 أقلام ثقافية

الحب في زمن الكورونا (4)

جعفر المظفرالمشهد الأول.. الكلب جوني

في الزمن الغابر.. قبل أقل من الثلاثة أرباع القرن بسنوات، كنا نسكن في حي صغير أشتق إسمه من عدد بيوته: الخمسين حوش، وكان ذلك في منطقة المعقل من مدينة البصرة.

في الخلف من دارنا غابة نخيل برطبها الذي لا تنافس حلاوته أية فاكهة على وجه الأرض. في تلك الغابة التي إعتدنا اللعب فيها كان هناك كلب يتعمد الظهور إلى جانبنا بوداعة. تنافسنا نحن الصغار على إطعامه فصار وكأنما صديقا للكل، لكنني كنت الأقرب إليه من الجميع حتى حسبه الناس كلبي الخاص.

ولأنه صار واحدا منا نحن الأطفال فقد صار علينا أن نسميه، فالكلاب عادة ما تتعرف على أسمائها وتأتيك حالما تناديها بتلك الأسماء.

لم أتردد ولو لثانية، لقد كان الإسم على طرف لساني: فلنسميه "جوني"

لماذا جوني وليس غيره. هذا السؤال لم أفكر فيه بالأصل ويوم صرت بعد عمر أبحث مع نفسي عن أصل تلك التسمية تخيلت أنه جاء ربما كراهية بجنود الاحتلال البريطاني الذين إعتاد أغلب أهلنا أن يوفروا على أنفسهم وذاكرتهم كثيرا من التعب فصاروا ينادون كل جندي بها الإسم بالرغم أنه قد يكون باسم جاك أو هيوارد أو همفري.

ولما كان أهلنا حينذاك لا يحبون الجنود البريطانيين المحتلين فقد تحملت الكلاب عندنا ثمن الكراهية فصارت كلها تدعى (جوني)

أما نحن الأطفال فكان (جونينا) هو غير (جوني أبائنا) إذ لم نكن قد أسميناه تعبيرا عن الإزدراء والإحتقار والكراهية، بل لأننا كنا لا نملك للكلاب إسما آخر غير إسم جوني ولأن أبائنا لم يصدف وإن تحدثوا لنا أساسا عن أصل التسمية.

ما حدث لـ (جوني) وقتها كان جريمة بحق.. هذا الكلب لم ينسَ يدي التي كانت تسقيه وتطعمه وتمسد على ظهره . خرج سريعا من بين النخيل لكي يهجم على إبن الحارس الذي وقف يتهددني تحت نخلة حسبتها مشاعا فصعدت كي أحصل على بعض تمراتها، ولولا أنني ألقيت بنفسي من النخلة كي أمنع (جوني) من إفتراس إبن الحارس لكان خرج من المعركة مثخنا بجراحه.

في اليوم التالي أحسست بتحركات غريبة تجري في الخلف من دارنا. فتحت الباب الخلفية التي تطل على النخيل. أرعبني المنظر. كان هناك فريق شرطة يحاصر جوني ومنهم من صوب عليه بندقيته من موقع الرمي وهو ممتد بطوله وعرضه على الأرض، ثم إذا بالرصاص يهوى على جوني الذي خر صريعا في الحال.

نظرت إلى أحد الشرطة بفزع وهو يحمل ساطور قصاب. إقترب من جوني وقطع رأسه. قال لي أحد الجيران أنهم يأخذون الرأس لكي يتأكدوا أنه غير مصاب بداء الكلب من أجل معرفة طريقة معالجة إبن الحارس.

تركوا لنا بعدها الجسد الذي دفناه نحن الأطفال إلى الجوار من النهر بعد أن شيعناه بكل ألم وخشوع حاملين جثته بصىندوق.

المشهد الثاني.. كلب جاري

الكلاب هنا في أمريكا لها أكثر من ألف إسم ليس بينها جوني. أما عن الاهتمام الذي يوليه أصحابها فيدلك عليه القول: إذا أردت أن تحصل على صديقة في وقتٍ قياسي عليك فقط أن تقتني كلبا، ثم قف على أي طريق للمشاة فسوف لن يطول صبرك. بعد دقائق سترى حسناء تجلس إلى الأرض لتداعبه.

أما هو، الكلب إبن الكلب، فيهز ذيله تعبيرا عن الإمتنان، وأما أنت فعليك الباقي..

في زمن (الكورونا) والتباعد الاجتماعي. أجزم أن الكلاب كانت هي الرابح الأعظم. كل ما تبقى في قلوب الناس من الحب صار يسبغه هؤلاء على الكلاب.

حينما يصيح جاري على كلبه بكل الحب في هذا الزمن الكوروني يأتي الكلب إبن الكلب وهو يهز ذيله متبخترا حتى أكاد أظنه يطير فرحا لأن لقاح الكورونا لم يكتشف بعد.

يحضن جاري كلبه ويحمله على صدره ثم يمسح على ظهره بيدية وحتى بخده أيضا.

أما أنا فأنظر إلى البعيد حتى كأنني أسمع إطلاقات بنادق شرطتنا وهي تطلق النار على جوني طفولتي قبل سنتين.. وثلاثة أرباع القرن.

 

جعفر المظفر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4984 المصادف: 2020-04-28 03:44:15