصد المنافع زمن الاستبداد بل جعل من تركيز السلطة الجديدة نصرا على كل أمر محال. غير أن الشعور البرجوازي المتشائم الذي ظهر في الأثناء وعبر عن نفسه في استحالة الاستقرار في الأفق القريب كشف عن واقع نفسي مهتز تعاني منه النخب المثقفة جعلها تشكك في كل الخطوات الواثقة التي قطعها الشعب نحو الصعود والارتقاء وصبره عليهم في زمن انقلاب محبة الوطن إلى كراهية المصير المنتظر والنقمة المتزايدة على الأخلاق الثورية. والحق أنه لا يجب أن تنحرف السلطة الثورية حسب يانكلفيتش إلى استبداد بيروقراطي جديد ولا ينبغي أن تعيد إنتاج أشكال الهيمنة بل من المفروض أن تمنح الكيان السياسي المنبثق من رحم الحراك وجودا تاريخيا يليق به.

هكذا يتسلح يانكلفيتش بالنزعة الريبية ويعلق الحكم ويؤكد على أن الطريقة التقريبية اللاّمتناهية التي يتبعها لا تمنع من التحدث والتعبير والشعور بالأمل وخلق المقاصد والعمل على تحقيقها وبناء أفعال بشرية غائية. غير أنه يصطدم ببؤس ميتافيزيقي يتسم به الوضع البشري وينبثق هذا البؤس من حاجة الأمل إلى التهيكل في جسد سياسي واجتماعي من أجل التحقق والبلورة ولكن جهاز الدولة يستولي بسرعة على هذا الجسد ويوظفه لمصالحه. بعد ذلك يتم الإدغام والاختراق والاستقطاب قبل أن يشتد عود هذا الجسد الاجتماعي الفتي وقبل أن يتطور ويتصالح مع نفسه ويحقق انتظارات أعضائه وتتم مصادرة أأحلامهم التي حلموا بها ويقع الهيمنة على منجزاته والسطو على أفكاره وافتكاك استراتيجياته وإفقاده البوصلة.

يكشف يانكلفيتش عن وجود تعارض تام بين منطق الثورة ومنطق الدولة وبين عقلية الحقوق والحريات بوصفها مسلك مطلبي شرعي وعقلية الأمن والبيروقراطية وأجهزة الرقابة وما تسببه من عنف ورعب.

في اللحظة التي تأخذ فيها الثورة السلطة فإنها تصبح صورة كاريكاتورية وهذا ليس سببا كافيا لكي نحرم فرسان الثورة من بناء سلطة حاكمة متلائمة مع منطقهم وكفيلة بتحقيق مطالبهم العاجلة ، والآية على ذلك أن الإنسان يفعل دائما الأصلح على الرغم من البؤس الميتافيزيقي الذي يتسم به وضعه السياسي ، كما أن وجود أجهزة متماسكة للدولة في ظل زمن التقلبات هو شر ضروري للتغلب على التحديات2. على ما يبدو "إن الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يذهله وجوده وليس الذهول أمام حادث غريب في مجرى التواصل ميتافيزيقيا في شيء...ومع ذلك، فرهان الميتافيزيقا هو أن تمشكل الواقع الأقل إشكالا "3، فهل يتسبب هذا البؤس الميتافيزيقي للوضع الإنساني في تعثر الثورات أم هو عامل مساعد على قيامها؟

 

د زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

................

الإحالات:

[1] يانكلفيتش فلاديمير، فلسفة أولى، مدخل إلى فلسفة ال"يكاد"، ترجمة سعاد حرب، منشورات مجد، بيروت، طبعة أولى 2004، ص05.

[2] V.Jankélévitch, Entretien , le Monde, 14 juin 1978, Propos recueillis par Robert Maggiori

[3] يانكلفيتش فلاديمير، فلسفة أولى، مدخل إلى فلسفة ال"يكاد"، مصدر مذكور، ص269

المصادر:

يانكلفيتش فلاديمير، فلسفة أولى، مدخل إلى فلسفة ال"يكاد"، ترجمة سعاد حرب، منشورات مجد، بيروت، طبعة أولى 2004،

V.Jankélévitch, Entretien , le Monde, 14 juin 1978, Propos recueillis par Robert Maggiori

husny ibrahimabduladimقراءة في كتاب (إشكاليات القراءة وآليات التأويل) لـ "نصر حامد أبو زيد"

 

مدخل:

أشار هنري كوربان (Henry Corbin) في إحدى حواراته إلى أهمية التأويل الفلسفي (Philosophical Hermeneutic) في قراءة التراث الإنساني في كل جوانبه الأدبية والفنية والفلسفية والروحية، أي فهم محتوياته النظرية ومضامينه الرمزية. التأويل ينفتح على الفهم (das Verstehen)، فهو يستعمل إذن آليات ومفاتيح لغوية ورمزية وإبستمولوجية في إدراك حقيقة (Wahrheit) هذا التراث، بفهم أجزائه ومكوناته وإدراك حقائق هذه الأجزاء والمكونات في سبيل فهم التراث برمته. فالتأويل الفلسفي، حسب كوربان، هو مفتاح قصد فتح المعنى المتواري والخفي وراء أو تحت العبارات الظاهرة المرئية.(1)

وقد كان نصر حامد أبو زيد (1943 – 2010) واحدا من المفكرين العرب المنشـغلين بقضايا التأويل والفهم للنصوص الدينية والأدبية، وتجلى انشغاله من خلال إســــهامه بعدد وافر من الدراســـــــات والكتب حول هذه القضية، منها على سبيل المثال : الاتجاه العقلي في التفسير: دراسة في قضية المجاز في القرآن عندالمعتزلة، وكانت تلك أطروحته للحصول على درجة الماجستيروفلسفة التأويل: دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي، وكانت رسالته للحصول على درجة الدكتوراة، ومفهوم النص: دراسة في علوم القرآن،وإشكاليات القراءة وآليات التأويل،ونقد الخطاب الديني، والنص السلطة الحقيقة: إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة،ودوائر الخوف: قراءة في خطاب المرأة، والخطاب والتأويل، وغيرها.

وسوف نقدم في هذا المقال قراءة لإحدى أهم كتبه التي فصل فيها قضية الهرمنيوطيقا، وهو كتاب إشكاليات القراءة وآليات التأويل الصادر عن المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة السادسة، 2001.

 

1 - مفهوم الهرمنيوطيقا

تتضمن كلمة Herméneutique (بالإغريقية herméneutikè) في اشتقاقها اللغوي على كلمة "tekhnè" التي تحيل إلى الفن بمعنى الاستعمال التقني لآليات ووسائل لغوية ومنطقية وتصويرية ورمزية واستعارية. وبما أن الفن كآلية لا ينفك عن الغائية فإن الهدف الذي لأجله تجند هذه الوسائل والتقنيات هو الكشف عن حقيقة شيء ما. وتنطبق جملة هذه الوسائل على النصوص قصد تحليلها وتفسيرها وإبراز القيم والحقائق التي تختزنها والمعايير والغايات التي تحيل إليها. وعليه تعني herméneutique فن تأويل وتفسير وترجمة النصوص. والتأويل عبارة عن فن كما يذهب فريديريك شلايرماخر، بمعنى طريقة الاشتغال على النصوص بتبيان بنيتها الداخلية والوصفية ووظيفتها المعيارية والمعرفية؛ والبحث عن حقائق مضمرة في النصوص وربما المطموسة لاعتبارات تاريخية وإيديولوجية هو ما يجعل فن التأويل يلتمس البدايات الأولى والمصادر الأصلية لكل تأسيس معرفي وبرهاني وجدلي: "والفهم عندما يعمل لا يلغو فقط، أي لا يقول رموزا، وإنما هو يؤول. أي أنه يبحث عما هو أول في الشيء، عما هو الأس والأصل. فهو يحفر في طبقات النصوص المترسبة والمتراصة (في ذاكرة التراث الإنساني) قصد الكشف عن حقائق دفينة وغابرة وفتح أقفال الكنوز المطمورة. بهذا المعنى حفريات فوكو وتفكيك جاك دريدا عبارة عن فلسفة في التأويل.(2)

يبدأ الكاتب بشرح مفهوم الهرمنيوطيقا فيقول:"القضية الأساسية التي تتناولها الهرمنيوطيقا بالدرس هي معضلة تفسير النص بشكل عام، سواء أكان نصا تاريخيا أم نصا دينياٍ،والأسئلة التي تحاول الإجابة عنها– من ثم – أسئلة كثيرة معقدة ومتشابكة حول طبيعة النص وعلاقته بالتراث والتقاليد من جهة، وعلاقته بمؤلفه من جهة أخرى. والأهم من ذلك أنها تركز بشكل لافت على علاقة المفسر (أو الناقد في حالة النص الأدبي) بالنص. هذا التركيز على علاقة المفسـر بالنص هونقطة البدء والقضية الملحةعند فلاســــفة الهرمنيوطيقا. (ص13).

ويستطرد الكاتب في تبيان المصطلح فيشير إلى أنه مصطلح قدبم بدأ استخدامه في دوائر الدراسات اللاهوتية ليشير إلى مجموعة القواعد والمعايير التي يجب أن يتبعها المفسر لفهم النص الديني (الكتاب المقدس)

فقد ارتبط فن التأويل بإشكالية قراءة الكتابات اللاهوتية والنصوص المقدسة، مما دفع أحد اللوثريين (نسبة إلى رائد الإصلاح الديني المعروف مارتن لوثر) وهو ماتياس فلاسيوس (Matthias Flacius) إلى الثورة على سلطة الكنيسة في مسألة مصادرة حرية قراءة النص المقدس ليقترح أولوية التراث في تأويل بعض المقاطع الغامضة من النص وطابع الاستقلالية في فهم محتوياته بمعزل عن كل إكراه أو توجيه قسري.(3)

ويرى بول ريكور أن الهرمنيوطيقا هي نظرية عمليات الفهم understanding في علاقتها بتأويل interpretation النصوص . ولهذا فإن الفكرة الأساسية في الهرمنيوطيقا ستكون إدراك الخطاب discourse بوصفه نصا . وهنا، ستكون الطريق سالكة أمام محاولة حل المشكلة الهرمنيوطيقية المركزية وهي التعارض، الذي يصل حد الكارثة، بين التفسير explanation والفهم . ولذا فإن أي بحث متكامل بين هذين المفهومين، اللذين تميل الهرمنيوطيقا الرومانسية إلى تفكيكهما، سوف يقود أبستمولوجياً إلى إعادة توجيه الهرمنيوطيقا، بما يتطلبه مفهوم النص نفسه .(4)

ويقررأبو زيد أن مفهوم الهرمنيوطيقا قد اتسع في تطبيقاته الحديثة، وانتقل من مجال علم اللاهوت إلى دوائر أكثر اتساعا تشمل كافة العلوم الإنسانية كالتاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا وفلسفة الجمال والنقد الأدبي والفولكلور.(ص 13)

 

2 – شلايرماخروتأسيس الهيرمنيوطيقا

يمثل المفكر الألماني فردريك شلايرماخر(1768 – 1834)الموقف الكلاسيكي بالنسبة للهرمنيوطيقا، ويعود إليه الفضل في نقل المصطلح من دائرة الاستخدام اللاهوتي ليكون "علما" أو "فنا" لعملية الفهم وشروطها في تحليل النصوص، وهكذا تباعد شلاير ماخر بالتأويلية بشكل نهائي عن أن تكون في خدمة علم خاص، ووصل بها إلى أن تكون علما بذاتها يؤسس عملية الفهم (5) وبالتالي عملية التفسير.(ص 20)

يذهب شلايرماخر إلى أن التأويل فن يهتم بطريقة الاشتغال على النصوص بتبيان بنيتها الداخلية والوصفية ووظيفتها المعيارية والمعرفية، والبحث عن الحقائق المضمرة في النصوص وربما المطموسة لاعتبارات تاريخية وأيديولوجية. هكذا حاول أن يجد تأصيلا منهجيا لعملية تأويل النصوص. وهو يؤسس نظريته على مقولة هامة تتمثل في الفهم. وبذلك لم تعد الهيرمنوطيقا تأويلا للنصوص سواء كانت مقدسة أم مدنسة، وإنما أصبحت تقنية في الفهم. تبعا لذلك قام شلايرماخر بتحويل السؤال من ما معنى النص؟ الذي كان مسيطرا على الهيرمنوطيقا الكلاسيكية(اللاهوتية) إلى ما معنى الفهم؟ هذه الخطوة يصفها بول ريكور بأنها انقلاب كوبرنيكي أولى في تاريخ الهيرمنوطيقا على غرار الانقلاب الكوبرنيكي الكانطي في نظرية المعرفة.(6)

وتقوم تأويلية شلايرماخر على أساس أن النص عبارة عن وسيط لغوي ينقل فكر المؤلف إلى القارئ، وبالتالي فهو يشير في جانبه اللغوي إلى اللغة بكاملها، ويشير في جانبه النفسي إلى الفكر الذاتي لمبدعه. والعلاقة بين الجانبين - فيما يرى شلايرماخر – علاقة جدلية.وكلما تقدم النص في الزمن صار غامضا بالنسبة لنا، وصرنا من ثم أقرب إلى سوء الفهم منه للفهم، وعلى ذلك لابد من قيام (علم) أو (فن) يعصمن من سوء الفهم، ويجعلنا أقرب للفهم، وينطلق شلايرماخر لوضع قواعد الفهم من تصوره لجانبي النص اللغوي والنفسي. (ص 20)

واستنادا لذلك يرى شلايرماخر أن المفسر يحتاج إلى موهبتين من أجل النفاذ إلى معنى النص: الموهبة اللغوية، والقدرة على النفاذ إلى الطبيعة البشرية. يقول في ذلك:" الموهبة اللغوية وحدها لاتكفي ؛لأن الإنسان لا يمكن أن يعرف الإطار اللامحدود للغة، كما أن موهبة النفاذ إلى الطبيعة البشرية لاتكفي لأنها مستحيلة الكمال، لذلك لابد من الاعتماد على الجانبين، ولا توجد ثمة قواعد لكيفية تحقيق ذلك.(ص 21)

وينظر معظم مؤرخو الهرمنيوطيقا المحدثون إلى الإسهام الذي قدمه شلايرماخرعلى أنه يمثل المرحلة الثانية، أي ما يسمى بـ " الهرمنيوطيقا الرومانسية "، الذي جعلت مهمتها الأساسية تحقيق " التجانس congeniality " أي أن يدرك الناقد أو القارئ الحدث النفسي psychical للمعنى الذي خضع له المؤلف أولاً . ويصف شلايرماخر هذه العملية بمصطلح " الحلقة الهرمنيوطيقية " Hermeneutic Circle، والتي بقيت منذ ذلك الحين السمة المركزية للكثير من النظريات . والحلقة هي الانتقال من التخمين عند المعنى " الكلي " للعمل إلى تحليل أجزائه عبر علاقتها بالكل، يعقب ذلك العودة إلى تعديل فهم العمل " كله " . وتجسد الحلقة الاعتقاد بأن الأجزاء والكل يعتمد أحدها الآخر وأنهما يرتبطان بعلاقة عضوية ضرورية . ومن خلال تفسير التأويل بهذه الطريقة، تصبح الفجوة التاريخية التي تفصل العمل الأدبي عن الناقد أو القارئ سمة سلبية ينبغي التغلب عليها من خلال الحركة المتذبذبة بين إعادة البناء التاريخي من جهة والأفعال acts التكهنية للتقمص empathy من جانب الناقد أو القارئ، من جهة أخرى (7)

 

3 – دلتاي: الهرمنيوطيقا والوعي التاريخي

ولد فلهلم دلتاي عام 1833 وتوفي 1911. يعد من الأسلاف الأكثر نفوذا في فلسفة الحياة. وإذا كان اسم هذا الفيلسوف قد ارتبط ارتباطا وثيقا بالحركة التاريخية أو بفلسفة التاريخ، فإن فلسفته في الحقيقة هي فلسفة للفهم، وهي أيضا فلسفة للحضارة، والتاريخ هو أداة هذا الفهم من حيث أنه حياة يتضمن حياة. ومن ثم فإن الموضوع الرئيسي الذي اهتم به دلتاي هو "الحياة"، والتاريخ والفهم يدوران حول هذه الفكرة.(8)

إن الحياة لدى دلتاي ليست ليست تلك الواقعة البيولوجية التي يتشارك فيها الإنسان والحيوان، ولكن الحياة الإنسانية هي التي نخبرها بكل تعقيداتها المعروفة، وهي مركب من ذلك العدد اللامحدود من (الحيوات) الفردية التي يتكون منها الواقع الاجتماعي والتاريخي لحياة الناس، والتي تدخل فيها آمال الناس ومخاوفهم وأفكارهم وأفعالهم، والمؤسسات التي يقيمونها، والقوانين التي يسترشدون بها، والديانات التي يعتنقونها، وكل أشكال الفن والأدب والفلسفة والعلم.(9)

يبدأ أبو زيد مناقشته لإسهام دلتاي في تطوير الهرمنيوطيقا من محاولة دلتاي التمييز بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية والانسانية(التي يسميها العلوم الروحية)، فيقول في ص24:"تركزت محاولة دلتاي في التفرقة بين العلوم الطبيعية والعلوم التاريخية والإنسانية، وفي الرد على الوضعيين الذين وحدوا بينهما من حيث المنهج، مثل أوجست كونت وجون ستيوارت مل. لقد رأى الوضعيون أن الخلاص الوحيد لتأخر العلوم الإنسانية عن العلوم الطبيعية يكمن في ضرورة تطبيق نفس المنهج التجريبي للعلوم الطبيعية على العلوم الإنسانية؛ سعيا للوصول إلى قوانين كلية يقينية، وتجنبا للذاتية وعدم الدقة في مجال الإنسانيات. لقد آمنوا أن كلا منهما يخضع لنفس المعايير المنهجية من الاستدلال والشرح، ورأوا أن الحقائق الاجتماعية مثلها مثل الحقائق الفيزيقية واقعية وعملية، ويمكن قياسها أيضا، وهذا ما عبر عنه جون ستيوارت مل بقوله:" إذا كان علينا أن نهرب من الفشل المحتم للعلوم الاجتماعية بمقارنتها بالتقدم المستمر للعلوم الطبيعية، فإن أملنا الوحيد يتمثل في تعميم المناهج التي أثبتت نجاحها في العلوم الطبيعية لجعلها مناسبة للاستخدام في العلوم الاجتماعية".

لقد كانت المشكلة التى تصدى لها دلتاي هي إصرار الوضعيين على تطبيق المنهج التجريبي بصرامة في دراسة الإنسان والمجتمع. "فأصحاب منحى الوقائع الخارجية والمعطيات الحسية المقيسة يقنعون بإحالة القضية بأسرها إلى النموذج القياسي الطبيعي حيث ينكرون الفروق بين العلوم الإنسانية والطبيعية، وحسب الباحث أن يلتزم بمزاولة المنهج المتفق عليه في العلوم الطبيعية؛ لأن فيه الحل الحاسم لمشكلة الموضوعية – قاعدة العلم ومحوره – التي سرعان ما يختفي شبحها، كمشكلة أمام هذا المنهج، وتذوب الأوهام الميتافيزيقية التي تكتنفها.(10)

وانطلاقا من ذلك – يؤكد أبو زيد ( ص24) - أن دلتاي حاول أن يقيم العلوم الاجتماعية على أساس منهجي مختلف عن العلوم الطبيعية،لقد كان صارما في فلسفته ورفض الوضعية وميتافيزيقا الكانتية الجديدة. إن الفارق بين العلوم الاجتماعيةوالعلوم الطبيعية يكمن عنده في أن مادة العلوم الاجتماعية – وهي العقول البشرية – مادة معطاة، وليست مشتقة من أي شيئ خارجها، مثل مادة العلوم الطبيعية التي هي مشتقة من الطبيعة. إن على العالم (بكسر اللام) الاجتماعي أن يجد مفتاح العالم (بفتح اللام) الاجتماعي في نفسه وليس خارجها. إن العلوم الطبيعية تبحث عن غايات مجردة، بينما تبحث العلوم الاجتماعية عن فهم آني من خلال النظر في مادتها الخام.إن الإدراك الفني والإنساني هما غاية العلوم الاجتماعية، وهذان يمكن الوصول إليهما من خلال التحديد الدقيق للقيم والمعاني التي ندرسها في عقول الفاعلين الاجتماعيين، وليس من خلال مناهج العلوم الطبيعية، وهذه هي عملية الفهم الذاتي أو التفسير، نصل إلى مثل هذا الفهم من خلال العيش مرة أخرى Reliving في الأحداث الاجتماعية.

أن الحقيقة التي يطمح إليها الباحث في العلوم الإنسانية ليست خارجة كعنصر أجنبي وغريب، وإنما بداخله ومحايثة لنشاطه المعرفي. تصبح العلوم الإنسانية، من هذا المنظور"مرآة"يرى بواسطتها الباحث إمكانياته المعرفية وحدوده:" المعرفة في العلوم الإنسانية لها دوما علاقة بمعرفة الذات. العلوم الإنسانية تربط الباحث بذاته عبر عنصر التراث كفهم جذري للذات وتناهيها. "حقيقة" الموضوع المدروس ( المجتمع – الحدث التاريخي – الأثر الفني أو الأدبي ...) هي في الواقع "حقيقة بالنسبة إلى" هذا الباحث الدارس، حقيقتـ(ــه) كما يتمثلها وينتجها.(11)

إن الإنسان - سواء أكان ذاتا خاضعة للدراسة أو باحثا - هو محور الخطاب الهرمنيوطيقي، ولكن عن أي إنسان نتحدث؟ إنه الإنسان، أو صورة الإنسان بالمعنى الأرسطي، التي استقرت معالمها وتحددت قسماتها وماهيتها، فهو الإنسان العاقل الرشيد الذي وهبت له قدراته ومشاعره وتصوراته دفعة واحدة، ولابد أن يكون هو الإنسان الذي يعرفه كل منهم في نفسه، أو فيمن يخالطهم في مجتمعه وعصره.(12)

الإنسان كائن تاريخي - هكذا يرى دلتاي – بمعنى أن الإنسان يفهم نفسه - لا من خلال التأمل العقلي – بل من خلال التجارب الموضوعية للحياة. أن ماهية الإنسان وإرادته ليست أشياء محددة سلفا، فالإنسان ليس مشروعا جاهزا مصمما من قبل، ولكنه مشروع في حالة تخلق.إنه يفهم نفسه بطريق غير مباشر، إنه يقوم بجولة هرمنيوطيقية (تأويلية) من خلال التعبيرات الثابتة التي تنتمي للماضي، وبهذا المعنى فهو كائن تاريخي. إن التاريخ – إذن – ليس معطى موضوعيا في الماضي، قائما هناك، ولكنه معطى متغير، إننا في كل عصر نفهم الماضي فهما جديدا من خلال التعبيرات الباقية لنا، ويكون فهمنا للماضي أفضل كلما توفرت شروط موضوعية في الحاضر شبيهة بما كان في الماضي.(ص 28)

إن ثمة رؤية مغايرة للتاريخ لدى دلتاي، فإذا كان كانط في "نقد العقل الخالص" قد وضع الأسس الأولى للعلوم الطبيعية، فإن دلتاي في كتابه "نقد العقل التاريخي" حاول اكتشاف أساس علم المجتمع والتاريخ، لقد بين كانط في نقد العقل الخالص أن الموضوعات تعطى لنا عن طريق الحس، من حيث أن قدرتنا على التفكير في موضوع الحس هي الفهم Entendement . ولا أفضلية لإحدى هاتين الخاصيتين عن الأخرى، فبدون الحساسية لا يمكن أن يعطى لنا الموضوع، وبدون الفهم لا يمكن التفكير في أي موضوع. وعن اتحادهما تصدر المعرفة، وبالتالي فإن الوظيفة الموضوعية لمقولات الفهم، ليست سوى الانطباق على الموضوعات الحسية (يتم ذلك من خلال وحدة الشعور، الخيال ...)، لأجل معرفة موضوعية، لكن أحكام الإدراك الحسي ليست كلية ولا ضرورية، ولا تصدق على كل الذوات في كل الشروط. . . . . يرفض دلتاي التجريد القبلي عند كانط، لأنه جاف بدون فائدة وميت، لكن الشروط الحقيقية للفكر إنما تستخلص من صيرورة الحياة التاريخية، من تطورها. وبالتالي فإن الحقيقة الموضوعية للموضوعات الخارجية وللعقول الأخرى لا تتمثل في مطابقتها لقوانين نســق عقلي، بل تتمثل في علاقة حيوية تتفاعل فيها الذوات مع الفعل. إذن فالمعرفة تصبح مشروطة باستمرار مع دلتاي بفهم الســــياق الداخلي (العقل، الغريزة، الحياة العاطفية، أفعال الإرادة...) فهذا السياق يشكل أساس عملية المعرفة. وينتج عن ذلك أن نظرية المعرفة تتطلب لأساسها فهما لهذا السياق الداخلي، أي أنها في حاجة إلى "علم نفس جديد".(13)

لقد كان نقد الفهم التاريخي هو الموضوع القريب من قلب دلتاي (وعقله بالطبع) وقد قال بثلاثة مبادئ لما سماه بالتاريخية: الأول أن كل ما هو إنساني جزء من العملية التاريخية.وينبغي تفسيره تاريخيا، فالإنسان تاريخي في جوهره، والدولة والأسرة والفرد تتحدد معانيها بأحوال وظروف تختلف باختلاف العصور.الثاني أن المؤرخ لايمكن أن يفهم هذه العصور إلا بتصور وجهات نظر الناس الذين عاشوا فيها وأمنوا بها، الثالث أن المؤرخ في فهمه لهذه العصور محدود بثقافة عصره، ويخضع تفسيراته لها بما يثير اهتمامه من أحداثها، وتكون له انعكاسات على على عصره، ومن ثم يفيض عليها من معاني عصره ما يصبح جوانب مشروعة من معاني ذلك الماضي.(14)

إن أهمية دلتاي هي التي دفعت فيلسوفا تأويليا آخر وهو بول ريكور بأن ينظر إلى التمييز الذي أقامه دلتاي بين علوم الطبيعة وعلوم الروح على أنه إحدى أهم لحظات تحول الهيرمنوطيقا فهو يعتبر أن دلتاي يقع في المنعطف النقدي للهيرمنوطيقا، حيث أصبحنا بعد ذلك وعوضا من أن نطرح: كيف نفهم نصا ما انتمى إلى الماضي؟ صار السؤال المحوري الآن هو كيف نتصور تسلسلا تاريخيا؟ وقبل انتظام نص معين يأتي انتظام التاريخ باعتباره وثيقة الإنسان الكبرى وأهم تعبير للحياة. بذلك استطاع دلتاي نظم الصلة بين الهيرمنوطيقا والتاريخ، واستطاع أن يجد أساسا كونيا للعلوم الإنسانية، فأصبحت التاريخانية (الوعي التاريخي) تهتم بالتسلسل التاريخي الذي يحمل آثار الإنسان الفنية والعقلية. هكذا طرح دلتاي سؤالا أساسيا وهو كيف يمكن أن تكون المعرفة التاريخية ممكنة؟ هذا السؤال يقودنا بالضرورة إلى عتبة التعارض الكبير بين فهم الفكر وشرح الطبيعة. بهذا يمكن اعتبار أن دلتاي قد طور الجانب النفسي لهيرمنوطيقا شلايرماخر التي تناقش المشكلة الأخرى للفهم وذلك في محاولة نقله للآخر. بمعنى أن التأويل الذي كان مرتبطا فقط بالنصوص المكتوبة، أصبح الآن مرتبطا أكثر بمجالات الحياة النفسية الذاتية والأخرى الخارجية. وأصبح التأويل الأول مجرد جزء بسيط من مجال الفهم الأكثر اتساعا، والذي يهتم بالحياة في شموليتها. الحياة في نظره لا يمكن تأويلها إلا بصورة غير مباشرة عن طريق العلامات التي تمثل تجسيدا لها وتعبيرا عنها كالفن والدين والفلسفة… لهذا فإن كل معرفة عند دلتاي هي معرفة تاريخية تبقى راسخة في الذهن.(15)

ومن ذلك فإن دلتاي قد قام بإنزال الفكر في مفهومه الهيجلي من السماء المتعالية على التاريخ؛ فهو يتجاوز المعرفة المطلقة والمتعالية على التاريخ ليقرر معرفة تاريخية ومتجذرة في تجربة الحياة. كل من الدين، الفن والفلسفة والعلم والمنطق هي عبارة عن تجارب حيوية واستعمالات تعبر عن الطابع الخلاق للفكر وتجليات الحس التاريخي. (16)

لقد أصبح التاريخ حقله المعرفي المفضل لممارسة الهرمنيوطيقا لأنه فرض المشكلة الفلسفية المتمثلة بوضع الخبرة الفردية التاريخية في فهم عام واضح يفترض أن تكون الطبيعة الإنسانية فيه الوعي الشمولي التاريخي، أي نمط المعرفة. (17)

إن ثمة ارتباط وثيق بين الهرمنيوطيقا والتاريخ، فالهرمنيوطيقا على ما يقرر دلتاي هي الوسيلة المثلي لتحقيق الوعي التاريخي، فمن خلالها نستطيع قراءة التاريخ واستيعابه، إن الهيرمنيوطيقا تمكننا من الدخول في أعماق التجارب التاريخية، إننا في كل عصر نفهم الماضي فهما جديدا من خلال التعبيرات الباقية لنا، ويكون فهمنا للماضي أفضل كلما توفرت شروط موضوعية في الحاضر شبيهة بما كان في الماضي.

 

د. حسني إبراهيم عبد العظيم

عضو هيئة التدريس – قسم علم الاجتماع – كلية الآداب

جامعة بني سويف – ج.م.ع

....................

الهوامش والمراجع:

(1) محمد شـوقي الزين، مفتاح التأويل في قراءة التراث الإنساني، مجلة فكر ونقد، السنة الثالثة، العدد28،إبريل 2000

(2) المرجع السابق.

(3) المرجع السابق.

(4) بول ريكور،مهمة الهرمنيوطيقا، ترجمة خالدة حامد، مجلة أفق التقافية، أكتوبر2002.

(5) يؤثر صلاح قنصوة ترجمةالمصطلح الألماني Verstehen بالتفهم تمييزا له عن الفهم الذي يقارب لفظا ألمانيا آخر هو Begreifen الذي لاينقل المعنى الخاص المقصود بالتفهم كمنهج مستقل . فكلمة الفهم تشير إلى الغاية التي تهدف إليها كل المناهج والعلوم، بينما تتضمن كلمة "تفهم" العربية لونا من المشاركة والتواصل والتواد، وهو ما يزكيها مقابلا للأصل الألماني. أنظر: صلاح قنصوة، في فلسفة العلوم الاجتماعية،مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة،1987،ص 188.

(6) نادر الصاوي، مبادئ فلسفة الفهم وأسس العلوم الإنسانية عند دلتاي، منتدى آفـاق الفلســـفة والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا، يونيو 2009. .

(7) إيان ماكلين،التأويل والقراءة، ترجمة خالدة حامد، مجلة أفق الثقافية،إبريل 2002.لتأ

(8) نادر الصاوي، مبادئ فلسفة الفهم وأسس العلوم الإنسانية عند دلتاي، مرجع سابقٍ.

(9)عبد المنعم الحفني، موســوعة الفلسفة والفلاسفة، الجزء الأول،مكتبة مدبولي، القاهرة،الطبعة الثانية 1999 ص 580.

(10) صلاح قنصوة، في فلسفة العلوم الاجتماعية،مرجع سابق،ص 187.

(11) هانس جيورج جادامير، فلسفة التأويل:الأصول – المبادئ – الأهداف، ترجمة محمد شوقي الزين،المركز الثقافي العربي، المغرب، الطبعة الثانية،2006، ص 17.

(12) صلاح قنصوة، المرجع السابق،ص190.

(13) نادر الصاوي، مبادئ فلسفة الفهم وأسس العلوم الإنسانية عند دلتاي، مرجع سابق.

(14) عبد المنعم الحفني، موســوعة الفلسفة والفلاسفة، مرجع سابق، ص582.

(15) نادر الصاوي، مبادئ فلسفة الفهم وأسس العلوم الإنسانية عند دلتاي، مرجع سابق.

(16) محمد شـوقي الزين، مفتاح التأويل في قراءة التراث الإنساني، مرجع سابق.

(17) إيان ماكلين،التأويل والقراءة، مرجع سابق.

haidarabdalsalam aletabiعلى الرغم من ان الفيلسوف الالماني فيورباخ (1804-1872) قد أسس على ما بدأ به مواطنه وأستاذه الفيلسوف هيجل (١٧٧٠-١٨٣١) فيما يتعلق بقضايا الدين ألا أنه اختط طريقا فلسفيا ًخاصاً به مخالفا تمام الاختلاف عن هيجل، وكذلك يبقى فيورباخ الأشهر بين الفلاسفة ممن تناولوا القضية الدينية بالتفصيل والإسهاب والنقد الموضوعي حيث افني جل عمرة في مناقشة تلك القضية الجوهرية في تكوين حضارة الإنسان، واستمر على ما أسس عليه فيورباخ الكثير من الفلاسفة الغربيين بعد ذلك والعلماء الاجتماعيين والنفسيين وربما الأشهر بينهم النمساوي سيجموند فرويد في العديد من مؤلفاته (مستقبل وهم، موسى والتوحيد، الطوطم والتابو) التي تناولت القضية الدينية على الرغم من تخوف فرويد خلال حياته من الخوض في غمار تلك القضية خوفاً من التأثير على أشهر متبنياته ألا وهو علم التحليل النفسي .

في بدايات حياة فيورباخ كانت كتاباته تهتم بالمسيحية كديانة العامة والمجتمع المحيط به ثم تطورت افكاره فيما بعد لتتناول الدين بصفته العامة بعيدا عن المسميات والتفرعات .

ولتسليط الضوء على رؤية فيورباخ لابد من تبيان اشهر متبنياته الفلسفية والتي تتبنى تحويل الدين من الألهي الى الأنساني بمعنى آخر تحويل الدين من السماوي إلى الأرضي او كما أطلق عليه الدين الذاتي، وقد بقيت هذه الرؤية مغايرة لما ذهب إليه استاذه هيجل والذي اصبح من معارضيه بالرأي حيث بقيت رؤية هيجل تحمل طابعا من الميتافيزيقيا النظرية يقول هيجل (إن أدراك الممكن "الانسان" للمطلق "الأله" وأدراك الممكن لنفسه وجهان لحقيقة واحدة) فالإله لدى هيجل بقي حقيقة مستقلة عن الانسان"اذا كان الأله يتجلى لذاته في تأريخ الإنسانية فإن الإنسان لا يستطيع التأثير على هذا التجلي" 1.

بينما نظرية فيورباخ النهائية كما أشرنا بقيت نظرية مادية مرتكزة على معرفة اجتماعية، فانه يعتقد أن مفهوم طبيعة الإله لا يعدو أن يكون مفهوم عن طبيعة الإنسان نفسه فهو يرى ان الانسان صوّر الأله وفقا لصورة الإنسان الجوهرية، وان طبيعة الانسان الفعلية لا تتطابق مع طبيعته الجوهرية (الانسان المتكامل) وهذه الصورة الجوهرية هي التي أنعكست بصورة إله نتيجة سوء تفسير هذا التغاير الذي اصبح يُنظر إليه على انه وجود منفصل عن الانسان الفعلي بمرور الزمن وبمعنى آخر فانه يرى ان المصدر الالهي هو مصدر انساني وأن الآلهة في نهاية المطاف تمثل مشاعر وأفكار الأنسان الداخلية، وتُعد تعبيرا عن أحلامه وأمنيه .

وكذلك يشير فيورباخ الى مبدأ مهم بفلسفته المادية التي تفسر اصل الدين الا وهو مبدأ التبعية فهو يرى "ان الشعور بالتبعية عند الانسان هو مصدر الدين ولكن موضوع هذه التبعية اي التي يكون ويشعر بتبعيته لها هي في الاصل ليست الا الطبيعة، فالطبيعة هي الموضوع الأصلي الاول للدين ،كما يبرهن على ذلك تاريخ كل الديانات والامم بدرجة كافية "2.

ويستتبع ذلك بقوله" إن أسلافنا القدماء كانت لديهم فكرة أولية عن العلاقة بين السبب والنتيجة. فضرب جوزة بحجر يجعلها تنكسر، ورمى رمح بعناية بالإمكان توجيهه بدقة بحيث يتبع مسارا محددا. لكن على الرغم من أنتظامات سلوك محدد كانت تشكل ظاهرة لدى القدماء الا ان اغلب الظواهر الطبيعية المهيمنة بقيت غامضة لا يمكن التنبؤ بها واُختُرِعَت الآلهة كى تفسرها وهكذا وجدت آلهة المطر وآلهة الشمس وآلهة الشجر وآلهة النهر إلخ .. كان العالم تحت سيطرة كائنات خفية قوية كثيرة"

وبذلك المجال يشير فرويد الى ان الدين كموضوع من موضوعات الحضارة قد مرّ كحال أي من تلك الموضوعات بمراحل تطورية متتابعة حتى العصر الراهن وحين العودة المنطقية لعصور للإنسان البدائي يبين فرويد "الإنسان البدائي لا خيار له، فهو لا يملك طريقة أخرى بالتفكير، فمن الطبيعي عنده بل من شبه الفطري أن يُسقط ماهيته الخاصة على العالم الخارجي وأن ينظر الى جميع الاحداث التي يلاحظها وكأنها من صنيع كائنات مشابهة له في واقع الامر. ذلك هو منهجه الأوحد في الفهم".

هذه العلاقة النفسية مع القوى الغامضة المحيطة به المُسيّرة للطبيعة و التي لها من التأثير على حياته ومحيطه بشكل لا يستطيع فهمه والتـأثير عليه هي التي اضطرت الانسان البدائي لأبداء التوسل لها وتجريدها و إضفاء صبغة صفاته الجوهرية عليها ليسهل التعامل والتواصل معها كنسخة من طبيعة علاقاته مع أبناء جنسه حيث تعتبر تلك العلاقة أولى معالم الدين بحسب رؤية فرويد

" إن الانسان حيث يشخص قوى الطبيعة، يقتدي مرّة أخرى بنموذج تعاملي، فقد تعلم من خلال الأشخاص الذين يؤلفون محيطه الأول انه لابد له أن يقيم علاقة معهم أذا أراد التأثير عليهم، ولذلك يسلك المسلك نفسه فيما بعد، ولنفس الغرض، ومع كل ما يصادفه في دربه، فمن الطبيعي بالفعل لدى الإنسان أن يشخص كل ما يريد فهمه حتى تمكنه السيطرة عليه فيما بعد – ان السيطرة النفسية هي التي تمهد الميدان أمام السيطرة المادية"3.

وبالعودة الى فيورباخ وبالعودة الى كتابه القيّم "اصل الدين" الذي يكرس الجوهر البشري للدين بحسب فيورباخ فتقييم الانسان لذاته وحياته ينعكس بتقديره للآلهة "إن عبادة الالهة تعتمد فقط على عبادة الانسان لنفسه" ويضيف "ان القيمة التي اعزوها بوعي لمصدر الحياة لا تعكس الا القيمة التي اعزوها عن وعي للحياة ولنفسي، وكلما زادت قيمة الحياة كلها زادت قيمة أولئك الذين يعطون الحياة، الآلهة" ويستشهد فيورباخ بمثال قائلا" كيف كان يمكن للآلهة أن تتالق بالذهب والفضة دون أن يعرف الانسان قيمة وأستعمال الذهب والفضة؟4 .

لقد أثر فيورباخ بفلاسفة وعلماء عصره تأثيراً كبيرا لدرجة قال عن ذلك انجلز "كان الحماس عاما وصرنا جميعا فيورباخيين دفعة واحدة " وحتى اليوم لاتزال آراء فيورباخ محل دراسة واهتمام الكثيرين حيث تعتبر نظرياته الاساس الذي بنيت عليه اصول المذهب الطبيعي في دراسة الانسان.

 

حيدر العتّــابي /العراق

....................

هوامش

1 فكر هيجل روجيه غارودي ترجمة الياس مرقص 234

2 اصل الدين فيورباخ 41

3 مستقبل وهم سجموند فرويد 31

4 اصل الدين 44 فيورباخ

zouhair khouildi"لقد أخفت السياسة عني لوقت طويل السياسي"1

يبدو أن أساس السياسي عند "ريجيس دوبريه" في كتابه "نقد العقل السياسي" هو الديني بمعنى الرمزي والمتعالي والمقدس والمعتقد. إنها النتيجة التي توصل إليها عالم الاجتماع الفرنسي في نقده الطويل للحياة السياسية ولقد تعاكس في ذلك مع كارل ماركس الذي سبقه في تثبيت الاقتصاد وبدقة أكبر علاقات الإنتاج والقوى المادية للإنتاج والطبقات الاجتماعية الركيزة الضرورية والبنية التحتية التي تحدد كل من السياسة والثقافي والديني ومعظم مكونات البنية الفوقية وجميع الأجهزة الإيديولوجية للدولة مثل القضاء والتعليم.

يبدأ دوبريه كتابه بنقد معنى الايديولوجيا والكشف عن ضمنيات البدائل وخلفيات التنظيمات ووظائفها الحقيقية والمصالح المستهدفة من تشكلها ويقوم بتشريح الوهم غير الإجرائي الذي يحجب الواقع وينادي بالكف عن الاعتقاد في تبني إيديولوجيا عقلانية خالصة والتخلي عن الزعم بامتلاك قراءة موضوعية للواقع الاجتماعي ويكشف على أن الايديولوجيا هي عاطفية ومرتبطة بأمر الانتماء إلى مجموعة إنسانية.

يدرس ريجيس دوبريه شروط تشكل التنظيمات الهووية وقيام الأحزاب السياسية ووظيفة المجموعات البشرية الثابتة ويكشف الروابط المتينة التي يمكن أن تقوم بين قوة المعتقدات الإيمانية وصلابة الأفكار الدينية واستقرار الكيانات وانسجام المجموعات التي تتبنى تلك الأفكار التحشيدية والرؤى الإيمانية. لكن لماذا يرى دوبريه حتمية وجود معتقد داخل كل جماعة ؟ كيف تكون طبيعة الجماعي دينية ضرورة؟

يحاول دوبريه الاجابة على هذا السؤال الأول بواسطة مفهوم اللاامتلاء واللااكتمال ويفسر ذلك بقوله:" مع مفهوم اللااكتمال أعمم على النظام السياسي ما تقوله قاعدة غودل في نظام المنطق التي تبين بأنه لا يمكن لأي نسق أن يؤسس حقيقته دون الرجوع الى عامل خارج عنه، بمعنى آخر لا يوجد أي نسق برهاني في ذاته ، أحاول أن أوضح على ضوء هذا النسق الاجتماعي ماهية إذن هذا العنصر الخارجي".

من طبيعة النسق الاجتماعي أن يترك المجال الى وسيط خارجي يتحمل مسؤولية التنظيم وتحقيق التناغم ويسمح بتأسيس الحقيقة وبالتالي لا تدرك المجموعة هويتها إلا عبر تمثلات أو أفضل بواسطة كاريزما. وبالتالي تبقى المجموعة مدينة للوسيط الخارجي باستمرار هويتها وبقاء وحدتها الكلية مصانة ومحفوظة.

بهذا المعنى تحتاج الجماعة السياسية إلى الديانة الطبيعية قصد التغلب على اللاإكتمال وسد أبواب النقصان ولا يمكن التعامل مع الديني هنا كنسق من المعتقدات وإنما يتم أخذه كمعطى لتصريف المقدس الاجتماعي. هذه الطبيعة الدينية للجماعي تفرض على كل المجتمعات خصوصياتها بما فيها المجتمعات التي تزدريها.

يشكل المعتقد عنصرا طبيعيا للجماعي ويتحول إلى أرتدوكسية ودوافع عميقة عميقة توجه الفعل السياسي وتحدد مصير الجماعي وتمثل بالخصوص نسق مقاومة ودفاع ضد كل اعتداء خارجي وكل تفكك داخلي.

يبرهن دوبريه على هذا التلاحم باستعصاء قسمة الوحدة المفهومية التي تكون السياسي والديني والعسكري ويرى أن الايديولوجيا الدينية تؤدي وظيفة الجهاز الاجتماعي وتمنح التنظيم الذاتي وتتفادى الانقلابات وتضمن الاستقرار والانسجام وتتدارك فترات الفراغ والانتقالات الفجئية وتحقق توازن اثني وهووي.

لا مجال للاعتقاد إذن بأن ملاحظة المجتمعات البشرية الحديثة تأذن بمصادفة مجتمع بلا ايديولوجيا وبلا منظومة إعتقادية تؤدي وظيفة اجتماعية وتضفي المعنى على العالم الذي يعيش فيه أفراد ذلك المجتمع.

ما فتئت السياسة تجعل الناس حمقى ومجانين ولاعقلانيين وخطرين وباحثين عن الانتقام والثأر وطامعين في المجد والسلطة والثروة وهذا ما يقوله الحس المشترك ويؤيده المنهج التحليلي الجدلي لريجيس دوبريه.

لاشيء يحدث للمرء دون سبب معلوم وتوجد جملة من العلل جعلت الناس يقعون ضحية اللاّعقل ويتبعون الأهواء وربما سؤال دوبريه الثاني هو الآتي: لماذا يفقد الناس عقولهم من أجل أن يعيشوا في مجموعات؟

يتطلب معالجة المشكل واجب الصعود إلى شروط إمكان انبثاق الهذيان الجماعي والهوس الإيديولوجي وعلى هذا الأساس يشرع دوبريه في امتحان مكونات الخطاب السياسي وذلك بتحليل لغة الهذيان الجماعي وتشريع الايديولوجيا الثاوية وتفحص البنية المنطقية التي تسمح بتشكل جماعة سياسية مستقرة ومنسجمة.

يحدد لاإكتمال المجموعة المغلقة استعمالها الممكن لقابلية أفرادها للفعل والتنظم الجماعي، ولا تعمد إلى إتباع مسارات ايديولوجية كثيرة وفق سرعات متفاوتة بل تختار مسار اعتقادي واحد وفق سرعة منتظمة.

غير أن الطبيعة الدينية للوجود الجماعي تتبلور بطريقة مادية وتشكل اللاوعي السياسي للبشرية وتعمل على تنظيم اللاّمتغيرات والدوال الثابتة في سلوك الأفراد وفي تحديد العلاقات بين العناصر المكونة للسياسي.لكن اذا كانت الأحزاب السياسية العصرية تضمر خلفية دينية أين العجب في أن تحمل الجماعات الدينية مواقف سياسية؟ ألا يجب أن تخرج الطبيعة الدينية من ظلمات اللاوعي إلى أنوار الوعي؟

 

المصدر:

Régis Debray, critique de la raison politique, éditions Gallimard, Paris , 1981.

 

د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفي


 

اعتبر اينشتاين (1879-1955) الاخلاق شيئا اساسيا لا غنى عنه لبقاء الانسانية، حيث بذل جهدا كبيرا لصياغة موقف متماسك عن العلاقة بين الاخلاق والعلوم والدين. فهو يرى ان الاخلاق يجب ان تبتعد عن الدين وتُعامل قدر الإمكان كمسألة دنيوية في جلب الاستقامة والسعادة لكل الناس.

ان المصدر الرئيسي لعدم الانسجام سواء بين الافراد او الجماعات وفقا لاينشتاين هو الاحساس المفرط بأهمية الذات. ولذلك هو طبّق مقدرته الراسخة في تصحيح سوء الفهم لمشكلة غرور الانسان، وهذا قاده للاشارة الى الخطأ الكبير في شعورنا بإمتلاك الرغبة الحرة .عدم وجود الرغبة الحرة بدا لاينشتاين واضحا جدا لدرجة انه لم يجد صعوبة في توضيح استدلالاته على مستوى التفاصيل، لكن الموضوع حقا يشكّل عقبة خطيرة حينما يحاول الناس اتّباع تفكيره في الاخلاق. ان دعم اينشتاين المستمر لحرية الفرد ضد السلطوية بدا للمراقبين كشيء غير منسجم مع انكاره للرغبة الحرة. سنحاول هنا ملأ الفجوات المفقودة من عرض اينشتاين، وبيان الانسجام بين كلماته واعماله، وتقييم الصلة الحالية والمستقبلية لإتجاه اينشتاين في الاخلاق.

 

لا وجود للاختيار

يحاول العلماء توضيح العلاقات السببية بين الاحداث المُشاهدة عبر القوانين الكونية للطبيعة العاملة في المادة. الاجسام الانسانية هي ايضا مصنوعة من الذرات، وعلى الرغم من ان هناك العديد من العوامل الملائمة لإعطاء وصف ميكروسكوبي عملي للفرد، لكنه لا شيء من حيث المبدأ يمنع السلوك المعقد للانسان من ان يوصف علميا – وهو ما تعنيه التطبيقية الكونية للقوانين العلمية.

اما بالنسبة للاطار العلمي الذي فضّله اينشتاين، هو الذي تنكشف فيه الاحداث بفعل قوانين مقررة سلفا، ذلك انه حالما تتحدد وبشكل تام الحالة الاولى للعالم، ستتقرر ايضا جميع الظواهر اللاحقة. وعليه عندما يواجه الفرد بدائل متعددة ويتخذ الخيار، فان رغبة صانع القرار في لحظة القرار هي في الواقع تقررت سلفا منذ بداية الكون. لذا فان الشعور بامتلاك خيار هو فقط نوع من الوهم. في شهر نوفمبر من عام 1930 وفي مقالة في مجلة نيويورك تايمز، قال اينشتاين بصراحة:"الى كل منْ يغمرهُ الاحساس بالقانون السببي بكل ما يحدث، ان الانسان يتصرف طبقا للضرورة الباطنية والخارجية، وهو سيكون، في نظر الله، ليس اكثر مسؤولية من الشيء الجامد في الحركات التي يقوم بها". البعض سيعارض بان الميكانيك الكوانتم أدخل عنصرا عشوائيا. ولكن بالطبع اينشتاين لم يعتقد بان سببية الكوانتم هي حقا عشوائية، قائلا لنيل بوهر Niels Bohr ان "الاله لا يلعب لعبة النرد". (بوهر اجاب كما يبدو بان اينشتاين لا يجب ان يخبر الله بما يقوم به). ولكن حتى لو كانت تقلبات الكوانتم هي حقا عشوائية، ذلك سيكون تبريرا صعبا للايمان بالمسؤولية الفردية، في ضوء الطبيعة الغير منضبطة لتلك التقلبات.

اذا كانت الرغبة الحرة مستحيلة، كيف يمكن للمرء اذاً اكتساب الوهم بامتلاكها؟Baruch Spinoza (1632-1677) اشار سلفا الى ان الفرد يرى ارتباطا سببيا موثوقا بين ما يمتلكه من رغبة بانجاز نتيجة معينة وتحويل تلك النتيجة الى واقع ملموس من خلال تحريك جسمه. ولكن بما ان الفرد لا يستطيع حساب العدد الهائل من الاسباب المبكرة التي قادت لامتلاكه الرغبة، فهو يأخذ أقدم سبب مُقتفى اثره، اي، رغبته، كأصل او مصدر للسلسلة اللاحقة للاحداث. سبينوزا يرى ان هذا القطع او الاختزال غير منطقي، لكنه يصبح ممارسة شائعة، ونحن نردد بشكل روتيني اشياءاً مثل "انا اتحمل المسؤولية عن هذا الخطأ" حتى لو ان مثل هذا الادّعاء يصبح له معنى فقط كشكل من تسجيل المديونية. عندما قال الرئيس بوش انه يتحمل المسؤولية لسؤء التعامل مع اعصار كاترينا، هو عرف، والجمهور عرف ايضا، ان الاسباب الحقيقية لسوء الادارة كانت اكثر تعقيدا.

هذا ربما لايزال غير مقنع للناس. احدهم ربما يسأل: انا اشعر كان بامكاني عمل خيار مختلف عن الخيار الذي قمت به، فلماذا اذا لا اكون انا مصدر القرار؟ الجواب هو ان هناك خيار حقيقي واحد فقط تم في تلك اللحظة، وهو خيار اُملي باسباب قبلية. اذا كان عليك مواجهة نفس الخيارات مرتين، انت قد تصنع خيارين مختلفين بشكل مقبول، لكن ذلك يعني فقط انه في الفاصل الزمني بين وقوع الخيارين هناك احداث جديدة وقعت - ربما فقط في دماغك- جعلتك تغير اختيارك. لا يهم كيف تصنع خياراتك، افعالك لا تزال كلها تتقرر باسباب قبلية.

المراسلة التي حصلت بين اينشتاين وصديقه Otto Juliusburger حول مسؤولية هتلر عن جرائم الحرب العالمية الثانية توضح كيف نظر اينشتاين للتعامل مع النتائج الاخلاقية لغياب الرغبة الحرة. هو اعترف بانه طالما ان سلوك كل شخص يتقرر بعوامل قبلية، فان هتلر ليس امامه خيار سوى ما قام به، ولذا فان الحجج الاخلاقية المستخدمة مثلا في استثناء الرجل المجنون من العقوبة – باعتباره لم يكن يعرف ما كان يعمل - ربما ايضا يمكن تطبيقها على هتلر. بكلمة اخرى، الفرق الذي يقيمه المحامون بين المضطرب عقليا الذي لا يعرف الصواب من الخطأ وبين آخر يتصرف لا اخلاقيا لكنه يعرف انه خطأ، يبدو غير مهم لاينشتاين، طالما كلاهما يقومان بما يجب عليهما القيام به انطلاقا من احتشاد الاحداث في دماغيهما،والتي تتدفق وبشكل راسخ من العلل السابقة. لذا بدلا من التركيزعلى العقوبة، لابد من ان يسترشد الفعل القانوني برفاهية البشرية، ورفاهية البشرية تبرر الافعال لمنع هتلر المستقبل من تحطيم حياة الناس الاخرين، تماما كما يتصرف المجتمع لمنع مرضى الشوزيفرينيا من الاضرار بالاخرين. اينشتاين اتخذ ايضا من غياب الرغبة الحرة كنداء لنا كي لا نتعامل بجدية مع سيادتنا المفترضة: ما نحميه بغرور ونكرّسه بقسوة كسيادة لنا هو في الحقيقة نتيجة للعدد الهائل من العوامل التي ندركها فقط بشكل غامض .

 

نوعان من الحرية

الناس الذين يواجهون هذا المنطق لأول مرة يميلون ليصبحوا مذعورين – ماذا سيحدث لحريتنا المفترضة اذا لم تكن لدينا الرغبة الحرة؟ في الحقيقة لا حاجة للخوف لو ميزنا بين نوعين من الحرية: الحرية من العلل السابقة، والحرية من الاكراه. ان فكرة الرغبة الحرة المطلقة تفترض ان خياراتنا لم تتقرر بالعلل السابقة، لكن القليل منا حقا يعتقد بالحرية بهذه الطريقة. بدلا من ذلك، نحن نشعر بفقدان الحرية عندما نكون مكرهين، اي، عندما نجبر للقيام بعمل ما او ان نكون بموقف معين ضد قيمنا. هناك مجموعة افضليات ومكروهات معينة يعتبرها الفرد خصائص له. هذه المجموعة من القيم ربما تتغير مع الزمن لكنها ثابتة في المدى القريب جدا. وعليه يصبح هناك معنى لنعيد تعريف"الخيار الحر"كخيار منسجم مع مجموعة قيم الفرد المؤكدة ذاتيا.

اينشتاين كشف بكلماته وافعاله انه قبل بهذا الاستخدام اللغوي للرغبة الحرة: حرية الفرد التي ناضل من اجلها طوال حياته ضد السلطوية تنسجم مع وصف "الحرية من القهر". من الملفت ان زميل اينشتاين والبايوغرافي ابراهام باس Abraham Pais كتب عام 1982 انه لو اراد اعطاء وصفا مختصرا لاينشتاين، سيقول ان اينشتاين كان الفرد الاكثر تحررا على الاطلاق. باس استمر ليوضح انه يقصد ان اينشتاين بدى الاقرب ليكون سيد قدره. من الواضح ان هذه الفكرة للحرية تشير ليكون متحررا من القهر وليس متحررا من الاسباب القبلية. باختصار، اينشتاين قيّم حرية الفرد لكنه لم يفقد الرؤية بالطبيعة الزائلة والمحدودة للذات.

 

عبودية الانسان

في نفس الخط مع هذه الرؤية للحرية كمقدرة على انجاز القيم الفردية، طالب اينشتاين المجتمع ليعطي حيزا واسعا لكل فرد ليستكشف فكرة معينة لانجازاته العقلانية:"سواء كان عملا فنيا او انجازا علميا هاما، فان ما هو عظيم ونبيل انما يأتي من شخصية منعزلة،"حسبما جاء في (البرت اينشتاين, الجانب الانساني، 1979). لكن، التبرير الذي ساقه لتعزيز رغبات المنعزلين في العالم- والذين هو من بينهم – كان الفائدة اللاحقة للمجتمع ككل. اينشتاين ربما تأثر بسبينوزا وايضا بالتفكير البوذي، حين تحدث عن "عبودية الرغبات الانانية،والمخاوف" التي يعاني منها الفرد(العلوم، الفلسفة والدين: مؤتمر اكاديمي، 1941). هذه العبودية هي قهرية يمارسها ليس الاخرون وانما الذات.

ولكن كيف تحدث تلك العبودية؟ اذا كانت قيم الفرد منطوية ذاتيا وبشكل ضيق جدا، فانها لا تعكس الطبيعة الحقيقية لذلك الفرد، والتي تستلزم وعيا بالارتباط بحياة الاخرين. لذا على الرغم من ان الخيارات الانانية التي يتخذها الفرد هي متحررة ظاهريا اي بمعنى تتفق مع قيمه الحالية، لكنها لا تنسجم مع طبيعته الحقيقية، ويصبح الصراع الداخلي نوعا من الاكراه. غير ان التحرر من عبودية الانا يقود الى استعادة الاحساس بالارتباط مع بقية العالم،وسيكون المرء قادرا على اعادة تقييم قيمه الاساسية عبر الحفر بعيدا في اعماق الذات. لذلك اقترح اينشتاين بان الكفاح الفردي انما يسترشد بالمبدأ المثالي في تعزيز رفاهية العالم ككل. هذه الرفاهية الكلية تتضمن مصلحة ذاتية شرعية،بالطبع، وان الخداع او التلاعب بالتوازن ليس بالسهل ابدا. وستؤول جهودنا للفشل في النهاية . وعليه من الافضل ان لا نأخذ ذات الفرد بجدية عالية.

اينشتاين بدا بدرجة ما يتبع توصيفاته الاخلاقية: نشاطاته الاخلاقية كانت موجهة بشكل كبير نحو القضايا العامة مثل نزع الاسلحة وانشاء حكومة عالمية. ولكن في المسائل الشخصية هو ايضا حاول اعتماد نصائحه الخاصة: رغم انه حاول ابقاء شؤون العائلة كشيء خاص، لكنه اعترف بحزن بفشله في زواجين اثنين في تحقيق انسجام عائلي. ولكن، طبقا لباس فان،"لمسات الحزن الطارئة عليه لم تستحوذ على احساسه بالمرح".

كراهية اينشتاين للغرور تضمنت ايضا الغرور القومي المتمثل بعقيدة تفوق الامة."انا ضد اي تفوق قومي، حتى وان كان بشكل وطنية مجردة"، قال ذلك في My Credo خطاب عام 1932 لنادي المانيا لحقوق الانسان. كيف ينسجم هذا مع عمله اللاحق للبحرية الامريكية، ومع رسالته لروزفلت حول القنبلة النووية؟ وفقا لرؤية اينشتاين، فان مشاركته في جهود حلفاء الحرب كانت لوقف التهديد للمجتمع الدولي الذي شكّله المجنون هتلر. ولكن حالما اصبح واضحا ان هتلر كان بعيدا عن اكتساب السلاح النووي، اعتذر اينشتاين عن المشاركة في تطوير اسلحة الدمار الشامل.

 

الحدس: شيء جدير بالاعتزاز والرعاية

بعض الناس الذين يحبون اتجاه اينشتاين المتواضع في الاخلاق يرفضون القبول باعلانه ان "الاخلاق هي ذات اهمية عظيمة – ولكن لنا، وليس لله"(البرت اينشتاين،الجانب الانساني).

اينشتاين اعترف فعلا بان افكاره في الدين والاله هي غير عادية. بالنسبة له ان العواطف الدينية تتألف من الخوف والتقديس لذلك الغموض العميق للكون، مثل لماذا توجد هناك قوانين طبيعية كونية دقيقة. العديد من الناس يشعرون بعدم الراحة من الاشارة الواضحة بان العلماء وحدهم المؤهلون تماما لدخول دين اينشتاين الكوني، ولكن في الحقيقة لم يكن اينشتاين مؤيدا للوثوق بالعقل وحده. في شبابه، قرأ اينشتاين بشغف كتابات ديفد هيوم ، والتي يمكن تلمّس تأثيرها في ما قام به من تمييز بين ماهو "كائن"من حقائق فيزيائية مشاهدة و بين الاخلاقي او "ما ينبغي". طالما العلم هو فقط حول "الكائن"، هو اعترف بانه، الى جانب العقل، لا بد من الحدس الذي يتطلبه اكتساب القيم ، بالاضافة الى الامثلة التي وضعها معلمو الاخلاق. كذلك، ان العلاقات الانسانية التي تهتم بها الاخلاق عادة تحتوي على العديد من المتغيرات التي تبطل التحليل العقلاني. وكما كتب اينشتاين "مما لا شك فيه، عندما تكون العوامل الداخلة في لعبة المركب الفينومولوجي كبيرة جدا ، فان الطريقة العلمية في اغلب الحالات ستنتهي بنا الى الفشل"(العلوم،الفلسفة والدين).

اينشتاين وفي اثناء عمله في النسبية العامة اقنعه بريقه الفكري بان البديهة هي هامة ليس فقط للاخلاق وانما ايضا للعلوم. وصفهُ في مجلة المانية للتشابه والاختلاف بين الفن والعلم يستحق الاقتباس:"اذا كان ما يُرى ويُمارس يوصف بلغة المنطق ، فنحن منشغلون بالعلم. واذا تم ابلاغ ذلك عبر أشكال يصعب فهم ارتباطاتها بالذهن الواعي لكنها مُعترف بها بداهةً كأشياء ذات معنى، عندئذ نحن نكون منخرطون في الفن. المشترك بين الاثنين هو حب الامتثال لذلك المتجاوز الذي يتغلب على الرغبات و المخاوف الفردية "(الجانب الانساني).ان الجانب البرجماتي لاينشتاين برز ايضا في موقفه تجاه الاديان القائمة. هو اعتبر معظم الاديان تحتوي على مزيج من الرؤى الثمينة والشوائب. الشوائب تشير افتراضا الى تلك العناصر الخرافية، التي لو اُخذت على ظاهرها ستتناقض مع الصلاحية الكونية لقوانين الطبيعة والرؤى الثمينة للدروس الاخلاقية للاديان. هذا يتضح في كتاباته عام 1937: "دعنا لا ننسى ان المعرفة والمهارة وحدهما لا يمكنهما قيادة الانسانية لحياة سعيدة وكريمة. الانسانية لديها كل الاسباب لوضع اصحاب المستويات الاخلاقية العالية والقيم فوق اكتشافات الحقيقة الموضوعية. ما تدين به الانسانية لشخصيات مثل بوذا وموسى ويسوع تشكل بالنسبة لي اعلى من كل انجازات العقل البنّاء".

 

كلمة اخيرة

ان تأكيد اينشتاين على عدم وجود ذات مستقلة قد لا يفيد عمليا في المدى القصير، لكنه يفيد في المدى الطويل. في المدى الطويل ستسود الحقيقة. بعض الدراسات في دماغ الانسان مثل(دراسة J.M. Delgado) اظهرت سلفا مدى سهولة المغالطة في نسبة حركاتنا للرغبة الذاتية بينما هي في الحقيقة لها اسباب اخرى. ومثلما تأثر اسلافنا بالخدع الاسطورية وابدوا لها الاحترام والاعجاب والتي تُعتبر الآن اوهاما حتى لدى الاطفال، كذلك فكرة الذات المستقلة هي ايضا سيتم الاقرار بها في النهاية كشيء من الوهم. هذا الاعتراف سوف لن ينهي صراع الانسان، ولكنه سيساعد في تهدئة العواطف الانوية والحماس الشوفيني.

 

   حاتم حميد محسن

 

 

zouhair khouildiتحاول الكتلة التاريخية أن تتدارك الفوات الحضاري وأن تعثر على الجواب الشافي للسؤال عن الهوية وأن ترد على تحديات العولمة وأن تجد طريق الخلاص من أزمة خطاب الهوية التي سببها الإقصاء والحرب. لكنها تقع في كماشة تعثر البدائل وفشل المرجعيات وحالة التخبط الإيديولوجي بين القوى المتنافسة وغياب المشروع الحضاري المتكامل وتعبر عن حاجة ماسة إلى رؤية معمقة للواقع وقراءة تشخيصية نقدية للمجتمع وغربلة فكرية للعقل الذي يسكننا.

لا يمكن بناء عمارة الهوية على أساس الدين فحسب ولا يجوز التعويل على الهوية الدينية لمواجهة المخاطر والصمود أمام موجات التفكيك والتقسيم بالرغم من ادعاء هذا الدين العالمية واكتساحه السريع للمعمورة. كما لا يتعلق الأمر بالبحث عن الأصل والتفتيش عن المصير بالنسبة للهوية التي تخصنا للإجابة عن سؤال من نحن؟ وذلك بطرح سؤال من أين أتينا؟ والى أين سنذهب؟ وإنما المطلوب تحديد موقعنا في العالم وقيمة الرصيد الهووي الذي تحوز عليه الجماعة التاريخية الناطقة بلغة الضاد والإجابة على سؤال أين نحن؟

ما انفكت حضارة اقرأ تطرح أسئلة شائكة حول نفسها ودورها في العالم سواء من أجل الرد على الاعتداءات والاستثبات أو بغية توطيد السيادة الحضارية وتدعيم الإشعاع والاستفاقة وتوكيد الانتشار الثقافي في الكون. لكنها لا تدعي امتلاكها لهوية متفوقة واستمدادها لهذا التفوق من الدين ولا تزعم مواصلة الريادة وقيادة القاطرة الحضارية في اللحظة الراهنة بل تعترف بفقدان البوصلة وبالضياع في العالم. كما أنها لا تحمل الدين حال الهزيمة التي منيت بها الملة ولا تتعامل مع نفسها كهوية مغلوبة وإنما تطمح إلى الاسترجاع والى العودة إلى الذات والتخلص من الاغتراب والجمود والتذبذب وزرع الاستنارة والمدنية في المدينة الانسية.

ما يثير الاستغراب ويمثل مفارقة أن الذين يتحركون في فلك الهوية ويقدمون أنفسهم كمدافعين عن الذات الحضارية ينتجون خطابا مبتسرا ويكتفون بكيل المديح الإفتخاري عن وضعيتنا التاريخية ويسقطون في زهو وغرور الخطاب الأبولوجي النرجسي، في حين أن الذين يجاهرون بالانتماء إلي الإنسانية ويحسمون أمرهم مع الموروث والتقاليد يشكلون مادة علمية دسمة عن زمانية الوجود الذي يحوينا والإطار الاجتماعي الذي يتبعنا. فهل يدل ذلك على أن ثبت الهوية يمر عبر الإفلات من رقابة الذاتية والاعتصام بالموضوعية؟ وكيف نتجاوز هذه الفصامية في البحث الأكاديمي بين ذاتية بلا هوية وخطاب هووي بلا موضوعية ؟

ربما يكون الاستنجاد بالمثقف النوعي هو الخيار الذي يفيد في تقوية الاقتدار على مواجهة الخطر بالالتزام بالطابع المركب للهوية والتأصل الكوني والأنسنة الثقافية وتعليم الحشود التي ننتمي إليها من جهة الاجتماع والقانون والثقافة والاقتصاد القيم الكونية والإنسانية التقدمية.

على هذا الأساس لا يتوقف التفكير الفلسفي في الهوية التي تخصنا عند ضبط المفهوم وتقديم التعريف ووضع الحد الجامع والمانع بل يتعدى ذلك نحو تحويل الثوابت وتحريك السواكن وإدخال التعقد في البسائط وزرع الاختلاف في الواحد والتعدد في الوحدة والاعتصام بالمنهج المركب والتدبير الإيتيقي لمستقبل النوع البشري واختيار أنماط الحياة الملائمة على الأرض والسماح بالتلاقي بين الذات والغير وبين الفرد والمجتمع والاسترسال بين الطبيعي والثقافي.  

لقد جعل أدغار موران من قضية أنسنة البشرية الاهتمام الأكبر بالنسبة للفلسفة المعاصرة وأوكل إلى العقل الايكولوجي مهمة المحافظة على الإقامة في العالم وركز على إبداع الهوية المركبة وصوب سهام نقده إلى المراوحات العقيمة والطرق التبسيطية والاختزالية للطبيعة البشرية وجعل من قضية المنهج البوابة المعرفية الحاسمة للتطرق إلى مطالب إنسانية الإنسانية ومعرفة المعرفة وطبيعة الطبيعة وحياة الحياة. وبالتالي تسمح الأنثربولوجيا الفلسفية عند أدغار موران بولادة سياسة للحضارة ترتكز بالأساس على محاربة الهمجية والشمولية وتوطن التأصل في الكون والاندماجية في المجتمع والأنسنة في الثقافة والخلقنة في السياسة وتضع الإيتيقا في حضن الوجود وتجعل من النهاية الكارثية بدء جديد لهوية البشر على منحى مختلف .

 

د زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

 

من الصعب الاعتقاد بوجود فهم متطابق في شرطه المطلق لا النسبي، كما يطلق عادة على تفاهم بين كائنين .. التفاهم المطلق يتعذر الوصول إليه طالما هنالك اختلاف في المدركات .. ولا أحد يستطيع أن يجزم أن المدركات بين كائنين من جنس واحد متطابقان تماماً .

قد يكون التطابق في الفهم على منهج معين ومحدد ولكن ليس تطابقاً مطلقاً في كل التفاصيل حتى خارج أطر المنهج المعني ما دامت الحالة العامة لأرضية التطبيق متحركة ومتغيرة وقابلة للتحولات في النوع وأيضاً في الكم .. وهذا يلامس الشكل لا الجوهر، إقتحام الجوهر، تلك الزاوية الداكنة في أعماق الذات الأنسانية يصعب بلوغها .

ثمة جانب صغير في كل عقل، وجانب كبير فيه، وعتمة سوداء لم تكتشف بعد، وأيضاً ثمة ضبابية قد تغلف صور الواقع (الخارج)، مهما يكن هذا الواقع، فكراً أم مادة .. الرؤى هنا تختلف تماماً، وربما تجمع بعضها معايير معينة ولكنها ليست ثابته ولا مطلقة .. ومن هنا فأن الأصعب في الفهم هو الداخل، رغم أن " هنري بيرغسون " الفيلسوف الفرنسي قد ألمح إلى أن (الجوهر يكشف عن نفسه دائماً)، وما يرادف ذلك أو يماثله هو السلوك الذي يكشف عن طبيعة الفكرة، والفكرة لا تكشف عن ذاتها أو كينونتها إلا من خلال السلوك، مهما يكن سوياً أو عدمياً في مجرى صراع الحياة .

وثمة أمر آخر يلامس هذه المقولة، قد لا يكشف عنها الجوهر دائماً، وتظل متلازمة، تخفي بعض ترسباتها في قعر الذاكرة ولا تكشف عنها أبداً.. بيد أن عملية الأستكشاف تأخذ نصيبها العميق، في ضوء المدركات، التي هي الأخرى، لها شأن آخر له مستواياته وأعماقه وقدراته على الفهم والتحليل والأستنتاج ووضع المعطيات في نصابها الصحيح، فأن عجزت المدركات عن الفهم بفعل قصورها وعدم نضوجها، فأن الفهم يكون قاصراً ونتائجه غير ناضجة وربما فاشلة أو عقيمة تماماً ولا تؤدي إلى نتائج مستقيمة، والعكس قد يفضي الى نتائج أقرب إلى الرؤية الواقعية للخارج سواء كان الخارج فكراً أو تصوراً مادياً خالصاً.. ومع ذلك يبقى تصور لحالة خاضعة للتغيير والتماثل.

فالمدركات تختلف وتتعارض، وقد تجمعها معايير شبه ناضجه ولكنها غير مكتملة النضج فتمسي فجة كالتفاحة قبل نضجها .. وهذا الأمر يختلف عن التصور القاصر، الذي يظهر عن الأنطباع الأول ما يخالف الحقيقة.. وخاصة حين يتم التصور على أساس أو من باب : هل يخفي الحقيقة وهل هنالك حقيقة يمكن إخفاؤها وماذا وراء الإخفاء ؟ ولماذا لا تكون الحقائق شاخصة ومنتصبة كعمود رخام .. ثم كيف يمكن أن يفكر الآخر؟ وكيف الدخول إلى أعماقه لأكتشاف المجهول أو الوصول إلى تلك المنطقة المعتمة التي يخفي فيها أشياؤه دون إرتياب منه أو تلك النقطة السوداء الداكنة التي تستقر في قعر ذاكرته المأهولة وهي تتكدس على بضع مفاهيم جزئية وليست عامة، شكلية وليست جوهرية ، نسبية وليست مطلقة .. سواء كان الكائن ذكراً أو أنثى :

وثمة مغزى .. حول ماذا يفكر أو يتصور أو يرى بشأن ذلك القمر الذي يعكس نوره الفضي على حافات أسطح البيوت القرميدية أو يداعب زرد الماء في بحيرة وادعة في حضن غابة أشجارها سامقة بعد مغيب الشمس أو ذلك العصفور النزق الذي يضاجع أنثاه أو من تخضع لنزوته مرات ومرات دون كلل أو ملل ثم يفر قبل أن يأوي إلى عشه في أحد الثقوب أو بين أغصان متشابكة يصعب إختراقه؟

قد يُقِرُ مدركاً ما .. أنها لا تعني شيئاً سوى ما هو كائن فيعكس مخيلة بليدة خالية من معايير الجمال أو مقاييسه النسبية الأخاذه ، أو يقرر عوزاً في فهم التكوين بين ذلك الضوء المنسكب كالفضة على الأشياء وبين طبيعة الفهم لمتلازمة الجمال في تلك اللحظة التي توثقها الطبيعة، وعلى المُدْرَكْ أن يلتقطها، وعجزه عن إحاطتها بمعايير الجمال النسبية ويبرزها كحقيقة من حقائق هذا الوجود السرمدي، يكشف عن جوهر الأختلاف في الفهم وإشكاليات المدركات .

وما ينطبق على ما هو كائن في الخارج (الطبيعة) المادية ، ينطبق على الفكر الأنساني وطبيعة الفهم للمشاعر الأنسانية أولكليهما معاً .. قد لا يرى مدرك ما عدداً من الجثث مرمية في العراء أو تحت الأنقاض والغبار والدخان يتصاعد من حولها، سوى حالة أو حدث ينطوي على أرقام .. جثث البشر مجرد أرقام يصفها هكذا .. الجثث إلى الطب العدلي في كل مكان والجرحى إلى المستشفيات، وكل ذلك يُخْتزَلْ إلى أرقام كما يختزل الأنسان بمجموعة من الأوراق من غيرها يمسي مجهول الهوية وربما يوصف بأنه قاتل أو إرهابي أو لص أو مشرد وهو إنسان قبل أن يشهر كونه عالماً أو مفكراً أو كاتباً أو مثقفاً في هذا الكون الملكوت... يا أللـ للـ له !!

 

د. جودت العاني

 

 

zouhair khouildi"الفلسفة لها ما يكفي من بعد النظر لنبذ كل استعباد لتفكيرها"1

الفلسفة في عزلة، وهذا أمر لا يجادل حوله كثير. قد يتأتي ذلك من تجاهل النخبة المثقفة المتعلمة، وهذا مستغرب من رتبة اجتماعية مالكة ضرورة للحد الأدنى من التشريف للعقل والتحصيل للحقيقة، وقد تم تأييدها من طرف الجمهور، وهذه مسألة بديهية بعد العزل بوسائل الاتصال الحديثة عن المطالعة والنقد.

تطرح عزلة الفلسفة مشكلة كبيرة وتدفع الفكر إلى البحث في الأسباب والمعالجات واستشراف المستقبل. ولقد تميز الفلاسفة منذ ظهورهم على وجه البسيطة بالليونة من جهة النظر والصلابة من جهة العمل. إذا كانت الليونة تفيد المرونة والحذر والحيطة والفطنة والانفتاح والسلم والتسامح والعفوية والتنازل والإقبال، فإن الصلابة تدل على الاستقامة والاستماتة والمثابرة والمكابدة والإرادة والثبات والصرامة والالتزام.

لا تتحدد ماهية الفلسفة انطلاقا من حضورها في المجتمع وتأثيرها على الناس وإنما تتغير وظيفتها إذا ما فقدت صلتها بالحقيقة وانقطعت حبال وصالها بالوجود وتعرضت إلى هرسلة قيمية في رواقها التشريعي.

لا تفكر الفلسفة في تحرير الإنسان من الواقع الخارجي ولا في غزو هذا الخارج والسيطرة عليه وإنما تؤثر تخليصه من الواقع الداخلي وترويض ملكاته وعناصره وبناء الهيكل المصون لحقيقته الوجودية.

لقد بدأت الفلسفة حينما سيطر العقل على المغالطات المنطقية واجتاح الفهم السليم ضبابية الآراء الرائجة وحلت أسئلة الحكمة مكان أجوبة المعتقدات وانتبه الوعي إلى صدمة الواقع ومكر التاريخ ودراما الحياة.

توجد الفلسفة في موقف صعب، من جهة يطلب منها الليونة درءا للتعصب والانغلاق والتحجر والتكلس والجمود والأحادية والتيبس ومن جهة ثانية تحتاج إلى الصرامة تفاديا للتذبذب والاستخفاف واللهو واللغو والثرثرة والنفاق والتعثر ولكن من مزالق الليونة أنها قد قادتها إلى التراخي والتقاعس والفراغ والميوعة ومن المآخذ على الصرامة أنها قد أخذتها إلى التحنيط والشكلانية والتعالي والنسقية والتجريد والتصلب.

لا تقف التساؤلات الفلسفية عند نقطة معينة مهما كانت قيمتها ولا تتعلق بالوجود فحسب ولا بالحقيقة وحدها ولا ترتكز على أرض الذاتية فقط ولا تنشد سماء الحرية بمفردها وإنما تحترم قوانينها الخاصة وتبرر نفسها بنفسها وتفتك مشروعية وجودها من خلال معاركها اليومية ضد الرداءة والابتذال والحمق.

ترفض الفلسفة القرارات التي تصدر من الخارج بشأنها وتجمع بين سكون الليونة وعزم الصرامة وتتخذ بنفسها القرار الحاسم بمصيرها ولا تصغي سوى لصوتها المنبعث من خطابها المزلل وتيارها الجارف.

تملك الفلسفة حقيقتها الخاصة وتعترف بكونها لا تمتلك الرؤية الشاملة والنظرة الثاقبة في اتجاه الهدف النهائي وإنما تبحث باستمرار عن الطريق الهادي إلى الحق وتلجئ إلى النظر متوجهة دوما صوب الفكر.

قد تتعرض الفلسفة للاختفاء والتعمية والتشويه والمحاصرة والاستبعاد ولكن تميزها بالصرامة اللينة والليونة الصارمة يجعلها تتجلى من جديد وتفتح الكهوف المظلمة والمسالك التائهة وتترك الكائن يكون.

لا تكون الفلسفة لينة الى حد السيلان والذوبان والتلاشي والسهولة والبساطة والخفة التي لا تحتمل ولا تكون صلبة الى حد الانكسار والتشقق والتصدع والتفتت والتفكك والانهيار والتحطم والتدحرج والزوال. بل" في الصرامة اللينة والليونة الصارمة التي تميز تركها الكائن يكون بماهو كذلك في كليته، تصير الفلسفة تساؤلا لا يمكن أن يتوقف عند الكائن وحده، ولكن كذلك لا يمكن أن تسمح بأي قرار يفرض ذاته من الخارج."2 فكيف تحدد ماهية الفلسفة انطلاقا من البدئية وبشكل أصلي باحترامها لقوانينها الخاصة؟

د زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

....................

الإحالات:

[1] هيدجر (مارتن)، في ماهية الحقيقة، ضمن كتابات أساسية، الجزء الثاني، ترجمة اسماعيل مصدق، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، طبعة أولى، 2003، ص75.

[2] هيدجر (مارتن)، في ماهية الحقيقة، مصدر مذكور، ص75.

 

المصدر:

هيدجر (مارتن)، في ماهية الحقيقة، ضمن كتابات أساسية، الجزء الثاني، ترجمة إسماعيل مصدق، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، طبعة أولى، 2003،

zouhair khouildiاستهلال: "إن مشروع نظرية في التربية لهو مثل أعلى سام لا يملك أن يكون ضارا ولو أننا غير قادرين على تحقيقه"1

لا ندري إن كان عمونيال كانط قد ترك لنا فلسفة متكاملة في التربية أم لا، فهو قد ناضل في عصر التنوير من أجل ترك الاجترار وعزف عن الموروث والتقاليد وتشجع على استعمال العقل والتوجه نحو التفكير والنقد والحرية. لكن ما نعلمه أنه ألف عام1803 حول هذا الموضوع كتيب معنون "مقالة في البيداغوجيا" ولقد تضمن جملة من التأملات حول التربية والتدريس وبالتالي افترض وجود نظرية تعلمية عقلانية.

لقد قدم الكتيب في شكل محاضرة في جامعة königsberg وحاول فيه معالجة الأسئلة البيداغوجية التي طرحت في الأوساط التعليمية وأثبت فيه فيلسوف التنوير القدرة على التدخل النقدي في مختلف المجالات المعرفية ولكن بعض الشرّاح وبالخصوص ألكسيس فليلونكو قد أعادوا الاعتبار إلى هذه المحاضرة وقاموا بربط "مقالة عن البيداغوجيا" بفكرته عن التاريخ الكوني وتوقه إلى السلم الدائم وبحثه عن قيام "الأنثربولوجيا من وجهة نظر براغماتية" وعنايته بالعلاقة المعقدة بين الغائية الطبيعية والغائية الأخلاقية.

من المعلوم أن التربية ميزة إنسانية وأن الكائن البشري لا يحقق إنسانيته إلا بالتربية وأن الطبيعة البشرية تنمى بالتربية السليمة ولذلك يجب التمييز بين تربية سيئة ومربين سيئين وتربية جيدة ومربين جيدين. وبالتالي لا تقوم التربية بصناعة إنسان على نحو تام وإنما تكتفي بتنمية صفات معينة واستعدادات طبيعية. كما ترتبط التربية بالتقدم وتدفع الإنسان في السير في طريق الاكتمال وتخطي مواطن نقصه وتناهيه والتغلب على تناقضاته وتمزقه التكويني بين انتمائه إلى نظام الأشياء الطبيعية واندراجه ضمن نظام الكائنات العاقلة. وبالتالي فإن التربية السليمة تمنح الإنسان شكلا جديرا بالإنسانية وتخلصه من التوحش والهمجية والتربية المبنية على التعسف والإكراه تعيده إلى المنزلة الحيوانية وتقوي رغبة التملك ودرجة الأنانية والعدوانية. لهذا السبب يجب أن نرفض وجود فكرة صحيحة ومعروفة عن التربية المثالية وأن ندفع التفكير الفلسفي في اتجاه وضع أسس وقواعد لتربية تتناسب مع مؤهلات الطبيعة البشرية وتتماشى مع تحولات العصر. فماذا يعني كانط بالتربية؟ وهل تربية البشر بالأمر اليسير أم أنها من أعسر المهام التي يجب على الدولة القيام بها ؟ ماذا تضيف التربية إلى الطبيعة؟ ما الفرق بين تربية موجهة نحو انفعالات الجسم وتلك التي تعتني بملكات العقل؟ وما علاقة التربية بالثقافة والتنوير؟ وبأي معنى تمثل الأخلاق ميدان التربية العملية؟ ألا يوجد تناقض بين التعويل على الذات من أجل تفعيل التنوير والحاجة إلى الآخر في العملية التربوية ؟ وماهو دور الانضباط في التربية ؟ وهل يربي كل جيل نفسه بنفسه أم يعول على جهود الأجيال السابقة؟ ما السبيل إلى الجمع بين امتثال المرء قسرا للقوانين وبين القدرة على استعمال حريته؟ وكيف يستطيع الإنسان استهداف الحرية في ظل الإكراه؟ ولماذا يفضل المرء التربية الخاصة القاصرة على التربية العمومية النافعة ؟ ومن أين نبدأ في التربية؟ هل ننطلق من الصفر أي من حالة طبيعية تتصف بالتوحش والهمجية وسيطرة الغرائز والأهواء أم نبدأ من حالة مثقفة سلفا ونكمل مكتسبات التربية الأسرية؟ كم من وقت ينبغي أن تدوم التربية في حياة الإنسان؟ وماهي القواعد التي يجب إتباعها في الميدان التربوي؟ وكيف تشجع الثقافة المدرسية على الأشغال الجدية والأعمال الشاقة؟ وهل تتعارض ممارسة الألعاب مع تلقي العلوم واكتساب المهارات؟ وأي فلسفة للتربية نأمل في المستقبل؟

إذا كانت نظرية التربية الراهنة تجعل الناس يتصرفون وفق مبادئ متماثلة ولا تمكنهم من بلوغ المرتبة الإنسانية وتحقيق الغاية من وجودهم بشكل تام فإن المطلوب من الجيل الحالي التخطيط لتربية متوافقة مع مطلب الحرية والاختلاف وتمكين الأجيال المقبلة من بيداغوجيا التعلم الذاتي والاستفادة من التعاليم الموروثة بالتدرج.

 

1-   التربية من التوحش إلى الانضباط:

" التربية العمومية الكاملة تجمع بين شيئين: التعليم والثقافة الأخلاقية. وغايتها بالخصوص تحقيق تربية سليمة"2

لا يتحدد تطور الإنسان حسب كانط بشكل قبلي عن طريق الغريزة بل ماهو هام بالنسبة للإنسان هو أن يأخذ الارتقاء بنفسه مأخذ الجد ويوجه مشروعه الخاص بالتطور من خلال فكرة محددة ينتجها بنفسه 3 . من هذا المنطلق تتمثل الأطروحة التي يدافع عليها كانط في كون التربية éducation تعمل على تطوير البذور الإنسانية الحاضرة بشكل جنيني في الطبيعة العضوية ونحت طبيعة ثانية تتميز بالتحضر والثقافة والأخلاق وتنقل الكائن البشري من حال الواقعة إلى حال الحق بتعلقه بالفكرة ودفع المثال نحو الاكتمال عبر خوض غمار التجربة. لهذا تقوم التربية بتجسيد القيمة والفكرة في الحياة اليومية وتمكن المرء من المرور من الوضع الحيواني إلى وضع جديد مازال لم يتشكل بعد ولكنه يجب أن يكون على نحو أفضل. وبالتالي يشكل فعل التربية واجب الوجود عند الإنسان ويتأسس على بيداغوجيا تستكمل ما ينبغي أن يكون بالنسبة إليه وتدفع بصيرورته بالفعل إنسانا وبصورة حقيقية. والحق أن الإنسان يأتي إلى العالم وهو في حالة خام وبعبارة أخرى على الفطرة وتنقصه مباشرة القدرة على أن يحدد فيما بعد بنفسه مسار سلوكه ولهذا السبب يعتمد على غيره ويقوم آخرون بمساعدته في القيام بفعله. إذا كان الحيوان يتحرك منذ الوهلة الأولى وفق توجيهات الغريزة فإن الإنسان على خلاف ذلك يجب عليه أن يطور الإنسانية التي ينتمي إليها وأن يقوم بتربية نفسه بشكل متدرج بما أن الإنسانية تتقدم بصورة ثابتة. فقد لا تحتاج الحيوانات إلى الرعاية، فالغريزة تتكفل بتوفير الغذاء والحماية والنمو والتكاثر بينما يحتاج الكائن البشري إلى التوجيه نحو استعمال عقله الخاص قصد اتخاذ الاحتياطات اللازمة لكي يتفادى الإضرار بنوعه ولكي يستعمل قواه في جلب ما ينفعه مثل التغذية والدفء والنمو وبالتالي يكون "الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يجب تربيته"4، وتنقسم التربية إلى أفعال الرعاية بتوفير الحاجيات والتعهد بالحماية والأمن وفرض الانضباط La discipline بالتأديب والنهي وأفعال التعليم l'instruction المفضية إلى التكوين. لقد أكد كانط على أن أهمية الانضباط، بوصفه إتباع نظام معين، ونظر إليه على أنه هو الذي يحول الكائن البشري من مرتبة الحيوانية إلى مرتبة الإنسانية ومن وضع التوحش والهمجية إلى وضع التمدن والتحضر.

غني عن البيان أن كانط يفرق بصورة منهجية بين تربية الجسم بالرعاية وتربية الروح بالثقافة وبين التربية النظرية بماهي ممارسة التفكير وحب الحكمة وطلب العلم والبحث عن الحقيقة والتربية العملية بماهي الالتزام بالواجب وطلب الحرية واحترام الإنسانية، ويعبر بذلك عن نظريته الفلسفية في التربية.

يوافق كانط تصورات جون جاك روسو بشأن حالة الطبيعة الخيرة وحالة الحضارة الفاسدة ويرى بأن الإنسان كان طيبا ويستمد من ذاته كل الصفات الطبيعية الإنسانية ولكن فيما بعد أفسدته الثقافة وصار متوحشا ووقع في الهمجية وألقى بحياته في المخاطر دون روية وذلك بسبب المادية والتفاوت والتملك.

على هذا الأساس يضع كانط الانضباط مكان التوحش لكي يعمل على تجريد الإنسان من حيوانيته ويثقفه ويقترح أن يستلهم المرء حالة بشرية خالية من المفاسد وأن يعمل الجيل الحالي على تربية الجيل اللاحق.

إذا كان حياة التوحش تتبع النزوات والعيش بلا قوانين ودون ضوابط والاعتداء على القوانين والتخلص منها والبحث عن الاستقلالية بكل الطرق فإن الانضباط هو التخلي عن الحرية الطبيعية واحترام القوانين وإشعار الناس بأهميتها وذلك برسم الحدود والمطالبة بالامتثال والهدوء والتشجيع على التعلم والتمدرس.

بناء على ذلك يحتاج المرء إلى رعاية وتكوين ويشتمل التكوين على الانضباط والتعليم ويجري التعليم في المدرسة ويقتضي إجراء التجارب وتنمية الذكاء باستخدام العقل والتوجه إلى التفكير بالاعتماد على الذات.

من هذا المنطلق يقوم الانضباط بدور مركزي في العملية التربوية عندما يمنع المرء من العودة إلى الحالة الحيوانية ومن إتباع الغرائز والنوازع ويسلحه بالقدرة على الحكم والتمييز بين النافع والضار واختيار النافع ويحرص على دفع الكائن البشري نحو تحقيق غايات وجوده وتغيير نمط حياته وتعويده على طرق التواصل الحديثة ومجابهة معترك الحياة الاجتماعية بكل قواه وتهيئته للمشاركة في ممارسة شؤون الحكم.

 

2-   التربية بين المعرفة والحرية:

" فالتربية السليمة هي تحديدا الينبوع الذي ينبثق عنه كل خير في هذا العالم، فالبذور، التي تكمن في الإنسان، ينبغي أن تنمى دائما أكثر فأكثر..."5

من البديهي أن يكون للكائن البشري ميل طبيعي إلى الحرية وأن ينفر من التقييد ويهرب من الانضباط ولكن لا يحتفظ بذاته ويحرز إنسانيته إلا بالتصرف وفق مشيئة العقل والتعود منذ وقت مبكر على القانون.

يحصل الإنسان حسب كانط على الحرية عن طريق المعرفة التي تحصل له من خلال تجاربه اليومية ويتوصل إلى معرفة موضوعية بالعالم بعد تفسير الأشياء كما تظهر له وكما يتمكن من التفكير فيها بعقله.

من المعلوم أن كانط ميز بين معرفة الظواهر والتفكير في الجواهر وبين المفهوم أو التصور والفكرة وبين أن المفاهيم تمنح المعنى إلى الظواهر وتقوم بتنظيمها بينما توجه الأفكار المفاهيم وتوحد بين المقولات. وبالتالي تشكل نظرية المعرفة هرما يتكون من رافدين هما الكلي وما يتم اختباره ويعمل الفكر على توحيد الشتات على طول تمشياته ويمثل الكلي والأساسي والمتعالي شروط إمكان التجربة ولكن ليست التجربة بالمعنى المتداول بل تلك التي تتشكل فيها الأشياء المقترحة من قبل نشاط الفكر ويعمل على إثرائها والنفاذ إلى الحقيقة. بهذا المعنى ترتبط المعرفة الإنسانية بتجارب الإنسان في العالم وبانتباه التفكير إلى الأشياء.

الأشياء لا تكذب ولذلك فهي تساهم في تشكيل الكائنات بما في ذلك البشر ولا يمكن إدراك الأشياء إلا ببذل جهد معرفي والاحتكام إلى التجربة ودون ذلك يغطس الذهن في الليل ويظل يتخبط وسط عماء الأشياء. على هذا الأساس تأتي التجربة قصد التنظيم والتوحيد ويقوم الفكر بمهمة الإنارة والكشف والتأييد والنقد وبالتالي تتحول التجربة إلى حياة الفكر ويقظته وحدوثه وتمثل الإطار المناسب من أجل أن يثبت ذاته ويتصل بالعالم ويلاحظ عناصر الطبيعة ويدرك العلاقات بين الأشياء ويتحكم في الظواهر ويسيطر عليها.

علاوة على ذلك يقوم الفكر بدور آخر وهو ضبط المعايير وتشريع القيم والتطابق مع بنى المعرفة واحترام القوانين التي يضعها بنفسه في الأشياء ويحرص على إيجاد التوازن بين الرغبة والمقدرة على إشباعها. كما أنه يجعل من إثبات الحق كيفية لامتلاك الذات ومن بحث الذات عن الحقيقية أسلوب الوضع البشري.

تسمح لنا المعرفة الحقيقية التي تلتزم بالمواضيع بالتخلص من ذاتيتنا وتتدخل في علاقتنا مع ذواتنا وتطور تمثلنا للعالم من جهة واقعية من ناحية وتستخلص الواقع من فكرتنا عنه من جهة مثالية من ناحية أخرى. لا يمكن للمرء أن ينتشل ذاتها من عالم الأشياء إلا إذا اتخذ مسافة نقدية منها وعاد إلى نفسها عن طريق التفكير وسعى إلى امتلاك الحقيقة العلمية ولا يمكن للمعرفة الحقيقية أن تحوز على قيمة روحية إلا إذا تحررت الذات من فرديتها وأشبعت التعطش إلى المعرفة وبنيت تصورا موضوعيا للكون وبلغت الكونية.

لكن لا يمكن اعتبار فهم الإنسان للأشياء معرفة مكتسبة وموضوعية وتواصلية إلا إذا تحققت الذات من حريتها وترجمة تجربتها الروحية في إدراك العالم عن طريق تربية للغرائز والأهواء والعمل بالحقيقة.

والحق أن التربية تقوم بتحديد ما ينبغي القيام به من سلوكيات وأفعال وتضع على ذمة الإنسان ما يختزنه من ذكاء وإرادة وتفكير من أجل استثمار هذا النور المتأتي من انفتاح الذهن في الذهاب نحو حدوث الخير. وبالتالي يجب أن تكون حركات البشر منبثقة من القيم وموجهة بالأفكار ومسددة بالمثل حتى تتمكن من التغلب على العوائق التي تعترضها وحتى تقتدر على دفع الثمن المناسب للحصول على الحرية الإنسانية.

من بين العراقيل التي تمنع وجود تنشئة سليمة وتربية متوازنة يذكر كانط حرص الأولياء على نجاح أبنائهم في الحياة وتكيفهم مع الواقع وتغلبهم على التحديات الاجتماعية من جهة ولكن من جهة المقابلة تسعى الدولة بكل الطرق إلى ترويضهم وتمدينهم وتحويلهم إلى مجرد رعايا وتجعلهم أدوات لأغراضها.

إضافة إلى اعتقاد في إمكانية الانطلاق من حالة خالية من الثقافة وإخضاع الأطفال إلى التجريب واختبار الخيارات التربوية دون تخطيط ويأملون في ووصولهم بسرعة إلى وضعية فاضلة وبلوغهم نموذج مثالي والحال أنه يجب الانطلاق من حال مثقفة سلفا ودراسة البيداغوجيا كعلم والتعامل معه كمجهود متماسك.

لقد ارتبطت بداية التربية في التاريخ ببداية الكتابة والقراءة والثقافة وقامت على أساس النظر والتفكير وتحولت التربية السليمة إلى مصدر الخير والمنفعة والسعادة والتوجه الكوني بالنسبة إلى البشرية جمعاء. ولكنها لا تقتصر على ممارسة التفكير المجرد ولا تكتفي بالوعظ والإرشاد والتلقين بل تحرص على التعليم وفق مبادئ وتسعى إلى فرض الانضباط والى جعل الإنسان مثقفا ومتصفا بالحيطة والحذر ومندمجا مع المجتمع وأن يكون له تأثير فيه ومتخلقا ومؤهلا للعديد من الغايات الحسنة والأهداف النبيلة.

لقد نبّه كانط على أن الترويض هو شرط ضروري للتربية ولكنه غير كاف إذا يجب أن يعقبه التدرب على التفكير من أجل تحصيل التنوير وتدريب المرء على الخروج من وضعية القصور والوصاية وتحمل مسؤولية نفسه والاعتناء بتربية نفسه بشكل خصوصي وممارسة الفضيلة لذاتها وليس لأغراض خارجية.

هكذا يدعو كانط إلى الجمع بين التنظير والتجريب في إعداد الأطفال وتنشئتهم بشكل سليم فنحن في حاجة إلى استعمال العقل وإجراء تجارب من أجل ضبط البرامج وتجويد المنهج وإعطاء المعلم الحرية اللازمة.

 

3-   التعلم بين الجدية واللعب:

" المنهج الخصوصي للتدريس في الفلسفة هو تساؤلي zététique أي هو منهج البحث"6

لقد أعلن كانط عن برنامج هذه الدروس في (1765-1766) وتناول فيها مسألة البيداغوجيا الفلسفية وخصوصية تعلم الفلسفة بالمقارنة مع الاختصاصات العلمية الأخرى على غرار الرياضيات والفيزياء.

لا يمكن الاهتمام بالفلسفة إلا في مرحلة الكهولة وتمتع الكائن البشري بالرصانة الفكرية والحكمة اللازمة وحينما ينشغل الشباب والأطفال بهذا القطاع المعرفي فإن العديد من المشاكل تطرأ وتواجههم الكثير من العراقيل والصعوبات وخاصة التعود على ملء أدراج الذاكرة والحشو والحفظ والتكرار والتعليم البنكي.

من المتعارف عليه أن الفلسفة مادة صعبة وتكتب بلغة معقدة وتعتمد على أفكار ثاقبة ونظريات مجردة ولذلك اقترح كانط اعتماد بيداغوجيا واضحة المعالم للانتقال من المعقد إلى الواضح ومن المركب إلى البسيط وللتدرج في المعرفة وفي التعلم ومخاطبة الناس على قدر عقولهم وقدرتهم على الفهم والاستيعاب.

لقد تعود الطالب على تلقي المعلومات وتدوينها وتخزينها وحفظها وإرجاعها عند اختباره أثناء الامتحان أحيانا دون أن يفهمها ويستوعبها ودون أن يقارنها ويميزها عن المعارف السابقة ودون تبين الجدة فيها. وهذا الأمر قد يجري بصورة معتادة مع العلوم الصحيحة والتاريخية وخاصة الرياضيات والفيزياء ولكن الأمر يختلف مع الفلسفة التي تستوجب التسلح بالمنهج وإتباع طريقة والتفتيش عن العلم وتواصل البحث.

يعتقد الطالب أن تعلم الفلسفة في المتناول وأنه يصبح فيلسوفا بمجرد مطالعاته أمهات الكتب الفلسفية والدراسة المستفيضة للآثار والسير والحكم والنظريات والأفكار والمواقف والعبر التي تركها الفلاسفة لكن هذه العملية مستحلية لأن المرء لا يتعلم الفلسفة بل يتعلم التفلسف أي يخوض تجربة التفكير الفلسفي.

كما تعلم الفلسفة يقتضي وجود فلسفة واحدة في الوسط العلمي للمتعلم وأن يكون هذا الاختصاص قد اكتمل واستقر ولكن من المعلوم أن الفلسفة تعيش جدلية الهدم والبناء وتتطور بصورة مستمرة وأن ما يوجد هو مجرد فلسفات تتطاحن فيما بينها وتزعم كل واحدة امتلاك الحقيقة وبدل التسلح بالنقد انتصرت الميتافيزيقا. لهذا يتعلم المرء تطبيق المنهج والإمساك بالواقع وفهم التجارب ووصف الطبيعة وقراءة الأحداث وتحليل الخطاب وبناء الموقف المناسب وتوسيع الرؤية وتصويب النظر والتمعن في التفسير والتثبت من المحكي.

إذا كانت العلوم تقدم معارف يقينية وتحظى بثقة الجمهور وتتحول إلى مدار التطبيق والصناعة التقنية فإن الفلسفة تطرح أسئلة جدية وتثير مشاكل حقيقية وتربك التصورات البديهية لدى الجمهور وتغزو الممارسة.

بناء على ذلك توجد علاقة وثيقة بين الفلسفة باعتبارها فن التفكير وفن التربية وفن سياسة البشر وترفض فلسفة التربية أن العمل الآلي الذي يفضل التعلم من التجربة وتدعو إلى تحويل الآلية إلى علم دقيق وتعد مخططات في الغرض وتتعالى عن تكوين البشر للتكيف مع الوضع الراهن وتمكنهم من تربية مثالية في عالم أفضل تنبثق من الماضي وتتجه نحو المستقبل وتقاوم رداءة المجتمع وبؤس المناخ السياسي السائد.

في الواقع" إننا نعيش عصرا يتميز بالانضباط والثقافة والحضارة، ولكننا لا نعيش عصرا يتسم بالتنشئة الأخلاقية. ويمكننا القول في حالة الإنسان الراهنة إن سعادة الدول تزداد في نفس الوقت الذي يزداد فيه بؤس البشر"7. فهل يمكن أن يكون الامتثال للتعاليم والقدرة على المحاكاة للنماذج الجاهزة هي من الأمور الايجابية في بناء نظرية تربوية متوازنة ؟ وما العلاقة بين التربية المدرسية والتربية الأسرية؟

من المتعارف عليه أن البيداغوجيا هي علم التربية منقسمة إلى تربية جسمية وتربية عملية لكن إذا كانت التربية الجسمية يشترك فيها الإنسان والحيوان وتهدف إلى إكساب حسن التصرف وتعرف تربية الجسم وتربية العقل والثقافة المادية فإن التربية العملية تركز على قيمة الحرية والقيم الأخلاقية وتنقسم إلى الثقافة المدرسية (الآلية والتعلمية المتعلقة بالمهارة) والثقافة البراغماتية ( المتعلقة بالحيطة) والثقافة الأخلاقية (المتعلقة الخلقية)8. كما يبدو أن من مهام من يباشر التربية البدنية بوصفه بيداغوجيا أو مربيا أن يهتم بتوجيه الأطفال نحو العناية بأجسامهم ورعايتها من جهة التغذية والنظافة والرياضة والتمرن والفنون والاسترخاء واللعب واكتساب العادات واستعمال الأدوات واستخدام أعضاء الحواس بطريقة إرادية والتمتع بالقوة والسرعة والوثوق وتقوية صبرهم بالمران وجعلهم ينتظرون طويلا شيئا ثمينا وعدم احباطهم وعدم تصييرهم خجولين .

من المعلوم أن التربية العقلية تركز على ثقافة النفس وثقافة الجسم على السواء وتتنزل ضمن ثقافة الذهن المادية وتتعلق بالطبيعة بينما تتعلق الثقافة الأخلاقية بالحرية وتسن قوانين مغايرة تماما لتنمية الطبيعة. وتحرص على تجنب الفساد وبالرغم من ذلك يحدث أن يكون مطلعا على المعارف والعلوم ومثقفا من الناحية المادية ومع ذلك يتمتع بالحرية ويأتي أفعالا مشينة ويكون شريرا وسيء الثقافة من الناحية الخلقية. كما يجب تفادي ملء أوقات الفراغ بشغل النفس باللعب والعمل على توظيف حاجة الأطفال إلى اللعب في تجربة التعلم قصد تخفيف القلق ودون السقوط في اللهو وما يترتب عنه من استخفاف وانحلال وميوعة. ويمكن أن يصلح اشتمال التربية على التأديب من أجل الابتعاد عن العادات القبيحة والانحرافات دون الوقوع في الاستعباد ودون فقدان المتعلم للفضول وحب الاستطلاع والشغف بالمعرفة ومتعة الاكتشاف.

يدعو كانط إلى التعامل الجدي مع الحياة المدرسية وإشعار المتعلمين بكونهم يعملون دون أكراه أو قسر ويسعون بواسطة التربية إلى تحقيق الهدف الذين ينشدونه في حياتهم وأن حبهم للعمل ليس ميلا بل واجب.

تعمل الثقافة الحرة على تنمية قوى النفس وممارسة الملكات الذهنية بكل اقتدار في الحكم على الأشياء وخاصة تنمية القوى الدنيا مثل الحواس والمتخيلة والذاكرة من أجل تنمية القوى العليا مثل الذهن والعقل. يدعو كانط إلى تشغيل الحواس بانتباه والى امتلاك ذاكرة قوية دون تحويل الحفظ إلى مجرد تمرين والى توسيع فضاء الخيال وتسلح ملكة الحكم بالذكاء وفرز الصالح من التجارب. " فالفاهمة هي معرفة الكلي . وملكة الحكم هي تطبيق الكلي على الجزئي والعقل هو القوة التي تسمح بادراك علاقة الكلي بالجزئي."9

يقدم كانط برنامج عمل بالنسبة إلى المربين يبدأ بتعلم اللغات الحية عن طريق حفظ الكلمات وسماع القصص وقراءة المكتوب بالربط بين المعرفة والقدرة على الكلام والانتقال إلى حفظ معلومات عن الجغرافيا والتاريخ لتكوين الثقة في النفس وتمثل الظروف والمتغيرات والارتقاء إلى تعلم الرياضيات بغية إجراء التمييز بين الظن والاعتقاد وبين الحس المرهف والذوق الصائب وبين القواعد وطرق استعمالها.

إن الغايات البيداغوجية من التعليم ليس تحقيق المتعلمين السعادة والمنفعة في حياتهم وإنما يشرعوا في اصلاح أنفسهم وتهذيب ذواتهم ليكونوا عقلاء ومواطنين صالحين ضمن دولة مزدهرة ومجتمع متكافل.

كما يؤكد على المضمون النقدي العقلاني لنظريته التربوية وعلى الجانب الوطني للبرامج من الزاوية السياسية والاجتماعية ويشترط الاستقلالية عن كل كنيسة ويدمج التعليم الديني ضمن مسار التعليم المدني.

" إننا ندلل الأطفال عندما نفعل كل ما يريدون، ونربيهم تربية مغلوطة تماما حينما نسارع تحديدا إلى الاستجابة لنزواتهم وأمانيهم... ولكن هذا التسامح هو مصدر ضرر كبير طوال حياتهم."10 لكن إذا كان يحسب لكانط رفضه تعويد الطفل على كل شيء ومنحه كل شيء ودعوته إلى التدرج وتعود على الصبر فإنه يلام كثيرا حينما اعتبر أطفال العوام سيئي التربية وفاسدي الطباع ودعا إلى عزلهم عن أطفال الأشخاص الشرفاء جيدي التربية. كما يعتبر المنهج الآلي في التعليم الديني صالحا في حفظ العديد من العلوم ويتخذ المنهج السقراطي قاعدة في دراسة الدين11 ويدعو إلى ترشيد حضور التعاليم الدينية في التعليم المدني وينصح بضرورة تعليم الأطفال بعض المفاهيم عن الكائن الأسمى وتنمية الإحساس بالاحترام تجاه الله بماهو مصدر الحماية والنظام والحياة والرعاية. بناء على ذلك " من الأكيد أنه لو صادف أن أطفالا لم يشهدوا أبدا إجلالا للكائن الأسمى، ولم يسمعوا أبدا حتى اسم الإله، لكان مما يتفق عندئذ ونظام الأشياء لفت انتبهاهم إلى الغايات والى اهو جدير بالإنسان، وتدريب ملكة الحكم لديهم، وإحاطتهم علما بنظام صنع الطبيعة وجمالها، ثم تمكينهم من معرفة أشد اتساعا بنظام العالم، وأخيرا مكاشفتهم على هذا الأساس بمفهوم كائن أسمى مشرع"12. فهل يعني هذا أن العامل الثقافي هو المحدد في نظريته التربوية ؟

 

خاتمة:

" لابد لفن التربية، أو البيداغوجيا، من أن يصبح قائما على النظر والتفكير (أو الروية)، إذا ما أراد تنمية الطبيعة الإنسانية بحيث تبلغ غايتها"13

من المفيد أيضا التأكيد على أن التربية والتعليم والتدريس والتهذيب هي من الأمور الصعبة والشاقة يطلبها المرء طوال حياته دون أن يدركها لوجود عوائق كثيرة وموانع خارجية قاهرة ولذلك يجب التعامل معها كفن عزيز ولا ينبغي أن يستأثر به فرد دون غيره وإنما يقع انجازه وتستكمل ممارسته عبر أجيال كثيرة.

إن التفكير في التجربة التربوية هو مغامرة نبيلة ومشاركة في تجربة خطيرة وتقتضي التخلي عن الأنانية والخروج عن التفكير في الذات والإحساس بالآخر ومد يد العون إلى البشر الذين يحتاجون إلى المساعدة.

فالكائن البشري ليس كائنا أخلاقيا بالطبع بل يحتوي على الدوافع والغرائز والميولات المؤدية به إلى القيام بالرذائل وقد يصبح فاضلا ويحقق سعادته حينما يرفعه عقله إلى احترام الواجب والقانون ويمنحه القدرة على التغلب على تناهيه وانفعالاته والاختيار بين الخير والشر وإتباع الأحسن والابتعاد عن المضرة. غير أن أكثر الرذائل التي يقع فيها الإنسان قد تكون متأتية من حالة الثقافة وخاصة العنف والحرب واللؤم ولهذا السبب يحتاج إلى التربية كمصدر الأخلاقية لكي يخرج من هذه الحالة المزرية نحو وضع مدني.

يجب التمييز بين التربية الآلية التي تقتصر على الإملاء وحشو الأدمغة وتحتوي على الكثير من النقائص والأخطاء والتربية المتوازنة والسليمة التي تنمي الاستعدادات إلى فعل الخير وتنشر الثقافة والأنوار في المجتمع. كما يتطور فن التربية بالتدرج ويصبح جهدا متماسكا ويساعد النوع البشري بأكمله على تنمية استعداداته وبلوغ غايته ومقاصده وتحصيل سعادته وفق التخطيط المبدئي الذي تتشكل منه طبيعتهم.

تتفوق التربية العمومية على التربية الخاصة من عدة مناحي لعل أهمها: الدولة تتعامل مع فن التربية كمؤسسة عمومية تشجع على الاختلاط وتحرص على ولادة مواطنين أحرار في مجتمع عادل وتكون أسر متوازنة وسليمة وتتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية للجيل الصاعد والنفقات المالية لهذا التعليم العمومي النافع، بينما التعليم الخاص هو مواصلة لجهود الأولياء في تربية أطفالهم ويدخل ضمن نظام الأجرة ويعيد إنتاج السائد ويعاني من نقص في التأطير والتكوين والقدرة والكفاءة ويتعارض أحيانا مع الذوق العام ويؤدي إلى ظهور عيوب في العائلة وأضرار في المجتمع وميوعة ومتاجرة بالعلم والمعرفة. على هذا المنحى " تتوفر التربية العمومية على مزاياها الأكثر بروزا: ففيها يتعلم المرء أن يختبر قواه، كما يتعلم التحديد الناتج عن حق الغير. ولا يتمتع فيها بأي امتياز لأنه يلقى فيها مقاومة حيثما كان، ولا يصبح ذا حظوة إلا بحسب جدارته. فالتربية العمومية تعطي أفضل نموذج للمواطن في المستقبل"14.     في هذا السياق يبدو أن كل إنسان ملزم بأن يربي نفسه بصورة مستمرة وأن يساعد غيره على تربية طبعه ولذلك بأن يبقي على الحرية الطبيعية للأطفال وأن ينمي لديهم طاقة اللعب ويدربهم على احترام غيرهم والتعاون معهم وينتقل في مرحلة الرشد إلى مستوى رعاية الآخرين والاعتناء بإعالة ذاته والأنفس العليلة.

كما يركز كانط على الثقافة المدرسية أو التعليم والتكوين المدرسي لأنه يرى فيهما أفضل الطرق لاكتساب المهارة والحيطة وبلوغ الرشد والنضج وذلك بمعرفة اختيار الوسائل وتحديد الأهداف والوعي بالمقاصد.

في نهاية المطاف تتضمن التربية العملية على المهارة والحيطة والخلقية، فإذا كانت المهارة تتجسد في انجاز المعرفة بجدية وتصبح عادة في التفكير مترسّخة في الطبع البشري وتفسح المجال أمام الموهبة وإذا كانت الحيطة تقوم على ما يكتسبه المرء من معرفة استعمال لمهاراته ومواهبه قصد بلوغ غاياته الخاصة فإن الخلقية ترتبط بالفضائل وتنشد التبصر والاعتدال والتعاطف والتقدير والاحترام والوفاء والطاعة والحزم في القرار والتعود على التحمل والزهد في الملذات والتشجع في الاستغناء عن الممنوع والسيطرة على الميولات والتسلح بالرفض والمقاومة للرذائل والانتصار لكرامة الإنسان والتحلي بالنزاهة والترقي وأداء الواجب تجاه الذات والغير. بهذا المعنى يتوجب على المربي تنمية المشاعر الإنسانية تجاه الذات والآخرين الذين نشأ معهم والاهتمام بالخير الكلي لأنفسهم ولأوطانهم وتقدير قيمة الحياة وما توفره من متع ومحاسبة النفس وعدم الخوف من الموت والإقبال على التصور الأخروي بكثير من الأمل والرجاء.

لقد اشترط كانط تعليم المفاهيم الدينية للذين يعرفون الضمير بوصفه القانون الذي يوجد فيهم ويميزون بين الحسن والقبيح ويشهدون إجلالا للكائن الأسمى ويفهمون واجبا مباشرا تجاه الله ولكنه دعا إلى تنجب تلقين الأطفال معتقدات لاهوتية في سن مبكرة وذلك لاعتمادهم على المحاكاة والتقليد والمخيلة وانقيادهم للمنفعة وتجنبهم المضرة ونصص بالتالي على ضرورة تعليمهم المفاهيم الملائمة للطبيعة والمتفقة مع سنن الكون.

"ينبغي أن لا نبدأ باللاهوت. فالدين الذي لا ينبني إلا على اللاهوت لا يمكن أن ينطوي على جانب أخلاقي. فلن نجد فيه من جهة سوى الخوف، ومن جهة أخرى سوى مشاريع ونوايا توجهها فكرة الثواب. ولا ينتج عن ذلك إلا مجموعة من الشعائر تتسم بالتطير. فيجب إذن أن تكون الخلقية هي الأولى وأن يتبعها اللاهوت ، وهذا ما نسميه دينا"15. لكن ماهي الشروط التي تتوفر فيها تربية منتظمة تمام الانتظام للنوع البشري يدرك بها غاياته ويتكامل من خلالها وجوده؟ ومتى يتعلم المرء كيف يعلم الآخرين دون الوقوع في أخطاء التعالي والآلية والتربية المغلوطة؟ وأي المبادئ التي يجدر أن يتربى عليها المرء؟

 

د زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

.......................

الاحالات والهوامش:

[1] كانط (عمونيال)، تأملات في التربية، ضمن ثلاثة نصوص، تعريب وتعليق محمد بن جماعة ، دار محمد علي الحامي للنشر، صفاقس ، تونس ، طبعة أولى ، 2005.ص.15. (بتصرف)

[2]   كانط (عمونيال)، تأملات في التربية، مصدر مذكور، ص.25.(بتصرف).

[3] Kant (Emmanuel), Traité de pédagogie. Traduction de J. Barni, revue et actualisée, introduction et notes par Pierre-José About , édition Hachette, Paris, 1981.

[4] كانط (عمونيال)، تأملات في التربية، مصدر مذكور، ص11.

[5] كانط (عمونيال)، تأملات في التربية، مصدر مذكور، صص 19. 20.

[6] Kant (Emmanuel) , Annonce du programme des leçons (1765-1766), Philosophie et apprentissage, introduction et notes par Michel Fichant. Bibliothèque des textes philosophiques, édition Vrin, Paris, 1966.

[7] كانط (عمونيال)، تأملات في التربية، مصدر مذكور، ص23.

[8] كانط (عمونيال)، تأملات في التربية، مصدر مذكور، ص28.

[9] كانط (عمونيال)، تأملات في التربية، مصدر مذكور، ص49.

[10] كانط (عمونيال)، تأملات في التربية، مصدر مذكور، ص57.

[11] كانط (عمونيال)، تأملات في التربية، مصدر مذكور، ص55.

[12] كانط (عمونيال)، تأملات في التربية، مصدر مذكور، ص74.

[13] كانط (عمونيال)، تأملات في التربية، مصدر مذكور، ص18.

[14] كانط (عمونيال)، تأملات في التربية، مصدر مذكور، ص28.

[15] كانط (عمونيال)، تأملات في التربية، مصدر مذكور، ص76.

 

المصادر:

كانط (عمونيال)، ثلاثة نصوص، تأملات في التربية، ماهي الأنوار؟، ما التوجه في التفكير؟، تعريب وتعليق محمود بن جماعة ، دار محمد علي الحامي للنشر، صفاقس، تونس ، طبعة أولى ،2005.

Kant (Emmanuel), Traité de pédagogie. Traduction de J. Barni, revue et actualisée, introduction et notes par Pierre-José About , édition Hachette, Paris, 1981.

Kant (Emmanuel) , Annonce du programme des leçons (1765-1766), Philosophie et apprentissage, introduction et notes par Michel Fichant. Bibliothèque des textes philosophiques, édition Vrin, Paris,1966.