 أقلام ثقافية

ثقافة الشاشة وهشاشة العلاقات الاجتماعية

عبد الباسط محمدتتكاثف الغيوم فى الافق شيئاً فشيئاً فتتكون السحب، وتتراكم السحب ببطء حتى يتحول الغيم الى مطر. غير أن المطر، الذى قد يكون بشرى خير وبركة، قد يستمر فى الهطول حتى يتحول الى سيل عارم . وهنا تنقلب البشرى الى كارثة وبدلا من الارتواء والازدهار يكون الخراب. ما اشبه هذه الغيوم بالتغيرات الدراماتيكية التى احدثتها الانترنت والهواتف المحمولة التى تكتنف مختلف الطبقات والعلاقات فى عالم يرفع شعار "التغير هو الثابت الوحيد" .

ولقد أضحت الانترنت وعائلتها او بالاحرى ثقافة الشاشة كما يشير اليها الكاتب أحد الموضوعات التي باتت تفرض نفسها على بساط النقاش والتمحيص لالحاحها وطغيانها على العلاقات بين بنى البشر و بين إخوانه من البشر، حتى أن كثير من المفكرين يصيفون هذا العصر بعدة أوصاف حيرتهم فوضعوها في شكل تساؤلات منها هل هو عصر العلم و التكنولوجيا؟ أو عصر الذرة و الرعب النووي؟ أم عصرا الاغتراب والقلق و الوحدة؟

و في ضوء ذلك فهم يرون أن أزمة الإنسان المعاصر إنما ترجع في صميمها إلى اغترابه عن الطبيعة و عن الأخرين بل حتى عن ذاته الذى انسلخ منها واصبحت كل افعاله وتصرفاته كما الاخرين الذين يقطنون العالم الافتراضى، لذلك يحدث الصراع و التوتر بين الفرد و واقعه الخارجي و يسؤ توافقه مع نفسه ومع الأخرين.

فبالرغم من إيماننا الكامل بعظيم الاثر الايجابى الذى خلفته الانترنت وعائلتها فإننا كذلك نؤمن بعدم وجود نظرية مثلى كما علمتنا الادارة وإذا كان الامر كذلك فإن التساؤل الذى يطرح نفسه فى رحى القضية .

هل حقاً ادت الانترنت وسائر تطبيقات التواصل الاجتماعى بهشاشة بالعلاقات الاجتماعية؟ وتاتى إجابتنا على هذا التساؤل أسفاً بالإثبات .

حيث جعلت الإنسان يقضي أغلب وقته وهو مطأطئ الرأس تجاه هاتفه الذكي أو جهازه الذي يمتلكه، فتمر الساعات دون أن يشعر. بل انه يحدث ذلك احياناً بأن يجلس أعضاء الاسرة بالساعات في المنزل ولا تسمع لهم صوتا، فكل واحد يكون في حاله ومع نفسه تقريبا، فضلاً عن وسائل المواصلات التى لا تخلو من ذلك أيضاً .فتجد الشخص مشتركا في عدة وسائل "كتويتر" "وفيس بوك" "وانستجرام" أو" اسكايب" يخرج من هذا لذاك. بل الادهى من ذلك ان تحادث الام بنتها وهى فى المطبخ والثانية فى حجرتها.

اليس لتلك المقدمات نتائج تعصف بالعلاقات الاجتماعية، وتخلف البرودة العائلية، وتضعف النوازع الانتمائية للاسرة . بل أننى أزعم أنها تؤدى إلى إحداث خلل في العمليات البيولوجية التي تتطلبها حالة التفاعل الشعورى والعاطفى مع تلك العلاقات .

فالخطر هو ليس أن يتحول العالم الى عالم افتراضى تختلف فيه الثقافات وتنصهر بداخله العلاقات فحسب، بيد أن مكمن الخطر هو أن هذه التغيرات تتفاعل مع بعضها بشكل خفى، الى أن تؤدى الى ظاهرة اخرى تسمى بالافلاس الفكرى. سنسلط عليها الضوء فى مقام غير هذا المقال لخطورتها الدامية.

وإذا كان ذلك كذلك فإن على عاتق وسائل الأعلام يقع – دورًا إستراتيجياً في تسليط الضوء وتوعية المتعاملين بأضرار وسلبيات أدوات التكنولوجيا، وحثهم على الاستخدام الانسب المتوازن الذى بمقتضاه لا يجعل السلبيات تقفز على الايجابيات. فلا ينبغي لنا التخلى عن هذه التوعية بحجة الانفتاح الحضاري والثقافى.

 

عبد الباسط محمد

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4297 المصادف: 2018-06-11 03:28:50