 أقلام ثقافية

حب واحترام

يسري عبد الغنيلقد عرف عن العرب المسلمين حبهم واحترامهم وحرصهم على كتب العلوم والفنون والآداب، فهم الذين أخرجوا كتب اليونانيين من مخابئها، وكانت هذه الكتب عند الأوربيين وغيرهم في تلك الآونة هرطقة وضلالاً.

ويمكن أن نزيد اتجاهنا البحثي تأكيداً بمسألة مهمة، فقد ذكرت الروايات التي تنسب للمسلمين حرق مكتبة الإسكندرية المصرية القديمة، أن يوحنا النحوي، قابل القائد / عمرو بن العاص، وتحدث معه بشأن هذه المكتبة، ولكن التاريخ يؤكد لنا أن يوحنا النحوي هذا مات قبل دخول المسلمين إلى الإسكندرية بثلاثين أو أربعين عاماً، وهذا ينقض الرواية من أساسها .

ويتعجب الباحثون العرب المسلمون من رواية ابن العبري صاحب كتاب (تاريخ مختصر الدول)، وبخاصة أن بها عناصر القضاء عليها .

ابن العبري يقول: إن عمرو بن العاص شرع في تفريق كتب مكتبة الإسكندرية على حمامات الإسكندرية الشعبية، وأمر بإحراقها في مواقدها، فاستنفدت في مدة ستة أشهر .

ويرى هؤلاء الباحثون أن الخليفة / عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لو طلب من قائده / عمرو بن العاص إحراق هذه الكتب لما كان له أن يفرقها على الأفران أو الحمامات، لأن أصحاب هذه الأفران أو تلك الحمامات، كانوا يستطيعون بيعها، أو الاحتفاظ بها على أقل تقدير .

ثم أن الكتب كانت مكتوبة على الكاغد (الجلد)، وهي مادة لا تصلح للاحتراق، وكيف يتصور أن تبقى ستة أشهر مع أن حمامات الإسكندرية كانت حوالي أربعة آلاف حمام !! .

هذا، وقد اتجه الأستاذ / جورجي زيدان هذا الاتجاه في كتابه : (تاريخ آداب اللغة العربية )، ولكنه عاد في كتابه: (تاريخ التمدن الإسلامي) ليعدل عن هذا الرأي، ومال إلى اتهام العرب المسلمين بحرق هذه المكتبة، لأسباب غير علمية، ولا منطقية، ينقصها التوثيق والعمق، أهمها أن المسلمين كانوا يرون أن القرآن الكريم صفوة العلوم والمعارف، ولم يجدوا حاجة لسواه !! .

وبالطبع هذا استنتاج ناقص جداً، نذهب بعد ذلك إلى المؤرخين الأجانب، فقد ناقشوا هذا الاتهام الملفق، وانتهوا إلى رفضه، مؤكدين على أن عبد اللطيف البغدادي ذكر، في كتابه (الإفادة والاعتبار)، ذلك عرضاً عند كلامه عن عمود السواري بالإسكندرية .

ولعل البغدادي الذي زار مصر والإسكندرية سمع كلاماً كهذا من العوام، أو من الحانقين على العرب المسلمين لسبب أو لآخر .

ومن هؤلاء المؤرخين الأجانب: (جبون)، و(بتطلر)، و(سيديو)، وفي ذلك يقول (سيديو): إنه لم يقع في الإسكندرية في تلك الفترة انتهاب قط، ويتعذر علينا أن نعتقد صدور أمر بدم بارد يمثل هذا العمل الهمجي (أي حرق مكتبة الإسكندرية) .

كما أننا لا نجد مؤرخاً معاصراً لفتح الإسكندرية على يد المسلمين، يروي هذا الخبر، ويقرر التاريخ أن مكتبة الإسكندرية دمرت في عهد (يوليوس قيصر)، وفي عهد (تيودورز) .

ومما يؤكد هذا الاتجاه قول (أورازيوس) أنه وجد أرفف المكتبة المقصودة خالية تماماً من الكتب عند زيارته للإسكندرية في أوائل القرن الخامس الميلادي .

وعلى هذا فاتهام العرب المسلمين الفاتحين بحرق مكتبة الإسكندرية القديمة اتهام ظالم باطل ملفق لا يقوم على أدلة موثقة أو على أساس علمي أو منطقي سليم .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5181 المصادف: 2020-11-11 02:25:00


Share on Myspace