 أقلام ثقافية

التكنولوجيا وتفعيل دور العقل

يسري عبد الغنيما يميز وعي الفرد الذاتيّ هو قدرته على اتخاذ أي قرار، ومعرفته في سلوكه الخاص والعام، حيث إنّ أغلب أفكار الناس هي نتاج تقدمهم في إنتاج كل ما هو ماديّ، فإنّ هناك صراع قائم بين الوجود الاجتماعي والوعي الاجتماعي حيث إنّ الوجود ماديّ والوعي فكريّ.

إنّ التكنولوجيا العصرية المتطوره وثورة الاتصالات السريعة والرقمية وسّعت نظرة الإنسان ورفعت المواكبة لتكنولوجيا العصر الحديث، حينها يكون الإنسان صانعاً مبدعاً للثقافة، ويتجسد عنصر الوعي لديه في خلق وابتكار كلّ ما هو جديد .

ومن مظاهر انتشار الوعي الثقافي الاهتمام بالقراءة والتشجيع عليها لدى طلاب العلم على مختلف مراحلهم الدراسية بإقامة حلقات القراءة الجماعية وحملات تبادل الكتب وتوفر الكتب بالنسخة الإلكترونية، الأمر الذي يعزز الوعي الثقافي ويرفع حصيلة المفردات اللغوية للقارئين، نضيف إلى ذلك قيام العديد من المسابقات الثقافية على مستوى الأقاليم والعالم ولفئات عمرية مختلفة في المدارس والجامعات ، والحصول السريع على المعلومة في ظلّ التطور التكنولوجي والشبكة العنكبوتية الإنترنت .

نعم..أن تكنولوجيا المعلومات رفعت مستوى الوعي لدى الناشئة، فالبحث الدائم عن كل ما هو جديد هو الطريق الصحيح لرفع مستوى الوعي لدى الإنسان في شتّى المجالات وعلى رأسها وعيه الثقافي، فالفن واللّغة لا ينتقلان بشكل ميكانيكيّ للجيل القادم، حيث إنّهما من أهم عوامل تعميق وزيادة الوعي الثقافي ونشره خاصة عبر الوسائل

كذلك انتشار المجلات الثقافية والزوايا الخاصة بالجانب التثقيفي في العديد من الصحف اليومية،و ظهور المحطات الفضائيّة التي تعنى بنشر الثقافة وبث البرامج ذات الأهداف النبيلة.

وبالطبع يجب أن نضع في اعتبارنا الاهتمام بالمبدعين وإنشاء العديد من الأندية الأدبية والثقافية التي تُعنى بالمحافظة عليهم ودعمهم وصقل شخصياتهم حتى يبدعوا أكثر فيما يقدّمون .

وجميعنا يحلم بانتشار ثقافة العمل التطوعي على الصعيد المحليّ أو الدوليّ، حيث انتشرت في الآونة الأخيرة حملات التبادل الشبابيّ الثقافيّ بين الدول في المجالات التطوعية والكشفية وغيرها، مما يعزز قدرة الفئات الشابّة على التعرف على ثقافات الشعوب الأخرى والاستفادة منها. انتشار المؤسسات التعليمية التي تُعنى بتعليم اللّغات ومهارات القيادة والاتصال.

نؤكد هنا على أن الوعي هو حالة من الإدراك الذي يجمع بين تفعيل دور العقل والمشاعر لفهم ما يدور حول الإنسان، ولتنظيم علاقته بالموجودات المحيطة به، ولا يكتمل الوعي إلا إذا عمل الإنسان على تنميتها بشكل مستمر من خلال تطوير قدراته الفكرية ومن خلال ربط تلك القدرات بتجاربه الحسية التي تشكل خبرته في الحياة.

وتوجد وجهات نظر عديدة حول مفهوم الوعي وتفرعاته، ويمكننا أن نركز في هذا السياق على مجالين مهمين لفهم سيرورة الوعي وتفرعاته، إذ أن الوعي من حيث المستوى ينقسم إلى وعي فردي ووعي مجتمعي، أما من حيث المجال فإنه يرتبط بكل حقول المعرفة بتفرعاتها العلمية والإنسانية، فالوعي كما أشرنا سابقًا يرتبط بتفعيل قدرات العقل بشكل أساسي، وبهذا تكون عملية البناء المعرفي التخصصي جزءًا من عملية بناء الوعي.

يُقصد بالوعي الفردي، الوعي الذي يكون على مستوى الأفراد، ويرتبط بشكل أساسي بالجهود التي يبذلها الأفراد بشكل شخصي على مستويين، الأول يرتبط بالمجال العام أي الوعي تجاه الواقع والحياة التي تحيط بالفرد، أما المستوى الثاني فيرتبط بالوعي التخصصي الذي أصبح سمة تميز هذا العصر عن العصور السابقة، إذ أن نظام التعليم الحالي الذي يفرض مبدأ التخصص في مجال، يساهم بشكل كبير في صقل الوعي التخصصي في مجال ما لدى الفرد، بينما في الماضي كان الوعي المعرفي المتخصص بالمجالات العلمية يكاد يكون عامًا، وهذا الذي يفسر وجود علماء كانوا ملمين بعلم الفلك والطب والفن …إلخ.

وتوجد آراء حالية تشير إلى أن مجالات المعرفة الإنسانية بمختلف تفرعاتها العلمية هي في حقيقة الأمر مترابطة، ولذا لا بأس في أن يلم الإنسان بها على أن يتخصص بشكل أقوى في أحدها ليكون مستوى وعيه العلمي بها في مستوى متقدم.

بينما يرتبط الوعي الجمعي بالمعرفة التي تشكل نظام الحياة التي تشكل سلوكيات المجتمع، بمعنى أن الوعي الفردي يمكنه أن يشكل الوعي المجتمعي من خلال تكريس تبادل المعرفة وتحويلها إلى سلوكيات وقوانين تنظم كل أشكال الحياة في المجتمع، وبهذا يصبح المجتمع أكثر نضجًا وتأثيرًا وإنتاجًا، ولذا نرى أن كثيرًا من الشعوب استطاعت أن تتقدم وتخلق لنفسها مساحة من الحركة الفعلية في مختلف ميادين الحياة بعد أن تمكنت من تحويل الوعي الفردي لمفكريها إلى وعي وسلوك مجتمعي قاد التغيير في تلك المجتمعات.

من حيث المجال تتعدد أنواع الوعي حسب مجالات المعرفة، غير أننا يجب أن نركز هنا على أنواع أساسية من المعرفة، لا ترتبط بالضرورة بالحقل التخصصي للفرد، بل ينبغي أن يلم بها أفراد المجتمع ولو بشكل بسيط لأنها على علاقة وثيقة بحياتهم اليومية، كما أنها على علاقة وثيقة بالتغيرات التي تشكل حياتهم بشكل عام، ومن أبرز تلك المجالات: الوعي الأخلاقي، والوعي السياسي، والوعي البيئي، والوعي الاقتصادي، والوعي الثقافي، إضافة إلى الوعي المعرفي.

 

بقلم د. يسري عبد الغني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5017 المصادف: 2020-05-31 04:06:11


Share on Myspace