 أقلام ثقافية

مُحاورة بين مبدعَين

285 منوبية غضبانييبقى الكاتب مهدّدا بالتلاشي والتّقوقع ما لم يعثر على مبدع مثله يحاوره ويخرجه إلى الأضواء ويقرّبه أكثر من القرّاء والمهتمين بالشّأن الأدبي. فأقصى ما يحتاج إليه المبدع في الوقت الراهن هو التعريف بمنتوجه من خلال ماينشر من حوارات في وسائط الإعلام، فإغفال المشروع الكتابي يمنع عن المتلقي تجلّي الذّات المبدعة وتقريبها منه..ومحاورة المبدعين علاوة على أنّه نشاط أدبي وثقافي معروف في الفضاء الأدبي والثقافي العربي هو أيضا عمل إبداعيّ دقيق يرصد من خلاله المحاوِرُ المحاوَر لسيرورته الأدبية وأطوار تشكّلها وتطوّرها. ومثل هذه الحوارات جديرة بدراسات أكادميّة على ضوء مباحث علميّة فيها لاستبطان أبعادها وأهميّتها ورصد خصائصها كفنّ وميدان للخبراء فيه .

وقد رأيت من المفيد نشر هذا الحوار الذي أجراهُ الشاعر الجزائري نور الدين مبخوتي مع المبدع المغربي الشاعر ميلود لقاح وإرفاقه بهذا التعليق لما وجدت فيه من متعة وحرفية في انتقاء الأسئلة حققت إضاءة لجوانبَ من شخصية هذا الأديب .

فروعة الأسئلة المطروحة على هذا الشاعر أنها لا تقترح إجابات محدده إنما تحدد إطارا عاما لها .... فهي من صنف الأسئلة التي تقتضي الإجابةعلى سؤال تأسيسيّ آخر هو المفتاح في الإجابة ..

وأول سؤال طرحه مبخوتي على ضيفه كان مباغتا... رحلة إلى عتمة الأسئلة وقلقها في ذات المبدع .. وملخصه (لماذا كتبت باسم مستعار في بداياتك ؟).

فالكتابة تحت اسم مستعار تختلف أسبابها من أديب إلى آخر...و الكتابة تحت اسم مستعار أمرٌ طبيعيٌ ومعتادٌ في الأدب الغربي لأسباب تتعلق بالنشر أو رغبة الكاتب في التخلص من أي توقعات مسبقة لعمله أمّا أن يكون الجواب (أنوي ألا أكشف عن هويتي لأنني كنت أرغب في أن أكون بعيدا عن واقع الأدباء والشعراء )...ليدسّ في لاحق الكلام معاناة المثقف العربي وتدجينه..( كان النشر في المنابر المغربية يشكل تحديا كبيرا، خصوصا إذا كان الشاعر لا يستظل بحزب معين، ولا يُعرف توجُّهه الإيديولوجي)..

ليتطرق به الى طرائق الأداء التي ينجز بها نصوصه الشعرية في زمن شهدت فيه شعرية القصيد متغيرات بين ما هو حداثة وكلاسيكية...مثيرا بهذا قضية النظام العروضي والاوزان الخليلية التي تعتبر هي المنتجة بإمتياز للإيقاع...مشيرا إلى ما اعتمده الشاعر من كثافة ما يسمى عروضيا بالتدوير والذي أتاحته الممارسة الشعرية بهامش من الحرية في صياغة السطر الشعري..

وقد أكدّ ميلود لقـــاح عن قناعته بهذا رغم اتساع إمكانيات التشكيل الإيقاعي.....

واللاّفت عند هذا الشاعر من خلال محاورة نور الدين مبخوتي له أنّه يخوض تجربته الشّعريّة بالطرائق التي يكتب بها كبار الشعراء....

وقد أكد مبخوتي في محاورته لهذا المبدع أنّ الأسئلة المطروحة وحدات تستقلّ حينا وترتبط حينا آخر ببعضها... فمن حديث عن تجربة ترسخ خصائص الكتابة الشعرية لدى الشاعر المعني إلى قضية التناص والمحاكاة التي تُنْعش التجربة الشعرية في بداياتها... ولم ينفِ ميلود هذا على عكس الكثير من المبدعين بما تدفقه محاورة القصيد الآخر من شاعرية وتمرس على بذاخة اللغة وترفها ... وهو لعمري الانفتاح الذي يرفض مصادرة التجارب السابقة ليقوم على استثمارها، والاسترفاد منها.

كما كشفتْ هذه المحاورة جوانب من السياقات الحافة بكتاباته ونصوصه والتي وضع فيها ميلود لقــاح العملية الأدبية في دائرة التواصل الإبداعي ...فهو من القلائل الذين انكبوا من خلال نماذج شعرية لتسجيل التطور الحاصل والوقوف عند المنعرجات النّوعية والأبلغُ أثرا في مجرى صناعة الشعر وتطوره.

فالشاعر النّاقـد بما يمتلكه من ميكانيزمات النقد الموضوعي يفيد المتن الشعري والأدبي بصفة عامة بتوزيع صنفي في علاقة بالشكل والأسلوب ... وقد خصص هذا الشاعر وفقا لما ورد في أجوبته في هذا الحوار المتميز الرصين قسما هاما من أعماله في النقد لدراسة مكامن الإبداع في روائع بعض الشعراء ....

وحتى لا أوقع بالحوار في انحرافات التحليل والتّحريف بما يسيء لجماليته أجدني أنهي بالقول إنّ محاورة المبدعين هي عمل إبداعيّ يكاد ينفرط عقده أمام التّمدّد القويّ للإنتاج والكتابة... فالمبدع الذي يُؤْثر تسليط الأضواء على مبدعين مثله من خلال حوار يقرّبهم للمتلقين أو إغناء للبحوث في منجزاتهم يساهم في التأسيس لتحقيق المعرفة بالعمل الأدبي ومقاربة ظواهرها فهما وتحليلا وانتشارا...

فشكرا للشاعر الجزائري نور الدين مبخوتي الذي لم يهمل من أجندته الإبداعية أنجع الوسائط ليلقي ضوءا فيما ألقى على شاعرتنا التونسية ضحى بوترعة من خلال منجزها الشعري الأخير أو امتاعنا بحوار نبيه كهذا مع شاعر المغرب الأقصى ميلود لقــاح أو سعيه لتأسيس بيت الشّعـر .. إنها شكل من أشكال النضالات التي تخصب الأدب وتقيه عدم الانتباه والإغفال...

هنيئا لكلّ مبدع أغرى نور الدين مبخوتي بالاهتمام به.....

عاش الإبداع بكلّ طرقه ومقارباته.

 

بقلم: منوبية غضباني - تـــونس

.........................

على هامش الحوار الذي أجراه الشاعر الجزائري نور الدين مبخوتي مع الشاعر المغربي ميلود لقـــاح.

 

نور الدين مبخوتي يحاور الشاعر ميلود لُقاح في مدارات حوارية

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4371 المصادف: 2018-08-24 00:42:18