 أقلام ثقافية

سطورعن رواية سمية العبيدي الثالثة

سمية العبيدي(الأرض سَنة..)

مع إن مقدمة هذه الرواية لا تكاد تختلف عن كل ما كتبت العبيدي في بدايات روايتيها السابقتين.. حيث تُوظف البدايات عندها لتوضيح النص وإلقاء الضوء عليه، كما إنها تكون جزءاً مهماً منه . غير أن المقدمة هنا تتميز عن المقدمة في روايتيها السابقتين في أنها لم تُستق من واقع الحياة ولا من مجريات الرواية كما يحدث في تلكما الروايتين بل المقدمة هنا رأي في الحروب والمعارك وما يتبعهما من تغيير على النظم الاجتماعية و الانعكاسات الضارة والسلبية التي تنطوي عليها سواء أكانت نتائج الحروب سلبية أم ايجابية - وذلك ما لا يحدث الا نادراً - وقد أشار اليها بعض القراء والمتابعين بأنها دفق من تشاؤم وعلى النقيض من ذلك أنا أرى إنها تنطوي على نوع من التحذير يستبق الأحداث التراجيدية التي يمكن أن تتبع الحروب التي لا فكاك منها والتي بسطت راحتيها بقوة في جوانب وربوع الشرق الأدنى، كما تفعل ذلك الآن في الشرق الأوسط .

كما إنها تختلف عن سابقتيها في طريقة طرح الفكرة وترتيب أحداث الرواية وتسلسل أحداثها، في هذه الرواية تنقسم الأحداث الى قصص منفردة مفصولة تلم المقدمة شتاتها وتنظمها عقداً واحداً لا انفراط فيه . ولولا هذه المقدمة لقلنا إن هذا الكتاب ما هو الا بضع وعشرة من القصص القصيرة . وسبق للكاتبة نفسها ان شبهت هذه الرواية - في مقال آخر -بالاخطبوط  إذ تقوم المقدمة مكان الرأس منه أما القصص الفرعية فما هي الا أطرافه العديدة .

2019 سمية العبيديوهذه الفصول التي تبين طوايا البشر ونزعاتهم وأهواءهم وترصد طرقهم وآلياتهم في سبيل تحقيق أمانيهم ورغباتهم وتوضح التفرد البشري والإنساني في اختيار دروب وسبل النجاة بأرواحهم من عواصف الإبحار في الشر والخير ومنعطفات وزوايا الممكن والمستحيل حتى يناقض بعضهم بعضاً في طرق الهروب من الأذى والتشتت والفوضى الى أحلامهم أو الى واقع بديل نابذين واقعهم المرفوض الى ما قد يكون أسوأ منه أو متربصين في أماكنهم لا يريمون عنها بانتظار أن تطرق النهاية أبوابهم بهدوء وصمت . فركوب الطوف مغامرة خطيرة لا حدود لها غير إن الشاب سامر يخاطر وكلنا يعرف اندفاع الشباب وتهوره غير إن سامر درس الأمر من مختلف جوانبه ورأى الممكن والمستحيل ولذا وظف كل ما يعرفه لخدمة هدفه فحققه ولو بعد انقضاء عدة سنوات قضاها مفكراً في كل ما يمكن أن يخدم هدفه ويؤدي الى نجاح تجربته ووصوله الى البر الذي ينشده سالماً معافى .

وعلى النقيض من هذا نرى الفيلسوف يجزع من نهايته لذا يضع حداً لحياته فيهرب من تشوفه وانتظاره لهذه النهاية المفترضة بالانتحار. في حين تتشبث المرأة بالأمل وتنتظر من أولادها ما لم تربهم عليه وهو النجدة والاهتمام بالغير. أما سعاد فتفني نفسها في سبيل الواجب تجاه أطفالها - ومع إنها فقدت اتزانها ورشدها - غير إنها لم تزل متمسكة بذلك الواجب الذي يلزمها به مجتمع تخلى عن الأواصر التي تشد بعضه الى بعض بالود والمحبة حتى داخل اللبنة الصغيرة الأُسرة . وفي حين نرى العسكري يرفض أن يتنازل عن عرشه الوهمي أو يشارك به أحداً يحاول سامح أن يثرى دون تفكير أين سيستعمل وينفق هذه الثروة ويظل يجهد نفسه بلا جدوى . ونرى المرأة تنظر ببلاهة للجزيرة (الحقل) التي انشطرت لتبتعد بها عن زوجها مع إنها في غاية الحاجة لهذا الزوج فهي حامل . كما نرى الأب ينظر ببلاهة ويصطبر على فراق ابنه الذي لا يزال طفلاً ويرضى بتسليمه الى مستقبل مجهول لا ملمح من نور فيه .

ومع كل الطرق التي انتهجها أبطال القصص ومنهم سامر الا إن النهاية أدركته وهو يحاول جاهداّ الوصول الى مكان لا زالت الحضارة ترتع في أحضانه والكيان المتماسك يشده بقوة فهو يمثل إرتكاساً في الزمن الى الأحسن ونزوعاً الى الموروث الذي انقطعت أسبابه فهو هنا يعترف بلسان جيله بالخطأ المتعمد الذي ارتكبته الأجيال المتأخرة بهجرة أصولها وعادات أجدادها وملاحمهم ومشاعرهم التي خلدتها التواريخ المكتوبة على الورق فقط والتي نزعتها الأجيال المتأخرة من نفوسهم وعن جلودهم مثل ثياب رثة .

ونلاحظ بلا ريب إن الرواية تنتهج أُسلوب السرد من بعيد فلا سؤال ولا جواب ولا رد ولا تعليق وبذلك توحي لنا الكاتبة أن الرواية حدث غير متحقق واقعياً حتى الآن ولكنه يمكن أن يقع فهو عقوبة للموغلين في طرق الشر وانتهاج القوة والعنف وسيلة لاقتياد العنصر البشري الى الموت وتدمير الذات .

 

سمية العبيدي

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (13)

This comment was minimized by the moderator on the site

مبروك صدور روايتك استاذة سمية العبيدي ولكن تبقى مشاكل الحصول على الاصدارات الجديدة هي هي حتى اصبحنا اسرى للانترنيت لصعوبة الوصول الى هذه الاصدارات ..
دمت مبدعة شعرا وسردا

قيس العذاري
This comment was minimized by the moderator on the site

جزيل شكري وامتناني لكم يا اصحاب الفكر والقلم الاصدار ليس بجديد غير أن محدودية توزيعه جعلته يبدو كذلك فهو توزيع اعتمد على جهدي الخاص المتواضع قبل أن يكون لي من صحيفة المثقف وكتابها وجمهورها سند وضلع
دمتم للأدب ومحبيه استاذ قيس العذاري

سمية العبيدي
This comment was minimized by the moderator on the site

تحابا الود استاذة سمية وورد التقدير
الف مبارك لصدور روايتكم ولمزيد من الانجازات الراقية ..
برؤيا ابحار مختزلة لقارئ الرواية ....
مبارك الجهود
سلم الالق

إنعام كمونة
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزتي ذكرى الف شكر وشكر أسر وانا اقرا فرحك لفرحي
كم من الزملاء والادباء والقراء الكرام لم يصل لعملهم إلا الآن اني نشرت بضعة روايات وسلسلة من قصص لليافعين عسى ان ينال ما كتبت رضاهم ومن الله التوفيق
حاولت أن اوصل ما كتبت اليك والى قراءتي دون جدوى سبلي قاصرة وكذلك يدي
دمت متألقة داءما وبعافية

سمية العبيدي
This comment was minimized by the moderator on the site

يظهر أن وهن الجسد بدأ يطغى علي عفوا عزيزتي انعام كوني بخير

سمية العبيدي
This comment was minimized by the moderator on the site

غاليتي استاذة سمية التي تصوغ من الحقائق خيالا رائعا ...
عزيزتي جل من لا يخطأ فلا فرق ولا حرج فصيغة التعليق واضحة ومعلومة ابد ما قصرت ..
حضرتك تكرميني بقراءة تعليقي فقط يكفي ويفي ويزيد فحروفك دوما منتشية الابداع والحنين الراقي بالتواصل الانساني والادبي افتخر به
ممنونة جدا ...
ممكن التنوية لقارئ روايتك يمكن سقط سهوا الاشارة اليه ...ولَك خمائل ورد التقدير والاحترام

إنعام كمونة
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزتي قصدي والى قراءي فعلا كنت أود إيصالها اليك والى مريم لطفي والى ذكرى لعيبي والى ميسلون هادي والى الهام عبد الكريم وأخريات واخرين ولكن طول مكوثي في داري اضر بي كثيرا كنت اريد رايكن وراي بعض النقاد أيضا كان التوزيع محدودا جدا ففي المتنبي مكتبة عدنان وفي السعدون مكتبة المدى والتحرير وفي الاعظمية مكتبة الصباح هؤلاء هم فقط من أوصلت اصداراتي لهم ..
دمت بخير

سمية العبيدي
This comment was minimized by the moderator on the site

مبروك في اصدار روايتكم ( الارض سنة )
اتمنى ان تحظى بالاهتمام والقراءة
ودمتم بخير وعافية

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا استاذ جمعة وبارك الله بك وبجهودك في النقد والكتابة تمنيت لو قرأت ما أكتب وابديت رأيك فكما تعلم انا انحو إلى البساطة داءما وهدفي سواد الناس تمنيت أن تكون مؤلفاتي كروايات الجيب ..ان عاصرتها ...حيث يقرأها الناس في القطر ومحطات الباص وهذا ما جعلني لا أكثف ولا أطيل
دمت بصحة وسلامة .

سمية العبيدي
This comment was minimized by the moderator on the site

استاذتي الاديبة الكبيرة دائما سمية العبيدي طابت اوقاتك بهالات الرضا والنور ومبارك لك الاصدار الجديد ويسعدني ويشرفني أن اكون من ضمن الأسماء خاصتك وتلك منزلة اتشرف بها واكن لها كل الاحترام والتقدير ..
وصلت تحيتك وسلامك الطيب عن طريق اختنا الغالية انعام كمونة وانا شاكرة بل ممتنة لسؤالكم عني وافتقادي بسبب ظرف عائلي طارئ عافانا الله وإياكم واسبغ علينا وعليكم نعمه ظاهرة وباطنة
وممنونة ثانية لما غمرتموني به من كرم
اتمنى لحضرتك المزيد من النجاحات ودمت بخير وعافية

مريم لطفي
This comment was minimized by the moderator on the site

الحمد لله الحمد لله ولي النعم والله قلقت كما لو كنت ابنتي كل شي يهون وينتهي بخير مع العافية والسلامة جعلهما الله من نصيبك داءما
الرواية ليست جديدة لكنها لم تحظ بنصيب وافر بسبب التوزيع السيء تعلمين اني امكث في البيت لصعوبة حركتي وانا الموزع ثم انا بلا خبرة ولا المام بالسوق وبالنت كتبت هذه المقالة منذ اكثر من سنتين ونشرتها اليوم أرأيت سلحفاة أبطأ مني . روايتي الأولى جزر الضياع والثانية بءر الاسرار واصدرت قبل سنوات سلسلة قصص لليافعين .

كوني بخير وعافية

سمية العبيدي
This comment was minimized by the moderator on the site

الحمدلله اولا واخيرا نحمده ونشكر فضله وجزاك الله خير الجزاء على هذا السيل الهائل من المشاعر الإنسانية الطيبة التي تكنيها لي وانا ابادلك المشاعر نفسها واشعر بانك والدتي فعلا والله على ما اقول شهيد وتلك نعمة من نعم الله علينا ان يمن علينا بكل هذا الكرم والعطاء ..
اما بشان النشر الورقي في العراق فهو للاسف الشديد موضوع صعب ومتعثر جدا خصوصا ان دور النشر لايهمها من الموضوع غير الكسب و لاتتحمل هذا العبئ الكبير الذي تتولى النزر اليسير منه تاركة الجمل بما حمل على عاتق المؤلف مع الاعداد الهائلة من النسخ التي تفرض على المؤلف الذي يجد نفسه مضطرا لاهداء اكبر كمية من النسخ إلى المعارف والأصدقاء وهذا ماحصل معي أيضا عند طباعتي لروايتي الاولى وانا خارج العراق فتولى اهلي المهمة لطباعتها في شارع المتنبي ليفاجؤا بعد شهر من الطبع بارسال خمسمئة نسخة اليهم بحجة ان المخزن ممتلئ وقد تصرف اخي وابن اخي بالكمية الهائلة من النسخ عن طريق اهداءها الى مدارسي
التي درست بها على كل المراحل والى صديقاتي واساتذتي وكل من يهمه الامر ،والحقيقة لابد من إيجاد حل ناجع لمشكلة النشر الورقي في العراق
عن طريق انشاء دور طباعة حسب الطلب التي توفر الكثير للمؤلف وسط جشع دور النشر ومااكثرها التي لا يهمها سوى الكسب الفاحش بل بات الموضوع تجاري بحت مع الاجحاف الكبير الذي يتعرض له المؤلف ،لذا فخيار النشر الاليكتروني بات أكثر ملائمة للمؤلف مع وجود منصات اليكترونية تاخذ على عاتقها موضوع النشر والتوزيع خصوصا مع تعقد ظروف الحياة ولو ان الكتاب الورقي له نكهة مميزة ،كما ان هناك مواقع تتولى نشر الاعمال الادبية متسلسلة مثل الناقد العراقي وهذه فرصة ثمينة لتعريف القارئ على مستوى الوطن العربي بماهية الأعمال الأدبية وقيمتها..
اتمنى من الله ان يزيدك من فضله وكرمه
وان يوفقك للخير كله

مريم لطفي
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزتي كانت مشاكلي انا مع اصحاب المكتبات الذين أخذوا نسخا معدودة ورفضوا سداد اثمانها وادعى أحدهم بيع المكتبة بما فيها واخر ..... لم ينصفني إلا واحد جزاه الله خيرا وهو صاحب مكتبة الصباح في الاعظمية ولديه كل إصداراتي
دمت في حفظ الله ورعايته .

سمية العبيدي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5191 المصادف: 2020-11-21 05:57:33