 أقلام ثقافية

طه حسين في كتابه (الأيام) بين التصوير والتنوير

مع أن الناس وقتذاك ذهبوا ما بين مصدق ومنكر ، إلا أنه في مقدمته التي أملاها في العام 1954 ذكر طه حسين بأنه لم يكن له إرادة في أن يرى كتاب (الأيام) - الذي صار فيما بعد ثلاثة أجزاء بسطت على أكثر من خمس مئة صفحة - النور بيد أن من كانوا يتلقونه منه نزرا بين الحين والحين طلبوا إليه بإلحاح أن يجمعه في كتاب ليكون مقصدا لمن أثقلتهم وطأة الحياة بتكاليفها وهمومها وغمومها وإكراهاتها.

ولأن الناس قد ذهبوا مذاهب قددا في الترويح عن أنفسهم (فهذا بالموسيقى يتلهى عن مؤرقاته ، وذاك يتسلى بالتلفاز عن مشغلاته ، وثالث بالملذات عن منغصاته) ، إلا أن أولئك النفر المولعين بالقراءة قد وجدوا ضالتهم في كتاب (الأيام) ؛ وجدوا فيه العزاء والموئل.

ولأني من أولئك النفر فقد نصبت صاري قاربي وفتحت أشرعتي وحركت مجدافي في جدول ذاك الكتاب الشيق المبنى والعميق الغور و المعنى. وخلال الرحلة وجده نابضا بالحياة ، وغني بالمعارف والتأملات !  ومع أن رحلتي لم تنته بعد إلا أنها من رحلاتي القلائل التي ﻻ أحبذ لها نهاية من فرط تشويقها وحلاوتها !

ومن تلك المحطات اللافتة في كتاب (الأيام) للعبقري طه حسين محطة ذلك التصوير الدقيق لمواقف ومشاهدات وممارسات ورهافات مثل هذه التي يصف فيها لفيف من الناس وقد اجتمعوا للاستماع إلى شاعر ينشد شعرا : (والتف حوله الناس، وأخذ ينشدهم أخبار أبي زيد ، وكانوا سكوتا إلا حين يستخفهم الطرب أو تستثيرهم الشهوة ؛ يسكت الشاعر حتى يهدأ اللغط ثم يستأنف نظم شعره وأخباره ...). سبعة وعشرون كلمة - فقط - صور فيها طه حسن مشهدا متكاملا غير منقوص !! على الكتاب المهجوسين بالإطناب استلهام إيجازات طه حسين ودقة تصاويره.

وحري بنا أن نذكر أهمية كتاب (الأيام) على المستوى الرسمي الحكومي إذ اعتمدت مقتطفات من كتاب الأيام كنصوص للدراسة في منهج القراءة في المنهج المصري الحكومي في فترة من فترات القرن المنصرم ، وقد أشاد الفنان القدير أحمد عبد العزيز - صاحب الأدوار الرائعة في المسلسلات ذوات الصبغات التاريخية و الدينية كمسلسل (الإمام مسلم) - بالدور الذي لعبه كتاب (الأيام) في شحذ لغته العربية.

وأنا أقرأ كتاب (الأيام) استشعرت تقارب الأسلوب الكتابي بين طه حسين وعباس محمود العقاد وكذلك نجيب محفوظ في روايته (أولاد حارتنا) ، فهل المبدعون يسقون من رحيق واحد؟

 

كمال الهردي : كاتب وروائي يمني

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3805 المصادف: 2017-02-04 13:25:51