 أقلام ثقافية

هل مات الزعيم مصطفى كامل مقتولا؟.. قراءة في بكائية احمد شوقي

القصيدة التي أبدعها أحمد شوقي في رثاء البطل مصطفى كامل بُعيد وفاته سنة 1908 هي أكثر من أن تكون مجرد قصيدة رثاء بليغة بث فيها الشاعر الكبير مشاعره ولواعجه في الإحتفال بذكرى الأربعينية للزعيم الفقيد، إنها تنطوي على إيماءات ذكية أراد بها شوقي أن تُلمِّح الى سر رافق وفاة مصطقى كامل، ولم يتطرق اليه أحد غيره.

وأول ما ينبغي ان نشير اليه هنا ان شوقى كان كسائر المصريين معجباً أيما إعجاب بالزعيم الوطني، مواقفه وخطبه وكتاباته، إلا أنه كان –فضلا عن ذلك-صديقاً مقرباً اليه، صحبه في حياته، حتى الساعات الاخيرة من تلك الحياة المليئة بالمتاعب، والحافلة باليأس والامل، والتفائل والاحباط. وفي اليوم السابق لوفاته كان شوقي يجلس في كرسي ملاصقاً لسريره، يتأمل وجهه الشاحب، وجسده النحيل، وهو يتكلم بصعوبه كلماته الأخيرة الى الخُلّص من أصدقائه الذين جاءوا ليودعونه وقد إغرورقت عيونهم بالدموع.

وفجأة قطع الزعيم حديثه، ونظر الى شوقي، هاتفاً بضعف : سوف ترثيني يا شوقي، .. أجل .. اليس كذلك؟

أهاجت هذه العبارة كل ما كان يعتمل في صدر الشاعر من مشاعر، نعم لقد مدح كثيراً من النابهين، بل طلب منه بعضهم أن يرثي من توفي من رجال ذلك العصر، إحياء لذكراهم او تخليداً لتلك الذكرى ،أما أن يرجو منه أحدهم أن يرثيه وهو لما يزل حياً، فذلك أمر عجيب فعلا، وربما لا يجد له شبيهاً من مناسبات النظم.

لذا لم يكن غريباً ان تمثل تلك العبارة اللبنة الأولى للقصيدة ، وإن تأخر ترتيبها في سياق ما تقدمها من أبيات

وجئتَ تسألني الرثاءَ فهاكه     من أدمعي وسرائري وجناني

ومع أن شوقي لم يجب صديقه المحتضر في تلك الساعة، التي لم يُسمع فيها إلا أصوات الداعين له بالبقاء، على الرغم من كل علائم الموت المقبل، إلا أن بذرة القصيدة الاولى كانت قد نبتت، وفكرتها قد ولدت، ثم تكاملت القصيدة مع مرور الأيام التي تلت الحادث الجلل، ليلقيها شوقي في الأربعينية كما كان مقرراً وكأنه كان يفي بوعد قطعه في نفسه، وإن لم يَفِه به، يتضمنه قوله (فهاكه)

في ذلك الوقت لم تكن مصلحة الطب الشرعي قد تأسست بعد، ولذلك كان ممكناً دائماً أن تخفى أسباب كثير من حالات الوفاة، أو أن تترك لتقدير أطباء غير مختصين او جمهور جاهل بعلم الطب، ويُلمِّح شوقي الى أن أعراض المرض الذي أدى الى الوفاة كانت غامضة فعلا، بل باعثة على حيرة الناس.

يقول

يتساءلون أبا السُّلال قضيتَ     أم بالقلب أم هل مُتَّ بالسرطان

يبغي ويطغي والطبيب مُضلَّلٌ     قَنِط، وساعات الرحيل دَواني

والواقع فإنه لا موجب لهذه الحيرة مطلقاً ولا مبرر لها، فأي طبيب مهما كان اختصاصه يستطيع أن يدرك الفرق بين أعراض ثلاثة من الأمراض لا علاقة لها ببعضها: السل، القلب، السرطان.

فالسل من أمراض الرئة، وعلاماته ظاهرة تماماً يمكن ان يلحظها إن اشتد المرض أي انسان، وأهمها السعال المستمر والعنيف الذي يؤدي بصاحبه إلى اعتزال الناس، تجنباً للعدوى، ومصطفى كامل كان حتى الساعات الأخيرة من حياته دائب الحركة، يخطب بالناس لساعات، ويلتقى يومياً بأعداد كبيرة منهم، ولم يذكر أحد أنه كان يسعل، أو تبدو عليه أياً من أعراض هذا المرض الوبيل التي يعرفها الجميع، كما أنه لا علاقة له بأي حال بأمراض القلب، فلم يسبق أن تعرض إلى أزمة قلبية من أي نوع كانت، مثلما لا علاقة بين المرضين وأعراض مرض السرطان مطلقاً، فأعراض هذا الداء معروفة هي أيضاً ، فما هو وجه الحيرة في تعيين نوع ما أصيب به من مرض، وهل يعقل أن (يُضلَّل) طبيب في التمييز بين أعراض هذه الأمراض المختلفة تماماً. الأمر غريب فعلا ولا تفسير له الا ان يكون شوقي أراد أن السبب الحقيقي ليس هذه الامراض أصلاُ.

• من المؤكد ان الزعيم كان يشكو آلاما في أمعائه منذ سنوات عدة قبل وفاته، وربما من سنة 1906، وأنه شكا لبعض أصدقائه في فرنسا تلك الآلام التي كانت تنتابه بين حين وآخر في بعض رسائله اليه، وذكر أنه راجَع قبل ثلاثة أشهر من عودته الى مصر ووفاته طبيباً في لوزان يدعى (بورجيه) لمرض في أمعائه ولكنه لم يُسَمِّ ذلك المرض بل لم يعين طبيعته، وغاية ما نصحه به الأطباء أن يستشفي في حمامات إفيان على بحيرة جنيف لمدة واحد وعشرين يوماً (عبدالرحمن الرافعي: مصطفى كامل باعث النهضة الوطنية ص262)، ، وليس هذا علاجاً من ورم خبيث بأي حال، مع أنه حين أدركه الموت كانت آثار مرضه ظاهرة على كل جسده

ولقد نظرتُكَ والردى بك محدق     والداء ملء معالم الجثمان

فكيف تختلط الأمور على الناس الى هذا الحد حتى يظنون أنه مات بالسل، او بأزمة قلبية، وحتى لو كان مصاباً بالسرطان فهل من المعقول أنه كان مصاباً به كل تلك السنين ولا يعلم، أو يعلم أطباؤه وأصدقاؤه في مصر أو في أوربا بوجوده في جسده، ومن المعروف انه كان دائب الحركة، يسافر، ويخطب، ويكتب، ويلتقي بصفوة من الناس، او بالناس جميعاً، فكيف استطاع أن يفعل كل ذلك وهو مصاب بذلك الداء الوبيل طيلة تلك السنوات. وثمة قرائن تشير الى أن نوبات الالم كانت تصيبه في فترات متقطعات، لا على نحو متصل، وليس هذا من علامات الداء المذكور وأعراضه.

هل أراد أن الأمر لم يكن يخلو من شبهة جنائية؟

وأبلغ من هذا دلالة أنه شبَّه الزعيم وهو في نعشه بالإمام الحسين

وكأنه نعش الحسين بكربلا       يختالُ بين بُكا وبين حَنان

والحسين مات مقتولا

وحينما يموت انسان اي انسان، لا سيما اذا كان في عنفوان شبابه ونشاطه، فإن اول ما يتبادر الى ذهن المحقق في أسباب موته، إن كان للفقيد اعداء يستهدفون حياته؟ او يستفيدون من موته؟، ولو سأل سائل هذا السؤال فيما يتصل بموت مصطفى كامل لوجد أن هناك قوى حقيقية ونافذة كانت تعاديه وتتمنى كل يوم ان يغيب عن الساحة السياسية، بريطانيا عدوة الحركة الوطنية المصرية، وأعوانها في الخارج، وأدواتها المباشرين في الداخل.

القصيدة عصماء ربما تحمل معان تختبئ تحت ابيات منها، وهي جديرة بأن تكون مفتاحاً لإعادة قراءة الحدث الذي هز مصر وغيّر سياق حركتها الوطنية.

 

د. عماد عبد السلام رؤوف - أربيل

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

السؤال مشروع \ تحيّة دكتور عماد.

شوقي مسلماني
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4321 المصادف: 2018-07-05 05:11:39


Share on Myspace