 أقلام ثقافية

إبن شداد والسهروردي المقتول!!

صادق السامرائيأبو الفتوح يحيى بن حبش بن أمبرك السهروردي، ويُلقب بشهاب الدين، وإشتهر بالسهروردي المقتول (1155–1191) ميلادية.

وإبن شداد، أبو المحاسن بهاء الدين يوسف بن رافع بن تميم بن شداد الأسدي الموصلي (539 - 632) هجرية، قاضي ومؤرخ عاصر صلاح الدين الأيوبي وأرّخ لفترته، وكان من المقربين إليه.

إبن شداد يكبر السهروردي بعشرة سنوات ومات في عمر 89، والسهروردي مات في عمر 36 وقبل وفاة صلاح الدين بعامين.

وقتلُ السهروردي كان بأمر من صلاح الدين الأيوبي، فهل كان لإبن شداد دور في إصدار ذلك الأمر؟!

فصلاح الدين الأيوبي حكم (567 - 589) هجرية، أمر إبنه في حلب بقتل السهروردي، وقد تردد لكنه هدده وأعاد أمر قتله، وبمؤازرة الفقهاء الذين كانوا حوله.

 ومما جاء في كتاب "النوادر السلطانية" لإبن شداد: " وفيها (587) هجرية، قُتِل أبو الفتح يحيى الملقب شهاب الدين السهروردي الحكيم الفيلسوف بقلعة حلب محبوسا، أمر بخنقه الظاهر غازي بأمر والده السلطان صلاح الدين...."

ومنها أيضا: "... وكان صلاح الدين.. مبغضا للفلاسفة والمعطلة ومَن يعاند الشريعة، وقد أمر ولده صاحب حلب الملك الظاهر أعز الله أنصاره بقتل شاب نشأ يُقال له السهروردي، قيل عنه أنه كان معاندا للشرائع مبطلا، وكان قبض عليه ولده المذكور لما بلغه من خبره، وعرفَ السلطان به فأمره بقتله فطلبه أياما فقتله"

ويبدو إبن شداد كغيره من فقهاء الأمة الذين برعوا بالحيل الكلامية عبر مسيرتها، فيجعل القضية بين صلاح الدين الأيوبي وإبنه ويحرر الفقهاء من المسؤولية، وهم يفتون بقتل الأعلام ويقولون أن الخليفة أو السلطان الفلاني قتلهم، ويقدمونهم لهم كالقرابين المصفودة بالسلاسل ويحشدونهم ضدهم، وما عرفهم الخليفة أو السلطان ولا شاهدهم إلا يقفون أمامه على النطع والسيّاف بجانبهم أو السيف بيده، وما عليه إلا أن يقول بضعة كلمات غاضبة ويفتك بهم.

فالذين قتلوا وعُذِّبوا من العلماء والفقهاء، كان بسبب وَشايا الفقهاء الذين حول الكرسي، الذي يرتزقون من عطاياه.

ولا يمكن تبرأة إبن شداد من مقتل السهروردي، فصلاح الدين الأيوبي لا يعرفه، وقد أوشى به فقهاء حلب وأرسلوا وشايتهم إليه، ولا بد لإبن شداد وهو المقرب منه أن إطلع عليها وآزر رأي الفقهاء وفتواهم، فأمر صلاح الدين الأيوبي إبنه بقتله.

وهذا سلوك فقهاء الأمة المتكرر عبر العصور، يقتلون الأبرياء ويتبرؤون من جرائمهم بقولهم أن الخليفة أو السلطان هو الذي قتلهم، ولا تزال العملية ذاتها تجري على قدم وساق في المجتمعات التي تتحكم بها العمائم، فيتم القتل فيها بموجب فتاوى، والقاتل مجهول!!

فاتقوا الله يا أولي الألباب!!

 

د. صادق السامرائي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا جناب الدكتور صادق. لكن هل لي أن أدلي بدلوي يبدو أنك تشجب السلطة الدينية أو بعضها (إبن الشداد) و :كأنك تبرئ السلطة الزمنية (صلاح الدين و إبنه). إذا لم يكن يعرف السهروردي فكيف يتسنى له أن يسمح يصفته السلطان بخنق السهروردي. سامحني من فضلك إن أخطأت في قراءة مقالتك. طاب يومك عزيزي المحترم الدكتور

محمد شهيد
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ محمد شهيد المحترم
تحية طيبة

أعتز بمتابعتكَ وإهتمامكَ

بالتأكيد لا يمكن تبرأة الكراسي من هذه الجرائم

المقال يسلط الضوء على إغفال دور فقهاء الكراسي بتلك الجرائم
والأمثلة متكررة في مسيرة الأمة

ومنها ماجرى لإبن رشد وغيره من الأعلام !!

خالص الود

د. صادق السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

. صحيح الفقهاء لهم نصيب في جرائم أُوْقِعت على الأمة تحريضا من بعضهم (لعل قلة الإقلاء) إذ لهم دور إيجابي أو سكوتا من معظمهم (و لعل خوفا من بطش الرجل القوي و جلاوزته) دورهم سلبي في هذه الحالة. و على فكرة الظاهرة نفسها تنتاب الأكادميين في الجامعات الحديثة ليس فقط في عالمنا العربي و الإسلامي و إنما في العالم بأسره (مثلا المؤرخ بارناد لويس الذي هو موجد نظرية صدام الحضارات , صكها قبل صاميول هانتينتون. لويس هو الذي جث جورج بوش على غزوة و ضرب العراق). فكثير من الأكادميين لا يقومون بواجب المثقف و واجب المثقف كما وصفه المرحوم إيدوارد سعيد (رحمة الله عليه و غفر له) هو: قول الحق للسلطة متماشيا مع حديث رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): "أفضل الجهاد كلمة الحق عند سلطان جائر. و نحن نرى على هذه المنصة النقدية و العلمية من يمدح السيسي بأنه الفارس الوحيد و يحرضون الولايات المتحدة على ضرب إيران . نعم يجب أن ننقد إيران و نظامها لكي لا نفلت من واجبنا. أرجو أن نواصل مثل هذه المناقشات سيدي الفاضل. فلك جزيل الشكر أستاذي الفاضل .

محمد شهيد
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ محمد شهيد المحترم
تحياتي

شكرا لتواصل تفاعلك الطيب مع المقال

مودتي

د. صادق السامرائي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5243 المصادف: 2021-01-12 02:56:32