صادق السامرائياللغة أداة التفكير، فلكي نفكر نحتاج إلى مفردات تساعدنا على التفكير والتعامل مع الأفكار بقدرات إدراكية عالية.

فالأفكار بحاجة لمفردات، وقوتها تتناسب طرديا مع كمية المفردات المتوفرة للعقل.

فإذا ضعفت اللغة ضعف التفكير، وهذا ينعكس على صورة الحياة القائمة ويتمثل بها.

ولهذا تجد المجتمعات القوية تبدأ بتعليم الأجيالها منذ ما قبل المرحلة الإبتدائية معاني الكلمات، وتضخ فيهم مخزونا لغويا يؤهلهم لإعمال عقولهم والإعتماد على تفكيرهم، ويستمر الضخ المكثف للمفردات ومعانيها ودلالاتها ومراميها حتى نهاية المرحلة الجامعية، التي يكون الشخص فيها قد إمتلك أدوات التفكير اللازمة للتعبير عما يريده ويراه.

إن وعي مفردات أي لغة تحتم على العقل التفكير، لأن المفردات ذات طاقة حيوية وقدرة على التواشج والتوالد، والإنطلاق في كينونات ذات قيمة تعبيرية عن فكرة ما.

وواقعنا العام يشير إلى نضوب المفردات في أجيالنا، وعدم إبتكارنا المناهج التعليمية المعاصرة للغة الضاد، فلا نتبع خطوات المجتمعات المتقدمة في تعليمها للغاتها، ونأخذ منهم ما يضر بلغتنا ويساهم في نضوب مفرداتها وتغريبها عن وعي الأجيال.

فمنذ منتصف القرن العشرين والنخب تجتهد في النيل من اللغة وتقويض أسسها وأعمدتها، التي توارثتها الأجيال بذريعة الحداثة والتجديد، وما حدّثت ولا جدّدت بقدر ما إستنسخت من الآخرين ما يناهض اللغة ويعاديها في ميادينها الإبداعية المتنوعة.

فتجدنا نغرق في كتابات عبثية هروبية خالية من الإضافات المعرفية، والزاد اللغوي الشهي الذي يعين على إثراء المعجميات الذاتية، بل ترانا نقرأ نصوصا خاوية على عروشها، لا تعيننا على إكتساب معنى لمفردة أو إقتباس عبارة ذات قيمة.

وهذا يعني أن نخب الأمة يساهمون في تجديبها من المفردات الضرورية لإنتاج الأفكار والإبداع الأصيل.

وعليه يتوجب الإهتمام بالكلمة ومعناها ومنذ سن مبكرة، وأن تكون النصوص المكتوبة بأنواعها رافدا مهما لإغناء القارئ بالمفردات المعاصرة اللازمة للتفكير التنويري وتفعيل العقل.

وبهذا يمكننا أن نقول بأن اللغة العربية أداة تفكيرنا، ووسيلتنا للإتيان بما يتوافق والإستجابات اللازمة لمواجهة التحديات القائمة.

أما القول بتفعيل العقول وهي خالية من أدوات التفكير فهذا هو الهراء بعينه!!

 

د. صادق السامرائي

 

شاكر فريد حسنمن دواعي الغبطة والسرور أن يقوم الصديق الشاعر الأستاذ رجا الخطيب، القامة الوطنية، ورئيس مجلس دير حنا سابقًا، وصاحب المواقف السياسية والوطنية الجذرية الصلبة، بإهدائي باكورة أعماله الشعرية، ديوانه الموسوم "أكاليل آذار"، الصادر عن دار الحديث  في عسفيا بإدارة الشاعر الناشر فهيم أبو ركن.

يقع الديوان في 131 صفحة من الحجم المتوسط، وجاء بطباعة فاخرة وأنيقة، وأبدعت الفنانة ملكة زاهر بالتصميم الداخلي للديوان، وتصميم لوحة الغلاف الجميلة والمعبرة عن محتوياته ومضمونه. ويهدي رجا ديوانه إلى" الذين يعشقون الحروف، ويصوغون من بقاياها قلائد الكلام، ومحبي الخير والعاملين على إفشاء السلام".

ويتضمن الديوان أشعارًا وخواطر ذات دلالات عميقة، تحمل بعدًا وجدانيًا ووطنيًا وسياسيًا واجتماعيًا عامًا، تحاكي آذار وما يمثله من رمز بالارتباط والالتصاق بالأرض حتى الجذور، يوم انتفضت وهبت جماهيرنا العربية الفلسطينية دفاعًا عن أراضي المل في البطوف والأرض الفلسطينية كلها في العام 1976، وتعكس هذه الأشعار والخواطر الهم العام والوجع الإنساني والجرح الفلسطيني النازف.

لقد قرأت ديوان رجاء الخطيب بكثير من المتعة الذوقية، ووجدت في نصوصه مشاعر الحب والإنسانية وعشق الوطن وأبجديات الحروف، والالتزام الوطني والكفاح بكل تجلياته. إنه يمتلك نفسًا شعريًا وموهبة فذة، ويصب ويسكب أحاسيسه ومشاعره وينسج حروفه وكلماته بكل الصدق والعفوية والتلقائية والرقة والعذوبة والصياغة الجمالية الفنية. وما يميز كتابته الشعرية هو مقدرته الواضحة على المزج بين بساطة التعبير وواقعية الكلمات والمعاني من ناحية ورمزية اللغة الشعرية.

وعنوان الديوان يحمل دلالات فنية رمزية خالصة تلخص الإطار العام للرؤية الشعرية في الديوان كله، فالثورة والغضب على الواقع والحلم بفجر وضاء، وأمل مشرق بغد خالٍ من القهر والالم والظلم الإنساني، يمكن أن يتحقق في يوم من الأيام، ذلك أن الأسى والحزن والشجن لن يظل يطغى على ملامح تجربة شاعرنا رجا الخطيب.

في الديوان قصائد عديدة ومتنوعة الأغراض في معظم المواضيع، الوطنية والسياسية والاجتماعية والإنسانية والوجدانية والتأملية والرومانسية والرثائية، وغير ذلك من هموم وثيمات وعناوين. ففي الغزل نقرأ "رقّ قلبي" وهي قصيدة ناعمة حد الرقة، وفي غاية الروعة والجمال والشفافية ورهافة المشاعر، فيقول:

رقّ قلْبي للحَبيبِ وَراقا

كالندّى عَشِقَ الوُرودَ رِفاقا

يا حَبيبي لا تَزُرْني غِبّا

قد رَمى سَهْمُ المُحِبِّ مُحِبّا

فأصابَ كَبْدَ الهَوى وأراقا

أمْهتْ على ذِكْرِ الحَبيبِ عُيوني

وَوَقَتْ رُؤاهُ سَتائرُها جُفوني

أنْشدْتُ لهُ لَحْنًا فَسَرَّهُ شّدْوي

ما كانَ ظنّي أنّ الهَوى يَكْوي

ومن القصائد التي تحاكي الوطن والتراب والأرض والشهداء الابرار، قصيدته الرائعة "أكاليل آذار" المشحونة بالغضب اللاهب والاعتزاز بشعبه الذي ثار بوجه مصادرة واغتصاب الأرض، والتي اختارها عنوانًا لديوانه، نقتطف منها:

آذار جُرْحُنا يُنْكَأ كلَّ يوْمٍ

حتى بدا نَزيفُ النّجيعِ مَسيلا

شُهَداؤنا لهم في القُلوبِ نُقوشٌ

لِجَميلِ ما اسْتَردّوا نرُدُّ جميلا

ردّوا بِروحِهِم في الحوادِثِ حقًّا

وكرامَةً ومجْدًا فباتَ أصيلا

حقُّ الشّهيدِ موْصولٌ بنا حتّى

لوْ كانَ درْبُنا في النّضالِ طويلا

كلُّ الشّهورِ آذارُ هل هو قَدَرٌ

يأبى تحَمّلًا شعْبُنا وقَبولا

وفي قصائد أخرى يتحدث رجا الخطيب عن عشقه للحروف ولغة الضاد، وعن جمال الربيع ونيسان وأزهار اللوز والطبيعة الخضراء وهمس الليل والفجر ورمضان وعيد الميلاد ورمضان وجائحة كورونا والعنف المستشري في مجتمعنا، ويكتب عن القدس الجريحة والشام وحلب الشهباء والحالة السورية، وعن السلام، ويدعو إلى نشر رايات السلام والمحبة والوئام في المجتمع وبين الشعوب واحقاق الحق الفلسطيني المشروع.

ونلمس في الديوان الحس الطبقي الواضح المنحاز والمنتصر للجماهير المسحوقة الكادحة، المتعطشة للحياة والحرية والعدالة، بالإضافة للروح الريفية الشعبية التي تتجلى في قصيدته " صورة وعرية" التي تنتمي للشعر الايديلي "الريفي"، حيث يقول:

والفلّاح بِمْحاذاةِ الوعَر كرْمُه

عشْقان من ريحْتُه طَعْمُه

تين ودوالي ما شاالله

التين زنّر على الدّايِر

والدّالية تْعرْبشت مَدّاتها عَ صْخور

باحْضانها قْطوفِ العنب تدّلّى

حَبّاتها زْمُرّدُ وْبلّور

وقطوفِ اسْتَوَت مثل الذّهب المِجَلّى

منها حَوّشِ الفلّاح مشَقول

تين وعنب للقَفّور مَلّا

وبحْدا الدالية بُطْمِة عالْيِة

بين اغصانَها نَطْنطِ الشّحْرور

وفي الديوان كذلك قصائد في الرثاء، فنراه يرثي بكل الحزن واللوعة والأسى المناضل شوقي خطيب، وجاره المربي صالح محمد خلايلة، والمرحوم البروفيسور الشاعر فاروق مواسي، سيد الحرف، الذي يقول فيه:

أبْكيْتَ حَرْفًا كانَ فيكَ يُمَتّعُ

وَقَصِيدَةً تَرْثي الرّحيلَ وتَدْمَعُ

يا سَيّدَ الحَرْفِ الّذي قوّمتَهُ

بعْدَما لَهَجتْ فيهِ ألْسُنُ تَبْدَعُ

أوْجَعْتَ فينا شِعْرّنا ورُواءَهُ

لوْ كُنْتَ تدْري كم رَحيلُكَ يصْفَعُ

فاروقُ حينَ تَشاكَلَتْ وتَحيّرَتْ

فينا الرُّؤى، كُنْتَ المُحَكَّم تَشْرعُ

زِنَةَ الرَّواسي بالحُضورِ رَصانَةً

مُتكامِلًا كالبَدْرِ نورُكَ يسْطَعُ

وتمتاز قصائد ديوان "أكاليل آذار" بالرصانة والجزالة اللفظية وقوة التعبير واللغة، ومتانة السبك والحبك، والعذوبة اللغوية الموسيقية، والروح الشاعرية المرهفة الشفيفة، والشعور الوطني العارم الطاغي على مضامينها، فضلًا عن الصور الشعرية الخلابة المبتكرة، والاستعارات البلاغية والايحاءات العميقة.

ومن نافلة القول، أن رجا الخطيب استطاع بفضل موهبته الفنية الإبداعية وثقافته السياسية والفكرية ومقدرته اللغوية، وبأسلوبه السهل الممتنع العذب والمتميز أن يصقل ويطور أدواته ويسمو بها نحو الابداع والتجديد ليلائم مقتضيات التطور والحداثة في المسيرة الشعرية الحديثة. وما هذا الديوان سوى بطاقة تعريفية لشاعر نجح عبر متخيله الشعري أن يحول أغنياته وأناشيده وخواطره إلى ترنيمات وألحان شجية ينبض فيها الأمل والبقاء والحياة.

فللصديق الأستاذ العزيز الشاعر رجا الخطيب أجمل التهاني بصدور ديوانه الأول "أكاليل آذار"، مع أصدق التحيات وأطيب الامنيات بدوام التوفيق والنجاح والمزيد من الإبداع والعطاء والإصدارات الشعرية.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

نايف عبوشلا جدال في ان الحفاظ على الموروث المعماري للبيئة الموصلية، انما يعني الحفاظ على سمات هوية الشخصية الموصلية، في سيرورتها المتعاقبة عبر الزمن، حيث ان تراثها المعماري يحمل ملامح الهوية الحضارية لتلك الشخصية المتميزة، لاسيما وأن الموصل، قد صنعت لها تاريخاً حضارياً ضارباً في عمق الوطن، فكانت راس العراق على مر التاريخ.. وظلت بذلك، حاضرة ثرية بالموروث المعماري، الذي يتنوع بخصوصيته، بتنوع المكان، والمناخ، والناس.. وبذلك يظل الموروث المعماري لها نمط حياة،وهوية مدينة، وليس مجرد مجسمات هنسية محضة.

وهكذا ظلت الموصل بمعمارها التراثي المتميز، واسلوب حياتها الخاص، أصيلة الهوية، وعصية على عوامل المسخ والتشويه، رغم كل ما لحق بها من نكبات، وأضرار، عبر تاريخها الطويل.

ان المطلوب اذن، عند الشروع باعمار مدينة الموصل.. هو الشروع بتوثيق معالم المعمار التراثي الموصلي البارزة، من الحصون والقلاع، والقصور، والمساجد، والتكيات،والازقة، والحارات..  وعلى رأسها بالطبع، منارة الحدباء العتيدة، للحفاظ عليها من ضياع معالمها نتيجة الدمار الذي لحق بها، مع انه يصعب إعادة تشكيل تلك المعالم برمتها، كما كانت قبل الدمار الذي لحق بها، لاسباب مالية، وفنية،ناهيك عن ضرورة أخذ متطلبات التوسع، وتداعيات العصر بنظر الاعتبار .

ومع كل تلك المعوقات، فإنه لابد من محاولة الإبقاء على الشكل المعماري المنحني لمنارة الحدباء، بالاستفادة من معطيات الهندسة المعمارية المعاصرة، والتسهيلات الفنية المتاحة، لاسيما وان الموصل اخذت إسمها مدينة (الحدباء) من المنارة بهيئتها المحدبة، وما يعنيه أمر الحفاظ على معمارها المحدودب، من رمزية كبيرة، للمنارة كإرث تاريخي، في استلهام  المسميات والمعاني، حتى تغنى بها الشعراء الموصليون، ومنهم الشاعر الكبير، احمد علي السالم أبو كوثر ، حيث يقول في قصيدته العصماء ( سينية ألحدباء ) :

وفي عيوني ترى الحدباء شاخصة ... أم الرماح وعهدي ناسها ناسي

حورية الجيد في سيمائها حدب ................ كأنها ملك يرنو لجلاس

إذا وقفت على البوسيف تنظرها ........ ترى سناء لها يسمو بنبراس

نطرتها نظرة نجلاء فابتدرت..... شؤون عيني وهز الوجد إحساسي

وهمت واحتشد الماضي بذاكرتي..... وزاحمتني خيالاتي وأحداسي

وتبقى مسؤولية النهوض بمشروع إعادة إعمار الموصل، مسؤولية جمعية، اكبر بكثير من ان يتم حصرها بجهة معينة لوحدها، مما يتطلب ان ينهض بهذه المهمة الجليلة، كل من يعنيه امر التراث الموصلي وخصوصياته، من الكتاب، والمؤرخين والفنانين والباحثين، والمعماريين، والرواة،ورجال الأعمال، وغيرهم.. من أبناء الموصل.. 

ولا ريب ان في الموصل من الطاقات العلمية، والفنية، والمادية، الحريصة على الحفاظ على تاريخ الموصل وهويتها وتراثها، ما يمكنها من ان تنهض بهذه المهمة بجدارة عالية، وتترجمها الى واقع عملي ملموس، فتحفظ للموصل هويتها المعمارية التراثية، المتصلة حركيا بالتاريخ، من دون تحريف، كلما كان ذلك ممكنا.

 

نايف عبوش

 

 

هاشم عبود الموسوييقول "فاليري": يُلاحظ أنه في حوالي منتصف القرن التاسع عشر، قد ظهرت رغبة واضحة في مجال آدابنا وهي ترمي الى عزل الشعر عزلا كُليا عن كل عنصر آخر عداه وتظهر هذه الرغبة عند بواكير "بودلير" كما سبق  أن قلنا، وتتأكد عند "ماللارميه" بقوة أشد . لكن من الخطأ أن نقول هذا عن الأدب الفرنسي وحده، فبودلير يدين بالكثير من هذا الى "لا دجارو" وأضف أن نفس الإتجاه كان موجودا في نفس العصر لدى كتاب الرومانتيكية ونقادها فيما وراء المانش (بريطانيا) من أمثال "وردزورث" و"كيتس" ... ولكن هذه الدعوات انحسرت شيئا  فشيئا ولم يعد الشعر معزولا عن باقي الفنون الأدبية .. وقد ظهر من يمثل الأدب الشامل في عصرنا هذا .

 

د. هاشم عبود لموسوي

هشام بن الشاويهذه ليست ورقة، مجرد انطباعات مشاهد  - مجرد مشاهد- عن مسلسل درامي، يعرض حاليا على  بعض الفضائيات العربية، وهروبا من الإعلانات، آثرت أن أكون  آخر من يشاهد الحلقات على الإنترنت، علما أنني اعتزلت متابعة الدراما منذ رحيل الكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة، وتفاقم الوضع بعد غياب وحيد حامد، علما أنني - كما كتبت في  مقال القدس العربي-  لم أكن متحمسا لمتابعة  مسلسله المثير للجدل " الجماعة"، لأن هذا المسلسل حرمنا  من نتاجه الدرامي المتميز...  لكن وجود هذه الثلة الرائعة من الفنانين في مسلسل "القاهرة كابول"، ولأنني أثق في قدرات الكاتب والروائي كمال عبد الرحيم، قررت متابعة حلقات هذا العمل الدرامي الشيق.

هذه بعض الانطباعات العابرة التي كتبتها على حسابي في تويتر، حول بعض المشاهد التي راقتني في المسلسل.

على ضفاف الشعر، المشاعر، الفن.. وبحضور الفنانة الرقيقة حنان مطاوع، قضينا وقتا ممتعا، لطيفا.. استعرنا بعض الشجن  الشفيف لواقعنا المعاش، الموغل في نثريته الفجة.

كانت مفاجأة مذهلة أن تكون منال، هي ملهمة  الشاعر الخجول، وابنة خاله، التي يعتبرها أجنبية... والتي لا يحق له التحديق فيها إلا بعد أن تصير  حليلته، علما أنه لا يفرق بين "لما"، و"لو"... هذه الأخيرة التي بتعريف فناننا الجميل نبيل الحلفاوي  (القبطان ) تفتح عمل الشيطان!

المشهد الأخير  في الحلقة الثانية كان إنسانيا... لكن هل تم اغتيال المخرج (أحمد رزق) بسبب موقفه من التطرف  الديني أم أن المقصود كان هو العميد،  الذي استعار قبعته، فجاء موته فداء لتلك الصداقة القديمة، البريئة في زمن غير بريء..؟

بالنسبة إلى الموسيقى التصويرية المصاحبة لمشهد اغتيال المخرج خذلنتني كثيرا..  المشهد كان  في حاجة ماسة  إلى لمسة سحر، إلى بعض روح ياسر عبد الرحمن أو محمود سرور... بكاء الكمان يليق بمثل هذه المشاهد، بدل إيقاع تنذيري... بدت  معه الموسيقى  شبه باردة، مثل جثة غريبة ملقاة على قارعة الطريق !

خصصت الحلقة   الثالثة  للحديث عن "سلالم الشر"، التي يحاولون ارتقاءها من أجل الظفر  بغنيمة ما،  نعم غنيمة؛  الحياة صارت مثل الحرب.. عالم من الخدع الدنيئة، وحده الموت يعري حقيقتنا.. هناك من لا يهمه سوى كسب المزيد ، المزيد  من الغنائم، ولو تاجر  بموت صديقه، من أجل مجد إعلامي إضافي !  أو يقتل صهره، لأنه يقف حجر عثرة في سبيل طموحه.. هذا هو دور الدراما، إنها  ليست تجميع  نشرات الأخبار، التي تتحدث عن موت مخرج بكل برود ، ولا يهمها ما بعد هذا الموت، الذي يدمر حياة أسرة ، يشرد  أيتاما...!

2383 القاهرة 2

ولا يفوتني التنويه بقفزات الكاميرا  بين مأتمين في سلاسة، مشهد الأب الذي يتابع الأخبار  بلا صوت، ومشهد البداية الخلاب.. الأشجار  عارية الأغصان، و أشعة الشمس الخريفية، وهي تداعب الإسفلت في حنو، سرعان ما سينفجر في  مشهد المكالمة الهاتفية...

وكانت فنانتنا الرقيقة حنان مطاوع  درة عقد  هذه الحلقة في مشهدين، مشهد الفصل وهي تعرف اللغة العربية، وطبعا،  لست في إعادة الإشارة إلى أن عبد الرحيم كمال، يجعلنا نصافح  أرواح كتاب كبار نحبهم.. في الكثير من المشاهد، التي تحرضنا على التفكير، والكفر  بكل المسلمات، إنه يكتب دراما تسمو بالوعي والذائقة.

مشهد الإجابات المقتضبة، المتقطعة، المتمهلة جعلتنا نتذوق قطرات الحزن، الذي يعشش في روح عاشقة،  اختارت أن تبقى رهينة عواطف قد تخذلها، مثلما تخذلنا الأشياء الجميلة دائما. حنان مطاوع علمتنا أن نتفادى  الأحكام  المسبقة، أن نمحو من قواميسنا اليومية كلمة: عانس!

الحلقة  الرابعة.. حلقة صراع بين القلب والعقل!

سأحاول  التغاضي عن كل هذه النقاشات الفكرية، رغم أنها قدمت بشكل سلس، ناعم وراق، أولا لأن الحيز لا يتسع، و أيضا من الصعب الحكم مسبقا على أية أطروحة أو إشكالية...

في  هذه الحلقة  شاهدنا مباريات ثنائية  على  ملعب المشاعر، بين العميد عادل وأخيه،  وعم حسن وابنته منال التي جسدت دورها الرقيقة حنان مطاوع، ولا أعرف  لماذا  تخطر في بالي   الآن الفنانة  الشجية  الجميلة نيلي.. أعتقد أن ثمة خيط رفيع بينهما، فما أحوجنا إلى فنانة رقيقة شجية تنتشلنا من هذا الكم الهائل من المتطفلات على الفن!

افتقدت خالد الصاوي - الذي نعرفه-  في الحلقات الثلاث السابقة، لكن في هذه الحلقة استعدنا ذلك الفنان المحبوب؛ غول تمثيل في المشاهد الوجدانية،  يلغي وجود الممثل المقابل له!

الجميل نبيل الحلفاوي، الذي كلما شاهدته.. تذكرت سائر أدواره في دراما عكاشة، وكلها أدوار محفورة في الوجدان العربي.. من يستطيع أن ينسى دور الصعيدي رفاعي  في "زيزينيا"، أو دور الصديق الغامض في "كناريا وشركاه"، أو الطبيب المثالي رأفت في "الحب وأشياء أخرى".. وفي "تحت الملاحظة"؟!

ارحمونا من كل هذا الحنين القاسي...

من الأقوال  البديعة التي ستبقى عالقة في ذاكرة المشاهد مثل حكم، تعريفات عم حسن لبعض مفردات الحياة اليومية: "الهداية درجات.."، "الأكل عبادة.."!

شكرا عبد الرحيم كمال، لأنك تتيح لي فسحة صغيرة للكتابة، في شهر  الكسل بامتياز  عند الكتاب والمبدعين، حتى القراءة فيه تغدو عملا شاقا.

تحية لكل صناع هذا الجمال الباذخ، الشجي، المحرض، الجارح....

"القاهرة كابول" بطولة: فتحي عبد الوهاب، طارق لطفي، خالد الصاوي، حنان مطاوع، نبيل الحلفاوي، تأليف عبدالرحيم كمال، إخراج حسام علي.

 

هشام بن الشاوي - المغرب

 

صادق السامرائيشاعر وخطيب وحكيم من العرب قبل الإسلام، توفي سنة (600) ميلادية، (23) قبل الهجرة.

وإشتهر بخطبته في سوق عُكاظ، ومنها: "أيها الناس إجتمعوا وإسمعوا وعوا، مَن عاش مات، ومَن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت، إن في السماء لخبرا، وفي الأرض لعبرا، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لا تغور، ....."

وهو أول من خطب متكئا على عصا، وكتب من فلان إلى فلان، وإما بعد، وأول من قال : البينة على من إدعى واليمين على من أنكر.

ومن شعره: لما رأيت مواردا... للموت ليس لها مصادر، ورأيت قومي نحوها ...يمضي الأصاغر والأكابر، لا يرجع الماضي ولا...يبقى من الباقين غابر، أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر".

ويُقال أن الرسول الكريم قد حضر خطبه قبل البعثة، وذكر بعضا من مواعظه.

فهو شاعر وخطيب، وما إجتمعت الموهبتان عند غيره، ومع تكاثر الشعراء تقدم الخطباء فكان قس بن ساعدة قدوتهم وأبلغهم وأحكمهم.

وتنسب له أقوال عديدة كغيره من حكماء العرب، لكنه  فاقهم شهرة وترسخت خطبه في وعي الأجيال، ولا تزال مقروءة ومسموعة بعد أكثر من أربعة عشر قرنا، مما يشير إلى بلاغتها وحسن أسلوبها، وقوة تأثيرها في نفس المستمعين، ولما تكنزه من حِكم وعِبر ومواعظ نابعة من تجربة متبصرة وواعية بمعاني الوجود والحياة.

ويمثل صورة مشرقة من أحوال العرب قبل الإسلام، وهو كالجزء الظاهر من جبل الثلج العربي الغاطس في مياه تهمة الجاهلية.

فالذين يكون بين ظهرانيتهم قس بن ساعدة وأمثاله لا يمكن وصفهم بالجهلة أو الجاهليين، فهو يقدم شهادة ودليل على بطلان هذا الإدعاء السائد بين الأجيال.

هؤلاء يمثلون زبدة المجتمع العربي آنذاك، وفيهم فطاحل وأفذاذ، لا تزال بصماتهم واضحة في أشعارهم، وما خلفوه من إبداعات تشير إلى تفاعلاتهم الحضارية المتقدمة مع عصرهم.

 

د. صادق السامرائي

 

صادق السامرائيعبد الرحمن بن كمال الدين أبي بكر بن محمد يابق الدين خضر الخضير المشهور بإسم (جلال الدين السيوطي)، (849 - 911) هجرية، ولد في أسيوط \القاهرة، وعاش (60) سنة، وقام برحلات عديدة للحجاز والشام والهند والمغرب، درس الحديث في المدرسة الشيخونة، وتفرغ للعبادة والتأليف في سن الأربعين.

هذا علم عربي نابغة زمانه والعصور، وغزير التاليف، وكان أول كتبه "شرح الإستعاذة والبسملة"، ألّفه في سن السابعة عشرة، ولم يترك ميدانا إلا وصنّف فيه، حتى في الطب لديه كتب:

 " النهج السوي والمنهل الروي في الطب النبوي، شقائق الأترج في رقائق الفتج . الدستور الجلالي في المعالجات، طب النفوس".

شيوخه:

محي الدين الكافيجي، يحيى بن محمد المناوي، أمين الدين الأقصراني، العز الحنبلي، المرزباني، جلال الدين المحلي، تقي الدين الشمني، وغيرهم، ويقال أنه أخذ العلم عن (150) شيخا.

تلاميذه:

شمس الدين الداودي، شمس الدين بن طولون، إبن إياس، وزين الدين الشماع وغيرهم، وهم من البارزين بمؤلفات ذات قيمة كبيرة.

من مؤلفاته:

.تأريخ الخلفاء، الإتقان في علوم القرآن، الجامع الكبير، الحاوي للفتاوى، إعراب القرآن . طبثات الحفاظ، طبقات المفسرين، لب اللباب في تحرير الأنساب، لباب الحديث.

هذه مختارات من مؤلفاته الغزيرة التي لا يمكن أن يقدر عليها إلا ذوي الهمم العالية والمواهب الغالية والقدرات السامية.

ولديه أرجوزة." تحفة المهتدين بأخبار المجددين" بين فيها أسماء المجددين من القرن الأول وحتى التاسع الهجري.

هذا النابغة الألمعي الموسوعي لم يترك شيئا لم يؤلف فيه، حتى عن العلاقة الحميمية بين الرجل والمرأة!!

وبرغم مرور قرون على وفاته، فأن كتبه لا تزال متداولة وذات قيمة معرفية وتوثيقية، تعين الباحثين في شتى المجالات، فهو ينبوع ثقافي لا ينضب، وكأنه أخذ العلم من منابعه العلوية الصاقية.

السيوطي ظاهرة تشير إلى أن الأمة تلد من أبنائها مَن تستجمع طاقاتها الحضارية فيه وتسخره لتأدية رسالتها، التي بموجبها تبقى وتتجدد وتكون كجوهرها الناصع المشرق المبين.

يُذكر أنه تفرغ للتأليف والعبادة في سن الأربعين، وأنتج 600 كتابا قي عشرين سنة، فهل كان يؤلف كتابا في أقل من شهر، مع الأخذ بنظر الإعتبار ظروف زمانه، وآلية الكتابة بالريشة والدواة وقلة الورق ونوعيته.

وكتبه التي ألفها تستدعي جهدا ووقتا قلا يعقل أنه ألف كتاب "تاريخ الخلفاء" في أقل من شهر، أو غيره من الكتب الضخمة.

ترى هل يمكن تصديق ذلك، وإن تحقق صدق ما أنجزه من الكتب، فهو من أكثر الأعلام في تاريخ البشرية تأليفا، وقد إمتلك طاقات خارقة في المعارف والعلوم وقدرات لا مثيل لها في تأليف الكتب، أم أن العديد من المؤلفات قد نسبت له، أو ألصقت به كما هو الحال في مسيرة التأريخ الذي تنسب فيه أقوال ومؤلفات لغير أصحابها؟!!

إذ ربما يكون للنساخين دورهم في إلصاق الكتب بأسماء مشهورة لكي يتم بيعها، فنزاهة النساخين مشكوك فيها، وأنهم يتاجرون بالكتاب الذي هو بضاعتهم، وعليهم أن يروّجوها بما يستطيعونه من الأساليب، ومنها إلصاق أسماء معروفة مرغوبة بالكتاب الذي يستنسخونه، فما كانت هناك حقوق ملكية أو أدلة قاطعة على أن مؤلف الكتاب هو فلان الفلاني إلا فيما ندر.

والبعض يرى أنه بدأ التأليف في سن مبكرة، مما قد يبرر تأليف هذا الكم من الكتب التي تتناول حقول معرفية متنوعة.

 

د. صادق السامرائي

 

صادق السامرائيأبو حنيفة واصل بن عطاء المخزومي (80 - 131) هجرية. الملقب بالغزال الألثغ لعاهة في نطق حرف الراء.

ولد في المدينة، وكان تلميذا لمحمد بن الحنفية، ولزم الحسن البصري في حلقاته، لكنه إنفصل عنه وأسس حلقته في جامع البصرة، فقال الحسن: "إعتزلنا واصل"، وسميت فرقته بالمعتزلة، وهي فرقة كلامية إشتهرت بالجدل والمناظرة.

وهو من زعماء العقلانيين، ومنظري التكفير، ومؤسس نظرية "المنزلة بين المنزلتين" وتعني أن مرتكب الكبيرة ليس بمسلم ولا كافر ولكنه بمنزلة بينهما.

مؤلفاته: " أصناف المرجنة، التوبة، معاني القرآن، المنزلة بين المنزلتين، الدعوة، الفتيا، السبيل إلى معرفة الحق".

ومن خطبته المرتجلة التي تجنب فيها حرف الراء: "....أوصيكم عباد الله مع نفسي بتقوى الله والعمل بطاعته، والمجانبة لمعصيته، فأحصطم على ما يدنيكم منه، ويزلفك إليه، فإن تقوى الله أفضل زاد وأحسن عاقبة في معاد.

ولا تلهينكم الحياة الدنيا بزينتها ةخدعها ’ وفوات لذاتها، وشهوات آمالها، فأنها متاع قليل، ومجة إلى حين، وكل شيئ منها يزول، فكم عاينتم أعاجيبها، وكم نصبت لكم من حبائلها، وأهلكت ممن جنج إليها واعتمد عليها، أذاقتهم حلوا، ومزجت لهم سما.....".

وهو من أهل العقل لا النقل، ومؤسس فرقة المعتزلة، ذات الأصول الخمسة: "التوحيد لله ونفي المثل عنه، العدل وهو قياس أحكام الله على ما يقتضيه العقل والحكمة، المنزلة بين المنزلتين، الوعد والوعيد  في الآخرة على أصحاب الكبائر وأن الله لا يقبل فيهم شفاعة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الإمكان والقدرة باللسان واليد والسيف كيف قدروا على ذلك".

وتتضارب الدراسات والمقالات بشأنه، لكنه ظاهرة سلوكية، تشير إلى أن الأمة تواجه تحديات زمانية ومكتنية عليها أن تتواكب معها بآليات إيجابية ذات قيمة تفاعلية طيبة، بدلا من الميل المتطرف المندفع نحو التكفير والدوغماتية، التي رافقت المدارس والفرق التي حاولت أن تجدد وتنتصر بالعقل على النقل ، لكنها إنحرفت وسفكت الدماء وما جددت، بل عضّلت التفاعل ما بين النص والزمن الذي هو فيه، ولا تزال الأمة في هذه المحنة التي تكلفها المزيد من الخسران.

ولن تستقيم أحوالها إن لم تدرك الفرق والمذاهب، أن تقوم بدور إستشاري وأخلاقي وحسب، وتبتعد عن السلطة لأنها ذات موجبات تتعارض مع أي دين.

 

د. صادق السامرائي

 

 

صادق السامرائيما أنتجه المفكرون العرب على مدى عقود وعقود، يمكن تلخيصه بعبارة "إعمال العقل في النص الديني" أي التأويل، ومعظمهم لم يتحرروا من هذا القيد الثقيل، وكأن الأمة لوحدها عندها دين، ومسيرتها ليست حافلة بما لا يُحصى من التأويلات والتفاسير وغيرها مما يتصل بالنص القرآني.

فهي أمة فيها أكثر من كافة أمم الأرض كتابات دينية.

ولا نزال نسمع خطابات بهذا الشأن وعلى مستويات متنوعة، وآخرها صيحة " تجديد الخطاب الديني"!!

يا أمتي ألا يوجد شيئ آخر علينا أن نُعمل عقلنا فيه سوى النص الديني؟!!

يا أمتي لماذا لا نُعمل عقولنا بموضوعات أخرى تنفعنا وتطور حياتنا؟!!

الكتابات الطاغية في الساحة الثقافية دينية، وكذلك في الساحة السياسية، وأصبحت الأمة في صراع مصيري بين وجودها ودينها، ودينها يقتل ذاتها وموضوعها، وما فطنت إلى إعمال عقول أبنائها في العلم والعمل.

المفكرون العرب بتنوعاتهم وكثرتهم لا يمتلكون الجرأة للخروج من الدائرة المفرغة الفاعلة فيهم والمقيدة لرؤاهم وتصوراتهم، والمحددة لمنطلقاتهم وقدراتهم على التبصر والتدبر والتفكر.

وتجدهم يتحدثون عن الأصولية والدوغماتية وكأن الحياة في الدين، وليس العكس، وبهذا يساهمون في تعزيز التوجهات المعطلة للعقول، والمتمسكة بالمطلق الجامد الذي يقتل نزعة التفكير والنظر المعاصر في أي شأن.

كما تراهم ينغمسون في موضوعات تراثية كل من زوايا نظره، وما تأثر به من المستشرقين ومدارس الفلسفة الأجنبية، فيقرأون الواقع بعيون الآخرين، ويستنتجون ما لا يتوافق معه، ويبتعد تماما عن وعي البشر المتفاعل في المكان والزمان.

فلا توجد نظريات حاسمة بخصوص التراث والتفاعل مع النص الديني، وإنما تفاعلات مكررة ومملة، لا تختلف عما تناوله المفكرون العرب قبل عدة قرون، وهذا يشير إلى حالة الجمود والركود الفاعلة في مسيرة أمة تريد أن تكون.

فلماذا لا يتحرر المفكرون من التراكمات السلبية وينطلقون بالأمة إلى ذرى جوهرها الساطع المبين؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

شاكر فريد حسنشاديا عريج شاعرة سورية لها حضورها في المشهد الثقافي والشعري السوري الجديد، يتوحد في نصوصها الحب مع الوطن وهموم الإنسان.

شاديا عريج من السويداء عاصمة جبل العرب، تعمل مدرسة لموضوع الرسم، ولجت عالم الأدب والإبداع منذ سنوات بعيدة. شاديا تكتب الشعر والخواطر الوجدانية والنصوص النثرية، وتنشر كتاباتها ونتاجها الشعري والنثري في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية السورية والعربية، وتحظى كتاباتها بإعجاب واستحسان القراء والنقاد والدارسين. وكان قد صدر العام 2018 لها ديوان شعر بعنوان "لغة الروح".

تتناول شاديا عريج في كتاباتها الكثير من القضايا والموضوعات والهموم الإنسانية، تحاكي فيها الحب والوطن والطبيعة والإنسان وشجون المرأة وسحر الطبيعة والجمال وروح أمها، التي عز عليها رحيلها وما زالت تندب هذا الرحيل الموجع.

شعرها فيه نبض وحياة وفضاءات ومشاعر دافئة ونبض وجدان متدفق، ويعتمد على الكثافة والتركيز ورؤية واضحة تنفتح على فضاءات الروح. ونلمس في قصائدها جمال الكلمات ورقة الألفاظ والمفردات والموسيقى الداخلية، التي تعطي ايقاعًا عذبًا وجاذبية وجمالية فنية وسحرًا أخاذًا للنص.

وقصائد شاديا عريج مترعة ومتأججة بالمشاعر والأحاسيس الجيّاشة، وصادرة من أعماق القلب والوجدان بشكل عفوي وتلقائي، ومعانيها مفهومة وواضحة، بعيدة عن التكلف، فهي وليدة الشعور واللواعج الداخلية واللحظات الآنية والأجواء الوجدانية التي تحيا فيها وتحس بها. وهذا هو الشعر الصادق الخارج من القلب إلى القلب، فيلامس الشغاف ويدخل إلى أعماق القارئ والوجدان والمتلقي دون استئذان. وكما قالت شاديا ذات مرة:" كتاباتي حافلة باللمسات الإنسانية المرهفة والشفافية، فيها حس تعبيري عالٍ وأسلوب لغوي واضح سهل ممتنع مليء بالإيحاءات، يصل بسهولة لكل من يقرأ حرفي".

لنسمع شاديا عريج تقول في قصيدتها "لكم تشدو القوافي":

تنهضُ الحروفُ مختالةً

تتفجرُ ينابيعُ لأجلكم

زلالًا..

تزهو القصائدُ ربيعًا

لمن كانَ بدرًا فصارَ

هلالًا..

يا سائلًا عنا دروبَ الهوى

نخوضُ ساحاتِ العشقِ

قتالًا..

والفؤادُ ينبض بالمحبةِ

وما كنتُ يوماً بحبكم

مفضالًا..

بفضلكم أزهرت بساتينٌ

بعد أن كانَ ربيعُ العمرِ

محالًا..

وخيرُ الطباعِ تواضعُ

لله دركم ما أجملَ

الأطفالا...

هيهات يحظى بالرضا

من فجَّر الدمعَ وقطَّع

الأوصالا..

لقد خابت بكم الأماني

بعد أن كنتم قدوةً

ومثالًا..

الناس معادنٌ على الأرضِ

والرجال قولٌ يترجمُ

الأفعالا..

لازلتم رغم التنائي

شدو الحروف والقوافي

ونجماً بسمائي يلمع

ويتلألأ.

تجربة شاديا عريج لها أنساقها ودلالاتها وفضاءاتها المختلفة، تجربة محملة بالشعرية، ومفعمة بالشفافية والصفاء الروحي، تمنح ماءها من الخيال، ومن ملح الحياة.. الحب الإنساني بكل أنواعه وألوانه وتصنيفاته، وهي تسير في طريق الإبداع الواسع بمراميه، وفي بحر الكلمات المتشعب بروافده بكل ثقة وتؤدة.

فللصديقة الشاعرة شاديا عريج أجمل التحيات، متمنيًا لها مستقبلًا شعريًا زاهرًا مبشرًا بكل ما يحمل ذلك من آمال عريضة في دنيا الشعر والإلهام والتجلي الذي يتطلب الصبر وطول الاناة. وبانتظار ما يخطه اليراع والقلب والروح من نصوص شعرية ونثرية وخواطر وجدانية، تطرب لها الافئدة.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

 

عباس علي مرادلم نتوقف عن التواصل عبر الهاتف رغم انف الكورونا التي بعدت المسافات القريبة وولدت نوع من الحذر، ولكن عندما بدأت تخف القيود وسنحت الفرصة سألني ابو خليل: شو عندك بكرا؟

كانت عطلة نهاية الأسبوع الطويلة لمناسبة عيد الفصح.

كان لدي التزام آخر واعتذرت، لكنه اصر وبعد بكرا، اجبته لا شيء،

إذن،  بدنا نشرب قهوة الاثنين صباحاً، اتفقنا على المكان والزمان.

صباح الأثنين وانا بطريقي الى المقهى المحدد وصلتني رسالة نصية للتذكير بالموعد، وتلتها رسالة أخرى يقترح فيها ابو خليل مقهى آخر على الشاطىء، وافقت على اقتراحه وما هي الا دقائق وكنا نأخذ اماكننا على الواجهة البحرية للمقهى وكان برفقته صديق مشترك حضر معه.

كان الموج دون كلل او ملل يطرق ابواب الشاطئ ويحمل معه من الضفة الأخرى للعالم قهوة من الذاكرة سكبها في فناجين صباحنا.

تدفق حبل من ذكريات الصبا والشباب في الحقول وبين أشجار الكروم والعصافير التي طارت وحلقت ولكنها لم تقع في أسر شباكنا التي نصبناها لأصطيادها بطمر الافخاخ بالتراب.

وكان محراث الذاكرة يقلب التراب ليخرج منها صوراً ناصعة كسنابل قمح لونتها الشمس بلونها المذهب الذي يختزن دفء الذكرى.

قطفنا من ثمار الذكريات تيناً،عنباً وصبار، ركضنا وتظللنا بفيء أشجار البطم، وجلنا في زواريب الضيعة، ودخلنا وخرجنا الى صفوفنا، وحضرت شيطنة التلامذة وتجربتنا مع المعلمين الذين حرصوا على بناء ثقافتنا مدماك فوق مدماك، ومنهم من رحل من الدنيا ومنهم من تغرب وآخرون ما زلوا يحرصون على الذاكرة في عيترون.

 الرفاق والاصدقاء عبروا وتبادلنا ذكرياتنا واياهم مجبولة بالفرح والعذاب والخوف والفقر الذي لم يقف عائقاً امام طموحنا الذي كان يحلق بأحلامنا عالياً.

 كله ونحن جالسين نقهقه بأعلى أصواتنا كأننا نعيش اللحظة بحلوها وعذوبتها وان كانت ترافقها بعض المرارة أحياناً، ونسينا انفسنا ورواد المقهى من حولنا وكأننا خارج المكان والزمان.

تذكرنا، وتذكرنا وتركنا المقهى وامواج الذكرى ما زالت تقرع ابواب شاطئ  الغربة وفرغت فناجين القهوة الا من ملح الذكريات الذي يسكن الوجدان.

انها قهوة من الذاكرة في صبيحة أثنين الفصح، لكن الذكريات بقيت معلقة على صليب الأيام الغابرة والمقيمة التي لا تعرف غربة وبعد وتنبض بدقات القلب وتسري في الاوردة والشرايين كالدورة الدموية تنقل اوكسجين الحنين.

 

عباس علي مراد

 

 

صادق السامرائيالسائد على صفحات التواصل الإجتماعي بأنواعها أشعار شعراء الأمة القدامى، ومن النادر أن تجد مقطعا لشاعر من شعراء الحداثة، مما يدل على أن الذائقة الشعرية العامة لا تتوافق مع الجديد، وتميل إلى القديم، لأنه أرقى وأجمل وأروع.

لو بحثتَ في  المواقع والصفحات التواصلية، فستجد مقاطع من قصائد لشعراء أصلاء أوفياء للغة الضاد ولمعنى الشعر، أما رواد الشعر الحديث من أولهم إلى آخرهم فلن تجد ما يشير إليهم.

مما يؤكد أن الحياة للأصيل، والبقاء والخلود له، وما هذه المنثورات الملصوقة بالشعر إلا زوبعة في فنجان الوجيع العربي ستزول حتما وتندثر.

ستثور ثائرة عدد من الأخوة والأخوات من الذين ينثرون ويحسبونه شعرا، أفسدوا فيه تذوق الشعر وأخرجوه من جماليته ورقته وعذوبته وإيقاعاته الندية، وأدخلوه في متاهات الغموض والعمه والعبثية، وكأنهم يرسمون لوحة تجريدية يتعذر فك طلاسمها.

وصار الشعر خطابات تتبادلها مجاميع تسمي نفسها نخبا، ومعظمهم يكتبون لأنفسهم، فما عاد يعنيهم القارئ، لأنهم في صوامعهم العلوية يتبادلون الرسائل الفنتازية، فيوهم بعضهم البعض بأنه يكتب شعرا لا مثيل له.

وتعسكر في المواقع الثقافية المتنوعة، وكلّ يكيل المديح لكلٍّ، فيصيبون الشعر واللغة بأضرار جسيمة.

ويخوّلون لأنفسهم تسمية ما ينثرونه بالشعر، لأنه غني بالإبهام والرمزية والتعبيرات الهذيانية، التي يتضح فيها إضطراب الأفكار وتداخل الصور والمعاني إلى درجة التشوش.

فالشعر الخالد هو الذي يتسرب إلى عقول ونفوس وأرواح الناس ويعيش في دنياهم، وليس مجرد كلمات تعبّر عن كذا وكذا وترسم صورة لحالة ما، وعندما يفقد الشعر إيقاعه، تنتفي صفته ويسقط من موكب الشعر لينام في حندس الخواء الأليم.

أقول هذا كقارئ يوجعني خلو الساحة من الشعر، وفقدان قيمة ودور الشعر، بسبب التوجهات المناوئة للشعر والتي تنتحله إنتحالا سافرا!!

فهل من شعر يا أمة الشعر؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

صالح الفهديوصلتني صورةٌ لو أنني نظرتُ إليها بتعجِّل لرأيتُ على رأسِ الشَّابِ فيها تقليعةَ شعرٍ غريبة الأطوارِ، ولأصدرتُ حكميَ المتسرِّعَ عليه، لكنني نظرتُ إليها بمهل، وكبَّرتُ الصُّورة، فرأيتُ أن وراءَ رأس صاحب الصورةِ قمَّة نخلةٍ بدت أشبه بتقليعة شعرٍ في سَعَفِها!!

استدعت هذه الصورة في ذهني فكرة "الصورة الكبيرة big picture" في علم "التفكير المنظومي System Thinking" والتي تهدفُ إلى العلاقات المترابطة للأشياء لتشكِّل في نهايتها الصورة الكبيرة، وهذا العِلْم هو عبارة عن عملية يتم من خلالها الإلمام بجميع جوانب الموقف أو المشكل، وأخذها في الاعتبار بهدف فهم النظام ككل، وهو ما يساعد على رؤية الأسباب الجذرية للمشكلات والعلاقات والروابط والأجزاء بينها، مما يساعد على تقديم نظرة شاملة لهذه المشكلات للوصول إلى حلول شاملة.

وتأمَّلتُ في القرآن الكريم فوجدتُ أن الله سبحانه وتعالى يدعو عباده إلى رؤية (الصورة الكبيرة) في قول الحق سبحانه وتعالى "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(آل عمران/191)، من أجلِ فهم الأسباب والنتائج، والارتباط والعلاقة، والجزء والكل.

هذه واحدةٌ من أكبر الإشكالات في مجتمعاتنا وهي النظرة المحدودة للأمور، مما ترتَّب على ذلك إصدار الأحكام المتهوِّرة، وانتشار الشائعات بصورة واسعة..! فالذين لا يملكون مهارة "تكبير الصورة" أو لا يريدون أن يُجهدوا أنفسهم في تفعيل هذه الخاصيَّة ثم يجادلون الآخرين بأنهم يملكون الصواب هم أشبهُ بقصَّة العميان مع الفيل، فقد ورد في كتاب "أودانا" أن أحد الملوك السابقين أمر لمدينة سافاتي أمر بجمع رعاياه العميان وتقسيمهم إلى مجموعات، وبعد ذلك أُخذت كل مجموعة إلى أحد الأفيال ووضعت أمام جزء معين من جسد ذلك الحيوان، كالرأس والخرطوم والذيل والأرجل وهكذا. وفيما بعد طلب الملك من كل مجموعة أن تصف له طبيعة ذلك الحيوان. فأما الذين لمسوا رأس الفيل فوصفوه بأنه جرَّة ماء، وأما الذين لمسوا أذن الفيل فشبهوهُ بمروحة ذرِّ الغلال، وأما أولئك الذين لمسوا قدم الفيل فقالوا إنه يشبه العمود، وأما الذين لمسوا نابه فأصروا على أن الفيل يشبه الوتد، فأخذت تلك المجموعات تتناقش فيما بينها، وتصرُّ كل مجموعة على أن تعريفها هو الصحيح وأن الآخرون مخطئون..!

هذه صورةٌ تنطبق على كثيرين لا يرون الصورة الكبيرة فيصدرون أحكامهم المجتزءة التي لا تكشفُ عن بقية الأجزاء الأُخرى، لهذا تعظم الخلافات، وتكثر المشاحنات، وتقطع العلاقات،ويعلو سوءُ الفهم، وتُصدر الأحكام من كل فردٍ أو مجموعةٍ وكلٌّ يدَّعي أن الحق إلى جانبه، والصواب لصالحه، في حين أن الجميع مخطيء لأنه لم ير أحد منهم الصورة الكبيرة، ولم يفهم العلاقات المترابطة والأسباب والنتائج..!

إن "تكبير الصورة" يحتاجُ إلى عاملٍ مهم قبله وهو "تكبير العقل" وفي الحالتين لا نعني المساحات وإنما نعني الوعي فهو المفتاح الأساسي لفهم الأمور في عمقها ومخابرها، وليس في قشورها ومظاهرها، وتكبير العقل يحتاجُ بدوره إلى ترقية الوعي، وتوسعة المدارك، وهذا يحتاج إلى تعلُّم ما يسمَّى بـ"الفكر الناقد critical Thinking" الذي يعلِّم الإنسان أن يكون حرَّاً ومستقلاً في تفكيره حينما يتأمل فيما يراه البعضُ حقائقَ، ومسلَّمات.

خُلاصةُ القولِ: أن مجتمعاتنا العربية بحاجة إلى "تكبير الصورة" من أجل التفكير بعمق في الأمور، ووضع الرؤى السديدة، وإصدار القرارات المدروسة، من أجلِ أن تتقدَّمَ في طُرقِ تفكيرها، وأنماطِ عيشها، ووسائلِ تقدِّمها، إذ لا يمكن لها أن تظلَّ محصورةً في الصور المحدودةِ، التي تعايشها بنظراتٍ عابرة، فذلك مما يبقيها في موضعِ قدمها إن لم يعيدها إلى الوراء..!

 

د. صالح الفهدي

 

 

محسن الاكرمينملعونة كل الكتابات التي لا تقتحم مناطق الظل الباردة والبحث عن الحرية والكرامة والعدل. ملعونة كل الكتابات التي لا تحمل أسلحة مقاومة أشكال الفساد والتفاهة والتغرير والتسويف. ملعونة كل الكتابات التي لا تفزع عش الدبابير بنار التنوير والتجديد. لن تغنينا كل الكتابات نفعا إن لم تسعنا بوابة العيش المشترك والسعيد في حضن تأمين السلام والإصلاحات المواكبة. قد لا نصل إلى التحديث المتكامل بتلك العقلانية العمودية بالنقد والتوجيه، ولكنا في نفس الصفحة يجب الإبقاء على السيرة التاريخية للوطن والمجتمع حاضرة، وتأصيلها بالتداول الرمزي والنفعي.

حقيقة متزاحمة بالتراكم، فكم استهلك المجتمع توابل التنوير المرن و إنشاء محاولات قتل رسوبيات الماضي، لكنا بالمقابل بقينا أوفياء لقيم من الثقافة والإرث الشعبي، وبقي العرف الاجتماعي مزدهرا. بقينا نلعب الكر والفر مع كل التصورات الفلسفية، من منظور وضعياتنا المشكلة ونحن نبحت عن حلول لتعليمات لاصقة لتحديد أجوبة عن (من نحن؟ ومن هو الآخر؟)، وكانت الخيبة رسوبنا عن استنباط كل الأجوبة الإخبارية النهائية، فأصبحنا (نحن) لا نحسن مشية الطاووس، ولا حتى علم غراب (قابيل وهابيل).

لم يعد أحادي المعرفة ولا أقصد اللغة فقط متمكنا، بل بات البحث عن التنويع الثقافي مشروعا لتشكيل الهويات المشتركة وسد فجوات الهويات الفردانية المجحفة. فمن الأكيد أن البحث عن الملاءمة الاجتماعية والكونية أصبح بحث مضني، ولم نحفل بنجاح قطف ثماره الموالية وغير الباكورية. ومن نوافل التأكيد أن يبقى التفكير المتحرك على بركة الخوف من النار يحتفي بالرمزية التقليدية في القادم من الحياة، دون التفكير في نواعم السعادة والسلام بالكلية. فمن الأكيد أننا نفكر في السعادة مثل رؤية قبلة البطل للبطلة الجميلة في نهاية فيلم الحياة، ولا نفكر في تحقيق السلام الداخلي والاجتماعي بذاك الوازع المنطقي والمنسق نحو سعادة الحياة. لنقعد قولا: فحين تفسد السياسة العامة للدولة ومكوناتها الحزبية، قد تفسد المؤشرات الكبرى البنائية لزوما، ويصبح المستقبل متقلبا بالتوتر من هنا فاعلم أن العيش المشترك لن يكون سويا في الغايات والموجهات، بل في إنشاء مخفضات للصدامات غير المحسوبة ولا المقدور على ضبط أثرها المظلم.

كم كان فصاحة الحمار مضمرة حين قال: بصيغة المطالبة بمقاربة الإنصاف في الأكل والمشرب والنوم مع نوع جنس الجمل، فحين بقيت تلك الحصيرة الخفيفة فردانية لانطلاقة رحلة التغيير، صاح الحمار حكمة (زيدها ما نايضش اليوم). هو التمثل الكافي بين رؤية الحمار و صمت الجمل حين حملنا الديمقراطية ما لا تطيق من كمّ التعليق على مشجبها. حين أغفلنا سلطة الحكامة الحاسمة في التخطيط والمتابعة والضبط، حين بتنا نصنف القوم بالتمايز والتفاضل فمنهم (الذهب الخالص) لمن يوافقنا الرأي ويقول دوما (نعم) بلا نقاش ولا جدال ولا مطالب لأنه أصلا مستفيد من (ريع  السياسة حلال) .حين صنفنا المعارضين والناقمين على الوضعيات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية باسم (الحديد المصدي). حين بات أصحاب الأعراف والوسط، من الذين يجمعون حسنة (الذهب المشحر) من السلطة، ورمز (الحديد المصدي) عند من نصبوهم من الشعب للترافع عنهم. هم إذا، فصائل من قوم متغير البنية (النحاس المصقول) والشبيه بالذئب الذي (يبكي مع الراعي) حين ضاعت أغنامه، وهم من (أكل غنم الراعي) خفية واستغل سياسة (الريع حلال) .

تسقط منا الحكمة لزوما، حين بات القوم خليطا غير متجانس من المعادن والكائنات المتحركة  بلا غايات. تسقط الحكمة، ومن بابها تسقط لعبة الديمقراطية التي لم يقدر تعبير الحمار (الإنصاف والمناصفة) على حمل حصير كان شبيها بزريبة (علي بابا)، والتي كانت ستطير به تقدما في المساواة ومقاربة النوع.

اليوم بات الفعل السياسي والثقافي من الخطابات التي لا تصنع السعادة ولا السلام عموما.  بات فرح السعادة من الصعب أن تجسدها أية كوميديا مسرحية. بات الحب مجحفا ، وبدا الحزن بديلا عن رمز التفاؤل في أحلام التغيير والتجديد. بات تضاد الأمزجة العكرة طاغيا في ظل الحظر الصحي المتناسل، وإفراغ الروح الدينية من الممارسة العقدية الجماعية. بات الفرد يمشي وهو يفكر بجسده كأنه جثة متحركة بلا عقل، وهو لا يعلم أفق الانفراج.

 

محسن الأكرمين.

 

 

2371 لقاء مع فنانة 1بدأة قناة الافلام (نت فلكس) بدأ من السابع من نيسان الجاري بعرض المسلسل البوليسي (سنابا كاش) المأخوذ  من رواية بنفس العنوان من تاليف الكاتب (جنس لابيدوز). الرواية البوليسية صور أجزاء كفلم في ثلاثية لاقى اعجاب المشاهدين والنقاد . الفلم الاول عام ٢٠١٠ ومن إخراج دانيل إسبينوزا  تلاه عام ٢٠١٢ ومن إخراج بابك نجفي.

سيعرض نت فلكس ست حلقات من المسلسل الذي يخرجه (جسبر سندرلاند) و(مونس جونسون). الممثلة السويدية ئيفين أحمد من الأصول كردية. وقد كانت عائلتها قد هاجرت في الثمانينات الى السويد. الممثلة الشابة من مواليد( اكالا) احد احياء العاصمة السويدية ستوكهولم عام ١٩٩٠.

وهي من عائلة فنية حيث مثل والدها الفنان عادل أحمد في العديد من المسرحيات في السويد وفي الخارج وباللغة الكردية.

تقوم ئيفين بأداء  دور البطولة في المسلسل الجديد. وتؤدي دور الفتاة (ليا) وهي سيدة أعمال طموحة في الثلاثينات من عمرها تعيش مع ابنها الوحيد (سامي) وتطمح في الثراء في ليالي مجتمع العاصمة السويدية (ستوكهولم ) الصاخب والمليئ بالمجموعات الاجرامية . مجتمع منقسم بين احياء الاثرياء واحياء المهاجرين اللذين يحاولون جاهدين  هالحصول على عمل والتكامل مع المجتمع السويدي. لكن يبقى المجتمع منغلقا وليس منفتحا للجميع. ليا الشابة تناضل من اجل العيش والثراء السريع مهما كلف الامر. بالمقابل يشاركها البطولة  +الممثل الشاب ألكسندر عبد الله في دور (سليم) مطرب المناسبات العربي.

شارك كذلك في المسلسل نخبة من الفنانين السويدين أمثال ئايان احمد، خالد غزال، روبين نازرى، وآخرون.

العمل القادم للممثلة الشابة ئيفين مسلسل جديد لقناة الافلام نت فلكس وبعنوان (ماكس انجر).

2371 لقاء مع فنانة 2

التقيت بها كي أطرح عليها بعض الأسئلة  حول دورها وتجربتها في هذا المسلسل فقالت:

لقد كانت هذه التجربة عملية ممتعة وشاملة. لقد عملنا بجد وقد احببت عملي مع الممثل ألكسندر عبد الله.  كانت العلاقة غرامية  ممتعة بين فنانين من الشرق الأوسط.

وترغب ئيفين بكتابة مشاريعها بنفسها في المستقبل وممتنة جدا لوالدها الفنان عادل أحمد للدعم والتوجيه وقد الهمها ابداعيا وعن قرب.

نشكر فنانتنا الصاعدة متمنين لها دوام التألق والنجاح والابداع.

 

اجرى اللقاء: توفيق التونجي

 

 

صادق السامرائيأكتب عن التراث ليس من باب الإنتماء التعصبي الأعمى الذي يتصوره على أنه نهاية المطاف وأقصى ما بلغته الأمة من العطاء، وعلينا التجمد فيه والتحول إلى مومياوات، فالنظرة المومياوية للتراث عدوان عليه وتدمير لجوهره ومعانيه الحضارية الإنسانية.

التراث صورة مرسومة في مسلة الحياة، أو شواهد معلومة واضحة في دروبها البعيدة الآماد، منها نتعلم ونتواصل بالإنطلاق.

فالإهتمام بالتراث لا يعني السكون والتوقف والتحنط في المكان، مما لا يتفق وحركة الدوران القاضية بالتغير والتبدل والسير للأمام.

وموضوع التراث تناولته العديد من الأقلام على مدى أكثر من قرن، وما ترتب عن ذلك فائدة ذات قيمة حضارية بارزة، بل كانت تصورات فنتازية جعلت من التراث أيقونة مثالية لا يمكن الإتيان بمثلها أو إجتيازها، وعلى الأمة أن تتمحن بها وتتعضل.

والعديد من القراءات كانت بمنظار مشوه وآليات تعسفية، أظهرته وفقا لنواياها وغاياتها التي تريد تمريرها بواسطته، أو أنها كانت تمتطيه لتحقيق ما يجيش في دياجير أطماعها وتطلعاتها.

وأكثر المتفاعلين مع التراث متأثرين برؤى وتصورات المستشرقين ومعظمهم غير منصفين، وبعضهم يرى الحقيقة وينطقها بلسانها المبين.

ولهذا ساد الميل نحو إعتبار التراث مانعا للتقدم، وليس طاقة نفسية ومعنوية للتوثب والعطاء الأصيل، لأنه يُحسب حجر عثرة أو حاجز ومعوق، وفي هذا تجني سافر وعدوان آثم.

وعليه فأن الإدراك التنويري للتراث يجعله قوة دافعة لتعزيز الأواصر التقدمية ما بينه والحاضر والمستقبل، ويكون مصدر إلهام لا إلجام للأجيال المتوافدة.

فالتراث مشعل وجود ومنارة إهتداء إلى مرافئ الرقاء والنماء والعلاء، ولا يجوز أن يتحول إلى أداة ترقيد وتغفيل وتخدير للأمة، التي يسعى أعداؤها بعزيمة متواصلة وإصرار متزايد لإيهامها بأن تراثها السبب الأول في معاناتها، ومنه تنبع ويلاتها.

وهذا أفك وخداع وتضليل، فالتراث قوة الأمة وطاقتها ومجدها الولود الواعد بالأصيل.

فهل لنا أن نقرأ تراثنا بعيون الواثقين؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

هشام بن الشاويإلى صديقي..

الكاتب الكبير: إبراهيم عبد المجيد

الحياة ليست عادلة على الإطلاق!

استنتاج قاس فعلا، لكنك كنت تحتاج إلى أن تعيش حياة تفتقد الحياة، لكي تكتب هذه الحكمة البليدة، بيد أن الأكثر قسوة أن تعامل - دوما- كمعتوه.

ليس مهما إن كنت تكتب بأسلوب فاتن، وأنت لم تفلح في الحصول على الشهادة الثانوية! هل كان ذلك المتطاوس في مشيته محقا في استغرابه؟ لعله كان يعتقد أن لغتك مهترئة، تشبه تلك الوزرة الزرقاء، التي ترتديها، كأنما لم يصدق أنك تكتب في الجريدة الأكثر توزيعا في المغرب، لكنه لا يعرف أنك لا تتوصل حتى بكلمة: شكرا.. شكرا هشام على هذا النص الماتع.. شكرا، لأنك تسرق بعض البهاء من فظاظة هذا الواقع.

وحده يوسف، صديقك النادل يحرضك على اقتراف المزيد من الكتابة، نكاية في وعثاء الحياة. ما جدوى هذا الهديل، وقد ارتضيت لنفسك تلك الصورة الخاطئة، التي تكفن اسمك الآن.. هنا؟! لماذا؟ لأنك لا تريد أن تنافق أحدا؛ أن تبتسم في وجوههم، على رغم حزنك الفادح، الإحباطات التي تفتك بنضالك من أجل حياة حرة كريمة.. أنت غير لطيف، في نظرهم، لأنك لا تمزح مع زبائن هذا المحبس.

ثمة من حالفه الحظ، ويسدد أقساط الدين، بكامل امتنانه لدويلة، انتشلته من الفقر والبطالة، ويتلقى أجر - وليس ثواب- دفاعه المستميت عن إيماننا المشترك، في نهاية كل شهر.. بينما أنت لا تكف عن مراسلة سكرتارية المجلات العربية، للسؤال عن مكافأة مادة، نشرتها قبل أشهر.. تصر على إزعاجهم، لأن الريح تصفر في رصيدك البنكي.

هل جرب أحدكم أن يكاتب شخصا لا يعبأ به، وهو منكسر؟ هل جرب ذل أن يكون متسولا، لبضع دقائق، وهو الشامخ في ضعفه الإنساني، وبكائه !؟ بماذا ستحس حين يرد عليك شاعر ومسرحي سعودي - بكل صفاقة- ويصفك بالمرتزق، متناسيا أنك شاركت في تحرير العدد؟! وعندما حاولت أن تستكتب بعض الأعدقاء من أجل المطالبة بصرف مكافآت متأخرة، خذلوك، لاذوا بصمت القبور، حرصا على سمعتهم الأدبية، قانعين بصفة الشيطان الأخرس.

تمعن في تهورك، تكاتب صديقا مشيرا إلى أن حرفة الأدب قد داهمتك، وأن ثلة من الزملاء الذين لا يغيبون عن المجلات نهائيا، أساتذة، بينما أنت بلا دخل قار، لا تملك أي شيء من حطام الدنيا، ومع ذلك يصرون على تهميشك! ما جدوى أن تكتب بعض تغريداتك بدموعك، وأنت - في نظر الجميع- شخص لا يطاق؟!

كثيرون.. اقترحوا عليك وضع سلم على الرصيف، كما يفعل بقية التجار، لم تجبهم بأنك لست ممن يحتلون الملك العمومي، ولا تحبذ إعاقة المرور. أغلب زبائنك من الحرفيين، يجهلون أنك تكتب في الصحف، ولم تستغرب حين نصحك أحدهم بأن تقرأ القرآن الكريم، حين أجبته على تطفله الوقح بأنك تتصفح رواية، بينما صفعك وغد آخر بقوله إنه يحبذ أن تستغل  وقتك في ذكر الله، بدل أن تستمع إلى موسيقى، لا يعرف أنها محض هسيس أحزان تسافر في الدم!!

وهذا أستاذ، يحول أوقات فراغ التلاميذ إلى حصص دروس الدعم، ويحرص - أيضا- على معرفة ثمن الإسمنت، وسعر المتر المربع من هذه الكرة الأرضية، التي يريد الجميع امتلاكها بأية طريقة، ولو بافتعال حروب أو استعمار جديد، بأي شكل.. بينما -أنت - لا تملك منها شبرا واحدا!! سدد كل رصاص استغرابه نحو مطبوع رواية "ليلة عرس" ليوسف أبو رية، أثناء استراحة من القراءة الإلكترونية عبر اللوح الإلكتروني. اعتقد أنك تتصفح مطبوع دعاية لمنتوج ما، وبنبرة استنكار وقح، قال: أنتم أيضا تقرأون!

كنت ترتدي الوزرة الزرقاء. لم ترد عليه، بينما كانت أعماقك كمرجل. لم تخبره بأن لديك سبعة كتب، وأن لا أحد من الأدباء يطيق ذلك البناء، الذي كان يكتب قصصا تفوح منها رائحة تزكم الأنوف.

لم تكن تحب السوشيال ميديا. لكن صديقا ألح عليك أن تعود إلى المشهد، حتى لا ينساك الجميع، مثلما نسوا بعض الكتاب الكبار. وللأسف، لم تجد في تويتر إلا التجاهل، أو الحظر بدون سبب، أو أن تكتب لك زميلة: المعذرة، أنت تزعجني..وآخرون، لا يقرأون رسائلك، فقط، لأنهم يعملون في مجلة، ينظرون إليك، كما لو كنت صرصارا...

ومثلما بدأت..

تنتهي منفيا

بين المسامير، البراغي و...الصنابير.

في محل مطموس الوجود، مثلك تماما!

لكن هذه المرة، شبه مفلس... نعم، مفلس الجيب والقلب!

 ولأنك نذرت عمرك للهباء، يقترح عليك أحد الأغبياء أن تجتهد قليلا، وهو يرمق الأرفف شبه الفارغة...

 من يصدق أنك كنت كاتبا متعاونا مع جريدة مستقلة موؤودة؟!

 كنت تتصل برئيس التحرير هاتفيا، حين يتأخر  تحويل ذلك المبلغ الرمزي، والذي كنت تعتبره ثروة حقيقية، فلا يرد عليك. لم تكن تعرف أن تلك الثروة سوف تتلاشى إلى الأبد. ترنو إلى زبائن المقهى الفاخر -المحاذي للمصرف- بحقد أسود، وأنت تبصق بلا لعاب على شباك البنك الأوتوماتيكي، تتحسر على عمر ضاع سدى، وتحمد الله على نعمة التسكع.. بجيوب كفؤاد أم موسى.

الآن، لم يعد بإمكانك التسكع في اللامكان، ولا التشرد في الزمان. صرت مثل ثور الساقية، لكنك تدور في حلقة مفرغة..تستيقظ مبكرا، من أجل لا شيء!

الآن، ينظرون إليك في شفقة غير معلنة، ينقصها قليل من التشفي، وتتساوى - اجتماعيا- مع سفيه ضيع إرثه في القمار، الخمر، النساء!

لكن، ما يؤلمك حقا.. أنك لم تتذوق طعم هذا الثالوث الحرام!

هذا كل ما في الأمر، بتعبير شعراء قصيدة النثر.

صديقي يوسف، النادل.. كلما قرأ جديدي، عاتبني بشدة، لأنني أهدر هذه الطاقة في اللاشيء، بينما زوجتي تطلب مني كتابة رواية، بنبرات أليمة، ويقتلني ذلك القهر، الذي يختبئ في عينيها، وتدين دموعها هذا التردي الشامل!

لكن، عماذا تكتب؟

خيالك معطوب بسبب هذا الموت المجاني، المسمى مجازا: حياة، ولأنك لا تحب القروض.. تموت بالتقسيط، وتذوي شمعة الروح بين يدي شيخ ضرير، يسمى مجازا: الواقع المغربي!

هل تكتب عن تقاعس ساعي البريد ، منذ سنوات، عن جلب رسائل الفرح من البلاد العربية؟ لم تعد جوارحك تختلج، عند سماع هدير محرك دراجته النارية. لم تعد تعبأ بغيابه ولا بحضوره.. ترى، هل صار كباقي جيرانك الأوغاد؟ أغلبهم طفيليو مآتم، يعتقدون أنفسهم أحياء... وهم لا يجيدون الاستمتاع بهذه الحياة، ولا يقدرون هذه النعمة العظمى، بسبب بخلهم المسلح.

هل تلعن من ابتدع تلك الأماكن، التي تأوي تلك العيون الضالة، مثل كلاب الشوارع، التي تنهش عورات الآخرين، وأنت لا تعلم من أين يأتون بكل هذا الوقت المسفوح على كراسي المقاهي؟!

هل تكتب عن سخطك، الذي يتفاقم، وذلك الشيخ يصر على أن يقف على رأسك - مثل قدر بغيض- في استجداء ذليل، لا يليق بالهاتف الفاخر، الذي رأيته يخرجه من جيبه، بينما هاتفك الحسير، قد ينطفئ أحيانا، حين تباغته رسالة قصيرة من زوجتك تطلب فيها أن تحضر الحليب للأبناء!

كن رحيما، لا تحدثه عن ذلك الزحام الذي لم يره أمام هذا المنفى، وأنت جالس وحدك!..

 تحرص على ألا تؤذي شيخوخته. تكبح جماح غضبك، تبتلع كلمات تترنح في أعماقك مثل هذا الهديل، الذي لا يريد أن ينتهي، والذي بدأ كتغريدة مهملة، بيد أنها تمددت، مثل جرح استيقظ متأخرا، وبدأ يتمطط في أعماقك. تغريدة تصر على أن تتحول إلى حقل شاسع من البكاء. اللعنة ! تأثير تويتر مرة أخرى.. قصيدة النثر تريد أن تتسرب إلى كتاباتك مجددا، وتحرمك من سياط سخريتك السوداء، التي تلسع بها كل شيء. لكن أجمل هدية من تويتر، كانت صديقك القديم.. الشاعر التونسي، الذي كلما أمعن في هجاء مفردات هذا الوقت الجاحد، وامتدح السكر والبار، كتبت له ضاحكا، غير عابىء بأي شيء: " اركل يا عبده، هههههههه".

حقا، لا شيء يستحق أن تكتب عنه.

 فقط، حين تسأم تويتر، ويذبحك إصرار الأصدقاء - هناك- على تجاهلك ونفيك، تلج الموقع الأحمر، وأنت تتلفت يمنة ويسرة، كأنما ستندس في مبغى.. نكاية في هذا الماخور الكبير المسمى مجازا : حياة! ربما تجد امرأة بخيلة في إغرائها، تضع قطرة واحدة من فتنتها - واحدة تكفي- في عيون مشاهديها، وهي تتعمد أن تشد ثوبها، بحركة تبدو، كأنها عفوية، وهي تلمس نتوءات جسدها؛ حركة تطيح بعدّاد المشاهدات، وترفع عدد الدولارات في آخر الشهر، بعد أن تحرث حقولا شاسعة من الفضول النهم، الذي ينهش القلوب الأثيمة، وتنكل بما تبقى من رجولة عربية، ترتق في مخيلتها المنهكة بقية القصة، التي لم تكملها الأصابع المدربة...

تلعن عاهرة أربعينية تبيع جسدها المشاع مثل حقول جرداء، وهي تدافع عن دعارتها الضوئية، مدعية الفضيلة، فلا أحد يستطيع أن يلمس جسدها، وهي بيتها، كما أن الأستروجين لا يمرح في عينيها، إلا بين يدي زوجها!

 تلعن حظك البائس مع المجلات، تلعن تجارتك الكاسدة في زمن الخيبات.. تلعن كل شيء.. بكل حقد، تعلن في مظاهرة انفرادية أنك فشلت في كل شيء إلا في الخسران، وأنت متخم بصمتك الصاخب، وترانيم عزلتك الفارهة تغنيك عن كل ثرثرات العالم، تتساءل:ما جدوى الكتابة إذا لم تركل كل هذا الهراء الذي يطوقنا، من كل الجهات!؟

كأي شخص غير متزن، وربما غير سوي، تكتب برعونة هذا الهراء.. مثقلا بنشيج الروح وهشيم براءة مسروقة. هذا الهذيان الذي لم يعبأ به أي أحد في تويتر، لأن الكتّاب يفضلون التعاطف مع المصائر التراجيدية بين دفتي كتاب، يتعاطفون مع الأوهام فقط، ويتركون جثتك تتعفن على رصيف هذا الواقع المقيت..  ثم يغتالونك في نميماتهم اليومية، كأنما ينتظرون موتك، وبعد أن يتأكدوا أنك توغلت في الغياب، سيدعون أنك كنت صديقا طيبا، حلو المعشر.

تفكر في ما يشبه النهاية غير السعيدة لهذا النواح الداخلي، وأنت رهين هذا المحبس الموحش، والمتوحش أيضا، لأنه يقضمك من الداخل ببطء.. تفكر في نص قديم، كتبته في البدايات.. ثم، وبكثير من الخزي تتذكر  أنه فاتك أن تكتب - قبل سنوات- أن هذا الأخ الأصغر، هو من  سيتكفل بأقساط تمدرس ابنك الصغير!!!

باب الخسارات

دائما أهرب من الطرقات!.. 

 لا أحب أن أفتح الباب، ولا أن أعرف من الطارق، وقبل أن يهرع الأخ الصغير مثل عاصفة ليطل من الشباك، أغمغم: إذا سأل عني أي شخص.. فأنا غير موجود! ويعرف من أقصد..

لا أعرف لماذا يصران على طرق باب ارتكن إلى زاوية النسيان؟ فإذا لمحت أحدهما في الشارع - في أيام عطلهما- استدرت بسرعة مغيرا الاتجاه أو ذبت في الزحام… قد يكون الطارق… لكني أمقت "هذا الحب"، لأنه يذكرني بطريق الأشواك…

لم أقبل أن يكون الحب شفقة تختلس… فلم آخذ منهما إجابات امتحان لغة العم سام،

وتركت

الورقة

بيضاء…

***

هشام بن الشاوي - المغرب

 

2368 ألكسيه پيسمسكيترجمة: عادل حبه

كانت المسارات الأدبية المتعرجة لأليكسيه فيوفيلاكتوفيتش پيسمسكي مؤثرة وناجحة في الستينيات والسبعينيات من القرن التاسع عشر: حيث تمت ترجمة آثاره إلى لغات أخرى، وتمت مناقشته بشدة وبحدة على صفحات المجلات الرصينة.

لقد تمت قراءة روايته الرئيسية " ألف روح" (A Thousand Souls)، والتي كانت في سياق الأدب الرائج في ذلك الوقت كانت غير عادية تماماً، حيث اعتبرت رواية مهنية، وإذا جاز التعبير، "رواية تجارية".

لم تمتزج عصارة ومذاق التفاصيل اليومية، التي تشكل الكثير منها الخطوط العريضة للرواية، مع الحركة التصاعدية للبطل، الذي بدا أقل حيوية كما تصورها الحياة اليومية.

ثم ترسخ مجد بيسمسكي بواحدة من أفضل المسرحيات الروسية متمثلة في تراجيديا "القدر المرير"، واستمر نجاحه الذي لم يسمح بالتشكيك في عظمة المؤلف.

ثم صدرت رواية "البحر المهتز"، وفقد پيسمسكي سمعته، أولاً في نظر الجمهور الليبرالي، ثم في نظر القراء البسطاء.

كان يُنظر إلى حدة پيسمسكي الموجهة ضد العدمية على أنها ضرب من عدم إيمان بالتقدم بشكل عام، ولم يكن أليكسي فيوفيلاكتوفيتش يؤمن بها كثيراً حقاً، معتقداً أن ثمارها ستكون فاسدة وسامة للوطن؛ ورأى في التجارة روح الفساد، التي كتب عنها بفظاظة في العديد من المناسبات.

ومع ذلك، فإن "البحر الهائج" أصبح سلسلة من روايات الرواد وروايات التحذير من عواقب الحركة الثورية التي تعد بنزيف الدم الزائد، وبصفة عامة، وبشكل عام مسار التنمية - الطريق التقني المختار لبائع التجزءة ؛ ولكن التاريخ لا يستمع إلى النصيحة أبداً.

تم تمييز الأعمال اللاحقة لـپيسمسكي بلون كثيف وقاتم وقمعي، وكانت جميعها متأثرة بالإدمان على الكحول والأدوارالعامة في القيادة.

ومع ذلك، لا تزال كتب پيسمسكي حاضرة حتى اليوم: فهي مليئة بتلك التفاصيل الدافئة والكتالوجات البيتية التي تمثل بإحكام الوقت الذي أتيحت فيه الفرصة للكاتب لتسلق السلم الأدبي. رغم أن أحداً لم يسميه كاتباً روسياً عظيماً.

2368 ألكسيه پيسمسكي 2

تنطوي المدرسة الطبيعية على حقيقة مصنفرة، فمع بعض الشحذ والصقل؛ على وجه الخصوص، اكتسب پيسمسكي الشهرة حيث ظهر لأول مرة في عام 1846 في مجلة ميخائيل بوغودين "الموسكوفي"، بعد نشر قصة "الفِراش"، حيث تم الجمع بين الواقعية والأدب الساخر: إما أنها تم اعتراضها بواسطة شرائط السخرية، لأن الصورة لم يتم السخرية منها بل أشير إليها، فماذا يقولون...

من الصعب الآن أن نتخيل في الستينيات أن پيسمسكي كان أدنى من دوستويفسكي وتولستوي في وزنه الأدبي، ولكن ككاتب مسرحي تنافس مع أوستروفسكي ...

.....إن مسرحية "عصر التنوير"(The Enlightened Time ( تعرض لنا مجتمعاً معيناً قائم على"نتف الصوف من الخراف "، و باسم النشاط هناك قدر لا بأس به من الفلفل (ناهيك عن الخيوط الرفيعة الممتدة إلى مكتب سيئ السمعة لتحضير السموم) ...

على خشبة المسرح، تتكشف العمليات الملتوية بشكل غريب بوجود "هيكل الأعمال"( البزنس) هذا: بالطبع، يتم إبراز الشخصيات بوضوح: على سبيل المثال، مدير الشركة وزوج الشخصية الرئيسية في الرواية: فهو متعجرف، وقح، ذو عينان أشبه بالصفائح، عينان تعكسان الثقة لصاحبها بالقوة اللامحدودة للمال. إنه طيب، ممتلىء، نسخة طبق الأصل، قوي، وذو تركيبة مالية، مناسب بالطبع لممارسة للاحتيال، وتجعل الطبق الموجود آنذاك حافلاً بالفلفل اللاذع.

فلا يمكن للمجتمع أن يعيش بدون نصابين.

إن الطريقة التي تنعكس في الأدبيات تعكس درجة وقياس فهم المجتمع للضرر الذي تسببه.

رواية "ألف روح" هو العمل الأكثر أهمية لبيسمسكي. فهي رواية اجتماعية، حافلة ومشبعة بالكثير، فالبانوراما تكشف للقارئ بشكل واسع  المجتمع الروسي قبل الإصلاح بوضوح، ويُنظر إليه من زوايا مختلفة، ويلعب في ظلالها شخصيات متنوعة.

.. إنه كاتب هاو، متسول خريج جامعة كالينوفيتش، تم تعيينه من قبل  مدير المدارس في بلدة ريفية  في حفرة مستنقع؛ تمتع قبل كل شيء بقدرمن الراحة والرفاه لأجل نوع آخر من اللعبة، فهو لا يعير أي اهتمام للفتاة التي تحبه، وقع في حب ابنة جنرال في منتصفة العمر، التي يُحسب إرثها سيىء الصيت بـ "آلف روح".

هناك الكثير من المحتالين والمختلسين والمغامرين وشخصيات أخرى: رغم أنهم لن يصلوا إلى الألف؛ ويتكشف شريط هذا المسار، ويتم بناء الرواية بنشاط، شأنه في ذلك شأن أي عمل مهني في أعماق المجتمع، وجزء من نفس الكلاسيكيات الفرنسية - بلزاك...

.. ثم أدهشنا برواية "البحر العكر"، وهي رواية موجهة بالأساس ضد العدميين، الذين سمموا الفضاء في ذلك الوقت بشدة؛ ووقف بتحدي في صف عدد من الروس الأقوايء ومن شتى الألوان بوجه اليوتوبيا.

لم يحلم على الإطلاق بأن يصبح ممثلاً، وقام بيسمسكي بقراءة أعماله دائماً بنجاح.

كان وزنه في الحياة الفكرية للمجتمع بارزاً.

على مر السنين، فقد قوته پيسمسكي، وانحصر اهتمامه بتاريخ الأدب أكثر من نفسه ...

وهو ما أعتقد أنه كان غير عادل: لقد كان بيسمسكي ذكياً: ككاتب نثر وكاتب مسرحي. ومن السهل الاقتناع بذلك من خلال إعادة قراءة المجلدات التي تركها.

 

 

صادق السامرائيعبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي القريشي (113 - 172) هجرية، الملقب بصقر قريش (أطلقه عليه أبو جعفر المنصور)، عبدالرحمن الداخل، عبد الرحمن الأول.

أسس الدولة الأموية في الأندلس عام 138 هجرية بعد سقوط دولة بني أمية سنة (132) هجرية، وقد نجا بأعجوبة من الإبادة الجماعية لبني أمية التي قام بها العباسيون، الذين تعقبوهم وما تركوا من أحفادهم أحدا.

وبقي مطاردا لستة سنوات ومتخفيا إلى أن دخل بلاد الأندلس، وإنطلق فيها مؤسسا لدولته التي إستمرت (400) سنة من بعده.

ولم يطلق على نفسه لقب خليفة، وتعامل بذكاء مع الدولة العباسية، فسمى نفسه "أميرا"، وبهذا تفادى إثارتها ضده.

من شعره:

"أيها الركب الميمم أرضي ... أقر من بعضي السلام لبعضي

إن حسمي كما علمت بأرض...وفؤادي ومالكيه بارض.

قدّر البين بيننا فافترقنا...وطوى البين عن جفوني غمضي.

قد قضى الله بالفراق بيننا...فعسى باجتماعنا سوف يقضي"

ويُذكر أنه كان أصهبا خفيف العارضين بوجهه خال، طويل القامة نحيفا وأعورا واخشم.

ترك (11) ولدا، و (9) بنات.

في عام (170) هجرية، أسس المسجد الجامع في قرطبة، والذي لا يزال قائما ومعلما سياحيا متميزا.

المسكوت عنه تأريخيا أن العباسيين قاموا بأفظع إبادة جماعية وتطهير عرقي ضد الأمويين، بل أيشع قتل للمسلمين، إبتدأت بجرائم (أبي العباس السفاح) ضدهم، وبلغت ذروتها في زمن (أبي جعفر المنصور)، الذي زاد عليها بإبادته لأبناء عمومته من العلويين، إذا كان منهجه أن يقضي على من يجد فيه ما ينافسه على الحكم، فكان السيف فعالا وبتارا.

فالهدف هو الكرسي، ويأتي مَن يستثمر في المأساة ويوظفها بآليات مذهبية وطائفية، ويغفل عن دور الكرسي في مآسي العرب والمسلمين، ففي بداية الدولة العباسية كان أي منافس على الحكم يلقى حتفه فورا مهما كان أصله ونسبه وقربه من المتسلط في الكرسي.

وقد أبيد الأبرياء بسبب الشك بأنهم من بني أمية، وأن ينجو عبد الرحمن الداخل من هذه المجزرة لأمر محير، وأن يبقى متخفيا ومطاردا لستة سنوات، لظاهرة  تثير الدهشة والتساؤلات.

يُقال:" أن عم أبيه مسلمة بن عبدالملك كان له باع طويل بعلم الحدثان وقد وصلته نبوءة تقول بأن عدوا سيأتي من الشرق ويقضي على الحكم الأموي، إلا أن فتى من بني أمية سوف يتمكن من إقامته من جديد في بلاد الأندلس، وعندما نظر مسلمة إلى عبد الرحمن لأول مرة في رصافة هشام بعد وفاة أبيه رأى في وجهه العلامات التي تدل على أنه الأموي المقصود"!!

أذكر هذا، لأعود إلى "كل ميسر لما خلق له"، فالإنسان يولد وخارطة مسيرته في الحياة تكون معه، ويمضي بها إلى حيث تأخذه مهما قست الظروف وتكالبت عليه.

وعبدالرحمن الداخل يقدم لنا مثلا واضحا عن الإرادة المنغرسة فيه،  التي أخذته إلى تأسيس دولة في بلاد لم يعرفها من قبل، فهو إبن دمشق وترعرع فيها، حتى سقوط دولة الأمويين.

مَن الذي أخذه بهذا الإتجاه؟

ولماذا لم يفقد أمله بالحياة رغم سطوة العباسيين وتوحشهم؟

وكيف تجاوز المخاطر الجسام ونجا من القتل؟

هل هي إرادة الله الفاعلة في خلقه؟

تساؤلات من الصعب الوصول إلى جواب لها!!

لكن عبد الرحمن الداخل، أطلق وجودا عربيا أصيلا في بلاد الأندلس، شعشع بحضارته ومعطياته المتميزة على آفاق الدنيا بأسرها، ومنها دولة بني العباس التي صارت تغار من إنجازات بني أمية في الأندلس.

بل أن أبا جعفر المنصور كان يفكر بغزوها، وكذلك المعتصم، لكنهما أحجما لأسباب خارجة عن إرادتهما، ومضت دولة العرب في الأندلس، وسلطة الموالي في دولة بني العباس، وسقطت دولة العباسيين في (1258) ودولة العرب في الأندلس في (1492)، أي بعد سقوط الدولة العباسية بأكثر من قرنين.

 

د. صادق السامرائي

 

صادق السامرائيأبو موسى أوتامش، مولود في سامراء على الآرجح ومقتول فيها، وهو من الموالي وكانت علاقته بالمنتصر بالله قوية، وتعاظم أمره في زمن المستعين بالله الذي إستوزره، فاستحوذ على أموال الدولة، وصار من المتنفذين المستبدين الجشعين فيها.

وكما يذكر المسعودي فأنه كان من المتهمين بقتل المتوكل أو شارك بذلك، وتأسد في سلوكه وبطشه وإستحوذ على أموال كثيرة، وبسبب سلوكه أثار ضغينة العديد من القادة الأتراك من حوله.

وهو شخصية دموية من موالي المعتصم في سامراء، وقد بطش وعذب وفتك بأناس كثيرين، وكان وزيرا سفاحا ومتنفذا، وهو القائل بعد مقتل المنتصر بالله: " متى وليتم أحدا من أولاد المتوكل، لا يبقي منا أحدا، فقالوا: مالها إلا أحمد بن المعتصم، وهو إبن أستاذنا".

وأوتامش هو الذي حرض المستعين بالله على منافسه (أحمد بن الخصيب)، فأخذ أمواله ونفاه إلى جزيرة أقريطش.

وعقد المستعين لأوتامش مع الوزارة الإمرة على مصر وسائر المغرب، وحصلت ثورة في بغداد فتصدى لها بغا وأوتامش.

وكاتب أوتامش إسمه شجاع (أميا لا يقرأ ولا يكتب ولا يفهم)، لكنه هو الحاكم والناهي في أمور كثيرة.

ويبدو أن المستعين بالله كان مسيّرا ولا مخيرا، ولا حيلة عنده سوى أن يسلم أمره لهؤلاء ويتركها تجري على عواهنها حتى يحكم الله بها.

وما جاء في مقاتل الخلفاء: "وإستبد أوتامش بأمور الخلافة مما أوغر صدر بُغا ووصيف، فكادا له بان أغريا موالي الأتراك به، وتطور الحال فخرجوا إليه وهو في الجوسق مع المستعين بالله، وأراد الهرب فلم يتمكن وما إستطاع المستعين أن يحميه، فحاصروه ليومين وفي اليوم الثالث دخلوا عليه الجوسق فقتلوه (863) هو وكاتبه شجاع بن القاسم، ونهبت داره ".

وفي المسألة تظهر شخصية المستعين ونقمته على أخيه المتوكل، فهو يعيّن قتلته وزراء عنده، كأوتامش ومن بعده (باغر التركي)!!

وهذه التفاعلات السلبية بين أبناء بني العباس من أهم الأسباب المغفولة التي أفقدتهم هيبتهم، وحولتهم إلى دمى بيد الأغراب من الموالي وغيرهم.

ففي تفاعلاتهم هناك دوما تعبيرات عن الكراهيات والأحقاد الشديدة المروعة، وما إتعظوا من سلوكهم، فطمع الخلافة قد أذهب بصيرتهم، وجعلهم يسفكون دماءهم، فالأخ يقتل أخاه والإبن يقتل أباه، وإبن العم يستبيح دم إبن عمه، وهكذا مضت حياتهم في قتال حتى نهايتهم المروعة في بغداد.

 

د. صادق السامرائي