 أقلام ثقافية

إنها تجمع في قامتها مساحة من الحضور والتعبير

نبيل عرابياقترب الليل من النافذة الشفافة.. معلناً حلول موعد الصمت اليومي، في حضرة شمعة نحيلة، لا لون لها، لا رائحة لها.. ولا جدوى من ذوبانها سوى أنها تسامر الصمت بمرارة حين يطلّ عليها من شرفة الغياب..

أتراه دمعاً هذا الذي يقطر منها..!

أتراها حياة هذه التي تجعلها منتصبة في مكانها لساعات طويلة، دون أن تأتي بحركة ما،أو أن تغادر موقعها..!

أتراها تكتفي بلهيبها ، وإن كان لا يقوى على مواجهة زفير مسلّط عليها.. ينفث فتات الحزن العالق في شعاب الرئتين المشبعة بثاني اكسيد الهموم..!

غريب أمرك أيتها الشمعة المجهولة المصدر.. من أين لك كل هذا الصبر على الوقوف كحارس قصر ملكي، يخشى أن يهش ذبابة إذا حطّت على أنفه.. كي لا يخسر وظيفته..!

غريبٌ أمرك حقاً..! كيف تكتمين هذا الكم الهائل من الأسرار، وأنت على مسافة يتمناها كل مظلوم من ظالمه، لينقضّ عليه ويثأر لنفسه..!

هل تعني النار المشتعلة فوق رأسك أنك تنبضين بالحياة.. وأنك تمارسين دورك فيها، وتقومين بالمهمة الموكلة إليك على أكمل وجه..؟

أجدك تلتزمين الصمت دوماً.. وتتركين لمن استضافكِ على مائدته، أو في غرفته، أو في طقس من طقوسه أن يسبغ عليك الصبغة- الهدف من حضورك..

وبالمقابل، فحين تغفل العين عنك، فتتركين وحيدة.. إلا من هدوء يصمّ آذان الجدران.. فإنك كثيراً ما تجعلين الذي أهملك، يدفع الثمن غالياً.. حتى يصل الأمر أحياناً إلى الخروج عن دائرة السيطرة.. فلا تكتفي ثورة غضبك بالحجر.. فتطال البشر، وما من تهمة توجه إليك.. وما من عقاب ينفع في حال إثبات تورّطك المباشر في جرائم الحرائق غير المفتعلة...

وعجيب أمرك أيضاً.. فكيف تستطيعين أن تجمعي في قامتك، التي مهما طالت، ومهما ثخنت، كل هذه المساحة من الحضور والتعبير، وإلى حدّ كبير، في كل مل من شأنه أن يقرع باب الحاجة والشعور الإنساني، فقد رافقت حقبات طويلة من الحضارات التي شهدها التاريخ، وبالرغم من كل الأزرار التي صرنا نضغط عليها لنحصل على النور الكافي لتفاصيل حياتنا.. إلا أنك ما زلت صاحبة وجود فاعل في ميادين عدة وشتّى، لا تنفع فيها المنافسة معك، ولا طعم لها، ولا معنى لوجودها، إن لم تكوني " سيدة الدار" فيها.

 

نبيل عرابي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب المبدع
لقد كنت كتبت تعليقاً على القصيدة المترجمة بعنوان ( عودة الغريب ) ولا يمكن ان ادخل على التعليق , لان حسب ما اعتقد ان حاسوبك يحمل ( فيروس ) لانه كلما اريد ان ادخل في التعليق , يأتيني التحذير بأن اتجاهله وابتعد لانه يحمل فيروس وخطر على حاسوبي . لذلك ارجو منك ان تكتب التعليق مرة اخرى لنجرب ماهي العلة في عدم نشر التعليق .
ودمت في خير وعافية

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

لقد قرأت ردكم على التعليق، واشكركم على الإهتمام، على أمل أن يلقى نتاج يراعي الإستحسان من طرفكم .

نبيل عرابي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5187 المصادف: 2020-11-17 01:43:03


Share on Myspace