 أقلام ثقافية

نحو مشروع إعلامي جديد

عبد السلام فاروقعصب التميز فى المجال الإعلامى وأساس النهضة ليس الآلة ولا التقنيات وإنما الأيادى والعقول التى تدير الآلات ووسائل التقنية وتنتج الأفكار وتجرى وراء الخبر وتعمل فى صمت ودأب وإخلاص دون انتظار شئ . فقط مصداقية المعلومة وشرف الكلمة كل ما يهم.

العنصر البشرى أى صغار الصحفيين المتدربين أو المحترفين الطامحين فى الغد ممن تقوم عليهم دعائم الحركة الصحفية والإعلامية وهم الأمل الحقيقي فى تحسين منظومة الإعلام المصري بل والعربي. والعنصر البشرى هو عمال الصحافة ممن يديرون المطابع ويكدسون سيارات التوزيع ويلهثون خلف قطار الصحافة ليقرأ كل شخص فى أى منطقة نائية أو قريبة صحيفة الصباح مع كوب الشاى فى استمتاع وراحة بال. كما أن العنصر البشرى تمثله النخبة الإعلامية من قادة الفكر والرأى والذين يحركون المنظومة الإعلامية كلها وفق أسس ومبادئ ورؤى ثابتة متزنة.

فى رأيى المتواضع أن الغد يحمل معه بُشرَي تطوير المنظومة الإعلامية، وأن أول وأهم ما قد يحدث فى هذا الغد المنظور أو البعيد هو إعادة تشكيل النخبة الإعلامية.

النخبة الإعلامية ..هل يعاد تشكيلها؟

ربما فى صورة إعادة توزيع أدوار، أو ربما تطعيم النقاط المؤثرة بقادة الفكر، وقد يتغير المشهد بحذافيره . الأمر منوط بعوامل عديدة، لكن ثمة ما يؤكد أن رياح التغيير ستهب والتطوير آت.

إن شمس الصحافة عندما أشرقت بأسماء لامعة كالأخوين تقلا والأخوين أمين، وهيكل والتابعى وفاطمة اليوسف وغيرهم من جيل الرواد، حدثت نهضة إعلامية كبري نعيش اليوم على ذكراها . وفى ظنى أننا على أعتاب إشراقة ثانية تبدو فى الأفق، وهى مواكبة للقفزة التى تنتظرها مصر فى كل المجالات وعلى رأسها الإعلام.

لن يحدث هذا إلا من خلال خطة إعلامية مرسومة تتكاتف حولها الجهود، فالمنهجية مطلوبة وتحديد المسار والرؤية والرسالة والهدف. فهل يفعل هذا إلا النخبة؟

لهذا أنا متفائل بالتغيير، ومتفائل بالأساتذة: كرم جبر وعبد الصادق الشوربجي وحسين زين وغيرهم من الزملاء ممن يعاد توظيفهم لأداء أدوار أكبر وأهم . ومن الضرورى أن نتعلم فكرة التعاضد والتعاون والتكاتف لا الانقسام ولا التنافس ولا بث العراقيل ورصف المعوقات.

بشائر الغد

تركيزى على الصحافة وإن كنت أعنى وسائل الإعلام الأخرى كافة، المقروءة والمسموعة والمرئية، وأخص بالذكر ما يُدعَى اليوم "الإعلام الجديد" أو الإعلام الرقمى باعتباره يمثل الركيزة الأكبر فى مستقبل الإعلام والصحافة.

لم تعد التقنيات اليوم رفاهية، بل ضرورة حتمية لمواكبة ما يحدث فى العالم من تطور يصل إلى حد التهور المرعب. القنوات الإخبارية والفضائيات الآن تعتمد اعتماداً كلياً على فرق الإعداد المزودة بأحدث التقنيات، ووسائل الاتصال المرتبطة بالأقمار الصناعية، وبث الأخبار فى أجزاء من الثانية، ووسائل شرح وإيضاح فى الاستديوهات تدار باللمس، وشاشات عملاقة مرتبطة بفريق هائل فى الكواليس لمجرد تنفيذ برنامج إعلامى أو إخبارى واحد . منظومة هائلة ليس لها هم إلا جذب الجمهور وتحقيق أعلى نسب متابعة .

ماذا عن المردود؟ الأرباح والعوائد والفوائد المنتظرة من تكلفة باهظة هى ثمن هذا الإعلام المزود بالتقنيات الهائلة والتى تبدو بلا سقف، ماذا عنها؟

إن المردود يأتى بصحبة النجاح . والقناة أو البرامج التى تحقق نسب مشاهدة أعلى سوف تتكالب عليها عروض الإعلانات والاسبونسرات والرعاة والممولين من كل حدب وصوب . المهم هو النجاح لا التكلفة . وبعض القنوات والبرامج والعروض نجحت بأقل التكاليف، فاللعبة هنا تعتمد على نفس المعطيات التى يعرفها كل إعلامى : المصداقية، والتجرد، والكفاءة، وحسن قراءة ذوق الجمهور الذى يتبدل كل يوم.

نحن لدينا صروح إعلامية وصحافية كبري تملأ ربوع مصر، ولدينا إعلاميين أكفاء، وطواقم تدريب جاهزة لإعداد آلاف الكوادر، فماذا ينقصنا سوى إدارة ناجحة تحول كل تلك الطاقة الافتراضية إلى نجاح هائل ؟ فإذا حدث النجاح أتت العوائد والجوائز والمكتسبات من تلقاء ذاتها.

مشروع إعلامى موحد

من الظواهر الإعلامية الحديثة ظاهرة التخصصات الدقيقة فى الصحافة والإعلام . تلك الظاهرة التى حدثت بسبب التوسعات العظمى فى وسائل التواصل ما أفرز اتساعاً موازياً فى تعداد الجماهير التى تستقبل مواد إعلامية بالأطنان تنهال عبر أسلاك الإنترنت وأثير الفضائيات ناهيك عن عشرات ومئات الصحف المصرية والعربية . ظاهرة التخصص تسببت في ظاهرة أخرى أهم تتناولها الدرسات الإعلامية اليوم بشئ كبير من التركيز هى ظاهرة "تفتيت الجمهور – Demystification" . وتبرز أهمية مثل تلك الظاهرة عند تأمل المشهد الإعلامى بشكل بانورامى لنلاحظ كيف أن العالم تتقاسمه اليوم أربعة كيانات إعلامية سبرانية كبري : تويتر، فيسبوك، يوتيوب، جوجل . وأن حسن استغلالهم لفكرة تفكيك وتجزئة الجمهور من خلال إعادة تدوير التخصصات الإعلامية وتجزئتها لتخصصات أدق يعود عليهم فى النهاية بجماهيرية أكبر وعوائد أعظم.

فى المقابل هناك فكرة أخرى إعلامية اقتصادية تستخدمها تلك الشركات لتحقيق مكاسب أكبر وجماهيرية أوسع هى فكرة "دمج الكيانات الإعلامية"، وهو ما نراه يحدث كثيراً فى عالم الإعلام والميديا . لكن هذا يحدث فى أمريكا، أو فى القطاع الخاص . فلماذا لا نشهد مثل هذا فى القطاع الإعلامى الحكومى؟ الدمج هنا يُحدث نوعاً من تقليص النفقات، وإعادة الهيكلة، والتبادل القسرى للخبرات بين كيانات تحقق نجاحاً متوسطاً وحدها، لكنها بالاندماج تحقق نجاحاً أكبر.

فى ظنى أن الاندماج أو التحديث التقنى أو إعادة تشكيل النخبة كلها مجرد شوارد رؤى وأفكار محتملة وممكنة لهدف رئيسي هو تطوير الإعلام، المهم أن نتفق على مشروع ما نجتمع ونتكاتف لتحقيقه . وهو نفس ما تصبو إليه الدولة، وما يتطلع إليه كل صحفى غيور على بلد كان يوماً حامل مشعل الثقافة والتنوير فى الشرق الأوسط والشمال الإفريقي، وما زالت لديه القدرة على العودة للصدارة والريادة .

المهم أن تكون هناك إرادة وحماسة، ثم رسالة وهدف ورؤية واضحة، ثم مشروع إعلامى عظيم يلتف حوله المثقفون والإعلاميون والممولون والمصريون جميعهم ؛ فلو عادت شمس الإعلام تشرق شروقها الأول فسوف نصل بسهولة ويسر إلى العالمية.

وأثق أن إعلامنا المصري بكوادره البشرية وبنيته التحتية وإمكاناته الهائلة وتاريخه العريق قادر على هذا .

 وربما لا تمضى سنوات إلا وتعود شمس الإعلام تشرق من جديد.

 

    عبد السلام فاروق 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5116 المصادف: 2020-09-07 12:13:00