 أقلام ثقافية

ورقة المقوى.. ليست كلمات

حسين يوسف الزويد(لا أدري هل هي قصة قصيرة أم مقال لكني فقط أقول أنها ليست كلمات من نسج الخيال وإنما هي حقائق.)

في عصر يوم ربيعي مشمس وجميل، وما أحلا الربيع في مدينة الموصل الحدباء، كنت يومها طالباً في المرحلة الثالثة من الدراسة في قسم المدني / كلية الهندسة.. أقول في عصر ذلك اليوم وبعد انتهاء المحاضرات وتناول الغداء نزلت بالباصات من المجموعة الى منطقة باب الطوب قاصداً شارع الدواسة تحديداً والذي كان حينها من أهم وأجمل الأسواق التجارية في المدينة خصوصاً للملابس والأحذية كما كان عامراً بدور السينما والمطاعم الفاخرة... أمضيت بعض الوقت في شارع الدواسة وكان أن اشتريت قميصاً من أحد المحلات ثم عدت ادراجي قبل الغروب وبالباصات أيضاً الى منطقة المجموعة قاصداً القسم الداخلي حيث كانت الأقسام التي يسكنها طلبة كلية الهندسة داخل الحرم الجامعي.

دخلت غرفتي في القسم الداخلي وبعد استراحة بسيطة فتحت العلبة الكارتونية واخرجت منها القميص والمعروف أن القميص مثبت بالدبابيس على ورقة من المقوى داخل العلبة وبعد انتزاع الدبابيس ولسبب لا أعرفه وضعت ورقة المقوى داخل دفتر ملاحظاتي الخاص بمادة المواصلات (Transportation) ربما لأن ذلك الدفتر كان قريباً مني لحظتها.

في اليوم التالي عصراً وفي نفس الأجواء الربيعية الرائعة كنا نستعد  لامتحان الفصل الثاني لمادة  (Transportation) وكان يدرسنا تلك المادة الأستاذ الدكتور عبد البر قاسم الجليلي (رحمه الله) وصادف أن اتفقت مع الزميل والأخ العزيز احمد طيبان احمد العبيدي وهو من أهالي منطقة النمرود ويعمل حاليا رئيس مهندسين في ديوان محافظة نينوى والأخ والزميل إبراهيم رمضان احمد الجبوري وهو من أهالي قرية الموالي وتقع بعد الطريق المتفرع من سوق المعاش في مدينة الموصل باتجاه تل عبطة وهو مقيم حالياً في دولة الامارات العربية، وكاتب هذه السطور  حسين يوسف الزويد من منطقة الشرقاط جنوب الموصل.

اتفقنا نحن الثلاث على الخروج للمذاكرة استعداداً للامتحان المذكور الى منطقة التلول شمال الأقسام الداخلية لطلبة الهندسة التي تقع داخل الحرم الجامعي. وأخذنا معنا فراشاً بسيطاً كان الجو مشمساً وفي شهر آذار حيث تكثر الأزهار والورود في هذا المكان وخصوصاً زهرة البيبون.

لقد كان من طبعي انا شخصياً أن تكون ملاحظاتي مبعثرة وغير منظمة ومشتتة وقد عرفت السبب في ذلك لاحقاً وبعد تخرجي ففي إحدى اللقاءات دار حديث بيني وبين الأستاذ الدكتور الكاتب والناقد والشاعر والأكاديمي حمد محمود الدوخي المختص باللغة العربية وادابها فقلت له يا دكتور أنني أعاني من ضياع بعض المسودات والمذكرات وغالباً ما تكون مشتتة ومبعثرة فأجابني بالقول هذا شيء طبيعي لأنك شاعر فلو لم تكن مشتتاً ومبعثراً لم تكن شاعراً.

أعود الى جلسة المذاكرة مع زميليَّ أحمد وأبراهيم وطبعاً كان معي دفتر ملاحظات المادة وكان بداخلة ورقة المقوى انفة الذكر بدأنا بالمذاكرة والمناقشة وكالعادة كان دفتري لا يحتوي على المعادلات والاشتقاقات أو فقط يحتوي على نتف غير مترابطة منها وبعد كل جولة مناقشة يتم التوصل الى المعادلة النهائية وبالمناسبة كانت مادة الأمتحان تتعلق بتصاميم الأقواس الأفقية والعمودية بكافة أنواعها بالطرق بالإضافة الى مواد اخرى.

اقول بعد كل نقاش كنت التقط من الزميلين المعادلة النهائية التي تخص كل قوس وحسب نوعه واقوم بتثبيتها على ورقة المقوى وهكذا الى أن امتلأت الورقة بكافة المعادلات.. أوشكت الشمس على الغروب فقررنا العودة الى القسم الداخلي يومها قلت للزميلين أحمد وأبراهيم أن مادة الامتحان اصبحت كلها في هذه الورقة من المقوى فضحكنا وعدنا.

في اليوم الثاني كان الأمتحان وحقيقةً كانت الأسئلة شاملة وهي ثلاث أسئلة :-

السؤال الأول يتضمن تصميم قوس أفقي (horizontal curve) بحيث تتضمن منطقة القوس وجود جسم او شيء على الجانب الأيسر (object) وهنا على المصمم أن يتلاعب بنصف قطر القوس تلافياً للحوادث عند الاجتياز ويعلم ذلك جيداً كل الزملاء الذين اتجهوا بعد التخرج الى العمل في ميدان الطرق والجسور، درجة هذا السؤال كانت (40).

اما السؤال الثاني فكان يتضمن تصميم قوس عمودي (vertical curve) وعليه (40) درجة أيضاً.

أما السؤال الثالث فكان من نمط الاختبار المقالي كما يسمى في طرائق التدريس وهو يتعلق بذكر فوائد الجزرة الوسطية ال(medium) وعليه (20) درجة.

بعد حوالي أسبوع أو أقل أو اكثر ظهرت نتائج ذلك الأمتحان. وبعد أن اعتلى الأستاذ المرحوم عبد البر قاسم الجليلي المنصة حاملاً معه اوراقنا الامتحانية وقبل ان يبدأ بتوزيع الأوراق علينا أخبرنا بأنه لا يجوز الاعتراض على الدرجة إطلاقاً.

تم توزيع الأوراق وكانت نتيجة الزميل أحمد طيبان فوق ال (60 من مئة) أما الزميل إبراهيم رمضان فكانت درجته فوق ال (70 من مئة) وانا كانت درجتي (80 من مئة) قلبت ورقتي فوجدت فيها درجة السؤال المتعلق بتصميم القوس الأفقي هي (40 من 40) ودرجة السؤال المتعلق بالقوس العمودي هي ( 40 من 40) أيضاً والدرجة المتعلقة بذكر فوائد الجزرة الوسطية هي (20 من 20) أي أن درجتي هي 100‪ من 100‪  وأن ما حصل هو خطأ في جمع درجات الأسئلة، فرفعت يدي معترضاً حاملاً الورقة فقال الدكتور عبد البر لا يجوز الاعتراض كما قلت لكم سابقاً فمشيت باتجاة المنصة وو ضعت ورقتي على المنضدة إمامة فقلت له يا دكتور أنا لا اعترض على الدرجة لكن هناك خطأ في جمع الدرجات من فضلك دقق ذلك وفعلاً راجع جمع الدرجات وقال جملة لا زلت أحفظها

(هذا حق أن الله لا يستحي من الحق) فشطب على درجة (80) وثبت بدلاً عنها  100‪ من 100

و بعد المحاضرة قال لي الزميل أحمد طيبان :- ( البارحة ما كانت عندك المعادلات مكتملة واليوم تأخذ مئة من الان فصاعداً بعد ما نذاكر معك).

 

د. حسين يوسف الزويد

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المهندس حسين يوسف الزويد المحترم
تحية طيبة
حمداً لله على سلامتكم
اقلقنا الغياب
انها صفحة من صفحات الحياة فيها تذكرتم اصدقاء و درجة اكيد كان لها تاثير و موقف اقنع الاستاذ له الرحمة بأن الله لا يستحي من الحق
و اليوم كأني بك تريد تذكير من نسي هذه الحكمة او القول وبدل ان تصرخ ان الله لا يستحي من الحق قدمتها لنا بهدوء فشكراً
رافقتكم السلامة وتمام العافية

عبد الرضا حمد جاسم
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ الفاضل الكاتب و الشاعر عبدالرضا حمد جاسم...
تحية و احترام...
شكرا من الأعماق على حضورك الكريم...
و جزيل الامتنان على تعليقك الدافئ
وعلى كل كلمة وردت فيه.
دمت بخير.

حسين يوسف الزويد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5123 المصادف: 2020-09-14 03:55:23