 أقلام ثقافية

وصيّة حمار (6): في الحضارة

عصمت نصارخرج جحا وجميع الحضور، من الباحثين والضيوف والمستشرقين بابتسامة تصورها الوجوه تعبّر عن الامتنان والسرور.

وانتقلوا من قاعة المحاضرات إلى أخرى مجاورة خُصصت للبوفيهات، والمشروبات، والباتيهات، والحبشتكنات، وكل ما يؤكل ويقال له هات هات.

واقترب أحد الفضلاء ممّن عُرف عنه الفطنة والذكاء ويدعى محسن عبد القادر، وسأل جحا: أنت ليه شديت على أبو سريع؟ الشاب مغلطش وعبر عن اللي بيتقال في الشارع بلسان شجيع، مهو لازم يسأل ويتطاول، واحنا نرد وبالحسنة نتجادل.

هو مش الريس حسام قبل ما يقعد على الكرسي إدّى للشعب الأمل ووعدهم ببكرة كبير، فلوس وبغددة، والفطور برجر والغدا بط وفطير، وحاجات كتير تانية، في جناين أم الدنيا، وقعدنا نقول كلنا تحيا مصر، ونشكر ربنا من الفجر للعشاء ونسبح من المغرب للعصر.

جحا : أيوة قال، ومكنش بيغني ولا بيرص موال، ولا كان حلنجي ولا بلحة ولا أهبل ولا عبيط ولا غشيم ولا محتال، زي ما بيقولوا على الفيس والقنوات إياها وبيتريقوا على كلامه والعفوي من الأفعال، اسمع يا صديقي أنا مش هدافع عنه ولو إني في الحقيقة بحبه، ولكن في الصراحة راحة، وإذا عُرف السبب انكشف السحر وانعرفت اللعَب. هو اللي وعد بيه مستحيل، ولا أحلام بنشوفها في الليل؟ لا والله، بس عايز الناس تشد الحيل، وتشتغل وتبطل تواكل، ويعرفوا إن البُنا والإصلاح عايز إخلاص وأمانة ونضافة في الذمم من القاضي والتاجر والشرطي والعامل، وإذا الكل بقى واحد هيعدلوا الدفة من الميل، ويوزنوا الكفة ويسدوا الخرم اللي في الكيل. هو مش خدها مخروبة، ولقمة مسمومة، وشجرة معطوبة، وصبية متقطع هدومها، وكلاب السكك حواليها عاوزة تهبشها وتؤرمها، والكل غضبان عليها الأبيض والأصفر والأحمر والأسمر، حتى اللي من جلدها، واللي واجب يصونوا عرضها، بيتاجروا في همومها. الراجل حاول ينضّف، ويهدي الغضبان ويصالح ده ويعاهد ده وبالكلمة الحلوة يلطف.

أما البيت من جوة فلقى أصحاب التوكيلات مستنيين، ماسكين في إيد سرة الدهب وفي التانية مطاوي وسكاكين، ها؟ هتسمع الكلام، ولا نشوهك ونطلعك من الخونة واللئام، حصتنا اوعى تقرب منها، وخطتنا في الشفط اوعى تعدل عنها، فلوس مش دافعيين، مصانع ومرافق ومصحات ومدارس عشان الناس اللي تحت مش بانيين، عدالة وتكافل ودعم رغيف الشقيانين، وإذاعة خطب عبدالناصر مش سامعين، لأنها كلام فارغ مايصدقوش في عصر العولمة ورأس المال إلا المجانين.

مش بس كدة دول راحوا في قنواتهم وأحزابهم وجمعياتهم يقولوله (مفتاح النهضة لا معانا ولا معاك شايلينه الكبار في علبتهم، أما الفلوس اللي معانا أصولها مش بتاعتنا ولو زنقت علينا أصحابها هياخدوها ويروحوا على بيتهم، أصل الباب مقفول من برة، بسلسلة وجنزير وقفل إلكتروني وبصمة صوت وكتابة بالشفرة). لو كنت مكانه يا صاحبي هتعمل إيه، هتقعد زي الكلامنجية تفتي وتشرع، وتقنن وتقرع، وتشتم وتتكرع، وتقول هو اللي جرى كان ليه، وامبارح كان أفضل وده ذنب اللي غضبنا عليه، وشوفوا في سواد بكرة هنعمل إيه. ولو انت زي دول فبقولك اللي فات مات، وبكرة جاية انتخابات، بالورقة القلم حاسبوه، وبعين العدل انقدوه، ولو مش عايزينه مشوه، ودوروا من بينكم على واحد تاني على الكرسي المخروم وقعدوه.

أحد الشباب ويدعى فوزي أبو كيفه: جرى إيه يا عم جحا انت ليه واخدها أفش، واللي بيخالفك في الرأي من بطنه بتهبشه هبش، وبتجزره وتعلقه، هو انت من الجمالية ولا من قلعة الكبش؟، أنا عاوزك تفسرلي أمرين: فين الأمن والأمان، والشهداء بيسقطوا في سيناء ويتفجروا في روكسي ويدبحوا في حلوان، وتتفجر كنيستين وعربية المنيا باسم الدين، أما الأمر التاني موضوع الجزيرتين، هما بتوعهم ولا هنبيعهم ولا هنرهنهم وناكل بالدين.

جحا: اسمع يا أبا كيفه انت بتحارب إرهابيين، لا ليهم مكان ثابت ولا ملة ولا دين، وباختصار عصابات متأجرين، تضرب وتجري وفي لحظة تختفي عن العين، وعليك يا باشا تطلعهم من بين الملايين، مش ولاد بلدك بس دول من أمريكا لحد الصين. والحكم على المسائل عملية نسبية، مش هقولك العراق ولا اليمن ولا سوريا، لا هقولك فرنسا وإنجلترا وكتير من الولايات الأمريكية، والمدن الإيطالية والألمانية، الكل بينكوي بالإرهاب بس اللي ميزهم إن كل الشعب عارف وفاهم، مش بيهللوا زينا من فوق السطوح ويتريقوا على السلالم، والكارثة الأكبر إنهم بيقولوا الباك بيدخل جون في نفسه والواد بيعاشر خالته ويحلل زنا المحارم. والتاريخ ياما هيقول، عن والي عكا الخاين والروم والصحبة وهينفضح مين المسئول.

أما موضوع الجزيرتين فميتخدش بمنطق البهاليل، ولا المهيجتية وتجار السياسة ولا شعارات الدلاديل، الموضوع محتاج عقل وتحليل، لأنه متشفر وحله عند الحاوي وفقهاء اللغة وعلماء التأويل، هي عهود الغرام اللي بيكتبوها العشاق والبغايا والغاصبين والمغتصبين في عز شهوة المتعة فيها حلال ولا حرام؟ ولما العقل يفوق ويصحى من المنام، مش من حقه يغير الكلام، ويبدل الملابس ويغير الأعلام، فهمت يا ابن الكرام، مهي دي حكمة الشيخ عبدالسلام.

دكتور عبدالعظيم المسئول عن التنظيم: يجب على الحضور، الانتهاء من تناول الشاي والقهوة والفطور، والعودة إلى قاعة المؤتمرات، لاستئناف الحوارات، واستجاب جحا وصحبته، ومن كانوا في معيته، وراحوا يطالعون برنامج الجلسات، فأدركوا أن أولاها عن مكانة الحمار في التاريخ والحضارات.

بدأت الجلسة الأولى بحديث المؤرخين والإعلاميين، وتضم أربعة أبحاث علمية عن قيمة الحمار التاريخية والسياسية والأدبية والثقافية. فبدأ الكلام الزميل الكريم، الدكتور أشرف إبراهيم قائلا: قبل الحديث عن السير والأخبار، أقدم الكثير من الأسف والاعتذار، على ما بدر من بعض الحضور في حق معلمنا جحا منظم المؤتمر، وأثني على ردوده وما جاء فيها من كلام معتبر، وليعلم الجميع، ومنهم صديقنا أبو سريع أن حبيبنا الحمار له في التاريخ مائة دلو وألف ذراع، وكلامي مش أونطة، ولا زي الروج ومكياج الستات اللي بيحطوه في الشنطة، وده واضح بالتوثيق، لعين الخصم قبل الصديق، والمناقشة مفتوحة، والهدف واضح وهو تدقيق الخبر والتحقيق.

فتروي المراجع والمصادر الموثقة أن الموطن الأصلي للحمار كان في صحراء أفريقيا، منذ قرابة اثنتي عشرة ألف سنة، حرًا طليقًا شأن كل العباد، نحو 4000 عام قبل الميلاد، وقيل أنه ظهر لأول مرة في الجزائر والصومال في عصر الإمبراطورية الرومانية، وكان في صورة وحشية، وطباع عنيفة وبربرية، أما حبيبنا أبو الصابرين، فكان أول ظهوره في أرض النوبة من مملكة المصريين، صاحَب الفلاح وأعانه على الحرث والزراعة والكفاح، وحمل الغلال والبضاعة، ولم يبخل عليه بلبنه للشرب أو الرضاعة، فأصبح المصريون ينتمون إليه، ويحنون عليه –فالعرق دساس، والأخوة في الرضاعة معلومة عند الناس-. وعرفته سوريا وحدثت عنه الكتابات المسمارية. وعليه فإننا نؤكد بالخبر اليقين أن الحمار المصري شارك في بناء حضارات البربر، وعلم المصريين، وحضارة العراق، والكلدانيين، والفينيقيين، ومملكة الحمريين أتباع حمير بن سبأ والقحطانيين. ولم يشارك حمار الشرق في الحروب إلا في النادر من الأخبار، أما في الغرب فركبه الإيطاليون والفرنسيون والأمريكان ونقلوا على ظهره السلاح وصواريخ الدمار، ولم يسلم حمارنا من كيد الإرهابيين فنجدهم في سيناء فجروه، فقتلوا به البشر وبإديهم عذبوه.

وكان في بلاد اليونان صاحب كرامة وسيرة محبوبة، وكان لحمه يقدم قربان إلى (برياب Priape) إله الخصوبة، وفي القوة كان مضرب المثل في أحاديث النساء فتمدحه العذارى، وتتغنى به المرأة اللعوب. وكتبت عنه الأساطير ورفعته إلى درجة القداسة، وألبسته الحرير والدباج ووضعت في عنقه الذهب وعلى رأسه تاج الرئاسة، وذلك لدوره في عيد باخوس، وحمله لآنيات الخمر التي تجلب البهجة وتزيل من على الوجوه العبوس، وتنشر الفرحة والابتسامة بين الغانيات، وتشجع الزواج بين الفتية والفتيات.

هذه كانت لمحة تاريخية، عن دور الحمار في حضارتنا الإنسانية، ولن أكرر ما قيل في الماضي من الجلسات، عن مكانة حبيبنا الحمار في تاريخ الديانات. أما دوره في السياسة والأدب، فسوف أترك الحديث عنه لأصدقائي من الساسة من الإفرنج والعرب، ولا يسعني إلا أن أكرر شكري على حسن الاستماع، وعدم المقاطعة وإهلاك الوقت في الجدل والصراع.

أحد الصحفيين ويدعى سيف أبو خزاعة : قرأت في كتابات المستشرقين، الكائدين للإسلام والملاعيين، أن في سالف الأزمان كان خليفة المسلمين، وحامي الحمى والدين، حمار، فهل هذا صحيح؟ أجبني من فضلك وأكثر من التوضيح.

العالم الهمام : علمنا أن الحمار قد اشتهر عند العرب، بالصبر والجلد، ولم يُعرف عنه في الشدائد التخاذل أو اللعب. لذلك أطلق المؤرخون على من تجتمع فيه هذه الصفات لقب الحمار. وكان منهم آخر خلفاء بني أمية، مروان بن محمد (688-750 م) صاحب الطلعة البهية. الذي امتدحه العقلاء، من الساسة والأدباء، والوزراء. ووصفوا عهده الذي استمر ست سنوات، بأنه زمن الإصلاحات، في آخر ملك الأمويين الذي أنهكه الظلم وأعياه الفساد ودمرته المؤامرات. وأنه قُتل في مصر ودُفن في الفيوم وكان حاسمًا يقوّم أعداءه بالشدة، وآثر السلم مع الرعية وأراد أن يبرأ الجسد المحموم من المِدة.

وروى ابن كثير أن محمد بن أبي عامر المشهور بالحاجب المنصور (938-1002 م) كان في الأصل حمّارا وحلم بمنصب الخلافة فباع حماره ودخل في زمرة الشرطة، حتى أضحى قائد قرطة، ثم ترقى حتى أصبح وصيا على عرش الأندلس في عهد هشام المؤيد بالله أحد خلفاء الدولة الأموية وقد عُرف عنه الشدة والشجاعة، والعدل والطيبة والكياسة والدهاء والبراعة. وأكد المؤرخون أنه كان يقوم مقام الخليفة، يأمر وينهي ويصدر القوانين ويخرج على الرعية في الأعياد بملابس التشريفة.

وخلاصة الموضوع أن الخليفة الذي لُقب بالحمار، والآخر الذي عُرف بأنه كان حمّار، كانا من أكابر الأشراف والأخيار، فدخلا التاريخ من أوسع أبوابه، وذلك لأنهما كانا من أنصار الحمار وأحبابه.

ووقف أحد الملتحين ويدعى حمزة أبوشُدافة: أتتهكمون على الخلافة، وتلبسون عباءة المؤرخين، وتنشرون الأكاذيب فأنتم والله معشر المضللين، ولا يصلح معكم إلا جهاد النصرة وجيوش داعش لأنكم جميعكم من المرتدين، ألم يكذب أحدكم النبي وشكك في رواية المسجد الأقصى وزعم أنه من العارفين، ثم جاء بعد ذلك وسب وقدح رمز العروبة وقائد حطين، السلطان الورع صلاح الدين، وصرح نفر منكم بأنه من أكابر الكتاب ووصفه بعضكم بأنه من المستنيرين.

الدكتور أشرف إبراهيم: اسمع يا بني لا تسيء للعلماء ولا تنتقد المؤرخين، فجميعهم لا يعيبه التفاف الإعلاميين حول المشهورين من الجاهلين، والشخص المقصود كُتب عن شطحاته وأكاذيبه وافتراءاته مئات النقود وعشرات الردود.

جحا: اسمع يا ولد دعوناكم للتفكير، وليس للتكفير، وأسلوبك في الكلام، وإلقاءك علينا بالتهم الجسام، أحط من أسلوب البهائم في الاعتراض، وصنيعك الأحمق لن يحقق لك المراد، وغضبك وصراخك في القاعة ليس له تبرير، إلا تعكير الأجواء، وتشتيت الأذهان عن أخبار أعاظم الحمير.

وللحديث بقيّة

 

بقلم : د. عصمت نصار

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4993 المصادف: 2020-05-07 03:50:32


Share on Myspace