 أقلام ثقافية

صباح هذا اليوم أضعت بوصلة حياتي..

محسن الاكرمينصباحا، وجدت نفسي لا أعرف بالتمام ما أريد فعله؟ تيقنت أن يومي قد أشرق في الفراغ المستديم وضاعت كل متمنياتي الفرحة. حينها رميت سحقا كل ما عايشته من انعكاسات ماضية، ونلت حظا من دعاء الدعابة كي لا تكون نهايتي في هذا اليوم غير المرتب بالتمام. لم أعد أستسيغ تلك الكلمات التي تحملك دعوات التعقل والرزانة، وترتيب بيت الأفكار الداخلية. لم تعد تلك الأبواب التي لا مفاتيح لها تخيفني في منامي ولا حتى في يقظتي. لم يعد لي بدا إلا النيل من فيض الحمق فهو يشتت الأفكار تشتيتا، ويلعن الحقيقة المزيفة جهرا. اليوم سأستغل روافد الحمق مادام القلم قد رفع عنه حكما. اليوم لن أخاف ممّا يمكن أن يضيع، فالغالي قد تم فقده وبقي اسمه يستعمرني.

كم كانت تلك الرحلة العشوائية تحمل روح الحياة، بلا تكلف أو مكلفات اجتماعية ومادية. كانت والله بالضبط، رحلة التخلي عن تفكير التعاسة والألم. رحلة قد تنفض ما بقي عالقا بالعقل والقلب، ولما حتى الغوص في حمام ماء بارد للتطهر. بين تفكير سرعة سحق الماضي بعجلات الحاضر والمستقبل، تعلمت من الألم الراحة بموته، تعلمت من الحزن والدمع مطرا يسقي زهرات تنتعش تفتحا، تعلمت العوم في حوض المسبح عمقا وألاّ أطفو بالنظر إلى ظواهر الأشياء.

كانت رفيقتي تردد"أعطني الناي وغني... فالغناء سرّ الحياة..."، لأول مرة أقتفي سر الإنصات التفاعلي، لا سماع ترتيب الأجوبة أو تمرير النقد وطرح السؤال. لأول أعير الصوت قيمة تحمل الحنان وعدم التأفف من معادلة التغيير والتجديد ولطف الموسيقى.

حقيقة كنت أجر حياتي المثقلة بأشياء إن تسأل عنها بالاستفهام تسوء نفسيتي المضمرة. حقيقة، هنالك أشخاص قد نفتقدهم بامتياز الصورة والروح و علاقة الدم، لكن ليس لنا بدا أن يظلوا في القلب معنا في أفراح وادينا. حقيقة، أني اليوم قررت حين تنتهي رحلتي ألا تكون حتى هي بنهاية الموت، بل بالتخلص ممّا تيسر الفجوات والمنعرجات. حقيقة، كنت أحس أن يومي ما هو إلا  دقائق معدودات من صراط الروح والمحاسبة ليس لغيري بل لذاتي. حقيقة، كنت أود رمي الخيبة والضياع والألم في سلة مهملات تحرق حتما فرن جهنم البعيد بالعمق السفلي.

من رحلة العودة كان أملي الموضعي أن أكون أنا، أن أملك اختياراتي وحريتي، أن تكون رغباتي توازي قدراتي الحسية والعقلية. من جهد التطهير في الوادي المقدس تعلمت من العالمي الداخلي أنه يحمل الأمل وحلم العيش في طيبة السلم، تعلمت منه أنه انعكاس للعالم الخارجي غير المتوازن في التقابل العمودي ولا حتى الأفقي. تعلمت أن العيش في العالمين ما هما إلا سر لهدنة بين الحرب الباردة والسلم المتوتر بالحلحلة.

حين كنت غاطسا في الوادي المطهر، رأيت كل الفلاسفة لا يقدرون السباحة في النهر مرتين، وجدت كل الطاقة المتجددة بالضياء شعلتها التسامح، وقفت على الحرية وهي تنمو في حقول الاتزان والمسؤولية، مررت دنوا من بسمة سعادة فاضحة بالتعرية، من سعادة اصطناعية غير محتشمة، ولا تحمل لغة إشارة (قف).

حين انقطعت أنفاسي بعمق الوادي، وهمهمت على سحب جسدي علوا، أيقنت كليا أن أكسر كل مرايا السعادة السهلة، قررت عند خروجي من الماء أن أبني عادات جديدة تكون فيها السعادة مرمى الهدف بتمام صفيرة الحكم العادل. من حسن انصهاري مع ماء التطهير، أن قلبي بقي صادقا ويحمل الإخلاص للروح والتطبع مع الحقيقة عند خروجي صباح هذا اليوم من بيتي.    

 

محسن الأكرمين

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5221 المصادف: 2020-12-21 03:07:09


Share on Myspace