 أقلام ثقافية

صعوبة القراءة والكتابة ومحنة العيون

كاظم الموسويكل صباح بعد التوكل وتناول لقيمات الفطور، والأدوية وفنجان القهوة، تعودت، حتى قبل حجز جائحة الكورونا، واشتراطاتها الصحية وإجراءات السلطات بشأنها، ان اتوجه الى مكتبي المتواضع للقراءة، مبتدأ بالبريد الالكتروني ومن ثم مجموعات الواتس اب، واغلب الوارد رسائل اخبارية وتقارير سياسية متنوعة ومن ثم متابعة قراءة ما بداته من كتب. حيث اهتممت بمطالعة في اكثر من كتاب في كل جلسة. وزادتها الجائحة بظروفها وإجراءات الحجز الصحي والعزل والاغلاق، وكنت احب قراءة الكتب الورقية واليوم بعد ان حمّل جهاز التابلت عشرات الكتب الكترونيا اصبحت الرغبة تتجه اليه، او التفضيل محسوم له، للامكانات في تكبير حجم الحروف وتسهيل الاطلاع، والقراءة التي لا تتعب أو تكل العيون.

اخذ الهاتف الذكي حصته الكبرى في هذا الجدول او البرنامج  من التواصل والمتابعة والقراءة وحتى الكتابة.. وهو امر نافع ومفيد ومن مقتضيات التطور التقني والحداثة الثقافية، ولابد لمن همه ذلك ان يواكب ويستفيد من كل هذا الخير العام وهذا المشاع الحر.. واستثماره في التثقف والتنوير والتواصل والمتابعة.. فبدونه أو في كثير من الامور، تصعب شؤون الحياة اليومية وتتعقد حلولها أو تيسيرها العملي والفني ومقتضياتها المتشابكة.

لكن هذا الحديث الممتع لا يمتع الى الاخير، فثمة عواقب وحواجز وعرقلة "تخربه" وتحوله الى ألم وقسوة وعذاب احيانا. تقررها الصحة الشخصية عامة وحالة العيون خاصة. وكأنه سباق معها، بين مسير العمر و"مهنة" القراءة. ومعروف أن عادة القراءة لها اثمانها هنا. أو تكاد تكون كذلك عالية الطلب أو عزيزة المكسب. إضافة إلى النظارات الطبية الضرورية، وأنواع القطرات، والأدوية المعالجة الاخرى، ومنها طبعا عمليات جراحية وليزر ومتاعب الرؤية والالتزامات معها. ورغمها تبدو وكأنها رسائل العمر الاخيرة وانذارات الهرم وتاثيراتها كبيرة، وعلى أمثالي اكبر ، ربما، بحكم أن وسائل الإنتاج الأساسية لدينا تعتمد عليها كليا، مع الإنتباه إلى التطورات والمتغيرات على الأصعدة كافة.

 صديقي العزيز الدكتور ماجد الياسري، صديق عمر، من ايام الدراسة الجامعية، ورغم اختلاف اختصاص دراستنا، هو في الطب وانا في الاداب، ولكن من بين ما جمعتنا "هواية" قراءة الكتب وتبادلها، في إطار اهتماماتنا المشتركة.. وكل مرة أراه فيها، صدفة أو بلقاء منظم، وعلى مر كل تلك السنين، العقود من السنوات، اجده حاملا بين يديه مجموعة من الكتب، ثقافية عموما، موزعة بين السياسة والتاريخ والادب، ونتناقش دائما حولها، ويردد لي بأنه يحفظها في مكتبته التي تنقلت معه حسب ظروفه من بغداد الى لندن، ليقراها عند وصوله سن التقاعد اذا لم يستطع ذلك في حينها، ومرت الأعوام والايام وتقاعد عن العمل الذي شغله بجدارة، واخذ العمل حقه من العمر والصحة وتبعاتها.. وكلما نلتقي الان نبدا السؤال عن الصحة ومتاعب وتداعيات رسائل العمر، التي يغلبها تعب العيون وضعف النظر.. وتشدنا حسرات، وتقبضنا آلام، ولا تكفي العبرات والعبارات. ولسان الحال يردد: يا ليت الشباب يعود يوما!.

ولأنها وسائل انتاج المثقف، العيون والايدي والصحة السليمة، ولأداء وظيفته الثقافية، لابد له من القراءة والكتابة، وهنا تبدا القضية المهمة للإنسان المثقف، وتبدأ التساؤلات،  ولا اريد الحديث عنها الان، لكن ما طرحه أستاذ الفلسفة والعلوم السياسية في جامعة كيبيك الكندية د. الان دونو في كتابه "نظام التفاهة"، (ترجمة وتعليق د. مشاعل عبد العزيز الهاجري، ومنشورات دار سؤال_ بيروت، ط1 /2020) من فكرة يمكن أن تناقش حول ما يكابده الكاتب المثقف ودوره في هذا الزمن وشروط العمل في عنوانه لنظام التفاهة.. وتعليقه النقدي في سياق ما رآه من ارتفاع منسوب التفاهة على صعد مختلفة.. ومنها ما يتعلق بدور المثقف، وعدم اقتصاره على النشر وشرح الأفكار، فكتب: ينظر إلى المثقف، على أنه عاطل عن العمل عندما يتعذر عليه أن يجد "وظيفة ثابتة تؤمن له ميزانيته", ولكن مثل هذه الوظيفة هي أمر هامشي بالنسبة إلى نشاطه المتعلق بالفكر هو نشاط حر وغير مصلحي، "في أغلب الأوقات، لا يحتاج المثقف الى أي شيء عدا الاوراق والحبر". ولهذا، فإنه لن يكون عاطلا عن العمل ابدا بالمعنى الدقيق، ذلك لأنه يفكر دائما، فالتفكير هو وظيفته". أنه واحد من القلة المحظوظين الذين افلتوا من الوظيفة "كحالة" لازمة تضعف الشخص الخاضع لها. وهكذا بالنسبة للمثقف، فإن البطالة، رغم كونها تمثل حالة من عدم الاستقرار، إلا أنها ذات أثر ضعيف على قدرته على العمل. وتتسارع هذه الحالة مع شروطها في وسائل إنتاجها الشخصية، التي لا تعيق المثقف عنها وحسب، بل تزيده قلقا وألما وخشية من عواقب لا تنتظر، منها العشي والعمى، وهنا الطامة الكبرى، لاصحاب الحرف والفكرة والوعي "الشقي"!. ومع كل هذا لا تخلو الأمور من ومضات واشعاعات في بطولات فردية ولكنها قادرة على الثبات في دلالتها وعزيمتها واثبات قدرات قد لا تتوفر عند كثير من "العاطلين" عن العمل أو الباحثين عنه في الثقافة والإعلام في وطننا العربي الثري والكبير.

ارسل لي الصديق العزيز، دكتوراه الصيدلة، أسامة الشبيبي، نصا منقولا وصف كاتبه حالة الروائي الفرنسي جان دومينيك الذي أصيب بالشلل التام، والف كتابا من 150  صفحة بتحريك جفن عينه اليسرى، لعدم استطاعته على الكلام، وكانت المحررة التي تكتب عنه النص، تقرأ عليه الحروف الأبجدية في كل مرة بالترتيب حتى تصل إلى الحرف المقصود الذي يؤشر عليه بجفنه، وكانت تقضي ست ساعات  كل يوم لتسجل نصف صفحة فقط.

ويعلق كاتب النص المنقول; هذا درس في الإصرار وتحدي الظروف مهما بدت مستحيلة. وقد نشرت الرواية بعنوان; بدلة الغوص والفراشة، التي كتبت برمش العين وصبر المحررة الموظفة.

وهنا حين يشعر المثقف أنه يفقد وسائل إنتاجه أو تتاكل قوتها وتتقلص مفاعيلها، بحكم الزمن وقوانينه، لا يحزن ويتأذى ويتألم عليها وحسب وانما تتراكم عنده الأزمات وتشتد لديه المعاناة، ويكابد اللحظات ولا تنفعه  الاهات أو تشفع له الادمع. تلك محنة العيون وصعوبات القراءة والكتابة في زمن مربك وأوقات مرتبكة.. والله في عون المثقف العربي في بلداننا الممتحنة باكثر من هذه المحن . !.

 

كاظم الموسوي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5243 المصادف: 2021-01-12 03:01:07