zouhair khouildi"ينبغي أن نتفادى كل سوء للفهم. فالطبيعة البشرية لا تتطابق مع الوضع البشري. ومجموع الأنشطة والمَلَكَات الإنسانية التي تكون الوضع البشري لا تشكل شيئا مما يمكن أن نسميه طبيعة بشرية"1[1].

إذا طرحنا مشكل الطبيعة البشرية بصورة فردانية بسيكولوجية أو بالمعنى الفلسفي العام فإننا لن نحلم بإمكانية انفراج هذا المشكل بمجرد تحويل السؤال عن الذات إلى الاهتمام المركزي للتفكير الفلسفي. علاوة على أنه يمكن تحديد ومعرفة وتعريف طبيعة الأشياء التي تحيط بالإنسان وتختلف عنه من جهة الوجود، ولكن لا أحد يمكن أن يفترض طبيعة ثابتة للبشر ولا أحد يدعي وجود ماهية ثابتة لهم تماما مثل الأشياء. في هذا السياق ترفض حنة أرندت إسقاط مقولات المعرفة الخاصة بالأشياء وكيفياتها الطبيعية على مقولات المعرفة الخاصة بالبشر باعتبارهم الجنس الأكثر تطورا في الحياة العضوية وتقر بضرورة طرح سؤال من نحن؟ وترى ماذا نكون؟ عند التوجه نحو فهم الوضع الإنساني وتطالب بطرح سؤال الهوية خارج إطار المثال الأفلاطوني وتدعو الى الكف عن النظر إلى الطبيعة البشرية من زاوية الألوهية التي خلقتها وعن مفهمة الملكات البشرية وكيفياتها وعن منح الطبيعة البشرية صفات إلهية خاصة بالإنسان الأعلى.وترى في المقابل وجوب الانطلاق من شروط الوجود البشري والانغراس في الحياة في حد ذاتها والتركيز على الفترة الممتدة بين الولادة والوفاة والتعامل مع التعدد والكوكبية بوصفها وضعيات الانتماء إلى العالم والانتباه إلى التهديدات المحدقة بالوضع البشري وما يترتب عنها من هشاشة وتلف وضياع وعطوبية ومداهمة وضرر2[2] . في هذا الصدد ما الذي حدث في الشأن السياسي؟ لماذا حدث كل ذلك العنف وتلك الحروب في المسرح التاريخي؟ وكيف أمكن حدوث ذلك الأمر المكروه؟ هل يمثل الوضع السياسي وضعا طبيعيا موروثا بالنسبة إلى الإنسان أم هو وضع مكتسب ثقافيا ونتيجة تجربة تاريخية مؤلمة؟ وبالتالي هل الإنسان خير ومسالم أم هو عنيف وشرير؟ وهل هو مدني بالطبع وبالضرورة أم كائن سياسي بالاصطناع والإكراه وقوة الوازع؟ ما الفرق بين السياسة والسياسي؟ ولماذا ارتبط الحكم بالأفراد والسلطة بالشعب والنفوذ بالتقاليد والتراث؟

تحاول أرندت أن تجمع بين المقاربة الفنومينولوجية والعلوم السياسية في دراسة الظواهر الاجتماعية والمؤسسات المدنية. من المعلوم أن الفنومينولوجيا هي تيار فلسفي حاسم قام بتجديد الفلسفة في القرن العشرين وبدأ مع هوسرل حينما حاول بلورة أسس الحقيقة العلمية والمعرفة الفلسفية والتجربة الحية وذلك بتفادي المقاربات النفسانية والوضعية واهتم بوصف الظواهر باعتبارها ماهيات معطاة عن الأشياء المدركة واستخدم الأبوخيا للرد على الموقف الطبيعي وتنبيه الوعي بغية الالتفات إلى الظواهر من خلال مفهوم القصدية وإنتاج المعنى بواسطة أفعاله. في حين أن العلوم السياسية هي أحد العلوم الإنسانية ظهر بعد الحرب العالمية الثانية وتدرس الظواهر السياسية وخاصة النظريات والأنظمة والتطبيقات والممارسات والسلوكات الفردية والجماعية والتوجهات العامة والرأي العام وتأثير جماعات الضغط وتطور القوانين ومضامين الدساتير وحقوق الإنسان والحريات وحقوق الشعوب وسيادة الأوطان.

لقد طرحت أرندت في خاتمة تمارينها السياسية الثمانية من كتابها المعنون "أزمة الثقافة" الإشكال التالي: هل أدى غزو الإنسان للفضاء إلى تزايد بعده الإنساني أم إلى الانتقاص منه وتدحرجه الوجودي3[3] ؟

هذا السؤال يسلم ضمنيا بأن الإنسان يوجد في المراتب العليا في سلم الكائنات وفي أفضل مكان في الكون ولكن التطور العلمي والتقني قد افقده هذا الامتياز وجعله يخسر نظرته التبجيلية لنفسه ويتبنى نظرة نسبية.

صحيح أن الإنسان عثر على النقطة الأرخميدية ولكنه استعملها ضد نفسه وقام بغزو للفضاء ونظر إلى الكوكب من الخارج وبحث عن نقطة خارج الأرض تمثل قاعدة ارتكاز في استكمال سيادته على الكون.

لكن الأخطر من كل ذلك ليس القضاء على التصورات المركزية الإحيائية وإنما تعويض الكلام الحي واللغة البشرية والمعاملات المادية المباشرة بالرموز الرياضية والعلاقات المنطقية والأبنية الصورية.

محصلة هذا التحول الكبير لا تنحصر في إزاحة الذات من مركز الكون والكف عن معاملتها بوصفها سيدة الكائنات وتقليص البعد الإنساني وتخفيض منزلته وإنما تتعدى ذلك نحو تحطيمه والقضاء عليه نهائيا4[4]. لكن هل من الممكن أن تكوين مجال سياسي خاليا من العنف والكذب في علاقة الدولة بالمواطنين وعلى المستوى العلاقات الدولية؟ بأي معنى يكون تثبيت السلام بشكل دائم بين الشعوب في العالم أمرا قابلا للتحقيق؟ كيف نفهم الإنسان بوصفه الكائن الوحيد الذي يتصرف بطريقة غير إنسانية؟ ومتى تنقلب الإنسانية على نفسها؟ وكيف صار التصدي لللاّإنسانية الاهتمام الأبرز في الفلسفة السياسية المعاصرة؟

من المعلوم أن الإنسانية لا تعني نوعا ولا طبيعة كونية بل تتميز بالأحرى بحرية غير موجهة أخلاقيا نحو تأسيس وجودنا وإنما يمكن أن تسقط في أفعال مضادة للإنسانية مثل القيام بالشر والكذب والعنف. ولذلك جعلت أرندت محور اهتمامها استشكال الشر الجذري والرد على عدم التفكير في تفاهة الشر والتعامل مع كل ماهو مخيف ومرعب ومسكوت عنه ومتكتم عليه وخاصة إذا ما تعلق الأمر بالإبادة الجماعية وقتل الأفراد الأبرياء والعزل في المحتشدات والتمييز القانوني والاستبعاد الاجتماعي ضدهم.

لقد ارتبطت الهمجية بالجريمة المنظمة من قبل الآلة الحربية والعقلية الأمنية الاستصالية وذهنية التفوق والعظمة وترتب عنها إلقاء المنبوذين في وضعيات غير إنسانية وحشرهم في ظروف مرعبة ومأساوية. إن القذف بمجموعة من الأفراد في الخارج ومحاسبتهم بمنطق الهوية ومعاملتهم باعتبارهم لا ينتمون إلى دائرة الإنسانية هو إجحاف في حقهم ومصادرة لكرامتهم وإغفال للآدمية وتبني نظرة فوق عنصرية.

غني عن البيان أن أرندت لم تجد تبريرا لهذه الممارسات ولم تعثر على مسوغ أخلاقي يشرع للكائنات البشرية إتيان أفعال لاإنسانية وشيطانية ولم تقتنع بصفات الرعونة والصفاقة التي تلتصق ببعض البشر.

هذه الأزمة التي عصفت بالنزعة الإنسانوية تسربت إلى مجمل أروقة الثقافة وطالت التربية والتعليم والاقتصاد والفنون ومست بالأساس العلاقات الاجتماعية والممارسة السياسية وأدى ذلك إلى توتير الوضع الإنساني. لقد ارتكبت الأنظمة السياسية جرائم في حق البشرية وألحقت أضرارا فادحة في حق الكائن مهما كان الطابع الذي تميزت به ومهما كان العنوان الذي لحق بممارساتها واصطبغ بآليات حكمها : طغيان tyrannie واستبدادdespotisme وشمولية أو كليانيةtotalitarisme وإمبراطوريةempire . لقد كان من الضروري بالنسبة للفكر المعاصر تحرير المجال السياسي من هيمنة النظرة المعيارية الميتافيزيقية التي جعلت فيلسوفا كبيرا مثل هيجل لا ينظر إلى الدولة إلا من زاوية مسلمات لاهوتية وهي مجيء الإله إلى الأرض بدل استثمار القارة المجهولة التي اكتشفها وهي التاريخ والتعامل معها بوصفها أرض النسبي.

عندما يوجد الفرد أو الجماعة في نظام شمولي فإنه يحرم من مرجعيات أخلاقية ويسلب حقوقه وحرياته وإنسانيته ويعامل معاملة سيئة ووحشية ويدرج في خانة الغرباء والأجانب والآخرين ويتم تسليط عليه لشتى أنواع الإهانة والتهكم والسخرية ويصل الأمر إلى حد الاستغلال والتوظيف والاستعباد والقتل.

لقد نحتت أرندت مفهوما جديدا في القاموس السياسي هو الشمولية نسبة إلى الفاشية والنازية والستالينية والماوية على السواء وميزتها عن الطغيان والاستبداد ومنحتها جملة من الخصائص والمحمولات الدلالية هي القانون الشمولي والرعب المعمم والإيديولوجيا وذوبان الفرد والمحتشد والعزل والإبادة الجماعية.

بيد أنها تعاملت مع الظواهر السياسية من زاوية فنومينولوجية إيتيقية وقدمت وصفا للوضع البشري بالاعتماد على مقولات الفلسفة الوجودية ونظرت إلى الطابع النشط والحركي للشأن الإنساني في مقابل الطابع التأملي والحياة النظرية السكونية وركزت على ثلاثة أنشطة كبرى يقوم بها الإنسان هي:

ـ الشغل يتمثل في مواجهة ضرورات الحياة والمحافظة على البقاء

ـ الحرفة تقوم بإنتاج مصنوعات تصلح للاستهلاك وتتميز بالدوام

ـ الفعل هو ممارسة إنسانية لا تقتصر على العمل وتحقيق هدف وإنما تتعدى ذلك نحو التعبير عن الحياة وانجاز الكينونة وخاصة حينما يعبر عن تجربة هامة من إمكانيات الحياة بين المتساوين وتقاسم العيش مع الآخرين في فضاء عمومي يمكن أن يتحول إلى فضاء سياسي ديمقراطي إذا انتظم وفق المساواة والتميز.

لقد حرصت حنة أرندت على طرح المشكل الإنسانوي خارج تربة الحداثة وذلك بالخروج من الحياة التأملية نحو الحياة النشطة وتغليب الفعل السياسي الذي يرمز إلى الأبدية على النشاط الاقتصادي الذي يحاول إنقاذ ديمومة العالم وتخليد الآثار البشرية من مصنوعات ومنتوجات ووسائل معدة للاستهلاك.

إذا كانت الاهتمامات البشرية معرضة للعطب والتلف وهشة ومتناهية عندما يتم تداولها في السوق وعرضها في فضاء الظهور وتفقد معناها نتيجة الاغتراب وتفشي الاستهلاك والملكية والآلية فإن الارتقاء من الشغل إلى الفعل ومن الإنسان الصانع إلى الإنسان المدني قد يعيد للكلام ديناميكيته المولدة ويبعث في الفعل اقتداره على الإبداع وقد يجعل من الحياة إطارا مجسما للسعادة وتجربة ملموسة لتوطين الخير الأسمى. لقد طبقت أرندت المنهج الفنومينولوجي في السياسة وقامت بالتمييز بين الفضاء الخاص والفضاء العام ووصفت الفعالية السياسية بكونها اهتماما بشريا مركزيا يتنزل في إطار اجتماعيته وميله نحو المشترك والحياة المدنية ووظفت منوال تدبير المنزل في ترتيب أوضاع الدولة وجعلت من الصفحpardon أمرا لا يمكن الرجوع عنه وتعاملت مع الوعدpromesse بوصفه حدثا مستقبليا غير متوقع5[5]. غير أن المبادئ التوجيهية للفعل السياسي لم تقتصر على الصفح والوعد وإنما شملت التعدديةpluralité والعيش السويcoexistence الحرية وإرادة الحياة المشتركة volonté de vivre ensemble   والصداقة والحقيقة والأملespérance والشهادة témoignage والخير والجليل.

كما ربطت أرندت بين الحكم السياسي والحكم الجمالي6[6] وتصورت مهمة السياسي على غرار مهمة كل من المؤرخ والقاضي والطبيب وهي إصدار الأحكام والتمييز بين الصادق والكاذب وبين المشروع وغير المشروع وبين السوي والمرضي وفي هذا الصدد ميزت بين الحس المشترك والحس السليم وجعلت ملكة التعقل هي قوة التمييز بين الوسائل والتدابير التي يجدر بالسياسي إتباعها في سبيل تحقيق نظام الغايات. لقد حاربت أرندت النزعة المحافظة conservatisme والممارسات الشمولية والهيمنة الإيديولوجية وذلك لانغلاقها ونشرها روح التعصب واللاّتسامح والتمييز والسلطوية وفي المقابل انتصرت إلى اللّيبرالية libéralisme لاحتكامها إلى المؤسسات القانونية وصونها الحرية وتنميتها المنافسة في إطار التعددية.7 [7] جملة القول أن الإيتيقا تدخل من هذه النقطة لإصلاح ما أفسدته الشمولية حينما جففت المنابع الأخلاقية للكائن البشري وذلك بأن تطرح من جديد إمكانية المصالحة مع عين الذات وتنمية قدرة الفرد على الوجود في علاقة مع ذاته دون تدخل السلطة الخارجية وفي التفكير الخلاق والتفاعل مع الآخرين والتعايش المشترك والاحترام الذاتي والتقدير بالنسبة للكرامة البشرية والعناية بالغير القريب والبعيد بوصفه تشريعا للرعاية بالإنسانية. لقد قامت بتجديد الفلسفة الأخلاقية والسياسية وافترضت قيام مجتمع خال من الشمولية والرعب والإيديولوجيا ويعتمد بالأساس على المواطنة الكاملة لكل الأفراد والأقليات دون استثناء أو تمييز. كما أنها نادت بتوفير شروط وجودية إنسانية تنعدم فيها أشكال التحطيم والعزل والتعذيب والقتل البطيء ويغيب عنها منطق تخليف الضحايا من أجل تغليب المصلحة العامة وتقوية الجبهة الداخلية ضد العدو الخارجي. " بهذا المعنى تكون السياسة والحرية متماهيتين وحين يتم التفريط في هذا النوع من الحرية فإنه لم يعد ثمة أصلا فضاء سياسي بالمعنى الخاص"8[8]. لكن كيف السبيل لكي يستعيد للكائن ذاته ويوقع حضوره في وضعه المتعدد الأبعاد؟ لماذا يخفق الإنسان في أن يكون سعيدا؟ وهل يبقى الإنسان سجين وضعياته المادية ومحدود بشروط وجوده أم بإمكانه الإنعتاق والتأثير والتجاوز والتغيير وصناعة ماهو مختلف وجديد؟ كيف يقتدر على وضع شروط وجوده بنفسه والتحكم في مصيره؟

 

د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

......................

الهوامش والإحالات:

[1] Hannah Arendt, Condition de l'homme moderne, édition Calment-Levy, Paris, 1983, p44.

[2] Arendt (Hanna), condition de l’homme moderne,op.cit.pp.19-20.

[3] Arendt (Hanna), la crise de la culture, huit exercices de pensée politique, édition Gallimard, Paris, 1972.p337.

[4] Arendt (Hanna), la crise de la culture, huit exercices de pensée politique, op.cit.pp354.355.

[5] Arendt (Hanna), condition de l’homme moderne, op.cit, pp. 265-274.

[6]   ريكور ( بول )، العادل، الجزء الأول، ترجمة المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، بيت الحكمة، قرطاج، تونس، طبعة أولى، 2003 صص.177-199.

[7] Arendt (Hanna), les origines du totalitarisme, édition Payot, Paris, 1990, chapitre 10.

[8] Arendt (Hanna), qu’est ce que le politique ?, Texte établi par Ursula Ludz, traduction de l’allemand de Sylvie courtine-Denamy, éditions du Seuil, 1995. pp.92-93.

 

المصارد والمراجع:

Arendt (Hanna), la crise de la culture, huit exercices de pensée politique, édition Gallimard, Paris, 1972.( la conquête de l’espace et la dimension de l’homme), pp337.355.

Arendt (Hanna), condition de l’homme moderne, édition Calment-Levy, Paris, 1983.

Arendt (Hanna), les origines du totalitarisme, édition Payot, Paris, 1990,

Arendt (Hanna), qu’est ce que le politique ?, Texte établi par Ursula Ludz, traduction de l’allemand de Sylvie courtine-Denamy, éditions du Seuil, 1995.

ريكور ( بول )، العادل، الجزء الأول، ترجمة المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، بيت الحكمة، قرطاج، تونس، طبعة أولى، 2003.

 

ridowan alrokbiتقديم: تعد اللغة ظاهرة اجتماعية، مرتبطة أشد الارتباط بثقافة مستعمليها، هذه الثقافة التي يمكن تحليلها بحصر المواقف الاجتماعية المختلفة والمسماة سياقات مقامية، ففكرة المقام هذه هي الأساس الذي ينبني عليه الشق أو الوجه الاجتماعي للغة، وهو الوجه الذي تتمثل فيه الأحداث والظروف والعلاقات التي تسود ساعة أداء المقال[1].

وعلى هذا الأساس يعتبر السياق أحد المحاور الأساسية، التي أفضى الحوار بصددها إلى تثوير الدراسات اللغوية التي تمخظت؛ فأنجبت درس التداوليات، الذي لا يمكن اعتباره إلا دراسة للأقوال، باعتبار السياق كما يذهب إلى ذلك ستالناكر Stalnaker وفرانسيس جاك*. ولذلك فللسياق أهمية كبيرة وضرورة لا غنى عنها لمحلل الخطاب، خاصة عندما يتعلق الأمر بالبحث عن الدلالة والمعنى.

وبهذا فالسياق يمثل خاصية أساس من بين الخصائص التي يقوم عليها أي استعمال، لأية لغة طبيعية، ذلك" أنه يوجد على الأقل في كل موقف تواصلي، شخصان أحدهما فاعل حقيقي، والأخر على جهة الإمكان، أي المتكلم أو المخاطب على التوالي، وكلاهما على الأقل ينتميان إلى جماعة لسانية، أي طائفة من الأشخاص لها نفس اللغة، وترابط ضروب الاتفاق والتواطئ للقيام بالفعل المشترك الانجاز[2]. داخل سياق مقامي محدد.

تقوم النظرية التداولية للنص على مفهوم مقام الخطاب، لهذا كانت البلاغة العربية تختار كنقطة انطلاق لها هنا مقام الخطاب، حيث كان الخطيب يقف في الموقف المخصص له، ويسعى إلى كسب انتباه المستمعين مراعيا بذلك أقدارهم وحالاتهم حسب تعبير الجاحظ، وهذا ما نلمسه بدقة في صحيفة بشر بن المعتمر، التي تعد منطلقا أساسيا للتفكير البلاغي المراعي لمختلف العناصر التداولية في عملية التواصل.

ونقصد بالنظرة التداولية؛ تلك النظرة التي تقوم على البحث في العلاقات التفاعلية بين النص وبين منتجه من جهة، وبينه وبين متلقيه من جهة أخرى، مع مراعاة مختلف العناصر المقامية المؤثرة في هذه العلاقات.

وهكذا استطاعت النظرية التداولية؛ أن تعيد النظر في مجموعة من القضايا التي كان يرتكز عليها البحث اللساني، وهي من بين هذه المناهج التي نبهت على ضرورة أخذ الاستعمال اللغوي بعين الاعتبار، وبعبارة أخرى أرادت تجاوز القدرة على الانجاز، أي تجاوز البنية الصورية إلى الكلام في كل حيويته وعفويته، والى المتكلم بكل ما له من اعتقادات ونوايا معرفية، والى المخاطَب بكل ما له من فهم وقدرة على التأويل.

والتداولية ليست تخصصا منغلقا على ذاته، بل اقتحمت العديد من الموضوعات التي كانت تُصنف ضمن موضوعات الفلسفة التقليدية مثل، الاقتضاء والاستلزام الحواري والأفعال اللغوية، إلى جانب ذلك تخوض التداولية اليوم في بعض الموضوعات التي ما زالت تشغل بال الفلاسفة والمناطقة، كمسألة الفرق بين الألسنة الطبيعية واللغات الاصطناعية المنطقية، وكذا الفرق بين الاستدلال المطبق في الألسنة الطبيعية، والبرهنة المنطقية المطبقة في مجال المنطق والرياضيات مثلا، إضافة إلى الاهتمام بموضوع الحجاج الذي يشكل أحد موضوعاتها الرئيسة.

وهكذا استطاعت التداولية اليوم، أن تقدم الإطار النظري الملائم الذي يسمح بمعالجة العديد من القضايا أو الموضوعات، في مقدمتها الأفعال اللغوية و الحجاج والاستدلال والمبادئ التخاطبية أو الحوارية... إضافة إلى أنها استطاعت أن تجدد البحث وبطريقة مبتكرة في العديد من القضايا التي كانت تنتمي إلى المجال المرتبط بالدلالة.

 

المـطـلـب الأول:

لا شك أن تحديد المفهوم له أهمية كبيرة في البحث العلمي الرصين، إذ يعتبر الخطوة الأساس والمهمة الأولى للمعرفة العلمية، التي لا يمكننا أن نضمن النجاة من الانفلاتات التي نكون عرضة لها بين الفينة والأخرى، نتيجة غياب حدود مفهومية للمصطلحات التي نشتغل بها. ولكن إذا حددنا المفاهيم قبل ارتيادنا غمار البحث ولُججه، سنكون قد ضمنا شرطا علميا في معالجة الإشكالية المدروسة، إذ الوصول بالخطاب العلمي إلى مستوى الدقة، يعني أولا تعريف المفاهيم، باعتبارها مفاتيحا للعلوم.

والتزاما بهذه الخطوة المنهجية؛ وتأسيسا عليها، لابد أن نحدد مفهوم التداولية باعتباره محور الدراسة وقطب رحاها، وكذلك مجموعة من المفاهيم التي تدور في فلك التداولية مثل: مفهوم الأفعال اللغوية؛ والاستلزام التخاطبي... إلى غيرها من المفاهيم التي سنقف عندها في هذا العمل.

 

1- مفهوم التداولية:

يقول ابن منظور: تَداوَلنا الأمرَ: أخذناه بالدُّوَل، وقالوا دَوالَيكَ أي مُداوَلةً على الأمر... وتداولتهُ الأيدي أخذته هذه مرَّة وهذه مرَّة.[3] وأدل الشيء: جعله مُتداولا، دَاولَ كذا بينهم، جعله متداولا تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء.[4]

والتداول من تداول يتداول وجذره - دَولَ- وهو على صيغة التجاوز، وفيه الممارسة والتفاعل أيضا، وهذا واضح من خلال مادته المعجمية، إلا أن هذه المادة تنسحب على تعميم كبير من النَّكِرات - أمر؛ شيء...- هذه النكرات التي يمكن أن تستبدل باللغة والخطاب، لتفيد بعض التخصص الذي نرجوه. ومن ذلك نقول تداول اللغة: أي استعملها.

وعلى هذا الأساس استعملت كلمة تداولية مشتقة من فعل تَداولَ، وهو يفيد معنى ما تناقله الناس وأداروه فيما بينهم.

وفي تأملنا لهذا الفعل الذي يفيد معنى المشاركة، نجد أنه يجمع بين جانبين اثنين مترابطين، وهما التواصل والتفاعل" ومن ثمة يكون معنى التَّداول، أن يكون القول موصولا بالفعل"[5].

ولفظة التداول تفيد في العلم الحديث"معنى الممارسة ونعبر عنها ب: PRAXISLA - تفيد تماما الممارسة - وهي مقابل المصطلح التاريخي، وتفيد أيضا التفاعل في التخاطب"[6].

والتداولية هي أفضل كلمة يمكن استعمالها مقابلا لمصطلح Pragmatiqueوذلك لأنها تفيد معنى الممارسة، كما تفيد معنى التفاعل في الخطاب، وكل ذلك في إطار الدلالة والتداول على السواء.[7]

لا أحد يُماري في أن البحت التداولي وليد الثقافة الانجلوساكسونية، فقد تطورت في الولايات المتحدة الأمريكية وانجلترا بسبب الدور الذي اضطلعت به الاتجاهات التحليلية في الفلسفة من جهة، ومن جهة أخرى بسبب ما خلفته النظرية التشومسكية - التوليدية - في نموذجها من إخفاق، نتيجة تمسكها باستقلالية التركيب، مما أدى إلى التفكير في البعدين الدلالي والتداولي، على اعتبار أنه خلال القرن الماضي، توزعت علامات اللغة إلى بعدين أساسين:

- البعد النحوي: ويهتم بدراسة التراكيب: أي دراسة وضع الكلمة في الجملة، والجملة في مقاطع الجمل، من أجل إيجاد قواعد تحدد هذه التعبيرات المختلفة.

- البعد الدلالي: ويهتم بمعالجة علاقة العلامات والكلمات بالأشياء وأحوالها؛ أي الاهتمام بدراسة المعنى والمرجع.

ولما كان هذان البعدان لم يستنفدا مشاكل المعنى، ولا مشاكل الحقيقة؛ فإن التداولية تتدخل لدراسة علاقة العلامات بمستعملي هذه العلامات، والجمل بالمتكلمين. وبإيجاز" نجد أن النحو يدرس الجمل، وأن الدلالة تدرس القضايا، أما بالنسبة للتداولية فهي دراسة الأفعال اللسانية والسياقات التي تتم فيها."[8]

إن وقوف النحو التوليدي عند المكون الدلالي، ومحاولته الحفاظ على استقلال النحو باعتباره نظرية للقدرة الذهنية، وعدم تجاوز ذلك إلى مستوى استعمال وتوظيف اللغة، فتح الباب أمام نظريات تطعن في مصداقية صورنة اللغة. ولهذا سرنا نجد عند مطلع السبعينات من القرن العشرين، أن النحو التوليدي بدأ يفقد سيطرته على الدرس اللساني، حيث بدأت تنافسه مدارس واتجاهات جديدة لا تفصل اللغة عن مستعمليها.

والتداولية من بين هذه المناهج التي نبهت على ضرورة أخذ الاستعمال اللغوي بعين الاعتبار، وبعبارة أخرى أرادت تجاوز القدرة على الانجاز، أي تجاوز البنية الصورية إلى الكلام في كل حيويته وعفويته، والى المتكلم بكل ما له من اعتقادات ونوايا معرفية، والى المخاطَب بكل ما له من فهم وقدرة على التأويل.

وهكذا استطاعت النظرية التداولية؛ أن تعيد النظر في مجموعة من القضايا التي كان يرتكز عليها البحث اللساني. فعندما ننظر في الموقف الابستمولوجي الذي اتخذه دسوسير من مفهومي اللغة والكلام، حيث أقصاهما من حقل البحث اللساني، ونعت الكلام بالظاهرة الفردية الخالصة، كما نعت اللغة بكونها موضوعا غير متجانس، ومن ثم فإن الدارس لا يمكنه أن يجد فيها موضوعا صالحا للدراسة اللسانية.

وكذلك عندما ننظر في اللسانيات التوليدية مع تشومسكي الذي أعطى الأسبقية للقدرة على الانجاز، على أساس أن موضوع هذه النظرية هو القدرة المستترة التي يمتلكها مستعمل اللغة، والتي تتكون من معجم ومن نسق من القواعد النحوية، فإننا سندرك أن المقاربة التداولية للغة، قد جاءت لتحل محل كل من اللسانيات البنيوية والتوليدية.

فعلى العكس منهما جاءت المقاربة التداولية لتمد الجسور نحو لسانيات جديدة، وهي لسانيات التلفظ مع كل من بنفنيست Benveniste وأوستن Austin. ففي إطار التداولية – خاصة تداولية الأفعال اللغوية- لم يعد التمييز هو القائم بين اللسان باعتباره نسقا تجريديا؛ والكلام باعتباره تحققا فرديا. ولا بين القدرة والانجاز هو المعتبر، بل انصب الاهتمام على العلاقة القائمة بين الملفوظ وعملية التلفظ، أي بين نتيجة القول وفعل القول ذاته.

والتداولية ليست تخصصا منغلقا على ذاته، بل اقتحمت العديد من الموضوعات التي كانت تُصنف ضمن موضوعات الفلسفة التقليدية مثل، الاقتضاء والاستلزام الحواري والأفعال اللغوية، إلى جانب ذلك تخوض التداولية اليوم في بعض الموضوعات التي ما زالت تشغل بال الفلاسفة والمناطقة، كمسألة الفرق بين الألسنة الطبيعية واللغات الاصطناعية المنطقية، وكذا الفرق بين الاستدلال المطبق في الألسنة الطبيعية، والبرهنة المنطقية المطبقة في مجال المنطق والرياضيات مثلا، إضافة إلى الاهتمام بموضوع الحجاج الذي يشكل أحد موضوعاتها الرئيسة.

وهكذا استطاعت التداولية اليوم، أن تقدم الإطار النظري الملائم الذي يسمح بمعالجة العديد من القضايا أو الموضوعات، في مقدمتها الأفعال اللغوية و الحجاج والاستدلال والمبادئ التخاطبية أو الحوارية... إضافة إلى أنها استطاعت أن تجدد البحث وبطريقة مبتكرة في العديد من القضايا التي كانت تنتمي إلى المجال المرتبط بالدلالة.

وإذا ما رمنا معرفة الإرهاصات الأولى للاتجاه التداولي، فإننا سنجدها مبثوثة في أعمال فلاسفة اللغة، على أساس أن النظرية التداولية " تكاد تستلهم وجودها من المنطق، إذ تستنبط أساسا من فلسفة اللغة ونظرية أفعال الكلام بوجه خاص، وكذلك من ضروب تحليل الحوار، ومن الاختلافات الثقافية في كل تفاعل كما هو ملاحظ في العلوم الاجتماعية"[9].

وعليه يمكن تحديد منابع التداولية فيما يلي:[10]

ü المنبع الأول: وهو منبع فلسفي منطقي، عُرفت بداياته الأولى مع مؤسسين مباشرين أمثال: بيرس وموريسMoris (ch). وغير مباشرين أمثال فريج فينتنشتاين Wittgensteinإضافة إلى مؤسسين مجددين أمثال كارناب...

ü المنبع الثاني: وهو منبع فلسفي أيضا ارتبط بالفلسفة التحليلية، خاصة داخل ما اصطلح على تسميته بفلسفة اللغة العادية، ويمثل هذا التيار الفلسفي أوستن Austinمن خلال نظرية أفعال اللغة.

ü المنبع الثالث: وهو منبع لساني أسس له اللساني الفرنسي بينفنيستBenveniste داخل ما عرف بلسانيات التلفظ، ومن بعده ديكروDucrot Oswald وأنسكومبر Anscombre, JeanClaudeاللذين طورا هذا الاتجاه.

وهذه الإرهاصات الأولى نجدها كذلك في مناقشات جون أوستن Austin1950 وكذا في محاضرات بول كرايس Grice1967. هذه المحاضرات التي لم تسمح فقط بإحداث تقدم في مستوى معرفتنا باللغات الطبيعية، ولكن أحدثت تغيرا امتد إلى هندسة اللسانيات.

فاكتشاف الأبعاد التداولية للغة فتح أفاقا أرحب، وأنتج أسئلة جديدة ستكون مسوغا للاعتراف بالتداولية، باعتبارها أحدث بحث أفرزته اللسانيات الحديثة.* البحث الذي أصبح يولي أهمية وعناية كبيرة للشروط الخارج لغوية، والمتعلقة بالسياق والمقام والمتكلمين ومقاصدهم وحيثيات الاستعمال والأفعال اللغوية.

ومع ظهور النظريات التداولية التي ارتبطت بدراسات كل من أوستن Austin وسورل وكرايس Grice وغيرهم من التداوليين، تراجع دور المنطق في تحليل الخطاب اللساني، على أساس أنه كان يهتم بالتحليل الشكلي للغة. وبدأ الاهتمام منصبا على تحليل الأقوال باعتبارها أفعالا مرتبطة بالوقائع الخارجية، بمعنى بدأ الاهتمام بالكلام العادي في اللغة اليومية.

و على هذا الأساس تمكنت هذه النظريات من إرساء أسسها وطورت آليات اشتغالها؛ مراعية بذلك البعد الداخلي والخارجي في اللغة، حيث اهتمت بالعوامل الخارجية التي تتحكم في عمليات التخاطب.

يعود الاستعمال الحديث لمصطلح التداولية إلى كل من الفيلسوف تشارلتز موريسMoris (ch)، وهي تمثل عنده جزء من نظرية العلامة التي تتكون من ثلاثة أجزاء: التركيب، الدلالة و التداولية[11]. والفيلسوف رودولف كارناب Carnabالذي حدد اهتمام التداولية في الاعتقاد والقصد والملفوظ، داخل إطار علاقة منطقية تجمع بين هذه العناصر.

و إذا ما قمنا ببحث عن تعريف للتداولية، فإننا لن نجد تعريفا شاملا وموحدا لها، وذلك للأسباب الآتية :

أولا: لأننا لا يمكن أن نبرر التعريف إلا من خلال تطبيقه.

ثانيا: أن التعريف يضع البحث في إطار محدد ويضيقه في بعض الأحيان.

ثالثا: أن هناك اتجاهات عديدة تحاول تعريف التداولية، ومن ثم يصعب معها الوصول إلى صيغة موحدة.

لهذه الأسباب وغيرها كانت كل محاولات التعريف من طرف الدارسين لا تنسجم فيما بينها، إن لم نقل إنها تتضارب. فموريس Moris مثلا يعرف التداولية بأنها: " دراسة العلاقة الموجودة بين العلامات ومستعمليها"[12]. حيث اعتبرها " جزءا من السميائية التي تعالج العلاقة بين العلامات ومستعملي هذه العلامات."[13] وهذا التعريف واسع وغير محدد للتداولية، إذ يتعدى المجال اللساني إلى السميائي؛ والمجال الإنساني إلى الحيواني والآلي، على حد تعبير فرانسواز ارمينيكو.

كما أن هذا التعريف لا يحدد إلا الأهداف الوصفية للتداولية، إذا ما قارناه بتصور الفلسفة التحليلية؛ نجده يضيق مجال البحث. أما هذه الفلسفة فترى أن التداولية هي دراسة الأغراض اللغوية، فتكون بذلك قد ركزت على جانب الاستعمال اللغوي في الخطاب.

وعلى هذا الأساس يقدم جيوفري ليتشLeitch تعريفا لما تهدف إليه التداولية فيقول: "التداولية هي دراسة المعنى في علاقته بظروف الكلام، وحيثيات استعماله حيث اللغة نسق تواصلي."[14] ومفهوم ظروف الكلام يقوم عنده على خمسة أسس:

- المرسلون.

- سياق الملفوظ.

- هدف أو أهداف الملفوظ.

- الملفوظ باعتباره شكلا من الفعل أو النشاط.

- الملفوظ باعتباره نشاطا شفاهيا.

فالمتكلم يمتلك نية معينة للكلام، يعرف ما سيقوله، وما هو التأثير الذي سيحدثه بكلامه في المخاطب، ومن أي موقع يتكلم، ويعرف وضع المخاطب والسلوك المتوقع عنه.

وبناء على تعريف موريس الفضفاض نجد كلا من آن ماري دييرAnne Marie dillor وفرانسوا ريكاناتي François récantiيحاولان تحديد معنى التداولية لسانيا بكونها تهتم" بدراسة اللغة في الخطاب، شاهدة في ذلك على مقدرتها الخطابية."[15] في حين يذهب فرانسيس جاك .Françaiss إلى أن التداولية:" تتطرق إلى اللغة باعتبارها ظاهرة خطابية وتواصلية واجتماعية معا،"[16] أخذتا بعين الاعتبار لدور المتخاطبين أو المتكلمين، والسياق، باعتباره شيأ يتطلب الاهتمام به، حتى تتحقق العملية التواصلية، بمعنى أن التداولية تهتم بمجموع شروط إمكانية التواصل.

ولذلك ذهب فاندايكvan dayk إلى أن النظرية التداولية يجب " أن تسهم إسهاما مستقلا في تحليل الشروط، التي تجعل تلك العبارات جائزة ومقبولة في موقف معين بالنسبة للمتكلمين بتلك اللغة."[17]

ويعرف Levinson التداولية بأنها دراسة للمبادئ التي تجعلنا ندرك لماذا بعض الجمل غير عادية، أو غير مقبولة أو لاحنة أو غير واردة في اللغة المتكلم بها. ويضيف بأنه إذا كان النحو نظريات تتناول بنية أنواع الجمل... فان النظريات التداولية بالمقابل لا تفعل شيئا في تفسير البنيات اللغوية أو الخصائص النحوية أو العلاقات النحوية... وإنما تفسر أسباب المتكلمين أو السامعين في عملهم، خارج الترابط في سياق ورود الجمل بقضاياها. وبناء على هذا الاعتبار تعد النظرية التداولية جزءا من الانجاز[18].

أما فان دايك van dayk فيوسع مفهوم التداولية، ويجعلها علما يختص بتحليل الأفعال الكلامية ووظائف المنطوقات اللغوية وسماتها في عمليات الاتصال بوجه عام[19].

وتعرف التداولية غالبا بكونها دراسة للأقوال في سياقها، حيث النظر إلى اللغة باعتبارها نظاما تواصليا، حاويا لعناصر النسق اللساني الصرف المتداخلة مع كل ما يربط بها في محيط إنتاجها. وهي بذلك تبدو متجاوزة الدراسة التقليدية التي طالما وقفت عند النسق الشكلي للغة، إلى دراسة نسق الاستعمال. إن اللغة من هذا المنظور نسق علامات حامل لوظيفة في سياق حي.[20]

ويحاول بنعيسى ازابيط بعد استقرائه لمختلف التعاريف التي تناولت مفهوم التداولية الخروج بتعريف يقرب بين مختلف هذه التعاريف قائلا[21]: التداولية دراسة لظواهر الخطاب وتفسير لبنياته في ضوء الاستعمال والوظائف. وهو تعريف يلبي شروط التكامل بين ظواهر الخطاب وتقويم البنيات والمعنى كعناصر داخلية، وبين الاستعمال والوظائف والانجاز والسياق... كعناصر خارجية، كما يلبي شرط التفاعل والتداخل بين هذه العناصر المشكلة للأسس التداولية.

وتأتي أهمية التداولية من خلال كونها تهتم بمختلف الأسئلة الهامة، والإشكاليات الجوهرية في النص الأدبي المعاصر، لأنها تحاول الإحاطة بعديد من الأسئلة من قبيل:

- من يتكلم والى من يتكلم؟.

- ماذا نقول بالضبط حين نتكلم؟.

- ما هو مصدر التشويش والإيضاح؟.

- كيف نتكلم بشيء، ونريد قول شيء أخر؟.[22]

من ثم تستدعينا التداولية للإجابة عن هذه الأسئلة؛ إلى استحضار مقاصدنا وأفعال لغتنا، وسياق تبادلاتنا الرمزية، والبعد التداولي لهذه اللغة المستعملة، لذلك وُجد مفهوم الفعل ومفهوم السياق ومفهوم الانجاز في التداولية، باعتبارها مقاييس ومؤشرات على اتجاهات النص الأدبي في النظرية النقدية المعاصرة.

وتحدد فرانسواز أرمينيكو المفاهيم الأكثر أهمية في التداولية، في ثلاث مفاهيم أساسية تشكل الركيزة التي عليها يقوم الدرس التداولي وهي:

- مفهوم الفــعل: ويتنبه إلى أن اللغة لا تخدم فقط؛ تمثيل العالم، بل تخدم انجاز الفعل، فالكلام هو أن تفعل.

- مفهوم السياق: ونقصد به الوضعية الملموسة، التي توضع وتنطلق من خلالها مقاصد تخص المكان والزمان، وهوية المتكلمين... الخ وكل ما نحن في حاجة إليه من اجل فهم وتقييم ما يُقال، وهكذا ندرك أهمية السياق حين نحرم منه مثلا، أو حين تُنقل إلينا المقاصد عبر وسيط، وفي حالة معزولة عن السياق.

ولعل تركيز التداولية على السياق وأهميته في فهم العلاقة التخاطبية، هو ما دفع بماكس بلايك Max blyck إلى نعت التداولية باسم السياقية، لأنها في نظره علم الاستعمال اللساني ضمن السياق، أو بتعبير أكثر توسعا: هي استعمال العلامات ضمن السياق.

- مفهوم الانجاز: ونقصد به طبقا للمعنى الأصلي للكلمة، انجاز الفعل في السياق إما بمحايثة لقدرات المتكلمين، أي معرفتهم وإلمامهم بالقواعد، وإما بتوجب إدماج التمرس اللساني بمفهوم أكثر تفهما كالقدرة التواصلية.[23]

أما هانسون فقد حاول أن يميز بين ثلاث درجات للتداولية في برنامجه 1974مختلفة حسب طبيعة سياقها:

فتداولية الدرجة الأولى: هي دراسة للرموز الاشارية، أي للتعابير المبهمة حتما ضمن ظروف استعمالها؛ أي سياق تلفظها. ومن ثمة يكون سياق الدرجة الأولى هو الموجودات أو محددات الموجودات، ومن ثم فالسياق الوجودي و الاحالي هو المخاطبين ومحددات الفضاء والزمان.

أما تداولية الدرجة الثانية: فهي دراسة طريقة تعبير القضايا في ارتباطها بالجملة المتلفظ بها، في الحالات الهامة. إذ على القضية المعبر عنها أن تتميز عن الدلالة الحرفية للجملة، وبناء على ذلك يكون سياق هذه الدرجة موسعا كما عند ستالناكر، بمعنى انه يمتد إلى ما يحدس به المخاطبون، انه سياق الإخبار والاعتقادات المتقاسمة لا السياق الذهني.

أما تداولية الدرجة الثالثة: فهي نظرية أفعال اللغة، ويتعلق الأمر بمعرفة ما تم خلال استعمال بعض الأشكال اللسانية، فأفعال اللغة مسجلة لسانيا، إلا أن هذا لا يكفي لرفع الابهامات والإشارة إلى ما أنجز فعلا عبر هذا الموقف التواصلي.[24]

إن اهتمام التداولية باللغة داخل الخطاب[25]، يجعلها تحاول الإجابة عن عدد من الأسئلة كما أسلفنا من قبيل؛ ماذا نصنع حين نتكلم.؟ وماذا نقول بالضبط.؟ ما هي العلامات النوعية التي ينبغي فعلها حتى يرتفع الإبهام والغموض عن جملة أو أخرى؟. ماذا يعني الوعي؟ كيف يمكننا قول شيء أخر غير الذي كنا نريد قوله.؟ هل يمكن أن نركن إلى المعنى الحرفي لقصد ما.؟ ما هي استعمالات اللغة.؟ أي مقياس يحدد قدرة الواقع الإنساني اللغوي؟. إلى غير ذلك من الأسئلة اللغوية والفلسفية التي تجعل من التداولية الحديثة حقلا تخصصيا واسعا، تتداخل فيه مجموعة من الحقول المعرفية السميائية منها والدلالية والتركيبية... حيث تهتم بدراسة الظواهر اللسانية ذات الطبيعة المتباينة، التي يمكن تحديدها منهجيا في أربعة مذاهب أساسية:

التداولية التلفظية:Enonciative أو اللسانيات التلفظية التي تهتم بدراسة العلاقات بين المعطيات الداخلية ومجموعة الحالات التلفظية الممكنة.

التداولية التعاقدية:Conventionnelle التي من خلالها يمكن للفكر أن يؤسس نوعا من الحوار، وهذه النظرية تدرس القيم التداولية في الجملة التي يمكن أن توظف تعاقدا لغويا خاصا، بحيث ان المنطق التخاطبي يتضمن مجموعة من القيم الدلالية المندمجة في موضوع اللغة المعين:

أ - قيم الإقناع

ب - قيم الإنجاح

وقد انطلقت هذه النظرية من أبحاث اللساني بورس. ثم تطورت في أطروحات أوستن Austin وسورلseurle خصوصا عند معالجتهما لمفهوم التخاطب، أو نظرية تعاقد الخطاب.

التداولية التخاطبية:Conversationnelleوهي التي تحتاج في موضوعها النظري إلى معطيات في الرمزية، وكذلك في نظرية التواصل. ومهما تختلف تصورات التداوليين لهذه المادة، فإنها تهتم بالمتكلم وعلاقته بالخطاب المعين.

التداولية المندمجة:Intégrée وقد نتج هذا النوع التداولي عند التجارب التي حاول اوزفالد ديكرو Ducrotمن خلالها أن يلحقها بالحقل التلفظي الذي سماه (الموضوع المتحدث فيه)، وهذا يدل على أن ديكرو يدافع عن تصور مزدوج للتداولية، حيث تأخذ الوظيفة الاستدلالية الحجاجية؛ باعتبارها وظيفة تلفظية لبنيتها الأساس والعقود اللغوية actes de langage التي سمحت له بانجاز عقود استدلالية حجاجية قيمتها التلفظية في الخطاب. وهذه الثنائية للتصور الذي دافع عنه ديكرو يمكن أن نؤطر فيها التداولية المندمجة، أو بتعبير أخر النظرية الدلالية التي تعطي الأهمية الأساس للمعطيات التداولية في إطار المعنى.[26]

وعلى العموم فالمنهج التداولي هو مستوى تصنيف إجرائي في الدراسات اللغوية يتجاوز دراسة المستوى الدلالي، ويبحث عن علاقة العلامات اللغوية بمؤوليها، مما يبرز أهمية دراسة اللغة عند استعمالها، ومن ثم فإنه يعنى بدراسة مقاصد المتكلم؛ وكيف يستطيع المرسل أن يبلغها في مستوى يتجاوز مستوى دلالة المقولة الحرفية، كما يعنى المنهج التداولي بكيفية توظيف المرسل للمستويات اللغوية المختلفة في سياق معين، حتى يجعل انجازه ملائما لذلك السياق.

وذلك بربط انجازه اللغوي بعناصر السياق الذي حدث فيه، فمنها ما هو ذاتي مثل مقاصد المتكلم ومعتقداته، وكذلك اهتماماته ورغباته، ومنها أيضا المكونات الموضوعية؛ أي الوقائع الخارجية، مثل زمن القول ومكانه، وكذلك العلاقة بين طرفي الخطاب. وتساهم هذه العناصر في تحديد الدلالة عند المتلقي، إذ يعتمد عليها في تأويل الخطاب في سياق معين، كما يعين على معرفة اثر السياق في لغة الخطاب عند إنتاجه.

 

د. رضوان الرقبـي- المغرب

jamil hamdaouiتـوطئة: يعد الباحث المغربي طه عبد الرحمن[1] من الدارسين العرب الذين تمثلوا المقاربة المنطقية أو التداولية في تقويم التراث، بالتركيز على المناظرة باعتبارها منهجية تداولية تراثية. ويتجلى ذلك واضحا في كتابه(تجديد المنهج في تقويم التراث)[2] الذي خصه بدراسة نقدية واعتراضية للكتابات المعاصرة التي تناولت التراث العربي-الإسلامي، ولاسيما كتابات محمد عابد الجابري، كما يظهر ذلك بينا في كتبه( نحن والتراث)[3]، و(تكوين العقل العربي)[4]، و(نقد العقل العربي)[5]، و(التراث والحداثة)[6]...

ومن هنا، فالكتاب عبارة عن قراءة نقدية حوارية لما كتب حول التراث بطريقة استبطانية استرجاعية، بغية استكشاف الآليات الشكلية التي استعملتها هذه الكتابات المعاصرة في قراءة التراث من جهة، وإعادة قراءة التراث العربي- الإسلامي من جديد من جهة أخرى، باختيار أسلوب المناظرة القائم على استدعاء الأطراف المتحاورة، وخاصة : المدعي والمدعى عليه، واستعراض مختلف الأدلة والبراهين والحجج لإفحام الخصم وإقناعه. وهذه هي الطريقة التي اختارها طه عبد الرحمن لمواجهة محمد عابد الجابري في ما كتبه عن التراث، بغية إظهار تناقضاته الاستدلالية، وكشف مساوئه الفكرية، وتبيان تهافته الفكري والفلسفي.

 

المبحث الأول: منهــج التقويـــم

ينطلق طه عبد الرحمن، في تقويم التراث بصفة عامة، ونقد كتابات محمد عابد الجابري بصفة خاصة، من المنهج التداولي المنطقي، بتمثل المناظرة طريقة للحوار والمناقشة والاعتراض، وتفنيد أطروحات الخصم. بمعنى أن طه عبد الرحمن فضل طريقة السجال النقدي المنطقي منهجية للتقويم. كما فضل الاعتراض التداولي لإفحام الخصم.لذا، استخدم في ذلك المناظرة التي عرف بها المفكرون العرب القدامى منذ العصر العباسي (يونس بن متى المنطقي وأبي سعيد السيرافي النحوي- مثلا-).أي: اختار الباحث منهجية تراثية لقراءة التراث، وأيضا لمواجهة الجابري الذي يتبنى، في مختلف كتاباته الفكرية، مقاربات إبستمولوجية غربية معاصرة في قراءة التراث، كتطبيقه للمقاربة البنيوية التكوينية من جهة، أو تمثله للمادية التاريخية الجدلية من جهة ثانية، أوتوظيفه للقطيعة الابستمولوجية لجاستون باشلار(Gaston Bachelard) من جهة ثالثة. وفي هذا السياق، يقول طه عبد الرحمن محددا منهجه النقدي:" ولما ألزمنا أنفسنا بهذه المبادىء النظرية والعملية، فقد حملنا ذلك على أن نأخذ في بحثنا بمنهجية تعتمد أساسا مسلكا حواريا موصولا بالطريقة التي اشتهرت بها الممارسة التراثية، وهي: طريقة أهل المناظرة.ومعلوم أن هذه الطريقة التي شملت جميع دوائر المعرفة الإسلامية العربية، تنبني على وظائف منطقية تأخذ بمبدإ الاشتراك مع الغير في طلب العلم وطلب العمل بالمعلوم، كما تنبني على قواعد أخلاقية تأخذ بمبدإ النفع المتعدي إلى الغير أو إلى الآجل؛ وقد بسطنا القول في منطقيات وأخلاقيات المناظرة بما فيه الكفاية في كتابنا (أصول الحوار وتجديد علم الكلام)، فليرجع إليه.

وليس معنى أخذنا بمنهجية المناظرة نقلا لها، إجمالا وتفصيلا، وإنما هو نقل حي لأركانها الأساسية؛ والشاهد على ذلك مراعاة هذا النقل لمقتضيين جوهريين: أحدهما، مقتضى تجدد المعرفة العلمية؛ والثاني، مقتضى خصوصية الموضوع المدروس.فإن كان أهل المناظرة قد أخذوا بآليات منطقية ولغوية تناسب النظريات المنطقية والحجاجية واللسانية المعاصرة؛ كما أننا ألزمنا أنفسنا بأن تكون الآليات التي نستعملها ملائمة في خصائصها للموضوعات التراثية التي ننزلها عليها؛ فالموضوع التراثي، عموما، مبني بناء لغويا ومنطقيا مخصوصا، ولايمكن وصفه وصفا كافيا، ولاتعليله تعليلا شافيا إلا إذا كانت الوسائل التي تستخدم في وصفه ونقده ذات صيغة لغوية ومنطقية."[7]

ويعني هذا أن طه عبد الرحمن يطبق المنهجية التداولية المنطقية أو يتمثل فلسفة اللغة أو يأخذ بأسلوب المناظرة في قراءة تراث الأجداد، وتقويم الكتابات الفكرية المعاصرة التي تناولت التراث بدورها، بفحص الآليات المنطقية والتداولية واللسانية التي استخدمتها هذه الكتابات، مع مقارنتها بالأدوات الشكلية الداخلية التي استخدمها التراث على مستوى الإنشاء أوالانبناء الفكري والإبداعي.

إذاً، فقراءة طه عبد الرحمن للتراث قراءة تراثية تداولية ومنطقية واستدلالية. وأكثر من ذلك، فهي قراءة نقدية اعتراضية قائمة على إبطال دعاوى الخصم، باستخدام الحوار العقلاني المنطقي الذي يحترم أصول علم التداول أو أصول علم المناظرة العربية. لذا، فهو يقرأ التراث بالتراث، أو يقرأ التراث من الداخل، بالانغماس فيه إلى أخمص قدميه، مع تمثل النظرة الكلية، والتركيز على الآليات البنائية للمعطى التراثي، دون التركيز على المضامين. كما يبدو ذلك جليا عند المفكرين المعاصرين الذين كانوا يقرأون التراث من الخارج من جهة؛ وينطلقون في ذلك من نظرة تجزيئية من جهة ثانية؛ ويعتمدون على انتقاء مضامين النصوص، دون الإنصات إلى الوسائل والتقنيات التداولية من جهة ثالثة؛ ويهتمون بالمفاضلة من جهة رابعة.

ويعني هذا أن طه عبد الرحمن يقرأ التراث قراءة تراثية داخلية أصيلة بعيدة عن تأويلات الاستشراق والفكر التغريبي. وفي هذا، يقول الباحث:"لقد اتبعنا في الاشتغال بمسالك تقويم التراث منهجية تستمد أوصافها الجوهرية من المبادىء التي قامت عليها الممارسة التراثية الإسلامية العربية؛ فكانت، في مقصدها منهجية آلية لامضمونية: فلم تنظر في مضامين الإنتاج التراثي بقدر ما نظرت في الآليات التي تولدت بها هذه المضامين وتفرعت تفرعا، عملا بمبدإ تراثي،مقتضاه" أن اعتبار المعاني لا يستقيم حتى يستند إلى اعتبار المباني"؛ كما كانت، في منطلقها، منهجية عمليةلامجردة: فلم تعتمد معرفة نظرية منقولة ومقطوعة عن الضوابط المحددة والقيم الموجهة للممارسة التراثية، بل استندت إلى أساليب التبليغ العربي في خصوصيتها، وإلى معاني العقيدة الإسلامية في شموليتها، وإلى مضامين المعرفة الإسلامية العربية في موسوعيتها، عملا بمبدإ تراثي ثان، مقتضاه " أن المعرفة لاتثمر حتى تكون على قدر عقول المخاطبين بها"؛ وكانت، في مسلكها، أخيرا منهجية اعتراضية لاعرضية: فلم تكن تقرر الأحكام تقريرا وترسلها في عموم التراث إرسالا، وإنما كانت تفتح باب السؤال، فتورد ما جاز من الاعتراضات على ما ادعاه بعض من تعاطوا لتقويم التراث من أقوال، بل على ما جئنا به نحن من دعاوى، حتى تمحصها كما ينبغي وتقومها بالوجه الذي ينبغي، عملا بمبدإ تراثي ثالث، مقتضاه " أن الظفر بالصواب لايكون إلا بمعونة الغير".

وإذا صح أن منهجنا مأخوذ من التراث، فليس يصح أننا تركنا العمل بموجب العقل العلمي الصحيح كما قد يتوهم ذلك من يجعل كل مأخوذ من التراث خارجا عن مقتضى العقل والعلم، فقد سلكنا فيما أخذنا مسلكا لايتساهل فيما يجب على الناظر في التراث استيفاؤه من دقيق الشرائط المنطقية ومن صارم المقررات المنهجية وراسخ الضوابط المعرفية؛ والشاهد على ذلك ما قضينا به على أنفسنا من التزام أقصى، بل أقسى القيود المنهجية، حتى ندفع عن دعاوينا أشد الاعتراضات المحتملة، فيكون لنا في دفعها غناء عن دفع ماهو دونها."[8]

وعليه، يتبنى طه عبد الرحمن منهجية منطقية وتداولية ولغوية في قراءة التراث، أساسها المناظرة العربية الأصيلة، وهدفها تقويم التراث من جهة، ونقد الفكر العربي المعاصر من جهة أخرى.

 

المبحث الثاني: تقويم كتابات محمد عابد الجابري

يثبت طه عبد الرحمن أن الدراسات الفكرية التي تبنت تقويم التراث لم تنطلق من منهجية حوارية تداولية. ومن ثم، لم تراع مقتضيات التراث النظرية والعملية، بل تعاملت، في عمومها، مع التراث من منظار انتقائي تجزيئي تفاضلي، كما يبدو ذلك واضحا عند ثلة من المفكرين المعاصرين، مثل: عبد الله العروي، والطيب التزيني، وحسين مروة، ومحمد أركون، ومحمد عابد الجابري.ومن ثم، ينتقد الباحث - بصفة خاصة- العقلانية الفكرية عند الجابري، كما تتجسد في كتبه(نحنوالتراث)، و(تكوين العقل العربي)، و(بنية العقل العربي) و(التراث والحداثة)، بالتركيز على البنى المنطقية والتداولية التي توسل بها الجابري في تعامله مع التراث العربي- الإسلامي.

ومن باب العلم، فقد توصل محمد عابد الجابري إلى مجموعة من النتائج في كتابه(نحن والتراث)، مثل قوله بوجود مدرسة فلسفية مغربية متميزة عن المدرسة المشرقية فصلا ومفهوما وسياقا ومنهجا وقضية، يمثلها ابن طفيل، وابن رشد، وابن باجة...وقد أحسنت هذه المدرسة التوفيق بين الشريعة والحكمة، بالتركيز على مبدإ الفصل، ووحدة الهدف، واختلاف البنية. في حين، سقطت الفلسفة المشرقية، مع الفارابي وابن سينا على سبيل التمثيل، في التلفيق، حينما جمعت بين فيلسوفين مثاليين:أفلاطون وأفلوطين اعتقادا منها أنها كانت توفق بين أفلاطون المثالي وأرسطو المادي. وفي هذا النطاق، يقول الجابري: " ننظر إلى المدرسة الفلسفية التي عرفها المغرب الإسلامي على عهد الدولة الموحدين، كمدرسة مستقلة تماما عن المدرسة- أو المدارس- الفلسفية في المشرق، فلقد كان لكل واحدة منهما منهجها الخاص، ومفاهيمها الخاصة، وإشكاليتها الخاصة كذلك.لقد كانت المدرسة الفلسفية في المشرق، مدرسة الفارابي وابن سينا بكيفية أخص، تستوحي آراء الفلسفة الدينية التي سادت في بعض المدارس السريانية القديمة، خاصة مدرسة حران، والمتأثرة إلى حد بعيد بالأفلاطونية المحدثة. أما المدرسة الفلسفية في المغرب، مدرسة ابن رشد خاصة، فقد كانت متأثرة إلى حد كبير بالحركة الإصلاحية، بل بالثورة الثقافية، التي قادها ابن تومرت، مؤسس دولة الموحدين، التي اتخذت شعارا لها:" ترك التقليد والعودة إلى الأصول". ومن هنا، انصرفت المدرسة الفلسفية في المغرب إلى البحث عن الأصالة من خلال قراءة جديدة للأصول... ولفلسفة أرسطو بالذات.

إن الانفصال الظاهري بين المدرستين بوصفهما تنتميان إلى ما اصطلح على تسميته بـ" الفلسفة الإسلامية " أو " الفلسفة في الإسلام"، لا ينبغي أن يخفي عنا " انفصالا" أعمق بينهما.لقد عالج فلاسفة الإسلام، بالفعل، الموضوعات نفسها، وتناولوا المشاكل نفسها، ولكن ما يميز فكرا فلسفيا معينا- كما يقول برييه- ليس الموضوع الذي يتناوله، ولا النظريات التي يدافع عنها، " إن الأهم من ذلك هو النظر إلى الروح التي يصدر عنها، والنظام الفكري الذي ينتمي إليه". ونحن نعتقد أنه كان هناك روحان ونظامان فكريان في المشرق والفكر النظري في المغرب، وأنه داخل الاتصال الظاهري بينهما كان هناك انفصال نرفعه إلى درجة القطيعة الإبستمولوجية بين الاثنين، قطيعة تمس في آن واحد: المنهج والمفاهيم والإشكالية"[9]

ويعني هذا أن المدرسة المغربية تتميز عن المدرسة المشرقية بالفصل على مستوى النسق الفكري والتاريخي والإيديولوجي. كما يبدو ذلك واضحا عندما تناول الجابري فلسفة ابن طفيل بالدرس والتحليل والمناقشة." ومما هو جدير بالملاحظة أن الفيلسوف الأندلسي يترك الطريقين متوازيين في النهاية كما وضعهما في البداية.لقد فشل حي بن يقظان في إقناع سلامان وجمهوره بأن معتقداتهم الدينية هي مجرد مثالات ورموز للحقيقة المباشرة التي اكتشفها بالعقل، فشل حي في ذلك، وعاد إلى جزيرته الشيء الذي يعني فشل المدرسة الفلسفية في المشرق التي بلغت أوجها مع ابن سينا في محاولتها الرامية إلى دمج الدين في الفلسفة . أما البديل الذي يطرحه ابن طفيل، بل المدرسة الفلسفية في المغرب والأندلس، بكامل أعضائها، فهو الفصل بين الدين والفلسفة."[10]

كما أشاد الجابري بابن رشد باعتباره أحسن شارح لأرسطو، و أنه رمز للعقلانية البرهانية. وفي الوقت نفسه، وجه نقدا لاذعا لعلم الكلام والتصوف العرفاني. ومن ثم، فقد مجد العقلانية الرشدية باعتبارها مسلكا واقعيا لتحقيق النهضة والحداثة والمشروع الحضاري. وفي هذا، يقول الجابري:" "الخطاب الفلسفي الرشدي عقلانية نقدية واقعية.لقد تحرر ابن رشد: معرفيا من هيمنة الجهاز الإبستمولوجي الذي كرسته في المشرق مدرسة حران بكيفية خاصة، والأفلاطونية الجديدة بكيفية عامة، وإيديولوجيا من العوامل الاجتماعية-التاريخية التي صاغت حلم المدينة الفاضلة الفارابية والحكمة المشرقية السينوية، فاتجه إلى معالجة العلاقة بين الدين والفلسفة بعقلانية واقعية تحفظ لكل من الدين والفلسفة هويته واستقلاله، وتسير بهما في اتجاه واحد، اتجاه البحث عن الحقيقة.

إنه جزء من خطاب عقلاني واقعي نقدي تميز به الفكر العربي الإسلامي في المغرب والأندلس على عهد الموحدين، خطاب كان هو الآخر مظهرا من مظاهر الصراع السياسي الصامت أحيانا، المتفجر أحيانا بين مشرق الخلافة العباسية والفاطمية من جهة، ومغرب خرج هو والأندلس عن سلطة الخلافة منذ بداية الدولة العباسية نفسها. إن الحذر في المجال السياسي يتحول إلى نقد في المجال الفكري.إن الواقعية النقدية الرشدية لم تكن امتدادا لنفس النزعة لدى ابن باجة وابن طفيل وحسب، بل كانت تتويجا لتيار نقدي ظل يتحرك في اتجاه واحد، اتجاه رد بضاعة الشرق إلى المشرق في الفقه مع ابن حزم الظاهري، وفي النحو مع ابن مضاء القرطبي، وفي التوحيد (الكلام) مع ابن تومرت، وفي الفلسفة مع ابن رشد."[11]

ومن ناحية أخرى، فقد قسم الجابري العقل العربي إلى ثلاث محطات أو بنيات أركيولوجية هي: بنية البيان، وبنية البرهان، وبنية العرفان. وفي هذا الصدد، يقول الجابري:"فالبيان كفعل معرفي هو الظهور وإظهار الفهم والإفهام، وكحقل معرفي هو عالم المعرفة الذي تبنيه العلوم العربية الإسلامية الخالصة، علوم اللغة وعلوم الدين... وكنظام معرفي هو جملة من المبادئ والمفاهيم والإجراءات التي تعطي لعالم المعرفة ذاك بنيته اللاشعورية...

وأما العرفان كفعل معرفي فهو ما يسميه اْصحابه بـ "الكشف" أو "العيان"، وكحقل معرفي هو عبارة عن خليط من هواجس وعقائد وأساطير تتلون بلون الدين الذي تقوم على هامشه لتقدم له ما يعتقد العرفانيون بأنه "الحقيقة" الكامنة وراء ظاهر نصوصه... (وكنظام معرفي يتمحور) حول قطبين رئيسين؛ أحدهما يستثمر اللغة بتوظيف الزوج الظاهر/ الباطن، والثاني يخدم السياسة... وذلك، بتوظيف الزوج الولاية / النبوة.

وأما البرهان كفعل معرفي فهو استدلال استنتاجي، وكحقل معرفي هو عالم المعرفة الفلسفية العلمية المنحدر إلى الثقافة العربية عبر الترجمة، ترجمة كتب "أرسطو" خاصة، (وكنظام معرفي، يتمحور) حول قطبين: أحدهما يخص المنهج ويوظف الزوج الألفاظ/المعقولات... والآخر يخص الرؤية ويوظف الزوج الواجب/الممكن.[12]"

وتأسيسا على ماسبق، فقد وجه طه عبد الرحمن إلى محمد عابد الجابري انتقاذات لاذعة، منها أن تقسيم العقل العربي إلى بيان، وبرهان، وعرفان، هو تقسيم فاسد، يوظف فيه صاحبه مجموعة من المعايير المغلوطة، مثل: المعيار اللغوي (البيان)، والمعيار العقلي الاستدلالي (البرهان)، والمعيار المعرفي (العرفان).ويعني هذا أن تقسيم الجابري لبنية العقل العربي هو تقسيم مردود عليه، وغير خاضع لتقسيم برهاني سليم من حيث مواده. وفي هذا، يقول طه عبد الرحمن:" إن التقسيم الثلاثي: "البرهان" و"البيان" و"العرفان" تقسيم فاسد، ودليل فساده ازدواج المعايير المتبعة في وضعه، هذا الازدواج الذي لا يؤدي إليه إلا عدم تحصيل الملكة في العلوم الصورية والمنهجية، ولو أن الجابري اعتمد معيارًا موحدًا، لكان له الخيار في تقسيمات متعددة، كل تقسيم منها يقوم به معيار معين، كالتقسيم بحسب المضمون (العقل والعلم والمعرفة مثلا) أو التقسيم بحسب الصيغة الللفظية (القول والعبارة والإشارة مثلا) أو التقسيم بحسب الصورة الاستدلالية (البرهان والحجاج والتحاج)، وهو أقرب التقسيمات إلى العمل بمعيار العقلانية المجردة التي ظل الجابري يناضل من أجلها، فيكون البرهان هو نظام الآلية الاستنباطية، والحجاج هو نظام الآلية القياسية، والتحاج هو نظام الآلية التناقضية."[13]

وإذا كان الجابري قد دافع عن الفلسفة أو الإلهيات، وفضلها على باقي الخطابات الفكرية الأخرى (علم الكلام والتصوف)، فإن طه عبد الرحمن قد دافع عن علم الكلام باعتباره علما داخليا أصيلا.في حين، تعد الفلسفة علما خارجيا منقولا. وأكثر من هذا، فابن رشد كان يستدخل في فلسفته الإلهية مبادىء علم الكلام.ويعني هذا أن ثمة تداخلا بين علم أصيل (علم الكلام) وعلم دخيل منقول (الفلسفة). بل كان يستدخل كذلك التصوف، على الرغم من النقد الذي وجهه ابن رشد للمتصوفة. " وقد نذهب بعيدا- يقول طه عبد الرحمن- بأن أبا الوليد كان يرى في التصوف عنصرا مكملا للفلسفة أو عنصرا متكاملا معها، إذ كان ينزل الصوفية من العمل منزلة الفلاسفة من النظر، فقد كان يفرق بين درجتين من العلم: إحداهما، عامة متعلقة بالجمهور؛والأخرى، خاصة يستقل بها أهل البرهان؛ وكذلك كان يفرق بين درجتين في العمل: إحداهما، عامة متعلقة بالجمهور؛ والثانية، خاصة يستقل بها الصوفية."[14]

لذلك، واجه طه عبد الرحمن دعاة العقلانية المجردة بالنقد والاعتراض والتقويم، بتسفيه منطلقاتهم المنهجية، في ضوء مقاربة تداولية منطقية واستدلالية داخلية.وفي هذا، يقول الباحث:" يذهب أصحاب الآليات الاستهلاكية العقلانية من دارسي التراث إلى أن المنهج العقلاني هو أقدر المناهج طرا على توفير الاستفادة العلمية من التراث، وقد تأدوا عن طريق هذا المنهج المقتبس إلى تشريح التراث شرائح متعددة ومتباينة، حتى يتسنى لهم أن ينتقوا منها ما يبدو لهم أقرب إلى الاستجابة لمعايير العقلانية؛ غير أن دعاة الأخذ بالمناهج العقلانية المنقولة في تقويم التراث، وإن اتفقوا على العمل بمبدإ التشريح ومبدإ الانتقاء، فإنهم اختلفوا اختلافا في تعيين الشرائح التراثية التي تمثل أفضل تمثيل النموذج العقلاني.فمنهم من يقول بأنها النصوص الفلسفية، ومنهم من يرى أنها هي النصوص الفقهية، ومنهم من يعتقد أنها النصوص اللغوية، ومنهم من يذهب إلى أنها هي النصوص الكلامية، ومنهم أخيرا من يجمع بين أجزاء هذه النصوص.ثم ماكان من هذه النصوص واضح الانتساب إلى العقلانية، لزم في نظرهم تحقيقه والانتفاع به وفق مقتضيات الحداثة وشروط التطلع إلى المستقبل؛ وما كان منها مجانبا أو مخاصما لهذه العقلانية، وجب عندهم تركه."[15]

كما توصل الدارس إلى أن فكر الجابري تغلب عليه النزعة التجزيئية من جهة، والنزعة التفاضلية من جهة أخرى، وخاصة عندما فضل البرهان على البيان والعرفان؛ وفضل ابن رشد على باقي الفلاسفة الآخرين. ويعني هذا أن الجابري يتعامل مع التراث في ضوء نظرة تسييسية مادية انتقائية، مع إسائته استخدام العقل في التعامل مع الظواهر التراثية، ولاسيما الكلامية والفقهية والعرفانية منها، والتعسف في تأويل النصوص بما يخدم تصورات الجابري، والوقوع في تناقضات عدة على مستوى التداول المنطقي، وعدم احترام آليات الاستدلال والبرهنة والحجاج المنطقي، وإعطائه الأهمية الكبرى للمضامين على حساب البنى التداولية والمنطقية، وتمثله لآليات عقلانية وإيديولوجية غريبة عن التراث في نموذجه التقويمي. مما أوقعه هذا كله في نظرة خاطئة وسيئة إلى التراث تتسم بالتهافت، والتجزيء، والعلمانية، وتقليد الغير، والجهل بالتراث، والقصور في العلم الناتج عن الذاتية، والخروج عن جادة الصواب، والجنوح عن أسس الفكر العلمي الموضوعي.ومن ثم، فتصورات الجابري مغرقة في التسييس بتركيزها على ماهو مادي وتاريخي وجدلي في التراث، مع إهمال الجوانب الدينية والروحية والأخلاقية والعرفانية على حد سواء، ناهيك عن استخدام الآليات العقلانية المجردة. وفي هذا السياق، يقول طه عبد الرحمن:" ولما كانت النظرة التجزيئية في نقد التراث مقترنة بالاشتغال بمضامينه من دون وسائله، لكونها تستبدل بهذه الوسائل التراثية آليات عقلانية وفكرانية مستندة إلى مبادىء الموضوعية والعلمانية والنظر المتوحد، فإن اعتناق الجابري لها أفضى به إلى أن يجمع، في نموذجه التقويمي، إلى العثرات الناتجة عن نقصان الاستيعاب، آفات المبادىء التي تستند إليها هذه الآليات، وأن يدخل في تقطيع التراث تقطيعا، وفي تفضيل بعضه على بعض تفضيلا، وفي استيفاء قسم ضحل وغير أصيل منه، مخل بالقيم الأصيلة للتراث التي تضمن له الترابط والتكامل.ومتى علمنا أن مبادىء النظرة التجزيئية الثلاثة ليست، على الحقيقة، إلا قيما أملتها على إرادات العلماء ظروف ثقافية ومجتمعية معينة، أدركنا إمكان وجود قيم، علمية هي الأخرى، قادرة على تحقيق التقدم والتحضر بوجه قد يكون أفضل مما حققتهما به القيم المصطنعة السابقة، كيف لا وبين أيدينا التراث الإسلامي العربي الذي يختص بقيم مغايرة لانحتاج في توظيفها العلمي إلا أن نستنبط الآليات الإنتاجية التي عملت حقا في تشكيل مضامينه، تكوينا وتطويرا، تلوينا وتوسيعا !"[16]

ويعني هذا أن عابد الجابري- حسب طه عبد الرحمن- يقرأ التراث قراءة خارجية برانية، باستغلال المعطيات التاريخية والمادية والإيديولوجية في قراءة التراث، ثم تسييسه بعد ذلك، ثم التركيز على المضامين دون فحص الآليات الشكلية المنطقية والتداولية، واختيار النصوص التي تتلاءم مع نظريته الإيديولوجية، واستبعاد النصوص التي لاتخدم أغراضه وتصوراته وأطروحاته الفكرية. أي: يقف، ضمن قراءته التجزيئية والانتقائية، إلى المواقف التراثية التي تعضد أطروحته وفرضيته البرهانية، دون مساءلة الخطابات المعارضة الأخرى التي تخالف أطروحته الفكرية والإيديولوجية.

وفي المقابل، يطرح طه عبد الرحمن قراءة تكاملية شمولية قائمة على التداخل والتقريب بين العلوم والمعارف والحقائق، مع استبعاد النظرة الانتقائية التجزيئية في قراءة التراث، والارتباط بأصول الفقه وعلم الأخلاق باعتبارهما مدخلين أصيلين إلى كل العلوم والمعارف الإسلامية مقارنة بالفلسفة والمنطق، وهما علمان دخيلان ومنقولان.

كما دافع طه عبد الرحمن عن ابن خلدون ذي المشروع العمراني، وجعله في أعلى مرتبة من ابن رشد على مستوى الأخذ بالاستدلال الحجاجي، يتوسطهما الغزالي الذي اتبع منحى ابن رشد في الدفاع عن المنطق اليوناني الأرسطي[17]. بعد أن كان ابن رشد يتسيد الساحة الثقافية والفلسفية المغربية في العصر الوسيط في منظور محمد عابد الجابري.وبهذا، يسقط طه عبد الرحمن بدوره في النزعة التفاضلية بدون أن يشعر بذلك.

ومن جهة أخرى، يقول طه عبد الرحمن:" أما نتائج التكامل التداخلي، فهي ثلاث:

إحداها: أن الاشتغال بالآليات المنتجة للمضامين التراثية يؤدي إلى اتخاذ موقف تكاملي من التراث، مما يدل على أن التوجه الآلي راسخ رسوخا في الممارسة التراثية، وأنه مانع منعا من المفاضلة بين عناصرها المختلفة.

والثانية: أن التداخل الذي يقع بين علمين أصليين يوجب أن يكون أقربها إلى مجال التداول باعتبار هذه النسبة والإفادة، فيكون علم الأخلاق عنئذ أنسب العلوم للتداخل مع علم أصول الفقه.

والثالثة: أن دخول علم مأصول في علم منقول يوجب أن يكون العلم المأصول أنسب العلوم الأصلية له، استشكالا واستدلالا، وأن يكون أقربها إلى مجال التداول باعتبار هذه المناسبة الاستكشافية والاستدلالية، فيكون علم الكلام حينئذ أنسب العلوم للتداخل مع الإلهيات." [18]

وأما نتائج التكامل التقريبي، فيمكن حصرها في أربع نقط جوهرية على النحو التالي:

" أولاها: أن المجال التداولي الإسلامي العربي ينبني على أصول لغوية وعقدية ومعرفية تضبطها قواعد تقوم بوظائف مخصوصة، وتؤدي مخالفتها إلى آفات تداولية تختلف درجة ضررها باختلاف أنواع هذه القواعد وعددها.

والثانية: أن تقريب العلوم المنقولة إلى مجال التداول الإسلامي العربي يوجب تخريجها على مقتضيات أصوله الثلاثة: اللغة، والعقيدة، والمعرفة، فتأخذ بالاختصار في العبارة مكان التطويل، وبتشغيل المعتقد بدل تعطيله، وبتهوين الفكرة بدل تهويلها.

والثالثة: أن تقريب علم المنطق يوجب إخراجه عن وصفه التجريدي إلى وصف عملي يجعل عبارته راسخة في الاستعمال العادي، وأدلته مستخرجة من النصوص الشرعية، ونتائجه موصولة بأسباب التطبيق النافع للغير نفعه للذات.

والرابعة: أن تقريب علم الأخلاق يوجب إخراجه عن وصفه التجريدي إلى وصف عملي يجعل مفاهيمه موصولة بالمدلولات اللغوية المستعملة، وأحكامه مستمدة من الأحكام الأخلاقية المبثوثة في الشرع، ويجعل هذه المفاهيم والأحكام جميعا تدخل حيز التحقيق النافع في الآجل نفعه في العاجل."[19]

ويهذا، يكون العقل التكاملي أفضل بكثير من العقل التجزيئي الانتقائي، مادام يراعي ضوابط التداول العربي - الإسلامي، مثل: اللغة، والعقيدة، والمعرفة. ويتطابق مع علم الأخلاق، ويجمع بين العاجلة والآجلة. وفي هذا، يقول طه عبد الرحمن:" وبفضل هذه النتائج التي توصلنا إليها، نكون قد طرقنا آفاقا في الممارسة التقويمية للتراث تحمل على الاهتمام بكلية التراث وجمعية دوائره من غير حذف ولا استثناء، كما تجدد الاعتبار لجوانب من الممارسة التراثية تعرضت للتشنيع الباطل، وتحيي النظر في جوانب منها تعرضت للإهمال الفاحش، فضلا عن أنها تفتح باب استئناف عطاء التراث من غير انتحال آليات منقولة تنزل عليه إنزالا.

والراجح أن يتخذ عطاء التراث مسالك مخصوصة غير المسالك التي تتبعها الآليات المستحدثة المنقولة؛ فقد يتطلب التقيد بالعمل الحي حيث تتطلب هذه الآليات الاكتفاء بالنظر المجرد، وقد يستلزم منفعة الغير حيث تقتصر هي على منفعة الذات، وقد يشترط المنفعة الآجلة حيث تنحصر هي في المنفعة العاجلة؛ ولاتقل مسالك التراث في العطاء عن المسالك المنقولة استيفاء لمقتضيات العقل والعلم، إن لم تعل عليها علوا؛ فعقل التراث عقل واسع يجمع، إلى النظر في الأسباب، النظر في المقاصد، وعلمه علم نافع يجمع، إلى النظر في الأسباب والمقاصد، العمل بها وفق ما يفيد الغير ويفيد الآجل، بينما عقل الآليات المنقولة عقل ضيق يقطع الأسباب عن مقاصدها، وعلمها علم مشبوه، لايوجب العمل ويحتمل الضرر؛ وشتان ما بين العقلين وما بين العلمين !"[20]

وهكذا، ينطلق طه عبد الرحمن من قراءة تكاملية شمولية قائمة على المقاربة التداولية واللغوية للتراث، بتمثل المناظرة في مواجهة محمد عابد الجابري. وبهذا، يمكن الحديث عن منطقين تراثيين مختلفين: منطق الخطاب مقابل منطق الواقع، أو منطق تحييد الخطاب مقابل منطق تسييس الخطاب.

 

المبحث الثالث: موقف طه عبد الرحمن من الحداثة الغربية

إذا كان طه عبد الرحمن قد تناول التراث من خلال قراءة نقدية تداولية، فقد تناول كذلك الحداثة الغربية بالفحص والدرس والنقد، كما يظهر ذلك جليا في كتابه (سؤال الأخلاق)[21]، حيث ركز فيه على دراسة الحداثة الغربية في مختلف مفاصلها المادية والمعنوية، وخاصة تلك الحداثة التي ساهمت فيها شعوب سبقت أوروبا إلى الفعل الحضاري والتمدن الحداثي. وفي هذا، يقول طه عبد الرحمن : "ليست روح الحداثة، كما غلب على الأذهان، من صنع المجتمعالغربي الخاص، حتى كأنه أنشأها من عدم، وإنما هي من صنع المجتمع الإنسانيفي مختلف أطواره، إذ أن أسبابها تمتد بعيداً في التاريخ الإنساني الطويل؛ثم لا يبعد أن تكون مبادئ هذه الروح أو بعضها قد تحققت في مجتمعات ماضيةبوجوه تختلف عن وجوه تحققها في المجتمع الغربي الحاضر؛ كما لا يبعد أن يبقىفي مُكنتها أن تتحقق بوجوه أخرى في مجتمعات أخرى تلوح في آفاق مستقبلالإنساني[22]".

وقد اعتمد طه عبد الرحمن في ذلك على فكر انتقادي جريء. وبعد ذلك، انتقل في كتابه (روحالحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلاميّة)[23]إلى تأسيس حداثة إسلامية معنوية روحية وأخلاقية، تقوم على استقلالية الشخصية الإسلامية بحداثتها الداخلية؛ لأن لكل مجتمع حداثته الخاصة النابعة من ظروفه الداخلية، فلا يمكن تعميمها على باقي الشعوب والأمم الأخرى. ومن ثم، تنبني الحداثة الإسلامية على الإبداع والاستقلال والخصوصية الثقافية والحضارية للمجتمع المسلم، وعدم اتباع الغرب في حداثته التي لاتتلاءم مع خصوصيات البيئة الإسلامية. كما أن الحداثة الغربية ليست النموذج التطبيقي الوحيد، بل يمكن الحديث عن مجموعة من النماذج الحداثية. وإذا أراد المسلم أن تكون له حداثة خاصة به، فلابد من الانطلاق من خصوصياته الداخلية، وليس عبر استيراد الحداثة الغربية.إنتأسيس الحداثة الإسلامية بالنسبة لطه عبد الرحمن ينطلق أساساً مننقد الحداثة الغربية، و" التخلص من التبعية والإمّعية والوصاية التي تمارسهاالحداثة الغربية على العقل المسلم"[24].

كما يدعو طه عبد الرحمن إلى قراءة القرآن قراءة جديدة بغية التزود بالطاقة الإبداعية لتحقيق الحداثة الإسلامية الحقيقية. وفي هذا النطاق، يقول طه عبد الرحمن:"لا دخول للمسلمين إلى الحداثة إلا بحصول قراءة جديدةللقرآن الكريم، ذلك أن القرآن، كما هو معلوم، هو سرّ وجود الأمة المسلمةوسرّ صنعها للتاريخ؛ فإذا كان هذا الوجود والتاريخ ابتدآ مع البيان النبوي" أو قل "القراءة النبوية" للقرآن، فدشنت بذلك الفعل الحداثي الإسلاميالأول... فإن استئناف هذا الوجود لعطائه ومواصلة هذا التاريخ لمساره،وبالتالي تدشين الفعل الحداثي الإسلامي الثاني، كلّ هذا لا يتحقق إلابإحداث قراءة أخرى تُجدد الصلة بهذه القراءة النبوية، ومعيار حصول هذاالتجديد هو أن تكون هذه القراءة الثانية قادرة على توريث الطاقة الإبداعيةفي هذا العصر كما أورثتها القراءة المحمدية في عصرها".[25]

إذاً، يدعو طه عبد الرحمن إلى تمثل حداثة إسلامية أصيلة نابعة من الذات، تبنى على مقومات روحية وأخلاقية ومعنوية مفارقة للحضارة الغربية المادية.

 

المبحث الرابع: القـــراءة التقويميـــة

يلاحظ، من خلال تأملنا لما كتبه طه عبد الرحمن، أن منهجيته، في قراءة التراث، منهجية لغوية ومنطقية آلية، ومنهجية شمولية ومتكاملة، ومنهجية عملية، ومنهجية اعتراضية ونقدية، ومنهجية تراثية تلتزم الحياد والموضوعية والعلمية في الحوار التداولي. علاوة على ذلك، فقد تسلح الباحث بترسانة من المفاهيم والمصطلحات العلمية المتشعبة والدقيقة، فيها اجتهاد كبير على مستوى التوليد والإبداع والابتكار، فضلا عن رؤية متميزة على مستوى التحليل والاعتراض والوصف والتفريع والتقسيم والتنظيم، ونقد الأفكار المطروحة للمناقشة والاعتراض، واستنباط الحقائق بالاستدلال الحجاجي، والتحكم الجيد في آليات المناظرة، واستيعاب موفق لمبادىء التداوليات، لايمكن لأحد أن يجاريه في ذلك، والدليل على ذلك كتاباته المتعددة والمتنوعة التي تزخر بالجديد على مستوى الموضوع والمنهج والطرح.

بيد أن هذه المنهجية التراثية، كما يتمثلها طه عبد الرحمن في كتابه هذا، تقدم التراث من زاوية تراثية حرفية وأصيلة، وتنقله في شروطه البنائية اللغوية الداخلية اتساقا وانسجاما، دون غربلته بشكل دقيق لانتقاء الإيجابي منه، وترك السلبي. ثم لايمكن الحديث عن فائدة التراث ومتعته إلا إذا قرأناه من جميع الجوانب الداخلية والخارجية، باستكشاف بنياته اللغوية والمنطقية أولا، واستجلاء أبعاده المرجعية والواقعية والسياسية والإيديولوجية ثانيا. أي: لابد من وضعه في سياقه التاريخي والفكري لمعرفة بنية هذا التراث، واستكشاف دلالاته، وتحديد وظائفه المباشرة وغير المباشرة.

ولايمكن أيضا الوقوف عند درجة النقد والاعتراض دون البناء وتقديم تصورات جديدة في قراءة التراث . وفي هذا السياق أيضا، ينتقد عبد الإله بلقزيز قراءة طه عبد الرحمن، ويدرجها ضمن المقاربة التراثية الاسترجاعية:" نسمي المقاربة الأولى استبطانية لأن من يأخذ بها من الدارسين لايفعل أكثر من استبطان المعطى التراثي الذي يشتغل عليه، وإعادة إنتاجه بوصفه معطى معاصرا أو قابلا للمعاصرة.لاتقدم هذه المقاربة تحليلا للمادة التراثية، بل هي تستعرضها على نحو استرجاعي استظهاري، وقد تجتهد في إسباغ بعض الجدة على تلك المادة بما يوفر لها حاجتها من الجاذبية.ولعل معظم من كتب من السلفيين العرب في التراث، نحا هذا النحو من المادة التراثية، لأن تأويله انتصر إلى نصها الذي نطقت به؛ وهو مايقودنا إلى اعتبار هذه المقاربة تردادا رتيبا للمادة التراثية عينها.على أنه من الإنصاف القول: إن هذه المقاربة شهدت شحنة تقنية نهاجية كثيفة وعالية الحبكة في السنوات الأخيرة بمناسبة قيام بعض الباحثين- مسلحا بمعطيات علوم الألسنية والسيميائيات الحديثة- باجتراح أدوات تراثية داخلية- غير برانية- لتحليل التراث، ويمثل الباحث المغربي طه عبد الرحمن أحد رواد هذا المنحى وإلى حد ما، وإلى جنب مع دعاة (إسلامية المعرفة) ممن دعوا إلى تطوير أدوات مقاربة المقدس."[26]

ويعني هذا أن طه عبد الرحمن - حسب عبد الإله بلقزيز- سلفي معاصر يقرأ التراث بالتراث، دون الانفتاح على ماهو خارجي وبراني؛ مما أسقط دراسته في الرتابة والتكرار واجترار المادة، على الرغم من توهج القراءة لسانيا وتداوليا ومنطقيا.

وأتفق مع عبد الإله بلقزيز على أن دراسة طه عبد الرحمن منطقية وشكلية وآلية محضة، ظلت أسيرة النقد التراثي الداخلي، دون الانفتاح على المعطى الخارجي لقراءة المتن التراثي قراءة سياقية وتاريخية وإيديولوجية لمعرفة النقط المضيئة من التراث، وتمييزها عن النقط السوداء. إذ يستحيل عزل الفكر الإنساني عن مولداته السياقية أومعطياته الخارجية؛ لأن النص، بكل حمولاته المباشرة وغير المباشرة، يعكس المعطى الواقعي والذاتي والثقافي بامتياز.

وعلى الرغم من جدة القراءة التداولية المنطقية التي قدمها طه عبد الرحمن، فهي قراءة سلفية معاصرة ؛ لأنها لم تخرج عن نطاقها التراثي، بل كانت تعنى بمساءلة الأدوات الشكلية على حساب المضامين والأطروحات الفكرية والإيديولوجية والتاريخية.

وعليه، يلاحظ أن طه عبد الرحمن يعنى بمنطق الخطاب الداخلي، بالتركيز على آلياته اللغوية واللسانية والحجاجية والتداولية، بغية تحرير الفكر المعاصر من شرنقة التبعية والتقليد والتخلف. ويهدف أيضا إلى تأسيس حداثة عربية إسلامية ذاتية قائمة على الأخلاق والإبداع الذاتي الأصيل. في حين، لايتوقف محمد عابد الجابري عند المنطق الداخلي للتراث، بل يعيد قراءته من الخارج، بربطه بسياقه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي من جهة، وقراءته قراءة سياسية إيديولوجية من جهة أخرى. ويعني هذا أن هم طه عبد الرحمن علمي ذاتي خالص. بينما هم الجابري تاريخي وقومي وحضاري، يبحث عن سبل التقدم والنهوض للظفر بالتنمية الشاملة والمستدامة. ومن ثم، لايمكن أن تتحقق النهضة -فقط- بالمجال التداولي الصرف، أو بإدراك آليات البناء المنطقي للخطاب التراثي، والانغماس فيه إلى الأعماق، بل بتحريكه واقعيا وميدانيا وجدليا، وتمثله ممارسة وإنجازا وعملا قصد تغيير الواقع المعاصر، والانتقال به من الوعي الكائن نحو الوعي الممكن. ويعني هذا أن طه عبد الرحمن يدافع عن إيديولوجية سلفية معاصرة متنورة، تحنط النص في وسائله اللغوية والمنطقية والتداولية، دون أن تنصت إلى الواقع السياسي والاجتماعي والتاريخي. في حين، ينطلق الجابري من الموقف السياسي، مدافعا عن إيديولوجيا الإصلاح والنقد والتعرية والتغيير، وبناء الواقع العربي على أساس البرهان والاستدلال والعقلانية الهادفة البناءة، وتمثل الفلسفة الرشدية في خطاب التغيير.

 

الخاتمــــة:

وخلاصة القول، يتبين لنا، مما سبق ذكره، أن طه عبد الرحمن ينطلق من منهج تداولي منطقي حجاجي واستدلالي، يقوم على أسلوب المناظرة في تقويم التراث من جهة، وتقويم الكتابات الفكرية المعاصرة التي تناولت التراث العربي-الإسلامي من جهة أخرى. إلا أن هذه القراءة تراثية في أبنيتها ومنهجها وأهدافها، إذ ظلت حبيسة الموروث العربي- الإسلامي، تقومه من داخل الخطاب التداولي، بالبحث عن الآليات الشكلية واللغوية والمنطقية التي تتحكم في توليد الخطاب التراثي، والاعتراض على الفكر العربي المعاصر الذي كان يقرأ التراث من وجهة عقلانية وإبستمولوجية حداثية. ويعني هذا أن طه عبد الرحمن كان يهتم بمنطق الخطاب التراثي. في حين، كان عابد الجابري معنيا بتسييس الخطاب في ضوء أبعاده التاريخية والاجتماعية والثقافية والإيديولوجية.أي: كان طه عبد الرحمن بعيدا عن واقع التراث السياسي وسياقه المرجعي والخارجي. بينما كان الجابري يقرأ هذا الواقع قراءة مادية جدلية، تستقري التاريخ والحيثيات السياقية في تماثل تام مع المتن الداخلي.

وبتعبير آخر، إذا كان الجابري واقعيا في قراءته للتراث، فإن طه عبد الرحمن كان مثاليا يسيج التراث في قوالب المنطق والتداول والمناظرة التراثية. وبصيغة أخرى، كان طه عبد الرحمن شكلانيا في قراءته للتراث. في حين، كان الجابري مضمونيا في تقويمه للتراث. وشتان بين القراءتين: فالأولى تداولية ومثالية وتراثية، و الثانية جدلية وواقعية ومعاصرة.

 

د.جميـــل حمــــداوي

أستاذ التعليم العالي- المغرب

.........................

[1]- ولد طه عبد الرحمن عام 1944 بمدينة الجديدة (المغرب). وهو فيلسوف معاصر، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق. حصل على الإجازة في الفلسفة، واستكمل دراساته العليا في فرنسا إلى أن حصل على دكتوراه السلك الثالث سنة 1972م، برسالته الجامعية (في البنيات اللغوية لمبحث الوجود)، ثم حصل على دكتوراه الدولة عام 1985م بأطروحته(في الاستدلال الحِجَاجي والطبيعي ونماذجه).

وقد تكلف طه عبد الرحمن بتدريس المنطق وفلسفة اللغة في جامعة محمد الخامس بالرباط، من 1970 إلى حين تقاعده عام 2005م.

[2] - طه عبد الرحمن: تجديد المنهج في تقويم التراث، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثانية سنة 2005م.

[3]- محمد عابد الجابري: نحن والتراث، قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الخامسة، 1986م.

[4]- محمد عابد الجابري: تكوين العقل العربي، دار الطليعة، بيروت، لبنان.

[5]- محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، طبعة 1986م.

[6]- محمد عابد الجابري: التراث والحداثة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، طبعة 1991م.

[7] - طه عبد الرحمن: تجديد المنهج في تقويم التراث، ص:20-21.

[8] - طه عبد الرحمن: نفسه، ص:421.

[9] - محمدعابد الجابري: نحن والتراث، ص:212.

[10] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:120.

[11] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:43.

[12]- محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1986م، صص:574-575.

[13]- طه عبد الرحمن: نفسه، ص:55.

[14]- طه عبد الرجمن: نفسه، ص:147.

[15]- طه عبد الرحمن: نفسه، ص:25.

[16] - طه عبد الرحمن: نفسه، ص:71.

[17]- طه عبد الرحمن: نفسه، ص:115.

[18] - طه عبد الرحمن: نفسه، ص:422.

[19]- طه عبد الرحمن: نفسه، ص:422-423.

[20]- طه عبد الرحمن: نفسه، ص:423.

[21]- طه عبد الرحمن: سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2000م.

[22] - طه عبد الرحمن: روحالحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلاميّة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م.

[23]- طه عبد الرحمن: روحالحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلاميّة، المرجع المذكور سابقا.

[24]- إدريس الكنبوري: (روح الحداثة وحق الإبداع)، موقع نوافذ،

http://islamtoday.net/nawafeth/mobile/zview-99-7182.htm

[25]- طه عبد الرحمن: نفسه، ص:191.

[26] - عبد الإله بلقزيز: أسئلة الفكر العربي المعاصر، سلسلة المعرفة للجميع، العدد21، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2001م، ص:115- 116.

zouhair khouildi"يمكننا الاعتماد على فرضية اللاوعي وأن نؤسس ممارسة متوجة بالنجاح والتي من خلالها سنؤثر على مجرى سيرورات الوعي"1[1]

تجمع المناهج المعتمدة في مدارس علم النفس عند دراسة الوضع النفسي للكائن البشري بين الوصف والتفسير والتنبؤ والضبط وذلك في سياق عملية واحدة تكون مهمتها تقديم تقرير عن الظواهر النفسية القابلة للملاحظة وتتبع تجليات الظواهر الخفية وبيان علاقاتها البعضية والاهتمام بالحوادث الماضية والمنبهات الخارجية والدوافع الذاتية وتأثيرها في أنماط السلوك البشري وطرق التفكير والتعلم والتذكر.

بماذا تتصف الحالة النفسية للكائن البشري؟ هل هي حالة سوية أم حالة مرضية؟ وماذا يمكن أن يفعل؟ ومتى يأتي الإنسان إلى الوجود؟ وهل عن طريق فعل الولادة البيولوجية أم حينما تتوفر جملة من الشروط والنفسية والثقافية وسيرورته شخصا عن طريق الإدراك الذاتي للعالم ؟ وأين نحن الآن؟ وهل نحن في مفترق طرق ؟ والى أين نتجه؟ وماذا يعني أن يصبح المرء إنسانا؟ وكيف يصبح الإنسان ماهو عليه؟ هل هناك أخطر من أن يتواجه الإنسان مع نفسه وأن تتجمع غريزته لكي تقاوم كل شيء يغزوها من هذا العالم الخارجي ؟ أليس التكثر هو الشيء الوحيد الذي يجعل المرء يعاني من التنوع اللاّمتناهي لنفسه ويتحمل الضرورة بأي ثمن وينضج قدرات يمارس بها نفسه؟ هل الكائن البشري يخضع لحتمية بسيكولوجية أم يمكن أن يستعيد حريته؟ كيف يتعامل المحلل النفسي مع تأرجح الكائن البشري بين اللاّوعي والوعي؟

لقد قدم فرويد درسا افتتاحيا في تحليل الجهاز النفسي حينما قام باكتشاف اللاوعي بعد اجراء مجموعة من التجارب على حالات مرضية ولما حاول تفسير للبنية العميقة للذات وللآليات الدفينة التي تتحكم في السلوك ولكنه انتهي إلى تقسيم الإنسان إلى عدة ثنائيات هي: الوعي واللاّوعي، الغريزة والمؤسسات، الطبيعة والثقافة، مبدأ الواقع ومبدأ اللذة، الايروس والثاناتوس، تدميرية الأنا الأعلى ودوافع الموت، الحياة اليومية والحياة الليلية ، الحلم الظاهر والحقيقة الباطنية، الرغبة والوهم.

إن المبدأ الذي يحكم تفسير فرويد لوظائف الجهاز النفسي ينصص على أن الكائن البشري ينطوي في داخله على رغبات وقوى هي التي تحدد له أفعاله بالرغم من كونه لا يشعر بها ولا يعي منها شيئا. هذه القوى الخفية والرغبات اللاعقلانية هي التي يتشكل منها اللاوعي. كما يعمد اللاوعي إلى فرض رقابة شديدة على هذه الرغبات تحول بينه وبين وعيه لها2[2]. من أسباب كبت هذه الدوافع اللاعقلانية يذكر فرويد تحفظات تربوية وأخلاقية مثل الخشية من عدم رضا المجتمع والخوف من العقاب والشعور بالذنب. يحاول الكائن طرد تلك الدوافع والرغبات اللاعقلانية من مساحة الوعي ويلقي بها في سرداب اللاوعي المظلم والجانب العميق من الذات ويعتقد أنها تلاشت واضمحلت في غياهب النسيان واختفت من الذاكرة نهائيا ولكن هذه المكبوتات والرغبات المقموعة تستمر حية ونشطة في الداخل وتضغط بقوة وتتصيد مناسبة لتعبير عن وجودها بشكل مستتر وخفي وترتدي لباسا تنكريا وتتسرب إلى حياتنا الواعية في شكل هفوات وزلات لسان وأخطاء وعوارض مرضية وأحلام ليلية وتتسبب في العذاب والمعاناة والتوتر3[3].

لقد فسر فرويد الحلم بأنه تلبية رغبة لاعقلانية بطريقة خيالية ورأى أن الإنسان ميال إلى تلبية حاجياته الغريزية بالاعتداء على أقاربه والإضرار بهم واستغلالهم واستعمالهم واضطهادهم وإنزال الآلام بهم وذلك بحكم تأليب العدوانية الأولية ضد غيره من الناس وأن الأهواء الغريزية أقوى من القيم الأخلاقية والاهتمامات العقلية . كما فسر تعرضه للعذاب والشقاء في حياته بمشاعر الحقد والكراهية والحسد التي يتعرض لها من غيره وسوء نيته أقاربه وتنصله من المسؤولية وإخفاء ضعفه وإلقاء اللوم في فشله على الآخرين والقوى الخارجية. بناء على ذلك يقر فرويد بأن الإنسان وحش مفترس لا يقيم أي اعتبار لبني جنسه بل يمكن أن يرتكب في حقه حروبا فظيعة وتتسم حياته بالعدوان والقتالية وذلك نتيجة وجود خلل في علاقته بأقربائه وطبيعته الأنانية. في هذا الصدد نراه يقول:" ليس الإنسان بذلك الكائن الطيب السمح، ذي القلب الظمآن إلى الحب الذي يزعم أنه لا يدافع عن نفسه إلا إذا هوجم، وإنما هو كائن تنطوي مكوناته الغريزية على قدر لا يستهان به من العدوانية"4[4].

غير أن الطبيعة غير المروضة تنزل بالإنسان الكثير من المصائب ولا تطلب منه أن يحد من غرائزه بل تترك له الحرية التامة في تلبية رغباته وتعمل على إشباع جميع حاجياته، كما أن إذلال شعوره النرجسي يؤدي إلى القلق والتوهم والتوتر ويتسبب له الإفراط في إشباع الغرائز بالشعور بالألم والحرمان والتهرم والمرض ويكون وجوده مهدد بالاندثار من خلال الحرب والفناء. من المعلوم "أن الغريزة الجنسية هي التي تشوش علاقة الإنسان بالإنسان وتطلب من المجتمع أن ينتصب قاضيا جهنميا هي غريزة الموت والعداء للإنسان ضد الإنسان... وان غريزة الحب هي خليط بين توحد الكائن الحي أولا مع ذاته، ثم توحد الأنا مع موضوعه، وأخيرا توحد الأفراد دوما في المجموعات الأكثر كبرا" 5[5].

من هذه المنطلقات لا يعيش الإنسان في حالة طبيعية خالصة بل يتأثر بالعوامل الثقافية وتأتي الحضارة حسب فرويد لوقف هذا الانهيار والدمار وتحول العدوانية إلى سلم ومحبة وتجعل من الصراع والنزاع مجرد مزاحمة وتنافس في إطار النشاط البشري وتحد من الحرية في تلبية الرغبات وإشباع الغرائز. هكذا تحمي الحضارة الإنسان من المخاطر الطبيعية وتحافظ على النوع البشري في مواجهة القوى الطبيعية المدمرة وتمكن البشر من الحياة المشتركة وتجند طاقة القوى الأخلاقية والدينية لمعارضة تجليات العدوانية وتفرض على الأفراد مشاركة في أنسنة humanisation الطبيعة وتهذيب الغريزة. غير أن إذلال النرجسية الطبيعية للبشر يؤدي إلى تعاستهم وازدرائهم وتحصل خسائر معنوية جسيمة حينما يواجه الإنسان المؤسسات الحضارية وتضطر السلطة في جميع أشكالها إلى صده وكبحه. لقد "كانت النرجسية تعوق اكتشافات كوبرنيك... وتعارض نظريات داروين ... وهي التي تقاوم أخيرا التحليل النفسي لأنه يزعزع أولوية الوعي وسيادته. وثمة مظهر جديد من النزاع بين مبدأ اللذة ومبدأ الواقع ينكشف: تتدخل النرجسية بين الواقع وبيننا، وهذا هو السبب في أن الحقيقة هي إذلال لنرجسيتنا"6[6]. فماذا يترتب عن تحليلية الجهاز النفسي للإنسان؟ وكيف ينتقل العلم من تناول اللاوعي الفردي إلى اللاوعي الجماعي؟

 

د زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

......................

الهوامش والإحالات:

[1] Freud (Sigmund), Metapsychologie, edition Gallimard, Paris, 1968,p66.

[2] سغموند فرويد ، موسى والتوحيد، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، طبعة 2004.

[3] سغموند فرويد ، مستقبل وهم، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، طبعة رابعة.1998.

[4] فرويد ، قلق في الحضارة ، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، طبعة 1977 .ص.43.

[5] بول ريكور، صراع التأويلات ترجمة منذر عياشي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، طبعة أولى 2005، صص167-168.

[6] بول ريكور، في التفسير، محاولة في فرويد، ترجمة وجيه سعد، أطلس للنشر والتوزيع، دمشق، طبعة أولى، 2003، ص232.

 

المصادر والمراجع:

Freud (Sigmund), Metapsychologie, edition Gallimard, Paris, 1968.

سغموند فرويد ، موسى والتوحيد، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، طبعة 2004.

سغموند فرويد ، مستقبل وهم، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، طبعة رابعة .1998.

سغموند فرويد ، قلق في الحضارة ، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، طبعة 1977 .

بول ريكور، صراع التأويلات، ترجمة منذر عياشي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، طبعة أولى، 2005.( فصل التحليل النفسي وحركة الثقافة المعاصرة صص160-171)

بول ريكور، في التفسير، محاولة في فرويد، ترجمة وجيه سعد، أطلس للنشر والتوزيع، دمشق، طبعة أولى، 2003، فصل 3 مبدأ الواقع ومهمة الأنا الاقتصادية صص231-234.

 

بعض الجامعات تقوم حاليا بتدريس كورسات في فلسفة الموسيقى. انها تتناول اسئلة مثل: ماهو تعريف الموسيقى؟ ماالذي يجعلنا نقول ان مجموعة معينة من الاصوات هي موسيقية بينما اصوات اخرى ليست كذلك؟ ما علاقة الموسيقى بالذهن؟ كيف تؤثر الموسيقى على عواطفنا اولاً وعلى تفكيرنا ثانيا؟ كيف يمكننا تقييم اي قطعة موسيقية معينة؟ ما هي العلاقة بين المقطوعة الموسيقية وآدائها؟ ماذا نعني حينما نقول ان تلك المقطوعة الموسيقية حزينة؟ اين يقيم ذلك الحزن؟. هذه الاسئلة وغيرها جرى التعامل معها بطريقة تقنية عالية، على سبيل المثال،في مقالة "فلسفة الموسيقا" المنشورة على الاون لاين في موقع سترانفورد انسكلوبيديا اوف فيلوسوفي. في تلك المقالة نستطيع الوقوف على النقاشات المتعلقة بقضايا الموسيقى من جانب المؤسسات الاكاديمية الحالية.

ما ذُكر اعلاه ليس هو موضوع هذا المقال، لأن ذلك ليس اكثر من سرد تاريخي، يصف ما ذكرهُ بعض الفلاسفة كأفراد حول الموسيقى. من الصعب حاليا العثور على اي ويب سايت يعطي وصفا للكيفية التي تطورت بها الافكار الفلسفية الهامة المتعلقة بالموسيقى عبر الزمن. ذلك الزمن حسبما نراه ينتهي بفردريك نيتشة الذي توفي عام 1900. ومنذ ذلك الحين، لم نجد اي اسم عظيم في الفلسفة اعطى الموسيقى مكانا هاما في فلسفته – رغم وجود عدد من الاسماء القليلة الشهرة التي ظهرت في الانسكلوبيديا.

الشيء الآخر المثير للدهشة هو الفجوة الزمنية الهائلة بين اثنين من فلاسفة التاريخ القديم، فيثاغوروس وافلاطون من جهة، اللذين قالا شيئا ما عن فلسفة الموسيقى،وبين الموضوع الذي جرى تناوله مرة اخرى في القرن الثامن عشر من جانب (ليبنز). لذا فان الجزء الاكبر من هذا المقال يتعامل مع فترة قصيرة نسبيا، من حوالي سنة 1714 الى 1889،خلالها شغل الفلاسفة الكبار انفسهم بافكار الموسيقى وهم – ليبنز، كانط، شيلنك، شوبنهاور، نيتشة .

لنبدأ بالقدماء:

فيثاغوروس (570 الى 495 قبل الميلاد)

كان فيثاغوروس شخصية رئيسية في جماعة اُطلق عليها نفس الاسم القديم اورفيوس (Orpheus)(1)، وهو الشاعر والموسيقي الكبير الذي انطوت موسيقاه على سمات اسطورية دينية رائعة. فيثاغوروس اعتقد ان "كل الاشياء هي عدد": الاشياء تأتي للوجود عندما يُفرض نظام رياضي على البناء اللاشكلي للكون. يُعتقد ان فيثاغوروس وصل الى هذه الفكرة بعد اكتشاف اهمية الرياضيات في الموسيقى. القصة بدأت عندما مر فيثاغوروس بورشة لأحد الحدادين، فسمع انغاما صوتية مثيرة، هو وجد عند ضرب السندان بمطرقتين مختلفتي الوزن ستنشأ ثلاثة اشكال صوتية (النوتة، والخامس، والرابع) . فاذا كان وزن احد المطرقتين نصف وزن المطرقة الاخرى، فسوف نحصل على النوتة النغمية (octave)، واذا كان وزن احدهما ثلث وزن الاخرى، فسنستمع الى (الخامس)، واذا كان وزن احداهما ربع وزن الاخرى، فسنستمع (للرابع)، هنا يكون فيثاغوروس اكتشف النسب الرقمية التي تقرر الانسجام النغمي. لسوء الحظ اننا في هذه القصة الممتعة، نجد ان درجات الصوت الناجمة عن الضرب لا تتغير تناسبيا مع وزن الآلة المستعملة. لكن هذه النظرية في التناسب تعمل فعلا عندما تُسحب اوتارالكمان بعد ايقافها عند منتصف المسافة، وعند ثلثها ، او ربعها على امتداد الاوتار. ان الجمال والنظام الموسيقي هما ايضا وبنفس الطريقة نتيجة للنظام والانسجام المتولدين من الضوضاء العالية. فيثاغوروس اوجد ايضا فكرة "الموسيقى الكونية"(2) غير المسموعة لنا الناتجة عن حركة الكواكب حول الارض.

 

افلاطون (427 الى 346 قبل الميلاد)

ناقش افلاطون الموسيقى كجزء من تدريب عواطف طبقة حراس المجتمع في كتابه "الجمهورية سنة 380 قبل الميلاد". هو اعتقد بضرورة منع موسيقى الـ (Lydian and Ionian) لأن الاولى تعبّر عن الحزن والثانية عن الارتخاء. يجب السماح فقط بـموسيقى (Dorian and Phrygian) ، لانهما يعبّران عن الشجاعة والانضباط.

هناك اذاً فجوة هائلة في فلسفة الموسيقى حتى نصل الى:

 

ليبنز (1646 الى 1716)

في كتابه (monadology, 1714) يوضح ليبنز(Leibniz) استجابتنا للفن من خلال التصورات اللاواعية لـ "الحساب السري" للترددات والعلاقات الاخرى في الموسيقى والرسم.

 

كانط (1724 الى 1804)

بعد ذلك كتب عمانوئيل كانط كتابا في الجماليات بعنوان (نقد الحكم،1790) وصف فيه الانواع الجمالية بانها تلك التي تمنحنا"متعة موضوعية". انها تقوم بهذا من خلال جمالها المتجسد في انسجامها بالشكل، او من خلال سموها – بمعنى هيبة متخيلة او قوة لا تهددنا. كذلك، بالنسبة للنتاجات الجمالية المتجسدة بوساطة العبقريات الفردية، تعرض نفسها لنا ليتم تصورها ككل – على خلاف الحقائق العلمية التي يتم التوصل اليها بعملية متدرجة من التفكير. هذه الفكرة هي الجسر الى الرومانسية، والتي طور بها المثاليون المتجاوزون الفكرة الى مجالات ابعد.

 

شيلينغ (1775 الى 1854)

كان فردريك شيلينغ Schelling اول هؤلاء المثاليين المتجاوزين للمعرفة الانسانية، واول فيلسوف اعتقد بان القطعة الموسيقية (كشكل متميز عن الصوت) هي الأنقى واكثر الفنون تجريدا، ومكنتنا ليس فقط لنلمح المطلق – الكلمة التي صاغها شيلينغ، رغم ان كانط تحدث حول الحقيقة المطلقة او (الشيء في ذاته) – وانما من خلال تلك التجربة، لنرى انفسنا كجزء مكمل لها. هذه الفكرة طورت لاحقا الى مديات اخرى من جانب شوبنهاور.

 

شوبنهاور(1788 الى 1860)

ان الفكرة المسيطرة في فلسفة آرثر شوبنهاور هي انه من المستحيل تقريبا لنا ان نهرب من "الرغبة" the Will – وهي المحرك او كفاح الطبيعة الذي يسيطر على كل الخلق،وهي صارمة وشديدة القسوة، و لا تهتم بالفرد في بقاء الانواع. لكن هناك بعض الطرق نستطيع بها تحرير انفسنا من الرغبة لفترات قصيرة. الشفقة والزهد هما اثنان من تلك الطرق، لكن الفن هو طريقة اخرى، خاصة بشكله الاعلى المتمثل بالموسيقى. هناك وصف حسي بالنسبة للصوت او اشارات البصر التي نتلقاها عندما نسمع او نرى عملا فنيا، لكن الاكثر اهمية لشوبنهاور هو التجربة، التي تنقلنا الى عالم غير حسي، تعطينا شعورا بالتناغم التام مع شيء وراء ذاتنا، اي، مع الرغبة بذاتها (المستقلة عن انطباع الحواس تجاهها) . ومن الطرق الاخرى للتعبير عن هذا،حينما نقول نحن تجردنا من انفسنا الى تجربة نسميها "لا زمنية"، او عندما نتخيل بعض الحقيقة الشمولية – الكلي في الخاص. الفنانون الذي امتلكوا هذه التصورات يمكنهم نقلها الى الآخرين – من خلال الفن، ليس عبر التوضيح، ومن ثم فقط للناس الذين يستطيعون الاستجابة للفن بنفس الطريقة . لكن الفنانين الذين يقلدون فنانين اخرين، او الذين يستجيبون ببساطة للموضة الفنية، لا ينتجون فنا حقيقيا اصليا، ولا فنا اصليا في التعبير الذاتي: انه يجب ان يكون في اتصال مع شيء ما اكبر من الذات. هذا التأمل يجب ان لا تصاحبه الرغبة بالحيازة، ولا الشعور بالخوف المصاحب لحالة التأمل بسمو الظاهرة الطبيعية كالعواصف الرعدية .

شوبنهاور يعرّف العبقرية بمقدرة الفنان على تخيل ونقل الابدي. وكما في افلاطون، هذا التصور هو خيالي، وليس فكريا. لحظة الفن تصبح ملاحقة فكرية (على سبيل المثال الرسوم الرمزية او عند استنساخ وصفة كانت ناجحة لفنانين اخرين) لم تعد وسيلة للتوغل نحو الابدي. مثل هؤلاء الناس ليسوا اكثر من موهوبين: "الموهبة بلوغ هدف لا يستطيع الآخرون بلوغه، اما العبقرية فهي بلوغ هدف لا يستطيع الآخرون رؤيته".

المرء الذي يحرر نفسه من الرغبة سوف يفتقر عموما لما تمليه الرغبة في البقاء: كيف تعمل بفاعلية في هذا العالم. ومن هنا ندرك لماذا الفنانون عادة غير كفوئين في الحياة العملية، ومعزولين عن الناس الآخرين.

 

سلّم شوبنهاور التنظيمي للفنون

في أعلى العمارة الفنية يأتي الرسم وفن النحت وكلاهما يرتبطان بإحكام بالظاهرة التي يتعاملان معها بدلا من حقيقة الرغبة الكامنة وراء الظاهرة- ثم يأتي النثر، الذي يكون في اعلى مستواه عندما يصبح اقل ارتباطا بالرواية والفعل واكثر ارتباطا بالتأمل والشعر والدراما – واغلب ذلك في التراجيديات التي فيها يهرب البطل في نهاية الحياة للقبول او الاستقالة او التوقف عن الكفاح،التخلي عن الرغبة. ولكن بالنسبة لشوبنهاور، تعتبر الموسيقى اعلى الفنون كلها، لأنها الاكثر تجريداً، الاقل ارتباطا بالمفاهيم الظواهرية. في عام 1877 كتب والتر باتر Walter pater "كل الفن يطمح الى ظروف الموسيقى". هو يقصد ان كل الفن الحقيقي يجب ان يكافح ليكون اقرب ما يمكن لنقاء مفهوم شوبنهاور عن الموسيقى المطلقة. لاحقا، الرسامون التجريديون سيتحاشون التجسيدات المادية للعالم، وقسم منهم، مثل كاندنسكي، يعطون للوحاتهم عناوين بمضامين موسيقية. الموسيقى يمكنها،على سبيل المثال، التعبير عن العواطف (النكتة، الحزن وغيرها) بدون اي حافز او اشياء ملحقة.يجب ملاحظة ان البعد الاضافي"الغير معبّر عنه" الذي تستطيع الموسيقى منحه للاوبرا، عادة يتغلب على التفاهة التامة او السخافة في القصة او الاوبرا.

تلك الموسيقى التي تتحدث عن عالم آلهي،كانت مفهومة منذ بداية الوعي الانساني.(كما ذكرنا، ان فيثاغوروس اظهر العلاقة بين الموسيقى والرياضيات، وبالنسبة للاغريق القدماء اعتبروا الرياضيات الاتجاه الاقرب لمعنى العالم. بعض الناس اعتقدوا بان تلك المسألة نالت برهانا آخراً عندما نجح نيوتن في ربط الرياضيات مع علم الفلك).

ان فلسفة شوبنهاور في الموسيقى تكون في افضل صورها حين تقف بالضد من نظريات وغنر Wagner المبكرة ،ولكن حينما قرأ وغنر شوبنهاور عام 1854 ، هو اتفق معه نظريا واصبح تلميذه المناصر له. في التطبيق، استمر وغنر في المزج المتناغم بين النص والموسيقى بنفس القوة التي قام بها من قبل، ولكن في كتابه (Tristan and Isolde،عام 1856) ، هو اصبح اقرب لإعطاء الموسيقى دور شوبنهاور التام.

 

نيتشة (1844 الى 1900)  

رغم الاختلافات الكثيرة بين فلسفة شوبنهاور ونيتشة لكن الاخير تأثر بافكار الاول حول الموسيقى. في (مولد التراجيديا من روح الموسيقى عام 1871)، يتفق نيتشة بان المرء يمكنه الهروب من تعاسة الحياة الارضية من خلال الفن وخاصة الموسيقى وكذلك عبر اللمح الخاطف للمتجاوز.

نيتشة ايضا التقط افكار وغنر بوجود عنصرين للفن يوازن كل منهما الاخر: النظام العقلاني الخلاق Apollonian والثاني عنصر الطموح والعواطف Dionysian. نيتشة وجد هذا المزيج في موسيقى وغنر، واعتقد ان فن وغنر كان الى جانب غيره يمثل الخلاص لألمانيا. لكنه انقلب ضد وغنر عام 1876، وفي (نيتشة يواجه وغنر عام 1889)، هو اتهمه بالتخلي عن عنصر ابولو الضروري.

Philosophy Now, Issue 108, Music in philosophy, Jun/Jul 2015

 

حاتم حميد محسن

......................

الهوامش

(1) في الميثولوجيا الاغريقية كان اورفيوس شاعرا وموسيقيا شهيرا، ذهب الى عالم ما تحت الارض لإنقاذ زوجته المتوفاة (يوريديس). هو نجح في التأثير على (حادس) بقيثارته الساحرة، وسُمح له بسحب زوجته من عالم ما تحت الارض شريطة ان لا ينظر اليها نحو الخلف حتى يبلغ سطح الارض.

(2) الموسيقى الكونية هي مفهوم فلسفي قديم يؤكد على التناسب في حركة الاجرام السماوية كالشمس والقمر والكواكب – كشكل من الموسيقى. هذه الموسيقى لا يُعتقد ان تكون مسموعة كالمعتاد، لكنها مفهوم ديني او رياضي منسجم. استمرت الفكرة تثير إعجاب المفكرين بشأن الموسيقى حتى نهاية عصر النهضة.

 

ibrahim telbasilkhaترتبط فلسفة اللغة العادية بجورج إدوارد مور، ورسل وفتجنشتين و أوستن وغيرهم من فلاسفة ما بعد الحرب بجامعتي كامبردج وأكسفورد بوصفها اتجاها مميزا في إطار الجانب التصنيفي الذي يشار إليه بتعبير " الفلسفة التحليلية " .. فلقد رأى مور أن اللغة العادية ملائمة للعمل الفلسفي لكنها تحتاج إلى تهذيب وتوضيح . وأن التحليل الفلسفي للغة ليس هدفا في ذاته بقدر ما هو وسيلة لتوضيح تصوراتنا وقضايانا . وأن النظرية الفلسفية تقاس قيمتها بقدر اتساقها مع معتقدات الرجل العادي، فإذا جاءت النظرية متنافرة مع هذه المعتقدات حكمنا عليها بالإفلاس (1) وإذا كان مور لم يعبر في أي موضع عن أن فكرة اللغة العادية صحيحة في ذاتها ولم يجادل غيره من الفلاسفة الذين حاولوا استبعادها صراحة أو ضمنا فإنه قد دافع عن هذه اللغة معلنا أنها ملائمة لأغراضنا . مؤكدا إن الأساليب الاصطلاحية أو غير المألوفة في حديثنا غالبا ما يكون خطرها أكثر من نفعها .(2)

وأعلن مور أن عدم الاهتمام الجاد بالتحليل هو السبب المباشر فى وجود مشكلات فلسفية فقال : " يبدو لي في عالم الأخلاق كما في كافة الدراسات الفلسفية الأخرى أن الصعوبات والخلافات التى يكتظ بها تاريخها إنما ترجع أساسا إلى سبب بسيط جداً هو : أننا نحاول الإجابة عن أسئلة لم نتبين على وجه الدقة معناها أو بدون أن نتبين أي سؤال هو الذي نريد الإجابة عنه . وأنا لا أعرف المدى الذي قد يصل إليه الفلاسفة باستبعادهم مصدر هذا الخطأ error إذا ما حاولوا أن يكشفوا عن السؤال الذي يسألونه قبل أن يشرعوا فى الإجابة عنه، إذ أن القيام بالتحليل والتمييز عمل بالغ الصعوبة غير أنني أميل إلى الظن أن المحاولة الجادة القائمة على العزم والتصميم تكفي لتحقيق أو ضمان النجاح، وأن كثيرا من أصعب المشكلات وأشدها إثارة للخلاف disagreements فى الفلسفة سوف تزول لو أننا قمنا فعلا بمثل هذه المحاولات الجادة، ولكن يبدو أن الفلاسفة، بصفة عامة، لا يقومون في أغلب الأحوال بمثل هذه المحاولة الجادة، بل هم يحاولون دائما أن يبرهنوا على أن الإجابة " بنعم أو لا " هي الإجابة الصحيحة عنها، وذلك لأنهم لا يضعون أمام أذهانهم سؤالا واحدا بعينه بل عدة أسئلة تكون الإجابة عن بعضها بالنفي وعن بعضها بالإيجاب " . (3)

وأما فتجنشتين فقد رأى أن المشكلات الفلسفية نشأت نتيجة سوء استخدام الفلاسفة للغة العادية أو تجاهلها . فقد استخدموا الكلمات بمعان بعيدة كل البعد عن الاستخدام المألوف فخلقوا لأنفسهم مشكلات مثل التشكك فى وجود العالم أو كيف عرفت أن هنالك بشرا غيري لهم مثلى عقول ومشاعر وحالات نفسية وعمليات عقلية ونحو ذلك . وعلاج ذلك هو عودة الفلاسفة إلى اللغة العادية والاستخدام المألوف للكلمات . (4)

وانطلق أوستن كذلك في منهجه من اللغة العادية مؤكدا عمق المفاهيم التى تتضمنها . واهتم بالبحث في طرق استعمالاتها من خلال أربعة منطلقات رئيسية وذلك كما يلي :

1- أن الكلمات words هي أدواتنا ويجب، على الحد الأدنى، أن نستعمل أدوات نظيفة clean tools : فعلينا أن نعرف ما نعنيه وما لا نعنيه، ويجب أن نعد أنفسنا ضد الشراك أو المكائد التى تضعها لنا اللغة.

2- أن الكلمات ليست وقائع facts أو أشياء things : ولذلك فنحن في حاجة إلى أن نرفعها فوق العالم ونجعلها بعيدا عنه، وفى تقابل معه حتى نتمكن من إدراك عناصرها غير الملائمة والمستبدة ونستطيع إعادة النظر إلى العالم بدون غمامات .

3- وأكثر من ذلك فإن مخزوننا العام من الكلمات يجسد جميع الاختلافات التى وجد الناس أنها تستحق أن توضع، ويجسد الروابط التى وجدوا أنها تستحق التسجيل في حياة أجيال كثيرة : وهذه بالتأكيد أكثر تعددا وصحة وتهذيبا من جميع الموضوعات التى قد نفكر فيها، أو أفكر فيها، ونحن على مقاعدنا وقت الأصيل .

4- ويقينا فإن اللغة العادية ليست الكلمة الأخيرة : فمن حيث المبدأ يمكن تكملتها وتحسينها ولنتذكر فحسب أنها الكلمة الأولى first word .(5)

وجيدنز فى معالجته التفسيرية لفلسفة اللغة العادية استعرض أهم المنطلقات الفكرية لها عند مور، ورسل، وفتجنشتين و أوستن وستروسون وجرايس وسيرل وغيرهم . وقد رأى أن الأفكار التى عرضها فتجنشتين في كتاباته المتأخرة قد نجحت نحو التأكيد على التحليل الوصفي descriptive analysis المفصل لمعاني الكلمات في الكلام اليومي، وذلك بهدف توضيح أو حل بعض القضايا التقليدية للفلسفة . (6) وأن اللغة الإنجليزية العادية عندما تشير إلى الغرضية فإنها تتحدث عادة عما " يقصد الشخص أن يفعل " تماما مثلما هي الحال عند الحديث، فإننا نتحدث عما "يقصد الفاعل قوله". وهكذا نقترب كثيرا من الافتراض أو الادعاء القائل " أن نعني شيئا " بما نفعل لا يختلف عن أن " نعني شيئا " بما نقول . وهنا يشير جيدنز إلى أفكار اوستن حول الأفعال الغرضية illocutionary acts و القوى الغرضية ويري أن اوستن قد أذهله حقيقة أن قول شئ ما لا يعني دائما ببساطة أن تفصح عن شئ(7) .

فنطق عبارة " بهذا الخاتم أتزوجك " ليس وصفا لفعل معين وإنما هو لب فعل " الزواج " ذاته . فإذا كان من الطبيعي في مثل هذه الحالة أن يستوي ما نعنيه بما نقوله وما نعنيه مع ما نفعله، فقد يبدو كما لو أن هناك شكلاً واحداً مفرداً ومهيمناً للمعنى بحيث لا يتطلب الأمر أن نعقد أي تفرقة بين فعل شئ ما، وقول شئ ما. ولكن الأمر ليس كذلك من وجهة نظر جيدنز، إذ أن كل ما هو منطوق تقريبا فيما عدا صرخات الألم والفرح اللاإرادية يتسم بأنه ذو طابع تواصلي . كما أن بعض صور التواصل اللفظي بما في ذلك التعبيرات الاتفاقية أو المواضعية مثل عبارة " بهذا الخاتم أتزوجك " تتخذ شكلا علنيا . ولكن هذا لا تأثير له علي هذه القضية، ففي مثل هذه الحالات يكون التعبير المنطوق في حد ذاته " فعلا ذا معنى " كما يكون في ذات الوقت نمطا لتوصيل رسالة أو معنى للآخرين والمعنى في هذه الحالة هو " أن الوحدة الزواجية قد أصبحت رسمية وملزمة " حيث يفهم ذلك كل من الزوجين وبقية الحضور في الحفل .(8)

ويري جيدنز أن معنى المنطوقات utterances من حيث كونها " أفعالاً تواصلية " - إذا كان هناك ثمة فعل - يمكن دائما ومن حيث المبدأ التمييز بينه وبين معنى الفعل، أو توصيف الفعل باعتباره فعلا متميزا . فالفعل التواصلي هو ذلك الذي يكون فيه غرض الفاعل، أو أحد أغراضه مرتبطا بنقل المعلومات إلى فاعلين آخرين . وبالطبع فإن مثل هذه " المعلومات " لا يجب أن تكون مقتصرة على النمط الافتراضي، ولكن يمكن أن تتخذ شكلا توفيقياً في إطار محاولة إقناع الآخرين أو التأثير عليهم لكي يستجيبوا على نحو معين . والآن وحيث إن المنطوق يمكن أن يكون في نفس الوقت " فعلا " - أي شئ نقوم بفعله - و " فعلا تواصليا " فإن الشيء الذي نفعله قد ينطوي أيضا على قصد تواصلي .(9)

وأن فلاسفة اللغة الذين تبنوا وجهة النظر القائلة بأن " وحدة التواصل اللغوي linguistic communication ليست هي الرمز أو الكلمة أو الجملة كما يفترض بصفة عامة، ولكن هذه الوحدة هي عملية إنتاج أو إصدار الرمز أو الكلمة أو الجملة خلال أداء فعل الكلام، هؤلاء الفلاسفة ظلوا فيما يبدو يتعاملون مع المنطوقات اللفظية، إما على أنها من فعل أشخاص أصحاب تفكير مجرد، أو في ضوء علاقة هذه المنطوقات اللفظية بقواعد قد تكون بالغة الأهمية أو مواضعات لغوية مجردة وليس بوصفها محادثات توفيقية تدور بين الأفراد . ودلالة هذا الاختلاف في التعامل مع المنطوقات اللفظية قد تكون بالغة الأهمية، ذلك أن المعاني التى يحملها المنطوق تبرز إلى الوجود في ثنايا عملية التخاطب الفعلي بواسطة الأسلوب الذي يتم من خلاله إنجاز " العمل التخاطبي " في أطر قضية " إن أجزاء من التخاطب ما هي إلا طرائق لتجسيد وبلورة أو تحريف المحادثة نفسها، ومن ثم إضفاء معنى على مكونات المنطوق اللفظي " . (10)

   ويؤكد جيدنز على الدور الأساسي الذي تلعبه " اللغة العادية " في تأسيس التفاعل - الذي هو نتاج للمهارات المؤسسة للفاعلين الإنسانيين - بوصفها وسيطا لوصف ( تشخيص ) الأفعال، وكوسيط للتواصل بين الفاعلين في آن واحد، وهذه عادة ما تكون متداخلة مع بعضها البعض بشدة في الأنشطة العملية للحياة اليومية، ومن ثم فإن استعمال اللغة ذاتها يعد نشاطا عمليا . إن عملية توليد أوصاف لأفعال بمعرفة الفاعلين في نشاطهم اليومي ليست مسألة عرضية في الحياة الاجتماعية باعتبارها ممارسة مستمرة، ولكنها ذات أهمية مطلقة في عملية إنتاجها ولا يمكن فصلها عنها. ذلك أن توصيف ما يفعله الآخرون، وبقدر أكثر تحديدا نواياهم وأسباب ما يفعلونه، هو ما يخلق الصلة بين الذوات التى من خلالها يتم تحول المقاصد التواصلية إلى واقع .(11)

ولقد أسفرت محاولات القطيعة مع النظريات القديمة للمعنى التى تعكسها دراسات فتجنشتين المتأخرة، ودراسات أوستن التى تركز على الاستخدام الأداتي للكلمات، بدون شك عن نتائج جديرة بالاحتفاء بها . وهناك قدر واضح من الالتقاء بين الأعمال الحديثة في ميدان فلسفة اللغة والأفكار التى طورها تشومسكي وأتباعه حول القواعد اللغوية التحويلية . فكلاهما ينظر إلى اللغة واستخدامها بوصفها أداءًا إبداعيا . بيد أن رد الفعل في بعض الكتابات الفلسفية تجاه الادعاء القائل بأن كل ما هو منطوق له شكل ما من المحتوي الافتراضي، أفضت بذات القدر إلى تأكيد مبالغ فيه على " المعنى "بوصفه قد استغرق بواسطة المقاصد   التواصلية. (12)

كما أن كل من سترسون strawson وجرايس grice وسيرل searle وغيرهم قد تناولوا بعضا، وليس كل جوانب قصد التواصل في المنطوقات . فالتحليل الذي قدمه جرايس للمعنى بوصفه قصداً تواصلياً ( أي كمعنى غير طبيعي ) هو أكثر التحليلات في هذا المجال تأثيرا . وفي صياغته الأصلية يقدم جرايس وجهته التى فحواها أن العبارة القائلة بأن الفاعل " س " قد عنى بقوله ( كذا وكذا ) يمكن التعبير عنها بالصياغة التالية : إن س قد قصد من المنطوق ص أن يحدث تأثيرا على آخر أو آخرين من خلال إقرارهم بأن هذا هو ما كان يقصد إليه . وقد أشار فيما بعد إلى أن هذا لا يكفي بحالته الراهنة، لأنه قد ينطوي على حالات لا تعتبر أمثلة للمعاني ( غير الطبيعة ) . فقد يكتشف شخص ما أنه حيثما يثير تساؤلات عن موضوع معين، فإن شخصا آخر ينهار من الألم، وعند اكتشافه لهذا الأمر فإنه يكرر التساؤل كرة تلو الأخرى لينتج الأثر ذاته . إلا أنه بالرغم من أن الشخص الأول يثير التساؤل وينهار الثاني حال تعرفه على التساؤل، فينهار معه القصد فإننا لا ينبغي أن نقول إن التساؤل كان يعنى شيئا ما . وهكذا فإن جرايس يتوصل إلى استنتاج مؤداه أن التأثير الذي يقصد " س " إحداثه " يجب أن يكون شيئا خاضعا إلى حد ما لسيطرة المستمع، أو أنه بمعنى ما له مدلول " سببي " وأن التعرف على المقاصد الكامنة وراء " ص " يعد بالنسبة للمستمع بمثابة موضوع لعلاقات السببية وليس مجرد قضية عليه . (13)

وقد كشف نقاد جرايس عن وجود عدة التباسات وصعوبات في تحليله . أحد هذه الصعوبات أنه يبدو أن تحليله يقود إلى تراجع لا متناه، حيث إن ما يسعى " س-1 " إلى أن يحدثه من تأثير على " س-2 " يعتمد على القصد الذي يعمل " س –1 " على أن يتعرف عليه " س-2 " كقصد لـ " س-1 " وأن يتعرف " س-1 " على ما يقصده " س-2 " من كل من الموجه لـ " س-1 " وأن يتعرف " س-2 " على ما قصده " س-1 " وهكذا دواليك ... ويذهب جرايس في محاورة لاحقة مع نقاده وفي معرض رده عليهم إلى أن احتمال الانخراط في مثل هذا التراجع اللامنتاه لا يمثل مشاكل خاصة، حيث انه في أي موقف فعلي، فإن رفض أي فاعل أو عدم قدرته على الاستمرار في هذا المسار التراجعي لمعرفة مقاصد الطرف الأخر سوف يفرض حدودا عملية على التراجع . (14)

لكن هذا الإيضاح في رأى جيدنز ليس مرضيا تماما ذلك أن مشكلة التراجع تعد مشكلة منطقية . فهذا التراجع لا يمكن الفكاك منه، إلا من خلال إدخال مكون لا يظهر بصورة مباشرة في مناقشات جرايس . هذا المكون هو على وجه التحديد الحس المشترك الذي يتوفر لدى الفاعلين في إطار مناخ ثقافي مشترك، أو بتعبير أخر، ما أطلق عليه أحد الفلاسفة " المعرفة المتبادلة "   ( وهو يقول إنه لا يوجد في الواقع اتفاق على مسمى مقبول لهذه الظاهرة، ومن ثم فإن عليه أن يصك لها اسما) . فهناك العديد من الأشياء التى سوف يفترضها الفاعل أو يسلم بها ويعرف الطرف الآخر أنه يفترضها . ولا يفضي بنا هذا إلى تراجع لا متناه آخر من نوع " الفاعل يعرف أن الآخر يعرف وأن الآخرين يعرفون " إن التراجع اللامتناه من نوع " أن الآخر يعرف أن الفاعل يعرف أنه يعرف .. " لا يصبح مصدرا للتهديد إلا فى الحالات ذات الطبيعة الاستراتيجية فقط، مثل لعبة البوكر التى يحاول فيها كل من المشاركين في اللعب أن يكشف لنفسه خطط شركائه وأفكارهم في اللعب . هنا تكون المشكلة مشكلة عملية بالنسبة للفاعلين وليست مشكلة منطقية مما يحير الفيلسوف أو عالم الاجتماع . وينطوي   " الحس المشترك " أو " المعرفة المتبادلة " في علاقتها بنظرية المقاصد التواصلية على ما يلي :

أولا " ما يمكن أن يتوقع أن يعرفه أو ( يعتقد ) " أي فاعل كفء أنه يعرفه من خصائص الفاعلين الأكفاء بما في ذلك معرفته بنفسه وبالآخرين " .

ثانيا " إن الموقف المحدد الذي يجد الفاعل نفسه فيه في وقت ما ويوجد فيه الآخر أو الآخرون الذين يوجه إليهم منطوق القول يمثلون مجتمعين نماذج لنمط محدد من الظروف التى يكون من المقبول إسناد صور معينة من الكفاءة إليها .(15)

لقد لقيت وجهة النظر القائلة بأن المقاصد التواصلية تمثل الصورة الأساسية " للمعنى " بما يعني تطوير تفسير مقبول سوف يسمح لنا أن نفهم المعاني " المتفق عليها " لأنماط النطق تدعيما قويا من جرايس وآخرين . بعبارة أخرى، إن " ما يعنيه "س "   ( ما يعنيه الفاعل بما ينطقه ) هو مفتاح فهم ما يعنيه " ص "       ( معنى علاقة أو رمز معين ) وهذا الأمر يرفضه جيدنز لأن ما يقصده " ص " من معنى هو من الناجيتين السوسيولوجية والمنطقية سابق على المعنى الذي يقصده " س " وهو سابق سوسيولوجيا لأن الإطار المرجعي للقدرات الرمزية يعد ضروريا لوجود معظم الأغراض البشرية ذلك أن اتباع هذه الرموز بواسطة الأفراد يفترض الوجود المسبق لبناء لغوي يتوسط بين الأشكال الثقافية . وهو سابق منطقيا، لأن أي تفسير يبدأ من المعنى الذي يقصده     " س " لا يمكن أن يفسر أصل الحس المشترك أو المعرفة المتبادلة، وإنما لابد أن يفترض وجوده سلفا . ويمكن توضيح هذا بالرجوع إلى بعض الكتابات الفلسفية التى تتشابك بعمق وتعاني من نفس النقائص التى تعاني منها نظرية جرايس في المعنى . (16)

وعامة، فإن جيدنز يري أنه يمكن دراسة إنتاج اللغة وإعادة إنتاجها من ثلاثة جوانب على الأقل : يعد كل منها سمة مميزة لعملية إنتاج وإعادة إنتاج المجتمع بشكل أعم . فاللغة يتم " التمكن منها " و " الحديث بها " بواسطة فاعلين، وهي تستخدم كوسيط للاتصال بينهم، كما أن لها خصائص بنائية تعد بمعنى من المعاني نتاجا لخطاب " جماعة لغوية " أو " تجمع معين " . وفيما يخص جانب إنتاج اللغة بوصفها سلسلة من أفعال الكلام يقوم بها الفرد المتحدث، تعد اللغة :

1- مهارة أو مجموعة فائقة التعقيد من المهارات التى يمتلك ناصيتها كل من " يعرف اللغة " .

2- يعد استخدام هذه المهارة " الفهم " من قبل الذات الفاعلة نوعا من الفن الخلاق .

3- وهي شئ تم فعله أو إنجازه بواسطة المتحدث، غير أنه ليس واعيا تماما بما يفعله . وبعبارة أخرى فإن الفرد غالبا ما يكون قادراً على أن يقدم تفسيرا مبتسراً لتلك المهارات المستخدمة أو كيفية استخدامها .(17)

ويميز جيدنز بين الكلام ( ويمثل : الفعل والتفاعل ) واللغة   ( وتمثل : البينة ) كما يلي :

1- الكلام " مؤطر " أى أنه يوجد في زمان ومكان، بينما اللغة وكما يقول ريكور ricoeur   " واقعية وخارج الزمن " .

2- الكلام يفترض مسبقا وجود موضوع، ولكن اللغة تكون بلا موضوع حتى ولو لم يكن " موجودا " إلا بمقدار " معرفة " لغة المتحدثين به وإنتاجهم إياه .

3- الكلام يقوم على افتراض وجود الآخر، وتعتبر أهميته كميسر للمقاصد التواصلية أمرا أساسيا، ولكن - كما يوضح أوستن- يكون أيضا الوسيط المقصود لمجموعة كبيرة من " التأثيرات الغرضية غير الكلامية " . أما اللغة الطبيعية كبنية لا هي نتاج مقصود لأي موضوع بذاته ولا هي موجهة نحو موضوع آخر . (18)

وخلاصة القول : إن ما يميز " الفينومينولوجيا الوجودية " و " فلسفة اللغة العادية " و " التوجهات الفلسفية المتأخرة لفتجنشتين " في رأى جيدنز هو العودة للاهتمام بالفعل والمعنى والأعراف فى إطار الحياة الاجتماعية الإنسانية "

 

أ.د.ابراهيم طلبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا

مصر

........................

الهوامش

[1] - warmock , g . : english philosophy since 1900 oxford university press , london , 1961, pp 22 -23          

2 - moore , E , g , principia ethica , cambridge university press 1962 , p - vii

4 - د / محمود فهمي زيدان : في فلسفة اللغة، بيروت، دار النهضة العربية للطباعة والنشر 1985، ص 53

5 - warnok ,g : j . L . austin , routledge , london and new york 1991 , pp - 4 - 5

6 - giddens , anthony , new rules of sociological method , p - 43

7 - Ibid , p - 93

8 - loc - cit

9 - Ibid , p- 43

10 - Ibid , pp- 43 - 44

11 - Ibid ,p- 98

12 - Ibid , pp -94 -95

13 - loc - cit

14 - ibid , pp- 95 - 96

15 - loc - cit

16 - Ibid , p-97

17 - Ibid , p- 109

18 - Ibid , pp 125 - 126

- See more at: http://www.philopress.net/2015/01/philosophie-de-langue.html#sthash.KBwjFDXp.dpuf

 

1mohamad bakoh- الوقت المناسب للتفلسف: لحظة البهجة والامتلاء الفردي والجماعي

بدءا، هل للتفلسف وقت وشرط معينين، في عمر الإنسان، وفي حياة المجتمع، دون وقت آخر، ودون أي شرط مغاير؟

نشير إلى أن معنى التفلسف في سياق تساؤلنا، يقع خارج إطار المفهوم المؤسساتي للفلسفة والتفكير الفلسفي . ومن تم بإمكاننا طرح سؤالنا بمعنى آخر : لماذا تزدهر الفلسفة، كفكر عقلاني نقدي في عصر، وتنحط في عصر آخر، إذا قبلنا تلقي وفهم وتحليل المعطى الفلسفي، وفق أطروحة منطق العصور؟ هل وضع الفلسفة المزدهر أو المنحط، يرتبط هنا بأحوال الأفراد، المادية والمعيشية والمعنوية في الحياة، وكذلك بطبيعة علاقاتهم بالأشياء ذاتها في ذاتها، الحاضرة، بشكل من الأشكال، في نسق وجودهم، ارتباطا بصيرورة المجتمع المتغيرة باستمرار، حيث يحيون ويعيشون ويوجدون؟ أم أن أمر الفلسفة والتفلسف أبعد وأعمق من كل ذلك :

حين ترى الفلسفة فرحة مرحة، تنمو وتزهر، تلهو وتقهقه وترقص، داخل حلبة صراع موج بحر الأشقاء الأعداء، الصراع الذي يعني هنا التنافس والتنازع، المؤدي فعليا وضرورة، إلى تحقيق حياة النصر والغلبة، ونيل تقدير الأهل واحترام الجار، كما هو واقع الحال عند فلاسفة الإغريق، فاعلم أن حالة الفلسفة الصّحية بخير، بل سليمة وقوية للغاية : إنّ وضعها هنا شروق حياة بهيجة أكثر من طبيعية، وفي قمة العطاء الانساني دون شك، كما يشهد على ما نقول، تاريخُها القوي وصيتها المجيد، في العصر اليوناني القديم، خاصة مع فلاسفته الحكماء العظام، الذين نعتهم نيتشه ب"جمهورية العباقرة " (من طاليس إلى سقراط) .

لكن، في المقابل، عندما تجد الفلسفة تشكي وتشتكي، بل تبكي وتنوح، تائهة وقلقة حينا، ومبتهلة مادحة أو مرثية حينا آخر، فاعلم أنها ساعة الحقيقة المرّة، قد دقت فيها وإليها الأفول يميل : غروب شمس الفلسفة وضعفها، ومرض الفيلسوف وعجزه .. بل سقوطها قد لاح في الأفق .. لا محالة .. إلا أن حرارة إشكالية سؤالنا ما تزال مستمرة، نقرّبها أكثر بالطريقة المسائلة التالية : ألا يحق لنا تفسير نهضة الفلسفة، في حالتها الطبيعية الصّحية، بتفوّق قوة قوى قيم فكر التنوير والتعليم المستنير، لدى الفيلسوف كفرد، وغلبة العقل النقدي المركب، في المجتمع المنفتح والمثقف، خاصة عند النخبة المفكرة العادلة، مهما كانت الطبيعة التاريخية لهذا المجتمع قديمة أو حديثة أو معاصرة؟

بمعنى، أننا نلاحظ أن انحطاط الفيلسوف وليس الفلسفة، ناتج لا محالة، عن سياسة وتدبير منهجي في نفس يعقوب . خطأ في التفكير تحوّل، بقوة ثقافة التكرار، إلى تدبير سياسي ناجح، أدى إلى إفشال المشروع الفكري والحياتي للفلسفة، المشروع الذي أسسه حكماء وفلاسفة الإغريق القدامى. هكذا يتحمل الفيلسوف، خاصة سقراط مع تلامذته الأخلاقيين، نصيبا مهما من مسؤوليته، في المصير المرضي المنحرف الذي اصطدمت به الفلسفة.

كما أن الإرادة السياسية، للنخبة المفكرة الضعيفة، كان لها دور كبير في إبقاء حال الفلسفة كما هو : مريضا وضعيفا وتابعا، بل أداة في خدمة ورهن إشارة الدين والسياسة ومجالات أخرى . نعرف ونسلّم بأن الطريقة المثلى لإضعاف الخصم، هي جعله أداة خاضعة لشؤونه وإشاراته المفروضة . إي استعباده وتدجينه . وهذا ما حصل فعليا مع الفيلسوف الميتافيزيقي، بعد اللحظة السقراطية، حيث تم تحويله مكرها، إلى أداة مستسلمة، في خدمة الفكر الديني حينا (أفلاطون، كانط)، وفي خدمة الدولة والسياسة المهيمنة حينا آخر (هيغل) . فيلسوف بعمق ديني أو سياسي، تتبرأ منه الفلسفة الحرة، بمعناها العقلاني النقدي، الذي يموقع نفسه دوما ضدّ التبعية والهيمنة والاستعباد والاستبداد والاستغلال، وبالمقابل، ينتصر العقل الفلسفي الفعلي، فكريا وعمليا، لقيم العدالة والتنوير والحرية والإنسان . يعني، أننا هنا بصدد مفهوم أولي وصافي وتأسيسي للفلسفة، ذلك الذي دشنه بدءا، وعمل به الفيلسوف الإغريقي القديم، قبل أن يعمل سقراط، ومدرسته الذاتية والأخلاقية، على مسخه وتحريفه ..

هكذا، نجد أنفسنا أمام مفارقة غريبة : الفلسفة والفيلسوف . هذا، هو الذي قاد، تلك، إلى جحيم، وليس جنة، الميتافيزيقا، حيث باتت، كذات .. إلى حد اليوم، تائهة غريبة عن وطنها .. موضوعها .

لهذا، واصلت القوى المحافظة التاريخية، بمساعدة الفلاسفة المهادنين أنفسهم، رحلتهم المطاردة والطويلة، لتضييق الخناق على الفلسفة والفكر الفلسفي، بالمعنى النقدي الحرّ والتحريري، والعلمي، لكلمة "فلسفة" . وكل محاولة للانفلات، من أجل التأصيل، والخروج، والتجاوز للطابع الديني المهيمن، والمؤسساتي الممجد، والميتافيزيقي السائد، للفعل الفلسفي والفكر الحر، يواجه ويقاوم صاحبه الفيلسوف المشاكس والمخترق، بالمال والاعلام والآلة، وبكل تجليات وأعوان السلطة الرمزية للمجتمع، للحد من يقظة الفلسفة، ونهضة الفكر الحرّ، وانطلاق الفيلسوف المفكر (سبينوزا، نيتشه)، وليس الفقيه أو قاضي المحكمة أو مُدرس السفسطة . لهذا فإذا كان " الفيلسوف يحمي ويدافع عن وطنه، في حين نرى منذ أفلاطون، أن الفيلسوف قد نفي وراح يتآمر ضد وطنه "1 . وبالتالي، فعصور التاريخ جميعها لم تعرف، حسب نيتشه، سوى ستّ فترات تاريخية هامة، حظيت فيها الفلسفة والفيلسوف معا، والمعرفة والعلوم، في بعدهما الفكري النقدي الخالص والعميق، بما يلزم من رعاية اجتماعية ومجتمعية، وحظوة سياسية واضحتين، عند النخبة الحاكمة، والمفكرة المدبرة للشأن العام، نذكرها على التوالي :

1 – العصر العبري الأول، 2 – عصر الإغريق، 3 – عصر الرومان، 4 – عصر الموريسكيين، 5 – عصر النهضة، 6 – عصر الأنوار (قرن 17 – 18 في فرنسا) .

هكذا، يبدو لنا واضحا أن لحظة الفلسفة الإغريقية، الما قبل السّقراطية، هي أهمّ اللحظات الذهبية في تاريخ الفلسفة القديمة، تلك التي تميز فيها القول الفلسفي بالكثير من الحرية النظرية، ونقد السائد، والصراع الفعّال، والقوي، والمتفوّق، ضدّ الأفكار المتعَبة والخاضعة والمدجّنة، وليس ضد من يفكر، يعني تقدير الفرد المفكر .  

فلماذا تفلسف الإغريق إذن، في الزمن التاريخي التراجيدي، باصطلاح نيتشه (القرون الستة الأولى قبل الميلاد)، ولم يتفلسفوا مثلا في زمن ما قبل هذا التاريخ، أو ما بعده، بنفس الكيفية النقدية والتراجيدية الجريئة ؟ لماذا تفلسف الحكماء "الأغارقة" في اليونان القديمة، في نفس الظرف التاريخي والاجتماعي والحضاري، الذي انشغل فيه العرب بحكي الأيام، وسرد الأنساب، وقول الشعر، وانشغل الرومان بالهندسة، والمصريين ببناء المعابد والأهرامات، والبحث المستمر عن قبلة مناسبة للآلهة ؟ لماذا اشتعل العقل الفلسفي في الإغريق .. هناك نورا ساطعا، واشتعل العقل الديني في الشرق .. هنا ابتهالات وصلوات مرفوعة للآلهة ؟ على اعتبار أن " وظيفة الدين لم تكن تساعد على ممارسة المغامرة العقلية "2، التي كانت من السمات الأساسية للحضارة اليونانية القديمة .

لعلنا، نجد أنفسنا من جديد نتحدث هنا، عن بداية محتملة لأصل التفلسف والفلسفة، وليس عن مؤشر التفكير الفلسفي المبكّر، الذي من المفروض أن يكون مرحلة تأسيسية، للتفكير البشري النوعي، وليس تفكيرا نمطيا، ولا كميا منفعلا ومريضا، كما أراده فكر السلطة الرمزي الحاكم، واختارته أنظمة العقل السياسي المهيمن !!

إن هذا واقع الأمر، الذي تحقق بالفعل عند حكماء الإغريق، لمّا أبدعوا في القول والتفكير الفلسفيين، ولم يتحقق عند باقي شعوب الأرض وحضاراتها . تلك التي انشغلت - ربما - بأشياء أخرى، وبأفكار وأوهام ومعتقدات، من نوع ذاتي مختلف، غير التفكير الفلسفي الخالص، الذي وجدناه ناضجا عند الإغريق، وبدأوا من خلاله بطرح سؤال وجودهم، كطبيعة .. وكنوع بشري، وأيضا سؤال وجود تلك الأشياء، والموجودات الهائلة، كمّا وكيفا، المحيطة بهم، ولماذا وجدت هذه الأفكار، وتلك الأسئلة الوجودية الطبيعية، في ذهن الفرد والجماعة، في أصل الأشياء، باعتبار الإنسان هنا، ككل الكائنات الحيّة، رهينٌ وجودُه بوجود كائنات طبيعيّة، تحيا في جواره، قبل أن يحوّل هذا السؤال الأم المستفز للفكر لاحقا، إلى أسئلة كبيرة ذات طبيعة علائقية، لا تقل أهمّية عن السؤال الوجودي البديهي المبكّر الأسبق، حرارة وعمقا واحتراقا ..! نعني به السؤال المعرفي، منطوقه : أريدُ أن أعرف، لماذا أنا موجود، هنا والآن، في هذه الحياة، وعلى هذه الأرض، وبمعية هذه الطبيعة الجميلة والمُدهشة، والمُرعبة، التي أنا جزء منها، باعتباري كائن طبيعي منها، وهي جزء مني، باعتبارها كائنة طبيعية فيّ .. وكلانا موجودات تحيا بالطبيعة، يتعلق الواحد منا بالآخر .. غير أنّني كإنسان يفكر، أسعى لمعرفة مَن أكون، ولماذا أنا هنا، الشيء الذي لا تقدر على معرفته، ولا حتى السعي إليه، هذه الطبيعة الصديقة والعدوة، في الوقت عينه ؟ إنه السؤال الكبير الذي فجّر، عند الفيلسوف الإغريقي القديم، ينبوع قضايا فلسفية، ذات طابع فكري تأملي وجودي عميق، أطرته إرادتُه المعرفية، والغرائزية، لاكتشاف ما وراء عالم الأشياء المحسوسة، والمجردة : كالفكر والمادة والأحاسيس، والانفعال والفعل والحروب، والجمال والقبح والجسد، وكذا الشعر والسحر والاندهاش، والموسيقى والمسرح والاحتفال، ... إلخ .

إنه الإكراه في الطبيعة، وهباتُها – كنوزها الخيّرة اللامحدودة، والمتناقضة، بمفارقاتها التي لا تحصى، ولا تقدر بثمن : الحُبّ والخوف . المتعة والألم . السلطة والعجز . الحياة، والموت المحدق بالأحياء . الطبيعة، وما وراء الطبيعة . وضع سيوّلد تراجيديا جدلية الإنسان والآلهة، ستليه إجابات الأسطورة، الباحثة عن الحقيقة .. حقيقة مخاوف هذا الانسان، الذي تمّ القذف به إلى حياة لم تكن موجودة قبل أن يراها .. وجد فيها دون استشارته، بعدها ستتوّج أسئلته المقلقة، في وضعه التراجيدي القائم، وفي أرض الانسان، سعيا لقمع وتحصين واحتواء شرارة تلك الأسئلة، وتدجين الطبيعة الغريزية للفرد البشري، في كون الطبيعة الهائل، بظهور الأديان والمعتقدات، الحسية والمجردة، تلك التي هدّأت مؤقتا من روع النوع البشري، وفتحت له بوّابة الأمل الكبير، في حياة المفارق في المستقبل . هكذا " أفسح السحر والخرافات والطقوس الدينية طريقا للعلم، وبدأت الفلسفة . لقد كانت هذه الفلسفة في البداية فلسفة طبيعية مادية "3، تعبر عن واقع مجتمع كله حيوي، ينمو ويتطور، ويتفاعل إيجابا مع كل ما هو طبيعي وقوي، اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وعسكريا وثقافيا وفنيا وجماليا . فلسفة حيّة طبيعية صحّية، متعايشة مع ما هو علمي وحسي، في مجتمع إغريقي قوي وطموح، يعيش نوعا من الاكتمال، ويحيا قوة الذات المبتكرة، في صلتها بالآخر المرتبك إلى حد ما .

غير أن الأفكار الفلسفية، في خضمّ كل هذه التحوّلات، والتفاعلات الجدلية، بين النوع البشري، ومحيطه الطبيعي، ثم الثقافي فيما بعد، كانت تزهر بأضوائها المشعّة، بين الفينة والأخرى، في ليل غابة الإنسان العنيفة والحائرة .

لعل الفلسفة الإغريقية، خاصة مع الفلاسفة الطبيعيين، والذريين، والفيتاغوريين (لحظة ما قبل السقراطية)، ستعرف نهضة مهمة وقفزة نوعية، على مستوى طرحها السؤال الفلسفي، موازاة مع ما هو نقدي وعلمي . أي تقديم الإجابة العقلية للسؤال الميتافيزيقي، حول مبحث مسألة الوجود، منطوقه : ليس المهمّ من أكون، ولا من أين جئت، ولا لماذا أنا موجود .. هنا، ولا إلى أين أصير .. في الهناك ؟، بل المهمّ، أن أحيا وجودي، كما أنا، كما لو كنت شجرة، أو طائرا يحلق، أنا الموجود بالضرورة، كجميع الكائنات الطبيعية مثلي، من حولي، فلأترك إذن، صُداع الأصل والبداية، والمصير والنهاية، للفلاسفة الميتافيزيقيين، ممن يسمّيهم نيتشه نفسه، ب "قاتلي" الفلسفة المحضة، في ميدان مهدها الصافي، الذي لم تتخطاه حروفها المزهرة الأولى، نتيجة تورّطها – أو توريطها، في عرس غير مشروع، مع سلطة الفلسفة الزائفة، فلسفة المحاكم بتعبير كانط، وفلسفة الفقهاء بتعبير ابن رشد، وعُمّال الفلسفة حسب نيتشه ؟

غير أن الوقت الذهبي للتفلسف الحق فعليا، كما يراه نيتشه، لم يبدأ إلا في لحظة مجتمع الامتلاء، واكتمال النضج الفكري الفردي، الذي يجب أن يتحقق ضرورة، كما يقول " حين نكون سعداء، في مكتمل العمر، مُسلّحين بالابتهاج الغامر، الذي يسببه النضجُ الرجولي المتين والمنتصر . إن كون هذه اللحظة بالذات، هي التي بدأ معها الإغريق بالتفلسف، يعلّمنا ما هي الفلسفة، وما يجب أن تكون، بقدر ما يعلمنا حول الاغريق أنفسهم "4 .

يمكننا مناقشة دواعي التفكير الفلسفي والتفلسف، كما طرحها، وصاغها نيتشه في النص أعلاه، باعتبارها دواعي ترتبط أساسا بالاستعداد الذاتي للفرد الفيلسوف، كشخص حرّ، يحب الحياة .. أولا وأساسا، وكمواطن بهيج وقوي، مولع بالسؤال الفكري حتى الثمالة .. ثانيا، على غرار وضع الإنسان الإغريقي هنا، المحتفى به بالطريقة الشعرية، في النص النيتشوي، سواء على مستوى علاقته بذاته الفردية، كطاقة فكرية وجسدية قوية، أو علاقته الوطيدة بمجتمعه الأم "اليونان"، أو علاقته بالمجتمعات البشرية الأخرى المحيطة به، وأيضا طريقة تعامله مع مسألة المعرفة، وكيفية تحصيلها، وتعلّمها، وتعليمها لآخرين المختلفين عنه .

 

2 - الفلسفة والحضارة الإغريقية، وحوار الحضارات

إن الفيلسوف اليوناني الحكيم، يشكل جزءا لا يتجزأ، من كلية حضارة الشعب الإغريقي، هذا الذي تشبّع جسديا بحياة المرح واللعب (الأولمب)، وامتلأ فكريا بقوة الأسطورة، وبحسن جمالها المفترض (المعتقد)، وبالانفتاح الشمولي على الحضارات المجاورة، إيجابا وسلبا، عطاءا وأخذا، احتفالا وحروبا . لهذا جاء تفكيرهم الفلسفي القديم مبتكرا وأصيلا، حرّا ومختلفا . لأنّهم شعب ذكي " هضموا الثقافة الحية لشعوب أخرى "5، بطريقة مكنتهم روافد هذه الثقافة الحضارية المتنوعة، من تنويع تجربتهم ومعارفهم، في الحياة الخاصة والعامة، في سياق المثاقفة والحوار الحضاري بين الشعوب .

هكذا، شكلت الحضارة الإغريقية، بطابعها الغني بالتجربة، والقوي بالبحث والإبداع، حافزا مهما لإكساب الفلسفة الإغريقية القدرة على نيل شرعيتها المشروعة والمستحقة6 .

بالإضافة إلى هذا التفاعل الحضاري والثقافي، وانفتاح الشعب الإغريقي على خصوصيات شعوب محيطه الحضاري، وحواره الفعّال، مع باقي الثقافات والحضارات المجاورة، تفوّق الأغارقة أيضا في جعل معرفتهم الفكرية والفلسفية، رهن إشارة كل أشكال ومظاهر الحياة الإنسانية . وبالتالي، كانت حفلاتهم واحتفالاتهم، وفنونهم، وحتى حروبهم بمثابة تجليات " آلهة اليونان الثلاثة – استقواء على النفس والغير، وتجميل للواقع تنبيل، وطلب للكمال والتحسين، فصارت بهذا بلاد اليونان، بلاد الاقتدار والجمال والكمال، كانت وسائل للاحتفاء بالذات واستزادة إرادة القوة "7 .

يقول نيتشه متحدثا عن فلاسفة الإغريق القدامى، معبرا عن إعجابه الشديد بتجربتهم الفلسفية الراقية، " إنهم لجديرون بالإعجاب من حيث فنهم في التعلم بشكل مفيد، وعلينا أن نحذو حذوهم في التعلم من جيراننا، واضعين المعرفة المكتسبة كدعامة في خدمة الحياة، وليس في خدمة المعرفة الموسوعية، التي ننطلق منها دائما لكي نتعالى عن الجار"8 .

بل ذهب نيتشه في أكثر من كتاباته، إلى حد اعتبار العبقرية الفلسفية الإغريقية مُبدعة أصيلة، بل سبّاقة إلى ابتكار النسق الفلسفي المكتمل، الذي لم يعمل الفلاسفة اللاحقون عليه، سوى على تكراره واجتراره، بالتأويل والتفصيل، والشرح، وإعادة طرحه في حلل جديدة، لا غير . يقول " لقد ابتكروا في الواقع الأنساق الكبرى للفكر الفلسفي، ولم يبق لمجمل الأجيال اللاحقة، أن تبتكر شيئا جوهريا يمكن أن يضاف إليها "9 . باعتبار أن الحضارة اليونانية، في أصلها وأساسها، كانت " تمجيدا للحياة "10 المتغيرة والمتحولة باستمرار، وليست تقديسا لما هو ثابت وجامد ومكرور .. هكذا جاءت فلسفتهم قوية، شبيهة لقوة حياتهم الاجتماعية العامة .

 

3 - الفلسفة والفن الإغريقي التراجيدي

لابد هنا من تقديم المفهوم الفلسفي، كما يتصوره نيتشه، لمسألة الفن، وهو في غاية الأهمية، من حيث أنه يجعلنا نكتشف هذه العلاقة القوية، بين ما هو فلسفي، وما هو فني جمالي، في فكر نيتشه الفلسفي . يقول في نص جميل وعميق : " لكي يكون هناك فن، لكي يكون هناك عمل جمالي ما، ونظرة جمالية، لابد من توفر شرط فيزيولوجي لا محيد عنه : النشوة . لابد أن تكون النشوة قد رفعت من استثارة الآلة بكليتها، من دون ذلك لا يمكن إنجاز أي فن "11. هكذا يحق لنا القول، مع نيتشه، أن معنى الفن وقيمته، مرهونان بتوفر الشرط النفسي، الذي يسميه نيتشه ب "النشوة ". هل الجمال الفني يتوقف على حضور النشوة لدى الفنان ؟ بمعنى أن العمل الفني الذي يفتقر صاحبه (الفنان) إلى عامل النشوة، حتما لن يكون جميلا، وبالتالي، لن يؤثر إيجابا على المتلقي . إن مفهوم الجمال هنا، يطرحه نيتشه بالمعنى الفلسفي، الذي يرتبط بدلالة استحواذ المنجز الفني، على كلية الاستعداد الذاتي والنفسي لمتلقيه، كما سبق أن استحوذ على صاحبه المنتج له . يضيف قائلا : "حين يستحوذ الفن بقوة على شخص ما، فإنه يعود به إلى تصورات العصر الذي كان فيه الفن يزدهر بحيوية كبيرة، إنه إذن يمارس عملية نكوصية"12.

هكذا يتضح، أن مفهوم النشوة هنا، هو مفهوم متعلق بمعنى المتعة، التي من خلالها، ينتج الفنان أو الفيلسوف أو الشاعر منجزه الابداعي، الذي يتحوّل بنفس المتعة (الاحساس) إلى قارئه ومتلقيه . لعلّ جوهر التفلسف النيتشوي هنا، ممزوج بعمق الممارسة الفنية، باعتبارها عملية شعورية فائقة الجمالية، كما يتصورها نيتشه نفسه .

فلنواصل الانصات لنص نيتشه : " وكل أنواع النشوة، مهما اختلفت أشكال المثيرات، تمتلك القدرة على ذلك، وبصفة أخص النشوة الناجمة عن الإثارة الجنسية، الشكل الأكثر قدما وبدائية من بينها جميعا . ولا تختلف عنها في ذلك أيضا النشوة المتأتية عن كل الرغبات الكبرى، وكل الأحاسيس القوية، نشوة الاحتفال، ونشوة المبارزة، والأعمال البطولية، والانتصار، وكل الأفعال القصووية، نشوة الشناعة، نشوة التدمير، النشوة التي تثيرها تبدلات الطقس، مثل نشوة الربيع، أو تلك الناجمة عن مفعول المخدرات، وأخيرا نشوة الإرادة، نشوة إرادة عرفت طول تراكم وتضخم .

إن الأمر الأساسي في النشوة هو ذلك الشعور بتفاقم الطاقة وزخم الامتلاء "13.

لعل نيتشه، في متم النص أعلاه، يجعل "نشوة الإرادة"، ضمن أنواع النشوة التي سردها (النشوة الجنسية، النشوة المتأتية، نشوة الاحتفال، نشوة المبارزة، نشوة الشناعة، نشوة التدمير، نشوة الربيع، نشوة التخدير، نشوة الإرادة) كتتويج هام لكل النشوات العديدة والمختلفة، كيفما كان نوعها . لأن "نشوة الإرادة"، يراهن على قدراتها الكبيرة، التي تفوق قوة كل ما عداها، من قدرات الفرد الفنان . بالإضافة إلى موقعته "النشوة الجنسية"، في درجة أسفل قاعدة كل النشوات البشرية المذكورة، بترتيبها ضمن صياغتها الفلسفية النصية أعلاه، باعتبارها نشوة جسدية وحيوانية مشتركة، لا تدل على فردانية الانسان ككائن طبيعي ويفكر ..  

غير أن حافز النشوة، في نهاية الأمر، هو طاقة وامتلاء نفس الفرد، وكذلك الجماعة التي ينتمي إليها، في حالة الاتفاق والتواصل الملتحم، كالإغريق مثلا، بالقوة وإرادة القوة، التي هي أساس كل عمل إبداعي خلاق وناجح، سواء كان فنا أو فلسفة .. بل أساس كل نجاح وانتصار في الحياة عامة .

لهذا، لم يكن الفنّ بالنسبة للشعب الإغريقي، كما كان عند " خلفهم الرومان في ما بعد، زينة وزخرفا وبدعة وصنعة، وإنما كان، إن جاز التعبير، "طبيعة" و"غريزة" تغيّت حمل الناس على تحقيق "الصحّة" و"العافية"، أي أنه كان علامة سلامة "14، وهو نفس الدور الهام والرئيسي، الذي لعبته الفلسفة في العصر الاغريقي التراجيدي المتحدث عنه، من منظور نيتشه الفلسفي النقدي . بمعنى أن الفلسفة هنا، تؤدي مهمّة علاجية طبية، سماها نيتشه نفسه بالمهمة "التطهيرية"، متسائلا عن معناها، والخلط الدلالي والتصنيفي المحتمل، الذي طرحته هذه التسمية، بالنسبة للمفكرين والباحثين المهتمين بالموضوع . هل يدخل مفهوم "التطهير" بتعبير أرسطو، أو "التنفيس" حسب نيتشه، في إطار ما يمكن تسميته بالظاهرة النفسية الطبية، أم هو مفهوم قيمي له علاقة بالمجال الأخلاقي ؟؟ مستندا في كل ذلك، إلى المرجعية الفلسفية الأرسطية المهيمنة، باعتبار أن أرسطو كان هو صاحب مفهوم التطهير . يقول " إن فكرة التنفيس كطريقة علاجية، أي التطهير بالمصطلح الأرسطي، هو التعبير الذي يحار علماء اللغة أين يصنفونه، - هل يصنفونه كظاهرة طبية أم كظاهرة أخلاقية "15 .

إن الفن القوي، هو الوجه الآخر للفلسفة القوية . كلاهما ينفرد بتلك اللمسة الطبية العلاجية، حسب نيتشه، في حالة ما وجودهما، في بيئة فنية أو فلسفية مريضة، كالبيئة الرومانية، التي تحوّل عندها الفن إلى طلاسم مزينة، أو البيئة الفلسفية الحديثة، في عصر نيتشه نفسه، لمّا أغرقت الميتافيزيقا بعض الفلاسفة (شوبنهاور) في يمّ التفكير الفلسفي العدمي .        

 

بقلم : محمد بقوح

..................

المراجع

1 – نيتشه، الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي، ترجمة محمد الناجي، ص 44

2 برتراند رسل، حكمة الغرب، ترجمة فؤاد زكريا، سلسلة عالم المعرفة، عدد 364، ص 28

3 - ول ديورانت، قصة الفلسفة، ترجمة فتح الله محمد المشعشع، ص 8

4 – نيتشه، الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي، ترجمة محمد الناجي، ص 39

5 – نيتشه، الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي، ص 40

6 – نفسه، ص 43

7 – محمد الشيخ، نقد الحداثة في فكر نيتشه، ص 150

8 – نيتشه، الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي، ص 40

9 – نيتشه، نفسه، ص 41

10 – محمد الشيخ، نقد الحداثة في فكر نيتشه، ص 153

11 – نيتشه، غسق الأوثان، ترجمة علي مصباح، ص 106 – 107  

12 – نيتشه، إنسان مفرط في إنسانيته، ترجمة محمد الناجي، ص 100

13 – نيتشه، غسق الأوثان، نفسه

14 – محمد الشيخ، نقد الحداثة في فكر نيتشه، ص 153

15 – نيتشه، مولد التراجيديا، ترجمة شاهر حسن عبيد، ص 245

 

mohamad bakohهل يمكننا الحديث عن العلاقة، من نوع ما، بين الفلسفة والدولة؟

كل من يبحث عن كتاب فلسفي في المكتبات المتواجدة في مدينته، على قلتها، حتما سيتأكد من واقع حقيقة علاقة الدولة والمجتمع، وكل ما هو مؤسساتي، بمعرفة علمية وإنسانية اسمها الفلسفة. هو واقع مر بلا شك. في الوقت الذي تشجع الدولة الفكر الهجين والمسالم، وتكرس المعارف ذات الطابع الإنشائي والوصفي السطحي، نراها تفرض نوعا من الحصار والتهميش المقصود على الفلسفة والفيلسوف، وتحارب الفكر الفلسفي والنقدي الجاد والجيد.

فمنذ نشأة الأشكال الأولى للدولة قديما، واكتشف الإنسان نفسه يتفلسف بضواحي المدن والقرى. بات هذا الإنسان يفكر بطريقة مختلفة، طارحا أسئلة تبدو للناس العاديين غريبة. لكنها أسئلة تخدش الحقيقة. تكشف عن المستور في واقع مجتمع غير منصف، لما هو إنساني في الإنسان. لقد أصبحت فكرة النظام عنده مطلبا أساسيا. لهذا كان الحفاظ عليه، وتكريسه بكل الطرق الممكنة أمرا ضروريا وملحا من منظوره الشخصي والاجتماعي.. بل يكاد يكون أمرا مقدسا إلى أبعد الحدود.. في مدن وقرى مجتمع القبيلة والعشيرة.. وأخيرا في ساحات الدولة المعنية.. هنا يطرح موضوع علاقة الفلسفة كفكر عقلاني بالسلطة. سواء كانت سلطة الدولة، كجهاز سياسي يعتبر الفلسفة فكرا غير مرغوب فيه. لأنه فكر مشاكس ومتمرد. يسبب لها، أي للدولة، الكثير من الإحراج والمتاعب، أمام انتظارات الرأي العام المحلي والدولي، بالمعنى العالمي الواسع والمنفتح على المحيط المكاني والزماني .

هكذا، يمكننا القول بأن علاقة التفكير الفلسفي بتفكير الدولة، كانا دوما على طرفي نقيض منذ بدايته وانطلاقته ونشأته الأولى. فالفلسفة تنتقد من أجل التغيير. والدولة، على العكس تماما، تكرس نظام الوضع القائم، وتحارب كل من يطالب بتغييره .

إذن، هي معادلة علاقة التضاد الفكري والأيديولوجي غير البريئة . تتخذ صبغة التوتر والتجاذب والصراع والجدل التاريخي والحضاري . فالعقل الفلسفي مصر دائما على الدفاع المستميت، عن قيمه الإنسانية، ورسالته المعرفية والأخلاقية كإنسان . متشبثا بموقفه الفكري النقدي، المضاد لموقف جميع أنواع مؤسسات السلطة، وعلى رأسها سلطة الدولة الكبرى . منتقدا حقائق الواقع والوجود والمعرفة والقيم، والإنسان الخضوع والطاغية في الوقت ذاته . وذلك بتعرية تناقضاتها الثابتة، وتفكيك مغالطاتها السائدة .. وأكاذيبها المهيمنة، والفاعلة داخل رؤوس عامة الناس .. والمسلم به عند الفيلسوف، هو مساءلة كل ما هو متحجّر ومغلق ومتشدد . وتحريك كل ما هو راكد وثابت ومكرر.. أو يتحرك بشكل مكرور داخل دائرة ما هو نصي جامد . في إطار مجتمع تقليدي محافظ، يقول: لا لكل تغيير وتفسير وتأويل علمي . نابع من تقدم الإنسان وعلومه الحقة. منتصرا في كل ذلك لمنطق جبروت العقل، الذي هو مقياس كل الأشياء .. كما قال أحد الفلاسفة الإغريق . في المقابل، تتمسك الدولة، كأعلى مؤسسة في البلاد، تمسك الأعمى، بموقفها السياسي التقليدي والأيديولوجي السلبي، تجاه الفلسفة، كفكر نقدي خلاق، والمتمثل في ادعاء حماية عقل المجتمع، من أفكار "الفيلسوف" الهدامة . يعني أن الدولة هنا تموقع نفسها في موقع " الدركي " الشرس والحارس الأمين، على ضيعة " العقل الاجتماعي " للمواطن .. تلك " الضيعة الفلاحية " التي يجب أن تبقى رهينة ريّ الدولة .. وبذورها الصالحة .. وليس رهينة أمطار وبذور الفيلسوف الطبيعية " الفاسدة " .. هل ما هو طبيعي يفسد حقا تربة فكر وعقل الناس والإنسان .. كما تزعم الدولة ؟ سؤالا نطرحه مع القارئ .. ونترك الإجابة عنه لنصين شاهدين، من تاريخ المغرب وأوروبا، خلال القرن الثامن عشر.. مركزين على المنظور السلطوي السياسي، الذي تعامل به الدولة الفلسفة والفيلسوف، الذي هو بمثابة فرد .. حرفته الأساسية هي التفكير .. ولا شيء غير التفكير الحر والمبدع .. في واقع جميع الأشياء، مهما كانت طبيعتها . فليس هناك مواضيع أو مباحث غير قابلة للبحث الفكري والفلسفي . هذا هو الفرق بين الفلسفة وبعض المعارف الأخرى، التي تضع الخطوط الحمراء، أثناء تفكيرها في بعض فروع الأشياء والمعرفة . لكن الفيلسوف يعتبر كل الموضوعات والمجالات العلمية والطبيعية والدينية والسياسية، قابلة للبحث والتفسير والتأويل المعرفي والعلمي .. وذلك بطريقة طبيعية وبحثية معقلنة، كمواطن مجتهد يبحث عن الحقيقة أو عن وجهها غير المعلن لا غير. هنا يلاحظ ضعف الفيلسوف، على مستوى التأثير المباشر الاقتصادي والاجتماعي، بالنسبة لمحيطه المجتمعي .. لكنه على المستوى الفكري والفلسفي، فهو جد قوي من حيث فعالية تأثيره السياسي غير المباشر. باعتبار أن التفكير الفلسفي يدل بطريقة أو بأخرى، على مدى اكتمال الوعي الاجتماعي للفرد، باعتباره مواطن أولا، وثنايا باعتباره إنسان عليه واجبات كما له حقوق . وردود فعل الدولة تجاه كتاباته تدل على مدى فعالية فلسفته، على مستوى رأسمالها الرمزي، وقوتها العلمية الجريئة .

إذن لندلي بالنصين الشاهدين التاريخيين أدناه .

نقرأ في نص ثقافي تاريخي شاهد، اقتبسه الباحث المغربي مصطفى محسن في كتابه (أسئلة التحديث في الخطاب التربوي بالمغرب)1 من نص آخر، في كتاب شيق للأديب والمفكر المغربي عبد الله كنون . جاء في النص: (نسوق بهذا الصدد واقعة تاريخية دالة يعبر عنها ذلك الظهير الرسمي، الذي أصدره السلطان سيدي محمد بن عبد الله (النصف الثاني من القرن الثالث عشر: 1757 ـ 1798 م) . ففي الفصل الثالث من الظهير المذكور، يوجه الأمر إلى المدرسين في مساجد فاس ـ وعلى رأسها القرويين ـ بألا " يدرسوا إلا كتاب الله تعالى وتفسيره، وكتاب دلائل الخيرات .. ومن كتب الحديث المسانيد والكتب المستخرجة منها، والبخاري ومسلما من الكتب الصحاح، ومن الفقه: المدونة والبيان والتحصيل .. " 2.

ثم يتدخل السلطان متوعدا من خالف أوامره قائلا: (كل من أراد أن يخوض في علم الكلام والمنطق وعلوم الفلاسفة وكتب غلاة الصوفية، وكتب القصص، فليتعاطى ذلك في داره، مع أصحابه الذين لا يدرون بأنهم لا يدرون . ومن تعاطى ما ذكرنا في المساجد، ونالته عقوبة فلا يلومن إلا نفسه) .2

ربما لا يحتاج منا النص أعلاه إلى تعليق . فالدولة، على لسان السلطان المغربي، تستعمل هنا المسألة الدينية كفزّاعة، لتكريس منظورها السلطوي العنيف، ضدّ كل أشكال المعارف العقلية والنقدية، التي تعتبر الفلسفة على رأس تلك المعارف المحرمة، وتعد التعاطي لها جريمة يعاقب عليها قانونها !!.

لننتقل الآن، إلى الشاهد الثاني المرتبط هذه المرة، بالحقل الفلسفي الخالص ـ ومن حسن الصدف، ينتمي النص السياسي هنا والموجّه أساسا على شكل رسالة تحذيرية وتهديدية، إلى الفيلسوف الألماني الكبير كانط، إثر تأليفه ونشره لكتاب في غاية الأهمية بعنوان " الدين في حدود مجرد العقل "، في نفس اللحظة التاريخية، التي كتب فيها نص السلطان المغربي محمد بن عبد الله (القرن 18 الميلادي) أعلاه . مع العلم أن هذا القرن، عرف بعهد التفتح والتنوير. وتحكم النخبة المثقفة المتنورة في قيادة التوجيه الفكري والفلسفي، خاصة في فرنسا حسب نيتشه ..

جاء في كتاب " كانط راهنا أو الإنسان في حدود مجرد العقل "، ل د. أم الزين بنشيخة – المسكيني، ما يلي .. حيث نقرأ (في تصدير نزاع الكليات (1798) الذي أورد فيه كانط حكايته مع الرقابة . حيث نقرأ نص رسالة تأنيب بعث بها وزير الملك فريديريك الثاني (woellner) مطالبا كانط، بتبرير ما ألحقه كتابه " الدين في حدود مجرد العقل " من تشويه واحتقار لثوابت الدين المسيحي، قائلا: " لقد لاحظ سمونا منذ زمن بمرارة وضجر الطريقة، التي وفقها أسرفتم في فلسفتكم في تشويه واحتقار الثوابت الأساسية والرسمية للكتب المقدمة وللمسيحية .. وذلك بخاصة في كتابكم " الدين في حدود مجرد العقل ".. فإننا نلزمكم ضرورة بتبرير فعلكم ذاك، وإن لم تفعلوا فينبغي أن تنتظروا منا ما لا يعجبكم . ")3.

إنها العلاقة غير البريئة التي يفرضها موقع الدولة، كمؤسسة سياسية حاكمة، على الفلسفة والفيلسوف، باعتبارهما معارف نقدية غير مرغوب فيها، لأن منبعها الوحيد هو البحث العلمي الموجه إلى تكوين القارئ الذكي، قد لا يكون في زمكان الفيلسوف .. لهذا فعلاقة السياسي والفلسفي عند الدولة، هي ضد العقل والعقل النقدي أساسا، رغم ما يبدو من خلال بلاغة سطح هذه العلاقة، من ملامح ضدية وصراعية، تحتكر الدولة عنفها، وتفرض سلطتها على الفلسفة، إلا أن واقع الحقيقة يقول أن الدولة، أينما كانت تراهن دائما على محاصرة الفكر الفلسفي، والتضييق على تحركاته ومحاولة تكبيل انطلاقه، على المستوى التاريخي والمستقبلي . أي مواصلة الدولة التفكير الدائم، في تأسيس استراتيجيات تقوية أساليب محاربة عقل الفلسفة، الذي هو جوهر الحرية والتحرر . تلك المحاربة المفروضة التي تضمن لها الانتصار المستقبلي الدائم . بمعنى، أن الدولة تتبني حتى أساليب معرفية وفلسفية وعلمية، من أجل ضرب وتحجيم الفكر الفلسفي الحر، والملتزم بقضايا الحق والوجود والإنسان كمواطن .

من هنا جاءت استراتيجية تأزيم وضعية الدرس الفلسفي، في مؤسساتنا التعليمية، لجعلها دون المستوى الفعلي المطلوب . أي ضعيفة لا ترقى للفكر العقلاني النقدي المأمول . بل، حتى تلامذتنا في التعليم الثانوي، وطلبتنا في التعليم الجامعي، ينفرون من الفلسفة، كمادة معرفية وتربوية . فهي بالنسبة إليهم فكر غير واقعي ولا نفعي . وغالبا ما يتهافتون على الدراسات الإسلامية الجاهزة والسهلة . ويتنافسون على اختيار العلوم بحثا عن المستقبل المهني . باعتبار ما لهذه الشعب الرسمية من " فردوس مهني حلمي مضمون " في عرف الشعب والدولة معا . لعبة كاذبة متفق عليها من كليهما . فالدولة إذن، هي التي تتحكم وتختار التوجيه الحقيقي للتلميذ والطالب .. وليس العكس، كما يعتقد التلميذ والطالب وأسرهما . إن الفلسفة معرفة غير قابلة للتسويق في مجتمع الحداثة . لنقل إذن، أن الدولة في شكلها السياسي القوي، ذات طابع مؤسساتي، جعلها ولا يزال تحتكر سوق الرموز والمعرفة، كما احتكرت سوق الأشياء والاقتصاد .

في المقابل، بدت الفلسفة غريبة على يد الفيلسوف المهمش، والمحارب بشكلها الضعيف، بكونها ذات طابع فردي، غير معترف بها، من لدن الدولة وكذا المجتمع .

لهذا، نلاحظ أنه إذا كان السلطان المغربي يخاطب مستعملي العقل النقدي والفلسفي بصفة عامة، مهددا إياهم، وواضعا لهم الخطوط الحمراء للتفكير، وتدبير أمر معارفهم، واجتهادهم القرائي والتعليمي.. فإن كانط يرد على وزير الملك الألماني فريديريك، مبرئا ذمته من التهمة الخطيرة التي لفقت له، مجيبا إياه بقوله: (.. إنني بوصفي مربيا للشباب أي ضمن دروسي الأكاديمية، لم أتعرض قط بأي نقد للكتب المقدسة ولا للمسيحية .. وإنني لم أشكك أبدا في الدين الرسمي للدولة .. وإن كتابي "الدين في حدود مجرد العقل" هو بالنسبة للعموم كتاب مستغلق وغير مفهوم .. وإنما هو مجرد نقاش بين علماء الكلية لا تعيره العامة أي اهتمام)4 . فلسفة كانط إذن بالنسبة إليه غامضة فقط . لهذا فهمت من طرف عقل الدولة فهما غير مقصود، من قبل الفيلسوف كانط . أي أولت لا غير .

هكذا يبدو واضحا، أن ما يفسر العلاقة الصراعية التاريخية القائمة، بين الدولة والفلسفة، هو أن كليهما يراهن بطرقه الخاصة، على إقناع الرأي العام والمجتمع، بخطابه المقرون بفعله ومواقفه . الفيلسوف بخطابه العقلاني الفلسفي والمنطقي . والسياسي، كلسان الدولة، بخطابه الأيديولوجي الديماغوجي و(الأخلاقي الديني أحيانا. كحالة الملك فريديريك الثاني أعلاه). خطاب الفلسفة، إنساني وتقدمي منفتح على المستقبل القريب أو البعيد . في حين، يبقى خطاب الدولة أساسه هو الفكر التقليدي المتحجر المحافظ، وغايته القصوى هي السعي (الممكن والمستحيل) لإبقاء سلطته هي الأقوى، ضمن باقي سلط قوى الحقل المجتمعي . ثم إعادة إنتاج العنف الرمزي والمادي والعنف المضاد .. بالنسبة للفيلسوف .

إلا أنه ما يلاحظ أن مسار تاريخ الفلسفة الطويل، كان يعرف دوما نوعا من التواطؤ الكبير غير المفهوم، بين الدولة، كجهاز مؤسساتي سياسي .. وكسلطة مادية حاكمة وطاغية، وبين المجتمع كحقل اجتماعي، يمارس هو أيضا نوعا من السلطة الرمزية العنيفة، ضد الفلسفة والفيلسوف . بل كثيرا ما قامت الدولة بتحريض المجتمع، كسلطة رمزية في شقها الديني، ضدّ الفلاسفة المنتقدين لمشروعها المنحط، باعتبارهم فاسدين، وملحدين، وزنادقة (سقراط. ابن رشد. سبينوزا. نيتشه.. إلخ) . غير أن واقع الحال يقول، أن هذا المجتمع كان يعبر، دون وعي منه، عن وجهة نظر الدولة (الضدية والعدائية) في كل ما هو فلسفي . وبالتالي، فموقف المجتمع من الفلسفة، ما هو من ناحية أولى، سوى حقيقة تعكس موقف ورغبة واختيار سلطة الدولة .. مع باقي أعوانها الرمزية المريدين لها، والسائرين في دربها وتحت ظلالها المريحة .. وهو من ناحية أخرى، حقيقة مشوهة لفعل حقيقة الفلسفة العملي، تلك التي لازمت مسار تاريخ الفلسفة، المرتبط أساسا بخدمة الإنسان المناضل والمتطور، والتصدي لأعدائه المستبدين والطاغين . خاصة أن علم الفلسفة، كان يشكل في بدايته الأولى، أبا العلوم الرياضية والفلكية والفيزيائية والطبيعية ..(طاليس. فيتاغورس. سقراط. أرسطو. ديكارت. سبينوزا. هيغل ..)، قبل طلاق هذه العلوم من طبيعته العلمية الصرفة .. ويعتقل مجبرا من قبل الفكر الميتافيزيقي، في شروط أكثر مريحة . بحيث واصلت تلك العلوم والمعارف جميعها رحلتها في مسارها الجديد، تكتشف من خلالها المزيد من ألوان الحقيقة، في المقابل، باتت الفلسفة راهنا تطرح السؤال الآني والأكثر فعالية، وستطرحه حتى مستقبلا، لماذا تم ومازال يتم إخفاء الحقيقة ؟؟

 

بقلم: محمد بقوح

.................

هوامش ومراجع

1- مصطفى محسن. أسئلة التحديث في الخطاب التربوي بالمغرب. المركز الثقافي العربي .ط 1. 2001. ص. 20-21

2- عبد الله كنون. النبوغ المغربي في الأدب العربي. دار الكتاب اللبناني. بيروت. 1961. ص 277

3- د. أم الزين بنشيخة ـ المسكيني . كانط راهنا أو الإنسان في حدود مجرد العقل. المركز الثقافي العربي .ط 1. 2006. ص. 51.

4- نفسه. ص 51

 

mohamad bakohلماذا الجمع أعلاه بين الفلسفة، والسياسة، والتكرار؟ (كلمات) تكاد تكون معروفة، وتبدو بديهية، على مستوى التداول المعجم اليومي، إلا أنها بالوضعية التركيبية التي اخترناها لها، تحتاج منا إلى تفسير أبعاد مفهومها الدلالي المقصود. فسطح (كلمات) عنوان هذه المقالة، يكاد لا يقول شيئا يذكر، بالنسبة للقارئ المتسرع العادي .. لأن الفلسفة كفكر نقدي، وكإجراء مفهومي، للنظر والقراءة والتحليل، تنتمي إلى حقل العلوم العقلية الخالصة، بصيغة الجمع، حسب التأسيس الفلسفي الكانطي، وأيضا حسب تصنيف عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته . والسياسة علم خاص، يقصد به تدبير الشأن العام أو المحلي، وينتمي إلى العلوم الإنسانية. أما "التكرار"، فظاهرة في الطبيعة وفي المجتمع، وفي سلوك الكائنات الحيّة المتعددة والمتنوعة، ومنها الإنسان . وفعل "التكرار" ظاهرة يمكننا ملاحظتها، ودراستها دراسة مخبرية، وهي المهمّة التي تنهض بها خاصة العلوم الحقة، كالفيزياء والكيمياء، وعلوم الحياة والأرض . غير أننا لا بد من إبداء ملاحظة هامة، تخص الفرق بين ما سميناه ب" التكرار "، كسلوك طبيعي وضروري، في مسار حياة الكائنات الطبيعية، مفروض فرضا حتميا من قبل الطبيعة ذاته، وبين " التكرار "، كفعل سلوكي، يفرضه على الإنسان، كائن طبيعي من نوعه البشري ذاته . وبالتالي، ف" التكرار " الأول آلي بالضرورة، لا تحسّ به الحيوانات مثلا أو الحشرات . فالنحلة، تتصرف بشكل آلي ومكرور طبيعي، لا تشعر بسلوكها المتكرّر، وهي تعمل على إنتاج وإعادة إنتاج

مادة العسل . لأنها حشرة تملك الوعي (الإحساس) في الذات، ولا تملكه كذات واعية بذاتها، كما فكر هيغل في زمنه التاريخي . وبالتالي، فهذا هو الفرق الأساس بين " التكرار " الطبيعي، إذا صحّ التعبير، والذي هو إحدى المظاهر الأساسية للطبيعة، و" التكرار "

الاجتماعي في المجال البشري، الناتج عن قوة مهيمنة فاعلة، تفرض ذلك " التكرار " الممنهَج والمقصود، لغاية في نفس يعقوب، كما يقال . إلا أن الإنسان كذات تفكر، تعي

بذاتها، وهي تكرّر السلوك المفروض عليها، باسم بعض القواعد القانونية والدينية والثقافية والاجتماعية والعرفية ..

إذن، هذا بالنسبة للقراءة البسيطة، لمنطوق سطح عنوان مقالتنا : هي (كلمات)، كما لو كانت جزرا، اتخذت لها مواقع، لا توجد بينها أية علاقات جسور، من النوع التركيبي

المعتاد، الذي يتوقعه القارئ (الفلسفة، السياسة، التكرار) . وبالتالي، فكيف بإمكاننا تحقيق المبتغى الفكري، الذي هو إنتاج معنى (الكلمات)، الذي نطمح إلى استجلاء ملامحه وتفكيك غور أسئلته ؟ كيف يمكننا الانطلاق من ما يبدو مضطربا وغريبا وبسيطا وتائها، وأحيانا تافها ورتيبا للغاية، أو مهمّشا في التداول البشري اليومي، من أجل تأسيس رؤية فكرية عميقة، تحمل رسالة إنسانية، لها معنى متميز، وقوي، وبديع ومكتشف ؟ بل كيف يمكن مباشرة المعنى الجديد، انطلاقا من أساس الواقع البئيس للطبيعة والإنسان، في زمن راهني مكبّل بقيود الحداثة المزيّفة، يعجّ باللانهائي الملتبس، لمظاهر أصباغ الأقنعة المثيرة والفتاكة في نفس الوقت ؟ لعلنا نطرح هنا هذه الأسئلة المُحرقة، حتى نقترب أكثر من قولنا المباشر، بأن الجواب عنها ممكن عندنا بالإيجاب طبعا .. إنّ الأداة الفكرية والمنهجية الصارمة، التي نراهن عليها لتحقيق وتأسيس فعل المعنى المبحوث عنه، والمرغوب فيه، ارتباطا بالأسئلة السابقة أعلاه، تكمن في نظرنا:

في الاستعمال التأسيسي، وليس الوظيفي والمهني، للنظر الفلسفي، باعتبار الفلسفة هنا مفهوم إجرائي، وطريقة تفكير، ونمط حياة، وليست مضمون معرفي، أو مجرد معارف خاصة، تصلح للدرس والتلقين والتدريس داخل الفصول التابعة .

بهذا المعنى، فالفلسفة، في رأينا على الأقل، مؤهلة أكثر من أي علم آخر، لمساعدة الإنسان والتعاون معه جدّيا، لإخراجه من محنته الحضارية، التي تورّط فيها، خاصة محنة بؤس أنظمته التربوية والتعليمية، وأزمة ثقافته القيمية المزمنة، وانتشار التعصّب المختار، والتخلف المراد وغير المراد ..، وليس معاقبته، وذلك بإبقاء قوته العقلية يقظة بتحصينها، والوعي بخطورة فعل " التكرار "، الذي يعتبر عندنا كمنتوج تحكمي وسلطوي أساسي،

لفعل التفكير السياسي المركزي، المستبد بتعصّبه لتنفيذ أجندته، والتغييب المقصود الفعلي والرمزي، للتشارك والتشاور مع باقي الفرقاء الفاعلين في الحقل المجتمعي للبلد .

من هنا، جاء استخدامنا واختيارنا، في عنوان مقالنا، كمدخل لتركيبه اللغوي والدلالي، لفظة الفلسفة، كحاملة مشعل قيادة المعنى (بالتعريف)، والتأسيس المفهومي، لفكر ما بعد السطح، في سياق تعرية واكتشاف تجليات العمق العنيف، الذي يمارسه ما هو سياسي، وحليفه الاقتصادي، على الإنسان البسيط، والطبيعة المسالمة، والمجتمع المتسامح، خاصة

في بلدان العالم العربي والأمازيغي والاسلامي، بمختلف مظاهر هذه المكونات الحيّة على واقع أرضنا الحسّي . ومن طبيعة الحال، يراهن السياسي، كفكر وكنسق سلطة، لتحقيق أرباحه المادية والرمزية، بتعبير بورديو، اعتمادا على ما سميناه بفعل " التكرار "، كسلوك عملي، يتمّ به توجيه صناعة نمط الإنسان، الذي يخدم وظيفة أنظمة النسق السياسي المهيمِن..

لعلّ " التكرار " هنا بمثابة آلية "جهنمية"، للفرض الاعتباطي الميسّر للمبتغى المراد، وتدجين الكائن، وإخضاع ظلال الممكن، تمهيدا له ولإعداده، لفرض واقع الاحتكار، وشلّ حركته في حالة وجودها، أو إعادة إنتاج واقع العبيد، المشمول بإرادة الأسياد، و" شفقتهم ورحمتهم " . إن " التكرار " يعني هنا، يعني وصفة سحرية عنيفة، لتكريس سياسة التعتيم والتخدير، والإتعاب الكلي، والإضعاف القسري، خدمة لحاجيات ورغبة سلطان قوة القوى المهيمِنة، و"المنتِجة" النافعة.. حسب الواقع الطاغي للحال الآني . هنا لا بد أن يكون تدخل الفلسفة، حاسما وحتميا وضروريا، كفكر مُقاوِم لأنظمة العنف السائدة، ويدافِع، عن الحق في الحياة والوجود واقتسام القوة بين كافة أحياء البشر . وليس الخضوع الأعمى لقهر السلطة، والتآمر الذاتي ضد الذات الأصلية !!

هكذا تتحول الفلسفة، من دورها الأصيلي والميتافيزيقي، الذي ننظر إليه كأداة للحوار العقلي، بين كل أطياف القوى المُفكرة الفاعلة، في عين دائرة المجتمع المحلي أو الإنساني، إلى دورها النضالي الجسدي ..، والمحايث التغييري والتنويري المشاكس، كأداة للصّراع التاريخي والاجتماعي الجريئين والمقبولين، ضدّ أنساق السلطة السياسية الطاغية، والفكرية الموجّهة، والمتواطئة، والتكرارية الفجّة، من أجل مقاومة الظلم والفساد والطبقية والعنصرية، والميز الثقافي والديني واللغوي والعرقي ... إلخ . محاولة منها طبعا، والتزاما بخاصيتها الفلسفية الصراعية الجوهرية، التي هي أساس جوهر الحياة، على مدى تاريخها الفكري والفلسفي الطويل، ردّ أمور الشأن الوجودي والبشري والطبيعي، إلى بدء أصلها، وتفسير حقائق الحياة الحرة للإنسان وكرامته، كما هي في واقع الزمن

المعيشي، وليس كما يمكن أن تبدو، في سطح الأذهان المجرورة البسيط، من خلال ثنايا الخطاب والسلوك الرسميين والمؤسساتيين للعيان العادي .. في الأسواق والبيوت والمساجد والمدارس .. إلخ .

 

محمد بقوح

كاتب مغربي

 

1mohamad bakoh – علاقة مفهوم الحرية بالفلسفة الأخلاقية: إن الحرية كفعل طبيعي هو فهم الضرورة. وبالتالي، فالإله وحده هو الكائن الحرّ بهذا المعنى عند سبينوزا. أما باقي الكائنات الطبيعية الأخرى فيعتبرها فيلسوفنا موجودة وجودا مطبوعا، أي غير حر، وليس وجودا طابعا، كما هو الشأن بالنسبة للإله الحرّ .

من هنا، تعلقت واشتبكت فلسفة سبينوزا بالفلسفة الأخلاقية، بسبب عجز فلسفته إثبات قوة الطبيعة بتجلياتها المختلفة، ومنها قوة الانسان، أمام القوة المفترضة لما وراء الطبيعة، وبالتالي، تكون فلسفة سبينوزا هنا الابنة الشرعية للفلسفة الأفلاطونية، وقبله أستاذه شيخ الفلاسفة الأخلاقيين سقراط، الذي ضحى بالفلسفة من أجل الأخلاق، وبعدهما بكثير الفلسفة الديكارتية التي ألهت العقل، والكانطية، التي توجت الفيلسوف متحدثا بلسان المسيحية حسب نيتشه .

و انطلاقا من رؤيته الفلسفية الأخلاقية، يصل سبينوزا مضطرا إلى أن الإنسان بمثابة ظاهرة من الظواهر الطبيعية، التي بإمكاننا البحث فيها كباقي الظواهر العلمية والطبيعية المحيطة بهذا الإنسان . أي أننا يمكننا فهم الإنسان، كما يمكننا فهم الطبيعة، باعتبار الإنسان ما هو سوى جزء لا يتجزأ من قوانين الطبيعة . هكذا، تركز فلسفة سبينوزا على هذا التفاعل غير المشروط بين ما هو إنساني وما هو طبيعي، وفق نوعية النسق الذي يشملهما، من حيث التوازن، في حالة وضعية الإنسان الطبيعية القوية، أو من حيث حالته المختلّة (فقد التوازن) السلبية، التي يصبح خلالها طرف في هذا النسق، سواء كان الأمر يتعلق بالإنسان أو بعنصر من العناصر الأخرى للطبيعة، مختلّا وفاقدا للتوازن الطبيعي، فيختلّ تبعا لذلك التوازن الطبيعي العام الذي يشملهما، أي يختل النسق العام للحياة الطبيعية .

غير أن هذا الاختلال للتوازن الطبيعي، كما لاحظه ودرسه سبينوزا، يكون بدرجات مختلفة ومتدرجة، وبالتالي يصبح معه، مع مرور الوقت، أي اصلاح أو محاولة إعادته إلى وضعيته الطبيعية القوية والسليمة، أمرا يكاد يكون مستحيلا . لهذا يستعمل هنا سبينوزا مفهومه المعروف ب " الكوناتوس " الذي يعني الجهد الفكري الداخلي للفرد الإنساني، من أجل تحقيق الحفاظ والاستمرار الممكنين، في إحدى وضعيات حياة البقاء، وفق النظام الطبيعي القوي والسليم للأشياء الطبيعية .

 

2 – مفهوم الانسان عند سبينوزا  

إن المعنى الشائع للحرية، حسب سبينوزا، يرتبط بغياب واضح للموانع والضرورة، وبالتالي فالفعل الإنساني، يتوهّم البعض، يقوم على أساس إرادة إنسانية حرّة، أي أن يفعل الإنسان ما يشاء، ووقتما يشاء ويريد .

يؤسس هذا التصور الفلسفي الزائف بالنسبة لسبينوزا، على التسليم بفرضية الوجود الضروري لثنائية: الجسد والنفس، باعتبار القيمة الرمزية والسامية للنفس على حساب قيمة الجسد، المقصية هنا، واستقلالية الأولى على عالم المادة المحسوس الضروري ..

لعل هذا التصور الميتافيزيقي للإنسان، من منظور سبينوزا، يقوم على أساس تفكير خاطئ أو انحراف فكري، لهذا وجب تصحيحه، من أجل تجاوزه، ومن هنا جاء المفهوم المتداول للحرية وعلاقته بالإنسان مفهوما تشوبه أيضا الكثير من التناقضات، وسوء الفهم من الناحية الفلسفية . من هنا كان النقد السبينوزي لمفهوم الحرية مختلفا وقاسيا ومتجاوزا فيما بعد، لمفهومه الشائع والمستعمل في عصره، والمتوارث من فلاسفة قبله . لأن الفعل الإنساني الحرّ عند سبينوزا ليس ناتجا عن فعل الارادة (الفكر، النفس، الرغبة) كما يتوهم ديكارت مثلا، إنما هو ناتج عن نوازع الجسد والهوى وميولات الذات والنفس . الفعل الحرّ البشري، كما هو متداول وشائع، ينبني على أساس التفكير العقلاني الذي يقوم بإقصاء قيمة الجسد، وأيضا إقصاء فعل رغباته الطبيعية . في حين ينظر سبينوزا إلى نظام الأشياء، عكس ما هو سائد، كما لو كان هو نفسه نظام الأفكار. الفكرة هنا تعني الرغبة والهوى والميل . إن ماهية الإنسان هنا هي الرغبة . الإنسان هو كائن راغب، وليس كائن عارف . نظام الأفكار هو نظام النوازع الجسدية . وبالتالي، فالنفس عند سبينوزا ليست جوهرا مستقلا ومميزا، بل هي صوت الجسد ذاته، بتعبيراته الصارخة والعديدة .

هكذا، تخلص فلسفة سبينوزا الأخلاقية، إلى صياغة أطروحة فلسفية مبدعة وقوية، بخصوص مفهوم الإنسان، باعتبار أن " الفلسفة تفكر، لكن عبر المفاهيم "1 لهذا نظر فيلسوفنا إلى الإنسان، كمفهوم فلسفي متميز، من حيث هويته المركبة من مستويين متكاملين هما : المستوى الطبيعي (الجسد)، والمستوى السيكولوجي (النفس)، وبذلك فالإنسان هو كلّ هذين الجزأين : كل ما هو نفسي فهو جسدي، والعكس صحيح . وبالتالي، فالجسد والنفس كلاهما يعبران عن نفس الجوهر، ولعل الذي يتغير إنما هو أنواع وزوايا تصورنا لهذا الجوهر، فنتمثله حينا كفكر مركز، وحينا آخر كما لو كان امتدادا .

إن هذا التأكيد السبينوزي على طبيعة العلاقة "التماهية"، إلى درجة "الذوبانية" بين جسد الإنسان ونفسه، في كل واحد (المادة والروح في التقسيم الفلسفي الميتافيزيقي الافلاطوني)، من حيث أفعالهما، وامتداداتهما الأثرية، يجعلنا نقول عن الفلسفة، مع محمد الشيخ، كما لو هي " لاهوت مقنع " 2 . فالجسد هنا ينتج الأفكار، والنفس تنتج الرغبة . أما التذكر والتخيل والتفكير .. فهي أفعال جسدية أولا وأساسا، عكس التصور الفلسفي الديكارتي، الذي ركز على الفصل والتمييز بين كل هذه الملكات والقدرات البشرية، بوضعها جميعها داخل دائرة النفس ضدا للجسد .

هكذا، نستنتج أن فلسفة سبينوزا، التي رفعت من قيمة الجسد والنفس معا، في إطار كل مركب واحد، مع إعادة اعتبارها للجسد، رغم تجاوزها للمفهوم الفلسفي التقليدي الذي كان غارقا فيما هو ديني وميتافيزيقي سابقا، فيما يخص مسألة حرية الإنسان، إلا أنها – نعني فلسفة سبينوزا - تبدو مترددة متأرجحة بين فعل المهادنة، فيما يخص مقاربتها النقدية للمسألة الدينية والأخلاقية، وبين فعل الاختراق والهدم الجذري لأسس وأصول تلك المسألة، في لحظة تاريخية وحضارية حرجة، كانت فيها الهيمنة السياسية والوصاية الأخلاقية للعقل الكنيسي، ولتفكير رجال الدين المتواطئ مع التوجه المفروض للفلسفة الميتافيزيقية .

 

.............................

1 – جيل دولوز وتجديد الفلسفة، جمال نعيم، ص 366

2 – نقد الحداثة في فكر نيتشه، محمد الشيخ، ص 477

 

ibrahim telbasilkhaأنطوني جيدنز anthony giddens عالم اجتماع، بل وأبرز منظر اجتماعي بريطاني في الحقبة الأخيرة، وفيلسوف ذو رؤية عميقة، تولى منصب مدير جامعة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية ومستشار توني بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق. وقد اهتم بدراسة الفعل الاجتماعي وبواعثه وأهدافه ومقاصده، والواقع الوجودي للحياة الحديثة وبخاصة طابعها الاقتلاعي، والمواقف الثاقبة الناتجة عن "التحول اللغوي" فى الفلسفة، ودور الفعل فى صياغة الواقع الاجتماعي بأبعاده المختلفة . وبذلك يشارك جيدنز العديد من علماء الاقتصاد، وعلماء السياسة، وعلماء الاجتماع وفلاسفة الحياة والأخلاق واللغة، يشاركهم اهتمامهم بالفعل ذلك أن الإنسان لا يوجد إلا بقدر ما يعمل وبالعمل يتحقق الإنتاج ويتقدم المجتمع ويتعدل الواقع الخارجي، وتصنع الذات، ويتفاعل البشر مع بعضهم البعض .

وبالنسبة للواقع العالمي المعاصر، فقد تحدث عنه كثير من المفكرين محاولين رصد أهم ظواهره والوقوف على التحولات الجذرية التى غيرته وأثر ذلك في النشاط الإنساني .. فمثلا ألان بلوم Allan Bloom يري في كتابه " أفول العقل الأمريكي " the closing of the american mind أن الناس اليوم عراة روحيا، غير مترابطين، ومنعزلين، مجردين من أي رابطة موروثة أو غير مشروطة تربطهم بأي شئ أو بأي إنسان . إن باستطاعتهم أن يكونوا أي شئ يريدونه، ولكن ليس لديهم أي سبب محدد ليكونوا أي شي محدد . ويقول دانييل بل Daniel Bell " إن الافتقار إلى منظومة إيمانية أخلاقية moral belief system عميقة الجذور هو النقيض الثقافي للمجتمع والتحدى الأعمق على طريق بقائه " .

وفي الاتجاه نفسه يري جيدنز أننا نحيا في عالم يترنح على حافة الكارثة، فقد انحرف عن مجراه الأصيل بطريقة يصعب معها إعادته إلى صوابه . فما يسميه ماركس " فوضي السوق " يبدو في عصرنا كظاهرة عالمية . إننا نحيا فى ما يسمي " الاقتصاد الرأسمالي العالمي " الذي فيه تشكل العلاقات الرأسمالية الاقتصادية كفة الميزان للعالم وحتى على الجانب الإيجابي أو الأكثر أهمية، نحن نحيا في نظام الدولة القومية العالمية وهو نظام لا نظير له فى التاريخ، ولكن فيه من الهشاشة الواضحة في تحطيم قواه العظمى التى تسلح بها على الفوضى السياسية في النظام العالمي . ([1]) كما أن عالمنا الذي نعيش فيه اليوم يسوده الاغتراب والاضطراب واللايقين " عالم منفلت " runaway world مما يشكل أساسا عميقا لحالة العجز عن التنبؤ بالمستقبل . وإننا ندفع دفعا للعيش في نظام كوني، ومع أننا لا نفهمه فهما كاملا إلا أننا نشعر جميعا بتأثيره فينا . ([2])

ويؤكد جيدنز أن ملامح المجتمع المعاصر تبدو مشوشة وتهز الأساليب القائمة لحياتنا أينما وجدنا . فهو ليس - على الأقل في هذه اللحظة – نظاما عالميا تدفعه الإرادة الإنسانية الجماعية . بل إنه يظهر إلى حيز الوجود بطريقة فوضوية اعتباطية تؤثر فيها عوامل مختلفة . وهو ليس مستقرا أو آمنا بل إنه يدعو إلى القلق كما أنه مقسم بشكل عميق . ويشعر العديد منا أنه قد سقط في قبضة قوى لا قبل لنا بالسيطرة عليها . ([3]) كما أصبح التناقض الظاهري روتينيا في المجتمعات المعاصرة، وليس هناك طريقة بسيطة للتعامل معه . فهناك الموجات الحارة وانحسار البرودة وأنماط غير معتادة من الجو . وفي هذه الظروف يسود مناخ أخلاقي جديد فى مجال السياسة يتسم بالشد والجذب ما بين الاتهام بإثارة الذعر بين الناس من ناحية، والتعمية على الحقائق من ناحية أخرى ... فنحن نعيش فى عالم نخلق فيه المضار بأنفسنا، ونتعرض فيه لمخاطر قادمة من الخارج مثل المخاطر الأيكولوجية العالمية وانتشار الأسلحة النووية واندماج الاقتصاد العالمي . ([4])

ويرجع جيدنز هذا الوضع المأسوي لعالمنا المعاصر إلى عوامل عديدة منها :

1- زيادة أمراض التغذية على صعيد الحياة اليومية ومن بينها مرض الخلفة anorexia أي مرض فقد الشهية للطعام ومرض البوليميا bulimia أو الضور والشره المرضي للطعام وتتجه جميعها إلى التمركز في بلدان العالم الأول، ولكنها بدأت الآن فى الظهور داخل بلدان العالم الثالث أيضا . والملاحظ أن الناس في كثير من أنحاء العالم يتضورون جوعا، ليس لأخطاء ارتكبوها بل لأنهم يعيشون في أوضاع يسودها فقر مدقع . وتشهد أجسادهم النحيلة على شدة المظالم على الصعيد الكوكبي . إن الجسم النحيل المريض الخلفة واحد بين الجميع، ولكنه يعكس ظروفا اجتماعية ومادية شديدة التباين . إن مريض الخلفة يتضور جوعا حتى الموت وهو فى بحر من الوفرة، وينتشر مرض الخلفة فى عالم يكتظ بسكانه ويحظى لأول مرة فى التاريخ بوفرة غزيرة من كميات الطعام التى تتجاوز كثيرا الحد اللازم للوفاء بالاحتياجات الغذائية الضرورية . ([5])

وتوجد علاقة وثيقة تربط هذا المرض بالعولمة، ذلك أن ابتكار النقل بالحاويات والوسائل الجديدة لتجميد الأطعمة – وهي ابتكارات ترجع إلى بضعة قرون فقط – تعني إمكان تخزين الأطعمة لفترات طويلة وشحنها إلى مختلف أنحاء العالم . ومنذ ذلك التاريخ شرع كل من يعيشون في بلدان ومناطق الوفرة الكبيرة في اتباع أسلوب الحمية أي النظام الغذائي . معنى هذا أن كل امرئ أخذ قرارا فاعلا بشأن كيف وماذا يأكل في ضوء الأطعمة المتاحة على مدى العالم تقريبا . وطبيعي أن اتخاذ قرار بشأن ما يأكله المرء هو أيضا قرار بشأن " الكيفية " التى يكون عليها بالنسبة إلى جسمه، وتتجلى نتيجة ذلك في مرض الخلفة وليد النظام الذاتي الصارم في التغذية الذي يتبعه الأفراد الذين يعانون من توترات اجتماعية محددة وبخاصة النساء في ريعان الشباب . ([6])

2- وجود مصادر متنوعة للمعلومات تؤثر في خيارنا بين البدائل alternatives منها : المعارف المحلية، والتقليد، والعلم والاتصالات الجماهيرية . وهذه المصادر أصبح لها تأثير كبير في مجال العلاقات الشخصية . إذ أصبح الأفراد اليوم هم الذين يقررون ليس فقط متى ومن يتزوجون، بل ما إذا كانوا يتزوجون أولا . ويواجه الرجال والنساء مهمة اتخاذ قرارات صعبة بشأن الحصول على أطفال في ظروف تبدو غير طبيعية وغير مألوفة . ويضطر المرء أحيانا إلى أن يحسم رأيه بشأن حياته الجنسية ونوع العلاقات وكيفية بنائها .

3- تفريغ جوانب كثيرة من حياتنا من المهارات المتطورة محليا ووجود تغيرات ثورية في زماننا حدثت نتيجة التفاعل بين التحولات المحلية والكوكبية، وواقع التحول التقني technological change في حياه البشر . وتفاقم الفقر على نطاق واسع وهو ما يصفه البعض بعبارة " محرقة الفقر "                   Holocaust of poverty ([7])

4- تحول علاقتنا بالبيئة إلى علاقة إشكالية في جوانب عديدة: فالموارد المادية اللازمة لاستدامة الحياة البشرية وبخاصة أسلوب الحياة في المناطق الصناعية في العالم أصبحت مهددة بالخطر على الأرجح خلال مستقبل متوسط المدى . وقائمة الأخطار التى تهدد البيئة التى نحيا فيها تشمل : احتمال تفاقم احترار كوكب الأرض نتيجة إنتاج ما يسمى " غازات الدفيئة greenhouse gases " ونفاد غشاء الأزون، وتدمير الغابات المطيرة والتصحر وتسمم المياه إلى درجة سوف توقف على الأرجح عمليات التجدد الحيوي فيها .

5- انتشار أسلحة الدمار الشامل مقترنا بحالات يلوح فيها إمكان استخدام العنف الجمعي. صحيح أن انتهاء الحرب الباردة حد من إمكان وقوع مواجهة نووية يمكن أن تدمر الحياة البشرية على الأرض بيد أن الخطر لم ينتف تماما . وتوجد الأن حوالي خمس عشرة دولة تملك أسلحة نووية، وتزايد العدد منذ نهاية الحرب الباردة بسبب ظهور عدد من الأمم النووية الجديدة عقب سقوط الاتحاد السوفيتي . وبات انتشار الأسلحة النووية أمرا مرجحاً نظرا إلى الأعداد الكبيرة من المفاعلات " السلمية " الموجودة الأن ولها قدرة على إنتاج البلوتونيوم، علاوة على التجارة العالمية ذات الصلة عمليا في هذا الشأن . ([8])

6- وجود قمع واسع النطاق للحقوق الديمقراطية، وعجز أعداد متزايدة من الناس عن تطوير ولو جانب ضئيل من إمكاناتهم البشرية . ويبدو أن نظام الحكم العسكري على طريق الأفول . ولكن كان هناك لا يزال حتى عام 1993 أكثر من خمسين نظام حكم عسكري في أنحاء مختلفة من العالم . وتفيد منظمة العفو الدولية أنه يوجد في أكثر من ثمانين بلدا في مختلف أنحاء المعمورة نزلاء أودعوا السجون بتهم تتعلق بقضايا الرأي، لا لشيء سوى الدين أو اللغة أو الأصل العرقي . ([9])

ومهما يكن من أمر، فقد رصد جيدنز في عرضه لمصادر أزمة الإنسان المعاصر عدة مخاطر تواجه البشرية في الوقت الراهن منها : العنف واسع النطاق، وانتشار الشك، وفقدان اليقين، وبناء محطات قوى نووية nuclear powers والحروب المدمرة، والعولمة التى امتد تأثيرها إلى العالم كله، والمخاطر الناجمة عن احترار كوكب الأرض وثقب الأزون، وفوضي الاقتصاد الكوكبي والتلوث بأشكاله المختلفة، والتحولات العميقة التى طرأت على حياتنا السياسية والأخلاقية ....... الخ .

 

ا.د. ابراهيم طلبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا - مصر

....................

الهوامش

[1]- giddens , anthony : social theory and modern society , polity press , oxford ,1987 , p - 166

[2]-giddens , anthony : runaway world : how globalization is reshaping our lives , london , profile books , 1999 , p -3

انظر الترجمة العربية القيمة لنفس الكتاب للدكتور / محمد محيى الدين بعنوان " عالم منفلت، كيف تعيد العولمة صياغة حياتنا " ص ص 11 - 93

[3]-Ibid , p - 18

[4]-Ibid , pp -27 - 30

[5]-Ibid , p - 82

[6]-giddens , anthory : Beyond left and Right , the future of radical politics, polity press cambridge,1988 , p - 82 .

انظر الترجمة القيمة لنفس الكتاب لـ "شوقى جلال" بعنوان " بعيدًا عن اليسار واليمين، مستقبل الراديكالية" ص ص 115-133 .

[7]-Ibid , p - 95

[8] -Ibid , pp - 95 -96

[9] - Ibid , pp - 97 - 99

(دراسة مهداة الى صاحب القلب الكبير المفكر غالب الشابندر.. كتعبير عن مواساتي لفقد نجله الاكبر ومحبتي الدائمة بلا حدود)

 

معلوم ان هناك اتجاهين رئيسيين لتفسير علاقة السببية في الطبيعة، هما الاتجاه العقلي كما لدى المنطق الارسطي، والاتجاه الحسي التجريبي كما لدى جون لوك وديفيد هيوم والوضعيين والماركسيين وغيرهم. ويركز الاول على وجود عنصر ميتافيزيقي يتوسط بين السبب والمسبب، يطلق عليه (الضرورة) او الحتمية. أما الاخير فيميل الى اعتبار السببية مجرد تتابع اقتراني بين حادثتين تتصفان بثلاثة شروط، هي الاقتران المكاني والزماني والتتابع المضطرد، ويمكن تقليصها الى خاصتين حسيتين هما الاقتران المكاني والتعاقب الزماني المضطرد بين الحادثتين، وانه وفق هذا الاتجاه لا توجد علاقة اخرى تتخلل هذه الاقترانات، فالحس والتجربة لا يشيران الى عنصر اخر جديد في المعادلة، وبالتالي لا دليل على علاقة الضرورة او الحتمية، فهي مفترض ميتافيزيقي خارج نطاق الحس والتجربة. ويترتب على هذا الامر الزعم القائل ان من الممكن ان يحضر السبب من دون مسبب، او يحضر المسبب مع عدم وجود السبب، وبهذا المعنى تكون العلاقة بين ما يسمى (سبب) وما يسمى (مسبب) صدفوية رغم تتابعهما المضطرد.

فهذا هو المذهب الحسي التجريبي ويخالفه الاتجاه العقلي الذي يؤمن بان السببية تتضمن ضرورة موضوعية صارمة، وبالتالي فهو ينفي امكانية وجود مسبب من غير سبب، او العكس. وهو حينما يدعي ذلك لا يقدم دليلاً تجريبياً على دعواه، بل يشير فقط الى الجانب المضطرد للعلاقة، وبالتالي فالضرورة او الحتمية هي مفترض ميتافيزيقي يترتب عليه ان لا يتخلف المسبب عن سببه، ولا السبب عن مسببه، فعلاقتهما تتصف بالحتمية التي تقتضي المعاصرة او الآنية المطلقة.

ومع ان هناك من حاول اثبات الضرورة السببية عبر الدليل الاستقرائي، الا ان التحقيق يثبت ان هذه المحاولة خاطئة. ففي (الاسس المنطقية للاستقراء) سعى المفكر محمد باقر الصدر الى البرهنة على عنصر الضرورة من خلال الاختبارات الاستقرائية، لكن سعيه لم يصادف النجاح كما كشفنا عنه في (الاستقراء والمنطق الذاتي)، وقد تراجع الصدر ذاته عن هذه المحاولة في دراسة متأخرة؛ معترفاً بان الضرورة هي عنصر غيبي لا يخضع للاختبار التجريبي والاستقراء .

ان تحديدنا السابق للاتجاهين العقلي والحسي التجريبي لا يفرق بين السببية العامة والخاصة. فوفق الاتجاه العقلي انه مثلما تصدق الضرورة في حالة السببية العامة القائلة: لكل حادثة سبب ما، فانه تصدق ايضاً في حالة السببية الخاصة؛ مثل تخللها للعلاقة التي تربط تمدد الحديد بالحرارة. في حين يخالفه الاتجاه التجريبي بنفي الضرورة في كلا الحالتين (العامة والخاصة). وبالتالي فالمذهبان يفترقان حول ما سبق باتساق.

لكن توجد بعض الاتجاهات الوسطى التي تعالج السببيتين العامة والخاصة معالجة مختلفة، كالذي نجده لدى التفكير الكلامي الديني. فعموم هذا التفكير يعترف بالسببية العامة، وهو يعزو اساس الحوادث الى مبدأ الوجود الاول، فهو العلة الحقيقية التي تقف وراء جميع الحوادث وارتباطاتها. وبالتالي يعتمد هذا التفكير على السببية الغيبية في تفسير العلاقات الكونية، أما السببية الخاصة فنجد حولها شيئاً من الاختلاف مع الاعتراف بانها ليست ضرورية كما هي الحال لدى السببية العامة.

فهناك الاتجاه الذي يحدد علاقة السببية بالاقتران والتتابع من دون تضمّن الضرورة والتأثير، اذ يقتصر الاخير على السببية الغيبية او الارادة الالهية، وهي الفكرة التي تبناها الاشاعرة والكثير ممن ينتمي الى الاديان السماوية، فلديهم ان علاقات الطبيعة هي مجرد علامات، اي انها صدفوية تفسرها العادة النفسية من دون ان يتخلل التأثير فيما بينها. فالتأثير لدى الاشاعرة هو خلق متجدد باستمرار طبقاً لقاعدة (العرض لا يبقى زمانين)، فكل ما نراه من اتصال جسمي يعبّر في الحقيقة عن تفكك وانفصال دائم وإن أوهمنا باتصاله. فضآلة اللحظات او الآنات المتجددة بتجدد الخلق هي ما تجعل الاشكال الجسمية تبدو متصلة ومتناغمة؛ رغم انها مفككة على الدوام، والله هو من يعيد خلقها بعد افنائها في كل آن. وبالتالي لا تأثير للاشياء بعضها في البعض الاخر، بل الكل مفكك وخاضع للتأثير المباشر من قبل المبدأ الحق، وفقاً لقاعدة (لا فاعل في الوجود الا الله). فجميع الكائنات، سواء باشكالها الذاتية او بعلاقاتها الخاصة، تعبر عن أعراض تتجدد في كل آن وزمان، وان اقتراناتها تتصف بالمصحابة دون ان يكون لها ادنى تأثير، وما نعتبرها اسباباً انما هو بفعل الوهم والخداع نتيجة (العادة النفسية)، وهي المقولة التي رددها الفيلسوف الحسي ديفيد هيوم فيما بعد.

كما هناك الاتجاه الذي يقف وسطاً بين من يقول بالضرورة السببية ومن يرى انها تتابع مقترن، حيث الاعتراف بتأثير السبب على المسبب وان لم يصل الحد الى الضرورة، ويتمثل هذا الاتجاه بابن حزم الاندلسي صاحب نظرية الطبائع المخلوقة، وقبله الكثير من المعتزلة ممن يقولون بنظرية التوليد .

كذلك هناك الاتجاه الذي يستند الى السببية في بعدها المعرفي الذاتي لتحديد جانبها الموضوعي، كما يتمثل بمذهب فيلسوف القرن الثامن عشر الالماني عمانوئيل كانت. فهو يرى ان الاشياء بوصفها موضوعات للتجربة الممكنة، او القابلة للمعرفة، هي رهينة الافتراض القبلي للضرورة السببية وغيرها من المقولات، وبدونها تسقط هذه المعرفة. فمبدأ السببية هو مبدأ امكان التجربة التي تعمل على تنظيم الظواهر الطبيعية، وهو لا يمتد الى ما ورائها، اي الى (الشيء في ذاته). فمثلاً ان النفس البشرية كشيء في ذاته لها ارادة حرة لا تخضع لهذا المبدأ وقوانينه الحتمية. وكي لا يحصل تناقض بين القول بالضرورة السببية والارادة الحرة، كان لا بد من افتراض وجود عالمين مختلفين للشيء، ظاهر وباطن، وهما المطلق عليهما عالم الظواهر الخارجية (فينومينا) وعالم الشيء في ذاته (نومينا) . والاول هو عالم تنتظم موضوعاته وتتلون وفقاً لطريقة تصورنا عبر الحدس الحسي، فتصطبغ بهيئة (الشيء لذاتنا)، وبالتحديد انها تخضع لمبدأ السببية وسائر المقولات القبلية للذات البشرية، خلافاً للثاني الباطني (الشيء في ذاته) الذي يغيب عنده المبدأ المذكور مع غيره من المقولات القبلية بما فيها الرياضيات. ومع ذلك فان كانت يجعل الصلة بين العالمين رهينة السببية ذاتها، ويعبر عنها – هنا - بالعلية، وهي صلة الوصل بين الارادة الحرة للشيء في ذاته والضرورة السببية في عالم الظواهر الطبيعية . لكن يظل الشيء في ذاته غير خاضع للسببية الصارمة وغيرها من المقولات القبلية. فلكون هذا العالم يعبّر عن ارادة حرة فانه يكون خارج حدود امكان التجربة التي يؤسسها مبدأ السببية الحتمية وسائر المقولات.

ويظل الواقع الموضوعي لدى عمانوئيل كانت مزدوجاً بنوع من المفارقة، وهو يشابه ما يدعو اليه العرفاء من وجود عالمين متناقضين، احدهما ظاهر يمتثل لكل القضايا المنطقية والعقلية والضرورية، في حين ان باطن هذا العالم يتحرر كلياً من هذه القيود دون ان يمتثل لها أبداً. فحتى بخصوص مبدأ عدم اجتماع الاضداد فانه لا يتحكم بهذا العالم الخفي، فهو جامع الاضداد والتناقضات، وهو المتحرر من كل قيد وشرط ووصف، وهو الأحد بلا إسم ولا رسم ولا نعت . وهو بالتالي أشبه ما يكون (الشيء في ذاته) المجهول الهوية واللامشروط بحسب تعبير كانت.

وهذه الصورة هي ايضاً شبيهة بما دعت اليه النظريات الفيزيائية المعاصرة في التفرقة بين العالمين الكبير والصغير، او الجسمي المشهود والجسيمي الخفي المناقض للاول في علاقاته وقوانينه، ومنها تلك التي ركّز عليها كانت قبل اكثر من قرنين؛ كالسببية والزمان والمكان.

          ***   

وباستثناء نظرية عمانوئيل كانت، تتفق الاتجاهات التي عرضناها آنفاً على نقطة رئيسية واحدة؛ هي اتصاف السببية بحالة الاقتران المكاني والزماني المضطرد في الواقع، كما تدل عليها النظرة الحسية، لكنها تختلف فيما بينها حول قضيتين غير حسيتين، هما التأثير والضرورة، والرابط بينهما هو الاقتضاء، اذ الثانية تقتضي الاول من دون عكس. فلو اننا آمنا بالضرورة السببية لاقتضى الامر الاعتقاد بالتأثير، أما لو اقتصرنا على الاخير؛ لما دلّ ذلك على الضرورة، مما يعني ان احدهما لا يكافئ الاخر او يساويه.

وبالتالي يمكن تحديد مواقف الاتجاهات السابقة من قضيتي التأثير والضرورة كما يلي:

فالمذهب العقلي الارسطي يثبت الضرورة، وهو ما يعني التزامه بمنطق التأثير ايضاً. وعلى خلافه المذهب الحسي الذي يكتفي باثبات الصفة الحسية للاقتران واضطراد العلاقة السببية، وينكر غيرها من العناصر الميتافيزيقية المفترضة كالضرورة والتأثير، رغم انه من الممكن الاستدلال على عنصر التأثير – دون الضرورة – لدى العلاقة السببية الخاصة بالدليل الاستقرائي . فالفارق الوجودي بينهما هو ان التأثير ليس بشيء كينوني، بل هو فعل يحتاج الى فاعل مؤثر وفق مبدأ السببية العامة، ويمكن الاستدلال على خصوصية هذا المؤثر (غير المحسوس) عبر منطق الاحتمال والدليل الاستقرائي. في حين ان الضرورة ليست بكينونة ولا بفعل، بل هي أمر عدمي اعتباري، فكل ما تعنيه ان الشيء يظل على حاله من الوجود او العدم دون ان تكون له قابلية على التغير مطلقاً، وهي من هذه الناحية العدمية غير قابلة للاستدلال.

يبقى ان الكثير من المعتزلة وابن حزم الاندلسي يؤيدون فكرة تأثير السببية الخاصة دون الضرورة. أما عمانوئيل كانت فله موقف آخر ازدواجي، فرغم انه يعتبر مبدأ السببية من الضرورات القبلية التي تصدق على الظواهر الطبيعية، لكنه ينفيها عندما يتعلق الامر بالشيء في ذاته العصي عن العلم والمعرفة.

 

صياغة نظرية جديدة

بالاضافة الى ما سبق يمكن صياغة نظرية جديدة لفهم علاقة السببية وفقاً للتحليل الفيزيائي. لكن هذا التحليل لا يمس المفهوم العام لها، بل مفهومها الخاص. فالسببية العامة ثابتة وفق ما سبق ان صنفناها في بعض الدراسات ضمن (الضرورات الوجدانية). وليس هو الحال ذاته فيما يخص السببية الخاصة، فالعلاقة التي تتضمنها الاخيرة وان بدت للمراقب بانها دالة على المعاصرة والضرورة، لكن من الممكن تفكيكها وجعلها تتضمن حادثتين تتصفان بالسبق دون المعاصرة، ومن ثم دون الضرورة والحتمية، وفق الزمن الفيزيائي المايكروي.

والعملية ليست مجرد تتابع زمني مقترن، كالذي يصوره المذهب التجريبي، بل هناك نوع من التأثير الحقيقي يبدأ منذ اللحظة التي يؤثر فيها السبب على المسبب، او اللحظة التي يتولد فيها المسبب بفعل السبب، وهي لحظة فيزيائية غاية في الضآلة، فهي البداية الاولى للخلق والتأثير دون ان تسبقها بداية ما قبل. وبحسب القياس الفيزيائي المعاصر فان الزمن لا يبتدئ من لحظة متصلة، فوفقاً للتحليل الرياضي ان البدء من هذه اللحظة سيجعل الفترة الزمنية للتأثير تتخذ مدة غير متناهية. والسبب في ذلك هو ان الاتصال الزمني ينطوي على لحظات قابلة للتقسيم رياضياً، وهي إن لم تتوقف عند انقطاع اللحظة فانها تجر الى سلسلة لا متناهية، مما يجعل التأثير مستحيلاً، لذلك كان لا بد من وجود انقطاع في اللحظات خلاف ما نشهده في عالمنا الحسي المعاش. وبالتالي ان الاعتراف بوجود لحظات منفصلة يهيء مدة لبداية التأثير وسعته، فهي تشتمل على حدود ثابتة ونهائية غير قابلة للانقسام.

وينطبق الحال السابق على كل تغير، ومنه التحول المكاني. فلو بدأنا من نقطة الانطلاق ضمن المتصل المكاني فسنحتاج الى مسافة غير متناهية كي نصل الى نقطة اخرى مجاورة، وبالتالي إن لم نفترض كميات منفصلة ومتقطعة للمكان فاننا سنقع في محذور التسلسل المكاني اللامتناهي، ففي المتصل المكاني تنقسم المسافة بين نقطتين متجاورتين قسمة غير متناهية من الناحية الذهنية، وهي المسألة التي كانت تؤرق الفلاسفة القدماء ومن تأثر بهم من الكلاميين، وقد اعتمد عليها الفيلسوف الاغريقي زينون ليثبت وهمية الحركة والانتقال، وهو الامر الذي جعل المفكر المعتزلي ابراهيم النظّام يقول بالطفرة كسبيل لردم هذه الهوة والتخلص من شبهة المسافة غير المتناهية المحصورة بين النقطتين ضمن المتصل المكاني .

ان الاعتماد على مبدأ الطفرة والتواثب قد وجد مثيلاً له لدى الفيزياء المعاصرة. فقد كان هايزنبرغ يتصور ان تحول الالكترون من مدار الى اخر ضمن نظام نيلز بور الذري القديم – قبل التسليم بمثنوية الجسيم والموجة - يجري لدى مستويات الطاقة او المدارات المسموحة له دون المرور بالفراغات البينية؛ لعدم امكان رصد التواصل في مسارات الالكترون. وهي ذاتها تمثل الطفرة والتواثب، رغم ان هايزنبرغ قد خضع لامتثال النظرية الحسية الفجة.

تنطبق هذه المشكلة على كل حالة يجري فيها التغير والتأثير. فما لم يتم الانطلاق من وحدة قياسية نهائية التحديد، سواء على صعيد القياس الزمني، او المكاني، او التأثيري، فان مشكلة اللانهايات سوف ترافقنا حيثما اتجهنا. وبالتالي لا بد من اخضاع التحليل الى القياس الفيزيائي، ولو من حيث الاتساق النظري، فنقول لا غنى من ان يكون السبب سابقاً للمسبب بفترة قياسية لا يمكن تعديها، فهي غير قابلة للتقسيم، فعند هذه اللحظة المفترضة يبدأ التأثير ومن بعدها يتضاعف ويتراكم حتى يظهر الاثر جلياً. والحال ذاته ينطبق على كل تغير وانتقال.

وبعبارة ثانية ان كل تحول – إن كان مادياً - لا بد وإن يتأسس على فكرة الجزء الذي لا يتجزأ، فهو الجوهر الفرد الثابت وغير القابل للتجاوز والانقسام، كالذي كان يراه المتكلمون ومن قبلهم ديمقريطس خلافاً لأرسطو واتباعه.

وترد في هذا المجال اسئلة حول كيفية قياس الحد الادنى من التأثير السببي فيزيائياً، وكيف نقيس مضاعفاته؟ ومثل ذلك كيف نحدد زمن التأثير؟ وهو ذات السؤال الذي يتكرر على مستوى الفضاء الكوني ايضاً؟ وما هي مبررات مثل هذه التحديدات؟

بطبيعة الحال ليس لدينا ما يبرهن بشكل قاطع اعتبار هذه التحديدات ثوابت نهائية للحد الادنى لكل من التأثير السببي وزمانه او مكانه، لكن الاعتماد على النظريات الفيزيائية المعاصرة قد يجعلنا نستعير ما تم التسليم به لحد الان، حيث التعويل على الثوابت البلانكية – نسبة الى ماكس بلانك –، فهي اقصى ما يمكن الوصول اليه فيزيائياً.

فمن حيث الحد الادنى للتأثير ان المسلّم به هو ان هناك ما يعرف بثابت بلانك، وهو عبارة عن وحدة الطاقة الزمنية والتي سماها بلانك فعلاً، وقصد بها: معامل التناسب بين تردد الموجة وقطعة الحد الأدنى من الطاقة التي تملكها الموجة، أو هي نسبة طاقة الشعاع إلى تردده أو تواتره. وهي صغيرة جداً وتساوي: (6,6262 × 10-34 جول على الثانية، أو كيلو غرام متر مربع على الثانية)، والتي سميت فيما بعد بثابت بلانك. وتتصف هذه الوحدة من الطاقة بأنها لا تتجزأ، كما أنه ليس لها كسور عندما تتضاعف. وتضاعف هذه الطاقة التأثيرية يأتي من خلال قانون بلانك الذي ينص بضرب التردد في ثابت بلانك الانف الذكر، فهذا ما يحدد حجم التأثير السببي للعلاقات الجسيمية. وهو يساوي قانون اينشتاين في الطاقة، اي الكتلة في مربع سرعة الضوء.

واستناداً الى ثابت بلانك فهناك وحدات بلانكية أخرى ثابتة وغير قابلة للانقسام وتعتمد في اشتقاقها على هذا الثابت، اهمها فيما نحن بصدده: طول بلانك (10-33 سم) وزمن بلانك (10-43 ثانية)، فالاخير مشتق من قسمة طول بلانك على سرعة الضوء، وان طول بلانك مشتق من عدد من الثوابت هي ثابت بلانك وسرعة الضوء في الفراغ وثابت الجاذبية، واليها جميعاً يعود أصل كل طاقة وطول وزمن، فهي المقاييس المعتمدة، ولا يوجد مقياس آخر دونها. وكلها تنفع في تحديد العلاقات السببية.

إن الوحدات السابقة هي الوحدات الاساسية التي بنى عليها الفيزيائيون عدداً من قياساتهم، دون الرجوع الى ما هو اصغر منها، ومن ذلك زمن بلانك الذي هو فترة زمنية غاية في الضآلة والخيال، لكنه اكبر من الصفر، واهميته تنبع من عدم الارتداد اللانهائي، حيث انه وحدة اساسية لا تقبل الانقسام فيزيائياً، فجوهر الزمن هنا لا يعبر عن الاتصال، ولو كان متصلاً لوقعنا في مستنقع القسمة غير المتناهية. فحيث انه يعبر عن وحدات منفصلة مستقلة فانه لا يمكن تقسيمها كما لا يمكن الرجوع الى ما خلفها، فكل تقسيم او رجوع يفضي الى مشكلة التسلسل غير المتناهي.

على ذلك وبحسب نظرية الكوانتم فان الزمان والمكان لدى المسافات المجهرية يتصفان بمواصفات غير مألوفة لدى عالمنا الاعتيادي، فنحن نراهما يمتازان بالتواصل دون التقطع، لكنهما لدى المسافات المجهرية والصغيرة للغاية يتحول فيها هذان العاملان من الاتصال المألوف إلى الانشطار والتقطع والانفصال. فالمكان تتغير صورته الاتصالية إلى نوع من التقطع التي تنتابها ثقوب وتمزقات هي اشبه ما يحصل لدى الثقوب السوداء، كذلك عند اللحظات الزمنية الضئيلة للغاية يتغير حال الزمان من الاتصال والاستمرارية إلى التواثب والانقطاع. ويمكن عكس المسألة بصورة أدق وهي ان الجسيمات البسيطة بإعتبارها أساس المادة والاجسام الكبيرة، لذا فالإنطلاقة تبدأ بانقطاع المكان والزمان، ومن ثم عندما تزداد سعة المكان والزمان فسيتحول الحال من الانقطاع الزمكاني إلى تواصله، ومن ثم تبدأ الهندسة الزمكانية المتصلة كما تقترحها النسبية العامة لاينشتاين.

ان هذا التصور للمكان والزمان يخالف ما تم طرحه من قبل النسبية العامة التي ترى الفراغ الكوني متصلاً هندسياً ناعماً يخلو من الثقوب والقطائع المنفصلة، ومثله فيما يتعلق بالزمان، فهو منبسط ومتصل منذ بدأ الخلق دون ان تكون له قابلية على التقطع والتواثب والقفزات.

ويمكن تصوير حالة تحول الشيء مما هو متقطع الى ما هو متصل بالشعلة الجوالة، ومثلها المروحة الدوارة التي تبدو للناظر بانها متصلة دائرياً عند الحركات السريعة، فيما انها متقطعة الحقيقة، والوهم هو ما يظهرها بانها متصلة تماماً. ومثل ذلك ما نتوهمه من الحركات والتفاعلات الجارية في الفلم السينمائي، مع ان حقيقتها عبارة عن صور متقطعة غير متواصلة.

لكن ما زالت مسألة التقطع الزمكاني مفترضة دون اثبات تجريبي. فلحد الآن لم يلحظ أي أثر يشير إلى التقطع الزماني عند حدود (10-26 ثانية)، وكذا التشوه المكاني عند حدود (10-16 سم)، وهي المقاييس التي تم مشاهدتها في المختبر . مع ذلك يظل الافتراض وارداً وفقاً للحاظ ما يمكن ان يحدث عبر التوهمات المشار اليها.

عموماً لو عوّلنا على اعتبارات الانفصال كما تثبته قوانين بلانك، ومثلها بعض التصورات المنتمية الى ميكانيكا الكوانتم لاصبحت علاقة السببية الخاصة لا تتضمن الضرورة ولا المعاصرة، فبين السبب والمسبب فترة زمنية قياسية من المحال تعديها، هي زمن بلانك، وحيث ان السبب سابق للمسبب زماناً وفق القياس الفيزيائي، فانه يمكن كسر الاصرة بينهما، فيمكن ان يكون السبب موجوداً دون ان يتاح المجال لظهور المسبب الخاص. فالفترة الزمنية الفاصلة بينهما كفيلة بان تمنع وجود المسبب عند ورود حائل بينهما. لكن بطبيعة الحال فان المسبب لا يسعه ان يستغني عن مطلق السبب، وان كان من الممكن الاستغناء عن سببه الخاص عند إحداث الحائل بينهما. فالانفصال يفضي الى التجويز وعدم الحتمية. لذلك كان الفلاسفة القدماء يؤكدون على حالة الاتصال التام بين العلة والمعلول، فالعلاقة بينهما لا تقبل الانفصال باي شكل من الاشكال، ومن ثم اعتبرت هذه العلاقة ضمن المتضايفات، فحيث توجد علة فهناك معلول يتأخر عنها ذاتاً لا زماناً، وبالعكس، وهو ما يؤمّن لهم الضرورة او الحتمية المفترضة.

فمثلاً ان حركة المفتاح معلولة لحركة اليد، فلولا الاخيرة ما تحرك الاول. وتبدي الحركتان بانهما متعاصرتان رغم التقدم الذاتي للأخيرة على الاولى، وان هناك ضرورة وحتمية تتخلل الحركتين غير قابلة للانفصام والانفكاك، في حين ان دقة القياس الفيزيائي تجعل حركة اليد سابقة زماناً على حركة المفتاح، وانه لا تعاصر بينهما، ومن ثم فان امكانية تفكيكهما واردة على الصعيد النظري تماماً. ومثل ذلك لو طبقنا الحال على الشيء – كالشجرة - وظله بشرط وجود الضوء، فالظل - بحسب التصور العقلي الارسطي - معلول للشيء، وهما متعاصران تماماً رغم التقدم الذاتي للشيء على ظله، وبالتالي فالعلاقة السببية بينهما حتمية ضرورية غير قابلة للانفصام، في حين انه بحسب القياس الفيزيائي فان لظهور الظل مدة زمنية متأخرة عن وجود الشيء رغم ضآلتها للغاية. ويمكن تطبيق هذه النتيجة على الاجسام المتأثرة بالجاذبية، بما فيها الساكنة، فلو عوّلنا على الافتراض الفيزيائي الخاص بجسيمات الثقالة (الجرافيتون) فان تأثير الجاذبية على الجسم سوف لا يكون لحظياً، بل يتخذ مدة لا تتجاوز سرعة الضوء بحسب المقاييس النسبية لاينشتاين. أما التأثير اللحظي الذي تقره الكوانتم فما زال مجهول الهوية ويخضع لتأويلات كثيرة. فهي تتحدث - تحت ظل بعض الظروف - عن تأثيرٍ للجسيمات بعضها على البعض الآخر رغم بعد المسافة بينها، وهو ما أنكره اينشتاين وسمّاه بالتأثير الشبحي عن بعد. لكن أظهرت التجارب فيما بعد ان لهذا التأثير وجوداً فعلياً . ومع ذلك فمن الناحية المختبرية لا يمكننا التأكد من لحظية هذا التأثير، بل كل ما يمكن التأكد منه هو تجاوز حدود سرعة الضوء في الفراغ، وبالتالي فبين هذا التجاوز والتأثير اللحظي بون شاسع. فالتقنيات العلمية تعجز تماماً عن تخطي الكشف عن كل مفاصل الوحدات الزمنية الضئيلة، فهناك حدود لما يمكن الكشف عنه تجريبياً كالذي أشرنا اليه آنفاً.

على ان التحليل الفيزيائي للسببية الخاصة يجعل العلاقة بين السبب والمسبب تُردّ الى القوانين الاحتمالية دون القوانين الحتمية، فالانفصال بين السبب والمسبب يقتضي هذه الاحتمالية خلافاً للنسق الاتصالي كما يصورها اصحاب الاتجاه العقلي الارسطي.. لذلك قيل بان اغلب الفيزيائيين لا ينكرون السببية باطلاق، وانما ينكرون الحتمية التي تتضمنها.. فالصراع الفيزيائي هو صراع قائم بين التفكير الحتمي والاحتمالي، مثلما هو صراع بين النظريتين الانفصالية والاتصالية. الامر الذي سنناقشه في بحث مستقل..

 

الفيزياء ومشكلة السببية

يواجه مبدأ السببية وفق المنظور الفيزيائي المعاصر عدداً من المشكلات، سواء من خلال نظرية النسبية او الكوانتم.

وتتعلق المشكلة التي تطرحها نظرية النسبية بعلاقة الاتصال بين الزمان والمكان. فمن وجهة نظرها ان الزمان والمكان هما وجهان لحقيقة واحدة، وان الزمان يتخذ دور المكان، او ان حقيقته لا تختلف عن حقيقة البعد المكاني، لكن العكس لا يعيره الفيزيائيون اعتباراً، بمعنى انه لا معنى له، فالمكان مكان وليس زماناً، في حين ان الزمان مكان مثلما انه زمان، لهذا كان الزمان هو الحاضر فحسب من دون ماض ولا مستقبل، وهما بعدان وهميان او نسبيان. واذا كان الزمان مكاناً، فانه لا تزامن بين الأحداث الكونية ذات الإحداثيات المرجعية للأطر والنظم المختلفة، فالزمان يتمدد ويتقلص، وينطبق الحال على المكان ايضاً. فاللحظة التي تُقدر في المكان الفلاني هي غيرها في مكان اخر مختلف. وعليه يمكن تناول الزمان من منطلق المفاهيم المكانية، فكل ما نطلق عليه المستقبل والماضي يعبر عن مكان بعيد في قبال الحاضر والمكان القريب، فهما بعيدان بالنسبة لنا حيث لم يتيسر لدينا السفر اليهما لحد الان. وبالتالي كان من الممكن نظرياً السفر الى اللحظة الزمنية لدى الماضي والمستقبل هناك.

ومن الناحية النظرية يمكن البدء بالسفر اليوم بسرعة تفوق سرعة الضوء لنصل الى يوم امس. وتبرير ذلك وفق النسبية هو ان زيادة السرعة تبطئ الزمن، وان تباطأه يزداد باضطراد مع التسارع، وعند الوصول الى سرعة الضوء فان الزمن يصير صفراً، فهو يمثل لحظة دهر حاضرة، او ان الزمن يتوقف عندها، لذلك ليس لفوتون الضوء زمن خاص به، فالزمن لديه ساكن متوقف او صفر وكأنه حاضر فحسب. وبالتالي لو اننا تجاوزنا سرعة الضوء فيعني ذلك تجاوز الصفر بالتناقص فيكون الزمن سالباً او تحت الصفر، وهو ما يعني العودة الى الخلف او الماضي. ومع ان النسبية تحيل ذلك عملياً، باعتبار ان الامر يحتاج الى طاقة لا نهائية لبلوغ سرعة الضوء، وان الكتلة في التسريع تزداد شيئاً فشيئاً فتصل الى ما لا نهاية له عند هذه السرعة، وهو امر لا يسمح به الواقع الطبيعي، الا ان الافكار الفيزيائية تجاوزت ما تقره النسبية، واخذت تلتاف عليها باقتراح وجود سرعة تفوق سرعة الضوء كما في التاكيونات المفترضة (tachyons)، او بايجاد وسائل اخرى للسفر للماضي عبر الثقوب الدودية مثلاُ، وهي شبيهة بالثقوب السوداء.

ومنطقياً ان مقالة السفر للماضي عند تجاوز سرعة الضوء تفضي الى القول بالسفر المعكوس الى المستقبل عند تناقص السرعة، فكل تناقص للسرعة يعجل الزمن، ولو وصل الانخفاض الى الصفر او التوقف التام فذلك يعني المزيد من التقدم الزمني، او تسارع الزمن. فالطفل الذي تتوقف لديه الحركة يشيخ مبكراً، وانه يلاقي مستقبله عاجلاً.. خلافاً لذلك الذي يتسارع، اذ يتباطأ الزمن لديه، ومن ثم يتحول بعد سرعة كبيرة مما هو شيخ الى طفل. فالشيخ يصير طفلاً، والطفل يصير شيخاً، وفقاً للتسارع والتباطؤ.

ومن وجهة نظر اينشتاين انه لا مجال للاعتراف بحالة سكونية تامة ومطلقة، فالحركة دائمة وهي نسبية، فلا مجال للسكون التام ولا الحركة المطلقة، مثلما لا مجال لتجاوز سرعة الضوء الثابتة في الفراغ. واذا كان الفيزيائيون قد التفوا على النظرية النسبية وافترضوا امكانية تجاوز هذه السرعة ومن ثم السفر للماضي وفق ذات المبادئ الاينشتاينية، الا انهم لم يعالجوا في القبال ما يعاكس هذه الحالة، اي الاعتماد على المبادئ الاينشتاينية لتقبل السفر الى الامام والمستقبل عبر السكون التام او ما يقاربه. واحياناً رأى بعضهم انه لا يوجد سفر للماضي، بل كله سفر للمستقبل، سواء من خلال الثقوب الدودية او عبر تجاوز سرعة الضوء..

لقد ادرك الفيزيائيون بعد اينشتاين النتائج الوخيمة لمقالة السفر عبر الزمن. لكنهم لم يتخلوا عنها، بل افترضوا العديد من السيناريوهات التأويلية لتجنب نتائجها الصادمة، فبعض هذه النتائج يعبر عن مشاكل منطقية تصل الى حد التناقض، وبعضها الاخر يتصف باللامعقول حول علاقة السببية.

فمن حيث المشكلة الاخيرة ان الرجوع للماضي يبدي تتابعاً معاكساً لعلاقة السببية، حيث يتقدم الاثر على سببه، او ان النتيجة تظهر قبل مقدماتها، فهي كالفلم المعكوس، فالرجل الذي يعود للماضي ليلاقي طفولته يمر بمراحل معاكسة، اذ يبدأ رجلاً ثم يتحول الى شاب فمراهق فصبي فطفل رضيع ومن ثم يدخل الى رحم أمه حتى يفنى فلا يكون شيئاً مذكوراً. فكيف تنقلب علاقات السببية الى معاكساتها؟

وقد يتطور الحال الى معضلة عميقة تتعلق بالتناقض والمفارقة. فمثلاً لو امكن لشخص ان يسافر ويلتقي بأمه وهي صغيرة لم تتجاوز الرضاعة مثلاً، كيف يمكن ان يكون موجوداً وأمه مازالت رضيعة؟ ومثل ذلك لو انه سافر للماضي والتقى بجدته وقتلها فكيف تسنى له ان يولد فيما بعد؟.

على ذلك يلاحظ ان هناك مشكلتين في حالة السفر الى الماضي، فحين يلاقي الشخص جدته مثلاً ويقتلها فان الاحداث لا تبدو معكوسة فقط، حيث تنطلق من النتائج لتنتهي باسبابها، على عكس ما تفترضه السببية، بل انها تفضي الى التناقض ايضاً، فكيف يمكن ان يكون المسافر موجوداً وقد قتل جدته التي هي من الاسباب اللازمة لولادته؟

لقد اهتم الفيزيائيون كثيراً بعلاج هذه النتيجة البائسة، وذلك عبر عدد من التأويلات المفترضة، وهي سيناريوهات قائمة في الاساس على افتراضات غير مدعومة تجريبياً، بمعنى انها تشكل تأويلات مركبة للتتخلص من المفارقة المشار اليها. فالبعض مثلاً يرى ان المسافر سيتخذ دور المشاهدة من دون ادنى تأثير على الاحداث الماضية، فحاله كمن يرى شريط فلم سينمائي معكوس دون امكانية التأثير عليه. فيما يرى بعض اخر ان المسافر سيُكتب له تاريخ آخر غير التاريخ الذي اعتاده، او انه سيدخل في اطار كون اخر غير الكون المعتاد عليه، وفقاً لسيناريو الاكوان المتعددة المتوازية، وهو الحل الذي لجأ اليه ديفيد دويتس كمحاولة لانقاذ الموقف من التناقض، فاعتبر ان الأم او الجدة المقتولة هي غير تلك التي كانت سبباً في ولادة الشخص، فكلاهما يمثلان نسخاً متناظرة وفقاً للتعدد الكوني والعوالم المتوازية. فالتأثير وارد في مثل هذه الحالة، لكنه يقوم على النسخ المناظرة .

هذه ابرز السيناريوهات المطروحة لحل مشكلة المفارقة. ولو اعتمدنا على هذه الحلول سنجد انها لا تتعارض مع مبدأ السببية، اذ تتضمن الاخيرة التأثير في الاحداث المعنية، فيما تخلو منه السيناريوهات المطروحة.

***

كانت المشاكل السابقة حول السببية تختص بنظرية النسبية، أما فيما يخص نظرية الكوانتم فقد كانت المشاكل المطروحة مختلفة تبعاً لطبيعة الفيزياء الجسيمية. فاولى هذه المشاكل هي ان التأثير السببي قد لا يكون وارداً ضمن النطاق الجسيمي، او ان السببية لدى هذا العالم تتصف بالاحتمال الموضوعي خلافاً لعالمنا المحسوس. ومن ذلك ما جاء من خرق لقانون التناسب العقلي لدى السببية، وهو ان هناك تناسباً بين تماثل الشروط والنتائج، فلو كانت الشروط ذاتها فان النتائج المترتبة على العلاقة الطبيعية ستكون متماثلة، كالذي يبديه عالمنا الكبير. فمثلاً لو ان قطعة من الحديد تمددت بالحرارة، فان قطعة اخرى للحديد وضمن ذات الشروط الظرفية سوف تتمدد هي الاخرى بالحرارة. لهذا اعتبر بعض فلاسفة العلم ان السببية من المبادئ الميتافيزيقية التي يستعين بها العلم دوماً، كما هو الحال مع كارل بوبر، ومثله برتراند رسل الذي أشار الى ان السببية هي من الافتراضات القبلية للبحث العلمي. فالعلم قائم على اقرار التماثل في علاقة السبب بالمسبب، فعندما يختلف المسبب فذلك يعني اختلاف السبب، في حين لو تماثلت النتائج فذلك يعني تماثلاً في الاسباب. وتبعاً لهذه العلاقة الواضحة ان الفيزيائيين يقيمون علم الفلك وفق ما يلحظونه من اختلاف في اطياف الاشعة التي تصلنا من الاجرام السماوية ودرجات شدتها. ومثل ذلك فيما يخص العالم الجسيمي الصغير، فالنتائج المتباينة توحي لنا بوجود علل مختلفة وفق قانون التناسب بين السبب والمسبب. ومن ذلك يُستنتج تعدد الجسيمات واشكالها وكتلها وشحناتها المختلفة، والحال ذاته ينطبق على معرفة اشكال النجوم والمجرات وابعادها واحجامها وسرعاتها وعناصرها وما اليها. لهذا يقول رسل: إن فرضية وجود قوانين ثابتة للسببية تبدو غير قابلة للنقض .

لكن هذا الحال الذي يقره الحس المشترك (common sense) لا يعني شيئاً امام نظرية الكوانتم. فبحسب وجهة نظرها لو ان حركة الجسيم كانت باتجاه معين فان ذات الشروط المتوفرة سوف لا تجعلنا متأكدين بان الجسيم سوف يسلك نفس المسار او الاتجاه، فرغم تماثل الظروف والشروط فان النتائج يمكن ان تكون مختلفة او متعاكسة.

وتعتبر هذه النتيجة من مخلفات المعنى القوي لمبدأ عدم اليقين لهايزنبرغ، حيث انقسم الفيزيائيون اتجاهه الى نظريتين، احداهما تحمل المعنى القوي للمبدأ، وهو ما يعول عليه غالب الفيزيائيين وفق الصيغة التي لجأت اليها مدرسة كوبنهاكن، والاخرى تكتفي بالمعنى الضعيف له. فالمعنى القوي لا يعول على اثر الظروف والشروط الخارجية التي تحيط بالجسيم، خلافاً للمعنى الضعيف ، فطبيعة الجسيم بحسب المعنى القوي تبدي التذبذب والتأرجح موضوعياً، وهو قابل لاتخاذ اي اتجاه للتحرك دون ان يكون لذلك علاقة بالظروف الخارجية وتأثيراتها، ومنها تأثير الاشعة المسلطة على الجسيم. وكأن الجسيم يمتلك – في هذه الحالة – ارادة حرة خالصة لا يمتلكها حتى البشر انفسهم. الامر الذي يذكرنا بنظرية عمانوئيل كانت في (الشيء في ذاته).

ويمكن تأييد هذا المعنى بما يحصل من تحول لذرات اشعة العناصر الثقيلة غير المستقرة، كاليورانيوم، حيث تتحول نصف ذراته الى عناصر اخرى كل مدة زمنية محددة بحسب نظائره المختلفة، فرغم سريان هذا التحول وفق قانون احصائي ثابت، لكن هناك عدم يقين بنوع الذرات التي يمكن ان تتحول دون غيرها، اذ تجري العملية ذاتياً وتلقائياً من دون ان يكون لها علاقة باسباب ظرفية معينة. ومن الواضح ان هذه القضية تدعم المعنى الموضوعي للاحتمال. ويمكن ان يُستنتج منها أمران:

أحدهما نفي الحتمية، بل والتضحية بالسببية الخاصة وقانونها التناسبي، مع الحفاظ على مبدأ السببية العامة. أما الثاني فهو التضحية بمبدأ السببية العامة ذاتها، حيث التصور بان خاصية التذبذب، سواء للجسيم او لتحلل العناصر المشعة، لم يكن مناطاً بسبب ما كلياً، رغم ان هذه الخاصية لا تدل على المعنى الذي ينفي مطلق الاسباب، اذ يكفي ان يكون طبع الجسيم او العناصر المشعة سبباً للتذبذب، كسببية طبع النار للاحراق. فعلى الرغم من ان هذه الخاصية جاءت على حساب قانون التناسب الخاص، لكنها لا تتعارض مع صفة القانون العام، فهي ليست فوضوية، بل تخضع لحسابات ثابتة. وهي من هذه الجهة تخضع للتناسب بالمعنى الاحصائي، كما انها لا تتعارض مع مبدأ السببية العامة.

لا يُنكر ان هناك نظريات فيزيائية وظفت الدلالة السابقة للتذبذب الجسيمي والتحلل الاشعاعي باتجاه نفي السببية العامة. فقد اخذ الفيزيائيون مدة يعتقدون بان للفراغ طبيعة تأرجحية تجعله منتجاً لجسيمات تقديرية او وهمية وفقاً للمعنى القوي لمبدأ عدم اليقين، حيث يكون مسؤولاً عن خلق الجسيمات وافنائها تلقائياً من دون سبب، وذلك على شاكلة ما يحصل لدى العناصر الثقيلة من تحلل ذاتي. لكن ظهر فيما بعد ان الفراغ ليس بفارغ، بل هو مشحون بطاقة داكنة ومتفجرة رغم انها غير مرئية، وهي تشكل ما يقارب ثلاثة ارباع ما لدى الكون، ويُعزى اليها علة خلق تلك الجسيمات، الامر الذي يدعم فكرة السببية من دون معارضة.

ونشير الى ان من الخطأ قياس تأرجحات الفراغ على التحلل الذاتي للعناصر المشعة الثقيلة. فهذه الاخيرة ليست المصدر الاساسي للطاقة ليقاس عليها تلك التأرجحات المنتجة للطاقة والجسيمات ذاتياً، فهي تقع في اخر سلسلة التطور الكوني للعناصر، بل وحتى لو كانت الاولى في هذه القائمة، كالهايدروجين مثلاً، فانها تظل مسبوقة بالطاقة والجسيمات الحرة قبل ان تتجمع لتؤلف ما يعرف بالذرات والجزيئات والعناصر.

وبلا شك ان موضوع التحلل الذاتي للعناصر الثقيلة قد تم توظيفه ليس فقط فيما يخص دعم المعنى القوي للنشاط الجسيمي، بل كذلك للتأكيد على ان الكون يمتلك ميكانيزما مغلقة للتشغيل دون حاجة للاسباب الخارجية، فلهب النار يتصاعد بلا حاجة للنفخ. ويبقى الخلق والإحداث صفة ذاتية لهذا الكون المغلق، وان قانون الاحتمال وعدم اليقين هو ايضاً من صفاته الذاتية، وبالتالي لا شيء يبعث على افتراض ما هو خارج هذه الميكانيزما المغلقة.. وهو الموضوع الذي سنناقشه في بحث مستقل إن شاء الله..

 

مفكر وباحث عراقي

ibrahim telbasilkhaعندما نطالع مؤلفات زكى نجيب محمود لا نجد اختلافا كبيرا بين مواقفه الفكرية ومواقف فلاسفة التحليل اللغوى المعاصرين أمثال مور ورسل وفتجنشتين، وفلاسفة الوضعية المنطقية أمثال مورتس شليك وآير وكارناب وغيرهم . نجده يدور مدارهم جميعا من حيث إنه يتبنى منهجهم التحليلى، ويعالج القضايا التى يتعرض لها بنفس طريقتهم، وينزع منزعا متعصبا ضد الميتافيزيقا ومنحازا مع العلم، ويهاجم الفلسفة التقليدية، ويدعو إلى الفلسفة العلمية، ويدافع عن التحليل المنطقى فى مجال التفكير العلمى بالذات، ويطالب الفلاسفة بضرورة التزام الدقة البالغة فى استخدام الألفاظ والعبارات، التزاما يقربهم من العلماء فى دقة استخدامهم للمصطلحات العلمية، وأن يكون عملهم هو توضيح الأفكار توضيحا منطقيا .... الخ .

ولقد أعلن زكى نجيب محمود نفسه عن تأثره بفلسفة الوضعية المنطقية وذلك فى مستهل الفصل الرابع من كتابه "قصة عقل" حيث أعلن أنه تبنى اتجاها فلسفيا معاصرا هو "الوضعية المنطقية" فى سنة 1946 عندما قرأ كتاب آير الذى يلخص فيه "الوضعية المنطقية" وعنوانه "اللغة والصدق والمنطق " وما أن انتهى من قراءته حتى أحس بقوة أنه قد خلق لهذه الوجهة من النظر(1) .

وبالنسبة لموقفه من الميتافيزيقا نجده فى كتابه "موقف من الميتافيزيقا " يحدد الميتافيزيقا بأنها البحث فى أشياء لا تقع تحت الحس، لا فعلا ولا إمكانا، لأنها أشياء بحكم تعريفها لا يمكن أن تدرك بحاسة من الحواس ....(2) ويميز زكى نجيب محمود بين نوعين من الميتافيزيقا: ميتافيزيقا تأملية وميتافيزيقا نقدية، ويعلن رفضه للميتافيزيقا التأملية ويطالب بحذفها من دائرة الكلام المفهوم، ويعلن قبوله للميتافيزيقا النقدية لأنها نافعة ومفيدة فى دراسة قضايا العلوم .

 

أولا: الميتافيزيقا المرفوضة "التأملية":

يرى زكى نجيب محمود أن أتباع الميتافيزيقا التأملية يقولون إن الكون بكائناته الحية والجامدة بشموسه وأقماره ونجومه وهوائه ومائه ... الخ هو الذى يجب رده إلى أصله الأول البعيد، ويمثل لهذا الاتجاه بالفيلسوف الألمانى هيجل .

والفلسفة التقليدية فى جملتها "تأملا" أما الفلسفة المعاصرة فى جملتها "تحليل" وبين الفلسفة التأملية والفلسفة التحليلية اختلاف واضح:

أولا:- تدعى الفلسفة التقليدية أنها تكشف عن الحق فيما يتصل بالكون باعتباره كلا واحدا، وأما الفلسفة التحليلية المعاصرة فتبرأ من الإدعاء بأنها تكشف عن حقائق الكون صغر أو كبر، لأنها تعلم أن ذلك من شأن العلماء وحدهم بما لديهم من وسائل تعينهم على المشاهدة وإجراء التجارب، كل علم فيما يخصه من جوانب الكون وأجزائه . ولا يزعم الفيلسوف المعاصر لنفسه شيئا سوى أنه يتناول العبارات التى يقولها العلماء أو عامة الناس فيوضح غمضها ويبرز عناصرها .

ثانيا:- تحاول الفلسفة التأملية التقليدية أن تواجه عالم الأشياء وجها لوجه، وما ألفاظ اللغة وعباراتها إلا أدواتها الثانوية للتعبير عما قد تصل إليه من حقيقة، بل كثيرا ما تدعى أن ألفاظ اللغة وعباراتها قاصرة لا تنهض بالتعبير عن الحقيقة التى وصلت إليها "التأملات" الفلسفية تعبيرا كاملا شاملا . وأما الفلسفة التحليلية المعاصرة، فتدور كلها حول ألفاظ اللغة وعباراتها اعتبارا منها بأن مهمتها الوحيدة التى لا مهمة سواها، هى أن تطمئن إلى وضوح ما ينطق به الناس، علماؤهم وعامتهم على السواء، وأما الحقيقة الشيئية فموكولة إلى رجال العلوم على اختلافهم .(3)

ولذلك يوجه زكى نجيب محمود نقدا حادا إلى الفلسفة التأملية، فهى – فى رأيه - لا تستند فى تأملها على المشاهدة والتجربة بخلاف العلم الذى يردك إلى أشياء الطبيعة المحسوسة .. فالفيلسوف التأملى – مثل الشاعر وعلى خلاف العالم – يقول كلاما مرجع الصدق فيه إلى ما يدور فى نفس المتكلم، لا ما يحدث على مسرح الطبيعة الخارجية من حوادث . وهنا يضع زكى نجيب محمود أصابعه على فرق هام بين أقوال الفلاسفة وأقوال العلماء، فبينما الفلاسفة "فلاسفة التأمل" ينصرفون إلى بواطن نفوسهم ليقولوا ما يقولونه، يتجه العلماء إلى خارج نفوسهم إلى حيث الطبيعة وظواهرها ليقرروا عنها ما يقررون من قوانين .

والعلماء عندما يصفون العالم الواقع الحقيقى فإنهم يعتمدون فى ذلك على ما شاهدوه أو اجروا عليه التجارب، أما الفلاسفة فهم – على خلاف ذلك – يصفون العالم قياسا على ما رأوه فى أنفسهم. فلئن كان منهج العلماء استقراء يتقصى الأمثلة الجزئية ليخلص منها إلى قانون عام يصف ظاهرة بعينها، فمنهج الفلاسفة التأمليين "تمثيل " أى تشبيه العالم بالإنسان ثم الحكم على العالم بما نحكم به على الإنسان .(4)

ولهذا نجد أن الفلسفة التأملية أو الميتافيزيقية قد تعثرت الخطى .. فمشكلاتها الفلسفية المزعومة إنما نشأت من طريقة استعمال الفلاسفة " للألفاظ والعبارات " إذ تراهم يستخدمون الألفاظ والعبارات على نحو يختلف عن الطريقة التى اتفق الناس فيما بينهم – اتفاقا مفهوما بالعرف – على أن يستخدموا بها تلك الرموز اللغوية . وبذلك تنشأ عبارات ليست بذات معنى مفهوم، وقد لا يظهر فيها هذا الجانب إلا بعد تحليل، فتؤخذ عند فلاسفة الميتافيزيقا على أنها "مشكلات" تستدعى التفكير والتأمل، وتنتظر الحل والجواب، والحق أنها أخلاط من رموز لا تدل على شئ البته، فإذا استوجبت منا شيئا فهو حذفها حذفا من قائمة الكلام المقبول .(5)

فليس على الفيلسوف الميتافيزيقى من بأس فى أن يقول – مثلا – إن "الروح عنصر بسيط" كما يقول زميله العالم إن "الذهب عنصر بسيط"، لكن زميله العالم حين يقول ذلك عن الذهب فإنما يقوله وأنابيب المعامل تحت يديه، وهناك قطعة الذهب، فيظل يحاورها بتجاربه أمام المشاهدين، حتى لا يجد أحدا بدا من التسليم بأن قطعة الذهب ستظل ذهبا ولا تحلل إلى عناصر أخرى، وبهذا يكون الذهب عنصرا بسيطا . وبهذا أيضا يتحدد معنى كلمتى "عنصر بسيط" وهو ألا يكون الشىء قابلا للتحليل إلى أجزاء مختلفة الخصائص .

أما الفيلسوف حين يقول القول نفسه عن "الروح" فهو يستحل لنفسه ألا يتقيد بهذه الضوابط والمراجعات، فلا أنابيب هناك ولا معامل ولا "روح" بين أصابعه . إنه نطق بصوت زاعما أنه رمز يرمز إلى شئ بين الأشياء، ثم زعم أن ذلك الشىء المرموز له من صفاته أنه يتحلل إلى أجزاء مختلفة بل مهما حللته وجدت أجزاء متشابهة بعضها مع بعض . لكن ماذا حلل فيلسوفنا إذا فوجده متشابه الأشياء ؟ أين المسمى الذى أطلق عليه اسم "روح" ثم راح يزعم له الصفات وبهذا فإن عبارة "الروح عنصر بسيط" عبارة فارغة من المعنى لأن فيها رمزا لا يشير إلى مرموز له بين عالم الأشياء .(6)

المشكلات الميتافيزيقية إذن تنشأ من استخدام رموز ليس لها مدلولات فى عالم الواقع، وبالتالى لا يجوز فيها البحث واختلاف الرأى، فهى كلام فارغ لا يرسم صورة ولا يحمل معنى ولذا يجب طرحها بحيث لا يبقى بعد ذلك فى دائرة العلم إلا العلوم الطبيعية والرياضية .

ولتوضيح ذلك يفرق زكى نجيب محمود بين نوعين من الكلام: كلام يراد به وصف عالم الأشياء وما فيه من أحداث، وكلام آخر ينصرف به قائله إلى داخل نفسه لا إلى خارجها . فالكلام إما أن نستخدمه أداة لتصوير ما هو كائن فى عالم الأشياء "وهذه لغة العلوم وما يجرى مجراها " وإما أن نستخدمه أداة للتعبير عما تختلج به نفس الإنسان من الداخل "وهذه لغة الفنون وما يحرى مجراها ولا ثالث لهذين الطرفين " .(7)

لكن إلى أى ناحية يتجه الفيلسوف الميتافيزقى بعباراته ؟ هل يريد أن يصف بها ما هو خارج نفسه، أو يريد أن يعبر عما يدور داخل نفسه من مشاعر ؟ يرى زكى نجيب محمود أنه لا يمكن أن تكون الأولى لأن الفيلسوف الميتافيزيقى يتحدث عن أشياء ليست هى بين ما يقع عليه حواسنا من أشياء . يحدثنا – مثلا – عن "العدم" وكل ما فى الدنيا " موجودات " ليس فيها " عدم " ويحدثنا عن " المطلق " من قيود الزمان، ويحدثنا عن " الخير " وعن "الجمال " وكل ما فى الدنيا ليس بين عناصرها الكيماوية أو الفيزيقية عنصر يسمى " خيرًا أو جمالاً " . هكذا يحدثنا الفيلسوف الميتافيزيقى عما ليس فى الطبيعة أى لا يحدثنا عما هو خارج نفسه.

إذن فهل يحدثنا عما يدور داخل نفسه من مشاعر وأحاسيس، لو قال ذلك فله ما شاء لكن لا يجوز أن يصف أقواله بالصواب لأنه لا صواب فى التعبير الذاتى، وإنما يكون الصواب صفة تصف الكلام حين يصور شيئا خارجها . ويكون معناه عندئذ أن الصورة الكلامية تطابق الأصل الخارجى . غير أن الفيلسوف الميتافيزيقى لا يقنع بأن يكون كلامه تعبيرا عما يجيش به نفسه هو، بل أنه صورة وصفية للعالم الواقع خارج نفسه، ومع أنه يعترف لك فى الوقت نفسه أنه لا يسوق الكلام معتمدا على خبرته الحسية، ويقول بأنه يركن فى ذلك على عيانه العقلى، هكذا يتذبذب فيلسوف ما راء الطبيعة بين الخارج والداخل (8) .

وهنا يتبنى زكى نجيب محمود موقف المذهب التجريبى العلمى فى الفلسفة فيؤكد أن القائل إذا عجز عن أن يشير لنا إلى كائنات حسية هى التى تنصرف إليها عبارته التى نطق بها، كانت عبارته هذه ليست باطلة فحسب، بل خالية من المعنى، إذ أن المعنى " هو بعينه الخبرات الحسية التى يرمز إليها الكلام الذى نزعم له ذلك المعنى " (9) .

فلقد تبين لرواد التحليل فى الفلسفة الحديثة عندما تناولوا بالتحليل مشكلات الفلسفة التقليدية أنه لا إشكال على الإطلاق، وأن الأمر كله غموض فى لغة الفلاسفة، هو الذى خيل لهم أنهم إزاء مشكلات تريد الحل ولا حل هناك، فهل النفس خالدة أم فانية ؟ هل يكون هذا العالم المحسوس قائما وحده أم أن وراءه عالما عقليا آخر؟ هل الموجود الحقيقى هو الأفراد الجزئية أم الحقائق الكلية التى تعبر عن نفسها فى تلك الأفراد ؟، وهكذا من أمثال هذه الأسئلة التى لم يزل الفلاسفة التأمليون يلقونها ويحاولون الجواب ولا جواب، فيتناول فيلسوف التحليل هذه العبارات نفسها ليفض مغالقها اللفظية وإذا هى فارغة لا تنطوى على شئ، وإذا هذه المشكلات المزعومة الموهومة تذوب ثم تتبخر فى الهواء وتختفى.(10)

ولهذا يطالب زكى نجيب محمود بضرورة الكف عن النظر إلى ما وراء الحس لأن الكلام فى هذه الحالة سيخلو من المعنى . إذ يبين لنا التحليل المنطقى للعبارات التى نقولها عند النظر إلى ما وراء الحس أنها أشباه عبارات تخدع بتركيبها النحوى السليم، لكنها فى حقيقة أمرها لا تؤدى مهمة الكلام وهى الإخبار لأنها لا تحمل معنى على الإطلاق تخبر به .

ولهذا أيضا يفرق زكى نجيب محمود بين الجملة العلمية والجملة الميتافيزيقية: الجملة العلمية تكون ذات معنى ويمكن تحقيقها عن طريق ما تدل عليه من خبرات، أما الجملة الميتافيزيقية فهى بغير معنى . ويقول إنه لا يرفض العبارات الميتافيزيقية على أساس أنها تقيم مشكلات لا يمكن حلها مادامت خارجة عن حدود الخبرة، بل يرفضها لأنها عبارات بغير معنى، ذلك لأنه من التناقض أن يقال عن مشكلة أنها مستحيلة الحل بحكم طبيعتها، لأن ما هو مستحيل الحل على هذا النحو لا يكون مشكلة حقيقية . حقا قد تكون المشكلة القائمة مستحيلة الحل استحالة عملية، أى أنه قد لا يكون لدى الإنسان فى ظروفه الراهنة وسائل حلها، ولكن هذه الوسائل قد تتوافر له غدا أو بعد غد، فعندئذ تكون المشكلة حقيقية . أما تلك التى يقال عنها بحكم الفرض أنها مستحيلة الحل استحالة منطقية، فمشكلة زائفة أى ليست مشكلة على الإطلاق، والمشاكل الميتافيزيقية هى من هذا القبيل .(11)

رفض زكى نجيب محمود إذن للمشكلات الميتافيزيقة ليس لصعوبة حلها، بل لأنها مشكلات زائفة، فهى بمثابة أسئلة يستحيل منطقيا أن يكون لها جواب، وشرط السؤال بحكم منطق اللغة نفسها أن يكون جوابه ممكنا لو توافرت للإنسان الظروف التى تمكنه من الجواب أما أن تسأل السؤال وتفرض فى الوقت نفسه أن الإجابة عنه غير ممكنة، فلا يجوز عندئذ أن تعلل عدم الإجابة عنه بصعوبة أو بعدم قدرة الإنسان وقصور معرفته . بل حقيقة الموقف عندئذ هى أن السؤال لم يكن سؤالا حقيقيا وإن اتخذ الصياغة النحوية للسؤال .(12)

ولهذا فلا تجن ولا إسراف من رجال العلم، حين يهاجمون الفلسفة قائلين: إنها حين تبحث فى مشكلات مثل وجود الله وخلود الروح وحرية الإرادة، فإنما تنسج نظرياتها من رؤوس الفلاسفة نسجا لا تستند فيه إلى تجربة . ولذلك كانت الفلسفة راكدة لا تخطو كما تخطو العلوم، فلا تزال تناقش اليوم المشكلات نفسها التى ناقشها اليونان الأقدمون، أما العلم فغير ذلك إذا هو يبنى على ما قاله السابقون ثم يمضى .(13)

وخلاصة هذا القول: إن الميتافيزيقا المرفوضة عند زكى نجيب محمود هى الميتافيزيقا التأملية أو الفلسفة التقليدية بنزعتها التأملية، ورفضه لها يرجع إلى عدة أسباب من أهمها:-

1- أنها تجاوز مجرد إقامة البناء لتزعم أنها تصور الكون كما هو موجود بالفعل، وهنا يكون موضوع الخطأ، الذى يشبه الخطأ الذى تقع فيه الخرافة حين يعلل الناس حدثا بغير علته فيقولون – مثلا – إن مرض المريض علته حين سكن الجسد المرض، أو موت المسافر علته نعيق الغراب فوق سطح الدار ليلة السفر، وهذا الزعم من الميتافيزيقا التأملية هو وحده الذى يرفضه زكى نجيب محمود، ويصفه بالخرافة .

2- أن عبارات الميتافيزيقا التأملية – بحكم طبيعة الموضوع – تشتمل دائما على حدود لا يكون لها معنى إلا فى مجالها، فإذا قلنا عن أنواع الجملة إنها ثلاثة من ناحية كونها صادقة حتما أو باطلة حتما أو أنها مما يحتمل الصدق والكذب، وجدنا الجملة الميتافيزيقية لا تندرج تحت أى قسم من هذه الأقسام .

والجملة الصادقة حتما هى تكرار المفهوم الواحد مرتين فى صورتين مختلفين، إحداهما تحلل مضمون الأخرى كأن تقول 2+2=4 . والجملة الباطلة حتما هى التى ينقض شطرها الثانى شطرها الأول كأن تقول إن المثلث لا تحيط به ثلاثة أضلاع . والجملة التى تحتمل الصدق والكذب هى الجملة التجريبية . أما الجملة المتافيزيقية فهى لا تندرج تحت أى صنف من هذه الأصناف الثلاثة ومن ثم فهى جملة خالية من المعنى .(14)

 

ثانيا: الميتافيزيقا المقبولة " النقدية "

الميتافيزيقا المقبولة عند زكى نجيب محمود هى الميتافيزيقا النقدية، وهذا الضرب من الميتافيزيقا سديد ونافع ومقبول، لأن هذه الميتافيزيقا توجه جهودها التحليلية نحو العلوم ونتائجها لترى متى تعوج، ومتى تستقيم، وهل هى يقينية الصدق أو أنها لا تزيد فى صدقها على درجة من درجات الاحتمال .

أنصار هذه الميتافيزيقا يوجهون بحثهم نحو الأفكار لا نحو الأشياء، فيسألون عن الأفكار العلمية ما أصولها الأولى ؟ فكيف نشأ العلم الرياضى، وكيف نشأت العلوم الطبيعية وكيف نشأت النظم المختلفة؟. وليس السؤال هنا سؤال عن النشأة التاريخية متى كانت، بل هو سؤال عن النشأة المنطقية، كيف تأتى للعقل الإنسانى أن يفرز علما رياضيا وعلما طبيعيا وهكذا؟ ويمثل لهذا الاتجاه بالفيلسوف الألمانى كانط .(15)

الميتافيزيقا النقدية إذن عبارة عن محاولة لتحليل قضايا العلوم تحليلا منطقيا يردها إلى جذورها الأولى ردا يتبين منه مدى مشروعية التركيب اللفظى الذى صيغة فيه قضية علمية معينة: أهو متسق الأجزاء بعضها مع بعض، أم هو منطو على تناقض مستتر؟ أهو تركيب فى طبيعة ما يمكن الباحث من المقابلة بينه وبين ما يشير إليه من حقائق العالم الواقع، أم هو مشتمل على مفردات لغوية رابطة بين المفردات تجعل التحقق من الصواب أو الخطأ أمرا محالا؟.

ويرى زكى نجيب محمود أننا لو أخذنا بوجهة النظر التى تجعل الميتافيزيقا تحليلا منطقيا لقضايا العلوم انتهينا إلى فكرة رائعة بالنسبة إلى الفلسفة وطبيعة عملها، إذ يتضح لنا فى جلاء أن الفلسفة ليست مطالبة بأن يكون لها قضايا خاصة بها، ولا هى مستطيعة ذلك حتى إذا أرادته لنفسها لأن العلوم المختلفة – كل فى ميدانه – هى وحدها المؤهلة بمناهجها للوصول إلى حقائق الكون والإنسان . وحسب الفلسفة – إذن – أن تسير وراء العلوم تتعقب أقوالها لتصب عليها ضوء التحليل المنطقى فتكشف ما قد يكون فيها من خلل يستدعى من العلماء إعادة النظر.(16)

وهكذا انحاز زكى نجيب محمود للعلم على حساب الفلسفة، فهو يستبدل بالميتافيزيقا التأملية الميتافيزيقا النقدية أو العلمية، ويمكن إبراز هذا الموقف عنده من خلال تتبع آرائه حول الوظيفة التى يجب أن تلتزم بها الفلسفة .

يصرح زكى نجيب محمود بأن الفلسفة تحسن صنعا لو عرفت على وجه التحديد والدقة أن مجالها هو التحليل، والتحليل وحده فذلك يحقق لها الصفة العلمية . بل لابد من أن تكون الفلسفة تحليلا صرفا، تحليلا لقضايا العلم بصفة خاصة حتى تضمن لها أن تساير العلم فى قضاياه، وأن تفيد فى توضيح غوامض تلك القضايا .(17)

فإذا أرادت الفلسفة، أن تظل قائمة بين وجوه النشاط الإنسانى بحيث تؤدى عملا يساعد على تقديم الفكر فى شتى ميادينه، فلا مندوحة لها عن قصر نفسها على التحليل وحده – تحليل ما يقوله غير الفلاسفة من الناس – فالقول لسواهم، وعليهم التوضيح . ولذلك يقول زكى نجيب محمود مع فتجنشتين: إن "موضوع الفلسفة هو توضيح الأفكار توضيحا منطقيا " .(18)

فالمهمة الأساسية للفلسفة هى تحليل الألفاظ والقضايا التى يستخدمها العلماء والتى يقولها الناس فى حياتهم اليومية . فليس من شأن الفيلسوف أن يقول للناس خبرا جديدا عن العالم، ليس من مهمته أن يحكم على الأشياء لأن هذا الحكم يقوم به فريق آخر من العلماء، كل فى عمله الذى اختص به فعالم الطبيعة أولى منه بالتحدث عن قوانين الطبيعة، وعالم النفس أولى منه بالتحدث عن قوانين السلوك وهكذا . بل مهمة الفيلسوف هى أن يحلل المعانى ويوضحها .(19)

لا ضير عند زكى نجيب محمود إذن من الإبقاء على الفلسفة على شرط ألا تتجاوز دائرة التحليل لما يقوله الناس فى شتى نواحى التفكير ... " إذا أريد للفلسفة بقاء، وجب أن تحصر نفسها فى مهمتها الحقيقية الممكنة النافعة ألا وهى التحليل المنطقى للألفاظ والعبارات" (20)

وهكذا نلاحظ أن الفلسفة التى يتبناها زكى نجيب محمود ويدافع عنها فى معظم مؤلفاته هى الفلسفة التى تكون على غرار العلم، تكون شبيهة بالعلم، هى الفلسفة العلمية، .. وهو لا يريد بالفلسفة العلمية أن تشارك العلماء فى أبحاثهم، فتبحث فى الضوء والكهرباء كما يبحثون ولا يريد أن تبحث فى الحياة وفى الإنسان كما يبحثون . فلهم وحدهم أدوات البحث فى الأشياء والكائنات وليس لنا إلا ما يقولونه عن تلك الأشياء والكائنات من عبارات ومما يصوغونه عنها من قوانين . فإذا حصرنا اهتمامنا لا فى إضافة عبارات إلى عباراتهم، أو فى صياغة قوانين غير قوانينهم بل فى عباراتهم نفسها وقوانينهم نفسها، نحللها من حيث هى تركيبات من رموز لنرى إن كانت تنطوى أو لا تنطوى على فرض أو مبدأ فنخرجه لعل إخراجه من الكمون إلى العلن يزيد الأمر وضوحا، إذا حصرنا اهتمامنا فى ذلك كانت الفلسفة علمية بالمعنى الذى يريده زكى نجيب محمود .(21)

ليس المقصود بالفلسفة العلمية عنده إذن مشاركة العلماء فى أبحاثهم، بل هى علمية لأنها تعنى أول ما تعنى بتحليل قضايا العلوم، يقول: " إننا نريد للفلسفة أن تكون شبيهة بالعلم، لكننا لا نريد أن نقرن الفلسفة بالعلم بالمعنى الذى يجعل الفلاسفة يشاركون العلماء فى موضوعا بحثهم، فيبحثون فى الفلك، وفى الطبيعة مع علماء الطبيعة، وفى تطور الأحياء مع علماء البيولوجيا وهكذا . بل إننا – على نقيض ذلك – نحرم على الفيلسوف باعتباره فيلسوفا أن يتصدى للحديث عن العالم حديثا إخباريا بأى وجه من الوجوه لأنه لا يملك أدوات البحث التى تمكنه من ذلك . فليس هو منوطا بالملاحظة وإجراء التجارب حتى ينتهى بها إلى أحكام إخبارية عن العالم . ونأخذ على الفلاسفة التأمليين أن ورطوا أنفسهم فيما ليس من شأنهم، إذ كانوا يظنون أن الفكر الخالص وحده فى وسعه أن يصف الوجود الخارجى مع أن ذلك محال ..."(22)

لا ينبغى على الفلاسفة أن يورطوا أنفسهم فيما لا شأن لهم به من شئون العلم، بل يجب أن يلتزموا الدقة البالغة فى استخدامهم للمصطلحات العلمية . فإذا كان العالم يحدد على وجه الدقة ما يريده حين يقول " جاذبية " و" ضوء " و" صوت" ... الخ، فكذلك ينبغى للفيلسوف أن يكون بهذه الأمانة نفسها وبهذه الدقة نفسها فى استخدامه لألفاظه الأساسية الهامة، فلا يقول – مثلا – كلمة "نفس" أو كلمة " عقل " أو كلمة " خير " ... الخ إلا وهو على أتم العلم بحدود معناها .(23)

ومن أهم المبادئ التى ينبغى أن تقوم عليها الفلسفة العلمية: تحديد ألفاظها تحديدا لا يدع أمامها كلمة بغير مسمى مما يمكن تعقبه بالحواس، وأن تحصر بحثها فى مشكلات جزئية محددة . فبدلا من أن يحاول الفيلسوف مستحيلا ببحثه عن " مبدأ " يضم الكون كله بما فيه ومن فيه يقنع بالبحث فى مفهوم واحد من مفاهيم العلم كمفهوم " السببية " – مثلا – يتعاون فى تحليله مع زملائه الفلاسفة كما يتعاون العلماء فى المعمل على تحليل مادة من موادهم. وبهذا يستفيد بعضهم من بعض ويكمل بعضهم بعضا وتنمو المعرفة الفلسفية عن الموضوع الواحد نموا تدريجيا يجعل آخره أقرب إلى الصواب من أوله .(24)

والخلاصة: أن الفلسفة بالمعنى المحدد الذى يريده لها زكى نجيب محمود هو ألا تورط نفسها فى مجالات العلوم الخاصة، بل تجعل مهمتها تحليلا منطقيا للمدركات العلمية والقضايا العلمية . وبهذا تصبح الفلسفة فلسفة للعلم، أى تصبح منطقا للعلم أو تحليلا له، وهدفها هو التوضيح لا الإضافة الجديدة، فليس هناك عالم إلا عالم الواقع، وليس لأحد أن يتحدث عن العالم حديثا موضوعيا إلا رجال العلوم المختلفة . وللفلسفة أن تجئ بعد ذلك فتحلل وتوضح، للعلم أن يقرر وللفلسفة أن توضح له ما يقرره، والخير كل الخير أن يجئ التوضيح نفسه على أيدى العلماء أنفسهم، لأنهم مشربون بمواد علومهم، ولكنهم إذا ما فعلوا فلن يكونوا عندئذ علماء، بل يصبحون فلاسفة لعلومهم التى يتناولونها بالتوضيح والتحليل .(25)

وهكذا نلاحظ أن زكى نجيب محمود فى رفضه للميتافيزيقا التأملية وتبنيه للميتافيزيقا النقدية وكما هو واضح من دفاعه عن الفلسفة العلمية، يتفق مع تقسيم كانط للميتافيزيقا إلى نوعين: ميتافيزيقا العقل التأملى وميتافيزيقا العقل العملى وذلك فى بعض الجوانب وإن كانا يختلفان فى جوانب أخرى .

ولقد أشار زكى نجيب محمود نفسه إلى ذلك، حيث ذهب فى كتابه " موقف من الميتافيزيقا " إلى أن الميتافيزيقا عند كانط لها معنيان، وهى عنده مستحيلة بأحد هذين المعنيين، لكنها ممكنة بالمعنى الآخر، هى مستحيلة على العقل النظرى العلمى إذا أريد بها البحث فيما هو فوق تناول التجربة البشرية وهى ممكنة إذا أريد بها تحليل القضايا العلمية تحليلا ينتهى بنا إلى إبراز الفروض التى تستقر إليها تلك القضايا .

وقد بدأ كانط بالاعتراف بمعنى واحد وهو المعنى الأول إذ كانت لفظة " الميتافيزيقا " عنده بادئ ذى بدء تعنى " مجموعة الأحكام الفلسفية كلها فيما عدا الأحكام المنطقية " . وذلك بعبارة أخرى معناها كل الأحكام التى لا تبنى على الحدس التجريبى أو الحدس الرياضى . لكن كانط بعد خوضه فى تحليل الأحكام العلمية رياضية وطبيعية انتهى إلى المعنى الثانى، فأصبحت الميتافيزيقا بمعناها المجدى من الناحية العلمية هى مجرد تحليل القضايا العلمية.

غير أن موقف زكى نجيب محمود إزاء كانط هو رفضه للمعنى الأول على أساس أن الميتافيزيقا عندئذ تكون فوق مستطاع العقل الإنسانى، بل على أساس أن أقوالها تكون فارغة من المعنى وتأباها قواعد تكوين اللغة ذاتها، وقبوله للمعنى الثانى .(26)

إذن الميتافيزيقا التى يرفضها كانط يرفضها على أساس أن العقل النظرى له حدود لا يستطيع مجاوزتها فهو محكوم عليه بحكم طبيعته نفسها ألا يستطيع الإجابة عنها لأنها تجاوز حدود قدرته كلها . ولهذا فإن استحالة الميتافيزيقا هنا هى حقيقة نفسية بمعنى أنه لو كان الإنسان على غير ما هو عليه فى إدراكه للأشياء لأمكن ألا تكون المعرفة الميتافيزيقية مستحيلة . أما زكى نجيب محمود فهو يرفض الميتافيزيقا لأن أقوالها فارغة من المعنى فهى تستخدم ألفاظًا للغة فى غير مواضعها الصحيحة، ولهذا فإن استحالة الميتافيزيقا هنا هى استحالة منطقية بالدرجة الأولى، وهذا هو بعينه موقف الوضعية المنطقية .

وبهذا نكون قد أوجزنا الكلام فى موقف زكى نجيب محمود من الميتافيزيقا، لكن يجب علينا قبل أن نختم الحديث فى هذا الموضوع أن نذكر نقطة أخرى قد يكون لها أهميتها فى هذا الصدد، وهى أن موقف زكى نجيب محمود من الميتافيزيقا والذى عرضه لنا خاصة فى كتابه " خرافة الميتافيزيقا " فى طبعته الأولى، قد أحدث موجات هجوم وانتقادات لاذعة ضده .

ولعل أشد هذه الانتقادات تطرفا ذلك الانتقاد الذى اتهمه بأنه خارج على الدين، واتهامه كذلك بأنه قد تنكر للأخلاق نفسها . ولذلك أصدر زكى نجيب محمود بعد ما يقرب من عشر سنوات طبعة ثانية لنفس الكتاب بعنوان جديد هو " موقف من الميتافيزيقا". ويتضمن الكتاب فى طبعته الجديدة مقدمة جديدة يدافع فيها عن إيمانه وتمسكه بدينه، ويمكن توضيح ذلك على النحو التالى:

أولا: يذكر زكى نجيب محمود أن أبشع نقد تعرض له هو أن اختلط الأمر على الناقدين فخلطوا بين فلسفة ودين، حتى خيل له يومئذ أن بعض هؤلاء النقاد – على الأقل – لم يقرءوا من الكتاب شيئا، وهم إما أن يكونوا قد اكتفوا بقراءة عنوانه – فى طبعته الأولى " خرافة الميتافيزيقا " قائلين لأنفسهم الميتافيزيقا هى ما وراء الطبيعة، وما وراء الطبيعة هو الغيب وهو أيضا الله سبحانه وتعالى وإذن فهذه الجوانب الهامة من الإيمان خرافة عند مؤلف الكتاب .

ثانيا:- وإما أن يكون بعض هؤلاء النقاد أقل من ذلك درجة، وهم هؤلاء الذين طفقوا يرددون ما يسمعونه من غير وعى ولا دراية .

ثالثا:- وهؤلاء جميعا – فيما يرى زكى نجيب محمود – قد خلطوا بين فلسفة ودين . فالفيلسوف عندما يقيم بناءه الميتافيزيقى يضع فى بداية طريقه " مبدأ " معينا ينطلق منه معتقدا بالطبع – صواب ذلك المبدأ، وليس لديه من سند يرتكز عليه فى ذلك الاعتقاد إلا ظنه بأنه قد رأى ذلك المبدأ بحدسه رؤية مباشرة . لكن اعتقاده فى صواب مبدئه لا يمنع فيلسوفا آخر– يعتقد بدوره – أنه هو الصواب، والفيلسوف هنا مطالب بإقامة البرهان العقلى الذى يبين صواب مبدئه، وصواب النتائج التى استدلها من هذا المبدأ .

رابعا:- والذى يرفضه زكى نجيب محمود، فى ذلك ويطلق عليه صيغة " الخرافة " ليس هو أن يتخذ الفيلسوف الميتافيزيقى لنفسه ما شاء من مبدأ . ولا هو – بالطبع – النتائج التى استدلها مادام استدلاله جاء على منطق العقل، بل المرفوض هو أن يبنى الفيلسوف بناءه الفكرى فى ذهنه ثم يزعم أنه تصوير لحقيقة الكون كما هى قائمة فى الوجود الواقعى خارج الذهن .

خامسا:- يرى زكى نجيب محمود أن العقيدة الدينية أمرها مختلف كل الاختلاف لأن صاحب الرسالة الدينية لا يقول للناس: "إننى أقدم فكرة رأيتها ببصيرتى"، بل يقول لهم: "إننى أقدم رسالة أوحى بها إلى من عند ربى لأبلغها". وهنا لا يكون مدار التسليم بالرسالة برهانا عقليا على صدق الفكرة ونتائجها المستدلة منها، بل يكون مدار التسليم هو تصديق صاحب الرسالة فيما يرويه عن ربه أى أن مدار التسليم هو الإيمان .

فمن يعترض على الفيلسوف يجب عليه أن يقدم أدلته المنطقية التى تبرر اعتراضه، أما من يعترض على صاحب الرسالة الدينية فذلك ليس لأنه رأى خللا فى منطق التفكير، بل لأنه لم يصدق صاحب الرسالة وكفى . ولذا نلاحظ وجود فرق كبير جدا بين الموقف الفلسفى والموقف الدينى ولا يصح أبدا أن نقول لمن يعترض على الفيلسوف بأنك – باعتراضك هذا – بمثابة من يعترض على رسالة الدين .

سادسا:- كان من بين المواضع التى استثارت نفوس الذين وجهوا النقد إلى الطبعة الأولى من كتاب " موقف من الميتافيزيقا " ما ورد عن " القيم " من أنها معدودة بين المفاهيم الميتافيزيقية التى رفض زكى نجيب محمود أن يكون لها معنى خارج البنى الفكرية التى وردت فيها، فأخذت هؤلاء النقاد ظنون بأن فى مثل ذلك القول تنكرا للأخلاق نفسها .

ويرد زكى نجيب على هذا الاتهام فيصرح بأن حقيقة الموقف بعيد عن ظنون هؤلاء النقاد بعدا شاسعا، فليس هناك ضرب واحد من ضروب الفكر الفلسفى تنكر للقيم الأخلاقية والجمالية فى ذاتها، ولكن الأمر أمر تحليل يكشف عن طبيعتها . ويزعم أن دلالة أى لفظ يشير إلى قيمة أخلاقية أو جمالية ليست جزءا من الواقع الخارجى، ولكنها كائنة فى طوية الإنسان وتظهر عندما ينفعل ذلك الإنسان بما يراه فى مجرى الأحداث الخارجية . فالقيم الأخلاقية والجمالية هى ضرب من " الرؤية " التى توحى بها ثقافة الشخص الذى يطلق تلك القيم على المواقف، فليس الاختلاف على قيمة القيم الأخلاقية، بل الاختلاف على ماهية الموقف الذى يستحق أن تطلق عليه هذه القيمة .(27)

ومجمل القول: إن زكى نجيب محمود يرى أن مجالات: الشعر والنثر الأدبى وشتى صنوف التعبير الوجدانى على اختلافها، ومجال السحر والأساطير، كل مجال من هذه المجالات له معياره الخاص به . فللشعر الجيد معياره، ولكل جنس أدبى غير الشعر معياره وهى معايير تختلف كل الاختلاف عن معيار المنطق العقلى الذى تضبط به مناهج القول فى دنيا العلوم .

وإذا كان زكى نجيب محمود يشترط شروطا خاصة للعبارة العلمية كى تكون مقبولة على أسس منطقية تجعل لها معنى، فإنه لم يكن يريد أن يطبق تلك الشروط على قصيدة الشعر أو على قصة بناها الخيال .

 

أ.د. ابراهيم طلبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا

مصر

...................

الهوامش

1- د. زكى نجيب محمود: قصة عقل، دار الشروق 1953 ص 115 .

2- د. زكى نجيب محمود: موقف من الميتافيزيقا، دار الشروق ط3 1987 ص 110 .

3- المرجع نفسه ص 141 .

4- د. زكى نجيب محمود: نحو فلسفة علمية، مكتبة الأنجلة المصرية ص ص 2 – 3 .

5- د. زكى نجيب محمود: موقف من الميتافيزيقا ص 3 .

6- المرجع نفسه، ص ص 6 – 7 .

7- د . زكى نجيب محمود: من زاوية فلسفية، دار الشروق ط3 1982 ص ص 112 – 114 .

8- المرجع نفسه: ص ص 114 – 115 .

9- الموضع نفسه .

10- د. زكى نجيب محمود: نحو فلسفة علمية ص 11 .

11- المرجع نفسه: ص ص 70 – 71 .

12- الموضع نفسه .

13- د . زكى نجيب محمود: موقف من الميتافيزيقا ص 15 .

14- المرجع نفسه: راجع المقدمة .

15- الموضع نفسه .

16- الموضع نفسه .

17- د . زكى نجيب محمود: نحو فلسفة علمية ص16 .

18- د . زكى نجيب محمود: موقف من الميتافيزيقا ص ص 16 – 17 .

19- المرجع نفسه: ص 19 .

20- المرجع نفسه: ص 36 .

21- د . زكى نجيب محمود: نحو فلسفة علمية، المقدمة .

22- المرجع نفسه: ص 7 .

23- المرجع نفسه: ص 8 .

24- المرجع نفسه: ص 10.

25- المرجع نفسه: ص 813 .

26- د . زكى نجيب محمود: موقف من الميتافيزيقا ص ص 51 – 52 .

27- المرجع نفسه: المقدمة .

 

ibrahim telbasilkhaفلسفة العلم النسويـــة تقع بين الاهتمامـــات النسوية في العلـــم والدراسات الفلسفية للعلم، وقد تطورت في العشرين عاماً الأخيرة. ظل النسويون لوقت طويل ينظرون للعلوم على أنها مصدر رئيسي لفهم الظروف التي تؤثر على حياة النساء، واستخدموا عدداً من البرامج البحثية عالية الإنتاجية، خاصــة في العلــوم الاجتماعيـــــة والحياتية، ومع ذلك، وفي الوقت ذاته، نظر النسويون للعلوم على أنها موضع مهم لتباين الجنوسة، ومصدر رئيسي لتشريع هذا التباين. وقام النسويون، من داخل العلوم وخارجها، بتحليلات نقدية مهمــة لموضوعــات جنوسية وجدوها متأصلة في قوانين العلم وممارساته ومحتواه . إن كل أنواع التدخلات النسوية في العلم – الاستنتاجي والنقدي – أدت لظهور أسئلة ابستمولوجية عن الأهداف الموضوعية، وإقامة البرهان ودور توجيه القيم السياقية (غير المعروفة غالباً) . (90)

و حيثما يكون العلم موضع اهتمام، فإنه من المحتمل أن يكون النسويون مشهورين بالتقييمات النقدية الحادة متعددة الطرق التي تنتج فيها القيم الجنسية والفروض في التكوينات التأسيسية، والممارسة، وبرامج البحث والمحتوى الخاص بالعلوم الدقيقة والأكثر منطقية . فغالباً ما تبدأ الانتقادات النسوية بالتدعيم بالوثائق لتباين الجنوسة في التدريب، والتمثل ومعارف النساء في العلوم، ونماذج التهميش التي لا تزال موجودة حالياً رغم استعداد عدد كبير من النساء للتدرب العملي، وكفاءتهن في تقديم إسهامات هائلة لكل مجالات البحث العلمي . وأوضحت Londa Chiebinger وهي مؤرخة نسوية للعلم، أن هذه الأنماط القديمة من الاستبعاد كانت بدون شك محتومة، فنخبة من النساء والبعض من الحرفيات في القرنيـــن السابع عشر والثامن عشر لعبن دوراً فعالاً في التأسيس الأولي للعلوم، ولكنهن كن مهمشات . ونادراً ما كانت تعتبر النساء مسئولات بالنسبة للأكاديميات والجامعات العلمية الكبرى عن علماء التدريب حتى الخمسين عاماً الأخيرة، أياً كانت مواهبهن أو إسهاماتهن، وبرغم ظهورهن المتزايد في برامج التخرج، فإنهن ظللن أقلية واضحة في أغلب المجالات . (91)

وعلى الجانب الآخر، فإن النسويين اهتموا بتوضيح التحريفات أو التشوهات المنهجية التي تظهر عندما تؤخذ الخلافات الجنوسية بجدية ولكن يتم تكوين فكرة عنها من خلال أراء شائعة تفرض بشدة مقولات استقطابية ثابتة عن ما هي النظم التي غالباً ما تكون معقدة لحد ما وشديدة التغير . والافتراضات من هذا النوع مستخدمة بشكل أكثر وضوحاً في التاريخ الطويل لدراسات الاختلاف الجنسي التي تم تخصيصها لتوضيح الاختلافات الجنوسية في الذكاء والقدرات المعرفية الأخرى، ولفصل أسسها الجينية أو الهرمونية أو البيوفيزيقية الأخرى . حتى إذا تم إدراك إمكانية الموضوعات الثقافية أو التاريخية بوضوح، فإن هناك مشاكل مماثلة تنشأ عندما يعرض الدراسون مقولات جنوسية ناتجة من خبرتهن بناء على الموضوعات الثقافية والتاريخية . إن الفروض الخاصة بسلبية النساء وخضوعهن، بعكس الأدوار الفعالة الشائعة عموماً للرجال، تســــود الأدبيات القديمــة، ونظريات مماثلة عن التطور البشري . ولقد كافح النسويون أنفسهن تأثير هذه الأفكار من الوقت الذي بدأوا فيه برامجهم البحثية . وظهر عدد من الانتقادات الذاتية في بداية الثمانينيات حيث عرض علماء الأجناس والمؤرخون أعمالهم القديمة، مستنتجين أنه، في إعادة تركيز الاهتمام على الأنشطة والخبرات المميزة للنساء، فإنهم يقبلون غالباً الفروض البارزة بخصوص الاختلافات في الجنوسة وطالبوا بضرورة إعادة تقييمها . (92)

و بوجه عام، يمكننا القول: إن العلم الغربي لم يأت أبداً عن ضربة واحدة أو كخامة متجانسة، إلا أنه كمؤسسة اجتماعية، أو طريقة لاكتساب المعرفة، اكتسى بعوائد وتوجهات معينة في استشرافه للأمور . وانعكس الوعي الذكوري في هذه المؤسسة، لأن الغالبية العظمى من العقول المسئولة عن تشييد العلم كانت ذكوراً .. لكن لا يعني ذلك عدم قدرة النساء على ممارسة العلم، فقد تركزت دوافع الكاتبات النسويات ومقاصدهن في:

1- تبيان أن النساء قادرات على ممارسة العلم .

2- إزاحة العقبات التي تعوق النساء عن الإسهامات في العلم .

3- تصحيح المعلومات الخاطئة عن بيولوجيا المرأة .

4- نقد قيم العلم وأهدافه . (93)

و تكشف نصوص النساء العالمات عن أنه لا شيئ في طبيعة المرأة الجسدية أو النفسية أو العقلية يمنعها من إسداء الصنع في العلم . وتبين أن نساء كثيرات، وليس فقط الاستثناءات كماري كوري، ساهمن في كل مستويات العلم، من المساعدات الفنيات إلى الباحثات المستقلات . ويمكننا الآن أن نرى عدداً مدهشاً من النساء العالمات على مدار تاريخ العلم، لم نكن نراهن فيما سبق، بدءاً من الفيلسوفة الطبيعيـــة فــــي القرن الخامس قبل الميلاد أريت القورينائية Arate of Cyrene، حتى عالمة الرياضيات في القرن الرابع هيباثيا السكندرية Hypatia of Alexandria، وصولاً إلى هيلدجارد من بنجن Hidegrad of Bingen فـــي القرن الثانــــي عشــر، وعالمة الكيمياء الفيزيائية في القرن العشرين روزالين فرانكلين Rosalind Franklin التي جرى التهوين من شأن إسهامها المحوري في بنية الشفرة الوراثية الـدنا (D.N.A) . والآن لدى الفتيات اللآتي يمتهن العلم مُثل عليا عديدة كي يهتدين بهن . (94)

 

2- فلسفة الأخلاق النسوية:

تطور علم الأخلاق، أو الفلسفة الأخلاقية، كمجال للبحث الفكري في الغرب لأكثر من ألفي عام بأدنى إسهام من النساء، فالأصوات النسائية كانت غائبة حقاً عن الأخلاق الغربية حتى هذا القرن، تماماً كما هو الحال في مجالات الفكر الغربي . ولقد عنى غياب الأصوات الأنثوية أن الاهتمامات الأخلاقية للرجال شغلت منذ القدم الأخلاق الغربية التقليدية، وشكلت وجهات النظر الأخلاقية للرجال مناهجها ومفاهيمها،و أصبح الانحياز الذكوري ضد النساء أمراً مالوفاً ولم يعترض عليه عبرها . والأخلاق النسوية تستكشف التأثير الهائــل لهـــذا النمــط من عدم التوازن على الفلسفة الأخلاقية وتسعى لتعديله .(95)

و تتضمن أي أخلاق نسوية التزاماً ذا شقين، أولهما نقد التحيز الذكوري حيثما وجد، والثاني تطوير أخلاق غير متحيزة ذكورياً . وهذا يتضمن أحياناً ترسيخ قيم (مثلاً قيم الرعاية، والثقة المناسبة، والقرابة والصداقة) مفقودة أو مهملة غالباً ضمن التيار الرئيسي للأخلاق .و يتضمن أحياناً الانخراط في بناء نظرية من خلال ارتياد توجهات جديدة أو تنقيح نظريات قديمة بأساليب حساسة جنسانيـــاً . والذي يجعل انتقادات لنظريات قديمـــة أو طــــرح مفاهيم جدية تتصف بـ " النسوية " هو أنها تنبثق عن تحليلات جنسية – جنسانية وتعكس كل ما تكشفه هذه التحليلات بخصوص التجربــة الجنسانية والواقع الجنساني الاجتماعي . (96)

وترى "كارين .ج . وارين " Karen . J . Warren أن " الأخلاق النسوية "تتصف بعدة خصائص منها:

أولاً: إلغاء التمييزات الجنسية والعنصرية والطبقية أو أي " نزعة تمييزية " أخرى من نزعات الهيمنة الاجتماعية .

ثانياً: الأخلاق النسوية سياقية . والأخلاق السياقية هي تلك التي ترى الخطاب والممارسة الأخلاقيين ناجمين عن أصوات الناس الموجودين في ظروف تاريخية مختلفة . وعندما تكون الأخلاق السياقية نسوية تولى مكانة محورية لأصوات النساء .

ثالثاً: بما أن الأخلاق النسوية تولي أهمية محورية لتنوع أصوات النساء، فينبغي عليها أن تكون تعددية بنيوياً وليس واحدية أو اختزالية . إنها ترفض الافتراض المسبق لوجود " صوت واحد " يمكن بواسطته تعيين القيم الأخلاقيــــة والاعتقــادات والمواقف والسلوك .

رابعاً: الأخــلاق النسوية سياقية وتعددية بنيوياً، " وقيد التشكل " وهي تتغير عبر الزمن .

خامساً: تنوع أصوات النساء مشروع في بناء النظرية الأخلاقية .

سادساً: لا تقــوم الأخــــلاق النسوية بــأي محاولة لتقديم وجهة نظر " موضوعية " ذلك لأنها تفترض أن في الثقافة المعاصرة ليس ثمة في الواقع مثل وجهة النظر هذه .وكذلك هى تدعى" عدم التحيز " بمعنى " الموضوعية "

أو " الحياد القيمي " لكنها تفترض أنها مهما احتوت من تحيز لكونها أخلاق تمركز أصوات أشخاص مضطهدين فهو تحيز أفضل من تلك التي تستبعد تلك الأصوات .

سابعاً: توفر الأخلاق النسوية مكانة محورية لقيم كانت نمطياً غير ملحوظة، أو مهملة أو محرفة في الأخلاق التقليدية، مثل ذلك قيم الرعاية والحب والصداقة والثقة الملائمة .

ثامناً: تتضمن الأخلاق النسوية إعادة فهم ماهية البشر والهدف الذي من أجله ينخرطون في اتخاذ القرار الأخلاقي . (97)

وعليه، فإن الأخلاق النسوية تنتقد التحيز الذكوري حيثما وجد في الأخلاق .. وهي، مثل المجالات الأخرى للفكر النسوي، مرسخة في الالتزام بإنهاء الظلم، والتبعية، وإساءة المعاملة والاستغلال للنساء أياً كانت النتائج . ففي نهاية الستينيات، عندما بدأت الأخلاق النسوية، فإنها تكونت أساساً من تطبيق مصادر الفلسفة الأخلاقية التقليدية على نظام المسائل الأخلاقية التي أعلنت بواسطة الحركات النسائية ثم الناشئة في كثير من المجتمعات الغربية . وهذه المسائل، مثــل التمييز الاقتصادي ضد النســاء، الأدوار الجنسيـــــة التقييدية (الحصرية)، العنف الأسري، الاغتصاب، الزواج غير المتكافئ ونماذج الأمومة المضحية بالذات كانوا ذوي إهمية خاصة بالنسبة للنســـاء، وأهملت بشكل كبير بواسطة الأخلاق الفلسفية التقليدية . وهكذا، فقد سعت الأخلاق النسوية، منذ البداية لتحويل الاهتمام الفلسفـــي للمواضيع التي تجاهلها الفلاسفة سابقاً، على الأغلب الذكور . (98)

واكتشفت " كارول جيليان " في دراستها لارتقاء المرأة الخلقي، أن النساء مجبولات على فحوى الاتصال . وفي مقابل تأكيد الرجل على الانفعالية والاستقلال الذاتي، تميل المرأة إلى تحديد ذاتها في سياق العلاقات . وبينما يميل الرجال إلى الإقصاء لأنهم يرفعون من قيمة الانفصال والاستقلال الذاتي، تميل النساء إلى الاحتواء لأنهن يرفعن من قيمة الاتصال والألفة . وبينما يعمل الرجال على حل الصراع عن طريق استحضار تراتب منطقي من المبادئ المجردة، تعمل النساء على حل الصراع من خلال محاولة تفهمه في سياق منظور كل شخص واحتياجاته وأهدافه ؛ إنها المسئولية المتجهة نحو الفضيلة، حيث تحاول النساء جلب أفضل ما يمكن لكل فرد من أصحاب الشأن، وإذ يفعلن هذا، ينصتن بروية، وغالباً يعلق الحكم الخـــاص بهن لكي يتفهمن الآخرين في حدودهــن، تعهداتهن وأفعالهن محكومة بإيناسهن بالعالم ومن فيه .الاستجابة الخلقية، بالنسبة لهن، هي الاستجابة الحانية الراعية . (99)

وقد ساهمت نساء كثيرات عبر القرون في اكتشاف طرق جديدة لفهم حيواتنا وفهم عالمنا عبر القيم المختلفة ... فمثلاً، إيزارا Aseara قدمت نظرية في القانون الطبيعي أوضحت خلالها أنه بإمكاننا اكتشاف الأسس الفلسفية الطبيعية للقانون البشري كله، بما في ذلك التكوين الفني للقانـــون الأخلاقـــي والقانــــون الوضعي .. واهتمت نظريتها في القانون الطبيعي بثلاثة تطبيقات للقانون الأخلاقي وهي: الأخلاق الفردية أو الخاصة، الأساس الأخلاقي للمؤسسات العائلية والأساس الأخلاقي للمؤسسات الاجتماعية . (100)

وقررت ثيانو الثانية أنه طالما يعجز الأطفال الصغار عن فهم كيفية تطبيق مبدأ التناغم، فيجب توجيههم وقيادتهم . ورأت أن هذا التوجيه يقع بالدرجة الأولى على عاتق الأم وذلك لأن فضيلة المرأة الخاصة تتمثل في قدرتها على خلق العدالة والتناغم في البيت .. كما تلزم فضيلة النساء الخاصة الزوجات بأن يتصرفن بنوع من العدالة مع أزواجهن حتى عندما يعاملن هؤلاء الأزواج معاملة غير عادلة ..فإعادة النظام والتناغم من جديد تتحقق بالتصرفات النبيلة العادلة وبهذا تستطيع المرأة أن تكسب ود زوجها وتثبت له تميزها الأخلاقي فتصبح قدوته . (101)

أما جوليا فيلتن فافري (1834 – 1896)، فيلسوفة أخلاق، وعالمة تربية فرنسية، أهتمت بدراسة تاريـــخ الفلسفة الخلقية .. وكثيراً من آرائها الليبرالية تركز على التربية الخلقية وعلم النفس الخلقي .. وقد اعترفت بأن الأدوار الاجتماعية للنســـاء كزوجات، وأمهات، ومعلمات منحتهن القدرة على إسعاد الآخرين أو جعل حياتهم أكثر قيمة، وإضفاء السمة الأخلاقية على المجتمع .. فالتربية الخلقية تلعب دوراً مركزياً في تطوير المجتمعات ؛ ومن ثم يجب على الناس التمسك بالمثل الأخلاقية، والحرص على حياة الفضيلة . (102)

كما أن " حنة أرندت " Hannah Arendt (1906 – 1975 )، حاولت العيش في حياة فكرية سامية من كل السلوكيات المنحرفة . فاختارت أن تجرب على الأقــل، " أن تفهــــــــــــم "، والحصول على أساس للأخلاق ملائم لفعل التفكير ذاته . والعيش في وضع تكون فيه الحياة الفكرية مؤهلة لنا لأن نعالج القضايا من دون السماح لنا بالتنازل عن الحرية ؛ فنحن عندما نمارس حرية التفكير، والعمل، واتخاذ القرارات بشكل جيد نظل أصدقاء مع أنفسنا ( نتصالح مع انفسنا )، ومع الآخرين الذين نفكر معهم من أجل الحقيقة، في العالم الذي نتقاسمه معهم . وتؤكد أن الحياة الفكريــة يجب أن تشكل في حد ذاتها سبباً للحرص على الحياة العملية . (103)

 

ا.د. ابراهيم طلبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا

مصر

...............

الهوامش

(90) Simon swift: op- cit , p-3 .

(91) Maurizio passerin d'Entreves: op- cit , p- 75 .

(92) ليو شتراوس: تاريخ الفلسفة السياسية، من ثيوكيديديس حتى اسبينوزا، ترجمة   د. محمود سيد أحمد، مراجعة وتقديم د/ إمام عبد الفتاح إمام، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومى للترجمة، 2005 ص 29 .

(93) Maurizio passerin d'Entreves: op-cit, p-76 .

(94) Dana R. villa , politics , philosophy, terror, p- 128 .

(95) Maurizio passerin d'Entreves: op-cit , pp- 76-77 .

(96) Hannah Arendt: The Human condition , pp- 198-199 .

(97) Anthony F. lany, Jr. John Williams: op-cit, pp- 182-183 .

(98) Ibid, pp- 204-205 .

(99) Margaret Betz Hull: op – cit , p- 60 .

(100) Maurizio passerin d'Entreves: op-cit , p-77 .

(101) Ibid, p- 78 .

(102) Hannah Arendt: On Violence, pp- 44-46 .

راجع أيضاً: الترجمة العربية لهذا الكتاب ص ص 39 – 40 .

(103) Ibid, pp- 40-42 .

 

1mohamad bakoh – بؤس الفلسفة: المرض يتفلسف، مُوقعا نفسه كصوت صارخ لفيلسوف عدو للحياة .

الفلسفة هنا أداة للدعوة إلى الفضيلة والتحلي بالأخلاق، بحثا عن السعادة، والمثل العليا، في الزمن المفارِق، وليس هنا والآن، في الزمن المحايِث، بتعبير دولوز . فلا شك إذن، أن نيتشه عندما وجّه مطرقته النقدية الهدامة للفلسفة الأخلاقية، كان يعني بالدرجة الأولى، المؤسس الأصلي لهذه الفلسفة، شيخ الفلاسفة سقراط، وأفلاطون، في العهد الإغريقي المتأخر، بالإضافة إلى "عامل الفلسفة" كانط الذي عمّق جرح الفلسفة، باعتبارها نظر فكري تأملي، مع الحياة وليس ضدها . لهذا، كان نيتشه يعتبر نفسه دائما الصوت الفلسفي الصحي المضاد للتفلسفين : السقراطي والكانطي التابعين والمريضين، اللذين انحرفا جذريا بالوظيفة النقدية الطبيعية التأملية، والعملية الحقيقية للفلسفة، ليلقى بهذه الأخيرة الأنيقة والواضحة، إلى غياهب بيداء غموض الفلسفة الميتافيزيقية البئيسة، والمريضة والمعقدة، التي غيّبت التفلسف الفعلي، بل وأدته إلى ما لا نهاية، فوجدت الفلسفة نفسها، مع الفلاسفة اللاحقين في العصور الفلسفية الموالية، وعلى رأسهم هيغل، متورطة داخل متاهة غريبة لا حدود لها، جعلت جدل ماركس، وفريقه الفلسفي يعلن، في لحظة من لحظات حياته الفلسفية، موت الفلسفة، نتيجة تحوّل وظيفتها إلى أداة أيديولوجية، في أيدي جهات أخرى، أساءت إلى الفلسفة، بقدر ما أساءت إلى جوهر فعل التفلسف، وإلى حياة وجود الإنسان، ككائن طبيعي وثقافي بصفة عامة .. !!

من هنا، تساءل نيتشه حول الأسباب، التي دفعت الفيلسوف الأخلاقي، يختار الموقع الفكري والفلسفي الضعيف، لمّا اتخذ الفلسفة كأداة، وليس كهدف، لتأسيس تصوره الفلسفي التراجيدي للحياة . يعني الفيلسوف هنا يكون مع ما وراء الحياة الدنيا، ضدّ هذه الحياة الأرضية . يقول نيتشه : " ألا تتحول فلسفتنا هكذا إلى مأساة ؟ ألا تصير الحقيقة عدوة للحياة، للأفضل ؟ يبدو أن سؤالا ما يلح على لساننا، لكنه مع ذلك لا يريد أن يطرح نفسه : هل يمكن أن يستمر في الكذب ونحن نعلم ؟ ولو تطلب الأمر ذلك قطعا، ألا يكون الموت أفضل .. ؟ " 1 . إنها الأخلاق الفاضلة سبيلا لتحدي الموت، بدل سبيل التفلسف الوجودي، الذي اعتبر عند الفيلسوف الأخلاقي، خاصة أفلاطون، مجرد هرطقة وثرثرة لا نفع من ورائها.

 

2 – الفيلسوف النظري وغياب الحسّ التاريخي والواقعي لديه:

هو ذا صوت المرض يتفلسف، لنقل بداية المرض يتفلسف، حين يعرف الفيلسوف، وليس يعلم، عمق الحقيقة الفلسفية للحياة في الواقع، ويعجز عن البوح بها، كلما أحسّ بهمومها، وأدرك بهجتها دون القدرة على عيشها، أو لمسها بعقله الناظر الباحث والمتأمل، ليجد نفسه ضرورة في واقع الألم الممزوج بمتعة التفكير الفلسفي . غير أنه، ليس من الهيّن أن يبوح هذا الفيلسوف "المتألم"، واقعا، حسب نيتشه، بالحقيقة الفلسفية الأصلية، والخالصة في قوتها القديمة، كما مارسها فلاسفة الإغريق الطبيعيين مثلا، في الفترة ما قبل السقراطية، إن لم يتسلّح قدر المستطاع، بما يكفي من الحسّ التاريخي العملي، وبالنظر الفلسفي النقدي "المتأمل"، افتراضا، بعيدا عن منطق الانحباس المنفعل، داخل شرنقة أسئلة الذات الأخلاقية، والخوف الغريزي من حتمية النهاية الطبيعية . وبالتالي، تم اعتبار الحياة هنا، على هذه الأرض، وضعا "مشبوها" ومذنبا، يحتاج إلى تعليله، بتبرئته . يقول نيتشه في هذا الصدد : " ستسألونني عن كل ما يتعلق لدى الفلاسفة بالمزاح؟ إنه، مثلا، غياب الحس التاريخي لديهم، حقدهم على فكرة الصيرورة نفسها " 2 . أليس مفهوم الصيرورة، كمفهوم فلسفي، هو الواقع الحقيقي الذي فجّر ينبوع إلهام حكمة عمالقة الفلاسفة اليونانيين، كطاليس، وانكسمدريس، وهيرقليطس، وبارمنيدس .. إلخ، وأكسبهم، فعليا وضرورة، القوة العقلية، والقدرة النفسية والبدنية على مواجهة الاكراهات الطبيعية والبشرية، لمّا اكتشفوا يقينا هذا المبدأ الفلسفي، في واقع تجليات الحياة من حولهم؟؟

في المقابل، قذف نفس الاكتشاف ( مفهوم الصيرورة ) بالفلاسفة الأخلاقيين الفضلاء، إلى هوة الميتافيزيقا التي لا عمق لها .. ؟

 

3 – الفيلسوف العدمي: البحث في الأسئلة المعلقة في سقيفة الماورائية البعيدة عن الحياة:

كل من يرى أو يعتقد أنه لا جدوى من هذه الحياة، فهو إنسان عدمي . نعني الحياة على هذه الأرض . نستحضر هنا فلسفة شوبنهاور، التي كانت موضوع النقد اللاذع والساخر للنص الفلسفي النيتشوي، باعتبارها فلسفة عبثية وعدمية إلى أقصى حد . لأنها فلسفة اختارت لنفسها موقعا، فرض عليها أن تكون ضد الحياة، وعدوة للإنسانية . وهو نفس التوجه الفلسفي الذي سار عليه الموسيقار فاغنر، والشاعر غوثه . لهذا، كان لهما نصيبهم الوفير من هجوم ضربات نيتشه بمطرقته الفلسفية .

بالإضافة إلى أن أهم الوجهات الأخرى التي نالت حظها الأكبر، من ضربات مطرقة نيتشه النقدية والهدامة، هي الوجهة الدينية المسيحية، باعتبارها، من منظور نيتشه دائما، تفكير عدمي متخلف ومتشدد، لأنه يضمر كل العداء، والكره، والحقد الشديد، للحياة البشرية الأرضية . وبالتالي، ولهذا السبب، نظر إليها فيلسوفنا، في جميع كتاباته الفلسفية، وبجرأته المعهودة المميزة، كما لو كانت الوريث الشرعي للفلسفة النظرية، والعدمية الميتافيزيقية السقراطية المريضة . من هنا اعتبر نيتشه الفلسفة في عصره الحديث فلسفة مريضة، تحتاج إلى اللمسات الإشفائية للفيلسوف الطبيب الذي يجب أن يحمل، ليس جهاز التنصت والكشف التقليدي حول عنقه، بل مطرقة صلبة بين يديه القويتين، من قبيل مطرقة نيتشه نفسه. وهنا لا بد أن نؤكد على اعتبار النظر إلى فعل التفلسف، باعتباره علاج وشفاء للمجتمع الحديث، الذي هو حسب نيتشه مجتمع غارق في أمراضه وأعطابه وأوهامه، وليس لأي مجتمع كيفما كان، بالمطلق3 . لأن المجتمع الإغريقي وكذا الروماني، في الفترة ما قبل السقراطية، كان مجتمعا قويا وكله حيوية، ولم يكن في حاجة إلى الفيلسوف الطبيب، الذي لا جدوى من وجوده آنذاك، بقدر ما كان هذا المجتمع في حاجة ماسة إلى الفيلسوف الجينيالوجي والثائر الجريء المتأمل . وبالتالي، فنيتشه هنا، عندما مارس فعل التفلسف، مركزا على وظيفتها الطبية والعلاجية، والعلاج هنا يبدأ بهدم وتقويض أصنام الإرث الفكري السائد، والعقدي التقليدي المتخلف بطغيانه، إنما مارسه بالمعنى الفلسفي العميق، المرتبط بالدولة الحديثة، والإنسان الحديث في المجتمع الحديث الفاسد، أينما وجد ..، هذا المجتمع العليل والمحشو بكل أصناف التناقضات، كانت أوجهها البارزة الآلة والمال والاعلام، على حساب تبخيس أهل الفكر والنخبة المثقفة . لهذا كان نيتشه ينظر دوما إلى هذا المجتمع الحداثي الفاسد، ليس كمجتمع متقدم وقوي، كما يشاع ويطبل له، بل، على العكس، ينظر إليه باعتباره مجتمع مريض ومنحط، بل بكونه نتاج الدولة الفاسدة والمستبدة، التي هي " عنف منظم " 4، و "حيوان خبيث "5، يجب على الفيلسوف تجنبه، كلما استطاع إلى ذلك سبيلا .

لكن، يبقى السؤال المطروح: لماذا ظهور هذه الفلسفة العدمية المنفعلة ..؟ ولماذا .. هذا الأفول السريع والمفاجئ للفلسفة الفاعلة والقوية، بصفتها فلسفة للتأمل الطبيعي في الوجود، وليست مرضا بشريا يتفلسف ؟ ومن يكون الفيلسوف العدمي في أصله ؟

يجيبنا نيتشه، موجزا هذا الأمر المفارق، بقوله، أنه هو الفيلسوف الموزّع بين زوايا بوصلة الوهم، والذي ضحى بالفلسفة والمعرفة الفلسفية، من أجل تحصيل الحياة الأخرى، أو أية فكرة لها علاقة بعدم هذه الحياة، التي يعيشها الإنسان كل يوم هنا والآن . إنه الفيلسوف النظري والعدمي المريض بالتفكير الاستغراقي " في التأمل، بصفته فيلسوفا ومتوحدا بالفطرة، فقد وجد مصلحته في الحياة بعيدا، على الهامش، وجدها في الصبر، وفي التأجيل، والتأخير، مثل مفكر جسور وجريء غالبا ما تراه في متاهات العقل، مثل طائر نبوئي ينظر إلى الوراء حين يحكي عن المستقبل، أول عدمي كامل في أوربا، ولكنه قد تجاوز العدمية "6 .

 

4 – الفيلسوف الثائر: التأسيس الفعلي لفلسفة المستقبل، فلسفة الحياة وإرادة القوة

لا مناص من تحقيق التفلسف الحقيقي، إلا بتجاوز الفلسفة التقليدية، بصفتها السقراطية، والكانطية، والهيغلية .. إلخ، أي باعتبارها فلسفة أخلاقية سلبية، حاكم بها الفيلسوف النظري " المتألم " حياة الانسان على هذه الأرض، بحثا عن متعة حياة موهومة : هي حياة السعادة في الزمن المطلق، بعيدا عن فعل الأحاسيس الطبيعية، والنظر التأملي في حياة واقع التاريخ، وبالتالي، فلا يمكن مواجهة هذا الفيلسوف النظري المنحط والمريض، الذي اغتال الفلسفة والتفلسف الفعليين، بتعمقه اللامحدود، والمتورّط في أسئلته الخاطئة المفارِقة، إلا " بالسخرية والازدراء، تلك الأهواء التي تنمو في اتجاه المستقبل، وفي اتجاه سعادة أخروية "7 .

من هنا، فنيتشه، وبعد استنفاذه التام لكل السبل التفكيرية والبحثية والحوارية، ضدّ أسس وأصول تلك الفلسفة المعادية للتفلسف الحي والانسان والحياة ذاتها، بتعريتها والكشف عن مستورها المتعفن، توصّل إلى حقيقة فلسفية راهن عليها، مفادها أو لنقل " ستكون خاتمتها النظرية هي فلسفة الهدم " 8 .

غير أننا، آخرا وليس أخيرا، نجد أنفسنا مجبرين لطرح السؤال المقلق، الذي سبق أن طرحه نيتشه نفسه، على غريمه المضاد : شيخ الفلاسفة سقراط، لكن نطرحه هنا بطريقة مقلوبة : إذا كان كل من سقراط، وكانط، وحتى هيغل وشوبنهاور، مثلا .. قد سقطوا جميعهم في فخ التفكير الفلسفي الميتافيزيقي، لانشغالهم الكلي والأساسي، بموضوع الفلسفة (الإنسان)، أكثر من انشغالهم بالفلسفة ذاتها، كمفاهيم فلسفية تخترق جسم كلية الحياة، بتعبير دولوز..، فهل نجح فيلسوف المستقبل وإرادة القوة، في الابتعاد من جانبه عن فخ الميتافيزيقا، كما أراد لمشروعه الفلسفي أن يكون، ونهجه في كتاباته الفلسفية الأولى ؟ طبعا، الجواب عن هذا السؤال لا بد أن يكون بالنفي . لأن نيتشه، بالفعل نجح في تقويض أسس الفلسفة الميتافيزيقا، التي يبقى روحها مشتركا بين جميع الفلاسفة الفضلاء والأخلاقيين، إلا أنه، بإبداعاته الفلسفية الكبرى الأخيرة، من خلال مفاهيم فلسفية خالدة، من قبيل : العود الأبدي، والإنسان الأعلى .. وهي المفاهيم التي دشّن بها تصوره الفكري الجديد لفلسفة المستقبل، يكون قد سقط بدوره، ربما دور أن يدري، في فخ جحيم الميتافيزيقا، الذي لا مفر منه، باعتبار الصوت الفكري والفلسفي العميق لزارادشت، الموجّه أساسا لعوالم طبيعية وبشرية مفارِقة، بحث من خلاله نيتشه عن ماهية جديدة للإنسان الحديث (المعاصر لنيتشه)، في علاقته الوجودية والفلسفية والعملية، بكل تجليات ومظاهر الحياة، بمعناها الظاهر والمتواري؟؟

 

.......................

1 – نيتشه، إنسان مفرط في إنسانيته، ص 37

2 – نيتشه، أفول الأصنام، ص 23

3 – لحسن تفروت، نيتشه: الفيلسوف طبيب المجتمع، الحوار المتمدن، عدد 4715، 2015

4 – محمد الشيخ، نقد الحداثة في فكر نيتشه، ص 39

5 – محمد الشيخ، نفسه، ص 40

6 - نيتشه، إرادة القوة، ص 7 – 8

7 – نيتشه، إنسان مفرط في إنسانيته، ص 37

8 – نيتشه، نفسه، ص 37

zouhair khouildi"أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالحَا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ"

القرآن الكريم، سورة سبأ،الآية 11.

لو طبقنا الآن المقاربة الفلسفية السردية على الاسلام بشكل عام وعلى القرآن بشكل خاص وجعلنا من التقاطع بين الحدث والسرد نبراسا هاديا لفهم الدائرة الروحية للمعتقد الديني فإننا نطرح الاشكال الهرمينوطيقي المستعصي التالي: هل القرآن هو مجرد سرد لوقائع كونية وأحداث تاريخية أم هو أحسن القصص والبيان الاعجازي؟

والحق أن لقاء الحدث بالسرد على أرضية اللسان العربي وضمن مسطح المحايثة الذي تحركت فوقه فلسفة القرآن أفقيا رسم خطوط التقاطع بين الواقع والقصص دفعا لمعنى اليافع وصغير السن وقليل التجربة التي تفيض بها العبارة العربية ومطالبة بالتخلي عن أساطير الأولين واعتماد الحكمة والمجادلة بالتي هي أحسن. علاوة على أن الوحي حدث ليس من جهة قوة الدليل وثبات الحجة ومتانة البرهان وصدق الرسالة والكلام اليقين وفصل الخطاب والإحكام في التنزيل بل من جهة ضرب الأمثال الى الناس وأحسن القصص ومطابقته مع الواقع1[1]. على هذا المنظور إن الحدث هو الواقع في القرآن وليس المثال ولقد ورد في اثنين وعشرين مرة وأفاد ثمانية معان تتراوح بين الحسي والمعنوي وبين الفعل والانفعال وبين المطابقة والتصديق وبين الاعتقاد والإقرار وبين التمنى والمتحقق وهي كالآتي : -" ان الدين لواقع"، "مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم"، "وظنوا أنه واقع بهم"، " انما توعدون لواقع"، "ان عذاب ربك لواقع"، "سأل سائل بعذاب واقع".

- المعنى الأول ورد في الصيغة الفعلية ويشير الى وقوع الحدث، "فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون".

- المعنى الثاني يفيد امتداد الزمان ويتوزع الى مقام الدنيا ومآل الآخرة ويشير الى الذي وقع في الماضي وماهو بصدد الوقوع في الحاضر والى ما قد يقع في المستقبل، " اذا وقعت الواقعة . ليس لوقعتها كاذبة".

- المعنى الثالث هو الجزاء بالكسب ثوابا أو عقابا، "ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم".

- المعنى الرابع هو وقوع الوعد والوفاء بالوعيد صدقا بلا تكذيب، " انما توعدون لواقع".

- المعنى الخامس يدل على مواقع في الطبيعة والكون ووقوع أفعال البشر في العالم، "فلا أقسم بمواقع النجوم وانه قسم لو تعلمون عظيم".

- المعنى السادس يشير الى الاحترام والتقديس والطاعة والتوافق مع نظام الكون، " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين".

لكن كيف يمثل القرآن هدى للناس ورحمة للعالمين اذا كان تنزيلا من عند الله في كتاب مبين يعلمه المتقين؟ أليس القرآن كريم و حكيم وجيد وعظيم ومعجز وحق وفيه شفاء ومنافع للناس ومحفوظ؟

لقد جاء في الذكر الحكيم:" ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل"، "على أن يأتوا بمثل هذا القرآن". والمقصود هو الاعتقاد من أجل والفهم من أجل الاعتقاد وإلمام القرآن بالحقيقة الكونية وسلامته من التحريف وحيلة التاريخ ومكره وعدم فقدانه لحوافه الدلالية ومحافظته على طاقته الاعجازية.

غاية المراد أن القرآن ليس مجرد كتاب يقرأ تنفيذا لللأمر القطعي الالهي للكائن الآدمي: إقرأ مثلما تقرأ الكتب المقدسة في الأناشيد الدينية ولا يمثل كتاب في السرد التاريخي للأحداث الماضية الخاصة بالأمم الغابرة بالمعنى الحصري للكلمة بل هو أحسن القصص ولقد ورد لفظ القصص في ستة وعشرين مرة[2]2.

تبعا لذلك ينتقل القرآن بالذوق من المعرفة الى الوجود ومن العلم الى العرفان ومن السرد الى القصص ومن الفهم والتأويل الى الالتزام والتطبيق ومن الحياة الروحية الى الوجود العملي وبهذا الشكل يمكن استخلاص ثمانية معان وجودية ومعرفية وايتيقية وجمالية وتعقلية للقص هي كالآتي:

- الاخبار عن التجارب الماضية من أجل تربية الوعي التاريخي، " ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل"

- ذكر أنباء وقعت في الماضي وتوقع أنباء أخرى في المستقبل، " تلك القرى نقص عليك من أنبائها"،

- الاتيان بالحجج والبينات والقرائن والبراهين على الصدق، " ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي"

- أخذ العبر واستخلاص الدروس والتعلم من التجارب، " فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف"، " لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب".

- اكتساب الثقة والأهلية في العلم وقول الصدق، " وكلا نقص عليك من انباء الرسل ما نثبت به فؤادك".

- تحصيل الجمال والاعتدال والانسجام والتوسط دون مبالغة او تضخيم، " نحن نقص عليك أحس القصص"، " قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا".

- التأويل والحدس والافتراض والتشكيل والتعبير، " قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك".

- تشرع الاختلاف والقبول بالتعددية في الرأي ويسمح بالانفتاح على الغيرية، "ان هذا القرآن يقص على بني اسرائيل أكثر الذين هم فيه يختلفون"

- متابعة الواقع ورصد الأحداث والتقاطها واستيعابها وتحقيق اليقظة والبصيرة والوعي بالمتغيرات التي تطرأ على العالم، "وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون"، " فلنقصص عليهم بعلم وما كنا غائبين".

- مشاهدة الحق ومعرفة لحقيقة والحضور في الذات ومطابقة الواقع وتحصيل العلم بالكائن، " نحن نقص عليك نبأهم بالحق"، " ان هذا لهو القصص الحق وما من اله الا الله"، "فلنقصن عليهم بعلم وماكنا غائبين"

- ممارسة التفكر وتحصيل الدراية بمجاري الأمور والتعقل عند الاختيار، " فاقصص القصص لعلهم يتفكرون".

لقد استفاد علماء القرآن من العارفين ولشعراء والفقهاء وعلماء اللغة والحماء من التحدي الالهي ومن الاعجازي القرآني البياني وحولوا التحدي الى طريق للابداع تنفيذا للآية الكريمة: "ائت بقرآن غير هذا أو بدله".لكن في نهاية المطاف متى يتوقف الناس عن اسقاط هموم الدنيا على آمال الآخرة والتكذيب بما جاء في الفرقان؟ " أعلينا جمعه وقرآنه"؟، وبالتحديد" أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها"؟

 

المصادر:

المصحف الشريف

د حسن حنفي، الوحي والواقع، تحليل المضمون، مركز الناقد الثقافي، دمشق، طبعة أولى 2010،

 

كاتب فلسفي

..............

[1] د حسن حنفي، الوحي والواقع، تحليل المضمون، مركز الناقد الثقافي، دمشق، طبعة أولى 2010، ص23-24.

[2] د حسن حنفي، الوحي والواقع، تحليل المضمون، مرجع مذكور، صص209-211.

zouhair khouildi"الحدث يفقد طبيعته الانفجارية ويفعل فعله بوصفه بالأحرى عرضا أو بَيِّنة"[1]

يشير الحدث événement في اللغة العادية الى الأمر الذي يقطع نسيج وتلاحم الحياة اليومية ويسترعي الانتباه. ومن المعروف أن المؤرخين والصحفيين يستعملون المصطلح بهذا المعنى ويدعون بأن مقابلة معينة قد تثير الضجيج حولها وتلفت الأنظار وتهز الرأي العام لكونها خرقت النسق المعتاد للأخبار ولكن في الحقيقة لا يمكن أن تعتبرحدثا حقيقيا وتاما بما أنها فارغة من كل قيمة وخالية من كل معنى وبالتالي هي لاحدث أو حدث مضاد.

على هذا النحو تدعي العلوم التاريخية ضمن جدول زمني أنها مطالبة بمسك الحدث وتوليه عناية لازمة وتعطيه القيمة التي يستحقها وتنزله ضمن احداثية خاصة بنسق اجتماعي معين. على خلاف ذلك تأتي الفلسفة لتطبق مصطلح الحدث على كل ما يأتي ويحدث وتبرر ذلك بأن كل ما يصير يمتلك أهمية معينة بالنسبة الى مجرى الأشياء ومسار الأفكار وصيرورة التاريخ. ان الصيرورة قد تكون مشوهة وقد تسقط في التكرار وتفقد القيمة وتبعث على الملل اذا لم تشهد بروز أحداث جديدة وقدوم أشياء مختلفة ووقوع ظواهر غريبة وغير معهودة وظهور فاعلين غير معروفين على مسرح السياسة والمجتمع والتاريخ. من جهة أخرى يدرك الحدث في الفيزياء على أنه نقطة في الزمكان أي الذي يتم انتاجه هناك وفي لحظة ما ضمن البعد الرابع حيث يلتقي الزمان والمكان في نقطة معينة من التكثف.

لقد جعل وايتهايد من مصطلح الحدث ركيزة أساسية في فلسفة الطبيعة ولقد ربط في كتابه مفهوم الطبيعة الذي نشره سنة 1919 الحدث بالتجربة واعتبره العنصر المتعين والأولي في الطبيعة، وكذلك نظر اليه على أنه العامل الموحد الذي يمسك ما يمر من الطبيعة، وبالتالي تعامل مع الأحداث باعتبارها قطع طبيعية حية، ولكنه بعد ذلك طور هذا المفهوم في مغامرات الأفكار وأدرجه ضمن شامة المقولة والمناسبة الراهنة وعده أحد العناصر التامة والأساسية التي تتعارض مع المواضيع الأبدية وتسهم في بناء الوحدة العلائقية للفهم المشترك والنظرة الموضوعة المشتركة. بناء على ذلك يعرف الحدث بالمعنى الفيزيائي على أنه مجموعة من المناسبات الراهنة والتي تتصل فيما بينها بطريقة محددة ضمن كم ممتد [2].

علاوة ذلك يمكن أن يمثل حدث معين قيمة ثانوية بالمقارنة مع مجموع الأحداث وضن اطار النسيج الثقافي ، ولكنه يحمل معه الجديد ويقدم الاضافة وغالبا ما تكون طرافته مخفية وأصالته غير قابلة للإدراك منذ الوهلة الأولى بل تتطلب التركيز والوعي. بهذا المعنى يتميز الحدث عن الظاهرة العلمية التي تقبل التكرار اذا ما كانت خاضعة من حيث المبدأ الى المنهج التجريبي، وبالتالي تهتم الفلسفة المعاصرة بالحدث بنفس الكيفية والمقدار والأهمية التي تتناولها مسألة المتعين والملموس والمعيش. كما يسعى الفكر الى تأسيس مصطلحاته المجردة على قاعة ملموسة وأرضية متعينة ويتعامل مع الصيرورة على أنها سلاسل من الأحداث المتقاطعة التي تظهر بشكل متواتر في الزمان وتساهم في تنظيمه وتجعل امكانية قياسه أمرا متاحا للإنسان. لقد بينت الفنومينولوجيا أن الزمن يمكن ادراكه من خلال التجربة الواعية وتعاقب الأحداث الحاضرة وتزامنها وحضورها بالنسبة الى الملاحظ في نفس الوقت ونفس المكان بالنسبة الى الوعي الادراكي للذات وضمن تجربة مشتركة مع الآخر.

لقد خضع مفهوم الحدث في الفكر المعاصر الى مقاربات متنوعة وتم تناوله من قبل الفلسفة والعلم والمنطق والتاريخ والاقتصاد ولقد وصل الأمر الى حد التعارض والتنافر في المناهج والتصورات وفي النتائج والأهداف. وتبعا لذلك يمكن تمييز ثلاثة أنماط من التفكير في الحدث:

1- سوسيولوجيا الحدث وخاصة مع كيوروQuéré وفيليب زارافيانZarifian اللذان تحركا ضمن اطار فلسفات الحدث عند جيل دولوز وألان باديو وحاولا اخضاعها الى سلطة الفعلaction وماوراء الفعلTransaction وبالخصوص داخل المجتمع والتاريخ وقاما بإدماج الحدث بالوضعية والوضع.

2- فنومينولوجيا الحدث وخاصة عند عمونيال ليفيناس وجان لوك ماريون وكان الحدث عندهما يعنيان اقتحام وهجمة وغزو من المتعالي أو نداء ودعوة تأتي من المجال المفارق وتطالب الذاتية بالإصغاء اليها وتلبيتها والاستجابة وذلك بالنظر الى كونها مسؤولة عن الغير حسب ليفيناس أو مستسلمة ومعتكفة ولا تتأسس إلا بواسطة تفاعلها من النداء وتلبيته الدعوة عند ماريون.

3- طوبوغرافيا الحدث أو موضعية الحدث ضمن إطار جغرافي وذلك حينما قام دولوز بتنزيل الحدث في المفرد أو في الجمع في حضن الأنساق والترتيبات والتنظيمات وعلى طول خطوط الهرب والافلات من قبضة الأنساق وضمن مسارات المحايثة الطويلة التي تغمر كل تموضع وتفيض على كل ذاتية.

من جهة ثانية يجمع ألان باديو بين هذه الأنماط التفكيرية الثلاثة السوسيولوجيا والفنومينولوجيا والطوبوغرافيا من أجل ايجاد تناول فلسفي متعدد الأبعاد حول الحدث وينظر اليه في ذات الوقت من جهة التعالي والكمون ومن جهة المفارقة والمحايثة ويتجه نحو اعتباره خاصية فكرية من درجة ثانية وحركة مابعد حدسية شاردة وتائهة وضالة وهائمة على وجها يجدر بالفكر التقاطها وتمعينها وإلباسها المفهوم وقولها عن طريق الكلمة.

في هذا السياق يعتبر القلب عند زاريفيان هو المكان الاجتماعي الذي تنصب فيه جميع الأحداث والموضع الذي يتم فيه ترتيب الأحداث وتنزيلها والخروج عنها والابتعاد بها، كما تمثل الكفاءة امكانية مواجهة معها.على سبيل الذكر لا الحصر يقدم جون ديوي من الناحية الفلسفية مقاربة براغماتية تسجل الحدث ضمن ماوراء الفعل وتضعه بصورة فعلية وتنزله حيث يتشكل المعنى وتدرجه ضمن التجربة باعتباره واقعة تتطلب الرصد والسبر والتحديد والتفهم.

في هذا الاطار يؤكد جيل دولوز على أمر هام يتمثل في التعامل مع الحدث من زاوية جغرافية موضعية وليس من زاوية تاريخية زمنية ويدفع بالحدث الى تنظيم خطوط الهرب وتأطير مسارات الترحل ضمن تدفق الرغبات. لقد وقعت الأحداث في أماكن معينة وأثارت الأرض وغيرت وجه العالم وبدلت أشكال الوعي وزلزلت بديهيات المعرفة وحركت بنية العقل وجددت شباب المجتمع وأزالت الحجب وألقت بالنظام في يم الفوضى وارتبط حدوثها بتوديع التقليد والتكرار وكسر عادة الاتباع واستنبات ممارسة الابداع والخلق وتجريب عدة أشكال من الابتكار والتجديد والإنشاء والتصميم.

مقتضى القول أن الحدث هو الذي يميز التجديد والإبداع والرد المناسب والاشتباك مع الواقع والمواجهة ، ولذلك يتجنب الابداع العودة الى الارض القديمة والمكوث على الوضع الحالي ويفضل الترحال على حوافي الوجود والسفر الى تخوم العالم وينبغي تثمين حدث متعال ومفارق مثل نزول الوحي وهبوط كائنات فوق آدمية وإجلال العلو.غير أنه يجب استحسان أحداث محايثة ودنيوية تقع في التاريخ وتغير العالم مثل الثورات السياسية والاكتشافات العلمية والتقدم التقني. لكن كيف يجيب الفكر بصورة عامة على الحدث؟وهل يمكن الرد بطريقة فلسفية على الأحداث المداهمة والفجائية ؟

من المعلوم أن نمط الرد الفلسفي على الحدث يختلف بين عمونيال ليفيناس وجيل دولوز وألان باديو. -عمونيال ليفيناس

الرد على الحدث المتعالي يقتضي من الذات الكف عن الإنتشاء بالانفصال وتحمل مسؤوليتها تجاه الغير وأن تكون في مستوى علو الأحداث التي وقعت وجسامة الخسائر وأن تعترض على الفضيحة والعار وترفض القتل باسم الهوية وتكشف عن براءة الوجه وصرخته ضد التمييز وتقيم علاقة ايتيقية مع العالم والمجتمع[3]. لقد فكر ليفيناس في حدث 1968 من زاوية فلسفته الخاصة وثمن ثورة الشبيبة الطلابية وتوقف عند قدراتها الابداعية والامكانيات التي تختزنها وجرأتها على التجديد والإبداع.

 

- جيل دولوز

لقد بحث دولوز في كل كتاباته عن طبيعة الحدث وتبين له بعد طول نظر وتجريب أن المفهوم هو الذي يجب أن يقول الحدث وليس الماهية وآيته على ذلك أن صنع الحدث هو الشيء أكثر الأحداث رهافة وحساسية في العالم ، وأن فعل العكس من ذلك هو تشكيل دراما أو تشكيل تاريخا هزليا. كما لا ينبغي أن يريد الإنسان ما يحدث له وفق نية سيئة تكتفي بالشكوى والتذمر والدفاع وتسقط في المحاكاة بل يجب أن يتحمل المعاناة والعذاب الى النقطة التي تنقلب فيها على الأحداث وتشرع في حياكة الحدث الأبرز وتخرجه من الظلمة الى النور وتظهره على الملأ في المفهوم الحي والصورة البلورية.

في الواقع لا يكون للفلسفة هدفا آخر غير أن تكون في مستوى الحدث. بعد ذلك لا يعتقد دولوز في الميديا وفي قدرتها أن تكون المنبع والمصدر التي تأتي منها الأحداث وتقع ولكنه يرى في كونها كافية في اظهار بداية الحدث والوصول به الى هدفه بينما الحدث مهما كان جزئيا فإنه يستمر الى نهايته ويستقطب عددا كبيرا من المشاهدين .

هكذا يوجد الزمن الضائع قبل الحدث وبعده ولكن الحدث هو الذي يستوعب الزمن الضائع ويحاول استعادته وتذكره ونفض الغبار عنه وامتلاكه والاستحواذ عليه.ان الزمن الضائع لا يوجد بين حدثين بل هو في داخل الحدث نفسه وينبغي ايقاظه من غفوته وتحريكه نحو التدفق.كما أن الفن هو الذي يدرك الحدث وليس الميديا وبالخصوص السينما التي تقدر على استنهاض الأحداث الغابرة.

في نفس الاتجاه الحدث يتم انتاجه دائما من قبل أجساد متقاطعة ومتشابكة تخترق النظام وتطمح الى اتمام صيرورتها. ان الرد على الحدث يكون ببناء المفهوم في الحدث وإدراج الحدث في المفهوم، لكن ماذا تفيد هذه البنائية في الواقع؟ وفيم يتمثل الحدث؟ وأين يخوض المواجهة ومع من ولماذا وماذا يريد؟

كل حدث هو ضجيج يحدثه صوت مجموعة من القطرات المائية على مسطح المحايثة وذلك حينما تنخرط في صيرورات من السقوط الذي لا يكف ولا يقطع ولا يكتمل ولا يصل الى مبتغاه ولا يبتلعه النظام بل يستمر في النهل من السديم. ان المحبة والحركة والموت والضحك هي كلها أحداث مبنية للمجهول وتسقط على الذات من جميع الاتجاه وتستبد بأحوالها وتعكر مزاجها.

في الواقع الفلسفة ليست ردا على الأحداث فحسب وإنما هي في حد ذاتها خلق للحدث وجواب حدثي عن طريق ابداع للمفهوم وترتيب جماعي للمقاومة. من هذا المنطلق تتجه حركة الفكر الى اشعال مواجهة محايثة للأحداث وتجعله متأرضنة بصورة ذاتية ضمن لعبة الفعل ورد الفعل وعلى أرض محايثة للحدث الغير والغير الحدثي. ولا يتطلب الأمر مراقبة الفكر الفلسفي للأحداث على صورة فاعل مستبد من الخارج بل يقتضي الأمر أن يكون المرء على مقربة من الأحداث وأن يجاور مكان حدوثها وأن يعاصر زمن وقوعها ويعيش لحظة انبثاقها وولادتها وانهمارها وتفجرها واشتدادها وتوهجها وانخفاضها وسكونها وخمودها وذهابها واضمحلالها. ان المواجهة ليست حدثا بين بقية الأحداث بل انها الحدث الأكبر في ماهيته وذلك لأنها تشارك في صنع الأحداث وتعمل على تحقيقها على أحسن وجه وتدفعها في حركة دائمة ضمن حاضرها المتغير وبالتالي تنخرط الحقيقة الأبدية للحدث ضمن تحققها الزمني وداخل حلقتها الابداعية وتتقمص جسد الابداع. لكن هل الحدث حسب ألان باديو هو ابداع داخل السلطة وبمسايرتها أم بالخروج عنها والتضاد معها؟ هل يوسع الحدث من نظام السلطة أم يعيد انتاجها بصورة مختلفة ؟ الابداع هو انقلاب في الأحداث وتغيير في نسق حدوثها بل هو حدث مطلق ومغاير للمجرى العادي لايقاع الزمن ومسار التاريخ البشري وبالتالي: "الحدث هو شيء معين يسمح بانبثاق امكانية تنفلت من رقابة المكنات بواسطة السلطة المهيمنة"[4]. لكن كيف ساهمت المقاربة الوضعية في تلاشي موضوع الحدث وتقلص الاهتمام به في العملية التفسيرية وتم الانتصار للقانون واعتماد البنية في تحليل الوقائع وصياغة العلاقات بين الأشياء والأفعال؟

 

كاتب فلسفي

...............

الهوامش والإحالات:

Les notions philosophiques, événement, Editions PUF, Paris, 1990, p907

 

Emmanuel Levinas, Humanisme de l’autre homme, Edition le livre de poche, Paris,1990, pp112-113.

Alain Badiou, avec F.Tardy, la philosophie de l’événement, Meaux, Germina, 2010, p20.

بول ريكور، الزمان والسرد، القسم الأول، ترجمة سعيد الغانمي وفلاح رحيم، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2006.

ibrahim telbasilkhaالميتافيزيقا التى وقف الإمام الغزالى عندها وأراد أن يجتث الأساس الذى تقوم عليه هى تلك المحاولات المستمرة التى بدأت منذ العهد اليونانى القديم ولا تزال لبناء "ما وراء الطبيعة" على العقل . إنها هى المحاولات العقلية لاختراع ما وراء الطبيعة وابتداعه بحيث يأخذ العقل حريته فى الإثبات والنفى غير متأثر إلا بمقاييسه هو التى يفرضها . وإذا كان العقل قد اشتغل بالطبيعة والرياضيات وإذا كانت الطبيعيات والرياضيات قد أدخلت فى الفلسفة كأجزاء لها فإن الهدف الأول للإمام الغزالى هو جانب ما وراء الطبيعة .(1)

ومما لا شك فيه أن العقل قد أنتج ثمارا يانعة فى الطبيعيات والرياضيات: لقد أقام القواعد المحكمة ونظم المبادئ المتقنة وانتهى به الأمر إلى أن شيد الطبيعيات والرياضيات على أسس متينة . وكان الأمر كذلك فى هذين الميدانين لأن العقل يعمل فى دائرة اختصاصه ودائرة اختصاصه وإنما هى الماديات والمحسوسات أو ما يتمثل فيهما حينما يوجد خارج الذهن كالرياضيات . وغر هذا النجاح قوما فاعتقدوا أن فى استطاعة العقل أن يجول فى كل ميدان فى استطاعته أن يجول فى الطبيعة وفى ما وراء الطبيعة فى العالم وفى ما وراء العالم فى المادة وفى المجردات فى عالم الشهادة وفى عالم الغيب وكانت النتيجة أن أقحموا العقل فى عالم ما وراء الطبيعة فكانت الفلسفة الإلهية العقلية وكان الإخفاق التام للعقل فى هذا الميدان.(2)

ولقد حاول الغزالى أن يدلل على إخفاق العقل فى مجال الإلهيات فبذل جهدا كبيرا فى تفنيد أراء الميتافيزيقيين وإثبات زيف تعاليمهم . فأقبل فى البداية على دراسة الفلسفة وبلغ فيها مبلغا كبيرا وهذا من منطلق إيمانه " بأنه لا يقف على فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم حتى يساوى أعلمهم فى أصل ذلك العلم ثم يزيد عليه ويجاوز درجته فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم من غور وغائلة "(3)

كما كان الغزالى يؤمن دائما بأن تفنيد أى مذهب قبل فهمه والاطلاع عليه رمى فى عماية . ولهذا نجده وقد شمر عن ساق الجد فى تحصيل الفلسفة من الكتب بالمطالعة من غير الاستعانة بأستاذ وكان يفعل ذلك فى أوقات فراغه لأنه كان مشغولا دائما بتصنيف العلوم الشرعية وتدريسها للطلبة ببغداد .

ويعد أن انتهى الغزالى من المطالعة وفهم كتب الفلاسفة وأفكارهم رآهم أصنافا إنهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الدهريون، والطبيعيون والإلهيون .(4)

 

الصنف الأول: الدهريون

وهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر العالم القادر، وزعموا أن العالم لم يزل موجودا كذلك بنفسه بلا صانع ولم يزل الحيوان من النطفة والنطفة من الحيوان كذلك كان وكذلك يكون أبدا . وهؤلاء هم الزنادقة .

 

الصنف الثانى: الطبيعيون

وهم قوم أكثروا بحثهم عن عالم الطبيعة وعن عجائب الحيوان والنبات وأكثروا الخوض فى علم تشريح أعضاء الحيوان فرأوا فيها من عجائب صنع الله تعالى وبدائع حكمته ما اضطروا معه إلى الاعتراف بفاطر حكيم مطلع على غايات الأمور ومقاصدها ... إلا أن هؤلاء لكثرة بحثهم عن الطبيعة ظنوا أن القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه وأنها تبطل ببطلان مزاجه فتنعدم ثم إذا أعدمت فلا يعقل إعادة المعدوم كما زعموا . فذهبوا إلى أن النفس تموت ولا تعود فجحدوا الآخرة وأنكروا الجنة والنار والقيامة والحساب فلم يبق عندهم للطاعة ثواب ولا للمعصية عقاب فانحل عنهم اللجام وانهمكوا فى الشهوات انهماك الأنعام وهؤلاء أيضا زنادقة لأن أصل الإيمان: هو الإيمان بالله واليوم الآخر وهؤلاء جحدوا اليوم الآخر وإن آمنوا بالله وصفاته .

 

الصنف الثالث: الإلهيون

وهم المتأخرون منهم مثل: سقراط وأفلاطون وأرسطو وهؤلاء جملة قد ردوا على الصنفين الأولين من الدهرية والطبيعية وأوردوا فى الكشف عن فضائحهم ما أغنوا به غيرهم لقد رد أرسطاطاليس على أفلاطون وسقراط ومن كان قبلهم من الإلهيين ردا لم يقصر فيه حتى تبرأ من جميعهم إلا أنه استبقى أيضا من رذائل كفرهم وبدعتهم بقايا لم يوفق للنزوع عنها فوجب تكفيرهم وتكفير شيعتهم من المتفلسفة الإسلاميين كابن سينا والفارابى وغيرهما .

ورأى الغزالى أيضا أن علوم الفلاسفة بالنسبة إلى الغرض الذى تطلبه ستة أقسام: رياضية ومنطقية وإلهية وطبيعية وسياسية وخلقية .(5)

الرياضيات: تتعلق بالحساب والهندسة وعلم هيئة العالم وليس يتعلق شيئا منها بالأمور الدينية نفيا وإثباتا بل هى أمور برهانية لا سبيل إلى مجاحدتها بعد فهمها ومعرفتها . ولكن قد يتولد منها آفة إذا ظن المتعلم أن جميع علوم الفلاسفة هى فى الوضوح ووثاقه البرهان كالرياضيات . ثم يكون قد سمع من كفرهم وتعطيلهم وتهاونهم بالشرع ما تداولته الألسنة فيكفر بالتقليد المحض ويقول لو كان الدين حقا لما اختفى على هؤلاء مع تدقيقهم فى هذا العلم .

فهذه آفة عظيمة لأجلها يجب زجر كل من يخوض فى تلك العلوم فإنها وإن لم تتعلق بأمر الدين ولكن لما كانت من مبادئ علومهم سرى إليه شرهم وشؤمهم فقل من يخوض فيها إلا وينخلع من الدين وينحل عن رأسه لجام التقوى .

المنطقيات: لا يتعلق شئ منها بالدين نفيا وإثباتا بل هى النظر فى طرق الأدلة والمقاييس وشروط مقدمات البرهان وكيفية تركيبها وشروط الحد الصحيح وكيفية ترتيبه . إلا أن أهل المنطق عند الانتهاء إلى المقاصد الدينية لا يمكنهم الوفاء بشروط البرهان بل تساهلوا غاية التساهل .

الإلهيات: فيها أكثر أغاليط الفلاسفة فما قدروا على الوفاء بالبرهان على ما شرطوه فى المنطق ومجموع ما غلطوا فيه يرجع إلى عشرين مسألة يجب تكفيرهم فى ثلاث منها وتبديعهم فى سبع عشرة.(6)

الأولى: إبطال مذهبهم فى أزلية العالم .

الثانية: إبطال مذهبهم فى أبدية العالم .

الثالثة: بيان تلبيسهم فى قولهم:أن الله صانع العالم وأن العالم صنعه .

الرابعة: فى تعجيزهم عن إثبات الصانع .

الخامسة: فى تعجيزهم عن إقامة الدليل على استحالة إلهين .

السادسة: فى إبطال مذهبهم فى نفى الصفات .

السابعة: فى إبطال قولهم: أن ذات الأول لا تنقسم بالجنس والفصل .

الثامنة: فى إبطال قولهم: أن الأول موجود بسيط بلا ماهية .

التاسعة: فى تعجيزهم عن بيان أن الأول ليس بجسم .

العاشرة: فى بيان أن القول بالدهر ونفى الصانع لازم لهم

الحادية عشرة: فى تعجيزهم عن القول بأن الأول يعلم غيره .

الثانية عشرة: فى تعجيزهم عن القول بأنه يعلم ذاته .

الثالثة عشرة: فى إبطال قولهم: أن الأول لا يعلم الجزئيات .

الرابعة عشرة: فى قولهم أن السماء حيوان متحرك بالإرادة

الخامسة عشرة: فى إبطال ما ذكروه من الغرض المحرك للسماء .

السادسة عشرة: فى إبطال قولهم: أن نفوس السماوات تعلم جميع الجزئيات .

السابعة عشرة: فى إبطال قولهم باستحالة غرق العادات .

الثامنة عشرة: فى قولهم: أن نفس الإنسان جوهر قائم بنفسه ليس بجسم ولا بعرض .

التاسعة عشرة: فى قولهم باستحالة الفناء على النفوس البشرية .

العشرون: فى إبطال أفكارهم لبعث الأجساد مع التلذذ والتألم فى الجنة والنار باللذات والآلام الجسمانية .

والمسائل الثلاث التى خالفوا فيها كافة المسلمين ولذلك يكفرهم فيها الغزالى هى:

1- قولهم بقدم العالم وأزليته .

2- قولهم أن الله تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات .

3- إنكارهم حشر الأجساد .

ومن خلال موقف الغزالى من علوم الفلاسفة ومحاولته بيان تهافت آرائهم وتناقض كلمتهم فيما يتعلق بالإلهيات وكشفه لغوائل مذهبهم وعوراته يتضح لنا أن الغزالى لا ينكر الحقائق العلمية سواء أكانت رياضية أم طبيعية بل يقول إن الحساب والهندسة والفلك والطبيعيات علوم حقيقية لا شك فى صحة براهينها وفائدة استنتاجاتها . لكن العلم عنده محدد النطاق فكما أنه لا يجوز بناء العلوم على الاعتقاد كذلك لا يجوز حصر الدين فى أحكام العقل وبراهين المنطق فالعلم يستند إلى العقل والدين ينطلق من القلب .

فالرياضيات ليست فى حد ذاتها ممنوعة وإنما يمنع عنها الضعيف حتى لا يقوده وضوحها إلى الانزلاق والانسياق مع حسن الظن وراء الفلاسفة فيقلدهم فى أمور الدين كما يقلدهم فى الرياضيات . والمنطقيات أو ما يسميها الغزالى مدارك العقول هى كالرياضيات أمور عقلية مسلمة إلا أن الفلاسفة ما استطاعوا تحقيق شروط الدليل من المنطق فى الإلهيات كما استطاعوا تحقيقه فى الرياضيات .(7)

ويرى الغزالى أن الفلاسفة قد عجزوا عن الوفاء بشروط المنطق فى الإلهيات لأنهم استخدموا المنطق فى فهم ما لا يصلح لفهمه لقد دفعهم الغرور إلى وزن الأمور الربوبية بميزان العقول أو الظنون وزاغوا عن سبل الحق والهدى " وهكذا يفعل الله بالزائغين عن سبيله والناكبين لطريق الهدى المنكرين الظانين بالله ظن السوء المعتقدين أن الأمور الربوبية تستولى على كنهها القوى البشرية المغرورين بعقولهم زاعمين أن فيها مندوحة عن تقليد الرسل وأتباعهم ".(8)

لقد تصور الفلاسفة الأمور فى الإلهيات على قدر ما وجدوه وعقلوه وما لم يألفوه قدروا استحالته .. فهم يحكمون بظن وتخمين من غير تحقيق ويقين على صدق علومهم الإلهية بظهور العلوم الحسابية والمنطقية ويستدرجون به ضعفاء العقول . ولو كانت علومهم الإلهية متقنة البراهين نقية عن التخمين كعلومهم الحسابية لما اختلفوا فيها كما لم يختلفوا فى الحسابية .(9)

ولكل هذه الاعتبارات يهاجم الغزالى أنصار الميتافيزيقا لأنهم قد بالغوا فى إيمانهم بقدرة العقل على المعرفة حتى بسطوا سلطانه على الإلهيات نفسها لقد أخطئوا فى توسيعهم سلطان العقل أكثر ما يمكن أن يتسع له من معارف ولذلك قد انحرفوا عن الطريق المستقيم .... وإذا كان بعض المؤرخين يعتبرون أرسطو أكبر عقلية فلسفية ظهرت على وجه التاريخ فهو أيضا أشهر الذين انهار مذهبهم فى عالم ما وراء الطبيعة . ويعد إخفاق عقله هذا الكبير فيما يختص بمعرفة الغيب من أوضح الأدلة على أن عالم الغيب أسمى من أن يتناوله العقل البشرى الخطاء . ولقد كانت الاعتراضات على مذهبه قوية عامة شاملة حتى أن تلاميذه دب اليأس فى نفوسهم من إقامة عالم ما وراء الطبيعة على أساس العقل فلم يمكنهم أن يردوا على الاعتراضات ورأوا أنه إذا كان أستاذهم أخفق هذا الإخفاق فى عالم الغيب فأنهم سيخفقون من باب أولى لو حاولوا إقامة مذهب فى الإلهيات جديد. (10)

انصرف إذن تلاميذ أرسطو عن عالم ما وراء الطبيعة واتجهوا إلى عالم الطبيعة والأخلاق ... ولذلك رأى الإمام الغزالى أن طريق الميتافيزيقا طريق مسدود ولابد من محاربة هذا العبث الذى يسمونه "الفلسفة العقلية" لابد من محاربته لأسباب عدة: فهو إضاعة للوقت وهو تشكيك للبشرية وزعزعة للإيمان وليس له من نتيجة إلا التفرق والاختلاف وتوهين المقدسات على أنه إذا كان الغزالى يلتمس لليونان العذر فى معالجة هذا الموضوع لعدم وجود الوحى المعصوم الذى يهديهم الطريق وينير لهم الظلام فليس هناك من عذر للمسلمين وبين أيديهم رسالة السماء ممثلة فى "القرآن الكريم " (11)

ومن الواضح أن حملة الغزالى إنما كانت موجهة أولا وبالذات إلى العقل . والقضية المتنازع عليها هى قضية استطاعة العقل الوصول إلى المعرفة اليقينية فى عالم "ما وراء الطبيعة" الإمام الغزالى ينكر ويثبت إنكاره بالإخفاء المتتابع للفلسفة ويثبته أيضا بهدم العقل لكل ما بناه العقل نفسه فى هذا الميدان .(12)

فمجال العقل ضيق وخطاه قاصرة ولا يمكنه أن يتجاوز حدود هذا العالم إلى العالم الآخر فهو لا يعرف بالتجربة ما ينفع أو يضر فى الآخرة ولا يهتدى إلى ما بعد الموت إنه لا يصل إلى الإدراك إلا عن طريق التجربة ولا مجال للتجربة فى العالم الآخر . وعامة فإن شكوك الغزالى فى أحكام العقل لم تنشأ إلا فى سبيل الدفاع عن حقيقة الدين . ولذلك نجده لم يتردد أبدا فى التضحية بالعقل عندما يتعارض مع سلطان العقيدة فالعقيدة عنده فى المنزلة الأولى والعقل فى المنزلة الثانية وهو يقصر مهمة العقل من الدين على الشهادة بصدق النبوة إذ أن سلطانه لا يمتد إلى أبعد من ذلك .

وعامة كان الغزالى معنيا ببيان عجز العقل الإنسانى عن إدراك حقيقة الوجود وأن له حدا يجب الوقوف عنده ... يقول الأستاذ "بلاسيوس" بحق " إن الغزالى حينما سمى كتابه (تهافت الفلاسفة) كان يريد أن يمثل لنا أن العقل يبحث عن الحقيقة ويريد الوصول إليها كما يبحث البعوض عن ضوء النهار: فإذا أبصر شعاعا يشبه نور الحقيقة انخدع به فرمى بنفسه عليه وتهافت فيه ولكنه يخطئ مخدوعا بأقيسة منطقية خاطئة فيهلك كما يهلك البعوض ".(13)

وقصارى القول إن العقل – فيما يرى الغزالى – لا يمكن الاعتماد عليه فى إدراك ما وراء الطبيعة من أسرار وإنما يجب الاعتماد فى ذلك على الشرع وحده . ومن هنا أراد الغزالى أن يهدم مذاهب الفلاسفة لاختلاف آرائهم وتباين وجهات نظرهم لاسيما فيما يتعلق بما وراء الطبيعة ويبين لمن ظن أن مسالكهم نقية عن التناقض وجود تهافتهم ولبس مواقفهم . وأن العقل يمكنه أن يضع براهين وأدلة على إثبات قضية ما وعلى نفيها فى آن واحد كما هو الحال بالنسبة لتصوراته فيما وراء الطبيعة فهو لا قدرة له على طرق هذا المجال وارتياد آفاقه إذ لا يمكنه أن يظفر فيه بحقيقة ولا يمكن أن نزن به أية مسألة تتعلق بالأمور الماورائية.

 

ا.د.ابراهيم طلبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا

.......................

الهوامش

1- أندريه كريسون: المشكلة الأخلاقية والفلاسفة ترجمة د . عبد الحليم محمود مطابع دار الشعب بالقاهرة 1979م ص 38 المقدمة – بقلم المترجم .

2- الموضع نفسه .

3- الغزالى " أبى حامد محمد ": المنقذ من الضلال والموصل إلى ذى العزة والجلال حققه وقدم له د . جميل صليبا د. كامل عياد بيروت دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع ص 94 .

4- المرجع نفسه: ص ص 96 – 98 .

5- المرجع نفسه: ص ص 100 – 106 .

6- الغزالى " أبى حامد محمد ": تهافت الفلاسفة تقديم وضبط وتعليق د. جيرار جهامى بيروت دار الفكر اللبنانى ص ص 37 – 38 .

7- فكتور سعيد باسيل: منهج البحث عن المعرفة عند الغزالى بيروت دار الكتاب اللبنانى ص 168 .

8- المرجع نفسه: ص ص 168 – 169 .

9- الغزالى " أبى حامد محمد ": تهافت الفلاسفة ص 31 .

10- أندريه كريسون: مرجع سابق ص 39 .

11- المرجع نفسه ص 42 .

12- الموضع نفسه .

13- الموضع نفسه .

 

akeel alabodهنالك قبة تختلف في مبناها وهيبتها تماماً عن قباب الأضرحة الشامخة، تلك التي تنتصب شاهقة امام أعيننا في عالم المادة، القبة التي رسمها وخطط لها صاحبي، لها من القدسية ما يجعلها اكثر تميزا وعظمة وبهاء عن غيرها من القباب، فهي عبارة عن فضاء مقدس، وروح لا يسكنها الضجيج، ولا الخواء هذا الذي يدب في دواخلنا، وتلك لغة تحتاج الى معركة وإرادة مريرتين، فالروح اي النفس بحركتها عبارة عن كيفية متغيرة، هذه الكيفية لها علاقة بطبيعة ما يجول في مشاعر الانسان وعقله وحسه وعلاقاته مع الموجودات.

جلس صاحبي بعيدا عن ضجيج الآخرين، راح يفكر بطريقة تمكنه ان يستكمل دائرة أفكاره؛ وهي عبارة عن مجموعة معادلات رياضية وفيزيائية لها علاقة بحركة المادة وعلاقتها مع الوجود. الوجود لم يكن دائرة مغلقة، كما هو ليس نقيضا للعدم؛ فالعدم وجود غير مدرك، وبهذا اللامدرك يستكمل الزمان حقيقته الوجودية، ليصبح على تماس مع المدركات تلك التي تحيط وجوداتنا المتحركة في عالم المكان.

هذه المدركات لها أنماط ومسارات وصور مختلفة وهذه الأنماط هي التي تجعل من الانسان كائن متصارع مع ذاته المتغيرة، كائن يحتاج لان يحقق وجوده المتغير بغية اعادة الارتباط مع الذوات "والماهيات" الاخرى بطريقة جديدة. لقد أدرك صاحبي ان عليه مسؤولية تفرض عليه لغة وعلاقات وحياة غير تلك التي ما زال يألف اليها . فبدلا من الاستمرار في مشروعه الاول؛ ذلك الذي ارتبط به منذ ان حطت أقدامه عالم الفلسفة، صار عليه ان يتحمل أعباء عمل يتطلب منه ان ينصرف عن عمله القديم ويتجه لعمل وعلم جديدين في اللغة والأصوات والمقاطع، وهذا يحتاج جهدا اكبر، ومسؤولية اصعب، كونه يفرض عليه ان يتعايش مع التلاميذ بطريقة معلم متمكن من اداء مهنته الشائقة هذه، لقد تغيرت معادلات الزمان والمكان بعد ان تغيرت لغة الموضوع الذي يحتاج منه لان يكرس كل وقته لأجله وهذا ليس بالأمر اليسير، سيما وان ما يجري في الواقع يفرض تقاطعات وحواجز من الصعوبة تجاوزها؛ فهي تشبه الى حد ما ساحة حرب تطوقها بنادق الطرف المعادي، سيما ونحن أزمة التعامل مع السرعة والتكنولوجيا والقيم والمعرفة وتلك قيود لها علاقة بمساحة الحركة الزمانية والمكانية للعقل المنتج.

هنا بحسب شروط قبته المقدسة، أيقن صاحبي ان الإبداع لم يأت عندما يكون الانسان متصالحا مع ذاته، اي على وتيرة واحدة معها، بل لا بد عليه ان يكابد عناء عدمه الوجودي، ليصل الى وجوده العدمي، هذا التجدد هو الجبروت، وهو الإبداع الذي نحتاج الى إدراكه .

emadadeen ibrahimهناك سؤال يدور في أذهان الكثيرين منذ زمن بعيد، ما طبيعة العلاقة بين الفلسفة والعلم؟ هل هي علاقة تكامل واتفاق أم علاقة صراع وصدام؟ الإجابة هي انه رغم اختلاف طبيعة الفلسفة عن العلم إلا أن العلاقة بينهما هي علاقة تكامل واتفاق، فكلاهما يمثلان مصدرين أساسيين من مصادر لمعرفة، ولاغني لإحداهما عن الأخر. ورغم ذلك غالبا ما يتم الخلط بين العلم والفلسفة وهذا خطا شائع. ويجب أن نوضح اختلاف طبيعة العلم عن الفلسفة لان التناول العلمي لقضية ما يختلف تماما عن التناول الفلسفي لها. ونشير إلي حقيقة تاريخية هامة وهي العلوم نشأت في أحضان الفلسفة وهذا وضح في مدرسة أيونيا عند الفلاسفة الطبيعيون الأوائل أمثال طاليس وغيرها هم كانوا يبحثون عن المصدر الأساسي والعنصر الجوهري الذي يقف وراء التغيرات التي تحدث في الكون. ورغم الاختلاف بين طبيعة العلم والفلسفة إلا انه يوجد بعض الفلاسفة حاول الخلط بينهما في محاولة لتغيير طبيعة الفلسفة لتتفق مع طبيعة العلم ومن هولاء (هيجل) الذي قال أن الأمر الذي عقدت عليه العزم هو المشاركة بجهدي في أن تقترب الفلسفة من هدفها وتتمكن من طرح الاسم الذي توصف به وهو حب العلم من اجل ان تصبح علما حقيقيا. ومما لاشك فيه أن من القواسم المشتركة بين العلم والفلسفة وصلات القربى هي أن تطور العلم هو تطور للفلسفة والعكس صحيح، فتطور الفكر الفلسفي ارتبط إلي حد كبير بتطور العلم. ولو رجعنا الي بعض محاورات أفلاطون لتحققنا من أن اكتشاف الفيثاغوريين لبعض الحقائق الرياضية قد كان أصلا من الأصول الهامة التي صدرت عنها نظرية أفلاطون في المثل. وكذلك فلسفة ديكارت مدينة بالكثير من أصولها لما وصل إليه العلم علي يد جاليليو. ورغم من هذه الصلات الوثيقة إلا أن هناك فروق واختلافات جوهرية بين الفلسفة والعلم لا نسطيع أن نغض الطرف عنها منها:

- يهدف العلم إلي وصف الظواهر وكيفية حدوثها، اما الفلسفة فهي تحاول تفسير ما وصل إليه العلم، إذ العلم وصفي والفلسفة تفسيرية.

- العلم موضوعي وتجريبي أما الفلسفة ذاتية شخصية.

- أيضا من أهم الفروق العلم امبريقي حدوده العالم المحسوس، أما الفلسفة فهي تتجاوز حدود العالم المحسوس إلي ماوراء العالم المحسوس.

- العلم جزئي أما الفلسفة فهي كلية تبحث عن العلل الأولي .

إذن العلاقة وثيقة والصلة حميمة بين الفلسفة والعلم والعلاقة توافقية وتكاملية رغم اختلاف طبيعة كل منهما عن الآخر، علينا أن نحترم هذا الاختلاف بين طبيعة العلم والفلسفة ولا نحاول أن نختزل أحداهما إلي الأخر، فهما بينهما اختلاف لكن لا يودي إلي التعارض والصدام، لان طبيعة العلاقة تكاملية يكمل كل منهما الأخر في النظر إلي الكون ولكن كل بمنظاره في الرؤية. فالفيلسوف صاحب رؤية شمولية كلية للكون، اما العالم فهو صاحب رؤية متخصصة جزئية، وليس أدل علي التكامل بينهما من فلسفة العلم التي تجمع بين العلم والفلسفة في إطار واحد .  

 

دكتور عماد الدين إبراهيم عبد الرازق

أستاذ الفلسفة المساعد بآداب بني سويف