 أقلام ثقافية

علاقة الكاتب بالقارئ

mustafa maroufiبذل المجهود في العمل الأدبي لا بد منه، لأنه يبدو جليا للقارئ ذي المراس والتجربة، وهو من الأمور التي تزكي وجود الكاتب بين نظرائه وتمنحه المصداقية في مجال الكتابة.

بالطبع هناك استثناءات، وقد زاد الطين بلة ظهور الأنترنت، فصار المرء يكتب في عجلة من أمره، وبالتالي حرم النص من العمق وكثافة الدلالة وهما من الميزات التي كانت للنص وما زالت عند الكثيرين من كتاب المجلة والجريدة الورقتين.و بسبب غياب المجهود استسهل البعض الكتابة بصفة عامة وفي مجال الشعر بصفة خاصة، فصار (الشاعر) مثلا بين نشر كل نص ونص ينشر نصا آخر، مما أدى إلى وفرة كمية هائلة جعلت الشعر ككل فاقدا لبريقه لدى القارئ الذي تفرقت به السبل وصار حائرا في تمييز الشعر من غيره، وقد أدى هذا الواقع إلى تلغيم العلاقة بين الكاتب والقارئ بحيث بدأ الكاتب يرى أن القارئ صار لا يعبأ به ولا يعطيه الاهتمام الذي من المفروض أن يوليه إياه، بينما صار القارئ يرى في الكاتب شخصا يعيد نفسه، وبالتالي صار لا يقول شيئا.و إذاً فالعلاقة هنا هي أصلا علاقة تقع بين قطبين هما قطبا التجاذب والتنافر مع غلبة هذا الأخير.

لكن رغم هذا الواقع المرير الذي يعيشه عالم الكتابة فالكاتب يبقى مطالبا بالتحلي بالمصداقية التي من بين شروط توفرها في الشخص الانسجام والاتساق بين قناعته وما يطرحه في كتاباته، أما القارئ فلا يطمع أحد من الكتاب أن يكون متوافقا معه في طروحاته، ما دام هذا القارئ متعددا مشربا ومذهبا ورؤية.

إلا أن أغرب ما يثير الاهتمام هو الرأي الذاهب إلى أن الكاتب ينبغي أن يكون سيئا إلى حد ما في كتابته حتى يرضي كل الأذواق أو جلها وخاصة الناشئة منها، هذا الرأي وإن كان يطرح قضية بالغة الأهمية إلا أنه يشير من طرف خفي إلى محنة الكاتب الذي يريد أن يرضي جميع الأذواق، وهو غاية لا تدرك على أية حال، وبالنسبة لي فلا أدري لماذا يتجشم كاتب ما العناء في سبيل إرضاء الأذواق وهو يعلم في قرارة نفسه أنه لبلوغ ذلك قطع الأعناق والتخلي عن أمور منها عدم التعبير عما في نفسه بصدق وأمانة.

و حتى لا نبقى في العموميات ونضع الأشياء في محلها نضرب مثلا بالكاتب الماركسي الذي يتمسح بالليبرالية ويتملق أصحابها بإسداء المديح لها، على الأقل في بعض جوانبها، وبالكاتب الإسلامي، أقصد الكاتب الإسلاموي، الذي يلبس مسوح الاشتراكية ويتودد إلى أهلها وهو في رأيه يكتب من منطلق إسلامي.

إن جناية الكاتب على الكتابة تتمثل اساسا في هذه الحربائية المقيتة التي تلبس لكل حالة لبوسها، وكأن الكتابة تكون بدون موقف ولا انحياز، مع العلم أن الكتابة لكي تكون كتابة بحق لا بد لها من أن تعلن عن تضامنها التاريخي كما يرى بعض المفكرين الغربيين.

أعتقد أن الكاتب عليه أن يكتب ما يشعر به منطلقا من قناعته الشخصية، فبذلك وحده يحصل على راحة باله، وعلى الرضى على نفسه، والقارئ إن رآه هكذا سيحترمه حتى ولو اختلف معه، فكثير هم الذين يختلفون مع نيتشه وكامي وسارتر وشكسبير وجلال العظم وأدونيس وحسين مروة والقائمة تطول، ومع ذلك يقفون منهم موقف الاحترام والتقدير، لا لشيء إلا لأنهم كانوا أوفياء لقناعاتهم وعبروا عنها كما هي دون مساحيق أو رتوشات.

باختصار شديد:

الكاتب الذي يحترم نفسه هو الذي يعكس ذاته في كتابته، والقارئ الحقيقي الحق يقدر ذلك منه ويضعه في خانة الاحترام والتقدير الواجبين له .

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ الشاعر والكاتب الكريم مصطفى معروفي تحايا ومودّات ، إن مقولة ( أن النص يبحث عن قارئه) تستحق أن يلتفت لها المعني بهذا الشأن فالنص الضحل يحطّ على القارئ الضحل والنص العميق يحط على القارئ العميق والنصوص الفقيرة البائسة التي تعاني الركاكة ينفرُ منها القارئ المتمكن والمثقف بينما عندما يتناول القارئ الساذج نوعا من النصوص التي تمتاز بالعمق وتعدد أوجه التأويل ينفر منها ذلك القارئ ويبتعد أي أن النص العميق يكون طاردا للسذج من القراء وبهذا لا أرى علاقة بين الكاتب والقارئ بقدر العلاقة بين الكاتب ونصّه . شكرا للطفك

عبد الفتاح المطلبي
This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة لك أخي الشاعر و الأديب الأريب عبد الفتاح المطلبي،
كما تعلم أخي الفاضل فعلاقة الكاتب بالقارئ هي ضرورة لوجود الاثنين معا،فكاتب بدون قارئ لا يساوي شيئا ،و القارئ لا يسمى قارئا إلا إذا قرأ لغيره.
في رأيي الشخصي أرى أن علاقة الكاتب بنصه يمكن أن تطرح مستوى آخر ، مستوى تحضر في المصداقية و إكراهات الواقع حضورا قويا،بمعنى هل الكاتب يعكس ذاته في نصه ، و إلى أية درجة.
أما بالنسبة لمقالي فعلاقة الكاتب بالقارء مطروحة على مستوى آخر ، هو مستوى وفاء الكاتب للقارء في كتاباته،و الوفاء هنا يتجلى في كون هل الكاتب عبر عن الحقيقة كما هي أم أنه زيف فيها و فعل ما فعل لأمر ما.و لذا تراني في المقال لا أعطي أهمية كبرى لأحكام القيمة التي ربما يصدرها القارئ عن نص من النصوص،فكم من نص شعري راق بمقياس الشعر هبط به ذوق قارئ لا يعرف الشعر أصلا ،و كم من نص مسف سما به فوضعه في خانة الشعر الرفيع.
في الأخير لا بد من الإشارة إلى أن التأويل لا يكون دائما في صالح النص و لا في صالح كاتبه،فأنا أعرف أشخاصا عرض التأويل لنصوصهم إلى مضايات و ملاحقات قضائية،مع أن نصوصهم لا ترقى أو بالأحرى لا تنسجم في مضمامينها مع التأويلات المغرضة التي أخضعتها لها.
مرورك أخي الشاعر الفاضل سرني و أبهجني.
لك محبتي.

مصطفى معروفي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3888 المصادف: 2017-04-28 05:50:01


Share on Myspace