 أقلام ثقافية

كأني إذ مدحتك قد هذيت

محمد عبد الكريم يوسفينصحنا ابن المقفع وهو خير الناصحين حين يقول: "من يصاحب السلطان  كمن يضع الحية في عبه لا يعرف متى تنقلب عليه "، وربما كانت هذه الخصلة متأصلة في القادة والسلاطين والمدراء على مرّ الأيام.فأنت تقدم الغالي والرخيص في خدمتهم وفي النهاية يكون الجزاء من غير جنس العمل والتاريخ مشبع بالحكايات والقصص والنوادر التي تروي علاقة الناس بالسلاطين .

يحكى أنه في يوم من الأيام حمل جحا الضاحك المضحك كما سماه العقاد يوما إلى تيمور رمانات باكورية ظهرت في غير أوانها، فرضي عنه تيمور وأرضاه.

ثم طمع في جائزة أخرى، فجمع رءوسًا من اللفت ليهديها إليه، فقال له بعض جيرانه إن اللفت لا يصلح لإهداء الملوك، فاذهب إليه بنخبة من التين فهو ألطف وأحلى.

واستكبر تيمور أن يهدى إليه التين وهو يملأ الأسواق، وأحب أن يكف جحا عن طمعه، فأمر الجند أن يقذفوه بالتين واحدة بعد واحدة.

فوقف جحا يتلقى الضربات على رأسه وعلى وجهه وعلى عينيه وأنفه وهو يضحك، ويدعو للجار الذي أسدى إليه النصيحة الصادقة.

واشتد عجب تيمور من ضحكه ودعائه، فأمر الجند أن يمسكوا عن ضربه، ليسأله عن سر ذلك الضحك وذلك الدعاء.

قال: إنه سر عظيم، لو كان اللفت في موضع هذا التين، لتهشم رأسي وانفقأت عيناي!  الحمد لله.

ويحكى أن ربيعة  الرقي امتدح العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس (عم هارون الرشيد) بقصيدة جميلة في وزنها، جزيلة في معناها، جميلة في وصفها، وهي طويلة يقول فيها:

لو قيل للعباس يا ابن محمدٍ ...... قل لا وأنت مخلد ما قالها

ما إن أعد من المكارم خصلة .... إلا وجدتك عمها أو خالها

وإذا الملوك تسايرت في بلدة ... كانوا كواكبها وكنت هلالها

إن المكارم لم تزل معقولةً ..... حتى حللت براحتيك عقالها

ثم ترك له الرقعة وخرج، فبعث إليه العباس بدينارين، وكان يقدر فيه ألفين، فلما نظر إلى الدينارين، كاد أن يجن غضبا ، وقال الرسول: خذ الدينارين فهما لك على أن ترد إلي الرقعة، من حيث لا يدري العباس، ففعل الرسول ذلك، فأخذها ربيعة، و كتب في ظهرها:

هززتك هزة السيف المحلى......... فلما أن ضربت بك انثنيت

مدحتك مدحة الطرف المجلي ... لتجري في الكرام كما جريت

فهبها مدحة ذهبت ضياعا .......... كذبت عليك فيها وافتريت

فأنت المرء ليس له وفاءٌ ............ كأني إذ مدحتك قد هذيت

والطرف هو  الفرس الأصيل، أما المجلي فهو عند العرب من الخيل السوابق .

 

ثم دفعها إلى الرسول وقال له: ضعها في الموضع الذي أخذتها منه، ففعل.

 فلما كان من الغد، أخذ العباس الورقة وقرأ الأبيات و غضب، وقام من ساعته ، وركب إلى الرشيد، وكان أثيرا عنده يبجله ويقدمه على غيره، فرأى الرشيد الكراهة في وجهه،

فقال له الرشيد: ما شأنك؟

قال: هجاني ربيعة الرقي.

فأحضره الرشيد، وقال له: أتهجو عمي، وآثر خلق الله عندي؟ لقد هممت أن أضرب عنقك.

 أجاب ربيعة : يا أمير المؤمنين، والله لقد امتدحته بقصيدة ما قال أحد مثلها من الشعراء في أحد من الخلفاء، ولقد بالغت في الثناء، وأكثرت من الوصف، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بإحضارها فعل.

وعندما سمع الرشيد القصيدة المادحة، سكن غضبه، وأحب أن ينظر في القصيدة، فأمر العباس بإحضارها فتلكأ عليه.

قال له الرشيد: سألتك بحق أمير المؤمنين، إلا أمرت بإحضارها؟

أحضر العباس القصيدة ، فإذا فيها القصيدة بعينها، فاستحسنها واستجادها وأعجب بها، وقال: والله ما قال أحد من الشعراء في أحد من الخلفاء مثلها، ولقد صدق ربيعة ، فبرَّ .

ثم قال للعباس: كم أثبته عليها؟ فسكت العباس، وتغير لونه، وغص بريقه.

قال ربيعة: أثابني عنها يا أمير المؤمنين بدينارين، فغضب الرشيد غضبا شديدا، ونظر في وجه العباس، وقال: سوءة لك! أية حال قعدت بك عن إثابته؟  أقلة مال؟  فوالله لقد نولتك جهدي، أم انقطاع المال عنك؟ فوالله ما انقطعت بك، أم أصلك؟ فهو الأصل الذي لا يدانيه شيء، أم نفسك؟ لا ذنب لي، بل نفسك والله فعلت بك ذلك، حتى فضحت أجدادك وفضحني، وفضحت نفسك

فنكس العباس رأسه، ولم ينطق، فقال الرشيد: يا غلام، أعط ربيعة ثلاثين ألف درهم، وخلعةً، واحمله على بغلة، ثم قال له: بحياتي لا تذكره في شيء من شعرك تعريضا ولا تصريحا.

فقال له ربيعة الرقي: من كان ابن أخيه بمثل هذا العطاء لا يمكن أن يذكر إلا يخير.

وكان ما كان ...

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5163 المصادف: 2020-10-24 01:44:03