 أقلام ثقافية

بوح معتل

محمد الزموريلم يعد الوقت يحتمل هذا الكم الكبير من الهراء، ولم تعد النفس تتوق لما مضى، ولم يعد للصبر صبر، التغيير قد حان، لا مجال للتراجع، الحياة تسير في مسار إهليلجي غير موفق للأسف، ليست فقط كورونا هي من سوف يغير ملامح العالم، قراراتنا آن لها أن تستفيق من سبات السنين، التغيير من سنن الحياة، وقد يكون التغيير هو بحث عن الراحة المفتقدة في عالم مضجر حد القرف، لا يوجد من الحلول الكثير، ولا يوفر لنا فضاء الاحتمالات الكمية العديد من الاختيارات بالرغم من أنها حسب العلماء لا نهائية، الوجود أو العبث ولا بين بينهما. يقول جلال الدين الرومي " مع الزمن يتحول الألم الى حزن ويتحول الحزن الى صمت ويتحول الصمت الى وحدة ضخمة وشاسعة كالمحيطات المظلمة".

في ظلال هذه الوحدة وأنت تنظر الى المرآة، لا ترى نفسك، جسدك الذي تلبسك بغتة من فعل جينات أب وأم وربما أجداد لم تكن لك إرادة الاختيار، المرآة لا تعكسك، هناك شخص آخر في الطرف الآخر، بنفس الملامح والصفات، لكن أؤكد لك يا صديقي أنه ليس أنت، هو انعكاس لظاهرك المزيف، وتجاهلا لدواخلك المتقلبة.

الشخص الذي يشبهك في المرآة ليس أنت، إنه شاب بملامح الكهول، هو ليس أنت، المرأة ليست صادقة مثلهم تماما. فمتى سوف تتحرك لاستعادة نفسك من التخدير والوهم؟

التخدير هو الصوم عن اتخاذ قرار، لا توجد قرارات مصيرية فالحياة برمتها مجرد نزال عقيم بين طالب ومتطلب، بين مانح وجاحد، بين بؤس سعيد وآخر تعيس، بين منطق "ماكس شتيرنر" وعذابات "دانتي أليغري"، لا توجد أيام سوداء وأخر بيضاء، الموجود هو فائض كبير من الوقت نحاول إعدامه بالعمل والالتزامات غير المجدية، السوداوية ليست منطق أو فلسفة أو مرض نفسي أو أسلوب في التفكير والحياة، السوداوية هي الحياة، وذلك النور الملهم يتجلى فقط عندما يسمح له الظلام بذلك. الآم النفس البشرية يعمقها الآخر بمنطق الأنا والمصلحة، لا يوجد من يراعي مشاعرك أو يضمد جراحاتك، فالجحيم هو الآخر على حد تعبير الوجودي "جون بول سارتر". أحاسيسك وأفكارك واهتماماتك لك وحدك، المشاركة هي فقط أسلوب مجازي يستخدم عندما تتوفر فيك شروط المصلحة.

يديرنا الوقت وفق مقاربات الحياة، الوقت الفارغ الذي يتلحفني يكفي لملء الكون بمجراته، وكأنني في سديم فضائي وإشارات المركبات تومض بعشوائية كصرخات من معدن تعوي في الفراغ الكوني حيث الصوت لا ينتقل في الفراغ وإن استعنت بكل الأحبال الصوتية لسكان الأرض.

كان الكلام منسلخاً عن الواقع كما المشاعر، وكان الواقع نفسه قبيحاً إلى حد العمى. لم يكن إلا الأمل في اللحاق بمركبة فضائية تقلك إلى حيث الواقع أقرب شبهاً بالكلام، إلى أناس يعنون ما يتفوهون به، في عوالم متوازية أكثر صدقا.

في الحقيقة لم يكن وقت ضائع على الإطلاق لكنك أنت الضائع، لا شيء يعنيك حقيقة مهما اصطنعت الاهتمام. من اللطيف أن تكون معظم المصطلحات الحضارية المتداولة؛ تلك الموحية بالخفة والتحرر من المورث المجتمعي الطويل، مجرد وهم متداول أنيق يجعل الفرد مقبولا في المجتمع المتحضر ليس إلا، لكن من المستحيل أنْ يكون لهذه الأفكار وجود عميق في حياتنا وإلا فسيكون التوحد والتماهي المطلق معها مأساة إنسانية ثقيلة، لا تعني إلا المزيد من التكريس للمسوخية والتشيؤ.

الوقت الفائض عن الحاجة لا يزال. كنت أنا أو ربما ليس أنا، ليس تماماً؛ ربما أصدق قليلاً أو أكثر استعداداً للتواؤم والتكيف. لكن الوقت أمسى ضاغطاً لدرجة صعوبة التنفس. وهكذا تدربت أن أبني سياجاً عازلاً حول نفسي تحاشياً لعقارب الوقت وفي انتظار النهاية، فتاريخ العالم على حد تعبير "إميل سيوران" ليس سوى تكرار للكوارث بانتظار كارثة نهائية.

 مات أبي ولم أحضره، فانهارت الجدران التي شيدتها من حولي في وجه الوقت المهدر كدماء لا منتهية تراق على قارعة الطريق، لعلي جربت نوعاً معطلاً من السعادة. أنتجت سياقاً أعمل فيه شيئاً، ما لبث أن تفتت في لحظة، وكان على أن أعيد بناءه من لا شيء. الفزع من الوقت أبشع من فزع الموت نفسه. للمرة الأولى أحسست به داخلك، في جسدك كما على مسرح أحلامك، ضياع الساعات التي انهمرت حولك فجأة شلالاً في كل الاتجاهات.

 في هذه السنوات بدأت تتجلى ألوان الوقت المتسرب في تفاصيل العمل والحياة، أو لعل ما تجلى فعلياً كان أسبابه: الحقائق التي تبقيه ضائعاً وتحرمك استعماله في شيء مهما حاولت. عرفت مثلاً أن الغلاف الخارجي للشيء وحده محط الأنظار والاهتمام، وحين يكون المحتوى المفترض قيمة أو مبدأ يزداد الاهتمام بالغلاف. لكن المحتوى يظل فارغاً يماثل الوقت، لا يمكن حتى وصفه بأي صدق تبعاً لشروط التفاعلات المعمول بها، وبحسن نية أحياناً.

  جئت إلى تلك اللحظة حيث أيقنت أن النضال، ذلك الخليط المسرف في الارتباك والضبابية من القومية والشعبوية والطائفية، لم يعد له شغل سوى تكريس الدين المسيس أكثر فأكثر كواقع – خرافي، بطولي، رديء، ممسوس بالطبقية والدونية، محكوم بالوقت الضائع – ليس منه فرار.

للمرة الأولى منذ وعيت الحياة، لعواء الصرخات المعدنية. عدت ترى وقتاً ضائعاً يكفي لملء الكون، وفي السديم الفضائي المحيط بك مع خطر الموت الآن، تتطلع إلى إشارات المركبات الفضائية.

 إلى أين ستذهب يا رفيقي وقد صرت في الأربعين؟

 

أ/محمد إبراهيم الزموري

باحث في العلوم الإنسانية والقانونية.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5029 المصادف: 2020-06-12 03:06:19