 أقلام ثقافية

أسرار كتابة الرواية

هل بالفعل ثمة أسرار في كتابة النص الروائي؟ ما من شك أن للرواية خبايا وخفايا وطوايا ﻻ يدرك كنهها ويسبر أغوارها إلا من كان له نصيب وافر من كتابة السرديات الروائية. الشوق والتوق لإماطة اللثام عن تلك الأسرار جعلت المتذوقين لكتابة الرواية على استعداد   لتحمل مشاق كتابة الرواية لعلمهم بأن تحت كل مزلق جوهرة ووراء كل مثبط درة. ولنبدأ اﻵن بكشف طرفا من تلك الأسرار...

السر الأول: الرواية فرسة جموح

الفروسية الروائية ﻻ تكون إلا لفارس خياله خصب ؛ أخصبته كثرة المطالعة ووفرة التأمل في منحنيات الحياة ودروبها المغرقة في التشعب ، ثم ينتقل الراوي إلى المرحلة الثانية من مراحل الترويض وهي مرحلة المران الدؤوب على استقطار حبر القلم والدربة على تحبير التعبير في سياقاته ومساراته بتقدير ﻻ تقتير فيه وﻻ إمذار. بعد ذلك تأتي مرحلة الكشط والترشيق حيث تستأصل الزوائد الكتابية وتضاف اللمسات الجمالية الماكياجية هنا وهناك فتزهو الرواية بحلتها القشيبة وقوامها البديع.

السر الثاني: الوحي الكتابي

بخلاف ما قد يعتقد البعض بأن الكتابة الروائية تتأتى للراوي بمجرد إمساكه بخصر القلم ؛ كتابة الرواية - كمجمل الأعمال الأدبية والفنية - تستلزم حضور الوحي الكتابي والذي ربما تباعدت مسافاته الزمنية لتتجاوز حاجز الساعات والأيام والأسابيع. لكن بالمقابل قد يحظي الروائي بفيض من ذلك الوحي فيكتب مئات الكلمات خلال سويعات.

السر الثالث: متاهة تعدد الأدوار

حكمت محكمة الرواية على الراوي أن يفجر في نفسه كل ممكنات الشر وكل متاحات الخير ليتمكن من رسم دوافع النفس البشرية بحرفية واقتدار ؛ فالراوي كان بالأمس متقمصا لنذالات وخالعا لكمالات ، وهو اليوم متلبسا لفضائل ومتجردا من رذائل ، كان قبل الآن فارسا بأسه شديد وحصنه منيع ونزاله مريع ، وهو اﻵن عذراء غيداء هيفاء نجلاء نهلاء ! البارحة كان الراوي حكيم سديد الرأي ثاقب البصيرة ، وهو الليلة سخيف أهوج أرعن من حثالات الناس وغبرائهم ! يلعب أدوار العفة والفسوق والحشمة والسفور والضد والضد وضد الضد ! متاهة من تعدد الأدوار تضحك الراوي وتبكيه وتلغزه وتسعده وتشقيه وترفعه وتخفضه وتجوهره وتتفهه وتسهره وتنيمه فيرى نفسه ملقا في براثن العته الجنون.

السر الرابع: صفحة مقابل 1000 صفحة

من المعلوم بالضرورة في عالم الرواية أن قراءة ألف صفحة روائية قد يمكنك من كتابة صفحة من رواية. الحس الروائي ﻻ ينمو ويشتد عوده إلا بقراءات روائية انتقائية لعيون الروايات من مختلف الثقافات بشقيها القديم والحديث. ذات مرة كان يتعين على الراوي أن يقرأ ديوان غزل يتألف من قرابة 600 صفحة كي يكتب نصف صفحة فقط من مشهد حب صاغة بإحساسه وصبغه بلونه. وفي غير مرة كان ينبغي عليه قراءة مئات الصفحات من أجل كتابة صفحة من مشهد بوليسي.

السر الخامس: الحساسية الروائية للاتجاهات

ﻻ يوجد نص روائي مرسومة مشاهده وفصوله بحيدة تامة دون ميل صوب هذه الوجهة أو تلك ، بيد أن الراوي المحنك هو الذي يستبقي مؤشر المنطقيات السردية في حدودها المقبولة دون جنوح واضح وفاضح. تلك الحساسية يمكن اكتسابها بزيادة مساحات المرونة والتفهم لشتى زوايا الرؤية تجاه ذات الموضوع أو الفكرة أو القيمة.

وللحديث بقية ...

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3820 المصادف: 2017-02-19 04:08:34


Share on Myspace