 أقلام ثقافية

لَا تُطِل الِانْتِظَار!

نيرمين ماجد البورنوكثير من الناس تتوه قواربهم في بحر الحياة، وتنقضي أعمارهم في أنين وبكاء وعويل وشكوي ولوم بانتظار من يمد يد العون لهم لينجدهم غارقون في بحور انتظار جحافل المنقذين، هؤلاء الناس يستحقون الشفقة والرثاء على حالهم لانهم لا يدركون أن الحلول موجودة في دواخلهم، لا شك أن العقبات والأزمات والمشاكل التي تعصف بنا موجودة وأحيانا نشعر أنها لن تنتهي من شدتها وقسوتها ومرارتها ومع مرور الوقت تتلاشي كأنها لم تحدث يوما، ولكن لا يوجد عقبة أكبر من تلك التي يصنعها الإنسان لنفسه، قيل: "الموت ليس الخسارة الكبرى، خسارتنا الأكبر هي الأشياء التي تموت بداخلنا ونحن على قيد الحياة".

الانتظار عبارة عن شريط لا متناهي من أخبار كبواتنا الى حين مطلع نور قطارك ونحن ما زلنا عن أحلامنا على الهامش في سبات عميق مظلم يدور الى ما لا نهاية لا أعلم ماذا ننتظر! هل ننتظر لحظة أن تحل وفرصة لتغير وقرار ليبادر، لا تتردد ولا تندم على حرب انضجتك، ولا تقسي على نفسك وتخسر ذاتك وأعلم بأن لا يهتم بك الا أنت فلا تطل الانتظار، ويكفيك ما سطرت من حروف الجر والعلة والنصب والرفع معا و ألماً بعد ألم، تعلم من أخطاءك لكي تتفادها في المستقبل وانهض فالحياة تنتهي بنا يوماً لا تطل وتتركنا بين أطلال الماضي...

في بعض الأحيان يعترينا مشاعر سلبية ونشعر بأنفسنا ضائعين في بحر الظلمات تائهين بين سندان النجاة ومطرقة الغرق، كل ذلك بسبب الضغوطات والهموم التي نحملها والتي هي أكبر من عمرنا وأكبر من قدرتنا على التحمل وربما اكبر من سقف توقعاتنا وطاقتنا، فلا تقسي على نفسك وتظلمها بكتمان هموم أكبر من عمرك وأحزان تشيخ روحك وثوب ليس على مقاسك، وتنتحل شخصية غريبة عنك وتصم أذنيك أمام صوت عقلك وفكرك، ولكن الغباء أن تتقاسم مع شخص بطولة ليست مكانك تتعارض مع قيمك وفكرك وصدقك ووفائك وعلمك ومبادئك وروحك وتمحنه العطاء بلا حدود وتستمر وأنت تتغاضي وتتغافل لكي تصون وده، وأنت تعلم أنه مصدر الضياع والاستغلال في حياتك فهو يستغل روحك ومشاعرك وأحاسيسك وأخلاقك ويهين صدقك ولا يتوانى عن استغلالك وأنت المغفل تغمض أعينك عن أفعاله لكي لا تخسره، أي علاقة واهية تلك التي تعيش فيها دور الممثل، وتستيقظ فيها على صوت تحطم اضلعك وتتبعثر أشلائك وتعيش دور الضحية، لقد قيل: "قلوب الناس ليست جنّة، فلا تتعب نفسك بالبقاء فيها".

 أحِبَّ نفسك أولا قبل البحث عن الحبّ في قلوب الآخرين، وصالحها قبل أن تهادن هذا العالم، وأفتح قلبك لمن يحبك بصدق وتنفس هواء عليل بأمل جديد، وكن وسطا في العطاء وعطوف القلب ولكن لا تبكي على من لا يبكي عليك وكن متسامح وقوي ولكن لا تقسي على من أحبك ولا تجرحه، تعلم فقط من جرحك ولا تجرح الآخرين ولا تفكر بالانتقام ولا تتمني له الجرح والبلاء، أنما توقف مع نفسك وقل لن أسمح لأحد بعد الأن أن يجرح قلبي وينهش بقايا روحي، ولا تجفيه وتغيب عنه لأنك كل أمله في الحياة وروحه وهويته وأصله ووطنه وحياته وعمره، لأنه ربما يعاني بصمت من فراغ واكتئاب وقلق ويلجأ لتناول الأدوية النفسية وأنت شفاؤه وأمله فالدعم يتمثل بالاستماع الى مشاعرة وألمه ومحاولة الطبطبة على كتفه للتغلب على التعب، لأن الحب والصداقة الحقيقية أسمى من أن يكون الخداع طرفا فيها، ولا تقسي على من أحبك فان لم تستطيع أن تحبه فعلى الأقل احترم مشاعره، وكن انسانا رحيما ولكن لا تجبر نفسك على فعل ما لا تريد، واذا غضبت من صديق فاجعل من ذاكرتك شريط لإعادة أجمل ما حدث بينكم من ود وحب وعرفان في الماضي وتجاوز، لكن لا تحقد ولا تنسي كل جميل ولا تنكره.

التفكير المستمر في الذكريات والأحداث المؤلمة ما هي الا ذاكرة بائسة ولت لا تعطيك الفرصة لرؤية جمال الدنيا والإحساس بمتعتها من حولك فيسيطر ويخيم عليك الأسف والشفقة على وضعك وحالك ونفسك وتتواري عن الأنظار وتتبرص لمن ظلمك وقهرك وجرحك وتملأ روحك وملامحك بالكره والبغض فتمرض وتشيخ وتبقي سجين أحزانك ويتعكر صفوك وفكرك، لا ضير في أن نتعلم من الذكريات المؤلمة الدروس والعبر والتي تعيننا على تفاديها والتعامل معها بشكل أفضل، أعلم أن الحزن لا يدوم وأنه سيأتي يوم تنقشع فيه الغمائم المظلمة وتشرق شمس الحياة والأمل من جديد، فلا تضغط على نفسك وتشيل هموم أكبر من مقاسك، وكن أنت اليد الحانية الحنونة التي تربت على نفسك وعلى من حولك ممن تحبهم وهون عليك ولا تزيد من أوجاعك وافعل ما يسعدك ويفرح قلبك، واستمد قوتك من نفسك التي هيا مركونة في داخلك وليست موجودة عند الاخرين، واخرج من قيود الخوف والظلام واكتشف شغف الحياة لتنجو سفينتك وترسو على بر الأمان، وأفتح عينك للأحلام والطموح فغدا يحل عليك يوم جديد وغدا حتما أنت شخص جديد وتعلم مهارة النسيان وتخلص من أرشيف الذكريات المؤلمة باستمرار ولا تحتفظ الا بالجميل من الذكريات، وكن إنسانا يمتلك المشاعر والأحاسيس ما يغمر الكون ولا تتغير مثل الفصول والأشجار وأجعل من نفسك عنوان للصفاء والنقاء مهما عصفت بك الحياة لان هذه الحياة أقصر من شهقة وزفير واستمر في العطاء بدون منه، كن انسانا لا أحد يستطيع كسرك، وكن قلبا وروحا تمر بسلام على الدنيا، وكن صادقا في حياتك قولا وفعلا، جرب ولن تخسر شيئا، ولا تغرس بها سوى بذور المحبة مشعا بلسما عطوفا رحيما ونورا يستضاء به، وأملا محبا للخير تكن أجمل فتعشقك الحياة.

 

د. نيرمين ماجد البورنو

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4973 المصادف: 2020-04-17 03:38:18