jamil hamdaouiالمقدمــة: يعد جورج زيمل من أهم السوسيولوجيين الألمان (Georg Simmel)[1] إلى جانب ماكس فيبر، ونوربرت إلياس، وكارل ماركس، وغيرهم...وقد عرف بالسوسيولوجيا التفاعلية من جهة، وبسوسيولوجيا الأشكال من جهة أخرى.

وقد اهتم زيمل بمواضيع اجتماعية مثيرة ولافتة للانتباه، مثل: النقود، والموضة، والمرأة، والطائفة، والمظاهر، والفن، والمدينة، والغريب، والفقراء، والفرد، والمجتمع، والتفاعل، والرابط الاجتماعي، والتنشئة الاجتماعية...ويعد كتابه (فلسفة النقود) الذي نشره سنة 1900م من أهم الكتب السوسيولوجية المتميزة في تاريخ علم الاجتماع الحديث والمعاصر.

وقد أثر يورغ زيمل في مثقفي عصره ومثقفي عصرنا هذا ، أمثال: ماكس فيبر (Max Weber)، وكارل مانهايم (Karl Mannheim)، وألفرد شوتز (Alfred Schütz)، ورايمون آرون (Raymond Aron)، وإرفينغ غوفمان (Erving Goffman)، وهوارد بيكر (Howard Becker)، وأنسليم شتروس (Anselm Strauss)، وإسحق يوسف (Isaac Joseph)، وباتريك واتيير(Patrick Watier)، ورايمون بودون (Raymond Boudon)، وغيوم إرنر(Guillaume Erner)، وجورج لوكاش(Georg Lukacs)، وسيغموند بومان (Zygmunt Bauman)...وأهم تأثير لزيمل هو المساهمة في بلورة مدرسة شيكاغو السوسيولوجية.

ولم يعرف زيمل في فرنسا إلا في سنوات الثمانين من القرن الماضي مع رايمون بودون(Raymond Boudon)، وباتريك واتيير(Patrick Watier)، وآلان دونول (Alain Deneault)، وميشيل مافيسولي (Michel Maffesoli)، وفرنسوا ليجي (François Léger)، وليليان دوروش غورسيل (Lilyane Deroche-Gurcel)...

وقد انتشرت كتاباته بسرعة في الولايات المتحدة الأمريكية " عبر سلسلة من الموالين ذوي صلات بجامعتي شيكاغو وكولومبيا، منهم ألبيون سمول، وروبرت إ.بارك، ولويس ويرث، وإيفيريت هاغس، وروبرت ميرتون، ولويس كوزر..[2]"

ومن أهم مؤلفات جورج زيمل (الاختلاف الاجتماعي) [3]و (فلسفة النقود)[4]، و(السوسيولوجيا والإبستمولوجيا)[5]، و(الفقراء)[6]، و(علم الاجتماع وأشكال التفاعل)[7]، و(السر والمجتمعات السرية)[8]، و(علم الاجتماع وتجربة العالم الاجتماعي)[9]،و(المظاهر)[10]، و(علم الاجتماع الجمالي)[11]، و(الفقير)[12]، و(سيكولوجيا النساء)[13]، و(فلسفة الموضة)[14]، و(فلسفة المغامرة)[15]، و(مشكل علم الاجتماع ونصوص أخرى)[16]، وغيرها من المؤلفات المتميزة...

إذاً، ما التصور النظري السوسيولوجي لدى جورج زيمل؟ وما أهم خصائص منهجه الاجتماعي؟ وما أهم الانتقادات الموجهة إليه؟ هذا ما سوف نتوقف عنده في المطالب التالية:

 

المطلب الأول: التصــــور النظـــــري  

لايمكن فهم أفكار جورج زيمل وتصوراته النظرية والمنهجية إلا بالتركيز على بعض المواضيع المهمة في نسقه المعرفي على الوجه التالي:

 

الفرع الأول: مفهوم السوسيولوجيا وموضوعها

تدرس السوسيولوجيا عند زيمل الوسائل المستخدمة للعيش المشترك. ويصف لنا زيمل ذلك بدقة في كتابه ( علم الاجتماع/   Soziologie ) الذي صدر سنة 1908م. ومن ثم، فموضوع علم الاجتماع هو دراسة أفعال الأفراد في شكلها التفاعلي أو التواصلي أو التبادلي. ومثال ذلك عندما يحيي شخص زميله في الشارع، يرد عليه الآخر بالتحية بشكل تناوبي. ويعني هذا أن هناك تفاعل متبادل بين الطرفين، ضمن سياق اجتماعي معين.وعنصر التفاعل أو التبادل مهم في فكر زيمل.وبالتالي، تتوقف السوسيولوجيا عند مختلف الروابط والعلاقات الاجتماعية التي تربط الأفراد، ضمن سياق تفاعلي معين. أي: تعنى السوسيولوجيا بدراسة التفاعل الاجتماعي أو التآلف أو التآنس الاجتماعي الذي يتخذ طابعا ديناميكيا. ويعني هذا أيضا ملاحظة أفعال الأفراد المتفاعلة، ووصفها بدقة لمعرفة الدلالات التي تحملها اجتماعيا ، وتأويلها في سياق مجتمعي معين.

وبتعبير آخر، لايدرس علم الاجتماع الفرد في حد ذاته كما عند ماكس فيبر، أو يدرس المجتمع كما عند دوركايم، بل يدرس العلاقة التفاعلية الموجودة بين الفرد والمجتمع، سواء أكانت تلك العلاقة التفاعلية متماسكة أم مبعثرة، إيجابية أم سلبية. بمعنى آخر، يدرس علم الاجتماع ذلك التأثير الذي يمارس الفرد على الآخر، ضمن وضعية اجتماعية معينة. وبالتالي، يحوي هذا التفاعل المضمون والشكل معا. وبهذا، يكون زيمل هو المؤسس الحقيقي للمدرسة التفاعلية التي نشطت كثيرا مع مدرسة شيكاغو الأمريكية.

وعليه، فقد تأثر جورج زيمل كثيرا بفلسفة الفهم والتأويلية الألمانية. وتأثر كذلك بالوضعية كما عند أوغست كونت ودوركايم. ومن ثم، فهو يعرف علم الاجتماع بأنه ذلك العلم الذي يدرس التفاعل بين الأفراد داخل الحياة المجتمعية. أي: دراسة الروابط ومختلف التفاعلات والعلاقات التواصلية الموجودة بين الأفراد ضمن بنية المجتمع، وفهم معنى تلك التفاعلات وتأويلها. وفي هذا، يقول زيمل:" يتبادل الأفراد النظرات، يغارون من بعضهم، يأكلون سوية، يتبادلون الرسائل، يشعرون تجاه بعضهم بالكراهية أو المحبة، يعترفون بالجميل...إلخ، آلاف الأفعال، المؤقتة أو الدائمة، الواعية أو اللاواعية، السطحية السريعة أو الغنية بنتائجها...إلخ، تربطنا الواحد بالآخر، وهي التي ترعى صلابة الحياة المجتمعية ومرونتها وتنوعها ووحدتها وتماسكها.إن التنظيمات المجتمعية الكبرى ، والأنساق المجتمعية الكبرى التي تتضمنها فكرة المجتمع ليست أكثر من أساليب وطرائق ووسائل للحفاظ، في أطر مجتمعية باقية ومستقلة، على الأفعال المباشرة التي تربط الأفراد بعضهم ببعض."[17]

ويلاحظ أن زيمل ينطلق من تعريف ماكس فيبر للسوسيولوجيا، بالتركيز على الفعل السلوكي للأفراد داخل المجتمع، وفهم دلالات الأفعال التواصلية، وإدراك معانيها ومقاصدها وغاياتها ونواياها. بمعنى أن زيمل ركز ، في كتابه(علم الاجتماع) الذي أصدره سنة 1908م [18]، على الفعل المتبادل أو الأفعال المتبادلة بين مجموعة من الأفراد بشكل تناوبي. ومن هنا، ينبغي على السوسيولوجي أن يلاحظ تلك الروابط والعلاقات التي تكون بين الأفراد ، وخاصة تلك التي تندرج ضمن التفاعل الاجتماعي الحي أو المشاركة المجتمعية.

وبشكل أوضح، " قدم زيمل، في سبيل تحليل هذه العلاقات، تصورا رئيسيا، هو الفعل المتبادل.وببساطة هو يعني بالفعل المتبادل التأثير الذي يمارسه كل فرد على الغير.وهو فعل موجه بمجموعة من الدوافع المختلفة (الغرائز الجنسية، والمصالح العملية، والمعتقد الديني، ومتطلبات النجاة والعدوان، والمتعة في اللعب، والعمل...). وإن والكلية- المتحركة دوما- لهذه الأفعال هي التي تساهم في توحيد كل الأفراد في مجتمع بمجمله.

لكن موضوع تحليل زيمل ليس الفرد ، وليس المجتمع بماهما عليه، كل اهتمامه يتركز على التفاعل الخلاق بين هذين القطبين الطرفيين.إن إنتاج المجتمع، بهذا المعنى، هو المنبت المؤسس للرباط الاجتماعي. وعلى العكس من دوركايم، ينحاز زيمل إلى صيرورة المجتمع، وليس إلى الضغط الذي يمارسه هذا المجتمع.ولهذا السبب سيتكلم بأريحية عن التنشئة الاجتماعية أكثر من حديثه عن المجتمع."[19]

وعليه، فعلم الاجتماع عند جورج زيمل هو الذي يدرس التفاعل الاجتماعي المتبادل بين الأفراد، داخل سياق مجتمعي معين. ويعني هذا أن زيمل يوفق بين تيارين : تيار فيبر الذي يعنى بالفرد، وتيار دوركايم الذي يهتم بالمجتمع. ومن ثم، فقد ركز زيمل على العلاقة التفاعلية الموجودة بين الفرد والمجتمع، تلك العلاقة التي تتخذ مضمونا وشكلا، وتنتج عنها تأثيرات متبادلة بين الأفراد، سواء أكانت إيجابية أم سلبية.

 

الفرع الثاني: مضمون التفاعل الاجتماعي وشكله

يميز جورج زيمل بين مضمون التفاعل الاجتماعي وشكله. ومن هنا، يتمثل مضمون التفاعل في مختلف الدوافع والحوافز والضغوطات العضوية والنفسية التي تدفع الأفراد وتحركهم، بشكل من الأشكال، للتفاعل فيما بينهم، داخل سياق مجتمعي معين. ويتخذ هذا المضمون التفاعلي شكلا معينا .ومن هنا، فالواقعية الاجتماعية الناتجة عن التفاعل الاجتماعي لايمكن الفصل فيها بين مضمون التفاعل وشكله. ومن هنا، إذا كان مضمون التفاعل هو الحافز، أو المنفعة، أو المصلحة، أو الغاية، أو السبب...، فإن الشكل هو صيغة التفاعل وطريقته وهيئته الأدائية والإنجازية.

وإذا كان إميل دوركايم يدعو إلى دراسة المجتمع دراسة تشييئية علمية وتجريبية ، في ضوء مرتكزات المدرسة الوضعية الكلاسيكية، فإن جورج زيمل، على غرار المدرسة التفاعلية، يدعو إلى دراسة العلاقات التفاعلية بين الفرد والمجتمع؛ لأن الفرد ، باعتباره فاعلا ذاتيا، له أهمية كبرى في التأثير في المجتمع إلى درجة تغييره ، وإعادة بنائه من جديد. كما للمجتمع تأثيره الجبري في الفرد.

وإذا أخذنا مثال" السكن" لدراسته وفق مقترب زيمل مضمونا وشكلا، فإن هذه الكلمة تحمل مضامين التفاعل الاجتماعي؛ إذ تحيلنا الكلمة على ضرورة السكن والاستقرار والاتقاء من أخطار الطبيعة والشارع. كما تحيلنا الكلمة على التفاعل الاجتماعي والعيش المشترك بين الجيران والأقارب والأصدقاء والناس بصفة عامة. بمعنى أن الفرد لايمكن أن يتواصل ويتفاعل مع الآخرين، ضمن سياق مجتمعي معين، إلا بالاستقرار في المكان.أي: بالحصول على المنزل واختياره مسكنا للحياة. ومن هنا، يتخذ هذا المضمون التفاعلي شكلا معينا هو الذي يحدد طبيعة هذا التفاعل الاجتماعي، حسب فهم الآخرين، ومنظورهم إلى السكن، وتغيير دلالاته من فرد إلى آخر. ومن هنا، يمكن تخصيص موضوع السكن لدراسته وفق نظرية التفاعل الاجتماعي. وعلى الرغم من ذلك يبقى مفهوم الشكل - هنا- غامضا ومعقدا ومبهما.

وهناك من يفسر مصطلح الشكل، لدى جورج زيمل، بمفهومه المنهجي، وليس بالمفهوم الأنطولوجي. ويعني هذا أن الشكل أداة منهجية لوصف التفاعل الاجتماعي وملاحظته وتأويله ، أو هو بمثابة النموذج أو البراديغم أو النموذج المثال عند ماكس فيبر لدراسة التفاعل الاجتماعي كما يرى رايمون بودون. ومن هنا، يتخذ مفهوم الشكل طابعا مجردا أو كلية واقعية يتداخل فيها مضمون التفاعل الاجتماعي وشكله.

 

الفرع الثالث: سوسيولوجيا الأشكال  

يعد جورج زيمل من أهم الباحثين الاجتماعيين الذين أسسوا سوسيولوجيا الأشكال في أثناء تمييزه بين مضمون الفعل وشكله. ومن ثم، يميز زيمل بين مضمون الفعل المجتمعي (الدوافع التي توجه الفعل البشري) وشكله (الموضة - مثلا-). ويقصد بشكل الفعل ما ينتج عن الأفعال الاجتماعية في أثناء عمليات التفاعل أو التبادل المجتمعي.

وعليه، فثمة أربعة أنماط من الأشكال الاجتماعية عند زيمل[20]:

- الأشكال المتصفة بالديمومة: العائلة، والدولة، والكنيسة، والمنشآت، والأحزاب السياسية..، وتسمى هذه الأشكال بالمؤسسات.

- الأشكال التي هي تصميمات مبنية مسبقا ، وتتفرع عنها المنظمات التابعة لها: التراتبية، والتنافس، والصراع، والمغامرة، والإقصاء، والميراث، والتقليد...، وتسمى بالأشكال التكوينية.

- الأشكال التي تكون الإطار العام الذي تحدث ضمنه التنشئة الاجتماعية: السياسة، والاقتصاد، والقانون، والتعليم، والدين...وتسمى بأشكال التوافق.

- الأشكال العابرة التي تؤسس للطقوس اليومية: العادات، والطعام المشترك، والنزهات المشتركة، والتهذيب، والكياسة...[21]

وللتمثيل، يتوقف زيمل عند شكل اجتماعي مثاله (الموضة) لدراسته.لذا، يعتبرها تعبيرا عن النزعة الليبرالية الفردية ، و" دون أن تتوقف مع ذلك عن فضح الفوارق الطبقية، تكشف ربما بشكل أفضل، من أي شكل آخر، جوهر دينامية الاجتماعي.تسمح الموضة في الواقع بالتفرد (الحاجة إلى التميز) ، دون الانفصال عن جماعات الانتماء (الحاجة إلى التماسك). فهي شكل للحياة ، من بين أشكال أخرى كثيرة؛ يسمح بأن يجتمع في فعل موحد الميل إلى المساواة الاجتماعية، والميل إلى التمايز الفردي. أي: إلى التنوع.

أخيرا تعيش الموضة من هذه المفارقة الخاصة بحداثتها، إنها شكل دائم. في حين، إن سبب وجودها هو التبدل المستمر. ومن دون ثورة مستمرة في الأفكار والأذواق ، لن تكون الموضة سوى شكل اجتماعي عابر."[22]

وهكذا، فالأشكال هي منتجات للإنسان وللتفاعلات التي تربطها مع بعضها" فهي تميل أيضا لأن تصبح موضوعات أو أغراضا (Objets) تجد بنفسها قوانين تطورها الخاصة بها.إن عملية التجريد هذه تجعل الأشكال الاجتماعية تعمل بمنطق استقلال ذاتي لدرجة تجعلها غريبة عن الأشخاص الذين أوجدوها.كذلك يشير زيمل إلى أنه، بمجرد ما تنشأ - حتى بمساعدة حساسيتنا الفردية المبالغ فيها- فإن الأغراض القانونية والفنية الاعتيادية...تفلت منا لدرجة أننا لم نعد أبدا أسيادا على التأثيرات التي قد تحرض عليها هذه الأغراض.ومع ذلك، تظل الأشكال الاجتماعية عناصر محايثة لحياتنا اليومية من باب أنها تشارك في إدارة العلاقات بين الأفراد.وهذه هي حال النقود، فهي كأداة ضرورية للتبادل التجاري، تسهل النمو الاقتصادي، لكنها في الوقت ذاته، تسجن الأفراد ضمن علاقات اجتماعية ضعيفة . وفي الواقع، مع تكاثر هذا النمط من التفاعل الاقتصادي، يتقلص الرباط الاجتماعي بشكل متزايد، ليصبح مجرد علاقات شخص/ نقود/ شخص، خاضعة للحساب وللإستراتيجيات.هذا الميل الثابت لتشييء الرباط الاجتماعي يقع في قلب الإستراتيجية الثقافية للحداثة.

لكن إذا ما كان ثمة إستراتيجية، فهذا قبل كل شيء، لأن الناس لايستطيعون أن يقللوا من الأشكال الاجتماعية. وفي الواقع، إذا نظرنا إلى الفن أو التقنية أو العلم أو الأخلاق.فكل هذه الأشكال عناصر ضرورية لإنتاج ثقافة معينة.فهي تقدم إطارا للروابط الاجتماعية.وتحسن الغنى الفردي والجماعي...وعلى الرغم من أنها تصبح شيئا فشيئا غريبة عنا.فهي الأساس الحميم، ليس فقط لحياتنا الشخصية (إذا فكرنا بدور العائلة)، بل كذلك لكامل الحياة في المجتمع.فمن جهة أولى، إن الأشكال هي الوسيلة الضرورية لتثمين الذاتية. ومن جهة أخرى، يعمل هذا التدريب الخشن على لجم كل تلقائية فعلية لمجتمعنا الفردي.تلكم هي المفارقة المركزية لمجتمعاتنا الحديثة."[23]

وعليه، تبقى سوسيولوجيا الأشكال عند زيمل غامضة ومعقدة وملتبسة، تحتاج إلى توضيح دقيق ، وتطبيق إجرائي عملي أكثر بساطة وكفاية ومرونة .

 

المطلب الثاني: التصور المنهجي

يتبنى زيمل المقاربة التفاعلية في دراسة الظواهر المجتمعية.بمعنى أنه يستعمل المنهجية الكيفية. في حين، يستعمل ماكس فيبر المنهج التفهمي، بينما يستخدم دوركايم المنهج التفسيري الوضعي والكمي. ويعني هذا كله أن زيمل قد ركز على الفرد في علاقته التفاعلية مع الأفراد الآخرين، ضمن سياق تفاعلي مجتمعي قائم على الفعل ورد الفعل. أي: درس زيمل العلاقة التفاعلية القائمة بين الفرد والمجتمع، أو درس مختلف التفاعلات المتبادلة بين الأفراد ، مثل: الصراع، والتنافس، والتعاون، والتضامن، والغيرة، والأهواء، والعواطف، والجمعيات، وتبادل الرسائل...ويعني هذا ضرورة الاهتمام بالتفاعلات التي تفرزها الحياة اليومية العادية بأشكالها الاجتماعية. كما أن هذه المقاربة التفاعلية ذات طبيعة سياقية مرتبطة بالفعل المتبادل في نطاقه الزماني والمكاني.

وبهذا، تعتمد المقاربة التفاعلية عند زيمل على تجربة الأفراد في العالم أو الواقع اليومي، والتركيز بالخصوص على التفاعل المتبادل، ودراسة الفاعل تبعا للواقع الطبيعي الذي يعيش فيه.أي: دراسة "وجهة نظر الفاعلين الاجتماعيين بالحسبان، إذ إن هؤلاء يبنون عالمهم الاجتماعي من خلال المعاني التي يخصون بها الأشياء والأفراد والرموز التي تحيط بهم."[24]

ومن هنا، كان زيمل هو الممهد لظهور التفاعلية الرمزية أو مدرسة شيكاغو الأمريكية مع جورج هربرت ميد وألبيون سمول وغيرهما. وبذلك، أصبح علم الاجتماع علما ميدانيا ، يهتم بدراسة المدينة، وحل مشاكلها الاجتماعية، والاتجاه إلى علم اجتماع غير نظري، بل قائم على العمل الميداني. والدليل على تأثر مدرسة شيكاغو بزيمل ما أورده آلان كولون في كتابه (مدرسة شيكاغو) :" لقد لعب ألبيون سمول(1854-1926م) دورا كبيرا في تأسيس علم الاجتماع، لا في شيكاغو فحسب، بل وفي مجمل الولايات المتحدة.ولسوف يدرس سمول، بعد أن بدأ بدراسة لاهوتية، في برلين- حيث التقى جورج زيمل الذي كان طالبا آنئذ قبل أن يترك بصماته على علم الاجتماع الألماني والأوروبي- ثم في ليبزيغ حيث درس بين الأعوام 1879و1881م التاريخ والفلسفة والسوسيولوجيا الألمانية. ثم عاد سمول إلى الولايات المتحدة، وحصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ من جامعة جون- هوبكنز في العام 1889م، ثم أصبح مدرسا لمادة التاريخ في معهد كولبي حيث ظل يدرس المادة حتى العام 1882م.

هناك شرع سمول يدرس مادة علم الاجتماع، وبخاصة علم الاجتماع الألماني.فألف في العام 1890، كتابا قرأه كل طلبة علم الاجتماع في الولايات المتحدة طوال عشرين سنة ، وقد استعار عنوانه كل من روبيرت بارك وأرنست بورجيس في عام1921 لكتاب لهما حول علم الاجتماع، ولكن بعد أن بدلا، وعلى نحو له دلالته العميقة، كلمة مجتمع بكلمة علم الاجتماع، وهكذا وبالانتقال من الجيل الأول لعلماء علم الاجتماع في شيكاغو إلى الجيل الثاني، ننتقل من مشروع المعرفة العلمية للمجتمع إلى البناء العلمي للنظرية التي ستتيح، كما كان معتقدا، دراسة هذا المجتمع.

لم تدم كتابات آلبيون سمول بعد وفاته، كما أن عروضه النظرية- وبخاصة تصنيفه للحوافز البشرية في ستة أنواع هي: الصحة، والرخاء المادي،  والمخالطة الاجتماعية، والمعرفة، والجمال، والإنصاف- لم تترك لها آثارا عميقة في علم الاجتماع.فهو لم يعد يقرأ اليوم كعالم اجتماع إلا من قبل بعض البحاثة الذين يهتمون بتاريخ تطور علم الاجتماع الأمريكي. بيد أنه ينبغي الإشارة إلى أنه كان يحث طلابه على القيام ببحث ميداني نشط، وبمراقبة مباشرة لا أن ينصرفوا إلى التأملات النظرية و"هو غارقون في مقاعدهم"."[25]

ومن جهة أخرى، يمكن الحديث عن نوعين من علم الاجتماع على صعيد المنهج: علم اجتماع كمي يعتمد على آليات العلوم الطبيعية والرياضيات والإحصاء الكمي، ويتصف بالنفعية كما عند دوركايم - مثلا- ؛ ومنهج كيفي أو نوعي وإنساني يقوم على المعرفة العملية المباشرة ، ويمثله علم الاجتماع الميداني، ويمارسه ماكس فيبر وزيمل والنظرية التفاعلية الرمزية الأمريكية بمدرسة شيكاغو.

ومن هنا، تستند المقاربة التفاعلية إلى مجموعة من الوسائل المنهجية الكيفية، مثل: استخدام الوثائق الشخصية، والسير الذاتية، والرسائل الخاصة؛ والاستعانة بقصاصات الصحف، والمذكرات ، واليوميات، والكتابات الشخصية أو الغيرية، والمقابلات المباشرة، والتحقيقات، والروايات أو الشهادات التي أدلى بها أولئك الأفراد الذين هم موضوع البحث، ودراسة الحالات أو القضايا المعينة؛ والاستعانة بمبدإ المعايشة أو الملاحظة المشاركة ، والعمل التوثيقي، والدراسة الميدانية...

إذاً، تهدف التفاعلية التبادلية إلى " فهم ما يفعله الأفراد، وذلك بالوصول، من داخلهم، إلى عالمهم الخاص، وسيكون المقصود أولا وصف العوالم الخاصة للأفراد الذين نريد فهم ممارساتهم الاجتماعية وتحليلها."[26]

ومن هنا، فالتفاعلية التبادلية منهجية تفهمية بامتياز، تحاول فهم العلاقات التفاعلية الفائمة بين الأفراد، في حضن المجتمع، بفهمها وتأويلها داخليا وإنسانيا. وبهذا، يقترب زيمل من ماكس فيبر وفلهلم ديلثي وباقي علماء الاجتماع الذين تمثلوا منهجية الفهم والتأويل. ومن هنا، فقد تمثل زيمل المقاربة التفاعلية من جهة، والمنهجية الكيفية من جهة أخرى.

علاوة على ذلك، فقد استعان زيمل بالفلسفة وعلم النفس والتاريخ في دراسة الظواهر المجتمعية ، ولاسيما أن زيمل أعد أطروحة جامعية حول فلسفة كانط.كما كان زيمل من المساهمين في بلورة علم النفس الاجتماعي. ويعني هذا كله أن هناك انتقاء منهجي، والجمع بين مجموعة من المقاربات في فهم الظواهر المجتمعية وتفسيرها وتأويلها، وخاصة الفلسفة وعلم النفس.

 

المطلب الثالث: الانتقــــادات

بادىء ذي بدء، علينا أن نعترف بأهمية جورج زيمل في مجال الفلسفة بصفة عامة ، وعلم الاجتماع بصفة خاصة. ومن ثم، يعد زيمل من رواد مدرسة الفهم التي وضع أسسها فلهلم ديلثي وماكس فيبر. كما يعد من علماء الاجتماع البارزين الذين اهتموا بسوسيولوجيا الأشكال. ومن ناحية أخرى، يعد الأب المجهول للسوسيولوجيا التفاعلية، قبل أن تنسب إلى مدرسة شيكاغو الأمريكية.

أضف إلى ذلك اهتمامه الكبير بظواهر اجتماعية مثيرة ومحيرة وشاذة في تلك الفترة بالذات، فقاربها زيمل من وجهات مختلفة: سوسيولوجية، وفلسفية، واقتصادية، وسيكولوجية، مثل: المدينة، والمظاهر، والموضة، والفن، والجمال، والفقر، والنقود، والدين، والمغامرة، والنساء، وجمالية الوجه، والأطلال، والثقافة...

ويكفيه فخرا أنه تأثر بمجموعة من المفكرين والفلاسفة البارزين، أمثال: ماكس فيبر، وسوزان جورج، وأوغست رودان، وهنري برغسون...كما دفعه عصره ، ذو الطابع الليبرالي والفردي والأداتي، إلى الاهتمام بسوسيولوجيا الفرد في تفاعله مع الآخرين، ضمن سياق مجتمعي معين.

وما يميز زيمل أيضا عن دوركايم وماكس فيبر هو الاهتمام بالتفاعل الاجتماعي الذي يجمع بين مجموعة من الذوات التي تتفاعل فيما بينها، ضمن سياقات اجتماعية مختلفة. وفي هذا، يقول فليب كابان وفرانسوا دوتريو:" في نص صغير يعود إلى عام 1909 وظل شهيرا، هو (الجسر والباب)، قدم تحليلا إحيائيا للحيثية الاجتماعية.فهو يرى أن الحياة الاجتماعية حركة لاتتوقف العلاقات بين الأفراد من خلالها عن تعديل بعضها البعض.وهذه العلاقات، على شاكلة الجسر الذي يربط، والباب الذي يفصل، هي علامات لميول متضاربة نحو التماسك والتبعثر. وبشكل أوضح، قدم زيمل، في سبيل تحليل هذه العلاقات، تصورا رئيسيا هو الفعل المتبادل. وببساطة هو يعني بالفعل المتبادل التأثير الذي يمارسه كل فرد على الغير.وهو فعل موجه بمجموعة من الدوافع المختلفة (الغرائز الجنسية، والمصالح العملية، والمعتقد الديني، ومتطلبات النجاة أو العدوان، والمتعة في اللعب، والعمل...)، وإن الكلية- المتحركة دوما- لهذه الأفعال هي التي تساهم في توحيد كل الأفراد في مجتمع بمجمله.

لكن موضوع تحليل زيمل ليس الفرد وليس المجتمع بماهما عليه: كل اهتمامه يتركز على التفاعل الخلاق بين هذين القطبين الطرفيين.إن إنتاج المجتمع، بهذا المعنى، هو المنبت المؤسس للرباط الاجتماعي.وعلى العكس من دوركايم، ينحاز زيمل إلى صيرورة المجتمع، وليس إلى الضغط الذي يمارسه هذا المجتمع.ولهذا السبب سيتكلم بأريحية عن التنشئة الاجتماعية أكثر مما عن المجتمع.

ومع ذلك لايتجاهل زيمل أيضا وجود بنيات ثقيلة تدفع إلى إعادة الإنتاج الاجتماعي.وهو ببساطة ينسب لها كيانا يقارن مع هذه الأحداث الميكرواجتماعية في الحياة اليومية، مع هذه التفاعلات المتعددة والعابرة (الألفة الاجتماعية) التي تشكل أيضا جوهر العلاقات الإنسانية."[27]

ومن جهة أخرى، يلاحظ على جورج زيمل أنه لم يوضح المقصود من شكل التفاعل الاجتماعي بشكل جيد، فمازال المفهوم غامضا ومعقدا وملتبسا؛ وهذا ما جعل إميل دوركايم يصف فكر زيمل بالتعقيد والغموض والإبهام. ونجد هذه الملاحظة نفسها عند جون سكوت في قوله:" فكثيرا ما يوصف زيمل بالاجتماعي الشكلي.ومن دون أي مخاوف بشأن غموض مفهومه الأساس عن الأشكال الاجتماعية، فقد أظهرت التحليلات المتعاقبة أن هذا المفهوم ضابط غير منتظم لظواهر متنوعة تعرف بالعلاقات الاجتماعية، والعمليات الاجتماعية، والأشكال الاجتماعية."[28]

وعلى الرغم من هذه الانتقادات المشروعة، يبقى جورج زيمل مؤسسا لعلم الاجتماع الحديث من جهة أولى، وصاحب السوسيولوجيا التفاعلية من جهة ثانية، ومؤسس سوسيولوجيا الأشكال من جهة ثالثة.

 

الخاتمــــة

وخلاصة القول، يعد جورج زيمل من المؤسسين الحقيقيين لعلم الاجتماع الحديث إلى جانب إميل دوركايم وماكس فيبر. ويعتبر أيضا الأب المجهول للسوسيولوجيا التفاعلية، والمؤسس الفعلي لسوسيولوجيا الأشكال، ومن أبرز علماء الاجتماع الذين اهتموا بظواهر مجتمعية مثيرة، مثل: الفقر، والموضة، والنقود، والجمال، والدين، والثقافة، والمدينة، والغريب...

ومن هنا، فعلم الاجتماع، عند جورج زيمل، هو دراسة التفاعل الاجتماعي وأشكاله، مثل: التبادل، والصراع، والاستعلاء، والخضوع، والسرية، والشرف... أي: يدرس الحياة اليومية أو التفاعلات الميدانية، مثل: تبادل الرسائل، أو العلاقات المتشحة بالغيرة، أو العرفان بالجميل... وبهذا، يكون زيمل قد أسس علم اجتماع الحياة اليومية.

ومن منظور آخر، لاتقتصر السوسيولوجيا على دراسة الفرد فقط، أو دراسة المجتمع ، بل تدرس - حسب زيمل- العلاقة التفاعلية الموجودة بين الفرد والمجتمع.

ومن جهة أخرى، فقد ميز زيمل بين مضمون الفعل وشكله، وإذا كان المضمون عبارة عن الدوافع والحوافز والمنافع أو المصالح التي تدفع الفرد إلى ممارسة فعل ما ، ضمن سياق اجتماعي معين، فإن شكل الفعل هو النموذج المنهجي الخاص الذي يتخذه هذا المضمون.

 

الدكتور جميل حمداوي

......................

[1] - ولد السوسيولوجي الألماني زيمل سنة 1858م، وتوفي سنة 1918م.

[2]- جون سكوت: خمسون عالما اجتماعيا أساسيا، ترجمة: رشا جمال، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1913م، ص:198.

[3]- Georg Simmel: Über sociale Differenzierung(1890).

[4] -Georg Simmel: Philosophie de l'argent, traduit par Sabine Cornille et Philippe Ivernel P.U.F., Paris, 1987.

[5] - Georg Simmel: Sociologie et épistémologie, P.U.F., 1981, 1989.

[6]-Georg Simmel : Les Pauvres, P.U.F. 1998.

[7]-Georg Simmel:Sociologie, étude sur les formes de la socialisation, P.U.F., 1999.

[8] - Georg Simmel :Secret et sociétés secrètes, Circé, 1991.

[9]-Georg Simmel : La Sociologie et l’Expérience du monde social, Méridiens Klincksieck, 1986.

[10] - Georg Simmel :La Parure, MSH, 1998.

[11]-Georg Simmel:Esthétique sociologique, MSH, 2007.

[12]-Georg Simmel :Le Pauvre, Allia, 2009.

[13] - Georg Simmel:Psychologie des femmes, Payot, 2013.

[14]-Georg Simmel : Philosophie de la mode, Allia, 2013.

[15]-Georg Simmel: Philosophie de l'aventure, L'Arche, 2002.

[16]-Georg Simmel : Le Problème de la sociologie et autres textes, éditions du Sandre, 2006.

[17]-M.Giacobbi,J.P.Roux :Initiation à la sociologie, Hatier, Paris,1996,p:254.

[18]- Simmel: Sociologie, étude sur les formes de la socialisation, P.U.F., 1999.

[19] - فليب كابان وفرانسوا دوتريو: علم الاجتماع، ترجمة: إياس حسن، دار الفرقد، دمشق، سورية، الطبعة الأولى سنة 2010م،ص:72.

[20]-J.Freund :Philosophie et sociologie, Cabay,1984.

[21] - فليب كابان وفرانسوا دوتريو: نفسه، ص:72-73.

[22] - فليب كابان وفرانسوا دوتريو: نفسه، ص:73

[23]- فليب كابان وفرانسوا دوتريو: نفسه، ص:73-74.

[24]- آلان كولون: مدرسة شيكاغو، ترجمة: مروان بطش، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2012م، ص:25.

[25]- آلان كولون: مدرسة شيكاغو، صص:13-14.

[26]- آلان كولون: نفسه، ص:127.

[27]- فليب كابان وفرانسوا دوتريو: نفسه، ص:71-72.

[28]- جون سكوت: خمسون عالما اجتماعيا أساسيا،ص:199.

zouhair khouildi"الفن يتصف بنفس صفات الأشياء التي يحاكيها"1[1]

ترتكز النظرية الميتافيزيقية للفن عند أفلاطون على اعتبار أن الجمال هو أحد المثل العليا الى جانب الحق والخير. ويكون الجمال في ذاته في عالم المثل بينما الجمال الذي نراه في الأشياء الطبيعية هو ناقص ونسبي ويحدث أنه كلما ابتعد الشيء عن مثاله يزداد بشاعة وقبحا ويفقد قيمته الفنية وكلما اقترب يزداد حظه من الجمال والحسن والبهاء. ربما الجمال هو أكثر المثل سحرا وتجليا ولكن يصعب على الإنسان بلوغه وقلما يدرك الجمال المطلق وذلك للنسيان وعدم تذكره مثال الجمال بصورة واضحة.

" لا أحد يبلغ حد المعرفة التامة في كنه الجميل والعادل ما لم يعرف كنه الخير"2[2]، وبالتالي يقوم أفلاطون بالتمييز بين الأشياء الجميلة والجمال المطلق وبعبارة أخرى يفرق بين الجوهر والأوساط التي يتجلى فيها.

"أعني أن محبي النظر والسمع يعجبون بالجميل من الأصوات والأشكال والألوان والصور وكل ما دخلت في تركيبه هذه الاشياء من منتوجات الفن ولكن فهمهم يقصر عن إدراك كنه الجمال واعتناقه"3[3]

هكذا تتفاوت نصيب الناس من رؤية الجمال ويتبوأ الفيلسوف أسمى الدرجات لكونه قادر على بلوغ الجمال المطلق ولذلك تثور في داخله انفعالات تحمله على تقدير ذلك الشيء الجميل. ودرجات الجمال تتفاوت حسب درجة القرب من عالم المثل. فالبداية تكون بالجمال المطلق ثم جمال العقل وبعد ذلك جمال النفس بالأخلاق ثم جمال الجسم وهو في مرتبة دنيا لما يصيبه من فناء ولما يحدث للشهوة من ارتواء.

تبعا لذلك يرتبط الجمال بالتذكر والمعرفة وبالحب والرغبة في الأشياء الحسنة والأفعال الصالحة والصدق في الأقوال ويحدث في النفس العور بالسعادة والفرح ويزيد من رغبة الإنسان في الخلود. لقد تحدث أفلاطون عن الفن بوصفه ولد الموهبة الطبيعية وتضاف إليه الثقافة والتهذيب والرياضة لتأتي نتائجه كاملة وتكلم عن أنواع الفن مثل الخطابة والحديث والأمثال الخرافية والشعر المحمي والتمثيلي والموسيقى. لقد رفض أفلاطون شعر المحاكاة mimèsis لأن الشاعر يحاكي الأشياء المحسوسة وهذه الأخيرة تحاكي المثل ويبتعد عمله عن الحق ثلاثة درجات وبالتالي يسقط في محاكاة المحاكاة ولا يكون له علم ولا رأي سديد بالأشياء التي يصفها. والحق أن الجمال الموجود في الأجسام الحسية والأعيان والأشخاص والأشياء المادية ليس مصدره العرف واللذة والمادة والمنفعة بل هو مجرد انعكاس لذلك الجمال الحقيقي والمطلق والأبدي والرحب الذي يدركه الإنسان بالعقل والحكمة والتأمل ويتلاءم مع الخير والأخلاق والعدالة ويرتبط بالحقيقة والماهية. لقد وقف أفلاطون موقفين متعارضين من الفن. ففي محاورة فدرس( 245 أ) يقر بأن الفن سحر يحرر من كل سطحية ولكنه جنون وهذيان ينقلنا إلى عالم آخر وهو ميدان الصور والماهيات. وبالتالي لا يقوم الفن في ميدان المواضيع والجزئيات على الرغم من كونه الشرط في بهاء المرئيات الحسية. ثم يعتبره المثل الأعلى الذي ينبغي أن تقترب منه الموجودات، ومن هنا جاءت نظرية المحاكاة mimesis، لكنه ينتقل وفق الجدل الصاعد من جمال الأجسام إلى جمال النفوس ثم إلى جمال الصور العقلية إلى الجمال في ذاته. بيد أن أفلاطون يجعل من الفن في مرتبة ثانية بالنسبة إلى الحقيقة والى الخير بل يؤكد أن الجمال لا يتفق مع الخير والحق لأنه يتجلى في المحسوسات التي تعتبر أقل قيمة بالمقارنة مع المعقولات في نظرية المثل. لقد بقي أفلاطون مترددا في آرائه حول الفن بماهو محاكاة وتراوح بين التساهل والتشدد وبين الإباحة والمنع وقد وصل موقفه إلى درجة الإدانة في محاورة النواميس لأنه "لهو غير مؤذ". لقد حث أفلاطون على ضرورة محاكاة الفن للمثال فحسب واشترط حصول الفنان على معرفة حقيقية بماهيات الأشياء ودعا إلى ضرورة إخضاع الفنانين لأعمالهم للنظام السليم ومراعاة القيمة الأخلاقية وأن تقوم الفنون بدور خاص في النظام الاجتماعي العادل وأن يتم محاكاة أفعال الفاضلة وحرص على إخضاع النشء للمؤثرات لفنية الصالحة ومنع محاكاة الأفعال الرذيلة التي تؤدي إلى الخشونة والوضاعة والتهور. لكن " الفن القائم على المحاكاة بعيد كل البعد عن الحقيقة لأنه لا يمس إلا جزءا صغيرا من كل شيء وهذا الجزء ليس إلا شبحا"4[4]. لقد اصطدمت نظرية المثل بعدة اعتراضات من طرف أرسطو وأفلوطين وسائر الفلاسفة العرب. فماهي الدواعي التي دفعت المعلم الأول إلى مراجعة نظرية المحاكاة؟

لقد رفض أرسطو الاعتقاد بوجود مثال للجمال قائم الذات في عالم المثل وأقر بالجمال في الطبيعة واعتمد نظرية المحاكاة وحدد الفن بأنه محاكاة تختلف حسب الوسيلة والموضوع والأسلوب ولذلك جعل الفنون الجميلة أنواعا من المحاكاة تعتمد وسائل الوزن اللغة والإيقاع في المفرد والجمع والسرد والعرض. لقد طبق المحاكاة على الموسيقى والتصوير والرقص والشعر الملحمي والتمثيلي والغنائي والمأساة والملهاة.

يختلف الإنسان عن سائر الكائنات بغريزة المحاكاة التي كان أكثر استعدادا لها واعتمد عليها في اكتساب المعارف الأولية بالتعلم وولادة الأشياء التي يجد فيها لذته والمواضيع السارة وارتجال الشعر والخطابة5[5].

عند أرسطو "الطبيعة والفنان متشابهين لأنهما يقومان بصناعة شيء ما وان كانت الطبيعة تنتجه مما لديها من مادة فإن الإنسان يصنعه من مادة تخرج عن ذاته"6[6]، وبالتالي كان الفن عند أرسطو محاكاة أو إكمالا لما لم تنتجه الطبيعة بل " إن المحاكاة هي السبب الأول في وجود الشعر"7[7]. لقد " كان بوليغنوطس يصور الناس أفضل مما هم في الواقع، بينما صورهم فوسون أقل فضيلة ، في حين أن ديونيزوس صورهم كماهم في الحياة، وكل نوع من المحاكاة سوف يكون مميزا بواسطة تلك الفروق"8[8].

من هذا المنطلق ليست المحاكاة عند أرسطو بالضرورة تقليدا أعمى للأشخاص ولا نقلا أمينا للواقع او نسخا له وإنما يقوم عمل الفنان على تمثيل الواقع وتصويره ونقله وفق طرق ثلاث:

- كماهي في الواقع

- كما قال عنها أو يظن

- كما ينبغي أن تكون.

" تعني المحاكاة تصوير الأشياء في مادة خلاف مادتها، وبعلل غير عللها الطبيعية"9[9] وبالتالي تنتمي صورة المحاكاة وطريقتها إلى الطبيعة بينما المواد والعناصر التي تستعمل في التركيب تنتمي إلى الفن.

اضافة إلى ذلك إن " المحاكاة هي محاكاة لفعل وهذا الفعل يفترض أناسا يقومون به وهؤلاء الناس لهم أخلاق وأفكار معينة ونحن نميز الأفعال نفسها بواسطة الأفكار والأخلاق."وبالتالي نجد في المحاكاة ماهو أفضل أو أسوأ مما في الحياة. " في هذا المقام يشير أرسطو إلى أن مصدر الخلق الفني هو الرغبة في التقليد التي فطر عليها الإنسان والشعور باللذة عند النظر التي الأشياء التي تمت محاكاتها. كما انطلق أرسطو من الآثار الفنية المبدعة ومن الكائنات الطبيعية لكي يحدد مفهوم الجمال على أنه الوحدة مع التناسق ويؤكد عل الترتيب والنظام.

على هذا الأساس يكون الفن محاكاة الفعل الإنساني ويتطور العمل من مقدمة إلى عقدة تمتد من البدء الى الجزء الذي يقع فيه التحول فيكون الحل من التحول إلى النهاية وحصول السعادة أو الشقاء لدى المتلقي. هكذا تمضي المحاكاة في الشعر في اتجاهين: "يحاكي أصحاب الأرواح الطيبة الأفعال النبيلة وأفعال الفضلاء من الناس أما أصحاب النفوس التافهة فإنهم يحاكون أفعال الأدنياء ويصوغون القصائد الساخرة"10[10]، وبالتالي يشترط في العمل أن يكون تاما أي له بداية ووسط ونهاية. وتعني البداية أنه لم يسبقه شيء آخر. ويعني الوسط ما يتبع شيئا آخر ويسبقه شيء آخر. أما النهاية فهي ما يسبقه شيء ولا يعقبه شيء آخر...ويشترط في العمل أيضا أن يكون واحدا ، ووحدة العمل تقو بالفعل الواحد لا بالشخص الواحد11.[11]

البطل التراجيدي هو إنسان خير، بينما الكوميديا تحاكي الأدنياء من الناس والتأثير الأخلاقي للملحمة أقل.زد على ذلك تؤدي المحاكاة وظيفة التطهر بإثارة انفعالات الخوف والشفقة والتخلص من سلبياتها. واستخدمت المحاكاة من أجل الحث على الفضيلة والعمل على تجنب الرذيلة والبحث على تأثير الايقاعات والمقامات والأوزان والصور الفنية على النفس.

مجمل القول أن أرسطو يقرر على خلاف أفلاطون بأن الفن يحاكي الطبيعة كما تتجلى وتظهر ولكن وفقا لمعيار كلي عقلي وهو يرى في التراجيديا وسيلة للتطهر من الانفعالات الضارة ونوعا من الدواء النفسي.لكن لماذا تعرض باراديغم المحاكاة إلى مراجعات نقدية مستمرة من طرف الفلاسفة اللاحقين على الإغريق؟

لقد انقسمت نظرية المحاكاة إلى عدة اتجاهات:

- محاكاة المثال ، محاكاة بالجوهر، محاكاة المثل الأعلى

- محاكاة الطبيعة ، محاكاة بالمظهر، محاكاة ساذجة

- محاكاة الأفعال الإنسانية محاكاة الخير والفضيلة.

والحق أن باراديغم المحاكاة عانى من عدة مزالق ووقع في مجموعة من الإحراجات يمكن أن نذكر منها ما يلي:

- الوقوع في مأزق التماثل المستحيل والتباعد بين النسخة والأصل لأن المحاكاة مهما حاولت بلوغ التطابق وبلورة التعبير الصادق عن المشهد الطبيعي فإنها تتعثر وتنتهي إلى فشل ذريع وذلك لتمنع الطبيعة وتجعل الفنان يقع في الإسقاط وبالتالي إن الأشياء لا تتشابه مهما تشابهت طالما أنه في البدء كان الاختلاف.

- الوقوع في الانتقائية والتبسيط والاختزال وذلك بالتركيز على بعض الخاصيات وإهمال خاصيات أخرى ربما تكون مصدر الإمتاع دون وجود معيار للتمييز بين الهام والمهم والعادي.

- الآثار الفنية تفوق في عظمتها الطبيعة وما يوجد فيها من قيمة جمالية يتخطى أكثر المشاهد الطبيعية روعة وذلك للمسحة الجمالية التي وضعها فيها الإنسان ولما تخللها من مهارة وعبقرية وصنعة تتعمد التحريف والتشويه واللعب الحر بالكلمات والأصوات والألحان والمواد.

- المحاكاة لدى الفنان ليس للطبيعة بل للآثار الفنية ذاتها وبالتالي هناك عدة فنون ساهمت في ميلاد وتشكل فنون أخرى من رحمها نتيجة محاكاتها والعمل على تطوير لغتها وتقنياتها وأساليبها مثلما ولد المسرح من التراجيديا وظهر السينما من رحم المسرح وبرز الغناء من الإنشاد الديني والشعر القصصي. في هذا الإطار " لقد كان الفنانون يحاكون بعضهم باستمرار من عصر إلى آخر مما جعل فنهم ينحدر باستمرار"12[12].

اللافت للنظر أن الفنان الحقيقي في نظر ليونارد دي فنشي ليس المقلد للماضي ولا المطبق لنظرية المحاكاة على المشاهد الطبيعية وإنما هو الذي يقدر على تمثل الجمال الطبيعي انطلاقا من ذاته والذي يتسلل إلى الطبيعة ويتمكن من تحويل ماهو مبتذل وعادي إلى منظر رائع وبالتالي يصبح سيد خلقه ويعبر عن اللاّمرئي بالمرئي. والآية على ذلك" أن مكانة المبدع من أثره الفني كمكانة الإله من خلقه". على هذا يجب على الفنان أن يهجر أعمال أسلافه ويبتعد عن إنتاج الأعمال قليلة الفضل ويوقف انحدار الفن وأن يلتفت صوب الطبيعة ويذهب إلى العالم الخارجي ويتجول في الحياة وأن يفرط في إعمال الخيال ويمتلك القدرة الكلية على تمثل كل أشكال التنوع ويحتفظ به في فكره وينتقي الأقل حسنا من الأشياء ويجعله بفنه أكثر الأشياء حسنا.

من هذا المنطلق عاد أفلوطين في كتابه التساعيات ( التساع السادس فصل بند22) إلى أفلاطون وبين أن الجمال هو الصورة العقلية وأن الجميل هو المعقول المدرك في علاقته بالخير واشترط إصابة الحد الأوسط بالانتقال من الواحد إلى الآخر والتعرف على الخير في الصورة العقلية وعلى الحب في الفكر ( الجمال العقلي)13[13].

لقد انصبت نظرية المحاكاة على جوانب من الطبيعة ومن الشأن الإنساني وهو اللائق وما يستحق المدح والاستحسان والجدير بالثناء ومهدت الطريق أمام نشأة نظرية الانعكاس التي تحاول التعبير عن الواقع الاجتماعي في تفاعلاته الجدلية وحولت الآثار الفنية إلى مرآة عاكسة للأحداث والتغيرات التاريخية.

في جوابه على سؤال هل الفن محاكاة الطبيعة؟ يرى هيجل أن هذه الدعوى هي الرأي الأكثر شيوعا وأن تفسير المحاكاة بكونها المهارة في تصوير الموضوعات الطبيعية بأكثر أمانة تامة كما تتجلى لنا وحينما ينجح هذا التصوير الأمين فإنه يبعث فينا الرضا. لكن هذا التعريف لا يعطي للفن سوى الغرض الشكلي لإعادة ماهو موجود في العالم الخارجي وبقدر ما تسمح به وسائل التصوير وبالتالي يكون الفن محدودا في وسائل التعبير ولذلك يعلن هيجل أن إعادة التصوير هذه هي عمل لا جدوى منه ويعد لعبة مدعية تظل في مستوى أدنى من الطبيعة بكثير وبالتالي لا يعطينا الفن إذا اقتصر على الهدف الشكلي من المحاكاة الدقيقة بدلا من الواقع وماهو حي سوى صورة هزلية من الحياة ولا ينتج إلا أوهاما جزئية لا تخدع إلا حسا واحدا. والآية على ذلك أن " الفن حين يقتصر على المحاكاة فانه لا يستطيع منافسة الطبيعة بل يشبه الدودة التي تحاول بالزحف محاكاة فيلا." مبدأ المحاكاة هي مبدأ شكلي خالص يثير الملل والغثيان بسبب تكرار النماذج وغياب الاختلاف وإنتاج الأعمال المصطنعة ويخفي الجمال الموضوعي ويلجئ إلى الذوق الذاتي والخاص14[14].ويدعم هيجل موقفه بقوله :"حين لا يتخطى الفن المحاكاة الخالصة يعجز عن الإيحاء لنا بواقع حي أو بحياة واقعية فكل ما في وسعه أن يعرضه علينا لا يعدو أن يكون صورة كاريكاتورية للحياة"15[15] لكن ألا يساهم باراديغم المحاكاة في قيام الاتجاه التخييلي والنزعة التشكيلية في الفن من حيث لا يدري وعلى الرغم من تشبثه بإعادة إنتاج الواقع الطبيعي في مستوى القيمة الجمالية؟

 

د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

.......................

الهوامش والإحالات:

[1] أفلاطون، الجمهورية، ترجمة حنا خباز، دار التراث ، بيروت، 1969،ص.133.

[2] أفلاطون، الجمهورية ، مرجع مذكور ،ص195.

[3] أفلاطون، الجمهورية، مرجع مذكور، ص172.

[4] أفلاطون، الجمهورية، مرجع مذكور، ص 330،.

[5] أرسطو، فن الشعر، ترجمة عبد الرحمان بدوي ، طبعة دار الثقافة، بيروت، صص.03-13

[6] أرسطو، فن الشعر، المرجع نفسه.

[7] أرسطو، فن الشعر، المرجع نفسه.

[8] أرسطو، فن الشعر، المرجع نفسه.

[9] أرسطو، فن الشعر، المرجع نفسه.

[10] أرسطو، فن الشعر، ،المرجع نفسه.

[11] أرسطو، فن الشعر،مرجع مذكور. ص48.

[12] Leonard de Vinci, carnets , percepts du peinture, Tome2, traduction servicen, édition Gallimard, Paris, 1942, ,p197.

[13] أنظر كتاب أفلوطين ، التاسوعات، جمعه فرفوريوس الصوري ويتكون من تسعة أقسام وقد نسبه العرب الى أرسطو وظنوا أنه كتاب الربوبية.

[14] هيجل، المدخل إلى علم الجمال، فكرة الجمال، ، ترجمة جورج طرابيشي دار الطليعة بيروت، 1978،ص37.

[15] هيجل، المدخل إلى علم الجمال، فكرة الجمال، مرجع مذكور، ص.36.

المصادر والمراجع:

Leonard de Vinci, carnets , percepts du peinture, Tome2, traduction servicen, édition Gallimard, Paris, 1942,

أفلاطون، الجمهورية، ترجمة حنا خباز، دار التراث ، بيروت، الطبعة الأولى، 1969،

أرسطو، فن الشعر، ترجمة عبد الرحمان بدوي ، طبعة دار الثقافة، بيروت، الطبعة الأولى، 1973.

هيجل، المدخل إلى علم الجمال، فكرة الجمال، ، ترجمة جورج طرابيشي دار الطليعة بيروت، 1978،

 

 

________________________________________

[1] أفلاطون، الجمهورية، ترجمة حنا خباز، دار التراث ، بيروت، 1969،ص.133.

[2] أفلاطون، الجمهورية ، مرجع مذكور ،ص195.

[3] أفلاطون، الجمهورية، مرجع مذكور، ص172.

[4] أفلاطون، الجمهورية، مرجع مذكور، ص 330،.

[5] أرسطو، فن الشعر، ترجمة عبد الرحمان بدوي ، طبعة دار الثقافة، بيروت، صص.03-13

[6] أرسطو، فن الشعر، المرجع نفسه.

[7] أرسطو، فن الشعر، المرجع نفسه.

[8] أرسطو، فن الشعر، المرجع نفسه.

[9] أرسطو، فن الشعر، المرجع نفسه.

[10] أرسطو، فن الشعر، ،المرجع نفسه.

[11] أرسطو، فن الشعر،مرجع مذكور. ص48.

[12] Leonard de Vinci, carnets , percepts du peinture, Tome2, traduction Servicen, édition Gallimard, Paris, 1942, ,p197.

[13] أنظر كتاب أفلوطين ، التاسوعات، جمعه فرفوريوس الصوري ويتكون من تسعة أقسام وقد نسبه العرب الى أرسطو وظنوا أنه كتاب الربوبية.

[14] هيجل، المدخل إلى علم الجمال، فكرة الجمال، ترجمة جورج طرابيشي دار الطليعة بيروت، 1978،ص37.

[15] هيجل، المدخل إلى علم الجمال، فكرة الجمال، مرجع مذكور ص.36.

على الرغم من ان صدر المتألهين كان صريحاً وواضحاً في قوله بوحدة الوجود، إلا انه مع ذلك جسّد لحظة هي أبلغ لحظات صور التردد التي شهدتها علاقة الوحدة والشبه. فقد سبق أن ظهرت هذه الحالة من التردد لدى بعض الفلاسفة والعرفاء، كما لدى الغزالي، ثم تضاعفت حالة التردد لدى بعض المواقف التي تنافست على توجيه نظرية ابن عربي في وحدة الوجود، حتى وصلت عند صدر المتألهين الى القمة. فمع أن هذا الفيلسوف أراد أن يدفع التهمة عن ابن عربي في القول بوحدة الوجود العضوية للموجود الواحد المتنزل، الا أنه هو الآخر مع بعض تلامذته لم يسلم من هذا الاتهام.

وواقع الأمر إن لصدر المتألهين نصوصاً كثيرة تبدي تردداً واضحاً بين القول بوحدة الوجود العضوية أو الشخصية، والقول بوحدة الوجود النوعية كما لدى ابن رشد وطريقة الاشراق الفلسفية. فقد ذكر النراقي جملة من عبارات صدر المتألهين متهماً اياه بأنه قائل بمقالة الصوفية في وحدة الوجود العضوية، من حيث تنزّل مبدأ الوجود الأول بذاته مع اعتبارية وجود الغير مطلقاً. اذ استظهر من كلماته أنه يعدّ الوجودات الامكانية بأنها تطورات وشؤون للوجود الواجبي الأول، وهي اعتبارات وحيثيات للنور القيومي. فاتهمه على ذلك بمقالة وحدة الوجود والموجود الذي له تنزلات اعتبارية ملحوظة بلحاظ العقل من غير أن يكون لها حقيقة وحيّز في الواقع، فليس في العين وجود غيره أبداً1 .

فصحيح ان صدر المتألهين أكد بأن الممكنات عبارة عن محض الفقر والتعلق والظل للوجود الواجبي، الا أنه في الوقت نفسه اعتبرها تمثل حيثية وطوراً لتلك الحقيقة الواجبة، كما جاء في وصفها بأنها «لا حقائق لها الا كونها توابع لحقيقة واحدة، فالحقيقة واحدة وليس غيرها الا شؤونها وفنونها وحيثياتها وأطوارها»2 .

وعلى غرار هذا المعنى من عملية التنزل الذاتي للوجود الواجبي بدأ صدر المتألهين ـ وفقاً لقانون الشبه ـ بداية فلسفية ليخلص فيما بعد الى نهاية صوفية، فهو قد اعتبر الممكنات والماهيات مرائي لحكاية وجود الواجب الحق ومجالي لحقيقته، رغم أن المحسوسات لكثرة قشورها وتراكم النقص والامكان فيها لا تتمكن من حكاية الحق الأول إلا في غاية البعد كما جاء في (أثولوجيا). لكن سرعان ما انقلب هذا المعنى الفلسفي لدى صدر المتألهين الى معنى صوفي واضح المعالم، إذ قال بعد ذلك: «إن للحق تجلياً واحداً على الأشياء، وظهوراً واحداً على الممكنات، وهذا الظهور على الأشياء هو بعينه ظهوره الثانوي على نفسه في مرتبة الأفعال، فانه سبحانه لغاية تمامية وفرط كماله فاض على ذاته من ذاته، وفاض ذاته لكونه فوق التمام من ذاته، وهذا الظهور الثانوي لذاته على نفسه، لا يمكن أن يكون مثل ظهوره الأول، لإستحالة المثلين، وامتناع كون التابع في مرتبة المتبوع في الكمال الوجودي، والشعاع نحو المضيء في النورية، فلا محالة نشأت من هذا الظهور الثانوي ـ الذي هو نزول الوجود الواجبي بعبارة، والاضافة بعبارة أخرى، والنفس الرحمانية في اصطلاح قوم، والعلّية والتأثير في لسان قوم آخر، والمحبة الأفعالية عند أهل الذوق، والتجلي على الغير عند البعض ـ الكثرة والتعدد حسب تكثر الأسماء والصفات في نحو العلم البسيط المقدس، فظهرت الذات الأحدية والحقيقة الواجبية في كل واحد من مرائي الماهيات بحسبه، لا أن بحسب ذاتها ظهورات متنوعة وتجليات متعددة، كما توهمه بعض، وإلا يلزم انثلام الوحدة الحقة تعالى»3 .

وتأييداً للمسعى الصوفي صرح في محل آخر فاعتبر أنه كلما اشتدت معرفة العارف بالجلاء والظهور، فان الشوق يزداد حدّة وقوة، وبالتالي تزداد حركة العارف وسعيه، ومن ثم تكمل المعرفة كشفاً ووضوحاً، حتى يصل الأمر الى أن لا يبقى في البين عارف ومعرفة غير المعروف، ومشتاق وشوق سوى المشتاق اليه، وسالك وسلوك سوى المسلوك اليه. فيصبح الأول عين الآخر، والباطن عين الظاهر، وينحصر الوجود في الموجود والمعبود، إذ لا كثرة ولا اثنينية في الواجب الحق4 .

كما نصّ على ان الوجود المطلق هو نفس حقيقة واجب الوجود، مصرحاً بأن «أظهر الأشياء هو طبيعة الوجود المطلق بما هو وجود مطلق، وهو نفس حقيقة الواجب تعالى..». وهذا ما جعل أحد أتباعه من المعلقين المعاصرين يشعر بأن ظاهر كلامه يفيد المعنى الصوفي، فأخذ يوجه هذا الكلام ليبعد عنه الشبهة الصوفية، فقال: «والحق أن الباري بحسب الفعل والظهور عين كل شيء، عن علي (ع) ظاهر في غيب، وغيب في ظهور»5 .

ومما له دلالة أقوى على المعنى الصوفي لوحدة الوجود اعتباره «كون الموجود والوجود منحصراً في حقيقة واحدة شخصية، لا شريك له في الموجودية الحقيقية ولا ثاني له في العين، وليس في دار الوجود غيره ديّار، وكلما يترآى في عالم الوجود أنه غير الواجب المعبود فانما هو من ظهورات ذاته، وتجليات صفاته التي هي في الحقيقة عين ذاته كما صرح به لسان بعض العرفاء بقوله: فالمقول عليه سوى الله أو غيره أو المسمى بالعالم هو بالنسبة اليه تعالى كالظل للشخص، فهو ظل الله، فهو عين نسبة الوجود الى العالم، فمحل ظهور هذا الظل الإلهي المسمى بالعالم انما هو اعيان الممكنات عليها امتد هذا الظل، فيدرك من هذا الظل بحسب ما امتد عليه من وجود هذه الذات، ولكن بنور ذاته وقع الادراك لأن أعيان الممكنات ليست نيّرة لأنها معدومة وان اتصفت بالثبوت بالعرض لا بالذات، إذ الوجود نور وما سواه مظلم الذات، فما يعلم من العالم إلاّ قدر ما يعلم من الظل، ويجهل من الحق على قدر ما يجهل من الشخص الذي عنه ذلك الظل، فمن حيث هو ظل له يعلم، ومن حيث ما يجهل ما في ذات ذلك الظل من صورة شخص من امتد عنه يجهل من الحق (ألم تر الى ربّك كيف مدّ الظل ولو شاء لجعله ساكناً)6 ، أي يكون بحيث لا ينشأ منه فيض وجوده وظل وجوده، ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً، وهو ذاته باعتبار كونه نوراً لنفسه في نفسه، ويشهد به العقل والحس للظلال الممدودة الوجودية، فان الظلال لا يكون لها عين مع عدم النور (ثم قبضناه الينا قبضاً يسيراً)7 ، وانما قبضه اليه لأنه ظله، فمنه ظهر واليه يرجع الأمر كله، فكل ما ندركه فهو وجود الحق في أعيان الممكنات، فمن حيث هوية الحق هو وجوده، ومن حيث اختلاف المعاني والأحوال المفهومة منها المنتزعة عنها بحسب العقل الفكري والقوة الحسية فهو أعيان الممكنات الباطلة الذوات، فكما لا يزول عنه باختلاف الصور والمعاني اسم الظل كذلك لا يزول عنه اسم العالم وما سوى الحق. واذا كان الأمر على ما ذكرته لك فالعالم متوهم ماله وجود حقيقي، فهذا حكاية ما ذهبت اليه العرفاء الإلهيون والأولياء المحققون»8 .

ومع ان هذا النص صريح بجعل الأشياء عين الحق بسريان الذات على الممكنات، الا أن خضوع فيلسوفنا لمنطق التردد جعله بعد صفحات من مقالته هذه يعود ليوجّه مقالة الصوفية توجيهاً فلسفياً، وكأنه بذلك ينقض ما قد بناه من قبل، فهو يوجّه قول الصوفية بأنهم اذا اطلقوا الوجود المطلق على الحق تعالى، فان مرادهم بذلك هو الحقيقة بشرط لا شيء ـ اي الذات الإلهية وهي في مرتبتها الخاصة ـ لا الوجود المنبسط «وإلا لزمهم المفاسد الشنيعة». وعليه اعتبر مراتب الوجود ثلاث: مرتبة الهوية الغيبية الخاصة به تعالى، ومرتبة الوجود المقيد المتعلق بغيره كالعقل والنفس والجسم، ومرتبة الوجود المنبسط المطلق، وهو الوجود الذي بعد الهوية الغيبية والمتمثل بفعله تعالى، وهو غير منحصر في حد معين من القدم والحدوث والتقدم والتأخر9 .

وليس النراقي وحده من إتهم صدر المتألهين بمقالة الصوفية، فقد إتهمه كذلك الشيخ احمد الاحسائي الذي أيد طعنه بمقالة نصّ عليها صهره وتلميذه الفيض محسن الكاشاني (المتوفى سنة 1091هـ)، إذ جاء في قوله: «كما أن وجودنا بعينه هو وجوده سبحانه، إلا أنه بالنسبة الينا محدث وبالنسبة اليه قديم، كذلك صفاتنا من الحياة والقدرة وغير ذلك، فانها بعينها صفاته إلا أنها بالنسبة الينا محدث وبالنسبة اليه قديم، لأنه بالنسبة الينا صفة لنا ملحقة بنا والحدوث اللازم لنا لازم لوصفنا، وبالنسبة اليه قديم لأن صفاته لازمة لذاته القديمة. وإن شئت أن تتعقل ذلك فانظر الى حياتك وتقييدها بك فانك لا تجد إلا روحاً تختص بك وذلك هو المحدث ومتى رفعت النظر من اختصاصها بك وذقت من حيث الشهود أن كل حي في حياته كما أنت فيها وشهدت سريان تلك الحياة في جميع الموجودات علمت أنها بعينها هو الحياة التي قامت بالحي الذي قام به العالم وهو الحياة الإلهية، وكذلك سائر الصفات، الا أن الخلائق متفاوتون فيها بحسب تفاوت قابلياتها، كما نبهنا عليه غير مرّة. وهذا أحد معاني قول أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال: (كل شيء خاضع له، وكل شيء قائم به، غني كل فقير، وعزُّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومفزع كل ملهوف)»10 . وقد شنّع الشيخ الاحسائي على الفيض الكاشاني عند شرحه لرسالة (عرشيه) لصدر المتألهين، وقال متهكماً: «قل أنا الله ولا تخف فإنك بالتصريح تستريح وتريح»11 .

وهناك من وجّه كلام الكاشاني الى ما يخرجه عن مقالة الصوفية، فاعتبر مراده من الوجود المضاف الى الله تعالى هو الوجود المنبسط الذي يتمثل بأمر الله وفعله، وفي هذه الحالة يصبح من المعلوم أنه لا يتقيد بقدم وحدوث، حيث يكون في العوالي قديماً، وفي السوافل حادثاً. كما اعتبر مراده من صفات الله تعالى هي تلك الخاصة بالصفات الفعلية لا الذاتية، وهي التي تمثل عين الفعل فتكون بالنسبة لله تعالى قديمة بقدمه، وبالنسبة الينا حادثة بحدوثنا12 .

وربما يعكس هذا التوجيه مراد النص السابق، فيصبح معنى (وجوده سبحانه) في قوله: «ان وجودنا وجوده سبحانه» هو فعله المتمثل بالوجود المنبسط، لولا أن ما جاء عنه من نصوص أخرى ـ في نفس الكتاب ـ تدل صراحة على التعبير عن مقالة الصوفية، كقوله: «فهو الوجود المطلق، وهو الذي يطلق ـ عليه ـ الله سبحانه.. ويسمى الوجود من حيث هو هو، وهو غير مقيد بالاطلاق والتقيد، ولا هو كلي ولا جزئي ولا عام ولا خاص ولا واحد بالوحدة الزائدة على ذاته ولا كثير، ولا جوهر ولا عرض ولا غير ذلك من المفهومات الذهنية والخارجية، بل يلزمه هذه الأشياء بحسب مراتبه ومقاماته المنبّه عليها بقوله عزّ وجل (رفيع الدرجات ذو العرش)13 ، فيصير مطلقاً ومقيداً وعاماً وخاصاً وكلياً وجزئياً وواحداً وكثيراً من غير حصول تغير في ذاته وحقيقته.. ولا يصح أن يحكم عليه بحكم أو يعرف أو يضاف اليه نسبة ما، من وحدة أو وجوب وجود أو مبدئية ايجاد أو صدور أثر أو تعلق علم منه، بنفسه أو بغيره، إذ كل ذلك مقتضى التعين والتقيد، ولا طريق الى العلم به بوجه»14 .

وقوله أيضاً وهو يصف الله تعالى: «هو عين الأشياء فهو محدود بحدود كل ذي حد، إذ هو الساري فيها كلها، بل هو الكون كله، فهو تشبيه وهو بعينه تنزيه، إذ هو نفي لما سواه، وأيضاً إذا أحاط بالكل ولم ينحصر في واحد منهما ولا في الكل لم يكن محدوداً، فسبحان من تنزه عن التشبيه بالتنزيه، وعن التنزيه بالتشبيه»15 .

 

يحيى محمد

مفكر وباحث

..................

هوامش

1- النراقي: قرة العيون، ص181.

2- قرة العيون، ص181.

3- قرة العيون، ص190ـ191.

4- صدر المتألهين: كسر أصنام الجاهلية، تحقيق وتقديم محمد تقي دانش پژوه، مطبعة جامعة طهران، 1962م ـ1340هـ. ش، ص79ـ80.

5- المظاهر الإلهية، ص11.

6- الفرقان/45.

7- الفرقان/46.

8- الاسفار، ج2، ص292ـ 294. وقرة العيون، ص196ـ197. كذلك لطائف العرفان، ص56ـ57.

9- الاسفار، ج2، ص327 ـ330.

10- محمود شهابي الخراساني: النظرة الدقيقة في قاعدة بسيط الحقيقة، انجمن حكمت وفلسفة ايران، 1399هـ، ص و.

11- فلاسفة الشيعة، ص356.

12- النظرة الدقيقة في قاعدة بسيط الحقيقة، ص ح ـ ط.

13- غافر/15.

14- الفيض الكاشاني: كلمات مكنونة، تصحيح وتعليق عزيز الله القوچاني، انتشارات فراهاني تهران، ص16ـ17. كذلك: كاظم الرشتي: شرح آية الكرسي، طبعة حجرية، مكتبة أدبيات مشهد.

15- المصدر السابق، ص44.

 

أول ما يواجهنا في النزعة اللانقدية لأداة الإستقراءهو المنطق الأرسطي الذي لم يشكك أبداً بالقيمة الموضوعية التي تفرزها. فهو يعتقد ان هذه الأداة صالحة لبناء المعرفة طالما تخضع تحت تحكم بعض المبادئ القبلية التي تُضفي عليها صفة القياس المنطقي.

واذا كان هذا المنطق لا يجد في الإستقراء مشكلة ذاتية نابعة من طبيعته، فلا يعني ذلك انه ينفي عنه سائر المشاكل الأخرى؛ كتلك الموصوفة بجواز الوقوع في الخطأ العارض، وهي من المشاكل الواقعية. ولا شك ان لها حسابها في التوالد القياسي للإستقراء الأرسطي.

لكن من الناحية المبدئية يظل الإستقراء الأرسطي محكوماً باعطاء نتيجة كلية صحيحة من دون شك، طالما انها تخضع إلى حكم القضايا القبلية. فضلاً عن أن مبرره لإثبات القضايا الكلية، يعود إلى فهمه الخاص لعلاقات الطبيعة، إذ يراها تنطوي على الروابط الحتمية الخاصة بين ماهيات الاسباب والمسببات. وهو على الرغم من عدم إدعائه القدرة على إستنتاج هذه العلاقات قبلاً بواسطة العقل؛ لكنه يسلّم مبدئياً بمحكومية تلك العلاقات ضمن أطر الإعتبارات القبلية، الأمر الذي يضفي عليها النزعة العقلية؛ استناداً إلى مبادئ خاصة مثل المبدأ القائل بأن الإتفاق (الصدفة) لا يتكرر أكثرياً ولا دائمياً، ومبدأ الانسجام القائل بأن الحالات المتشابهة تؤدي إلى نتائج متماثلة. لذا كان اكتشاف هذه العلاقات عبر الملاحظة والتجارب لا يغيّر من الفهم الأرسطي حول رد القضايا الإستقرائية إلى الصور العقلية وما تتضمنه من إعتبارات الضرورة. ومن ثم فبهذا الإعتبار لا ينطوي الإستقراء على مشكلة منطقية تستحق الفحص والتأمل.

على ان نفس هذه النتيجة يمكن استخلاصها من دراسة الموقف العقلي الحديث من الإستقراء. فهو أيضاً يرى الطبيعة تتضمن الصور الحتمية من العلاقات، فلا يبقى للباحث من مهمة سوى تشخيصها واستخلاص كلياتها، أو العمل على تعميمها بسلام!

وقد بلغ الأمر ببعض الفلاسفة إلى ان يرد علاقات الطبيعة إلى شكل من الاشكال المنطقية. فالفيلسوف الحديث لايبنتز يرى ان من الممكن رد كل علوم الطبيعة إلى الرياضة، والمعرفة التجريبية إلى التفكير المنطقي المجرد؛ فيستنبط مثلاً من مفهوم (النار) انها حارة تُمدد الحديد وتغلي المياه، وكذلك من مفهوم (افلاطون) انه كان فيلسوفاً إغريقياً ترجع إليه نظرية المثل... الخ[1]. وهو فهم يحاكي المنطق الأرسطي في رؤيته الإستنباطية القائمة على ماهيات الأشياء.

يظل ان الفلاسفة العقليين إذا ما استثنينا منهم عمانوئيل كانت لا يتصورون وجود مشكلة تلوح المعرفة البشرية عامة والإستقرائية منها على وجه الخصوص. وحتى كانت فإنه يضع للمعرفة شروطاً قبلية تعمل على قبول ما يطلق عليه (الشيء لذاتنا)، جاعلاً (الشيء في ذاته) مما لا يمكن التعرف عليه بوجه ما من الوجوه. الأمر الذي يجعل القضايا الإستقرائية قضايا ظاهرية تتصحح بما لدينا من مقولات قبلية هي اشبه بالمبادئ العقلية الضرورية. فهو بهذا الإعتبار لا يولي لخصوص الإستقراء مشكلة خاصة.

وليس الغريب فيما ينطوي عليه الموقف العقلي من تبرير الدليل الإستقرائي برده إلى حكم القضايا القبلية، إنما الغريب فيما تلجأ إليه العديد من الإتجاهات التجريبية من تبرير ينساق بدوره إلى حكم المصادرة القبلية. فلو درسنا مواقف كل من بيكون ولوك ومل والماركسية؛ لوجدناها خير من يعبّر عن التلبس بمثل هذه المصادرة. فمبدأ الإستقراء بحسب هذه الإتجاهات لا ينطوي على مشكلة في نتائجه وتعميماته، إنما يكفي ما يلاحظ من خبرات سابقة كمبرر لتأسيس الأحكام التي صفتها التعميم عما سوف يحدث مستقبلاً.

فاذا أتينا إلى بيكون سنجد انه أول من اهتم بالإستقراء كأداة وحيدة لتحصيل المعارف، وكان يوصي بأن على رجل العلم ان يضع في رجليه نعلين من الرصاص، وذلك كتأكيد على الإلتصاق بالتجربة والإستقراء[2]. إلا ان الإستقراء الذي اشاد به كان يقتصر على المنهج التصنيفي، إذ فيه يعرض صفة معينة تُدرس من خلال قوائم لظواهر مختلفة، فهناك قائمة تختص بالظواهر التي تمتلك تلك الصفة، واخرى فيها ما يشابه الظواهر الأولى بوجوه محددة لكنها تخلو من الصفة، وقد تكون هناك قائمة ثالثة تظهر فيها الصفة بشكل متفاوت. وغرض بيكون في منهجه التصنيفي هو لأجل التعرف على الصور الحقيقية لصفات الأشياء، ثم تعميمها على مشابهاتها، وهو لم يعن به كمنهج لدراسة تعلّق الظواهر بعضها بالبعض الآخر[3]. كما ان هذا المنهج وإن كان مفيداً في وقته، إلا ان التطورات اللاحقة التي اعقبته تجاوزت ما كان عليه من بساطة، فأولت للرياضة والفروض العلمية دوراً هاماً في البحوث الإستقرائية[4]. أما من الناحية المنطقية فيلاحظ ان عصر بيكون لم يحن له الوقت بعدُ ليدرك ما يتخلل الدليل الإستقرائي من فجوة معرفية تحتاج إلى الملاحظة والنقد.

ويمكن أن يقال الشيء نفسه بالنسبة إلى مذهب جون لوك الذي ايّد بيكون بسلامة ما استخدمه من الاداة الإستقرائية. لكنه مع هذا واجه مشكلة من نوع آخر إعترضته بطريق الصدفة. فبإعتقاده ان معرفتنا لخواص الأشياء محدودة بحيث لا تبلغ درجة اليقين ولا التعميم، وسبب ذلك يرجع إلى ضعف طريقة الإختبار التي نمتلكها لفحص الوقائع الخارجية، فلو ان هذه الطريقة تغيرت لكان من الممكن تحقيق كامل الإستنتاجات الصحيحة للقضايا الإستقرائية. والطريقة التي تصورها لوك في كسب الإستنتاج الصحيح؛ تعتمد على معرفة الصفات الأولية للجزيئات التي تتكون منها الأشياء الخارجية، فلو ان حواس الإنسان كانت قوية ونافذة إلى تلك الصفات؛ لأمكن إستنتاج كل الخواص المرئية للأشياء، كإن نستنتج مثلاً ان كل قطعة من الذهب لها قابلية على الطرق [5] .

كذلك ان الماركسية هي الأخرى قد خلت من العنصر النقدي للإستقراء ولم تقدّر وجود مشكلة منطقية فيه، وموقفها من علاقات الطبيعة يشابه الموقف العقلي، حيث ترى ان هذه العلاقات يتجاذبها شكلان من الروابط، إحداهما روابط حتمية، والأخرى عرضية أو صدفوية، وكلاهما محكومتان بمبدأ السببية العامة. فكما تقول: ‹‹ان كافة الظواهر التي تجري في الطبيعة مشروطة سببياً، فليس هناك من عملية، من حادثة إلا ولها اسبابها. لكن ليس كل ما حدث، أو يحدث الان في الطبيعة أم المجتمع شيئاً ضرورياً. فالى جانب الضرورة هناك صدفة موضوعية واقعية هي شكل لتجلي الضرورة وتكميل لها... فبالنسبة إلى الإنسان يكون الموت مثلاً امراً طبيعياً، لكن السنة التي يموت فيها ـ ناهيك عن الساعة والدقيقة! ـ هي صدفة إلى حد ما، تتوقف على عدد من الاسباب والظروف غير المشروطة على نحو محدد تماماً بالضرورة المعنية. وليس من الصدفة مثلاً ان يضغط الغاز على جدار الوعاء في درجة معينة من الحرارة، ولكن العرضي هو ان الجزيئات التي تضرب على الجدار هي هذه الجزيئات وليست تلك. كذلك فإن من الأمور الحتمية ان يتحلل نصف نوعي عنصر مشع خلال نصف دور تحلله، لكن العرضي هو أية ذرات تحللت في هذه الفترة وايها لم تتحلل››[6].

فبهذا الفهم لعلاقات الطبيعة لا توجد هناك مشكلة منطقية للإستقراء، إذ مع لحاظ توفر ذات الشروط في علاقات الطبيعة لا بد أن تكون النتائج المستقبلية واحدة باضطراد. الأمر الذي يتأسس عليه التنبؤ بمجرى الوقائع والاحداث[7]. والميزة الخاصة لهذا الموقف هي انه يعود إلى إتجاه لا علاقة له بالمنطق العقلي، لكنه يتلبس بمصادراته القبلية. فيكفي ان نلاحظ الإشكالين التاليين:

1 ـ إن الإعتقاد بالسببية العامة لا دليل عليه وفق المباني التجريبية؛ بإعتبارها من المبادئ الكلية غير المشروطة، فهي تتجاوز إطار الرصد لعلاقات الطبيعة.

2 ـ إن الخضوع للمنطق التجريبي لا يبعث على كشف الضرورة في علاقات الطبيعة، وبالتالي سيفقد التعميم الإستقرائي مبرره لهذا الإعتبار.

وينطبق هذا الحال على آراء الفيلسوف التجريبي جون ستيوارت مل، رغم ما فيها من نضج متكامل قياساً بما سبق. فهو من أبرز الرجال الذين إهتموا بمعالجة الإستقراء وتحليله رغم عدم إكتراثه بالمشاكل الذاتية التي كشف النقاب عنها ديفيد هيوم. وهو وإن كان متأثراً بأفكار هذا الأخير لكنه يختلف معه في الموقف من الإستقراء. فلأنْ كان هيوم يرى الإستقراء منطوياً على عقدة ذاتية؛ فإن الأمر عند مل غير محمول على محمل الجد. ولإنْ كان الأول يبني تحليله للإستقراء من خلال مبدأ السببية؛ فإن الآخر يصادره إبتداءاً، وعليه يقيم استكشافه للسببية. هذا بالاضافة إلى ان فهمهما للسببية مختلف، فهي عند مل تنطوي على الضرورة، وعند هيوم مجرد تتابع زمني.

ويلاحظ في موقف مل وجود مصادرتين أساسيتين كالتالي:

الاولى ايمانه المطلق بمبدأ الإستقراء كأداة صحيحة وسليمة لكسب المعارف جميعاً من دون إستثناء. فحتى العلوم التي يعتبرها المذهب العقلي اولية كعدم التناقض والعلية ومبادئ الرياضيات؛ فإنها عند مل مستمدة من التجربة والإستقراء، بل وتخضع إلى تفسير قوانين تداعي المعاني التي ادلى بها هيوم[8]. وكما يقول: ‹‹إن اصل كل العلوم، حتى تلك العلوم الإستنباطية أو البرهانية هو الإستقراء››[9].

أما المصادرة الثانية فهي انه قام بتبرير ما ينشأ لدينا من تعميمات مستقبلية طبقاً لما يلاحظ من ثبات في الوقائع المضطردة في الماضي[10]. فهذه المصادرة تعتمد على ما تنتجه المصادرة الأولى في توليد الخبرات السابقة، والتي تصبح فيها الطبيعة بمثابة الكتاب الذي يمكن أن يحكي ما فيه دون حاجة لاضافة خارجية. الأمر الذي يتطلب ان يكون المتطلع إليها مؤمناً بما تضفي عليه من حقائق، إذ لا مهمة للباحث سوى ان يصِف ما يجري فيها من غير إضافة عقلية أو ذاتية.

هكذا فبحسب المصادرة الأولى لا فرق لأداة الإستقراء من أن تكشف ما عليه الطبيعة من علاقات؛ سواء إتصفت بالخضوع للسببية أو كانت صدفوية عديمة النسق. أما بحسب المصادرة الثانية فإنها يمكن أن تقوم بدورها اعتماداً على ما تنتهي إليه المصادرة الأولى في الكشف عن السببية، فهي تقوم بتعميم الحكم على الحالات المستقبلية؛ تبعاً لإفتراض الاضطراد المرصود في الخبرات السابقة. فستيوارت مل يعتبر التجربة قد علمتنا بأن علاقات الطبيعة ليست فوضوية عشوائية، بل تسير على نسق واحد مركب من عدة اطرادات جزئية تسمى قوانين الطبيعة. وكما يقول: ‹‹اذا تأملنا الاطراد في سلوك الطبيعة المفترض في كل تجربة، فمن الملاحظات الأولى التي تكشف نفسها ان الاطراد في هذه الحالة ليس إطراداً واحداً وإنما هو في الحقيقة عدة اطرادات. فالإنتظام العام ينتج عنه وجود إنتظامات جزئية، وسلوك الطبيعة على العموم ثابت، لأن سلوك كل الظواهر المختلفة تنظمها حقيقة معينة تحدث بلا تغيير عندما تتواجد ظروف معينة، ولا تحدث عندما تغيب هذه الظروف››. ويقول أيضاً: ‹‹فملاحظة الاطراد في سلوك الطبيعة، هو في حد ذاته شيء معقد، ومركب من جميع الاطرادات المتفرقة التي توجد من جهة الظاهرة الفردية. هذه الانتظامات المختلفة، هي ما نسميه في حديثنا العام بقوانين الطبيعة››[11].

وعلى العموم يعتقد مل بوجود نوعين من الاطراد، أحدهما دال على الإقتران في الوجود؛ من قبيل ملاحظة ان كل زنجي يقترن مع ظاهرة تجعد الشعر، وكل صيني يقترن مع انحراف العينين. أما الآخر فهو دال على الإقتران في التتابع، ويطلق عليه السببية، سواء كانت عامة أو خاصة[12]. فكل ظاهرة تسبق أخرى بإطراد وكانت بينهما علاقة ضرورية لا تقبل الانفكاك فإن الأولى تسمى علة والأخرى معلولاً، إذ لا تعني العلة إلا مجموعة الشروط والظروف التي متى تحققت فلا بد للمعلول ان يقع بصفة مطردة. فهذه الصفة من الاطراد يمكن تعميمها بحسب المصادرة الثانية، إذ ان قانون تداعي المعاني يجعل الذاكرة تعيد الظواهر بنفس النسق الذي كنا نراه ثابتاً في الطبيعة، طبقاً للضرورة المستنتجة بواسطة الإستقراء[13].

والملاحظ في هذا التفكير انه يواجه بعض الصعوبات كالآتي:

أولاً: ان مصادرة مل لمبدأ الإستقراء في تحقيق القضايا المعرفية يصطدم مع ما يلاقيه من مشكلة منطقية تلوح عملية الترجيح وتحويله إلى اليقين. إذ لا يمكن فصل معرفة قضايا الطبيعة عن إعتبارات مبادئ الإحتمال واصوله. فإذا كانت جميع المعارف نتاج التجربة والإستقراء؛ فكيف نبرر الحكم على قضية إستقرائية مثل سببية الحرارة لتمدد الحديد؛ مع انها تخضع للعديد من الإحتمالات الممكنة، وهذه الإحتمالات إذا كانت مستنتجة بدورها من خلال الإستقراء فسوف نقع في دوامة من الدور والتسلسل، ولو لم تكن إستقرائية لكانت مصادرة قبلية لا تتناسب مع ما عليه مذهب مل والاتجاه التجريبي عامة. كذلك فإن الاستناد إلى منطق الإحتمالات والترجيح لا يحول القضية الإستقرائية إلى يقين، الأمر الذي يحتاج إلى منطق آخر مختلف كالذي دعا إليه المفكر محمد باقر الصدر في (الأسس المنطقية للإستقراء).

ثانياً: إن إعتقاده بأن الضرورة مستنتجة عن طريق الإستقراء لا يُقر عليه؛ إذ كل ما يمكن للإستقراء كشفه هو ثبات العلاقات الطبيعية، لكن إثبات هذا الثبات شيء وإعتباره خاضعاً للضرورة شيء آخر.

ثالثاً: إن جعل المستقبل على وتيرة الماضي إن كان يجد ما يفسره نفسياً عن طريق تداعي المعاني؛ فإنه لا يجد ما يبرره منطقياً. وتتضاعف المشكلة عندما نقوم بتعميم نوع على نوع آخر مختلف. فمثلاً ان أنواع الظواهر التي يخضعها مل للبحث العلمي هي غير الانواع الملاحظة خلال التجارب الماضية، واذا كنا نرى في هذه الأخيرة اطراداً ثابتاً لبعض الانواع بين العلة ومعلولها؛ فكيف يحق لنا ان نفترض سلفاً نفس الثبات بالنسبة للأنواع الأخرى من العلاقات؟!

 

طرق الإستقراء العلمي لدى مل

يعتقد مل ان التنبؤ في القوانين العلمية الإستقرائية يعتمد على معرفة العلاقات الثابتة للسببية في عالم الطبيعة. ففي هذا العالم هناك نوعان من العلاقات؛ أحدهما يمثل إرتباطات صدفوية، وهي نتاج تأثير عدد من العلل المتغيرة التي لا يمكن تحديدها. والآخر يمثل ارتباطات قائمة على العلية الثابتة. فمثلاً إن سقوط الحجر على الارض لا يعتبر من الارتباطات الصدفوية، وإنما هو من الارتباطات العلية الثابتة؛ بإعتبار أن هناك علاقة لزومية محددة بين سقوط الحجر وبين جاذبية الارض. في حين أن اصطدام سيارتين في طريق ما من الطرق هو إرتباط صدفوي، إذ لا توجد علاقة لزومية محددة بين حركتي السيارتين.

بهذا التفريق لروابط الطبيعة أراد مل أن يضع منهجاً للكشف عن علاقات العلية الثابتة ليتسنى له بناء صيغة علمية للإستقراء. وهنا نتساءل: ما هي الوسيلة المنطقية التي يمكن من خلالها تمييز الارتباطات الصدفوية عن غيرها من الارتباطات السببية الثابتة؟ وبعبارة أخرى، ما هو المنهج الذي يجعلنا نعتبر العلاقة صدفوية أو غير صدفوية؟

حول هذا التساؤل طرح مل في البداية منهج التكرار في الوقائع والاحداث. وخلاصته هو انه إذا كانت هناك ظاهرتان ـ أو أكثر ـ قد تكرر وقوعهما بكثرة؛ فيمكن أن نستنتج بأن بينهما علاقة سببية ثابتة، وإلا إذا لم يتكرر الوقوع على شكل متواتر فالعلاقة بينهما صدفوية. وهو منهج يعبّر عن نفس الطريقة التي استخدمها أرسطو في مبدئه القائل (ان الصدفة لا تتكرر أكثرياً ودائمياً).

لكن مل ما لبث ان تنازل عن هذا المنهج ونقده. فبرأيه انه يمكن أن توجد ظواهر تتكرر بشكل متواتر رغم عدم كشفها عن وجود علاقات سببية ثابتة، لعلمنا بكونها صدفوية. كما انه على العكس قد توجد ظواهر أخرى لا تتكرر كثيراً، رغم أنها تنطوي على علاقة السببية الثابتة. وبالتالي فهو يرى كما يقول: ان ‹‹المسألة ليست ما إذا كان الوقوع يتكرر كثيراً أو نادراً بالمعنى العادي لهذه الكلمات، وإنما ما إذا كان يتحقق أكثر مما تسمح المصادفة››[14].

فبهذا ان مل لا يضع اجابة تحدد مقدار التكرار الذي يمكن أن تتحقق فيه المصادفة، إذ الأمر يختلف باختلاف الحالات، فالمسألة نسبية تماماً، فربّ تكرار مستمر لا يخضع إلى السببية الثابتة، ورب تكرار قليل لا يمكن رده إلى المصادفة.

فعن الحالة الأولى يذكر مل إنه قد تكون هناك ظاهرة ـ لنفرضها (أ) ـ موجودة دائماً، واخرى ـ لنفرضها (ب) ـ توجد بين حين وآخر، فتصبح جميع حالات (ب) متفقة في وقوعها مع (أ)، وعلى الرغم من هذا فهو يعتبرها من المصادفات العارضة. ويؤيد ذلك بمثال يضربه حول العلاقة الصدفوية بين النجوم الثوابت الموجودة منذ القدم وبين أي ظاهرة أخرى تحدث على الارض. أما عن الحالة الثانية فيضرب مل مثالاً يخص العلاقة المتغيرة بين هبوب الريح وسقوط المطر، إذ رغم أنه لا يحدث باستمرار لكنه ينطوي على علاقة السببية[15].

لكن هناك من إعترض على الحالة الأولى التي ذكرها مل، حيث انه لم يقم بتوحيد الأسس حين قارن بين إستمرار الوجود وتكرار الوقوع. إذ يفترض أن الظاهرة المتكررة الوقوع تقارن بظاهرة مثلها، وكذا الحال مع الظاهرة المستمرة الوجود[16]. وهو اعتراض يصح فيما لو لم نجد هناك علاقات سببية ثابتة بين الظواهر المختلفة الاسس، أما مع وجداننا لهذه العلاقات فإن صورة الاعتراض تكون ضعيفة الاثر. ونحن حين نستقرئ الواقع سنجد هناك الكثير من تلك العلاقات، فعلى سبيل المثال ان الهواء الذي هو مستمر الوجود له علاقة سببية ثابتة مع تكرر حياة كل فرد من أفراد الإنسان أو الحيوان أو النبات. وحتى مع غض النظر عن ذلك فهناك الكثير أيضاً من الإقترانات المستمرة الوجود أو المتكررة الوقوع والتي يمكن أن نوحد فيها الأسس دون ان نجد فيها روابط ثابتة للسببية، كما هو الحال مع وجود كل من الهواء والارض، إذ هما موجودان باستمرار، وكما هو الحل ايضاً مع تكرر كل من الولادات والوفيات في كل لحظة. فرغم أن مثل هذه الإقترانات دائمة الوجود أو الوقوع فإن من الواضح انه لا يوجد فيها علاقة سببية لزومية.

على هذا فإن مسألة الإقتران الدائم أو المتكرر لا يبعث دائماً على إستنتاج السببية، كما ان العلل المتغيرة لا تبعث هي الأخرى على منعها. فرمي قطعة النقد - المتساوية الوجهين - باستمرار كبير يخضع إلى ظروف عشوائية وعلل متغيرة، لكن رغم ذلك فإنه يحافظ على معدل الإحتمال المقدر بنصف لكل من الوجهين، مما يجعلنا نتأكد بأن هذا الاقتراب ليس مصادفة، بل يعود إلى سببية ثابتة - نسبياً - على الرغم من وجود العلل المتغيرة. وبالتالي فعلاج هذه المشكلة يعود إلى صميم نظرية الإحتمال.

وعلى العموم يمكن القول ان مل لم يصل إلى ضابط محدد في التمييز بين علاقات السببية والعلاقات الصدفوية، لكنه إكتفى بوضع عدة طرق نصح باستخدامها كأداة لاستخلاص السببية ضمن منهج الإستقراء العلمي. وهو مع ذلك حذّر الباحث من أن يقف عندها جامداً، كما إعتبرها لا تصلح للتطبيق في جميع الحالات[17]. وتنحصر قواعد كشف السببية عند مل بأربع طرق أطلق عليها: الإتفاق والاختلاف والتلازم في التغير والعوامل المتبقية. ويمكن التعرف عليها كالتالي:

 

طريقة الإتفاق

تتحدد هذه الطريقة بأنه لو كانت لدينا ظروف متعددة، وقد اتفق ان وقعت الظاهرة المراد تفسيرها مع ظرف محدد لكل حالة إختبارية نجريها، ففي هذه الحالة يمكن أن يكون هذا الظرف هو الوحيد الذي يعتبر السبب في وقوع الحادثة.

فمثلاً لو كانت لدينا أربع تجارب وقعت فيها الظاهرة (ب) مع بعض الظروف التالية:

(أ، ج، د، هـ، م، ن)، وذلك كما يلي:

في التجربة الأولى: ظهرت (ب) مقترنة مع (أ) و (د) و (هـ).

في التجربة الثانية: ظهرت (ب) مقترنة مع (أ) و (د) و (م) و (ن).

في التجربة الثالثة: ظهرت (ب) مقترنة مع (أ) و (ن).

في التجربة الرابعة: ظهرت (ب) مقترنة مع (أ) و (م).

وبالتعبير الرمزي تكون المواقف السابقة كالتالي:

الموقف الأول: أ + د + هـ ← ب.

الموقف الثاني: أ + د + م + ن ← ب.

الموقف الثالث: أ + ن ← ب.

الموقف الرابع: أ + م ← ب.

من هذه الصور يمكن إعتبار (أ) هي السبب في (ب)، فهي الوحيدة التي إقترنت معها في كل التجارب المختبرة. لكن مع هذا فإن طريقة الإتفاق تواجه العديد من الصعوبات، بعضها فني والآخر منطقي. وعلى الصعيد الفني نلاحظ الصعوبات التالية:

1 ـ من المسلم به ان هذه الطريقة لا تنفع كأداة شاملة للبحث العلمي.

2 ـ تفترض هذه الطريقة وجود ظروف محددة يمكن تعيينها، والحال ان هذه المسألة نسبية، حيث من الصعب تحديد جميع الظروف.

3 ـ كما تفترض حصر السبب في ظرف واحد حال إقترانه مع الظاهرة المراد تفسيرها، في حين أن من الصعب تحصيل ظرف منفرد في إقترانه مع الظاهرة. بل كل ظاهرة تقترن مع جملة من الظروف بشكل مستمر، ويزداد الأمر تعقيداً مع الظواهر الاجتماعية.

4 ـ في أحيان معينة قد تقترن الظاهرة مع ظرف معين بشكل مستمر، ومع ذلك لا نظن ان ذلك الظرف هو سبب حدوث تلك الظاهرة. فعلى سبيل المثال ظهر في إحدى السنوات مرض مجهول هاجم بعض مناطق أمريكا، وكانت ضحاياه الأولى من النساء، وحين بدأ العلماء في البحث عن سبب المرض وجدوا أن الظرف المشترك الذي اتفق وجوده مع المرض هو (الفرو الرخيص) الذى كانت تلبسه النساء المصابات. وبطبيعة الحال لا يعقل أن يأتي في بال الباحثين إعتبار الفرو سبباً لذلك المرض، بل توقعوا أن سبب ذلك يتمثل بوجود بعض الجراثيم المحمولة على الفرو. وفعلاً تحقق هذا التوقع بعد الفحص الدقيق، فكان إتفاق وجود الفرو مرشداً وليس سبباً لحدوث تلك الظاهرة من المرض[18].

أما على الصعيد المنطقي فقد أبرز المفكر الصدر اشكالاً صحيحاً مفاده: انه حتى لو لاحظنا إقتران (أ) مع (ب) دائماً فهو وإن كان يرجح لنا السببية بدرجة عالية من الإحتمال لكنه لا يبرر لنا التأكد منها بدرجة اليقين، فهناك إحتمال يظل ساري المفعول مهما كان عدد الإقترانات، وهو إحتمال أن يكون إقتران (أ) بـ (ب) صدفة.

 

طريقة الاختلاف

وهذه الطريقة على عكس الطريقة السابقة، إذ تقر انه إذا كانت هناك ظاهرة تظهر مع مجموعة من الظروف، ثم تختفى في جميع الحالات التي يتغيب احدها، فالمتوقع ان يكون هذا الظرف هو السبب في ايجاد تلك الظاهرة. لنفترض - مثلاً - ان (ب) تظهر مع هذه المجموعة (أ، ج، د، هـ)، وانها لم تظهر مع الظروف التالية (ج، د، هـ)، فالمتوقع ان تكون (أ) هي السبب لـ (ب).

فمثلاً لو كانت لدينا أربع تجارب اظهرت لنا النتائج التالية كالتالي:

أ + ج + د + هـ ← ب.

ج + د ← 0.

د + هـ ← 0.

ج + د + هـ ← 0.

ففي هذه الحالة نتوقع ان تكون (أ) سبباً لـ (ب). وهذه الطريقة تواجه نفس الصعوبات التي مرت على الحالة السابقة (الإتفاق)، سواء على الصعيد الفني أو المنطقي.

 

الطريقة المزدوجة

تتحقق هذه الطريقة من خلال ايجاد إختبارات تستند إلى كل من قاعدتي الإتفاق والاختلاف.

فمثلاً لو قمنا بستة إختبارات اظهرت لنا النتائج التالية:

أ + ج + د + هـ ← ب.

أ + ج + هـ ← ب.

أ تنتج (ب).

ج + د + هـ ← 0.

ج + د ← 0.

د + هـ ← 0.

ففي هذه الحالة سوف نتوقع ان تكون (أ) سبباً لـ (ب).

وعلى الرغم من أن هذه الطريقة كثيراً ما يعتمد عليها في الابحاث العلمية، كتجارب باستير وما اليها، لكنها مع ذلك لم تتخلص من جميع المشاكل السابقة على الصعيد الفني، كما انها تواجه نفس المشكلة التي اثارها المفكر الصدر على الصعيد المنطقي.

طريقة التلازم في التغير

بحسب هذه الطريقة انه إذا كانت هناك ظاهرتان تقترنان معاً في حالة من التغير المنتظم؛ فمن المتوقع ان يكون بينهما شكل من السببية. فمثلاً لو كانت (أ) تظهر باشكال مثل (ج، د، هـ، م)، وكانت (ب) تظهر باشكال أخرى مثل (ل، ك، س، ص)، ولاحظنا النتائج التالية:

ج ← ل.

د ← ك.

هـ ← س.

م ← ص.

ففي هذه الحالة سنستنتج ان (أ) هي السبب لـ (ب).

وتستخدم هذه القاعدة في حالة عدم إمكان اجراء الطريقة المزدوجة. وقد طبقها مل على تفسير ظاهرة المد والجزر. فالملاحظ ان للقمر مواضع يتغير فيها من مكان إلى آخر بالنسبة للارض، ومع كل موضع يتخذه تحدث حركة في المد والجزر، إذ تحدث حركة المد العالي على جانب الارض الذي يكون اقرب إلى القمر من الجانب الآخر، وحين يتبدل موضع القمر إلى هذا الأخير، فإن المد يلاحقه، مما يعني ان القرب من هذا التابع هو السبب في المد، نتيجة الجاذبية كما هو معروف.

ومن الواضح ان هذه القاعدة لا تنحصر في حالات التناسب الطردي بين (أ) و (ب)، بل تنطبق أيضاً على حالات التناسب العكسي، كما هو الحال في تفسير ظاهرة الانتحار (الأناني) من خلال التفاوت في درجات التماسك الاجتماعي، إذ كلما زاد هذا الأخير كلما قل الانتحار، وكذلك العكس صحيح.

وفي كلا الحالتين تعتبر هذه الطريقة كفوءة - إلى حد ما - من الناحية الفنية. لكن من الناحية المنطقية تواجه نفس الاشكال الذي طرحه المفكر الصدر ضد الطرق السابقة، إذ لا مانع من أن يكون إقتران حالات (أ) بحالات (ب) ناتجاً عن الصدفة مهما كانت ضئيلة، لأن المعول عليه هو تبرير درجة اليقين بعد عملية الترجيح الإحتمالي.

 

طريقة العوامل المتبقية

قدم مل هذه الطريقة الجديدة ليضيفها إلى الطرق السابقة التي ترجع في الاصل إلى بيكون[19]. والمقصود بها انه إذا كان هناك مبدأ معتمد يفسر عدداً من الظواهر باستثناء واحدة لا يتمكن من تفسيرها إلا عند إفتراض وجود ظاهرة أخرى جديدة تؤثر عليها، فالمتوقع هو قبول هذا الإفتراض وتصديقه اتساقاً مع المبدأ السابق. وهذه الطريقة تختلف عن سابقاتها بأنها لا تستخدم لكشف علاقة السببية بين (أ) و(ب)، بل تفترض وجود هذه العلاقة، ومن خلالها يمكن اكتشاف ظواهر جديدة خاضعة لها، إذ لو لم تخضع لها لكان هناك شك في خطأ العلاقة التي افترضناها سلفاً.

ومن أمثلتها حالة اكتشاف بعض الظواهر الكونية بالاستناد إلى مبدأ الجاذبية المفترض حاكميته على مختلف العلاقات المادية. فقد لوحظ ان هناك انحرافاً في مدار الكوكب (يورانوس) يحتاج إلى نوع من التفسير الذي يشترط ان لا يكون متعارضاً مع مبدأ الجاذبية المسلم به سلفاً: لذا تم تقدير وجود كوكب آخر مجهول هو الذي يسبب حالة الانحراف في ذلك المدار، وبالفعل فإن أحد علماء الفلك استطاع ان يكتشف هذا الكوكب ويحدد مكانه، وهو ما أطلق عليه كوكب نبتون. بل وتم اكتشاف كوكب آخر تبعاً لما لوحظ من وجود انحراف في مدار الكوكب المكتشف (نبتون)، حيث أطلق عليه (بلوتو)[20]. ثم انه احتمل وجود كوكب آخر نتيجة الشذوذ ايضاً ولم تتم رؤيته بعد، إذ بلوتو ذو حجم صغير لا يصلح لتفسير حركة نبتون الذي يدور ببطئ شديد جداً. وبالتالي تبين انتهاء الشذوذ والحد من إحتمال وجود كوكب عاشر[21].

كما استخدمت هذه الطريقة في الكشف عن غاز الارجون، إذ لوحظ ان غاز الازوت الموجود في الهواء يختلف في خواصه ومن ثم في تركيبه الكيميائي عن غاز الازوت النقي، فافترض أن هناك غازاً مجهولاً يختلط به فيسبب ذلك الفارق. وفعلاً تم اكتشاف هذا الغاز الذي أطلق عليه الأرجون. كذلك ان مدام كورى استطاعت ان تكتشف الراديوم عن ذلك الطريق، إذ لاحظت ان بعض المعادن تحتوي على طاقة اشعاعية أكثر منها في المعادن الأخرى، فبحثت عن الظاهرة الخفية من خلال إفتراض وجود عنصر مجهول، حتى تم لها اكتشافه[22].

ولا شك أن هذه الطريقة كفوءة، رغم أن التنبؤ من خلالها قد يكون خاطئاً في أحيان معينة؛ لسبب يعود إما إلى خطأ الفرضية المسلّم بها، أو إلى خطأ يتعلق بنوع التنبؤ ذاته بالخصوص.

أما من الناحية المنطقية فالطريقة السابقة عاجزة كغيرها عن تبرير حالة اليقين بين سببية (أ) و(ب) مهما كان بإمكانها أن تتنبأ به من ظواهر، وذلك لوجود إحتمال أن تكون هناك علل مختلفة ومجتمعة صدفة تعمل على توجيه تلك الظواهر، وهو إحتمال يتناقص بأطراد مع زيادة إكتشاف الظواهر، لكنه لا ينتفي منطقياً.

وعلى العموم فإن طرق مل لا تحل مشكلة الإستقراء في تبرير درجة اليقين؛ كما نبّه عليه المفكر الصدر[23]. إضافة إلى انه من الناحية الفنية ان مل لم يعر أهمية للفروض العلمية، فظن أن لها وظائف ثانوية - كحال إعتقاد سابقيه - بحجة انها تطلق عنان الخيال فتضلل الباحث وتجعل للظاهرة الواحدة العديد من التفاسير، وهو تكرار لبعض ما كان يقوله بيكون[24].

 

يحيى محمد

مفكر وباحث

....................

[1] ريشنباخ: نشأة الفلسفة العلمية، ترجمة فؤاد زكريا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية، 1979م، ص102.

[2] روبير بلانشي: الإستقراء العلمي والقواعد الطبيعية، ترجمة محمود اليعقوبي، دار الكتاب الحديث، القاهرة، 1423هـ ـ 2003م، ص35، عن المنتدى الإلكتروني ليبيا للجميع:

www.libyaforall.com.

[3] انظر تطبيقات بيكون حول الحرارة ضمن تصنيفاته لقوائم الحضور والغياب: فرنسيس بيكون: الاورجانون الجديد، ترجمة عادل مصطفى، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى، 2013م، الكتاب الثاني، ص148ـ180. وانظر ايضاً: يوسف كرم: تاريخ الفلسفة الحديثة، دار المعارف بمصر، الطبعة الرابعة، 1966م، ص50.

[4] للتفصيل راجع كتابنا: منهج العلم والفهم الديني: العبور من العلم إلى الفهم ومن الفهم إلى العلم، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 2014م.

[5] ايسايا بيرلين: عصر التنوير، ترجمة فؤاد شعبان، منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي في دمشق، 1980م، ص137ـ139.

[6] لينين: المادية ومذهب نقد التجربة، سلسلة اضواء على الفكر الماركسي الكلاسيكي، العدد الأول، اعداد توفيق سلوم، ص174ـ175.

[7] المصدر السابق، ص167.

[8] توفيق الطويل: جون ستيوارت مل، دار المعارف بمصر، ص141.

[9] السيد نفادي: الضرورة والإحتمال، دار التنوير، بيروت، الطبعة الأولى، 1983م، ص75.

[10] انظر:

J.S. Mill, ‘Of The Ground of Induction’, in: Madden, The structure of Scientific Thought, Great Britian,1968, p.294.

[11] الضرورة والإحتمال، ص76.

[12] محمود قاسم: المنطق الحديث ومناهج البحث، دار المعارف بمصر، الطبعة السادسة، 1970م، ص245.

[13] جون ستيوارت مل، ص142ـ143.

[14] محمود أمين العالم: فلسفة المصادفة، دار المعارف، 1970م، ص145.

[15] المصدر السابق، ص146.

[16] نفس المصدر، ص147.

[17] أحمد بدر: اصول البحث العلمي ومناهجه، نشر وكالة المطبوعات في الكويت، الطبعة الخامسة، 1979م، ص263.

[18] اصول البحث العلمي ومناهجه، ص263.

[19] جون ستيوارت مل، ص145ـ148. والمنطق الحديث ومناهج البحث، ص262 .

[20] انظر:

Hemple, carl G., Philosophy of Natural Science, 1996, current printing 1987, USA, p. 72.

[21] فرانك كلوز: النهاية: الكوارث الكونية وأثرها في مسار الكون، ترجمة مصطفى ابراهيم فهمي، عالم المعرفة (191)، 1415هـ ـ 1994م، ص233 و75ـ76، عن مكتبة المصطفى الإلكترونية: .www.al-mostafa.com.

[22] المنطق الحديث ومناهج البحث، ص228ـ229.

[23] الأسس المنطقية للإستقراء، ص87.

[24] جون ستيوارت مل، ص144ـ145.

مقدمة: ان استخدام الكلاسيك الجدد لمفهوم التوازن يعبّرعن نموذج وضعي للفكر.اما الاتجاهات المغايرة بدءاً من الاقتصاد الماركسي والنمساوي وحتى ما بعد الكنزيين فهي تجسد نموذجا ديالكتيكيا للفكر في رفضها المشترك لتوازن الكلاسيك الجدد. هذه الورقة تعتمد على اعمال سيابارا(1)، التي يجادل فيها بان الاقتصاديين الماركسيين والنمساويين يشتركون بنفس الاتجاه الفكري الميثدولوجي.هو يرى ان جوهر الديالكتيك هو في اعتبار العمليات هي الاساس .كانت المدرسة النمساوية في الفكر الاقتصادي تميزت اساسا بالمنهجية الديالكتيكية، وهي بهذا تشترك بنفس التراث مع الماركسية. هذه الرسالة مع انها لم تكن سهلة الفهم لكنها حظيت بالإعجاب من جانب تيار التحرريين، وبالذات النقاشات العلمية للاقتصاديين النمساويين. سوف نفحص هنا فهم سيابارا للديالكتيك ومن ثم تطبيقات الفكرة لدى الاقتصاديين النمساويين وبالذات لدى (هايك)(2). تجدر الاشارة الى انه: 1- مع ان سيابارا ليس ماركسيا، لكن عمله يشكل تفسيرا صادقا وحماسيا لماركس 2- فكرة سيابارا عن الديالكتيك هي محاولة فكرية عميقة للاستيعاب الجيد لما يعتبرها القضية المنهجية الاساسية للاقتصاد 3- يطرح سيابارا موقفا مقنعا عن المنهجية الديالكتيكية الضمنية لدى الاقتصاديين النمساوين 4- يشكل عمل سيابارا تحديا للمنهجية غير الديالكتيكية لأرثودكسية الكلاسيك الجدد، ويوفر اساسا لمحادثات واسعة ليس فقط بين الاقتصاديين الماركسيين والنمساويين وانما بين العناصر الاخرى للتيار المغاير(heterodoxy)، مثل مدرسة افكار ما بعد الكنزيين.

 

تعريف الديالكتيك

سننظر في النقاط الرئيسية في عرض سيابارا وفهمه للاتجاه الديالكتي، مع ملاحظة عمق و اتساع الاتجاه الذي تبنّاه . سنتطرق الى المظاهر الشائكة في فهمه للديالكتيك، والى القضية الرئيسية في موقفه من قانون عدم التناقض ومنزلة التناقض من وجهة النظر الديالكتيكية.

ماذا يعني سيابارا بالديالكتيك؟ جوابه جاء في التعريفات الرئيسية التالية :

"الديالكتيك يتطلب فحص الكل (whole) زمانيا (في لحظة زمنية معينة) وتاريخيا (وفق الطريقة التي تطورت بها الظاهرة او اللغة عبر الزمن). في المنظور الاول، انه يتناول الاجزاء باعتبارها مترابطة منهجيا، مكونة الكل، بينما هي تتشكل منه. اما من الناحية التاريخية، يُفهم الديالكتيك كاي نظام ينشأ عبر الزمن، له ماضي وحاضر ومستقبل. انه يرفض فصل العناصر والاحداث والمشاكل والقضايا عن بعضها او عن النظام الذي تشكله تلك العناصر مجتمعة ... المفكر الديالكتيكي يسعى ليس فقط للفهم النقدي للنظام، وانما ليغيّره بشكل جوهري".

"الديالكتيك هو توجّه نحو تحليلات نصية للعلاقات المنهجية والديناميكية للعناصر ضمن الكلية. .. (الديالكتيك هو اسلوب للتفكير يؤكد على مركزية النص في التحليل – وتغيير – الانظمة الاجتماعية بمرور الزمن. انه يوفر بناءا منهجيا من الادوات التحليلية التي تمكّننا من مباشرة فعل منهجي لتحقيق هدف معين، اي، الفهم الصحيح للواقع وتحويله . في الاتجاه الديالكتيكي، يتم ادراك مظاهر الكلية منهجيا – اي، طبقا لارتباطاتها المكانية او الزمانية – وديناميكيا – اي، طبقا لترابطاتها المتطورة تاريخيا . السمة المتكررة للتحقيق الديالكتيكي هي فهم الشيء عبر دراسة مظاهره المترابطة، الواقعة ضمن نظام محدد منهجيا ومفهوم بمرور الزمن، ومنطوي على الماضي والحاضر والتجسيدات المحتملة للمستقبل.

هذه التعريفات الهامة وما تنطوي عليه من عناصر سوف تفرح الهيجليين والنمساويين والماركسيين ومفكري الانظمة ومابعد الكنزيين.

وهناك تعريفات اخرى تتضمن عدة جوانب من تعريف سيابارا :"الديالكتيك هو طريقة في التفكير . المنظور الديالكتيكي يركز ليس على العلاقات الخارجية بين عناصر ثابتة، وانما على العلاقات الداخلية الديناميكية. هذه العلاقات تشكل وتتشكل بعناصر من الكل قيد التحقيق"." الديالكتيك يعيد بناء تفكيرنا حول الواقع عبر استبدال فكرة الاحساس المشترك بـ   "الشيء"، كشيء له تاريخ وارتباطات خارجية مع اشياء اخرى، بفكرة "العمليات"، التي تحتوي على تاريخ وامكانية المستقبل ، و"علاقات" كجزء من ارتباطها بعلاقات اخرى.

نقطة هامة تبرز من تعريفات الديالكتيك تشير الى ان الاحساس الديالكتيكي يبدأ بـ "الواقع الملموس"، او "العالم كما يجسد ذاته لنا". انه يهدف الى "فكر ملموس"، فيه العقل يعيد تشكيل الكل ككلية (totality)،اي، كبناء او وحدة مركبة من علاقات متعددة الابعاد وبدرجات مختلفة من التعقيد .. هذه الحركة من "الواقع الملموس" الى "الفكر الملموس" غير ممكنة بدون عملية من التجريد". هنا يقوم سيابارا باعادة التأكيد على رؤية ماركس بان "الملموس هو ملموس لأنه تكثيف لعدة قوى، ومن ثم لوحدة التنوع ... ان الطريقة في الانبثاق من المجرد الى الملموس هي الطريقة الوحيدة التي يكيّف بها الفكر للملموس، يعيد انتاجه كملموس في الذهن" (ماركس،Grundrisse 101).

ان سيابارا على وعي تام بان عملية التجريد، التي تلعب دورا حاسما في تكييف الملموس واقعيا كملموس مثالي، هي عملية ذات خطين، اي انها عملية من لحظات تحليلية وتركيبية: "عملية التجريد هي عملية رسم حدود .. في رسم الحدود التي تحدد وحداتنا التحليلية، نحن لا نزيل الاجزاء من الكل. الوحدات ذاتها هي علاقات .. عملية التجريد .. تتطلب عملية ملازمة من التكامل. لا يستطيع احد التجريد بدون تكامل، ولا يستطيع احد ايضا التكامل بدون التجريد. لكي نفصل بين الاثنين ، يرى سيابارا ، يجب ان نقوم بتحويل المفهوم المجرد الى شيء مادي وهو ما يسميه reification (3). هذا المفهوم هو هام جدا في عمل سيابارا.

ان فكرة النص هي جوهر مفهوم سيابارا عن الديالكتيك، وهو يتكرر في كل الصفحات. اكثر التعريفات الملائمة الواردة في القواميس للنص هو " بناء مركب من مقاطع مترابطة يُنظر اليها من حيث صلتها باي من الاجزاء المكونة له. وبتمديد المفهوم نحن نستطيع بوضوح تطبيقه ليس فقط على المقاطع الادبية وانما على العالم كله او على اي جزء منه يُفهم ككل مترابط. يشير سيابارا بموافقته على الكلمة المشتقة من الاصل اللاتيني "ينسج خيوط القماش الى بعضها".

 

نقد ديالكتيك سيابارا

في معرض النقد هنا لا نعني ان سيابارا خاطئا او فاشلا امام العالم، وانما الهدف الانخراط مع مساهماته والبحث عن طرق الى الامام بروح من الانفتاح تجاه ادّعاء بعض الكتاب المعاصرين عدم كشفه للارضية المشتركة. سيابارا يفهم (الكل) بطريقة مختلفة. في الاتجاه الديالكتيكي الحقيقي، يُفهم الكل كشيء في العالم فيه بناء ديالكتيكي داخلي يحتوي على التناقضات التي تدفعه دائما الى الامام. لكن الكل لدى سيابارا لا يبدو حول العالم وانما حول فهمنا له، انه حول الابستيمولوجي وليس الانطولوجي. الكلية بهذا ليس شيئا في الخارج نسعى لفهمه وانما هو فكرة او نموذج في ذهننا ينتج عن محاولة فهم العالم. فلا اشارة بان هذا النموذج الذهني يتطابق مع اي شيء موضوعي. هو يقول ان الديالكتيك هو اسلوب للتفكير وليس الاسلوب للتفكير الذي نحن ملزمين بتبنّيه بواسطة الطبيعة الديالكتيكية التناقضية للعالم الذي نعيش فيه.

القضية الاخرى التي هي مثار للنقد هي حول قانون عدم التناقض.

القوانين الثلاثة للمنطق الرسمي هي:

1- قانون التناقض – الشيء لا يمكن ان يوجد ولا يوجد في نفس الوقت.

2- قانون الوسط المستبعد – الشيء اما يوجد او لا يوجد ، لا وسط بينهما.

3- قانون الهوية – الشيء دائما مطابق لذاته.

جميع هذه القوانين الثلاثة تُنتهك في الديالكتيك. لو اخذنا مثال "البداية" وهو المثال الذي يشير اليه هيجل في (مدخل لعلم المنطق). عندما ننظر في بداية اي شيء، فان الشيء يكون في كلا الحالتين:

أ- هو

ب- ليس هو

كل من (أ) و (ب) صحيحان، لأنه اذا كانت (أ) وحدها صحيحة فان الشيء يكون بدأ سلفا، واذا كانت (ب) وحدها صحيحة فان الشيء لن يبدأ بعد.

القانون(1) يُنتهك بحقيقة ان الشيء ذاته يوجد ولا يوجد.

القانون(2) يُنتهك لأن البداية هي بالضبط الوسط بين عدم وجود الشيء(قبل بدايته)، ووجوده (فيما بعد).

القانون (3) يُنتهك لأن الشيء ليس دائما مطابق لذاته، وانما يتغير، في تناقض مع نفسه، يتحرك قدما من لحظة الى اخرى، من اللاوجود الى الوجود. ما موجود في لحظة معينة ليس هو في لحظة اخرى، انه في تحول دائم.

الطريقة الوحيدة التي يمكن تطبيق القوانين الثلاثة بها هي تجميد الزمن.في لحظة واحدة من الزمن ومع اعتبار قيود المنطق في اقصر فاصلة زمنية،فان القوانين الثلاثة تصلح للعمل، ولن تكون هناك تناقضات. غير ان هذا تجريد مفيد بلاشك لكنه لا يجسد الواقع. هذا هو جوهر الديالكتيك الذي يتفق عليه كل من هيجل وماركس. وفي الضد من ذلك يأتي كانط الذي يعتبر التناقضات ليست الجوهر، وانما هي شيء ما ظاهري وليست شيئا موجودا في العالم، هي خطأ او عدم كفاية في الطريقة التي نتصور بها العالم. الديالكتيك ليس بديلا عن المنطق الرسمي، كلاهما صالحان حينما يُطبّقان بشكل صحيح.

 

ديالكتيك هايك

الآن سنحاول تلخيص حجة سيابارا بان عمل هايك كان مرتكزا على اتجاه ديالكتيكي لمشكلة تأسيس علم اجتماعي غير اختزالي.

وبعيدا عن التفاصيل، يلاحظ سيبارا الجذور المشتركة لوجهات النظر النمساوية والماركسية في التقاليد الارسطية والفلسفة الالمانية الكلاسيكية والتنوير الاسكتلندي. هو يربط هذا مباشرة بديناميتها ورفضها للتوازن الثابت للارثودكسية الكلاسيكية الجديدة، ورفضها لحدودها الضيقة المتعددة الحقول:

"النمساويون والماركسيون كانت لديهم دائما المقدرة لإثارة اسئلة اساسية متشابهة. كلا المدرستين من الفكر كانت متأثرة فكريا بمجموعة من التقاليد الارسطية والالمانية والاسكتلندية. كلاهما يشتركان بالرؤية بان الواقع الاجتماعي هو عملية ديناميكية تتشكل بواسطة الفعل الانساني. كلاهما ينتقد التحليلات الاقتصادية السائدة والثابتة والمرتكزة على التوازن. كلاهما يرفض الفصل بين العالم الاقتصادي والكل الاجتماعي العضوي حيث الاول جزء من الاخير".

سيابارا لا يقول بان هايك ادّعى صراحة تبنّيه الاتجاه الديالكتيكي. فكيف اذاً يكون ديالكتيكيا؟ "الديالكتيك لا غنى عنه للعقل المفكر. هو مظهر للتفكير ... من الممكن ان نجد تجليات لقدرة الذهن الديالكتيكية حتى بين المفكرين غير الديالكتيكيين. يقتبس سيابارا من تروتسكي " كل فرد هو ديالكتيكي بدرجة او باخرى، في اغلب الحالات، بلا وعي". اذاً ما هو الاساس الذي اعتمد عليه سيابارا في الادّعاء باللحظة الديالكتيكية الهامة في فكر هايك؟

اساسا، ادّعاء سيابارا هو ان هايك لديه اتجاه ديالكتيكي يتمثل بفهمه للعلاقات العضوية بين الافراد الذين يؤلفون المجتمع الذي يندغمون فيه والذي يقرر معنى ما يقومون به: "الطريقة الديالكتيكية، كما استُخدمت من قبل ماركس وهايك، تحتفظ بالتكامل التحليلي والوحدة العضوية للكل .. انها تتجنب التجزئة،اي، انها تتجنب فصل الجزء من الكل. الطريقة الديالكتيكية تعترف بان ما يمكن فصله في الفكر لا يمكن فصله في الواقع". ان الوحدة العضوية، كما يرى هايك، تقيم في الكل، لكن الكل ليس تراكما لأشياء مُلاحظة انفراديا. انه يتألف من تراكيب من العلاقات تُدرك من خلال عدسة النظرية. هذه التراكيب هي متواصلة وقابلة للتطبيق على المجتمع العضوي.

لكي يوضح، يقتبس سيابارا من (النظام الحسي لهايك):"كما في الاحياء البايولوجية نحن عادة نلاحظ في التكوينات الاجتماعية العفوية ان الاجزاء تتحرك كما لو ان هدفها هو الحفاظ على الكل .. في العالم الاجتماعي هذه الحركات العفوية تحافظ على ارتباطات هيكلية معينة بين الاجزاء". هو ربما اقتبس جيدا مقطعا يضع المكانة النظرية للفرد في اتجاه هايك: "الافراد هم النقطة المركزية في شبكة العلاقات". هذا هو عالم بعيد عن تصور الكلاسيكيين الجدد مثل ملتن فريدمن الذي يؤكد على ان الاقتصاد هو دراسة "مجموعة من روبنسن كروسو".

في الفصل الاول من "الديالكتيك الهاييكي" يحدد سيابارا القضية الاساسية بقوله:"الفردية الميثدولوجيكية .. عادة جرى تشخيصها بالذرية، الاختزالية،والتاريخية. قيل ان الكل هو مجرد مجموع اجزاءه. انه يرى الفرد او الجزء هو الاهمية الابستمولوجية الرئيسية، ويركّب الكل من خلال عملية تحليلية مضافة". هذا هو بالضبط ما يقوم به الارثودكسي، يقارن (دينس) الاختزالية الميثدولوجيكية لهؤلاء الكلاسيك الجدد امثال (فريدمن) و(لوكاس) مع   الميثدولوجيكية الكلية (holism) لهايك وسمث. سيابارا يدافع عن هايك ضد تهمة الذرية: هو مهتم بفهم الكل ككلية. "انها عملية تشويه حين ننظر الى اتجاه هايك اما فردي او كلي. طريقة هايك هي ديالكتيكية في الجوهر، تضم عناصر من الفردانية والكلية .. الفحص المفصل لنموذج هايك في التحقيق يشير الى انه كان ديالكتيكيا الى حد كبير في عدة طرق هامة".

"في جميع كتابات هايك، هناك تأكيد حاسم على اهمية السياق المنهجي والتاريخي، وعلى الوحدة العضوية المعقدة والمتطورة للعالم الاجتماعي. هذا الفهم يشكل جوهر الطريقة المعقدة اللااختزالية للتحقيق الاجتماعي. كل من هايك وبوبر يجادلان ضد الاختزالية في العلوم الاجتماعية طالما ان المجتمع اكبر من مجموع اجزاءه. الاختزالية تثق بالاسطورة التاريخية حسب رؤية بروبر لأنها ترى الكائن البشري نوعا ما ايجابي. وكما يجادل بروبر ان اسلاف الانسان كانوا اجتماعيين قبل ان يكونوا اناسا ... الناس هم نتاج للحياة في المجتمع بدلا من ان يكونوا الخالقين له .. هايك يرى ان الفرد، العقل، الاخلاق، الثقافة هي سمات طارئة للتطور الاجتماعي. هو يؤكد بان لا يوجد هناك مفهوم للفرد غير مرتبط بالبناء التاريخي والاجتماعي المعين ، هو يرى تبادلا معقدا بين الاجزاء والكل".

 

استنتاج

الهدف من قراءة اعمال سيابارا هنا هو اولا، لتسليط الضوء على ارضية مشتركة وعلى مساحة الاتفاق، وثانيا، لنبيّن النقاط و المساحات التي يمكن فيها تقوية تصورات سيابارا وتجسيداته للديالكتيك، حيث انه حالما يُوضّح منطقهُ الخاص، سيكون اشارة نحو فهم جديد.

هناك الكثير لدى سياباريا يمكن تطويره وتمديده بشكل بنّاء. الاتجاه الاكثر وضوحا للبحث هنا هو موقف كنز. جادل سيابارا بان الاقتصاديين النمساويين – وبلا وعي – هم ديالكتيكيين. وعلى خلفية مشابهة يمكن للمرء بناء حجة قوية بان (النظرية العامة) لكنز تمثل رؤية وطريقة ديالكتيكية عميقة. كنز يتبنى وجهة نظر عضوية او كلية في (النظرية العامة)، حين عارض "اختزالية" ما سماه المدرسة الكلاسيكية. نقطة سيابارا الرئيسية حول ميثدولوجيا هايك هي ان"العضوية" لديه تمثل توجّها ديالكتيكيا ضمنيا، اما نظيرتها "الذرية"(الاختزالية)، هي مساوية لرفض الديالكتيك.

اول موقف لكلية كنز او الديالكتيك يتعلق بتبنّيه صيغة ماركس في دورة السلع، حيث (C- M –C*)، و رأس المال (M –C –M*). الصيغة الاولى تقول ان السلعة او القيمة الاستعمالية تُباع من اجل شراء سلعة اخرى: الفرق بين السلعة الاولى (C) والسلعة الثانية (C*) هو نوعي. اما الصيغة الثانية تقول ان النقود(M) تُستبدل بالسلع من اجل بيع سلع واكتساب المزيد من النقود: الفرق بين (M) و (M*) هو كمي. كنز يشير الى ان الاولى هي موقف المستهلك الخاص، بينما الثانية تمثل موقف الشركات. هنا نقف على رؤية سيابارا الجوهرية في التفكير الديالكتيكي. نجد ايضا اعترافا ضمنيا بان ظهور الرأسمالية من الأبسط، والمزيد من وسائل الانتاج يستلزم انقلابا ديالكتيكيا وتحولا من النوعي الى الكمي.

اما من وجهة نظرالشركات، فان هيكل الحوافز في ظل الرأسمالية، يتطلب تناقضات، وحسب رؤية كنز: رغم اننا نتصرف كما لو ان الانتاج يتم لأجل ذاته، لكن هذا لا يمكن ان يكون صادقا. يشير كنز مرارا وتكرارا في كتابه (النظرية العامة) الى ان الاستهلاك هو الفعالية الاقتصادية الوحيدة التي تعتبر هدف ووسيلة. ذلك لأن الانتاج يجب ان يُفعّل عبر الاستهلاك لكي يُعد انتاجا: المخرجات يجب ان تباع لكي تتحول مجددا الى نقود، وهي في الحقيقة اكثر نقودا مما بدأنا به. ان إخضاع الغايات للوسائل، او الاستهلاك للانتاج يعني ضمنا ان الرأسمالية تضع باستمرارعائقا متجددا للتراكم على شكل (تحت – الاستهلاك) وفشلا في الطلب المتراكم. طريقة كنز هذه تنسجم جيدا مع تعريف سيابارا للديالكتيك.

يلخص كنز موقفه هذا في (النظرية العامة) بالعبارة التالية:

".... انا سميت نظريتي بالعامة . لأني مهتم بشكل رئيسي بسلوك النظام الاقتصادي ككل .. وانا اجزم بان اخطاء هامة وقعت عند التوسع في النظام حينما تم الوصول الى استنتاجات كلية صحيحة بشأن جزء منه جرى التعامل معه بشكل انفرادي".

كنز هنا يشير بوضوح الى ضرورة التمييز بين اتجاهين: فمن جهة، نحن نشتق استنتاجات صحيحة من دراسة الاقتصاد الجزئي حين تُدرس الظاهرة على انفراد، ولكن حين نمدد تلك الاستنتاجات الى ظاهرة الاقتصاد الكلي فسنرتكب الاخطاء، ومن جهة اخرى، الاتجاه الصحيح في الكلي او (الماكرو) هو ما يُطلق عليه الآن بـ اتجاه الانظمة، يهدف الى اختبار سلوك النظام الاقتصادي ككل. وهذا بالضبط ما شخّصه سيابارا بالارتباط الديالكتيكي بين الجزئي والكلي.

رؤية كنز هذه استمرت لدى حركة ما بعد الكنزيين :ان وهم التركيب الذي يصح على الفرد المنعزل لا يصح على الافراد مجتمعين. ذلك يعني اننا حينما ننظر لعمليات الاقتصاد الكلي في الرأسمالية ، لا نستطيع افتراض ان الكل هو مجموع اجزاءه. في الحقيقة هو ليس كذلك.

Denis, Andy (2008) Dialectics and the Austrian School: A surprising commonality in the Methodology of Heterodox Economics? The Journal of philosophical Economics

 

حاتم حميد محسن

.......................................

الهوامش

(1) Chris Matthew Sciabarra منظّر سياسي امريكي من نيويورك،يعمل في جامعة نيويورك،ولد عام 1960 وهو مؤلف ثلاثة كتب اكاديمية: كتاب ماركس، هايك، واليوتوبيا عام 1995 ، وكتاب آني رند الراديكالي الروسي، وكتاب الحرية الكلية: نحو تحررية ديالكتيكية.

(2) فردريك هايك اقتصادي وفيلسوف بريطاني وُلد في النمسا عام 1899 وعُرف بدفاعه الشهير عن الليبرالية الكلاسيكية. توفي عام 1992 ومن مؤلفاته: الطريق الى العبودية صدر عام 1944، وكتاب دستور الحرية عام 1960، وكتاب الفردية والنظام الاقتصادي عام 1949.

(2) يشير هذا المفهوم الى عملية التشيؤ او تحويل المفهوم المجرد الى شيء مادي. وكذلك حين يتم التعامل مع العمال كاشياء مادية او كسلعة مجردة من الخصائص الفردية فهذا في نظر ماركس يجسد الـ reification .

zouhair khouildi"لا يجب على المرء أن يسمى فنا سوى الإنتاج بواسطة الحرية، أي بواسطة حرية الاختيار التي اتخذت من العقل أساس أفعالها"1[1]

ما يمكن الانتباه إليه هو صعوبة تعريف الفن من جهة الماهية المجردة والمفهوم المحدد وضرورة الاهتمام بتاريخ الفن من جهة النشأة والتشكل وحدوث التحولات والثورات والنظريات والتجارب والأنساق الفنية. إذ في البداية يجدر الإقرار بأن الفن هو تمثيل للعالم أكثر منه تمثيل للكون ويحتل منزلة خاصة ومفارقة بما أنه علم كيفي يتأسس بشكل كوني من خلال فعل الإحساس . كما أن حكم الذوق يتضمن درجة من الكلية مختلفة عن الطابع الكوني للمفاهيم و يحيل إلى أي موضوع ويبقى مجرد رنين داخل الذات المتلقية.

بعد ذلك صار الفن تجربة وحركة تقوم بالأساس على محبة الجمال وتمييزه عن القبح والمبتذل.أما الاختصاص الذي فيدرس الجمال يسمى جمالية أم جماليات، علم الجمال أو الإستيطيقا، تاريخ الفن أو فلسفة الفن. لكن يمكن أن نعثر بواسطة الفن على فلسفة عميقة تمتلك قدرات هائلة على المعرفة والخلق والفعل ويكمن أن يتحول الموقف الاستيطيقي إلى أداة لملامسة للجوهري والقبض على الماهيات وتفجير الثورات. لقد ذكر لالاند في معجمه أن علم الجمال هو علم الأحكام التقويمية التي تميز بين الجميل والقبيح. ولذلك كان المضمون الجوهري لهذا العلم هو التعبير عن النشاط الجمالي للإنسان وتشكيل العالم وفقا لقوانين الجمال بعد معرفة تصورات تقويمية للسمو بالحياة الفردية والاجتماعية وتطويرها ويتكون من فنون الرقص والشعر والموسيقى والفنون التشكيلية والمسرح والفيلم السينمائي.

 

مدخل نظري أول:

تنزيل الفن ضمن الرؤى الثلاث التي يطل من خلالها الإنسان على العالم وهي الأسطورة والأدب والفلسفة ومنح الدراسة الفنية حق المواطنة الفلسفية بإزالة التوتر بين ماهو فلسفي وماهو أدبي وإبرام تعاقد معرفي وتكامل منهجي بين العلمي والشعري خارج إطار التربة الميتافيزيقية التقليدية.

 

مدخل نظري ثان:

الخير والحق والجمال هي مثل أفلاطونية تعتبر نماذج معيارية لنظرية المثل والموجودات الواقعية وتطرح إشكالية العلاقة التعادلية فيما بينها فكل ماهو خير وكل ماهو حق يطابقان من حيث المبدأ الجمال في ذاته ولكن هل يمكن أن يعبر الشر عن جمالية معينة؟ وألا يقترن الجمال في الفن بالكذب والوهم؟

 

مدخل نظري ثالث:

مبحث الفن يطرح ضمن إطار العلاقة الملتبسة بين الإنسان والله والكون ويرتبط بالقدرات الإبداعية للكائن البشري ضمن وجوده في العالم وتشبهه بالمطلق على قدر طاقته ومحاكاته للطبيعة، غير أن العلاقة المتشابكة بين المطلق والنسبي وبين الكلي والجزئي تثير احراجات في مستوى القمة الجمالية للأعمال الفنية وتمكنها ن الربط الفعلي بين المادي والمجرد وبين الكيفي والكمي.

في هذا الصدد يمكن إثارة الإشكاليات التالية : ماهي العلاقة بين الفن والطبيعة؟ هل الفن يحاكي الطبيعة كما تتجلي وتظهر أم وفق معيار عقلي كلي؟ وهل الجمال يوجد في الطبيعة أم في الفن؟ ولمن الأولوية في مستوى القيمة الجمالية؟ وبما يدرك المرءُ الجمالَ؟ هل بالعقل أم بالتجربة؟ هل الجمال هو النسق والمقدار أم التمام والاعتدال؟ وما الفرق بين الجمالية الذاتية والجمالية الموضوعية ؟ وهل هو قيمة نسبية أم مطلقة؟ ما الدليل الذي يمكن أن يقدم على وجود الجمال المطلق؟ هل هو المثل الأعلى للجمال أم الروح المطلق؟

ما يمكن المراهنة عليه عند معالجة هذه الإشكاليات والتفكير في هذه القضايا هو توثيق الصلة بين الحكم الجمالي والحكم الإيتيقي وتسريع الانتقال من الطبيعة إلى الفن ومن علم الجمال إلى الوعي الجمالي.

 

1- الفن والطبيعة:

الفن بالمعنى العام هو جملة القواعد المتبعة لتحصيل غاية معينة جمالا كانت أو خيرا أو منفعة فإذا كانت هذه الغاية هي تحقيق الجمال سمي بالفن الجميل، وإذا كانت تحقيق الخير سمي الفن بفن الأخلاق وإذا كانت تحقيق المنفعة سمي بفن الصناعة2[2]. أما الفن في المعنى الخاص فهو في جوهره تعبير عن انفعال جمالي يشمل الجميل والجليل والسامي والممتع والحسن والرائع والهائل والخلاب والبهي، والمعيار الذي نقيس به مدى قدرة الفن على هذا التعبير لا يجب أن يكون خارجا عن مجال الفن بل من العمل الفني ذاته.

أما الجماليات فتفيد محبة الجمال بشكل واسع، وقد ظهرت الكلمة لأول مرة مع بومغارتن الذي دعا سنة 1635 إلى تأسيس مفهوم الجماليات بشكل فريد وخاص وذلك في كتابه "تأملات فلسفية في موضوعات تتعلق بالشعر" وقد ربط تقويم الفنون بالمعرفة الحسية وهي معرفة تتوسط بين الإحساس المحض والمعرفة الكاملة وتهتم بالأشكال بدل الاهتمام بالمضامين. وكانت مهمة الإستيطيقا التوفيق بين ميدان الشعور الحسي وميدان الفكر العقلي وبين حقيقة الفن والشعر من ناحية وحقيقة الفلسفة من ناحية أخرى. لقد حاول بومغارتن إيجاد أورغانون خاص بالمعرفة الحسية يشبه المنطق الخاص بالمعرفة العقلية الذي أبدعه أرسطو وعرفه بأنه نظرية المعرفة الحسية بماهو جميل. وبرزت تعريفات أخرى في نفس الفترة مثل علم قواعد كمال المعرفة الحسية ونظرية المعرفة الحسية لماهو جميل وعلم فن الشعور واعتبرت الفنون عرض الكمال الحسي. ثم ظهر بعد ظهر العديد من العلماء في الجمال أحدثوا تطورات هائلة في الوعي الذاتي للإنسانية وبينوا الجانب التاريخي في علم الجمال عند اليونان والهنود والمصريين. لقد أصبح من نافل القول التأكيد بأن علم الجمال هو العلم الذي يبحث في الجمال ومقاييسه ونظرياته وفي الذوق الفني وفي أحكام القيم المتعلقة بالآثار الفنية والجمال أو الحسن هو احد المفاهيم الفلسفية التي تنسب إليها أحكام القيمة اعني الجمال والخير والحق وجمالي هو صفة لما هو جميل ونجد الجمالية الفلسفية والجمالية الأخلاقية التي تبحث عن تنظيم السلوك وفقا لمقتضيات الجمال بمراعاة الترتيب والانسجام.

لكن كيف تتدخل النظرية الذوقية في الاختيار التفضيلي بين الفن والطبيعة في مستوى القيمة الجمالية؟

 

2- الجميل الطبيعي والجميل الفني:

إذا كان كانط في نقد ملكة الحكم يرى بأن "الجمال الطبيعي هو شيء جميل أما الجمال الفني فهو تمثل جميل لشيء" فإن هيجل في دروسه حول علم الجمال وفلسفة الفن يقر بأن " الجمال في الطبيعة لا يبدو إلا انعكاسا للجمال في الذهن"، فهل يجب على الفن حينئذ أن يكون تمثيلا طبيعيا لما يوجد في الخارج أم يجب عليه أن يضفي النبل على الظواهر الطبيعية وأن يعبر فيها لتجليها؟

من المتعارف عليه أن الجميل beau هو موضوع من مواضيع العلم والفلسفة ظهر في عصر التنوير ولكن دراسته كانت قديمة قدم الإنسان على الأرض ويطلق الجمال على أمور شتى مثل الأفعال الإنسانية والأشياء الطبيعية والآثار الفنية والآلات والمنتوجات الصناعية. وقد ساد الاعتقاد بأن الأشياء المفيدة في الاستعمال والأشياء الطبيعية النافعة والأفعال الإنسانية السارة تدرج بالبداهة ضمن صفات الجمال ولكن ليس السهل أن نجد المعيار الذي نميز به الجميل والنافع والخير ولا يكفي أن ندل على الجمال بأنه ما يثير الإعجاب الحسي.

من المعلوم أن الجمال عند الفيثاغوريين يقوم على النظام والانسجام والتماثل والتناسب والتساوي والاعتدال والتعقل وبالتالي لا إفراط ولا تفريط ويشترط توفر العناصر النفسية والاستعداد الطبيعي والمحبة والاستمتاع. غير أن سقراط كان أول من طرح سؤال: ما الجمال؟ ورفض الجواب السفسطائي الذي كان يرى في تجسيمه في الجسم المحسوس وبين وجود أشياء غير حسية ولكنها تمتلك جمالية معتبرة مثل الأفعال والنفوس وأشياء حسية ولكنها غير جميلة بل تجسد القبح وماهو مذموم.إن ماهية الجمال ليست ما يبدو ملائما ولا النافع ولا الصالح ولا العرفان بل الأشياء الجميلة جمالا تاما إن الجميل مستقل عن الشيء الذي يظهر أنه جميل وجمال الأشياء الجميلة لا يمكن أن يدرك مستقلا عن الصورة العقلية للجميل. فماهي معايير الجمال؟ هل يوجد جمال بطبعه أم يتوقف الأمر على الظروف والأوضاع وأهواء الناس ومستوى الثقافة والأخلاق؟ إلى ماذا يرجع اختلاف الناس في تقدير موضوع الجمال وقيمته؟

وللفنون الجميلة مظهر الطبيعة ولكن يجب النظر إلى الآثار الفنية على أنها من إبداع الفنان وليس من إنتاج الطبيعة. ربما الفرق الأول والأساسي بين الجمال الطبيعي والجمال الفني هو أن الأول من صنع الطبيعة أو خالق الطبيعة بينما الثاني من صنع الإنسان.

الفرق الثاني هو أن غائية الجمال الطبيعي متوارية في الطبيعة بينما الغائية في الفن ظاهرة إلى العيان.

الفرق الثالث هو أن جمال الفن أكمل من جمال الطبيعة وبالتالي الفن هو الإنسان مضاف إلى الطبيعة.

في مستوى رابع، يختلف الفن عن الطبيعة، والعمل لا يدعى فنا إلا إذا كان صادرا عن الحرية أي عن الإنسان باعتباره المفكر الحر الذي يضع العقل في أساس أعماله. كما يختلف الفن عن العلم الذي هو نتيجة المعرفة ويبحث عن السيطرة على الطبيعة تقنيا بينما الفن نتيجة المهارة والحذق ويكتفي بالتناغم مع الطبيعة ومحاكاتها.وكذلك يختلف الفن عن المهنة بما أن الفنان حر والعامل مجرد خادم. فالفن نشاط ممتع بذاته بينما المهنة نشاط غير ممتع بل يسبب الشقاء ويمكن أن يوفر أجرا.

في مستوى خامس، إن الفن وليد العبقرية عند كانط وهي هبة طبيعية أو استعداد فطري في النفس تقوم بإنتاج شيء أصيل بعيد عن كل تقليد ولا يتبع أي قاعدة مسبقة. ويشكل نتاج العبقرية نموذجا للغير يقيس به الأعمال الفنية الأخرى ويتحول إلى معيار للحكم.ولكن العبقري لا يستطع أن يفسر نتاجه بنفسه ولا أن يصف لنا كيف حقق إنتاجه كما لا يعرف كيف تولدت التخطيطات والأفكار التي تولد عنها العمل الفني.

غير أن عمونيال كانط في "ملاحظات حول الإحساس بالجمال والرائع"3[3] قسم الفنون الجميلة على أساس الوسائل التي يستعملها الفنانون وجعل فن الكلمة يمثله الشعر والخطابة وفن الصورة يتشكل من التصوير والنحت ويمكن إضافة المعمار وفن الصوت تعبر عنه الموسيقى ويمكن إضافة الغناء أو الإنشاد.في الواقع، لم يعد العمل الفني يتشكل عن طريق محاكاة الطبيعة أو التشبه بالإله وإنما صار ينبثق من الحرية الإنسانية والأهلية العقلية. زد على ذلك تم وضع الطبيعة والفن وجها لوجه وصارت المعرفة في مقابل الانتشاء دون أن يقوم طرف بإلغاء الطرف الآخر أو الاستحواذ والهيمنة عليه بل ساهمت المقابلة بين الطرفين في ميلاد علم الجمال واستقلاله عن الفلسفة وبنائه لموضوعه وتعيينه لمنهجه الخاص به.

في القسم الأول من نقد ملكة الحكم يعرف كانط الجميل وفقا لأربع لحظات للحكم الذوقي:

- الأولى من حيث الكيف بوصفه موضوعا للاستمتاع دون أية منفعة. ( الخلو من المنعة)

- الثانية من حيث الكم بوصفه موضوعا لاستمتاع عام دون تصور محدد. (العموم في الإدراك)

- الثالثة من حيث الاضافة بين الأغراض التي تؤخذ في الاعتبار. (غائية دون غاية محددة)

- الرابعة من حيث نوعية الاستمتاع بالموضوع دون تصور عقلي. (الاستمتاع الضروري)

لهذا يمتع الجميل تلقائيا وبالضرورة ويدل الاستمتاع بالجمال في الطبيعة على نفس طيبة وشعور أخلاقي.

" الطبيعة كانت جميلة حينما تجلت في الوقت نفسه على أنها فن، والفن لا يمكن أن يسمى جميلا إلا حين نكون واعين بأنه فن ومع ذلك يتجلى لنا أنه طبيعة"4[4]. ما نلاحظه أن كانط يفضل جمال الطبيعة على جمال الأعمال الفنية ولكنه في النهاية يقوم بالجمع بينهما في حركة تأليفية. هل الجمال الطبيعي يمكن أن يجعل في موازاة الجمال الفني؟الجمال في الفن أسمى عند هيجل من الجمال في الطبيعة لأن:

- الجمال في الفن يتولد من الروح وبمقدار ما الروح وإبداعاتها أسمى من الطبيعة وتجلياتها فكذلك الجمال الفني أسمى من الجمال الطبيعي بل إن الفكرة الرديئة عن الفن هي أسمى من أي ناتج طبيعي لما تعكسه من الروح والحرية

- الطبيعة مظهر من مظاهر العقل في أدنى مستوياته في الوجود وكلما زاد نصيب العقل أو الروح كان الموجود أفضل ولهذا فان الجمال في الفن أسمى من الجمال في الطبيعة الجامدة إذ الأثر الفني يحتوي على الروح والحرية وهما أسمى ما في الوجود5[5].

- هل الفن مظهر وإيهام؟ وأليست الطبيعة حقيقة وواقع؟، المظهر شيء جوهري بالنسبة إلى الماهية وان الحقيقة لن توجد إن لم تظهر ولم تكن مشاهدة من احد وكيفية الظهور بواسطة الفن هي ابتغاء تحقيق الحق في ذاته وما يصوره الفن ويظهره هو هذا الواقع الحقيقي ومثل هذه القوة الكلية. لكن متى تحرر الفن بشكل لافت وتام عن المقارنة بالطبيعة وأصبح ميزة انسانية بأتم معنى الكلمة؟

 

د زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

............................

الهوامش والإحالات:

[1] Kant Emmanuel, critique de la faculté de juger, édition Vrin, Paris, 1974, paragraphe 43, p135.

[2] صليبا جميل، المعجم الفلسفي، الجزء الثاني، دار الكتاب اللبناني، بيروت، طبعة، 1982، ص165.

[3] Kant Emmanuel, observations sur le sentiment du beau et du sublime, 1764

[4] Kant Emmanuel, critique de la faculté de juger, op.cit, p306.

[5] هيجل، المدخل إلى علم الجمال، فكرة الجمال، ترجمة جورج طرابيشي دار الطليعة بيروت، 1978، ص06.

 

المصادر والمراجع:

هيجل، المدخل إلى علم الجمال، فكرة الجمال، ترجمة جورج طرابيشي دار الطليعة بيروت، 1978،

صليبا جميل، المعجم الفلسفي، الجزء الثاني، دار الكتاب اللبناني، بيروت، طبعة، 1982،

Kant Emmanuel, observations sur le sentiment du beau et du sublime, 1764

Kant Emmanuel, critique de la faculté de juger, édition Vrin, Paris, 1974,

 

akeel alabodمدخل: الاين بحسب المعجم بحث عن المكان وقد ورد معنى اين في معجم المعاني الجامع ما يلي: (اِسمٌ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الشَّرْطِ لِلْمَكَانِ مَبْنِيٌّ ، يَجْزِمُ فِعْلَيْنِ مُضَارِعَيْنِ، وَيَكُونُ مُلْحَقاً بِهِما أوْ غَيْرَ مُلْحَقٍ بِهِمَا : أَيْنَ تَقِفْ أَقِفْ أيْنَمَا تَسْكُنْ أسْكُنْ. اِسْمُ اسْتِفْهَامٍ لِلْمَكَانٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ أيْنَ الكِتَابُ: يُسْألُ بِهَا عِنِ الْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ الكِتَابُ)[2].

هنا في المختلف عليه تعد النسبة بين الشيء وهيئته الحاضرة في ذلك الحيز أمرا مهما بالنسبة للبحث المذكور.

ولكن وببساطة قد لا تعطي للموضوع حقه، ثمة فرق بين الخبرين التاليين: الطائر في القفص، اوهو ذاته في السماء، فالمتبادر في الجملة الاولى يقود الى وجود ذلك الكائن في حدود ذلك المتحيز من المكان، وهنا يصبح للعقل دورا في تصور مساحة القفص وصورته وما يحتويه، اما وجود الطائر في السماء فيعكس لنا هيئة ذلك الطائر مع فعل طيرانه في ذلك الحيز.

فالطائر في السماء متحرك في مكان غير محدود ولا يستطيع العقل قياس مسافة حركته الحاصلة او سرعة طيرانه ومؤثرات الريح والعواصف، اي العوارض التي على أساسها تتقرر مسافة واتجاه الطيران.

وفاعلية الطائر تقرر هيئته داخل المكان، فالمشهد الذي بموجبه تتم عملية التصور تأخذ وضعا مختلفا في كل حالة، فهو في القفص غيره عندما يتم تصوره وهو في السماء، حيث تضاف له فاعلية الطيران.

وهذا ما يفسر لنا اختلاف الأبعاد التي يتصف بها الطائر وهو يحلق بعيدا، عنها وهو في القفص، اي عندما يكون امام أعيننا بصورته التي بها تتجسد حقيقته الفيزيائية، علما ان هيرلى المادة هي جزء من الحقيقة الفيزيائية للهيئة.

هنا يصبح من الضروري الإشارة الى ان الاين ليس مقولة في المكان فحسب، بل انها حقيقة المادة المركبة من الهيئة والصورة والهيولى، والمحاطة بالأبعاد المرئية وغير المرئية.

فالطائر له هيئتان؛ الاولى صورته المتماسة مع الحاوي(المحيط) بحسب المثالين أعلاه، اي هيئته المحوية(المكانية)، والثانية صورته الحاوية، اي وجوده الهيولي-المادي في محيط الحاوي وهو الفضاء او القفص.

وهذا معناه ان لا فاصل بين الكائن والمكان فكلاهما يمثل نسبة ومقدار المكون في كينونته.

والكون هنا هو المحيط اي المكان الحاوي، اما المكون فهو الجسم الواقع( المحوي) في الكون، وتلك فيزياء تحدها ابعاد وحدود ومماسات كل بحسب ما تتسع اليه الرؤية او البصيرة.

وهذا موضوع ارى ان يضاف في تدريس مقولة الاين كون الاين نسبة لا حدود لها ولا محدودية في عالم البصر والبصيرة، ما يساعدنا في دراسة مقدمات الاحتمال الخاصة بأبعاد الصور وهيئاتها المدركة بحسب المساحات التي تقررها دائرة العقل.

 

عقيل العبود

---------------

هوامش البحث:

(1)الاستاذ العلامة محمد حسين الطبطبائي، نهاية الحكمة، مؤسسة أهل البيت، بيروت-لبنان، 1986،الفصل السابع عشر، ص 145، السطر الاول.

(2)معجم المعاني، الصفحة الرئيسية، تسلسل التعريف، 3،   http://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/أين/

akeel alabodتمهيد: بحسب التعريف الأرسطي يقال ان المنطق علما اوالة قانونية يراد بها عصمة الذهن من الخطأ، فهو وسيلة تقربنا للفهم السليم، وقد ورد في تعريفه: علم المنطق هو علم يبحث عن القواعد العامة للتفكير الصحيح[1].

ان الغاية من العمل بهذا النوع من العلوم يفرض على العقل اتباع قوانين خاصة في أمور تتعلق بالجوانب العلمية والعملية بما في ذلك التعامل الأخلاقي مع الآخرين وتجنب حالات التشوش والاضطراب في تفسير وتحليل مضمون الخبر ما يساهم في توسيع وتطوير قدرة العقل بغية تحقيق صيرورته الجديدة.

لقد وضع هذا النوع من الفنون لتعلم حالات الاستقراء والقياس والاستنتاج السليم، وهو ليس حكرا للاستخدام الخاص بتفسير موارد الخبر والإنشاء والعمل بنظام الاحتمالات والمقدمات المتعلقة باي قضية او مسالة من المسائل فحسب، إنما يستعمل لتهذيب بصيرة الانسان ومكنوناته الحسية وفقا لمنظومة المقاسات والتناسق الجمالي في هندسة الفكر على أساس التأمل والتدقيق لتجنب الحكم الخاطئ في اتخاذ القرارات.

فعندما يحلل الإنسان موضوعا او مسالة معينة وفقا لحالة التصور يحتاج الى البحث عن الانتقال بصورة ذلك الموضوع الى مرتبة التصديق، وهذا تتوقف عليه مسالة القرارات والأحكام.

فمن الناحية الاجتماعية مثلا، اذا التبس الامر على زيد بناء على خبر كاذب بعدم طاعة سين من الناس له، وظن به سوءا، والتبس الامر نفسه على ميم من الناس بنفس الطريقة واتخذ الاثنان حكما قاسيا على أساس مرحلة التصور فقط، لانهارت القيم ولتفككت العلاقات بين الناس، ولهذا يحتاج الانسان لان يرتقي بعقله للتحقق والتدقيق في مصدر الخبر وزمانه ومكانه وظروف الإعلان عنه او التصريح به.

فقد ورد في القران مثلا: يا أيها الذين آمنوا آن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أنْ تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين [2].

والفاسق هنا هو مصدر لعدم الدقة، فهو غير موثوق في حجية أي قضية كانت، ما يقتضي اتباع الشروط الواجب مراعاتها في التحقيق.

هنا اذا أردنا ان نطبق شروط الاستدلال والتحقق الصحيحتين علينا ان نخضع العلم بالشيء الى مرحلتين الاولى للتصور والثانية للتصديق[3].

هاتان الدائرتان هما الطريق الى التفاعل الحسي والعقلي، فبهما نصل الى اعلى مراتب الذروة.

والعقل المنطقي يشبه جهاز الأشعة الخاص بتشخيص مواقع الإعياء اوالخلل الصوري.

ان كينونة العقل تراها تخضع دائماً الى اضافة احتمالات وملاحظات جديدة لتحقيق الصورة الدقيقة [4].

وهذا معناه ان هنالك حاجة ماسة للتعامل مع الأشياء ومسمياتها وفقا لمنطق التغيرات الخاضعة لمقدمات الاستقراء والقياس.

هذه الحاجة تشبه حالة مريض يحتاج الى فحص مختبري بعد معاينة سريرية.

والأمر نفسه يشبه نظام القياسات المتعلق بهندسة الزوايا وتجنب حالات الاعوجاج والانحراف ذلك لضمان سلامة البناء وشكله الجمالي.

لذلك فان من اهم شروط البناء الحقيقي للمجتمعات هو البحث عن كينونة جديدة أونظام خاص للعقل وفقا لمنطق المعرفة الاستقرائية.

 

عقيل العبود

...............

(1) الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي، علمالمنطق-خلاصة علم المنطق، 1990ط1، دار الفردوس، بيروت

www.elibrary4arab.com

(2) سورة الحجرات اية 6.

(3) د. عبد الهادي الفضلي،خلاصة علم المنطق، باب العلم.

(4)أر سي سبرول، جددوا فكركم "ارسطو الجزء الاول،حلقة7،

https://m.youtube.com/watch?v=bVjaT-tGogc.

akeel alabodتمهيد: ان من اعظم صفات الخالق هو الخالقية، وسر الخالقية هذه هو ذلك الامتداد الذي عبره تتصف عظمة ذلك الذي به يسترق السمع الى أرواح الكائنات والماهيات، ومنه تستمد أنفاس الحياة. والسؤال بناء هو هل يحق لهذا الكائن الذي يعيش في دائرته مع وحدة الخالق ان يكون متحدا مع جبروته، متصفا مع ذات الخالق في دائرة مخلوقيته؟

ان حقيقة الرقم واحد لا علاقة لها بطبيعة إدراكنا عن المعنى المقرر للعدد المذكور، فالوحدة بحساب الكلية تعني ان هنالك اتحادا ضمنيا بين اجزاء ومكونات الكل، وهذه الوحدات تجتمع في دائرة هذا الكل، اذ الكل يشبه الارض التي فوقها تنبت الأشجار وتنمو الكائنات ويتسع ويمتد نظام النمو والانتشار.

وهذا النمو والانتشار تجمعه حقيقة واحدة، بمعنى ان هنالك وحدة متفردة تجمع كل الوحدات في مدارها دون ان تتجزأ في معناها الأحادي.

والتوحد والتركب والتركيب يكون بين نظام الأجزاء وليس في وحدة الكل. حيث ورد في فصل في اسمه تعالى الواحد الأحد: اعلم ان الواحد اصطلاحا هو اول الأعداد والأحد هو الذي لا يتجزأ كالجوهر الفرد وهو الواحد الذي لا ينقسم وهو بمعنى لا جزا له وكذا النقطة لا جزا لها والله تعالى واحد يستحيل عليه ان يكون جوهرا منضما والذي لا يثنى ولا يجمع فهو لا نظير له الى أبناء جنسه[1].

كما يعني اتحادا بين فردين اوعنصرين أوأكثر بغية الحصول على مركب واحد. كما لو جمعت لونين اوثلاثة ألوان وكما لو نظرت بعينين تحت عنوان ما نسميه البصر، وكذا لو قمت بتأليف مجموعة نوتات وأصوات للحصول على لحن واحد، اولو قمت بجمع مشاهد ومقاطع سينمائية بغية الحصول على لقطة ما.

فالواحد موضوع يرتبط معناه بوحدة الكون والوجود وهو نظام تجتمع فيه جميع مفردات ومكونات الخلق والخليقة حيث ترتبط الكواكب والأفلاك والطبيعة كلها بنظام كوني.

حيث ورد في أقسام الواحد: الواحد اما حقيقي وأما غير حقيقي، والحقيقي ما اتصف بالوحدة لذاته من غير واسطة في العروض كالإنسان الواحد، وغير الحقيقي بخلافه، كالإنسان والفرس المتحدين في الحيوان وينتهي لا محالة الى واحد حقيقي. والواحد الحقيقي اما ذات هي عين الوحدة وأما ذات متصفة بالوحدة [2].

فالوجود بلا عروض، اي بلا اضافة اواتحاد، اي بوحدته واحد وبعظمته متعال، وبجبروته متحد، وعلى ذاته دال، وعن مخلوقاته متفرد شامخ، منه يستدل معنى الجمال وباطلالته يستدرك معنى الجلال. حيث ورد في دعاء الصباح: يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلجه، وسرح قطع الليل المظلم بغياهب تلجلجه، وأتقن صنع الفلك الدوار في مقادير تبرحه، وشعشع ضياء الشمس بنور تاججه، يا من دل على ذاته بذاته وتنزه عن مجانسة مخلوقاته [3].

بمعنى ان نظام الوجود واحدا يشترك بين جميع الكائنات والموجودات بوجوده، فبوجوده يدرك وجود الكائنات.

حيث ورد في ان الوجود مشترك معنوي : ان كون مفهوم الوجود مشتركا بين الماهيات قريب من الأوليات [4].

فالادراك واحد لكنه يجمع قضايا ومسائل ترتبط بمغزى واحد، والحقيقة مفردة لقضايا تتشعب وتتناسل لتجتمع معا ربما، او تتفرق، لكنها تعيش دائماً في محيط واحد، ذلك هو لغز هذا الوجود وسر حقيقته الأبدية، وذلك أيضاً يشكل سر العلاقة بين ذات الخالق ولغة المخلوق.  

 

عقيل العبود

..................

(1) الشيخ احمد علي البوني المتوفي سنة 622هجرية، شمس المعارف الكبرى المسمى شمس المعارف ولطائف العوارف، داراليوسف، بيروت-لبنان، ص491،

(2) الاستاذ العلامة السيد محمد حسين الطبطبائي، نهاية الحكمة، ص 157،،مؤسسة أهل البيت بيروت-لبنان ط86.

(3) الشيخ عباس القمي، مفاتيح الجنان.  

ص93،ط2، مؤسسة الأعظمي للمطبوعات 2009.

 

(4)الاستاذ العلامة السيد محمد حسين الطبطبائي، نهاية الحكمة، ص 11،،مؤسسة أهل البيت بيروت-لبنان ط86.

علم الطريقة هو علم يدرس مناهج الفكر، ومنها مناهج الفهم الديني، ويوضح العلاقة فيما بينها وبين تأسيساتها القبلية، ومن ثم بين هذه التأسيسات وبين الفكر. فهو يمارس التفكير في المنهج لا بالمنهج، ويقوم برصد الممارسة المعرفية من الخارج، عبر تحديد ما تستند إليه من الأسس والقواعد والأدوات المنهجية. كما يتضمن الجمع بين الهرمنوطيقا والإبستمولوجيا.

هذه جملة فقرات مختصرة حول هذا العلم كما وردت في كتاب (علم الطريقة) كالتالي:

* كيف نفهم الخطاب؟.. سؤال مركزي لدى (علم الطريقة) غرضه البحث عن الوضوح المنهجي في التفكير الديني. وهو سؤال يجعل من الفهم شاغلاً أساسياً لكل من له اهتمام بالفكر الإسلامي، وله الرغبة في أن يبتعد عن التفكير المذهبي والآيديولوجي المتهاويين.

* لتجليات الفهم الديني جذور تحتية عميقة تتميز بالكلية والشمول، وهي خفية على العالقين بهذا الفهم.

* لمظاهر الصراع الفكري نزاع آخر خفي يمسّ النظام الكلي للفهم الديني، وهو يظهر حيناً ويختفي حيناً آخر، وهو النزاع المنهجي المتعلق بالأجهزة والأدوات المعرفية.

* يتحرك الصراع المذهبي والآيديولوجي ضمن دائرة البنى الفوقية للفهم من دون المساس ببناه التحتية العميقة.

* لقد غاب عن المذاهب الإسلامية ممارسة النقد الذاتي لعدم إحساسها بالصدمات المعرفية، وساعد على ذلك التوظيف الآيديولوجي للصراع الفكري.

* تشترك المذاهب الإسلامية وعلومها بعدد من المظاهر السلبية، كالإحساس بالوضوح والدوغمائية والفهم المفصل وضعف النقد الذاتي..

* يقتضي الفهم الديني كلاً من التأسيس القبلي للنظر والتوليد المعرفي. ويمثل الأول أهم شرط للتفكير، وبالتالي فالعمليات ثلاث بعضها يتوقف على البعض الآخر، إذ تبدأ بالتأسيس القبلي لتنتهي بالفهم والتوليد.

* في الفهم الديني، إن المنهج يحدد الفهم، وإن قبليات الفهم تحدد النص. وتصدق هذه الشاكلة على كل نشاط معرفي.

* ليست هناك قضية مركزية يشهد عليها النص الديني بوضوح مثل قضية التكليف، فبدونها يفرغ النص من محتواه.

* إن علم الكلام كهوية هو علم إبستيمي يمارس التفكير في نظرية التكليف بأركانها الأربعة (المكلِّف والمكلَّف والصلة بينهما وثمرة التكليف)، ويتصف بالكلية والشمول. لكنه كعلم متحقق بقي أسير التفكير اللاهوتي دون ان يرتقي إلى المستوى الإبستيمي المطلوب.

* لقد أفضت الممارسة العقلية لعلم الكلام إلى أن ترى صفات النص هي على خلاف صفات العقل، إذ يتصف الأول بالمجاز والإحتمال والتشابه، فيما يتميز الأخير بالحقيقة والقطع والإحكام. الأمر الذي جعلها تكرس ظاهرة التأويل نصرة لقبلياتها المنظومية.

* يمتاز علم أصول الفقه بالمنهجية التي تختلف عما لدى علم الطريقة لإعتبارات كثيرة أبرزها اعتماده على النص كمصدر أساس للتشريع من دون اتخاذه موضوعاً للفهم كما يفعل ذلك علم الطريقة. وهو علم مختص بالفقه فحسب، فيما أن الآخر هو علم شمولي يمارس التفكير في مختلف العلوم، سواء الدينية منها أو العلمية أو غيرها.

* ليس بالضرورة أن يخضع علم الطريقة لذات الشروط والحجج الملزمة للعلوم التي يتولاها بالبحث والدراسة.

* ينفتح علم الطريقة على مختلف المذاهب والعلوم ذات العلاقة بالفهم الديني وغيره. وهو يهتم ببحث الأدوات والأصول المولدة للأجهزة المعرفية من حيث علاقتها بالفهم والتوليد وما شاكلها.

* يشابه علم الطريقة البحث الجاري في فلسفة العلم، فكلاهما يبحث في المناهج والنظريات المتعلقة بالموضوع الخارجي، نصاً أو طبيعة. لكن ما يمتاز به الأول هو الشمول بجمعه للبحثين الإبستيمي والهرمنوطيقي.

* إن غرض قنوات الفهم المعرفية التعرّف على (النص في ذاته) عبر (النص لذاتنا). لكن النص الأخير لا يطابق النص الأول بالضرورة، وهو ما يبرر الممارسة الإجتهادية لكافة أنساق الفهم وطرقه.

* كل المنظومات وأنساق الفهم التي تقدمها الأجهزة المعرفية تمارس الإجتهاد، سواء على مستوى العقيدة والأصول أو الفقه والفروع. وبالتالي لا ينبغي التعامل معها وفق القبول والرفض المطلقين، وهو تعبير آخر عن قيمتها الإحتمالية، رغم ان من المحال إجراء الحساب الإحتمالي لها بدقة، لعدم تماثل قرائنها الإحتمالية، لذلك يكون الترجيح فيما بينها قائماً على الكيف لا الكم الحسابي.

* يتأثر الفهم بالمعاني اللغوية والثقافية على الدوام، وهو ما يجعل القراءات هرمنوطيقية تتفاعل فيها الذات مع النص باستمرار. وقد يتطور الحال إلى فرض ظاهرة (الحرف والعدول) على الظهور الدلالي عبر التأويلات المختلفة.

* تنبع أهمية ظاهرة (الحرف والعدول) من كونها تحافظ على الإتساق مع قضايا التأسيس القبلي للنظر، وهي ظاهرة لا تمارسها الدائرة العقلية في تأويلاتها المعروفة فحسب، بل تمارسها الدائرة البيانية أيضاً.

* من المحال على المعرفة أن تتأسس من دون قبليات، سواء في الفهم أو العلم أو غيرهما من المعارف.

* ينقسم الفهم الديني إلى إعتبارات ذاتية كما تتمثل في الدائرة البيانية (النقلية)، وإعتبارات عارضة كما لدى الدوائر المعرفية الأخرى، وهي الغالبة والتي يعود إليها الفضل في تعدد الفكر الإسلامي وتجدده.

* لقد عانت الدوائر المعرفية في تراثنا الإسلامي من ثلاث مشاكل مزمنة أساسية، فهي لم تمارس النقد الذاتي لمفاهيمها ومقولاتها، كما إنها غيبت الإعتبارات المتعلقة بالواقع. كذلك إنها إستندت في الأساس إلى الإعتبارات المعرفية الخاصة دون المشتركة.

* إن أغلب تراثنا المعرفي قد مارس التوظيف الآيديولوجي للمعرفة وإن لم يتأسس وفق الآيديولوجيا ذاتها.

* تتناسب العلاقة بين الفكر الممغنط والفضول الآيديولوجي تناسباً عكسياً، فكلما كانت المعرفة شديدة المغنطة والإرتباط؛ كلما كانت القيمة الإحتمالية للفضول الآيديولوجي ضعيفة.

* تتميز القراءة الجوانية بالمنطق الضمني للمعرفة، فهي تعمل على كشف الإتساق والوحدة الداخلية للظاهرة المعرفية، خلافاً للقراءة البرانية التي تعمل على تشتيتها عند ربطها وتعليلها بالظروف البيئية.

* لتراثنا المعرفي أجهزة لها أصول مولّدة هي التي تحدد المفاصل والمضامين وفق تحكم الكلي بالجزئي.

* يتصف تراثنا المعرفي بأنه متعدد ومتداخل من حيث المنهج والمضمون، سواء على مستوى الأصول والعقائد، أو الفروع والفقه وغيره من العلوم. ويتمثل هذا التداخل في كل من المناهج والعلوم والمذاهب، فكل منها يتضمن البقية.

* ينقسم تراثنا المعرفي إلى نظامين متعارضين، هما النظام الوجودي المتمثل في الفلسفة والعرفان، والنظام المعياري المتمثل في علوم المتشرعة من الفقه والكلام وغيرهما. وإن الفارق بينهما هو أن الأول يرى الأشياء من حيث كينونتها الوجودية، فيما يراها الثاني من حيث علاقتها بالإرادة والقيم.

* يحمل النظام الوجودي روحاً حتمية، فيما يحمل النظام المعياري روحاً معيارية، وهما من هذه الناحية متضادان إلى درجة ان كل عملية توفيق بينهما تفضي إلى التضحية بأحدهما لحساب الآخر.

* للنظامين الوجودي والمعياري موقفان مختلفان إزاء مباحث الفلسفة العامة الثلاثة (المعرفة والوجود والقيم). إذ يدور البحث لدى الأول حول الوجود ومنه ينعكس على المبحثين الآخرين، فيما يدور البحث لدى الثاني حول القيم كما في نظرية التكليف ومنه يتعدى إلى المعرفة والوجود.

* إن النص الديني وفق النظام الوجودي هو مرآة لإظهار الوجود وحتميته. وتتخذ نظرية التكليف وفق هذه الرؤية طابعاً مجازياً حقيقتها نفي الإرادة والقيم المعيارية.

* تستقطب نظرية التكليف علوم النظام المعياري. فهو معني بتحديد علاقات الحق بين المكلِّف والمكلَّف.

* يحتضن تراثنا المعرفي منهجين عقليين يتمثلان في الفلسفة وعلم الكلام، وليس هناك منهج ثالث مستقل. وتتصف العلاقة بينهما بالتنافي والتضاد منطقياً، وإن كانت متلاقية بحسب مجراهما التاريخي، فأحدهما يمتلك روحاً من التفكير هي على الضد من الآخر. اذ تتصف الروح الفلسفية بأنها وجودية حتمية، فيما تتميز الروح الكلامية بالطابع المعياري لا الحتمي، وكل جمع بينهما يفضي الى التلفيق لا التوفيق.

* يتميز العقل الكلامي بأنه أقرب للتفكير الديني، فيما يتميز العقل الفلسفي بأنه أقرب للتفكير العلمي، فالأول يحمل عقيدة دينية مذهبية، فيما يتحرر منها الآخر.

* إن العقل هو الأساس الذي تُبنى عليه الفلسفة في كشفها عن علاقات الوجود ومراتبه وفقاً للنظام السببي. فمن وجهة نظرها إن الوجود هو العقل والعقل هو الوجود، وكلاهما يتضمنان الترتيب السببي. ويلعب قانون الشبه والسنخية صلة الوصل في تحديد التطابق بينهما. وهو أمر يصدق حتى على مستوى الأحكام والبراهين والقوانين، إذ لا مبرر غيره يحكم مثل هذه العلاقة.

* يحتضن كل من النظام الوجودي والنظام المعياري دائرتين معرفيتين، إذ يتضمن الأول الفلسفة والعرفان، فيما يتضمن الثاني العقل (المعياري) والبيان.

* يتأسس النظام الوجودي بدائرتيه الفلسفية والعرفانية على أصل مشترك هو مبدأ السنخية، فعليه تنبني مفاصل المنظومة الوجودية، مما له أثر بارز في الفهم الديني.

* يتأسس النظام المعياري على عدد من الأصول المولدة، فهي تتغاير لدى الدائرتين العقلية والبيانية، كما تتعدد وتتعارض لدى الدائرة الأولى ذاتها، لكنها جميعاً مشتركة بروح واحدة هي الروح المعيارية المستوحاة من نظرية التكليف.

* تتأسس الدائرة العقلية المعيارية على مبدأ (الحق) المتضمن لفكرة الإلتزام والواجب التكليفي. لكن هذا المبدأ منقسم على نفسه إلى أصلين مولّدين ينشأ عنهما إتجاهان متضادان يستقطبان أغلب نشاط هذه الدائرة، هما (الحق الذاتي) و (حق الملكية). وأبرز من يمثل الإتجاه الأول المعتزلة والزيدية والإمامية الإثنا عشرية، فيما يمثل الإتجاه الثاني الأشاعرة.

* يتمثل الأصل المولد للدائرة البيانية في قاعدة الفهم العرفي للنص، وهو الفهم المستمد من لغة النص واعتباراته العرفية، وهو لديها أساس التكوين والتقويم المعرفي.

* يحمل المذهبان السني والشيعي ذات النُظم الفكرية ودوائرها المنهجية الأربع دون اختلاف. فكل واحد منهما يستخدم ذات الطرق التي يستخدمها الآخر، وبالتالي فهما متكافئان ومتداخلان منهجياً.

* يتوقف الفهم على المنهج المتبع، ويفترض الأخير عدداً من العناصر القبلية؛ مثل الأداة والنظر القبلي. وهو الحال الذي يصدق على مختلف ضروب المعرفة الحصولية والاستدلالية. وتتباين حول ذلك الطرق المعرفية التي تشكل مادة البحث الطريقي.

* تنقسم البحوث المتعلقة بالفهم الديني إلى ثلاثة أقسام، هي: البحث الإستنباطي والتاريخي والطريقي. ويتميز البحث الأول بأنه الوحيد الذي يتعامل مع النص مباشرة عبر ظاهرة الإستنباط كما يزاولها علماء الدين في مختلف المجالات، خلافاً للبحثين الآخرين، إذ يتعاملان مع الفهم لا النص.

* منطقياً ينبغي أن يتأسس البحث الإستنباطي على البحث الطريقي، مثلما يتأسس الفقه على أصوله، والفلسفة على المنطق، لكن فعلياً إن غياب البحث الإستنباطي يفضي إلى غياب البحث الطريقي – ومثله التاريخي -. والعلاقة بين البحثين هي كعلاقة الرؤية بالأداة، حيث إحداهما بحاجة إلى الأخرى.

* يتعلق البحث الطريقي بالبنية التحتية إعتماداً على ما للقبليات من دور في بناء الفهم وتأسيسه، لذلك تشكل صلب موضوع البحث لدى علم الطريقة.

* إذا كانت البحوث الثلاثة الآنفة الذكر تتوقف على وجود النص؛ فإن الأخير لا يتوقف – في القبال - على أي منها.

* قد تتبادل القبليات مع البعديات الأدوار نسبياً. ومن ذلك قد يعتمد الفهم الديني على قبليات العلم، فيما يعتمد العلم على قبليات الفهم.

* قد يتأثر الباحث في الفهم الديني بمختلف القبليات الواقعية والعقلية والكشفية، كما قد يُسقط في القبال بعدياته الدينية على تلك المجالات.

* قد تكون القبليات المنضبطة دينية بيانية، أو واقعية إخبارية، أو عقلية صرفة، أو حدسية كشفية. ومثلها البعديات، فلكل من القبليات السابقة بعدياتها، وكل منها يتصف بالنسبية إن كانت قبلية أو بعدية.

* مثلما يمكن للقبلي أن يؤثر في البعدي، فإن العكس يحصل أيضاً، وهو أن يؤثر البعدي في القبلي، شرط أن يتصف الأخير بعدم الثبات والاستقرار.

* إن لبنيات الفكر، ومنه الفهم الديني، طبقات مختلفة كثيرة، وهي تنقسم مبدئياً إلى بنية سطحية خالصة وأخرى تحتية عميقة، وتتوسط بينهما طبقة وسطى هي في حد ذاتها تمثل طبقات غير محدودة.

* تختلف القواعد التي يبحثها علم الطريقة عن القواعد التي تعالجها الدوائر المعرفية بالبحث والتحليل، إذ تتصف الأولى بالكلية والشمول خلافاً للثانية التي تتصف بالضيق والجزئية. كما أن الأخيرة تتأسس على الأولى من دون عكس.

* لا يُعنى علم الطريقة بإستنباط معاني النص. فالإستنباط هو وظيفة ما تقوم به الدوائر المعرفية التي يتناولها هذا العلم بالدراسة والتحليل.

* لعلم الطريقة مسلمتان أساسيتان، إحداهما هي أن الفهم غير النص، والثانية هي أن الفهم يتولد بفعل التأثير المشترك لكل من القبليات والنص. وعلى هذه الشاكلة يجري التعامل مع سائر العلوم والمعارف ومنها العلم الطبيعي، حيث العلم غير الطبيعة، وانه ينتج بفعل التأثير المشترك لكل من الطبيعة وقبليات العالم.

* لعلم الطريقة وظائف ثلاث، أولها تحليل أفهام العلماء بإرجاعها إلى القبليات وطرق الفهم المختلفة. وثانيها ضبط معايير الترجيح بين نظريات الفهم ومناهجه. أما ثالثها فيتمثل في البحث عن معايير لإنتاج نظريات للفهم عالية الكفاءة.

* إن النص الديني هو موضوع مسلّم به لدى علم الطريقة على شاكلة الموقف الذي يتخذه علماء الطبيعة إزاء الواقع الموضوعي، إذ يسلمون به دون إخضاعه للتحقيق والتدقيق. وبالتالي فهو يتعالى على النقد والنقض والتشكيك.

* إن ما يجمع بين فهم النص وإدراك الشيء الخارجي وعلم الطبيعة هو أن موضوعها يعبّر عن شيء مستقل قابل للبحث الذهني.

* يتعامل علم الطريقة مع التراث الإسلامي بوصفه مجموعة من الأجهزة المعرفية التي تشترك فيها المذاهب، كما وينقسم إليها المذهب الواحد، فهي بذلك تخترق الحدود المذهبية وتلغي حدودها.

* إن معنى الجهاز المعرفي هو ذات معنى الدائرة المعرفية، وهو ليس علماً ولا مذهباً محدداً، بل هو نسق يخترق العلوم والمذاهب، وميزته إنه قائم على أركان خمسة أساسية، هي المصدر المعرفي والأداة المنهجية والمولدات أو الموجهات، كذلك الفهم والإنتاج المعرفي.

* تتمثل المرتكزات الأساسية في الجهاز المعرفي بكل من المصدر المعرفي والأداة المنهجية والمولدات، فكل ممارسة معرفية لا تنشأ إلا بفعلها، وهي مترابطة وبعضها يتوقف على وجود البعض الآخر.

* يتميز الأصل المولد بأنه يحمل طابع الرؤية والمنهج معاً، فهو قضية معرفية محددة كرؤية، كما ان له قدرة على التوليد المعرفي كمنهج.

* قد تكون المنظومة المعرفية هرمية عندما يتربع الأصل المولد في قمة الهرم ومنه يتم اشتقاق المنظومة وتوجيهها، كما قد تتصف بالقاعدة الأفقية حيث ينبسط الأصل المولد أو الموجه على مساحة المنظومة المعرفية بتمامها.

* ينقسم العقل ثلاثياً إلى: نظري وعملي وطريقي. وإن العقلين الأولين يعبّران عن عقل مضموني في قبال العقل الطريقي الأداتي، حيث أحدهما لا يستغني عن الآخر.

* إن الفهم يجري على نحوين، فهو إما أن يتعلق بالنص مباشرة، أو ينشأ عبر التوسل بأفهام أخرى، وهو الغالب. وشبيه بهذا الحال ما يجري في العلم الطبيعي مع بعض الإختلاف.

* كثيراً ما ينفصل الفهم عن النص ويتعلق بفهم مثله، فيتشكل بفعل ذلك فهم الفهم، وقد تتركب الأفهام بعضها على البعض الآخر لتشكل سلسلة لا يتعلق أغلبها بفهم النص مباشرة. كما قد تصير بعض الأفهام إنموذجاً ارشادياً لغيرها.

* إن الخطاب هو قول مشافه يسبق النص (المكتوب) من جميع الإعتبارات؛ سواء النفسية أو التكوينية. ويستهدف كل منهما جماعة من البشر، فالأول يستهدف الجماعة الحاضرة ليلقي عليها الكلام المشافه مباشرة، في حين يستهدف الآخر جهة انسانية مجهولة بلا حدود.

* لا تستهدف قراءة النص الديني الثراء الخصب كما تشجع عليه القراءات الأدبية المعاصرة، بل يكفيها تحقيق الحد الأدنى للفهم دون أقصاه.

* تفترض القاعدة الهرمنوطيقية أن الفهم ناقص على الدوام، فهو سيّال بلا حدود، وعليه تتصف القراءات بأنها خصبة ومشجعة ومثرية، كالذي تدعو إليه أدبيات ما بعد الحداثة.

* إن المجاز متطور عقلياً ولغوياً مقارنة بالحقيقة اللفظية. فلولا ثراه لكانت اللغة ضيقة لا تتجاوز المعنى الحسي، ناهيك عن أن له الدور الأساس في جعل العقل يُظهِر مكنوناته بلا حدود.

* لا سبيل للإتصال الذهني بالموضوعات الخارجية من دون العلم الحصولي، أي من دون (الشيء لذاتنا) في قبال (الشيء في ذاته)، والفرق بينهما عظيم.

* إن أغلب النشاط المعرفي اللاشعوري لدى البشر يمتاز بالمنطقية والنظام والإتساق خلاف المتصور حوله.

* يفضي الفهم في حالة اعتماد المستوى العمودي للنص إلى ترددات تسمح بقراءات ممكنة كثيرة تضعف من قيمة إحتمال التطابق مع النص، بخلاف حالة الاعتماد على المستوى الأفقي؛ حيث الإستعانة بالقرائن الإستقرائية المبثوثة هنا وهناك.

* إن الحقيقة اللفظية على معنيين خاص وعام، إذ يمكن الإشارة إليها بنحو خاص كالمعنى الحسي مثلاً، كما يمكن الإشارة إليها بروح المعنى العام الذي يشمل ما هو حسي وغير حسي.

* للقراءة مستويان من الآليات، هما الإشارة والإيضاح (التفسير)، ويتصف الأول بالإجمال، فيما يتصف الثاني بالتوضيح والتفصيل، وهو قائم على الأول من دون عكس.

* للنص ثلاثة عناصر، هي اللفظ والسياق والمجال، ويترتب عليها ثلاثة أنماط للقراءة، هي الإستظهار والتأويل والإستبطان، سواء على مستوى الإشارة أو الإيضاح.

* إن ميزة الإستظهار هي الحفاظ على كلا الظهورين المجالي واللفظي، وعلى عكسه الإستبطان الذي لا يلتزم بهما معاً، في حين يتوسط التأويل فيحافظ على المجال دون الظهور اللفظي.

* إن الدلالة على نوعين لفظية ومجالية، وتعتبر الأخيرة مجملة مقارنة بالأولى التي هي إما إشارة أو إيضاح.

* ينقسم المجال إلى ظاهر وباطن، وان الأول يتشعب إلى صنفين هما المجال الحقيقي والمجال المجازي. لذلك فهو ينقسم على شاكلة ما ينقسم إليه الظهور اللفظي، وعلامة الظهور لكل منهما التبادر.

* لا يتحقق الإيضاح ما لم تتبين طبيعة العلاقتين المفهومية والمصداقية، خاصة الأخيرة، إذ الغرض من قراءة النص (الديني) هو الكشف عن الموضوع الخارجي، وهو لا يتحقق ما لم تتبين قبله العلاقة المفهومية. وبدون ذلك تظل القراءة إشارية فحسب.

* للظهور ثلاثة مستويات بعضها يقوم على البعض الآخر، هي: الظهور الإشاري العام، والظهور الإشاري الخاص، والظهور الإيضاحي.

* يمكن تطبيق أنماط القراءة الثلاثة على مقاطع النص وجمله، كما يمكن تطبيقها على الطابع الكلي للموضوع المقروء.

* تتفاوت مصاديق آليات الإشارة والإيضاح الثلاث قوة وضعفاً اعتماداً على كل من هيئة النص وقبليات القارئ وأحواله النفسية، فالحال يختلف من قارئ لآخر، مثلما يختلف من نص لآخر.

* للإشارة قبلياتها، لكن الإيضاح يضيف إليها المزيد من القبليات؛ مما يجعلها أكثر تعقيداً.

* للعلم أربعة نُظم تتشابه مع نُظم التراث الديني ومناهجه، هي النظام القديم والإجرائي والإفتراضي والميتافيزيائي، فالأول يشابه النظام الفلسفي للفهم في استعلائه ودوغمائيته، والثاني يشابه الدائرة البيانية في حفاظهما على ما هو ظاهر ووصفي من دون افتراضات ومصادرات أجنبية. فيما يشابه الثالث الدائرة العقلية والفلسفية، فكلاهما يعتمد على الإفتراضات القبلية. أما الرابع فإنه يشابه الدائرة العرفانية في استدلالات كل منهما لأدنى مناسبة.

* للقبليات أصناف كثيرة، فمنها الثابت والمتغير والمنضبط وغير المنضبط. ففي الأساس تنقسم إلى صورية وتصديقية، وتتفرع الأخيرة إلى قبليات منضبطة وغير منضبطة، وتنقسم المنضبطة إلى أصناف ثانوية لإعتبارات مختلفة، مثل ان تنشأ عنها قبليات محايدة وأخرى غير محايدة، وعن الأخيرة قبليات مشتركة وخاصة. وإذا كان الناس يشتركون فيما هو ثابت منها؛ فإنهم يختلفون في غيره.

* إن الإدراك بحاجة إلى القبليات، سواء في حالة التصور أو التصديق. وإنه لا يمكن التعرف على الموضوع الخارجي من دون وساطتها، فهي التي تحول (ما في ذاته) إلى (ما لذاتنا).

* يتحدد الفهم من خلال التأثير المشترك لكل من القبليات والنص، فحاجة الفهم لهما لزومية من دون عكس. بمعنى أن غياب أحدهما لا يشيء بفهم، والعكس ليس صحيحاً، إذ غياب الفهم لا يؤثر فيهما. وهو الحال الذي ينطبق على كل معرفة موضوعية، سواء في العلم أو الإدراك الخارجي أو غيرهما من المعارف.

* يتعذر على كل نشاط معرفي القيام بوظائفه من دون قبليات منضبطة تحكمه، سواء في العلم أو الفهم أو العلم أو غيرهما من المعارف الموضوعية.

* عديدة هي القبليات المنضبطة التي يستند إليها العلم، وبعضها يُعتمد عليه في الإدراك العام، كالقبليات المنطقية المحايدة مثل قاعدة الإستقراء، والقبليات المضمونية الكاشفة مثل مبدأ السببية العامة، يضاف إلى إفتراض واقع موضوعي خارجي مسلّم به من دون أن يُعرّض للفحص والتشكيك.

* للقبليات المنضبطة خمسة أصناف مختلفة، فقد تكون مطلقة مشتركة لدى البشر كافة، كما قد تكون عامة يعتمد عليها أغلب الناس، وقد تكون منظومية فكرية، ومثل ذلك قد تكون محايثة تتعلق بالسياق الخارجي للموضوع، كما قد تكون مفترضة يستحضرها الذهن ضمن سياقات معينة.

* يكثر الجدل والنقاش حول القبليات المنظومية بين التيارات الفكرية، وعليها تتأسس آليات التأويل والإستبطان لدى الفهم الديني عادة.

* للقبليات المنظومية دور مهم في جعل الظهور الدلالي يتعدد ويتفاوت في المعنى.

* كثيراً ما يتحد تأثير القبليات المنضبطة مع غير المنضبطة في التوليد والفهم المعرفي، فتكون النتائج المعرفية مصنوعة بفعل عاملين: موضوعي ونفسي.

* إن ما يميز القبليات المنضبطة عن غير المنضبطة هو ان الأولى تعمل على تحديد الفهم العلمي وفق قواعد منضبطة بوعي وبغير وعي، خلافاً للثانية التي لا تستند إلى الفهم الدقيق ولا إلى قواعد محددة، انما تخضع للنوازع النفسية والآيديولوجية.

* للقبليات الصورية شكلان، أحدهما يعبّر عن الحساسية الصورية كما تتمثل في قالبي الزمان والمكان وصورة الواقع المجمل، فيما يعبّر الآخر عن الإطار العام لجهاز الحس الصوري الذي يتم به تشكيل الصور المدركة بهيئة معينة.

* يقوم جهازنا الصوري بجمع شتات الإحساسات المتفرقة، بل ويعمل على توحيد الصورة الإدراكية لدى الحاسة الواحدة. فهو جهاز مصمم على تحويل الكثرة إلى وحدة مشتركة.

* إن جميع الصور الحسية خاضعة للتأويل، حالها في ذلك حال القضايا المعرفية، فهي تتشكل وفق توقعاتنا وتجاربنا السابقة، لذلك تتقبل الرؤى المتعددة وفق الصيغة الجشطالتية.

* للقبليات الصورية دور كبير في خلق الأوهام الصورية التي تتأسس عليها الأوهام التصديقية بأصنافها الأربعة المعروفة، أي أوهام القبيلة والسوق والكهف والمسرح.

* إن للحيل الرياضية والخيالية أهمية خاصة في اصطناع القبليات الصورية، ومن ثم جعل النظرية الفيزيائية متسقة من دون الكشف عن الواقع الموضوعي.

* للقرّاء أربعة أصناف، هم القارئ المغالي والمقصر والمسيئ والمتواضع. فالقارئ المغالي لا يمانع من إمكانية تحقيق حالة التطابق المطلق بين الفهم والنص. وعلى عكسه القارئ المقصر الذي يمنع ذلك كلياً. في حين يجد القارئ المسيء في النص كل شيء يريده سوى إفتراض أن يكون للنص معنى محدد. يبقى القارئ المتواضع، فبالرغم من أنه لا يدعي امكانية التطابق التام مع النص، لكنه يقر بامكانية حيازة الحد الأدنى منه دون أقصاه.

* للنص وثقافة الحاضر والماضي تأثيرات مختلفة على فهم القارئ، وإذا كان النص هو الموضوع المقروء؛ فإن الفهم يغدو نتاجاً لآفاق هذه المكونات الثلاثة باندماجها سوية. والحال ذاته يجري في الممارسات المعرفية الأخرى.

* يتميز الفهم المعاصر للنص بأنه أقرب لمقاصده، باعتباره شاهداً على حركية النص (الخطاب) وجدله مع الواقع.

* تتألف العقيدة من مزيج مركب من الرأي والتجربة الدينية.

* يخضع الذهن البشري لعدد من القوانين العامة الثابتة، بدونها لا يتحقق النشاط المعرفي بكافة صوره وأشكاله. كما يتأثر بمجموعة من السنن العارضة. إضافة إلى كونه يعمل وفق قواعد إجرائية منتخبة.

* من المتعذر على البشر أن يفكروا خارج أسوار القواعد القبلية وإجراءاتها المنهجية، رغم أن الخيارات مفتوحة لديهم في أن ينتقوا ما شاء لهم من هذه القواعد، بوعي وبغير وعي.

* إن الإستقراء هو أداة هامة يتوقف عليها كل من الفهم والعلم والإدراك المنضبط، بوعي وبغير وعي. وهو قاعدة إجرائية محايدة مثلما هو قانون محتم للنشاط المعرفي.

* ينقسم التفكير من حيث المنهج إلى مسلكين: تجزيئي وتوحيدي. وللمسلك التوحيدي ثلاثة مناهج مختلفة، هي التمثيلي والإنتزاعي والتكاملي، وهي مستخدمة لدى النشاطات المعرفية المختلفة، ومنها العلم والفهم.

* تتأثر الثقافات والعلوم بتغير الواقع، مما له أثر كبير في تغير الفهم الديني. وهي سنة تكوينية عامة تجري وفق قبليات غير منضبطة، لكنها قابلة للاستثمار بتحويلها إلى قواعد إجرائية ابستيمية، سواء تعلق الأمر بالفهم أو العلم أو غير ذلك من المعارف.

* يتأثر الفهم بروح العصر ومفاهيمه وفقاً لسنن الواقع الموضوعي.

* تتحول الخبرات البشرية إلى عادات نفسية قابلة لتفسير الأشياء وتوقع حدوثها، كما قد يستفاد منها كقواعد إجرائية للتفسير العلمي وتنبؤاته.

* قديماً كان تأثير الفهم على العلم بارزاً، أما اليوم فقد انعكس الحال فأصبح تأثير العلم على الفهم هو الجاري.

* للقبليات والنص تأثير متعاكس، وفق قانون العلاقة العكسية للفهم، فكلما زاد أحدهما ضعف الآخر. ويبدأ التأثير بفعل القبليات لا النص، وعلى ذلك تترتب تفريعات القانون المذكور، حيث العلاقة الضعيفة والقوية والمتوسطة.

* تخضع نُظم العلوم الطبيعية لآليات القراءة كما تمارس في الفهم وفقاً لعلم الطريقة. كما تنطبق عليها قوانين العلاقة العكسية الثلاثة.

* تتضمن قراءة النص جملة من توقعات الفهم، وتبدأ عند الإطلاع على عنوان النص أو مقاطعه الأولى.

* لا يصح للقارئ الحصيف تحديد فهم الجزء تحديداً نهائياً من دون لحاظ فهم الكل.

* منطقياً يتوقف فهم الجملة النصية على الفهم الإجمالي للنص كله. ففهم الكل سابق على فهم الجزء ومتحكم فيه. وإذا كان من الممكن لجملة واحدة أن تغيّر فهم الكل؛ فذلك لا يتحقق إلا من خلال ارتباطها بالجمل الأخرى.

* تمتاز بعض الجمل النصية بكونها أقوى تأثيراً في الفهم مقارنة بغيرها، على شاكلة ما يحصل مع ظواهر الطبيعة. وقد تفضي العملية إلى تغيير فهم الكل، لا سيما وإن جمل النص محدودة خلافاً لظواهر الطبيعة.

* لا بد من أن يخضع الفهم إلى شيء من توجيهات النص، مع شيء من توجيهات الذات القارئة.

* إن الخضوع لتوجيهات النص قد يدفع إلى إعادة تصحيح المسلمات والقبليات غير المستقرة، حيث يؤثر البعدي في القبلي.

* يجمع الخطاب بين الكلام المشافه والواقع الحي الذي يتفاعل معه، خلافاً للنص الذي يتجرد عن الأخير. فالأول أقرب دلالة لإيصال المعنى مقارنة بالثاني، وكتعويض عن النقص يلجأ الأخير إلى الهرمنة والتأويل بلا حدود.

* إن الأصل في القرآن هو المشافه لا المدوّن، وهو يمثل الوحي بلا إجتهاد، ويحمل القصد والمعنى الواضح ما لا يحمله الثاني لإنقطاع علاقته بالواقع الحي، ولتضمنه الكثير من الإجتهادات، لذلك فَقَدَ الكثير من الدلالات والإيحاءات.

* إن مبدأ القصدية هو أهم مسلمات الفهم الديني. ويتضمن أن يكون لصاحب النص قصد محدد يشكل الهدف المنشود للقارئ، والشرط الذي لا غنى عنه في القراءة، وبدونه يتحول النص إلى لغو وعبث.

* إن متشابهات النص هي أهم إشكالية يواجهها مبدأ القصدية في الفهم الديني.

* يتجاوز الفهم القصدي حرفية النص التي يتمسك بها الفهم التعبدي، سواء في الفقه أو غيره من العلوم الدينية.

* يفضي فهم الأشاعرة إلى التعبدية الوصفية دون القصدية اعتماداً على نفيهم للعلل الغرضية في النص، وذلك بالإتساق مع نفيهم للعلل الفاعلية في الوجود.

* تستمد مبررات العمل بمبدأ الفهم القصدي من دلالات النص التي تكشف عنها قاعدة الإستقراء المنطقية.

* للفهم القصدي ثلاثة أنواع، هي القصد المنصوص والوجداني والإجتهادي، ويتفرع الأخير إلى ثلاثة فروع، هي الإجتهاد المحافظ والمغامر والمتهور. والأخير لا قيمة له معرفياً، كما إن الإجتهاد المحافظ قد استنفد أغراضه، وتبقى الأهمية مركوزة في الإجتهاد المغامر.

* هناك مراتب وسطى غير محددة بين القصد الإجتهادي من جهة وكلاً من القصدين المنصوص والوجداني من جهة ثانية.

* إن بين المحافظة والمغامرة مراتب غير محددة، إذ قد يكون الإجتهاد شديد المحافظة والإحتياط، أو يكون مغامراً، وقد يكون بين بين. كما قد يحصل تجاوز لهذا الحد من الإجتهاد المغامر فيقع ضمن الإجتهاد المتهور، وميزته انه يتقبل الإستدلال بأي شيء على كل شيء من دون مراعاة لمجال العلاقة التي تربط نتائج الإستدلال بمقدماته.

* إن المستنبطات من النص على أنواع، هي: الحقائق، والقواعد، والنظريات، والقوانين، والعلاقة مع «الآخر». ولكل منها تفريعاتها الخاصة.

* تقترب نظريات الإعتماد من معنى الأصول المولدة. فهي أصول للتوليد لكنها مستنبطة بالفهم، ولولا ذلك لتم إلحاقها بالأصول المولدة القبلية.

* يستوعب النظام الواقعي النسق القديم للفهم من دون عكس. فهما متكافئان في تفسير الأحكام التاريخية المناطة بظروف الواقع الخاص بالتنزيل، لكن ما يضيفه النظام الواقعي ويعجز عنه النسق التقليدي هو تفسير ما يقتضيه العصر الحديث من تغير الأحكام التي لم تعد قادرة على البقاء والصمود.

* يتميز القانون المستنبط من النص عن غيره من المستنبطات هو انه يتصف بوجود جامع عام يربط بين فئة تتضمن حالات مختلفة في النص، وبين خاصية محددة مشتركة تنطبق على جميع هذه الحالات.

* تنقسم القوانين المستنبطة من النص إلى بسيطة ومثمرة، وذلك على شاكلة التقسيم الجاري بالنسبة للقوانين العلمية.

* يعتمد التعميم وفق القوانين المستنبطة من النص على الإستقراء الكامل، خلافاً لنظيره العلمي المتأسس على الإستقراء الناقص.

* تتميز القوانين المثمرة لدى الفهم الديني مقارنة بالبسيطة بشرطين، أحدهما هو إن علاقة الترابط بين فئة النص والخاصية المشتركة الثابتة ينبغي ان تكون غير متوقعة سلفاً. والآخر هو أن تتضمن فئة النص حالات مختلفة كثيرة.

* يتم تقييم نظريات الفهم وفقاً لمعايير مشتركة أساسية. فهناك معايير للترجيح فيما بينها، كما هناك معايير لتأسيس قواعد كفوءة للفهم الدقيق.

* للتحقيق المعرفي ثلاثة أصناف: مطابق ومبرر ومخمّن. ويفتقر الأخير إلى المبررات الموضوعية خلافاً للأولين. كما يتضمن كل من التحقيق المبرر والمخمّن مراتب لا حدود لها، خلافاً للمطابق.

* تنقسم معايير التقييم لدى علم الطريقة إلى نوعين رئيسيين، هما المعايير الأولية والثانوية. وتتفرع الأولى إلى عدد من الأصناف، مثل معيار المجمل النصي والمعقولية والواقع والوجدان العام والمنطق. أما الثانية فمثل معيار البساطة والشمول.

* غالباً ما يتحدد معيار الأخذ بالظهور اللفظي وفقاً لعلم الطريقة بالمجمل الإشاري. ويمكن تقبل حالات الإيضاح التي تبدي الظهور اللفظي من غير تكلف، أي بمساعدة بعض القبليات، مثل الضرورات الحسية وما إليها.

* ابستيمياً هناك محوران رئيسيان لتحديد الفهم من خلال الواقع، هما الفحص الصدوري والكشف الدلالي. ويتعلق الأول بالرواية والحديث، فيما يتعلق الثاني بدلالة النص، وله أنماط كثيرة، مثل: الكشف التوقيفي والإشكالي والتوجيهي والتفسيري وما ينتظر الكشف عنه.

* عادة ما يكون للنص سياقات ظرفية نظراً لتفاعله مع الواقع، لا سيما في مجال الأحكام الفقهية.

* هناك ثلاثة مناهج مختلفة لقراءة النص القرآني، مع الالتزام بالسياق الدلالي المتبادر بلا تأويل، هي منهج الفصل والعزل، ومنهج التحكيم والتفسير، ومنهج التوسعة والإنفتاح. والأخير هو ما نميل إليه ضمن طريقتنا للنظام الواقعي.

* بحسب الرؤية الوجدانية يمكن النظر إلى القضايا المعرفية بمنظارين مختلفين، أحدهما يخضع للوجدان الفطري، فيما يخضع الآخر للوجدان الشخصي، وقد تختلف النتيجة المترتبة عنهما في القضية الواحدة.

* يتصف الوجدان الشخصي بالتقلب ويتأثر بالظروف، لهذا يختلف من شخص لآخر، خلافاً للوجدان الفطري.

* للوجدان الفطري درجات من الظن والميل المعرفي يصل أقصاها إلى القطع أحياناً. وتنبع أهميته بأن أحكامه عقلية ذاتية دون أن تستمد من مصادر موضوعية خارجية.

* لمعيار المنطق أهمية خاصة في جعل الفهم متماسكاً ومتسقاً، وله عدد من القواعد، أبرزها الإستقراء الذي يؤدي دور الكاشف المحايد من دون مضامين.

* لمعيار المنطق شروط أولية مستمدة من مبدأ عدم التناقض، فهي لا تدعو إلى الكشف عن شيء محدد بقدر ما توصي بأن لا يتصف الفهم والنظرية بالتناقض. وتتمثل بقواعد ثلاث، هي: عدم التناقض الذاتي، والاتساق مع الواقع، كذلك الاتساق مع الحقائق الأصلية للنص الديني.

* تنقسم المنظومات المعرفية إبستيمياً إلى منظومات مفتوحة تتقبل الفحص والتمحيص، ومغلقة لا تتقبل ذلك.

* هناك شكلان من التحقيق المنطقي: مباشر وغير مباشر. والأول يقوم بفحص النظريات من الداخل مباشرة، فيما يقوم الثاني بفحصها من الخارج؛ عبر إختبار الغائب بالشاهد المعرفي.

* يعتمد التحقيق المباشر في الفهم الديني وفقاً لعلم الطريقة على قاعدة الإستقراء والمنطق الإحتمالي.

* وفقاً للبساطة تترجح قاعدة التفسير الموحد لمقاطع النص المختلفة على كثرة القواعد التي يفسر كل منها بعض المقاطع دون البعض الآخر.

* كلما استوعبت النظرية أكبر عدد ممكن لتفسير الظواهر؛ كلما كانت أكثر ترجيحاً من غيرها.

* كلما كان النسق المعرفي يحقق قدراً أعظم من قرائن النص الإستقرائية؛ كلما حظي بقيمة معرفية عالية.

* إن الحكم على الكل أضعف من الحكم على الجزء، فالأول يتميز بالتعميم ما لا يتميز به الأخير.

* إن أهم معايير الفهم المعتبرة ثلاثة، هي المنطق الإستقرائي والبداهة الوجدانية والواقع. وإن الأول منها محايد، فهو كاشف عما يتضمنه النص خلافاً للأخيرين، فهما من المعايير والقبليات المضمونية غير المحايدة.

* إن القطعية الواردة لدى النص بفعل المنطق الإستقرائي تختلف عن تلك التي ترد لدى البداهة الوجدانية والواقع. فالأولى كاشفة عن معنى النص دون ان تكشف بالضرورة عن الحقائق الخارجية، خلافاً للثانية التي تترجح عليها عند التعارض.

 

يحيى محمد

مفكر وباحث

zouhair khouildiلقد ظهرت الفلسفة التحليلية في القرن العشرين لكي تهتم بمسائل دقيقة مثل نظرية اللغة وفلسفة المنطق والإبستيمولوجيا وفلسفة الفكر والعلوم العرفانية وتقوم بتوضويحات وتمييزات بالاعتماد على صياغات ومعالجات تستدعي الحس المشترك واللغة العادية وتركز على استعمال النص ونظرية الفعل ونظرية المجتمع وتحاول فهم الطبيعة في تنوع وتعقد ظواهرها وقدرات الفكر البشري في مجال القيمة والمعيار.

لكن إذا كانت البراغماتية الجديدة تضع صدق القضايا محل تطابقها مع الواقع بوصفها معيارا للاعتقاد بأهميتها والانتفاع بها في حل مشاكلنا ولذلك ترفض التصور الماهوي والنظرية التمثيلية للواقع والمشروع التأسيسي الذاتاني للحداثة وتنتصر إلى التعددية والتسامح والحوار مع الآخر والديمقراطية بوصفها ممارسة اجتماعية للتضامن، فإن الطريقة الإجرائية procédurale فهي طريقة مستخدمة في العلوم الصورية والإنسانية وتعني تعني تحديد المؤشرات العملية ووضع المقاييس التقنية التي تسمح بتعريف ظاهرة غامضة غير قابلة للقياس بشكل مباشر وذلك عبر محاولة فهمها بربطها بظاهرة أخرى قريبة منها وعبر جملة من الملاحظات التجريبية. في هذا ضرب من المناخ الليبرالي يأتي جان رولز ليقدم نظريته حول العدالة باعتبارها إنصافا ولكي يقدم تصورا توزيعا للمنافع والمساوئ تغطي كل الفئات بما في ذلك الأقل حظا وتؤلف بين نجاعة الرأسمالية وإنسانية الاشتراكية وتنطلق من فرضية الوضع الأصلي1[1] بوصفها شرط إمكان قيام مجتمع سياسي عادل. لكن ما المقصود بالوضع الأصلي ؟ هل وضع طبيعي أم وضع افتراضي؟ وهل يحتاج لتأسيس بدئي وفق تصور إجرائي أم لإعادة بناء وفق رؤية براغماتية؟ ماهي الشروط القانونية اللازمة لهذا التأسيس الاجرائي؟ هل تستوفي الحريات والحقوق التي يطالب بها الكائن البشري؟ وكيف يتم الانتقال إلى نظم سياسية منصفة وديمقراطية تحترم التعددية والمواطنة؟ بأي معنى تجد الفئات الأقل حظا فرصا حقيقية للانتفاع بالخير العام والمشاركة والإندماج؟

من هذا المنظور تقوم الفلسفة باعتبارها جزء من الثقافة السياسية العامة للمجتمع بالأدوار الكبرى التالية:

1ـ معرفة المسائل السياسية التي أدت إلى النزاع العميق والحاد وإيجاد أرضية مشتركة ومعقولة لاتفاق سياسي حولها مثل مسألة الضمير وحق المقاومة والمساواة والحريات. لذلك يتمثل الدور العملي للفلسفة في تحديد المسائل الخلافية والنظر في إمكانية بناء توافقات واتفاقات أخلاقية تضيق شقة الخلاف وتحتفظ بالتعاون على قاعدة الاحترام المتبادل والتعايش السلمي.

2ـ يمكن أن تسهم الفلسفة في معرفة نوعية تفكير الناس في شكل مؤسساتهم وفي أهدافهم من الحياة ومقاصد أفراد المجتمع وتقوم بالتالي بدور التوجيه وتعيين مبادىء وغايات عقلانية وأخلاقية للفرد والجماعة.

3ـ يمكن للفلسفة أن تلعب دور التسوية والمصالحة وأن تهدىء من غضب الأفراد ونزوعهم نحو العنف وتجعلهم يقبلون العالم الاجتماعي ويطبعون مع الواقع السائد ويؤكدون الحياة بصورة ايجابية مع الغير.

4ـ يمكن للفلسفة أن تتحول الى يوتوبيا واقعية وأن تحاول سبر حدود الإمكان السياسي العملي وتجعل الناس ياملون في نظام سياسي لائق وديمقراطية عادلة بصورة معقولة في ظل ظروف ملائمة وتعددية معقولة وأحوال تاريخية ممكنة وأن تساعد المجتمع على بناء نظام تعاوني منصف2[2].

يجمع رولز بين اللغة التحليلية والتوجه البراغماتي الجديد ومدرسة العقد الاجتماعي في صورتها الكانطية والبحوث القانونية الوضعية ليصوغ نظرية متكاملة في الفكر السياسي والحقوقي والاقتصادي المعاصر تضم كل من جملة من البنى الأساسية3[3] هي الوضع الأصلي4[4] وما يفترضه من حجاب الجهل والعدالة باعتبارها إنصاف والتوافق بالتقاطع وتنظر للعصيان المدني والتسامح في ظل اللاّتسامح وحقوق الأقليات وحرية الضمير وخلقنة السياسي. يقول في هذا السياق: إذا لم نتمكن من تشكيل الوضع الأصلي بحيث تستطيع الأطراف أن تتفق على مبادئ للعدالة على أسس ملائمة فإن العدالة كإنصاف لا يمكن انجازها5[5].

في هذا الصدد تصلح فكرة الوضع الأصلي من أجل بلورة إجراء منصف تبقي بمقتضاه المبادئ المتفق عليها عادلة وبالتالي تمثل حجر الزاوية في نظرية العدالة الإجرائية procédurale وتفترض حالة جهل لا يعرف أحد مكانته في المجتمع ولا موقعه في طبقته ولا موضعه الاجتماعي ولا حصته من تقسيم المواهب والقدرات في الذكاء والقوة ولا أحد يعلم تصوره الخاص للخير ولا يدري عن خصوصيات مشروعه العقلاني للحياة وليست له فكرة عن التشاؤم والتفاؤل وعن نوعية الجيل الذي ينتمي إليه وطبيعة المجتمع الذي يعيش فيه.6[6]

والحق أن فكرة الوضع الأصلي وما تفترضه من جهل بالمصالح العقلانية الخاصة بالمشاركين وما تؤديه من توافق في صورة تسويغ تشبه من بعيد فكرة العقد الاجتماعي عند لوك وروسو وكانط في خاصية المساواة وl’impartialité على الرغم من النقد الأخلاقي الرولزي للنفعية والديمقراطية الليبرالية.[7]7

لقد نقد رولز الماركسية ومغالاتها في المساواة ودافع على النظام الديمقراطي الليبرالي بتأليفه بين مكاسب الليبرالية ومكاسب الاشتراكية ولكنه ميز بين الليبرالية السياسية التي تمنح مجموعة من الحقوق الحريات ضد الطابع العرضي للسلطة التي لا تلتزم بأي حق وبين الليبرالية الاقتصادية التي تضع القيود على تدخل الدولة في التبادلات الاقتصادية والتخطيط المركزية وملكية وسائل الإنتاج. كما ميز بين الحقوق الحريات التي تعطى للأفراد من قبل مؤسسات الدولة مثل حرية التفكير والاجتماع والتنظم والملكية والعبادة والتجارة والحقوق الاجتماعية مثل الشغل والتعليم والصحة والسكن والتنقل والترفيه والحماية والأمن التي توفرهم دولة العناية للأفراد والجماعات في إطار احترام حق الأغلبية دون المساس بحق الأقليات8[8].  

من هذا المنطلق " لقد حدد رولز تصورا سياسيا باستعمال ثلاثة معايير: أ ينبغي أن يتم صياغته وفق موضوع مخصوص أي بنية أساسية للمجتمع، ب يتم عرضه بشكل مستقل عن كل عقيدة مذهبية، ث يتم بلورته بحدود أفكار سياسية أساسية تعتبر متضمنة في الثقافة الجمهورية للمجتمع الديمقراطي"9[9]                    

وبطبيعة الحال لا يعني التوافق السياسي إلغاء الاختلافات والتعددية بل يحترم أشكال التباين والتنوع ويبقيها ويعمل على تنمية التعارضات المقبولة والخلافات المعقولة وذلك عن طريق القبول بالتعددية الأخلاقية في مستوى تصورات الخير والسعادة والواجب. وبالتالي فإن أصالة الديمقراطية الليبرالية لا تكمن في النظام التمثيلي الذي يتم عن طريق الاقتراع العام واختيار الممثلين أثناء الانتخابات الحرة والشفافة وإنما في العدالة التوزيعية التي تحاول التقليل من الفوارق الاجتماعية وتقوم بتقسيم الخيرات والحريات وفق الجدارة والكفاءة والدور والوظيفة. إن إحلال المصداقية والحق والسلام والعيش السوي والمواطنة مكان الكذب والعنف واللاّتسامح والتصادم المهلك ليست مهمة مستحيلة وإنما تتوقف على اتخاذ تدابير قانونية وإجراءات عقلانية وفق تعقل سديد ونجاعة موزونة في القرارات السيادية .

ربما الهدف المشترك للجماعة التاريخية من السياسة الليبرالية المشروعة ليس المحافظة على الهوية وصيانة التراث وضمان استمرارية التقاليد وإنما العناية بالقيم الكونية وتوفير وضع سياسي يسمح بولادة دائمة للكائن البشري ومبادأة على صعيد المعرفة والوجود والقيم. ولا يكون الإنصاف بوصفه العدالة التوزيعية بنية أساسية للمجتمع السياسي بالنظر إلى احترامه المنزلة الخصوصية للفرد وتحقيقه لحرياته الشخصية ودفاعه على استقلاليته التامة عن كل السلطات والإكراهات بل لدوره الإجرائي والوظيفي في تماسك المجتمع وتلاحم الحياة المشتركة.

والحق أن الديمقراطية هي نظام سياسي لا تكون فيه السلطة تحت تصرف أي شخص أو مجموعة وإنما عند كل مواطني المدينة والمجتمع الديمقراطي هو الذي تغطى عملية الدمقرطة جميع مساراته وشبكة علاقاته. كما ينبغي التمييز بين الحرية الشخصية باعتبارها حرية داخلية تطرح دوما كواقعة من وقائع الحياة اليومية الخاصة وضمن علاقة ضدية مع الآخرين في تأكيد للذات وبين الحرية السياسية التي يتم تأكيدها من طرف القانون في الحياة العامة وصيانتها من قبل مؤسسات دولة العناية وتجعل الناس يعيشون بشكل جماعي دون أن يتنازعوا بشكل دائم. لكن ألا تؤسس العدالة الاجرائية وضعا سياسيا نهائيا ودائما؟

 

كاتب فلسفي

...................

الإحالات والهوامش:

[1] Rawls Jean, théorie de la justice, traduit par Catherine Audard, éditions du Seuil, Paris, 1987. partie1, chap3. la position originelle. pp. 151. 228.

[2] جون رولز، نظرية العدالة كإنصاف ، ترجمة حيدر إسماعيل، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، طبعة أولى، 2009، ص.

[3] Rawls Jean, justice et démocratie, édition du Seuil, Paris, 1993. La structure de base comme objet. pp.37.70.

[4] Rawls Jean, théorie de la justice, op.cit, p.168.

[5] جون رولز، نظرية العدالة كإنصاف ، مرجع مذكور،ص219.

[6] Rawls Jean, théorie de la justice, op.cit, p.169.

[7] Rawls Jean, théorie de la justice, op.cit, p.38.

[8] Rawls Jean, théorie de la justice, op.cit, p.140.

[9] Guillarme Bertrand, Rawls et l’égalité démocratique, édition PUF, Paris, 1999, p.2o5.

 

المصادر والمراجع:

جون رولز، نظرية العدالة كإنصاف ، ترجمة حيدر اسماعيل، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، طبعة أولى، 2009.

Rawls Jean, théorie de la justice, traduit par Catherine Audard, éditions du Seuil, Paris, 1987.

Rawls Jean, justice et démocratie, traduit par Catherine Audard et autres, édition du Seuil, Paris, 1993.

Guillarme Bertrand, Rawls et l’égalité démocratique, édition PUF, Paris, 1999.

 

raed jabarkhadomما يعرف عن الفلسفة عند عامة الناس، انها نظام من الافكار المجردة، والتأمل في عوالم ميتافيزيقية، لا تقترب ولا تعبر عن الواقع ولا عن الحياة اليومية بشيء. والفيلسوف كما هو معروف ايضاً عند العامة، بأنه شخص متعالٍ لا يعرف التحايث ابداً، وانه يسبح في الخيال ويصل حد الغرق والاختناق في حاله هذا، وانه يدور في متاهات وافكار لولبية وحلزونية لا تسمن ولا تغني من جوع. ليس هذا فحسب بل ان التفكير الفلسفي كله من الامور التي لا فائدة منها في حياتنا اليومية والاجتماعية والحياتية، لانها ليست من العلم ولا من الدين ولا من الفن في شيء، وانها ترف فكري توجع الرؤوس، لا تنتج ولا تصنع خبزاً ولا طعاماً ولا دواءاً، فما الداعي لها اذن؟؟؟؟

هذه هي نظرة عامة الناس الى الفلسفة والفيلسوف والفكر الفلسفي، والموقف السلبي من الفلسفة والفلاسفة معروف على مر التاريخ قديماً وحديثاً، سواء من قبل العوام او من قبل بعض المنغلقين الذين ينتمون للمؤسستين الدينية والسياسية، ممن يخافون على مناصبهم او مصالحهم الشخصية من التفكير الحر، ومن النقد والاصلاح والتغيير والتنوير.

والنظرة العلمية والموضوعية لا ترى في الفلسفة والفلاسفة ما يراه هؤلاء من نظرة سيئة وموقف حاد ولا جدوى وجودها، بل ان من الفلاسفة من استطاع ان يحرك الامم ويصنع التاريخ ويبني المجتمعات والدول، ويربي الاجيال ويرسخ الاخلاق، ويدعو للحق والخير والجمال، وهذا ما دعا الفيلسوف الفرنسي ريني ديكارت الى القول بـأن: (الفلسفة وحدها هي التي تميزنا عن الأقوام المتوحشين والهمجيين، وإنما تقاس حضارة الأمة وثقافتها بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها، ولذلك فان اجل نعمة ينعم الله بها على بلدٍ من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين).

فلذلك على البعض ان يعيد النظر في موقفه السلبي من الفلسفة، ومن المؤكد ان هناك دوافع شخصية او ايديولوجية ضيقة تدفع البعض لمحاربة ومعاداة الفكر والفلسفة والتنوير، لان الفلسفة الحقة هي من تصنع الحياة وتحارب الموت، وتنتصر للمعرفة وتعادي الجهل، وتنقد الباطل وتدعو للحق، انها الحقيقة والحكمة والنظام في ابهى صوره، ولذلك علينا ان ننتصر لها ونؤيد دعاتها ونواجه من يحاربها ويرفضها، بالكلمة والبرهان والقول الحسن.

ومدني صالح ( ت 20/7/2007) احد الاسماء المهمة في الفكر الفلسفي والوسط الثقافي العراقي المعاصر، الذي استطاع ان يغير النظرة السلبية تجاه الفلسفة لدى عامة الناس، بأن جعل منها مادة ثقافية وحياتية واجتماعية، تعبر عن معاناة الناس وهمومهم وتناقش قضاياهم اليومية من افراح واتراح، ومن لذة وألم، ومن فقر وغنى.

مدني صالح، استاذ الفلسفة في جامعة بغداد، المفكر والاكاديمي، استطاع بفكره النير وبأسلوبه الادبي الجميل والمميز ان يقترب من الناس اكثر فأكثر، مثلما يقترب من وسطه الجامعي، استطاع ان يكون اقرب للمجتمع والواقع والحياة والناس من خلال مقالاته الصحفية اليومية، في الجرائد والمجلات العراقية والعربية، التي عرض فيها وناقش وعالج للكثير من هموم الانسان ومشكلاته الاجتماعية والسياسية والتعليمية والاقتصادية والثقافية، بأسلوب ادبي ناقد جذاب استهوى الكثير من الناس والمتلقين.

ارى ان مدني صالح كان ينتمي للحظته الزمكانية، ومعبراً عنها خير تعبير في كتاباته الصحفية اليومية، وانشغاله بهموم الناس والفكر والثقافة والادب والفن والحياة، على المستوى المحلي والعربي والعالمي، ومقالاته وكتاباته تشهد على ذلك، ويشهد له ايضاً رواد الوعي والفكر والثقافة بذلك.

كتب عنه عبد الزهرة زكي مقالاً في جريد الصباح بتاريخ 1/8/2013 بعد ان اوضح فيه علاقته بمدني صالح قال فيه : ( ليس من العمل اليسير الكتابة عن مدني صالح، لانه مفكر غارق في الرمزية، ومن خلال متابعتي، كان لدي تصوّر واضح عما اختطه مدني صالح لمقالاته من أسلوب امتاز بجزالة التعبير اللغوي وحريته مع سعي للمزج بين ما هو أدبي وفلسفي وبما جعل من الفلسفة موضوعاً مقروءاً في الصحافة اليومية، وهذا وحده إنجاز ليس باليسير على أي كاتب ينشغل بالفلسفة ويدرّسها. وعبر تلك الأسلوبية ومن خلال تلك الموضوعات نجح مدني في تمرير الكثير من آرائه النقدية، سواء في حقل الثقافة أو في مختلف مجالات الحياة، وذلك برشاقة وخفة دم تخفف جانباً من أية غلواء قرائية متوقعة في تلك الأيام... كان مدني قد أتى على تغير واضح في موضوعاته وحتى في أسلوبه. كانت الحياة تحت الحصار قد حطمت كل شيء، وقبلها كانت حرب 1991 الخاطفة قد فعلت في البلاد والعباد ما لم تفعله حرب الثماني السنوات، ولم تكن كتابة مدني صالح بمنأى عن التغيير. كان حقيقةً هذا هو ما أثار إعجابي في قدرته في الكتابة على الاستجابة لعواصف الأيام، زادت ثقتي بحرية مدني وشجاعته، وهو ينزل بالفلسفة إلى السوق والبقالين والشحاذين والجوع والألم ومرارة العيش وتغير الطباع وتردي القيم اليومية.)

ارى ان مدني صالح قد شعر بمسؤوليته الفكرية والثقافية والعلمية وبثقل رسالته التي يحملها للاخرين، فلذلك وقف وقفةً جادة وصلبة ليعطي رأيه الناقد الصريح والجريء من كل خلل او خطأ شاهده او قرأه او سمعه، على مستوى الواقع التاريخي او الثقافي او السياسي او التربوي او الاجتماعي، ولذلك اعده مفكراً تواصلياً اتصل مع مجتمعه وناسه ولحظته الزمكانية بقوة، كما يمارس درسه الاكاديمي الجامعي وبحثه العلمي بقوة ايضاً. في حين غرق غيره من الاساتذة والباحثين بالبحث العلمي، دون ان يلتفتوا للواقع وللحياة وللناس وان يعطوا للمجتمع مثلما يعطون للجامعة من دروس وحكمة ومعرفة، فلا نهضة بجامعة دون نهوض بمجتمع، ولا تقدم ولا رقي دون الالتفات للناس والمجتمع، ومعرفة همومهم وحاجاتهم الفكرية والثقافية والحياتية. كي لا نكون نحن في وادٍ والمجتمع في وادٍ آخر. وحري بنا ان نقترب اكثر فأكثر من الآخرين وان نقدم كل ما نستطيع فعله من اجل انارة الطريق واصلاح الواقع وبناء المجتمع على افضل حال.      

 

د. رائد جبار كاظم

 

nabe  oda"علامة" من المفكرين الدينيين (لا ضرورة لتحديد هويته الطائفية) رفض مقالاتي الفلسفية بقوله " ان الفلسفة هي ابتكار صليبي استعماري يجب ان لا نعتمدها في فكرنا، لأننا نملك ما هو أهم وأعظم من فلسفة الكفر التي يروجها الصليبيون". رددت عليه : تطورت الفلسفة في بلاد الإغريق قبل ميلاد المسيح ب 600 عام، وقبل ظهور الحملات الصليبية بأكثر من الف وخمسمائة عام. تعاملت الفلسفة الإغريقية مع الظواهر الطبيعة وفسرتها بدل إقامة اله لكل ظاهرة طبيعية، لذلك عرفت باسم "الفلسفة الطبيعية". الفلسفة ليست تيارا دينيا، تعني "حب الحكمة" وليس حب المسيحية او المسيح او الصليبيين. الفلسفة اليوم هي موسوعة التجربة الإنسانية وتطور العقل الإنساني، وهي الحد الفاصل بين العتمة التي عاش بها الإنسان سابقا وبين النور الذي تعيش فيه البشرية اليوم.

هل باستطاعتك أيها العلامة ان تفسر لي كيف تطور الفكر الإنساني؟ ما هي المراحل التي قطعها الفكر في التاريخ البشري؟ هل يمكن الفصل بين تطور الفكر والعلوم، الفيزياء، الرياضيات، علوم الفلك، علوم المجتمع، الانسنة وتطور الفلسفة؟ هل خوفك من الفلسفة هو بسبب ما تطرحه من الأسئلة الأكثر أهمية في حياة الإنسان " هل تخاف من انتشار هذه الأسئلة في محيطك الاجتماعي؟ مثلا تطرح الفلسفة سؤالا هاما ما زال يشغل الفلاسفة والعلماء الذين يتعاملون مع العلوم عن نشوء الأرض، عن تطور الإنسان وليس مثل حضرتك علامة بتفسير الخرافات والغيبيات. الفلسفة تبحث في مسالة كيف خلق الكون. بالنسبة لك هذا السؤال ليس ضروريا، من يسأله يجب جلده مائة جلدة لأنه لم يحفظ ما لقن في المدرسة مع أساتذة مشلولي العقل. هناك أسئلة ممنوع طرحها، التفكير فيها ضلال ما بعده ضلال، مثلا هل الأرض كروية أم مسطحة؟ ام تقف على قرني ثور ام تسبح فوق المياه؟ ما الذي يجعل الأرض سابحة في الفضاء؟ لا ذكر لذلك في التوراة مثلا. كل ما ذكرته التوراة ان الله خلق الأرض؟ كيف خلقها؟ كروية؟ مسطحة؟ بيضوية؟ هل جعلها مركز الكون؟ أم جعلها كوكبا آخر من ملايين او مليارات الكواكب؟ بعضها بحجم الأرض وبعضها أكبر من الأرض؟ هل صنع الله كل ذلك بسبعة أيام ؟ ما دام خلق الله الأرض إذن ارادته المؤكد ان تكون مركز الكون.. فخلق لها النجوم والقمر والشمس التي تدور من حولها؟ نقض هذا الأمر كلف عالم الفلك العظيم الراهب المسيحي كوبرنيكوس حياته لأنه عارض الكنيسة باكتشافه مركزية الشمس وأن الأرض تدور حولها وتدور حول محورها، أي خالف إرادة الله! حتى غاليلو جرى احتجازه حتى موته، بعد ان تراجع شكليا عن مركزية الأرض في الكون، وإلا كانوا سيسلقونه بالماء المغلي لكفره بتعاليم الكنيسة التي كانت تصر ان الأرض هي مركز الكون والشمس هي التي تدور حولها. . تماما كما نسخ عنها الآخرون! من يقول ذلك اليوم سيتهم بالجنون.هناك شيخ مفتي سعودي (الباز) كتب "كتابا عظيما" اسمه "الصقر المنقض على من ادعى كروية الأرض"! لأن الأرض حسب يقينه وعلمه مسطحة مثل عقله والشمس تدور من حولها!!

الحياة البشرية كانت مليئة بالتساؤلات. التفكير لم يتوقف في محاولة متواصلة لإيجاد أجوبة يقبلها العقل.مثلا كيف تغيب الشمس وكيف تشرق؟ هل توجد حياة بعد الموت؟ هل هناك اله واحد أم عشرات الآلهة؟ او لا يوجد اله إطلاقا؟ كيف ينبت الزرع؟ لماذا تتغير الفصول؟ كيف يحدث البرق والرعد؟ هل من اله مسئول عن البرق والرعد؟ عن البحار؟ عن الأسماك؟ عن الزراعة؟ هل زيوس ما زال اله الشمس؟ هل من اله للحرب واله للسلم؟ هل من اله شر واله خير؟ هل من اله للحب؟ هل من اله (او إلهة) للجمال؟ آلاف الأسئلة التي تعتبر اليوم بديهية؟ لكنها كانت أسئلة مصيرية في تطور الإنسان والعقل البشري. تطور الفلسفة الإغريقية الطبيعية قاد الى تخلي الإنسان عن مئات الآلهة .. راجعوا الميثولوجيات الإغريقية والرومانية..

ليس بالصدفة ان من مميزات الفلسفة إدهاش الإنسان بالحقائق، وحتى تصبح فيلسوفا، او عاشقا للفلسفة، يجب ان تندهش من عالم الفلسفة الواسع.

من المؤكد ان الأسئلة الفلسفية تشغل البشر، لكن من يصبحون فلاسفة هم أقلية. هم أولئك الذين يملكون القدرة على التفكير العقلاني والتعمق بالمواضيع والجرأة في اكتشاف الحقائق الجديدة.

الفلسفة الحديثة لم تتوقف أمام ما أنجزته الفلسفات القديمة، بل تواصل بلا كلل تطوير المفاهيم وتوسيع الوعي المعرفي للإنسان.

هناك مسائل تبدو بديهية لا تحاج إلى فلسفة. الواقع ان كل تصرف هو بناء على وعي فلسفي، قد يكون وعيا مضطربا، وقد يكون وعيا على اسس عقلانية او علمية سليمة، مثلا حسام يبحث عن فتاة يحبها وتحبه. هل هي فلسفة أيضا؟

الجواب أجل بدون تردد.

لا أهمية لنجاح حسام أو عدم نجاحه بتحقيق حلمه. بدون فلسفة لا يوجد إنسان، بل دواب تأكل، تجتر، تجامع، تقاتل وتموت بدون هدف إنساني، عندما تكتشف أنها ضُلت أو ضللت، سيكون الوقت متأخرا !!

 

حسام يبحث عن الحب / نبيل عودة

حسام مأزوم.كوابيس الحب عذبته. يبلغ من العمر 23 سنة ولم يعرف حتى الآن فتاة تحبه ويحبها.. الشوق يتفجر في قلبه كلما لمح ظل أنثى.. بات التعرف على فتاة شغله الشاغل، بل كابوس حياته الذي لا يفارقه في نومه أو في يقظته. أخوه التوأم يبدل كل أسبوع صديقة ويختار أخرى جديدة.. دائماً تلفونه الخلوي رنان.. يختلي

في غرفته وترتفع ضحكاته... دائماً يحدثه عن مغامراته، مما يثير الغيرة في نفسه والحسرة في قلبه.

كاد حسام يصاب بالجنون. كلما اقترب من فتاة "تعطيه ظهرها"... تجرأ مرة مع فتاة أعطته ظهرها. قال لها:

- الوجه جميل ولكن الظهر يأخذ العقل.

التفتت إليه غاضبة وصفعته بقوة حيث استمر رنين الصفعة في أذنه ليوم كامل.

كان يخجل من مصارحة أخيه بعجزه للوصول إلى قلب فتاة، وبما انهما توأمان متشابهان بالشكل وكأنهما نقطتا ماء، فكر أن يقترح على أخيه أن يتعرف هو على فتاة، ثم يستبدلان الأدوار، بحيث لا تعرف أنها مع الشق الثاني من التوأم، وليس مع الشخص الذي سبى قلبها.

تردد وخاف من عواقب نظريته الفلسفية للوصول الى فتاة أحلامه... ثم حسم أمره وتردده وخجله واعترف لأخيه بمشكلته في الوصول إلى قلب فتاة واحدة، سيخلص لها كل العمر...

- أنت تعشقها بالكلام وأنا أعشقها بالفعل...

- ما هذا الهراء يا حسام؟ أنا لن أقبل لك هذا الوضع.. أنت لا تختلف عني.. لا ذكاء ولا علماً ولا شطارة..

- أكاد أطق.. لا أعرف كيف أتصرف، وبتُّ أجفل من تلقي صفعة جديدة.

- لا عليك يا أخي.. سأرشدك لأساليب تكفل الوصول لهدفك.. وبعد أول مرة ستجد الطريق مفتوحة مثل الاوتوسترادا السريعة...

- كيف..؟

- إذا التقيت بفتاة ضعيفة الجسم، فعليك الإهتمام بثلاث نقاط أساسية، أولاً امدح نحافتها الرائعة وقدرتها في الحفاظ على جسد متناسق تتمناه عارضات الأزياء... بعد ذلك اسألها عن عائلتها، لتفهم انك جاد لا مجرد مغامر يريدها لنزوة.. ثم اسالها عن عائلتها لتفهم انك جاد ولست مغامرا.. وأخيرا اظهر لها اتساع ثقافتك وأنك كامل العقل، وتفهم الفلسفة!!..اسألها مثلا عن الفلسفة الميتافيزيائية. أما إذا كانت ممتلئة، أو تميل إلى السمنة، فهي بالتأكيد تحب المأكولات الجيدة والدسمة، هذا يعني أن تسألها عن الطعام والمأكولات الفاخرة التي تحبها، مثلاً دجاج محشي، رقبة خروف محشية، قص خروف محشي، محمر، مسخن، مشاوي، وكل ما يخطر على بالك من الأكل الفاخر.. ولا تنسَ بعد ذلك أن تسألها عن عائلتها لتفهم انك تهتم بها وتفكر بها جدياً.. وانهِ اللقاء بالحديث عن الفلسفة لتفهم انك مثقف واسع الاطلاع.. وأعتقد انك أشطر مني في هذا الموضوع. وسترى انك بارع وساحر للجنس اللطيف..

سجل حسام الملاحظات على ورقة ثم دسّها في جيبه ليحفظ تفاصيل الخطط للوصول إلى قلب فتاة أحلامه.

وخرج للصيد...

لمح من بعيد فتاة ضعيفة الجسم، تنطبق عليها المواصفات الأولى..، قرأ ملاحظاته في الورقة وتمتم مردداً: "جسد عارضة أزياء،الماكولات، عائلتها والفلسفة".

اقترب منها. نحافتها شديدة لدرجة أن عظم صدرها يكاد ينجلي. لا بأس.. التغذية ستصلح حالها.. وباشرها بدون مقدمات:

- مرحبا

- مرحبا

- ردت عليه باستغراب.

- هل تحبين أن تكوني عارضة أزياء؟

لم تفهم ما قال، ولم تفهم ما يريده منها.. فلم ترد.

- هل تعيشين مع والديك؟

- والداي توفيا.. وأعيش في ملجأ؟

- هل تحبين مقلوبة الزهرة؟

- لا احبها !!

- هل لك اخوة؟

- لا أخوة لي.

- لو كان لك اخ هل كان سيحب مقلوبة الزهرة؟

نظرت اليه بفراغ صبر وعبست، فسارع يسالها:

- كيف تفسرين القانون الفلسفي "تحول الكم إلى كيف" في حياتك العملية؟

فصفعته صفعة جعلته يشعر أن خده الأيمن انتقل إلى الجهة اليسرى من وجهه، ابتعدت عنه غاضبة تثرثر بشيء لم يسمعه لأن رنين الصفعة المدوية أغلق منافذ اذنيه!!

عاد إلى البيت خائباً باكياً، أخرج كيس ثلج من البراد، لفه بفوطة، ووضعها على خده ليبرد حرارة الصفعة وحرارة الخيبة...

مساء اليوم التالي استعاد ثقته وتصميمه.. وانطلق بقرار مسبق أن يبحث عن فتاة ممتلئة، وحتى لو كانت تميل إلى السمنة..

بحث ووجد ضالته... فتاة في جيله كما يبدو، تجلس أمام طاولة في مقصف وتلتهم البوظة بشراهة واضحة.

اشترى حبة بوظة واقترب منها...

- البوظة رائعة وشهية.. أليس كذلك ؟

التفت إليه ولم تعره اهتماماً... واصلت التهام بوظتها.

- آنستي الرائعة... هل تحبين أكلة أل... أل..

غابت أسماء المأكولات الفاخرة عن ذهنه وكان من المعيب والمهين له أن يخرج ورقة الملاحظات من جيبه أمامها.. وأخيرا، تذكّر ما أعدّته والدته للغذاء اليوم، فعاد يسأل:

- هل تحبين أكلة المجدرة؟

نظرت إليه والبوظة تملأ فمها مما منعها من النطق، ولكن كانت هناك إشارات ضحكة كبيرة بثقت من عينيها.

- المجدرة يا آنستي مع فحل بصل وزيت زيتون، أكلة رائعة، لا شك انك تحبينها.. ها..؟

نجح أن يجعلها تبتسم ابتسامة أكبر.. غير قادرة على بلع البوظة أو الضحك بصوت مرتفع.. خوفاً من التشردق بالبوظة. غمرته السعادة والنشوة انه على الطريق الصحيح.. ها هي تبتسم، بل تضحك سعيدة، وما هي إلا خطوة صغيرة أخرى حتى تكون برفقته في جولة داخل الحديقة القريبة، يتبادلان الحديث عن عائلتها والفلسفة.

- أمي تطبخ مجدرة ممتازة، كل من ذاق مجدرتها يقول أنها أحسن طباخة مجدرة في الحارة. مثلاً جارتنا التحتا تقول أنها أفضل طباخة مجدرة في المدينة كلها، وجارتنا الفوقا تقول أنها أحسن طباخة مجدرة في الدولة كلها، وخالتي التي تسكن بقربنا تقول انها أفضل طباخة مجدرة في العالم، ولكن أمي تقول لهم ببساطة أنها أحسن طباخة مجدرة في هذه الحارة.

ارتفع ضحك الصبية بعد أن التهمت ما تبقى من بوظتها.. وكانت تضحك دون قدرة على التوقف.. وعيناها تدمعان سعادة، وهو منفعل ويسوق الحجج عن شطارة والدته في إعداد المجدرة.. التقطت أنفاسها وسألته وهي تهتز من كثرة الضحك:

- هل تريد أن تحدثني عن شيء آخر أحبه غير المجدرة؟

- هل لديك أخوة ؟

- لي ثلاث اخوات.

- هل يحببن المجدرة..؟

انتابتها نوبة ضحك قوية جديدة، لدرجة أن وجهها احتقن من الضحك الشديد وعدم قدرتها على التقاط أنفاسها. هذا أسعده وأشعره انه سيد الموقف وفارس العشاق.

-وهل يحبان والديك المجدرة؟

لم تستطيع التوقف عن الضحك لترد عليه، تكاد تختنق من الضحك ولا تقوى على التقاط انفاسها، يا له من انجاز عظيم لم يتوقعه بهذه السهولة. قال لنفسه : "حان وقت الفلسفة".

- آنستي الرائعة.. هل تعرفين الفرق بين ديالكتيك هيغل وديالكتيك ماركس؟

انفجرت بنوبة ضحك أخرى غير متوقعة لسؤال فلسفي بكلمات معقدة لم تسمعها بحياتها. خبطت بيديها على الطاولة وهي في نوبة ضحكها ملفتة نظر جميع رواد المقصف.. كانت تحاول أن تقول شيئاً لمن يجلسون على الطاولة المجاورة.. ولكن الضحك الشديد يمنعها، وعندما هدأ ضحكها بعض الشيء، التفتت للطاولة القريبة ونادت أحدهم:

- سعيد.. تعال ابعد هذا المجنون عني.

الحمد لله.. عاد إلى البيت هذه المرة بدون صفعة!!

 

zouhair khouildi"أنا أبحث في تحليلي للمعاناة عن مفتاح لكي أقاوم"1[1]

ما هو التحدي الذي رفعه أنطونيو نيغري بالاعتماد على ماركس؟ ضد من؟ ولماذا حمل الإمبراطورية مسؤولية التصحر؟ وكيف تعولم الاستغلال والتفقير؟ ما سبب الفقر؟ ولماذا يوجد فقراء وأغنياء؟ وألا من سياسة حيوية تعالج آفة العوز المادي؟ وهل يمكن القضاء على الفقر؟ وأين تتم المقاومة؟ وبماذا؟ وما الطريق المؤدي إلى قيمة مضافة من الوجود؟ أي دور للحشود في بناء إمبراطورية مضادة؟

يبدو أن أزمة الوضع الاقتصادي حسب أنطونيو نيغري قد حدثت في المجال العملي وحقل الممارسة ونتجت عن صعوبة التأليف بين نظريات تدعي الدقة والموضوعية وتجارب ترتكز على التخمين والافتراضات. لقد اتجه تحليله نحو الأشكال الإنتاجية السابقة على الرأسمالية (الإقطاعية والعبودية) وما تمثله من عراقيل أمام التحديث والتطوير في مستوى علاقات الإنتاج ، وبعد ذلك تناول مسألة الانسيابية والتدفق في حلقات التصنيع والإنتاج والتبادل والتوزيع والاستهلاك والاستعمال للسلع والمنافع والقيم التبادلية. كما بحث عن شروط الإنتاج في الرأسمال الاجتماعي وعالج مسألة لاإنسانية الوضع الإنساني وتصور وضعيات مادية تعتمد على تثوير الحياة الاقتصادية الاشتراكية تعتمد على ماركس وتذهب إلى ما بعده. لقد أعاد نيغري قراءة النظرية الماركسية بالمرور برؤى واجتهادات ماكيفلي وسبينوزا ونيتشه ودولوز وفوكو حول علاقة المعرفة بالسلطة. وفي ذلك يصرح:" ما يوفره ماركس هو غذاء خارق للعادة يبعث في الحماسة والسعادة مثلما يحدث للنحل عندما يلامس الورود ... وان الطريق الذي نؤثره هو الذهاب إلى ماوراء ماركس"2[2] .

لقد حمّل نيغري مسؤولية الأزمة التي يعاني منها العالم المعاصر لامبراطورية العولمة بوصفها إرادة غازية تفرض نمطا معينا من الإنتاج وتقسيما عالميا للعمل يسببان مخاطر جمة على اقتصاديات البلدان الضعيفة مثل الارتهان والمديونية والاحتكار والتطور المتكافىء وتدمير طرق الإنتاج التقليدية وإلزامية الإلحاق والشراكة مع مؤسسات وأسواق الاقتصاد العالمي. لقد قام نيغري بتحليل العُملة (النقود) وحدد أزمة القيمة التبادلية وبين كيفية تشكل القيمة المضافة في الرأسمال الاجتماعي وكشف عن الشروط الذاتية والموضوعية للإنتاج وما يخلفه تدفق رؤوس الأموال وقانون التبادل من استغلال واحتدام الصراع بين الطبقات. والحق أن تداعيات الأزمة تكمن في توتر العلاقة بين القدرة الإنتاجية للمجتمع وبحث الدولة الدائم عن شرعنة كل أشكال الإنتاج المتخلفة عن الركب والموازية ورغبتها في تكوين سلطة تضمن الاستقرار الداخلي وتحمي الملكية والثروات وتتعاون مع الاقتصاد العالمي في الخارج3[3].

لكن ماهي استتباعات الأزمة الاقتصادية على الوضع الإنساني؟ وماهي مظاهر التفقير الممنهج الذي يتعرض له الناس زمن الإمبراطورية؟ وأي طرق يعتمدها للمواجهة؟

في الواقع الفقر ليست طبيعة ثابتة ولا قدر محتوم بل هو وضع اقتصادي سلبي يمر به الكائن الاجتماعي في مرحلة تاريخية معينة ناتج عن بنية إنتاجية رأسمالية ويسببه احتلال موقع دوني في العملية الإنتاجية.

غير أن المؤلم أن يتحول الفقر إلى صورة حية ودائمة من الحياة المشتركة لفئات واسعة من المجتمع وأن يصبح التفقير سياسة اقتصادية مقصودة تهدف إلى مراكمة الثروة وتحقيق المزيد من الأرباح. في هذا الإطار يقول نيغري: " الفقير بلا موارد ومنبوذ ومسحوق ومستغل ولكنه حي... هذا الاسم المشترك – الفقير – هو أيضا الأساس لكل إمكانية للإنسانية"4[4]. في الواقع المعولم يمثل الفقير شخصا خاضعا ومستغلا ولكنه يظل رقما صعبا في المعادلة الرأسمالية بما أنه يظل على الأقل شكلا للإنتاج.

الإشكالي هو وجود ثروة عالمية وفقر معولم وأن طبقة العمال هي حشود تمتلك ذاتا جماعية قادرة على التعبير عن نفسها بشكل مادي ومحايث من خلال الإنتاج وتفتح لنفسها أفق تحرر وقادرة على استعادة إنسانيتها بشكل ملموس بما لأنها تمثل حلقة من العملية الإنتاجية بينما الفقراء لا يمثلون قوة عمل ولا ينتمون إلى العلاقات الإنتاجية بل هم مستبعدون ومرميون في الخارج حيث الفراغ والبطالة.

لكن كيف سيتم تحريرهم؟ وهل لهم القدرة على إدماج أنفسهم وهم لا يملكون الثروة ولا يعملون؟ كيف يتشكل الرأسمال الاجتماعي والشكل الجماعي للإنتاج غير الرأسمالي؟ من المسؤول عن انتشار الفقر؟ هل سياسة الدولة الطبقية أم التقسيم العالمي للعمل وعولمة الفقر من طرف الإمبراطورية الرأسمالية؟

إن ايديولوجيا السوق العالمية تقوم على الاختراق والتفكيك والتدمير من جهة وعلى الاستقطاب والإلحاق والتبعية من جهة ثانية ويترتب عن ذلك القضاء على سيادة الدولة الأمة وإضعاف الاقتصاد المحلي في سبيل ضمان حرية التجارة الدولية وتشجيع الاستثمار وتوسيع دوائر السوق العالمية. لقد سعت الرأسمالية منذ ظهورها إلى بناء نظام عالمي لكن الجديد هو عولمة هذا النظام اللاإنساني بطريقة فوقية ومسقطة وتصديرها لأزماتها وحروبها إلى المجتمعات المتماسكة والدولة المحققة لاكتفائها الذاتي وإحداث تغييرات عنيفة في نسيجها الثقافي والاجتماعي وتدمير بُنَى الإنتاج ومحاولة إلحاقها بحلقات الاقتصاد العالمي ودفعها بالقوة إلى انتهاج سياسة اقتصاد السوق والملكية الخاصة وإجبارها على فتح أسواقها أمام حرية تدفق البضائع والمبادلات الجمركية. لقد تحول العالم إلى كل عضوي يتحكم فيه رأسمال ومنظم بصورة اقتصادية وتم تكوين المؤسسات القانونية والسياسية والثقافية التي تضفي المشروعية على هذا النهج الإمبراطوري بل وضعت إدارة تنظيمية عقلانية على ذمة المجتمع الدولي.

"إن عولمة الإنتاج الرأسمالي والسوق هي وضعية جديدة بشكل جوهري ومنعطف تاريخي"5[5]، ولعل نتيجة هذه العولمة المتوحشة هو التفقير وظهور استعمار جديد وسيادة نيوكليانية حيث تمارس إمبراطوريات شركات متعددة الجنسيات اكتساحا للمعمور من الكوكب وتنتهك الإنسان والحياة والبيئة. لقد تعرض الكون لأول مرة إلى اجتياح من طرف السوق وسيطرة عملة واحدة وأنظمة اتصال حديثة وثورة رقمية هوجاء وبلغت الامبريالية أقصى مراحلها فتكا وزادت من الوضعيات البائسة التي مرت بها البشرية وخلقت حاجيات استهلاكية غير قابلة للإشباع وبطالة وفقر وسلعنة للحياة واغتراب.

بيد أن " الفقير هو إمكانية كل إنتاج"6[6] ويمثل مشروع تحرر ووقود الثورة ومفجرها وذلك لانفلاته من كل رقابة واستقلاليته عن آليات الدمج والاستغلال ووجوده خارج القانون الرأسمالي وامتلاكه لسلطة نفسه وليس له ما يخسره في عملية القيام الاجتماعي سوى أغلاله وسيأتي اليوم العظيم الذي تقوم فيه حشود الفقراء بالثورة ضد التمييز والازدراء وتطالب بالإدماج داخل نظام الإنتاج وتغيير الأوضاع. في ذلك اليوم العظيم سيحتل الفقراء وسط الدائرة ومركز الفعل السياسي والإنتاجي وتظهر حياتهم قدر كافي من الإنتاجية الإبداعية. " لقد أتت اللحظة التي تسمح لنا أن نفهم إن كان استمرار الأزمة يمنع من تركيز المبدأ الجذري للوجود بطريقة أكثر صلابة"7[7].

من هذا المنظور يكون المخرج من الأزمة هو الاعتماد على فعل سياسي يستمد مشروعيته من السلطة المكونة من الرأسمال الاجتماعي وفائض القيمة التي ينتجها التعارض الذاتي بين المتنافسين على الإنتاج. إن مصير تحقيق العدالة والحرية متوقف على قدرة الحشود على ترجمة قوتهم إلى فعل وحركة وان الطبقة الثورية هي ضرورة أنطولوجية لأنها القادرة على بعث الحياة في العدم وكسب تجربة الانعتاق بتكوين القدرة على محبة الزمان وإنتاج السعادة وسياسة الحياة. علاوة على ذلك يراهن نيغري على قيمة العمل باعتباره أهم الميكانيزمات المتاحة لتحطيم الأشكال الإنتاجية التقليدية وتطوير البنى التحتية وخلق وإبداع بنى جديدة. ويستمد العمل قيمته من القدرات الذاتية المشتركة لعمال وحرصهم على تكوين شبكات قوة وبؤر مقاومة للهيمنة والسيطرة من قبل شركات الاحتكار والنفوذ. وفي هذا الصدد يدعو نيغري إلى حسن استثمار الألم أنطولوجيا والتعامل معه كتراجيديا إبداعية ويبرر ذلك بكون القوة الكامنة في العمال ليست فقط مصدر تحرر بل تمثل وعيا تراجيديا يحول الألم إلى فرح ولعب بالوجود وسخرية وتهكم على المستغلين وقدرة على الولادة والمبادأة. وبالتالي " يُكَوِن العمل الحي العالمَ وينمذجه وفق المواد التي يلمسها ويعيد إبداعه بطريقة جديدة ... ويصبح سلطة مُكوِنة "8[8].

تبعا لذلك ينادي نيغري بضرورة تطوير الماركسية بحيث تجعل الذاتية هي الواقعة المتقدمة في سلسلة الشروط المحفزة على إعادة بناء الوضع الاقتصادي وتخطي الواقع الإنتاجي في حركة جدلية قائمة على التعارض بين الوعي بحلول الكارثة وتثمين الفقراء لذواتهم وعزمهم على النقد الجذري لمأساتهم والقيام بثورة من تحتrévolution d’en bas ورفض هم لكل محاولة التفافية تنظر لإمكانية ثورة من فوق révolutionn d’en haut. من هذا المنظور ينبغي إعادة الذاتية إلى الطبقة العاملة بعد أن هيمنت عليها موضوعية النظرية الاقتصادية وذلك لكي تتمكن من تنظيم قواها وامتلاك الذكاء الضروري للإبداع وترجمة الحركة الواقعية في حركة ثورية. ربما المدخل الذي يتبعه نيغري هو نقد تدفق العُملة من أجل نقد تمركز السلطة ونقد القيمة التبادلية من أجل الكشف عن الأزمة التي يعاني منها الوضع الاقتصادي المعاصر وتحولت إلى كارثة إنسانية فقرت الوجود وقضت على إمكانية قيام سياسة عادلة للحياة تقوم بتوزيع الحقوق والحريات بالتساوي. على هذا النحو يراهن نيغري على ذاتية المنتج العامل بوصفه الفاعل الأبرز والحلقة القوية في العملية الإنتاجية ومدار النجاح والفشل ومقياس التقدم والتأخر في كل وضع اقتصادي ويدعوه إلى تحرير نفسه وتحرير المجتمع وتحويل الرأسمال الاجتماعي إلى قيمة إنتاجية واشتراكية حقيقية ومادية ثورية9[9]. هكذا تبدو المقاومة ضرورية عند نيغري لمواجهة العولمة المتوحشة وطاقتها التدميرية على الشعوب والدول المفقرة وذلك ليس تحسين الأوضاع المادية وتجميل المشهد وإنما لخلق أوضاع إنسانية تسمح للكائن البشري بالمكوث والتفتح وتحقيق أصالة الذات الثورية في الحشود.

من هذا المنطلق يقترح نيغري إقامة اقتصاد إنساني وسياسة حيوية ويثمن البعد الاجتماعي ويدعو إلى رفض أشكال الرقابة والاستغلال والاحتكار والجريمة والتهريب لكونها من الشروط المفضية للتفقير والازدراء والقمع ويقترح تنظم الحشود ذاتيا في شبكات مقاومة على شكل ريزومات وتكوين إمبراطورية مضادة تتكون من جمعيات المجتمع المدني وتشجع على الاقتصاد المحلي وتبني أشكال متنوعة من الإنتاج والتبادل والتوزيع وتدعو إلى الزهد في استهلاك الموارد والمنافع وتدافع على حق المواطنة العالمية. لكن كيف لأفعال الحشود أن تصبح ثورة سياسية مناهضة للممارسات الامبريالية ؟

يصبح فعل الحشود سياسيا إذا ما بدأ في مواجهة مباشرة وواعية للعمليات العدوانية التي تقوم بها العولمة مثل التقسيم والتمييز والتفقير ويتحول حق المواطنة العالمية بوصفه المطلب الأول الذي يضمن حرية للجسم وحق للضمير وراتب اجتماعي لكل عامل وامتلاك العامل لذاتيته المنتجة ويمنح المجتمع بديلا تنمويا ملائما ويكثف من التجميع بدل التجزئة ويزيد من التكتلات بدل مشاعر التفرقة. فهل يستطيع الحشود اقامة الامبراطورية المضادة عن طريق فعل المقاومة والصمود والانخراط في الثورة الجذرية الدائمة؟

 

د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

............

الاحالات والهوامش:

[1] Negri Antonio, Job, la force de l’esclave, p.202.

[2] Negri Antonio, Marx et au delà de Marx, p.47.

[3] Negri Antonio, le pouvoir constituant, p.399.

[4] Negri Antonio, Empire, p.202.

[5] Negri Antonio, Empire, p.31

[6] Negri Antonio, Empire, p.204

[7] Negri Antonio, le pouvoir constituant, p.411

[8] Negri Antonio, le pouvoir constituant, pp.428-429

[9] Negri Antonio,Job, la force de l’esclave, p.175-177

 

المصادر والمراجع:

Negri Antonio, Job, la force de l’esclave, édition Bayard, Paris, 2002.

Negri Antonio, le pouvoir constituant, essai sur les alternatives de la modernité, édition PUF, Paris, 1997.

Negri Antonio, Marx, au-delà de Marx, édition l’Harmattan, Paris, 1996.

Negri Antonio et Hardt Michael, Empire, Exils éditeur, paris, 2000.

 

الإمبراطورية: إمبراطورية العولمة الجديدة - مايكل هاردت وأنطونيو نيغري، ترجمة فاضل جتكر، مكتبة العبيكان، السعودية ، الطبعة الأولى، 2002،

 

علم الطريقة هو علم يدرس مناهج الفكر، ومنها مناهج الفهم الديني، ويوضح العلاقة فيما بينها وبين تأسيساتها القبلية، ومن ثم بين هذه التأسيسات وبين الفكر. فهو يمارس التفكير في المنهج لا بالمنهج، ويقوم برصد الممارسة المعرفية من الخارج، عبر تحديد ما تستند إليه من الأسس والقواعد والأدوات المنهجية. كما يتضمن الجمع بين الهرمنوطيقا والإبستمولوجيا.

وترتبط بهذا العلم قواعد ومقولات كثيرة استخلصناها من كتابنا (علم الطريقة)، ويمكن ادراجها كالتالي:

* إن الهوة الفاصلة بين الهرمنوطيقا والابستمولوجيا يجسّرها علم الطريقة، صعوداً ونزولاً، بإخضاع أحدهما للآخر. فهو جسر العبور من الأول إلى الثاني وبالعكس.

* إن البحث الطريقي هو علم لدراسة اللاهوت رغم كونه ليس من العلوم اللاهوتية.

* كل علم فيه ما هو أساس مفترض، كما فيه ما هو خاضع للخيار وقابل للنقاش والأخذ والرد.

* إن هوية كل علم تستمد من أمرين متلازمين هما الموضوع والكشف المعرفي.

* إن كل علم هو الذي يحدد شروط ما سيأتي من منطق. وإن كل منطق يحدد بدوره شروط ما يُعتمَد عليه من علم. فالبداية التاريخية للعلم هي ليست ذات بدايته المنطقية. فتاريخ أي علم يبدأ بغير ما يراد له البدء به فيما بعد، أي يبدأ خارج حدود المقتضيات المنطقية.

* إذا كان التحليل البراني للمعرفة يمكنه أن يحدد لنا بدايتها التاريخية، فإن التحليل الجواني كفيل بتحديد بدايتها المنطقية.

* تمتلك كل قضية معرفية متعلقة بالشيء الخارجي جانبين متحدين ومختلفين، أحدهما معرفي إبستيمي لا علاقة له بالشيء، والآخر موضوعي لكونه يضفي على الشيء نوعاً من المصداقية الموضوعية.

* العقل عقلان: طريقي ومضموني؛ تربطهما علاقة عدم استغناء أحدهما عن الآخر.

* اليقين على قسمين: مستقل، ومشروط يتوقف التصديق به على إفتراض آخر.

* يتعذر على كل علم موضوعي أن يتحقق من غير الممارسة الإجتهادية. فالإجتهاد متضمن في آلية التحقق ذاتها، وهو المبرر الموضوعي للتعددية.

* يمتلك الانسداد العلمي لدى العلماء مبررات موضوعية، فيما يمتلك لدى عامة الناس مبررات ذاتية؛ بسبب القصور المعرفي.

* كل فكر منقسم إلى (فكر في ذاته) و (فكر متحقق)، والأخير يضيف إلى الأول إعتبارات عارضة يتجدد من خلالها الفكر ويتنوع.

* كل فكر يحمل مصادر ذاتية ثابتة تشكل خصوصية الفكر المعني وبدونها ينتفي، وأخرى عارضة ليس لها تلك الخصوصية من الذاتية والثبات، لكنها قد تلعب الدور الأهم في الممارسة المعرفية.

* كل نشاط معرفي يقتضي وجود ما يخصه من موضوع. فالفهم الديني يقتضي وجود النص، مثلما يقتضي علم الطبيعة وجودها.. وهكذا.

* لا يتعامل الذهن مع الأشياء في ذاتها مباشرة ما لم تكن من العلوم الحضورية التي يحضر فيها الشيء بنفسه.

* إن كل عملية استدلال هي إتصال غير مباشر بالشيء المستدل عليه.

* إن مبدأ عدم التناقض هو شرط منطقي ليس له علاقة بالكشف المعرفي.

* إن أغلب النشاط المعرفي اللاشعوري هو من النوع المنطقي المنظم القائم وفق قواعد عامة مشتركة نفكّر بها وإن لم نفكّر فيها.

* لا سبيل للتعرف على الشيء الخارجي من غير أدوات الذات البشرية وقبلياتها وإعتباراتها.

* النص شيء وفهمه شيء آخر. وهي المسلمة الأساسية لعلم الطريقة في مجال الفهم الديني. وإن الفارق بين النص وفهمه، هو كالفارق بين الطبيعة وعلمها.

* إن النص في ذاته هو خارج حدود المنال الذهني.

* إن النص إذا أخذ بما هو هو، أو هو في ذاته، فسيظل مجهولاً وشبه معدوم لا يشم رائحة الإدراك والمعرفة.

* لا يظهر النص لذاتنا ما لم يتنور بنور المعرفة.

* إن النص لذاتنا لا يطابق بالضرورة النص في ذاته.

* إن الفهم هو نتاج مشترك لكل من النص وذات القارئ.

* إن الفهم هو نتاج التفاعل بين النص والقبليات، ووجوده مستمد من وجودهما من دون عكس. وهو الحال الذي ينطبق على سائر المعارف الموضوعية.

* إن قوانين الفهم تتيح لنا التفكير بها وإن لم نفكّر فيها.

* لولا الاختلاف الحاصل بين الألفاظ ما كان للفهم ان يتشكل.

* إن المنهج هو الذي يحدد الفهم الديني وسائر النشاطات المعرفية لا العكس، وإن علم الطريقة هو من يمارس التفكير في المنهج لا بالمنهج.

* لو جعلنا المذهب أساس العلم؛ لسقطنا بالفكر الآيديولوجي وضياع الحقيقة. أما لو عكسنا المسألة وجعلنا العلم أساس المذهب، والمنهج أساس التكوين العلمي، فسيدلنا ذلك على الحقيقة والبناء المعرفي الصحيح.

* إن للتراث الإسلامي تعددية تداخلية تتيح للبحث المنهجي أن يؤدي وظيفته دون الوقوع في براثن المذهبية والإسقاطات الآيديولوجية.

* إن التعارض الواسع بين المذاهب الإسلامية؛ يخفي تحته وحدات ثابتة بنيوية هي التي تشكّل موضع الإرتكاز المشترك للبحث الطريقي.

* إن البنية التحتية العميقة للفكر هي شرط إمكان المعرفة وإن لم يعِها الباحث أو يفكر فيها.

* إن البناء الفوقي للفكر بكافة مظاهره وأشكاله قائم على البناء التحتي. وإن الفهم بتجلياته المختلفة رهين للفهم المتجذر تحتياً.

* ينقسم الفكر، ومنه الفهم الديني، إلى بنى تحتية عميقة وأخرى سطحية قائمة عليها، وبينهما حلقات من البنيات الوسطية.

* إن العلم الدقيق هو ذلك الذي يتدرج من البنية التحتية العميقة إلى السطحية مروراً بالبنيات الوسطية.

* إن أول المبادئ التي ينبغي اتخاذها للتحقيق في الفهم الديني هو مبدأ المراجعة المتواصلة، بعيداً عن الإعتبارات المذهبية والآيديولوجية.

* إن ما هو شرط أو حجة في علم قد لا يكون شرطاً أو حجة في علم آخر.

* كل شرط لاهوتي يتوقف على الفهم ذاته وإلا أفضى الحال إلى الدور.

* لا يتأسس التعبد ما لم يثبت الفهم، ومن ثم يتعذر أن يضاد الأخير بالأول، وانما بفهم مثله.

* لا معنى لمطالبة علم الكلام للمكلّف بالنظر والشك ثم تقييد اختياره بنتيجة محددة سلفاً.

* يتعذر نشوء معرفة حصولية من غير تأسيس للنظر القبلي وأدواته. وبقدر ما يختلف التأسيس والأدوات؛ بقدر ما تتباين طرق المعرفة وأجهزتها.

* لا توجد رؤية معرفية من غير أداة تعمل على توليدها، فالعلاقة بينهما هي علاقة إنتاج وتوليد.

* لا يوجد منهج خالص في الممارسة المعرفية.. فكل منهج معرّض للزيادة والنقصان.

* لا يمكن بناء منهج جامع مانع من غير ان يتداخل معه منهج آخر أو أكثر. فالمنهج الأحادي في الفهم والعلم وسائر المعارف الموضوعية محال.

* لا تخلو كل معرفة من عاملين مؤثرين: التفكير العقلي العام والموضوع المبحوث.

* لا تخلو أي ممارسة معرفية من أن تشترك في صنعها وتركيبها مرتكزات ثلاثة، هي المصدر المعرفي والأداة المنهجية والأصل المولّد.

* تُشكّل الأصول المولدة مرجعيات معرفية يُستند إليها في كل فهم ومعرفة وتوليد.

* تسمح لنا معرفة الأصل المولّد بإدراك روح الجهاز المعرفي وطبيعة ممارساته الاستدلالية وربما مضامينه الكامنة أو المستنتجة عنه.

* إن الأصل المولّد هو مصدر التشريع والعقل المنتج في الثقافة والفكر للجهاز المعرفي.

* من المحال على المعرفة الموضوعية أن تتشكل من غير جهاز معرفي لحاجتها لكل من المصدر والأداة والقبليات، ولا فرق في ذلك بين المعرفة العلمية وغيرها.

* إن الفهم مدين للأدوات والأصول المولدة، وهي من القبليات التي تتضمنها القنوات والأجهزة الفكرية المختلفة.

* لكل دائرة معرفية قواعدها الخاصة للفهم، وهي على نوعين: صغرى وكبرى.

* تتحدد قواعد الفهم الصغرى والنظريات وفقاً للقواعد الكبرى. وتعتبر الأخيرة أصولاً مولدة لدى الجهاز المعرفي.

* إن أي جزء من النظام المعرفي لا يُفهم إلا بإناطته بالكل الذي ينتمي إليه ذاتياً، نظراً لوجود بعض المعارف القادرة على التوليد والإنتاج المعرفي.

* كلما ظهرت صلات محكمة وثيقة بين ثنايا المنظومة المعرفية؛ كلما دلّ ذلك على قوة النظام الهندسي (الأكسيومي)، والعكس بالعكس.

* إن الذاتي هو ما يحدد الموضوعي من دون عكس، إذ يتوقف الحال على الإرادة الذهنية المتعلقة بما هو ذاتي مباشرة، مما يصدق على القبليات دون الشيء الخارجي، ومثله النص.

* عندما يُعرض الموضوع على الذات البشرية يكون له وجه من الحقائق المنكشفة بفعل قبليات القرائن الإستقرائية، مثلما له وجه آخر يتلبس بمختلف قبليات الذات الكاشفة.

* في الموضوع الخام، هناك حقيقة عامة تشهد عليها قرائن كثيرة تجعلها ظاهرة «بنفسها» دون جهد إدراك، فهي محل انصات لما تنطق به من حقائق بلا حاجة لاستنطاقنا لها، سواء كان الموضوع الخام واقعاً أو وجوداً أو نصاً أو عقلاً.

* قد يشكّل الاستفتاء وممارسة الفهم حجاباً عن العلم إن لم يتم التعرف على طرق الفهم والتفكير التي يتناولها علم الطريقة بالبحث والتحليل.

* ليس المهم ان يتلقى الفرد المعلومة، بل الأهم أن يتعلم كيف يفكر لاصطيادها.

* يسمح جهازنا الصوري بالتقاط الصور التي تتفق وخبراتنا الماضية، فهو يتقبل الصور المتوقعة دون غيرها، وبذلك تكون رؤيته للعالم تأويلية.

* تفرض القبليات الصورية أوهاماً صورية تضاف إلى الأوهام الأربعة المعروفة لدى فرانسيس بيكون، وهي على صنفين: ثابتة أصيلة وطارئة خلّاقة.

* لا تمثل المعرفة الصورية قضايا معينة، إلا أنها أساس تكوينها.

* تفقد المعرفة الصورية عيانيتها ومباشرتها عندما تتحول إلى قضايا معرفية.

* إذا كان وجود الشيء متقدم على صورته من حيث الثبوت؛ فإن العكس هو الصحيح من حيث الإثبات.

* إن الفكر سابق للكلام، والكلام سابق للنص، وإن الأولين غريزيين فطريين خلافاً للأخير المتصف بالتصنع والتكلف.

* الفكر علة الخطاب، والخطاب علة النص.

* يتقدم الخطاب على النص نفسياً ووجودياً وانثروبياً.

* يعتبر النص جزءاً من الخطاب، لذا جاز الأخير أن يتحول إلى نص من دون عكس.

* يتميز الخطاب بالغنى مقارنة بالنص، لتفرّد الأول بالدلالات غير اللغوية في إفهام السامع.

* يتميز النص عن الخطاب بالإنفتاح على القرّاء والأجيال مع ثراء التأويل بلا حدود.

* إن التفاسير الفيزيائية هي أشبه بتأويلات النص المختلفة، فكل تفسير هو تأويل، وكل تأويل يقابله آخر، ويمكن تفسير أي شيء بتأويلات مختلفة.

* إن بحوث الفهم ثلاثة: إستنباطي وتاريخي وطريقي، وجميعها يقتضي وجود النص من غير عكس.

* يتعلق البحث الإستنباطي بالبنية السطحية للفهم الديني، فيما يتعلق البحث الطريقي ببنيته التحتية العميقة.

* يتقوم البحث الإستنباطي بقواعد صغرى تتأسس على قواعد كبرى هي التي تشكل موضع البحث الطريقي.

* إن البحث الطريقي من غير البحث التاريخي هو بحث أجوف لا معنى له.

* إن القبليات هي شرط وجودي لإمكان الفهم والتفكير.

* لولا القبليات ما كان بالامكان ان نعرف شيئاً ولا أن نفهم نصاً.

* لا تقوم للإدراك قائمة من غير قبليات، ولا تتأسس المعرفة التصديقية بدونها، كما أن المنهج المحض يعجز عن إيضاح كيف تبنى المعرفة من دونها. وكل ذلك ينطبق على مختلف العلوم والمعارف ومنها الفهم الديني.

* إن القبليات هي ما تتيح لنا الفهم والتفكير حتى وإن لم نتعقلها، فنفكّر بها وإن لم نفكّر فيها.

* إن القبليات هي صلب الموضوع الذي يعالجه علم الطريقة بالبحث والتحقيق.

* لا تنحصر القبليات في القضايا العقلية الصرفة، خلاف ما يراه الفلاسفة لدى أبحاثهم الإبستمولوجية إزاء فلسفة الوجود العام.

* ليس هناك فهم أو علم أو معرفة إلا ويتأسس على القبليات المنضبطة، وهو ما يميزها عن غير المنضبطة.

* قد تكون القبليات بالنسبة لقضايا معينة بعديات لقضايا أخرى مختلفة، والعكس بالعكس. فما هو قبلي هنا بعدي هناك وبالعكس.

* يمكن للبعدي أن يؤثر في القبلي ويعمل على تغييره طالما إنه غير مستقر أو ثابت بذاته.

* كل ما يتأسس على الفهم من إنتاج توليد هو بفضل القبليات.

* تجمع القبليات المطلقة صفتين عجيبتين لا غنى عنهما، فهي أساسية دون أن ترتد إلى ما لا نهاية، وهي واضحة بذاتها دون حاجة للإيضاح.

* كلما كان تأثير القبليات المشتركة كبيراً؛ كلما ازداد الفهم العلمي دقة، والعكس بالعكس.

* لا يمكن للمعرفة أن تتحرر كلياً من تأثير القبليات غير المنضبطة، فإذا كان من الممكن تجنبها هنا أو هناك؛ فإن من المحال تجنبها على طول الخط.

* كلما كانت المعرفة – ومنها الفهم - متأثرة بالعامل النفسي أو المزاجي؛ كلما كانت عائدة إلى القبليات غير المنضبطة.

* كلما أوغلت المعرفة – ومنها الفهم - في التفصيل؛ كلما إزدادت تأثراً بالقبليات غير المنضبطة، ومثل ذلك العلوم والمعارف.

كلما كان تأثير القبليات غير المنضبطة على المعرفة كبيراً؛ كلما اختلّت هذه المعرفة، والعكس بالعكس.

* تتأثر القبليات غير المنضبطة بالآيديولوجيات المؤسسة، في حين تتأثر القبليات المنضبطة بالآيديولوجيات الموظفة لا المؤسسة.

* تتناسب الآيديولوجيا مع النقد الذاتي تناسباً عكسياً، فهي تغيب مع حضور النقد وتحضر مع غيابه.

* إن العلاقة بين الآيديولوجيا التأسيسية والإتساق المعرفي متعاكسة، فكلما قوي أحدهما ضعف الآخر.

* للنص ثلاثة عناصر: لفظ وسياق ومجال، ويترتب عليها ظهوران: لفظي ومجالي، كما يترتب عليها ثلاثة أنماط للقراءة هي: الإستظهار والإستبطان والتأويل.

* عندما يدخل النص في حيز المعرفة يتحول إلى إشارة، ومن بعد ذلك إلى إيضاح وتفسير.

* يبدأ الفهم بالمجال، ثم الإشارة المجملة، وبعد ذلك الفهم المفصل عبر الإيضاح والتفسير.

* إن أول فعل ينشأ في القراءة هو فعل الظهور المجالي.

* لا يمكن فصل القراءة عن القبليات المعرفية مطلقاً.

* ليس هناك فهم إيضاحي من غير إشاري، لكن العكس غير صحيح.

* ليس كل ما يقبل من حيث الإشارة يقبل من حيث الإيضاح، فذلك يعود إلى اختلاف ما عليه القبليات، لا سيما قبليات النُظم المعرفية.

* تتصف قبليات الفهم الإيضاحي بأنها مضاعفة مقارنة بالفهم الإشاري.

* إن للنظام المعرفي دوراً مميزاً في تحديد الظهور اللفظي.

* في الفهم يتوقف الحكم لدى القبليات التصديقية على الإرادة التصورية للذهن خلافاً لما يجري في الظهور المعنوي للنص.

* تختزن اللغة تصوراً منظومياً للعالم، وهي بهذا تحمل رؤية تأويلية تختلف من مجتمع لآخر، بل ومن فرد لآخر أيضاً، وكل ذلك ينعكس على فهم النص.

* للنص مستويان من المساحة: أفقي تستهدفه القراءة الابستمولوجية، وعمودي ترصده القراءة الهرمنوطيقية.

* يعتمد التقارب بين الفهم والنص على القرائن الإحتمالية للنص، فكلما زادت هذه القرائن؛ كلما قوي إحتمال التقارب، والعكس بالعكس.

* تتناسب زيادة القبليات عكسياً مع إحتمالات الكشف عن حقيقة النص غالباً، فكلما ازدادت الأولى تضاءلت الثانية، والعكس بالعكس.

* كلما كثُر غموض النص؛ كلما ازداد عرضة للقراءات والتأويلات والإسقاطات الذاتية.

* كلما كثُر التردد في إمكانات تشخيص معاني النصوص؛ كلما زاد استبعاد أيٍّ منها.

* للغة المجازية فضل في إظهار قابليات العقل غير المحدودة.، ولولاها لكانت المعاني لا تفارق الحس.

* مثلما هناك تبادر أولي مباشر لمعنى النص، وهو المتأثر بثقافتنا العصرية والتقليدية، فهناك تبادر آخر تحقيقي يعتمد على فحص النص لغوياً وخارجياً وفق السياق التاريخي.

* إن الفهم هو نتاج تحكم الكل في الجزء من دون عكس.

* منطقياً لا يصح تحديد معنى الجملة النصية نهائياً ما لم يعرف قبل ذلك مسار النص الإجمالي.

* إن فهم الكل هو الذي يحدد معنى النص إن كان رمزياً أو مجازياً أو حقيقياً.

* في الفهم إن أول فعل تقوم به قاعدة الإستقراء هو التعرف على مجال النص الإجمالي إن كان يتخذ طابع الفهم العرفي أو الرمزي أو المجازي، ومن ثم يتم تحديد المجال والمعاني المجملة في الجمل النصية قبل التفاصيل.

* نوعان من الفهم للجملة النصية، أحدهما لذاتها.. والآخر مرتبط بغيرها. والثاني هو ما يحدد الأول من دون عكس.

* رغم أن جملة واحدة قد تنفي المسار العام للفهم، لكن ذلك لا يحدث من دون إرتباطها بسائر جمل النص.

* من المحال على القواعد الإجرائية للذهن أن تمارس دورها خارج نطاق ما تحدده القوانين العامة الثابتة للنشاط المعرفي.

* من المحال على الفهم تجاوز سلطة الخيارات الممكنة للقواعد القبلية، رغم أنها مفتوحة.

* في المعرفة إن العمل بالقواعد الكبرى هو قانون محتم.

* إن قاعدة الإستقراء فطرية تتميز بالكشف دون ان يكشف عنها شيء آخر لقيامها على منطق الإحتمالات العقلية. وهي قانون محتم لا بد للمعرفة البشرية والفهم الديني أن يعتمد عليها بشكل أو بآخر.

* للمنطق الإستقرائي صفة تعارضية مزدوجة، فهو قانون محتم للمعرفة الموضوعية، وهو أيضاً قاعدة إجرائية تتقبل الخيار وسط عدد من القواعد المنافسة.

* من المحال أن يتحقق فهم بمعزل كلي عن البيان مهما كان ضعيفاً. كما من المحال أن يتحقق من دون الإضافة العقلية مهما كانت ضعيفة.

* وفقاً لقانون العلاقة العكسية للفهم، كلما زاد تأثير القبليات؛ كلما ضعف تأثير النص، والعكس بالعكس..

* ينطبق قانون العلاقة العكسية على المعرفة الموضوعية قاطبة، فكلما كان تأثير القبليات ضعيفاً؛ كلما قوي تأثير الموضوع، والعكس بالعكس.

* إن فعل القبليات هو الذي يحدد فعل النص والشيء الخارجي من دون عكس وفق قانون العلاقة العكسية للمعرفة.

* إن علاقة الفعل بين الإدراك والنص عكسية. فكلما كان النص فاعلاً كان الإدراك منفعلاً، والعكس بالعكس. وكل فاعل مؤثر، وكل منفعل متأثر.

* تتيح القبليات المحايدة إنتاج فهم مطابق للنص وفق المعنى الضعيف لقانون العلاقة العكسية.

* إن النص هو العنصر الثابت وسط قوانين العلاقة العكسية الثلاثة، خلافاً للقبليات، لذا فتغير الفهم يتبع القبليات فحسب.

* يختلف الكم المعرفي الذي تتضمنه قوانين العلاقة العكسية الثلاثة فيما بينها وفقاً لطبيعة القبليات، فالقبليات المنظومية تحمل كمّاً معرفياً أكبر مما تحمله القبليات المتوسطة، وهذه أعظم مما تحمله القبليات الضعيفة.

* تخضع أنماط القراءة الثلاث (الإستظهارية والإستبطانية والتأويلية) لقوانين العلاقة العكسية. فالقراءة الإستظهارية تخضع للعلاقة الضعيفة عادة، كما تخضع القراءة التأويلية للعلاقة المتوسطة، كذلك تخضع القراءة الإستبطانية للعلاقة القوية.

* إن إدراك الواقع هو من القبليات الذي يتيح لنا الفهم حتى وإن لم نتعقله، فنفهم ونفكّر به وإن لم نفكّر فيه.

* لا يمكن أن يتقدم فهم النص على فهم الواقع، وعليه فجميع دوائر الفهم المعرفية ستكون مسبوقة بالقبليات المتعلقة بالواقع ومفاهيمه.

* من المستحيل تجنب تأثير السنن على الفهم رغم أنها ليست من القوانين الحتمية.

* يؤثر الواقع في الفهم والعلم بدافع غير منضبط وفقاً للسنن العامة، في حين إنه يتأثر بهما وفق قواعد منضبطة عادة.

* ينشأ العقل المكوَّن بفعل السنن الواقعية، فيما ينشأ العقل المكوِّن بفعل القواعد الإجرائية.

* يدعو تغير الواقع إلى تغير الفهم معه باضطراد. وكلما اشتد تغير الأول؛ إزداد تغير الثاني بالتبع.

* لكل من الفهم والعلم والواقع تأثيره الجدلي في البقية.

* إن الحاضر والماضي أحدهما يؤثر في فهم الآخر.

* يختزن الذهن البشري من التجارب السابقة ويستجمع القرائن القبلية مع ما يضاف إلى القرائن الحالية والمقامية؛ ليصبها جميعاً في إطار فهم النص والقضايا الكونية بلا فرق.

* إن البيئات المغلقة نسبياً هي أقل تأثراً بتطورات الواقع مقارنة بالبيئات المفتوحة.

* إن وجود معان مختلفة للألفاظ يجعل من الفهم متشعباً ومفتوحاً على مصراعيه، وهي من سنن الفهم التي لا تتوقف على شيء ولا تنضبط بضوابط محددة.

* الفهم هو نسيج فسيفسائي يجمع في طياته أزماناً وطبقات تاريخية مختلفة لمعاني الكلمات وسياقاتها.

* في الفهم الديني كلما ابتعدنا عن دلالة الواقع أكثر؛ كلما كان إحتمال وقوعنا في الخطأ أكبر، والعكس بالعكس.

* كلما كان النسق المعرفي غير معقد في صياغته، ومقتصداً في طريقته الدلالية؛ كلما كان مرغوباً به قياساً بالنسق المعقد.

* كلما كان النسق المعرفي أوسع شمولية في تفسيره للجزئيات بإتساق؛ كلما كان أكثر قبولاً وموافقة.

* كلما كانت مقدمات النظرية بسيطة؛ كلما كانت أكثر قبولاً مقارنة بالمقدمات المعقدة أو الكثيرة.

* كلما كان الفهم الديني متسقاً مع الوجدان الفطري؛ كلما كان أشد قبولاً وموافقة.    

* تترجح الدراية على التوقعات القبلية الوجدانية، مثلما تترجح الدراية على الرواية.

* تترجح النظرية التي يمكنها تفسير أكبر عدد ممكن من قضايا النص طبقاً للمقاصد باتساق على غيرها من النظريات الأقل منها تفسيراً.

* تترجح النظرية التي تستوعب أكبر عدد ممكن من الوقائع المستجدة التي لا نصّ فيها على غيرها من النظريات المشاكلة.

* إن كل معنى إجمالي لا بد من ان يحظى بالعدد الأكبر من القرائن الإحتمالية مقارنة بالمعنى المحدد أو المفصل.

* كل حكم يصيب الجزء هو أكثر دقة وقوة مقارنة بذلك الذي يصيب الكل.

* يمكن إخضاع المنظومة المغلقة للفحص الإحتمالي غير المباشر عبر ما ينوب عنها من المنظومة المفتوحة المقترنة بها أو المجتزئة عنها، وذلك على شاكلة إختبار الغائب بالشاهد.

* في المنظومات التامة الإغلاق يترجح النفي لكثرة إمكاناته وإحتمالاته مقابل الحالة المنفردة للإثبات. فهي حالة واحدة يراد إثباتها وتحديدها، خلافاً لإمكانات النفي التي تتعدد بلا حدود. ويزداد توقع هذا النفي باضطراد كلما زاد عدد الإمكانات المحتملة.

* إن مبدأ القصدية هو شرط أساس لقراءة النص الديني.

* يميل الوجدان إلى أن للأحكام مقاصد وأغراضاً من أجلها تتصحح عملية التشريع.

* غالباً ما تكون التجربة الدينية أساس الفكر لا العكس، لذلك ينشأ التعصب والدوغمائية وغياب الأساس الفكري المتين.

* إن التناسب يين العقيدة والصدمة عند انكشاف الخطأ هو تناسب طردي، فكلما كانت الأولى مستحكمة كانت الصدمة قوية، والعكس بالعكس.

 

يحيى محمد

مفكر وباحث

 

ibrahim telbasilkhaلا شك أن الفكر المصري المعاصر لم يحظ بما يستحقه من اهتمام الباحثين عندنا رغم تنوع اتجاهاته ومراميه، وكثرة رواده الذين قدموا إسهامات هائلة في شتي الميادين: الفلسفية والعلمية والسياسية والإجتماعية واللغوية والأدبية والدينية والفنية .... الخ ؟

فلقد عشنا ردحا ً طويلاً من الزمان ومازلنا ندور في فلك الفكر الغربي نعرضه إما بالترجمة او النقل حتي تحولنا إلي مجرد نقله تابعين بعد أن كنا متبوعين، توقفنا عن ارتياد الأفاق الفكرية وأخذ زمام المبادرة انتظاراً لما تسفر عنه الدراسات الغربية من فكر نتعقبه ونبحث عنه عبر دور النشر والمصادر المختلفة للمعرفة . فنحن ندرس الفلسفة الغربية عبر عصورها المختلفة بداية من الفلسفة اليونانية مرورا ً بالفلسفة الوسيطة وانتهاء بالفلسفة الحديثة والمعاصرة، فأصبحنا نعرف كثيراً عن فلاسفة الغرب، وفي الوقت نفسه لا نعرف إلا القليل عن أساتذة الفلسفة في بلادنا ومواقفهم الفكرية، وهمومهم الثقافية واسهاماتهم التنويرية في مجال الثقافة العربية.

هذا رغم أن خريطة الفكر الفلسفي عندنا مليئة بالرواد الأوائل الذين زانتهم الحكمة، وصقلتهم التجربة فحاربوا الخرافات، ونبذوا الجمود والتخلف، وحملوا دعاوي الاصلاح والتجديد أمثال : جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وأحمد لطفي السيد، وطه حسين، والعقاد .... الخ . وبالإضافة إلي دور هؤلاء الرواد في التنوير لايمكننا تجاهل الدور العظيم الذي يمارسه أساتذة الفلسفة في حياتنا الفكرية.

والحق أن خريطة الفكر الفلسفي المصري زاخرة بالمفكرين الذين يتناولون القضايا تناولا فلسفيا سواء أكانوا من الرواد الأوائل أو من التابعين الذين يعملون بالفلسفة في جامعاتنا . ومع ذلك فقد جاءت الدراسات التي أجريت حولهم قليلة جدا إذا ما قورنت بالدراسات التي أجريت حول أنصار الفكر الغربي . ولعل من أبرز الدراسات في هذا المجال: (رائد الفكر المصري الإمام محمد عبده) للدكتور عثمان أمين، و(المنهج العلمي في فلسفة زكي نجيب محمود) دراسة للدكتورة يمني طريف الخولي و(زكي نجيب محمود فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة) للدكتور عبد القادر محمود، و(مكانة العقل عند زكي نجيب محمود) للدكتور علي حنفي، و(القضايا الفلسفية عند الدكتور علي عبد المعطي) للدكتور محمد مجدي الجزيري، و(نظرة جديدة إلى فلسفة الفن عند العقاد) للدكتور محمد مجدي الجزيري، و(إشكالية التراث في الفكر العربي، دراسة مقارنة بين حسن حنفي ومحمد عابد الجابري) للأستاذ أحمد سالم، و(جدل الانا والآخر، قراءة فى فكر حسن حنفى)، إعداد وتقديم دكتور أحمد عبد الحليم عطية ... الخ

ويقف عثمان أمين مع هؤلاء الرواد فقد تعرض لكثير من القضايا المطروحة علي الساحة الفكرية في وقتنا الراهن، ومن هذه القضايا : قضية البحث عن فلسفة توقظ الأمة من سباتها، البحث عن فلسفة يمتد أثارها إلي الشعب وإلي الجمهور، فلسفة تضع لنا مباديء توقظ فينا الشعور الوطني وتنمي وعينا بمشكلاتنا، وقضية أزمة الإنسان المعاصر في ظل الاكتشافات العلمية والتكنولوجية المذهلة التي تحققت في عصرنا، وقضية فساد العلم المعاصر في الأرض، وقضية الاعتقاد وعلاقته بالإنسان ودوره في بناء الحضارة الإنسانية، وقضية اللغة العربية والوقوف علي سماتها الفكرية الأصيلة التي تؤثر في تكوين عقليتنا، وتدبير تفكيرنا، وتصريف أفعالنا، وهداية سلوكنا، وصياغة حضارتنا، وقضية التراث في ضوء الموقف من قادتنا الروحيين، وقضية التعليم ودوره في بناء المجتمع، وقضية العادات والسلوكيات الضارة التي تؤثر سلبياً علي واقعنا الإجتماعي، وقضية الفساد والعبث بالدخل القومي للبلاد، وقضية النهوض بالمجتمع وكيفية إصلاح أوضاعه .... الخ .

هذا فضلاً عن أن عثمان أمين قد عاش بين تراث الفكر الفلسفي قديمه وحديثه، يتأمله ويتعقب أفكاره، ويكتب عنه سواء بالترجمة أو بالعرض النقدي . وتتسم كتاباته بالتنوع والعمق والغزارة، كما أنها تغطي مساحة كبيرة من تاريخ الفكر الفلسفي في الشرق والغرب، فقد كتب في الفلسفة اليونانية، وفي الفلسفة الإسلامية، وفي الفلسفة الحديثة والمعاصرة، وبين فضل الحضارة المصرية القديمة علي الحضارات الأخري، كتب عن الرواقية والأفلاطونية والأرسطية، وعن الفارابي وابن سينا، وابن رشد، وعن ديكارت وكانط وشيلر وكارل ياسبرز وغيرهم، كما ترجم كثيراً من الدراسات الفلسفية الأجنبية ونقلها إلي لغتنا العربية بما تتسم به هذه الترجمة من أصالة ودقة متناهية تدل علي مترجم ملم ومحيط بلغته وبمصطلحاتها المتعددة، هذا بالإضافة إلى مؤلفاته الرائعة التي يتبدي فيها تأثره برواد الفكر الغربي والفكر العربي علي السواء، وقدراته الابداعية الخلاقة .

وإذا كان كثير من أساتذة الفلسفة عندنا قد استعمل بعداً من أبعاد الثقافة الغربية – بعد تعديله بما يلائم واقعنا – كأداة للتجديد والتعامل مع قضية التراث وقضايانا الفكرية مثل زكي نجيب محمود الذي يدور بفكره في فلك الوضعية المنطقية ويتخذ من منهجها منطقا له في معالجة المشكلات، وعبد الرحمن بدوي الذي انحاذ إلي الوجودية دون غيرها وتوفيق الطويل الذي قدم لنا فلسفة مثالية معدلة، أو مثالية إسلامية تقوم علي الأتزان والوسطية، وحسن حنفي الذي تخبط بفكره بين تيارات الفلسفة الغربية وأن كان قد انحاز أكثر الى الظاهراتية واستخدم منهجها لمعالجة قضية التراث . نقول إذا كان هؤلاء المفكرون وغيرهم من مبدعينا قد استخدموا منطلقات الفكر الغربي في التعامل مع مشكلاتنا الفكرية، فإن عثمان أمين بدوره قدم لنا فلسفة مثالية روحية خاصة به . أمن بها، ودافع عنها، وروج لها، ودعي إليها عبر مؤلفاته وأحاديثه وندواته، وهى الجوانية .

والفلسفة الجوانية عند عثمان أمين ليست نسقاً فلسفيا محدداً ثابتا فهي ترفض كل الأنساق الفلسفية والمذاهب القطعية ... ولذلك يقرر عثمان أمين في غير موضع من مؤلفاته ومحاضراته أن الفلسفة عنده شسء أخر غير (النسق) المحكم المغلق المحبط . وأنه لا يحب لنفسه أن يكون من (القطعيين) الذين يريدون أن يفرضوا أراءهم علي الناس فرضا يحول دون تقبل وجهات النظر الأخري . فعقيدة الجوانية عقيدة مفتوحة تأبي الركون إلي (مذهب) أو الوقوف عند (واقع) . وينبهنا عثمان أمين أنه لا يوجد للجوانية – من حيث هي فلسفة مفتوحة – تعريف أوحد بالمعني المنطقي الدقيق للحد أو للتعريف : الجوانية علي الطريق دائما ولا تعرف الوقوف ولا تزيد الانغلاق، وهي محاولة للتعبير عن إيمانها العميق بضرورة الميتافيزيقا وكرامة المعرفة وسلطان الأخلاق ... الخ .

ولما كانت الجوانية رفضا للأنساق الفلسفية والمذاهب القطعية والأبنية الشامخة لم تضع إشكالاتها الفلسفية في بناء عقلي محكم، بل اكتفت باليوميات الجوانية والسوانح المطوية، والخاطرات الأشراقية والتجارب الروحية . فهي تقدم لنا عدة تأملات إهتدي إليها رائدها بعد إطالة النظر في أمور النفس ومتابعة التأمل في بطون الكتب مع مداومة التعرض لتجربة الوقائع والمعاناه لشؤون الناس، وتسعي هذه التأملات إلي المعرفة لذاتها ... وفي ذلك يقول عثمان أمين : (المحاولات الفلسفية التي أقدمها اليوم إلي الجمهور الفلسفي في بلاد الشرق العربي قد تناولت موضوعات مختلفة، ومثلث إتجاهات متنوعة، وامتدت إلي فترات متباعدة . ولكني أستطيع أن أقول إنها جميعا علي الرغم ما بينها من تفاوت ظاهر قد ألف بينها إحساس واحد، وإلهام واحد، وغرض واحد : الأبتهاج بطلب المعرفة، والسعي إلي سبيل الحق، والاتجاه إلي قيم الروح .

ولم يكن عثمان أمين في محاولاته الفلسفية هذه مقتصراً علي مجرد التدريس فحسب، فهو لم يوجه خطابه الفلسفي إلي طلاب الدراسات الفلسفية وحدها، بل وجهه إلي جميع الناس . وكان علي شعور تام بالرسالة الكبري التي يجب علي المثقف أن يؤديها، رسالة التجديد الروحي الشامل لبلاده، فهو مثال للمثقف الجريء الواعي بمشكلات مجتمعه وهمومه ... فهو يقول (إن الجوانية فلسفة ثورة لأنها نابعة من أعماق هذه الأمة الثائرة، ولانها محاولة أيديولوجية لتحقيق أمرين لابد منهما في مرحلة تطورنا التاريخي : الأول عودة إلي ماضينا ومراجعة له، والثاني إتجاه إلي مستقبلنا وإعداد له . وهي فلسفة ثورة أيضا لأنها تنشد المثل الأعلي في عليائه بلا تراخي في السعي إليه، ولأنها تؤمن بأن القوة المحركة للتاريخ هي قوة المباديء وارادة التغيير، والطموح إلي تقويم للأشياء جــديــد .

وينبه عثمان أمين أيضا إلي أن المثقفين ليسوا طائفة معينة من الأمة تخصصت في فروع المعارف المختلفة : فقد يكون الشخص عالما أو رياضيا، أو مهندساً، أو طبيبا، أو عالماً بالإجتماع أو الفلسفة أو القانون، وقد يكون ممن حصلوا علي شهادات دراسية أو درجات جامعية ولا يدخل مع ذلك في عداد المثقفين ؛ ذلك أن الثقافة ليست معلومات محفوظة ولا تطبيقات منقولة، بل هي في مفهومها الصحيح شيء يتجاوز المهارة أو البراعة في أي ناحية من نواحي العلوم النظرية أو العملية . والثقافة الحقيقية هي ما يتبقي لنا بعد أن نكون قد نسينا ما حفظنا . إنها مرادفة لحضور الوعي، ويقظة الروح، وهما لا يكونان إلا مع الضمير الحي، والعقل الناضج، والقلب السليم . ومتي استيقظ الوعي في الإنسان أصبح النظر والعمل عنده أمرين متلازمين لا يفترقان، وأصبحت حياته مصداقا لأفكاره فبعد عن الألية والأنانية، وقصد إلي الغايات بأفضل الوسائل واتجه إلي الجوهر والمخبر دون الوقوف عند المظاهر والأعراض .

لكل هذه الاعتبارات كان اختيارنا لفكر عثمان أمين موضوعا ً لدراستنا، هذا فضلا عن أن كثيراً من الباحثين يقررون ان لفكر عثمان أمين أثرا عميقاً في مجالات الاصلاح والنهضة الفكرية الحديثة في مصر وفي العالم العربي ... يقول عاطف العراقي : (والواقع أن الدكتور عثمان أمين قد بذل جهداً كبيراً في مجال الربط بين الفلسفة وبين قضايا المجتمع ... إننا نجد هذا واضحاً في العديد من الكتب التي تركها لنا ... وإذا كان قد تأثر في كتاباته ببعض الأفكار التي نجدها عند من سبقوه، إلا اننا نجد العديد من العناصر الجديدة عند عثمان أمين سواء في محاضراته التي كان يلقيها علي طلاب الجامعة، أو في كتبه وما أكثرها، وما أروعها والتي تدلنا علي أنه كان يتمتع بحس فلسفي دقيق، حس يركز علي الداخل أي الجواني، أي القلبي والوجداني المثالي ... لقد استحق عثمان أمين أن يدخل تاريخ فكرنا الفلسفي العربي التنويرى من أوسع الأبواب وارحبها . ومن حقنا أن نفخر به،ومن واجبنا دراسة أفكاره، وارائه وما أعمقها وما أعظمها) .

وينظر حسن حنفي إلي عثمان أمين باعتباره فيلسوفا أنجب لنا فلاسفة ساروا علي نهجه وطوروا تعاليمه .. ذلك أن مدي خصب الفيلسوف هو مدي إنجابه لفلاسفة أخرين . فقد كان سقراط فيلسوفا ً لأنه أنجب أفلاطون، وكان أفلاطون فيلسوفا لأنه أنجب أرسطو وكان ديكارت فيلسوفا ً لأنه أنجب الديكارتيين، وكان كانط فيلسوفاً لأنه أنجب الكانطيين، وكان هيجل فيلسوفاً لأنه أنجب الهيجليين، وكان هوسرل فيلسوفاً لأنه أنجب الهوسرليين، ويعد عثمان أمين فيلسوفاً لأنه أنجب حتما الجوانيين .

ولمزيد من المعلومات عن عثمان أمين وفلسفته الجوانية راجع كتاب " الجوانية عند عثمان أمين، أصولها وخصائصها " لكاتب هذه السطور.

 

أ.د. ابراهيم طلبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا - مصر

 

zouhair khouildi"إن إرادة التوصل إلى معرفة أكيدة ترتفع فوق الرأي الذاتي ليست كافية لوصف ما نفهمه بالمعرفة العلمية."1[1]

جرت العادة أن يتم تناول الإنسان من زاوية الحد والرسم والتعريف والمفهوم والمقولة وأن يخوض الفكر في عملية البحث عن الجوهر والماهية والطبيعة وأن تكون النتيجة العثور على تعريف نهائي وبناء حد جامع مانع وإيجاد مفهوم موحد ، وصار من بداهة الفكر الفلسفي أن يجتهد في وصف المكونات والعناصر والمرتكزات والأسس والخصائص والأبعاد والمميزات والكليات ويطرح الأسئلة الميتافيزيقية عن الأصل والمصير والغائية ويسقط من حسابه الاهتمام بالجزئيات والمظاهر والتفاصيل والتحولات والمنعطفات والتغيرات والقوى والدوافع والميكانيزمات ويتغافل عن طرح سؤال من؟Qui وعن الانتباه إلى المسارات والأحداث والصيرورات. على هذا النحو ارتأت الفلسفة المعاصرة أن تقوم بتشريح الكائن البشري من جهة التَّعَرِّفِ على وضعه الأنطولوجي في العالم والتحقيق والتدقيق في منزلته الثقافية بالنسبة إلى الجماعة التاريخية التي ينتمي إليها وتقدير وضعيته المادية ومكانته السياسية والقانونية في المدينة وقدراته على الفعل التواصلي والترميز. لذلك ربما تثار الإشكالية المركزية لهذا الدرس من خلال الاستفهامات التالية: أي وضع يوجد فيه الكائن البشري الآن وهنا؟ بأي معنى يكون الوضع البشري واحدا ومتعددا في ذات الوقت؟ وهل هو وضع مستقر وملائم يسمح للكائن بالمصالحة مع ذاته وحسن تقديرها أم هو وضع مستعصي يحول دون لقاء الذات وارتقائها؟ وما العمل للرد على حالات الضياع والاغتراب والانبتات؟ وكيف السبيل لكي يستعيد للكائن ذاته ويوقع حضوره في وضعه المتعدد الأبعاد؟ لماذا يخفق الإنسان في أن يكون سعيدا؟ وهل الإنسان سجين وضعياتهم المادية ومحدود بشروط وجوده أم بإمكانه الإنعتاق والتأثير والتجاوز والتغيير وصناعة ماهو مختلف وجديد؟ كيف يضع الكائن شروط وجوده؟ هل بالقصص والحكاية والتشكيل وإعادة التشكيل والوساطة الرمزية أم بالالتزام والمسؤولية والمشاركة في الفعل؟ولماذا كان الإنسان ولا يزال غير راض عن حاله بماهو كائن بيو- ثقافي ؟

بادىء ذي بدء يميز الاشتقاق اللغوي بين الوضع position، الوضعية situation، المنزلةStatut ، الشرطcondition ، والظرف circonstance والسياقcontexe والمرجعreference ، والإحداثيةcoordonée . في الحياة العادية يبدو لفظ الوضع غامضا ولكن استعماله في تعبيرات معينة يعطيه معنى مخصوص. لكن ما المقصود بالوضع البشري؟ وماذا تضيف الفلسفة إلى الوضع البشري؟

إذا كان المعنى العام لكلمة condition يشير إلى علاقة شرطية بين طرفين بحيث إن حضر الأول لزم عنه بالضرورة حضور الثاني فإن المعنى الواقعي يتضمن الدلالة على حضور أو غياب الظروف التي تلائم تشكل الأشياء وإنتاج الأفعال من قبل الأشخاص والجماعات وتحويل الطبائع والظواهر. علاوة على ذلك يشير معجم لالاند التقني والنقدي للفلسفة إلى المجال الذي يوضع فيه تعريفا وتثبت ضمنه دعوى أو أطروحة ويكون بمثابة شرطه الضروري والكافي. بيد أن ما يجب التوقف عنده هو التعامل مع مفهوم الوضع باعتباره في تعارض نسبي مع لفظ السبب cause وفي اختلاف مع الظاهرة أو الواقع fait وفي تقارب دلالي مع مفهوم وجهة النظر أو المنظورية point de vue وفي عناية تامة بطريقة في الوجود ـ نمط في الكينونةـ manière d’être وأسلوب في الحياة وإقامة في العالم بالنسبة إلى الأفراد أو المجموعات.2[2] من المعلوم أن عبارة "الوضع البشري" هي ترجمة للتعبير الفرنسي "La condition humaine" و لنظيره الأنجليزي "Human condition". و قد ظهرت هذه العبارة، أولاً، كعنوان لرواية كتبها الروائي الفرنسي أندريه مالرو ونُشرت سنة 1933، و حصل بها هذا الروائي على جائزة Goncourt التي هي من أكبر الجوائز الأدبية في فرنسا، و ما تزال كذلك إلى يومنا هذا3[3].

ما يهمنا هو أنها كانت أول عمل أدبي معاصر يطرح عبارة "الوضع البشري" من خلال معاناة شخصيات الرواية في الصين وهي تعيش أوجاع الصراع والتحول نحو النظام الاشتراكي في بدايات القرن الماضي. والفكرة الرئيسية، إذا شئنا، التي تنتهي إليها الرواية هي قدرة الإنسان على الانتصار على قدره عبر الإصرار على اختياره الواعي في الحياة، حيث يرفض بطل الرواية الانتحار بواسطة السم داخل السجن، ويفضل الصمود ومواجهة التعذيب، وينتصر في النهاية، بينما انتحر سجناء آخرون تحت تأثير التعذيب. إلى هذا الحد لم يكن لدينا مفهوم فلسفي اسمه "الوضع البشري" حتى و إن كان كثير من الفلاسفة، منذ القديم، قد لامسوا بعض الجوانب المتعلقة بخصوصية الكائن الإنساني، أي بالوجود الإنساني، وبما يميز وجود الإنسان عن غيره من الكائنات الأخرى. ولربما كان أول عمل فلسفي رسخ "الوضع البشري" كمفهوم في الفلسفة المعاصرة هي حنة آرندت التي أصدرت كتابا هاما مع حصر مجال التفكير هذه المرة في الإنسان الحديث حمل عنوان "Condition de l'homme moderne" والذي يمكن أن نترجمه إلى "وضع الإنسان الحديث"4[4]. في هذا الكتاب تميز حنة آرندت مفهوم "الوضع البشري" عما يسمى ب"الطبيعة البشرية" أو "الطبيعة الإنسانية"، والذي ساد في الفلسفات القديمة وفي اللاهوت المسيحي وباقي الأدبيات الدينية في المعتقدات الأخرى، واستمر أيضا في الفلسفة الحديثة.

ربما يكون هذا التمييز، بين مفهوم "الطبيعة البشرية" و"الوضع البشري" الذي تُقيمه حنة أرندت، مهما للغاية لأنه أولا يقيم حدا فاصلا بين مجال الفلسفة ومجال الدين في فهم الإنسان، وفي فهم إنسانية الإنسان، أي في فهم الوجود الإنساني. فكل حديث عن "الطبيعة البشرية" في نظر حنة أرندت يدخل في نطاق الإيمان، أي في نطاق المنظور الديني. وبالتالي ف"الوضع البشري" ليس هو "الطبيعة البشرية"، إذ الأول ينتمي إلى مجال الفلسفة بينما الثانية تنتمي إلى مجال الدين.

هكذا يواجه الاهتمام بالوضع البشري عدة صعوبات من حيث المنهج والمضمون والغاية:

- من حيث المنهج: بما أن الإنسان كائن متعدد الأبعاد ويتصف بالمجهولية وخاصية التعقد فإن أي مقاربة وفق منهج واحد قد تؤدي إلى الوقوع في نظرة اختزالية تبسيطية وملامسة سطحية خارجية للشأن الإنساني وبالتالي يجدر بالباحث عن المعرفة الاعتماد على طريق متنوعة وتعددية في المناهج وتتداخل فيها المقاربات وتتعاكس زوايا النظر صد تصحيح وتقويم المحاصيل.

- من جهة المضمون: تحتوي الطبيعة البشرية على ظاهر وخفي وعلى مصرح به ومسكوت عنه وتوجد في الفضاء ويخترقها لزمان وتنقسم إلى فردي وجماعي، والى نفسي واجتماعي ، وإلى رمزي ومادي. كما أن الإنسان يوجد قبل كل معرفة ينتجها حول نفسه أو مثلما يصرح كارل ياسبرس:" إن الإنسان حرية تند عن كل موضوعية". وبالتالي يصعب فهم ما تحتويه الذات البشرية من إمكانيات وتحولات وذلك لتعرضها للصيرورة التاريخية وخضوع المعرفة البشرية الى جدلية التذكر والنسيان ومنطق الهدم والبناء وهيمنة الشعور بالذنب واقتراف الشر على البناء النفسي وعدم الاتفاق بين النفس ونفسها والالتجاء إلى العنف للدفاع عن النفس والمحافظة على البقاء والوقوع في التموضع والاغتراب في النظام الاقتصادي.

- من جهة الغاية: الإنسان كائن عاقل ينتمي إلى نظام الغايات ويتميز بالكرامة والحرية وهو جدير بالتقدير والاحترام وذلك لحراسته للوجود واضطلاعه بالمسؤولية تجاه نفسه وغيره والعقل البشري هو عند كانط ملكة الغايات البشرية.

غير أن حضارة المصنع والتقنية أفقدت الإنسان كرامته وجعلته من نظام الوسائل وتعاملت معه باعتباره شيئا وبذلك أصبح كائنا مستهلكا بل صار الاستهلاك نمط أساسي في كينونته وزحفت العقلانية الأداتية على نزعته التواصلية وضاعفت في معاناته وبؤس أوضاعه. فما العمل للخروج من هذا الاستعصاء في فهم الوضع البشري من جهة المنهج والمضمون والغاية؟

إذا كان للوضع البشري أن يُدْرَس، مثلما يُعتقد، فإنه من الواجب أن يكون متاحا عن طريق ضرب الأمثال وسرد الحكايات ووصف التجارب والإطلالة على التاريخ والاقتراب من الحياة اليومية وليس من خلال كتابة المقالات ونظم الكتب وتأليف الموسوعات والتطرق إلى الأنساق الفكرية والنظريات العامة، وبالتالي ينبغي التمييز بين الفلسفة بوصفها علم دقيق والفلسفة بوصفها رؤية منفتحة للعالم5[5]، ويجب أن يهدف هذا الدرس إلى التخلي عن الاهتمام بالإنسان من جهة الماهية والجوهر وإسناد طبيعة ثابتة وتعريف نهائي لمفهومه ووضع حد جامع مانع لفصله النوعي كماهو الشأن عند المناطقة ويكتفي بالتعرف على الكائن البشري في شروط وجوده وسرد ما يحدث له في حله وترحاله ومناسبات إقباله إلى الحياة وإدباره منها ويؤثر وصف مجمل أوضاعه النفسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية واللغوية والسياسية وأبعاده الأنطولوجية والإيتيقية واستخلاص الدلالة وإنتاج المعنى والقيمة بوساطة مناهج التحليل والتفسير والتأويل والفهم والديالكتيك والرمز والاختلاف والدلالة والتداولية والشعرية والأنثربولوجيا الفلسفية.

هكذا يتميز الوضع البشري بطابعه الإشكالي وخصائص التكوثر والتعددية والتاريخية، والتي يمكن التعبير عنها من خلال الأسئلة التالية: كيف يتحدد وجود الإنسان بوصفه شخصا؟ وما طبيعة علاقة الشخص بالغير؟ وما الدور الذي يلعبه الغير في تشكيل الأنا؟ وهل وجود الإنسان بوصفه شخصا محكوم بالضرورة أم هو قائم على الحرية؟أين تكمن الطبيعة الجوهرية للشخص؟ ما العلاقة التي تربطه بالغير؟ متى يساهم الإنسان في صنع تاريخه؟ كيف تتحدد مفاهيم العدوانية والنشاط والإنتاج والتثقيف والتحضر والكلام والفعل والغير باعتبارها مكونات أساسية للوضع البشري؟ ومن يتحكم في أوضاع الكائن البشري؟

 

د. زهير الحويلدي

كاتب فلسفي

.................

الإحالات والهوامش:

[1] لوبيز فريدريك ، الدروس الأولى في الفلسفة ، ترجمة علي أبو ملحم، مؤسسة كلمة، أبو ظبي، ودار مجد للنشر، بيروت، طبعة أولى 2009، ص90.

[2] André Lalande, vocabulaire technique et critique de la philosophie , volume 1, édition PUF, Paris, 2 édition 1992, p166-167.

[3] André Malraux, La condition humaine, Editions Gallimard , Paris,1933.420p

[4] Hannah Arendt, Condition de l'homme moderne, édition Calment-Levy, Paris, 1983.

[5] Heidegger Martin, les problèmes fondamentaux de la phénoménologie, traduit par Jean François Courtine, édition Gallimard, Paris,1985.p21

 

المصادر والمراجع:

لوبيز فريدريك ، الدروس الأولى في الفلسفة ، ترجمة علي أبو ملحم، مؤسسة كلمة، أبو ظبي، ودار مجد للنشر، بيروت، طبعة أولى 2009،

André Malraux, La condition humaine, Editions Gallimard, Paris,1933.420p

André Lalande, vocabulaire technique et critique de la philosophie , volume 1, édition PUF, Paris, 2 édition 1992,

Hannah Arendt, Condition de l'homme moderne, édition Calment-Levy, Paris, 1983, .

Heidegger Martin, les problèmes fondamentaux de la phénoménologie, traduit par Jean François Courtine, édition Gallimard, Paris,1985.

jamil hamdaouiالمقدمـة: يمكن الحديث عن مقاربات لسانية أخرى تندرج ضمن اللسانيات العامة، نذكر منها، على سبيل الخصوص، "اللسانيات الاجتماعية"، أو "علم الاجتماع اللغوي"، أو "علم اللغة الاجتماعي"، أو " السوسيولسانيات"، أو" اللسانية الاجتماعية"...

هي مسميات اصطلاحية مختلفة لعلم يدرس اللغة في ضوء علم الاجتماع، أو يربط الملفوظ اللغوي بسياقه التواصلي والاجتماعي والطبقي.

ومهما تعمقنا في الفوارق الموجودة بين اللسانيات وعلم الاجتماع اللغوي، فلانجد فرق كبيرا بينهما؛ لأن هدفهما واحد يتمثل في التواصل، والارتباط بالسياق الاجتماعي. وأكثر من هذا تصبح اللغة حدثا اجتماعيا بامتياز. لذا، فاللسانيات، في الحقيقة، هي اللسانيات الاجتماعية .

 

المبحث الأول: موضوع السانيات الاجتماعية

تعنى اللسانيات الاجتماعية بدراسة الوظيفة الاجتماعية للغة .أي: تدرس التبدلات الاجتماعية للغة في علاقتها بالمتكلمين الناطقين، من حيث السن، والجنس، والفئة الاجتماعية، والوسط، والمستوى المهني، والمستوى التعليمي؛ وتحليل العلاقة القائمة بين اللغة والممارسات الاجتماعية (العائلية، والدراسية، والوظيفية...)؛ ثم تفسير الوظيفة الاجتماعية للغة؛ والاهتمام بقضايا لغوية واجتماعية كبرى تتعلق باللغة الأم، وموت اللغات، وعلاقة اللغة باللهجة والفصيلة، والثنائية والتعددية اللغوية، والأنظمة اللغوية المركبة والمعقدة، وتدبير التعدد اللغوي، والسياسات اللغوية، والتخطيط اللغوي...1

وإذا كانت اللسانيات البنيوية السوسيرية تهتم بدراسة اللغة في حد ذاتها، فإن اللسانيات الاجتماعية تدرس الكلام أوالتلفظ في علاقته بالسياق التواصلي الاجتماعي. وهذا له علاقة وطيدة بلسانيات التلفظ عند باختين، وبنفنست، ودوكرو، وأوريكشيوني، ومانغونو، وآخرين...

 

المبحث الثاني: مرتكزات اللسانيات الاجتماعية

تنبني المقاربة اللسانية الاجتماعية على مجموعة من المرتكزات تتمثل في: المكان الجغرافي، والعمر، والجنس، والأصل الاجتماعي، وسياقات استعمال اللغة. لذا، أثبت العالم الاجتماعي الأمريكي وليام لابوف (William Labov) صعوبة فصل اللغة عن المكون الاجتماعي الأساسي فيها. ومن ثم، أشار إلى أهمية ربط بنية اللغة من اللغات بالسياق الاجتماعي العام الذي تنشأ فيه تلك اللغات، لدرجة استبعد فيها أي إمكانية للفصل بين اللسانيات وعلم اللغة الاجتماعي. وإذا كانت اللغة ظاهرة اجتماعية، فإن اللسانيات ذات بعد اجتماعي2 .

و " قد انتقد وليام لابوف كثيرا نظرية نوام شومسكي القائمة حسب رأيه على فكرة مثالية عن اللغة باعتبارها ملكا للفرد والمتلكم باللغة. ومرد هذا النقد اعتبار لابوف للغة الإنسانية وسيلة اجتماعية في التواصل؛ مما يجعلنا أمام نظرية مادية لوظيفة اللغة الإنسانية داخل المجتمع.فالمهم بالنسبة إليه هو اللغة داخل المجموعة اللسانية المتكلمة بها، وليس اللغة كما هي على لسان الفرد."3

ويعني هذا أن اللغة - حسب نوام شومسكي- ذات طبيعة عقلية وفردية وراثية. في حين، ترى اللسانيات الاجتماعية أن اللغة ظاهرة اجتماعية مكتسبة.

 

المبحث الثالث: ظهور اللسانيات الاجتماعية

ظهرت اللسانيات الاجتماعية رد فعل على اللسانيات البنيوية المغلقة على ذاتها إبان سنوات الخمسين والستين من القرن الماضي، ورد فعل على اللسانيات التوليدية التحويلية لنوام شومسكي التي كانت تنادي إلى نحو كلي كوني وعالمي، مشيدة بدور الفرد المتكلم، معتمدة في ذلك على قواعد مثالية مجردة افتراضية وصورية، بعيدا عن الواقع والسياق التواصلي.

 

المبحث الرابع: تصورات لسانية اجتماعية مختلفة

يبدو التصور اللساني الاجتماعي واضحا عند ويليام لابوف (Labov) الذي كان يشتغل على المحكي الشفهي بشكل خاص، وكذا عالم الاجتماع الأمريكي غوفمان (Goffman) الذي كان يعنى بالمحادثة الحوارية.

ولعل هذا التصور هو الذي قاد للحديث عن مستويات مختلفة في صلتها بالتغييرات التي تطرأ على اللغة داخل المجتمع، وهي على أربعة أصناف:

- تغييرات تاريخية مرتبطة بعامل الزمن.

- تغييرات مكانية تتصل بالتوزيع الجغرافي للغة، وبحسب المناطق والجهات.

- تغييرات ذات صلة بأشكال استعمالات اللغة ومستوياتها بالنظر إلى الطبيعة الاجتماعية- الاقتصادية للناطقين بتلك اللغة

- تغييرات يتحكم فيها السياق الاجتماعي، ما يضعنا أمام سجلات مختلفة للغة مرتبطة بمناسبة الحديث والمستوى الثقافي للمتلكم اللغوي4 ."

ويمكن الحديث أيضا عن الطبقات اللغوية في علاقتها بالطبقات الاجتماعية، والتمييز بين الجملة المعيارية والجملة الشعبية. كما تحدث شارل فيركسون (Charles Ferguson) عن مستويين من اللغة: المستوى العالي(العربية الفصحى - مثلا- )، والمستوى المتدني (العاميات واللهجات المتفرعة عن العربية الفصحى- مثلا-).

وقد اعترف أندري مارتيني (A.Martinet)، في نهاية مشواره العلمي، بأن اللغة فعل اجتماعي بامتياز، وأن اللسانيات كلها هي لسانيات اجتماعية 5 . وسار في الاتجاه نفسه ديل هيمس (Dell Hymes) (1927-2009)" الذي جعل ما أسماه الملكة التواصلية أساس التصور القائم على ربط اللغة بمحيطها الاجتماعي، وذلك وفق نموذج أطلق عليه تسمية: S.P.E.A.K.I.N.G

ويمكن هذا النموذج من استيعاب أشكال التغيير الثقافية الحاصلة في الأنساق التواصلية عامة. فنحن أمام نموذج يتيح لنا إمكانية مقارنة دور الخطاب داخل مجتمعات بشرية مختلفة "6 .

ويتكون هذا النموذج من العناصر الأساسية التالية:

- الإطار (المكان، والزمان، وأجواء الخطاب)؛

- المشاركون (الشخصيات الحاضرة والمتفاعلة )؛

- الأهداف (هدف اللقاء)؛

- الأفعال أو المنتوج( الرسائل)؛

- الإيقاعات (الصوت، والنغمة، وإيقاع الرسائل...)؛

- الوسائل التواصلية ( اللغة المنطوقة، واللغة المكتوبة، واللغة المنشودة والمغناة،..)؛

-المعايير (المثاقفة والتناص والحوارية...)؛

- الأجناس أو أنواع الخطاب (الحكايات، والتاريخ، والملاحم، والمآسي...).

واعتمادا على هذه المرتكزات التي تربط البنية اللغوية بسياقها الاجتماعي والتواصلي، يصعب الفصل بين اللسانيات أو سياقها كما يقول فيليب بلانشي(Philippe Blanchit)7 .

ويعتبر أنطوان مييي(Antoine Millet (1857-1936)؛ تلميذ فرديناند دوسوسير(F.De.Saussure)، من اللغويين الفرنسيين الأوائل الذين تحدثوا عن الطابع الاجتماعي للغة، وقد اعتبر اللغة حدثا اجتماعيا، متأثرا في ذلك بإميل دوركايم(Emile Durkheim). وقد أثبت أن الدراسة اللسانية الحقيقية هي التي تجمع بين ماهو سانكروني وماهو دياكروني .أي: بين ماهو لغوي وماهو اجتماعي تاريخي تطوري، ضمن نظام متكامل يجمع بين اللغة وظواهر المجتمع.

وهناك باحثون آخرون تبنوا المنظور الماركسي في تحليل اللغة بربطها بالمجتمع، كما عند ماركس، وأنجلز، ومارسيل كوهن(Marcel Cohen)، وبول لافارج (Paul Lafarge) الذي درس اللغة الفرنسية في علاقتها بالثورة الفرنسية، ورصد ختلف التغييرات اللغوية والمعجمية التي نتجت عن تلك الثورة.

وهناك باحثون آخرون في هذا الاتجاه، مثل: ميخائيل باختين، ورومان جاكبسون، ونيكولاي مار(Nicolaï Marr) الذي كان يدعو إلى لغة عالمية واحدة؛ مثل: اللغة الاصطناعية (الإسبيرانتوEspéranto) . وقد قسم هذا الباحث الروسي اللغات، من حيث نشأتها التاريخية، إلى أربع مراحل حسب المقاطع الصوتية الأربعة التي كان يستعملها الكهنة والسحرة (Sal,Ber,Yôn,Roch)

المرحلة الأولى: اللغة الصينية واللغات الأفريقية؛

المرحلة الثانية: اللغات الطورانية واللغة التركية؛

المرحلة الثالثة: اللغات القوقازية واللغات الحامية؛

المرحلة الرابعة: اللغات الهند-أوروبية واللغات السامية.

ويعتبر كل مرحلة من هذه المراحل اللغوية دلالة على تقدم معين. وتحمل هذه النظرية، في جوهرها، رؤية عنصرية ماركسية هدفها توحيد اللغات ضمن لغة واحدة، والقضاء على الأخرى، كالقضاء على الصراع الطبقي ووجود الدولة. وقد تحولت النظرية الماركسية للغة، في الاتحاد السوفياتي، إلى (النظرية اللسانية الجديدة)، واستمرت إلى غاية سنوات الخمسين من القرن الماضي.

وقد انتشرت اللسانيات الاجتماعية في الولايات المتحدة الأمركية بشكل لافت للانتباه ؛ بسبب تواجد الكثير من الجاليات الأجنبية. ومن ثم، فقد ارتبطت بمجال التربية والتعليم ارتباطا وثيقا، كما عند بازيل برنشتاين (Basil Bernstein) الذي تحدث عن شفرتين لغوييتن اجتماعيين متقابلتين: لغة ضيقة ومفككة وضعيفة عند أبناء الفقراء، ولغة غنية وموسعة عند أبناء الأغنياء.وفي هذا الصدد، يقول عبد الكريم بوفرة:" انتبه برنشتاين إلى العلاقة المباشرة بين الإنتاجات اللغوية الواقعية وبين الوضعية الاجتماعية للمتكلمين أو الناطقين اللغويين. وانطلق من هذه الملاحظة لكي يصل إلى استنتاج عام، مفاده أن أبناء الشرائح الاجتماعية المتواضعة يعرفون نسب فشل دراسي أكبر من أولئك المنتمين إلى طبقات اجتماعية مستقرة ماديا. ويتميز هذا التفاوت بالفرق بين نظامين لغويين اثنين: واحد ضيق، والآخر متسع...

ولمعرفة حجم الفرق بين النظامين أعلاه تم إخضاع تلاميذ المستويين الاجتماعيين المختلفين لتجربة مثيرة للاهتمام. فقد طلب منهم التعليق كتابة على مجموعة من الرسوم المتحركة الصامتة. فماذا كانت النتيجة؟

كان جواب الفئة الأولى (تلاميذ الطبقة الاجتماعية المتواضعة) على الشكل التالي:

" هم يلعبون بالكرة، قذف، تكسر الزجاج..."

بينما كان تعليق الفئة الثانية (تلاميذ الطبقة الغنية) بهذا الأسلوب:

" كان الأطفال يلعبون بالكرة، قذف واحد منهم الكرة، ومرت عبر النافذة، وكسرت الزجاج..."

ويكمن الفرق بين النظامين في شكل التعبير من الناحية اللغوية، أي من حيث قواعد النحو والتركيب أولا. ففي الحالة الأولى، نجد جملا قصيرة، تفتقر إلى ضمائر الربط مع معجم محدود جدا.لذا، يجد أولئك التلاميذ صعوبة كبرى في التعبير. فهم عاجزون عن التعلم، وعن رؤية العالم.

وهذا يعني أن التعلم والتنشئة الاجتماعية تنشأ في الأسرة، وليس في المدرسة."8

وقد ساهم عالم اللغة الاجتماعي الأمريكي ويليام بريت(William Bright) في ربط الهوية الاجتماعية للمتكلم بالهوية الاجتماعية للمتلقي، ضمن سياق لغوي تواصلي معين. ومن ثم، فقد استعمل ثلاثة مفاهيم : (الملقي، والمتلقي، والسياق).

فضلا عن ذلك اهتم علماء آخرون بدراسة المدينة باعتبارها فضاء للتطاحن اللغوي، اعتمادا على منهج وصفي قائم على الملاحظة، والتتبع، والاستقراء، والمسح، والمعايشة. ويسمى هذا عند الباحث الفرنسي جان لويس كالفي (Louis- jean Calvet) باللسانيات الاجتماعية الحضرية أو باللسانيات الاجماعية المتعلقة بالمدينة (Sociolinguistique urbaine ou linguistique de la ville)

ويعني هذا أن اللسانيات الاجتماعية الحضرية تدرس اللغة الحضرية بالتركيز على الأسئلة التالية: (من يتكلم؟ ماذا؟ مع من؟ متى؟ أين؟ لماذا؟ ولماذا؟)

وهكذا، يبدو لنا أن هذه اللسانيات الاجتماعية، ولاسيما الحضرية منها، جاءت رد فعل على النحو الكلي عند نوام شومسكي الذي يؤمن بلغة واحدة، وإنجاز لغوي واحد. في حين، تؤمن اللسانيات الاجتماعية بتعدد الألسنة واللغات .

 

الخاتمــــة:

وخلاصة القول، تهتم اللسانيات الاجتماعية بدراسة احتكاك اللغات، ورصد الدخيل والتداخل والخلط اللغوي، ودراسة البوليفونية، ومقاربة الأسلبة والتنضيد والتهجين اللغوي، ومناقشة الثنائية والتعددية اللغوية، ومعرفة علاقة اللغات باللهجات. فضلا عن الاهتمام بتصحيح اللغة، وجودة اللغة، وتقعيد اللغة، والأمان اللغوي، والتلوث اللغوي، والسياسة اللغوية، والتخطيط اللغوي...أي: دراسة اللغات في علاقتها بالأفراد، والمجتمعات، والمؤسسات.

وقد تجاوزت اللسانيات الاجتماعية مثالية اللسانيات السوسيرية والشومسكاوية القائمة على الاستنباط والطابع الافتراضي الصوري المجرد، بالانتقال إلى الطابع التجريبي الاستقرائي الميداني والمختبري.

 

د. جميل حمداوي

..................

1 - عبد الكريم بوفرة: علم اللغة الاجتماعي، مقدمة نظرية، مطبوع جامعي، جامعة محمد الأول، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وجدة، المغرب، الموسم الجامعي، ص:11.

2- عبد الكريم بوفرة: علم اللغة الاجتماعي، مقدمة نظرية، ص:13.

3- عبد الكريم بوفرة: نفسه، ص:16.

4 - عبد الكريم بوفرة: نفسه، ص:14.

5- عبد الكريم بوفرة: نفسه، ص:18.

6- عبد الكريم بوفرة: نفسه، ص:18.

7- Philippe Blanchit : [Avec Calvet, L.-J. et Robillard, D. de], Un siècle après le Cours de Saussure, la Linguistique en question, Paris, L’Harmattan, 2007.

8 -عبد الكريم بوفرة: نفسه، ص:24-25.

 

 

nabe  odaلم تنشأ الفلسفة لتضحك الناس، بل نشأت لتنشط العقل، تعمق الوعي، تزيد المعارف توسع الإدراك

تقوم نظرية الثورة الماركسية على مبدأ يقول ان "على الثورة ان تستمر حتى القضاء على الطبقات المالكة بشكل عام" فيما بعد طور ماركس نظريته بقوله أن "الكلام لا يدور حول تغيير الملكية الخاصة او القضاء على قسم من قوانين البرجوازية، بل إنشاء "المجتمع الجديد" طبعا هذا التعريف عقلاني. رغم ذلك عانت الماركسية من عدم وضوح وقصور فكري لقادة "المجتمع الجديد" (الاتحاد السوفييتي) ينبع أساسا من عدم تطوير الماركسية لمفهوم الدولة الاشتراكية، الدولة التي ستبني المجتمع الجديد. وظلت الدولة الرأسمالية هي الجهاز الذي كلف ببناء النظام الاشتراكي الجديد.. كل ما جرى ان السيد تغير ولم يتغير نهج الدولة او النظام. الدولة البرجوازية واصلت تطورها في الغرب، النظام الديمقراطي البرجوازي حقق انجازات هامة جدا،في مجال حقوق الإنسان والمواطن، لكن الدولة الاشتراكية لم تكن إلا أداة قمع، فكريا ضد البرجوازية، المحلية والعالمية وعمليا ضد المواطنين لدرجة ان الشك أصبح قانونا سائدا قد يقود الى القتل بدون محاكمة او التحقيق باستعمال وسائل تعذيب قاتلة، ليعترف المواطن بما يطلب منه، لا أبرياء إطلاقا.. يعقب ذلك، لمن يبقى حيا، النفي إلى مناطق بعيدة للعمل بنظام أشبه بنظام العبيد، او النفي إلى سيبيريا لفترات طويلة قد تصل إلى 25 سنة لمجرد الشك، حيث معسكرات الغولاغ للعمل ألقسري.

قرار ما يسمى أمن الدولة في النظام الستاليني مقدس وساري المفعول وقرارات المحاكم مجرد توقيع على الحكم الصادر من أمن الدولة.. . وإمكانية ان يصمد الإنسان لفترة طويلة مستحيلة إذ ان أنواع العمل هناك هي قتل بطيء للمنفي. كذلك طورت الدولة وأجهزتها وحزبها القائد عقلية الاستبداد وقمع حرية الرأي او التعددية الفكرية.أحيانا لا يصل المنفي للغولاغ لأنه يموت في عربة القطار التي يحشر في داخل كل عربة مئات المنفيين، رجال ونساء سوية،تستغرق الرحلة حتى يصل القطار الى الغولاغ تستغرق أيام كثيرة جدا، القطار بطيء والمسافة آلاف الكيلومترات.، تقدم وجبة أكل حقيرة كل يوم وماء مرة كل 24 ساعة، وقضاء الحاجة بحفرة مكشوفة داخل العربة . اقرؤوا الرواية التاريخية الوثائقية "ولد 44"،للكاتب البريطاني طوم سميث. التي اعتمد فيها على تسجيلات لرجل أمن سوفييتي، أو روايات ومسرحيات الأديب الروسي (السوفييتي) الكسندر سولجنيتسين عن منافي سيبيريا (الغولاغ) خاصةً روايتيه "أرخبيل غولاغ" و "يوم في حياة إيفان دينيسوفيتش".. واليوم هناك فيض من كتب التأريخ والأعمال الأدبية والوثائقية التي تصف ما يمكن اعتباره جرائم قتل بشعة، تحسنت الصورة بعد وفاة ستالين وانتخاب خروتشوف لقيادة الحزب والدولة السوفييتية.. وهناك مصادر كثيرة أخرى صدمتني، لشدة تناقضها مع الفكر الإنساني وفكر العدالة الاجتماعية والتحرر من الاستبداد والاضطهاد الذي طرحته الماركسية.. لكنه استبدل بفكر ستاليني قراقوشي، قاد إلى تصفية ملايين كثيرة من المواطنين السوفييت لمجرد الشك .. وما زال البعض أسيرا للستالينية !!

يمكن تلخيص مفهوم الثورة الماركسي بطريقة بسيطة وسطحية جدا، وسطحيتها من التراث الماركسي نفسه، حيث طرحت الماركسية رؤيتها التي تحدد الثورات بنوعين، او شكلين لحربين أهليتين- اجتماعيتين، الأولى العمال ضد الرأسماليين، والثانية الفلاحين ضد الإقطاعيين!!

هذه النظرية ظلت حبرا على ورق لأن تطور النظام الرأسمالي تجاوزهما بمراحل شاسعة جدا في الاقتصاد، الرفاهية والخدمات الاجتماعية. بل وتجاوزت الرأسمالية النظام الاشتراكي في تكديس رؤوس الأموال والثروات الهائلة بكل أنواعها.. وأيضا في رفع مستوى الحياة للمواطنين، تعميق الخدمات الاجتماعية والصحية، ضمان الحريات الشخصية وهو ما لم يتحقق في النظام الاشتراكي، بل بني نظام إرهابي سفاح لا يخجل أي نظام ديكتاتوري استبدادي من أكثرها سوادا في تاريخ البشرية !!

أمام سقوط هذه النظريات الواضح حتى في بداية القرن العشرين، ظهرت نظرية لينين الذي اعتقد انه يجب الانتظار خمسون عاما عل الأقل حتى تصبح البروليتاريا أكثرية.. فكرة انطلقت من فهم نظري خاطئ بأن النظام البرجوازي يقف مكانه ولا يتحرك. لكن التطور نفى البروليتاريا كليا من الصورة الاجتماعية في أوروبا (ولم تنشا بروليتاريا خارج أوروبا، لأنها أصلا ظاهرة أوروبية) إلا إذا اعتبرنا الأطباء والمهندسين ورجال الهايتك والمحامين ومدراء الشركات والبنوك وأصحاب المتاجر والحرفيين بروليتاريين!!.

كل هذه النظريات ظلت حبرا على ورق، بعيدة عن واقع التطور الاجتماعي والفكري، حتى شهدنا سقوط النظام الاشتراكي بدل ان يحقق انتصاره التاريخي حسب نظريات ماركس ولينين. لكن الاستبداد الرهيب الذي واجهه المواطنين في النظام الاشتراكي هو شبيه بحالة الزوج في هذه القصة:

 

النظام والشعب ..

عبد الباري تجاوز التسعين عاماً، وأضحت سيرته نموذجاً للبيت السعيد. تزوج في العشرين من عمره، وها قد مضى على زواجه سبعة عقود كاملة، دون أن يسمع إنسٌ أو جنٌّ عن مشكلة بينه وبين زوجته حتى اشتهرت زوجته بالبلد والبلدات المجاورة بصفة "الزوجة الفاضلة الصموتة"، التي يضرب بها المثل وتقدم سيرتها وسيرة زوجها كنموذج للبيت السعيد للذين مقدمين على الزواج، وللأزواج المليئة حياتهم بالخلافات والمشاكل كي يحتذوا بهما، يجري التشديد خاصة على الزوجات اللواتي يُتهمن دائما بتسبيب المشاكل، من طول لسانهن أو قلة إيمانهن كما يقول شيخ البلد الجليل، حتى بدون سماع رواياتهن.

البعض يقول إن "المرأة يزداد وزنها عشرة كيلوغرامات كاملة بعد كل طوشة"، القانون غير المكتوب في بلدنا أن الزوج دائما هو العاقل وهو صاحب القول الفصل وكأنه رئيس جمهورية عربية.. رواية الزوج مقررة في بلدنا، حتى لو كان مخبولاً ولا يعرف تركيب جملتين مفيدتين. ها هي زوجة عبد الباري نموذجاً لكن يا نساء البلد، عرفت قدرها ولم تتجاوز حدودها... فاحترمها زوجها وأجلها وكأنها كنز ذهب وجواهر!!

يقول الشيخ في كل محضر: "زوجة عبد الباري تعرف واجب بيتها واحتياجات زوجها، لا تكثر من الكلام والمماحكة والنق على رأس زلمتها، لا يهمها إلا سعادة بعلها وبيتها وهذا هو نموذج المرأة الصالحة كاملة العقل والدين".

لم تكن تعرف البلد الشيء الكثير عن عبد الباري وزوجته، نصف ما يقال عنهما لا طريقة لإثباته، لكنه حقا لا يستحق الإثبات لأنه خلو من أشياء مثيرة تشد السامعين. مثلا كلُ ما يعرف عن تلك الزوجة الصالحة ان من عادتها إذا تجادلت مع شخص ويغضبها أن تقول بكل هدوء:

- أقول لك للمرة الأولى .. كذا وكيت.

وعدا ذلك لا يعرف عنها سلاطة اللسان أو المشاكسة أو الصراخ أو التدخل بشؤون نساء البلد ومشاكل بيوتها.

حقا كانت تلك جملتها المشهورة، التي قليلا ما تسمع، بسبب حياة العزلة التي تعيشها هي وزوجها بوفاق وحب لا يتعثر، لكن المعلومات القليلة الواردة من عزلة هذا البيت السعيد، تقول أن لفظها لتلك الجملة يجعل زوجها عبد الباري يقفز فوراً بتوتّر ظاهر، كأن لغماً انفجر به، مسارعاً ليسد الطريق على أي خلاف، بين زوجته ومن أسمعته تلك الجملة، مؤكداً أن زوجته على حق كامل، لا تتصرف إلا بالحق وأن زوجته امرأة ولا كل النساء وأن قلبه يؤلمه إذا اضطرت لإعادة جملتها المشهورة بصيغة:

"أقول لكم للمرة الثانية" مثلا، فهي زوجة لا تعرف اللفّ والدوران، استقامتها، كما يقول عبد الباري تفوق الوصف، والذي لا يرضى بكلامه الله وعلي معه.. ليبتعد عن بيتنا".

ترى أي نوع من النساء هي؟ وهل حقا خلق الله امرأة كاملة العقل والدين كما يقول عبد الباري، مستغلاً كلام الشيخ في الإشادة بزوجته؟ لماذا لم يخلق الله غيرها بهذه الصفات التي تشبه الحلم لكل رجل؟

عبد الباري من شدة حبه لزوجته وغيرته على صوتها، لا يريد أن يسمع أصدق النساء تعيد جملتها مرة ثانية، يقول لمن حوله "الويل لنا من المرة الثانية، هذه الزوجة يجب أن تكون كلمتها نافذة من أول مرة".. كان يشدد عبد الباري على قوله بطريقة تبدو غريبة بعض الشيء، خاصة حين تكون زوجته على خطأ مبين لا تبرير منطقي له... لكنه لا يتردد بقطع العلاقة مع أقرب الناس صوناً لكرامة زوجنه وكلمتها حتى لو كانت على خطأ، لدرجة أن البعض سخر من "الحب الذي يجعل الرجل مركوباً من زوجته مثل الحمار".. ولكن تأنيب الشيخ للمتطاولين، أخرس الألسن.

عبد الباري وزوجته يسكنان على أطراف البلد، فوق تله تشرف على بضع قراريط من الأرض، يشتغل عبد الباري من الفجر حتى غياب الشمس في رعاية شؤون مزرعته الصغيرة.. يحرثها يزرعها ويربي فيها الدجاج وبعض الخراف البلدية، ورأسين بقر... يكاد لا يخرج من مملكته، إلا للسوق أيام الاثنين ليبيع بعض ما رزقه الله به ويشتري ما يلزم بيته، لم تكن زوجته ترافقه، بل تكاد لا تغادر البيت والأرض، فيما عدا ذلك يبقى ملتصقاً بزوجته وأولاده، لا ينتفض مذهولا بشكل غريب إلا إذا قالت زوجته الفاضلة لأحد زوار المزرعة الصغيرة، أو حتى لقريب يزورهما واختلفا على موضوع، أو لابن عصى أمرها..

- أقول لك للمرة الأولى..

هذا الأمر لاحظه كل من كان بصلة قرابة أو بهدف تجاري مع عبد الباري وزوجته، لكن أقاويل غير مؤكدة تشكك أن في الأمر سراً لا تفسير له، شيخ البلد يقول "اتركوا الناس في همومهم، هذا بيت صالح، لا تتحرّشوا في أسرار البيوت ولا تفسدوا ما بين الصالحين". لكن البلد، المليئة بالمشاكل بين المتزوجين والأقارب والأصحاب، حيرها أمر عظيم: كيف يمكن لزوجين مضى على زواجهما ما يزيد عن نصف لقرن، لم يسمع أحد عن خلاف أو مشكلة بينهما؟؟ هل هم ملائكة؟؟

لم يتجرأ أحد أن يفاتح عبد الباري بالموضوع، الذي كان ينتفض غضباً للتدخل في شؤونه الخاصة، ويسارع بالابتعاد عن السائل والسائلين وكأنهم مصابون بالطاعون القاتل.

الحق يقال إن سيرته حسنة، يبتعد عن المشاكل ويعيش بشبه انعزال منذ تزوج.

لكن المقدر قد وقع، انتقلت الزوجة إلى رحمة ربها نظيفة من كل ذنب، رغم أنها كانت تبدو بنت معيشة وزوجها الذي يدبّ على عصاتين قريب من حافة قبره: "إن لله في قراراته شؤون لا تخصّ العباد" صدر حكم الشيخ لمنع التساؤلات.

في أيام العزاء لاحظت البلد أن عبد الباري العجوز الذي قارب التسعين استعاد صحته، ظهرت الحيوية على وجهه، بل صار يضحك ويغمز على زوجته، يتحدث بطريقة لم يعهدوها به، فهل هي صدمة الفراق أفقدته عقله أم الشيخوخة هبّت رياحها دفعة واحدة فأفقدته وعيه؟ بل ويتندر أهل البلد انه صار يلبي دعوات الزيارة ويدعو الناس لزيارته، لا يبخل بمدّ الموائد التي لم يشاهدها أحد سابقاً أيام زوجته، يبدو أن أولاده أيضا أكثر حرية وسعادة، أمر غريب يلفت الانتباه. أين اختفى الحزن على فراق أفضل الزوجات وأكثرهن إخلاصاً لزوجها وبيتها؟

في فجر أحد الأيام أنتشر خبر يقول أن عبد الباري أصيب بتوعك صحي صعب ويبدو أنه يودع هذه الحياة. سارع الشيخ لزيارته وفي ذهنه أن يفهم سر هذا التغيير، كيف صمد على وفاق مع أم الأولاد ستة عقود كاملة، حتى صار يضرب ببيته المثل عن البيت السعيد والزوجين النموذجيين اللذان لم يخلف بينهما شيء على الإطلاق.

كان عبد الباري يتنفس بصعوبة، أولاده وأحفاده حوله، بعد أن ألقى الشيخ التحية وقرأ الفاتحة فوق رأسه وتمنى له حسن الختام، سأله:

- البلد كلها تريد أن تعرف كيف يمكن بناء علاقات زوجية لفترة ستة عقود بدون خلاف بل بوفاق كامل لا نعرف له حالة في عالمنا؟! أعطنا ما نصلح به بيوت العباد المتنازعين والمتقاتلين حتى على كلمة.

بعد أن تنهد عبد الباري بعمق، محاولاً أن يأخذ نفساً طويلاً يعينه على حديثه، إلا أنه ظل يلهث، ومن بين لهثه وأخرى وبتقطع في السرد، شرح سر هذا البيت الذي يضرب المثل بسعادته ووفاقه، قال:

- يا شيخنا الجليل المسألة بسيطة، عندما تزوجنا لم تكن سيارات، عدنا بعربة يجرها حمار إلى بيتنا، الطريق وعرة كما تعلم وكلها صعود مرهق مما أرهق الحمار، فوقع أرضاً، عبثاً حاولت أن أنهره ليواصل، زوجتي لم تصبر، نزلت من العربة، أمسكت الحمار من أذنيه، نظرت في عينيه وقالت له: "أقول لك للمرة الأولى قم وتحرك" وما هي إلا لحظات حتى قام أبو صابر وواصل جرنا بالعربة نحو البيت، بعد مسافة ما كبع الحمار مرة أخرى، ففتحت فمي لأنهره، فأسكتتني بيدها، نزلت وأمسكت الحمار من أذنيه ونظرت في عينيه وقالت له: "أقول لك للمرة الثانية قم وتحرك"، كما بالمرة الأولى، أنتفض أبو صابر وعاد يجرنا بتثاقل واضح وإرهاق كبير نحو البيت، لكن وعورة الطريق أسقطته أرضاً مرة أخرى، كالمرة الأولى والثانية نزلت عروستي وأمسكته من أذنيه ونظرت في عينيه وقالت له: "أقول لك للمرة الثالثة ولن تكون مرة رابعة، قم وتحرك" مضت لحظات والحمار المسكين غير قادر على الحركة، فإذا هي تخرج مسدساً من حقيبة ملابسها، وبلا مقدمات أطلقت رصاصة على رأس الحمار، ومن يومها لم أضطرها لتقول لأحد ما، أقول لك للمرة الثانية، المرة الأولى تكفي!!

 

نبيل عودة

 

zouhair khouildi"إن أمر الحسن أدق وأرق من أن يدركه كل من أبصره"1[1]

لقد اهتم الفنانون في الإسلام بمختلف المهن والحرف وأتقنوا التصوير والنحت والرسم والتزويق والهندسة المعمارية والعزف والغناء ولكنهم برعوا في الشعر والخطابة وفن القول والخط والزخرفة والمنمنمات والفسيفساء وتذوقوا الطبيعة واعتبروا آيات الله في مخلوقاته وما تضمنته من تصميم بديع وجمال خلاب. لقد غادر الفن الإسلامي مساحة الخصوصية العربية وعانق رحاب الكونية وذلك حينما تم الاختلاط مع الثقافات الوافدة من الهنود والإغريق والرومان والفرس وعكس نظرات المسلم المنفتحة على العالم2[2].

كما أظهر الفنانون عناية خاصة بالطبيعة وحاولوا الاعتبار من مظاهرها الجميلة وما تكنزه من عجيب ومدهش وأسرار وتعاملوا مع عوالم الجماد والنبات والحيوان بوصفها ظاهر إعجاز وقرائن عظمة الله.

لقد ابتعد الفنانون عن فن الصورة وفن النحت وذلك لتفادي شبه مشاركة الله في صفة المصور وتحاشيا لاستعادة مظاهر الوثنية وعبادة الأصنام التي كانت سائدة في الجاهلية وتم التضييق على الشعراء والمغنين صيانة للأخلاق الحميدة وتحصينا للشباب من الفسوق ولكنهم اعتنوا في المقابل بالخط والعمارة والزخرفة للتعبير عن أفكارهم وتخطى الرسام مضمون الخط العربي وسافر به نقشا وحفرا ورميا وتخييطا وبني به أشكالا جميلة أنيقة وعناصر زخرفية طيعة واشتغل على الكتابة في الجداريات والمصاحف والقصور.

اللافت للنظر أن أبو عثمان الجاحظ -على سبيل الذكر ولا الحصر- قد أفرد جانبا هاما من رسائله للتطرق إلى الجمال والفن واعتنى بالخصوص بالجمال وركز على مفهوم الحسن وعلى البديع في البلاغة والخطابة والشعر. لقد وضع الجاحظ الأصول الفنية لنظريته المالية في كتابي "الحيوان" و"البيان والتبيين" وأشار الى أن إدراك الجمال لا يتوقف على الحواس بل يقتضي تدبير العقل والثقافة والرياضة والتجربة والمران وحدد معايير الجمال بالاعتدال في المقدار والتمام في الأعضاء والتوازن بين التكوين والتناسب في الجسم ورأى أن المقياس هو الجسم المتوسط المعتدل التكوين فما اقترب منه عد جميلا وما ابتعد عنه عد قبيحا.

الأصول الكونية للنظرة الجمالية استنبطها الجاحظ من نظرته الكلامية وهي:

- يمكن استخراج مقاييس محددة للجمال من الأشياء الجميلة ذاتها والحكم بها على مواضيع أخرى.

- الجمال موضوعي أي قائم في الأشياء وليس أمرا ذاتيا نضيفه عليها من عندنا.

- الجمال مادي جسمي (تأثر بنظرية الطبائع) ولا دخل للجوانب الروحية والأخلاقية.

- العقل والجسم يدخلان معا في تقويم الأشياء من الناحية الجمالية (نظرية التحسين والتقبيح).

- يقوم الجمال على الاعتدال والتوسط (خير الأمور أوسطها) والتناسب ولا إفراط ولا تفريط.

على هذا النحو تكون البلاغة هي الفصاحة والوضوح وذلك بتجنب السوقي والغريب والإيجاز والاقتصاد.

وآلة الخطابة هي جمال الهيئة وطراوة اللسان وجهارة الصوت وحدة النبرات وإيصال الكلام إلى المسامع.

أما الشعر فهو الكلام الموزون المقفى وصناعة وضرب من النسيج وجنس من التصوير واختراع الخيال. وبناء على ذلك كانت وظائف الشعر هي المدح والهجاء والتثقيف والدعاية وكذلك إيقاظ الشعور بالجمال لدى البشر لوقعه الساحر في النفوس. وما قيل :" أن في البيان لسحرًا"3[3].

في سياق ثان نجد مؤلف الحسن بن أحمد بن علي الكاتب، في كمال أدب الغناء ،الذي عاش في القرن الحادي عشر ميلادي وقد اهتم بالموسيقى وقسم الألحان إلى ثلاثة أصناف وهي المقوية والملينة والمعدلة وقسمها إلى صنف أول يلحق منه اللذة بالحواس وصنف ثان يفيد النفس من التخيلات والانفعالات. وبعد ذلك تمكن من استخراج أربع أحوال يذكر فيها المنفعة من الفن وهي التالية:

- إفادة السامع باللذة الحسية (الموسيقى)

- إيقاع التخيلات في النفس (الشعر)

- اكساب النفس الانفعالات (التراجيديا)

- كسب جودة الفهم (الأقاويل التي قرنت حروفها بنغم الألحان)4[4].

غير أن عبد الرحمان ابن خلدون يعتبر الولع بالجمال فطرة جبل عليها الإنسان ويجعل من تمييز الحسن عن القبح هو الغاية الشريفة للفن بقوله:" لما كان انسب الأشياء وأقربها إلى أن يدرك الكمال في تناسب موضوعها هو شكله الإنساني كان إدراكه للجمال والحسن في تخاطيطه وأصواته من المدارك التي هي اقرب إلى فطرته ، فليلهج كل إنسان بالحسن من المرئي أو المسموع بمقتضى الفطرة"5[5].

في العموم لقد كان الفن الإسلامي خير معبر عن الهوية الحضارية الدينية ولقد حاول الجمع بين الفرد والمجموعة وتحقيق الاستقلالية عن أشكال المحاكاة وبالتالي كان طموحه إبداع شكل تجريدي يعكس فيه تمثلاته الجمالية والثقافية للعالم المحيط به ويعبر كونية الرؤية للوجود لدى المسلم وتصوره للحق والواقع.

لكن ماهي عيوب نظرية المحاكاة الموروثة عن الإغريق؟ ولماذا تحولت إلى عائق ابستيمولوجي أمام تقدم الفنون؟وكيف تمكن الفن من تحيق استقلاليته عن الفلسفة في العصور الحديثة؟

 

د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

.................

الهوامش والاحالات:

[1] أبو عثمان الجاحظ، رسالة القيان، ضمن آثار الجاحظ ، تحقيق عمر أبو النصر، مطبعة النجوى، بيروت، 1969، ص.81.

[2] Graber Oleg, Penser l’art islamique, une esthétique de l’ornement, éditions Albin Michel S.A, Paris,1996.

[3] علي أبو ملحم، في الجماليات ، نحو رؤية جديدة لفلسفة الفن ، مجد ، بيروت، طبعة 1990،صص.32-38.

[4] الحسن بن أحمد بن علي الكاتب، في كمال أدب الغناء ، تحقيق غطاس عبد الملك خشبة وراجعه محمود احمد الحفني، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1975

[5] عبد الرحمان ابن خلدون، المقدمة، فصل في صناغة الغناء، دار الجيل، بيروت، 2005، ص364.

 

المصادر والمراجع:

Graber Oleg, Penser l’art islamique, une esthétique de l’ornement, éditions Albin Michel S.A, Paris,1996.

أبو عثمان الجاحظ، رسالة القيان، ضمن آثار الجاحظ ، تحقيق عمر أبو النصر، مطبعة النجوى، بيروت، 1969،

عبد الرحمان ابن خلدون، المقدمة، فصل في صناغة الغناء، دار الجيل، بيروت، 2005،

الحسن بن أحمد بن علي الكاتب، في كمال أدب الغناء ، تحقيق غطاس عبد الملك خشبة وراجعه محمود أحمد الحفني، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1975.

علي أبو ملحم، في الجماليات ، نحو رؤية جديدة لفلسفة الفن ، مجد ، بيروت، طبعة 1990،