 أقلام ثقافية

الاقتباس بوصفه خيانة للقارئ

mustafa maroufiإن الكاتب وهو ينشر في الناس ما يكتبه يريد أن يبلغ رسالة تحمل أفكاره وآراءه في مجموعة من الأمور تتعلق بمناح متعددة من الحياة، وهو إذ يفعل ذلك فإنه يتوخى ويحب أ ن يصل رأيه إلى الناس كما هو دون مواربة ودون إبهام، ولعل القارئ يتفق معي في كون أن كل رأسمال الكاتب هو أفكاره وآراؤه كما هي ماثلة في نصوصه، وهو يريدها أن تكون له وأن تنسب إليه دائما وأبدا.

أحيانا يجد الكاتب نفسه متضايقا ومتذمرا من بعض التصرفات التي يراها تمس حقه في أن ينسب إليه ما هو له، يرى ذلك عندما يجد شخصا نقل عنه قولا بين علامتي الاقتباس دون أن ينسبه إليه شخصيا بالتنصيص على اسمه.

إن الشخص الذي يكتب نصا ثم يضمنه قولا أو رأيا مقتبسا من كاتب ما، ثم لا يشير إلى اسم ذلك الكاتب يكون قد ارتكب خطأ فادحا مرتين، مرة في حق الكاتب صاحب الرأي المقتبس، ومرة في حق نفسه، وذلك عندما يسلبها إحدى الصفات النبيلة التي يتوخى كل كاتب يستشعر المسؤولية التحلي بها، وهي صفة الأمانة العلمية، ولا أخفي سرا إذا قلت بأنني شخصيا أعتبر مثل هذا التصرف -عدم ذكر اسم المصدر المقتبس منه - سطوا على ملكية الغير، وخيانة للقارئ وتلبيسا عليه وإغماطا له في حق معرفة المصدر المقتبس منه حتى يضع ذلك الاقتباس في سياقه ضمن المنظومة الفكرية والمذهبية لصاحبه، ولا يخفى أن عدم التنصيص على مصدر الاقتباس قد تكمن فيه خطورة بالغة، وذلك عندما يكتشف القارئ أن الرأي المقتبس هو لكاتب له أيديولوجية معينة لا يرتضيها لأنها لا تتماشى مع ثقافته ولا مع قناعاته التي تشرّبها، فهذا القارئ سيجدنفسه قد مورس عليه نوع من التعمية والاستغباء من طرف الشخص الذي أورد الاقتباس دون أن يكلف نفسه الإشارة إلى مصدره، لأنه -القارئ-يعلم أن مثل هذه الاقتباسات عادة ما تكون في غالبيتها مبتورة عن السياق الأصلي الذي وردت فيه، وبالتالي تكون قد أفرغت من محتواها الذي أراده لها كاتبها، ولتوضيح هذه الفكرة أطرح هذا التساؤل :

+هل مفهوم الحرية مثلا هو واحد لدى كل الكتاب على اختلاف مذاهبهم الفكرية والأديولوجية؟

إن كاتبا إسلاميا يتحدث عن الحرية سيكون غير منسجم مع نفسه إذا ما اقتبس عن كاتب شيوعي ما يعضد رأيه ويدعمه إلاإذا بتره وأخرجه عن السياق الذي ورد فيه، والسبب أن مفهوم الحرية ليس واحدا لدى الكاتبين.

وإذاً فالتنصيص على اسم مصدر الاقتباس فيه فائدة كبيرة تتمثل في تنوير القارئ وجعله على بينة من الرأي المقتبس أو الفكرة المقتبسة، فأنا قد أقرأ نصا يحتوي على اقتباس، وأجد ذلك الاقتباس منسجما مع مضمون النص ومتناغما معه، لكن بمجرد ما أعرف مصدر الاقتباس حتى أبادر إلى إعادة النظر في النص والحكم عليه بما يقتضيه الموقف الجديد، كما أبادر إلى تصنيف صاحبه في خانة معينة، وقد أذهب إلى أنه كاتب تلفيقي يتخذ من المصادرة على المطلوب عكازة يتكئ عليها.كما أنني قد أجد الاقتباس نابيا ونافرا عن سياق النص حتى ولو كان يبدو صوريا أنه متساوق ومنسجم معه لعلمي بالخلفية الثقافية التي صدر عنها كلا الكاتبين :كاتب النص والكاتب المقتبس منه.

و أنا أتحدث عن الاقتباس لا بدأن أذكر أن بعض المقتبسين يلجأون أحيانا إلى أسلوب التعميم، وذلك عندا يتحدثون عن الشخص المقتبس منه بصيغة الجمع، فيقولون مثلاهناك أشخاص يقولون أو فئة تقول".......". مع أن الشخص المقتبس منه معروف لدى المقتبس -بكسر الباء-.

ثم هناك بعض المقتبسين الذين هم في الواقع منتحلون، بحيث يستعملون أسلوبا فيه شيئ من الدهاء، وهو أسلوب إن كان يجوز على البعض وتنطلي حيلته عليهم فهو قطعا لا يجوز على الكل ولا تنطلي حيلته على الجميع، وهو أن المقتبس يورد اقتباسا لكاتب من نص أوكتاب، وبعد أن ينص على اسم صاحبه أو مصدره يشرع في انتحال أفكار المقتبس منه الواردة في نصه أو في كتابه دون أن يشير إلى ذلك، وبعد أن يكون قد أغلق علامتي الاقتباس من قبل، وهذا أمر غاية في الاستخفاف بالقارئ، وغاية في الترامي على الملكية الفكرية للغير.

في ختام هذا المقال أريد أن أشير إلى أنه لا ينبغي أن نتساهل في مسألة الاقتباس حتى نبرئ ذمتنا ونبقى أمناء مع أنفسنا ومع القارئ كذلك.

مصطفى معروفي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي الفاضل لا اريد اشغلك كم عانيت من انتحال افكاري واحيي فيك هذه الاملنة العلمية والاخلاقية فقط اريدك ان تقارن بين امانة وايثار الكتاب الغربيين وبين تنطع كتابنا
المسالة هي سلوك اخلاقي ومعرفي متجذر عند الغربيين واستخفاف مشين عندنا في استسهال السطو على افكار الغير بلا رادع اخلاقي قبل اسبوعين رفضت لي مجلة عربية نشر دراسة لي بسبب استشهادي باجتزاءات لغيري يتوجب تثبيتها بالهوامش
ما اشرت اليه في سياق الدراسة من دون تثبيت ذلك بالهوامش فقلت انا لو فعلت كما يفعل عديمي الضمير نسبة ما لغيرهم لهم من دون اشارة لما كانت المجلة تطالبني بذكر هوامش تعمية للسرقة الفكرية كم يفعل الكثيرين في تذييل بحوثهم بمصادر لاتعتمد مرجعية التأكد منها كل مودتي

علي محمد اليوسف
This comment was minimized by the moderator on the site

أستاذنا الفاضل علي محمد اليوسف،
الكاتب أخلاقيا مطالب بالأمانة أمام القارئ، و من الأمانة عنمد الاقتباس ذكر المصدر ،فأنا مرة كتبت في جريدة لحزب تقدمي كنت أرد فيه على أحد الشعراء ،الآن هو في ذمة الله ، و من جملة ماذكرت هذه العبارة كلاب الحراسة " و ذكرت اسم الكاتب الذي أخذتها عنه ،فما كان منه إلا أن نبهني إلى أن الشخص المذكور له أيديولوجية معينة و أنه عني بها من أنا متعاطف معهم ،مع أنني أوردتها في سياق آخر.
و منذ ذلك الحين تبين لي أن الاقتباس قد يكون ملغما ، و إن كان في يبدو في ظاهره بريئا،و لذا فذكر المصدر لا بد منه لوضع الأمور في نصابها.

المشكلة في المجلات أخي الكريم هي أنه أحيانا يقوم بالإشراف عليها أشباه المثقفين و أنصافهم ، و هو ما يتسبب للكتاب و الأدباء الحقيقيين في المعاناة معهم.لا تبئس و ارث لحالهم أخي الكريم.
اشكرك أخي علي على التعقيب الكريم،
و تقبل تحياتي الأخوية.

مصطفى معروفي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3893 المصادف: 2017-05-03 05:33:27


Share on Myspace