 أقلام ثقافية

مؤتمر القمة الثقافي العربي الأول في ميسان..

قاسم حسين صالحكلمة الافتتاح باسم المثقفين

الحضور الكريم

بدءا تحية من ميسان التي ينطلق منها هذا اليوم صوت يوحّد المثقفين العرب في بلدانهم بالمشرق والمغرب.واذا علمنا ان ميسان تعني في قواميس اللغة العربية التبختر والتمايل والنجم الشديد اللمعان، فان من حق ميسان هذا اليوم ان تلمع في سماء العرب وتمشي متبخترة مزهوة فرحا بانعقاد اول مؤتمر عربي لأرقى فئة في المجتمع تعشق اجمل ثلاثة: الحرية والحب والجمال.

ايها النخبة الراقية فكرا واخلاقا

ثمة اكثر من اشكالية يعيشها المثقف والثقافة العربية، نبدأها بان العقل العربي يحمل فكرة خاطئة عن الثقافة، بنظرته لها على انها نوع من الترف، ولا يدرك ان الذي يصنع اهدافه ويحدد سلوكه وعلاقته بالآخرين.. هو الثقافة. فاغلب العرب غير منتبهين الى ان اختلاف الناس في سلوكهم يعود الى اختلافهم في مضمون ثقافتهم، لأن الثقافة هي قيم وافكار ومعتقدات توجّه السلوك، وان نوعية اختلافنا فيها هو السبب في اختلاف سلوكنا.. ولك ان تلحظ ذلك لدى مقارنتك بين سلوك رجل دين وفنان عشق الموسيقى.. بل لك ان تقارن سلوكك انت بسلوك شخص داعشي، فالفرق بينكما يعود الى اختلاف افكارك ومعتقداتك عن افكاره ومعتقداته.. هذا يعني ان حال الثقافة الآن هو السبب الرئيس لما عليه تردي الحال في العرب، وما حصل ويحصل بينهم من نزاعات واحتراب.

والمشكلة ايها الأحبة.. ان المثقف العربي، واقصد هنا المثقف الحقيقي لا الذي وضعه السياسي في جيبه، او المثقف الانتهازي الذي ينتظر نهاية المعركة ليكون مع المنتصر.. يعيش اكثر من محنة، الأولى محنته مع ثلاث سلطات لها سطوة ترعبه:

- سلطة النظام، الحكومة، بضمنها مفارقة سيكولوجية:شعور السياسي بالنقص الثقافي امام المثقف، وشعور المثقف بالاستعلاء عليه.

- سلطة المؤسسات الدينية، بضمنها التي تدعو الى تحريم الموسيقى والمسرح والسينما وحرق الكتب واباحة دم المثقف علنا او بكاتم الصوت.

- وسلطة القيم والتقاليد والعشيرة.

والمفارقة ان هذه السلطات يوحّدها، على اختلافها، هدف واحد هو ان تحصر المثقف بين خيارين:اما الخضوع لها او مواجهته لاربع عقوبات:السجن ، قطع الرزق، التكفير، والنبذ الاجتماعي.

المحنة الثانية: محنته مع ابناء صنفه من المثقفين، فلقد افرز ما سمي (تسونامي العرب -2011) الذي انطلق من تونس الى ليبيا الى مصر.. ثلاثة أنواع من المثقفين: (مدّاحون، ومعارضون، وموظفو ثقافة) بتوجهات مختلفة. فالمدّاحون كانت مهمتهم، تجميل الوجه القبيح للسلطة وتبرير التجاوز على الحريات والسكوت عن جرائم البوليس السّري والمخابرات. ومع أن معظم المدّاحين الذين سيطروا على وسائل الثقافة الرسمية:صحافة، اذاعة، تلفزيون.. حظوا بالامتيازات، الا أنهم كانوا يدركون أن مهمتهم لا تختلف عن شاعر أموي أو عباسي يمدح الخليفة ليجزل له العطاء، وانهم كانوا يحتقرون أنفسهم حين يختلون بها، الا المسيّسين الذين ربطوا مصيرهم بالنظام، او الذين خدّروا ضميرهم الأخلاقي.

أما موظفو الثقافة، بمؤسساتها الرسمية، فكانوا رماديين في علاقتهم بالسلطة بين من اتخذ الثقافة مصدر عيش فتعامل معها بالطريقة الشعبية (الياخذ أمي يصير عمي)، وبين من وازن بين (أناه) الثقافي والسلطة بعلاقة شبيهة بشعرة معاوية.. فيما توزع المعارضون، وهم القلّة، بين من انكفأ على ذاته أو هاجر الى بلاد نائية فمات قهرا أو طلّق الوطن أو.. قتله ابداعه فمات منتحرا!

وفي ثقافتنا العراقية بعد 2003، والثقافة العربية بعد تسونامي العرب، كان أغلب المثقفين من نوعي المدّاحين والموظفين قد صاروا في محنة.أذكر لحضراتكم مثالا.. أن المثقفين العراقيين عقدوا بعد اسبوعين من سقوط النظام(نيسان 2003)، اجتماعا غصت بهم قاعة الأدريسي بكلية الآداب، وكنت حاضره.. فقال أحدهم لشاعر شعبي كان معروفا بمدح "القائد" بقصائد نارية:

- ألا تخجل.. كيف تأتي وأنت مدحت "صدّام" بقصائد رفعته بها الى السماء.. فأجابه:

- والآن أمسح به الأرض.. ومستعد أن أمدح معمما" أو ملحدا".. اريد أعيش أخي.

ياللكارثة!.. ان اتعس حالات الثقافة حين تمتهن وتكون مصدر عيش.. يتحول فيها المثقف من أفضل ناقد اجتماعي وانقى عقل في عملية تقدم المجتمع وازدهار الوطن، الى "موظف ثقافة" او ممارس زيف على (أناه) أو انتهازي يبيع ضميره الثقافي لمن يدفع أكثر.ومحنة كثيرين منهم أن السلاطين قد ولّوا فأين يولون وجوههم؟ ولمن سينظم الشعراء ويغنّي الفنانون: "العزيز أنت" و"عاش الريس"؟.. و"ارجع ياريس احنه بنهزر".

ثالث المحن.. واقساها هي شعور المثقف بالاغتراب وسنتجاوز ماركس وسارتر والوجوديين الذين انشغلوا به لدراسات سيكلوجية اخذت ادباء ومفكرين وفنانيين فوجدوا ان المثقف المغترب يعاني من تسعة اعراض نفسية نلتقط منها اربعة:

1- شعوره بالعجز لأن انظمة المؤسسات السياسية والدينية والاجتماعية.. هي التي تقرر مصيره وليس هو.

2- احساسه بأنه لا معنى لوجوده في الحياة.. يتساءل: (أيش او شنو المعنى من وجودي؟! ولويش عايش اصلا بحياة ما فيها اي معنى).

3.تناقض قيمه مع قيم مجتمعه (يرى نفسه متحضرا ومجتمعه بدويا).. فينسحب هو عنه او يعامله مجتمعه كما لو كان منبوذا.

4- شعوره بالاغتراب النفسي.. (انا لم أعد انا).والخطورة هنا حين يصل حد الشعور بأن ذاته اصبحت غريبة عليه، فيحقد عليها، او ينهيها بانتحار بطيء بالادمان على الكحول، او بانتحار سريع بطلقة.. وحصل هذا لمثقفين عراقيين ومصريين واردنيين وسوريين.. بينكم من استحضره الان من الذاكرة.

نضيف لها محنة رابعة هي محنتنا مع امريكا.. حليفة حكام النفط الذي اوصلنا تردي الوعي الثقافي الى ان نتوسل بها لتحمينا من بعض قومنا!.. فصرنا نسخر على عجزنا من انفسنا.. ليأتي يوم يقول فيه احفادنا اننا كنّا نكتة زماننا!.

عذرا انني تحدثت عن الجانب المظلم في الثقافة العربية والمثقفين العرب لأنه هو الطاغي فعلا وهو سبب تخلفنا عن العالم المتقدم الذي سادت فيه ثقافة تحترم كرامة الأنسان وتأتي بحكومات تخدم المواطن لا ان تهمله او تهمشه او تستعبده او تحتكر الثروة لها وتفقره كما هو حال العرب الآن.

بالمقابل لدينا الجانب المشرق في ثقافتنا العربية، فهنالك مثقفون كما الأنبياء يحملون رسالة التبشير بالخلاص لشعوبهم، وبينهم من استشهد على طريقة الحسين الذي امتنع ان يقول كلمة (ابايعك) لحاكم فاسق.. كذاك بين المثقفين العرب من دفع حياته ثمنا ولم يحني رأسه لطاغية.

ختاما، في قصيدة لوركا.. يتساءل الشاعر:

ما الانسان دون حرية يا ماريانا؟

قولي لي: كيف استطيع ان احبّك اذا لم اكن حرّا"؟!

كيف اهبك قلبي اذا لم اكن حرّا"؟.

هذا هو "المثقف"الحقيقي.. اكثر الناس حاجة الى الحرية، واكثرهم هموما" ومتاعبا" واشدهم حساسية، واصدق من يشخّص الحقيقة، وافضل من يوقظ الوعي في الانسان ليدفعه الى التغيير الايجابي، وهذا ما تحتاجه الآن شعوبنا العربية.

شكرا لحضوركم البهي هذا.

شكرا للسيد وزير الثقافة الجديد الاخ الدكتور عبد الامير الحمداني الذي حملني اعتذاره لحضراتكم بعدم الحضور لتزامن انعقاد المؤتمر مع استلامه للوزارة.

شكرا لميسان التي تالقت هذا المساء لتكون ثريا الثقافة في سماء العرب.

شكرا لعاشق الثقافة الميساني الاصيل الاديب محمد رشيد الذي لولا جهده الاستثنائي لما كان هذا اللقاء الجميل.

محبتنا لكل من يجعل رسالة الثقافة تبشر بشيوع اجمل ثلاثة تليق بالبشر: الحرية، الحب، الجمال.

 

أ.د.قاسم حسين صالح

أمين عام تجمع عقول

27 ديسمبر 2018

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4499 المصادف: 2018-12-30 02:07:45


Share on Myspace