 أقلام ثقافية

إثبات براءة

عزيز جاسمفي مسرحٍ أُطلِق عليه "القسوة" إنطلق منه في العام 1935 أنطونان آرتو في مسرحيته "آل سنسي" التي تبنّى الجزء الأكبر في فكرتها من مسرحية بيرسي بيش شيلي لنفس العنوان والتي اراد بها ضرب الأقطاعية بيد من حديد. يسرد آرتو احداث نتشوق لسماعها؛ الشوق الذي يكمن في اختلاف نوعية الفكرة التي طرحها آرتو والتي تلائم المستوى الحياتي الذي نعيشه على الرغم من قساوتها على من هُم يتمتعون بعاطفة مفرطة. لكنه في الحقيقة أضفى عليها قساوة لم يتوقعها ولا حتى آرتو نفسه على الرغم من كونه من أوائل الذين بادروا في مثل هذا النوع من المسرح الذي غرس مفاهيم العبث فيه. خبأ آرتو تبرأة المجرم تحت طيات مصطلح العبث الذي لم يعبث حينها بفكرة المسرحية فحسب بل تعدى ذلك للوصول الى شخصية المسرحية العظيمة سنسي الذي عبث بالقانون العام في المجتمع كما يعبث الطفل بلعبته.

سنسي هو ذلك الرجل البرجوازي الذي يملك من المال ما يستطيع ان يبتاع به ذمم الضعفاء ممن فرضتهم الظروف. أقدم على جريمة ولم يخجل من التظاهر بانه العمل الذي يشعره بالمتعه حيث نطق أمام الكل في الحفل بالقول: "الشر بعد كل شيء، لا يخلو من المتعة." مصطلح الشر الذي ثرثر به سنسي في المسرحية اكثر مرة وبشكل علني ومثير للانتباه: "أنا ابحث عن الشر وأمارسه من منطلق القصد والمبدأ." وبالفعل لم يكتفِ بذلك القول فحسب بل تبجح في براءته من جريمته امام كل من حضر دعوته الى وجبة عشاء التي دس فيها سُم حلاوة انتصاره على القانون عندما طلب جهراً من أمير كولونا، المنطقة التي يقطنها سنسي، أن ينطق بحكم البراءة امام الجميع. منحه اعتراف الأمير الثقة العالية بالنفس إذ أغلق سنسي بعدها الباب على ضيوفه وفرض عليهم الصمت وعدم البوح بكلمة بخصوص الجريمة!

عندما أُطلِق سراح سنسي من قيود جريمته تطور فكره العدواني ليصل الى أبنته الوحيدة اذ نكتشف فيما بعد ان مشكلة سنسي هي مع عائلته التي، وبرغم المال الذي يملكه، يعتبرها عالة عليه. إعتراف سنسي لزوجته بأن عائلته هي جرحه وتدفق الكلمات من بين فكيه بحماسة بأنه يسعى الى التقليص من عائلته الكبيرة والكثيرة الافراد ثبت انه يسعى الى التخلص من افرادها واحداً تلو الآخر. لم يبقَ لأبنته التي يسعى الى قتلها سوى الألتماس من العدالة الألهية الحماية بعد أن فقدت الأمل في العدالة البشرية من خلال القانون الذي سنّه ابناء الأرض. رفعت يديها الى السماء عندما لم تجد من يقف معها وصرخت بصوت مدوي: "ليس بوسع أي أحد أن يتحدى العدالة الإلهية من دون أن يلقى أي عقاب." لكن سنسي برر جريمته بأنه من كسب العدالة الألهية التي أوقعت العقاب على الضحية حيث اراد وبكل وقاحة استخدام مصطلح "العدالة الألهية" كأداة لتبرير جريمته والعدالة الألهية منه براء.

يرينا آرتو في مسرحه ذات القسوة مدى وقع الأجرام المسرحي على قلوبنا حيث بين أن هنالك جرائم مسرحية لا تجد فيها سوى الجعجعة وتجد في اسلوبه الوقع المؤثر على القاريء والمشاهد. فالقسوة التي نلمسها في مسرحه اشد وطأة من تلك التي نسمع بها على ارض الواقع. عندما اقترف سنسي جريمته عرف تماما انه قادر على ان يتنصل منها عن طريق المال الذي يملكه والذي هو السلطة التي يحكم بها بجبروت. وبأختصار شديد فان سنسي كان عازماً على قراره حتى وان "أحرق الاخضر واليابس" على الرغم من انه كان يتوقع ان يدفع ثلث ما يملك من اجل التغطية على جريمته. مع ذلك كان يطمح الى تبرءة نفسه من الجريمة بحفنة قليلة من المال حيث جرت الرياح بما اشتهت سفن سنسي عندما تمكن بمال أقل مما كان يتوقعه أن يطفيء النور بوجه أمير كولونا واصبح يصول ويجول بما تسول له نفسه من شر يجد المتعة في ممارسته. جعل سنسي من أمير كولونا لعبة كارتونية بعد أن تغاضى الأخير عن قول الحق وحجب عن نفسه رؤية الحقيقة التي اذا نطق بها يكون قد اطلق النار ليس فقط على سنسي وانما على نفسه ايضا. وبذلك يكون قد جرد نفسه من رؤية أي حقيقة لأن الذي يُغمض عينيه عن الحق في جريمة هو واثق من ثبوتها لا يمكن له ان يبصر حقيقة على الارض مهما كان حجمها.

الحديث يطول والكلام عن سنسي لا ينتهي فقد نجح الأخير في اثبات براءته أمام الجميع وترك الكرة في ملعب الأمير. فها هو سنسي يترك الحديث على مُبرّئِه الذي صار شريكه في الجرم لأنه تستر عليه والذي يتستر على جريمة لا يمكن ان يكون أقل جرماً من فاعلها.

إن كان زمان سنسي زمانٌ تتبجح به الأثرياء في الجريمة التي بعد كل شيء تُبرأ منها أمام الحشود التي لا تملك القدرة على تحريك شفاهها، فأي زمان هذا يا آرتو الذي فيه تتزاوج الجرائم مع بعضها لتبرأ بعضها البعض؟

 

د. عزيز جاسم محمد – كلية الزهراء للبنات

.....................

الأقتباسات الواردة في المقال من مسرحية "آل سنسي" للكاتب انطونان آرتو وترجمة أ. د. سعيد كريمي العدد 386 يناير 2017 (من المسرح العالمي) المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب – الكويت

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4980 المصادف: 2020-04-24 02:39:04